welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه

1
   
    المبسوط في أُصول الفقه/ ج 1
1

2
4
سبحانى تبريزى، جعفر 1308 ـ
      المبسوط في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني . ] ويراست 2 [. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1389 .
      4 ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 513 - 7(VOL.1)
ISBN 978 - 964 - 357 - 313 - 3(6VOL.SET)
      فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
چاپ دوم; 1391 .
      1 . أُصول فقه شيعه ـ ـ قرن 15. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
2م 2س/ 8/159 BP    312 / 297
1391
اسم الكتاب:   … المبسوط في أُصول الفقه
الجزء:    …الأوّل
المؤلف:   … الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   … الثانية (مصححة ومنقحة)
تاريخ الطبع:   … 1391 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2012 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   …604 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:772   تسلسل الطبعة الأُولى:397
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

3
الفقيه
جعفر السبحاني
الطبعة الثانية (مصححة ومنقحة)

4

5

6

7
الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصالحات، حمداً لا ينقطع عدده ولا يُفنى مدده. والصلاة والسلام على أشرف بريته وأفضل خليقته محمد، وآله عيبة علمه وحفظة سنّته وخلفائه بعد رحلته، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج .
أمّا بعد، فقد ألّفنا في سالف الزمان في علم الأُصول كتابين هما: «الموجز» للمبتدئين في هذا العلم، و «الوسيط» للمتوسطين فيه .
فمسّت الحاجة إلى تأليف كتاب ثالث «مبسوط» على مستوى المتقدمين في دراسة علم الأُصول . وهذا هو الّذي نقدمه في هذه الصحائف بعون من الله تعالى وتوفيقه.
وقد قمنا بتأليف هذه الدورات الثلاث لغاية تسهيل الأمر على الطالب في الحوزة العلمية لصيانة وقته عن الاشتغال بغير اللازم في مجال الاستنباط والاجتهاد، فإنّ قسماً من المباحث المطروحة في الكتب الأُصولية للمتأخّرين ليس لها دور مهم في استخراج الأحكام من أدلّتها الشرعية. نعم لها تأثير في شحذ الأذهان وتوقّدها.
وها نحن نسير في هذا الكتاب على ضوء كتاب «الكفاية» ـ مع الاعتراف بأنّ بعض ما ورد في المقدّمة من قبيل لزوم ما لا يلزم .

8
وممّا يجدر ذكره هو أنّي قد استعنت في توضيح بعض مسائل هذا الكتاب بما حرّره العلمان الفاضلان: السيد محمود الجلالي المازندراني (1)، والشيخ محمد حسين الحاج العاملي (2) اللّذان قاما بتقرير محاضراتنا في أُصول الفقه الّتي ألقيناها على طلاب البحث الخارج في الحوزة العلمية في قم المقدسة عبر السنوات الماضية .
ويشتمل كتابنا هذا على مقدّمة تحتوي على ثلاثة عشر أمراً، ومقاصد ثمانية، وخاتمة حول الاجتهاد والتقليد.

1 . انبرى السيد الجلالي دامت توفيقاته لتقرير دروس دورتنا الأُصولية الثالثة وتم طبعها في أربعة أجزاء بعنوان المحصول في علم الأُصول، عام 1414 هـ .
2 . قام الشيخ العاملي حفظه الله بتقرير دروس دورتنا الأُصولية الرابعة، وطبعت في أربعة أجزاء أيضاً بعنوان إرشاد العقول إلى علم الأُصول، عام 1426 هـ .

9
المقدّمة،
وفيها أُمور:
1 . حول موضوع العلوم، وفيه جهات سبع من البحث.
2 . في الوضع، وفيه مواضع تسع من البحث.
3 . في الحقيقة والمجاز والرأي الحاسم في الأخير.
4 . استعمال اللفظ في اللفظ والبحث فيه في مقامات .
5 . في وضع الألفاظ لمعانيها الواقعية.
6 . في وضع المركّبات والهيئات.
7 . في علائم الوضع أو تمييز الحقيقة عن المجاز.
8 . في تعارض الأحوال وصورها.
9 . الحقيقة الشرعية.
10 . الصحيح والأعمّ في العبادات والمعاملات.
11 . الاشتراك اللفظي وإمكانه ووقوعه.
12 . استعمال المشترك في أكثر من معنى.
13 . المشتق وفيه أُمور.
      مسائل ست في المشتق .

10

11
الأمر الأوّل:

حول موضوع العلوم

وفيه جهات: (1)
الجهة الأُولى

في تعريف موضوع كلّ علم

عرّفوا موضوع العلوم بقولهم: موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية .(2)
وبما أنّ التعريف قد اشتمل على كلمتي «العوارض» و «الذاتية» فتوضيحه يتوقّف على دراسة الأمرين التاليين :
1. مصطلح العرض في المنطق والفلسفة.
2. مصطلح الذاتي بين القدماء والمتأخّرين.

1 . ذكر المحقّق الخراساني في مقدّمة كتابه ثلاثة عشر أمراً جعلها كالمقدّمة له، والأمر الأوّل منها يشتمل على أُمور سبعة ترجع أربعة منها إلى مطلق العلوم، والثلاثة الباقية إلى خصوص علم الأُصول. أمّا ما يرجع إلى مطلق العلوم فهو: 1. تعريف موضوع العلم على وجه الإطلاق. 2. ما هي النسبة بين موضوع العلم وموضوع مسائله؟ 3. لزوم وجود الموضوع للعلم. 4. وجه تمايز العلوم.
وأمّا الثلاثة الباقية الّتي ترجع إلى علم الأُصول فهي : 1. ما هو موضوع علم الأُصول؟
2. تعريف علم الأُصول. 3. ما هو الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد والمسائل الفقهية؟
والمراد من قولنا: «وفيها جهات» في المتن، هو هذه الأُمور السبعة، فلاحظ.
2 . شرح الشمسية: 23. والأولى أن يقال: عن أعراضه الذاتية فإنّ العوارض: جمع العارضة لا العرض.

