welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الرسائل الأربع قواعد أُصولية وفقهية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الرسائل الأربع قواعد أُصولية وفقهية

الرسائل الأربع

قواعد أُصولية

وفقهية

تقريراً لبحوث الفقيه المحقّق

الشيخ جعفر السبحاني

ـ دام ظلّه ـ

بقلم

عدة من الأفاضل


هوية الكتاب

اسم الكتاب:   الرسائل الأربع

الموضوع:    محاضرات في قواعد أُصولية وفقهية

المؤلفون:    عدة من الأفاضل

المطبعة:    اعتماد ـ قم

التاريخ:   عام 1415 هـ

كمية الطبع:    2000 نسخة

الناشر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)للتحقيق والتأليف


الرسائل ومؤلفوها

الملازمة بين حكمي العقل والشرع: الأُستاذ آية الله الشيخ جعفر السبحاني

قاعدة لا ضرر: المحقّق الشيخ محسن الحيدري

القول المفيد في الاجتهاد والتقليد: المحقّق السيّد طعان خليل العاملي

التسامح في أدلة السُّنن: المحقّق الشيخ علي أكبر الكلانتري



الرسالة الأُولى

قاعدة الملازمة بين حكمي العقل والشرع

بقلم

آية الله الشيخ جعفر السبحاني

ـ دام ظلّه ـ



مقدّمة المؤلف:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي فضّل الانسان بالعقول والألباب، ودلّه على ربوبيته بالحجج والبيّنات، وجازاه على قدر ما آتاه من تلك النعمة الجسيمة، ورفع بها درجته في الدنيا والآخرة، وبعث أنبياءه لاكمال العقول.

أمّا بعد: فهذه رسالة وجيزة تبحث عن الملازمة بين الأحكام العقلية والشرعية، مقرونة بالبحث عن الحسن والقبح العقليين، وتتضمن إيضاح موقف الشيخ الأنصاري في تلك المسألتين، أُلقيت في المؤتمر الذي عُقد بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيـخ الأنصاري (رحمه الله) في قاعة كلية القضاء في قم المحمية.

جعفر السبحاني



في الملازمة بين حكمي العقل والشرع

اشتهر بين الأُصوليين أنّ ما حكم به العقل، حكم به الشرع ـ خلافاً للأخباريين ـ ويعبّر عنه بقاعدة الملازمة بين حكمي العقل والشرع، وبما أنّ للقاعدة ثمرات كلامية وأُصولية وفقهية، قد أدينا حق الكلام فيها. وقبل الخوض في المقصود نبحث في أُمور:

الأمر الأوّل: في تعريف الدليل العقلي:

عرِّف الدليل العقلي: ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى حكم شرعي.

ولايذهب عليك أنّ الدليل العقلي أوسع ممّا عرّف به، فإنّ البراهين الكلامية أو الفلسفية أو الرياضية التي تقام على أُمور عقلية بحتة كحدوث العالم، وحاجة الممكن إلى الواجب، أو مساواة زوايا المثلث مع زاويتين قائمتين، كلّها حجج عقلية، ومع ذلك لايدخل في التعريف. وما ذاك إلاّ لأنّ الأُصولي يطلب من التعريف ما يناسب هدفه ومرماه، فهو لايطلب من الدليل العقلي إلاّ الوصول إلى الأحكام الشرعيّة، لاإلى مسائل تكونيّة أو رياضية وهندسية، فلأجل ذلك اختصّ الدليل العقلي عنده بما يوصله إلى الحكم الشرعي.


الأمر الثاني: في انقسام الدليل العقلي إلى مستقل وغير مستقل:

إنّ الدليل العقلي بما أنّه يقع ذريعة إلى الحكم الشرعي، ينقسم إلى عقلي مستقل، وعقلي غير مستقل، فلو توقف استنتاج الحكم الشرعي على وجود خطاب شرعي من الشارع بالنسبة إلى الصغرى، فهو من العقليات غير المستقلّة كما هو الحال في وجوب المقدّمة الشرعية كالوضوء فإنّ المقدمة يدل عليها الخطاب الشرعي أعني قوله سبحانه: (يا أيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرافِقِ) (المائدة/6) وإذا ضُمَّتْ إليه الكبرى، تنتج وجوبها الشرعي، وأمّا إذا كانت كلتا المقدّمتين عقليتين والعقل لايعتمد في الاستدلال إلى مبدأ غيره فهي من المستقلات العقلية كما هو الحال في إدراك العدل والظلم بنحو من الأنحاء أوّلاً ثمّ الحكم عليها بالحسن والقبح ثانياً، فيقال: تكريم الوالدين، تقدير للمنعم، وكلّ ما يعدّ تقديراً للمنعم فهو حسن، ينتج: تكريم الوالدين حسن، ولو قلنا بالملازمة تكون النتيجة كون التكريم واجباً شرعاً.

نعم ما لا يتوقف الاستنتاج على حكم عقلي فهو دليل شرعي وإن كان الحكم العقلي موجوداً في مورده أيضاً لفرض عدم تأثير له في الاستنتاج، فلو دلّ الدليل الشرعي على أنّ من سافر أربعة فراسخ يُقصِّر ودلّ دليل شرعي آخر على الملازمة بين القصر والافطار، فهذا يكفي في الحكم بوجوب الإفطار لمن سافر أربعة فراسخ من غير حاجة إلى الاستمداد من حكم العقل بامتناع تفكيك المتلازمين وإن كان موجوداً في ظرف الحكم. لأنّ تصريح الشارع بالملازمة بين الحكمين كاف في القول بوجوب الإفطار لهذا الشخص الخاص. (1)


(1) نعم استنبط الشيخ الأعظم على ما في تقريراته: 234 عن عبارة الفاضل التوني في وافيته أنّ لحكم العقل تأثيراً في استنباط الحكم الشرعي في المورد، ولكن لم يظهر لنا مانسب إليه من عبارته في الوافية ص218.فلاحظ.


الأمر الثالث: في تقسيم الدليل العقلي بنحو آخر:

إنّ الحكم الشرعي المستنتج من الحكم العقلي على قسمين: فتارة لايتوقّف الاستنتاج على القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وأُخرى يتوقّف، ويعدّ القول بهما من مبادئ الأحكام ولولاهما لكان الاستنتاج عقيماً.

أمّا الأوّل: فهو كالقياس (التمثيل حسب اصطلاح المنطقيين) في فقه أهل السنّة، وتنقيح المناط أو التمسّك بالعلّة المنصوصة في فقه الشيعة، فالتشابه بين الخمر والنبيذ ربّما يصير سبباً لوحدة الحكم، والوقوف على مناط الحكم الذي يدور الحكم مداره وجودا وعدماً ربّما يصير سبباً لتسرية الحكم إلى غير المنصوص من الموارد.وليس الاستدلال في الموردين مبنياً على التحسين والتقبيح العقليين.

وأمّا الثاني: فهو كالحكم بالبراءة في الشبهات البدئية، استناداً إلى قبح العقاب بلابيان أو الحكم بالاشتغال، استناداً إلى عدم قبحه بعد تمامية البيان، إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية المستنبطة بالعقل عن طريق القول بالتحسين والتقبيح العقليين.

وقد طرح الشيخ القسم الأوّل في رسالة القطع وقال بحجية القطع الحاصل من الأدلّة العقلية بالنسبة إلى الحكم الشرعي وقد بحثنا عنه في ذلك المقام، والمطروح في المقام هو القسم الثاني.

الأمر الرابع: في تعدد المسألتين:

لاشكّ أنّ هنا مسألتين، إحداهما: استقلال العقل بالتحسين والتقبيح، والأُخرى: ملازمة ذلك الادراك مع الحكم الشرعي بالوجوب والحرمة. والدليل على التعدد، هو أنّ بعض الأخباريين كالفاضل التوني يسلِّم المسألة الأُولى بضرورة


الوجدان والعقل، دون المسألة الثانية (1) . ومع ذلك كلّه فالحقّ أن يقال:

إذا كان النظر في الوحدة والكثرة إلى مقام الإثبات، فلاشكّ أنّ هنا مسألتين إحداهما مستنبطة من الثانية، فيكون حكم العقل بحسن الإحسان وقبح الظلم دليلاً وكاشفاً عن حكم الشارع بالوجوب أو الحرمة. والدليل على التعدد، هو كون الثانية في طول الأُولى في مقام الاستكشاف، مضافاً إلى اختلافهما في المحمول. فهو في الأوّل هو الحسن والقبح وفي الأُخرى الوجوب والحرمة، مضافاً إلى اختلافهما في النتائج فإنّ ما يترتب على حكم العقل بهما هو المدح والذم، ومايترتب على حكم الشرع بالوجوب والحرمة هو الثواب والعقاب، فكل ذلك يصحّح كونهما مسألتين. هذا كلّه إذا ركّزنا النظر على عالم الإثبات، وأمّا إذا كان النظر مركزاً على عالم الثبوت، فالحقّ أنّ هنا مسألة واحدة كلّ يتكلم حسب لغته واصطلاحه، فالعقل إذا يلاحظ بعض الأفعال يحكم عليه بالحسن والقبح، والشرع إذا يلاحظه، يحكم عليه بالوجوب والحرمة والحكمان وجهان لعملة واحدة، ولعلّ هذا التفصيل أولى من الحكم البات بالوحدة أو الكثرة.

الأمر الخامس: ما هو المراد من قولهم: كل ما حكم به العقل، حكم به الشرع؟

إنّ هنا وجوهاً واحتمالات:

الف: إنّ ما حكم به العقل، حكم بمثله الشرع، وعلى هذا ففي الموارد التي يستقل فيها العقل، حكمان، كما أنّ فيها حاكمين.

ب: كلّ ما حكم به العقل، حكم بعينه الشرع، ويصدقه، وعليه يكون هنا


(1) الوافية: 219ـ220، وسيوافيك كلام صاحب الفصول في المسألة الثانية أيضاً.


حكم واحد لحاكمين مستقلّين.

ج: كلّ ما حكم به العقل، فهو عين ما حكم به الشرع، بمعنى أنّ العقل رسول الشرع باطناً، والنبيّ رسول الشرع ظاهراً والعقل لسان الشرع، وعلى هذا فالحكم والحاكم واحد.

والاحتمال الأخير هو الظاهر من المحقّق القمّي قال: إنّ العقل يدرك أنّ بعض هذه الأفعال ممّا لايرضى اللّه بتركه ويريده من عباده بعنوان اللزوم، وبعضها ممّا لايرضى بفعله ويريد تركه كذلك ـ إلى أن قال: ـ ولازم ذلك أنّه تعالى طلب منّا الفعل والترك بلسان العقل فكما أنّ الرسول الظاهري يبيّن أحكام اللّه ومأموراته ومنهياته، كذلك العقل يبيّن بعضها. (1)

الأمر السادس: في أنّ القاعدة تستعمل في موردين:

الف: إنّ هنا من يرى جواز خلوّ الواقعة من الحكم الشرعي، فيقال في مقابله: كلّما حكم به العقل حكم به الشرع، بمعنى أنّه لايصحّ أن تخلو الواقعة عن الحكم الشرعي، والمقصود إثبات أصل الحكم الشرعي في مورد حكم العقل وعدم خلوّ الواقعة عن الحكم الشرعي، ويكون التطابق بين الحكمين ملحوظاً ضمنياً والمقصود الأصلي وجود نفس الحكم الشرعي لردِّ وهْمِ خلوِّها عنه.

ب: هناك من يزعم إمكان الخلاف بين الحكمين، مع قبول عدم خلو الواقعة عن الحكم الشرعي أو مع قطع النظر عنه، فيقال في ردّه: كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، فيكون التطابق ملحوظاً أصليّاً، ووجود أصل الحكم غير ملحوظ أصلاً أو ملحوظاً تبعياً.


(1) قوانين الأُصول: 2/2.


الأمر السابع: في أنّ إنكار الملازمة يحتمل وجوهاً:

1ـ إنكار التحسين والتقبيح العقليين من أصل وأنّ العقل عاجز عن دركهما أي عاجز عن درك حسن الأفعال وقبحها في نفسها أو عاجز عن درك حسنها وقبحها عند الشارع، بمعنى أنّ العقل بعد درك حسنها وقبحها لنفسه، غير قادر على الحكم بأنّه كذلك عند الشارع.

2ـ إنكار الملازمة بين الحكمين، مع قبول أصل التحسين والتقبيح كما هو الظاهر من كلام الفاضل التوني والسيد الصدر من الأخباريين.

3ـ إنكار وجوب إطاعة الحكم الشرعي المستكشف من طريق الفعل بعد قبول المرحلتين السابقتين، ويرجع ذلك إلى عدم حجية العلم الحاصل من غير طريق الكتاب والسنّة.

ونحن نبحث عن المسائل الثلاثة بهذا الترتيب:


المسألة الأُولى:

هل التحسين والتقبيح

عقليان أو شرعيان؟

قد عرفت أنّ إدراك العقل حسن الأفعال وقبحها يتصوّر على وجهين: تارة يبحث عن إدراك العقل حسن الأفعال وقبحها لنفسه، واُخرى عن إدراكه أنّ ما هو حسن أو قبيح عنده، حسن وقبيح عند الشارع أيضاً، ولعلّ هناك من يفرّق بين الإدراكين، وإن كان اللائح من كلام المفكرين هو الأوّل.

قال علاء الدين القوشجي: «لا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها وليس الحسن والقبح عائداً إلى أمر حقيقي حاصل فعلاً قبل ورود بيان الشارع، بل انّ ما حسّنه الشارع فهو حسن أو ما قبّحه الشارع فهو قبيح، فلو عكس الشارع القضية فحسَّن ما قبّحه، وقبّح ما حسَّنه لم يكن ممتنعاً وانقلب الأمر فصار القبيح حسناً والحسن قبيحاً، ومثّلوا لذلك بالنسخ من الحرمة إلى الوجوب ومن


الوجوب إلى الحرمة. (1)

ثمّ إنّ القائلين بالحسن والقبح العقليين يقسّمون الأفعال من حيث الاتصاف بهما إلى أقسام ثلاثة:

الأوّل: ما يكون الفعل بنفسه علّة تامّة للحسن والقبح: وهذا ما يسمّى بالحسن والقبح الذاتيين، مثل العدل والظلم. فالعدل بما هو عدل، لايكون إلاّ حسناً أبداً، ومتى ما وجد، يّمدّح فاعله ويعد محسناً. وكذلك الظلم بما هو ظلم لايكون إلاّ قبيحاً. ومتى ما وجد، يُذمّ فاعله. ويستحيل أن يكون العدل قبيحاً والظلم حسناً.

الثاني: ما لايكون الفعل علّة تامّة لأحدهما، بل يكون مقتضياً للاتّصاف بهما، بحيث لو خُلِّي الفعل ونفسه، فإمّا أن يكون حسناً كتعظيم الصديق بما هو هو أو يكون قبيحاً كتحقيره. ولكنّه لايمتنع أن يكون التعظيم مذموماً لعروض عنوان عليه كما إذا كان سبباً لظلم ثالث، أو يكون التحقير ممدوحاً لعروض عنوان عليه كما إذا صار سبباً لنجاته.

ولاينحصر المثال بهما بل الصدق والكذب أيضاً من هذا القبيل. فالصدق الذي فيه ضرر على النفس قبيح، كما أنّ الكذب الذي فيه نجاة الإنسان البريء حسن. وهذا بخلاف العدل والظلم فلايجوز أن يتسم العدل ـ بما هو عدل ـ بالقبح، والظلم ـ بما هو ظلم ـ بالحسن.

الثالث: ما لا علّية له ولا اقتضاء فيه في نفسه للاتّصاف بأحدهما، وإنّما


(1) شرح التجريد للقوشجي: عزب عن الشارح أنّ النسخ لايتعلّق بما يكون حسنه أو قبحه ذاتيّين بل مورده ما إذا كانا ناشئين عن الوجوه والاعتبارات، كعدّة المرأة حيث كانت في صدر الشريعة سنة فنسخت إلى أربعة أشهر وعشراً، وقس عليه سائر ماتوهّم فيه النسخ أو ثبت فيه.


يتبع الجهات الطارئة والعناوين المنطبقة عليه، وهذا كالضرب فإنّه حسن للتأديب، وقبيح للإيذاء.

هذا هو التقسيم الرائج بينهم. والغرض المطلوب في هذا البحث هو تبيين أنّ هناك أفعالاً يدرك العقل إذا طالعها، مع قطع النظر عن كل الجهات الطارئة عليها، أنّها حسنة يجب أن يمدح فاعلها، أو قبيحة يجب أن يذم. ولانقول: إنّ كل فعل من الأفعال داخل في هذا الإطار.

وبعبارة أُخرى: انّ النزاع بين الفريقين دائر بين الإيجاب الجزئي والسلب الكلي، فالعدلية يقولون بالأوّل والأشاعرة بالثاني.

إطلاقات الحسن والقبح:

إنّ هناك أُموراً ثلاثة، متقاربة المفهوم وهي:

1ـ إطلاقات الحسن والقبح ومعانيها.

2ـ ملاكات الحسن والقبح.

3ـ ما هو محلّ النزاع بين المثبتين والنافين؟

ونبحث عن الجميع جملة واحدة لأنّها متقاربة المعنى، والمقصود، فنقول:

إنّ للحسن أو القبح معنى واحداً ولكل واحد في جميع اللغات معادلا يعبّـر بهما عنهما و ـ مع ذلك ـ فله اطلاقات باعتبار ملاكات متفاوتة فلابأس بالإشارة إلى تلك الملاكات، وبتعيينها يتعيّـن محلّ النزاع:

1ـ ملاءمة الطبع ومنافرته، فالصوت الناعم والطعام اللذيذ يلائمان طبيعة الإنسان، والدواء المرّ ونهيق الحمار ينافرانها، فيوصف الأوّلان بالحسن، دون


الأخيرين ولعلّهما يوصفان بالسوء لا بالقبح. والحسن والقبح بهذا الملاك خارج عن محطّ البحث، لاختلاف الطبائع إذ ربّ غذاء لا يلائم طبع طائفة وهو بالنسبة إلى الطائفة الأُخرى لذيذ حسن، وهكذا الأصوات والروائح.

2ـ موافقـة الأغراض الشخصية أو النوعية ومخالفتهما، فكلّ عمل يؤمِّن الغرض الشخصي فهو حسن، وخلافه ما يقابله وعندئذ يُصبح الحسن والقبح من الأُمور النسبية وهو بمعزل من التحقيق بخلاف ما إذا كان الملاك تأمين الأغراض النوعية، فكلّ عمل يؤمّن مصالح النوع الإنساني كالعدل فهو حسن، ويقابله ما يهدّد مصالحه ويسوقه إلى دار البوار فهو قبيح كالظلم، فالعدل حافظ للنظاموالظلم هادم له، ومع ذلك كله فهو أيضاً خارج عن محطّ البحث وذلك بوجهين:

الف: إنّ القائلين بالحسن والقبح ذهبوا إلى أنّهما من الصفات الذاتية لبعض الأفعال ولاينفكان عنها أبداً في حال من الأحوال، وما هو كذلك لا يمكن أن يعتمد على ملاك خارج عن ذاته، ككونه مؤمِّناً لمصالح النوع أو مهدّداً لها. فإنّ المقصود من الذاتي هناك ما يكفي وضع الموضوع في وضع المحمول، أو يلازم تصوّر الموضوع تصوّره، فجزاء الإحسان بالإحسان، حسن، وجزاؤه بالسوء، قبيح مطلقاً من دون حاجة إلى ملاحظة كونه مدعماً لبقاء النظام أو هادماً له، والعقل يحكم بهما بملاحظة تصوّر نفس الموضوع بما هو هو، وما هو كذلك، يتضمّن بنفسه الملاك ويكون موجوداً في صميمه، ولايستمد من ملاك خارج.

ب: إنّ نطاق البحث أعم من فعل الإنسان، بل الغاية القصوى للمتكلّمين الذين هم الأُسس لطرح هذه المسألة هو معرفة أفعاله سبحانه، وما يجوز له وما لا يجوز في الدنيا والآخرة، وما هو كذلك يكون أرفع من أن يكون ملاك اتّصاف فعله بهما، تأمين المصالح النوعية أو تدميرها.


3ـ كون الشيء كمالاً أو نقصاً للنفس كالعلم والجهل والأوّل زين لها والثاني شين وتحسين الفعل أو تقبيحه بهذا الملاك وإن كان صحيحاً، ولايشك أحد في أنّ العلم والشجاعة والفصاحة بما أنّها كمال للإنسان متصف بالحسن، والجهل والجبن والسفاهة، نقص وقبح، لكن نطاق النزاع كما عرفت في نقد الوجه الثاني أعم من هذا وما ذكرناه من الوجهين فيه يأتي في الثالث أيضاً.

4ـ الحسن ما استحق الثواب عند اللّه. والقبيح ما استحق العقاب عنده. (1)

يلاحظ عليه بوجهين:

الف: أنّ نطاق البحث أوسع من أفعال العباد، بل الغاية من طرح المسألة هو معرفة أفعاله سبحانه ووصفه بما يجوز له وما لايجوز ومعه كيف يكون استحقاق الثواب والعقاب ملاكاً للحكم بالحسن والقبح.

ب: أنّ البحث عن المسألة، لايختص بالإلهيين وهناك جماعة لاعهد لهم بما وراء الطبيعة، ولايدينون بشريعة، فأخذوا يبحثون عنها في كتبهم ولعلّ القائل، يريد منه ما نذكره تالياً.

5ـ كون الفعل بنفسه محكوماً بالحسن أو القبح:

إنّ الملاك عند القائلين بالحسن والقبح الذاتيين، ليس أمراً منضماً إلى الفعل وخارجاً عن ذاته، بل الملاك وجود خصوصيّة في الفعل تجعله بنفسه موضوعاً لأحد الوصفين. والقائل يدّعيها والنافي ينكرها.

وعلى ضوء هذا لاتصح تسمية ذلك الملاك بالملائمة للطبع أو منافرته، أو


(1) گوهر مراد: 345 للمحقّق اللاهيجي. وسيوافيك نظره السامي في كتابه الآخر.


دعمه للأغراض ومخالفتها، أو كونه كمالاً للنفس أو نقصاً لها، أو موجباً لاستحقاقالثواب أو العقاب، لأنّ تلك الملاكات، أُمور خارجة عن ذات الفعل وصحيحه.

وبالجملة: الإثبات والنفي من القائل والمنكر يتوجّهان إلى ادّعاء وجود خصوصية في ذات الفعل تجعله صالحاً للاتّصاف بهما وعدم وجودها، بحيث يكون الموضوع عند الطرفين ملاحظة نفس الشيء بما هو هو مغسولاً عن أي سبب وعلّة، أو أيّ ضميمة ووصلة، فالقائل يقول إنّ هنا أفعالاً تكفي ملاحظتها بنفسها مجردة عن كلّ شيء في الحكم بالتحسين والتقبيح، والمنكر ينكرها.

وإذا وقفت على ما هو الملاك في ذاك الباب تقدر على تحرير محلّ النزاع فإنّ تحريره، من ثمرات تعيين الملاك.

وأوّل من حرّر محل النزاع على هذا النحو المحقّق اللاهيجي في كتابيه (1) وبيانه في الرسالة الثانية أوضح وأجلى وبذلك تستغني عن كثير من المباحث الطويلة التي ملأت الكتب الكلامية، حيث جعلوا الملاك أحد الأُمور الأربعة وحرّروا محلّ النزاع على غير ما ذكرناه فحشّدوا في رسائلهم مباحث لاتمت بالموضوع بصلة.

فتلخّص من هذا البحث الضافي أنّه كلّما ذكر التحسين والتقبيح العقلي قائماً يراد منه الإطلاق الأخير الذي يُكْمَن ملاكهما في نفس الفعل لا في أمر خارج، وليس شيء من الإطلاقات الخمسة داخلاً في محلّ النزاع إلاّ ما ذكر أخيراً.


(1) گوهر مراد: 345; سرمايه ايمان: 35 الطبعة الأُولى.


التحسين والتقبيح العقليّان من البديهيات في مجال العقل العملي:

قد وقفت على أنّ محلّ النزاع هو كون الفعل بنفسه موضوعاً للتحسين والتقبيح فعندئذ يطرح السؤال بأنّه كيف يصحّ للعقل القضاء البات على أحد الوصفين بملاحظة نفس الفعل، وما هو السبب لقضائه؟ ولإيضاح هذا الجانب نقول: إنّ هنا وجهين لتقريب ذلك وإليك تقريرهما:

1ـ لزوم انتهاء المجهولات إلى المعلوم بالذات في العقل النظري والعملي:

إنّ الحكماء قسّموا العقل إلى عقل نظريّ وعقل عمليّ، فقال المعلّم الثاني: «إنّ النظرية هي التي بها يحوز الإنسان علم ما ليس من شأنه أن يعمله إنسان، والعملية هي التي يعرف بها ما من شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته».

وقال الحكيم السبزواري في توضيحه: «إنّ العقل النظري والعقل العملي من شأنهما التعقّل، لكن النظري شأنه العلوم الصرفة غير المتعلّقة بالعمل مثل: اللّه موجود واحد، وانّ صفاته عين ذاته، ونحو ذلك.

والعملي شأنه العلوم المتعلّقة بالعمل مثل: «التوكّل حسن» و«الرضا والتسليم والصبر محمود» وهذا العقل هو المستقل في علم الأخلاق، فليس العقلان كقوتين متباينتين أو كضميمتين، بل هما كجهتين لشيء واحد وهو الناطقة». (1)

إذا عرفت ذلك نقول: كما أنّ في الحكمة النظرية قضايا نظرية تنتهي إلى قضايا بديهية، ولولا ذلك لعقمت القياسات وصارت غير منتجة، فهكذا في الحكمة العملية، قضايا غير معلومة لاتُعرف إلاّ بالانتهاء إلى قضايا ضرورية،


(1) تعليقات الحكيم السبزواري على شرح المنظومة: 310.


وإلاّ لما عرف الإنسان شيئاً من قضايا الحكمة العملية، فكما أنّ العقل يدرك القضايا البديهية في الحكمة النظرية من صميم ذاته فهكذا يدرك بديهيات القضايا في الحكمة العملية من صميم ذاته بلا حاجة إلى تصوّر شيء آخر.

مثلاً: لايصح تصديق أيّ قضية من القضايا إلاّ إذا انتهت إلى قضية امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، بحيث لو ارتفع التصديق بها لما أمكن التصديق بشيء من القضايا، ولذا تسمى بـ «أُمّ القضايا» وذلك كاليقين بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فانّه لا يحصل اليقين إلاّ إذا حصل قبله التصديق بامتناع صدق نقيض تلك القضية، أي عدم مساواتها لهما. وإلاّ فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالتساوي. ولأجل ذلك اتّفقت كلمة الحكماء على أنّ اقامة البرهان على المسائل النظرية إنّما تتم إذا انتهى البرهان إلى أُمّ القضايا التي قد عرفت.

وعلى ضوء هذا البيان نقول: كما انّ بين مدركات العقل النظري قضايا بديهية أو قضايا أوّلية تنتهي إليها القضايا النظرية في ذلك المجال، فهكذا بين مدركات العقل العملي، قضايا أوّلية وواضحة يبرهن بها على سائر مسائله غير الواضحة بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العملية لما صحّ التصديق بقضية من القضايا فيها.

فمن تلك القضايا البديهية في العقل العملي، مسألة التحسين والتقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا بوضوح، مثل قولنا: «العدل حسن» و«الظلم قبيح» و«جزاء الإحسان بالإحسان حسن» و«جزاؤه بالإساءة قبيح».

فهذه القضايا، قضايا أوّلية في الحكمة العملية، والعقل العملي يدركها من صميم ذاته، ومن ملاحظة تلك القضايا بنفسها.وفي ضوء التصديق بها يسهل عليه التصديق بما يبتنى عليها في مجال العقل العملي من الأحكام غير البديهيّة، سواء أكانت مربوطة بالأخلاق أو تدبير المنزل، أو سياسة المدن، التي يبحث عنها


في الحكمة العملية. فإنّ ما يستقل به العقل في مجال العمل إمّا له صلة بالحياة الفردية وهي ما يبحث عنه في علم الأخلاق، أو بالحياة الاجتماعية المحدودة وهي ما يبحث عنه في نظام الأُسرة وتدبير المنزل، أو الواسعة المترامية الأطراف وهو ما يبحث عنه في سياسة المدن وإدارة المجتمع.

ولنمثل على ذلك: إنّ العالم الأخلاقي يحكم بلزوم تكريم الوالدين والمعلّمين وأُولي النعمة، وذلك لأنّ التكريم من شؤون جزاء الإحسان بالإحسان، وهو حسن بالذات، والإهانة لهم من شؤون جزاء الإحسان بالإساءة وهو قبيح بالذات.

والباحث عن أحكام تدبير المنزل يحكم بلزوم القيام بوظائف الزوجية من الطرفين وقبح التخلّف عنها، ذلك لأنّ القيام بها عمل بالميثاق، والتخلّف عنها تخلّف عنه، والأوّل حسن بالذات والثاني قبيح بالذات.

والعالم الاجتماعي الذي يبحث عن حقوق الحاكم والحكومة على المجتمع يحكم بأنّه يجب أن تكون الضرائب معادلة لمنافع الأفراد، وذلك لأنّ الخروج عن تلك الضابطة ظلم على الرعية وهو قبيح بالذات.

وقس على ذلك كل ما يرد عليك من الأبحاث في الحكمة العملية، سواء أكانت راجعة إلى الفرد (الأخلاق) أو إلى المجتمع الصغير (البيت) ، أو إلى المجتمع الكبير (السياسة) ، فكل ما يرد فيها ويبحث عنه الباحثون، بما أنّه من شؤون العقل العملي، يجب أن ينتهي الحكم فيه إيجاباً وسلباً، صحّة وبطلاناً إلى القضايا الواضحة البديهية في مجال ذلك العقل.

إلى هنا انتهينا إلى أنّه يجب انتهاء الأحكام غير الواضحة ابتداء في مجال العقلين (النظري والعملي) إلى أحكام بديهية مدركة ابتداءً بلامؤونة شيء وذلك دفعاً للدور والتسلسل الذي استند إليه علماء المنطق والحكمة في القسم الأوّل، أي الحكمة النظرية.والدليل واحد سار في الجميع.


والعجب أنّ الحكماء والمتكلّمين اتفقوا على أنّه يجب انتهاء القضايا النظرية في العقل النظري إلى قضايا بديهية، وإلاّ عقمت الأقيسة ولزم التسلسل في مقام الاستنتاج، ولكنّهم غفلوا عن الاعتماد على ذلك الأصل في جانب العقل العملي ولم يقسموا القضايا العملية إلى أوّلية وثانوية، أو نظرية وضرورية. كيف والاستنتاج والجزم بالقضايا غير الواضحة، الواردة في مجال العقل العملي، لايتم إلاّ إذا انتهى حكم العقل إلى قضايا واضحة في ذلك المجال.وقدعرفت أنّ المسائل المطروحة في الأخلاق، الباحثة عن المحاسن والمساوئ، أي ما يجب الاتصاف به أوالتنزّه عنه، أو المطروحة في القضايا البيتية والعائلية التي يعبّر عنها بتدبير المنزل، أو القضايا المبحوث عنها في علم السياسة وتدبير المدن، ليست في الوضوح على نمط واحد، بل لها درجات ومراتب. فلاينال العقل الجزم بكل القضايا العملية إلاّ إذا كانت هناك قضايا بديهيّة واضحة تبتنى عليها القضايا المجهولة العملية حتّى يحصل الجزم بها ويُرتَفع الابهام عن وجهها.

ومن هنا تبيّـن الأُمور التالية:

1ـ أنّ المدّعي للحسن والقبح الذاتيين في غنى عن البرهنة لما بيّناه، كما أنّ المدّعي لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما كذلك لما عرفت من أنّ الحكم بهما في الجملة من الأُمور البديهية.

2ـ أنّ حسن الأفعال أو قبحها على قسمين: قسم منها يُعدّ من المعلومات الأوّلية لكل إنسان تجرّد عن أيّ رأي مسبّق يحكم بهما عقله بالبداهة بلا تروّ وفكر. وقسم منها تعلَم حاله بالانتهاء إلى تلك المعلومات الضرورية.

3ـ أنّ لفظ البديهي والنظري وإن كانا يستعملان في المعقول النظري دون العملي، لكن لا محيص عن تعميم الاستعمال إلى قضايا العقل العملي أيضاً أو استخدام لفظ آخر في ذينك المجالين، كقولنا:

المعلومات الأوّلية والواضحة، والمعلومات الثانوية أو غير الواضحة.


4ـ لا ملاك خارجي في القضاء بأحد الوصفين، وإنّما الملاك هو اشتمال الفعل على خصوصية، جعلته واضح الحكم عند العقل بيّن الوصف والحكم.

2ـ ملائمة القضايا للفطرة ومنافرتها معها:

إنّ هنا طريقاً آخر، لإدراك العقل تحسين الأفعال وتقبيحها، وهو عرض القضايا للفطرة، التي خلق الإنسان عليها، وهو خير قاض ومُدرك، وهي تجد البعض ملائماً لهاوالبعض الآخر منافراً، تمدح فاعل البعض، وتذم فاعل البعض الآخر. وتعبِّر عن الأوّل بالفعل الحسن، وعن الآخر بالفعل القبيح.

إنّ لوجود الإنسان بعدين مختلفين، أو جانبين متفاوتين ففي البعد الداني، هو حيوان فاتك، لايعرف سوى البطن والتعدّي على الحقوق، والأموال وتدمير الحدود والمقررات والترؤس والأنانية ولا يعترف بحقوق أحد، ولابحسن فعل ولاقبحه سوى ما يؤمِّن أغراضه المادية وشهواته الحيوانية وقواها الجامحة.

وفي الوقت نفسه له جانب ملكوتي، رفيع عن الشهوة والغضب، والغرائز الماديّة، والميول الحيوانية، بعيد عن الأنانية والترؤس، ينظر إلى القضايا من أُفق عال، دونه غرائزه وميوله الجامحة، فيجد أُموراً ملائمةً يميل إليه وأُموراً منافرةً، يتحاشى عنها، فيقوم بمدح فاعل الأُولى وذم فاعل الثانية.وعلى هذا يكون الانطباق وعدمه والتلائم، وخلافها، آية التحسين والتقبيح.

وعلى هذا فالملاك في العقل العملي عبارة عن درك مطابقة القضية وملاءمتها للجانب المثالي من الإنسان غير الجانب الحيواني أو منافرتها له. فالإنسان بما هو ذو فطرة مثالية، متميز عن الحيوانات، يجد بعض القضايا ملائمة لذلك الجانب العالي أو منافية له. فيصف الملائم بالحسن، ولزوم العمل، والمنافي بالقبح ولزوم الاجتناب.


وإن شئت عبر عنه بالوجدان غير المتأثر من الأُمور اللاشعورية، فهو يحسّ الملائمة لبعض الأفعال والمنافرة للبعض الآخر.

وممّن يظهر منه هذا الملاك، المحقّق الخراساني في رسالة خاصة له في الملازمة بين العقل والشرع التي أدرجها في ضمن فوائد أُصولية له قال: إنّه لامجال لإنكار اختلاف الأفعال بحسب خصوصيات وجودها سعة وضيقاً وخيراً وشراً الموجب لاختلافها بحسب المنافرة والملائمة للقوة العاقلة، ومع ذا لايبقى مجال لإنكار الحسن والقبح عقلاً إذ لانعني بهما إلاّ كون الشيء في نفسه ملائماً للعقل فيعجبه أو منافراً فيغربه (كذا) (1) وبالضرورة إنّما يوجبان صحّة المدح والقدح في الفاعل إذا كان مختاراً بما هو فاعل. (2)

وبما أنّه ربما يتوهم أنّه إذا كان الملاك هو الملائمة والمنافرة للفطرة، يكون حكم العقل في مجال التحسين والتقبيح منحصراً بأفعال الإنسان ولايعدو غيره مع انّ الهدف من عقد ذاك البحث هو التعرّف على أفعاله سبحانه، ولدفع هذا التوهم عقدنا البحث التالي.

سعة دائرة حكم العقل:

إنّ إدراك العقل حسن الأفعال أو قبحها على كلا التقريرين (كون الحكم بهما في بعض الأفعال أمراً بديهياً وفي البعض الآخر منتهياً إليه، أو كون الميزان الملائمة للجانب العالي من الإنسانية والمنافرة) لا يختص لشخصه أو لصنف خاص أو لكلّ من يطلق عليه الإنسان، بل يدرك حسن صدوره أو قبحه لكلّ موجود عاقل مختار سواء وقع تحت عنوان الإنسان أو لا، وذلك لأنّ المقوّم لقضائه


(1) ولعل الصحيح فيستغربه.

(2) الفوائد الأُصولية المطبوعة في ذيل تعليقته على الفرائد ص 339.


بأحد الوصفين نفس القضية بما هي هي من غير خصوصية للمدرِك. فهو يدرك أنّ العدل حسن عند الجميع ومن الجميع، والظلم قبيح كذلك، ولايختص حكمه بأحدهما بزمان دون زمان، ولاجيل دون جيل.

ثمّ إنّ المخالف في المقام بعض الأشاعرة كالرازي وغيره فإنّهم اعترفوا ـخلافاً لأسلافهم وإمامهم الشيخ أبي الحسن الأشعري ـ بالتحسين والتقبيح العقليين لكنّهم فصَّلوا وقالوا: إنّ تحسين العقل وتقبيحه معتبر بالنسبة إلى العباد وأمّا بالنسبة إلى اللّه تعالى فهو باطل.

أمّا الأوّل: فقد استدل عليه بوجوه، أوضحها ما أفاده الرازي: انّ العقلاء قبل علمهم بالشرائع والنبوّات مطبقين على حسن مدح المحسن، وحسن ذم المسيئ، فانّ من أحسن إلى محتاج فانّ ذلك المحتاج يجد من صريح عقله حسن مدحه وذكره بالخير، ولو أساء رجل إليه فانّه يجد من صريح عقله حسن ذمِّه وهذا الحكم حاصل سواء كان ذلك الإنسان مؤمناً يُصدِّق بالأنبياء أو لم يكن كذلك فعلمنا أنّ الحسن والقبح مقرر في عقولهم.

وأمّا إثباتهما في حقّ اللّه تعالى فمحال واستدل بوجوه نذكر بعضها:

الأوّل: إنّ الذي عقلناه من معنى الحسن ما يكون نفعاً، أومؤدّياً إليه والذي عقلناه من معنى القبح ما يكون ضرراً أو مؤدياً إليه، والرغبة في المنفعة، والرهبة عن المضرة، إنّما يعقل حصولهما في حقّ من يصحّ عليه النفع والضرر، ولما كان ذلك في حقّ اللّه محالاً، كان القول بثبوت الحسن والقبح في حقّ اللّه محالاً. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الدليل مبنيّ على كون الملاك في التحسين والتقبيح هو كون الفعل نافعاً أو مؤدِّياً إليه أو ضرراً أو مؤدِّياً إليه واللّه سبحانه أرفع من هذا الملاك. لكنّك عرفت أنّ تفسير التحسين والتقبيح العقليين بهذا المعنى ساقط جداً، غير


(1) الرازي: المطالب العالية: 3/290.


مطروح للالهي في معرفة ما يجوز له سبحانه أو لا يجوز عليه، ولاللعالم الإخلاقي في تبيين المُثْلِ العليا للإنسان في المجتمع الصغير، ولاللسائس الواعي في إدارة المجتمع الكبير إذ عندئذ تصير الأخلاق والسياسة، مفاهيم مادية، لايعرّج إليه الإنسان الموضوعي. والعجب أنّه ينقل عن المعتزله انّهم صرّحوا بأنّ كون الشيء حسناً أو قبيحاً، أمر مغاير لكونه منشأ للمنفعة والمضرة، ومع ذلك يصِّـرّ في آخر كلامه بأنّه لايعقل من الحسن والقبح إلاّ المنفعة والمضرة.

الثاني: لو صحّ القبح العقلي وعمّ حكم العقل له سبحانه، يلزم أن لايُنعم اللّه على أحد من عباده لأنّ النعمة إنّما تكون نعمة إذا كانت رافعة للحاجة، وإيجاد الحاجة في الإنسان ضرر ومضرة وهو قبيح، فإيصال النعمة إليه لايمكن إلاّ إذا كان مسبوقاً بإيصال ضرر يساويه، ومن كان الأمر كذلك، صارت هذه النعمة الحاصلة دافعة لذلك الضرر السالف فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنساناً ثمّ يعالج جراحته، أو يسرق ديناراً من إنسان، ثمّ يعطيه ديناراً. (1)

يلاحظ عليه بوجهين:

1ـ أنّ حاجـة الممكـن ذاتي له غير مجعـول، وإنّما المجعـول وجوده واللّه سبحانه أوجد الممكن المحتاج بالذات، لاأنّه أُعطى الحاجة له، وليس الممكن إلاّ مسلوب الضرورة من جانبي الوجود والعدم، واندفاعه به إلى أحد الطرفين يحتاج إلى علّة، غير أنّ عدم العلّة كاف في كونه معدوماً، وما هذا شأنه، تشكِّل الحاجة ذاته وحاقّه وحقيقته، فبطل قوله: «إنّ إيصال النعمة إليه لايمكن إلاّ إذا كان مسبوقاً بإيصال ضرر يساويه» وإذا كان المقصود من الضرر هو الحاجة فليس هي واصلة إليه من العلّة، بل هي واقعية الممكن ولبّه، وجد أم لم يوجد.

كما بطل قوله: «فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنساناً ثمّ يعالجه» فإن أراد


(1) المطالب العالية: 3/291.


من الجراحة الأُولى، حاجته، فليست واصلاً من جانب معطي الوجود ومفيض النعم الظاهرة والباطنة، بل هو مجروح بالذات، كما بطل قوله: «يغصب من إنسان ديناراً ثمّ يعطيه ديناراً» إذا لم يكن الممكن واجداً لشيء حتّى يؤخذ منه شيء ويصح التشبيه.

2ـ أنّ حاجة الإنسان في حياته وإن كانت أمراً غير منكر وكل من الشهوة والغضب آيتا الحاجة لكنّه في ظلّ تينك القوتين ـ عند التعديل ـ يصل إلى قمة الكمال. ولولا الشهوة، لانقطع نسله، ولولا الشهوة لوقع فريسة للوحوش الضواري، وهكذا سائر الحوائج المادية والروحية فالحاجة وإن تعد نقصاً، لكنّها سلّم الترقّي إلى سماء الكمال.

ثمّ إنّه أطال الكلام في إثبات ما يرميه وانا أضنّ بالحبر والورق في أنّ أُسوّد الصحائف بنقل كلامه فلانطيل الكلام في نقد هذه الحجة أزيد من هذا.

الثالث: لو كان عقلنا معتبراً في حقّ اللّه لوجب أن يقبح من اللّه أن يأمر عباده بمعرفته وطاعته، لأنّ تحصيل معرفة اللّه عمل شاق على العبد ولا يحصل منه نفع للشاكر ولا للمشكور وما كان كذلك كان الأمر به قبيحاً بمقتضى تحسين العقل وتقبيحه. (1)

يلاحظ أوّلاً: كيف تكون معرفة اللّه أمراً شاقاً والحال انّه سبحانه يعدّه أمراً سهلاً ويقول: (أفي اللّهِ شكٌّ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الأرْضِ) (إبراهيم/10) .

وثانياً: أنّ المشكور وإن كان لاينتفع بشكر العباد إلاّ أنّ الشاكر ينتفع به وأقلّ ما ينتفع، وهو انّ الشكر يزيد النعمة قال سبحانه: (وَإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابي لَشَديدٌ) . (إبراهيم /7) .

ثمّ إنّ الرازي لما وقف على بعض ما ذكر قال: لامعنى للمنفعة إلاّ اللذة


(1) المطالب العالية: 3/291.


والسرور أو دفع الألم والغم واللّه سبحانه قادر على تحصيل هذه الأُمور من غير واسطة هذه التكاليف.

يلاحظ عليه: أنّ عموم قدرته وإن كان لاينكر لكن تعلّقت مشيئته الحكمة على التفريق بين الفيض العام فهو يصل إلى كلّ ما يدبّ وإن كان كافراً وجاحداً، والفيض الخاص الذي لايفيض إلاّ على الخلّص من عباده (وَ الّذينَ اهْتَدوا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ) (محمّد/17) فحكمته تصدّه عن سيادة الفيوض في إيصال النعم، فيعم العارف والجاحد، ولو عمّ بعض نعمه كل إنسان مؤمن وكافر، لمصلحة هو أعرف بها، لكن قسماً من نعمه رهن استحقاق المورد ولياقته، وكلّما ازدادت معرفة العبد بمولاه، ازداد استحقاقاً والفيوض تنزل حسب صلاحيات الأفراد، ومقدار القابليات والاستعدادات.

ولعمر القارئ أنّ الرازي أعرف بضعف ما ذكره ووهن ما نسجه إلاّ أنّ الدفاع عن المنهج الذي ترّبى عليه، دفعه إلى نحت هذه الحجج الواهية.

ثمّ إنّ الرازي فتح باباً آخر (الفصل التاسع من فصول كتابه) ذكر فيه خمسعشرة حجة على ردّ تحسين العقل وتقبيحه في أفعاله وأحكامه سبحانه والدلائل كلّها من سنخ ماتلوناه عليك، فهو قد اتخذ عويصات المعارف ومشاكلها ذريعة على إنكار التحسين والتقبيح، مع أنّ عدم عرفان المصلحة في موارد، لايكون دليلاً على إنكارهما.

مثلاً ذكر في الحجة الأُولى أنّ تكليف من علم أنّه يكفر قبيح عقلاً. وأتى في إثبات مرامه بأمثلة كثيرة مع أنّه سبحانه كلّفه فدلّ على أنّ ما يدركه العقل من المحاسن والقبائح يختص بالإنسان ولايعمّه سبحانه (1).

يلاحظ عليه: أنّ الواجب على الرازي ومن هو على شاكلته، أمام هذه العويصات، هو السكوت والتفويض إلى اللّه، لا جعلها ذريعة إلى إنكار أبده


(1) المطالب العالية: 3/305.


البديهيات، وأوضح الواضحات الذي أطبق عليه عقل العقلاء، وما تمسك به الرازي في إبطال تسرية أحكام العقل إلى ساحته سبحانه، ليس إلاّ أُموراً غامضة ربما لايتوفّق الإنسان على حلّ عقدها، لكن ليس له أن يجعل عدم التوفّق ذريعة لإنكار الواضحات.

على أنّه لو تأمّل الرأي أو رفع إلى مشايخ العلوم العقلية، لأحلّوا عقدته وقالوا:

إنّه ليس هنا إرادات جزئية مختلفة متعلّقة بآحاد المكلّفين، بأن تكون هنا إرادات حسب تعدّد المكلّفين حتى يقال كيف يمكن تعلّق إرداة جديّة بإيمان من نعلم أنّه لايؤمن، بل إرادة وبعث واحداً إلى عنوان المكلّف وهو بوحدته، وعموم متعلّقه حجة على الكلّ من غير فرق بين المؤمن والكافر، والمستعد والجاحد وهذا يكفي في حسن العقاب، وإن علم أنّه لا يؤمن.

نعم البعث الجزئي لاينقدح في لوح النفس إذا علم أنّه لا يؤمن أبداً، ولكن لغاية إتمام الحجة يتعلّق بعث واحد متعلّق بالعنوان العام مصحّح للعقوبة، فالرازي خلط بين الخطابات القانونية، والخطابات الشخصيّة (1).

على أنّ هنا جواباً آخر يصحّح توجه الخطاب الشخصي إلى من علم من حاله أنّه يعصي ويطغي قال سبحانه: (اذْهَبا إلى فِرْعَونَ إنّه طَغى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لعلّه يَتَذَكَّرُ أو يخشى) . (طه/43ـ44)

ومحصله: أنّ مرجع التكليف هنا إلى إتمام الحجة كما قال سبحانه: (لئَلاّ يَكُونَ لِلناسِ عَلَى اللّهِ حُجَّة). (النساء/165) (قُلْ فلِلّهِ الحُجَّةُ البالِغَة). (الأنعام/149)


(1) ومن أراد أن يقف على الفرق بين الخطابين فعليه الرجوع إلى بحوثنا في أُصول الفقه.


هل التحسين والتقبيح العقليان من المشهورات؟

قد تعرفت على أنّ كل مورد حكم فيه العقل بالتحسين والتقبيح، فإنّما يحكم به بدافع من ضميره، وحافز من صميمه، وأنّ هذا الحكم عنده من الأحكام البديهية في مجال العقل العملي، حسب البيان الأوّل، وأنّه يجد الفعل ملائماً أو منافراً للجانب الفوقاني من وجوده حسب البيان الثاني وعلى ذلك فهو لايعتمد في قضائه على أيّ أمر خارج عن ذاته، بحيث لو تبدل ذلك الأمر الخارج لاختلّ قضاؤه.

وهذا ولكن الظاهر من شيخ المشائيين وتبعه جل من تأخّر عنه، أنّ التحسين والتقبيح من المشهورات التي اتّفقت عليها آراء العقلاء وتسمى الآراء المحمودة، قال الشيخ الرئيس: «فأمّا المشهورات من هذه الجملة فمنها هذه الأوّليات ونحوها ممّا يجب قبولها لامن حيث هي واجب قبولها، بل من حيث عموم الاعتراف بها ومنها الآراء المسماة المحمودة، وربما خصّصناها باسم المشهورة إذ لاعمدة لها إلاّ الشهرة وهي آراء لو خلّي الإنسان وعقله المجرّد ووهمه وحسَّه، ولم يؤدَّب لقبول قضاياها، والاعتراف بها لم يقض بها الإنسان طاعةً لعقله، أو وهمه، أو حسه، مثل حكمنا أنّ سلب مال الانسان قبيح، وأنّ الكذب قبيح لاينبغي أن يقدِم عليه، ومن هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من الناس ـ وان صرف عنه الشرع ـ من قبح ذبح الحيوان اتّباعاً لما في الغريزة من الرقّة لمن تكون غريزته كذلك، وهم أكثر الناس وليس شيء من هذا ما يوجبه العقل الساذج... وانّه لو خلق دفعة تام العقل ولم يسمع أدباً ولم يُطِع انفعالاً نفسانياً أو خلقيّاً، لم يقض في أمثال هذه القضايا.

ثمّ إنّ الشيخ قسم المشهورات إلى الأقسام التالية: (1)


(1) أصل التقسيم مأخوذ من الشيخ، والأمثلة مأخوذة من كلام صاحب المحاكمات لقطب الدين الرازي، فلاحظ ولايخفى أنّ بعض الأمثلة خارجة عن إطار الحكمة العملية.


1ـ إمّا من الواجب قبولها:

وفسّـره المحقّق الطوسي بقوله: «إنّ المعتبر في الواجب قبولها، كونها مطابقة لما عليه الوجود فالمعتبر في المشهورات كون الآراء عليها مطابقة».

2ـ وإمّا من التأديبيّات الصلاحية كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح.

3ـ وما يطابق عليها الشرائع كقولنا: الطاعة واجبة.

4ـ وإمّا خلقيات كقولنا: كشف العورة قبيح.

5ـ وإمّا انفعاليات كقولنا: مراعاة الضعفاء محمودة.

6ـ وإمّا استقرائيات كقولنا: تكرار الفعل مملّ أو دفع الخصم واجب.

7ـ وأيضاً انّ المشهورات إمّا مشهورات على الإطلاق وإمّا بحسب صناعة كقولنا: التسلسل محال.

8ـ أو أرباب ملّة كقوله: الإله واحد، والربا حرام.

بل أمكنه أن يجهله ويتوقف فيه وليس كذلك حال قضائه بأنّ الكل أعظم من الجزء. (1)

تحليل مقال الشيخ الرئيس:

يلاحظ عليه أوّلاً:

أنّ القياس إمّا برهاني وإمّا جدلي وإمّا خطابي، وإمّا شعري وإمّا سفسطي.

والقياس البرهاني يتألف من اليقينيات التي أُصولها ستة: 1ـ الأوّليات 2ـالمشاهدات 3ـالتجريبيات 4ـ الحدسيات 5ـ المتواترات 6ـ الفطريات.

والقياس الجدلي يتألف من مقبولات الخصم أو المسلّمات بين العقلاء


(1) شرح الإشارات والتنبيهات: 1/ 219ـ220، قسم المنطق.


المعبر عنها بالمشهورات.

وعندئذ نقول: إذا لم يكن حكم العقل بالتحسين والتقبيح من الأحكام العقلية اليقينية الداخلة في إحدى الأُصول الستة (الأوّليات في مجال العقل العملي) ، وكانت من المشهورات التي لامدرك له إلاّ الشهرة التي لو خلِّي الإنسان وعقله المجرّد و وهمه وحسّه، ولم يؤدَّب بقبول قضاياها لم يقض لها، لزم أن يكون التحسين والتقبيح عقلائيّاً (لاعقلياً) تطابق عليه العقلاء من دون استناد إلى برهان ودليل، وهو خلاف ما يدّعيه القائلون بهما.

وثانياً: أنّ لازم ذلك عدم صحّة الاحتجاج بهما في المسائل الكلامية والأُصولية مطلقاً، لأنّ الاحتجاج فرع كون القضية أمراً برهانياً، غير محدّد بحدّ، ولامحصور بإطار، نافذاً في حقّ العباد وخالقهم، وإذا لم يكن كذلك وكان أمراً مقرراً بين العقلاء فكيف يمكن الاحتجاج به على اللّه سبحانه، لأنّ الاحتجاج فرع كونه مقبولاً لدى المحتج عليه وهو فرع كونه برهانياً عاماً، لايعرف لنفوذه حدّاً وهذا يشبه الاحتجاج بمسلمات قوم، على قوم آخر وبقوانين بلد، على أهالي بلد آخر، لايعترفون بقوانينه.

وبعبارة ثانية: أنّ صحّة الاحتجاج فرع وحدة المنطق بين الطرفين، وهو فرع كونه أمراً قطعيّاً إمّا برهايناً، أو ضرورياً عند الطرفين وإذا لم يكن كذلك بل اتفق عليه أحد الطرفين بلابرهان، فلايصلح به الاحتجاج على من لم يتفق عليه الآخر.

نرى أنّ الأُصولي يحتج بقبح العقاب بلابيان على اللّه سبحانه، ويقول لو كان العمل الفلاني حراماً عند الشارع كان عليه البيان، لأنّ العقاب على ارتكاب الحرام من دون بيان ظلم وهو قبيح على اللّه سبحانه، والاحتجاج إنّما يصحّ إذا كان قبح عقاب الظلم أمراً معترفاً عليه من جانب الشارع، وإذا لم يكن كذلك وإنّما اعترف به العقلاء وأخذوها أمراً مسلّماً بلا بينة ولا برهان، فلا يكون نافذاً في حقّه سبحانه الذي لم يعترف به، بخلاف ما إذا كان أمراً برهانياً أو ضرورياً يقينياً،


لايعرف لحجيته، حداً، ويكون مقبولاً معترفاً به عند خالق العباد، والعباد.

والحاصل: أنّ هذه النظرية التي ابتدعها الشيخ الرئيس وتبعه المحقّق الطوسي، في شرحه على الإشارات وقطب الرازي في محاكماته يهدم أساس الحسن والقبح العقليين، ويدمّر كل ما بنى عليه من الأُصول والقواعد في الكلام وأُصول الفقه.

ثمّ إنّ الشيخ الرئيس قد أكّد على ما ذكره في الإشارات، في بعض كتبه، وصار ذلك أُسوة للمتأخّرين عنه فترى أنّ المحقّق الطوسي في شرح الإشارات، وقطب الدين الرازي، في محاكماته، والمحقّق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية وتلميذه المظفر اقتفوا أثره وتلقوه كلاماً قيّماً لايقبل الخدشة، ولنذكر كلامهم حتى يقف القارئ على أنّ الخطأ تسرَّب من كلام الشيخ إلى كتبهم ولحسن ظنّهم به تلقوه حقيقة واضحة.

ولنذكر كلامه في النجاة:

قال: أمّا الذائعات فهي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إمّا شهادة الكل مثل «إنّ العدل جميل» وإمّا شهادة الأكثر وإمّا شهادة العلماء أو شهادة أكثرهم أو الأفاضل منهم فيما لايخالف فيه الجمهور. وليست الذائعات من جهة ما هي هي، ممّا يقع التصديق بها من الفطرة، فإنّ ما كان من الذائعات ليس بأوّليّ عقلي فانّها غير فطرية، ولكنّها متقررة عند الأنفس، لأنّ العادة تستمر عليها منذ الصبا، وبما دعا إليها محبة التسالم والإصلاح المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئناس أو سنن قديمة بقيت ولم تنسخ، أو الاستقراء الكثير.

وإذا أردت أن تعرف الفرق بين الذائع والفطري فاعرض قولك: «العدل جميل» و«الكذب قبيح» على الفطرة التي عرّفنا حالها قبل هذا الفصل، وتكلّف الشك فيهما، تجد الشك متأتياً فيهما وغير مت آت في «أنّ الكل أعظم من الجزء وهو


حقّ أولى». (1)

ثمّ إنّ الشيخ قد فسّر الفطرة في مقام آخر وقال: «أن يتوهم الإنسان نفسه، حصل في الدنيا، دفعة وهو بالغ عاقل، لكنّه لم يسمع رأياً، ولم يعتقد مذهباً، ولم يعاشر أُمّة، ولم يعرف سياسة، لكنّه شاهد المحسوسات، وأخذ منها الخيالات، ثمّ يعرض منها، على ذهنه شيئاً، ويتشكّك فيه. فإن أمكنه الشك فالفطرة لاتشهد به. وإن لم يمكنه الشك، فهو ما توجبه الفطرة». (2)

يلاحظ على كلام الشيخ:

أنّه لو صحّ تفسير الفطرة بما ذكره لأصبح حسن الإحسان وقبح الظلم أو حسن جزاء الإحسان بالإحسان، وقبح جزاء الإحسان بالسوء»، من الفطريات التي لايشك فيه أحد.فإنّ الإنسان مهما كان بسيطاً لاتتجلّى القضيتان عنده سواسية ولو سوّى بينهما، يكون ذلك دليلاً على عدم كونه إنساناً سوياً وليس قضاؤه لقبح الأوّل وحسن الثاني لأجل كونه متألّماً من الظلم أو مسروراً من العدل، بل يقضي بهما مع غضّ النظر عن صلتهما بحياته.

نظرية المحقّق اللاهيجي:

ثمّ إنّ أوّل من نفض الغبار عن وجه الحقيقة هو العلاّمة المحقّق الشيخ عبد الرزاق اللاهيجي (ت1072هـ) في رسالتـه المسماة بـ «سرمايه ايمان» فانّه ذهب إلى ما حقّقناه وأقمنا برهانه وقال ماهذا تعريبه:

«الحق أنّ حسن العدل والصدق، وقبح الظلم والكذب أمر ضروري والعقل في المقام غني عن حكم الشارع.


(1) النجاة: 63، قسم المنطق.

(2) الجوهر النضيد: 198، 62.


فإن قلت: إنّ الحكماء جعلوا حسن العدل وقبح الظلم من المقبولات التي هي من مواد القياس الجدلي، واتّفاقهم عليهما لأجل كونه الأوّل محصلاً للمصالح النوعية والثاني مستلزماً لمفاسدها ومع ذلك كيف يمكن أن يعدّا من القضايا البديهية أو الضرورية التي من شعب اليقينيات.

قلت: ضرورية القضيتين وغناء العقل في مقام إصدار الحكم عن التأمّل والتروّي بمرحلة يعدّ إنكاره مكابرة، وتعليل الحسن والقبح بوجود المصالح والمفاسد العامة، لاينافي كونهما من الأحكام الضرورية البديهية الغنيّة عن التعليل، وذلك لأنّه لا مانع من أن تعد قضية من اليقينيات باعتبار، ومن المقبولات العامة باعتبار آخر، ويكون من مبادئ البرهان من جهة، ومبادئ الجدل من جهة أُخرى، حتّى أنّ كونهما مقبولين للغاية ليس لاستلزامهما المصلحة أو المفسدة بل لقضاء الفطرة بهما مع قطع النظر عن المصالح والمفاسد وربما لايعرفون المصالح والمفاسد». (1)

وممّن وقف على حقيقة الحال، هو الحكيم السبزواري في شرح الأسماء الحسنى فقال: إنّ الحقّ هو عقلية الحسن والقبح للعلم الضروري باستحقاق المدح على العدل والإحسان، والذم على الظلم والعدوان وهذا العلم حاصل للكل، وإن لم يتديّن بدين، ولهذا يحكم به منكروا الشرائع أيضاً كالبراهمة.

وأيضاً انّ العلم بحسن ما حسّنه الشارع، أو قبح ما قبّحه يتوقف على أنّ الكذب قبيح لايصدر عنه وذلك إمّا بالعقل والتقدير انّه معزول وبالشرع فيدور.

ثمّ قال: وقد يستشكل دعوى الضرورة في القضية القائلة بأنّ العدل حسن والظلم قبيح بأنّ الحكماء جعلوهما من المقبولات العامة التي هي مادة الجدل فجعلهما من الضروريات التي هي مادة البرهان غير مسموع ثمّ أجاب وقال: إنّ ضرورية هذه الأحكام، بمرتبة لا تقبل الإنكار بل الحكم ببداهتها أيضاً بديهي ـ


(1) سرمايه ايمان: 60ـ62 بتلخيص.


إلى أن قال: ـ إنّ القضية الواحدة يمكن أن تدخل في اليقينيات والمقبولات من جهتين فيمكن اعتبارها في البرهان والجدل باعتبارين. (1)

ولم نقف على كلام لغيرهما يدعم كون التحسين والتقبيح أمراً بديهياً، ويرفض كونهما من المشهورات المحضة.

كلام المحقّق الاصفهاني:

إنّ المحقّق الاصفهاني تأثّر بكلام الشيخ الرئيس فقد بسط الكلام في تشييد مقاصده وقال: إنّ وصف الفعل بالحسن والقبح يكون لأجل أحد أمرين:

1ـ إذا أساء إنسان إلى غيره فانّه بمقتضى ورود ما ينافره عليه وتألّمه منه، ينقدح في نفسه الداعي إلى الانتقام منه والتشفّي من الغيظ الحاصل لسببه، بذمّه وعقوبته فالسببية للذم هنا واقعية وسلسلة العلل والمعلولات مترتبة واقعاً.

2ـ فيما إذا كان الغرض من الحكم بالمدح والذم حفظ النظام وبقاء النوع بلحاظ اشتمال العدل والإحسان على المصلحة العامة، والظلم والعدوان على المفسدة العامة فتلك المصلحة العامة تدعو إلى الحكم بمدح فاعل ما يشتمل عليها، وتلك المفسدة تدعو إلى الحكم بذمّ فاعل ما يشتمل عليها فيكون هذا التحسين والتقبيح من العقلاء موجباً لانحفاظ النظام ورادعاً عن الاخلال به.

ما يناسب الحكم العقلائي الذي تصح نسبته إلى الشارع بما هو رئيس العقلاء هو القسم الثاني دون الأوّل الذي لايناسب الشارع بل لايناسب العقلاء بما هم عقلاء وهو الذي يصح التعبير عنه بالتأديبيات الصلاحية. (2)

يلاحظ عليه: أنّ حصر ملاك التحسين والتقبيح العقليين بالأمرين غير تام


(1) شرح الأسماء الحسنى: 107ـ 108.

(2) نهاية الدراية: 2/125.


بل هناك ملاكان آخران أوضحنا حالهما فيما مضى:

أوّلهما: كون الحكم من الأحكام الواضحة للعقل العملي.