12
أمّا الأوّل: فالعرض في الفلسفة يقابل الجوهر، فكلّ ماهية إذا وجدت في الخارج لا في موضوع، فهي جوهر، وإذا وجدت فيه في موضوع فهي عرض، وللجوهر أقسام خمسة، هي: العقل، والنفس، والجسم، والهيولى، والصورة.
وللعرض أقسام تسعة، هي: الكيف، و «الكم»، و «متى»، و «الأين»، و «الوضع»، و «الجدة»، و «الإضافة»، و «أن يفعل»، و «أن ينفعل».
والعرض في مصطلح المنطقيّين أعمّ، فيطلق على ما يقابل الجوهر، وعلى كلّ شيء خارج عن حقيقة الشيء لكن محمول عليه، فيشمل بعض الجواهر، كالناطق بالنسبة إلى الحيوان فهو خارج عن حقيقة الحيوان ولكن محمول وعارض عليه .
وأمّا الثاني: أي الذاتي فهنا اصطلاحان نشير إليهما:

1. الذاتي في باب الايساغوجي

والمراد من الذاتي في باب الايساغوجي أُمور ثلاثة:
أ. الجنس، وهو المقول على الكثرة المختلفة الحقائق.
ب. النوع، وهو المقول على الكثرة المتّفقة الحقيقة.
ج. الفصل، وهو المقول على الشيء في مقام التمييز عن المشاركات في الجنس القريب.
وما ليس كذلك فهو عرض، أمّا عام إذا لم يختصّ بنوع كالمشي، أو خاصّ إذا اختصّ بنوع واحد كالتعجّب.

13

2. الذاتي في باب البرهان

يطلق الذاتي ويراد به ذاتيّ باب البرهان، وربّما يطلق عليه ذاتي باب الحمل، ويقابله العرض الغريب، وفيه اصطلاحان: أحدهما للقدماء، والآخر للمتأخرين. وإليك بيانهما:
أ: العرض الذاتي في مصطلح القدماء
عرّفه الشيخ الرئيس بقوله: ما يكون موضوع القضية مأخوذاً في حدّ محمولها; بمعنى إذا أردنا أن نعرّف المحمول يقع الموضوع في حدّه. وإليك بعض الأمثلة:
1. إذا أردنا أن نعرّف الأفطس في قولنا: «أنفه أفطس»، نقول: الأفطس هو الّذي تطامنت وانخفضت قصبة أنفه، فموضوع القضية وقع في تعريفه.
2. إذا قلنا: العدد إمّا زوج أو فرد، وأردنا أن نعرف الزوج أو الفرد، يقع العدد في حدّه، فيقال: الزوج هو العدد الّذي ينقسم إلى قسمين متساويين، والفرد هوالعدد الّذي لا ينقسم إلى قسمين متساويين.
3. إذا قلنا: الموجود إمّا واجب أو ممكن، وأردنا تعريف كلّ من الواجب والممكن، يقع الموجود في حده ويقال: الواجب: هو الموجود بالضرورة الأزلية، والممكن: هو الموجود بلا ضرورة.
4. إذا قلنا: الممكن إمّا جوهر أو عرض، وأردنا تعريف كلاًّ من المحمولين يقع الممكن في تعريفهما ويقال: الجوهر هو الممكن الموجود لا في موضوع، والعرض هو الممكن الموجود في موضوع. وهكذا سائر الأقسام.

14
فالمعيار هو أخذ الموضوع في حدّ المحمول.
وربّما لا يكون الموضوع مأخوذاً في حدّ المحمول، بل يكون بعض ما يقوّم الموضوع مأخوذاً في حدّ المحمول، وهذا أيضاً عرض ذاتي. وقد مثّل الشيخ لهذا القسم بأمثلة من العلوم الحقيقية، ونحن نأتي ببعض الأمثلة الواضحة من العلوم الاعتبارية، فنقول:
يكفي في كون المحمول عرضاً ذاتياً أن يكون الموضوع أو أحد مقوّماته واقعاً في حدّ المحمول، فتعمّ الأقسام التالية:
1. ان يكون الموضوع واقعاً فى حد المحمول.
2. أن يؤخذ موضوع المعروض في حدّ العارض، كما في قولنا: «الفاعل مرفوع» فإنّ الموضوع غير مأخوذ في تعريف المحمول لكن معروض الموضوع ـ أعني: «الكلمة» ـ مأخوذ في حدّ المحمول، فيقال: المرفوع هو الكلمة الّتي في آخرها علامة كذا.
3. أن يؤخذ جنس المعروض في حدّ العارض، وهذا كقولنا: «الفعل الماضي مبنيّ» فإنّ الفعل الماضي غير مأخوذ في حدّ «المبني» لكن جنس المعروض ـ أعني: الكلمة ـ مأخوذ في حدّ المبنيّ، فالمبنيّ هو: الكلمة الّتي لا يتغيّر آخرها بتغيّر العوامل .
4. أن يؤخذ موضوع جنس المعروض في حدّ العارض، كقولنا: «المفعول المطلق منصوب» فإنّ «المفعول المطلق» ولا «جنسه» أي المفعول بما هو هو غير مأخوذين في تعريف المنصوب، لكن معروض الجنس ـ أعني: الكلمة ـ مأخوذ في حدّ المنصوب. فالمنصوب هو الكلمة الّتي في

15
آخرها علامة كذا.
فتلخّص من ذلك: أنّ العرض الذاتي في مصطلح المنطقيّين من القدماء عبارة عن: قضية يكون الموضوع أو ما يقوّمه مأخوذاً في حدّ المحمول.
وقد أشار الشيخ الرئيس إلى الأقسام الأربعة بقوله:
«إنّ من المحمولات ما لا يكون مأخوذاً في حدّ الموضوع، ولا الموضوع أو ما يقوّمه مأخوذاً في حدّه، فليس بذاتي، بل هو عرض مطلق غير داخل في صناعة البرهان مثل البياض للققنس».(1)
واشار بقوله: «ولا الموضوع» الى ما يكون الموضوع مأخوذاً في حد المحمول.
كما اشار بقوله: «أو ما يقومه» الى أخذ ما يقوّم الموضوع في حدّ المحمول.
كما أشار بقوله: «إنّ من المحمولات ما لا يكون مأخوذاً في حدّ الموضوع» إلى قسم خامس، وهو أن يكون المحمول مأخوذاً في حدّ الموضوع، كما إذا قيل: الواجب موجود، فالمحمول هنا مأخوذ في حدّ الواجب.
هذا هو العرض الذاتي عند القدماء، وإليك ما هو المصطلح عند المتأخّرين.

1 . الفن الخامس من منطق الشفاء: 127 .

16
ب. العرض الذاتي عند المتأخّرين
ذهب المحقّق السبزواري بأنّ المعيار في كون العرض ذاتياً أو غريباً هو: «أن يكون العرض من قبيل الوصف بحال الشيء في مقابل الوصف بحال متعلّق الشيء»، وبعبارة أُخرى: العرض الذاتي عبارة عمّا يعرض الشيء بلا واسطة في العروض، ويقابله العرض الغريب وهو ما يعرض الشيء بواسطة، على نحو لولا الواسطة لما صحّ حمله على الموضوع، فلاحظ المثالين التاليين:
تارة نقول: الماء جار، وأُخرى نقول الميزاب جار، فالأوّل وصف الشيء بحال نفسه، فيسمّى بالعرض الذاتي، والآخر وصف الشيء بحال متعلّقه، فيسمّى بالعرض الغريب، فالجريان وصف للماء حقيقة ووصف للميزاب مجازاً لعلاقة الحالّ والمحلّ على وجه لولاها لما صحّ وصف الميزاب به، وعلى ضوء ذلك فمقوّم العرض الذاتي هو كون العرض وصفاً واقعياً لا وصفاً مجازياً من غير فرق بين عروضه على المعروض بلا واسطة كعروض التعجّب على الإنسان، أو بواسطة أمر مباين كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار، أو بواسطة أعم كعروض المشي على الإنسان بواسطة كونه حيواناً، أو بواسطة أمر أخصّ كعروض التعجّب للحيوان بواسطة كونه إنساناً، فوجود الواسطة وعدمها لا يؤثر، وإنّما الملاك كون الوصف حقيقياً أو مجازياً.(1)
وقد تبعه المحقّق الخراساني وغيره في تفسير العرض الذاتي.

1 . الأسفار: 1 / 32، قسم التعليقة، بتوضيح منّا.

17

القضاء بين الرأيين

الحقّ هو التفصيل بين العلوم الحقيقية والعلوم الاعتبارية، فإذا كانت القضية جزءاً من العلوم الكونية الّتي لا يدور صدقها ولا كذبها مدار اعتبار معتبر، يجب أن يكون المحمول عرضاً ذاتياً بالمعنى المعروف عند القدماء، ولا يكفي المعنى المعروف بين المتأخرين إذ يعتبر في قضايا العلوم الحقيقية كون القضية واجدة لأمرين:
1. أن تكون كلية لا جزئية.
2. صادقة في جميع الأزمنة.
وتحصيل اليقين بقضية من القضايا الكونية بهذين الوصفين، فرع وجود التلازم بين الموضوع والمحمول تكويناً وحقيقة، ولا يحصل مثل ذلك إلاّ إذا كان الموضوع مأخوذاً في حد المحمول، أو أن يكون المحمول مأخوذاً في حدّ الموضوع، على ما أشار إليه الشيخ في آخر كلامه، حتّى يحصل اليقين بثبوت النسبة لجميع أفراد الموضوع في عامة الحالات.
والحاصل: انّ محطّ هذا الاصطلاح هو المسائل المطروحة في الفنّ الأعلى وفي قسم الطبيعيات والتعليمات كالرياضيات الّتي تطلب لنفسها اليقين بثبوت المحمول للموضوع، على وجه يمتنع التفكيك بينهما في عامّة الحالات والأزمان، وهذا النوع من اليقين لا يتحقّق إلاّ إذا كانت هناك ملازمة واقعية بين الموضوع والمحمول بحيث يكون وضع الموضوع كافياً في وضع المحمول أو بالعكس، وهذا يقتضي أن يكون المحمول عارضاً

18
للموضوع بلا واسطة، أو بواسطة أمر مساو (1) يكفي في وضعها أيضاً وضع الموضوع.
وإن شئت قلت: العرض الذاتي عبارة عمّا يكون الموضوع وحده ـ بلا حاجة إلى حيثية تعليلية ـ كافياً في ثبوت المحمول، ويكون الموضوع بنفسه منشأ له بلا حاجة إلى اعتبار معتبر، وهذا كقولنا: الجسم إمّا متحرك أو ساكن، فالموضوع بنفسه غير منفك عن أحد المحمولين، أو قول القائل: مجموع زوايا المثلث قائمتان، فالمثلث بما هو هو من دون حاجة إلى أمر خارجي يلازم كون مجموع زواياه مساوياً لزاويتين قائمتين. وهكذا المسائل المطروحة في الإلهيات بالمعنى الأعم أو الطبيعيات أو الرياضيات كلّها من هذا القبيل، أي أنّ الموضوع منشأ لعروض المحمول عروضاً غير منفك، وذلك لأنّ الموضوع علّة المحمول.
وأمّا العلوم الاعتبارية، الّتي قوامها بيد المعتبر، والملازمة بين موضوع المسألة ومحمولها تابعة لاعتبار المعتبر، دون أن تكون هناك ملازمة واقعية بينهما، فيكفي في عدّ المسألة جزء من العلم وقوعها في طريق تأمين الغرض الّذي دعا المؤسّس إلى تأسيسه وتدوينه. وعلى هذا، فالعلوم العربية والفقه والأُصول، كلّها علوم اعتبارية لا يعتبر فيها كون البحث عرضاً ذاتياً لموضوع المسألة أو لموضوع العلم، بل استعمال العرض الذاتي، والغريب فيها ـ بكلا المعنيين ـ أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
وحصيلة الكلام: انّه لا مناص في العلوم الحقيقية من تفسير العرض

1 . سيأتي الكلام فيه، فانتظر.

19
الذاتي بما عليه القدماء فقط ولا يكفي التفسير المعروف عند المتأخرين واما العلوم الاعتبارية فهي في غنى عن كلا الاصطلاحين.
وقد ابتلي علم الأُصول ونظائره الّتي تُعد علوماً اعتبارية ببحوث هي من خصائص العلوم الحقيقية، فيلزم على الباحث التفكيك بين الأمرين.
وهذا البيان الموجز هو المناسب في المقام، وأمّا التفصيل فليطلب من محلّه خصوصاً; شرح المنظومة قسم المنطق، مبحث مشاركة الحد والبرهان في الحدود (1)، ونهاية الحكمة للسيد العلاّمة الطباطبائي (2)، وتعاليقه على الأسفار.(3)
الجهة الثانية

في بيان نسبة موضوع العلم إلى موضوع مسائله

لمّا عُرّف العرض الذاتي بما يعرض الشيء بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو، توجّه في المقام إشكال، وهو: أنّ محمولات المسائل (التي هي من عوارض موضوع العلم) تعرض عليه بواسطة أخصّ وهي موضوعات المسائل، لا بواسطة أمر مساو، مثلاً :
1. كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود، فالتركيب يعرض الموجود الّذي هو الموضوع في الفن الأعلى بواسطة، «الممكن» الّذي هو موضوع المسألة وهو أخصّ من موضوع العلم.