وثانيهما: أنّه إذا كان الفعل ملائماً للفطرة والجانب المثالي منه أو منافراً، من غير نظر إلى كونه محصلاً للغرض الشخصي كالتشفّي والانتقام، أو المصلحة النوعية كبقاء النظام وعدمه، فيوصف بالحسن أو القبح بمجرّد التوجه إلى الموضوع. فلاحظ ما مرّ.

والذي يدل على ذلك: أنّ الموضوع لايختص بفعل الإنسان حتى يدور أمره بين كونه محصلاً للغرض الشخصي أو النوعي، بل يعم فعله سبحانه الرفيع من هذه الغايات والواقع في قمة الوجود، مثلاً يوصف تأديبه الطفل في الآخرة بكونه قبيحاً، وليس هناك عن الانتقام ولا الاخلال بالنظام حديث ولا خبر.

والذي أوقعه فيما أوقعه، هو اقتفاؤه أثر الشيخ الرئيس، وجعله مسألة الحسن والقبح من المشهورات التي لا واقع له إلاّ اعتراف العامة ولم يجد وجهاً لاعتراف العامة بهما، سوى كون العدل من أسباب بقاء النظام الإنساني والعدل من منافياته.

ولامحيص للمتكلّم الإسلامي ولاالفقيه الأُصولي، في تصحيح ما بنى على ذلك الأصل من الأحكام والأُصول من سلوك ما سلكناه وإلاّ ينهدم كل ما بنى.

ثمّ إنّ شيخنا المظفر تبع ما ذكره المحقق الاصفهاني بحماس وقال: «وتسمّى هذه الأحكام العقلية العامة، الآراء المحمودة، والتأديبات الصلاحية وهي من قسم من القضايا المشهورات التي هي قسم برأسها، في مقابل القضايا الضروريات فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريات ـ إلى أن قال: ـ ومن هنا يتضح أنّ العدلية إذا قالوا بالحسن والقبح العقليين، يريدون أنّ الحسن والقبح من الآراء المحمودة والقضايا المشهورة، المعدودة من التأديبات الصلاحية وهي التي تطابقت عليها رأي العقلاء بما هم عقلاء.


والقضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء أي إنّ واقعها ذلك... الخ. (1)

وبعد الإحاطة بما ذكرناه تقدر على القضاء بين الكلمات.

***

أدلّة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين:

قد تعرفت على محلّ النزاع وكما تعرفت على ملاك التحسين والتقبيح، وقلنا: إنّ القائل بهما في غنى عن إقامة البرهان لكونهما من الأحكام الضرورية في الحكمة العملية، ومع ذلك يناسب أن نشير إلى أدلّة القوم من المثبت والنافي فنقول:

استدل المثبت بوجوه:

الأوّل: ما أشار إليه المحقّق الطوسي بقوله: «ولانتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً»(2) أي أنّا لو قلنا بأنّ الحسن والقبح يثبتان من طريق الشرع، يلزم من ذلك، عدم ثبوتهما بالشرع أيضاً.

توضيحه: أنّ الحسن والقبح لو كانا بحكم العقل، بحيث كان العقل مستقلاً في إدراك حسن الصدق وقبح الكذب، فلااشكال في أنّ ما أمر به الشارع يكون حسناً وما نهى عنه يكون قبيحاً، لحكم العقل بأنّ الكذب قبيح والشارع لايرتكب القبيح، ولايتصور في حقّه ارتكابه.

وأمّا لو لم يستقل العقل بذلك، فلو أمر الشارع بشيء أو نهى عنه أو أخبر بحسن الصدق وقبح الكذب فلا يحسن لنا الجزم بكونه صادقاً في كلامه حتى


(1) أُصول الفقه: 1/335.

(2) كشف المراد: 186.


نعتقد بمضمونه لاحتمال عدم صدق الشارع في أمره أو اخباره فإنّ الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد، حتى لو قال الشارع بأنّه لايكذب لم يحصل لنا اليقين بصدقه حتى في هذا الإخبار.فيلزم على قول الأشعريّ أن لايتمكن الانسان من الحكم بحسن شيء لا عقلاً ولا شرعاً.

وإن شئت قلت: لو لم يستقل العقل بحسن بعض الأفعال وقبح بعضها الآخر، كالصدق والكذب، وأخبرنا اللّه سبحانه عن طريق أنبيائه بأنّ الفعل الفلاني حسن أو قبيح لم نجزم بصدق كلامه لتجويز الكذب عليه.

الثاني: ما أشار إليه المحقّق الطوسي أيضاً بقوله: «ولجاز التعاكس» (1) أي في الحسن والقبح.

توضيحه: أنّ الشارع على القول بشرعية الحسن والقبح، يجوز له أن يُحَسِّن أو يقبِّح ما حسَّنه العقل أو قبَّحه. وعلى هذا يلزم جواز تقبيح الإحسان وتحسين الإساءة وهو باطل بالضرورة. فإنّ وجدان كلّ إنسان يقضي بأنّه لايصحّ أن يذم المحسن أو يمدح المسيئ. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولايكونن المحسن والمسيئ عندك بمنزلة سواء» (2) والإمام يهدف بكلمته هذه إلى إيقاظ وجدان عامله، ولايقولها بما أنّها كلام جديد غفل عنه عامله.

الثالث: لو كان الحسن والقبح شرعيين لما حكم بهما البراهمة والملاحدة الذين ينكرون الشرائع، ويحكمون بذلك مستندين إلى العقل.وهؤلاء المادّيون والملحدون المنتشرون في شرق الأرض وغربها يرفضون الشرائع والدين من أساسه ولكن يعترفون بحسن أفعال وقبح بعضها الآخر.

ولأجل ذلك يغرّون شعوب العالم بطرح مفاهيم خداعة، بدعاياتهم الخبيثة،


(1) كشف المراد: 186.

(2) نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 53.


نظير دعم الصلح والسلام، وحفظ حقوق البشر، والعناية بالاسرى والسجناء، ونبذ التمييز العنصري، إلى غير ذلك ممّا يستحسنه الذوق الإنساني والعقل البشري في جميع الأوساط، يطرحون تلك القضايا ليصلوا من خلالها إلى أهدافهم ومصالحهم الشخصية.ولولا كون هذه المفاهيم مقبولة عند عامة البشر لما استخدمها دعاة المادية والإلحاد في العالم.

والحاصل: أنّ هناك أفعالاً لايشك أحد في حسنها سواء ورد حسنها في الشرع أم لم يرد.كما أنّ هناك أفعالاً قبيحة عند الكل، سواء ورد قبحها في الشرع أم لا. ولأجل ذلك لو خيّر العاقل (الذي لم يسمع بالشرائع، ولاعلم شيئاً من الأحكام، بل نشأ في البوادي، خالي الذهن من العقائد كلّها) بين أن يَصدق ويُعطى ديناراً، أو يَكذب ويُعطى ديناراً، ولا ضرر عليه فيهما فانّه يرجح الصدق على الكذب. ولولا قضاء الفطرة بحسن الصدق وقبح الكذب لما فرّق بينهما، ولما اختار الصدق دائماً.

وهذا يعرب عن أنّ العقل له قدرة الحكم والقضاء في أُمور ترجع إلى الفرد والمجتمع، فيحكم بحسن إطاعة وليِّه المنعم وقبح مخالفته، وانّ المحسن والمسيئ ليسا بمنزلة سواء، ونحو ذلك.

الرابع: لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع، لما قبح من اللّه تعالى شيء. ولو كان كذلك لما قبح منه إظهار المعجزات على أيدى الكاذبين.وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة الأنبياء، فانّ أيّ نبيّ أتى بالمعجزة عقيب الادّعاء، لايمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعواه.

وهذه النتيجة الباطلة من أهمّ وأبرز ما يترتب على إنكار القاعدة. وبذلك سدّوا باب معرفة النبوة.

***


أدلّة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليين:

استدلت الأشاعرة على نفي التحسين والتقبيح العقليين بوجوه نأتي بها:

الدليل الأوّل: اللّه مالك كل شيء يفعل في ملكه ما يشاء:

توضيحه: أنّه المالك، القاهر، الذي ليس بمملوك، ولا فوقه مبيح، ولا آمر، ولا زاجر، ولا حاظر، ولامن رسم له الرسوم، وحدّ له الحدود. فإذا كان هذا هكذا، لم يقبح منه شيء، إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا، لأنّا تجاوزنا ما حدَّ ورسم لنا، وأتينا ما لم نملك إتيانه.فلما لم يكن البارى مملوكاً ولاتحت أمر، لم يقبح منه شيء. فإن قال: فإنّما يقبح الكذب لأنّه قبّحه. قيل له: أجل ولو حسّنه لكان حسناً، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض.

فإن قالوا: فجوزوا عليه أن يكذب، كما جوزتم أن يأمر بالكذب.

قيل لهم: ليس كلّ ما جاز أن يأمر به، جاز أن يوصف به. (1)

يلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فانّنا نسأل الشيخ الأشعري عن أنّه سبحانه إذا أولِمَ طفله في الآخرة وعذّبه بألوان التعذيب مع كون الطفل بريئاً لم يصدر منه ذنب، ورأى الأشعرى ذلك بأُم عينه في الآخرة، هل يرى ذلك عين العدل، ونفس الحسن؟! أو أنّه يجد ذلك الفعل، من وجدانه، أمراً منكراً؟

ومثله ما لو فعل بالأشعري نفس ما فعل بطفله مع كونه مؤمناً، فهل يرضى بذلك في أعماق روحه، ويراه نفس العدل غير متجاوز عنه، بحجة أنّ اللّه سبحانه مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء؟ أو أنّه يقضي بخلاف ذلك؟

وأمّا ثانياً: فلاشكّ أنّه سبحانه مالك الملك والملكوت يقدر على كل أمر


(1) الأشعري: اللمع: ص117.


ممكن ـ كما عرفت ـ من غير فرق بين الحسن والقبيح، فعموم قدرته لكل ممكن ممّا لاشبهة فيه، ولكن حكم العقل بأنّ الفعل الفلاني قبيح لايصدر عن الحكيم، ليس تحديداً لملكه وقدرته. وهذا هو المهم في حلّ عقدة الأشاعرة الذين يزعمون أنّ قضاء العقل وحكمه في أفعاله سبحانه نوع تدخّل في شؤون ربّ العالمين، ولكن الواقع ليس ذلك.

توضيحه: أنّ العقل بفضل التجربة، أو بفضل البراهين العقلية، يكشف عن القوانين السائدة على الطبيعة، كما يكشف عن القوانين الرياضية، فلو قال العقل: إنّ كل زوج ينقسم إلى متساويين، فهل يحتمل أنّ العقل بذلك فرض حكمه على الطبيعة، أو يقال: إنّ الطبيعة كانت تحمل ذلك القانون والعقل كشفه وبيّنه؟ فإذا كان هذا هو الفرق بين فرض الحكم وكشفه في عالم الطبيعة، فليكن هو الفارق بين إدراكه حسن الفعل وقبحه وأنّ أيّ فعل يصدر منه أو لايصدر منه، وبين فرضه الحكم على اللّه سبحانه فرضاً يحدد سعة قدرته وإرادته وفعله. فليس العقل هنا حاكماً وفارضاً على اللّه سبحانه، بل هو ـ بالنظر إلى اللّه تعالى وصفاته التي منها الكمال والغنى ـ يكشف عن أنّ الموصوف بمثل هذه الصفات وخاصة الحكمة، لايصدر منه القبيح، ولاالإخلال بما هو حسن.

وبعبارة أُخرى: أنّ العقل يكشف عن أنّ المتصف بكل كمال، والغنيّ عن كل شيء، يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح، لتحقّق الصارف عنه، وعدم الداعي إليه، وهذا الامتناع ليس امتناعاً ذاتياً حتى لايقدر على الخلاف، ولاينافي كونه تعالى قادراً عليه بالذات، ولاينافي اختياره في فعل الحسن وترك القبيح، فإنّ كلاً من الفعل والترك بالاختيار، وهذا معنى ما ذهبت إليه العدلية من أنّه يمتنع عليه القبائح.ولايهدف به إلى تحديد فعله من جانب العقل، بل اللّه بحكم أنّه حكيم، التزم وكتب على نفسه أن لايخلّ بالحسن ولايفعل القبيح.وليس دور العقل هنا إلاّ دور الكشف والتبيين بالنظر إلى صفاته وحكمته.


وباختصار: أنّ فعله سبحانه ـ مع كون قدرته عامة ـ ليس فوضوياً ومتحرّراً عن كل قيد وشرط، وليس التحديد مفروضاً عليه سبحانه من ناحية العقل، وإنّما هو واقعية وحقيقة كشف عنه العقل، كما كشف عن القوانين السائدة على الطبيعة والكون.فتصور أنّ فعله سبحانه متحرّر عن كلّ قيد وحدّ، لغاية حفظ شأن اللّه سبحانه، وسعة قدرته أشبه بالمغالطة، فإنّ حفظ شأنه سبحانه غير فرض تجرّد فعله عن كلّ قيد وشرط.

وبالتأمّل فيما ذكرنا يظهر ضعف سائر ما استدل به القائلون بنفي التحسين والتقبيح العقليين. ولابأس بالإشارة إلى بعض أدلّتهم التي أقامها المتأخّرون عن أبي الحسن الأشعري من أتباع مذهبه ودعاة طريقه.

الدليل الثاني: لو كان التحسين والتقبيح ضرورياً لما وقع الاختلاف:

قالوا: لو كان العلم بحسن الإحسان وقبح العدوان ضرورياً لما وقع التفاوت بينه وبين العلم بأنّ الواحد نصف الاثنين، لكن التالي باطل بالوجدان.

وأجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: «ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصوّر». (1)

توضيحه: أنّه قد تتفاوت العلوم الضرورية بسبب التفاوت في تصوّر أطرافها.وقد قرّر في صناعة المنطق أنّ للبديهيات مراتب: فالأوّليات أبده من المشاهدات بمراتب. والثانية أبده من التجربيات، والثالثة أبده من الحدسيات، والرابعة أبده من المتواترات، والخامسة أبده من الفطريات.والضابطة في ذلك أنّ ما لايتوقف التصديق به على واسطة سوى تصور الطرفين فهو أبده من غيره، وذلك مثل الأوّليات، وهكذا.


(1) كشف المراد: 186.


فلو صحّ ما ذكره الأشاعرة من الملازمة، لزم أن لاتكون الحدسيات من اليقينيات.

وباختصار: أنّ العلوم اليقينية، مع كثرتها ليست على نمط واحد، بل لها مراتب ودرجات، وهذا شيء يلمسه الإنسان إذا مارس علومه ويقينياته، وعلى ذلك فلا مانع من أن يقع الاختلاف في بعض العلوم الضرورية لدوافع خاصة، وهي في المقام تصور أنّ الحكم بالحسن والقبح تحديد لسلطنته سبحانه، فلأجل ذلك رفضت الأشاعرة هذا العلم الضروري للحفاظ على عموم سلطته تعالى.

الدليل الثالث: لو كان الحسن والقبح عقليين لما تغيرا :

إنّ الحسن والقبح لو كانا عقليين لما اختلفا، أي لما حسن القبيح ولما قبح الحسن، والتالي باطل، فإنّ الكذب قد يحسن والصدق قد يقبح، وذلك فيما إذا تضمن الكذب إنقاذ نبيّ من الهلاك، والصدق إهلاكه.

فلو كان الكذب قبيحاً لذاته لما كان واجباً ولا حسناً عند ما استفيدت به عصمة دم نبيّ عن ظالم يقصد قتله (1)

وأجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: «وارتكاب أقل القبيحين مع إمكان التخلص». (2)

توضيحه: أنّ الكذب في هذه الصورة على قبحه إلاّ أنّ ترك إنقاذ النبيّ أقبح من


(1) الآمدي: الأحكام: 1/121.

(2) كشف المراد: 187.


الكذب، فيحكم العقل بارتكاب أقلّ القبيحين تخلصاً من ارتكاب الأقبح. على أنّه يمكن التخلّص عن الكذب بالتعريض (أي التورية) .

وباختصار: أنّ تخليص النبي أرجح من حسن الصدق فيكون تركه أقبح من الكذب فيرجح ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحة العظيمة، على الصدق.

أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال مبنيّ على كون قبح الكذب وحسن الصدق، كقبح الظلم وحسن العدل، ذاتيين لايتغيران. وأمّا على ما مرّ من أنّ الأفعال بالنسبة إلى الحسن والقبح على أقسام:

منها: مايكون الفعل علّة تامة لأحدهما، فلايتغير حسنه ولاقبحه بعروض العوارض كحسن الإحسان وقبح الإساءة.

ومنها: مايكون مقتضياً لأحدهما، فهو موجب للحسن لو لم يعرض عليه عنوان آخر، وهكذا في جانب القبح. وقد تقدّم أنّ حسن الصدق وقبح الكذب من هذا القبيل.

ومنها: ما لا يكون علّة ولا مقتضياً لأحدهما كالضرب، وإنّما يوصف بأحدهما بطرؤ عنوان كالضرب جزاء أو إيذاء.

إنّ الآمدي ـ أحد المتكلّمين من الأشاعرة ـ نقل وجوهاً سبعة لإنكار التحسين والتقبيح العقليين ونحن نضنّ بالقلم والحبر والورق عن نقلها والردّ عليها، ولأجل الوقوف على ضآلتها نذكر واحداً منها:

لو كان الكذب قبيحاً لذاته، للزم منه أنّه إذا قال: «إن بقيت ساعة كذبت» أن يكون الحسن منه في الساعة الأُخرى، الصدق أو الكذب، والأوّل ممتنع لما يلزمه من كذب الخبر الأوّل وهو قبيح، فلم يبق غير الثاني وهو المطلوب. (1)

انظر إلى هؤلاء، كيف يستدلّون على مسألة كلامية أو أُصولية أو أخلاقية بهذه الوجوه التافهة، وهم بدل أن يرجعوا إلى فطرتهم وقضاء عقولهم، صاروا يستدلون بهذه اللغز والأحاجي.ومع ذلك نقول: إنّ وظيفته في الساعة الأُخرى هو


(1) الاحكام: 1/120ـ 121.


الصدق، وهو ليس بقبيح واستلزامه كذب الخبر الأوّل ليس بقبيح، لأنّ تعهده على الكذب كان قبيحاً، وكان نقضه حسناً وهذا نظير ما إذا أخبر عن قتل الإنسان البريء في الساعة الثانية، لكن الحسن منه ليس هو القتل، بل تركه، لأنّ فيه صيانة الدم المحترمة. والوجوه الباقية من هذه القبيل والآمدي وإن لم يقبلها، لكن نقل هذه الحجج الواهية، ليس من شؤون الكاتب الواعي.

وأمّا ما استند هو عليه في ردّ الحسن العقلي فليس بأقصر من هذه الوجوه فلاحظ. (1)

***

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أنّ هناك أفعالاً يستقل العقل بحسنها وقبحها، ويقضي بهما من دون أن يستعين بالشرع، ويرى حسنها وقبحها مطرداً في جميع الفاعلين، من غير اختصاص بالخالق أو المخلوق. وقد ذكرنا ملاك قضائه وهو إمّا كون القضية من البديهيات أو كونها ملاءمة أومنافرة للشخصية العِلْوية المثالية التي خلق الإنسان عليها.

ثمّ إنّ القول بالتحسين والتقبيح العقليين إنّما يتم على القول بأنّ الإنسان فاعل مختار، وأمّا على القول بأنّه مجبور في أفعاله، فالبحث عنهما منفي بانتفاء موضوعه، لأنّ شيئاً من أفعال المجبور لايتصف بالحسن ولابالقبح عقلاً. وبما أنّ الأشاعرة يصورون الإنسان فاعلاً مجبوراً، فلازم مقالتهم نفي التحسين والتقبيح العقليين، وقد اعترف الأشاعرة بذلك (2)

***


(1) الاحكام: 1/123.

(2) كشف المراد: 187.


التحسين والتقبيح في الكتاب العزيز :

إنّ التدبّر في آيات الذكر الحكيم يعطي أنّه يسلّم استقلال العقل بالتحسين والتقبيح خارج إطار الوحي ثمّ يأمر بالحسن وينهى عن القبح.

1ـ قال سبحانه: (إنَّ اللّهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإحْسانِ وَ إيتاءِ ذي القُرْبى وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنْكَرِ وَ البَغْيِ يَعِظُكُمْْ لَعلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) . (1)

(قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبّيَ الفَواحِشَ) . (2)

(يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ) . (3)

(وَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَ اللّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللّهَ لايَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ) . (4)

فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنّ هناك أُموراً توصف بالإحسان والفحشاء والمنكر والبغي والمعروف قبل تعلّق الأمر أو النهي بها، وأنّ الإنسان يجد اتصاف الأفعال بأحدها ناشئاً من صميم ذاته، كما يعرف سائر الموضوعات كالماء والتراب. وليس عرفان الإنسان بها موقوفاً على تعلّق الشرع وإنّما دور الشرع هو تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن والنهي عن القبيح.

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يتّخذ وجدان الإنسان سنداً لقضائه فيما تستقل به عقليته:

5ـ يقول تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصالِحاتِ كَالمُفْسِدِينَ في


(1) سورة النحل/90.

(2) سورة الأعراف /33.

(3) سورة الأعراف/157.

(4) سورة الأعراف/28.


الأرضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كالفُجّار) . (1)

6ـ ويقول سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمينَ كالمُجْرِمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) . (2)

7ـ ويقول سبحانه: (هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلاّ الإحْسان) . (3)

فالتدبر في هذه الآيات لايدع مجالاً لتشكيك المشكّكين في كون التحسين والتقبيح من الأُمور العقلية التي يدركها الإنسان بالحجة الباطنية من دون حاجة إلى حجة ظاهرية.

ولنكتف بهذا المقدار ـ قال الشيخ الأعظم ـ: إنّ إكثار الكلام فيها ربما يعدّ من العبث، حيث إنّه لايفيد غير ما هو المعلوم لنا منها بسلامة الوجدان مع أنّ لنا فيه غنى عن تجشّم البرهان. (4)

واعلم أنّ البحث عن الحسن والقبح يعدّ من المبادئ الأحكامية التي يبحث فيها عن أحوال الأحكام الشرعية، مثل البحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء بعنوانين، فانّه ـ عند البعض ـ من المبادئ الأحكامية.وأمّا البحث عن المسألة الثانية أي وجود الملازمة بين حكم العقل بالحسن، أو القبح والحكم الشرعي فهو من المسائل الأُصولية وإليك الكلام فيها:


(1) سورة ص/28.

(2) سورة القلم/35ـ 36.

(3) سورة الرحمن/60.

(4) مطارح الأنظار، رسالة «الأدلة العقلية»: 235.


المسألة الثانية:

ثبوت الملازمة بين

حكم العقل وحكم الشرع

قد عرفت فيما سبق أنّ هنا مسائل ثلاث، وقد مضى البحث عن الأُولى وهي بمنزلة الصغرى للمسألة الثانية، أعني: وجود الملازمة بين حكمي العقل والشرع، بمعنى انّه إذا ثبت حكم العقل بحسن شيء أو قبحه هل يلزم عقلاً أن يحكم الشرع على طبقه أو لا ؟ فالمعتزلة على الملازمة، فهو عندهم طريق إلى العلم بالحكم الشرعي. دون غيرهم وأمّا أصحابنا فالأخباريون على إنكار الملازمة، والأُصوليون على ثبوتها، إلاّ صاحب الفصول فقد أنكرها.وقبل الخوض في المقصود، لابدّ من التنبيه على أمر مهم له دور في القضاء الصحيح في المسألة وهو:

إنّ محل النزاع غير مُنقَّح في كلمات القوم، ويظهر من الردود على نفي الملازمة بين حكمي العقل والنقل انّه حصل الخلط فيما عقد له هذا البحث.


فنقول: إنّ هنا مسألتين:

الأُولى: إذا استقل العقل بالتحسين والتقبيح، ومدح المحسن وذم المسيئ، فهل يستقل بأنّ الأمر كذلك عند الشارع، فهو أيضاً باعث إلى الإحسان، وزاجر عن الظلم، ويمدح المحسن ويذم المسيئ، ويثيب الأوّل، ويعاقب الثاني أو لا؟ وعلى ذلك فالبحث في كلا الطرفين (العقل والشرع) مركز، على إدراك العقل حسن الفعل وقبحه. لا على إدراكه مصلحة في الفعل أو مفسدة فيه، شخصية كانت أو نوعية.

الثانية: إذا استقل العقل بوجود المصلحة في الفعل أو المفسدة فيه، ولزوم حيازة الأُولى، والاجتناب عن الثانية، فهل يكشف ذلك عن كونه واجباً أو حراماً عند الشرع أو لا، بحيث يكون العلم بالمصالح والمفاسد، من مصادر التشريع الإسلامي، أو لا ؟

أقول: هذه مسألة مسألة ثانية لاصلة لها بالأُولى لما عرفت من أنّ موضوع البحث في الأوّل هو حسن الأفعال وقبحها، مع قطع النظر عن كونها حاملة لمصلحة أو مفسدة، وهذا بخلاف الثانية فالموضوع فيه كون الفعل ذا مصلحة ومفسدة، وربما لايكون اشتماله على المصلحة أو المفسدة بديهياً، ولايثبت إلاّ بإقامة البرهان أو بالاستقراء أو بالبحث والنقاش وعلى كلّ تقدير فإنّها خارجة عن محط البحث، وأشبه ببحوث أهل السنّة، ومبانيهم، فأنّ العقل عندنا أقصر من أن يحيط بمصالح الأُمور ومفاسدها ومزاحماتها وموانعها حتى يصبح من مصادر التشريع بهذا المعنى.

وممّن صرّح بذلك، الشيخ المحقّق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية وتلميذه المظفر وإليك نقل كلامهما.

قال المحقّق الاصفهاني: «أمّا استتباع حكم العقل النظري للحكم الشرعي المولوي فمجمل القول فيه انّ مصالح الأحكام الشرعية المولوية التي هي ملاكات


تلك الأحكام ومناطاتها، لاتندرج تحت ضابط، ولاتجب أن تكون هي بعينها المصالح العمومية المبني عليها حفظ النظام وإبقاء النوع، وعليه فلاسبيل للعقل بما هو إليها، نعم لو اتّفق إدراك مصلحة حاصلة لبعض الأحكام بحيث كانت في نظر العقل تامة الاقتضاء فهل يحكم الفعل بحكم الشارع على طبقها أملا...»؟(1)

وقال الشيخ المظفر، بعد تقرير البحث بنفس تقريرة أُستاذه: «... وعلى هذا فلا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعية، فإذا أدرك العقل المصلحة في شيء أو المفسدة في آخر، ولم يكن إدراكه مستنداً إلى المصلحة أو المفسدة العامّتين اللتيين يساوي في إدراكهما جميع العقلاء، فانّه ـ أعني العقل ـ لاسبيل له إلى الحكم بأنّ هذا المدرك، يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل أو يحتمل انّ هناك ما هو مناط لحكم الشارع، غير ما أدرك العقل أو انّ هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل، وإن كان ما أدرك مقتضياً لحكم الشارع.

ولأجل هذا نقول: إنّه ليس كل ما حكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل وإلى هذا يشير إمامنا الصادق (عليه السلام): «إنّ دين اللّه لايصاب بالعقل»، ولأجل هذا نحن لانعتبر القياس والاستحسان من الأدلّة الشرعية على الأحكام». (2)

وبما ذكرنا يتبيّـن لك انّ بعض ما رُدَّ به على القاعدة فهو خارج عن حريم النزاع وإنّما هو راجع إلى المسألة الثانية التي هي خارجة عن محط البحث ولننقل كلام النافين والمثبتين حتى يتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره:

1ـ كلام الزركشي وهو من النافين:

ذهب الزركشي إلى أنّ الحسن والقبح ذاتيان، والوجوب والحرمة شرعيان


(1) نهاية الدراية: 2/130.

(2) اُصول الفقه: 1/239ـ240.


وانّه لاملازمة بينهما. والمعتزلة لاينكرون انّ اللّه تعالى هو الشارع للأحكام، وإنّما يقولون: إنّ العقل يدرك انّ اللّه تعالى شرّع أحكام الأفعال بحسب ما يظهر من مصالحها ومفاسدها فهو طريق عندهم إلى العلم بالحكم الشرعي، والحكم الشرعي تابع لهما لاعينهما، فما كان حسناً، جوزّه الشارع وما كان قبيحاً منعه فصار عند المعتزلة حكمان، أحدهما عقلي والآخر شرعي تابع له.

ثمّ نقل قولاً آخر وأسماه قولاً متوسطاً وهو انّه قبحها ثابت بالعقل، والعقاب يتوقف على الشرع وهو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني وأبو الخطاب من الحنابلة وذكره الحنفية ونقلوه عن أبي حنيفة نصّاً وهو المنصور ـ ثمّ قال: ـ إنّ هيهنا أمرين: الأوّل: إدراك العقل حسن الأشياء وقبحها، الثاني: انّ ذلك كاف في الثواب والعقاب وإن لم يرد في الشرع، ولا تلازم بين الأمرين، بدليل (ذَلِكَ إنْ لَم يَكُن رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلمِ) أي بقبيح فعلهم (وَأَهْلُها غَافِلُون)(الأنعام/131) ومثله: (وَلَوْلا أنَ تُصِيبِهُم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي من القبائح (فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرسَلْتَ إِلَينَا رَسُولاً...) (القصص/47) . (1)

يلاحظ عليه: أوّلاً إنّ البحث مركز على ما لو استقل العقل بحسن الأفعال أو قبحها فهو يلازم ذلك ـ عند العقل ـ حكمه بالحسن والقبح أيضاً أولا، وعليه فما نقله عن المعتزلة من أنّ العلم بالمصالح والمفاسد طريق إلى الحكم الشرعي، كأنّه خارج عن محيط النزاع.

وبعبارة أُخرى ليس النزاع فيما إذا وقف العقل على مصالح الأحكام ومفاسدها وملاكاتها وانّه هل يلازم ذلك ـ عند العقل ـ حكم الشارع أيضاً على وفقها أو لا؟ بل النزاع فيما إذا استقل بحسن فعل أو قبحه، وانّه هل يلازم حكم الشارع بهما أيضاً أو لا، وبين الموضوعين بون بعيد، والقول بالملازمة في الجهة الثانية لايلازم القول في الأُولى لما تقرر في محلّه من انّه لاسبيل للعقل بما هو عقل


(1) تشنيف المسامع بجمع الجوامع: 1/133ـ139 كما في التعليق على الوافية: 175 ـ177.


إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعية (1) ، إذ يحتمل أن يكون المناط لحكم الشرع غير ما أدركه العقل، أو انّ هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على وفق ما أدركه العقل وإن كان ما أدركه مقتضياً لحكم الشرع. وقد عرفت حق القول قبل نقل كلام الزركشي كل ذلك يصيد الفقيه من حصول القطع بالمناط الذي هو السبب التام للحكم الشرعي.

وثانياً: أنّ طرف الملازمة بعد حكم العقل بالحسن والقبح، هو حكم الشارع بهما.لا الثواب والعقاب، كما هو لائح من كلامه ونقضه وابرامه، نعم بعد ثبوت الملازمة وثبوت حكم الشرع بهما، يترتب عليه العقاب أو الثواب لمخالفة حكمه أو موافقته.

وثالثاً: لا دلالة لما استدل به من الآيات على كونهما متوقّفين على خطاب صادر من الشارع ولايكفي الحكم الاستكشافي، وذلك لأنّ الآية الأُولى النافية للعقاب إلاّ بعد بيان الشارع ناظرة إلى الغافلين من الناس بشهادة قوله: (وَأهْلُها غافِلُونَ) ، ولاصلة لها بمن هو واقف على مراد الشارع عن طريق العقل فلاتنفي الآية صحّة العقاب لغير الغافلين، العارفين بكون الفعل قبيحاً عند العقل وغير مرضيّ لدى الشرع.

ورابعاً: أنّ المراد من قوله: (بظلم) هو الشرك بدليل قوله سبحانه: (يا بُنَيَّ لاتُشْرِكْ بِاللّهِ إنَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظيمٌ)(لقمان/13) وقوله سبحانه: (الّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْم أُولئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ)(الأنعام/82) وليس الشرك من القبائح التي يقف عليه الإنسان بصرافة ذهنهم وإنّما يدرك قبحه، الأفذاذ من الناس، وغير المتأثّرين بطريق الآباء والأجداد، وإلاّ فربما يتجلّى ذلك الأمر القبيح عند المشركين أمراً حسناً، وقد كانوا يستدلون على حسن أفعالهم بأنّهم يعبدون الأوثان، لأجل التقرّب إلى اللّه سبحانه.وعلى ذلك فإناطة العقاب في


(1) إلاّ المصالح والمفاسد العامّتين اللتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء كما في كلام شيخنا المظفر.


هذا المورد، بإرسال الرسل لايكون دليلاً على إناطة سائر القبائح الواضحة به، وبالجملة الإناطة في مورد خاص لايكون دليلاً على الإناطة في مورد عام.

وبذلك يظهر الجواب عن الاستدلال بالآية الثانية، لأنّها نزلت في حقّ قريش بشهادة قوله قبل هذه الآية: (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما آتاهمْ مِنْ نَذير قَبْلَكَ لعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون)(القصص/26) والقدرالمتيقّن من قوله: (بِما قدّمت أيديهم)، هوالشرك السائد على الجاهلية، الذي ربما يخفى قبحه على سواد الناس، فقد علّق العقاب به على إرسال الرسل، لا كلّ قبيح واضح، ولأجل ذلك كانوا يُسألون يوم القيامة عن وأد البنات، قال سبحانه: (وإذا المَوْءُدَةُ سُئِلَتْ * بِأىِّ ذَنْب قُتِلَتْ) (التكوير3ـ4) .

2ـ كلام صاحب الوافية وهو من النافين للملازمة:

ثمّ إنّ صاحب الوافية ممّن قال بالتحسين والتقبيح العقليين، ولكنّه لم يلتزم بالملازمة وقال: «والحقّ ثبوت الحسن والقبح العقليين، ولكن في إثبات الحكم الشرعي ـ كالوجوب والحرمة ـ بهمانظر وتأمل، لأنّ قوله تعالى: (وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (1) (الإسراء/15) ظاهر في أنّ العقاب لايكون إلاّ بعد بعثة الرسول فلاوجوب ولاتحريم إلاّ وهو مستفاد من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأيضاً انّ العقل يحكم بانّه يبعد من اللّه توكيل بعض أحكامه إلى مجرّد إدراك العقول مع شدة اختلافها في الإدراكات من غير انضباطة بنص أو شرع، فانّه يوجب الاختلاف والنزاع، مع أنّ رفعه من إحدى الفوائد لارسال الرسل ونصب الأوصياء (عليهم السلام) . (2)


(1) سيوافيك الاستدلال بهذه أيضاً على نفي الملازمة بشكل آخر في آخر المبحث.

(2) الوافية: 173ـ174.


يلاحظ عليه: أنّ بعث الرسول، كناية عن البيان الواصل وحصول اليقين أو إقامة الحجة عليه، ولأجل ذلك لو بعث الرسول، ولم يصل البيان إلى العبد، لماكان مسوِّغاً للعقاب وعلى ذلك لو حصل له اليقين بالصغرى، أي التحسين والتقبيح العقليين وحصل اليقين بالكبرى: إنّ الشارع أيضاً حسّن ما حسّنه العقل وقبّح ما قبّحه، يكون ممّن وصل إليه البيان ولأجله عُدَّ العقل، في رواية هشام عن الكاظم (عليه السلام)رسولاً من باطن، قال: «يا هشام إنّ للّه على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، أمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول». (1)

أضف إلى ذلك أنّ ما ذكره في ذيل كلامه، دليل على خروجه عن محطِّ البحث إذ ليس الكلام في الاعتماد على الإدراكات العقلية في إدراكات المصالح والمفاسد حتى يرد عليه قوله: «بأنّه يبعد من اللّه توكيل بعض أحكامه إلى مجرّد إدراك العقول مع شدّة اختلافها في الإدراكات من غير انضباطة بنص أو شرع فإنّه يوجب الاختلاف» وذلك لأنّ مسألة التحسين والتقبيح من الأُمور البديهية التي لايختلف فيهما العقول غير المتأثرة عن الشبهات، ولا صلة لها بما ذكر» .

3ـ كلام الصدر في نفي كون المكشوف حكماً:

يرى السيد الصدر، صحّة الملازمة ولكن يقول: انّ المكشوف عن طريق الملازمة لا يسمّى حكماً شرعياً ولا يترتّب عليه الثواب والعقاب قال: «إنّا إذا أدركنا العلّة التامة للحكم العقلي بوجوب شيء أو حرمته مثلاً، يصح أن يحكم عليه بأنّ الشارع حكم أيضاً بمثل الحكم العقلي عليه، ولكن لمّا فرضنا عدم بلوغ التكليف إلينا لايترتّب عليه الثواب، وإن كان يترتّب على نفس الفعل شيء من قرب وبعد، فلا يكون واجباً أو حراماً شرعياً ـ إلى أن قال: ـ وبالجملة وجود


(1) الكافي: 1/16.


الإضافة التي يُعبّر عنها بالخطاب معتبر في تحقّق حقيقة الحكم وليس مجرّد التصديق من الشارع بأنّ شيئاً خاصاً ممّا يحسن فعله أو تركه، وكذا إرادته من المكلّف أن يفعل أو يترك أو رضاه من فعل ومقته لآخر، حكماً شرعياً من دون أن يصير المكلّف مخاطباً بالفعل بأن يصل إليهم قول النبي: أن صلِّ وصُم، وكذا إخبار الشرع بأنّ هذا الشيء واجب أو حرام أو طلبه (1)قبل بلوغ الخطاب، ليس حكماً فعلياً، وبما انّ الثواب والعقاب مترتّبان على التكليف الخطابي والقاعدة لاتثبت الخطاب حتى يترتّبا عليه.

وقال في آخر كلامه: إنّ غاية ما يمكن أن يدركه العقل هو بعض الجهات المحسِّنة والمقبِّحة ويجوز أن يكون هنا جهة أُخرى في الواقع لم يحصلها فيمكن أن تكون معارضة ولايكون الحكم كما أدركه. (2)

وأشكل عليه الشيخ الأعظم بوجوه نذكر المهّم منهما:

الأوّل: انّ للحكم الشرعي إطلاقات:

1ـ قد يطلق ويراد به الخطاب الفعلي التنجيزي الصادر منه تعالى أو أحد أُمنائه وإليه ينظر تعريفهم له بأنّه خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين.

2ـ قد يطلق ويراد به الخطابات الشأنية التي صدرت عن الشارع، وإن لم يعلم بها المكلّف لعدم وصولها إليه من ممانعة مانع داخلي أو خارجي، فهي مخزونة عند أهلها، وهي التي يقول بثبوتها المخطِّئة وبعدمها المصوّبة، ويشارك الأوّل في مجرّد الجعل ويمايزه من حيث عدم الفعلية.

3ـ قد يطلق ويراد به الإرادة الجازمة والكراهة الثابتة في الواقع، متعلّقة بالمراد في الأُولى، وبالمكروه في الثانية على وجه يصير المُظهِر لهما، عند إرادة


(1) عطف على قوله: وكذا إرادته من المكلّف أي وكذا طلبه....

(2) مطارح الأنظار: رسالة في الأدلة العقلية: 236.


إظهارهما، هو الأمر اللفظي والنهي كذلك، فالإرادة هذه في الحقيقة، روح الطلب ولبُّه بل هي عينه، بحيث لو أراد الشارع جعل حكم فلابدّ من أن يكون مطابقاً له.

إذا عرفت ذلك فنقول:

الف: إن أراد القائل انّ حكم العقل بوجوب شيء وإدراكه العلّة التامة المقتضية للوجوب، لايلازم صدور الخطاب على وجه يصدق انّه حكم تنجيزي صادر من الشارع فمسلّم.

ب: وإن أراد من الحكم، الحكم الشأني، وانّ حكم العقل لايلازم ذلك، فهو أيضاً مسلّم.

ج: وإن أراد من الحكم، بمعنى طلبه وإرادته وانّه لاملازمة بين حكم العقل بحسن شيء أو قبحه، وبين إرادته وكراهته فهو محجوج بقطع العقل الخارج عن شوائب الوهم بخلافه، فانّ العقل إذا أدرك حسن الشيء على وجه به يستحق فاعله الثواب وجزاء الخير، فقد أدرك من كل عاقل حكيم شاعر، فكيف بمن هو خالقهم؟ وكذلك إذا أدرك قبح الشيء، والملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع بهذا المعنى ممّا لايقبل الإنكار فكأنّها نار في منار.

وأمّا الثواب والعقاب، فالحكم بالمعنى الثالث هو مدارهما، ألاترى انّه لو علم العبد بعدم إرادة المولى قتل ولده، أو أراد إكرامه فقتله، أو أكرمه فيعد عندهم عاصياً ومطيعاً من دون أن تدانيه شبهة وليس لصدور اللفظ المعبر عنه بالخطاب مدخلية في ذلك.

بل يمكن إثبات الحكم بالمعنى الأوّل بضمّ مقدّمة خارجية (1) وهو قولهم


(1) وربما يستدل على الملازمة بين الارادة والكراهة، والخطاب التنجيزي بقاعدة اللطف وهي غير تامّة في المقام.


بعدم جواز خلو الواقعة عن الأحكام كما تدل عليه جملة من الأخبار.

والحاصل: أنّ القول بعدم ترتّب الثواب والعقاب إلاّ على الأمر والنهي اللفظيين، فهو منقوض بالإجماع والضرورة والسيرة.

الثاني: انّ ما أفاده من أنّ الجهات المدركة في المستقلاّت العقلية ليست علّة تامّة ممّا لايصغى إليه بعد موافقة الوجدان بأنّ الجهة المدركة من الإحسان والظلم، حسب وجداننا هي العلّة التامّة. (1)

4ـ كلام للمحقّق القمّي وهو من المثبتين:

إنّ المحقّق القمّي فصّل الكلام في إثبات الملازمة وبيّنها بأتم البيان وردّ في خلال استدلاله، على الأخباريين الذين قالوا: « إنّ الثواب والعقاب فرع الموافقة والمخالفة وبما انّهما لايتحقّقان إلاّ بخطاب الشارع الوارد في الكتاب والسنّة وحيث لا أمر ونهي فيهما فلا طاعة فلاثواب، ولاعصيان ولاعقاب». وبما انّ كلامه يتضمن بيان دليل المثبتين ننقله بطوله. قال:

تبيّن عندنا معاشر الإمامية وفاقاً لأكثرالعقلاء من أرباب الديانات وغيرهم من الحكماء والبراهمة والملاحدة وغيرهم بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، بل بالضرورة الوجدانيّة، التي لاتعارضها شبهة وريبة أنّ العقل يُدرِك الحسن والقبح، بمعنى انّ بعض الأفعال بحيث يستحق فاعله من حيث هو فاعله، المدحَ وبعضها بحيث يستحق فاعله كذلك الذمَ، (2) وإن لم يظهر من الشرع خطاب فيه ويظهر عنده هذا الحسن والقبح في الموادّ المختلفة على مراتبهما المرتّبة فيها بحسب نفس الأمر. فقد يدرك في شيء حسناً لايرضى بتركه، ويحكم بلزوم الإتيان به وفي


(1) مطارح الأنظار، رسالة في الأدلّة العقلية: 236ـ237.

(2) إشارة إلى ما هو الملاك في وصف الأفعال بالحسن والقبح وهو نفس مختار المحقّق اللاهيجي ـ قدّس سرّهما ـ الذي أقمنا برهانه.


بعضها قبحاً يحكم بلزوم تركه، وقد يجوِّز الترك في بعضها والفعل في بعضها هكذا، فكذلك من الواضح انّه يدرك انّ بعض هذه الأفعال ممّا لايرضى اللّه بتركه ويريده من عباده، بعنوان اللزوم، وبعضها ممّا لايرضى بفعله ويريد تركه بعنوان اللزوم، وانّها ممّا يستحق بها عن اللّه المجازاة إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، ولازم ذلك انّه تعالى طلب منّا الفعل والترك بلسان العقل.

فكما انّ الرسول الظاهر يُبيّن أحكام اللّه ومأموراته ومنهيّاته، فكذلك العقل يبيِّن بعضها، فمن حكم عقله بوجود المبدئ الحكيم القادر، العدل الصانع العالم، يحكم بانّه يجازي العبد القويّ بسبب ظلمه على العبد الضعيف، بالعقاب، وكذلك الودعيّ الذي ائتمنه عبد من عباده لا سيما إذا كان ذلك العبد محتاجاً غاية الاحتياج، بسبب ترك ردها إليه، ويجازي العبد القويَّ الرفيع، برأفته على العبد الضعيف العاجز المحتاج، بالثواب فلو لم يكن نهانا عن الظلم وأمرنا برد الوديعة، ولم يكن الظلم وترك الرد مخالفة له، لما حكم العقل بمؤاخذة اللّه وعقابه، فانّ القبح الذاتي يكفي فيه محض استحقاق الذم، فيثبت من ذلك انّ الظلم حرام شرعاً وردّ الوديعة واجب شرعاً.

وما توهم بعض المتأخّرين تبعاً لبعض العامة من «انّ حكم العقل هو محض استحقاق المدح والذم لاترتب الثواب والعقاب أيضاً الذي هو لازم حكم الشرع، فلم يدل الحكم العقلي على الحكم الشرعي»، فهو مبني على الغفلة عن مراد القوم من الحكم العقلي، وحسبان انّ حكم العقل إنّما هو الذي ذكروه في مبحث ادراك العقل للحسن والقبح قبالاً للأشاعرة المنكرين لذلك، وقد عرفت أنّ العقل يحكم بأزيد من ذلك أيضاً.

مع أنّ المستفاد من الأخبار الواردة في العقل والجهل أيضاً هو ذلك وانّه ممّا يثاب ويعاقب وأنّه ممّا يكتسب به الجنان وغير ذلك.

مع أنّه يمكن أن يقال ـ بعد ما ثبت انّ لكل أمر من الأُمور حكماً من اللّه


تعالى بالضرورة والأخبار، وثبت من الأخبار أنّها موجودة عند المعصومين وإن لم يصل إلينا كلّها ـ أنّ كل ما يُدرك العقل قبحه فلابدّ أن يكون من جملة مانهى اللّه تعالى عنه، وما يدرك حسنه لابدّ أن يكون ممّا أمر به، فإذا استقل العقل بإدراك الحسن والقبح بلاتأمّل في توفيقه على شرط أو زمان أو مكان أو مع تقييده بشيء من المذكورات، فيحكم بأنّ الشرع أيضاً حكم به كذلك، لأنّه تعالى لايأمر بالقبح ولاينهى عن الحسن، بل أنّه يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر.

وقد يقال (1) إنّ الثواب والعقاب إنّما يترتّبان على الإطاعة والمخالفة لاغير والإطاعة والمخالفة لاتتحقّق إلاّ بموافقة الأوامر والنواهي من الكتاب والسنّة ومخالفتهما وحيث لا أمر ولانهي ولاخطاب فلاإطاعة فلاثواب ولاعقاب.

وفيه أنّ انحصار الإطاعة والمخالفة في موافقة الخطاب اللفظي ومخالفته دعوى بلادليل، بل هما موافقة طلب الشارع ومخالفته وإن كان ذلك الطلب بلسان العقل، ونظير ذلك أنّ اللّه تعالى إذا كلّف نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بواسطة إلهام من دون نزول وحي من جبرئيل (عليه السلام) وإتيان كلام، وامتثله فيقال: إنّه أطاع اللّه جزماً فانّ العقل فينا نظير الإلهام فيه (صلى الله عليه وآله وسلم).

والقول (2) «بأنّ القدر الثابت من الأدلّة انّ ما يجوز اتباعه وتجب متابعته هو ما حصل القطع به أو الظن من قول المعصوم أو فعله أو تقريره دون غيره، فالكلام في هذا الدليل العقلي مثل الكلام في جواز العمل بالرؤيا إذا رأى أحداً من المعصومين (عليهم السلام) وحكم بحكم ولادليل على جواز العمل بهذا الحكم، فهو كلام ظاهري»، إذ من يدّعي حكم العقل بوجوب ردِّ الوديعة وحرمة الظلم، يدّعي القطع بأنّ اللّه تعالى خاطبه بذلك بلسان العقل، فكيف يجوز العمل بالظن بخطاب اللّه تعالى وتكليفه، ولايجوز العمل مع اليقين به؟ فإن كان ولابدّ من


(1) ردّ على كلام السيد الصدر وقد مرّ.

(2) ردّ على مقالة الأخباريين.


المناقشة فليكتف في منع حصول هذا القطع من جهة العقل وأنّه لايمكن ذلك، وأنت خبير بأنّ دعوى ذلك بعيد عن السداد، ولايرد هذا على من ادّعى ذلك (حصول القطع) إذ لم يدل دليل على امتناعه إن لم يسلَّم البرهان، على وقوعه فإذا ادّعاه مدّع فكيف نكذِّبه؟ نعم لانمنع تفاوت الأفهام في ذلك وندرة المواضع التي يستقل العقل بإدراك الحكم، وذلك لايوجب نفي الحكم رأساً ولايرد نقضاً على من جزم بذلك، فإنّ كل مجتهد مكلّف بمؤدّى فهمه قطعياً كان أو ظنيّاً ومعذور في خطئه. (1)

5ـ كلام لصاحب الفصول وهو من النافين:

إنّ صاحب الفصول حرّر محل النزاع أوّلاً وقال: «نزاعهم في المقام يرجع إلى مقامين:

الأوّل: إذا أدرك العقل جهات الفعل من حسن وقبح فحكم بوجوبه أو حرمته أو غير ذلك فهل يكشف ذلك عن حكمه الشرعيّ ويستلزم أن يكون قد حكم الشارع أيضاً على حسبه ومقتضاه من وجوب أو حرمة أو غير ذلك، أو لايستلزم ذلك، ثمّ إنّ عدم الاستلزام يتصوّر على وجهين:

1ـ أن يُجوَّز حكم الشارع على خلافه، وعلى هذا تُنفى الملازمة من الجانبين، فلايستلزم حكم العقل حكم الشرع ولاحكم الشرع حكم العقل.

2ـ أن يُجوَّز أن لايكون للشارع فيما حكم العقل فيه بوجوب أو حرمة مثلاً، حكم أصلاً لا موافقاً ولا مخالفاً. ذلك بأن تخلو الواقعة عن الحكم رأساً، وعلى هذا تُنفى الملازمة من جانب واحد، وأمّا الجانب الآخر فتجوز الملازمة.


(1) القوانين المحكمة: 2: /2ـ4. شكر اللّه مساعيه وقد أغنانا بيانه عن إعادة المقال وإقامة البرهان على المختار وفي كلامه إشارة إلى ما هو المختار عندنا في إدراك الحسن والقبح وقد أوعزنا إليه أيضاً في التعليقة.


الثاني: إنّ عقولنا إذا أدركت الحكم الشرعي وجزمت به فهل يجوز لنا اتّباعها ويثبت بذلك الحكم في حقّنا أو لا ؟.

أمّا المقام الأوّل فالحقّ أنّه لا ملازمة عقلاً بين حسن الفعل وقبحه وبين وقوع التكليف على حسبه ومقتضاه، ويدل على ذلك أُمور:

الف: حسن التكليف الابتلائي فانّ الضرورة قاضية بحسن أمر المولى عبده بما لايستحق فاعله من حيث إنّه فاعله، المدح في نظره، استخباراً لأمر العبد وإظهاراً لحاله عند غيره، ولو كان حسن التكليف مقصوراً على حسن الفعل لما حسن ذلك.ثمّ نقل اعتراضات ثلاثة عن بعض المعاصرين ونقدها على وجه استغرق النقد ورقة واحدة كبيرة (1) ونحن نركز على أصل الاستدلال ونقول:

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خارج عن محل النزاع إذ ليس البحث في أنّ حسن التكليف مقصور على حسن الفعل حتى ينازع بأنّ الأوامر الاختيارية خالية عن حسن الفعل، بل النزاع في أنّ حسن الفعل يلازم التكليف أو لا، وبين الأمرين بون بعيد، فلا تُعدّ الأوامر الامتحانية نقضاً للقاعدة وإنّما تُعدّ نقضاً لو كانت القاعدة «حسن التكليف يستلزم حسن الفعل» مع أنّها غير ذلك. وإنّما هي: حسن الفعل يستتبع التكليف أو لا .

وإن شئت قلت: اختلفت العدلية القائلة بلزوم تبعية التكاليف للمصالح والمفاسد، في لزوم كون المتعلّق مشتملاً عليهما، أو كفاية كون التكليف مشتملاً على المصلحة فالمحقّقون من الأُصوليين على الثاني، وما ذكر صاحب الفصول من الأمثلة إنّما تصلح أن يكون ردّاًعلى القول الأوّل القائل بلزوم اشتمال المتعلّق عليهما، بأنّه يكفي كون التكليف ذا مصلحة، وأين هذا من المقام من وجود الملازمة بين إدراك الحسن ووجوبه شرعاً.

ب: التكاليف التي ترد مورد التقية إذا لم يكن في نفس العمل تقية، وإرادة


(1) الفصول: 337ـ 338.


في الأخبار المأثورة عن الأئمّة (عليهم السلام)فإنّ تلك التكاليف متصفة بالحسن والرجحان لما فيها من صون المكلّف عن مكائد الأعادي وإن تجرّد ما كلِّف به عن الحسن الابتدائي، وطريانه بعد التكليف من حيث كونه امتثالاً وطاعة لايقدح في ذلك، لأنّ الكلام في الجهة المتفرع عليها التكليف لا في الجهة المتفرعة على التكليف. (1)

يلاحظ عليه: بنفس ما سبق، فإنّ الكلام ليس في أنّ حسن التكليف مقصور على حسن المتعلّق حتى يصح النقض بالتكاليف الصادرة عن تقية، بل الكلام في أنّه كل ما حسن الفعل، حسن التكليف شرعاً لا أنّ كل ما حسُن التكليف، حسُن الفعل حتى يعد المورد نقضاً عليه وبين المسألتين بون بعيد.

ج: أنّ كثيراً من علل الشرائع غير مطردة، ومع ذلك يصح التكليف فيما يفقد تلك الحِكَم، كالاعتداد، المعلّل بعدم اختلاط المياه مع أنّه يجب مع القطع بعدم الاختلاط كالغائب عنها زوجها، كتشريع غسل الجمعة لرفع رياح الآباط مع ثبوت استحبابه مع عدمها، وكراهة الصلاة في الأودية لكونها مظنّة لمفاجأة السيل مع ثبوتها مع القطع بعدمها وقضية ذلك، حسن التكليف مع عدم الحسن أو القبح في الفعل.

يلاحظ عليه: بنفس ما سبق في الدليلين السابقين فانّه خارج عن محط النزاع، إذ لو صحّ ما ذكر فإنّما يتوجه إلى عكس القاعدة لا إلى نفسها، أي لايرد النقص على قولنا: «كل ماحكم به العقل، حكم به الشرع، بل يتوجّه النقص إلى عكسه أي كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل، فالحكم الشرعي في المقام موجود دون الحكم العقلي، والكلام في أصل القضية لا في عكسها، وأمّا عدم حكمه بما حكم به الشرع، فإنّما هو لأجل عدم إحاطته بما أحاط به الشرع وإلاّ لحكم بمثله، غاية الأمر أنَّ العقل لأجله القصور، يكون ساكتاً في المقام، أو معتقداً بصحته


(1) الفصول: 339.


وصدوره من أهله ووقوعه في محله إجمالاً ـ كما سيوافيك ـ.

د: الأخبار الدالّة على عدم تعلّق بعض التكاليف بهذه الأُمّة رفعاً للكلفة كقوله: «لولا أن أشقّ على أُمتّي لأمرتهُمْ بالسِّواك» فالفعل الشاقّ قد يكون حسناً، بل واجباً عقلياً، لكن لايحسن الإلزام به لما فيه من التضييق على المكلّف، فالحسن موجود مع عدم الأمر.

وقرّره الشيخ الأعظم بوجه واضح وقال: لأنّ الفعل إمّا أن يكون حسنه في الواقع على وجه يقتضي الأمر بها إلزاماً أو لا، فعلى الأوّل تنتفي الملازمة، والثاني ينافي الامتنان، فإنّ ترك الإلزام بما لا ملزم فيه لا يعدّ امتناناً. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الكلام فيما يستقل العقل بإدراكه، من حسن الإحسان وقبح الظلم، وما يرجع إليهما كالعمل بالميثاق وإعانة الضعيف ونقض الميثاق، والخيانة بالأمانة ممّا يستقل العقل بحسن الفعل وقبحه، وأمّا السواك، فليس العقل يستقل بحسنه بما هو هو، نعم دلّت التجاريب على دوره في صحة المزاج، فيدخل في باب إحراز المصالح والمفاسد، وعندئذ يدخل في باب العلم بالمصالح والمفاسد، وقد عرفت انّه خارج عن محط البحث لعدم إحاطة العقل بمناطات الأحكام وعلل الإلزام، غاية الأمر، العلم بالمقتضي لابالعلّة التامة لاحتمال وجود موانع عن تأثيره.

والحاصل: أنّه لوكان العقل يستقل بحسن السواك من صميم ذاته كحسن الإحسان كان عدم إلزام الشارع نقضاً للقاعدة، ولكنّه ليس ممّا يستقل، غاية الأمر وقف العقل على فائدة السواك، كوقوفه على سائر المصالح المقتضية لا العلل التامّة، وقد عرفت أنّه غير كاف في باب استكشاف الأحكام.

إلى هنا تبيّن انّ ما استدل به صاحب الفصول لا صلة لها بالبحث، فهي بين


(1) مطارح الأنظار: 241.


ما يرجع إلى أنّ حسن التكليف لايدل على حسن الفعل، وبين ما يرجع إلى أنّ العلم بالمصالح والمقتضيات لاتصلح، لأن يقع دليلاً على استنباط الأحكام، وقد عرفت خروج المسألتين عن موضوع الكلام في المقام. وإليك الكلام في ما بقي

هـ: الصبي المراهق إذا كان كامل العقل، لطيف القريحة تثبت فيه الأحكام العقلية في حقّه كغيره من الكاملين، ومع ذلك لم يكلّفه الشارع بوجوب ولاتحريم لمصالح داعية إلى ترك تكليفه بهما من التوسعة عليه.

يلاحظ عليه بوجوه:

1ـ نلتزم بثبوت الأحكام الشرعية في حقه النابعة من الأحكام العقلية كحرمة الظلم، ووجوب ردّ الأمانة ولو عصى وارتكب لم يكتب كما هو الحال في المكلّف بالنسبة إلى المعاصي الصغيرة إذا اجتنب الكبائر قال سبحانه: (إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكم) . (النساء/31)

2ـ إنّ الكلام فيما إذا كان الحسن علّة تامّة للتكليف ولم يكن مقروناً بمانع أو مبتلى بمزاحم، وليس المقام كذلك، فإنّ المصلحة العامّة أوجبت أن يكون حدّ البلوغ هو السنّ الخاص، فلايكلّف مالم يبلغ ذاك النصاب وإن صلح للتكليف لأجل توقّده، وذلك لأنّ تعليق التكليف على الصلاحيات الفردية يوجب الفوضى في عالم التكليف، ولأجل إيصاد هذا الباب ألغى الصلاحيات الفردية واكتفى بالسن في البنين والبنات وعلى ضوء ذلك لم يكن محيص، عن عدم الاعتداد بالذكاء الشخصي وإن كان صالحاً للتكليف ولم يكن الحسن في المقام علّة تامّة للتكليف.

3ـ إنّ المقام ليس من فروع الحسن والقبح، بل من قبيل إحراز المصالح للتكليف، وقد قلنا إنّ العقل أقصر من أن يحيط بالمصالح في المفاسد، ويصحّح من مصادر التشريع بهذا المعنى كما لا يخفى.


وبهذه الأجوبة الثلاثة يسقط النقض عن الاعتبار.

و: أنّ العبادات الشرعية لو تجرّدت عن قصد الأمر لتجرّدت عن وصف الوجوب، فتلك الأفعال لاتخلو إمّا أن تكون واجبات عقلية مطلقاً، أو بشرط الأمر بها ووقوعها بقصد الامتثال وعلى التقديرين يثبت المقصود، أمّا على الأوّل فلحكم العقل بوجوبها باعتبار عدم قصد الامتثال وعدم حكم الشارع بوجوبه، وأمّا على الثاني فلانتفاء الحسن قبل التكليف وحصوله بعده، فلم يتفرّع حسن التكليف على حسن الفعل.

يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الأوّل هو انّ الواجب عند العقل ذات الأفعال مجرّدة عن نيّة الأمر، لكن العقل غير متفرد، بل هو كذلك عند الشرع بناء على أنّ قصد الأمر، لايدخل تحت الأمر، لأنّه من الانقسامات الطارئة بعد تعلّق الأمر، وإن كان التحقيق خلافه. فالواجب عند العقل والشرع سيّان.

ولو قلنا بجواز أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر، فالواجب عند الشرع والعقل هو الفعل المقترن إتيانه بقصد القربة، لاالفعل المقترن بقصد القربة، لعدم ترتّب الأثر إلاّ عليه.

وبالجملة: لا فرق بين العقل والشرع في متعلّق الوجوب، وإنّما الحكم دائر مدار إمكان أخذ قصد الأمر في متعلّقه، فلو قيل بامتناع الأخذ فالواجب عند الجميع هو ذات الفعل، وإن قيل بإمكان الأخذ، فالواجب عند الشرع والعقل هو الفعل مع قصد القربة، فالواجب عندهما أمر واحد.

ونختار الشق الثاني، بأنّ الواجب واجبات عقلية بشرط الأمر بها وما رتّب عليه من أنّه يلزم أن لايكون حسن التكليف متعلّقاً على حسن الفعل مدفوع بأنّه يكفي فيه كونه مقتضياً للمصلحة وإن لم يكن علّة تامّة.

والحاصل: أنّ هذه الوجوه التي اعتمد عليها صاحب الفصول، لا صلة للأكثر، بالمقام وأمّا ما له صلة به فليس شاهداً على مدّعاه.


الاستدلال على الملازمة بالدليل النقلي:

إذا لم يكن ما قرّر من الدليل العقلي على الملازمة، مقنعاً لصاحب الفصول لم يكن له نفي الملازمة حتى يستقصي الأدلّة في المقام مع أنّ في الكتاب والسنّة إلماعات إليها.

إنّ الظاهر من الآيات أنّ الفاظ المعروف والمنكر، والطيبات والخبائث وما يعادلها كانت دارجة عندهم ومستعملة لديهم، فكانوا يعرفونها بفطرتهم وبصرافة ذهنهم، وانّ الغاية من بعث الرسول الأكرم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الخبائث وتحليل الطيّبات، فهذه الآيات تدل على الملازمة وإنّ المعروف عند العرف، مطلوب عند الشرع والمنكر لديهم مبغوض عنده.

قال سبحانه في حقّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): (يَأمُرهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ) (الأعراف /157) وقال عزّ من قائل: (إنّ اللّه يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإحْسانِ وَ إيتاءِ ذي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُم لَعلّكُمْ تَذَكَّرونَ)(النحل/90)

وقال لقمان لابنه وهو يعظه: (يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالمَعْروفِ وََانْهَ عَنِ المُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أصـابَكَ إنّ ذلِكَ مِنْ عَــزْمِ الأُمُورِ) . (لقمان/17)

وقد روي عن أبي جعفر انّه سأله رجل عن طول الجلوس في بيت الخلاء... فقال: «دع القبيح لأهله فإنّ لكلّ شيء أهلاً».

إنّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يصف الأنبياء بأنّهم مذكّرون لما تقضي به فطرة الإنسان ويقول: «فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبيائه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن


العقول». (1)

وكم للإمام وأولاده من كلمات ناصعة دالّة على أنّ كثيراً من تعاليم الشرائع شرحاً لما كتبه سبحانه بقلم قضائه على صحيفة وجود الإنسان وفطرته، وقد طوينا الكلام عن نقلها وقد أشبعنا الكلام في منشوراتنا التفسيرية. (2)

وما ذكره صاحب الفصول في خلال كلامه من احتمال خلو الواقعة عن الحكم رأساً، فهو لا يوافق ما تضافر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجة الوداع من قوله: «ألا ما من شيء يقرّبكم إلى الجنة ويبعّدكم عن النار إلاّ وقد أمر اللّه بقائه، ألا ما من شيء يقرّبكم إلى النار ويبعّدكم عن الجنّة إلاّ وقد نهاكم عنه». (3)

6ـ كلام للمحقّق الخراساني:

إنّ المحقّق الخراساني وافق صاحب الفصول في نظريته ونفي الملازمة بين الحكمين وقدّم لتحقيق مرامه أمرين، والمهم هو الأمر الثاني الذي نأتي بخلاصته.

«إنّ مجرّد حسن فعل أو قبحه عقلاً، لايوجب إرادة العقلاء إيّاه، بحيث يبعثون إليه عبيدهم أو يزجرونهم عنه، كما يُحسِّنون أو يُقبِّحون عليه لو اتفق صدوره من أحد، بل لابدّ في حصولهما من دواع وأغراض أُخر، فربما يكون لهم داع إلى صدور الحسن من العبد، وربما لايكون.

والحاصل، أنّ مجرد حسن فعل لايكون داعياً لإرادته من الغير، وبدونه لايكاد أن تتعلق لصدوره منه إرادة، وتشهد به مراجعة الوجدان حيث لاتجد من أنفسنا حصول الإرادة بمجرّد ملاحظة حسن فعل الإنسان، فربما لانريد الاحسان


(1) نهج البلاغة: الخطبة 1.

(2) لاحظ «مفاهيم القرآن الجزء الأوّل: ص 35.

(3) البحار: 70/96 ح3.


من الغير (كما إذا كان عدواً) إلى حدّ، بل نكرهه وإن كان مستحقاً للتحسين لو فعله.

ويشهد على هذا أنّه كثير ما يختار العقلاء فعل القبيح وترك الحسن، والسرّ هو أنّ الداعي الذي هو سبب الإرادة، يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص وغلبة الشهوات والتفاوت في الملكات وملاحظة نظام الكائنات.

فإن قلت: هذا في العقلاء وأمّا الخالق تعالى شأنه، لأجل أنّ الإرادة والكراهة فيه تعالى ليس إلاّ علمه بمصلحة الفعل ومفسدته ولا حسن ولا قبح إلاّ بالمصلحة والمفسدة.

قلت: إنّ علمه تعالى ليس بحسب المصداق إرادة تشريعية موجبة لبعث العباد نحوَ المراد، وذلك لإمكان اجتماع علمه بها مع ما يمنع عقلاً عن البعث والزجر كما في صورة مزاحمة ما فيه المصلحة الملزِمة، بما كان أهم منه لقبح البعث حينئذ إلى غير الأهم، وكذا البعث إليهما، أو لعدم الاستعداد بعدُ في العباد لقرب عهدهم من الإسلام بحيث يوجب بعثُهم وحملُهم على جميع الأحكام، النفرةَ عن الإسلام، أو لسبب لانعرفه كما في الصبيّ الذي نطعت (1) قريحته وحسن زكاه، ضرورة انّ أفعاله ذات مصلحة ومفسدة مع أنّه من المعلوم بالضرورة انّه لايتعلّق بها زجر وبعث شرعاً حقيقة.

ثمّ استنتج ممّا ذكره:

1ـ جواز خلوّ الواقعة عن الحكم الشرعي كما في الصبيّ والمجنون مطلقاً وكافة الناسّ في صدر الإسلام في الجملة لما عرفت من أنّ حسن شيء وقبحه لايكون داعياً إلى فعله وتركه كما يريده أو يكرهه، وما لم يكونا بمجردهما داعيين لم تكن ملازمة بينهما وبين التحريم والإيجاب بمعنى الكراهة والإرادة اللتين هما روح الخطاب ويكونان منشأين لانتزاع البعث والزجر أو التحريم والوجوب.


(1) تحذَّقت.


2ـ وبذلك يظهر عدم ترتّب الثواب والعقاب، فانّهما مترتّبان على الإرادة والكراهة وهما غير ثابتين بمجرّد حسن الفعل الكراهة، فما أفاده شيخنا العلاّمة ردّاً على السيد الصدر من أنّ الثواب والعقاب ليس دائرين مدار الخطاب، بل مدار الإرادة والكراهة وإن كان في غاية الجودة، لكن عرفت أنّ مجرّد حسن الفعل أو قبحه لايستلزمان الإرادة والكراهة، وذلك لأنّه ليس كل حسن، موافقاً للغرض وكل قبيح مخالفاً له، وبدونهما لايكاد أن يكون الشيء مراداً ومكروهاً ولا كل موافق للغرض، مراداً فعلاً كما في صورة تزاحم الواجب بالأهم.

وقد عرفت ممّا ذكر موارد انفكاك حكم العقل بالحسن والقبح عن حكم الشرع وذلك:

إمّا لعدم قابلية المحل للطلب المولوي كالإطاعة والعصيان.

وإمّا لوجود المانع كما في صور المزاحمة بالأهم.

وإمّا لوجود علّة غير معلوم كما في فعل الصبي المميز وكثير من أفعال الأنام في صدر الإسلام. (1)

يلاحظ عليه:

أمّا أوّلاً: فلأنّ ما أفاده من أنّ الإنسان ربما يحسن الشيء ولايريده، كما لايريد الإحسان من عدوه وربّما يُقبّح الشيء ولايكره، كما في الظلم على العدو، إنّما يتم في الأفراد الغارقة في الأغراض الشخصية والمصالح المادية، وأمّا الإنسان المنسلخ عنها، فالايمان فيه يدعو إلى العمل ولاينفك عنه.

فالقوّة العاقلة التي هي رئيس القوى إذاكانت معجبة للشيء أو مشمئزّة عنه، تطلب فعل الأوّل وترك الثاني وإنّما ينفك الإيمان عن العمل، إذا كانت القوّة العاقلة، محكومة بالدواعي النفسانية والأغراض المادية، وهي خارجة عن البحث.


(1) الفوائد الأُصولية: 341ـ343.


وعلى الجملة إذا أدرك العقل المجرّد عن الرواسب انّ الاحسان، حسن، وإنّ فعله كمال له فيطلبه،وانّ الظلم قبيح وارتكابه نقص له، فيزجر عنه أو يشمئز عنه.

وبعبارة أُخرى: إذا أدرك انّ الفعل كمال، أو هو نقص له، فكيف يتوقف عن الأمر بتحصيله مع أنّ الميل إلى الكمال، أمر فطري جُبِّل عليه الإنسان، ولأجل ذلك لاينفك ذاك العلم عن الطلب والزجر، مادام زمام القضاء بيد القوّة العاقلة.

وثانياً: أنّ الكلام فيما إذا كان الحسن والقبح علّة تامة، للمدح والذم، أو الطلب والزجر، لامقتضياً متوقفاً على العلم بعدم الابتلاء بمصلحة أهم، أو بمفسدة أشدّ من ترك مصلحة الحسن، أو غير ذلك فانّ المخالفة في هذه الموارد، لاتعدّ نقضاً للقاعدة حتى في مورد الصبي المراهق، العارف بالحرام والحلال، الصالح للتكليف، لما مرّ من انّ حفظ التحديد المضروب على نوع تختلف أفراده إدراكاً وتعقّلاً، قوّة وضعفاً، يستلزم عدم الإيجاب عليه، حفظاً للمصلحة العامة. وإيجابه عليه بالخصوص يوجب العسر في تشخيص الموضوع، بخلاف ما إذا علّق التكليف على البلوغ المحدّد المشخص بعلائم ثلاثة خصوصاً السنّ.

وبالجملة كل مورد، يحتمل عدم كون الحسن والقبح علّة تامة للطلب والزجر وكونه مبتلى بمزاحم ومانع، أو ما أشبهه فلايحكم بالملازمة أبداً، وما ذكر من الموارد فهي من مصاديق ذلك.

بقي الكلام فيما أورد من النقض في باب الإطاعة والعصيان، فالعقل يحكم بوجوب الأوّل وحرمة الثاني دون الشرع ولو حكم فإنّما يحكم إرشادياً، فتخيِّل من ذلك انفكاك حكم العقل عن الشرع.

ولكن القول بالملازمة فيما إذا أمكن الحكم المولوي للشارع كما في موارد العدل والظلم والصدق والكذب، وأمّا الإطاعة والعصيان، فلأنّه لايجوز أن يتعلّق بهما حكم مولوي من الشارع لاستلزامه أن لاينتهي حكم الشارع إلى حدّ، بيانه:

انّه إذا كشف العقل، تعلّق أمر مولوي من الشارع بالطاعة والنهي عن


العصيان، فلهذا الحكم المنكشف أيضاً، طاعة وعصيان، يستقل العقل فيهما بما استقل به سابقاً، ولو قلنا بالملازمة يكشف عن تعلّق أمر مولوي بهما أيضاً فيلزم أن لاينتهي الأمر المكشوف إلى حدّ، ولأجل ذلك للعقل في هذا المورد، حكم دون الشرع ومثله لايعدّ نقضاً للقاعدة كما لايخفى لأنّها فيما إذا أمكن التعلّق.

7ـ كلام للمحقّق الاصفهاني:

إنّ الشيخ المحقّق الاصفهاني ممّن أصفق على التحسين والتقبيح العقليين على ما تقدّم، ولكنّه ممّن لم يقبل الملازمة بين حكمي العقل والشرع في ذلك المجال وقال ما هذا حاصله: إنّ التكليف لايمكن أن يكون داعياً على كل تقدير، ولكل مكلّف عموماً إلاّ بلحاظ ما يترتّب على موافقته من الثواب، وعلى مخالفته من العقاب، وحيث إنّ المفروض انّ العدل يوجب استحقاقَ المدح (1) ، والظلم يوجب استحقاق الذم (2) عند العقلاء ومنهم الشارع، فهو كاف في الدعوة من قبل الشارع بما هو عاقل، ولامجال لجعل الداعي بعد ثبوت الداعي من قبله، فإنّ اختلاف حيثية العاقلية وحيثية الشارعية لايرفع محذور ثبوت داعيين متماثلين مستقلّين في الدعوة بالاضافة إلى فعل واحد، لأنّ الواحد لايعقل صدوره من علّتين مستقلتين في الدعوة ـ إلى أن قال ـ:

نعم لو قلنا بأنّ ما تطابقت عليه آراء العقلاء نفس استحقاق المدح أو الذم دون استحقاق الثواب والعقاب أمكن أن يقال: إنّه لايدعو على كل تقدير ولكلّ مكلّف، لإمكان عدم المبالاة بالمدح والذم فلابدّ من البعث والزجر المترتّب عليهما الثواب والعقاب، فحينئذ يبقى للمولوية مجال.


(1) يريد من المدح والذمّ المعنى الأعم الشامل للثواب والعقاب لامجرّد المدح والذم غير الشامل للثواب والعقاب، ويدل على ما ذكرنا، ذيل كلامه وإلاّ فلايتم الاستدلال.

(2) يريد من المدح والذمّ المعنى الأعم الشامل للثواب والعقاب لامجرّد المدح والذم غير الشامل للثواب والعقاب، ويدل على ما ذكرنا، ذيل كلامه وإلاّ فلايتم الاستدلال.


إلاّ أنّ المدح والذم اللذين يترتب عليهما حفظ النظام عند العقلاء ما يعم الثواب، والعقاب، أعني: المجازاة بالخير والمجازاة بالشر ـ إلى أن قال: ـ اتضح من جميع ما ذكرنا انّ ما يستقل العقل بحسنه أو قبحه، وإن لم يمكن الحكم من الشارع على خلافه، لكنّه لايعقل أن يحكم مولوياً على وفاقه أيضاً، بل يحكم بحسنه أو قبحه على حدّ سائر العقلاء.

ثمّ إنّه (قدس سره) عطف على العدل والظلم، الصدق والكذب، فحكم بأنّ الحكم المولوي بالإضافة إلى الصدق والكذب بذاته ـ أي لو خلّيا وطبعهما أو بعنوان معلوم الحسن والقبح عند العقلاء كذلك، لأنّ الصدق والكذب من حيث نفسهما عدل في القول، وجور فيه وقد عرفت حال العدل والجور وكذا الصدق المعنون بعنوان إهلاك المؤمن، ظلم عليه، والكذب المنجي له إحسان إليه فحالهما حال العدل والظلم. (1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه قد مرّ في الأمر الخامس من مقدّمات البحث انّ للملازمة تفسيرات ثلاثة، أعني: به كلّ ما حكم به العقل، حكم بمثله الشرع أو يحكم بعينه الشرع، أو هو عين حكم الشرع وقد مرّ الفرق بين الأقوال فلو صحّ ما ذكره فإنّما يتوجه على التفسيرين الأوّلين دون الثالث إذ عليه انّ هناك إدراكاً واحداً، وحكماً وحاكماً فارداً. وهذا أيضاً أحد الأقوال فتثبت الملازمة إجمالاً.

وثانياً: أنّ للعقل في ما يرجع إليه من القضايا إدراكاً أوّلاً، وحكماً ثانياً ولايغني الأوّل من الثاني، وقد ورثنا هذه النظرية من سيدنا الأُستاذ (قدس سره) حيث كان يقول: إنّ للعقل وراء الإدراك في مجال الأحكام العملية، حكماً. وعلى ضوء ذلك فالمدرَك وإن كان عاماً، لايعرف لشموله حدّاً، فهو أدرك ما يدركه كل موجود حيّ مختار، من غير فرق بين الخالق والمخلوق، ولكن حكمه لايعدو نفسه، إذ حكم الحاكم لا يتجاوز عن دائرة نفسه، بمعنى انّ الحكم حكمه، لا حكم


(1) نهاية الدراية: 2/129ـ130.


غيره سواء كان إنساناً أو غيره، ومثله لايكون مغنياً عن حكم اللّه سبحانه إلاّ إذا كان اتخذ العقل لنفسه موقف الكاشفية عن حكم سائر العقلاء وخالقهم، وعندئذ يصلح للدلالة إلى حكم الشرع، والدلالة إلى حكمه فرع وجوده، فمالم يكن هناك حكم من الحيّ المختار الواجب، لما كان للدلالة وجه وللكاشفية معنى. وعليه لايغني حكم العقل عن حكم الشرع، فيكون الملاك باقياً لحكمه.

ثالثاً: أنّ حكم العقل والعقلاء في مجال التحسين والتقبيح لايتجاوز عن الإعجاب والمدح والذم في حدّ اللسان والبيان وأمّا الإثابة والعقوبة فهو خارج عن إطار حياتهم، وإنّما هما من شؤون المولوية والعبودية فالمولى هو الذي يعاقب أو يثيب استحقاقاً أو تفضّلاً، أو استحقاقاً في العقوبة وتفضّلاً في المثوبة على الخلاف في كيفيتهما.

وعلى ذلك فالحقّ ما ذكره أخيراً من أنّ كثيراً من الناس لايبعثهم المدح والذم إلى الإتيان بالواجب وترك المحرّم، بخلاف ما إذا ترتّب عليهما الثواب والعقاب وعندئذ تمسّ الحاجة إلى البعث والزجر الناشئين من الإرادة والكراهة، مباشرياً، أو بواسطة كشف العقل.

وإن شئت قلت: إنّ موقف العقل في إدراكه وحكمه، موقف المدرك الناصح المرشد، وليس هناك من المولوية والعبودية أثر، فلايترتّب لهذا الحكم أثر شرعي سوى ما يدركه نفس الإنسان من المدح والذم وهذا بخلاف الحكم الصادر من الشارع، فانّه يصدر ممّن له المولويّة، وقد أصدر الأمر بما له هذه الخصوصية.

ورابعاً: كيف يمكن عطف الصدق والكذب على العدل والظلم، والقول بأنّه لايتعلّق بهما الأمر والنهي، مع كون السنّة بل الكتاب مشحونين بتعلّق البعث والزجر بهما.ونحن في غنى عن ذكر النماذج فضلاً عن البسط في الكلام.


8 ـ كلام للشيخ المظفر:

إنّ الشيخ المظفر (قدس سره) لم يتجاوز عمّا ذكره أُستاذه الجليل المحقّق الاصفهاني وقد قرّر ما نقلناه عنه وقال في تقرير الملازمة: أنّ العقل إذا حكم بحسن شيء أوقبحه ـ أي انّه إذا تطابقت آراء العقلاء جميعاً بما هم عقلاء، على حسن شيء لما فيه من حفظ النظام وبقاء النوع أو على قبحه لما فيه من الاخلال بذلك ـ فإنّ الحكم هذا يكون بادئ رأي الجميع فلابدّ أن يحكم الشارع بحكمهم، لأنّه منهم بل رئيسهم فهو بما هو عاقل، ـ بل خالق العقل ـ كسـائر العقلاء لابدّ أن يحكم بما يحكمون ولو فرضنا انّه لم يشاركهم في حكمهم لما كان ذلك الحكم بادي رأي الجميع وهذا خلاف الفرض.

ـ إلى أن قال: ـ لو ورد من الشارع أمر في مورد حكم العقل، فهل هو أمر مولويّ أي أمر منه بما هو مولى، أو أنّه أمر إرشادي أي أمر لأجل الارشاد إلى ما حكم به العقل، والحقّ أنّه للإرشاد، حيث يفرض انّ حكم العقل هذا كاف لدعوة المكلّف إلى الفعل الحسن فلا حاجة إلى جعل الداعي من قبل المولى ثانياً، بل يكون عبثاً ولغواً، بل هو مستحيل، لأنّه يكون من باب تحصيل الحاصل.

ثمّ نبّه بما أفاده أُستاذه في آخر كلامه من أنّه لو كان ماتطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح والذم فقط على وجه لايلزم منه استحقاق الثواب والعقاب من قبل المولى فيمكن ألاّ يكون نفس إدراك استحقاق المدح والذم كافياً لدعوة كلّ أحد إلى العقل إلاّ الأفذاذ من الناس فلايستغني أكثر الناس عن الأمر من المولى المترتّب على موافقته الثواب، وعلى مخالفته العقاب في مقام الدعوة إلى الفعل. (1)

يلاحظ عليه: بمثل ما سبق في تحليل كلام أُستاذه، لكن نضيف عليه في


(1) أُصول الفقه: 1/237ـ 238.


المقام انّ تفسير التحسين والتقبيح العقليين بماجاء في كلامه، لايمكن المساعدة معه، لما ذكرنا انّ ملاكهما ليس تطابق العقلاء عليه أوّلاًً، ولاكونهما، مشتملين على المصالح والمفاسد العامة، ثانياً.وقد عرفت أنّ نطاق البحث أوسع ممّا ذكره وأنّ الغاية القصوى من البحث معرفة أفعال الباري وما يجوز له وما لايجوز عليه، وكون العدل مبقياً للنظام والجور هادماً له، يرجع إلى نظام الحكم بين الإنسان وأين هو من فعله سبحانه الخارج عن تلك الدائرة.

حصيلة البحث:

قد بان ممّا نقلنا من كلمات الأعلام وما ذكرنا حوله من المناقشات، انّ أصل التحسين والتقبيح من البديهيات العقلية في مجال الإدراكات العقل العملي، وأمّا كون الفعل كذلك عند اللّه، فهو أوضح من أن يخفى، لأنّ العقل يدرك قضية عامة وانّه كذلك لدى كل موجود حيّ مختار، وأمّا الملازمة بين الحكمين، فلأنّ الموضوع لدى العقل للحكم، هو نفس الموضوع عند اللّه سبحانه، فكان الحسن والقبح، والمدح والذم، والبعث والزجر من لوازم الفعل عنده فلا وجه لتفكيك اللازم عن الملزوم في موطن دون موطن.

وإن شئت قلت: إنّ العقل يدرك أنّ هذا الفعل حسن أو قبيح، وانّه مستحق للمدح أو الذم وانّه يجب أن يفعل أو لايفعل، فإذا كان المدرَك بهذه السعة، فلايصح التفكيك بين الخالق والمخلوق، والتفكيك أشبه بأن تكون زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين عند الإنسان دون اللّه، فالجميع من الحسن والقبح والمدح والذم، والبعث والزجر، من لوازم نفس الشيء بما هو هو، يترتب الجميع عليه عند من حضره بمفهومه.

***


اكمال:

قد تقدّم عند مناقشة نظرية الفاضل التوني إنّ نفاة الملازمة استدلوا بقوله سبحانه: (مَنِ اهْتَدى فَإنّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإنّما يضلُّ عَلَيْها وَلاتَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى وَما كُنّا مُعَذبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الاسراء/15) ببيان انّ الآية حاكية عن نفي العقاب، الملازم لنفي الحكم الشرعي، مع ثبوت الحسن والقبح من بعض الموارد.

وبعبارة أُخرى أنّ إطلاق الآية يحكي عن عدم التعذيب، الملازم لنفي الحكم الشرعي مطلقاً، من غير فرق بين الفروع والأُصول، ومن غير فرق بين ما يُدرك العقل حسنَ الفعل أو قبحه، وعدم ادراكه، فيلزم نفي الحكم الشرعي مع وجود الحكم العقلي.

أقول : إنّ الآية شغلت بال المفسّرين فقد ذكروا في المقام وجوهاً لايسع المقام لذكرها.

وذهب العلاّمة الطباطبائي انّ الآية بشهادة ما قبلها ومابعدها (1) ناظرة إلى العذاب الدنيوي بعقوبة الاستئصال، وهذا هو الموقوف على بعث الرسول، لاالعذاب الأُخروي، ولا العذاب الدنيوي ـ بغير صورة الاستئصال ـ وأمّا هما ففيه التفصيل، فإنّ الأُصول التي يستقل العقل بإدراكها كالتوحيد والنبوة والمعاد، فإنّما نلحقها آثار قبولها وتبعات ردِّها، من غير توقّف على نبوة أو رسالة، وبالجملة أُصول الدين وهي التي يستقل العقل ببيانها تستتبع المؤاخذة الإلهية على ردّها. بمجرّد قيام الحجة القاطعة العقلية من غير توقف على بيان النبي والرسول.

وأمّا الفروع فتستقّر المؤاخذة الأُخروية على الفروع بالبيان النبوي ولاتتم


(1) لاحظ الآية 16و17 من نفس السورة.


الحجة فيها لمجرّد حكم العقل. (1)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان العذاب الدنيوي ولو كان بصورة الاستئصال، متوقفاً على بعث الرسل، كان العذاب الأُخروي أَولى بأن يكون متوقفاً عليه وعند ذلك، يعود الإشكال، فيما يستقل به العقل من الأُصول، فهو يحكم بلزوم الاعتناق، والثواب، والعقاب، مع أنّ الشرع يجعله متوقفاً على بعث الرسل.

والأَولى أن يقال: إنّ الآية بمنطوقها ومفهومها الأولوي، ناظرة إلى ما لايستقل العقل من الأُصول والفروع التي لولا بعث الرسل لما وقف عليها جمهور الناس إلاّ الأفذاذ منهم، فالتعذيب في مثلها يتوقف على بيان سماوي، دون ما يقف عليه الناس بفطرتهم وعقولهم النيّرة، فالمخالفة والعصيان فيها يستتبع العقاب وإن لم يكن بيان من اللّه سبحانه. فلاحظ وقد أطنب الشيخ الأعظم في رسالته في تبيين مفاد الآية، وما ذكرناه أولى بالتصديق. واللّه العالم.

إنّ قصّة ابني آدم دليل واضح على أنّ الأُصول التي يستقل العقل بحسنها أو قبحها يعاقب ويثاب عليها وإن لم يدعمها الشرع ـ لأجل عدم وجود الشريعة ـ فإنّ آدم وإن كان نبيّاً ولكن لم تكن له شريعة، وكان المفروض على أبناء آدم يوم ذلك رعاية الأُصول التي يستقل العقل بحكمها واللّه سبحانه يصف قاتل هابيل بأنّه كان من الخاسرين قال: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسِرينَ) . (المائدة/30)

***


(1) الميزان: 13/60.


الكلام في عكس القاعدة:

إذا كانت القاعدة هي الملازمة بين حكمي العقل والشرع بمعنى انّه إذا حكم العقل بحكم، حكم به الشرع أيضاً، يكون عكسها هو الملازمة بين حكمي الشرع والعقل وانّه إذا حكم الشرع بحكم، حكم به العقل أيضاً.فنقول: إنّ في عكس القاعدة احتمالين:

الأوّل: انّ كل ما حكم به الشرع حكم به العقل بمعنى انّه صدر من أهله ووقع في محلّه وإن لم يقف على مناط الحكم وملاكه. وهذا المعنى أصفق عليه كل وصف اللّه سبحانه بالعدل والحكمة وانّ أفعاله نزيهة عن البعث واللغو، وإنّ الترجيح بلامرجح باطل ويدل عليه العقل، مضافاً إلى النقل قال سبحانه: (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالأرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الّذينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للّذينَ كَفَروُا مِنَ النّار)(ص/27) وقال: (أَفَحَسِبْتُمْْ أنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وأنّكُمْ إلَيْنا لاتُرْجَعُونَ) . (المؤمنون/115)

الثاني: انّ كلّما حكم به الشرع، حكم به العقل على طبقه حكماً انشائياً فعليّاً وهذا يحتمل وجهين:

1ـ أن يحكم به بالفعل سواء وقف على جهات الفعل أو لا.

2ـ أن يحكم به مشروطاً بأنّه لو وقف على جهات الفعل لحكم به.

أمّا الأوّل فباطل بضرورة الوجدان.وكيف يصحّ له الحكم مع عدم العلم بجهات الفعل.

وأمّا الثاني: فهو لازم المعنى الأوّل الذي اتفّقت على صحّته العدلية على وجه الإطلاق إذ لو وصفناه بالحكمة وبراءة عمله عن اللغو والعبث والترجيح بلامرجّح، يلزم التطابق بين الحكمين بشرط أن يقف العقل على مناطه وملاكه.


بل يستفاد من بعض الآيات انّ كلّ ما أمر به النبي داخل في القسط ومانهى عنه داخل في الإثم والفحشاء والبغي والشرك، والأكثر لولا الجميع ممّا يستقل العقل على قبحه. فكيف لا تكون هناك ملازمة بينهما بعد الوقوف على الملاك، قال سبحانه: (قُلْ أمَرَ رَبّـي بِالقِسْطِ وَ أَقيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد) (الأعراف/29) وقال سبحانه: (إنّما حرّم رَبِّي الفواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ مابَطَنَ وَالإثْمَ وَ الْبَغيَ بِغَيْرِالحَقِّ وَ أنْ تُشْرِكُوا بِاللّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ أنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لاتَعْلَمُونَ) . (الأعراف/33)

***


المسألة الثالثة:

في إطاعة الحكم الشرعي

المستكشف بالعقل وعصيانه

لقد تبيّن ممّا سبق انّ العقل يُدرك حسنَ بعضِ الأفعال وقبحه ويمدَح الفاعلَ أو يذُمُّ، ويحكم بالإتيان أو تركه كما يدرك انّ الفعل بوصفه وحكمه، كذلك عند الشارع وأنّه أيضاً يمدح الفاعل أو يذمّه، يطلب الفعل أو يزجره عنه.

وعندئذ يقع الكلام في أنّ الحكم الشرعي المستكشَف بالعقل، هل له وجوب الطاعة وحرمة المخالفة أو لا، بل يخصّان بالحكم الشرعي الوارد في الكتاب والسنّة.

الأُصوليون من أصحابنا على الأوّل، والأخباريون منهم على الثاني.والحقّ هو الأوّل ويظهر بالنظر إلى أمرين:

1ـ شريعة الإسلام بما أنّها خاتمة الشرائـع، وقد أغنـت الإنسان عن كل


تشريع سواها، أعطت لكلّ واقعة حكمها، سواء كان لها وجود في عصر الرسول الأكرم أو لا، ويؤيد ذلك، ما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة حجة الوداع قال: «معاشر الناس ما من شيء يقرّبكم إلى الجنة ويباعدكم عن النار إلاّ أمرتكم به، وما من شيء يقرّبكم إلى النار، ويباعدكم عن الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه». (1) وعلى ضوء ذلك فنحن نقطع بأنّ للشارع فيها حكماً شرعياً قطعاً.

2ـ إذا حصل القطع من طريق القول بالملازمة بأنّ حكم الشارع في هذه الواقعة، هو ذا، فلاوجه في التوقف في لزوم إطاعته وحرمة عصيانه، مع العلم بأنّ القطع في مورد العلم بالأحكام، طريقي محض، وليس موضوعاً للحكم حتّى يلاحظ لسان دليله، وانّه هل اخذ، على وجه الإطلاق أو على وجه خاص.

ومع هذين الأمرين لايشك العقل في لزوم إطاعته وحرمة عصيانه.

نعم المختار عند الأخباريين عدم حجية الحكم المستكشف عن طريق العقل.وانّه لااعتبار بالعلم الحاصل من غير الكتاب والسنّة وقد استندوا في ذلك إلى روايات نذكر بعضها:

1ـ استدل الفاضل التوني بما رواه حمزة بن الطيار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال لي: اكتب، فأملى علي: إنّ من قولنا إنّ اللّه يحتج على العباد بما آتاهم وعرّفهم، ثمّ أرسل إليهم رسولاً، وأنزل عليهم الكتاب فأمر فيه ونهى، أمر فيه بالصلاة والصيام (2) ولم يذكر الفاضل كيفية الاستدلال، غير انّ الشيخ الأعظم ناب عنه في البيان وقال: وجه الدلالة انّ قوله: «ارسل» عطف على الموصول لعدم الاعتداد بالارسال لولاه لتمام الحجة بدونه فيدل على أنّ اللّه لايحتج بالعقل وحده وهو المطلوب. (3)


(1) البحار : 70 / 96 ح3.

(2) الكافي: 1/164، كتاب التوحيد، باب حجج اللّه على خلقه، الحديث 4.

(3) مطارح الأنظار: 247 ولايخفـى ما في العبـارة من الخفـاء لأنّ الفعـل عطف على الصلة لاعلى الموصول.


يلاحظ عليه: أنّ الرواية على خلاف المطلوب أدلّ، لأنّه صريح في أنّه يحتج بأُمور ثلاثـة: 1ـ مـا آتاهم وعرّفهم. 2ـ بما أرسل إليهم من الرسل. 3ـ بما أنزل عليهم من الكتب.ولكلّ من الحجج موقف. والمقصود من الأوّل هو العقول النيِّرة، والفطريات السليمة فهي حجة في مواطنها وإن لم يكن فيها بيان من الرسول وآية من الكتاب.

والحاصل: أنّ قوله«ثمّ أرسل إليهم» ليس تفصيلاً لما سبق، بل هو من قبيل عطف المباين على المباين، فتكون الحجج ثلاثة وتكون الرواية على خلاف مقصود المستدل أدلّ.

2ـ استدل أيضاً بصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء: أمّا لو انّ رجلاً قام ليله، وصام نهاره، وتصدّق بجميع ماله، وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه حقّ في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان». (1)

ومحلّ الشاهد في الخبر قوله: «ويكون جميع أعماله بدلالته إليه» إذ لو كانت دلالة العقل كافية لم يوجب أخذ جميع الأعمال عنه.

والحقّ أنّ الرواية أصحّ ما استدل به في المقام وهو يدل على سقوط العقل عن الحجية في مجال الأعمال والأحكام، لاالعقائد والأُصول لقوله (عليه السلام): «ويكون جميع أعماله»، ولايلزم من رفض العقل فيها، رفضه مطلقاً.

يلاحظ عليه: أنّه كما للآيات أسباب نزول فهكذا للروايات أسباب صدور لايمكن تفسيرها صحيحاً إلاّ بالوقوف على تلك الأسباب.انّ الرواية ونظائرها ممّا جمعها الأمين الاسترآبادي في «الفوائد المدنية» ناظرة إلى فقهاء العامة الذين استبدوا بالافتاء من دون الرجوع إلى أئمّة أهل البيت الذين جعلهم اللّه أعدال


(1) الكافي: 2/18 كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام، الحديث 5.


الكتاب وقرنائه، أمثال ابن شبرمة وابن أبي ليلى، والثوري وقتادة والأوزاعي، وإليك بعض ما يدل على ذلك:

أ ـ قال أبو جعفر الباقر(عليه السلام): «فليذهب الحسن البصري يميناً وشمالاً، فواللّه ما يوجد العلم إلاّ هاهنا». (1)

ب ـ وقال أيضاً: «فليذهب الناس حيث شاؤوا، فواللّه ليس الأمر إلاّ من هاهنا». (2)

ج ـ وقال أيضاً لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: «شرّقا أو غرّبا فلاتجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت». (3)

د ـ في حديث أبي بصير: «فليشرِّق الحكم وليغرِّب، أما واللّه لايصيب العلم إلاّ من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل». (4)

وبذلك يعلم معنى قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «امّا انّه شرّ عليكم أن تقولُوا بشيء مالم تسمعوه عنه» (5)

وأين هؤلاء من علماء الشيعة الذين لايصدرون في الأُصول والفروع إلاّ عن كلماتهم، غير انّه إذا لم يجدوا شيئاً فيما روي عنهم، وقضت عقولهم بشيء ببداهة، أخذوا أخذ المتيقّن بيقينه، والقاطع بقطعه.

والدليل على ذلك، انّ صاحب الوافية خص المنع بالفروع واستثنى الأُصول، مع أنّ إطلاق أكثر الروايات يقتضي المنع ولايحفظ الإطلاق إلاّ باختصاص الروايات على المعرضين عن أهل البيت بتاتاً. كما لا يخفى.

***


(1) الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 7، 20، 22، 23 و 24.

(2) الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 7، 20، 22، 23 و 24.

(3) الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 7، 20، 22، 23 و 24.

(4) الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 7، 20، 22، 23 و 24.

(5) الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 7، 20، 22، 23 و 24.


ثمرات مسألة التحسين والتقبيح:

إنّ لمسألة التحسين والتقبيح العقليين خصوصيات، تحتلّ المسألة مع ملاحظتها، مكانة خاصة، فتارة تعد من المسائل الكلامية، وأُخرى من المسائل الأُصولية، وثالثة من مبادئ المسائل الأخلاقية.

فبما انّها تقع في طريق معرفة فعله سبحانه من حيث الجواز والامتناع ـحسب حكمته البالغة ـ تعدّ مسألة كلامية، وتترتّب عليها ثمرات.

وبما أنّها صغرى لقاعدة الملازمة بين حكمي العقل والشرع، يعدّ البحث عن الموضوع من المبادئ الأحكامية التي يبحث فيها عن عوارض الأحكام الخمسة، والبحث عن الملازمة من المسائل الأُصوليّة التي لها دور في استنباط كثير من الأحكام العملية.

وبما أنّ الاعتقاد بالحسن والقبح الذاتيين هو الدعامة الوحيدة للدعوة إلى محاسن الأخلاق أو الكفّ عن مساوئها. تعدّ من مبادئ مسائل علم الأخلاق ولولا القول بالحسن والقبح الذاتيين لما صحّ البحث عن الفضائل والرذائل في نطاق وسيع. مع أنّ العالم الأخلاقي ربما يواجه إنساناً ضعيف العقيدة لايصلحه إلاّ التحليل النفسي والتذكار العقلي، ولايصلحه نقل القول عن الشرع والشريعة وهو فرع وجود اعتقاد رصين، بحسن الأفعال وقبحها، ولأجل ذلك يجب على العالم الأخلاقي أن يبحث عن الحسن والقبح بحثاً علمياً حتّى يتضح له انّ لهما جذوراً في الفطرة الإنسانيّة وانّهما لا تخضعان لأيّ عامل خارجي، وإلاّ تصبح الأخلاق عنده آداباً عرفية، أو تأخذ لنفسها لون عادات قومية.وبالنتيجة تكون خاضعة للمواضعة والاعتبار، تتغير بتغير الظروف والأجواء وتؤثر عليها أذواق الأقدام وثقافاتهم المختلفة.

فهذه الجهات الثلاثة أعطت لمسألة الحسن والقبح مكانة مرموقة يبحث عنها العلماء كلٌّ حسب اختصاصه ويطلب كل منها منشودته الضالة.


إنّ القول بالأخلاق الثابتة (التي لاتضعضعها عواصف الحضارات وتغيّر الظروف) لايتحقّق إلاّ بدعم القول بالحسن والقبح الذاتيين.

إنّ خاتمية الشريعة الإسلامية الغرّاء تستدعي ثبات قوانينها ودساتيرها على مرّ الحقب والأعوام إلى يوم البعث مع أنّ الظروف والبيئات التي يعيش فيها الإنسان ليست على وتيرة واحدة وهي ما زالت في التغيّر والتبدّل، وعندئذ يُطرح هناك سؤال وهو: كيف يمكن إدارة المجتمع المتغيّّر، بقوانين ثابتة مع أنّها أشبه بالجمع بين النقيضين؟!

إنّ طروء الحضارات وبزوغ نجم العلم والثقافة الإنسانيّة تستدعي لنفسها قوانين حسب معطياتها، فكيف يصح التمسّك بأهداب الشريعة الثابتة لتدبير الأُمور المتكونة بعدها بكثير؟

هذا وذاك دعاني إلى تبيين ثمرات هذا البحث ليقف القارئ على مكانة تلك المسألة ولنذكر ثمراتها ضمن أُمور ثلاثة:

الف: الثمرات الكلامية للمسألة:

إذا كانت المسألة، من المسائل الكلامية فلها ثمرات في هذا العلم نشير إليها:

1ـ وجوب معرفة اللّه سبحانه:

إنّ مسألة لزوم معرفة المنعم التي تهدف إلى مسألة معرفة اللّه سبحانه. شغلت بال المتكلّمين قرونا ً وأجيالاً فالمنكرون للحسن والقبح زعموا انّ معرفته سبحانه بالشرع (1) ثمّ وقعوا في مشكلة الدور حيث إنّه لم يثبت وجوده سبحانه ولاالشرائع السماوية، فكيف يمكن أن يثبت وجوب معرفته في ظلّ الشرع؟ وأمّا


(1) الأحكام: 1/126ـ127.


المثبتون لهما فقد قالوا بوجوب المعرفة عقلاً لأجل استقلاله بحسنها، أوّلاً وحثّه إليها ثانياً، واحتمال الوقوع في الضرر في تركها ثالثاً، كل ذلك يثبت كون المعرفة من الواجبات العقلية قبل ثبوت الشريعة.

2ـ تنزيه فعله سبحانه عن العبث:

قد تشاجر القوم في أفعاله سبحانه هل هي معلّلة بالأغراض أو لا؟ قالت الأشاعرة بخلوّها عن الغايات حذراً من استكماله سبحانه بغايات أفعاله وهو كمال مطلق وفوق الكمال.

وقالت العدلية باشتمالها على الغايات وإلاّ لأصبح فعله عبثاً لغواً لايليق بساحته. والغايات غايات للفعل لا للذات، وترجع إلى العباد لا إلى الذات، ومقتضى القول بقبح العبث تعيّن القول الثاني، وقد عرفت دفع مشكلة الاستكمال.

3ـ لزوم تكليف العباد:

إذاكانت ساحته سبحانه نزيهة عن العبث لكونه قبيحاً، فلازمه إيصال كل موجود إلى غايته وكماله الممكن حسب حكمته البالغة غير أنّ الموجود الفاقد للشعور، أو الاختيار يصل إلى الغاية التي خلقت لأجلها، تكويناً وأمّا الإنسان فالغاية المتوخاة من خلقته رهن أعمال خاصة اختيارية لاتتحقّق إلاّ بإرشاده سبحانه وتكليفه ليريه طريق السعادة والشقاء، ويرشده إلى ما يمدّه في طريق الكمال ويزجره عمّا ينافيه.

4ـ لزوم بعث الأنبياء:

إذا كانت الغاية المتوخاة من خلق الإنسان لاتحقّق إلاّ في ظلّ التكليف، يلزم بعث الأنبياء لبيان تكاليف العباد، فالهداية التشريعية التي هي عبارة أُخرى


عن التكليف لاينالها العباد إلاّ عن طريق بعث إنسان فوقهم مماثل لهم في الخلقة، وفوقهم في الخُلْق، وإلاّ فلاتتحقّق الغاية المتوخاة عن غير هذا الطريق.

5ـ لزوم تجهيز الأنبياء بالدلائل والمعاجز:

إنّ بداهة العقل تحكم بعدم جواز الخضوع لادّعاء مدّع إلاّ بعد ثبوته بالدليل والبرهان، فمقتضى الحكمة الإلهية تجهيز الأنبياء بالدلائل حتى تتحقّق الغاية المتوخاة من بعثهم ولولاها لأصبح بعثهم سدى وعملاً بلاغاية وهو قبيح.

6ـ لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة:

إذا كان مقتضى الحكمة الإلهية دعوة الأنبياء بالبرهان، فيلزم على العباد عقلاً النظر في برهان مدّعي النبوة لاستقلال العقل بذلك أوّلاً ودفعاً للضرر المحتمل ثانياً.

وأمّا من عزل العقل عن الحكم في ذلك المجال فليس له أن يثبت لزوم النظر إلاّ عن طريق الشرع وهو بعد غير ثابت. فتأتي مشكلة الدور.

7ـ العلم بصدق دعوى المتحدّي بالمعجزة:

إذا اقترنت دعوة مدّعي النبوة بالمعاجز والبيّنات، وتحدّى بدليل، جميع الناس ـ فعند ذاك ـ يحكم العقل بصدقه، لأنّه من القبيح إعطاء البيّنة المغرية إلى يد الكاذب.وإليه ينظر قوله سبحانه: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاويلِ * لأخَذْنا مِنْهُ بِاليَمينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حاجِزينَ)(الحاقة/44ـ47) فالمجهّز بالمعاجز التي تؤثّر في نفوس الناس لايكذب، ولو كذب وتقوّل به ـ على فرض المحال ـ لقضى سبحانه على حياته فالآية واردة في حقّ أُولئك الأنبياء لا في حقّ كل مدّع للنبوة ولو لم يكن مجهزاً بالمعاجز والكرامات.


8 ـ قبح التكليف بمالايطاق:

إذا كانت القدرة من شرائط التكليف والعقل يقبح تكليف غير القادر فيصبح قبح التكليف بما لايطاق أمراً ضرورياً، وقد خالفت الأشاعرة في هذه المسألة فجوّزوها اغتراراً بظواهر بعض الآيات البدوية. مثل قوله سبحانه مخاطباً الملائكة: (أَنْبِئوني بِأسماءِ هؤلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ)(البقرة/31) غافلين عن أنّ الغاية منه هو إظهار عجز الملائكة لا الامتثال.

9ـ الانسان مخيّر لامسيّر:

إذا كان التكليف فرع القدرة وهي رهن كون المكلّف قادراً على الفعل والترك، فتصبح مسألة الاختيار من الضروريات، وهي انّ الإنسان المكلّف مخيّر بين الفعل والترك لامسيّر. وليس مدفوعاً إلى جانب واحد من الفعل والترك، وقد خالفت الجبرية في هذه المسألة مع العدلية.

ولمّا كان القول بخلق الأعمال موجباً للجبر أضافت الأشاعرة على خلق الأعمال مقولة الكسب حتى يردّوا عن أنفسهم إشكال الجبر، وقالوا: إنّ اللّه خالق لأفعال البشر والإنسان كاسباً وقد عرّفنا مدى صحته في أبحاثنا الكلامية. (1)

10ـ اللّه عادل لا يجور:

من أبرز نتائج القول بالتحسين والتقبيح العقليين كونه سبحانه عادلاً بين العباد لا يحيف ولا يجور حسب حكمته البالغة، فلا يعاملهم بالظلم.

هذه ثمرات عشر من الثمرات الكلامية المترتّبة على المسألة وليست الثمرة منحصرة بما ذكرنا إذ هناك نتائج كلامية غير ذلك لم نذكرها روماً للاختصار.


(1) راجع كتاب «بحوث في الملل والنحل»: 2/125ـ 156.


ب ـ الثمرات الأُصولية للمسألة:

قد عرفت أنّ للمسألة بعداً كلاميّاً وبعداً أُصولياً وقد تعرفت على نتائجها الكلامية فلنذكر نتائجها الأُصوليّة:

1ـ قبح العقاب بلابيان:

إنّ هذه النتيجة ـ مع كونها قابلة للاندراج بين النتائج الكلامية ـ ثمرة أُصولية، وقد بنى الأُصوليون عليها مسألة البراءة عن التكليف عند الشكّ فيها قائلاً إنّ العقاب بلابيان قبيح، فلو كان المشكوك واجباً أو محرّماً كان عليه البيان إمّا بالعنوان الأوّلي أو الثانويّ، وإذ لم يرد حكمه بأي عنوان، نستكشف كون الوظيفة هي البراءة.

2ـ الاشتغال عند الشكّ في المكلّف به:

إنّ العقل وإن كان حاكماً بقبح العقاب بلابيان، لكنّه مستقل بحسنه فيما إذا علم التكليف وتردّد المكلّف به بين شيئين أو أشياء قائلاً بأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية وهي لاتحصل إلاّ بالاتيان بالجميع عند تردد الواجب، أو ترك الجميع عند تردد الحرام بينها، وعلى ذلك فالبراءة والاشتغال الّلذان يعدّان أبرز المسائل الأُصولية من نتائج تلك المسألة.

نعم القول بالحسن والقبح لايكفي إلاّ إذا ضم إليها مسألة الملازمة. بأن يستكشف العقل من حكمه بالبراءة أو الاشتغال في الموردين انّه كذلك عند اللّه سبحانه وتعالى.وبذلك تصبح مسألة الملازمة عنصراً مؤثراً في استنتاج البراءة والاشتغال، ولعلّ خفاء مدخلية قانون الملازمة في الاستنتاج على بعض، جعل البراءة والاشتغال من نتائج القول بالحسن والقبح. مع أنّهما من نتائج كلا الأمرين.


3ـ الإتيان بالمأمور به مسقط للأمر:

إنّ الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الأوّلي أو الثانوي أو الظاهري مجز عن الاتيان به ثانياً لاستقلال العقل بقبح بقاء الأمر مع الاتيان بالمأمور به بأجزائه و شرائطه ولولا القول بالحسن والقبح والملازمة بين حكمي العقل و الشرع، لما استكشفنا كونه مجزياً عند الشارع.

4ـ وجوب مقدمة الواجب على القول به

5ـ الأمر بالشيء موجب لحرمة ضده

6ـ جواز اجتماع الأمر والنهي وعدم جوازه إذا كان هناك عنوانان، ومرجع النزاع لدى المشهور إلى الصغرى وانّه هل هو من مصاديق الاجتماع أو لا، وأمّا حكمه أي الكبرى فمعلوم لأجل قبح التكليف بغير المقدور.

7ـ الاحتجاج بالقيد في باب المفاهيم وانّه لولا مدخليته لكان الاتيان به لغواً.

فالاستلزامات العقلية من ثمرات القول بالتحسين والتقبيح العقليين والقول بالملازمة بين حكمين فيستنتج منهما وجوب المقدمة شرعاً وحرمة الضد أو عدم وجوبه شرعاً أو كون الصلاة في الدار المغصوبة محكوماً بحكمين أو محكوماً بأحدهما، وانّ للشرط والوصف والغاية مدخلية في الحكم الوارد في الشريعة ولولا المدخلية كان الاتيان بها لغواً. فيكون الحكم مرتفعاً بارتفاع القيد.

وفي الختام ننقل كلام المحقّق السيد عليّ القزويني في تعليقته على القوانين قال معلّقاً على قول المحقّق القمّي: «ومنها ما يحكم به بواسطة خطاب الشرع كالمفاهيم والاستلزامات»: أي بملاحظته كحكمه بوجوب المقدّمة بملاحظة الخطاب بذي المقدّمة، وبحرمة الضد بملاحظة الخطاب بالمأمور به المضيّق، وبالانتفاء عند الانتفاء بملاحظة الخطاب المعلّق على شرط أو وصف أو غيرهما،


لئلاّ يلغوا التعليق وذكر القيد، ويسمى الاستلزامات العقلية، لحكم العقل باستلزام إيجاب الشيء، وجوب مقدماته، واستلزام الأمر بالشيء لحرمة ضده، واستلزام الوجود عند الوجود، الانتفاء عند الانتفاء، فالمفاهيم أيضاً مندرجة في الاستلزامات. (1)

ونحن وإن لم نصافق القوم في بعض هذه المسائل ولم نقل بوجوب المقدمة أو حرمة الضد ولكن الاستدلال مبني على الأصلين.

ج ـ النتائج الأخلاقية:

إنّ أبرز النتائج لمسألة الحسن والقبح في علم الأخلاق هي كونها دعامة وحيدة لاستنتاج الفضائل والمسائل الخلقية ولولا القول بهما لما قام لعلم الأخلاق عمود، ولا اخضرّ له عود، إذ لولم يكن الحسن والقبح ذاتياً لبعض الأفعال، بل متغيّراً حسب تغيّـر الأجواء والأوضاع لأصبحت الأخلاق أمراً نسبياً مختلفاً حسب اختلاف البيئات، ولأجل ذلك يُصبح الحسن في زمان قبيحاً في زمان آخر وبالعكس ونتيجة ذلك سيادة الفوضي على علم الأخلاق.

إنّ في الغرب أُناساً ينكرون أُصول الفضائل والمساوئ ولايرون للأخلاق شأناً سوى كونها عادات وتقاليد، وأعرافاً للأُمّة وهؤلاء يكنّون نيتهم من هذا الإنكار فما هي إلاّ إرادة التحرّر من المُثُل والقوانين الأخلاقية، فلأجل ذلك عادوا ينكرون ثبات الأخلاق ودوام المثل. والعالم الباحث عن الحسن والقبح إذا انتهى إلى أنّ هناك أفعالاً يجدها الإنسان من صميم ذاته أنّها حسنة مطلقاً أو قبيحة كذلك فلا يتسنّى لطالب الفوضى، الصمود امام ذلك القضاء والوجدان الفطري.


(1) قوانين الأُصول: 2/2، قسم التعليقة.


نعم هناك تقاليد وأعراف قومية مازالت متغيرة بتغير الأوضاع ولاصلة لها بالأخلاق.فإنّ مظاهر الاحترام والتكريم تختلف بين الأقوام فالمثول أمام الكبير بلاقلنسوة تكريم ومعها إهانة، على عكس ما يتصوّره أقوام أُخر وفي الوقت نفسه لاصلة لهما بالأخلاق وإنّما يجسدان أصلاً أخلاقياً وهو تكريم الكبير. وهذا أصل ثابت. وإنّما التغيير في مُظهره وممثله. وقس على ذلك كل ما يتصوّر كونه أخلاقاً متغيرة.

وعلى ذلك فلمسألة الحسن والقبح دور واضح في إثبات الأخلاق الثابتةورد ما يكِّن بعض رجال العيث والفساد من أنّه لا أصل ثابت في عالم الأخلاق.

وبذلك تقدر على حلّ مشكلة الخاتمية وسيادة أُصولها الثابتة في جميع الحضارات والظروف، فانّ الثابت عبارة عن الأُصول الفطرية التي لها جذور في طبيعة الإنسان وخلقته، وبما أنّ خلقة الإنسان متساوية في جميع الظروف غير متغيرة بتغيّـرها، تصبح الأُصول المبنية على الفطرة الإنسانية أُصولاً ثابتة قائمة مرّ الحقب والأعوام.فقوله سبحانه: (إنَّ اللّهَ يَأمُرُكُمْ بِالعَدْلِ والاحْسانِ وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ وَ البَغي) لامع في جميع الأدوار وذلك لأنّ العدل والإحسان يوافقان طبيعة الإنسان وتطلبهما في كل زمان.

نعم هناك ألوان لإجراء الأُصول الثابتة، وطرق مختلفة للوصول إليها فهي لم تنزل متغيرة حسب تغير الحضارات، فالتغيير في القشر لايضرّ بثبات اللب. وإليك بيانه:

إنّ للإنسان ـ مع قطع النظر عمّا يحيـط به من شروط العيـش المختلفة ـ روحيات وغرائز خاصّة تلازمه، ولاتنفك عنه، إذ هي في الحقيقة مشخّصات تكوينية له، بها يتميز عن سائر الحيوانات وتلازم وجوده في كل عصر ولاتنفك عنه


بمرور الزمان.

فهاتيك الغرائز الثابتة والروحيات الخالدة، لاتستغني عن قانون ينظم اتجاهاتها، وتشريع ينظِّمها، وحكم يصونها عن الإفراط والتفريط، فإذا كان القانون مطابقاً لمقتضى فطرته وصالحاً لتعديلها ومقتضياً لصلاحها ومقاوماً لفسادها، لزم خلوده بخلودها، وثبوته بثبوتها.

والسائل قد قصر النظر على ما يحيط به من شروط العيش المختلفة المتبدّلة، وذهل عن أنّ للإنسان خلقاً وروحيات وغرائز، قد فطر عليها، لاتنفك عنه مادام إنساناً، وكلّ واحد منها يقتضي حكماً يناسبه ولايباينه بل يلائمه، ويدوم بدوامه ويثبت بثبوته عبر الأجيال والقرون.

ودونك نماذج من هذه الأُمور ليتبين لك بأنّ التطور لايعم جميع نواحي الحياة، وأنّ الثابت منها يقتضي حكماً ثابتاً لامتطوراً:

1ـ إنّ الإنسان بما هو موجود اجتماعي، يحتاج لحفظ حياته وبقاء نسله إلى العيش الاجتماعي والحياة العائلية، وهذان الأمران من أُسس حياة الإنسان، لاتفتأ تقوم عليهما في جملة ما تقوم عليه منذ بدء حياته.

وعلى هذا، فإذا كان التشريع الموضوع لتنظيم المجتمع مبنياً على العدالة، حافظاً لحقوق أفراده، خالياً عن الظلم والجور والتعسّف، وبعبارة أُخرى موضوعاً على ملاكات واقعية، ضامناً لمصلحة الاجتماع وصائناً له من الفساد والانهيار، لزم بقاؤه ودوامه، مادام مرتكزاً على العدل والانصاف.

2ـ إنّ التفـاوت بين الرجل والمـرأة أمر طبيعي محسوس، فهما موجـودان مختلفان اختلافاً عضوياً وروحياً على رغم كل الدعايات السخيفة الكاذبة، التي تريد إزالة كل تفاوت بينهما، ولأجل ذلك، اختلفت أحكام كل منهما عن الآخر، اختلافاً يقتضيه طبع كل منها، فإذا كان التشريع مطابقاً لفطرتهما ومسايراً


لطبعهما، ظلّ ثابتاً لايتغير بمرور الزمان، لثبات الموضوع، المقتضي ثبات محموله، حسب الاصطلاح المنطقي.

3ـ الروابط العائلية، كرابطة الولد بالوالدين والأخ بأخيه، هي روابط طبيعية، لوجود الوحدة الروحية، والوحدة النسبية بينهم، فالأحكام المتفرقة المنسقة، لهذه الروابط من التوارث ولزوم التكريم، ثابتة لاتتغير بتغير الزمان.

4ـ التشريـع الإسلامي حريص جدّاً على صيانـة الأخلاق وحفظها من الضياع والانحلال، وممّا لاشكّ فيه، أنّ الخمر والميسر والاباحة الجنسية ضربة قاضية على الأخلاق، وقد عالج الإسلام تلك الناحية من حيـاة الإنسان بتحريمها، وإجراء الحدود على مقترفيها، فالأحكام المتعلقة بها، من الأحكام الثابتة مدى الدهور والأجيال، لأنّ ضررها ثابت لايتغير بتغير الزمان، فالخمر يزيل العقل والميسر ينبت العداوة في المجتمع والإباحية الجنسية تفسد النسلوالحرث دائماً مادامت السماوات والأرض، فتتبعها أحكامها في الثبات والدوام.

هذا وأمثاله من الموضوعات الثابتة في حياة الإنسان الاجتماعي قد حدّدها ونظّمها الإسلام بقوانين ثابتة تطابق فطرته وتكفل للمجتمع تنسيق الروابط الاجتماعية والاقتصادية على أحسن نسق وحفظ حقوق الأفراد وتنظيم الروابط العائلية.

وحصيلة البحث: أنّ تطور الحياة الاجتماعية في بعض نواحيها لايوجب أن يتغير النظام السائد على غرار الفطرة، ولا أن تتغيّـر الأحكام الموضوعة على طبق ملاكات واقعية، من مصالح ومفاسد كامنة في موضوعاتها، فلو تغير لون الحياة في وسائل الركوب، ومعدات التكتيك الحربي و... مثلاً، فإنّ ذلك لايقتضي أن


تنسخ حرمة الظلم ووجوب العدل ولزوم أداء الأمانات ودفع الغرامات والوفاء بالعهود والايمان و....

فإذا كان التشريع على غرار الفطرة الإنسانية، وكان النظام السائد حافظاً لحقوق المجتمع وموضوعاًعلى ملاكات في نفس الأمر، تلازم الموضوع في جميع الأجيال، فذلك التشريع والنظام يحتل مكان التشريع الدائم.

تمّ التبييض وتجديد النظر في المشهد المقدّس في جوار الحضرة العلوية الرضوية ـ على مشرّفها آلاف التحية والثناء ـ صباح يوم الجمعة ثاني عشر شهر صفر المظفر من شهور عام 1415هـ .ق

كتبه بيمناه الداثرة أقل الخليقة جعفر السبحاني ابن الفقيه التقيّ الحاج الشيخ محمّد حسين الخياباني التبريزي ـ عاملهما اللّه بلطفه الخفي ـ


الرسالة الثانية

قاعدة لا ضرر

بقلم الشيخ محسن الحيدري



بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى:

(وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)

البقرة: 143 .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«إنَّ هذا الدينَ متين، فأُوغِلوا فيه برفق ولا تكرِّهوا عبادة الله إلى عباد الله، فتكونوا كالراكب المنبتّ الّذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى» .

الكليني: الكافي: 2 / 86 .


مقدمة شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي وضع عنّا الاصر، ورفع عنّا الحرج، ويسّـر لنا التكليف ولم يجعله عسراً، وأُصلّـي وأُسلّم على نبيّه الخاتم الذي أتى بالشريعة السمحاء نافياً عنها الضرر والضرار. وعلى آله الطيبين الطاهرين عيبة علمه، وموئل حكمه صلاة دائمةً لا نهاية لها.

أمّا بعد: فإنّ الفاضل الجليل الشيخ محسن الحيدري ـ دامت إفاضاته ـ قد قام بتحرير ما كتبه ولدنا الفاضل المحقق الشيخ حسن مكي العاملي من محاضرات ألقيتها حول قاعدة لا ضرر ولا ضرار في الدورة السابقة، فأضاف ما استدركناه في هذه الدورة من الروايات، وما حققناه من مباحث جديدة، وبسط القول في آخر الرسالة في حكم الضرر على النفس بعدما أجملنا الكلام فيه.

نسأل اللّه تعالى أن يجعل الفاضلين الجليلين من أصحاب النظر والفتيا، وأملي بهما أن يكونا مناراً في العلم والتقوى، وقدوةً لأهل العلم وطلاب المعرفة إنّه سبحانه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

جعفر السبحاني


مقدمة المؤلف:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.

أمّا بعد: فممّا أنعم اللّه به عليّ مدّة اشتغالي في الحوزة العلمية بقم المقدّسة، هو : تشرّفي بالتّتلمذ على يدي سماحة الأُستاذ الكبير العلاّمة المحقّق آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني ـ حفظه اللّه ـ، حيث استفدت من محضره الشريف في الدورة الثالثة من أبحاثه العالية الأُصوليّة وغمرني بألطافه وعناياته ما لا أنساه طول حياتي إن شاء اللّه.

ولمّا تمّ بحثه حول قاعدة لا ضرر، أحببت تحرير وتكميل الرّسالة التي كتبها الأخ العلاّمة المفضال الشيخ حسن مكي العاملي ـ حفظه اللّه ـ حول القاعدة تقريراً لأبحاث شيخنا الأُستاذ في الدورة السابقة، والتي قد طبعت ضمن قاعدة الرّضاع تحت عنوان «قاعدتان فقهيّتان» سنة 1408 هـ ق ـ فللّه در المقرّر وعليه أجره ـ.

وقد تمّ ـ وللّه الحمد ـ تحرير الرسالة بلا حذف شيء يعتدّ به من المتن، ولكن بإضافة الموارد التالية إليه:

ألف: قد نقلنا ما وقفنا عليه من الأحاديث الكثيرة الدالة على مفاد القاعدة وهو يزيد على الموجود في الأصل بكثير، مع درج التعليقات والتوضيحات اللازمة على بعض تلك الأحاديث .


ب : ذكر آيات قرآنية أُخر تدلّ على القاعدة مع توضيحات أكثر لتفسير تلك الكرائم.

ج: استخراج نصوص فتاوى الفقهاء من العامّة والخاصّة التي استدلّوا فيها بقاعدة نفي الضرر في جميع الأبواب الفقهيّة من أول العبادات إلى آخر الحدود والدّيات، وتلك النصوص قد بلغت حوالي ثمانمائة مورداً، الأمر الذي يدل على الدور الهام لهذه القاعدة في الفقه، وقد أشرنا إلى عناوين بعض تلك النصوص ومصادرها في فصل على حدة تحت عنوان «نماذج من الاستدلال بقاعدة لا ضرر في المسائل الفقهيّة».

د : إدراج بعض النكات المفيدة التي أرشدني إليها سماحة الأُستاذ في المتن.

هـ : إكمال البحث، بتحرير ما أفاده شيخنا الأُستاذ حول الاضرار بالنفس بوجه موجز.

محسن الحيدري

شوال المكرم ـ 1414 هـ


بسم الله الرحمن الرحيم

الضرر والضرار في الكتاب العزيز

قال شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ :

كلمة «الضرر» وردت في موضع واحد من القرآن الكريم وهو قوله سبحانه:

(لايستوِي القاعِدون َمِنَ المؤمِنينَ غيرُ أُولي الضّـرَرِ والمجاهدونَ في سبيلِ اللّهِ بأمْوالهِمْ وأنفُسِهِمْ...) .(1)


(1) النساء/5.

نزلت الآية ـ كما في كتب التفسير والحديث ـ في من تخلّف عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم تبوك وقد عذر اللّه سبحانه أولي الضرر منهم وهو عبد اللّه بن أُم مكتوم. وقال زيد بن ثابت: كنت عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حين نزلت عليه (لايستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللّه) ولم يذكر أولي الضرر. فقال ابن أُمّ مكتوم: فيكف وأنا أعمى لاأبصر؟! فتغشّى النبي الوحي ثمّ سرى عنه فقال: اكتب (لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر)فكتبتها.

راجع: مجمع البيان للطبرسي ج3/96 ط: دار احيار التراث العربي، بيروت ـ ومسند أحمد بن حنبل 4/301 ط: دار الفكر.


أي إلاّ أهل الضرر منهم، بذهاب أبصارهم وغير ذلك من العلل الّتي لاسبيل لأهلها إلى الجهاد، للضّرر الّذي بهم. والمراد من الضرر هنا هو النقصان من عمىً أو مرض.