1. شرح المنظومة:35 ـ 38.      2. نهاية الحكمة:5 ـ 6.   3. الأسفار:1/31، قسم التعليقة .

20
2. زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فالتساوي الّذي هوالمحمول يعرض موضوع العلم، أعني: الكم المتّصل بواسطة «المثلث» الّذي هو أخصّ منه، وهكذا.
هذا هو الإشكال:
وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني قائلاً: إن نسبة موضوعات العلوم إلى موضوعات مسائلها، نسبة الطبيعي إلى أفراده، والكلّي إلى مصاديقه، فهما متغايران مفهوماً ومتّحدان مصداقاً.(1)
ويرد عليه أوّلاً: أنّ الالتزام بكون الواسطة أمراً مساوياً للموضوع، ثم طرح الإشكال بأنّ موضوعات المسائل أخصّ من موضوعات العلوم، التزام بأمر غير لازم على منهجه، لأنّه فسّر العرض الذاتي بما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض فقط، سواء أكان بلا واسطة أو بواسطة أعمّ أو أخصّ، وعلى ضوء ما ذكره فالإشكال غير وارد على منهجه حتّى يحتاج إلى الجواب.
وثانياً: ان ما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ نسبة موضوع العلم إلى موضوع المسألة، نسبة الطبيعي إلى أفراده، لا يرفع الإشكال، لأنّه إنّما يصحّ إذا لم تكن للخصوصية الموجودة في موضوع المسألة مدخلية في عروض المحمول على موضوع العلم. والمفروض خلافه، لأنّ للإمكان مدخلية في عروض التركيب من ماهية ووجود، على الموجود بما هو هو، وهكذا سائر الأمثلة، وعندئذ تنتقض القاعدة في تعريف العرض الذاتي، فتدبّر.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 7 .

21
وقد أورد السيد الأُستاذ على ما ذكره المحقّق الخراساني بأنّ الضابطة منتقضة في علمي الهيئة والجغرافيا فإنّ النسبة بين الموضوعين، نسبة الكل إلى الجزء، فإنّ قضاياها قضايا جزئية كالبحث عن القمر والبلد الخاص، وأنّ نسبتهما إلى موضوع العلم نسبة الجزء إلى الكل.(1)
ويمكن الذب عن الإشكال بأنّه ليس الموضوع في العلمين ذوات الكواكب أو البلدان حتّى يكون البحث عن حال كوكب أو بلد خاص بحثاً عن جزء الموضوع، بل الموضوع أوضاع الكواكب وهو أمر كلّي، والبحث عن أوضاع كوكب خاص يكون جزئياً من ذلك الكلّي ومثله علم الجغرافيا، إذ ليس الموضوع ذوات البلدان، بل هي بما لها من الخصوصات من عرضها وطولها وعدد مدنها، وبراريها وبحارها وأنهارها وما لها من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

دراسة الاشكال على نهج القدماء

ثم الإشكال أو السؤال ـ كما عرفت ـ متوجّه إلى منهج القدماء، حيث خصّوا العرض الذاتي بالعارض بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو مع ان موضوعات السائل اخص من موضوع العلم وقد أُجيب عنه بوجهين متقاربين هما:
أحدهما: أنّ العرض الذاتي عبارة عمّا يكون الموضوع مأخوذاً في حدّ العرض، كما في قولنا: «الموجود إمّا واجب أو ممكن»، فالموجود مأخوذ في

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 13 .

22
حدّ الواجب كما هو مأخوذ في حدّ الممكن، وهكذا إذا أخذنا الواجب أو الممكن موضوعاً لمحمول، كقولنا:
الواجب بسيط.
والممكن مركب.
فقد أخذنا الموجود في حد البسيط والمركب، لأنّ البسيط من جميع الجهات هو الموجود الواجب، كما أنّ المركّب من ماهية ووجود هو الموجود المركّب، ومهما تنزّلنا وبحثنا عن محمول المحمول فلم يزل موضوع العلم سارياً في حدّ المحمولات.
وبذلك يتبيّن معنى التساوي، وهو: تساوي المحمول مع الموجود المتخصّص بالخصوصية، كتساوي البسيط مع الموجود الواجب لا مطلق الوجود، وتساوي المركب من ماهية ووجود مع الموجود المركب لا مطلق الوجود.
يلاحظ عليه: بأنّ موضوع العلم غير موضوع المسألة، فالأوّل يتمتّع بالسعة والشمول بخلاف الثاني، فهو أمر مضيّق ومحدّد بقيود أعطته الصلاحية لئن يقع موضوعاً للمسألة، هذا من جانب.
ومن جانب آخر: أنّ ظاهر قولهم في تعريف الذاتي: «ما يعرض الموضوع بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو» أي مساو لموضوع العلم، والمفروض خلافه، لأنّ موضوع المسألة ليس مساوياً له .
ثانيهما: أنّ المحمول عبارة عن الجملة المردّدة بين محمولين أو القضية المنفصلة كما في قولنا: الموجود إمّا واجب أو ممكن، فالمجموع

23
مساو للموضوع وإن لم يكن كلّ منهما، مساوياً له.
وهكذا إذا تنزّلنا وقلنا: الممكن إمّا جوهر أو عرض، فمجموع المحمولات الأربعة مساوية للموجود، وهكذا إذا تنزلنا وقلنا: والجوهر إمّا عقل أو نفس أو جسم أو صورة أو هيولى، فمجموع المحمولات التسعة مساوية لموضوع العلم.
 
الجهة الثالثة

في لزوم وجود الموضوع لكلّ علم

هل يجب أن يكون لكلّ علم موضوع خاص حتّى يُبحث عن عوارضه الذاتية أو لا؟ فيه ثلاثة أقوال:
1. لزوم وجود الموضوع، وهو الظاهر من العلماء من تعريفهم موضوع العلم.
2. عدم لزوم وجود الموضوع.
3. القول بالتفصيل بين العلوم الحقيقية والاعتبارية .
ولكلّ قائل ودليل نشير إليهما تالياً .

دليل القول الأوّل:

الظاهر من المحقّق الخراساني هو القول الأوّل. (1) واستدلّ عليه

1 . كفاية الأُصول: 1 / 2.

24
بقاعدة: «الواحد لا يصدر إلاّ من واحد» ببيان أنّ (الغرض) الواحد المترتّب على مجموع المسائل يتوقّف على وجود جامع بينها، وإلاّ فلو صدر الغرض الواحد من المسائل المتنوعة بلا جهة جامعة بين مسائله فيلزم صدور الواحد عن الكثير، وهو محال.
والقاعدة مبنية على لزوم وجود الصلة بين العلّة والمعلول، وإلاّ فلو صدر شيء من شيء من دون رابطة بينهما يلزم أن يصدر كلّ شيء من كلّ شيء، وهو أمر باطل، ولذلك نرى أنَّ العطشان لا يرويه إلاّ الماء دون الأكل على خلاف الجائع، هذا من جانب ; ومن جانب آخر أنّه لو صدر شيء واحد من غير واحد يلزم أن يتحقّق في الواحد جهتان: إحداهما تصحّح صدوره من تلك العلّة، والأُخرى تصحّح صدوره من العلّة الأُخرى. وعند ذلك يشتمل الواحد على حيثيتين مختلفتين فيكون ما فرضناه، واحداً كثيراً، وهو خلف.
أقول: إنّ الاستدلال بالقاعدة على المقام غير صحيح، لأنّ القاعدة على فرض صحّتها جارية في البسيط من جميع الجهات، كالعقل الأوّل بناءً على أنّه إنّيّ الوجود وليس له ماهيّة، ففي مثله لا يصحّ صدوره عن كثير لما مرّ من حديث الخلف، وأمّا الواحد النوعي الّذي يتكثّر بتكثّر المسائل فهو خارج عن حريم القاعدة، وهذا كالغرض المترتّب على علم واحد فهو واحد نوعي ولكنّه في الحقيقة أغراض متعدّدة تنسلك تحت غرض واحد من غير فرق بين العلوم الحقيقة أو الاعتبارية، مثلاً أنّ الغرض المترتّب على النواسخ غير الغرض المترتّب على بابي الحال والتمييز.

25
فالاستدلال على وجود الموضوع بواسطة هذا البرهان غير تام، نعم سيوافيك في ذيل القول الثالث لزوم وجود الموضوع في العلوم الحقيقية ببرهان آخر.

دليل القول الثاني:

وهذا القول هو خيرة المحقّق الاصفهاني قال: إنّ العلم عبارة عن مركّب اعتباري من قضايا متعددة يجمعها غرض واحد. (1)
واختاره السيد الأُستاذ (رحمه الله) قائلاً: بأنّ التتبّع في العلوم ناهض على خلاف ما التزموه ; إذ العلوم لم تكن إلاّ قضايا قليلة قد تكاملت بمرور الزمان، فلم يكن الموضوع عند المؤسّس المدوّن مشخصّاً حتّى يجعل البحث عن أحواله. (2)
يلاحظ عليه: بأنّ ما استدلّ به ناظر إلى مقام الإثبات، وهذا لا يدلّ على عدم الموضوع في عالم الثبوت، فعدم تشخّص الموضوع عند المؤسّسين لا يدلّ على عدمه في الواقع، أضف إلى ذلك أنّ عدم ظهور الموضوع عند المؤسّسين غير واضح حتّى فيما مثلّه بعلم الجغرافيا وعلم الهيئة.

دليل القول الثالث:

استدلّ القائل (3) بالتفصيل بين العلوم الاعتبارية والحقيقية، بأنّ

1 . نهاية الدراية: 1 / 7 .
2 . تهذيب الأُصول: 1 / 15 .
3 . السيد الطباطبائي (رحمه الله) في تعليقته على كفاية الأُصول: 10 ـ 12 .

26
المحمول في العلوم عرض ذاتي لموضوع العلم فالموضوع من علل وجوده ـ كما أوضحناه ـ فكيف يمكن أن يكون هناك عرض بلا موضوع، وقد مرّ أنّ الموضوع مأخوذ في المحمول وفي محمول محموله إلى أن ينتهي الأمر إلى المحمول الآخر. وبالجملة بين الموضوع والمحمول ملازمة واقعية تكوينية، من غير فرق بين ما يعرضه بلا واسطة أو بواسطة موضوعات المسائل، فالموضوع واقع في عداد العلل، فكيف يُتصوّر وجود المعلول بلا وجود علّته؟!
نعم ما ذكرنا من البرهان يجري في الأعراض الحقيقية التي يكون بين الموضوع والعرض تلازم تكويني، سواء كان هناك معتبر أو لا فهي بحاجة إلى وجود الموضوع .
وأمّا العلوم الاعتبارية فمحمولات المسائل لا تنفك عن وجود الموضوع في عالم الاعتبار، وإلاّ لما انعقدت القضية. وأمّا لزوم وجود الموضوع للعلم، والجهة الجامعة لموضوعات المسائل، فلا دليل عليه، وإن كان الغالب وجودها كما في العلوم الأدبية.
فالرأي الحاسم في حاجة العلوم إلى الموضوع وعدمه، هو التفريق بين العلوم الحقيقية والعلوم الاعتبارية. فالأُولى لا تنفك عن وجود موضوع يبحث عن عوارضه حسب البرهان الماضي ذكره. والثانية غنية عن وجود الموضوع، بل يكفي اشتراك القضايا في ترتّب غرض خاص عليها.

27
 
الجهة الرابعة

في تمايز العلوم

اختلفت كلماتهم في تعيين المميز بين العلوم، إلى أقوال أربعة هي:
1. تمايز العلوم بتمايز الأغراض.
2. تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات.
3. تمايز العلوم بالجهة الجامعة بين مسائلها المنتزعة عن المحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها.
4. تمايز العلوم بذاتها وجوهرها.
ولنأخذ بدراسة كلّ واحد من هذه الأقوال.