وأمّا الضّرار، فهو من فروع الظّلم والتعدّي على النفوس والحقوق والأموال، وعلى ذلك فهو محكوم بالقبح عقلاً وبالحرمة شرعاً.

وقد وردت هذه الكلمة وما اشتقّ منها في الآيات القرآنيّة التّالية:

***

2ـ قوله سبحانه: (وإذا طلَّقْتُمُ النّساءَ فبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فأمْسِكُوهُنَّ بمَعْروف أو سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْروف ولاتُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاتتّخِذُوا آياتِ اللّهِ هُزُواً واذْكُروا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وما أنْزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ واتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ بكلّ شَيْء عَلِيم) .(1)

كان الرجل ـ في الجاهليّة ـ يطلّق امرأته ويتركها، وعندما يقرب انقضاء عدّتها، يراجعها لا عن حاجة ورغبة ولكن ليطوّل العدّة عليها إيذاءً وضراراً بها.فنهى اللّه سبحانه عن هذا الأسلوب التعسّفي، كما قد حدّد الطّلاق بعد أن لم يكن له ولا للرجوع حدّ وحصر، بما يلي:

(الطّلاقُ مَرّتانِ فإمْساكٌ بِمَعْروف أو تَسْريحٌ بإحْسان ولا يِحلُّ لَكُمْ أنْ تأخُذُوا ممّـا آتَيْتُمُوهُنَّ شيئاً إلاّ أنْ يَخافا أنْ يُقيما حُدودَ اللّهِ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاتَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فأولئكَ هُمُ الظّالمونَ) .(2)

هذه هي الحدود الإلهيّة. وأمّا الرجوع بقصد الطّلاق، فهو ليس من الإمساك


(1) البقرة/231.

(2) البقرة/229.


بمعروف، ولذلك فقد عدّه سبحانه من الإمساك ضراراً، فالواجب على الزوج ـ كما في هذه الكريمة ـ أحد أمرين:

الإمساك بالمعروف بالقيام بوظائف الزوجيّة، أو التسريح والتّخلّي عنها حتّى تنقضي عدّتها وتبين من غير ضرار.

وروي عن عائشة أنّها قالت: كان الناس والرجل يطلّق امرأته ما شاء أن يطلّقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة، وإن طلّقها مائة مرّة أو أكثر، حتّى قال رجل لامرأته:

واللّه لا أُطلّقك فتبيني ولا آويكِ أبداً. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلّقك، فكلّما شاهدت عدّتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتّى دخلت على عائشة فأخبرتها. فسكتت حتّى جاء النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبرته . فسكت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حتى نزل القرآن (الطّلاقُ مَرّتانِ فإمْساكٌ بِمَعْروف أو تَسْريحٌ بإحْسان) .

قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً من كان طلق ومن لم يكن طلّق.(1)

و«الضرار» في الآية من مقولة فعل الواحد لا الاثنين ولاالمجازاة. والمراد منه في المقام هو إيجاد الضيق والمشقّة وإدخال المكروه.

فاحتفظ بهذه النكتة مع ما سنذكره في الآيات الأُخر، لأنّها كقرائن منفصلة تثبت ما هو المقصود من الحديث.

***

3ـ قوله سبحانه: (والوالِداتُ يُرضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَين لِمَنْ أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى المَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْروفِ لا تُكَلَّف نَفْسٌ إلاّ وُسْعَها لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَولُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإنْ


(1) الترمذي، الصحيح، ج1ص224، الحاكم النيسابوري، المستدرك2/279.


أرادا فِصالاً عَنْ تَراض مِنْهُما وَ تَشاوُر فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرضِعُوا أولادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْروفِ وَ اتَّقُوا اللّهَ وَ اعْلَمُوا أنَّ اللّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (1).

والآية تتكفّل ببيان عدّة أحكام:

أ ـ مدّة إرضاع الأُمّهات للأولاد.

ب ـ أنّ رزق الأُمّهات المرضعات وكسوتهن، على المولود له ـ وهو الوالد ـ على النحو المعروف.

ج ـ أن لايكلّف أحدهما الآخر بما ليس في وسعه.

د ـ أنّ ( لاتضارّ والدة بولدهاولامولود بولده). وفي تفسيره وجهان:

الأوّل: أن يكون الفعل (لاتضار) بصيغة المجهول فيكون كل من الوالدة والمولود له هو المتضرر، وحذف الفاعل أي «الضار» لكونه معلوماً من سياق الكلام وتكون الباء في (بولدها) وفي (بولده)للسببية. والمعنى يحرم أن يتضرر ويقع كل من الوالدة والمولود له مورداً للضرر بسبب ولدهما، فلاتضار الوالدة بأخذ ولدها عنها ودفعه إلى الضرة بعد أُنسها به، غيظاً عليها. كما لايضار الوالد بترك إرضاع ولده. ففي الصورة الأُولى، الأُمّ هي المتضرّرة والأب هو الضار، وفي الصورة الثانية الأمر بالعكس. وعلى كلّ تقدير فالولد سبب الضرر وآلته وليس مورداً له.

الثاني: أن يكون الفعل (لاتضار) بصيغة المعلوم وعلى هذا يكون كل من الوالدة والمولود له هو الضار، والمتضرر هو الولد المذكور بعدهما،والباء زائدة والمعنى: لاتضارر الوالدة ولدها ولايضارر المولود له ولده، وإضرار الأُمّ بترك الإرضاع، وإضرار الأب بأخذه منها ودفعه إلى الضرة. والفرق بين الوجهين واضح، ففي الأوّل كل من الوالدة والمولود له هو المتضرر والطرف المقابل هو الضار والولد سبب الضرر، وفي الثاني كلّ منهما هو الضار، والمتضرر ـ على كل تقدير ـ هو


(1) البقرة: 233 .


الولد.

هـ ـ يجب على الوارث ما كان يجب على المولود له من الرزق والكسوة.

و ـ جواز فصل الرضيع عن الرضاع قبل الحولين عن تراض وتشاور من الوالدين، وقد شرط رضا الوالدة لأنّها تعلم من تربية الرضيع ما لايعلمه الوالد.

زـ يجوز للآباء طلب مراضع غير أُمّهات أبنائهم، إمّا لإباء الأُمّهات عن الرضاع، أو لأغراض عقلائيّة.

وعلى كل تقدير، فمتعلّق التحريم هو فعل الواحد أي إضرار كلٌّ مستقلاً وإن لم يكن الآخر ضاراً، وليس متعلّقه فعل الاثنين. ومع ذلك فلعلّ الإتيان بـ«تضار» بصيغة المفاعلة مكان «تضر»، مع أنّ الأنسب هو الثاني ـ لما عرفت من كون متعلّق التحريم إضرار كلٌّ مستقلاً وإن لم يكن الآخر ضاراً ـ من جهة مظنّة كون كل منهما بصدد الإضرار بالآخر.

***

4ـ قوله سبحانه: (وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ وَ لايُضارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهيد) (1).

فلو قرئ «لايضارِّ» بصيغة المعلوم بكسر الراء ـ وإن تبدّلت إلى الفتح بعد الإدغام ـ كان النهي متوجّهاً إلى الكاتب والشاهد، كأن يكتب الكاتب مالم يمل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يشهده أو يمتنع عن إقامة الشهادة.

وأمّا إذا قرئ بصيغة المجهول فيكون المراد عدم الإضرار بالكاتب والشاهد، كأن يدعى الكاتب إلى الكتابة أو الشاهد إلى الشهادة في ظرف عدم تفرّغهما لذلك، والذيل يناسب المعنى الأوّل كما لايخفى. وقد أُريد من صيغة المفاعلة، الفعل من جانب واحد.

***


(1) البقرة: 282 .


5ـ قوله سبحانه: (وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصيَّة يُوصِينَ بِها أو دَيْن وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أو دَيْن وَ إنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرأةٌ وَ لَهُ أخٌ أو أُختٌ فَلِكُلِّ واحد مِنْهُما السُّدسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَة يُوصى بِها أو دَين غَيـرَ مُضارّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ وَ اللّهُ عَليمٌ حَليمٌ) .(1)

منع سبحانه من الضرار في الوصيّة بمعنى أنّه ليس للإنسان أن يوصي وصيّة تضرّ بالورثة كما إذا أوصى بكل ماله، أو بأكثر من ثلثه، أو أقرّ بدين للإضرار بهم مع أنّه غير مديون. فقد أُريد من صيغة المفاعلة، الفعل من جانب واحد.

***

6ـ قال سبحانه: (والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَ إرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ ليَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلاّ الحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ).(2)

نقل المفسّرون أنّ بني عمرو بن عوف اتّخذوا مسجد قبا وبعثوا إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم، فأتاهم وصلّى فيه. فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً ونصلّي فيه ولانحضر جماعة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلمّا فرغوا منه أتوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يتجهّز إلى تبوك. فقالوا: يا رسول اللّه إنّا قد بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة واللّيلة المطيرة واللّيلة الشاتية، وإنّا نحبّ أن تأتينا وتصلّي فيه لنا وتدعو بالبركة. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي على جناح سفر، ولو قدمنا آتيناكم إن شاء اللّه فصلّينا لكم فيه. فلمّا انصرف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)من تبوك، نزلت عليه الآية في شأن المسجد، فوصف غاية عملهم بأُمور:


(1) النساء/12.

(2) التوبة/107.


1ـ ضراراً، أي للضّرر بأهل مسجد قبا أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقلّ الجمع فيه.

2ـ وكفراً ،أي لإقامة الكفر.

3ـ وتفريقاً بين المؤمنين،أي لاختلاف الكلمة وإبطال الأُلفة وتفريق الناس عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).

4ـ وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل، أي مرصداً لأبي عامر الراهب وهو الذي حارب اللّه ورسوله من قبل.(1)

***

7ـ قوله تعالى: (أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لا تُضارُّوهنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إنْ كُنَّ أُوْلاتِ حَمْل فَأنْفِقُوا عَلَيْهنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ فَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف وَ إنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرضِعُ لَهُ أُخرى).(2)

والمقصود هو المنع عن الضّرار بالمطلّقة في أيّام عدّتها بالتضييق في المسكن والمأكل.

فهذه الآيات(3) تثبت قاعدة كلّية وهي حرمة الضرر والضرار، أي حرمة أن يضرّ مكلّف بفرد آخر، فالضارّ أو المضارّ هو المكلّف والمتضرّر إنسان آخر(4) فليكن هذا على ذكر منك فإنّه سينفعك في تفسير القاعدة.

***


(1) الطبرسي، مجمع البيان ج3/72 وفسر الضرار بقوله: الضرار طلب الضرر ومحاولته كما أنّ الشقاق محاولة ما يشق، يقال: ضاره مضارّة وضراراً.

(2) الطلاق/6.

(3) لايخفى أنّ الآيات الّتي استعملت فيها مادّة «ضرر» لاتنحصر بهذه السبعة المذكورة، إذ قد استعملت بصيغ مختلفة فيما يقارب ثلاثاً وستّين آية أُخرى ولكن أغمض عن التشرّف بذكرها لعدم علاقتها الوثيقة بموضوع البحث.

(4) يمكن قبول هذا المعنى بالنسبة إلى الآيات فقط وأمّا بالنسبة إلى الأحاديث فللكلمتين معنى أوسع.


الضّـرر والضِّـرار في السّنّة

الروايات الحاكية عن تحريم الضّرر والضّرار على أقسام كثيرة(1) نأتي بما وقفنا عليه في كتب الفريقين.

القسم الأوّل: ما يعتمد في بيان الحكم على نقل قضيّة سمُرة بن جندب(2)


(1) قد ادّعى فخر المحقّقين كما في ايضاح الفوائد في شرح القواعد ج2/48 تواترها.وهذا هو الحقّ فانّ من تتبّعها في مطاوى الكتب يجد صدق تلك الدعوى جليّاً، وعليه فلاحاجة إلى التفتيش عن اسنادها. فإنّها إن لم تكن متواترة فهي مستفيضة بلا اشكال. وقد أثبتنا مضمونها كما مرّ عليك ـ في الفصل السابق ـ على ضوء الآيات الكريمة مضافاً إلى أنّ هذا المطلب من المستقلاّت العقليّة، حيث إنّ الضرر والضرار من شعب الظلم والعقل يستقلّ بقبح ذلك كما هو معلوم.

(2) سمرة بن جندب كان من أعلام المنافقين. وقد اميط اللّثام عن نفاقه في عناده لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كما ستعرف من قصّته في الأحاديث الآتية وكذلك من قصّة ضربه بالعنزة ناقة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) القصواء وشجّه رأسها. وكلّما تطاول عليه الزمان ـ حيث بقى إلى عهد معاوية بن أبي سفيان بل إلى زمن ابنه يزيد ـ اسفرت الأيّام عن خبث طينته إلحاده. فانّه شارك مشاركة فعّالة في المخطّط الاجرامي الذي دبّره معاوية لجعل الأحاديث وخلقها في صالح المنافقين وضدّ عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام)كما أنّه أسرف كثيراً في سفك دماء الابرياء لتشييد سلطان الأُمويّين حيث قتل أكثر من ثمانية آلاف من الشّيعة حينما استخلفه زياد بن أبيه على البصرة! وفي نهاية عمره الملئ بالاجرام ساهم في الخروج لقتل سبط الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان على شرطة عبيد اللّه بن زياد يحرّض الناس على الخروج للحسين (عليه السلام) وقتاله.

انظر: الشرح الحديدي ج1/361 و363 ـ الكامل في التاريخ ج3/482 و503 ـ معجم رجال الحديث للسيّد الخوئي ـ قده ـ ج8/305 ـ 307.


ويعلّل الأمر بالقلع بـ «أنّه رجل مضارّ» وانّه «لاضرر ولاضرار» وإليك صور الحديث:

1ـ موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:«إنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمرّبه إلى نخلته ولايستأذن، فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلمّا تأبّى جاء الأنصاري إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فشكى إليه وخبّره الخبر، فأرسل إليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وخبّره بقول الأنصاري وما شكا، وقال: إذا أردت الدخول فاستأذن، فأبى، فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه، فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق يمدّ لك في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)للأنصاري: إذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنّه لاضرر ولاضرار».(1)

2ـ روى الكليني عن علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن عبد اللّه بن مسكان، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) نحوه إلاّ أنّه قال:«فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :إنّك رجل مضارّ ولاضرر ولا ضرار على مؤمن قال: ثمّ أمر بها فقلعت ورمي بها إليه، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): انطلق فاغرسها حيث شئت».(2)

وعلي بن بندار، لم يوثق في الكتب الأُصوليّة الرجالية: كما انّ في السند إرسالاً. والرواية مشتملة على بعض ما لايوجد في الرواية المتقدّمة مثل:

أ ـ إنّك رجل مضار.

ب ـ لاضرر ولاضرار على مؤمن.


(1) رواه المشايخ الثلاثة. الوسائل، الجزء17، الباب 12، من كتاب احياء الموات، الحديث 3والرواية موثقة لأجل ابن بكير.

(2) الوسائل، الجزء 17، الباب 12، من كتاب احياء الموات، الحديث4.


3ـ مارواه الصدوق عن الحسن الصيقل عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبوجعفر (عليه السلام) :«...ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): يسرّك أن يكون لك عذق في الجنة بنخلتك؟ قال:لا! قال: لك ثلاثة؟ قال:لا! قال: ما أراك يا سمرة إلاّ مضارّاً، اذهب يا فلان فاقطعها ]فاقلعها [واضرب بها وجهه».(1)

والظاهر أنّ أبا جعفر (عليه السلام) حدّث بهذا وسمعه زرارة وأبو عبيدة الحذّاء فنقلاه بالزيادة والنقصان.

4ـ ما نقله أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفّى عام 275هـ في سننه: عن واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي يحدّث عن سمرة بن جندب أنّه كانت له عضد(2) من نخل في حائط رجل من الأنصار قال: ومع أهله قال:فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذّى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبى وطلب إليه أن يناقله، فأبى فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فذكر ]ذلك [له، فطلب إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبيعه، فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال:«فهبه له ولك كذا وكذا» أمراً رغبة فيه، فأبى، فقال:«أنت مضار». فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)للأنصاري:«إذهب فاقلع نخله».(3)

ولعلّ المضمون مستفيض وإن كانت الخصوصيات غير مستفيضة.

وهناك رواية أُخرى يشبه مضمونها لقضيّة سمرة من بعض الجوانب ونحن ننقلها هنا للمناسبة.

5ـ في كتاب قرب الاسناد: ابن عيسى، عن البزنطيّ قال: سمعت الرضا (عليه السلام)


(1) الوسائل، الجزء 17، الباب 12، من كتاب احياء الموات، الحديث 1، وفي سند الصدوق إلى الحسن، علي بن الحسين السعد آبادي وهو غير مصرح به بالتوثيق.

(2) الصواب«عضيد». قال ابن فارس في المقاييس: العضيد، النخلة تتناول ثمرها بيدك. ويمكن أن يسمّى بذلك لأجل أنّ العضد تطاولها فتنالها.

(3) سنن أبي داود ج3، ص315في أبواب من القضاء.


يقول في تفسير (واللَّيلِ إذا يَغْشى)قال: «إنّ رجلاً من الأنصار كان لرجل في حائطه نخلة وكان يضرّ به، فشكا ذلك إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فدعاه فقال: أعطني نخلتك بنخلة في الجنّة، فأبى، فبلغ ذلك رجلاً من الأنصار يكنّى أبا الدّحداح فجاء إلى صاحب النخلة فقال: بعني نخلتك بحائطي، فباعه فجاء إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اشتريت نخلة فلان بحائطي، قال: فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فلك بدلها نخلة في الجنّة، فأنزل اللّه تبارك وتعالى على نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : (وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى * إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى * فَأمّا مَنْ أعْطى) يعني النخلة (وَاتَّقى)إلخ».(1)

القسم الثاني: ما يشتمل على لفظ «لاضرر ولاضرار» مجرّداً عن قضيّة سمرة ومن دون دلالة صريحة على مورد صدوره من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وإليك بيانه:

6ـ روى الكليني بسنده عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال:«لاضرر ولاضرار».(2)

7ـ روى الكليني عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لايمنع نفع الشيء، وقضى بين أهل البادية أنّه لايمنع فضل ماء ليمنع كلاء، فقال:«لاضرر ولاضرار».(3)

وما نقله صاحب الوسائل في البابين حديث واحد تطرّق إليه التعدّد بسبب التقطيع، والسند أيضاً واحد رواه الكليني مجتمعاً في الكافي.(4) ويحتمل أن يكون«نفع الشيء» مصحف«نقع الشيء» والمراد: فاضل الماء، ونقع البئر: فاضل


(1) البحار ج22/101 نقلاً عن قرب الاسناد/156والآيات في سورة الليل.

(2) الوسائل ج17، الباب 12من كتاب احياءا لموات، الحديث 5.

(3) الوسائل ج17، كتاب احياء الموات، الباب 7، الحديث 2.

(4) الكافي ج5، كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 6.


مائها. والموجود في الكافي المطبوع أخيراً «وقال» لاضرر ولاضرار، وفي الوسائل كما عرفت«فقال»، وفي الباب الثاني عشر من أبواب الاحياء «قال» بلا عاطف.(1)

فلو كان مع «الفاء»، يكون علّة للحكم السابق أعني:«لايمنع فضل ماء...» ودالاً على صدور هذه القاعدة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير مورد سمرة أيضاً.

ولو كان مع «الواو»، أو بدون العاطف، يكون قضاءً مستقلاً غير مرتبط بما تقدّمه ولكن الراوي، أي عقبة بن خالد ، ضمّه إلى سائر الأقضية . وقد حكى شيخ الشريعة أنّه رأى في نسخة مصحّحة من الكافي أنّه مع «الواو» لامع «الفاء»، ولكن الظاهر خلافه كما سيوافيك.

8ـ روى الكليني عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار» وقال:إذا أُرّفت الأُرف وحدّت الحدود فلا شفعة».(2)

والظاهر اتّحاده مع الحديث السادس وقد حصل التعدّد من تقطيع الكليني حيث نقل قسماً منه في باب الشفعة وقسماً آخر في باب الضرار، والسند في الجميع واحد،وقد وقع قوله:«لاضرر ولاضرار» هنا تعليلاً للحكم بالشفعة إذا لم ترف الأُرف، وبعدمها إذا حدّت الحدود، وليس قضاءً مستقلاً إذ لايصح إدخال قضاء مستقلّ في أثناء قضاء واحد. وبذلك يقوى كون الصحيح في الحديث السادس هو «الفاء» ليكون تعليلاً للحكم بعدم المنع، ويترتّب على ذلك عدم ورود قوله«لاضرر» مستقلاً، وإنّما ورد إمّا مقترناً بقضية سمرة، أو مسألة نقع الماء ليمنع


(1) فالكافي نقله مع «الواو» والوسائل تارة مع «الفاء» وأُخرى بلا عاطف أصلاً والسند والمتن في البابين 7و12 من الوسائل واحد.

(2) الوسائل، الجزء 17، كتاب الشفعة، الباب 5، الحديث 1، والكافي الجزء 5، كتاب المعيشة، باب الشفعة، الحديث 4.


فضل الكلاء، أو مسألة الشفعة.(1)

9ـ ما أرسله الصدوق عند الاستدلال على أنّ المسلم يرث الكافر فقال:(العبارة له) فأمّا المسلم فلأيّ جرم وعقوبة يحرم الميراث؟ وكيف صار الإسلام يزيده شراً؟

ـ مع قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يزيد ولاينقص».

ـ مع قوله (عليه السلام) : «لاضرر ولاضرار في الإسلام»، فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً.

ـ ومع قوله (عليه السلام) :«الإسلام يعلو ولايعلى عليه».(2)

ولاشكّ أنّ الجمع بين الأحاديث الثلاثة، من فعل الصدوق، كما أنّ قوله:«فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً» من كلامه، ذكره مقدمة للاستدلال به على أنّ المسلم يرث الكافر، ويدل على ذلك ما روي عن معاذ أنّه احتج على أنّ المسلم يرث اليهودي بقوله:سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:«الإسلام يزيد ولاينقص». ورواه في الوسائل في نفس الباب، الحديث الثامن.

وعلى كلّ تقدير، فالقاعدة حسب هذا النقل مذيّلة بلفظة «في الإسلام». ولايخفى أنّ تذييل هذه الرواية بلفظة «في الإسلام» لاينحصر بما نقله الصدوق في


(1) وممّا يؤيّد أنّ جملة «لاضرر ولاضرار» جاءت مقترنة بمسألة الشفعة ما ورد في كتاب فقه الرضا (عليه السلام)ص35 على ما حكاه المجلسي في البحار ج101/257، أنّه قال: «اعلم أنّ الشفعة واجبة في الشركة المشاعة... ولاضرر في شفعة ولاضرار».

ولايخفى أنّ كتاب فقه الرّضا (عليه السلام) وإن كان كتاباً فقهيّاً لاحديثيّاً، إلاّ أنّ الكتب الفقهيّة المؤلّفة في القرون الأُولى ـ حتى القرن الرابع ـ كانت تلتزم بنقل نصوص الأحاديث على الأغلب بعنوانها فتاوى لمؤلّفيها وعليه فيحتمل قويّاً أنّ ما جاء في هذا الكتاب كان نصّاً للحديث نقله مؤلفه بنفس التعبير من دون اشارة إلى أنّه حديث عن المعصوم (عليه السلام).

(2) الفقيه ج4، كتاب الميراث، باب ميراث أهل الملل، الحديث 1و3 ـ ورواه في الوسائل الجزء 17، كتاب الفرائض والمواريث، الباب الأوّل من الموانع، الحديث 9و11.


«من لايحضره الفقيه»، إذ رواها أيضاً في كتابه «معاني الأخبار» ونقلها الشيخ في «الخلاف» ،والعلاّمة في «التّذكرة»، والطّريحي في «مجمع البحرين». ومن العامّة: ابن الأثير في نهايتة، وهؤلاء أرسلوها إرسال المسلّمات في كتبهم، وإليك عباراتهم:

10ـ في كتاب «معاني الأخبار»: عن محمّد بن هارون الزنجاني، عن عليّ بن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم بأسانيد متّصلة إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في أخبار متفرقة أنّه:... إلى أن قال: «وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاتعضية في ميراث» ومعناه أن يموت الرجل ويدع شيئاً إن قسّم بين ورثته إذا أراد بعضهم القسمة كان في ذلك ضرر عليهم أو على بعضهم، يقول: فلايقسم ذلك... والشيء الذي لايحتمل القسمة مثل الحبّة من الجواهر... وما أشبه ذلك من الأشياء وهذا باب جسيم من الحكم يدخل فيه الحديث الآخر «لاضرر ولا اضرار في الإسلام» فإن أراد بعض الورثة قسمة ذلك لم يُجَب إليه ولكن يباع ثم يقسّم ثمنه بينهم...».(1)

11ـ قال الشيخ الطوسي:«وأيضاً قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار في الإسلام» يدلّ على ذلك. لأنّه متى لم يرد عليه قيمة ما نقص دخل عليه في ذلك الضرر».(2)

12ـ قال العلاّمة:«الغبن سبب الخيار للمغبون عند علمائنا وبه قال مالك وأحمد لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار في الإسلام».(3)

13ـ قال الطريحي:«وقضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».(4)

14ـ قال ابن الأثير:«وانّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال:لاضرر ولاضرار في الإسلام».(5)


(1) معاني الأخبار، ص281، تصحيح علي أكبر الغفاري، الناشر دار المعرفة بيروت سنة 1399.

(2) الخلاف 2/186، كتاب الشفعة، ط: اسماعيليان، قم.

(3) التذكرة ج1/497 ط: قديم، خيار الغبن، المسألة الأُولى.

(4) مجمع البحرين مادة «ضرر».

(5) النهاية لابن الأثير مادة «ضرر».


هذا ما وجدناه مذيّلاً بهذه الكلمة، وأمّا غير المذيّل فكثير مرّ بعضه وإليك موارد أُخر:

15ـ ما رواه القاضي النعمان بن محمّد التميمي المغربي في دعائم الإسلام قال:روينا عن أبي جعفر عن أبيه عن آبائه على عليّ (عليهم السلام) أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا ضرر ولا إضرار».(1)

16ـ ما رواه عن جعفر بن محمّد أنّه قيل له: فإن كان الجدار لم يسقط ولكن هدمه أو أراد هدمه إضراراً بجاره لغير حاجة منه إلى هدمه؟ قال:«لايترك وذلك انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«لاضرر ولاضرار»، فإن هدمه، كُلّف أن يبنيه».(2)

وروى المحدّث النوري كلا الحديثين الأخيرين في مستدركه.(3)

وعلى كلّ تقدير فلعلّ الإمام (عليه السلام) استند إلى ما ورد في قضيّة سمرة أو إلى حديث الشفعة أو غيرهما باعتبار أنّها قاعدة كلّية.

وأمّا ما ورد من طرق العامّة سوى ما نقلناه عن نهاية ابن الأثير فكما يلي:

17ـ ما رواه مالك بن أنس المتوفى عام 179هـ في موطئه عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«لاضرر ولاضرار».(4)

18ـ روى أحمد بن حنبل في مسنده وقال: حدّثنا عبد اللّه:حدثنا أبو كامل الجحدري: حدثنا الفضيل بن سليمان: حدثنا موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة ،قال:

إنّ من قضاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ المعدن جبّار، والبئر جبّار، والعجماء جرحها


(1) دعائم الإسلام ج2/499، كتاب القسمة والبنيان، الحديث (1781) وفي الهامش رمز الى النسخة الأصلية بـ (س) وفيها «لاضرر ولاضرار».

(2) دعائم الإسلام ج2ص504، الحديث (1805) .

(3) المستدرك ج3ص150.

(4) الموطّأ، كتاب القضاء، باب القضاء في المرفق، الحديث 36، ص638.


جبّار والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبّار: الهدر الذي لايغرم .

وقضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الركاز الخمس.

وقضى أنّ تمر النخل لمن أبرّها إلاّ أن يشترط المبتاع.

وقضى أنّ مال المملوك لمن باعه إلاّ أن يشترط المبتاع.

وقضى أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر.

وقضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور.

وقضى لحمل ابن مالك الهذلي بميراثه عن امرأته التي قتلتها الأُخرى.

وقضى في الجنين المقتول بغرّة عبد أو أمة فورثها بعلها و بنوها قال:وكان له من امرأتيه كلتيها ولد. قال:فقال أبو القاتلة المقضى عليه: يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كيف أغرم من لاصاح له ولا استهلّ ولاشرب ولاأكل. فمثل ذلك بطل. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا من الكهان.

قال: وقضى في الرحبة تكون بين الطّريق ثمّ يريد أهلها البنيان فيها فقضى أن يترك للطريق فيها سبع أذرع قال: وكان تلك الطريق سمى الميتاء.

وقضى في النخلة أو النخلتين أو الثلاث، فيختلفون في حقوق ذلك فقضى أنّ لكلّ نخلة من أولئك مبلغ جريدتها حيّز لها.

وقضى في شرب النخل من السيل أنّ الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء إلى الكعبين، ثمّ يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه فكذلك تنقضي حوائط أو يفنى الماء.

وقضى أنّ المرأة لاتعطي من مالها شيئاً إلاّ بإذن زوجها.

وقضى للجدّتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء.

وقضى أنّ من أعتق مشركاً في مملوك فعليه جواز عتقه إن كان له مال.

وقضى أن لاضرر ولاضرار .

وقضى أنّه ليس لعرق ظالم حق.


وقضى بين أهل البادية أنّه لايمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلاء.

وقضى في الدية الكبرى المغلظة ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقة وأربعين خلفة.

وقضى في الدية الصغرى ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقة وعشرين ابنة مخاض وعشرين بني مخاض ذكور.

ثمّ غلت الابل بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وهانت الدّراهم فقوّم عمر بن الخطّاب إبل المدينة ستّة آلاف درهم حساب أوقية لكل بعير.

ثم غلت الابل وهانت الورق فزاد عمر بن الخطاب ألفين حساب أوقيتين لكل بعير.

ثمّ غلت الابل وهانت الدراهم فأتمّها عمر اثني عشر ألفاً حساب ثلاث أواق لكل بعير قال: فزاد ثلث الدية في الشهر الحرام وثلث آخر في البلد الحرام. قال: فتمّت دية الحرمين عشرين ألفاً، قال: فكان يقال: يؤخذ من أهل البادية من ماشيتهم لايكلّفون الورق ولاالذهب ويؤخذ من كل قوم مالهم قيمة العدل من أموالهم.(1)

وقد جمع عُبادة بن الصّامت(2) في هذا الحديث من أقضية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما


(1) مسند أحمد، الجزء الخامس، ص326، وراجع رسالة لاضرر لشيخ الشريعة الاصفهاني ص17ـ18 قال فيه بعد نقل رواية عبادة بن الصامت: أقول: وهذه الفقرات كلّها أو جلّها مروية من طرقنا موزعة على الأبواب وغالبها برواية عقبة بن خالد وبعضها برواية غيره وجملة منها برواية السكوني، والذي اعتقده انّها كانت مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما في رواية عبادة بن الصّامت إلاّ أنّ أئمّة الحديث فرّقوها على الأبواب.

(2) عُبادة بن الصّامت من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن النقباء الاثنى عشر ومن السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)ومن الذين مضوا على منهاج نبيّهم ولم يغيّروا ولم يبدّلوا. وكانت له مواقف بطوليّة في الشام ضد معاوية ابن أبي سفيان فابعد من جرّاء ذلك بأمر من عثمان إلى المدينة وتوفّي في زمانه وكان من المعترضين عليه.

انظر: معجم رجال الحديث 9/222 ـ السبعة من السلف للفيروز آبادي ص131 نقلاً عن مسند أحمد بن حنبل 5/325 ـ الغدير 10/179 و180 نقلاً عن تاريخ ابن عساكر 7/211.


يقارب العشرين قضاءً.

19ـ وقال أحمد بن حنبل أيضاً:حدّثنا عبد اللّه: حدّثني أبي: حدثنا عبدالرزاق :أنا معمر عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال:قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاإضرار، وللرجل أن يجعل خشبة في حائط جاره والطريق الميتاء سبعة أذرع».(1)

20ـ ما رواه ابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قضى أن«لاضرر ولاضرار».(2)

21ـ ما رواه هو أيضاً عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار».(3)

هذا ما وقفنا عليه من هذا القسم ولعلّ هناك مالم نقف عليه.

القسم الثالث : ما يشتمل على لفظة «الضرار» فقط:

22ـ روى الشيخ عن هارون بن حمزة الغنوي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل شهد بعيراً مريضاً وهو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم، وأشرك فيه رجلاً بدرهمين بالرأس والجلد، وقضى انّ البعير برئ، فبلغ ثمنه ]ثمانية خ ل [دنانير قال: فقال لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فان قال: أُريد الرأس والجلد فليس له ذلك، هذا الضرار، وقد أُعطي حقّه إذا أُعطي الخمس.(4)

المراد أنّ البعير علت قيمته بسبب برئه، فلو نحر يتضرر المشتري، ولأجل


(1) مسند أحمد بن حنبل 1/213 ط: دار الفكر بيروت.

(2) سنن ابن ماجة 2/57، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، وسنن أبي داود 3/315 في أبواب القضاء.

(3) سنن ابن ماجة2/57، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره وسنن أبي داود3/315 في أبواب القضاء.

(4) الوسائل ج13، ب22، من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.


ذلك ليس للشريك الإصرار على النحر ليأخذ الرأس والجلد، بل يباع ويكون للشريك الخمس، والحديث يعطي قاعدة في مورد الشركة وأنّه ليس للطرف الآخر الإصرار على اعمال الحق إذا استلزم الإضرار بالغير، بل يجب أن يكون النيل به على وجه غير مضر بالآخر.

القسم الرابع: ما يدلّ على تحريم الاضرار بالغير :

والتحريم المستفاد من روايات هذا القسم على نوعين:

الف: التحريم المباشر.

ب : التحريم غير المباشر.

الف ـ التحريم المباشر:

ونعني به ما عبّر عنه بصيغة النهي أو بمادته أو بما فيه توعّد وتهديد أو تصريح بالحرمة أو أنّه من الكبائر. وهذا ما يستفاد من الأحاديث التالية:

23ـ روي في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى:(من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار)قال:«وجاء في الحديث:إنّ الضرار في الوصية من الكبائر».(1)

24ـ روى الصدوق، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«لاينبغي للرجل أن يطلّق امرأته ثمّ يراجعها وليس له فيها حاجة ثمّ يطلّقها ، فهذا الضرار الذي نهى اللّه عزّ وجلّ عنه إلاّ أن يطلق ثم يراجع وهو ينوي الإمساك».(2)

25ـ روى الكليني عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن


(1) مجمع البيان ج2، ص18.

(2) الوسائل ج15، 34، من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.


قول اللّه عزّ وجلّ :(ولاتُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) ، قال: «الرجل يطلّق حتى كادت أن يخلو أجلها راجعها ثمّ طلّقها يفعل ذلك ثلاث مرّات، فنهى اللّه عزّ وجلّ عن ذلك».(1)

26ـ وروى الكليني، عن زرارة وحمران ابني أعين ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر، وأبي عبد اللّه (عليهما السلام)قالوا: سألناهما عن قوله:(ولاتمسكوهن ضراراً لتعتدوا) ، قال: «هو الرجل يطلّق المرأة تطليقة واحدة، ثمّ يدعها حتّى إذا كان آخر عدّتها راجعها ثمّ يطلّقها أُخرى فيتركها مثل ذلك فنهى اللّه عن ذلك».(2)

27ـ روى الصدوق، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:سمعته يقول: «المطلّقة الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها وهي أحقّ بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أُخرى. يقول اللّه عزّ وجلّ: (لاتُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلامَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ) ، لايضار بالصبي، ولايضار بأُمه في إرضاعه، وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين. فإذا أراد الفصال عن تراض منهما كان حسناً والفصال هوالفطام».(3)

28ـ روى الكليني، عن محمّد بن الحسين قال:كتبت إلى أبي محمّد (عليه السلام) : رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطّل هذا الرحى أ له ذلك أم لا؟فوقع (عليه السلام):«يتّقي اللّه ويعمل في ذلك بالمعروف ولايضر أخاه المؤمن».(4)

29ـ روى الكليني، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السلام) قال:«قرأت في كتاب لعلي (عليه السلام) إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتب كتاباً بين المهاجرين


(1) الوسائل ج15، الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2ـ3.

(2) الوسائل ج15، الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2ـ3.

(3) الوسائل ج15، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 7، ويقرب منه في نفس المصدر الحديث 3.

(4) الوسائل ج17، الباب 15 من كتاب احياء الموات، الحديث 1.


والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب انّ كل غازية بما يعقب... وانّ الجار كالنفس غير مضار ولاآثم وحرمة الجار على الجار كحرمة أُمّه وأبيه،لايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلاّ على عدل وسواء».(1)

والظاهر أنّ المراد من الجار في الحديث، من أعطى له الأمان، بقرينة كون الموضوع هو الغازي وإنّما فسّر بجار البيت بسبب التقطيع الذي ارتكبه الكليني فرواه في كتاب المعيشة بلاصدر.(2)

30ـ روى الصدوق في عقاب الأعمال عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حديث قال:«ومن أضر بامرأة حتى تفتدي منه نفسها لم يرض اللّه له بعقوبة دون النار... ـ إلى أن قال:ـ ومن ضار مسلماً فليس منا ولسنا منه في الدنيا والآخرة... إلاّ وانّ اللّه ورسوله بريئان ممّن أضر بامرأته حتى تختلع منه».(3)

31ـ محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث:«أنّه نهى أن يضار بالصبي أو تضار أُمه في رضاعه».(4)

32ـ محمد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمد بن إسماعيل والحسين بن سعيد جميعاً ،عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ:(لاتُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلامَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) ، فقال: «كانت المراضع ممّا تدفع إحداهنّ الرجل إذا أراد الجماع، تقول: لاأدعك، إنّي أخاف أن أحبل، فأقتل ولدي هذا الذي أرضعه.وكان الرجل تدعوه المرأة فيقول:إنّي أخاف أن اجامعك فأقتل ولدي،


(1) الوسائل ج11، الباب 20 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5، ولاحظ الكافي ج5، ص292 كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 1.

(2) الوسائل ج11، الباب 20 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5، ولاحظ الكافي ج5، ص292 كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 1.

(3) الوسائل ج15، الباب 2 من أبواب الخلع والمباراة، الحديث 1.

(4) الوسائل ج15، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 3.


فيدفعها فلايجامعها، فنهى اللّه عزّ وجلّ عن ذلك أن يضار الرجل المرأة، والمرأة الرجل».

وروى بأسانيد أُخرى صحيحة.(1)

33ـ علي بن إبراهيم في تفسيـره، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«لاينبغي للرجل أن يمتنع من جماع المرأة فيضار بها إذا كان لها ولد مرضع، ويقول لها: لاأقربك فإنّي أخاف عليك الحبل فتغيلي]فتقتلي خ ل [،]فتغيلين خ ل [ولدي وكذلك المرأة لايحل لها أن تمتنع على الرجل فتقول:إنّي أخاف أن أحبل فأغيل ]فأقتل خ [ولدي. وهذه المضارة في الجماع على الرجل والمرأة، وعلى الوارث مثل ذلك. قال: لايضار المرأة التي يولد لها ولد]لاتضار المرأة التي لها ولد خ ل[ وقد توفي زوجها ولايحل للوارث أن يضار أُمّ الولد في النفقة فيضيق عليهما.(2)

34ـ قال عليّ(عليه السلام) في خطبة يصف فيها المتّقين:... ولاينسى ما ذكّر، ولاينابز بالألقاب، ولايضارّ بالجار...».(3)

وانّ قوله (عليه السلام) :«ولايضارّ بالجار» وإن كان جملةً خبريّة إلاّ أنّها تتضمّن نهياً عن الاضرار بالجار بنحو أبلغ ممّا لو قال:«لاتضارّ بالجار» بصورة جملة انشائيّة كما لايخفى على أهل العلم.

35ـ محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي قال: قيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام ومعه خادم لهم فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم


(1) الوسائل ج15، الباب 72 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.

(2) الوسائل ج15، الباب 72 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 2.

(3) نهج البلاغة، خطبة 193 (همام) .


ويخدمنا خادمهم وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم فما ترى في ذلك؟ فقال: «إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلابأس، وإن كان فيه ضرر فلا، وقال (عليه السلام):(بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسهِ بَصيرَةٌ) فأنتم لايخفى عليكم وقدقال اللّه عزّ وجلّ:(وَ اللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح)» ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمّد مثله.(1)

36ـ محمّد بن عليّ بن الحسين باسناده، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)قال: قلت له: يشهدني هؤلاء على إخواني قال:«نعم، أقم الشهادة لهم وإن خفت على أخيك ضرراً». قال الصدوق: وفي نسخته أُخرى:وإن خفت على أخيك ضرراً فلا.

وقال الشيخ الحرّ العاملي: أقول:«حمل الصدوق الرواية الأُولى على غير المعسر والثانية على المعسر».(2)

37ـ رواية تحف العقول حول المكاسب المحلّلة والمحرّمة: روى الحسن بن علي بن شعبة في (تحف العقول) عن الصادق (عليه السلام) انّه سئل عن معائش العباد فقال:«...كذلك السكّين والسيف والرمح والقوس وغير ذلك من وجوه الآلة الّتي تصرف إلى جهات الصلاح وجهات الفساد، وتكون آلة ومعونة عليهما فلابأس بتعليمه وتعلّمه وأخذ الأجر عليه والعمل به وفيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، ومحرّم عليهم فيه تصريفه إلى جهات الفساد والمضارّ...».(3)


(1) الوسائل ج12 ص183 كتاب التجارة باب ... حديث 1; لاحظ: فروع الكافي ج1، ص364، والتهذيب ح2/103; وتفسير العياشي 1/107.

(2) الوسائل ج18/249، الباب 19 من أبواب الشهادات، ح2; لاحظ أيضاً: الفقيه ج3ص42، ح2.

(3) الوسائل ج12 ص54ـ57، الباب ... من أبواب ... ح 1; لاحظ: رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى; وتحف العقول ص80ـ83 من الطبعة الأُولى وص331ـ 338 من الطبعة الثانية.


38ـ محمّد بن عليّ بن الحسين باسناده عن عبد اللّه بن المغيرة عن السّكوني عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه (عليهما السلام)قال: «قال علي(عليه السلام) :ما أبالي أضررتُ بولدي أو سرقتهم ذلك المال». ورواه الشيخ باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن بنان بن محمّد عن عبد اللّه بن المغيرة مثله إلاّ أنّه قال: «أضررت بورثتي».(1)

39ـ وعن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن سنان، عن العلاء ابن الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:« كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: عظّموا أصحابكم ووقّروهم، ولايتهجّم بعضكم على بعض، ولاتضارّوا ولاتحاسدوا، وإيّاكم والبخل وكونوا عباد اللّه المخلصين».(2)

40ـ وعن أبي الصباح قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)عن قول اللّه:(وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِك)قال: «لاينبغي للوارث أن يضارّ المرأة فيقول:لاأدع ولدها يأتيها يضارّ ولدها إن كان لهم عنده شيء ولاينبغي أن يقتّر عليه».(3)

41ـ وبالاسنــاد ، عن الحلبـي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«لايضارّ الرجل امرأته إذا طلّقها فيضيّق عليها قبل أن تنتفل، قبل أن تنقضي عدّتها ، فانّ اللّه قد نهى عن ذلك فقال: (ولاتضارّوهنّ لتضيّقوا عليهن)» .(4)

42ـ وباسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اكترى أرضاً من أرض أهل الذمّة من الخراج وأهلها كارهون، وإنّما يقبلها السلطان بعجز أهلها عنها أو غير عجز؟ فقال: «إذا عجز أربابها عنها فلك أن


(1) الوسائل ج13/356، الباب 5 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1.

(2) الوسائل ج8/406، الباب 5 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2; لاحظ: الأُصول ص609 باب حسن المعاشرة.

(3) الوسائل كتاب النكاح ج15/238و 239، الباب 12 من أبواب النفقات، ح4.

(4) الوسائل ج15/434، الباب 18 من أبواب العِدَد، الحديث 2.


تأخذها إلاّ أن يضارّوا، وإن أعطيتهم شيئاً فسخت أنفسهم بها لكم فخذوها».(1)

ويظهر من هذا الحديث أنّ حرمة الاضرار بالغير لاتختصّ بالمؤمنين بل تشمل كل من كان دمه أو ماله أو عرضه محترماً من أهل الذمّة وغيرهم، وبذلك يفهم أنّ الحديث الذي جاء فيه«لاضرر ولاضرار على مؤمن» لايفيد تخصيصاً لعموم حرمة الاضرار بالغير بل يفيد تأكيداً على حرمته بالنسبة إلى المؤمنين.

43ـ وعن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«إذا طلّق الرجل المرأة وهي حبلى أنفق عليها حتّى تضع حملها وإذا وضعته أعطاها أجرها ولايضارّها إلاّ أن يجد من هو أرخص أجراً منها، فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحقّ بابنها حتّى تفطمه».(2)

44ـ الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام) في تفسيره عن أبان، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال:«(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في الْقَتْلى) يعني المساواة وأن يسلك بالقاتل في طريق المقتول المسلك الّذي سلكه به من قتله (اَلْحُرُّ بِالحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى)تقتل المرأة بالمرأة إذا قتلتها (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَيْءٌ)فمن عفا له القاتل ورضى هو وليّ المقتول أن يدفع الدّية عفا عنه بها (فاتّباع) من الوليّ مطالبة (بالمعروف)وتقاصّ (وأداء)من المعفوّ له القاتل (بإحسان)لايضارّه ولا يماطله لقضائها (ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ )» .(3)

45ـ وباسناده عن حمّاد عن حريز انّ أبا عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان علي (عليه السلام)


(1) الوسائل كتاب الجهاد، ج11/121، الباب 72 من أبواب جهاد العدو، الحديث 4; ومثله في الوسائل ج12/215، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 10.

(2) الوسائل، كتاب النكاح، ج15/191، الباب 82 من أبواب أحكام الأولاد، ح2.

(3) الوسائل، كتاب القصاص، ج19/38 و39، ب19 من أبواب قصاص النفس، ح8.


إذا ساق البدنة ومرّ على المشاة حملهم على البدنة، وإن ضلّت راحلة راجل ومعه بدنة ركبها غير مضرّ ولا مثقل».(1)

46ـ وباسناده عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان عليّ (عليه السلام) يحلب البدنة ويحمل عليها غير مضرّ».(2)

47ـ وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن نتجت بدنتك فاحلبها مالم يضرّ بولدها ثمّ انحرهما جميعاً، قلت: أشرب من لبنها وأسقي؟ قال: نعم».(3)

ويستفاد من الأحاديث الثلاثة الأخيرة مرجوحيّة الاضرار ـعلى الأقلّ ـ حتى بالنسبة إلى الدّوابّ، فضلاً عن بني آدم.

48ـ روى الشيخ أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني أنّه قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «خصلتان ليس فوقهما من البرّ شيء: الإيمان باللّه والنّفع لعباد اللّه، وخصلتان ليس فوقهما من الشرّ شيء: الشرك باللّه والضرّ لعباد اللّه.»(4)

49ـ عن الشيخ الصدوق في الخصال قال: حدّثني محمّد بن علي ماجيلويه ـ رضي اللّه عنه ـ، قال: حدثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدثني سهل بن زياد الآدمي، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن إبراهيم النوفلي رفعه إلى (الإمام الصادق) جعفر بن محمّد (عليهما السلام) انّه ذكر عن آبائه (عليهم السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)كتب إلى عمّاله:

«أدِقُّوا أقْلامَكُمْ، وَ قارِبُوا بَينَ سُطورِكُمْ، وَاحذِفُوا عنّي فُضُولَكُم، واقْصُدُوا


(1) الوسائل، كتاب الحج، ج10/133ـ 134، الباب 34 من أبواب الذبح، الحديث2.

(2) المصدر، الحديث 4.

(3) المصدر، الحديث 6.

(4) تحف العقول ص35 ط دارلكتب الإسلامية طهران سنة 1376 هـ.


قَصدَ المَعاني، وَ إيّاكُم والإكثارَ فإنّ أموالَ المُسلمينَ لاتحتَمِلُ الإضرارَ».(1)

هذا كلّه ممّا ورد في كتب الخاصّة وقد عثرنا على أحاديث توافق هذا المضمون في كتب العامّة وهي كما يلي:

50ـ روى البخاري: وقال اللّه تعالى:(وَ الوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَينِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ـ إلى قوله: ـ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير) ، وقال: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً) ، وقال:(وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَة مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ـ إلى قوله :ـ بَعْدَ عُسْر يُسْراً) .

وقال يونس عن الزّهري: نهى اللّه أن تضارّ والدة بولدها، وذلك أن تقول الوالدة: لستُ مرضعته، وهي أمثل له غذاءً وأشفق عليه وأرفق به من غيرها، فليس لها أن تأبى بعد أن يُعطيها من نفسه ما جعل اللّه عليه،وليس للمولود أن يضارّ بولده والدته، فيمنعها أن تُرضعه ضراراً لها إلى غيرها، فلا جناح عليهما أن يسترضعا عن طيب نفس الوالد والوالدة...».(2)

51ـ روى أبو داود: حدثنا عبدة بن عبد اللّه، قال: أخبرنا عبد الصمد: ثنا نصر بن علي الحدّاني: ثنا الأشعث بن جابر: حدثني شهر بن حوشب أنّ أبا هريرة حدّثه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة اللّه ستّين سنة، ثمّ يحضرهما الموت فيضارّان في الوصيّة فتجب لهما النار» فقال: وقرأ عَلَيّ أبو هريرة من هيهنا (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْرِ مُضار)حتّى بلغ (وَ ذلِكَ الْفَوْزُ العَظيم)» .(3)

52ـ روى الإمام مالك: عن ثور بن زيد الدِّيلي: أنّ الرجل كان يطلّق امرأته


(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة ج4، باب الكتب ص30.

(2) صحيح البخاري ج7 ص83، كتاب النفقات، ط: مطابع الشعب سنة 1378.

(3) سنن أبي داود ج2/102، كتاب الوصايا، باب ما جاء في كراهية الاضرار في الوصيّة، ط: الأُولى سنة 1371 هـ، مصطفى البابي بمصر.


ثمّ يراجعها، ولا حاجة له بها، ولايريد إمساكها، كيما يطوِّل بذلك عليها العدّة ليضارّها. فأنزل اللّه تبارك وتعالى:(ولاتمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه)يعظهم اللّه بذلك.(1)

53ـ روى أبو دواد عن أبي صرمة صاحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من ضارّ أضر اللّه به، ومن شاقّ شاق اللّه عليه».

ورواه الترمذي وابن ماجة وابن حنبل باختلاف يسير، فقد روى الترمذي «ضارّ اللّه» مكان «أضرّ اللّه» وروى الأخيران «شقّ اللّه عليه» مكان «شاق اللّه عليه».(2)

54ـ روى الترمذي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ملعون من ضارّ مؤمناً أو مكر به».(3)

***

ب ـ التحريم غير المباشر:

ونعني به ما يستفاد من الأحاديث الآتية التي قد عبّر عنه بشيء يلزم منه التحريم أو بما يكون فيه أمراً مفروعاً عنه وما إلى ذلك.

55ـ روى الكليني عن الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الشيء يوضع على الطّريق فتمرّ الدابّة فتنفر بصاحبهــا فتعقـره ـ والعقر هو الجرحـ؟فقال: «كلّ شيء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه».(4)


(1) موطأ الإمام مالك ص403، ط: العاشرة سنة 1407، دار النفائس بيروت.

(2) سنن أبي داود، ج3، ص315، كتاب الأقضية، الحديث 3635; وصحيح الترمذي، ج4ص332، الباب 27، من كتاب البر والصّلة، الحديث 1940; وسنن ابن ماجة ج2ص784، ط: دار احياء التراث العربي، الحديث 2342; ومسند أحمد بن حنبل ج3/453.

(3) صحيح الترمذي ج4، ص332، الباب 27، من تاب البر والصدقة، الحديث 1941.

(4) الوسائل ج19، الباب 9، من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1.


56ـ روى الشيخ بسنده عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) «من أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن».(1)

57ـ ما رواه الكليني مرسلاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:سألته عن قوم لهم عيون في أرض قريبة بعضها من بعض فأراد رجل أن يجعل عينه أسفل من موضعها الذي كانت عليه، وبعض العيون إذا فعل بها ذلك أضرّ بالبقية من العيون وبعضها لا يضر من شدة الأرض. قال: فقال: «ما كان في مكان شديد فلايضر، وما كان في أرض رخوة بطحاء فانّه يضر» وإن عرض رجل على جاره أن يضع عينه كما وضعها وهو على مقدار واحد؟ قال:«إن تراضيا فلايضر،وقال: يكون بين العينين ألف ذراع».(2)

والحديث بصدد إعطاء ضابطة كلية وهي أنّ الاضرار بالغير، غير جائز، وأنّ المقياس في التصرف في العيون عدم الاضرار بالغير. وما ذكره من كونه ألف ذراع في الأراضي الرخوة، وخمسمائة ذراع في الصلبة محمول على الغالب، ويؤيد ذلك الأحاديث الآتية:

58ـ روى الكليني عن محمد بن الحسن ]الحسين خ ل [قال: كتبت إلى أبي محمّد (عليه السلام) :رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن يحفر قناة أُخرى إلى قرية له، كم يكون بينهما في البعد حتى لاتضر إحداهما بالأُخرى في الأرض إذا كانت صلبة أو رخوة؟ فوقّع (عليه السلام) :«على حسب أن لاتضر إحداهما بالأُخرى إن شاء اللّه».(3)

59ـ روى الكليني عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):في رجل أتى جبلاً فشقّ فيه قناة


(1) الوسائل ج19، الباب 8، من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2.

(2) الوسائل ج17، الباب 13، من أبواب احياء الموات، الحديث 1.

(3) الوسائل ج17، الباب 14، من أبواب احياء الموات، الحديث 1.


جرى ماؤها سنة ثمّ إنّ رجلاً أتى ذلك الجبل فشقّ فيه قناة أُخرى، فذهبت بماء قناة الأوّل؟ قال: «فقال: يتقاسمان ]يتقايسان [بحقائب البئر ليلة ليلة فينظر أيتها أضرّت بصاحبتها فإن رأيت الأخيرة أضرّت بالأُولى فلتعور».(1)

وذكر المعلّق على الوسائل أنّ الصحيح«بعقائب البئر» والعقيب: كل شيء أعقب شيئاً، والمراد هنا النوبة بأن يمسك كل واحد منهما عن إجراء الماء، ليلة هذا وليلة ذاك، فإن أوجب سدّ مجرى إحداهما كثرة ماء الأُخرى تبين اضرارها بها.

ولو كانت النسخة «الحقائب» فالمراد منها الظروف، قال الشاعر:(2)

أكارم يروي الغيث والليث عنهم *** إذا وهبوا ملء الحقــائب أوهبوا

وفسّره في المجمع بـ «اعجاز البئر».

60ـ الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد(ابن خالد أو ابن عيسى) عن ابن فضال عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل، ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر؟فقال: «الجد أولى بذلك مالم يكن مضاراً، إن لم يكن الأب زوّجها قبله».(3)

ولا يخفى أنّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان عدم نفوذ ولاية الجد على الجارية إذا كان مضارّاً بها وليس في مقام بيان حرمة الاضرار.

إلاّ أنّه يفهم من الحديث أنّ حرمة الاضرار أمر مفروغ عنه، ولو لم يكن الاضرار بالجارية حراماً لما وجد وجه لعدم نفوذ ولاية الجدّ عليها، إن لم يكن الأب زوّجها قبله.


(1) الوسائل ج17، الباب 16، من كتاب احياء الموات، الحديث 1.

(2) هو العلامة الاريب الشيخ مصطفى التبريزي (قدس سره).

(3) الوسائل، ج14، الباب 11، من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.


61ـ روى السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام)قال: «قال علي ّ (عليه السلام) : من أوصى ولم يحف ولم يضار، كان كمن تصدّق به في حياته».(1)

62ـ في البحار عن أمالي الطوسي عن المفيد، عن عليّ بن الحسين البصريّ، عن أحمد بن عليّ بن مهدي، عن أبيه، عن الرّضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب ويضاعف الحسنات، وإنّ اللّه ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد، إلاّ ما كان منهم فيها على إضرار وظلم للمؤمنين».(2)

وهذا الحديث لايدلّ على عدم حرمة الاضرار بغير المؤمنين من العباد، بل يدلّ على أنّ اللّه يتحمّل عن المحبّ لأهل البيت تبعة إضراره بهم، ولو كان الاضرار بهم حلالاً، لما كان له تبعة حتّى يلزم أن يتحمّلها اللّه عنهم، مضافاً إلى أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يكفّر الذنوب» قرينة على أنّ ذلك الاضرار ذنب كفّره اللّه عنهم وأمّا الإضرار بالمؤمنين فهو حرام للغاية بحيث لايضمن اللّه تحمّل تبعته عن المحبّين.

63ـ و روى الكليني بالاسناد عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه؟ فقال: «إن كان مضارّاً كلّف أن يعتقه كلّه وإلاّ استسعى العبد في النصف الآخر». ورواه الصدوق باسناده عن حمّاد. ورواه الشيخ باسناده عن محمّد بن يعقوب مثله.(3)

64ـ روى الشيخ باسناده عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل ورث غلاماً وله فيه شركاء فأعتق لوجه اللّه نصيبه؟ فقال: «إذا أعتق نصيبه مضارّة وهو موسر ضمن للورثة، وإذا أعتق لوجه اللّه كان الغلام قد أعتق


(1) الوسائل ج13، الباب 5، من أبواب الوصايا، الحديث 2.

(2) بحار الأنوار، ج65 ص100.

(3) الوسائل، كتاب العتق، ج16 /21ح2.


من حقّه من أعتق ويستعملونه على قدر ما أعتق منه له ولهم، فإن كان نصفه عمل لهم يوماً وله يوماً، وإن أعتق الشّريك مضارّاً وهو معسر فلا عتق له لأنّه أراد أن يفسد على القوم ويرجع القوم على حصصهم».

قال الحر العاملي : أقول: هذا ظاهره عدم قصد القربة بالكلّية، وقد تقدّم ما يدلّ على بطلان هذا العتق.(1)

وترتيب الأحكام الوضعية ـ في الحديثين الأخيرين ـ على الذي أعتق نصيبه من العبد مضارّة، من قبيل تكليفه بعتق العبد كلّه وضمانه للورثة، يدلّ على أنّ العتق المقرون بالمضارّة عمل حرام وإلاّ لاوجه لمعاقبته بترتيب تلك الأحكام.

65ـ روى الكليني باسناده عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول:...قال: «وإنّما الطّلاق ما أُريد به الطّلاق من غير استكراه ولاإضرار على العدّة والسنّة على طهر بغير جماع وشاهدين، فمن خالف هذا فليس طلاقه ولايمينه بشيء ،يردّ إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ».

ورواه الشيخ باسناده عن عليّ بن الحسن بن فضال، عن محمّد بن عليّ، عن ابن محبوب مثله.(2)

الظاهر أنّ المقصود من الاضرار على العدّة، هو أن يطلّق الرجل زوجته فإذا دنا أجل العدّة يرجع بها ثمّ يطلّقها من جديد، ويعمل ذلك مراراً للإضرار بالزوجة وهذا فعل حرام قد نهى اللّه عنه كما سبق البحث حوله في فصل «الضرر والضرار في الكتاب العزيز»، وقد رتّب في هذا الحديث عدم صحّة الطّلاق الذي يوقع بذلك الشكل.

66ـ وباسناده عن سماعة قال: سألته (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته وهو


(1) الوسائل، كتاب العتق، ج16 ص23 ح 12.

(2) الوسائل، ج15ص299، كتاب الطلاق.


مريضأ قال: «ترثه ما دامت في عدّتها وإن طلّقها في حال إضرار فهي ترثه إلى سنة، فإن زاد على السّنة يوماً واحداً لم ترثه وتعتد منه أربعة أشهر وعشراً عدّة المتوفّى عنها زوجها».

ورواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد ورواه الصدوق باسناده عن زرعة مثله إلى قوله: «لم ترثه».(1)

67ـ روى الكليني باسناده عن حمران في حديث قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) :لايكون ظهار في يمين ولا في اضرار ولا في غضب . الخ.(2)

68ـ روى الصدوق باسناده عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن العلّة الّتي من أجلها لاتحلّ المطلّقة للعدّة لزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره؟ فقال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما أذن في الطّلاق مرّتين فقال:(الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسان)يعني في التطليقة الثالثة، فلدخوله فيما كره اللّه عزّ وجلّ من الطّلاق الثالث حرّمها اللّه عليه، فلاتحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره لئلا يوقع الناس الاستخفاف بالطّلاق ولايضارّوا النّساء».(3)

القسم الخامس : ما يدلّ على النهي عن الإضرار بالنّفس:

وإليك نموذجاً من أحاديث هذا القسم:

69ـ قال الصدوق: وقال (عليه السلام) :«كلّما أضرّ به الصوم فالافطار له واجب».(4)


(1) الوسائل، كتاب الطلاق، ج15، ص285، الحديث 28252.

(2) الوسائل، كتاب الطلاق، ج15، ص509، الحديث 28658.

(3) الوسائل، ج15ص359، كتاب الطلاق، باب 4من أبواب الطلاق وأحكامه، ح7.

(4) الوسائل، كتاب الصوم، ج7 ص156، الحديث 13265.


70ـ روى الشيخ باسناده عن عليّ بن جعفر (عليه السلام)في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن حدّ ما يجب على المريض ترك الصّوم؟ قال: «كلّ شيء من المرض أضرّ به الصّوم فهو يسعه ترك الصّوم».(1)

71ـ محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد ابن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ الجار كالنّفس غير مضارّ ولا إثم» ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد مثله.(2)

ففي هذا الحديث نهي عن الاضرار بالجار بجملة خبريّة، ودلالتها على التحريم أبلغ من الجملة الانشائيّة كما جاء في علم الأُصول، وشبّه هذا التحريم بتحريم الاضرار بالنّفس وجعل هذا المشبّه به أمراً مفروغاً عنه.

72ـ محمّد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا ،عن سهل بن زياد وعن علي ابن إبراهيم، عن أبيه جميعاً عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عبد اللّه عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّـد ابن خالد،عن محمّد بن مسلم، عن عبد الرحمان بن سالم ،عن مفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أخبرني ـ جعلني اللّه فداك ـ لم حرّم اللّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟قال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه (ذلك ـ علل) من رغبة منه فيما حرّم عليهم (أ حلّ لهم...)ولا زهد فيما أحلّ لهم(حرّم عليهم...)ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحلّه لهم وأباحه تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم، وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه، وحرّم عليهم ثمّ أباحه للمضطر، وأحلّه له في الوقت الذي لا يقوم


(1) الوسائل ج7 ص158، كتاب الصوم، الحديث 13273.

(2) وسائل الشيعة ج17 باب 12 من أبواب احياء الموات ح2، أيضاً: الفروع ج5 ص292 ح1 (باب الضرار) ; والتهذيب ج7 ص146، ح35.