دليل القول الأوّل

ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض، وقال: إنّ تمايز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا بالموضوعات ولا بالمحمولات، وإلاّ كان كلّ باب، بل كلّ مسألة من كلّ علم، علماً على حدة، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً

28
للتعدّد، كما لا تكون وحدتهما سبباً لئن يكون من الواحد (1) (إذا كان الغرض متعدداً).
يلاحظ عليه:
1. أنّه إذا كان بين العلمين تمايز في مرتبة الذات كتمايز علم النفس وعلم النبات فلا تصل حينئذ النوبة إلى التمييز بالغرض الّذي هو أمر متأخّر عن جوهر المسألة الّذي يشكّلها موضوعُها ومحمُولُها.
2. أنّ ما ذكره إنّما يتمّ ـ ظاهراً لا واقعاً ـ فيما لو اتّحد العلمان موضوعاً كالصرف والنحو، فإنّ الموضوع واحد والغرض متعدّد، حيث إنّ الغرض من الصرف معرفة الصحيح والمعتل، والغرض من النحو معرفة المعرب والمبني .
ومع ذلك كلّه يمكن أن يكون التمايز حتّى في هذا القسم بأمر متقدّم على الغرض، وهو اختلاف مسائل العلمين جوهراً، فالعلمان متميّزان في مرتبة متقدّمة على الغرض، ولذلك يترتّب على كلّ غرض غير ما يترتّب على الآخر.
3. أنّ الغرض إمّا غرض التدوين، أو غرض التعليم، وكلاهما متأخّران عن العلم، ولا معنى لتمييز الشيء المتقدّم بأثره المتأخّر.
وإن شئت قلت: إنّ التمييز في مقام الذات دعا المدّون إلى تدوين علمين كالنحو والصرف، أو دعا المعلم إلى تعليم علمين.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 5 .

29
 
دليل القول الثاني
ذهب المشهور إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات .
أمّا الأوّل: وذلك كالعلوم المتباينة موضوعاً كالحساب والهندسة، فإنّ موضوع الأوّل هو الكم المنفصل، وموضوع الثاني هو الكم المتّصل.
والأوّل يبحث عن أحكام الأعداد، والثاني يبحث عن أحكام السطوح والخطوط.
وأمّا الثاني: ففيما إذا اتّحدت الموضوعات كالكلمة بالنسبة إلى الصرف والنحو، والبدن الإنساني بالنسبة إلى التشريح والطب ووظائف الأعضاء، فتعدّد العلوم باعتبار اختلاف حيثية البحث فيجب في علم الصرف البحث في الكلمة من حيث الصحّة والاعتلال، كما يبحث في علم النحو عنها باعتبار الإعراب والبناء. ومثلهما البحث في البدن الإنساني لأجل معرفة الصحّة والمرض، أو لأجل معرفة نفس الأعضاء أو وظائفها.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكروه صحيح في القسم الأوّل، أي فيما إذا كان بين العلوم تباين في الموضوعات. وأمّا العلوم الاعتبارية فتباينها ليس بالموضوع ـ لافتراض وحدته ـ ولا بالحيثيات، لأنّ الحيثية منتزعة من محمولات العلوم والجهة الجامعة بين مسائلها، فنسبة الميْز إلى المحمولات في أمثال هذه الموارد أولى من نسبته إلى الحيثيات.
وآفة هذا القول هو ادّعاء الكلّية فقد عرفت أنّه قد يصحّ في مورد

30
واحد، وهو فيما إذا كان بين العلمين تمايز في مقام الموضوع، دونما إذا لم يكن بينهما تمايز في ذلك المقام، فعندئذ القول بالتمايز، لأجل الجهة الجامعة بين المسائل، متعيّن.

دليل القول الثالث

ذهب سيدنا المحقّق البروجردي بأنّ تمايز العلوم بتمايز محمولاتها أو الجهة الجامعة بين محمولاتها المنتسبة إلى موضوعاتها، وإليك توضيحه:
إنّ لمسائل كلّ علم، جهة وخصوصية لا توجد في مسائل سائر العلوم، وتكون هذه الجهة هي الجهة الجامعة بين تلك المسائل وبسببها يحصل الميز بين مسائل هذا العلم ومسائل سائر العلوم، مثلاً: الجهة الجامعة لمسائل علم النحو هي البحث عن كيفية آخر الكلمة من المرفوعية والمنصوبية والمجرورية، فهي خصوصية ذاتية ثابتة في جميع مسائله، وبهذه الجهة تمتاز هذه المسائل عن مسائل سائر العلوم.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكر إنّما يتمّ في العلوم الّتي تتّحد موضوعاتها، كما في علمي النحو والصرف أو العلوم الثلاثة كالطب والتشريح ووظائف الأعضاء، فإنّ المائز بين مسائل العلمين أو مسائل العلوم الثلاثة هو الجهة الجامعة بين مسائلها.
وأما العلوم المتباينة موضوعاً فأوّل ما يتوجّه إليه ذهن الإنسان فيها هو الموضوع ثم المحمول ثم الجهة الجامعة بين مسائلها، فالقول بالتمييز بالجهة الجامعة في هذا القسم تمييز بشيء متميّز قبله بأُمور مختلفة. فأين الباحث

31
عن مطلع الشمس ومغربها أو مطلع القمر ومغربه عمّن يبحث في طبقات الأرض وكيفية تكونها؟!
وآفة هذا القول مع ما سبقه هو ادّعاء الكلية، وإلاّ فكلّ يصحّ على وجه الموجبة الجزئية.

دليل القول الرابع

ذهب السيد الأُستاذ (رحمه الله) إلى أنّ تمايز العلوم بذواتها، وقال: إنّ منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتتة الّتي يناسب بعضها بعضاً، فهذه السنخية موجودة في جوهر تلك القضايا وحقيقتها، ففي مثله يكون تمايز العلوم واختلاف بعضها بذاتها، فقضايا كلّ علم مختلفة ومتميزة عن قضايا علم آخر.
وأمّا تداخل بعض مسائل العلوم في بعض فلا يضر بما ذكرناه، لأنّ المركّب بما هو مركّب متميّز بذاته عن غيره، لاختلاف أكثر أجزائه مع أجزاء المركّب الآخر وإن اتّحدا بعضاً.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه ليس نظرية جديدة في مقابل القولين الأخيرين، وذلك لأنّ تمايز قضايا كلّ علم مع العلم الآخر بجوهرها وواقعها يرجع إلى أحد الأمرين: إمّا الاختلاف في ناحية الموضوع، أو بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل ; فالأوّل كالعلم الباحث عن الأوضاع الفلكية والعلم الباحث عن النبات والمعادن، فإنّ تمايزهما بالموضوع أوّلاً ثم بالمحمولات

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 16 .

32
المنتسبة، والثاني كما في العلوم المتوحّدة موضوعاً كعلمي الصرف والنحو فإنّ الميز بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل، فالقول بتمايز العلوم بجوهرها ينحل إلى أحد القولين: إمّا التمايز بالموضوع، أو التمايز بالجهة الجامعة بين المسائل.

ما هو المختار؟

قد ظهر ممّا ذكرنا ما هو المختار في المقام وهو الميز بالموضوع تارة، وبالجهة المشتركة بين محمولات المسائل أُخرى ; فالأوّل فيما إذا كان بين الموضوعين تباين نوعي كعلمي الهندسة والحساب، والثاني فيما إذا كان الموضوع أمراً واحداً وإنّما الاختلاف في جانب المسائل، كما مرّ في علمي الصرف والنحو وعلوم الطب والتشريح ووظائف الأعضاء.
إلى هنا تم البحث في الجهات الأربع الّتي طرحها المحقّق الخراساني في الأمر الأوّل وهي برمتها راجعة إلى مطلق العلوم، وإليك البحث عن الجهات الثلاث الباقية الّتي تتعلّق بعلم الأُصول.

33
 
الجهة الخامسة

موضوع علم الأُصول

اختلفت كلماتهم في بيان موضوع علم الأُصول، وهناك آراء وأقوال هي :
1. انّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة أو نفس الأدلّة بلا تحديد بـ «الأربعة».
2. انّ موضوع علم الأُصول هي الجهة الجامعة بين موضوعات مسائل ذلك العلم، وهو خيرة المحقّق الخراساني.
3. انّ الموضوع هو الحجّة في الفقه، وهو خيرة المحقّق البروجردي، واختاره سيدنا الأُستاذ (قدس سره) في بعض دوراته الأُصولية.
4. لا حاجة لوجود موضوع لعلم الأُصول. وهو مختار سيدنا الأُستاذ (قدس سره)في الدورة الأخيرة.
وإليك دراسة الأقوال واحداً بعد الآخر.

34
 
القول الأوّل
ذهب القدماء إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو «الأدلّة الأربعة» وربّما يحذف الوصف ويقال نفس الأدلّة.
وأُورد عليه: بأنّه إذا كان الموضوع هو الأدلّة الأربعة بقيد الدليلية تخرج أكثر المباحث الأُصولية عن كونها مسألة أُصولية وتُصبح من مبادئ ذلك العلم، لوجود الفرق الواضح بين مبادئ العلم وعوارضه. فالأوّل يبحث في وجود موضوع العلم، والثاني يبحث عن عوارضه بعد تسليم وجوده، فإذا كان موضوع علم الأُصول هو الأدلّة يكون البحث عن حجيّة الخبر الواحد وكونه دليلاً أو لا، بحثاً عن وجود مصاديق هذه الأدلّة ، والبحث عن مصاديق الموضوع بحث عن المبادئ لا عن العوارض.
وأجاب عنه الشيخ بقوله: إنّ مرجع هذه المسألة إلى أنّ السنّة ـ أعني: قول الحجّة أو فعله أو تقريره ـ هل يثبت بخبر الواحد، أو لا يثبت إلاّ بما يفيد القطع من التواتر والقرينة؟ ومن هنا يتّضح دخولها في مسائل أُصول الفقه الباحث عن أحوال الأدلّة .(1)
وأُورد عليه في «الكفاية» بما هذا توضيحه:
إنّ السنّة لا يخلو إمّا أن يراد بها المحكي منها الّذي هو قول المعصوم وفعله وتقريره، أو يراد بها الحاكي الّذي هو قول الراوي كزرارة.

1 . الفرائد: 37، طبعة رحمة الله .

35
فعلى الأوّل، فالمراد من الثبوت، إمّا الثبوت الواقعي أي وجود السنّة الّذي هو مفاد كان التامّة، فهو بحث عن وجود الموضوع لا عن عوارضه.
أو الثبوت التعبّدي، أي وجوب العمل على طبق الخبر، فهو وإن كان بحثاً عن العوارض لكنّه بحث عن عوارض الحاكي لا المحكي، ومرجع البحث إلى أنّ الحاكي هل له هذا الشأن أو لا؟ ولكن المفروض أنّ المراد من السنّة هو المحكيّ.
وعلى الثاني، أي كون المراد من السنّة ما يعمّ حاكيها، فالإشكال وإن كان مرتفعاً، وذلك إذ يكون روح البحث عن وجوب العمل بالحاكي بعد فرض وجوده ، إلاّ أن البحث في غير واحد من مسائل هذا العلم لا يخصّ الأدلّة، بل يعم غيرها كالبحث عن مفاد الأمر والنهي وأنهما ظاهران في المعنى الكذائي أو لا .(1)
ويمكن الإجابة بأنّا نختار الشق الثاني فيعود البحث عن مفاد الأمر والنهي إلى البحث عن عوارض السنّة، وذلك فإنّه إذا ثبت ظهور الأمر في الوجوب في اللغة العربية من غير اختصاص بكلام المعصوم وغيره ينتقل الإنسان من هذا البحث إلى ظهور الأمر الوارد في السنّة في الوجوب أيضاً، لأنّ كلام المعصوم من مصاديق اللغة العربية، فيكون البحث الكلّي واسطة في الثبوت لعروض الظهور في الوجوب للأمر الوارد في الكتاب والسنّة، وقد مرّ في كلام المحقّق السبزواري (2) أنّ العارض مهما لم يتوسط بينه

1 . كفاية الأُصول: 1 / 6 ـ 9 .
2 . لاحظ مبحث العرض الذاتي عند المتأخرين في ص 16 من هذا الكتاب .

36
وبين المعروض واسطة في العروض فهو عرض ذاتي ; والبحث عن الضابطة الكلّية في لغة العرب من قبيل الواسطة في الثبوت.

القول الثاني

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة، وإن لم نعلم الموضوع بخصوصه.
يلاحظ عليه: بأنّه ليس شيئاً جديداً، بل هو تكرار لما سبق، وهو أنّ نسبة موضوع العلم إلى مسائله نسبة الطبيعي إلى فرده والكلّي إلى مصاديقه، والمهم بيان ما هو الطبيعي أو الكلّي في المقام .