بدنه إلاّ به فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك الخ...».(1)

73ـ الحسن بن عليّ بن شعبة في كتاب (تحف العقول) عن الصادق(عليه السلام) في حديث قال: «وأمّا ما يحلّ للإنسان أكله ممّا أخرجت الأرض فثلاثة صنوف من الأغذية:

صنف منها جميع الحبّ كلّه من الحنطة والشّعير والارز والحمص وغير ذلك من صنوف الحبّ وصنوف السّماسم وغيرهما، كلّ شيء من الحبّ ممّا يكون فيه غذاء الإنسان في بدنه وقوته فحلال أكله، وكلّ شيء يكون فيه المضرّة على الإنسان في بدنه وقوته فحرام أكله إلاّ في حال الضرورة.

والصنف الثاني ما أخرجت الأرض من جميع صنوف الثّمار كلّها ممّا يكون فيه غذاء الإنسان ومنفعة له وقوّة به فحلال أكله، وما كان فيه المضرّة على الإنسان في أكله فحرام أكله.

والصّنف الثالث جميع صنوف البقول والنّبات وكلّ شيء تنبت من البقول كلّها ممّا فيه منافع الإنسان وغذاء له فحلال أكله، وما كان من صنوف البقول ممّا فيه المضرّة على الإنسان في أكله نظير بقول السّموم القاتلة ونظير الدّفلى وغير ذلك من صنوف السّم القاتل فحرام أكله....وما يجوز من الأشربة من جميع صنوفها فما لم يغيّر العقل كثيره فلابأس بشربه، وكلّ شيء يغيّر منها العقل كثيره فالقليل منه حرام».(2)

74ـ في فقه الرضا (عليه السلام) : «إعلم ـ يرحمك اللّه ـ إنّ اللّه تبارك وتعالى، لم يبح أكلاً ولاشرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصّلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف


(1) وسائل الشيعة ج16باب 1 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح1، وأيضاً: الفروع ج2/150; والفقيه ج2/111 والأمالي 395 والعلل 165 والمحاسن 334 وتفسير العياشي 1/191 والتهذيب 2/370.

(2) الوسائل ج17 الباب 42 من أبواب الأطعمة المباحة ح1، وأيضاً: تحف العقول ط ت ص337.


والفساد، فكلّ نافع مقوّ للجسم فيه قوّة للبدن فحلال، وكلّ مضرّ يذهب بالقوّة أو قاتل فحرام، مثل السموم والميتة والدّم ولحم الخنزير ـ إلى أن قال:ـ والميتة تورث الكلب وموت الفجأة والآكلة، والدم يقسّي القلب ويورث الداء الدبيلة والسموم فقاتلة، والخمر تورث فساد القلب ويسوّد الأسنان، ويبخر الفم، ويبعد من اللّه، ويقرّب من سخطه،وهو من شراب إبليس» إلى آخره.(1)

75ـ محمّد بن عليّ بن الحسين في (العلل) و(عيون الأخبار) بأسانيده عن محمّد بن سنان، عن الرّضا (عليه السلام)فيما كتب إليه في جواب مسائله: وأحلّ اللّه تبارك وتعالى لحوم البقر والإبل والغنم لكثرتها وإمكان وجودها، وتحليل البقر الوحشي وغيرها من أصناف ما يؤكل من الوحش المحلّل، لأنّ غذاها غير مكروه ولا هي مضرّة بعضها ببعض ولامضرّة بالإنس، ولا في خلقها تشويه، وكره أكل لحوم البغال والحمير الأهلية لحاجات الناس إلى ظهورها واستعمالها وخوف من قلّتها، لالقذر خلقتها ولاقذر غذائها».(2)

76ـ روى الحسن بن الفضل الطبرسي في (مكارم الأخلاق) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: «يحتجم الصّائم في غير (شهر رمضان) متى شاء فأمّا في شهر رمضان فلايضرّ بنفسه ولايخرج الدّم إلاّ أن تبغ به فأمّا نحن فحجامتنا في شهر رمضان بالليل، وحجامتنا يوم الأحد، وحجامة موالينا يوم الاثنين».(3)

77ـ محمّد بن محمّد المفيد في (المقنعة) قال: سئل (عليه السلام)عمّن يضرّ به الصّوم في الصّيف يجوز له أن يؤخّر صوم التطوّع إلى الشتاء؟فقال: «لابأس بذلك إذا حفظ ما ترك».(4)


(1) مستدرك الوسائل ج16 الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح5، وأيضاً: فقه الرضا (عليه السلام) ص34.

(2) الوسائل ج17 الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة ح3.

(3) الوسائل، كتاب الصوم، ج7 ص56، ب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح14.

(4) الوسائل، كتاب الصوم، ج7 ص315، ب19 من أبواب الصوم المندوب، ح5.


78ـ روى الكليني باسناده عن إسحاق بن عبد العزيز قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن التدلّك بالدّقيق بعد النّورة ؟فقال: «لابأس»، قلت: يزعمون أنّه إسراف، فقال: «ليس فيما أصلح البدن إسراف وإنّي ربما أمرت بالنقى فيلثّ لي بالزيت فأتدلّك به ، إنّما الإسراف فيما اتلف المال وأضرّ بالبدن».(1)

79ـ وباسناده عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّا لنسافر ولايكون معنا نخالة فندلّك بالدّقيق؟فقال: «لابأس إنّما الفساد فيما أضرّ بالبدن وأتلف المال، فأمّا ما أصلح البدن فإنّه ليس بفساد، إنّي ربما أمرت غلامي فلثّ لي النقيّ بالزيت فأتدلّك به».(2)

80 ـ روى الكليني باسناده عن محمّد بن الفضل النيسابوري عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله رجل عن الجبن؟ فقال:«داء لادواء فيه» فلمّا كان بالعشيّ دخل الرّجل على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ونظر إلى الجبن على الخوان فقال: سألتك بالغداة عن الجبن فقلت لي :هو الداء الذي لا دواء فيه، والسّاعة أراه على الخوان؟! قال: فقال له: «هو ضارّ بالغداة نافع بالعشيّ ويزيد في ماء الظّهر».(3)

1 8 ـ روى الصدوق:أنّه قال الرضا (عليه السلام) :«لاتبذل لإخوانك من نفسك ما ضرره عليك أكثر من نفعه لهم».(4)

82 ـ روى الكليني باسناده عن عبد اللّه بن يحيى الكاهليّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله رجل ضرير وأنا حاضر فقال: أكتحل إذا أحرمت؟ قال: «ولم تكتحل؟» قال: إنّي ضرير البصر فإذا أنا اكتحلت نفعني وإذا لم اكتحل


(1) الوسائل، كتاب الطهارة، ج1ص397، الحديث 1541.

(2) المصدر الحديث1542.

(3) الوسائل، ج17 ص92، ب62 من أبواب الأطعمة المباحة، ح1.

(4) الفقيه ج3/168.


ضرّني، قال: «فاكتحل»، قال: فإنّي أجعل مع الكحل غيره؟قال: «وما هو؟» قال: آخذ خرقتين فأربعهما فأجعل على كلّ عين خرقة وأعصبهما بعصابة إلى قفاي، فإذا فعلت ذلك نفعني فإذا تركته ضرّني. قال: «فاصنعه».(1)

ولا يخفى أنّ الاكتحال من محرّمات الإحرام ومع ذلك رخّص الإمام (عليه السلام) لذلك الضّرير المحرم أن يكتحل وأن يشدّ عينيه بخرقتين ويعصبهما بعصابة إلى قفاه لما يواجهه من ضرر إذا لم يفعل ذلك.

83ـ روى الكليني باسنـاده عن عليّ بن يقطين، قال:قلت لأبي الحسـن الأوّل (عليه السلام) :رجل مات وعليه زكاة و أوصى أن تقضى عنه الزكاة وولده محاويج، إن دفعوها أضرّ ذلك بهم ضرراً شديداً؟ فقال(عليه السلام) : «يخرجونها فيعودون بها على أنفسهم ويخرجون منها شيئاً فيدفع إلى غيرهم».(2)

84ـ وروى أيضاً باسناده عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يكون عنه اليمين ]الدّين [فيحلّفه غريمه بالأيمان المغلّظة أن لايخرج من البلد إلاّ بعلمه؟ فقال: «لايخرج حتى يعلمه» ، قلت: إن أعلمه لم يدعه؟ قال: «إن كان ضرراً عليه وعلى عياله فليخرج ولاشيء عليه».(3)

85ـ روى الصدوق باسناده عن إسماعيل بن الفضل عن ثابت بن دينار عن سيد العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) قال:«... وحقّ من أساءك أن تعفو عنه وإن علمت أنّ العفو يضرّ انتصرت، قال اللّه تعالى:(وَ لِمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل)» .(4)


(1) الوسائل9ص152، الباب 70 من أبواب تروك الاحرام، الحديث 3.

(2) الوسائل ج6 ص168، كتاب الزكاة، الحديث 11939.

(3) الوسائل ج16 ص207، كتاب الايمان، الحديث 29566.

(4) الوسائل ج11 ص138، كتاب الجهاد، الباب 2 من أبواب جهاد النفس، ح1.


استدلال المشهور بالقاعدة:

وقد استدلّ المشهور بالقاعدة في موارد كثيرة نشير إلى أقل القليل منها:

قال الشيخ في الخلاف في خيار الغبن في المسألة الستين: دليلنا ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لاضرر ولاضرار». واستدلّ به أيضاً في كتاب الشفعة في المسألة الرابعة عشرة وفيه إضافة:«في الإسلام» في ذيل الحديث.(1)

وقال ابن زهرة في خيار العيب: ويحتجّ على المخالف بقوله:«لاضرر ولاضرار».(2)

واستدلّ العلاّمة في التذكرة بالحديث في باب خيار الغبن في المسألة الأُولى قال: الغبن سبب ثبوت الخيار للمغبون عند علمائنا وبه قال مالك وأحمد، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاضرار في الإسلام».(3)

وقد اهتمّ بنقله شرّاح الأحاديث، ففي مجمع البحرين قال:وفي حديث الشفعة: قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكين وقال:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».(4)

وقال ابن الأثير في النهاية: وفي الحديث:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».(5)


(1) الخلاف ج2، ص19 في خيار الغبن وص86 في كتاب الشفعة.

(2) الغنية (ضمن الجوامع الفقهيّة) ص588.

(3) تذكرة الفقهاء، ج1ص497 في أحكام خيار الغبن.

(4) مجمع البحرين، ص263 تحت كلمة«ضرر».

(5) النهاية، ج3، ص81.


هذا جملة ما وقفنا عليه من طرق الحديث وما يؤيد مضمونه، ويقتدر الفقيه بها على استنباط قاعدة كلّية من حرمة الاضرار بالنفس والعرض والمال تكليفاً ووضعاً كما سيوافيك. ولعلّ في الكتب مالم نقف عليه، فعليك بالتفحّص التام.(1)

***

إذاعرفت ذلك، فيجب لتنقيح القاعدة، البحث عن أُمور:

الأوّل: هل ورد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لاضرر ولاضرار» في غير مورد حديث سمرة أو لا؟

الثاني: هل الحديث مذيّل بقوله:«على مؤمن» أو « في الإسلام» أو لا؟

الثالث: ما هو الفرق بين«الضرر» و«الضرار»؟

الرابع: ما هو مفاد الهيئة التركيبية؟


(1) ومن جملة ذلك ما جاء في الايضاح، ج4، ص101 عند قول العلاّمة: «ولو نذر أثانين سنة ففي وجوب الصبر حتى تخرج، اشكال أقربه الوجوب إلاّ مع الضرر» قال ولده في توضيحه: «أقول: وجه القرب أنّه مع عدم الضرر بالتأخير قادر على الاتيان بالتتابع من غير ضرر حقيقة... إلى أن قال: وأمّا الضرر فهو عذر لقوله (عليه السلام): «لاضرر ولاضرار في الإسلام».

وجاء في الايضاح أيضاً ج4، ص103 عند قول العلاّمة: «ولو خاف المظاهر الضرر بترك الوطء مدة وجوب التتابع لشدة شبقه فالأقرب الانتقال إلى الاطعام» قال ولده في توضيحه: «أقول: وجه القرب استلزامه الضرر وقال (عليه السلام): «لاضرر ولااضرار».


الأمر الأوّل: في ورود القاعدة في غير حديث سمرة:

قد عرفت ورود قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار» في قضيّة سمرة، وقد ورد في موثقة زرارة ومرسلته. وعدم اشتمال صحيحة الحذّاء أو رواية أبي داود عليه(1)، مع وجود نقل قصّة سمرة لايضرّ بها. لاختلاف الدّواعي في نقل الحديث. وإذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة فالحمل على الثّاني متعيّن.(2)

أضف إلى ذلك اشتمال عدّة من الرّوايات على تلك القاعدة وإن لم تكن مقرونة بحديث سمرة.(3)

ومن أجل ذلك قال فخر المحققين في رهن«الايضاح» بتواتره.(4)

هذا ممّا لابحث فيه. إنّما الكلام هو أنّه هل وردت القاعدة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مستقلّة في غير واقعة سمرة أم لا؟

أقول: الروايات على طائفتين:

إحداهما: ما يكتفي بنقل نفس القاعدة من دون إشارة إلى شيء غيرها كما هو الحال في أكثرها، نظير مرسلة الصدوق ورواية دعائم الإسلام (الأُولى لا الثانية


(1) الحديثان 3و4 من أحاديث القسم الأوّل.

(2) توضيح ذلك: أنّه لو كان لدينا حديثان متشابهان من حيث اللفظ والمعنى بحيث يعتبران حديثاً واحداً، إلاّ أنّ في أحدهما كلمة أو جملة لاتوجد في الآخر، فهل يؤخذ بالأوّل ويقال إنّ الثاني ناقص أم يؤخذ بالثاني الفاقد لتلك الزيادة ويقال بأنّ الأوّل فيه زيادة على الحديث؟

وهنا قال العلماء بأنّ الحمل على النقيصة هو المتعيّن. أي يؤخذ بالأوّل (الواجد لتلك الجملة أوالكلمة) ويقال بانّ الثاني ناقص للأصل العقلائي في الراوي بأنّه لايزيد من نفسه على كلام المرويّ عنه.

(3) لاحظ الأحاديث 6ـ21.

(4) الايضاح، ج2، ص48.


فقد ورد فيها مقروناً بقصّة الجدار) والموطأ ومسند أحمد بن حنبل وسنن ابن ماجة(1)، ونظيرها ما ورد في الخلاف والغنية والتذكرة عند الاستدلال بها ولاشكّ انّ ورودها كذلك لايدلّ على ورودها مستقلّة، لأنّ ظاهرها أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تكلّم بها بلا مقدّمة ولامؤخّرة، وهو بعيد، ومن أجل ذلك يجب أن نقول إنّما مقتطفة من الحديث الوارد في قصّة سمرة.

أو من الحديث الوارد حول الشّفعة أو النّهي عن منع الماء، ونقله الصدوق أو غيره في مقام الاستدلال على الحكم الشرعي، كما أنّ أصحاب اللغة نقلوه عند تفسير الضرر والضرار، ونقله أحمد في مقام جمع أقضية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وبالجملة فهذه الطائفة لاتدلّ على صدورها مستقلّة.

***

الطائفة الثانية: ما تنقل الرواية ضمن الحكم بالشفعة أو النهي عن منع الماء أو وجوب بناء الجدار، فهل هي تدل على صدور القاعدة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في غير واقعة سمرة وأنّ الحكم في هذه الموارد كان مذيّلاً من أوّل الأمر بالقاعدة في لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو أنّ ضم القاعدة إلى هذه الموارد من فعل الراوي ولم يكن الصادر عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الموارد الثلاثة مذيلاً بها؟

إنّ شيخ الشريعة الإصفهاني (قدس سره) أوّل من فتح باب التشكيك، وذهب إلى أنّ ضمّ القاعدة إلى تلك الموارد من صنع الرواة وتبعه عدّة من الأعلام كالمحقّق النائيني وغيره ولنقدم البحث عن حديث الشفعة ثمّ عن حديث الناهي عن نقع الماء فنقول: واستدلوا على ذلك بوجوه:

الأوّل: ما ذكره شيخ الشريعة في رسالته وحاصله: أنّ أقضية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، في طرق أهل السنّة، كانت مجتمعة في رواية عبادة بن الصامت وقد نقلها إمام


(1) لاحظ الأحاديث 9، 15و17ـ21.


الحنابلة في مسنده ويناهز عددها العشرين قضاءً. وهي من طرقنا كانت مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، غير أنّ أئمّة أهل الحديث فرقوها في أبواب مختلفة. ولما كان حديثا الشفعة والنهي عن منع الماء غير مذيلين بحديث «لاضرر» في رواية «عبادة»، صحّ أن يقال إنّ ما ورد عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)من طرقنا أيضاً كان غير مذيّل، لكن الراوي لما أراد الجمع بين الأقضية في رواية واحدة، ذيّل حديث الشفعة والنهي عن منع الماء بحديث «لاضرر»، فهو من باب الجمع في الرواية لا الجمع في المروي.

ولايصحّ العكس، وهو تذييل الحديثين بالقاعدة في نفس الأمر، غير أنّ عبادة بن الصامت روى جميع الفقرات مطابقة للواقع إلاّ الفقرتين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الدقة في رواية عبادة بن الصامت تقضي بوضوح أنّ الراوي كان بصدد الجمع بين الأقضية، ولأجل ذلك كرّر لفظ «قضى» في تسعة عشر مورداً. وأمّا المنقول عن عقبة بن خالد فهو على خلاف ذاك الظهور، فعبّر في الشفعة بلفظ «قضى» وفي مورد لاضرر بـ«قال»، مشعراً بأنّه لم يكن في هذا المورد قضاءً بل تعليلاً. وإليك نصّ الحديث:

«قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار». وقال: إذا أرفت الأُرف وحدّت الحدود فلاشفعة».(2)

ومثله حديث النهي عن بيع الماء، وإليك نصّه:

«قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لايمنع نفع


(1) رسالة قاعدة لاضرر، ص19 إلى ص32 بتلخيص. وهذا الوجه مشترك بين كلا الحديثين.

(2) الوسائل، ج 17، الباب 5، من كتاب الشفعة، الحديث 1.

والأُرَف: جمع الأُرفة، كالغُرَف جمع الغُرفة. والأُرف هي الحدود والمعالم. ففي نهاية ابن الأثير: قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالشفعة مالم يرف: مالم يقسّم المال أو يحدّ. وفي الحديث: أيّ مال أقسم وارّف عليه فلا شفعة فيه: أي حُدَّ وعُلِّم. وفيه: الأُرف تقطع الشفعة.


الشيء، وقضى بين أهل البادية أنّه: لايمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، فقال ـ أو (وقال) على اختلاف النسخ: ـ «لاضرر ولاضرار».(1)

فالعدول عن لفظ «قضى» إلى لفظ «قال» يدل على أنّ الهدف من نقل القاعدة هو الاستدلال لانقل قضاء آخر، واحتمال أنّ التركيب والتعليل كان من جانب الراوي، وأراد تعليل أحد القضاءين بقضاء آخر، يوجب سلب الاعتماد على سائر الروايات.

والحاصل أنّه لو كان قضاءً مستقلاً غير مربوط بالشفعة ونهي الماء، لماكان للعدول عن لفظ «قضى» إلى «قال» وجه.

الثاني: إنّ بين موارد ثبوت حقّ الشفعة وتضرر الشريك بالبيع، عموم من وجه، فربّما يتضرر الشريك ولايكون له«حق الشفعة» كما إذا كان الشركاء أكثر من اثنين.وقد يثبت حق الشفعة بلاترتب ضرر على الشريك، كما إذا كان البائع مؤذياً والمشتري محسناً. وقد يجتمعان، وعند ذاك لايصح تعليل الحكم بالشفعة بشيء يفارقه تارة ويجتمع معه أُخرى.

الثالث: إنّ الضرر يأتي من قبل بيع الشريك حصته، فلو كان ذلك مورداً لقاعدة«لاضرر»، للزم الحكم ببطلان البيع أو عدم لزومه. وأمّا جعل حقّ الشفعة لجبران الضرار وتداركه بالحكم بانتقال المبيع إلى ملك الشريك، فليس مستفاداً من أدلّة نفي الضرر فإنّها لاتدلّ على جعل حكم يتدارك به الضرر، غايتها نفي الحكم الضرري.(2)

ولايخفى عدم تمامية الوجهين الأخيرين.


(1) الوسائل، ج17، الباب 7، من احياء الموات، الحديث 2.

(2) مصباح الأُصول، ج2، ص521، تقرير درس آية اللّه العظمى السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره).


أمّا أوّلهما: فإنّ تسلّط الشريك على ماله على وجه الإطلاق بحيث كان له البيع ممّن يشاء صالحاً كان أو طالحاً، حكم ضرري حسب الطبع. والمقياس في الحكم بالضّرر، ملاحظة نفس الحكم المجعول، أي جواز بيع الشريك حصّته ممّن يشاء، فهو بلا شكّ يوجب الاضطراب في الحياة ولايرتفع ذلك إلاّ بإعطاء القدرة للشريك الآخر على أخذ السهم المباع بردّ ثمن المثل حتّى يسدّ حاجة البائع، لاحتياجه إلى الثمن.وبذلك يرتفع قلق الشريك.

وعدم ترتّب الضرر فيما كان المشتري رجلاً بارّاً، لا يوجب عدم كون التسلّط المطلق ضرريّاً.

وأمّا انتفاء الشفعة إذا كان الشّركاء أكثر من اثنين، فهو المشهور بين الفقهاء مع القول بثبوتها. قال المحقق: هل تثبت لما زاد عن شفيع واحد؟فيه أقوال: أحدها: نعم تثبت مطلقاً على عدد الرؤوس، والثاني: تثبت في الأرض مع الكثرة ولاتثبت في العبد إلاّ للواحد والثالث: ولاتثبت في شيء مع الزيادة على الواحد وهو أظهر. وأضاف صاحب الجواهر: وأشهر ، بل المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً، بل هي كذلك كما ستعرف.

وعلى كلّ تقدير فعدم الشفعة لوجود النصّ الصريح، أعني صحيح عبد اللّه بن سنان «لاتكون الشفعة إلاّ لشريكين، مالم يتقاسما، فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة»(1) ومثله لايكون نقضاً لوجود النص غاية الأمر يلزم عدم الأخذ بالملاك في مورد.

وأمّا ثانيهما: فلأنّ الحكم ببطلان البيع أو عدم لزومه، ضرر على البائع السهيم، لأنّه ربّما يكون محتاجاً إلى البيع فإبطال تصرّفه من دون جبران، ضرر، فلا معنى لدفع الضرر بالضرر بل لايتم دفع الضررين إلاّ بتجويز الأخذ بالشفعة بردّ مثل الثمن الذي باع حصته به.


(1) الوسائل، ج17، الباب 7، الحديث 3.


وإن شئت قلت: إنّ مقتضى الجمع بين الحقّين أو دفع الضررين، أوجب تشريع الأخذ بالشفعة. ولعلّ قوله:«لاضرر» إشارة إلى كلا« الضررين» المقصودين في المقام، أو أنّه إشارة إلى تجويز إبطال بيعه، وأمّا أخذه بمثل الثمن فلأجل الجمع بين الحقّين.هذا كلّه حول الشفعة.

وأمّا الحديث الناهي عن نقع الماء(1)، فقد ردَّ عليه أيضاً بوجهين:

الأوّل: أنّ الضرر لا ينطبق على منع المالك فضل ماله عن الغير. إذ من الواضح أنّ ذلك لا يعدّ ضرراً على الغير، غايته عدم الانتفاع به.

الثاني: أنّ النهي في هذا المورد تنزيهي قطعاً لعدم حرمة منع فضل المال عن الغير بالضرورة.(2)

والوجهان من حيث الضعف كالسابقين:

أمّا الأوّل: فلأنّ الحياة في البادية ـ خصوصاً يوم ذاك ـ كانت مقرونة بالضيق والمشقّة، وكانت الآبار قليلة والتمكّن من الماء أمراً غير سهل، فكان منع الغير من سقي المواشي ولو ببذل المال، موجباً لتعرّض الأنعام والمواشي للهلاك والدمار، لأنّ منع السقي كان ملازماً لترك الرعي والانتقال من البادية إلى بادية أُخرى فيكون موجباً لضرر أقوى.

وبذلك يظهر ضعف الوجه الثاني، فإنّ الظاهر لزوم البذل وحرمة المنع، رعاية لمصالح المسلمين إذا انحصر الماء في البادية بماء واحد. وقد أفتى بهذا، الشيخ في المبسوط وابن زهرة في الغنية، ونقله العلاّمة عن ابن الجنيد في المختلف. والقول بأنّ النهي مخالف لقاعدة السلطنة ضعيف، لأنّه مخالف لإطلاقه في بعض الأحايين،ولا بعد فيه، كإلزام المحتكر على البيع في عام الضيق، وصاحب الدابة على بذل العلوفة لها، والرجل لعائلته.


(1) على اختلاف النسخ ففي بعضها (نفع الماء) .

(2) مصباح الأُصول ج2، ص521ـ 522.


قال الشيخ في الخلاف: إذا ملك البئر بالاحياء وخرج ماؤها فهو أحق بمائها من غيره بقدر حاجته وحاجة ماشيته، وما يفضل عن ذلك يجب عليه بذله لغيره لحاجته إليه للشرب، له ولما شيته. ولايجب عليه بذله لسقي زرعه، بل يستحب له ذلك. ثمّ ذكر أقوال الفقهاء واستدلّ على مختاره بالروايات.(1)

وقال في المبسوط: فكلّ موضع قلنا إنّه يملك البئر فإنّه أحقّ بمائها بقدر حاجته لشربه وشرب ماشيته وسقي زرعه، فإذا فضل بعد ذلك شيء، وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه وشرب ماشيته من السابلة وغيرهم، وليس له منع الفاضل من حاجته حتى لايتمكّن غيره من رعي الكلاء الذي بقرب ذلك الماء.(2)

ونقل العلاّمة في المختلف القول بالاستحباب عن ابن الجنيد وابن البراج، وحمل العلاّمة الروايات على الكراهة (3). ولكنّه خلاف الظاهر، وعلى أيّ حال فليست الروايات معرضاً عنها ولا على خلاف الأُصول المسلّمة في الفقه.

وبذلك يظهر أنّه لاإشكال في القول بتذييل الحديثين بالقاعدة و ورودها تارة في حديث سمرة وأُخرى في مورد الشفعة وثالثاً في مورد النهي عن بيع الماء.

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده سيدنا الأُستاذ (4) حيث نفى صلاحية كون القاعدة علّة للتشريع أو نكتة له.

أمّا الأوّل، فلأنّها عبارة عن تشكيل صغرى وكبرى وحدّ وسط، فيكون المحمول في الصغرى نفس الموضوع في الكبرى. مثل قولنا: الخمر مسكر، وكل مسكر حرام، فالخمر حرام. ولكن المحمول في المقام هو جائز أو حرام، كأن تقول: أخذ مال الشريك شفعة جائز، أو منع فضول الماء حرام، وليس المحمول


(1) الخلاف، ج2، ص224ـ225، كتاب احياء الموات، المسألة 13.

(2) المبسوط، ج3، ص281، كتاب احياء الموات.

(3) المختلف، ج2، ص15، كتاب احياء الموات، الطبعة الحجرية.

(4) هو الإمام المجاهد آية اللّه العظمى السيد روح اللّه الخميني (قدس سره).


فيها موضوعاً في الكبرى، أعني قوله:«لاضرر ولاضرار».

وأمّا الثاني، فلأنّها عبارة عن الحكم التي لايلزم أن تكون سائرة في كل مورد، بل تكفي الأغلبية، كما في كون الحكمة في العدة عدم اختلاط المياه. وأمّا المقام فليس كذلك، لأنّ دفع الضرر الذي هو نكتة التشريع فرضاً، يصلح لجعل عدم اللزوم لبيع الشريك أو عدم صحّته، لا لجعل جواز أخذه شفعة. وأمّا منع فضول الماء فالنكتة فيه منتفية، لعدم الضرر في المنع بل أقصاه عدم النفع.(1)

ويظهر النظر مما ذكرناه في دفع الإشكالات السابقة، فإنّ القاعدة في المقام ليست إلاّ من قبيل نكتة التشريع. ودفع الضرر، وإن كان يحصل برفع اللزوم والصحّة، لكنّه يستلزم ورود الضرر على البائع فيلزم أن يكون ماله بلا مشتر. فلامحيص، من باب دفع الضرر، عن اختيار شيء آخر، وهو جواز أخذه بالشفعة بثمن المثل.

وأمّا القول بأنّ الموجود في مورد منع الماء هو عدم الانتفاع لاالضرر، فقد عرفت عدم تماميته، وأنّ الحياة البدوية في المناطق الحارة، أو أكثر المناطق المعمورة، تدور على الاعاشة من المياه الموجودة. وحرمان أصحاب الدواب منها، يستلزم هلاكها ودمارها كما لايخفى.

ثمّ إنّ الثمرة في ورودها في ذيل الحديث تظهر في توضيح مفاد القاعدة لأنّ من محتملاتها جعل النفي بمعنى النهي. وهذا لايتمشّى في مورد الحديثين، إذ لا معنى فيهما للنهي عن الضرر، بل الظاهر كون النفي بمعناه، وقد صار مبدءاً لإثبات حقّ الشفعة، وتحريم المنع عن بذل فضل الماء، ولامعنى للخطاب إذا لم يكن هناك مخاطب.

نعم في صحّة الروايتين تأمّل، لأنّ محمّد بن هلال وعقبة بن خالد لم يوثقا وإن كان الأوّل من مشايخ الكليني والثاني من أصحاب الصادق (عليه السلام) ، فلاحظ معاجم الرجال.


(1) تهذيب الأُصول، ج2، ص452، بتحرير جديد.


الأمر الثاني: هل الحديث مذيّل بكلمتي «في الإسلام» أو «على مؤمن» أو لا؟

قد وردت لفظة «في الإسلام» في مرسلة الصدوق (1): كما وردت مرسلة أيضاً في نهاية ابن الأثير ومجمع البحرين والكتب الاستدلاليّة(2)، ولا عبرة بالمراسيل إلاّ مرسلة الصدوق(3)، لأنّه عبر بقوله: مع قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)«لاضرر ولاضرر في الإسلام»


(1) هذه هي المرسلة المشهورة التي وردت في كتابه« من لايحضره الفقيه» وهناك مرسلة أُخرى نقلها في كتابه الآخر«معاني الأخبار» كما مرّ سابقاً. لاحظ ص17 من هذا الكتاب.

(2) مثل كتاب الخلاف للشيخ الطّوسي وتذكرة الفقهاء للعلاّمة الحلّي. لاحظ ص18 من هذا الكتاب.

(3) هذا هو المشهور بين الأصحاب في اعتبار مراسيل الصدوق مسانيد ـ إذا كانت بهذا التعبير ـ إلاّ أنّ سماحة المحقّق الرّاحل السيّد الخوئي ـ قده ـ قد عدل عن هذا المبنى بقوله في مصباح الأُصول ج2، ص519 و520: «فتعبير الصدوق (رضي الله عنه) في الفقيه بقوله قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يدلّ على أنّه ثبت عنده صدور هذا القول منه(صلى الله عليه وآله وسلم)بطريق صحيح، وإلاّ لم يعبّر بمثل هذا التعبير، فيعامل مع هذا النحو من المراسيل معاملة المسانيد. هذا ما ذكرناه في الدورة السابقة، لكن الانصاف عدم حجية مثل هذه المرسلة أيضاً، لأنّ غاية ما يدلّ عليه هذا النحو من التعبير صحّة الخبر عند الصدوق. وأمّا صحّته عندنا فلم تثبت، لاختلاف المباني في حجية الخبر».

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الشيخ الصدوق (رضي الله عنه) وإن ضمن صحّة جميع ما رواه في الفقيه عنده بقوله: «إنّي لاأذكر في هذا الكتاب إلاّ ما هو حجّة عندي»، إلاّ انّنا لانعتبر جميع مراسيله مسانيد، لأنّ مراسيله على نوعين:

أحدهما: ما ينقله بقوله: «روى» ونحوه. وثانيهما: ما يعبّر عنه بقوله: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أو «قال الصادق (عليه السلام) » مثلاً. ولاشكّ في أنّ اختلاف التعبير ينبئ عن اختلاف في كيفية المنقول، فلو كان حجّة ظنيّة مثل خبر الواحد يعبّر عنها بتعبير النوع الأوّل. وإن كانت قطعيّة مثل الخبر المتواتر أو المستفيض المفيد للاطمئنان يعبّر عنها بالنوع الثاني. وكلام المحقّق الخوئي (قدس سره) صحيح بالنسبة إلى النوع الأوّل. وأمّا بالنسبة إلى النوع الثاني كمثل ما نحن فيه فليس بتام.

وثانياً: إذا صحّ هذا العدول يبقى كثير من المسائل الفقهيّة بلا حجّة، بل لايبقى مجال لحجيّة أقوال المشايخ في توثيق الرّجال. إذ كلّ شيخ له مبناه الخاص في حدود حجيّة خبر الثقة أو العادل، فيصبح قسم من مسائل الفقه جلّها بلا حجّة وبرهان. وعليه فلامحيص من اعتبار مرسلات الصدوق إذا كانت من النوع الثاني.


ولكنّ الاعتماد على هذه الزّيادة مشكل لأمرين:

الأوّل: إنّ كلمة في الإسلام من الألفاظ كثيرة الدّوران على اللّسان، ومن الأُمور المرتكزة في الذهن فربّما يتسابق إلى اللّسان والقلم بلااختيار.

الثاني: احتمال وقوع التصحيف من النساخ حيث إنّ المراسيل الثلاثة التي نقلها الصدوق كانت متّصلة، وإليك نص عبارة الصدوق:

«الإسلام يزيد ولاينقص، مع قوله (عليه السلام) :لاضرر ولاضرار في الإسلام، فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً».

ومن المحتمل جدّاً أنّ الكاتب كتب لفظة «فالإسلام» مرّتين اشتباهاً، فجاء الآخرون وأرادوا تصحيح النسخة فتصوّروا أنّ الأوّل مصحّف «في الإسلام» ثم تتابعت النسخ عليه.(1)

ولولا هذان الوجهان(2) لكان الأصل الحاكم هو تقدّّم احتمال الزيادة، لأنّ


(1) هذا الاحتمال هو ما ذكره سيّد مشايخنا الإمام الخميني (قدس سره)لاحظ كتابه الرسائل1/25.

(2) نعم لايجري ذلك الاحتمال فيما فعله الشيخ الصدوق نفسه في معاني الأخبار حيث رواه مع زيادة «في الإسلام» أيضاً مجرّداً عن سائر الأحاديث فلايتوهّم احتمال تصحيفه على أيدي النّساخ.

وثانياً: قد جاء هذا الحديث بهذه الزيادة في الكتب الاستدلاليّة للمتقدّمين والمتأخّرين مضافاً إلى وروده في الكتب اللغويّة العاميّة والشيعيّة أيضاً. وهذا ما يبعد انسباق هذه الكلمة إلى ألسنتهم بلا اختيار.

وعلى أيّ حال فلاينبغي رفع اليد عن مرسلتي الصدوق ـ إذا نظرنا إليهما بعين الاعتبار ـ بسبب هذين الاحتمالين. لأنّ مثل هذه الاحتمالات إذا كانت تمنع من الأخذ بالأحاديث المعتبرة، سوف يلزم الاعراض عن كثير منها وهو ممّا لايلتزم به أحد.

وعليه فيتأيّد النظر القائل بزيادة كلمة في الإسلام، كما يمكن تأييده بهاتين النكتين:

الأُولى: انّ قاعدة لاضرر تنسجم وقاعدة نفي الحرج من حيث المبنى والملاك (سهولة الشريعة وسماحتها) ، ومستند الثانية قوله سبحانه: (ما جعل عليكم في الدّين من حرج)فالحرج قد نفى من محيط التشريعات الدينيّة، فكذلك ينبغي أن يكون الضّرر منفيّاً من ذلك المحيط.

الثانية: إذا أمعنّا النظر في الأحاديث المتضمّنة مفاد القاعدة والّتي قد نقلنا حوالي ثمانين حديثاً منها آنفاً، نجد بوضوح أنّ القاعدة لها مفعولها في كثير من أبواب الفقه من العبادات والمعاملات. وبناءً على هذا لفهم نجد الفقهاء من العامّة والخاصّة قد استندوا إلى القاعدة في جميع تلك الأبواب كما سيتّضح لك في الفصول الآتية. وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الفقهاء من المتقدمين والمتأخّرين قد فهموا من القاعدة نفي الضّرر من محيط التشريع الإسلامي بتاتاً فالمناسب اذن تذييل القاعدة بكلمة «في الإسلام».


النقيصة السهويّة أكثر من الزّيادة كذلك، فاحتمال السقط في سائر الروايات أقوى من الزيادة في رواية الصدوق، لكن الوجهين عاقانا عن الأخذ بهذا الأصل.

وأمّا لفظة «على مؤمن» فقد جاءت في رواية زرارة الثانية، كما اشتملت على قوله:«إنطلق فاغرسها حيث شئت» ويجري فيها ما ذكرناه في لفظة «في الإسلام»، من الوجه الأوّل، ولولا هذا الوجه لكان المعتمد هو تقدّم احتمال النقيصة على الزيادة.

وتظهر الفائدة في مفاد الحديث، فلو قلنا باشتمال الحديث على لفظة «في الإسلام» ، يستقرب ما أفاده الشيخ في تفسير الحديث من أنّ المراد نفي الحكم الضرري وأنّه غير مجعول في الإسلام، فينفى به وجوب الوضوء والحج الضرريين بخلاف ما إذا لم يكن مذيلاً به، إذ من المحتمل كون النفي بمعنى النهي كما عليه شيخ الشريعة، وسيّدنا الأُستاذ على اختلاف بينهما كما أنّه لو كان الحديث مشتملاً على لفظة «على مؤمن»، تختص القاعدة بما إذا كان هناك ضرر على مؤمن، ولايشمل مورد الوضوء والحج الضرريين. هذا ويكون حمل النفي على النهي أوضح من بقائه على معناه.

***


الأمر الثالث: في بيان الفرق بين «الضرر» و«الضرار»:

إنّ هنا ألفاظاً ثلاثة يجب التعرّف على مفاهيمها:

1ـ الضر: بفتح الفاء وتشديد اللام. وهو مصدر هذا الباب ويقابل النفع. يقال: ضرّ، يضرُّ، ضرّاً. ضد:نفع ، ينفع ، نفعاً.

2ـ الضرر: هو اسم مصدر الباب، وسيوافيك أنّ الضُّر بضمّ الفاء، أيضاً إسم مثل الضرر.

3ـ الضرار: وهو مصدر باب المفاعلة.

وعلى ذلك، فالفرق بين الأوّلين هو الفرق الموجود بين المصدر واسمه، فما ذكره اللغويون للمصدر من المعنى يرجع إلى اسمه أيضاً فنقول:

قال في الصحاح: الضر خلاف النفع، وقد ضرّه وضارّه بمعنى، والاسم الضرر... إلى أن


قال:و«الضرار» المضارّة.(1)

وقال في معجم مقاييس اللغة: الضرّ ضد النفع.(2)

وقال الراغب في مفرداته: الضرّ سوء الحال، إمّا في نفسه لقلّة العلم والفضل والعفة، وإمّا في بدنه لعدم جارحة ونقص، وإمّا في حالة ظاهرة من قلّة مال أو جاه. وقوله:«فكشفنا ما به من ضر» محتمل لثلاثتها.(3)

وقال في القاموس:«الضرّ» بالضم ضد النفع أو بالفتح مصدر... إلى أن قال: والضرّ سوء الحال... والنقصان يدخل في الشيء... والضيق.(4)

وقال الفيومي: «الضر» الفاقة والفقر. بضم الضاد إسم وبفتحها مصدر «ضرّه، ويضرّه» إذا فعل به مكروهاً. وقال الأزهري: كل ما كان سوء حال وفقر وشدة في بدن فهو ضرّ بالضم. وما كان ضد النفع فهو بفتحها. وفي التنزيل(مسّني الضرّ) أي المرض، والاسم الضرر. وقد أطلق على نقص يدخل الأعيان.(5)

وقال ابن الأثير: «الضرّ» ضد النفع. فمعنى قوله:لاضرر: أي لايضرّ الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه، والضرار فعال من الضرّ أي لايجازيه على اضراره بإدخال الضرر عليه.(6)

وقال الطريحي:«والضرّ» بالضم: سوء الحال، وبالفتح ضد النفع.(7)

هذه هي كلمات أعلام أهل اللغة ويظهر من الجميع: أنّ«الضرّ» بضم الفاء هو سوء الحال في النفس لأجل نزول المرض والعلّة، أو لحلول الفقر والفاقة، بخلاف الضرّ بفتح الفاء، والضرر فإنّهما يقابلان النفع.

والمتحصّل من هذه النصوص أنّ الضرر عبارة عن النقص النازل بالنفس والبدن أو المال والجاه، وليس النقص بما هو هو، نفس الضرر، بل الهيئة الحاصلة من هذا النقص هي الضرر.

وإن شئت قلت: إنّ النفع عبارة عن التزايد المطلوب كالعافية في البدن، والوفرة في المال، وحسن السمعة في الجاه. ويقابله الضرر فهو النقص الوارد على الشيء كإذهاب العافية من البدن، ورأس المال من المال وحسن السمعة من


(1) الصحاح، ج2، ص719ـ 720، مادة ضرر.

(2) معجم مقاييس اللغة، ج3، ص360.

(3) مفردات الراغب، ص293.

(4) القاموس المحيط، ج2، ص75.

(5) المصباح المنير، ج2، ص6.

(6) النهاية لابن الأثير، ج3، ص81.

(7) مجمع البحرين، ص263 من الطبعة القديمة.


العرض والجاه.

وعلى ذلك، فالنفع هو التزايد المطلوب، والضرر هو النقص غير المطلوب، وهذا ما يعبّـر عنه في الفارسية بـ«افزايش» و«كاهش» غير أنّ الزيادة المطلوبة وغير المطلوبة تختلف حسب اختلاف الموضوعات.

ولك أن تستوضح معاني هاتيك الألفاظ من الإمعان في الآيات الكريمة.

أمّا الضرّ بالفتح فقد جاء في القرآن عشر مرّات، واستعمل في موارد تسعة مقابلاً للنفع وفي مورد واحد مقابلاً للرّشد.(1)

قال سبحانه:(أتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لايَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلانَفْعاً).(2)

وقال تعالى:(قُلْ إنّي لاأمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلارَشَداً) .(3)

وأمّا الضُّر بضمّ الضاد فقد استعمل تسع عشرة مرّة(4)، وقد قوبل تارة بالخير، مثل قوله سبحانه:(وَإنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلاّ هُوَ وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْر فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيء قَديرٌ) .(5)

وأُخرى بالنعمة، قال سبحانه:(وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُرُّ فَإلَيهِ تَجأرون).(6)

وثالثة بالرحمة، قال تعالى:(وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوا رَبّهم مُنِيبينَ إلَيْهَ ثُمّ إذا أذاقَهُم مِنْهُ رَحْمَةً إذا فَريقٌ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) .(7)


(1) لاحظ: المائدة/76، الاعراف/188، يونس/49، الرعد/16، طه/89، الفرقان/25، سبأ/42، الفتح/11، الجن/21، الحج/13.

(2) المائدة/76.

(3) الجن/21.

(4) راجع: المعجم المفهرس للقرآن الكريم.

(5) الانعام/17، ولاحظ أيضاً الآية 107 من سورة يونس.

(6) النحل/53، لاحظ أيضاً النحل/54، والزمر/49و8.

(7) الروم/33، لاحظ أيضاً 38 منها.


والمتحصّل من المجموع هو أنّه بمعنى سوء الحال، على اختلاف منشئه، قال تعالى: (وَإذا مَسّكُمُ الضـرُّ في البَحْرِ ضَلّ مَنْ تَدْعُونَ إلاّ إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إلى البرِّ أعْرَضْتُمْ وَكانَ الإنسانُ كَفُوراً) .(1)

وقال سبحانه:(وأيّوبَ إذْ نادى رَبّهُ أنّي مَسّنِيَ الضُرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ).(2)

فإنّ ما يمسّ الإنسان في البحر، هو القلق والاضطراب والخوف الهائل من الغرق نظير ما يمسّه من المرض والهرم والفقر.

وأمّا الضّرر فقد استعمل مرّة واحدة، قال سبحانه:(لايَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) (3)

وفسّره المفسّرون بالنقص في العضو كالأعمى، فما ذكره اللغويون يؤيّده ظاهر الآيات.

وعلى أيّ حال فإنّه يمكن أن يفهم ممّا سبق أنّ بين الضّرر والنفع تقابل التّضاد (4)، لأنّ الضرّ هو الحالة الحاصلة للإنسان من ورود النقص على نفسه أو عرضه أو ماله وهو أمر وجودي كالمنفعة.

وما عن المحقّق الإصفهاني (قدس سره) من أنّ النقص، المفسّر به الضرر، ليس أمراً وجودياً حتّى يكون التقابل مع النفع، الذي هو أمر وجودي، تقابل التضاد، غير تام لما عرفت من أنّ الضرر ليس مساوياً للنقص وإنّما هو المنشأ


(1) الاسراء/67.

(2) الأنبياء/83.

(3) النساء/95.

(4) ويؤيّد هذا القول أنّ الضرر والنفع يمكن ارتفاعهما من موضوع قابل لهما، مثل أن يبيع المتاع برأس ماله، فانّه يصدق عليه بأنّه باع بلا نفع ولاضرر. وهذه علامة المتضادّين ولو كانا من قبيل الملكة وعدمها، لما أمكن ارتفاعهما.


لحصول تلك الحالة الخاصّة للإنسان. نعم، لو فسّر الضرر بنفس النقص لكان لما ذكره وجه. هذا كلّه حول الضرر.

أمّا الضرار، فقد فرّق بينه وبين الضرر بوجوه ذكر جملة منها ابن الأثير في نهايته:(1)

1ـ الضرر: فعل الواحد. والضرار: فعل الاثنين.

2ـ الضرر: ابتداء الفعل. والضرار: الجزاء عليه.

3ـ الضرر: ما تضر به صاحبك وتنتفع به أنت. والضرار: أن تضرّه من غير أن تنتفع به .

4ـ هما بمعنى واحد، وتكرارهما للتأكيد. نسبه في النهاية إلى القيل.

5ـ الضّرر: إيقاع الضرر على الغير عمداً كان أو غير عمد.والضّرار: القسم العمدي منه.

6ـ الضرار: التضييق، وإيصال المكروه والحرج والتكلّف، ذكره سيّدنا الأُستاذ.(2)

والأوّل مبنيّ على الكلام المعروف في باب المفاعلة من أنّ الأصل فيه أن


(1) النهاية لابن الاثير ج3، ص81ـ83.

(2) ويمكن اضافة وجه سابع، وهو أنّ الضّرار بمعنى تكرار صدور الضرر، بخلاف الضّرر وهذا ما اختاره السيد البجنوردي في قواعده الفقهيّة ج1/178.

وملخّصه: إنّ الضرار بمعنى تكرار صدور المبدأ سواء كان الفاعل شخصاً واحداً أو شخصين وبما أنّ الغالب انّ باب المفاعلة يستعمل فيما كان الفاعل شخصين يتبادر إلى الذهن المشاركة من الطرفين وإن كان محط النظر فاعلية أحدهما ومفعوليّة الآخر كما يقال: ضارب زيد عمراً، وهذا هو الفرق بين باب المفاعلة والتفاعل بعد اشتراكهما في المشاركة حيث إنّ النظر في باب التفاعل الفاعلية الاثنين ولذا يقال: «تضارب زيد وعمرو» برفع الاثنين. فالضرار بمعنى تكررا صدور الضرر ولو من فاعل واحد، وهذا المعنى مناسب في المقام لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في مقام بيان أنّ سمرة كثير الضرر ومصر عليه.


يكون فعل الاثنين لكنّه ليس بتام كتفسيره بالجزاء عليه، لما عرفت من الآيات الناهية عن الضرار، ولم يكن الفعل هناك إلاّ من جانب واحد، قال سبحانه:(والَّذِينَ اتَّخذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَ ارصاداً لمنْ حاربَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ)(التوبة/107)، فكان الاضرار من جانب المنافقين فحسب، كما لم يكن هنا اضرار من باب الجزاء أصلاً. وقال سبحانه: (ولاتمسكوهنَّ ضراراً) (البقرة/221)، والمقصود رجوع الزوج إلى المعتدة بقصد الاضرار. وقال سبحانه: (ولاتُضارُّوهنَّ لتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)(الطلاق/6)، أي لاتضيّقوا عليهنّ بالنفقة.

وقال عزّ من قائل: (وَلايُضارَّ كاتِبٌ وَلاشَهِيدٌ)(البقرة/282)، ولم يكن هناك إلاّ اضرار من جانب واحد لامن الجانبين، كما أنّ الضرر الواقع لم يكن إلاّ ابتدائياً لامجازاة.

ويؤيّده ما قاله النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في مورد سمرة، إذ لم يكن من الأنصاري إلاّ الشكوى لا الاضرار الجزائي ولاغيره.

وما اشتهر من كون باب المفاعلة فعلاً للاثنين، هو أن يكون كل من الفاعلين، فاعلاً ومفعولاً مثل «ضارب زيد عمراً»، غير تام، لما عرفت عدم ثبوت ذلك، وأنّه ربّما يكون الفعل وارداً من جانب واحد دون الآخر.

ثمّ إنّ الظاهر من المحقّق الخوئي (قدس سره) أنّ المقصود من كون باب المفاعلة للطرفين هو أن يصدر الفعل من واحد ويقع على الآخر فقط. ثمّ حاول ردّ ذلك وقال:

«إنّ هيئة المفاعلة وضعت لقيام الفاعل مقام إيجاد المادّة وكون الفاعل بصدد إيجاد الفعل، وأقوى شاهد على ذلك هي الآيات الشريفة القرآنية:

فمنها قوله سبحانه:(يخادِعُونَ اللّهَ وَالَّذينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إلاّ أنْفُسَهُمْ) (البقرة/9).


فذكر سبحانه وتعالى أنّ المنافقين بصدد إيجاد الخدعة، ولكن لاتقع خدعتهم إلاّ على أنفسهم، ومن ثمّ عبّر في الجملة الأُولى بهيئة المفاعلة، لأنّ اللّه تعالى لايكون مخدوعاً بخدعتهم، لأنّ المخدوع ملزم للجهل، وتعالى اللّه عنه علوّاً كبيراً. وعبّر في الجملة الثانية بهيئة الفعل المجرّد، لوقوع ضرر خدعتهم على أنفسهم لامحالة.

ومنها: قوله تعالى:(إنّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ المؤمِنينَ أنْفُسَهُمْ وَأمْوالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجنَّةَ، يُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ...) ( التوبة/111) (1).

يلاحظ عليه:

أوّلاً: انّ المراد من كون هيئة المفاعلة فعلاً للاثنين هو كون كلّ فاعلاً ومفعولاً، لاكون واحد فاعلاً ومُورِداً والآخر مفعولاً ومورَداً عليه، حتى يردّ بقوله سبحانه:(يخادعون اللّه) و إنّ اللّه لايكون مخدوعاً بخدعتهم.

فهذا سعد الدين التفتازاني يقول في شرح التّصريف: «وتأسيسه على أن يكون بين اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بصاحبه ما فعل الصّاحب به، نحو «ضارب زيد عمراً».(2)

وقال الرّضي ـ بعد كلام ـ في الفرق بين بابي «فاعَلَ» وَ« تَفاعَلَ»:والأولى ما يقول المالكي، وهو أنّ «فاعَلَ» لاقتسام الفاعليّة والمفعوليّة لفظاً والاشتراك فيهما معنىً، و«تفاعَل» للاشتراك في الفاعلية لفظاً وفيها وفي المفعوليّة معنى» . (3)

فإذا تبيّن معنى كون الباب فعلاً للاثنين، يجب أن يركّز الردّ على هذا المعنى الّذي ذكره أئمّة الصرف لا على المعنى الّذي لم يذكروه.

أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال بالآيتين على ما اختاره من المعنى وإن كان صحيحاً،لكنّهما لاتدلاّن على خلاف ماهو المشهور بين الصرفيّين من قيام كلّ


(1) مصباح الأُصول، ج2، ص523.

(2) شرح التصريف من كتاب جامع المقدمات ص74 (بخطّ طاهر خوشنويس) .

(3) شرح الكافية ص100.


بالفعل.

أمّا الأُولى، فلأنّ الفعل استعمل في فعل الاثنين بشهادة قوله سبحانه:(إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ)(النساء/142) ولا ينافيه قوله في آخر الآية (وَ ما يَخْدَعُونَ إلاّ أَنْفُسَهُمْ) بغير صيغة المفاعلة وذلك لأجل أنّ حقيقة المخادعة من المنافقين بالمؤامرة ضدّ الإسلام، وهي من اللّه سبحانه بإبطال تخطيطاتهم وإرجاع ضررها إلى أنفسهم، فصحّ التعبير بالمخادعة لأجل المشاكلة، كما صحّ التعبير بغير صيغة المفاعلة، لعدم وجودها إلاّ من جانب واحد.

وأمّا الآية الثانية، أعني قوله:(يقاتلون) ، فلأنّ استعمال صيغة المفاعلة في مورد الجهاد إنّما هو بالنّظـر إلى كيفيّة العمل، فإنّ القتال في ميادين الحرب كان قائماً بالطّائفتين، فئة مؤمنة وأُخرى كافرة، وإن كان القتال في سبيل اللّه مختصّاً بالطّائفة الأُولى دون الأُخرى، والأولى الاستدلال بما ذكرناه.

هذا حال المعنيين الأوّلين.

وأمّا المعنى الثالث، أعني التفريق بالانتفاع في الضّرر، وعدم الانتفاع في الضرار، فيرد عليه أنّه إن أُريد منه ما لاينتفع به مطلقاً، لا روحياً ولا مالياً ولا غيره، فهو ممنوع إذ لا وجه لأن يقوم به العاقل ويدخل الضرار على الغير ولاينتفع به أصلاً.

وإن أُريد خصوص عدم النفع المالي، ففيه أنّ النفع غير منحصر بالمالي بل هو أمر أعم منه ومن النفسي والبدني والعرضي.

أضف إلى ذلك: أنّه من المحتمل أن يكون المراد من الاعتداء في قوله سبحانه: (وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا)(البقرة/231) هو الاعتداء المالي بتحليل مهورهنّ حتى يسترحن، فقد استعمل الضرار لأجل تحصيل النفع المالي.

وأمّا المعنى الرابع، أعني كونهما بمعنى واحد، فبعيد جدّا. مع أنّ الإمام (عليه السلام) يركّز في بعض الروايات على الضرار، ويقول في قصة الرأس والجلد:«إنّ هذا هو الضرار»، ولايقول:«هو الضرر»، وقد وصف القرآن الكريم عمل المنافقين


بالضرار، وهذا يفيد أنّ الضرار يشتمل على ما لايشتمل عليه الضرر.

وأمّا المعنى الخامس، فهو الحقّ الذي لاريب فيه. وإن شئت فعبّر عن الضرار فيه: بالاضرار الصادر عن الشخص عناداً ولجاجة. ويؤيّده: قوله سبحانه:(وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلْغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنّ بِمَعْروف أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْروف وَلاتُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) (البقرة/231)، فإنّ لفظة (لتعتدوا) تفسير «للضرار» (1).

وقوله سبحانه: (وَالّذينَ اتّخذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَإرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلاّ الحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُانُّهم لَكاذِبُونَ) (التوبة/107)

والآية تدلّ على أنّهم كانوا متعمّدين للإضرار.

ويزيده توضيحاً، رواية هارون بن حمزة الغنوي حيث طلب صاحب الدرهمين نحر البعير وأخذ الرأس والجلد، فوصفه الإمام (عليه السلام) بأنّه ضرار، لأنّ برء البعير صار سبباً لارتفاع قيمته السوقية، فيجب أن يستفاد منه في الركوب لا في الأكل.(2)

وروى في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْـرَ مُضارّ)(النساء/12)، قال: إنّ الضرار في الوصية من الكبائر، والمراد هو الإيصاء بأكثر المال أو جميعه حتّى لايرث الوارث مطلقاً أو شيئاً قليلاً.(3) والرواية التي ذكرناها في توضيح قوله سبحانه:(ولاتمسكوهنَّ ضراراً لتعتدوا عليهنَّ) تؤكّد ذلك. كما يؤكّده ما ورد فيه فعل ذلك المصدر، مثل«لاتضار»، فإنّه


(1) قال الطبرسي في مجمع البيان ج1/332، ط صيدا: أي لاتراجعوهن لالرغبة فيهنّ بل لطلب الاضرار بهنّ إمّا في تطويل العدّة أو بتضييق النفقة في العدّة.

(2) لاحظ الحديث رقم 22 مما سردناه من الروايات الدالّة على القاعدة.

(3) لاحظ الحديث رقم 23.


أيضاً بمعنى الاضرار عن عمد و عناد ولجاجة.

وأمّا المعنى السادس، الذي هو مختار سيدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ، فقد قال في توضيحه:«إنّ الضرر والضر والإضرار وما يشتق منها، إنّما يستعمل في الضرر المالي والنفسي بخلاف الضرار، فإنّ الشائع من استعماله، هو استعماله في التضيق والحرج وإيراد المكروه وإيقاع الكلفة».(1)

يلاحظ عليه: أنّ عدم استعمال الضرار وما يشتق منه في المالي والنفسي بعيد.

أمّا الأوّل، فقد استعمل في حديث هارون بن حمزة الغنوي في الضرر المالي حيث قال (عليه السلام)لمن طلب الرأس والجلد:«ليس له ذلك، هذا الضرار، وقد أُعطي حقه إذ أُعطي الخمس».(2) ويقرب منه قوله سبحانه:(وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) إذ من المحتمل أنّ الاعتداء عن طريق الإكراه على بذل مهورهن.

وأمّا الثاني، أعني ما يشتق منه، فقد استعمل في الضرر المالي في قوله سبحانه:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْـرَ مُضارّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ) (النساء/12).

فإنّ المراد من «المضارّة»، الاعتراف بدين ليس عليه، دفعاً للميراث عن الورثة.

كما هو كذلك في قوله سبحانه:(ولاتضارّوهنّ لتضيقوا عليهن) (الطلاق/6) فانّ المقصود هو الضرر المالي بشهادة قوله سبحانه في صدر الآية:(واسكنوهنّ من حيث سكنتم) . قال الطبرسي:

«لاتدخلوا الضّرر بالتقصير في المسكن والنفقة والكسوة طالبين بالاضرار التضييق عليهنّ».

***


(1) تهذيب الأُصول، ج2، ص461.

(2) لاحظ الحديث رقم 22.


الأمر الرابع : في مفاد الهيئة التركيبية:

قد اختلفت كلماتهم في بيان مفاد الحديث على وجوه أربعة أو خمسة:(1)

الأوّل: أنّ المراد نفي الأحكام الضرريّة:

ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ مفاد الهيئة هو نفي الأحكام الشرعية الضررية وأنّها غير مجعولة. والمراد نفي الحكم الناشئ منه الضرر فيكون الضرر عنواناً للحكم لكونه معلولاً له في مقام الامتثال، فكل حكم موجب لوقوع العبد المطيع في الضرر، فهو مرتفع في عالم التشريع.

قال (قدس سره) في الفرائد:«إنّ المعنى بعد تعذّر إرادة الحقيقة، عدم تشريع الشارع حكماً يلزم منه ضرر على أحد، تكليفياً كان أو وضعياً. فلزوم البيع مع الغبن يلزم منه ضرر على المغبون فينتفي بالخبر. وكذلك لزوم البيع من غير شفعة للشريك. وكذلك وجوب الوضوء على من لا يجد الماء إلاّ بثمن كثير، وكذا سلطنة المالك على الدخول إلى عذقه وإباحته له من دون استئذان من الأنصاري. وكذلك حرمة الترافع إلى حكّام الجور إذا توقف أخذ الحقّ عليه. ومنه براءة ذمة الضار عن تدارك ما أدخله من الضرر إذ كما أنّ تشريع حكم يحدث معه ضرر، منفي بالخبر، كذلك تشريع ما يبقى معه الضرر الحادث. بل يجب أن يكون الحكم المشروع في تلك الواقعة على وجه يتدارك ذلك الضرر كأن لم يحدث».(2)

وقال (قدس سره) في الرسالة المطبوعة في ملحقات المكاسب:«الثالث: أن يراد به نفي الحكم الشرعي الذي هو ضرر على العباد، وأنّه ليس في الإسلام مجعول


(1) تشترك ثلاثة منها في كون النفي باقياً على معناه بخلاف الأخيرين فإنّه فيهما بمعنى النهي. نعم النفي في الثلاثة الأولى على الحقيقة الادعائية كما ستعرف.

(2) فرائد الأُصول، ص314، من طبعة رحمة اللّه.


ضرري. وبعبارة أُخرى: حكم يلزم من العمل به، الضرر على العباد. مثلاً يقال: إنّ حكم الشرع بلزوم البيع مع الغبن ضرر على المغبون فهو منفي في الشريعة.

وعلى ذلك فلو أُريد من الهيئة التركيبية معناها الحقيقي، أعني عدم الضرر في الخارج، لزم الكذب. وإن أُريد معناها المجازي، إمّا من باب المجاز في الكلمة، أعني إطلاق المسبب (الضرر) وإرادة سببه (الحكم)، أو من باب المجاز في الاضمار، والتقدير:(لاحكم ضرري) فلا. وهو المطلوب.

وبالجملة: المراد من نفي الضرر في عالم التشريع، هو نفي الحكم الضرري. كما أنّ المراد من نفي الحرج، نفي الحكم الحرجي. فنفي الضرر عنوان لنفي الحكم الموجب له، فهو من قبيل نفي المعلول وإرادة نفي علّته. فتكون القاعدة حاكمة على جميع العمومات، الدالة بعمومها على تشريع الحكم الضرري، كلزوم العقود، وسلطنة الناس على أموالهم ووجوب الوضوء على واجد الماء».(1)

تحليل نظرية الشيخ الأعظم (قدس سره):

أقول:إنّ فقه الحديث يتوقّف على تعيين فاعل الضرر ومبدئه وأنّه هل هو الشارع بالنسبة إلى المكلفين؟ أو الناس بعضهم إلى بعض؟

لو كان الحديث مذيّلاً بلفظ «في الإسلام» لكان للاحتمال الأوّل وجه لولا تعارضه ببعض القرائن الدّالّة على الثّاني كما ستعرف ـ وقد عرفت عدم ثبوته.

ولكن هناك قرائن تؤيّد وتثبت الوجه الثاني،وأنّ فاعله هو الناس،وأنّ المنفي هو الضرر الوارد من بعضهم على بعضهم الآخر، لاالضرر الوارد من جانب الشارع، وإذا ثبت ذلك كان الاستدلال به في الموارد التي يكون منشأ الضرر فيها حكم الشارع، كإيجاب الوضوء على المريض والصوم والحج على من يتضرّر بهما، بلا ملاك لما عرفت من أنّ محط النظر في الرواية نفي الضرر الوارد من الناس لا من


(1) لاحظ رسالة «لاضرر» المطبوعة في ملحقات المكاسب، ص371.


الشارع، والمنشأ للضرر في العبادات هو الأحكام الإيجابية. فلا يبقى للتمسّك بالقاعدة في أبواب العبادات أيّ مجال. وتتضيق الرواية، لامحالة، بما كان للناس دور في تحقّق الضرر، كالذي رأيته في حديث سمرة، ومسألة بيع الشريك سهمه من الغير، ومنع الماء. وأمّا إذا لم يكن لهم دور في تحقّقه، فالحديث منصرف عنه. وإليك القرائن التي تعيّـن الاحتمال الثاني.