القول الثالث

ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه، ومسائله عبارة عن التعيّنات العارضة لها والمحدّدة إيّاها .
توضيح ذلك: أنّ العرض على قسمين خارجي وتحليلي، أمّا الأوّل فكالبحث عن عوارض الجسم من حيث الحركة والسكون أو من جهة الألوان والطعوم.
والثاني كالبحث عن تعيّنات الوجود المطلق كالوجوب والإمكان أو كتعيّن الوجود الإمكاني بالعقل والنفس والهيولى والصورة والجسم المؤلف منهما، ففي جميع ذلك الموضوع أمر مسلّم عند الحكيم، وهو أنّ للوجود

37
واقعية خلافاً للسوفسطائيين غير أنّه يريد أن يتعرف على خصوصياته وتعيّناته وخصائصه وقوالبه، فيعود البحث في الفن الأعلى إلى أنّ الوجود هل يتحدّد بالوجوب تارة وبالإمكان أُخرى؟ أو هل يتحدّد الوجود الإمكاني بالعقل والنفس والصورة والهيولى والجسم؟ فالبحث لا يرجع إلى إثبات أصل الوجود، بل هو أمر مسلّم وإنّما يرجع إلى تشخّصاته وحدوده.
إذا عرفت ذلك فقس عليه علم الأُصول، فإنّ الفقيه يعرف بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)التحق بالرفيق الأعلى وترك بين الأُمّة حججاً شرعية يحتجّ بها سبحانه على عباده يوم القيامة، غير أنّه لا يعرف خصوصياتها وتعيّناتها فيقول: هل الحجّة المسلّمة الوجود، تتعيّن بخبر الواحد، أو بظاهر الكتاب، أو بالشهرة الفتوائية، أو لا؟
فالبحث عن التعيّنات بحث عن العوارض التحليلية لموضوع علم الأُصول.
فإن قلت: فعلى هذا يجب أن تقع الحجّة موضوعاً وخبر
الواحد محمولاً بأن يقال: هل الحجّة خبر الواحد أو لا؟ لأنّ المفروض أنّ الحجّة هي الموضوع والتعيّن بخبر الواحد هو المحمول مع أنّ الدارج هو العكس؟
قلت: ما ذكرته حق، ولكن لأجل تسهيل الأمر على المبتدئين عكسوا القضية وقالوا: خبر الواحد حجّة، نظير ذلك مسائل الفن الأعلى فإنّ الموضوع فيه هو الموجود والتعيّن بالوجوب والإمكان أو بالجوهر والعرض من محمولاته، فلازم ذلك أن يقال: «الموجود عقل أو نفس» مع أنّ الدارج

38
هو: العقل موجود، والنفس موجودة، كلّ ذلك لأجل تسهيل الأمر على المبتدأ .(1)
فإن قلت: هناك مسائل يبحث فيها عن وجود الحجّة لا عن تعيّنها، كالبحث عن ظهور الأمر والنهي في الوجوب والتحريم والفور والتراخي والوحدة والكثرة، ممّا يطلب فيها أصل الظهور لا تعيّنات الحجّة وتطوّراتها.
قلت: يمكن إرجاع البحث فيها إلى التعيّنات، وذلك لما مرّ من أنّ البحث في هذه المسائل مركَّز على استنباط الضابطة الكلّية في لغة العرب حتّى يكون سبباً لكون الأمر حجّة على الوجوب، والنهي على التحريم أو حجّة على الفور والتراخي في السنّة النبوية.
فإن قلت: كيف يكون البحث في باب الملازمات العقلية، بحثاً عن الأعراض فإنّ البحث مركّز على وجود الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته أو حرمة ضده، لا عن تعيّنات الحجّة ؟
قلت: الظاهر أنّ عدّ باب الملازمات من المسائل الأُصولية مبني على كونه من المباحث اللفظية، أي أنّ الأمر بالشيء هل يدلّ ـ بنحو من الدلالات ـ على وجوب مقدّمته أو حرمة ضده أو لا؟ فيكون البحث فيها على غرار البحث في دلالة الأمر على الوجوب، وإلاّ فيعود البحث عن الملازمات من مبادئ الأحكام الّتي يبحث فيها عن عوارض الأحكام الخمسة وحالاته.
وبذلك يعلم أنّ النظريات في تعيين موضوع علم الأُصول متقاربة فنظرية المحقّق البروجردي هي بعينها نفس نظرية الشيخ الأنصاري غير أن

1 . شرح المنظومة للسبزواري: 201 .

39
المحقّق البروجردي عبّر عنه بالحجّة في الفقه، كما أنّ القول بأنّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي(1) هو نفس النظرية، وأنّ الجميع يرجع إلى شيء واحد لباً وإن اختلف لفظاً .
 
الجهة السادسة

تعريف علم الأُصول

عرِّفَ علم الأُصول بتعاريف متعدّدة :

التعريف الأوّل:

وهو المنقول عن القدماء حيث قالوا: هو العلم بالقواعد المُمُهَدَّة لاستنباط الأحكام الشرعية .
وأُورد عليه: بأنّ المستنبَط تارة يكون حكماً شرعياً كالحكم المستند إلى الكتاب والسنّة، وأُخرى يكون المستنبَط وظيفة عملية وعذراً عقلياً بين العبد والمولى كالأُصول العقلية، فإن حكم العقل. بقبح العقاب بلا بيان بمعنى معذورّية الجاهل عند الجهل بالواقع، وأمّا ما هو الحكم الشرعي في المورد فلا يستنبط من حكم العقل .
فإن قلت: على القول بالملازمة بين حكم العقل والشرع يكون

1 . دروس في علم الأُصول: 3 / 14 .

40
المستنبط حكماً شرعياً.
قلت: غاية ما يثبت بالملازمة هو إمضاء الشرع معذورية العبد في هذه الحالة، وأمّا ما هو الحكم الشرعي للمورد فهو لا يستنبط من قاعدة الملازمة. وبعبارة أُخرى: العقل يحكم بمعذورية الجاهل بالحكم الشرعي بعد الفحص، كما أنّ الشرع ـ على القول بالملازمة ـ يعدّه أيضاً معذوراً، وأمّا ما هو حكم المورد شرعاً كشرب التتن فهو مجهول على المستنبِط.
ونظيره حجّية الظن الانسدادي على القول بالحكومة، وذلك لأنّ للقائلين بتمامية مقدّمات الانسداد نظرين:
1. أنّ العقل بعد ملاحظة المقدّمات يكشف عن أنّ الشارع لم يترك المكلف سُدى، بل جعل الظن الانسدادي حجّة في حقّه، وعند ذلك يكون مفاد الظن الانسدادي حكماً شرعياً ظاهرياً.
2. أنّ العقل بعد ملاحظة المقدّمات يستقل بوجوب العمل بالظن دفعاً للخروج عن الدين إذا لم يتعبّد بشيء من الظن والاحتياط واعتمد على أصالة البراءة، وعند ذلك يكون العلم بالظن قاطعاً للعذر عند العقل من دون أن يكون مفاده حكماً شرعياً، والتعريف المزبور للقدماء لا يشمل الظن الانسدادي على القول بالحكومة.