1ـ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّك رجل مضار» أو «ما أراك إلاّ رجلاً مضاراً»، فإنّه صغرى لقوله:«لاضرر ولاضرار». وعلى ذلك فالضار هو الرجل لاالشارع ولا حكمه.والقول بأنّه اعتمد في اضراره على إطلاق دليل الشارع:سلطنة الناس على أموالهم، كما ترى. بل كان معتمداً على قوّته وتجبّره.

2ـ إنّ الضرار، كما عرفت، بمعنى الاضرار العمدي الناشئ عن لجاج وعناد. ولايحتمل أبداً أن يكون الشارع المقدّس مبدئاً لهذا النوع من الضرر بأحكامه وانشاءاته ، حتّى يكون الحديث بصدد نفيه.

3ـ قد عرفت أنّ حديث منع فضل الماء لمنع فضل الكلاء، كان معلّلاً بحديث لاضرر ولاضرار. وهذا يوضح كون مبدأ الضرر هو الناس، وأنّ الحديث بصدد ردّ مثل هذا.

وعلى ذلك، فالاستدلال بالحديث في الموارد الّتي ليس للنّاس فيها في تحقّق الضرر كالعبادات المحضة، غير تامّ (1). وأمّا الاستدلال به في أبواب المعاملات كدفع لزوم المعاملة في الغبن، وإثبات الضمان في الإتلاف، فسيجيئ البحث عنه.

ثمّ إنّ هنا سؤالاً يتوجّه على مختار الشيخ وهو: أنّ نفي الأحكام الضرريّة


(1) نعم يبقى استدلال المتقدمين والمتأخّرين بها في جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات وهو يؤيد هذا الفهم الواضح من القاعدة ومداركها.


لايجتمع مع وجودها في الإسلام كالحدود و الديات والغرامات والضمانات، والضرائب الإسلاميّة كالخمس والزكاة، واتلاف الملاهي وآلات الطّرب، واراقة الدّهن النّجس والمرق إلى غير ذلك من الأحكام الضرريّة الكثيرة. وسيوافيك البحث عن هذا في التنبيه الثالث.

الثاني: أنّ المراد نفي الحكم بلسان نفي الموضوع:

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المقام من قبيل نفي الحكم بلسان نفي موضوعه وأنّ الغاية هي التأكيد على أنّ الموضوع الضرري لا حكم له.

وحاصله: أنّ النفي بمعناه الحقيقي لابمعنى النهي لكن لا من باب نفي الحكم ابتداءً ومباشرة، بل من باب نفي الموضوع استعمالاً لغاية نفي الحكم جدّاً نظير قوله: لا شكّ لكثير الشك، أو لا ربا بين الوالد والولد. أو بين الزوج والزوجة. فلا شكّ أنّ الأخبار عن عدم الشك في كثيره أو عن عدم الربا بين الطرفين كاذب في نفسه وإنّما يصحّحه كون الهدف من نفيهما نفي أثرهما لا نفي أنفسهما.

قال (قدس سره) في الكفاية: إنّ الظاهر أن يكون «لا» لنفي الحقيقة، كما هو الأصل في هذا التركيب، حقيقة أو ادّعاءً، كناية عن نفي الآثار كما هو الظاهر من مثل«لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد». و«يا أشباه الرجال ولا رجال». فانّ قضية البلاغة في الكلام هو إرادة نفي الحقيقة ادعاءً لا نفي الحكم أو الصفة. ونفي الحقيقة ادعاءً بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداءً مجازاً في التقدير أو في الكلمة... إلى أن قال: ثمّ الحكم الذي أُريد نفيه بنفي الضرر، هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها أو المتوهّم ثبوته بها كذلك في حال الضرر لاالثابت له بعنوانه لوضوح أنّه العلّة للنفي، ولا يكاد يكون الموضوع يمنع عن حكمه وينفيه بل يثبته ويقتضيه».


لايخفى وحدة النظريتين جوهراً(1)، وإن اختلفتا تقريراً وصورة. ونتيجتهما واحدة وهي تحديد الأحكام الشرعية بنفي شمولها لحالة الضرر عبادياً أو معاملياً، إلاّ أنّ طريق الاستفادة مختلفة ،فذهب الشيخ إلى أنّ المنفي ابتداءً أوّلاً وبالذات هو الحكم، إمّا من باب المجاز في الكلمة حيث أطلق المسبب وأُريد السبب(الحكم)، أو من باب الاضمار بتقدير كلمة «الحكم». وبما أنّ هذا الأُسلوب لايوافق البلاغة بل يوجب خروج الكلام عن طورها كما حرّر في محلّه، سلك المحقق الخراساني ـ للوصول إلى مقصد الشيخ ـ طريقاً آخر وهو نفي الموضوع وإرادة نفي الحكم كما في «يا أشباه الرجال ولارجال»، فانّ حقيقة الرجوليّة متمثّلة في البسالة والشجاعة، ومن فقدهما، فقد حقيقتها، فيصح أن يقال:«لارجال». ومثله المقام، لأنّ منشأ الضرر هو الحكم والتشريع فصحّ نفي الضرر بالحقيقة الادّعائية لأجل نفي منشئه و أساسه، وهو الحكم . وعلى كل تقدير فالنتيجة واحدة، وإن كان طريق الوصول إليها مختلفاً.

تحليل نظرية المحقّق الخراساني (قدس سره):

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ فيما إذا كان الموضوع المنفي ذا أثر شرعي كالشك والربا. وأمّا المقام، أعني الضرر، فليس كذلك إذ ليس الضرر بما هو هو


(1) هذا. ولكن بعض المحقّقين يرى فرقاً بين النظريتين بحسب الماهية والآثار فقد جاء في كتاب القواعد الفقهيّة للسيّد البجنوردي ج1 ص181و182 ما هذا نصّه:

«وخلاصة الكلام أنّه تظهر الثمرة بين القولين أي: الثاني (نظريّة المحقّق الخراساني) والثالث (نظريّة الشيخ الأنصاري) في كل مورد لايكون موضوع الحكم ضرريّاً ولكن نفس الحكم يكون ضرريّاً (وبعبارة أُخرى) يكون الضرر مسبّباً عن نفس الحكم كما ربّما تكون المعاملة الغبنيّة كذلك، فانّ الضرر يأتي من قبل لزوم المعاملة لامن نفس المعاملة، واللّزوم حكم شرعي (ففي جميع) هذه الموارد بناءً على القول الثاني لاحكومة لقاعدة لاضرر على الأدلّة الأوّليّة بخلاف القول الثالث فإنّها بناءً عليه تكون حاكمة عليها (فظهر) الفرق بين القولين بحسب الماهية والآثار.


موضوعاً لحكم شرعي إلاّ الحرمة، ومن المعلوم أنّه لايصحّ نفيه وطرحه. وما ذكره في ذيل كلامه من أنّ الحكم الذي أُريد نفيه بنفي الضرر، هو الحكم الثابث للأفعال بعناوينها... خروج عن البحث لأنّ نفي الضرر يصحّ أن يكون كناية عن نفي حكم نفسه، لا عن حكم الوضوء والبيع في حال الضرر كما هو المدّعى، لأنّ الضرر في الموردين ليس موضوعاً بل يعد من أحوالهما وأطوارهما.

وبالجملة، فرق واضح بين «الشك» ونفس «الضرر»، لأنّ الأوّل موضوع حكم، كالربا، فيصح نفيهما لغاية نفي حكمهما. بخلاف الضرر، فإنّه موضوع لحكم واحد وهو الحرمة ولايمكن نفيها بضرورة الفقه والعقل. ونفي وجوب الوضوء أو لزوم البيع في حال الضرر، ليس نفياً إلاّ لحكم الوضوء والبيع، وهما ليسا موضوعين في الحديث، بل الضرر من أطوارهما وأحوالهما، ولم يتعارف نفي الحالة وإرادة نفي حكم ذي الحالة كما لايخفى. نعم لو كان المنفي في لسان الشارع هو الفعل الضرري كان لما ذكره وجه.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الضّرر كالخطأ والنسيان في حديث الرفع حيث إنّ الجميع عناوين لأفعال المكلّف، فكما أنّ رفعهما فيه، بمعنى رفع الفعل الصادر عن خطأ ونسيان بما للفعل من الحكم بما هو هو فهكذا المقام، فرفع الضّرر، كناية عن رفع الفعل الضّرري بما للفعل من الحكم بما هو هو.

فكما أنّ رفع الخطأ والنسيان لايرفع نفس الحكم المتعلّق بنفسهما من الكفّارة وسجدة السّهو، فهكذا في المقام لايرتفع حكم نفس الضرر أعني الحرمة بل يرتفع حكم الفعل الثابت له بما هو هو في حال الضرر.

والحاصل: أنّ الوضوء مثل القتل، والضرر في الأوّل عنوان للفعل كالخطأ الذي هو عنوان للقتل. فكما أنّ رفع الخطأ ليس بمعنى رفع حكم الفعل الصّادر منه عن خطأ فهكذا في المقام، وليس المقصود نفي حكم نفس الضرر بل حكم الفعل الحامل للضّرر.


الثالث: أنّ المنفي هو الضرر غير المتدارك:

ذهب بعض الفحول(1) إلى أنّ المراد نفي الضرر المجرّد عن التدارك، فكما أنّ ما يحصل بازائه نفع لايسمّى ضرراً، كدفع مال بازاء عوض مساو له أو زائد عليه، كذلك الضرر المقرون بحكم الشارع بلزوم تداركه فانّه نازل منزلة عدم الضرر وإن لم يسلب عنه مفهوم الضرر بمجرد حكم الشارع بالتدارك. فالمراد نفي وجود الضرر المجرد عن التدارك. فاتلاف المال بلا تدارك، ضرر على صاحبه، فهو منفي. فإذا وجد في الخارج فلابد أن يكون مقروناً بلزوم التدارك. وكذلك تمليك الجاهل بالغبن ، ماله بازاء مادون قيمته من الثمن، ضرر عليه، فلايوجد في الخارج إلاّ مقروناً بالخيار.(2)

تحليل هذه النظريّة:

لما كانت القاعدة ناظرة إلى الخارج بشهادة قضيّة سمرة، وكان الخارج مليئاً بالضّرر، فلايصحّ نفيه.

إذن، فتدارك مثل هذا لايكون بالجعل والتشريع بل بالعمل الخارجي فاتلاف مال الغير ضرر خارجي وتداركه بدفع المثل أو القيمة، لاالحكم بأنّه يجب عليه دفع أحد الأمرين. وهذا ما أشار إليه الشيخ الأعظم في رسالته بقوله:«إنّ الضرر الخارجي لاينزل منزلة العدم بمجرّد حكم الشارع بلزوم تداركه». والحاصل أنّ الضرر إن اتّفق تداركه، يمكن تنزيله منزلة مالم يوجد، وأمّا إذا لم يتعقّبه فلاوجه


(1) المقصود من بعض الفحول هو: الفاضل التّوني (رضي الله عنه). راجع مباحث الحُجج والأُصول العمليّة ج2 ص460 تقريرات الشهيد السيد محمّد باقر الصدر، بقلم السيد محمود الهاشمي.

(2) لاحظ رسالة لاضرر للشيخ الأعظم الأنصاري المطبوعة في ملحقات المكاسب، ص372.


لتنزيله منزلة العدم بمجرّد حكم الشارع بوجوب تداركه. وإن شئت قلت: الضرر المتدارك غير الضرر المحكوم بوجوبه.

والظاهر وجاهة الإشكال، فانّ الضرر لو كان فعلاً للشارع لصحّ الحكم بعدمه بحكم الشارع بجبره وتداركه. وأمّا إذا كان فعل المكلّف، فلايصح تداركه بحكم الشارع، فانّ المتدارك به يجب أن يكون من سنخ المتدارك. فلو حكم الشارع بجواز قتل الرجل إذا قتل امرأة، فانّه يتدارك مثله بدفع أولياء المرأة نصف الدية إلى ورثة الرجل. أو حكم بقتل العشرة المشتركين في قتل واحد، فانّه يتدارك مثله بايجاب دفع تسعة أعشار الدية إلى ورثة كل واحد. وأمّا إذا كان الضرر من المكلّف، فلايتدارك مثله بحكم الشارع وإنشائه.

نعم، لو كان النفي ناظراً إلى عالم التشريع فقط كان لما ذكره وجه، ولكنّه خلاف الظاهر حيث ورد ردّاً لعمل سمرة كما عرفت.

أضف إليه أنّ ذلك المعنى لايفي بما هو المتعارف بين المتأخّرين من التمسّك به في باب العبادات إذ ليس في الأمر بالوضوء الضرري أو الحج الضرري أي تدارك فيلزم عدم صحة التمسّك به في تلك الأبواب.

إلى هنا تمت النظريات الثلاث المشتركة في حمل الهيئة التركيبية على النفي دون النهي وتصحيح الاخبار عن عدم الضرر بوجه من الوجوه.

وهناك نظريتان مبنيتان على كون النفي بمعنى النهي.

إحداهما: ما نقلها الشيخ في الرّسائل وأوعز إليها المحقّقق الخراساني في الكفاية، واختارها شيخ الشريعة الاصفهاني (1) في رسالته التي عملها في تبيين


(1) هو الشيخ فتح اللّه بن محمّد جواد الاصفهاني الملقّب بشيخ الشريعة ولد سنة 1266 وتوفّي 1339 هـ. وهو فقيه إماميّ، من كبار المشاركين في ثورة العراق الأُولى على السلطة الأجنبيّة. أصله من شيراز، من أسرة تعرف بالنّمازيّة، ومنشأه باصبهان. تفقّه وقرأ علوم العربيّة. وانتقل إلى النجف فانتهت إليه رئاسة علمائها.

وبرز اسمه في ثورة العراق أيّام الاحتلال البريطاني (سنة 1920م) وتناقل الناس ما أصدره من الفتاوى فيها. وكان في بدئها عوناً لآية اللّه «محمّد تقي الشيرازي» وبوفاة الشيرازي (سنة 1338 هـ) انتقلت إليه الزعامة وانتقل مركز القيادة من كربلاء إلى النجف.

وتوفّي الاصبهاني بالنجف. له في فقه الإماميّة رسالة في «إرث الزوجة من ثمن العقار» ورسائل أُخرى وحواش.

راجع كتاب الأعلام، خير الدين الزّركلي ج5 ص135; ومقدمة كتاب في أحكام الخيار لوالد شيخنا الاستاذ ـ مدّ ظله ـ و قدكان والده من تلاميذه الخاصة به.


معنى القاعدة.

ثانيتهما: نظريّة السّيّد الأُستاذ (قدس سره) (1) حيث جعل النفي بمعنى النهي وحمله على النّهي السلطاني الشرعي.

وإليك بيان كلتيهما:

الرابع: أنّ النفي بمعنى النهي :

ذهب شيخ الشريعة إلى أنّ النفي في المقام بمعنى النهي عن الضرر، وله اشباه ونظائر في الكتاب والسنّة، منها قوله تعالى:

(الحجُّ أشْهُرٌ مَعْلوماتٌ فَمَنْ فرضَ فيهنَّ الحَجَّ فَلارَفَثَ وَلافُسُوقَ وَلاجِدالَ في الحجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوّدُوا فَإنّ خَيْرَ الزّادِ التَقْوى وَاتقونِ يا أُولي الألبابِ).(2)

أي: إنّ أشهر الحجّ، أشهر معلومات وأشهر موقتة لا يجوز فيها التبديل والتغيير، فمن فرض فيهنّ الحج، أي فمن أحرم فيهنّ بالحجّ، فلا رفث أي لاجماع، ولافسوق، أي لاكذب أو المعاصي كلها، ولاجدال في الحجّ.


(1) وهو آية اللّه العظمى الإمام الخميني ـ قدّس اللّه نفسه الزّكيّة ـ.

(2) البقرة/197.


وقوله تعالى:

(فَاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لامِساسَ وَإنّ لَكَ مَوعِداً لَنْ تخُْلَفَهُ وَانْظُر إلى إلهِكَ الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكفاً لَنُحَرِّقنَّهُ ثُمّ لَنَنْسِفنّهُ في اليَمِّ نَسْفاً) .(1)

قال الطبرسي: المساس على وزن «فعال» من المماسة. ومعنى لامساس ، لايمس بعضنا بعضاً. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لايمسّ أحداً ولايمسّه أحد. عاقبه اللّه تعالى بذلك وكان إذا لقي أحداً يقول: لامساس. أي لاتقربني ولاتمسّني.(2)

وأمّا السنّة فقد ذكر نماذج ممّا استعمل فيها النفي بمعنى النهي. مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«لااخصاء في الإسلام ولابنيان كنيسة» و«لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق». و«لاغش بين المسلمين».

وبذلك أبطل قول صاحب الكفاية، حيث قال ردّاً على هذا القول:«انّ النفي بمعنى النهي وإن كان ليس بعزيز إلاّ أنّه لم يعهد في مثل هذا التركيب»، وقال: إنّ الأذهان الفارغة لاتسبق إلاّ إلى هذا الوجه. ثمّ أيّد (رحمه الله) مقاله بما ورد في رواية عبد اللّه بن مسكان عن زرارة:«... فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّك رجل مضار ولاضرر ولاضرار على مؤمن»، فانّ هذا الكلام بمنزلة صغرى وكبرى هما:إنّك رجل مضار، والمضارة حرام. والكبرى، كما ترى مناسبة للصغرى بخلاف ما لو أُريد غيره من المعاني الأُخرى فانّ المعنى يصير: إنّك رجل مضار، والحكم الموجب للضرر منفي، أو الحكم المجعول منفي في صورة الضرر. وهذا ممّا لاتستسغيه الأذهان المستقيمة.

وبعد أن استشهد (رحمه الله) بكلمات أئمّة اللغة، ومهرة الحديث، حيث فسّروا الحديث بالنهي، قال: إنّ المدعى هو أنّ حديث الضرر يراد منه إفادة النهي عنه


(1) طه/97.

(2) مجمع البيان ج7/28.


سواء كان هذا باستعمال التركيب في النهي ابتداءً، أو أنّه استعمل في معناه الحقيقي وهو النفي ولكن لينتقل منه إلى إرادة النهي... إلى أن قال: فالمدعى أنّ الحديث يراد به إفادة النهي، لانفي الحكم الضرري ولانفي الحكم المجعول للموضوعات عند الضرر.(1)

تحليل نظرية شيخ الشريعة (قدس سره):

ما ذكرناه هو خلاصة كلامه (قدس سره) ، وقد بالغ في تحقيق مرامه. وما ذكره (قدس سره) أوضح ممّا ذكره العلمان ولكنّه أيضاً غير متعيّن بل لايخلو من إشكال.

أمّا أوّلاً: فإنّ بعض الأمثلة التي ذكرها ليس النفي فيها بمعنى النهي، حتّى قوله سبحانه:(فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ ولا جِدالَ فِي الحَجِّ) بل هو باق على معناه ، ولم يرد منه النهي لاابتداءً، ولاانتهاءً بأن يستعمل في النفي ابتداءً لينتقل به إلى النهي. وإنّما استعمل في هذه النماذج في النفي لاتتجاوز عنه وإن كان الغرض الأعلى منها هو النهي. ولكن كون النهي غاية عليا غيركونه مستعملاً فيه ابتداءً أو انتهاءً.

وبالجملة: انّ شيخ الشريعة اختار كون النفي بمعنى النّهي وانّه إمّا استعمل فيه ابتداءً على نحو المجاز، مثل قوله:«زيد أسد» أو استعمل في النفي ابتداءً لينتقل المخاطب منه إلى النّهي على نحو الكناية مثل قوله:«زيد كثير الرماد» حيث استعمل في معناه اللغوي للانتقال منه إلى لازمه وهو الجود.

هذا، مع أنّ مقتضى البلاغة التحفّظ على كون النفي بمعناه، لابمعنى


(1) راجع رسالة: قاعدة لاضرر، العلاّمة شيخ الشريعة الاصفهاني (قدس سره) ص24ـ28، ط مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرّفة (ايران) .


النهي وإلاّ لنزل الكلام من ذروة البلاغة إلى حضيض الكلام العادي.

بيان ذلك في قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ ولا جِدالَ فِي الحَجّ) ، أنّ شدة علاقة الشارع بطهارة محيط الحجّ عن هذه الأُمور الثلاثة دفعه إلى الاخبار عن خلوه منها. وهذا كثير في المحاورات العرفية. ألا ترى أنّ الرجل يقول لزوجته أو صاحبه: «لا كذب ولا خيانة» وذاك أنّ رغبته بطهارة حياته العائلية أو الاجتماعية من الكذب والخيانة، ألجأه إلى الاخبار عن عدم وجودهما. كما أنّ علاقة الأب بصلاة ابنه يدفعه بدل الأمر بها، إلى الاخبار عنها فيقول في محضره:«ولدي يصلّي»، مع أنّ الغاية في جميع ذلك هو النهي أو الأمر. وهذا غير القول بأنّ النفي مستعمل في الآية وأمثالها في النهي ابتداءً، أو في النفي لينتقل إلى إرادة النهي. ولأجل ذلك لو جعلنا مكان «لا» لفظة «ليس» وقلنا:(ليس في الحج رفث ولافسوق ولاجدال)، كانت الجملة صحيحة ومتّزنة.

وثانياً: إنّ استعمال الهيئة في النفي ليس بأقلّ من استعمالها في النهي بأحد الوجهين لاحظ الجمل التالية:«لا بيع إلاّ في ملك»، «لا عتق إلاّ في ملك»، «لا طلاق إلاّ على طهر»، «لا يمين للولد مع والده»، «لا يمين للمملوك مع مولاه ولاللمرأة مع زوجها»، «لارضاع بعد فطام»، «لان ذر في معصية اللّه»، «لايمين للمكره»، و«لارهبانية في الإسلام» وغير ذلك، تجد أنّه لايصحّ فيها إلاّ إبقاء النفي على معناه.

ولك أن تقول، إنّ ما يقع بعد النفي إذا كان مناسباً للحكم الوضعي ـ كما في هذه الأمثلة ـ، فالصيغة متعيّنة في النفي، وأمّا غيره فهو محتمل للوجهين.

وثالثاً: إنّ حمل الصيغة على النهي لا يصحّ في حديث الشفعة حيث إنّ القاعدة جاءت علّة لجعلها، حيث قال:«فقضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن». وقال: «لاضرر ولاضرار». وقال: «إذا أرفت الأُرف وحدّت الحدود فلا شفعة» فالقضاء بالشفعة من فعل الشارع ولامعنى لتعليله بحرمة اضرار الناس


بعضهم ببعض بل يناسب نفي الضرر عن محيط التشريع.

وما ذكره (رحمه الله) من أنّ أئمّة اللغة فسّروه بالنهي، فهو صحيح، لكن لم يعلم كونهم في مقام بيان المستعمل فيه. بل يحتمل أنّهم كانوا في مقام بيان مقاصد الحديث ومراميه، سواء كان النفي مستعملاً في النفي أو في النهي.

وعلى كل تقدير، فشكر اللّه مساعي المحقّق شيخ الشريعة، فقد جاء في تحقيق مفاد الحديث وسنده وما يرجع إليهما بأبحاث مفيدة لاتوجد في غير رسالته.

الخامـس: أنّ النفي بمعنى النهي والنهي مولوي سلطاني لامولوي إلهي:

ذهب سيّدنا الأُستاذ (قدس سره) إلى أنّ النفي بمعنى النهي، لكن ليس النهي المستفاد منه حكماً شرعياً إلهيّاً كالنّهي عن الغصب والكذب، بل النهي حكم مولوي سلطاني ناجم عن كون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حاكماً وسلطاناً على الأُمّة. وقد أوضح نظريته بترتيب مقدّمات وبيان أمور نأتي بملخّصها.

الأوّل: إنّ للنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مقامات ثلاثة:

1ـ النبوّة والرسالة، 2ـ الحكومة والسياسة، 3ـ القضاء وفصل الخصومة.

فبما أنّه نبيّ ورسول، يبلّغ أحكام اللّه سبحانه حقيرها وجليلها حتّى أرش الخدش.

وبما أنّه حاكم، يسوس العباد في البلاد ويقوم بشؤون الحكومة في حفظ الثغور وبعث الجيوش، وجباية الصدقات، وعقد الاتّفاقيات مع رؤوس القبائل والبلاد.

وبما أنّ له منصب القضاء، يقوم بفصل الخصومات والقضاء بين المتداعيين على الضوابط الشرعية. ولكل من هذه المناصب أحكام وشؤون معيّنة.


وإلى المنصب الأوّل يشير قوله سبحانه: (الّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّهِ وَ يَخْشَونَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللّهَ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً)(الأحزاب/39). وليس للرسول الكريم في هذا الموقف أمر ولانهي وإنّما هو مذكّر، ليس عليهم بمسيطر، وظيفته الابلاغ والبيان.

وإلى المنصب الثاني يشير قوله سبحانه:(وَ ما كانَ لِمُؤْمِن وَ لا مُؤمِنَة إِذا قَضَى اللّهُوَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)(الأحزاب/36) والمراد من القضاء، والأمر والنهي اللذان يناسبان مقام الامارة والسلطنة الموهوب له من اللّه تعالى فبعد تنصيبه في هذا المقام يصدر أمره ونهيه حسب المصالح، ويجب على الأُمّة طاعته.

وإلى المنصب الثالث يشير قوله سبحانه:(فَلا وَ رَبِّكَ لايُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء/65).

فهذه المقامات الثلاثة ثابتة للنبيّ الأكرم بهذه النصوص القرآنية. ثمّ إنّها قد تجتمع في غيره (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد تفترق، قال سبحانه:(وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّهُ يُؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة/247)، فكان لطالوت الحكم والسلطة فقط دون النبوّة والرسالة، لمصلحة وقتية اقتضت ذلك.

الثاني: كلّما ورد في الأثر الصحيح أنّ الرسول أمر بشيء أو حكم أو قضى به، فالظاهر منه أنّ هذه الأحكام صدرت منه بما له من منصب الحكم والقضاء لا بما أنّه رسول مبلّغ لأحكام اللّه ورسالاته، إذ ليس له في هذا الموقف أمر ولا نهي ولا حكم ولا قضاء فكيف يصحّ له أن يأمر وينهى؟ ولأجل ذلك ترى أمثال هذه التعابير في حياة الرسول والوصي دون سائر الأئمّة، لأنّ الظروف لم تسمح لهم


باعتلاء منصّة الحكم وسدة القضاء فانحصرت وظيفتهم (عليهم السلام)في التبليغ والبيان دون الحكم والقضاء.

نعم، ربّما يستعمل لفظ «قال» في مقام القضاء والحكم، ويعلم أنّ المراد هو الأمر والنهي، لاتبليغ الحلال والحرام. كما إذا قيل:«قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لأُسامة: أنت قائد الجيش، اذهب إلى القطر الفلاني وقاتل الروم».

الثالث: إنّ السابر في الروايات يرى نماذج وافرة من أحكام الرسول السلطانية وأقضية مبثوثة في مختلف الأبواب.

روى الكليني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والإيمان».(1)

وروى أيضاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في آداب الجهاد قال: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ثمّ يقول: سيروا باسم اللّه وباللّه وفي سبيل اللّه وعلى ملّة رسول اللّه، لاتغلوا، ولاتمثّلوا، ولاتغدروا، ولاتقتلوا شيخاً فانياً، ولاصبياً، ولاامرأة، ولاتقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها».(2)

وروى أيضاًفي حديث عبد الرحمان بن جندب، عن أبيه: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يأمر في كل موطن لقينا فيه عدونا فيقول: «لاتقاتلوا القوم حتى يبدأوكم، فإنّكم بحمد اللّه على حجّة، وترككم إيّاهم حتى يبدأوكم حجّة أُخرى لكم فإذا هزمتموهم، فلا تقتلوا مدبراً ولاتجهزوا على جريح ولاتكشفوا عورة ولاتمثّلوا بقتيل».(3)

إلى غير ذلك من الروايات الحاكية عن الأحكام الصادرة عن منصبي الحكم والقضاء. ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى أبواب القضاء والجهاد


(1) الوسائل ج18، ص169، كتاب القضاء، الباب 2، كيفية الحكم، الحديث 1.

(2) الوسائل ج11، ص43، كتاب الجهاد، الباب 15«جهاد العدو وما يناسبه» الحديث2.

(3) الوسائل ج11، ص69، كتاب الجهاد، الباب 33، جهاد العدو وما يناسبه، الحديث1.


والاحياء.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ هنا ما يدل على أنّ «لاضرر ولاضرار» صدر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا بما أنّه حكم إلهي كسائر الأحكام الواردة عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، بل حكم سلطاني صدر عنه بما أنّه سائس الأُمّة وحاكمها لأجل قطع دابر الفساد وقلع جذوره. وإليك ما يدل عليه:

1ـ قـد نقـل ابن حنبل في مسنده قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار» في ضمن أقضيته البالغة نيفاً وعشرين، رواها عن عبادة بن الصامت حيث قال: «وقضي لاضرر ولاضرار». وبما أنّ المقام ليس من موارد القضاء، إذ لم يكن هناك جهل بالحكم ولا جهل بالموضوع، فلايصحّ حمله على القضاء وفصل الخصومات ويتعيّن حمله على أنّه حكم سلطاني صدر عنه لأجل دفع الفساد. ومفاده أنّه حكم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن لايضر أحد أحداً،ولايجعله في ضيق ولا حرج ومشقّة. فيجب على الأُمّة طاعة هذا النهي المولوي السلطاني لأنّه حكم السلطان المفروضة طاعته.

2ـ إنّ الناظر في قضيـة سمرة وما ورد فيها من الروايات يقف، على أنّ الأنصاري التجأ إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لما وقع في الضيق والحرج، واستنجد به واستنصره،ولم يلجأ إليه إلاّ بما أنّه سلطان ورئيس، وحاكم ومقتدر، يقدر على دفع شر المعتدي وضرره. فأحضره رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وذكر له شكوى الأنصاري، فلمّا تأبّى عن الطاعة أمر بقلع الشجرة وحكم بأنّه لايضر أحد أخاه في حمى سلطانه وحوزة حكومته. فليس المقام مناسباً لبيان حكم اللّه، وانّ الأحكام الواقعية الضررية ليست مجعولة، أو أنّ الموضوعات الضررية مرفوعة الحكم، أو أنّ الحكم الإلهي هو أن لايضرّ أحد أحداً، فإنّ كل ذلك ليس مربوطاً بما دار بين الرسول وسمرة.

فالصادر عن رسول اللّه في هذا المقام هو حكم سلطاني مفاده أنّ الرعية ممنوعة عن الضرر والضرار بعضها ببعض، دفاعاً عن المظلوم وحفظاً للنظام.(1)


(1) تهذيب الأُصول ج2ص481ـ489 مع تصرّف يسير.


تحليل نظرية السيّد الأُستاذ:

لايخفى أنّ في ما ذكره (قدس سره) نظر، من جهات:

أمّا أوّلاً: فإنّ منصب الحكم وإن كان لاينفك عن نصب وعزل وأمر ونهي مع وجوب طاعة الناس لما يصدر عنه، إلاّ أنّ الأوامر المناسبة لذاك المنصب هي الأوامر التي تصدر بصورة جزئية ولاتدخل تحت ضابطة، وتختلف صورها باختلاف الظروف، كعزل وال ونصب آخر مكانه، وما يرجع إلى كيفيات القتال، وحبس المتّهم أو إطلاقه، وعقد اتّفاقيّة مع قوم أو نقضها، وكتقسيم أراضي بني النضير بين المهاجـرين، إلى غير ذلك من الأُمور التي يلزم تنفيذها حفظاً للأحكام الكلّية الإلهيّة وصيانة لها. وبما أنّ تلك الأحكام المزبورة لاتدخل تحت ضابطة خاصّة، وربّما تقتضي المصلحة الأمر بالشيء وأُخرى النهي عنه، و قد جاء الوحي الإلهي ملزماً بتنفيذ ما أتى الرسول به وما نهى عنه قائلاً:(وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(الحشر/7)، فالمولى سبحانه فوّض حكم تلك الموارد الجزئية إلى ولي الأمر لا بصورة فوضوية بل في إطار مصلحة الأُمّة مع عدم مخالفة ما يأمر وينهى للأحكام الكليّة الشرعية. وقوله سبحانه:(وَ ما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَ رَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(الأحزاب/36)، راجع إلى القضاء في هذه الموارد.

وأمّا الأحكام الكلية، كالنهي عن الضرر والضرار، والحرج والمشقّة، التي لاتختصّ بمكان دون مكان ولا زمان دون زمان، حيث إنّ الاضرار قبيح والإيقاع في الحرج لايوافق الفطرة، ففي مثلها يكون الحكم إلهياً ناشئاً من ملاحظة المصالح والمفاسد الكلية دون الوقتية والزمنية، لاحكماً سلطانياً صادراً عن المنصب الموهوب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).


ويؤيد ذلك: أنّ في قصة سمرة أحكاماً سلطانية لها طابع الجزئية والوقتية، كأمره بالاستئذان وقلع الشجرة ورميها في وجهه، صدرت لحفظ الحقوق أو لقلع جذور الفساد. وأمّا قوله:«لاضرر» فهو حكم إلهي له طابع الكلّية والدوام وهو المصحح للأوامر السلطانية الجزئية.

وثانياً: إنّ الأوامر السلطانية إنّما تتعلّق بموضوعات ليست لها أحكام شخصية بسبب جزئيتها، وأمّا الموضوعات التي قد سبق من الشارع جعل الحكم لها وتحريمها فلامعنى لجعل حكم سلطاني عليها. وهذا كالضرر، فقد عرفت تضافر آيات الكتاب وروايات السنّة على حرمتها. وعلى ضوء هذا، ينسبق إلى الذهن، أنّ الرسول الكريم كان بصدد الإشارة إلى الحكم المعلوم المتضافر.

وثالثاً: إنّ ما ذكره لايصحّ في حديث الشفعة، فانّ الظاهر من توسيط قوله «لاضرر ولاضرار» بين الكلامين أنّ هذه القاعدة الإسلامية صارت سبباً لتشريع حق الشفعة للشريك، ولم يكن في البين أيّة أرضية صالحة لصدور حكم سلطاني، وإنّما قضى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالشفعة بين الشركاء دفعاً للضرر والضرار.

أضف إلى ذلك أنّ تفسير النفي بالنهي خلاف المتبادر في هذه الموارد كما لايخفى.(1)

إلى هنا ظهرت حقيقة الآراء والنظريات الّتي قيلت في القاعدة، وقد عرفت أنّ الكلّ لايخلو من علّة أو علاّت، وأمّا مختارنا فيها فإليك بيانه:


(1) ويضاف إلى ما ذكره شيخنا في تحليل كلام استاذه، بأنّه لو سلّم اندفاع جميع الاشكالات الّتي ذكرها حول تلك النّظريّة، فإنّها تقبل إذا كانت أدلّة القاعدة منحصرة بقضيّة سمرة وحديث اقضية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)المروي عن عبادة بن الصّامت. ولكن حيث اثبتنا في بحث «الضّرر والضّرار في السّنّة» عدم انحصارها بهما وأنّ هناك عشرات الأحاديث قد وردت في عشرات المجالات من العبادات والمعاملات، وكلّها تشير إلى مضمون القاعدة ولم يوجد في أكثرها رائحة الأوامر والنّواهي السّلطانية، فلايبقى مجال لقبول تلك النّظريّة.


بيان المختار في تفسير القاعدة:

إنّ المختار في تفسير القاعدة هو كون النفي بمعناه لابمعنى النهي، وبذلك يفترق عن النظريتين الأخيرتين، وأنّ مصدر الضرر وفاعله هو الناس، بعضهم ببعض لاالشارع ولاتكاليفه، وبذلك يفترق عن النظريات الثلاث الأُول.

والغاية من قاعدة نفي الضرر، الأخبار ـ بعد وجوده في المجتمع وجداناً ـ عن عدم إمضائه تكليفاً ولاوضعاً. ومعناه الابتدائي هو الاخبار عن عدم الضرر في الخارج ولكنّه ليس بمراد جداً بل هو كناية عن عدم إمضائه له وضعاً وتكليفاً، غير أنّ المصحح لهذا الاخبار(غير المطابق للخارج) هو خلو صفحة التشريع عن الحكم الضرري تكليفاً ووضعاً. فهو إمّا حرام شرعاً أو غير جائز وضعاً، ولولا خلوصفحته عن مثل ذاك الحكم، لما جاز له الاخبار عن عدم الضرر في الخارج.

توضيحه: أنّك قد عرفت أنّ المتبادر من هذه الصيغة هو نفي المتعلّق، وأنّ استعماله في النهي يحتاج إلى قرينة. وبما أنّ مورد القاعدة تجاوز سمرة حقوق الأنصاري وعدوانه عليه، يكون الضرر المنفي هو الضرر الوارد من بعض الناس إلى بعضهم الآخر. وبما أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)خاطب سمرة بقوله:«إنّك رجل مضار» أو «ما أراك يا سمرة إلاّ مضاراً» وقال:«لاضرر ولاضرار»، يكون هذا قرينة على أنّ المنفي في لسان الشارع مثل هذا الضرر، لاالضرر الحاصل من حكم الشارع كإيجاب الوضوء والحج على المريض.

وبما أنّ الاخبار عن عدمهما مع وجودهما في المجتمع ممّا لايجتمعان، يكون الاخبار عن عدمهما بهدف تفهيم أنّ الضرر ممنوع شرعاً وقانوناً، وغير ممضى عند الشارع تكليفاً ووضعاً.


أمّا تكليفاً فيحرم كل عمل ضرري يتوجه من بعض النّاس إلى البعض الآخر كإيذاء الجار لجاره، وأمّا وضعاً فلا تنفذ المعاملات الضرريّة كالغبن وغيره.

وبذلك يتّحد المختار مع مختار الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني فيما يكون الضرر متأتّياً من جانب الناس، ويصح الاستدلال به في مورد الغبن وتبعيض الصفقة وتأخير الثمن والتدليس وغيرها.

ومن هنا استند الفقهاء في أبواب العبادات غالباً إلى أدلّة «لاحرج» ، فالحكم باشتراء ماء الوضوء والغسل بثمن غال لايتحمل عادة، أو إيجاب الوضوء على المريض الذي يضرّه استعمال الماء أو إيجاب الحج على المريض والشيخ الفاني حكم حرجي منفي بأدلّة الحرج.

وبذلك تقدر على دفع الاشكال الّذي ربّما يستعصيه بعض الافهام، من إنّ الشارع كيف يخبر عن صفحة التشريع بعدم الحكم الضّرري فيها، مع شيوعه في العبادات والمعاملات، حيث حكم بدفع الزكاة والخمس والمقاتلة في ميادين الحرب، كما أمر بإراقة الخمور وكسر الأصنام والصلبان والملاهي وغير ذلك.

وذلك لما عرفت من أنّ منحى الحديث هو اضرار النّاس بعضهم ببعض، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر عن خلو حياة الناس عن الضرر والضرار، ادّعاءً لأجل خلوّ صفحة التشريع عن تجويز ذلك . فإذا انتفى التشريع عنهما، فكانت رقعة الحياة خالية عنهما، لأنّ النّاس ملزمون بالعمل بما جاء به الشارع المقدّس.

وأمّا الأحكام الّتي ربّما تكون ذريعة للضّرر. فمع قطع النظر عن عدم كونها ضرريّة، لأنّ فيها حياة الفرد والمجتمع، قال سبحانه:(يا أيّها الّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبُوا للّهِ وللرّسُولِ إذا دَعاكُمْ لما يحييكُمْ وَاعْلَموا أنّ اللّه يحولُ بَيْنَ المرء وقَلْبِهِ وأنّه إليه تُحْشَرونَ) .(1) ـ فهي خارجة عن مفاد الحديث موضوعاً، ولانحتاج إلى تجشّم


(1) الأنفال/24.


الجواب الذي ذكرناه سابقاً. فمورد الحديث ومنحاه وهدفه وغايته، تربية الناس تربية سامية إسلاميّة، حتّى لايضرّ أحد أحداً. ولأجل ذلك فقد أخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بتأكيد عن عدم أيّ تشريع للضرر، أي ضرر بعض النّاس بعضاً.(1)

هذا تمام الكلام في المقامات الأربعة وينبغي، تكميلاً لمفاد القاعدة، وتعييناً لحدودها، البحث عن أُمور، ولذلك ذيّلنا البحث بعدّة تنبيهات:


(1) يلاحظ على مختاره ـ دام ظلّه ـ بما يلي:

أوّلاً: إنّ من فحص فحصاً تامّاً في طيّات كتب الحديث عن مدارك القاعدة سوف يجد أنّ هناك موارد ليست بالقليلة يظهر منها أنّ مصدر الضّرر وفاعله ليس النّاس بعضم بعضاً بل هو الشّارع، ولذلك نفيت تلك الأحكام ورفعت لوجود الضّرر فيها لو شرّعت على المكلّفين.

نعم لو قلنا بأنّ مدرك القاعدة هو حديث سمرة واضرابُه فقط، لكان للقول بانحصار مصدر الضرر في النّاس مجال. إلاّ أنّنا أثبتنا خلاف ذلك كما مرّ.

وثانياً: إنّ استناد الفقهاء في جميع أبواب العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والحجّ والجهاد والزّكاة وما إلى ذلك، إلى أدلّة قاعدة نفي الضّرر لايقل عن استنادهم إلى أدلّة نفي الحرج وسنتعرّض إلى تلك الموارد مع اعطاء فهرس كامل لها إن شاء اللّه في ملحقات هذا الكتاب.

ثمّ إنّ استنادهم إلى أدلّة نفي الحرج في بعض الموارد ليس لاعتقادهم بعدم صحّة الاستدلال بقاعدة نفي الضّرر هناك، بل لاعتقادهم عدم الفرق الكبير بين القاعدتين منحىً ومورداً كما يبدو لمن تأمّل في عباراتهم.

وخاصة إذا لاحظنا عدم تعنون قاعدة لاضرر في كتب القدماء بصورة مستقلّة ومتميّزة ثغورها عن القواعد الأُخر المشابهة كقاعدة نفي الحرج وما شاكلها.

ولذلك نرى المحقّق الحليّ في كتابه المعتبر ج1، ص138 في مكروهات التخلّي من كتاب الطهارة، عند ما يريد الاستدلال على عدم كراهة التكلّم حين التغوّط عند الضرورة يقول: «وأمّا حال الضرورة فلما في الامتناع من الكلام من الضّرر المنفي بقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدّين من حرج) .


التنبيه الأوّل:

في اختصاص القاعدة

بنفي الأحكام الالزامية أو عمومها لغيرها

هل النفي يختص بنفي تشريع الحكم الالزامي من الوجوب والحرمة أو يعم نفي مطلق الأحكام التي تكون مبدأً للضرر وإن كانت ترخيصاً وإباحة؟

ذهب إلى الأوّل صاحب مصباح الأُصول قائلاً باختصاص النفي بجعل حكم الزامي من الوجوب والحرمة، فانّه الذي يكون العبد ملزماً في امتثاله. فعلى تقدير كونه ضررياً، كان وقوع العبد في الضرر مستنداً إلى الشارع بجعله الحكم الضرري، وأمّا الترخيص في شيء يكون موجباً للضرر على نفس المكلّف أو غيره فلايكون مشمولاً لدليل نفي الضرر لأنّ الترخيص في شيء غير ملزم بشيء، حتّى يعد الترخيص ضررياً فيكون الضرر مستنداً إليه لا إلى الترخيص المجعول من قبل الشارع.(1)

ثم استظهر أنّ نفي الضرر كنفي الحرج المستفاد من أدلّة نفي الحرج. فكما أنّ المنفي بها هو الحكم الالزامي الموجب لوقوع المكلّف في الحرج دون الترخيص، وهكذا في المقام بلافرق.

يلاحظ عليه:

أنّ ما ذكره إنّما يتم في الأحكام غير الإلزاميّة إذا كانت مبدأً لاضرار المكلّف على نفسه، كما إذا أراد أن يصوم ندباً أو يحجّ استحباباً مع اضرارهما، فلايصحّ أن يتمسّك بالقاعدة في نفي الترخيص فيهما لأنّه لا يعدّ مصدراً للضرر، بل يستند


(1) مصباح الأُصول، ج2/533.


الاضرار عندئذ إلى نفس المكلّف حيث ألزم نفسه بما لم يلزمه الشارع به.

وأمّا في مورد الاضرار بالغير، فالقاعدة تعم الحكم الالزامي والاباحي، فإنّ إطلاق ترخيص الشارع جواز العبور لصاحب النخل، حكم ضرري جاء من جانب الشارع، إذ لولا ترخيصه لما كانت لسمرة بن جندب حجة في الاضرار بالجار.

وما ذكره من أنّ الترخيص في شيء غير ملزم بشيء حتى يعد الترخيص ضررياً إنّما يتم في الاضرار بالنفس، وأمّا في الاضرار بالغير فربما يكون ذلك الترخيص مبدأً ومصدراً للاضرار كما لايخفى.

والحاصل أنّه لافرق بين الالزامي وغيره، فإذا كان مصدراً للضرر ينفى بالقاعدة سواء كان مورد الاضرار هو النفس أو الغير، ولعلّ مراده (قدس سره) هو الصورة الأُولى، على أنّ الاضرار بالغير حرام بغير كلام.

هذا كلّه على مشرب القوم في مفاد القاعدة، من أنّ المقصود نفي الأحكام الشرعية الضررية.

أمّا على المختار من أنّ مفادها نفي الضرر المتوجّه من شخص إلى آخر، فقد عرفت أنّ مفاد الأخبار هو نفيه تكليفاً ووضعاً. وأنّ الاضرار حرام أو لا، ولايترتب عليه الأثر ثانياً. غير أنّ هذا المطلب لايصح إلاّ إذا خلت صفحة التشريع عن أيّ حكم يسوغ الاضرار بالغير، سواء كان ذلك الحكم وجوباً أم اباحة، لما قلنا من أنّ الأخبار عن عدم اضرار الناس، بعضهم ببعض، بعناية عدم تصويبه تكليفاً ووضعاً، لايتم إلاّ بخلو صفحة التشريع عن أي حكم يمكن أن يقع ذريعة للاضرار بالغير. كتسويغ منع الماء لمنع الكلاء، فإنّ هذا التسويغ لايجتمع مع الهتاف بانتفاء الضرر في الخارج وعدم تصويبه تكليفاً ووضعاً. ففي مثل المعاملة الغبنية يرتفع لزوم الوفاء المترتّب على المعاملة لولا الضرر، كما أنّ في مثل منع الماء المستلزم للضرر، يرتفع الجواز السابق.


التنبيه الثاني:

في أنّ المدار في الضرر هل هو الشخصي أو النوعي؟

1ـ اشتهـر في ألســن المتأخّــرين أنّ الضـرر في العبـادات شخصي وفي المعاملات نوعي. ولأجل ذلك لايصح العدول من الوضوء إلى التيمّم إلاّ إذا كان ضررياً بالنسبة إلى شخص المتيمّم، لابالنسبة إلى فرد آخر. ومثل الوضوء، الحج. ونظير «الضرر»، «الخوف» و« الحرج» فالمدار فيهما مطلقاً على الخوف والحرج الشخصيين لاالنوعيين.

وأمّا المعاملات، فالمدار في كونها ضررية كونها كذلك بالنسبة إلى النوع لاإلى الشخص. ولأجل ذلك حكموا بالخيار، إذا كان البيع مشتملاً على الغبن ـ وإن غلت السلعة حين ظهور الغبن ـ بما يتدارك به الغبن فلايكون الحكم باللزوم في مثله موجباً للضرر على المشتري شخصاً، ولكنّه إذا قيس إلى النوع يكون ضررياً.

وكذلك الأمر في الشفعة، إذا قلنا بأنّ ملاك الحكم بالشفعة في الأراضي والمساكن هو الضرر، فيجب أن يحمل على النوعي منه. فإنّه ربّما لايتوجّه من بيعه للغير أيّ ضرر، كما إذا باعه من مؤمن ورع.

وكذلك فيما إذا باعه بأقلّ من القيمة السوقيّة جاهلاً ثمّ اطّلع على غبنه في البيع، عندما كان البائع عاجزاً عن حفظه إذا استردّه.

ولو قلنا بأنّ المدار في المعاملات هو الضرر الشخصي، لزم عدم الخيار في هذه الموارد. لأنّ الضرر في صورة الاسترداد، آكد من ضرره عند البيع بأقلّ من القيمة السوقية.


ولايخفى أنّ التفكيك بين العبادات والمعاملات مع كون القاعدة واردة بلفظ واحد، بلا جهة. والظاهر ظهوره في الضرر الشخصي. و الاحتجاح على المكلّف بملاك أنّه ضرري بالإضافة إلى النوع، وإن لم يكن ضرريّاً بالنسبة إلى الشخص، يتوقّف على الدليل.

والظاهر أنّ هذا هو الدّليل، وأمّا الاستدلال عليه بأنّ فعليّة الأحكام تابعة لتحقّق الموضوع ـ كما عن المحقق الخوئي (قدس سره)(1) فليس أمراً ظاهراً. لأنّ الفعليّة أمر مشترك بين الاحتمالين فالضرر في كلا الوجهين فعليّ، غاية الأمر أنّ المقيس عليه في الشخص، غيره في النوع فلاحظ.

وأمّا ما ذكر من الأمثلة، فإنّ الضرر فيها أيضاً شخصي، غاية الأمر أنّه صار مجبوراً بأمر خارجي. فغلاء السلعة لايخرج المعاملة الواقعة قبل شهر، عن كونها غبنية وضررية، لأنّ الغلاء أمر خارجي لا صلة له بالمعاملة، كما أنّ نفس كون الشريك مختاراً في البيع ممّن شاء في مورد الشفعة، أمر ضرري. وبيعه من شخص مؤمن قضية خارجية لا صلة لها بنفس ذلك الاختيار، ولايخرجه من حيث هو هو عن كونه ضررياً. ومنه يظهر حال المثال الثالث.

وعلى كل تقدير، فالملاك في جميع الموارد هو الضرر الشخصي، والقول به لايوجب عدم الخيار في الموارد المذكورة. فالمقياس في كون المعاملة ضررية، نفسها لاملاحظتها مع الأُمور الخارجة عنها.


(1) مصباح الأُصول، ج2/535.


التنبيه الثالث

في كثرة التخصيص الوارد على القاعدة

إنّ مشكلة القاعدة هي مسألة كثرة التخصيص الوارد عليها بحيث يكون الخارج منها أضعاف الباقي، خصوصاً إذا فسّرنا الضرر بإدخال المكروه، ولو بني على العمل بعموم القاعدة حصل منه فقه جديد. ويدلّ على ذلك، الأمر بالخمس، والزكوات، والكفّارات، والخراج، والجزية، ومنها تشريع الحدود والديات، والغرامات والضمانات وعلى وجه، الأمر بإراقة الدهن المذاب والشيرج الملاقي للنجس، والخمور، واشتراء ماء الوضوء بثمن غال، وكسر الأصنام،والصُّلبان والملاهي الغالية، وإلى غير ذلك ممّا يقف عليه السابر في الفقه.

وقد أُجيب عن هذا الإشكال بوجوه:

الأوّل: ما نقله الشيخ في رسالته المطبوعة في آخر المكاسب عن الفاضل النراقي من أنّ الضرر ما لا يحصل في مقابله نفع، وأمّا ما يحصل في مقابله نفع دنيوي أو أُخروي فلايكون ضرراً. فإذا ورد مثلاً «حجّوا إذا استطعتم»، أو «صلّوا إذا دخل الوقت»، أو «صوموا إذا دخل شهر رمضان»، دلّ بعمومه على وجوب هذه الأفعال وإن تضمّنت ضرراً كثيراً، والأمر يدلّ على العوض فلايكون ضرراً.(1)

يلاحظ عليه:

بما أفاده الشيخ الأعظم، أنّ الأجر الأُخروي لايخرجه عن الضرر بل يكون مسوّغاً للأمر به، وإلا لغت القاعدة. لأنّ كل حكم شرعي ضرري لابد أن يترتّب


(1) رسالة قاعدة «لاضرر» المطبوعة في آخر المكاسب، ص369.


على موافقته الأجر، فلو كان الأجر موجباً لخروجه عن موضوع القاعدة ، لم يبق لها مورد، ولاوجه حينئذ لنفي الضرر في الإسلام، وعلى مقالته يكون الوضوء المضر بالبدن غير ضرري، لما فيه من الثواب المجبر.

الثاني: ما أفاده الشيخ في الفرائد وحاصله: أنّ لزوم تخصيص الأكثر على تقدير إرادة العموم، قرينة على إرادة معنى لايلزم منه ذلك. ومراده أنّ القاعدة كانت مقرونة حين الصدور بقرينة متّصلة حالية أو مقالية صارفة إيّاها عن الإطلاق والعموم، وقد عمل بها القدماء في ضوء هذه القرينة ولم يتجاوزوا عنها. وعند ذاك يكون مفاد القاعدة مجملاً، لعدم وصول القرينة المحدَّدة لمفادها إلينا، ولايعمل بها إلاّ إذا عمل بها الأصحاب، فإنّ عملهم جابر وكاشف عن القرينة الواصلة إليهم، وإن لم تصل إلينا.

يلاحظ عليه:

أنّا نقطع بخلاف ذلك، فإنّ المتأخّرين والقدماء في هذا المضمار سواء. وإنّ عملهم كان مستنداً إلى ظاهر القاعدة وعمومها، لا إلى القرينة المحددة لموردها.

الثالث: ما عنه أيضاً (قدس سره) من أنّ تخصيص الأكثر لا استهجان فيه إذا كان بعنوان واحد جامع لأفراد هي أكثر من الباقي، كما إذا قيل: أكرم الناس، ودلّ دليل على اعتبار العدالة.

والظاهر عدم الفرق في الاستهجان بين العنوان الواحد والعناوين الكثيرة، وأنّ ملاك الاستهجان هو غرابة التعبير، كان التخصيص بعنوان أم بعناوين.

وربّما يفرق في لزوم الاستهجان بين القضايا الخارجية التي يكون الأفراد والمصاديق الخارجية فيها موضوعات للحكم، والقضايا الحقيقية التي يكون الحكم فيها ثابتاً للموضوع الأعم من المحقق والمقدّر بلا نظر إلى الأفراد الخارجية. فتخصيص الأكثر قبيح في الأُولى، سواء كان بعنوان أم بعناوين، دون الثانية وإن


بلغ أفرادها ما بلغوا.(1)

وهذا أيضاً ليس بتام، لأنّ الحكم في النهاية على الأفراد عن طريق العنوان، وهو في الخارجية على المحققة بالفعل، وفي الحقيقية على المحقّقة والمقدّرة. فلو كان ملاك الاستهجان هو غرابة التعبير عن الموارد والمصاديق اليسيرة، بلفظ عام وسيع، فلا فرق بين القضيتين. نعم، لو كان الحكم في الحقيقة على العناوين المختلفة المجتمعة تحت عنوان واحد هو موضوع للحكم، «كالصرفيين» و«النّحاة» و«الأطباء» المجتمعة تحت عنوان «العلماء» في قولنا:«أكرم العلماء»، فلا إشكال في التعبير عن الأفراد اليسيرة بلفظ عام لأنّ الموضوع حقيقة هو الصرفيون، والنحاة، والفقهاء، والحكماء، والأطباء بما هم علماء. فلو فرضنا أنّ مصاديق العناوين الأربعة الأُولى قليلة لاتتجاوز العشرة، ولكن مصاديق العنوان الأخير كثيرة، فأخرج الأطباء عن تحت العام وبقي الباقون، فمثل هذا وإن انتهى إلى تخصيص الأكثر، لكنّه لايعدّ قبيحاً، لأنّ الملاك في القلّة والكثرة هو العناوين لاالأفراد، والمفروض أنّ العناوين الباقية أكثر من الخارجة، إذ الباقية أربعة والخارج واحد. وإن كانت من حيث المصداق على العكس، فمصاديق العناوين الباقية عشرة، ومصاديق العنوان الخارج كثيرة جداً.

الرابع: هو الالتزام بعدم ورود تخصيص للقاعدة أصلاً، وإليك تحليل الجواب: فإنّ موارد النقض عبارة عن:

1ـ الحدود والدّيات.

2ـ الغرامات والضمانات.


(1) يظهر هذا الفرق من المحقّق النائيني، ولكنّه لم يعتمد عليه في الاجابة عن الاشكال بل أجاب بجواب آخر وحاصله منع الصغرى وانّ خروج ما خرج إنّما هو بالتخصص لابالتخصيص. فلاحظ قاعدة لاضرر، للخونساري، ص211.


3ـ الضرائب الشرعيّة كالخمس والزكاة والكفّارات.

4ـ الجهاد في سبيل اللّه.

5ـ إراقة الخمر والدهن أو المرق الّذي وقعت فيه الفأرة ، وكسر الأصنام والملاهي والصلبان.

6ـ شراء ماء الوضوء ولو بأضعاف قيمته.

فنقول: أمّا الأُولى: فهي الأحكام الجزائيّة للإسلام، الّتي وصفها الإمام (عليه السلام) بقوله:

«حدّ يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة وأيّامها»(1)، فليس ضرراً عند العرف، ولا عند العقل، لا بين المسلمين ولابين سائر الملل. لأنّ لكل أُمّة أحكاماً جزائيّة خاصّة يراها المقنّن والشّعب خيراً وسبباً لبقاء نظامهم، فلولا تلك الضمانات لانحلّ شمل الاجتماع، وأصبح المجتمع غابة من الغابات.

قال اللّه سبحانه: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولي الألْباب) .(2)

وأمّا الثانية: أعني الغرامات والضمانات، فلأنّ الحديث حديث امتنان وهو يقتضي تضمين المتلِف وتغريم المعتدي، فليس هو مصداقاً للضّرر في اطار التشريع والمجتمع.

ومثلها الثالثة: فانّ كل مجتمع راق و أُمّة حيّة لاتنفك عن الضرائب التي بها قوامها ولايتلقّاها ضرراً، بل يراه أمراً ينتفع به هو وأقوامه ومواطنه. غير أنّ الإسلام حدّدها بشكل، والملل الأُخرى بشكل آخر.

فإنّ الزكوات والأخماس والكفّارات تؤخذ من الناس وتصرف في مصالح


(1) وسائل الشيعة، ج18، الباب 1 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 2، 3، 4، 5.

(2) البقرة/179.


المجتمع، فلاترى مجتمعاً يصرف الضّرائب ـ إذا كانت عادلة ـ مجتمع جور وظلم.

فانّ الخدمات الّتي تقدّمها الدولة للشعب، إنّما هي تحت ظل هذه الضّرائب.

وأمّا الجهاد في سبيل اللّه، فقد وصفه سبحانه بقوله: (يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ ولِلرّسولِ إذا دَعاكُمْ لِما يُحْييكُمْ وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأنّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُون).(1)

ويصفه في موضع آخر بقوله:(يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تجارة تُنْجيكُمْ مِنْ عَذاب أليم * تُؤْمِنُونَ باللّهِ وَرسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللّهِ بِأمْوالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ ذلِكمْ خَيْـرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون) .(2)

فإذا كان هذا هو انطباع الشارع من الجهاد في سبيل اللّه، فإذا قال: لاضرر ولاضرار، فإنّما ينصرف إلى غير هذا النوع من الضرر الذي لاينتفع به المجتمع. وليس لنا تفسير الحديث مع غضّ النّظر عن سائر ما يرتبط بالتشريع.

هذا كلّه حول الموارد الأربعة. وأمّا الموردان الأخيران فهما جزئيان ولو زاد هناك مورد أو موردان آخران فلايستلزم التخصيص المستهجن، على أنّ هناك مصالح في تحمّل هذه الاضرار لا تقاس بالأموال التي يخسرها.

وما ذكرناه من الجواب ينطبق على مبنى القوم في تفسير القاعدة، وأمّا على ما اخترناه من أنّ مفاد القاعدة ، هو نفي اضرار الناس بعضهم بعضاً، فالجميع خارج عن مصبّ القاعدة وليس هناك أيّ تخصيص أبداً.


(1) الأنفال/124.

(2) الصف/10ـ11.


التنبيه الرابع :

في تقدّم القاعدة على أدلّة العناوين الأوّلية

إتفقت كلمتهم على تقديم القاعدة على أدلّة العناوين الأوّلية، وإن اختلفوا في وجه التقديم على وجوه وأقوال نشير إليها:

1ـ تقديم القاعدة من باب الحكومة :

وهذا هو مختار الشيخ الأعظم، قال في توضيحه:

«إنّ القاعدة حاكمة على جميع العمومات الدالّة بعمومها على تشريع الحكم الضرري كأدلّة لزوم العقود، وسلطنة الناس على أموالهم، ووجوب الوضوء على واجد الماء، وحرمة الترافع إلى حكّام الجور، وغير ذلك.

وما يظهر من بعضهم من احتمال التعارض بين العمومات المثبتة للتكليف وهذه القاعدة ثم ترجيح هذه إمّا بعمل الأصحاب وإمّا بالأُصول كالبراءة في مقام التكليف وغيرها في غيره، فهو خلاف ما يقتضيه التدبّر في نظائرها من أدلّة رفع الحرج، ورفع الخطاء والنسيان، ونفي السهو على كثير السهو، ونفي السبيل على المحسنين، ونفي قدرة العبد على شيء وتنميته. مع أنّ وقوعها في مقام الامتنان يكفي في تقديمها على العمومات.

والمراد من الحكومة أن يكون أحد الدليلين ـ بمدلوله اللفظي ـ متعرّضاً لحال دليل آخر من حيث اثبات الحكم لشيء أو نفيه عنه. فالأوّل مثل ما دلّ على الطهارة بالاستصحاب أو شهادة العدلين، فانّه حاكم على ما دلّ على أنّه «لاصلاة إلاّ بطهور»، فانّه يدلّ على أنّ ما ثبت من الأحكام للطهارة مثل:«لاصلاة إلاّ بطهور»، ثابت للمتطهّر بالاستصحاب أو بالبيّنة. والثاني مثل الأمثلة المذكورة.


وأمّا المتعارضان فليس في أحدهما دلالة لفظية على حال الآخر من حيث العموم والخصوص وإنّما يفيد حكماً منافياً للآخر».(1)

يلاحظ عليه:

أنّ تفسير الحكومة بالمعنى الذي ذكره لاينطبق على المورد. فانّ مرجعه إلى كون أحد الدليلين متعرّضاً لحال الدليل الآخر تعرضاً بالدلالة المطابقية. والحال أنّ الأدلّة الحاكمة التي اعترف الشيخ بحكومتها، ليست على هذا النمط، حتى القاعدة مثلاً إذ ليست متعرّضة بالدلالة المطابقية لحال أدلّة وجوب الوفاء بالعقود، وسلطنة الناس على أموالهم، أو وجوب الوضوء على واجد الماء ولو بالاشتراء بثمن كثير، وغير ذلك. اللّهمّ إلاّ أن يريد الأعم من الدلالة المطابقية أو الالتزامية.

نعم، ينطبق ما ذكره على قليل من الروايات، مثل ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلّى أم ثلاثاً. قال: يعيد. قلت: أ ليس يقال: لايعيد الصلاة فقيه. فقال إنّما ذلك في الثلاث والأربع.(2)

والأولى أن يقال: إنّ الحكومة عبارة عن كون أحد الدليلين في نظر العرف شارحاً ومفسّراً ومبيّناً لمقدار المراد من الدليل المحكوم بحيث لولا الدليل المحكوم لصار التشريع الوارد في الحاكم لغواً. وهذا ينطبق على الموارد التي اشتهرت فيها حاكمية الدليل على الأحكام الموضوعة على العناوين الأوّلية مثل قوله: «لاضرر» على القول بأنّ مفاده :«لاحكم ضرري»، وقوله:«ما جعل عليكم في الدين من حرج»، وقوله: «لاشك لكثير الشك»، أو «لاشكّ للإمام مع حفظ المأموم». فلو لم يرد من الشارع حكم من الأحكام، لما صحّ أن يرد قوله:«لاحرج في الدين»، أو


(1) الفرائد، ص315.

(2) الوسائل، ج5، ص320، الباب 9 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 3.


«لاضرر» ، على المعنى المختار عند الشيخ. وهذا بخلاف ما إذا قال: «لاتكرم زيداً» فانّ صحّة النهي عن اكرامه لاتتوقف على ورود الأمر باكرام العلماء جميعاً. وعلى هذا ، تكون الحكومة قائمة بلسان الدليل عند مقارنة دليل مع دليل آخر.

فإن قلت: كيف تفسّرون الحكومة بالشرح والتفسير والتعرّض والنظارة، مع أنّ هناك قسماً من الحكومة ليس بهذا النمط كحكومة الأمارات على أدلّة الأُصول الشرعية.

قلت: هذا ـ وإن كان مشهوراً بين المتأخّرين حتى ذهب بعضهم إلى التفصيل بين الأُصول العقلية والشرعية فجعل الأمارة واردة في الأُولى وحاكمة في الثانية ـ ولكن الحقّ كما أوضحناه عند البحث عن تعارض الأدلّة هو ورود الأمارات مطلقاً على الأُصول عقلية كانت أو شرعية، لأنّ موضوع الأُصول الشرعية هو الجهل بالواقع بنفسه أو بطريقه، ومع قيام الأمارة يرتفع جزء من موضوعه.

والفرق بين الحكومة والتخصيص لطيف دقيق، فإنّ التخصيص عند المقارنة لسانه لسان يلوح منه التعارض بين الخاص والعام، ولسانه لسان التدافع الخفيف دون الشرح والتفسير، ويقدّم الخاص فيه على العام لا لقوّة دلالته بل لقرينة عامة هي جريان السيرة على ذكر المخصصات بعد العمومات غير ملتزمين بذكرها متصلة بها.

وإن شئت قلت: كون الخاص بياناً للعام، بحكم العقل. وكون الحاكم بياناً للمحكوم، باللفظ عند المقارنة.

وما ربما يقال من أنّ وزان الخاص إلى العام وزان القرينة إلى ذيها خلط بين المحاورات العرفية والخطابات القانونية، ففي الأولى يعدّ الخاص معارضاً إذا كان منفصلاً: ولايعد قرينة، وإنّما يعدّ قرينة في الخطابات القانونية، ووجه كونها قرينة هو جريان السيرة على انفصال المخصصات عن العمومات، ولولا هذه السيرة لما عد الخاص قرينة على العام.


نعم لايشترط ورود المحكوم مقدماً على الحاكم، بل المقوّم، لكون الدليل حاكماً كونه ناظراً وشارحاً ومفسّراً، لابخصوص اللفظ، بل بنظر العرف عند المقايسة بينهما.

وبذلك يظهر الخلل في ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) في تعريف الحكومة حيث اشترط التقدّم الزماني للمحكوم والتأخّر كذلك للحاكم، قال: إنّ الحكومة تتوقّف على ورود المحكوم أوّلاً ، ثمّ ورود الحاكم. وذلك لأنّه مسوق لبيان حكمه ومتفرّع عليه، بخلاف التخصيص الذي هو أحد أقسام التعارض.(1)

لأنّه لو تمّ، فإنّما يتمّ في أمثال «لاشكّ لكثير الشكّ» أو «لا ربا بين الوالد والولد» لا في مثل حكومة الأمارات على الأُصول على القول المشهور بين المتأخّرين ونظائرها.

ثمّ التفسير تارة يكون بالتصرّف في عقد الوضع، وأُخرى بالتصرّف في عقد الحمل. ولكل ـ في بادي النظر ـ قسمان. لأنّ التصرّف تارة يكون بالتضييق، وأُخرى بالتوسيع.

أمّا الأوّل، فكقوله : «لاربا بين الوالد والولد»، فانّه حاكم على أدلّة حرمة الربا. ولولا تشريع حكم في الربا، لكان تشريع الدليل الحاكم لغواً. ومثل قوله:«ماجعل عليكم في الدين من حرج»، بالنسبة إلى الأحكام المنتهية إلى الحرج أحياناً. والفرق بينهما، أنّ الأوّل تصرّف في عقد الوضع على حسب الظاهر، والآخر تصرّف في عقد الحمل، أي الأحكام المحمولة على العناوين الأوّلية كوجوب الوضوء إذا صار حرجياً.

أمّا الثاني، فالتوسيع من جانب الموضوع متصوّر معقول، مثل قوله: «الطواف بالبيت، صلاة» بالنسبة إلى قوله:«لاصلاة إلاّ بطهور». فانّ الدليل الثاني


(1) قاعدة لاضرر للخونساري، ص214.


لايشمل الطواف حسب الدلالة اللفظية، لكنّه بالنظر إلى الدليل الثاني يعمّ الطواف، وإن كانت الغاية منه هي كونه محكوماً بحكمها، لا كونه صلاة حقيقة، نعم هو صلاة ادعاءً. ويكفي في عمومية المحمول ـ أعني وجوب الوضوء مثلاً ـ وسعته، ادعاء كونه صلاة.

وأمّا التوسيع في جانب المحمول فهو غير متصوّر، لأنّه مع تحقّق الموضوع حقيقة أو حكماً، لايحتاج إليه . فإنّ تحقّق الموضوع يستلزم الحكم استلزام الماهية لازمها. وأمّا مع عدمه، فغير معقول، إذ لامعنى للتعبّد بالحكم مع عدم الموضوع، لاحقيقة ولاحكماً ولأجل ذلك لو صحّت حكومة القاعدة على الأحكام الواقعية، تكون على نحو التضييق في جانب المحمول مثل قاعدة لاحرج.

ثمّ إنّ تصحيح كون القاعدة حاكمة على الأدلّة الواقعيّة متفرّع على قبول تفسير الشيخ وهو: أنّه لاحكم ضرري في الشريعة الإسلاميّة، وإلاّ فلا وجه للحكومة.

2ـ تقديم القاعدة من باب التوفيق العرفي:

ذهب إليه المحقّق الخراساني قائلاً بأنّ العرف يوفق بين مفاد الأدلّة الواردة لبيان حكم العناوين الأوّلية، ومفاد القاعدة. وذلك:«أنّ الحكم الثابت بالعنوان الأوّلي تارة يكون بنحو الفعلية مطلقاً أو بالاضافة إلى عارض دون عارض بدلالة لايجوز الاغماض عنها، بسبب دليل حكم العارض المخالف له، فيقدّم دليل ذاك العنوان على دليله، وأُخرى يكون على نحو لو كانت هناك دلالة للزم الإغماض عنها بسببه عرفاً حيث كان اجتماعهما قرينة على أنّه بمجرّد المقتضي، وأنّ العارض مانع ، فيقدّم ولو لم نقل بحكومة دليله على دليله لعدم ثبوت نظره إلى مدلوله كما قيل.(1)


(1) كفاية الأُصول، ج2، ص270، قاعدة لاضرر.


يلاحظ عليه:

أنّ جعل المقام من قبيل المقتضي والمانع، وتصوير الأحكام الأوّليّة مقتضيات للأحكام المترتبة عليها، وجعل الضرر من قبيل المانع، يحتاج إلى دليل فلو تمت قاعدة المقتضي والمانع، فإنّما تتم في نظائر قتل الوالد ولده وكون المرابي ولداً أو زوجة، فالقتل العمدي مقتض للقصاص، كما أنّ الربا مقتض للحرمة، غير أنّ كون القاتل والمرابي والداً أو زوجاً مانع عن تأثير الحكم وأمّا المقام فلم يحرز وجود المقتضي في الوضوء والعقد الضرريّين حتى يكون الضرر مانعاً عن تنجّز الوجوب في الوضوء، أو لزوم الوفاء بالعقود في العقد الغبني.

3ـ تقدّم القاعدة لأخصيّتها من مجموع الأحكام:

نقل المحقّق النائيني (قدس سره) وجهاً آخر، وهو أخصيّة دليل القاعدة من دليل مجموع الأحكام، وإن كان بين دليلها ودليل كل حكم مستقلاً، عموم من وجه إلاّ أنّ ورود نفيه على أحكام الإسلام، كورود نفي الحرج في الدين، يقتضي ملاحظته مع مجموع الأحكام فيقدّم عليها لأخصيته.(1)

الظاهر عدم تماميته، لأنّ كل دليل إنّما يلاحظ مع كل واحد من الأدلّة بنفسه لامع مجموع الأدلّة، وعند ذلك تصبح النسبة بين القاعدة وكل واحد من الأدلّة عموماً وخصوصاً من وجه، ولاملزم لتقديم واحد معيّن مطلقاً.

نعم كون أحد الحكمين وارداً لبيان حكم العنوان الثانوي وجه مستقل لتقديمه على الآخر ـ وعليه ـ لاحاجة إلى التركيز على الأخصّية.

4ـ تقدم القاعدة رفعاً للّغوية:

قد نُقِل وجهاً آخر أيضاً وهو أنّ نسبة القاعدة إلى جميع الأدلّة نسبة واحدة،


(1) قاعدة لاضرر للخونساري، ص213.


فلو قدّم عليها كل دليل لم يبق لها مورد، وتقديم البعض ترجيح بلا مرجح، وأمّا لو قدّمت على سائر الأدلّة لم يلزم محذور لبقاء حكمها في غير مورد الضرر.(1)

ولايخفى أنّ لازم ما ذكره، كون القاعدة متعارضة مع سائر الأحكام وأنّ الجمع بين الدليلين لأجل التحرّز عن اللغوية. ولكنّه إنّما يتم إذا كان الدليل المعارض قطعياً مثل أدلّة الأحكام الأوّلية فلامناص في مقام الجمع عن تقديم مالا يلزم منه اللغوية. وأمّا إذاكان غير قطعي فطرح الظنّي متعيّن.

نعم حرمة الضرر أمر قطعي في الشريعة المقدّسة حسب ما استعرضنا من رواياتها.

5ـ تقديم القاعدة لقوّة دلالتها وكونها حديث امتنان:

الظاهر أنّ وجه التقديم، إنّما هو قوّة الدلالة وذلك بملاك كون الدليل دليل امتنان فيقدّم على العموم، وإن كانت النسبة بين القاعدة والعموم عموماً من وجه، فانّ الامتنان في عدم نفوذ العقد الغبني لافي امضائه.(2) وبالجملة: صدوره امتناناً على الأُمّة، يعطي للحديث في نظر العرف تقدّماً على غيره سواء أصحّت تسميته بقوّة الدلالة أم لا.

وبذلك يتبيّن وجه تقدّم القاعدة في عامة الموارد، من غير ملاحظة النسبة بينها وبين دليل آخر. ولولا ذلك لوجب التوقّف إذا كانت النسبة عموماً وخصوصاً من وجه.


(1) نفس المصدر.

(2) في خلال كلام الشيخ في الفرائد اشارة إلى هذا الوجه.


التنبيه الخامس :

هل الرواية مشتملة على ما يخالف القواعد؟

إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بقلع الشجرة، وقال في رواية الحذاء: «ما أراك يا سمرة إلاّ مضاراً، اذهب يا فلان فاقطعها واضرب بها وجهه». وقال في رواية عبد اللّه بن بكير عن زرارة:«اذهب فاقلعها وارم بها إليه فانّه لاضرر ولاضرار». وقال في رواية عبد اللّه بن مسكان عن زرارة:«إنّك رجل مضار ولاضرر ولاضرار على مؤمن قال: ثم أمر بها فقلعت ورمى بها إليه».

ترى أنّ الأمر بالقلع معلل بالقاعدة في الرواية الثانية. وأمّا الأُولى والثالثة فالتعليل فيهما مفهوم من سياق الكلام لامن صريحه حيث وصف الرجل بأنّه مضار ثم أمر بالقلع، فكأنّه وضع موضع التعليل. فما عن بعض الأكابر من الأساتذة(1) من اشتمال رواية واحدة على تعليل القلع بالقاعدة دون البقية، فكأنّه ناظر إلى التعليل الصريح دون الأعم منه ومن غيره .

وعندئذ يقع الاشكال في صحة التعليل، فانّ نفي الضرر يقتضي المنع عن الدخول بلا استئذان لاقلعها رأساً وإن شئت قلت: إنّ الحكم الضرري هو جواز الدخول بلااستئذان ، فيجب أن ينفى مع ابقاء الشجرة في الأرض فإنّه لم يكن ضررياً والشاهد عليه أنّ سمرة لو كان ملتزماً بالدخول مع الاستئذان، لما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالقلع.

وأُجيب عنه بوجوه:

الأوّل: ما أفاده المحقّق النائيني، قال: إنّ القلع كان من باب قطع الفساد،


(1) هو السيد المحقّق الدّاماد ـ قدّس سرّه ـ.


لكونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. (1)

وأوضحه تلميذه المحقّق الخوئي ـ قده ـ على ما في المصبـاح قائلاً: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم في قضيّة سمرة بشيئين:

1ـ أن لايدخل الرجل بلا استئذان.

2ـ أن تقلع الشجرة وتقطع.

والحكم الأوّل مستند إلى القاعدة دون الثاني. فإنّ الثاني ناشىء من ولايته على أموال الأُُمّة وأنفسهم، دفعاً لمادة الفساد، أو تأديباً لسمرة لقيامه مقابل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مقام العناد واللجاح. (2)

يلاحظ عليه:

أنّ ظاهر الرواية هو كون الأمر بالقلع لأجل كونه من موارد القاعدة وجزئياتها، لا من باب الولاية على الأنفس والأموال.

الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني أيضاً وحاصله:

أنّ الحكم الضرري وإن كان عبارة عن الدخول بلا استئذان، ولكن لمّا كان هذا الحكم الضرري معلولاً لاستحقاق سمرة لابقاء العذق في الأرض ـ لأنّ جواز الدخول بلا استئذان من فروع هذا الاستحقاق ـ صح رفع هذا المعلول برفع علّته، أعني: استحقاق الابقاء بجواز قلع الشجرة.

ومن هنا، يصح أن يدّعى أنّه إذا كان المعلول ضررياً يصحّ رفع علّته، كما إذا انعكس وكانت المقدّمة ضررية دون ذيها، مثل ما إذا كان المشي إلى الحمام ضررياً دون نفس الغسل، يصح رفع المعلول لأجل رفع علّته. (3)


(1) قاعدة لاضرر للخونساري، ص209، طبعة النجف.

(2) مصباح الأُصول، ج2، ص532.

(3) قاعدة لاضرر للخونساري، ص209. ومصباح الأُصول، ج2، ص531.


يلاحظ عليه:

أنّ رفع الحكم الضرري إنّما يقتضي رفع علّته، إذا لم يكن له إلاّ معلول واحد ضرري، فعندئذ لامناص من استلزام رفعه رفعها، إذ لامعنى لرفع المعلول مع ابقاء علّته في عالم التشريع. وأمّا إذا كان للعلّة (استحقاقه لابقاء العذق) حكمان أحدهما ضرري وهو الدخول بلا استئذان، والآخر ليس بضرري وهو الدخول معه، فلا وجه لاستلزام رفعه رفعها، ولأجل ذلك أمر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)أوّلاً بالدخول مع الاستئذان، إذ نهاه عن الدخول بدونه.

وهذا نظير ما إذا كانت إطاعة الوالد في مورد محرّمة، كما إذا أمر بالمعصية، فرفع لزوم إطاعته في ذاك المورد لايستلزم رفع علّته على الإطلاق، وهو حق طاعته.

وقياس المقام بباب المقدمة الضررية المستلزم رفعُ حكمها رفعَ ذيها، قياس مع الفارق. لأنّ مع تحريم المقدّمة يمتنع الوصول إلى ذيها عن طريق مشروع فيحكم العقل بالملازمة بين الرفعين. وأين هو من رفع أحد الملازمين الاعتباريين وإبقاء علّته لأجل مشروعية الملازم الآخر.

وبالجملة، انّ لإبقاء الشجرة آثاراً كثيرة، من بيعها، وإيجارها وبيع ثمارها، وتأبيرها، والدخول مع الاستئذان. فهل يصح رفع موضوع لأحكام كثيرة بسبب حرمة أحد الآثار؟

والأولى أن يقال: إنّ اجراء القاعدة وتجسيدها في ذلك اليوم لم يكن ممكناً إلاّ بالقلع، لأنّ دفع الضرر يوم ذاك كان ممكناً بأحد الطرق التالية:

1ـ الدخول مع الاستئذان، والمفروض أنّ سمرة لم يقبله.

2ـ اجراء الحكم عن طريق السلطة والقدرة بنصب مأمور على الباب حتى لايدخل إلاّ باستئذان.

3ـ حبسه واعتقاله إلى أن يلتزم بالدخول مع الاستئذان.


4ـ قلع الضرر بقلع موضوعه.

والطريقان الثاني والثالث لم يكونا أمرين ممكنين في ذاك اليوم لبساطة الحكومة الإسلامية، فتعيّن الرابع. فصحّ عند ذاك تحليل قلعها بالقاعدة، لأنّ تجسيد القاعدة ودفع الضرر والضرار يوم ذاك كان منحصراً بقلع الشجرة لا غير فلذلك أمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وإن شئت قلت: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان جالساً يوم ذاك منصّة القضاء واجراء الأحكام، لاالافتاء المحض حتى يكتفي ببيان الحكم. ومن شؤون القضاء اجراء القانون بقدر الامكان، وقد عرفت أنّه لم يكن لاجرائه إلاّ طريق واحد وهو قلعها ورميها في وجهه.


التنبيه السادس:

في شمول القاعدة للأحكام العدمية

يظهر من الشيخ الأعظم التردّد في شمولها لها. قال في رسالته المطبوعة في آخر المكاسب:

إنّ القاعدة تنفي الأحكام الوجودية الضررية تكليفية كانت أو وضعية. وأمّا الأحكام العدمية الضررية مثل عدم ضمان ما يفوت على الحُرّ من عمله بسبب حبسه، ففي نفيها بهذه القاعدة، فيجب أن يحكم بالضمان، اشكال:

من أنّ القاعدة ناظرة إلى نفي ما ثبت بالعمومات من الأحكام الشرعية. فمعنى نفي الضرر في الإسلام، أنّ الأحكام المجعولة ليس فيها حكم ضرري. ومن المعلوم أنّ عدم حكم الشرع بالضمان في نظائر المسألة ليس من الأحكام المجعولة في الإسلام، وحكمه بالعدم ليس من قبيل الحكم المجعول بل هو اخبار بعدم حكمه بالضمان، إذ لايحتاج العدم إلى حكم يُنفى به، نظير حكمه بعدم الوجوب والحرمة، فانّه ليس إنشاءً منه بل هو اخبار حقيقة.

ومن أنّ المنفي ليس خصوص المجعولات، بل مطلق ما يتديّن به ويعامل عليه في شريعة الإسلام وجودياً كان أو عدمياً، فكما أنّه يجب في حكمة الشارع نفي الأحكام الضررية، كذلك يجب جعل الأحكام التي يلزم من عدمها الضرر....

هذا مضافاً إلى إمكان استفادة ذلك من مورد رواية سمرة بن جندب حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سلّط الأنصاري على قلع نخل سمرة معللاً بنفي الضرر، حيث إنّ عدم تسلّط الأنصاري على القلع، ضرر كما أنّ سلطنة سمرة على ماله والمرور عليه بغير الإذن، ضرر. (1)


(1) قاعدة لاضرر، الأمر الثاني، ص373 ـ 374، في آخر المكاسب طبعة زين العابدين.


أقول: الهدف من إثبات شمول القاعدة للأحكام العدمية هو إثبات الضمان، وعلى ذلك لو كان المورد داخلاً تحت قاعدة الاتلاف أو اليد، فلا ثمرة في البحث، كما إذا فتح قفس طائر فطار، أو حبس شاة فمات ولدها، أو أمسك رجلاً فهربت دابّته، أو حبس حرّاً ففوّت عليه منافعه، إذ يكفي في القول بالضمان صدق الاتلاف فيها من دون حاجة إلى القاعدة.

وهذا بخلاف ما إذا امتنع الزوج عن بذل النفقة لزوجته، فعدم جواز طلاقها، ولو للحاكم، ضرر عليها.

هذا ولايخفى عدم تماميّة ما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) في الشقّ الأوّل لأنّه لا يخلو أن يكون المراد من الأحكام العدميّة، هي الأحكام العدميّة المجعولة من جانب الشارع فلافرق بين الوجودي والعدمي بعد كونهما من متعلّقات الجعل، فكما أنّ الاشتغال حكم مجعول فكذلك الحكم بالبراءة وعدم الضمان، مجعول أيضاً، فهو تارة يحكم بالاشتغال وأُخرى بالبراءة. فالحكم المجعول في مورد الحابس، إمّا الاشتغال أو البراءة، والثاني ضرري دون الأوّل. ولك أن تقول: إنّ الأحكام العدميّة ترجع إلى الوجوديّة وهو حكم الشارع بالبراءة أو عدم الوجوب، والحرمة.

أو يكون المراد منها سكوت الشارع وعدم حكمه بشيء، ولكنّه غير متصوّر في حق الشارع الخاتم، لتواتر الأخبار على أنّ ما تحتاج إليه الأُمّة إلى يوم القيامة قد جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). (1) وعلى هذا فما جاء به النبي هو إمّا الاشتغال أو البراءة.

والحاصل أنّه لا يخلو موضوع من الموضوعات إلاّ وله حكم شرعي مجعول. ففي مورد تفويت منافع الحر، الحكم الشرعي ـ سواء كان هو ضمانها أو البراءة من غرامتها ـ أمر مجعول، وليس حكمه بالبراءة اخباراً عن عدم حكمه بالضمان، بل عبارة عن انشاء البراءة، كما أنّ حكمه بعدم الوجوب أو الحرمة يرجع غالباً إلى


(1) الكافي: 2/74، الباب...


إنشاء الاباحة إذا كان المورد فيه اقتضاء التساوي لا الاخبار عن عدم الجعل و الانشاء، غاية الأمر أنّ بعض الأحكام تحتاج إلى البيان والتعريف، والبعض الآخر يكفي فيها عدم بيان الإيجاب والتحريم.

وبالجملة: ففي مورد تفويت منافع الحر وعدم بذل النفقة، ومورد جعل العبد تحت الشدة، إمّا أن يكون هناك حكم شرعي، من الحكم بالضمان أو البراءة، أو جواز الطلاق أو عدم جوازه، أو جواز عتقه أو عدمه، أو لايكون. وعلى الأوّل يكون مرجع الأحكام إلى أحكام وجودية، وعلى الثاني، أعني ما لايكون هناك حكم فهو يخالف الأصل المسلم عليه بين المسلمين، إذ ما من فعل إلاّ وله حكم في الإسلام.

وبذلك يظهر ضعف ما أفاده المحقّق النائيني فإنّه جاء بما ذكره الشيخ بعبارة ثانية وقال:

«إنّ قاعدة لاضرر ناظرة إلى نفي ما ثبت بالعمومات في الأحكام الشرعية، ومرجع مفادها إلى أنّ الأحكام المجعولة إذا نشأ منها الضرر فهي منفية، وعدم الحكم بالضمان ليس من الأحكام المجعولة.

وبعبارة أُخرى، لو كان الحكم المجعول هو عدم الضمان، فإذا نشأ منه الضرر لقلنا بارتفاعه. وأمّا إذا لم يكن هناك جعل أصلاً، فلايمكن أن تكون قاعدة لاضرر حاكمة على ما ليس مجعولاً، فانّ ما ليس مجعولاً لايستند إلى الشارع». (1)

يلاحظ عليه:

أنّ تفويت منافع الحرّ يجب أن يكون محكوماً بحكم، من الضمان أو البراءة منه، ولايصحّ للشارع الحاكم، السكوت وعدم الحكم بشيء، والأوّل منهما هو المطلوب وأمّا الثاني فحكم ضرري.


(1) قاعدة لاضرر للخونساري، ص220.


ثمّ إنّ المحقّق النائيني (قدس سره) استدل على عدم الشمول بوجه آخر، وهو أنّ الالتزام بالشمول يستلزم تأسيس فقه جديد، لأنّه:

1ـ لو وجب تدارك كل ضرر، فلو كان هناك انسان صار سبباً له، فالضمان عليه، وإلاّ فمن بيت المال.

2ـ يلزم كون أمر الطلاق بيد الزوجة لو كان بقاؤها على الزوجية مضراً بها، كما إذا غاب عنها زوجها أو لم ينفق عليها لفقر أو عصيان... ولايمكن إثبات الولاية للحاكم الشرعي بالقاعدة لأجل أنّ عدم ثبوت الولاية له ضرر على الزوجة. مضافاً إلى أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الطلاق بيد من أخذ بالساق» ظاهر في أنّ رفع علقة الزوجية منحصر في طلاق الزوج إلاّ في بعض الموارد يكون بيد الغير، كولي المجنون والمعتوه.

3ـ لو كان لقاعدة نفي الضرر مجـال في هذا المورد وكل ما كان من هذا القبيل كالعبد الواقع تحت الشدة لكان مقتضاها رفع بقاء علاقة الزوجية وعلاقة الرقية، والمفروض أنّهم لايلتزمون بذلك بل يجعلون طلاق الحاكم نازلاً منزلة طلاق الزوج، وهذا مرجعه إلى إثبات الحكم بقاعدة نفي الضرر، وقد عرفت أنّ لازمه أن يتدارك ضرر كل متضرّر إمّا من بيت المال أو من مال غيره وهذا فقه جديد. (1)

ولا يخفى عدم لزوم ما تصوّره من الفقه الجديد.

أمّا الأوّل: فلأنّ الضرر لو كان مستنداً إلى حكم الشرع، أو فعل الإنسان، فالالتزام بلزوم التدارك لايلزم منه شيء. وأمّا إذا لم يكن مستنداً إلى أحدهما، كالسيل والزلزلة فالحكم بلزوم تداركه من بيت المال لاوجه له. لأنّ القاعدة لاتخبر عن التكوين حتى يحاول تصحيحها بلزوم التدارك، بل هي اخبار عن عدم الضرر لغاية النهي عنه تكليفاً ووضعاً، وأنّه لو أضرّ يحرم ولايكون جائزاً وماضياً. وأين هو من لزوم الجبر من بيت المال إذا لم يستند إلى الشارع أو المكلّف.


(1) رسالة قاعدة لاضرر، للخونساري، ص221.


وأمّا الثاني: فلو قلنا بتدارك كل ضرر لايلزم أن يكون الطلاق بيد الزوجة لأنّ للمسألة صوراً كثيرة. لأنّه إمّا أن يكون الزوج حاضراً، أو غائباً. وعلى الثاني إمّا أن يعلم حياة زوجها أو لا، وعلى كلا التقديرين إمّا أن ينفق عليها ولي الزوج المفقود أو لا، فأقصى ما يلزم جواز حل علقة الزوجية، وإمّا كون طلاقها بيدها فلا، بل يرجع في ذلك إلى القواعد فيقوم به ولي الزوج أو الحاكم الشرعي ولامانع من القول به في بعض صور المسألة، كما إذا كانت شابة واستلزم صبرها وقوعها في مشقة شديدة.

وأمّا الثالث: أعني ارتفاع علقة الزوجية والرقية بلاطلاق واعتاق، فغير لازم لأنّ الضروريات تتقدّر بقدرها. وأقصى ما يستفاد من القاعدة هو رفع الضرر عن الزوجة والعبد الواقع تحت الشدة، وأمّا فراقهما بلاسبب فلايدل عليه دليل، لأنّ رفع الضرر غير متوقّف على رفع العلقة بلاسبب، فلاوجه لمخالفة النصوص الواردة في أنّ حل العلقة يحتاج إلى الطلاق والاعتاق.

محاولات للتعميم:

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم (قدس سره) وغيره حاولوا إثبات تعميم القاعدة بوجوه:

1ـ انّ عدم ضمان ما أتلفـه على الحرّ من المنافـع، يستلزم حرمة مطالبته ومقاصته، وحرمة التعرّض له، وجواز دفعه، والكل أحكام ضرريّة.

يلاحظ عليه:

أنّه لو لم يكن «عدم ضمان ما أتلفه الحرمن المنافع» حكماً ضررياً على وفق القاعدة، لما كانت هذه الأحكام المتفرّعة عليه ضررية. فانّ حرمة المطالبة والمقاصة والتعرض إنّما تعد ضررية لو كان ما أتلفه على الحر من المنافع مضموناً، وأمّا مع عدمه فلايعد ما يترتب عليه من حرمة المطالبة مخالفاً للقاعدة.


2ـ استـفـادة ذلك من مـورد روايـة سمرة بن جنـدب حيث إنّه سلّط الأنصاري على قلع نخل سمرة معلّلاً بنفي الضرر، حيث إنّ عدم تسلّطه عليه ضرر، كما أنّ تسلّطه على ماله في المرور إليه بغير الإذن ضرر.

يلاحظ عليه:

أنّ الظاهر أنّ القاعدة تعليل لرفع حرمة التصرّف في أموال الناس بغير إذنهم، فانّ القلع تصرّف في مال الناس. وهو حرام بلا إذن. فالحرمة مرفوعة بالقاعدة، لاالحكم العدمي أعني: عدم تسلّطه على القلع، كما يحتمل أن يكون علّة لحكم وجوديّ آخر، وهو تسلّط «سمرة» على ماله بالمرور إلى النخلة بلا إذن.

3ـ استفادة ذلك من ورودها في مورد الشفعة وفي مورد منع فضل الماء، فانّ مفادها نفي «عدم ثبوت حق للشريك»، ونفي «عدم ثبوت حق لصاحب المواشي».

يلاحظ عليه:

أنّ القاعدة رافعة للزوم المعاملة فيما إذا باع الشريك، وهو حكم وجودي، كما أنّها رافعة لسلطة صاحب الماء وجواز منعه، وهو أيضاً حكم وجودي.

وعلى الجملة، فهذه المحاولات فاشلة لاتفيد. وإنّما المفيد إثبات عمومية القاعدة من جهة أُخرى وهي أنّ الأحكام العدمية أحكام، مثل الوجودية، وليست من قبيل عدم الحكم والسكوت عمّا سكت اللّه عنه. وتقسيم الإباحة إلى إباحة حكمية وإباحة لاحكمية لم يعلم كنهه، والظاهر انحصار الإباحة في القسم الأوّل. نعم احتملنا وجود ذلك في باب الأوامر عند البحث عن الدليل الثاني على حرمة الضد الخاص، حيث قلنا إنّ من الممكن أن لايوجد في المورد رجحان، لافي جانب الفعل ولافي جانب الترك، حتى يكون محكوماً بأحد الأحكام الأربعة، وأن


لايكون فيه اقتضاء للتساوي حتى يكون محكوماً بالإباحة الشرعية بل يكون «لااقتضاءً» محضاً، فيكون محكوماً بالإباحة العقلية. بحجة أنّه ليس محكوماً شرعاً بحكم من الأحكام. ومع ذلك كلّه فهو احتمال محض لاينافي ما يظهر من الأدلّة من أنّه ليس هناك فعل من الأفعال إلاّ وله في الشرع حكم.

وبذلك يظهر أنّ القاعدة مثبتة للضمان على فرض الشمول، لأنّ البراءة أو عدم الضمان بلا حكم بالتدارك ودفع الغرامة، لايجتمع مع نفي الضرر في محيط التشريع. سواء قلنا بأنّ مفاد الحديث هو نفي الحكم الضرري، أو قلنا بأنّ المراد الاخبار عن عدم الضرر لغاية النهي عنه تكليفاً وعدم امضائه وضعاً كما هو المختار، فإنّ ذلك الهتاف لايتحقّق إلاّ بالحكم بالضمان لابالسكوت وعدم الحكم بشيء.

وبالجملة، فمن يجاهر بالقول بأنّه «لاضرر ولاضرار»، سواء كان مخبراً عن عدم تشريع الحكم الضرري أو مخبراً عن أنّ الضرر منهي عنه تكليفاً ووضعاً، لايصحّ له السكوت في هذه الموارد عن الحكم بالضمان.

أضف إلى ذلك، انّه لو سلّمنا كون سكوت الشارع عن الحكم بالضمان موجباً للضرر، فلا شك أنّه أمر مبغوض عنده، ولو لم تكن القاعدة شاملة له لفظاً فإنّها شاملة له ملاكاً كما هو الحال في سائر الموارد.


التنبيه السابع:

في حكم الضرر الواحد المتوجّه إلى أحد شخصين

إذا كان هناك ضرر واحد دائر أمره بين شخصين، وكان دفعه عن أحدهما مستلزماً لتوجّهه إلى الآخر، فهل يجب على أحدهما دفعه عن الثاني بتوجيهه إلى نفسه أو يجوز ترك تحمّله بإيجاد السدّ وتوجيهه إلى الغير؟ كالسيل المندفع إلى دار زيد فهل يجب عليه تحمّله أو يجوز له إحداث سد أمام داره فيتوجه السيل إلى دار جاره؟

هذا ما بحث عنه الشيخ الأنصاري في التنبيه الرابع من تنبيهات رسالته في القاعدة، قال: إنّ مقتضى هذه القاعدة أن لايجوز لأحد اضرار انسان لدفع الضرر المتوجّه إليه، وأنّه لايجب على أحد دفع الضرر عن الغير بإضرار نفسه، لأنّ الجواز في الأوّل والوجوب في الثاني حكمان ضرريان. (1)

وموضوع البحث في هذا التنبيه كما قلنا عبارة عن وجود ضرر واحد، متوجه إلى أحد الشخصين. فيقع الكلام تارة في وجوب تحمله وأُخرى في جواز دفعه بالإضرار بالغير. وأمّا إذا كان هناك ضرران، يكون رفع أحدهما مستلزماً للحكم بثبوت الآخر، فهو خارج عن هذا البحث، وسيوافيك البحث عنه في التنبيه الآتي وقد طرحه الشيخ في التنبيه السادس من تنبيهات رسالته. فنقول:

أمّا احتمال وجوب التحمّل فيكفي في رفعه أصالة البراءة، ومعها لايصل الأمر إلى قاعدة«لاضرر»، إذ لايكون هناك حكم شرعي قابل للارتفاع بالقاعدة. فينحصر البحث في جواز دفعه عن نفسه بالإضرار بالغير، فهل تجري فيه القاعدة،


(1) رسالة لاضرر المطبوعة في آخر المكاسب، ص474 من طبعة زين العابدين.


أو لاتجري، أو يفصل، ولعلّ الثالث هو الأوفق بالقاعدة.

فلو كان الضرر حسب الطبع والعادة متوجّهاً إلى داره، كما إذا كانت واقعة في المسيل أو جوانبه، فلايجوز له دفعه عن نفسه بالإضرار بالغير، لأنّها قاعدة امتنانية وأيّ امتنان في دفعه عن نفسه وإدخاله على غيره. فتضرّر أحد الفردين على الآخر متعيّن إذا كان الضرر طبعاً وعادة متوجهاً إلى الدافع لاإلى الغير وإنّما يحاول هو إيراده على الغير تسبيباً. وهذا بخلاف ما إذا كان الأمر على العكس، وكان السيل متوجّهاً حسب الطبع إلى دار الغير وإنّما يحاول هو تغيير مسيره وتوجيهه إلى دار نفسه، لاخلاف في جوازه، وأمّا وجوبه فلا شكّ في عدمه، للبراءة أوّلاً، وكون الوجوب ضررياً ثانياً.

فإن قلت: إذا كانت القاعدة رافعة للجواز في الأوّل والوجوب في الثاني لزم من جريانها طروء ضرر متوجّه إلى الإنسان نفسه في الأوّل، وجاره في الثاني. فأي فرق بين الضرر الموجود قبل جريان القاعدة، والضرر الحادث بعد جريانها.

قلت: إنّ القاعدة لاتعمّ الضرر الحادث من جريانها، وإنّما تشمل ما كان موجوداً قبل الجريان، لأنّ الضرر الناشىء من حكومة «لاضرر» لايعقل أن يدخل في عموم «لاضرر» لفظاً.

نعم، قلنا في محله بشمول قوله: «صدق العادل» للخبر المتولّد من تصديق خبر وجداني، كما إذا تولّد من تصديق الكليني موضوع تعبّدي للتصديق وهو خبر علي بن إبراهيم. ولايشترط كون الموضوع موجوداً قبل الشمول، بل يكفي في الشمول إمكان استكشافه من شموله لموضوع واحد، هذا.

وأمّا عدم شمولها للضرر المتولّد من جريانها فقد علّله المحقّق النائيني بقوله: «إنّ قاعدة لاضرر حاكمة على الأحكام فإذا نشأ ضرر من حكومة لاضرر، فلا يصحّ أن تكون قاعدة لاضرر ناظرة إلى هذا الضرر، لأنّ المحكوم لابدّ أن يكون مقدّماً في الرتبة على الحاكم حتى يكون الحاكم شارحاً وناظراً إلى هذا الضرر،


والمفروض أنّ هذا الضرر الحادث متأخّر في الرتبة عن قاعدة لاضرر، فلايمكن أن يكون محكوماً بلا ضرر». (1)

والظاهر عدم تماميّة ما أفاده، فانّ القاعدة لاتختصّ بالموضوعات الواقعيّة الوجدانيّة، أو المنكشفة بواسطة الشمول للفرد الوجداني المحكوم، بل تشمل الضرر الحادث بعد جريانها أيضاً، إذ ليس المراد من الرفع رفع حكم موجود، بل المراد مظنّة وجوده وإمكان جعله في هذا الظرف. وهذا الأمر بالنسبة إلى الحكم الضرري المتولّد من جريان القاعدة في الحكم الضرري، متحقّق.

ولو سلّمنا عدم الشمول لفظاً، لكن عدم الشمول لفظاً غير مانع عن شمولها للحكم الضرري الثاني ملاكاً، لعدم الفرق بين الحكمين الضرريّين عند الشارع.

بل الوجه في عدم الشمول، انصراف القاعدة عن هذه الأحكام المتولّدة من جريانها في مورد كما في المقام. ووجه الانصراف ما ذكرناه من أنّ العرف لايرى حرمة دفاعه عن شخصه بتوجيهه إلى الغير، إضراراً بالنفس في الأوّل، ولاعدم وجوب التحمّل في الثاني، إضراراً بالغير.

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم جعل قبول الولاية عن الجائر، المستلزم للاضرار بالغير، من هذا الباب لامن باب تعارض الضررين الذي سيوافيك بيانه في التنبيه اللاحق، وقال (قدس سره)في كتاب المكاسب عند البحث عن التصدّي من قبل الظالم:

«إذا أجبره الظـالم على دفع مال من أمواله فلايجوز له نهب مال الغير لدفع الضرر عن نفسه، أمّا إذا كان أوّلاً وبالذات متوجّهاً إلى الغير، كما إذا أجبره على نهب مال الغير وأوعده على ترك النهب بأخذ مال نفسه، فيجوز له ذلك لأنّ


(1) رسالة قاعدة لاضرر ولاضرار، تقريرات الخونساري، ص225.


الضرر بحسب قصد المكره وإرادته الحتمية متوجّه نحو الغير. والمكره وإن كان مباشراً للإضرار إلاّ أنّه ضعيف لاينسب إليه الإضرار حتى يقال إنّه أضر بالغير حتى لايتضرّر نفسه». (1)

وقد أفاد قريباً من ذلك في الفرائد. (2)

وما ذكره ممنوع صغرى وكبرى.

أمّا الأُولى: فلأنّ المعروف عندهم أنّ المباشر أقوى من السبب الذي هو الأمر. والضرر يسند إلى المباشر حقيقة كما ينسب إلى الأمر كذلك. وما ذكره من أنّ الضرر إذا كان متوجّهاً إلى الغير أوّلاً وبالذات لايجب دفعه عن الغير بتحمّله إنّما يصحّ إذا كانت العوامل الخارجية علّة تامّة لتوجّه الضرر إلى الغير ويعد عمل المتحمل مانعاً عن التوجّه، بحيث لولاه لتوجّه الضرر إلى الغير قطعاً كما هو الحال في مثل السيل الجارف فلولا الدفع لدخل دار الغير. وهذا بخلاف إرادة المكرِه إذ ليس إلاّ داعياً وجزء علّة، ولولا مثول المأمور بين يديه وإطاعته أمره لكانت إرادته قاصرة عن إدخال الضرر عليه، وليس امتثاله وطاعة أمر الآمر إلاّ إدخالاً للضرر على الغير، وتركه تركاً له. وليس الترك مانعاً عن دخوله كما هو الحال في العلل الطبيعية.

وأمّا الكبرى، فلأنّا لانسلّم أنّ الإكراه والاضطرار يسوغان كل حرام سوى النفوس المحترمة، فلو أمره الوالي بهدم بيوت الناس واعتقالهم وأوعده بالضرب والشتم إذا ترك، فلايجوز الإقدام على الهدم والاعتقال وإن ترتّب عليه ما أوعد به.فغاية ما يمكن أن يقال: إنّ دليل الاكراه والاضطرار حاكم على الأحكام الوضعية كلزوم البيع والطلاق. وأمّا الأحكام التكليفية فالحق أن يلاحظ فيها الأهمّ فالأهم كما هو الحال في تعارض الضررين كما سيوافيك.


(1) المكاسب، ص58 من طبعة زين العابدين.

(2) الفرائد، ص316.


التنبيه الثامن:

في تعارض الضررين (1)

هذا ما طرحه الشيخ في رسالته في الأمر السادس، فنقول:

لو دار الأمر بين حكمين ضرريين بحيث يكون رفع أحدهما مستلزماً لثبوت الآخر فللمسألة صورتان:

الأُولى: لو دار الأمر بين حكمين ضرريين بالنسبة إلى شخص واحد. فقال الشيخ ـ قدّ س سرّه ـ: بتقديم الأقل ضرراً على الأكثر منه، لأنّ هذا هو مقتضى نفي الحكم الضرري عن العباد. فإنّ من لايرضى بتضرّر عبده، لايختار له إلاّأقل الضررين عند عدم المناص عنهما.

أقول: إنّ ما ذكره إنّما يصح إذا كان الحكمان الضرريان من الأحكام التحريمية فيختار أقلّهما ضرراً. ومثله ما إذا دار الأمر بين المباحين. وأمّا إذا دار الأمر بين المباح والمحرّم فيجب اختيار الأوّل وإن كان أكثر ضرراً.

الثانية: إذا دار الأمر بين حكمين ضرريين بالنسبة إلى شخصين. فقال الشيخ (قدس سره) بترجيح الأقل ضرراً، إذ مقتضى نفي الضرر عن العباد في مقام الامتنان، عدم الرضا بحكم، ضرره أكثر من ضرر الحكم الآخر، لأنّ العباد كلّهم متساوون في نظر الشارع، بل بمنزلة عبد واحد، فإبقاء الشارع أحد الشخصين في الضرر بتشريع الحكم الضرري، لاوجه له.

أقول: إنّ للمسألة صوراً:


(1) يتميّز هذا التنبيه عمّا تقدّم بوحدة الضرر المردّد بين الشخصين فيما تقدم، وتعدّده هنا إلاّ أنّ رفع أحدهما يكون مستلزماً لثبوت الآخر.


1ـ إذا كان السبب في توجّه الضرر هو أحد الشخصين، فيجب عليه تحمّل الضرر، كما إذا صار سبباً لدخول رأس الدّابة في القدر، أو السّكّة في المحبرة، فيكسر القدر والمحبرة لاستخلاص الدّابة واخراج الدينار، ولايعكس. ويكون العامل، والمباشر لهذا العمل ضامناً.

2ـ إذا كان السبب شخصاً ثالثاً، يستقرّ الضّمان عليه، فهو حينئذ يخيّر في اتلاف أيّ المالين شاء حتّى يتمكّن من ردّ الآخر، ولكنّه بطبعه لن يختار إلاّ الأقل ضرراً.

3ـ إذا تحقّق ذلك بأمر خارج عن الاختيار، كالحوادث السّماويّة والأرضيّة، فلاشكّ أنّه يُختَار الأقل ضرراً، فيكسر القدر ويخلّي بين المالك ودابته ويجعل الخسارة عليهما بالسوية، أو بنسبة القيمة. فلو كانت قيمة القدر ربع دينار وقيمة الدابة ديناراً، قسمت الخسارة بين الشخصين أرباعاً، على صاحب القدر ربعها وعلى صاحب الدابة ثلاثة أرباعها، أي الخسارة. أو أخماساً بناءً على نسبة الضرر إلى مجموع القيمتين.

ويدل على ذلك قاعدة العدل والإنصاف، وما ورد من أمر الودعي إذا أودع شخص عنده ديناراً وأودع آخر دينارين، فضاع أحد الدنانير الثلاثة، فقد حكم الإمام (عليه السلام)بأنّ أحد الدينارين لصاحبهما، والدينار الآخر يقسم بينهما. (1) وبذلك يظهر حكم ما إذا دخلت الدابة بيتاً، فيختار أقل الضررين، ويقسط الضرر على الحقّين حسب قيمة مالهما.


(1) الوسائل، ج13، ص171، كتاب الصلح، الباب 12، الحديث 1.


التنبيه التاسع:

فيما إذا استلزم تصرّف المالك تضرّر الجار

الفرق بين هذا البحث وما تقدّم في التنبيهين الأخيرين واضح، فإنّ ملاك البحث فيما سبق هو تبيين حكم الضرر المتحقّق في الخارج، سواء تحقّق فيه باختيار المكلّف أو لا، بخلاف المقام، فإنّ محوره هو تبيين حكم العمل الذي يستلزم الإضرار بالغير في المستقبل بحيث لولا العمل لما كان من الضرر عين ولا أثر.

قال الشيخ الأعظم: «إذا استلزم تصرّف المالك في ملكه تضرّر جاره، فهل يجوز أم لا ؟ المشهور على الجواز، قال الشيخ في المبسوط في باب إحياء الموات: إن حفر رجل بئراً في داره وأراد جاره أن يحفر بالوعة أو بئر كنيف بقرب هذه البئر، لم يمنع منه وإن أدى ذلك إلى تغيّر ماء البئر أو كان صاحب البئر يستقذر ماء بئره لقربه من الكنيف والبالوعة، لأنّ له أن يتصرّف في ملكه بلا خلاف». ثمّ نقل عن السرائر في باب حريم الحقوق، والقواعد والدروس كلمات من مختلف الأبواب كلّها تتفق على أنّ للمالك التصرّف في ملكه وإن أدّى إلى نقص ماء البئر الأُولى. (1)

أقول: الظاهر من المشهور في نظائر المقام ـ مثل ما إذا أعدّ داره السكنية خاناً أو اصطبلاً أو طاحوناً أو حانوت حدّاد، أو قصّار على خلاف العادة ـ هو الجواز قائلين بأنّه لاحريم في الأملاك وأنّ كل واحد يتصرّف في ملكه على العادة كيف شاء، ولاضمان وإن أفضى إلى التلف. إلاّ أن يتعدّى، ومثله ما إذا كان يدق في داره دقاً عنيفاً يزعج به الجار، أو حبس الماء في ملكه بحيث ينشر النداوة إلى


(1) رسالة قاعدة «لاضرر» الملحقة بالمكاسب، ص375.


حيطانه، كل ذلك ـ إلاّ ما استثني ـ لأنّه لا حريم في الأملاك.

لكن الشيخ ـ قدّ س سرّه ـ ذكر للمسألة صوراً ثلاثة، فجوّز في صورتين، ومنع في الاُخرى وإليك البيان:

الأُولى: إذا كان التصرّف لدفع ضرر يتوجّه إليه، فنفى الخلاف في الجواز، لأنّ الزامه بتحمّل الضرر ومنعه عن ملكه لئلاّ يتضرّر الغير، حكم ضرري منفي، مضافاً إلى عموم«الناس مسلّطون على أموالهم». واستظهر عدم الضمان لو تضرّر الجار، كما إذا أجّج ناراً بقدر الحاجة فتضرّر الجار به، واستضعف قول بعض معاصريه في وجوب ملاحظة مراتب ضرر المالك وضرر الغير.

الثانية: ما إذا كان لجلب المنفعة، فيظهر منه الجواز أيضاً، قائلاً بأنّ حبس المالك عن الانتفاع بملكه، وجعل الجواز تابعاً لعدم تضرّر المالك، حرج عظيم. ولايعارضه تضرّر الجار لما عرفت من أنّه لايجب تحمّل الحرج لدفع الضرر عن الغير.

الثالثة: إذا كان تصرّفه لغواً محضاً، فاستظهر عدم الجواز مع تضرّر الغير لأنّ تجويز ذلك حكم ضرري، ولاضرر على المالك في منعه من هذا التصرّف. وعموم«الناس مسلّطون على أموالهم» محكوم عليه بقاعدة نفي الضرر.

توضيح الصور المتصوّرة:

الظاهر أنّ صور المسألة خمس:

الأُولى: إذا دار الأمر بين الضررين.

الثانية: إذا دار الأمر بين الحرج والضرر.

الثالثة: إذا دار الأمر بين الحرجين.

الرابعة: إذا كان الانتفاع مستلزماً للإضرار بالجار.

الخامسة: إذا كان الهدف إيقاع الضرر أو الحرج على الجار.

لاشكّ في عدم جواز الأخير، وهو مورد قاعدة «لاضرر»، إذ لم يكن يترتّب


على ترك دخول «سمرة» بلا استئذان، شيء، وكان الهدف من اعمال السلطنة إيقاع الضرر على الأنصاري. ولأجل ذلك لو أجّج شخص ناراً زائداً عن مقدارها المتعارف ايذاءً وسرت إلى دار الجار فهو ضامن.

ويبقى الكلام في سائر الصور:

أمّا الصورة الرابعة: فالظاهر عدم الجواز وذلك لوجهين:

الأوّل: فقد المقتضي والمجوّز لهذا التصرّف، فانّ قاعدة السلطنة قاعدة عقلائية ممضاة للشارع، وليست قاعدة تعبّدية حتّى يؤخذ بإطلاقها. وعلى ذلك، فلاتكون دليلاً إلاّ إذا ساعد فهم العقلاء في هاتيك الموارد، حتى أنّ الفقهاء يحدّدون السلطنة بما جرت عليه العادة. ومن المعلوم أنّ العرف يخالفون كونه ذا حق وسلطة إلى هذا الحدّ غير المألوف، فانّ لكلّ من الخان والاصطبل وحانوت الحدادة والقصارة أماكن مشخّصة يعد التجاوز عنها تجاوزاً عن الحدود، ويعد بناءها في الأماكن السكنية، نقضاً للحقوق وإيذاءً للجيران.

وبالجملة، انّ قاعدة السلطنة قاعدة عقلائية مقيّدة بقيود، ومحدّدة بحدود كيفاً، ولايصحّ الاستدلال بها إذا كان الارتكاز عندهم على خلافها.

الثاني: إنّ تجويز ذلك حكم ضرري، ولاضرر على المالك في منعه عن هذا التصرف، بل غايته عدم النفع الكثير، لا الحرمان المطلق.

واستدلّ على الجواز بوجهين:

1ـ إنّ حبس المالك عن الانتفاع بملكه وجعل الجواز تابعاً لعدم تضرّر الجار، حرج عظيم. (1)

يلاحظ عليه:

أنّ الحرج المنفي عبارة عن الحرج الوارد على الإنسان إذا منع عن حقوقه


(1) رسالة «لاضرر» المطبوعة في آخر المكاسب، ص376.


الشرعيّة القانونية.

وأمّا الحرج الوارد على الإنسان لأجل عدم الانتفاع بما لم يشرع له، فليس مرتفعاً. فلو صار الإنسان في حرج من جهة المنع عمّا لايسوغه العرف العام ويستنكره فليس له استساغته لأجل الحرج. والحاصل: أنّ المنع عن الانتفاع عن الملك بما هو خارج عن حدود السلطنة على المال في نظر العقلاء، لايعد ضرراً ولاحرجاً.

2ـ إنّ تضرّر الجار في المقام معارض بما دلّ على عدم وجوب تحمّل الضرر عن الغير، كما يدلّ عليه تجويز الإضرار مع الإكراه. (1)

يلاحظ عليه:

أنّ منعه عن التصرّف ليس بمعنى تحمّله الضرر عن الغير، بل غايته أنّه يمنع عن الإضرار بالغير، ويمنع عن الانتفاع بماله على وجه يكون نفعه أكثر. وإنّما يصدق تحمّل الضرر إذا كان الضرر موجوداً دائراً بين الشخصين، كالسيل المتهجم، فيفتح بابه ليصون به دار جاره. وأين هو من المنع عن الانتفاع غير الرائج لئلاّ يتضرّر الجار بعمله.

إذا عرفت حكم القسمين الأخيرين فلنرجع إلى بيان أحكام الصور الباقية ونكتفي ببيان حكم الأُولى، ومنها يظهر حكم البقية.

الصورة الأُولى عبارة عمّا إذا دار الأمر بين الضررين، فلو تصرّف في ملكه يتضرّر الجار، ولو ترك يتضرّر هو نفسه.

أقول: لهذه الصورة حالتان:

1ـ أن يعد تصرّفه في ملكه تصرّفاً في ملك الغير، كما إذا كان حفر الأرض سبباً لحدوث صدع في حيطان الدار، فلاشك أنّه عمل محرّم موجب للضرر لأنّ


(1) نفس المصدر.


قاعدتي السلطنة واللاضرر بالنسبة إلى الشخصين على السواء، فلو جاز للمالك أن يتصرّف في ملكه بالحفر، لجاز للجار منع الغير عن التصرّف في ملكه. ولو كان منع المالك عن التصرّف ضررياً لكان التصرّف في ملك الجار ولو بالتسبيب ضررياً أيضاً. فالظاهر إلحاقه بما إذا دار الأمر بين أحد الضررين على أحد الشخصين، كما إذا دخل رأس الدابة في القدر، فيجوز له الحفر مع ضمان ما يطرأ على دار الجار، جمعاً بين الحقين.

2ـ إنّما الكلام إذا لم يكن كذلك بل تمحض العمل في دفع الضرر عن نفسه، كما إذا كان ترك حفر البئر مستلزماً للضرر فهل يجوز أو لا؟

ذهب الشيخ الأعظم إلى الجواز وعلّله بوجهين:

1ـ إنّ إلزامه بتحمّل الضرر وحبسه عن ملكه لئلاّ يتضرّّر الغير، حكم ضرريّ منفي.

2ـ عموم«الناس مسلّطون على أموالهم» يشمل ذلك، والظاهر عدم الضمان عندهم أيضاً.

فإن قلت: إنّه من باب دفع الضرر عن النفس بإدخال الضّرر على الغير، وقد مرّ عدم جوازه. وبعبارة أُخرى:

«إذا فرض انّه يتضرّر بالترك فالضرر ابتداءً يتوجّه إليه، ويريد دفعه بالتصرّف، وحيث فرض أنّه إضرار بالغير، رجع إلى دفع الضرر الموجّه على الشخص عن نفسه بإضرار الغير، وقد تقدّم عدم جوازه. ولذا لو فرضنا كون التصرّف المذكور لغواً كان محرّماً لأجل الإضرار بالغير».

قلت: فرق هناك بين المقامين فإنّ ما تقدّم عدم جوازه، هو فيما إذا كان سبب التضرّر أمراً خارجاً عن حيطة الشخصين كالسيل المتهجّم، لاما إذا كان عامله تصرّف أحدهما في ملكه، كما في المقام. وبعبارة أُخرى:


«إنّ ما تقدّم من عدم جواز إضرار الغير لدفع الضرر عن النفس إنّما هو في تضرّر الغير، الحاصل بغير التصرّف في مال نفسه، وأمّا إذا كان دفع الضرر عن نفسه بالتصرّف في ماله، المستلزم لتضرّر الغير، فلانسلّم منعه، لأنّ دليل المنع هو دليل نفي الضرر، ومن المعلوم أنّه قاض في المقام بالجواز، لأنّ منع الإنسان عن التّصرّف في ماله، لدفع الضرر المتوجّه إليه بالترك، ضرر عظيم وحرج منفي». (1)

ثم إنّ المحقّق النائيني (قدس سره) منع كون المقام من باب تعارض الضررين أو تعارض الضرر من جانب والحرج من جانب آخر، أوّلاً. كما منع كون المرجع بعد التعارض هو قاعدة السلطنة ثانياً. وأوضح ذلك من الجهة الأُولى، أعني: تعارض الضررين، بوجهين:

الأوّل: إنّ المقام ليس من قبيل تعارض الضررين حتى يتعارضا. لأنّ أحدهما في طول الآخر، وذلك لأنّ المجعول في هذه الواقعة ليس إلاّ حكم واحد. فالحكم المجعول منه: إمّا جواز تصرّف المالك في ملكه وإمّا عدم جوازه. فإن كان الأوّل، فهو مرفوع بقاعدة «لاضرر» ولو استلزم رفعه، الضررَ على المالك، لأنّ الضرر الناشىء من رفع الأحكام الجوازية لايعقل أن يدخل في عموم «لاضرر». وإن كان الثاني، فهو مرتفع وإن استلزم رفعُ عدم الجواز، الضررَ على الجار. لأنّ الضرر الناشىء من حكومة «لاضرر» على الأحكام التحريمية، لايعقل أن يدخل في عموم«لاضرر»، لأنّ قاعدة «لاضرر» حاكمة على الأحكام الوجوبية أو التحريمية، فإذا نشأ ضرر من حكومة «لاضرر» فلايمكن أن يكون «لاضرر» ناظراً إلى هذا الضرر، لأنّ المحكوم لابدّ أن يكون مقدّماً في الرتبة على الحاكم حتّى يكون الحاكم شارحاً له وناظراً إليه. والمفروض أنّ هذا الضرر الحادث متأخّر في الرتبة عن قاعدة لاضرر، فلايمكن أن يكون محكوماً بـ «لاضرر».

الثاني: إنّ الحرج عبارة عن المشقة. ومطلق منع المالك عن التصرّف في ملكه


(1) رسالة «لاضرر» الملحقة بالمكاسب، ص375.


لدفع ضرر الغير ليس حرجاً. وبعبارة أُخرى: لايشمل نفي الحرج، المشقة الطارئة على الجوانح فترك حفر البئر في الدار، وترك مطلق التصرّف في الأموال ليس حرجاً.(1)

إنّ كلاً من الوجهين لايخلو من تأمّل:

أمّا الأوّل، فلأنّا نختار الشقّ الثاني وأنّ المجعول في هذه الواقعة عدم تصرّف المالك في ملكه وأنّ قاعدة لاضرر حاكمة ورافعة له، ويلزم منه ورود الضرر على الجار، لكن عدم شمول القاعدة لهذا الضرر المتولِّد من جريان القاعدة، غير واضح لأنّ القاعدة وإن كانت قاصرة عن الشمول للضرر المتوجّه إلى الجار لأجل جريانها في جانب المالك لفظاً، لكنّها ليست بقاصرة عن الشمول ملاكاً إذ لافرق بين الحكمين الضرريين، وإن كان أحدهما موجوداً قبل الشمول والآخر متولّداً بعده فالكلّ مرفوع. وما ذكره من أنّ المحكوم يجب أن يكون متقدّماً على الحاكم إنّما يصحّ لو قلنا بأنّه يشمله لفظاً. وأمّا إذا قلنا بشموله له ملاكاً، فلايشترط ذلك أبداً، لأنّ المفروض أنّ الشمول لأجل إحراز العقل عدم الفرق بين الحكمين الشرعيين في كونهما ضرريين، لا للدلالة اللفظية.

وأمّا الثاني، فهو عجيب فقد استعمل الحرج في القرآن في المشقة الطارئة على الجوانح، قال سبحانه: (لِكَيْ لايَكُونَ عَلَى المُؤْمِنينَ حَرَجٌ في أَزْواجِ أَدعِيائِهِمْ)(الأحزاب/37)، وقال تعالى: (فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(النساء/65)، إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها الحرج وأُريد منه الطارىء على الجوانح. فالحق في المسألة ما ذكره الشيخ (قدس سره).


(1) رسالة قاعدة «لاضرر» ص224. وهذان الوجهان لأجل منع الصغرى أي وقوع التعارض بين الضررين أو بين «لاضرر» و«لاحرج». وأمّا وجه منع الكبرى، أي الرجوع بعد التساقط إلى قاعدة التسلّط، فقد ذكر (قدس سره)وجهه، وتركنا نحن ايراده روماً للاختصار فلاحظه.


التنبيه العاشر:

فيما لو ترتّب من تكليف فرد بحكم،

ضرر على فرد آخر

لو ترتّب من تكليف فرد بحكم، ضرر على فرد آخر، فهل يرتفع وجوبه أو لا؟ كما إذا كان صوم الحامل المقرب أو المرضعة، مضرّاً بالحمل أو الرضيع.

الظاهر نعم. أمّا على القول المختار في تفسير الحديث، فلأنّه داخل في اضرار الناس بعضهم ببعض، وقد نهي عنه.

وأمّا على مختار المشهور، فلأنّ إيجاب الصوم عليها حكم ضرري على الولد وإن لم يكن ضررياً على الصائمة، غير أنّ الناس لدى الشارع سواسية. فإيجاب الصوم عليها في هذا الظرف لايجتمع مع القول بأنّه لاحكم ضرري مجعول في الإسلام.


التنبيه الحادي عشر:

في شمول القاعدة

فيما إذا كان المكلّف سبباً لتوجّه حكم ضرري

إذا أقدم المكلّف على موضوع يتعقّبه حكم ضرري، كمن أجنب نفسه، وكان الغسل ضررياً، فهل يرتفع وجوب الاغتسال والصوم بالقاعدة أو لا؟

الحق هو الأوّل، لأنّ تجويز الاغتسال والصوم أو إيجابهما على المقدّم حكم ضرري. ولايجتمع القول بأنّه لاحكم ضرري مع تشريع الحكم الضرري في ذاك المورد. ويؤكده أنّ الجزء الأخير من العلّة التامّة للاضرار بالمكلّف هو حكم الشارع. ولولا إيجابه الغسل أو الصوم، لما كان المكلّف متضرّراً بالاجناب أو شرب الدواء.

هذا ممّا لاكلام فيه. وإنّما الكلام في وجه ذهاب المشهور إلى خلاف المختار في موارد لاتفترق عن المقام. فلو أقدم على المعاملة الغبنية أو عمل عملاً يستلزم تعلّق حكم ضرري به، كما إذا غصب ألواحاً وصنع بها سفينة، أو بنى في الأرض المستأجرة، أو غرس فيها أشجاراً. فإنّ المعاملة مع كونها ضررية، لازمة. كما أنّ المكلّف الغاصب مأمور بردّ الألواح إلى صاحبها وإن استلزم خسارات. كما يجب عليه تخليص الأرض من البناء والأشجار. فعندئذ يقع الكلام في وجه الفرق بين الحكمين الأوّلين وأحكام هذه الصور، مع أنّ هذه الأحكام كالحكمين المتقدمين ضررية جدّاً.

التحقيق أن يقال بانصراف القاعدة عن الموارد التي صار المكلّف نفسه فيها هاتكاً لحرمة ماله حيث اشترى الجنس بثمن غال عالماً عامداً. فكما أنّه لو


اشترى بالمحاباة أو وهب ماله لرحمه، لاتكون القاعدة حاكمة على نفوذ المعاملة ووجوبها، فهكذا إذا اشترى بالثمن الغالي. ومثله إذا أدخل الخشب في بنائه، أو نصب لوحة في سفينة مع العلم بكونهما مغصوبين، لأنّه تصرّف في شيئين كانامحكومين من أوّل الأمر بردّهما إلى صاحبيهما، سواء كان قبل الادخال والنصب أو بعدهما، فهو بعمله هذا قد هتك حرمة ماله أعني البناء أو السفينة. ومثله ما إذا بنى داراً أو غرس أشجاراً في أرض مستأجرة، مع علمه بأنّ الاجارة تنتهي قبل كمال الزرع والشجر.

أضف إلى ذلك ما تضافر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه «ليس لعرق ظالم حق» فإنّ تسويغ بقاء الخشب في بناء الغير أو اللوح في السفينة، إعطاء حق للظالم في التحفّظ على عرقه.

وبذلك يظهر انّه لو باع بأقلّ من الثمن، يكون نافذاً. لأنّ نفوذ المعاملة في هذه الحالة من آثار سلطنة المرء على ماله، وليست نفس السلطنة أمراً ضرريّاً. ولأجل ذلك تصحّ هبة المال للرحم وغيره بلا عوض وإن كان تلزم في الأوّل دون الثاني.

نعم، تسلّط الغير على ماله حكم ضرري، وأمّا تسليط الغير عليه وإن كان ضرريّاً لكن الدليل منصرف عنه، والمقام من مصاديق القسم الثاني.

وكل تصرّف صدر من المالك عن علم واختيار، نافذ سواء كان ضرريّاً عند العرف أو لا، والحكم بعدم نفوذها إبطال لسلطانه وسلطنته وهو ضرر أكبر.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أجاب عن الإشكال بوجه آخر وقال: «إنّ هدم البناء وكسر السفينة ليس ضرراً لأنّه مع فرض كون اللوح أو الخشب مغصوبين، لم يكن صاحب السفينة مالكاً لتركب السفينة، ولاصاحب الدار مالكاً لبنائها. فهذه الهيئة الحاصلة لها إذا لم تكن مملوكة له فرفعها ليس ضرراً، لأنّ الضرر عبارة عن نقص ما كان واجداً له. وبعبارة أُخرى: كما أنّ الغاصب لم يكن مالكاً من أوّل


الأمر لإدخال الخشب في البناء ونصب اللوح في السفينة، لايكون مالكاً لابقائهما فيهما. وكما لاضرر عليه في ردّهما إلى مالكهما قبل البناء والغصب، فكذا بعدهما.

يلاحظ عليه: بأنّ امتثال أمر الشارع بردّ المغصوب إلى مالكه وإن لم يكن ضرريـاً حدوثـاً ـ قبل نصبه في السفينــة ـ ولكن امتثالـه بقاءً مستلزم للضرر بلاإشكال. وكونه غير مالك للهيئة الحاصلة، وإن كان صحيحاً، لكن هدمها يستلزم ورود الضرر على السفينة قطعاً. لأنّ كون اللوح مغصوباً لايستلزم كون السفينة بأجمعها وما فيها مغصوباً. ومثله إذا كان قد أدخل خشبة في بناء الغير، فإنّ تخليص البناء من الخشبة الموضوعة عليه ضرري بقاءً، لاستلزامه انهدام البناء.

والحق في الجواب ما ذكرناه.

ثمّ إذا كان الحكم ضررياً، وجهل المكلّف بالضرر وأقدم على العمل، كما إذا توضأ وكان استعمال الماء مضراً، فهل يحكم ببطلان العمل بحجة أنّ العمل ضرري مرفوع حكمه أو لا؟

قـال السيّـد الطباطبائـي (رحمه الله) في العـروة الوثقى: «لو كان أصـل الاستعمال مضرّاً، وتوضّأ جهلاً أو نسياناً، فإنّه يمكن الحكم ببطلانه لأنّه مأمور واقعاً بالتيمّم». ومع ذلك كله، فقد أفتى بخلاف ما اختاره هنا في ذيل الشرط السابع للوضوء وقال: «ولو كان جاهلاً بالضرر صحّ، وإن كان متحقّقاً في الواقع والأحوط الإعادة أو التيمّم». (1)

والظاهر هو البطلان، لأنّ الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية، فليس الموضوع هو الحكم الضرري المعلوم، بل الحكم الضرري في الواقع، موضوع على الاطلاق. فهو عندئذ محكوم بالتيمّم دون الوضوء، فما أتى به غير مأمور به، وما هو مأمور به لم يأت به.


(1) العروة الوثقى، فصل في شرائط الوضوء، الشرط السابع.


وإن شئت قلت: لو كان الحكم الواقعي في صورة الجهل هو التوضؤ دون التيمّم، لما صحّ للشارع الهتاف بأنّه لاحكم ضرري في الإسلام، وأنّ الحكم الضرري غير مجعول. فنفي الحكم الضرري بتاتاً مع تشريعه في حال الجهل لايجتمعان أبداً.

استدلّ المحقّق النائيني (رحمه الله) على الصحّة بأمرين:

الأوّل: انّ كون الحديث مسوقاً للامتنان يقتضي التقييد بالضرر المعلوم، وإلاّ تلزم إعادة الوضوء والصوم على من تضرّر بهما، ولم يعلم به، وهذا خلاف المنة.

الثاني: انّ في مورد الضرر الواقعي ليس الحكم الشرعي بوجوب الوضوء والصوم هو الموجب للضرر، أي ليس إطلاق الحكم هو الجزء الأخير من العلّة التامّة للضرر. ولو فرض انتفاء الحكم في الواقع، لوقع هذا الشخص في الضرر لجهله واعتقاده بعدم التضرّر. فليس الضرر مستنداً إلى تشريع الحكم.

وبعبارة أُخرى: الحكم الفعلي على المتضرّر العالم بالضرر، موجب للضرر، وأمّا الحكم الواقعي الذي لايتفاوت وجوده وعدمه في إقدام المكلّف على هذا الفرد، فليس هو الجزء الأخير من العلّة للضرر. (1)

وفي كلا الوجهين تأمّل:

أمّا الأوّل، فلأنّ معنى كون الحديث مسوقاً للامتنان، ليس هو وجود الامتنان في كل مورد من موارده، بل يكفي كون الحكم المشروع امتنانياً على الوجه الكلّي نظير كون رفع الحكم في موارد الاضطرار والإكراه امتنانياً. ولأجل ذلك لايصحّ العقد المكره عليه وإن كان نافعاً لحال المكره، كما إذا باع ما يساوي مائة بمائتين على وجه الإكراه، لعموم دليل الإكراه، إذ لايلزم اشتمال كل مورد على الامتنان، بل يكفي كون التشريع على ذلك الأساس.


(1) رسالة «لاضرر» للخونساري، ص215ـ 216 بتلخيص.


وعلى هذا، لمّا كان تنفيذ الحكم الضرري على خلاف الامتنان، بل كان الامتنان في رفعه وعدم تنفيذه، يحكم بارتفاع حكم الوضوء الضرري على وجه الإطلاق، وإن لم يكن الامتنان في مورد الإقدام جهلاً، موجوداً. لأنّ في الحكم ببطلان الوضوء ولزوم التيمم عليه كلفة، وليس في جانب عكسها أي صحّة الوضوء و عدم وجوب التيمّم.

أمّا الثاني: فانّ الحكم لايكون جزءاً أخيراً من العلّة التامّة في جميع الصور، حتّى في صورة العلم بالضرر فضلاً عن الجهل به، لأنّه يتوسّط بين الحكم والفعل، إرادة المكلّف واختياره. فعدم كون الحكم جزءاً أخيراً من العلّة التامّة لايمنع من شمول إطلاق القاعدة له، إذ ليس الحكم في عامة الموارد علّة تامّة ولاجزءاً أخيراً للضرر لما عرفت من أنّه تتوسط بين حكم الشارع، والوقوع في الضرر، إرادة المكلّف واختياره، وعلى ذلك تشمل القاعدة كلتا الصورتين بلا كلام، أقدم على العمل علماً أو جهلاً.


التنبيه الثاني عشر

هل الرفع رخصة أو عزيمة؟

قد عرفت أنّ المختار عندنا هو نفي إضرار الناس بعضهم ببعض لارفع الحكم الضرري، وانّ كثيراً من المباحث المتقدّمة كان مبنياً على تفسير القوم برفع الحكم الضرري. وعلى ذلك فهل الرفع من باب العزيمة، فلاتجوز مخالفته، أو الرفع من باب الرخصة؟

تظهر الثمرة فيما إذا انقلب التكليف بالطهارة المائية، إلى الترابية. كما إذا كان الوضوء مضرّاً وكان عالماً به، فلو توضّأ بطل وضوؤه على الأوّل دون الثاني.

وهذا البحث يجري في مورد العناوين الثانوية الحاكمة على أحكام العناوين الأوّلية كرفع الاضطرار والإكراه والحرج وغير ذلك.

وقد أوضحنا حقيقة الحال عند البحث عن قاعدة «لاحرج» وذكرنا أنّ الحق هو كون الرفع عزيمة لارخصة. والمسألة غير معنونة في كلمات القوم على وجه الاستقلال، لكنّهم أشاروا إلى مختارهم في خلال أبحاث التيمّم والصوم.

قال السيد الطباطبائي ـ قدّ س سرّه ـ في العروة الوثقى: «إذا تحمّل الضرر وتوضّأ واغتسل، فإن كان الضرر في المقدّمات من تحصيل الماء ونحوه، وجب الوضوء أو الغسل وصحّ. وإن كان في استعمال الماء في أحدهما بطل. وأمّا إذا لم يكن استعمال الماء مضرّاً بل كان موجباً للحرج والمشقّة، كتحمّل ألم البرد أو الشين مثلاً، فلاتبعد الصحّة وإن كان يجوز معه التيمّم، لأنّ نفي الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، ولكن الأحوط ترك الاستعمال وعدم الاكتفاء به على فرضه، فيتيمّم أيضاً». (1)


(1) العروة الوثقى، فصل التيمّم، المسألة 18.


وقد فرّق ـ كما ترى ـ بين استعمال الماء المضر، واستعمال المحرج، فحكم بالبطلان في الأوّل دون الثاني، مع أنّ الدليلين من واد واحد. ولذا استشكل على الصحّة عند الحرج بعض الأعلام فحكم بضمّ التيمّم لو توضّأ وضوءاً حرجياً.

ومن هذا الباب الشيخ والشيخة إذا كان الصوم عليهما حرجياً لامتعذّراً، ومثله من به داء العطش لابحيث لايقدر على الصبر بل على وجه يكون فيه مشقّة.

ومنه أيضاً الحامل المقرب التي يضرّها الصوم أو يضرّ بحملها، والمرضعة القليلة اللبن إذا أضرّ بها الصوم أو أضرّ بالولد. فهل يجب الإفطار والتكفير، أو يجوز الصوم؟

احتمالان مبنيان على أنّ الرفع عزيمة أو رخصة. فلاحظ هذه المسائل في كتب القوم مفصّلها ومختصرها.

ولكن الحقّ هو الأوّل، لما عرفت من أنّ قوله «لاضرر» إخبار عن عدم الضرر في الخارج. ومن المعلوم أنّ الأخبار عن عدمه مع شيوعه كذب لايصدر عن المعصوم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فيحتاج إلى مصحّح وهو أنّ الشارع لمّا نظر إلى صفحة التشريع رأى خلوها عن أي تشريع ضرري فصار ذلك سبباً لأخباره بعدم الضرر، كما إذا وضع مدير المدرسة ضوابط لها، فإذا رأى تخلّفاً من أحد يقول: «لافوضى ولاهرج» مخبراً عن عدمهما مع وجودهما. والمصحّح لقول المدير خلو قانون المدرسة عن أي عمل يخالف النظم. ولا يصح هذا الاخبار إلاّ أن يكون الالتزام بها ضرورياً وواجباً، لاسائغاً وجائزاً.

وبعبارة أُخرى: لو وجد في برنامجه ما يجوز الفوضى واللانظام، لما صحّ له الهتاف بانّه «لافوضى ولاهرج».

ومن هنا يعلم أنّ الشارع الحكيم إذا قال هاتفاً: «لاضرر» مخبراً عن نفي الضرر في الخارج، لايصحّ هذا الهتاف منه إلاّ إذا كان صعيد التشريع خالياً عن


أيّ حكم ضرري واجباً كان أو جائزاً. وإلاّ فلو اشتمل على بعض ذلك لما صحّ الأخبار على وجه القطع. هذا هو الوجه الذي اعتمدنا عليه في كلا البابين واخترنا فيهما كون الرفع عزيمة لارخصة.

ثمّ إنّ القائلين بصحّة الأعمال الضررية والحرجية استدلّوا بوجوه نشير إليها:

1ـ القول بالملاك وكون الوضوء والصوم واجدين له.

وفيه أنّه أوّل الكلام لأنّ استكشاف الملاك يتفرّع على وجود الإطلاق الشامل لحالتي الضرر والحرج وهو غير موجود. فمن أين نقف على وجود الملاك؟

2ـ الترتّب، فالوضوء أو الصوم الضرريان واجبان على وجه الترتّب بعصيان الأمر بالتيمم أو الافطار.

يلاحظ عليه: بأنّ إطلاق القاعدة ينفي تشريع مثل هذا الحكم الضرري وإن كان في رتبة متأخّرة مقارناً لعصيان الأمر بالتيمّم والإفطار.

3ـ انّ المرفوع هو الفصل، أعني: اللزوم والوجوب، دون الجنس، أعني: الجواز. كما هو الحال في باب العقود الضررية، فانّ المرفوع هو اللزوم لا الصحّة لأنّه الجزء الأخير للضرر لا الصحّة.

يلاحظ عليه: بأنّ القول برفع اللزوم دون الجواز تدقيق فلسفي بعيد عن الأذهان العرفية، وأمّا العقود الضررية، فلو كان المستند فيها هو القاعدة فيجب أن يكون المرفوع صحّة المعاملة الضررية وإن كان الاستناد في العقود الضررية إلى القاعدة، غير تام عندنا.

ثم إنّ المحقّق النائيني ـ أعلى اللّه مقامه ـ استدل على كون الرفع عزيمة لارخصة بوجه آخر، وهو أنّه لو صحّ الوضوء الضرري يلزم أن يكون ما في طول الشيء في عرضه، وهذا خلف، لأنّ التكليف لاينتقل إلى التيمّم إلاّ إذا امتنع استعمال الماء خارجاً أو شرعاً. وإذا كان مرخصاً شرعاً في الطهارة المائية فلايدخل في «من لايجد


الماء»، حتى يشمله قوله عزّ من قائل: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(النساء/43). (1)

يلاحظ عليه: بأنّ الخلف يرتفع بتقييد الإطلاق الوارد في الآية بما إذا أقدم على الضرر فهو مع أنّه يجوز له التيمّم، يجوز له الوضوء أيضاً، ولامانع من التخيير في هذه الصورة. وليس كون التيمم في طول الوضوء من قبيل كون المعلول في طول العلّة حتى يمتنع اجتماعهما. فلامانع من أن يكون الأوّل في طول الثاني. غير أنّهما يكونان مجتمعين في مورد واحد، كما إذا أقدم على الضرر.

وله نظائر في الفقه، وقد ورد في من آوى إلى فراشه فنسي أن يتوضّأ أنّ له الاكتفاء بالتيمّم وهو في الفراش، مع أنّه يجوز له القيام عنه إلى الوضوء.

والأولى الاستدلال بما ذكرناه من النفي الإطلاقي.

أضف إلى ذلك ما ورد في بعض الروايات من أنّ الترخيص في هذه المقامات من اللّه سبحانه هدية لاترد ومن خالف فقد رد هدية اللّه سبحانه. روى ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ اللّه عزّ وجلّ تصدّق على مرضى أُمتي ومسافريها بالتقصير والافطار، أيسر أحدكم إذا تصدق بصدقة أن ترد عليه». (2)

وروى السكوني عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ اللّه أهدى إلي وإلى أُمّتي هدية لم يهدها إلى أحد من الأُمم، كرامة من اللّه لنا. قالوا: وما ذاك يا رسول اللّه؟ قال: الإفطار في السفر والتقصير في الصلاة فمن لم يفعل ذلك فقد ردّ على اللّه عز ّوجلّ هديته». (3)

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في المقام.


(1) رسالة قاعدة «لاضرر» للخونساري، ص217.

(2) الوسائل الجزء الخامس، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر الحديث 6، و11.

(3) الوسائل الجزء الخامس، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر الحديث 6، و11.


قاعدة لا ضرر في المسائل الفقهيّة:

البحث حول المسائل الأُصوليّة والقواعد الفقهيّة على مستوى المجال النظري فحسب، بلا تطبيق على المسائل الفقهيّة الّتي تعتبر مجالاً عمليّاً لتلك الضوابط الأُصوليّة والفقهيّة، بحث جافّ قليل الفائدة قد لا تحصل منه للطّالب ثمرة تجديه في ممارسة عمليّة الاستنباط والحصول على ملكة الاجتهاد.

وأمّا البحث عن تلك القضايا مشفوعاً بالتّتبّع عن المسائل الفقهيّة وتحقيق الموارد الّتي استدلّ الفقهاء بالقوانين الأُصوليّة أوالقواعد الفقهيّة عليها، فهو أُسلوب علميّ دراسي راق يأخذ بيد المحصّل إلى الأمام ويعطيه مجالاً عمليّاً خصباً للتمرين والممارسة الاجتهاديّة.

وهذا الأُسلوب الرّاقي كثيراً ما يركّز عليه أُستاذنا الكبير المحقّق سماحة الشيخ السبحاني في حلقات درسه ومحاضراته ويجهد لأن يذكر للمسائل الأُصولية ثمرات فقهية في مختلف الأبواب وقد شكل في سالف الأيّام لجنة علمية لمطالعة الموسوعات الفقهية كالجواهر ومجمع الفائدة لاستخراج المسائل الفقهيّة المستنبط حكمها من المسائل الأُصوليّة واللجنة بعد في عملها وقد أرشدني حينما أوعز إليّ تحرير رسالة قاعدة لاضرر، إلى استخراج الموارد الفقهيّة الّتي استدلّ الفقهاء بالقاعدة عليها حتّى تكمل بذلك الرّسالة عن الأُسلوب العلميّ الجافّ.

فتتبّعت المسألة في متون الكتب الفقهيّة لفقهائنا الأقدمين والمتأخّرين والمعاصرين، وكذلك فقهاء العامّة بما تيّسر وسنحت لي بذلك الظروف، فاستعنت مضافاً إلى المراجعة المستقيمة ـ بجهاز الكمبيوتر المعدّ لتلك الدراسات في المؤسّسات العلميّة في حوزة قم المقدّسة ـ بُغية الحصول على نصوص أكثر في أسرع وقت ممكن.

واستخرجت من كتب أصحابنا ما يقارب 650 نصّاً معظمها من جواهر الكلام حيث استخرجت منه حوالي 500 مورد.


وأمّا من كتب العامّة فقد استخرجت حوالي مائتين (200) نصّاً وأكثرها من كتاب المغني لابن قدامة حيث استخرجت من سبعة أجزاء حوالي 188 مورداً.

وإذا أضفنا الموارد التي استخرجتها حول مسألة الاضرار بالنفس والّتي تبلغ حوالي خمسين مورداً، يصبح المجموع تسعمائة نصّاً تقريباً.

وفي هذه العجالة نشير إلى نماذج من عناوين تلك الموارد في كلّ كتاب من كتب الفقه من الطّهارة إلى الدّيات ـ حسب ترتيب شرائع الإسلام ـ ونترك المراجعة التفصيليّة للمحقّقين، لأنّ ذكر جميع النصوص يتطلّب كتابة كتاب مستقلّ ضخم وهذا ممّا لايتسنّى لنا في هذه الحال.و الموارد المذكورة كما يلي:

1ـ كتاب الطهارة:

1ـ من شرائط التيمّم كون استعمال الماء موجباً لزيادة الضرر في المرض. (1)

2ـ وجوب وضع موضع الجبائر في الماء حتى يصل إلى البشرة إذا لم يكن فيه ضرر. (2)

3ـ كراهة إسخان الماء إلاّ إذا خاف الضرر. (3)

4ـ وجوب طلب الماء للطهارة إذا لم يدخل عليه ضرر. (4)

5ـ وجوب التيمّم إذا كان في المسح ضرر. (5)

6ـ لزوم شراء الماء للوضوء مالم يكن مضرّاً. (6)


(1) السرائر لابن إدريس ج1/135، والمعتبر 1/369.

(2) المعتبر للمحقّق، ج1/162.

(3) رسائل الشريف الرضي، 3/51، والجواهر 1/335.

(4) المبسوط للشيخ ج21/31.

(5) تذكرة الفقهاء للعلاّمة ج1/21.

(6) الجواهر، ج5/100.


ويراجع أيضاً: المعتبر: 1/363 و365 و366 و369،. والمعتبر: 2/106 و358. وتذكرة الفقهاء: 1/57. وجواهر الكلام: 1/51،201،277، 333و335. و ج2/194، 237، 238، 301، 304 و 307. و ج3/250 و 348. وج4/292. وج5/3، 30، 97، 100و 111. و ج6/151.

والمغني لابن قدامة: 1/45، 56، 87، 109، 226، 229، 261، 263، 264، 273، 274، 279، 280 و 281.

2ـ كتاب الصلاة:

1ـ جواز قتل الحيّة والعقرب (في الصلاة) إذا خاف ضررهما. (1)

2ـ جواز إقامة الجمعة والجماعة والعيدين والكسوف للفقهاء مالم يخافوا ضرراً. (2)

3ـ جواز قطع الصلاة لدفع الضرر عن النّفس. (3)

4ـ صحّة صلاة من جبّر عظمه بعظم نجس العين إذا كان قلعه مضرّاً. (4)

5ـ جواز ترك الجماعة لخوف الضّرر على النفس أو المال أو الدين. (5)

6ـ وجوب الخروج في أثناء الصلاة من الأرض المغصوبة لقاعدة نفي الضرر(6) وليراجع أيضاً:

السرائر: 1/351. وجواهر الكلام: 7/130. وج8/116و282 وج9/209.


(1) رسائل الشريف المرتضى، 3/34.

(2) النهاية للشيخ، ص 302.

(3) الوسيلة لابن حمزة، ص97، والمختصر النافع، ص34.

(4) السّرائر، ج3/405.

(5) الوسيلة لابن حمزة، ص107.

(6) الجواهر، 8/298.


وج10/68. وج11/262. وج12/144. وج13/200.وج14/24و 79 و110 و205.

والمغني: 1/449 و557 و629 و630 و632 و635 و728 و777 و779 و780. وج2/24، 168، 198، 280، 283، 387، 389، 400، 401، 406، 413و 415.

3ـ الزكاة:

1ـ عدم جواز أخذ الرُّبّى زكاةً للاضرار بولدها. (1)

2ـ وجوب زكاة الزرع بعد المؤونة لانّ إلزام المالك من دون الشركاء إضرار به. (2)

3ـ قبول قول المالك في تلف ماله لأنّ تلف المال قد يخفى فيؤدّي المنع إلى إضراره. (3)

4ـ اعتبار البلوغ ديناراً في الغوص لاستلزام وجوب الزكاة في القليل الاضرار بالضّائفة. (4)

5ـ جواز إعطاء القيمة زكاة، لأنّ دفع العين في بعض الأوقات يوجب الضرر على الفقير. (5)

وليراجع أيضا:

جواهر الكلام: 15/156، 162، 230، 236، 245، 295و 443.

والمغني: 2/515، و535، 540، 541، 556، 561، 591، 604و683.


(1) المعتبر، ج2/514.

(2) المصدر/541.

(3) المصدر/579.

(4) المصدر/626.

(5) الجواهر، ج15/127.


4ـ الخمس:

لا يسقط الخمس بإسلام الذمّي بعد صيرورة الأرض في ملكه، ولو تملّك ذمّي من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل الإقباض أُخذ من الذمّي الخمس في وجه قوي، وعلى كل حال فليس للذمّي الخيار مع عدم لزوم الضرر في أخذ الخمس منه، بل ومعه على الأقوى. (1)

5ـ الصّيام:

1ـ وجوب الإفطار مع الخوف من الضرر. (2)

2ـ جواز الإفطار للشيخ والشيخة بسبب الضرر العظيم. (3)

3ـ جواز الإفطار للحامل والمرضع إذا خافتا الضرر. (4)

4ـ والمريض لا يصحّ صومه مع التضرّر، لقوله (عليه السلام):لاضرر ولاإضرار.(5)

5ـ عدم بطلان الصوم بتناول المفطر مكرهاً وفي الإكراه يعتبر مطلق الضرر بل خوفه. (6)

وليراجع أيضاً: الجواهر: 16/345، 347، 381 و ج17/3 و151.

والمغني: 3/15، 16، 19، 41، 49و 85.


(1) جواهر الكلام، ج16/67.

(2) النهاية للشيخ، ص158.

(3) الغنية لابن زهرة، ص49.

(4) السرائر، 1/400.

(5) المعتبر، ج2/685، وشرائع الإسلام، 1/155.

(6) جواهر الكلام، 16/260.


6ـ الاعتكاف:

1ـ والسابق للحجرة أولى بها في السكنى ولكن ليس له منع الشريك مالم يحصل ضرر. (1)

2ـ كل من حرم عليه اللبث لخوف على نفسه أو عرضه أو أمر يلزمه حفظه فلبث، بطل اعتكافه. (2)

وليراجع: المغني: 3/134.

7ـ الحج:

1ـ لايجوز للمحرم أن يحتجم إلاّ إذا خاف ضرراً على نفسه. (3)

2ـ لايجوز للمحرم أن يظلّل على نفسه إلاّ إذا خاف الضرر العظيم. (4)

3ـ للمولى بيع العبد في حال الإحرام، لحديث نفي الضرر والضرار. (5)

4ـ لايجب شراء الزاد والرّاحلة إن زاد عن ثمن المثل للأصل والضرر. (6)

وليراجع: الجواهر: 17/258، 259، 261، 274، 275، 279، 280، 287، 291، 397.وج 18/26، 361، 378، 398. وج19/167و209.وج20/132 و149.

والمغني: 3 /165، 167، 169، 172، 173، 182، 191، 201، 261، 267، 278، 296، 297، 327، 370، 510، 555و563.


(1) الجواهر17/188.

(2) المصدر/187.

(3) النهاية للشيخ، ص220.

(4) المصدر، ص221.

(5) الجواهر 17/244.

(6) المصدر/257.


8 ـ الجهاد:

1ـ لاينبغي أن تقطع المثمرة في أرض العدو والإضرار بهم إلاّ عند الحاجة إليها. (1)

2ـ لاتجوز المهادنة إذا كان في المسلمين قوّة وفي الكافرين ضعف على وجه يعلم الاستيلاء عليهم بلا ضرر على المسلمين. (2)

وليراجع أيضاً: الجواهر: 21/119.

9ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

1ـ النهي عن المنكر كلّه واجب عند الشرط وليس في العقل دليل على وجوب ذلك إلاّ إذا كان على سبيل دفع الضرر. (3)

2ـ عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أدّيا ضرراً عليه أو على أحد من المؤمنين. (4)

3ـ النهي عن قتل من سبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أحداً من الأئمّة (عليهم السلام) إذا خاف على نفسه أو على غيره من المؤمنين ضرراً. (5)

4ـ جواز إقامة الإنسان الحد على ولده وأهله ومماليكه في حال قصور أيدي


(1) النهاية، ص299.

(2) الجواهر21/296.

(3) رسائل الشريف المرتضى3/18.

(4) النهاية، ص299 والتهذيب 1/341، ورسائل الشيخ الطوسي، ص245.

(5) المهذّب للقاضي بن البراج2/551.


أئمة الحق إذا لم يخف في ذلك ضرراً من الظالمين. (1)

5ـ جواز إقامة الحدود والحكم بين الناس للفقهاء في حال غيبة الإمام (عليه السلام) مع الأمن من ضرر سلطان الوقت. (2)

وليراجع: السرائر: 2/25.

والجواهر: 21/371، 372، 385، 390، 394، 391، 407و 409.

10ـ المكاسب المحرّمة:

1ـ من مستثنيات حرمة الغيبة تحذير المؤمن من الوقوع في الضرر لدنيا أو دين. (3)

2ـ عدم حرمة ما رجع من السحر إلى تركيب الأجسام على النسب الهندسية إلاّ إذا استلزم إضراراً بالغير. (4)

3ـ وجوب تحصيل القدرة على الولاية على أوجه لاتنافيه الأدلّة الشرعية التي تقتضي سقوط التكليف بتحصيلها من العسر والحرج والضرر ونحوها. (5)

4ـ عدم كفاية مجرّد الخوف على النفس في جواز ظلم الغير من دون إلجاء ضرورة حرمة الضرار في الإسلام. (6)

وليراجع أيضاً: الجواهر: 22/114، 156، 167، 181، 190 و202.


(1) السّرائر، 2/24.

(2) الشرائع، ص260.

(3) الجواهر، 22/67.

(4) المصدر/85.

(5) جواهر الكلام، ج22/156.

(6) المصدر، ص166.


11ـ البيع والخيارات:

1ـ لا يجوز أن يبيع حاضر لباد وينبغي أن يتركه في المستقبل، هذا إذا كان ما معهم يحتاج أهل الخطر إليه وفي فقده إضرار بهم. (1)

2ـ عدم الخيار فيما لاضرر فيه على المشتري. (2)

3ـ صحّة خيار الغبن استناداً إلى حديث لاضرر ولاضرار. (3)

4ـ الاكتفاء بتلف بعض العين في اللزوم لامتناع التراد في الباقي لأنّه يوجب تبعّض الصفقة وللضرر. (4)

5ـ وأمّا النماء، فالظاهر أنّه من توابع العين في هذه المعاوضة وإن كان منفصلاً فيتبعها في اللزوم وعدمه، للسيرة وحديث الضرار في بعض الأفراد. (5)

وليراجع أيضاً: الجواهر: 22/235، 236، 318، 324، 363، 371، 404، 430، 431، 475، 477، 476، 481و486.

والجواهر: 23/41، 42، 43، 44، 50، 59، 60، 65، 94، 97، 115، 116، 117، 118، 122، 142، 143، 147، 157، 160، 162، 179، 213، 218، 223، 230، 232، 236، 240، 244، 247، 264، 271، 273، 290، 317، 318.

والجواهر: 24/41، 81، 117، 162، 228، 251، 341، 342.

والمغني: 4/78، 119، 175، 179، 192، 195، 199، 205، 230، 231، 233، 236، 237، 240، 241، 246، 247، 252، 264، 267، 269، 278، 279، 280، 281، 293، 294، 298، 300، 306، 308، 327، 345، 351.


(1) المبسوط، 2/160.

(2) المبسوط، 2/111.

(3) الخلاف، 2/19.

(4) الجواهر، 22/230.

(5) الجواهر، 22/233.


12ـ القرض:

لو أذن المولى لعبده في الابتياع انصرف إلى النقد بواسطة قرائن خارجيّة عينيّة، وهي الإضرار بالمولى في النسيئة بثبوت شيء في ذمّته بخلاف النقد. (1)

وليراجع: المغني: 4/359 و 362.

13ـ الرّهن:

ليراجع: الجواهر: 25/157، 183، 196، 219، 222، 224، 233، 259، 270.

والمغني: 4/379، 385، 436، 438، 439، 447.

14ـ المفلس:

ليراجع: الجواهر: 25/282، 301، 309، 313، 315، 327، 331، 341، 351.

والمغني: 4/456 و 457.

15ـ الحجر:

ليراجع: الجواهر: 26/57، 70، 82، 91، 102، 110.


(1) الجواهر، ج25/79.


16ـ الضمان:

1ـ من ألجأ غيره إلى الإضرار استحقّ عليه العوض سواء أضرّ بنفسه أو بغيره.(1)

2ـ إن حفر بئراً في طريق المسلمين وكان ضيّقاً فعليه الضمان، لأنّه لايملك إلحاق الإضرار بهم. (2)

3ـ إن وقع من بعضهم مايتعدّى ضرره إلى غيره في الأنفس أو الأموال بغير حقّ فليرجع عليه بدركه. (3)

وليراجع: الجواهر: 26/98 و99.

17ـ الحوالة:

ليراجع: الجواهر: 26/167.

والمغني: 5/60، 62، 63.

18ـ الكفالة:

ليراجع: الجواهر: 26/191و197.

والمغني: 5/98 و 99.


(1) الاقتصاد للشيخ، ص91.

(2) المبسوط، ج7، ص186.

(3) الكافي للحلبي، ص451.


19ـ الصّلح:

1ـ متى صالـح السلطان أو رجل من المسلمين صاحـب الجناح على أن يأخذ منه شيئاً من المال ويترك جناحه لاطياً بالأرض مضرّاً بالنّاس لم يجز، لأنّ في ذلك إضراراً بالمسلمين. (1)

2ـ إن وضع خشبة عليه فإن كان يضرّ بالحائط لضعفه عن حمله لم يجز بغير خلاف نعلمه، لما ذكرنا ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لاضرر ولاضرار. (2)

وليراجع أيضاً: المغني: 5/10، 11، 19، 21، 23، 28، 29، 32، 33، 35، 37، 44و 52.

والجواهر: 26/229، 243، 244، 245، 246، 248، 256، 257، 258، 259، 261، 266، 269، 274.

20ـ الشّركة:

1ـ إنّ إزالة الضرر الدائم أو المنقطع واجبة في العقل والشرع، فلو كان التأذّي بالشركة في الفروض منقطعاً لكانت إزالته واجبة على كل حال. (3)

2ـ إن اتّفقا على كسره جاز وإن اختلفا لم يجبر الممتنع منهما على كسره لأنّه قسمة إضرار. (4)

3ـ إذا كان حائط مشتركاً بين نفسين لم يجز لأحدهما أن يدخل فيه خشبة


(1) المبسوط للشيخ، ج2/292.

(2) المغني، ج5، ص36.

(3) الانتصار للسيد المرتضى، ص216.

(4) المبسوط، ج2، ص161.


خفيفة لاتضر بالحائط ضراراً إلاّ بإذن صاحبه. (1)

4ـ روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لاضرر ولاضرار فكلّ ما كان مشتركاً وهو ممّا يصحّ قسمته من غير ضرر يتعلّق بأحد الشراك فطلب بعضهم أو جميعهم القسمة قسمه ذلك بينهم. (2)

وليراجع: المبسوط: 3/114.

والجواهر: 26/309، 313، 314، 315.

والمغني: 5/133.

21ـ المضاربة:

ليراجع: الجواهر: 26/388و396.

والمغني: 5/139و155.

22ـ المزارعة والمساقاة:

ليراجع: المبسوط: 3/263.

والجواهر: 27/20، 22، 23، 27، 28، 75، 80، 84، 95.

23ـ الوديعة:

ليراجع: الغنية: 78.

والجواهر: 27/102، 105، 123، 126، 134.


(1) الخلاف، ج2/27.

(2) المهذّب، ج2، 573.


24ـ العارية:

ليراجع: المبسوط: 2/297و 298.

والجواهر: 27/159 و175.

والمغني: 5/360.

25ـ الإجارة:

ليراجع: الجواهر: 27/218، 221، 246، 250، 297، 312، 315.

والمغني: 6/10، 39، 49، 71، 119.

26ـ الوكالة:

ليراجع: جواهر الفقه للقاضي ابن البراج: 80.

والجواهر: 27/273، 426، 437، 438.

والمغني: 5/218، 223، 225، 248، 256.

27ـ الوقوف والصدقات:

ليراجع: المبسوط: 3/260.

والمغني: 6/238.


28ـ السكنى والحبس:

ليراجع: الجواهر: 28/148.

29ـ الهبات:

ليراجع: كشف الرموز: 2/58، والجواهر: 28/178، 185، 207.

والمغني: 6/264، 277، 280، 298.

30ـ السّبق والرّماية:

ليراجع: الجواهر: 28/224.

31ـ الوصايا

ليراجع: الجواهر: 28/254، 298، 312، 314، 340، 342، 359، 418، 419، 424.

والمغني: 6/596.

32ـ النكاح

ليراجع: المبسوط: 4/165 و330.


والشرائع: 2/235.

والجواهر: 29/33، 34، 115، 149، 167، 183، 186، 192، 193، 198، 208، 212، 220، 396، 402، 403، 425.

والجواهر: 30/66، 103، 105، 114، 224، 274، 318، 321، 322، 328، 330، 335، 338، 343، 361.

والجواهر: 31/41، 44، 85، 105، 157، 167، 184، 220، 231، 232، 272، 273، 288، 312، 321، 334، 339، 342، 357، 365، 370، 374، 396.

33ـ الطّلاق:

ليراجع: الشرائع: 3/30.

والجواهر: 32/10، 11، 16، 106، 141، 150، 153، 174، 176، 207، 259.

34ـ الخلع والمباراة:

ليراجع: الجواهر: 33/32، 60، 61، 63، 64.

35ـ الظّهار:

ليراجع: المبسوط: 6/211.

والجواهر: 33/105، 107، 118، 166.


36ـ الكفّارات:

ليراجع: الجواهر: 33/169، 203، 215، 216، 253، 257، 282.

37ـ الإيلاء:

ليراجع: الجواهر: 33/297، 306، 309.

38ـ اللّعان:

ليراجع: الجواهر: 34/17.

39 ـ العتق:

ليراجع: المبسوط: 6/51، 109.

والجواهر: 34/104، 155، 163، 185، 189.

40 ـ التدبير والمكاتبة والاستيلاء:

ليراجع: المبسوط: 6/99.

والجواهر: 34/291، 313، 314، 323، 333، 337، 367.


41ـ الإقرار:

ليراجع: السّرائر: 2/636 والكافي للحلبي: 434.

والجواهر: 35/24، 113، 141، 152، 161.

42ـ الجعالة:

ليراجع: الجواهر: 35/200.

43ـ النذر:

ليراجع: المبسوط: 5/120 والوسيلة لابن حمزة: 351 والجواهر: 35/421.

44ـ الصيد والذّباحة:

ليراجع: الجواهر: 36/10.

45ـ الأطعمة والأشربة:

ليراجع: المبسوط: 3/86،92 والسّرائر: 3/125،132، والشرائع: 4/27.

والجواهر: 36/242، 356، 369، 371، 425، 427، 432، 435، 444، 446.

46ـ الغصب:

ليراجع: المبسوط : 3/73.


والجواهر: 37/14، 40، 49، 54، 57، 76، 77، 89، 94، 97، 98، 99، 105، 125، 131، 151، 163، 170، 172، 175، 208، 210، 212، 213، 222.

والمغني: 5/382.

47ـ الشفعة:

ليراجع: المبسوط: 2/122 والخلاف: 2/186.

والجواهر: 37/243، 253، 268، 282، 283، 285، 325، 361، 366، 367، 369، 398، 409، 424، 427.

والمغني: 5/464، 469، 501.

48ـ إحياء الموات:

ليراجع: المبسوط: 3/270، والخلاف: 2/223.

والجواهر: 38/50، 51، 81، 83، 87، 117، 137، 138، 140.

والمغني: 6/155، 159، 161، 162، 165، 168، 182.

49ـ اللقطة:

ليراجع: الجواهر: 38/202، 205، 264، 301.

والمغني: 6/362.


50ـ الفرائض (الإرث):

ليراجع: رسائل الشريف المرتضى: 1/195، والناصريات:47، والمبسوط: 4/47، والمبسوط: 5/256.

والجواهر: 39/67، 134، 206، 215، 217، 221.

51ـ القضاء:

ليراجع: الخلاف: 3/317 و318 والمبسوط: 8/150 و152 و308.

والجواهر: 40/53، 136، 143، 148، 156، 167، 193، 204، 205، 206، 209، 221، 264، 324، 335، 337، 339، 352، 358، 393، 510.

52ـ الشّهادات:

ليراجع: الجواهر: 41/180، 187، 188، 200، 248.

53ـ الحدود والتعزيرات:

ليراجع: الشرائع: 4/221.

والجواهر: 41/330، 337، 434، 491، 620، 650، 653، 654، 655.

والمغني: 10/53، 66، 68، 171.


54ـ القصاص:

ليراجع: الجواهر: 42/32، 67، 74، 133، 137، 267، 275، 339.

55ـ الدّيات:

ليراجع: الجواهر: 43/50، 98، 105، 114، 115، 117، 119، 121، 122، 127، 128، 129.


النتائج الحاصلة من تتبّع موارد الاستدلال بالقاعدة:

بعد أن سجّلنا نماذج من استدلال الفقهاء بقاعدة لاضرر في المسائل والأبحاث الفقهيّة، وذكرنا أبوابها ومصادرها، ينبغي لنا الإشارة إلى النتائج الحاصلة من هذا التتبّع الشامل وهي كما يلي:

الف ـ إنّ كثرة استناد الفقهاء من العامّة والخاصّة في جميع الأبواب الفقهيّة إلى قاعدة نفي الضرر تدلّ على أنّها من القواعد المتّفق عليها ومن الأُسس الرئيسية الّتي يبتنى عليها فقه الشّريعة الإسلامية بجميع مذاهبها وطوائفها، ولانحسب أنفسنا مجازفين لو قلنا بأنّها من ضروريّات الإسلام بين الفقهاء إن لم تكن بين عامّة المسلمين.

ب ـ إنّ قاعدة نفي الضّرر كغيرها من القواعد الحاكمة الأُخر مثل نفي الحرج بشمولها لأبواب الفقه تعتبر من المصاديق البارزة لكون شريعة الإسلام شريعة سهلة سمحة كما ثبت ذلك في الكتاب والسنّة.

مثل قوله سبحانه: (يُريدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْر) (البقرة/185).

و (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَج) (الحج/78).

وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «بعثت بالحنيفيّة السّمحة السّهلة». (1)

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يسّروا ولاتعسّروا وبشّروا ولاتنفّروا». (2)

وهذه السّماحة والسّهولة تعطي للأحكام الشّرعية مرونة خاصّة بحيث يمكن تطبيقها في جميع الظروف المكانيّة والزمنّية إلى أبد الآبدين.


(1) مجمع البحرين، مادة حنيف ونضد القواعد الفقهيّة للفاضل السيوري، ص15، والجامع الصغير، ص126.

(2) نضد القواعد الفقهيّة، ص15 والجامع الصغير، ص205.


وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على خاتميّة شريعة الإسلام وجدارتها لقيادة البشر فرداً ومجتمعاً نحو السعادة والهناء ومعالجة قضاياه في جميع المناحى والأبعاد عبر العصور والدّهور.

ج ـ ملاحظة جريان قاعدة نفي الضّرر بهذا الشكل من الوسعة في كثير من المسائل الشّرعيّة من العبادات والمعاملات، مع لحاظ النقطتين السالفتين ممّا يؤيّد مبنى المشهور من الأُصوليّين في تفسير قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاضرار» وأنّه بمعنى نفي الحكم الضّرري، فانّه لايبقى ريب للمتتبّع في موارد استعمال القاعدة في الفقه في أنّ الضرر منفي في عالم تشريع الأحكام سواء كان في مجال العبادات أو المعاملات.



خاتمة المطاف

في الإضرار بالنفس

حكم الإضرار بالنفس مسألة فقهية جديرة بالبحث عنه، على وجه التفصيل، وقد أوجز شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ الكلام فيه، لضيق المجال وانتهاء العام الدراسي، ولذلك قمنا بتحرير المسألة على وجه مبسوط ولما تم نظامه عرضته على شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ فقرأه وأصلح ما رآه خاطئاً وأبقى ماوجده صائباً فنقول: يجب تقديم أُمور:

الأوّل: في بيان نماذج من الإضرار بالنفس:

إنّ للإضرار بالنفس مصاديق مختلفة نشير إليها:

1ـ قتـل الإنسـان نفسه لمصلحة الدفاع عن المسلمين أو لأجل إفضـاح الحكومة الكافرة أو العميلة، أو انتحار المرأة إذا وقعت في خطر الاعتداء على عرضها، أو انتحار الإنسان فيما إذا ابتلي بمرض صعب العلاج وأمثال ذلك من أسباب الانتحار.

2ـ إهداء الشخص إحدى كليتيه أو عينيه ـ في حياته أو بعد مماته ـ إلى شخص محتاج إليها، وكذلك إعطاؤه قلبه أو عضواً آخر من أعضائه بعد مماته.


3ـ التدخين، حيث ثبت أضرار السجاير لجوارح الإنسان، وما هو حكم ذلك فيما لو اعتاد الشخص استعمالها بحيث إذا أراد تركها يتضرّر بأضرار أُخرى؟

4ـ التملّي من الأكل والشبع المفرط الّذي ثبت طبّياً ضرره كما ثبت نقليّاً.

5ـ تحمّل المرض واضراره وعدم المراجعة إلى الطبيب والمعالجة.

6ـ المباراة الرياضية التي يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة أو نقص عضو من أعضائه بسببها كالملاكمة.

7ـ تلويث البيئة الطبيعيّة بحيث ينتهي إلى الاضرار بحياة الناس ومنهم نفس الملوِّث.

الثاني: ما هو حكم الضرر المنجبر؟

قد يقع التزاحم في ما بين ضررين لابدّ من توجّه أحدهما إلى نفس الإنسان، مثـل ما لـو أُصيب الشخص بمرض يتوقف علاجه على إجراء عمليّة جراحيّة بما فيها من الأضرار البدنيّة والماليّة.

كما قد ينتفع الإنسان بمنفعة عقلائية إذا تحمّل ضرراً، مثل ما لو أراد السفر للتجارة، فانّه يتضرّر جسميّاً وماليّاً إلاّ أنّ هذه الأضرار تنجبر بما يربحه من المال.

وكذلك قد يتوقّف أداء التكليف الشرعي كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على تحمّل الأضرار الشخصيّة.

أمّا بالنسبة إلى المثال الأوّل فالأمر واضح لأنّ قاعدة ترجيح الأهم على المهم عقلائية وشرعيّة يمكن تطبيقها على المورد ويحكم بجواز العمليّة أو وجوبها من أجل دفع الضرر الأكبر خطراً.

وكذلك بالنسبة إلى المثال الثاني، فانّ العقلاء لا يرون ذلك الضرر ضرراً في قبال المنفعة فلاتشمله أدلّة قاعدة نفي الضرر.

ولكنّ هذا يصحّ فيما لم يكن النفع مضمحلاًّ في جانب الضرر، فانّه عندئذ يترجّح جانب الضرر ويحكم بعدم جواز ارتكاب ذلك الشيء الذي ينتفع به


الإنسان من بعض الوجوه، كالخمر والميسر فقد حرّمتا مع ما بهما من منافع اقتصاديّة لما فيها من الأضرار الفادحة.

قال سبحانه: (يَسْألُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِـرِ قُلْ فيهِما إثْمٌ كَبيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَـرُ مِنْ نَفْعِهِما). (البقرة/219)

والإثم وإن كان لغة بمعنى كلّ شيء يبطئ عن الثواب ويرادف الذنب، إلاّ أنّه في هذه الآية بمعنى الضرر أو ما يوجبه (1)بدليل مقابلته بالنفع. وقد حرّم سبحانه الإثم على كل حال.قال سبحانه: (قُلْ حَرّمَ رَبّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالإثْمَ). (الأعراف/33)

وأمّا بالنسبة إلى المورد الثالث فالأمر أيضاً معلوم، لأنّ طبيعة تلك التكاليف نوعاً تقتضي التضحية وبذل النفس والنفيس فلابدّ من توطين النفس على ذلك، مضافاً إلى رجحان منافعها الاجتماعية والأخلاقيّة على أضرارها الفرديّة.

الثالث: في تحرير محلّ النزاع:

من أجل تعيين محلّ النقاش في المسألة يلزم أن نعرف بأنّ للإضرار بالنفس مراتب ودرجات لا نقاش في بعضها وإنّما يقع النزاع في بعضها الآخر.

ويمكن تقسيم تلك المراتب إلى ما يلي:

الأُولـى: إتلاف النفس وإفنائها.

الثانيــة: قطع الأعضاء.

الثالثــة: إفساد قوّة من القوى مثل الحواس الخمسة وقوّة الباه والإنجاب.

الرابعـة: تعريض الإنسان نفسه إلى الأمراض وانحراف المزاج وثقله.

الخامسة: إتلاف المال المعتدّ به عرفاً.

السادسة: تعريض الإنسان شخصيّته وعرضه إلى الإذلال.


(1) راجع التبيان للشيخ الطوسي: 2/213، وتفسير المنار : 2/325.


السابعة: تحمّل الأضرار اليسيرة، كإتعاب الإنسان نفسه أو عدم التوقّي من البرد والحرّ في ما لم ينته إلى المرض، وكذلك إتلاف المال غير المعتدّ به.

أمّا المرتبة الأُولى والثانية، فلا نقاش لأحد فيهما لصراحة حكم الشارع في حرمة الانتحار وقتل الإنسان نفسه، بمثل قوله سبحانه:

(وَلاتَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ إنّ اللّهَ كانَ بِكُمْ رَحيماً)(النساء/29).

(وَلاتُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ) (البقرة/195).

وأمّا قطع العضو، فلا شكّ في مبغوضيّته عند الشارع ولايبعد أن تشمله الآية الثانية، لأنّه إلقاء الإنسان بيده إلى التهلكة عرفاً. والظاهر أنّه لا نزاع في المرتبة السادسة أيضاً فإنّها حرام قطعاً.

وكذلك المرتبة الأخيرة فلا نزاع فيها أيضاً فإنّها جائزة لأنّه يمكن أن يقال بانصراف أدلّة حرمة الإضرار بالنفس عن الأضرار اليسيرة الّتي لايعتدّ بها ما لم تبلغ مرتبة الإسراف والتبذير، مضافاً إلى أنّ مواظبة الإنسان على أن لا يتعرّض لها ممّا توجب العسر والحرج على نوع المكلّفين فلايمكن القول بوجوبها، وينتج من ذلك عدم حرمتها.

وأمّا المراتب الأُخر أي الثالثة إلى الخامسة، فقد وقع النزاع فيها.

ويمكن تلخيص الأقوال في قولين:

الأوّل: القول المشهور، وهو حرمة مطلق الإضرار بالنفس ماعدا الأضرار اليسيرة.

الثاني: القول الشاذ، وهو عدم حرمته إلاّ في مثل قتل النفس و قطع الأعضاء.

***

إذا عرفت ما ذكرنا نقول: ينبغي الخوض في المسألة من خلال فصلين:

الأوّل: توضيح الأقوال في المسألة.

الثاني: أدلّة القول المختار.


الفصل الأوّل:

في توضيح الأقوال في المسألة

القول الأوّل: وهو المشهور:

الذي يتتبّع أقوال الفقهاء من المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين يجد بوضوح أنّ المشهور بينهم هو القول بحرمة الإضرار بالنفس مطلقاً بحيث لم يعثر على مخالف له فيما مضى، ولهذا لا يبعد أن يقال بوجود إجماع العلماء على حكم المسألة كما صرّح صاحب الرياض ـ على ما سيأتي ـ وإليك قائمة من فطاحل الفقهاء والأُصوليين وبعض عباراتهم حول المسألة:

1ـ مؤلّف كتاب فقه الرضا (عليه السلام):

قال: «... إنّ اللّه تعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد، فكل نافع مقوّ للجسم فيه قوّة للبدن فحلال وكلّ مضرّ يذهب بالقوّة أو قاتل حرام...» (1).


(1) الينابيع الفقهية: 1/5 (فقه الرضا (عليه السلام)) فقد حقّق شيخنا ـ مدّ ظلّه ـ أنّ فقه الرضا إمّا رسالة والد الصدوق إليه، أو رسالة التكليف للشلمغاني، فلاحظ كلامه في «المواهب في تحرير أحكام المكاسب»، ص 19و20.


2ـ الشيخ المفيد (م 413هـ.ق)

قال في المقنعة: «وإذا عرض للإنسان مرض وكان الصوم يزيد فيه زيادة بيّنة وجب عليه الإفطار...فإن علم أنّ المرض الذي يزيد فيه الصوم، ويلحقه به الضرر، وتعظم مشقّته عليه، أفطر». (1)

والظاهر من عبارة الشيخ المفيد أنّ الملاك في وجوب الإفطار هو الضرر ويستفاد من ذلك حرمة الإضرار بالنفس وإلاّ لما وجب الإفطار.

3ـ السيّد المرتضى (م 436هـ.ق)

قال في الذريعة: «إنّ العلم بأنّ ما فيه نفع خالص من مضرّة عاجلة أو آجلة له صفة المباح وأنّه يحسن الإقدام عليه، كالعلم بأنّ ما فيه ضرر خالص عن كلّ منفعة، قبيح محظور الإقدام عليه، والعلم بما ذكرناه ضروري...». (2)

4ـ الحلبي (م447هـ.ق)

قال في كتابه الكافي: «إذا كان ما عدا واجبات العقول ومندوباتها وقبائحها على الإباحة، لأنّه القسم الرابع في أوائل العقول كالحسن والقبيح ولكونه نفعاً خالصاً لا ضرر فيه». (3)

والظاهر من كلامه أنّ ملاك الإباحة في الأشياء هو النفع وعدم الضرر، ومفهوم ذلك أنّ وجود الضرر يخرج الشيء عن الإباحة ويجعله محظوراً لأنّه المقابل له حسب الفرض.


(1) المقنعة: 355، ط. مؤتمر الشيخ المفيد، عام 1413هـ.

(2) الذريعة: 2/809.

(3) الينابيع الفقهيّة: 21/156، كتاب الكافي للحلبي.


5ـ الشيخ الطوسي (م460هـ.ق)

قال في عدّة الأُصول: «وقد قيل في حدّ المباح هو أنّ لفاعله أن ينتفع به ولايخاف ضرراً في ذلك لاعاجلاً ولاآجلاً، وفي حدّ الحظر أنّه ليس له الانتفاع وأنّ عليه في ذلك ضرراً إمّا عاجلاً أو آجلاً وهذا يرجع إلى المعنى الّذي قلناه». (1)

وقال في الخلاف: «إذا اضطرّ إلى أكل الميتة يجب عليه أكلها ولايجوز له الامتناع منه... دليلنا: ما علمناه ضرورة من وجوب دفع المضارّ عن النفس». (2)

وقال في المبسوط بمثل ذلك. (3)

وقال في النهاية: «يجب الإفطار مع الخوف من الضرر». (4)

وقال في هذا الكتاب: «ويجوز لفقهاء أهل الحقّ أن يجمعوا بالناس الصلوات كلّها وصلاة الجمعة والعيدين ويخطبون الخطبتين ويصلّون بهم صلاة الكسوف ما لم يخافوا في ذلك ضرراً». (5)

ولاشكّ أنّ مفهوم قوله: «مالم يخافوا في ذلك ضرراً» هو عدم جواز هذه الأشياء مع خوف الضرر.

وقال أيضاً بما يشبه ذلك حول إقامة الحدود والحكم بين الناس والقضاء في النهاية. (6)

وقال في المبسوط: «وإن رضى بإتلاف نفسه لم يقلع، لأنّه لايملك إدخال


(1) عدّة الأُصول: 2/117، ط. قديم.

(2) الخلاف: 2/544، كتاب الأطعمة، المسألة 23.

(3) المبسوط: 6/286.

(4) النهاية: 158.

(5) المصدر نفسه: 302.

(6) المصدر نفسه: 300و301.


الضرر على نفسه». (1)

وقد علّل الشيخ حرمة إتلاف النفس بحرمة إدخال الضرر عليها، ولاريب أنّ ذلك أعم من إتلاف النفس وما دون ذلك.

6ـ القاضي ابن البرّاج (م481هـ.ق)

استدلّ على جواز قتال المضطرّ لصاحب الطعام الذي منعه منه بقوله: «لأنّ دفع المضارّ واجب بالعقل». (2)

وليراجع كتابه المهذّب حول سبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). (3)

7ـ الطبرسي (م 548هـ.ق)

قال: «إذا اضطرّ إلى أكل الميتة وجب عليه أكلها... لما نعلمه من ضرورة وجوب دفع المضار عن النفس». (4)

8 ـ ابن حمزة الطوسي (م حوالي 580هـ.ق)

قال في تفسير الاضطرار ومراتبه: «والمضطرّ: من يخاف التلف أو ما هو في حكم التلف وهو أربعة أشياء: المرض بترك الأكل والضعف عن المشي للمسافر ماشياً وعن الركوب للمسافر راكباً...». (5)

وحيث إنّ الفقهاء صرّحوا بوجوب استعمال المضطرّ ما اضطرّ إليه وأنّ المضطرّ يشمل من يخاف الضرر ولو كان دون الهلاك فيثبت المطلوب.


(1) المبسوط: 3/86.

(2) المضار: 1/86، وجواهر الفقه للقاضي ابن البراج: 208، ط. جماعة المدرسين بقم.

(3) المهذب: 2/551.

(4) المؤتلف من المختلف بين أئمّة السّلف: 2/473، ط. المشهد الرضوي.

(5) الينابيع الفقهيّة: 21/156، كتاب الوسيلة لابن حمزة.


9ـ ابن إدريس الحلّي (م 598هـ.ق)

استدلّ في السرائر على وجوب أكل الميتة للمضطرّ بضرورة وجوب دفع المضارّ عن النفس. (1) كما استدلّ بمثل ذلك على وجوب شرب المسكر لخوف ضرر العطش (2).

10ـ المحقّق الحلّي (م 676هـ.ق)

قال في باب الأطعمة والأشربة المحرّمة: «... والكثير من شحم الحنظل والشوكران فإنّه لا يجوز، لما يتضمّن من ثقل المزاج وإفساده». (3)

وقال أيضاً: «ويكره الأكل متّكئاً والتملّي من الم آكل وربما كان الإفراط حراماً لما يتضمّن من الاضرار». (4)

وقال في كتاب الصوم من المعتبر: «والمريض لا يصحّ صومه مع التضرّر، لقوله (عليه السلام): «لاضرر ولاضرار» ولو تكلّفه لم يصحّ، لأنّه منهيّ عنه، والنهي يدل على فساد المنهيّ في العبادات ويجب عليه لو لم يتضرّر». (5)

واستدلال المحقّق على حرمة الصيام على المتضرّر به بحديث «لا ضرر» يدفع التوهّم بأنّ حرمة الصيام عليه فقط من أجل ردّ هدية اللّه.

وليراجع الشرائع في باب جواز إقامة الحدود للفقهاء (6) وكذلك الصوم من المختصر النافع. (7)


(1) السرائر: 3/125، ط. جماعة المدرسين بقم.

(2) السرائر: 3/132.

(3) الشرائع: 3/75، ط. انتشارات استقلال ـ طهران.

(4) المصدر نفسه: 4/27.

(5) المعتبر: 2/685، ط. منشورات مؤسّسة سيد الشهداء (عليه السلام) بقم.

(6) الشرائع1/344، مطبعة الآداب في النجف.

(7) المختصر النافع: 71.


11ـ العلاّمة الحلّي (م 726هـ.ق)

قال حول حرمة القليل أو الكثير من السموم والافيون وغيره: «وبالجملة ما يخاف معه الضرر». (1)

وفي هذه العبارة أعطى ضابطة كلّية للحرام من الأطعمة.

وليراجع كتاب قواعد الأحكام في باب المضطرّ. (2)

وقال في تبصرة المتعلمين بحرمة الافراط في الأكل المتضمّن للضرر. (3)

12ـ الشهيد الثاني (م966هـ.ق)

قال في الروضة: «وضابطة المحرّم ما يحصل به الضرر على البدن وافساد المزاج». (4)

وليراجع المسالك في حرمة أكل الطين (5) واستعمال السموم. (6)

13ـ المقدّس الأردبيلي (م 993هـ.ق)

قال: «والمشهور بين المتفقّهة أنّه يحرم التراب... لما فيه من الاضرار بالبدن والضّرر مطلقاًغير واضح». (7)

والظاهر أنّ مقصوده من عدم وضوح الاطلاق هو بحيث يشمل الاضرار


(1) الينابيع الفقهية: 21/28، كتاب قواعد الأحكام.

(2) الينابيع الفقهية: 21/283.

(3) تبصرة الفقهاء: 2/258.

(4) الروضة: 7/329.

(5) المسالك: ج2، باب الأطعمة المحرمة.

(6) المصدرنفسه.

(7) مجمع الفائدة والبرهان: 11/235.


اليسيرة بدليل أنّه حرّم القليل من السمّ غير القاتل إذا كان يؤدّي إلى الضرر الكثير من المرض وغيره.

فقد قال: «نعم ما لا يقتل قليله، ولكن يؤول إلى الضرر الكثير من المرض وغيره، يمكن تحريم قليله أيضاً حتّى يصير عادة ويؤول تركه إلى الضرر فيجب، فتأمّل». (1)

ومن الممكن أن يقال بتسرّي نظره إلى مثل السّجاير، فانّ التّدخين إذا صار عادة بحيث يؤول تركه إلى الضرر فيجب. وأمّا إذا لم يصر عادة فيحرم استعماله لما فيه من اضرار، وكذلك إذا لم يؤدّ تركه إلى الضرر وإن صار عادة.

وليراجع نظره حول مراتب الاضطرار في ذلك الكتاب. (2)

14ـ الشيخ حسين الكركي العاملي (م 1076هـ.ق)

قال في كتابه هداية الأبرار: «إنّ وجوب الاحتياط يطابق عليه العقل والنقل، أمّا العقل فلدفع الضّرر المتوقّع من تركه». (3)

15ـ الفيض الكاشاني (م1091هـ.ق)

قال في أبواب التيمّم من الوافي: «... فإنّ العقل قاض بوجوب دفع الضرر المظنون...». (4)

16ـ السيّد علي الطباطبائي ـ صاحب الرّياض ـ (م1231هـ.ق)

قال بالنسبة إلى السموم والأشياء الضارّة: «وضابط المحرّم ما يحصل به


(1) مجمع الفائدة والبرهان: 11/237.

(2) المصدر نفسه: 312.

(3) هداية الأبرار: 224.

(4) الوافي: 3/84، من الطبعة القديمة.


الضرر على البدن وافساد المزاج والأصل فيه بعد الإجماع حديث نفي الضرر والاضرار...». (1)

وهذا الإجماع الّذي ذكره ـ قده ـ وإن كان مدركيّاً وإنّ من مداركه حديث نفي الضرر إلاّ أنّه يدلّ على أنّ صاحب الرياض لم يجد أحداً يقول بحليّة الاضرار بالنفس وإلاّ لعبّر عنه بالشهرة بدل الإجماع.

17ـ صاحب الجواهر ـ الشيخ محمد حسن النجفي ـ (م 1266هـ.ق)

قال في مسألة حرمة السموم القاتلة وغير القاتلة القليل منها والكثير: «...وبالجملة كلما كان فيه الضّرار علماً أو ظنّاً أو خوفاً معتدّاً به حرم...». (2)

وليراجع جواهر الكلام في مسألة حرمة رطوبات الحيوان مثل بصاق الإنسان وعرقه (3)، ومسألة بطلان الوضوء إذا كان استعمال الماء مضرّاً (4)، ومسألة أنّ المدار في الافطار على خوف الضرر (5)، ومسألة عدم كفاية حجّ المريض (6)، ومسألة وجوب دخول المؤمن غير المجتهد في ولاية الجائر دفعاً للضرر (7)، ومسألة عدم جواز قتل من سبّ النبيّ إذا كان السّامع يخاف على نفسه (8)، ومسألة موجبات الضمان على التسبيب من كتاب الدّيات. (9)


(1) رياض المسائل: ج2، في ذيل القسم الرابع من الأطعمة الجامدة.

(2) الجواهر: 36/370.

(3) المصدر نفسه: 293.

(4) المصدر نفسه: 5/111.

(5) المصدر نفسه: 16/347.

(6) المصدر نفسه: 17/287و288.

(7) المصدر نفسه: 21/407.

(8) المصدر نفسه: 41/434.

(9) المصدر نفسه: 43/115.


18ـ الشيخ الأعظم الأنصاري (م1281هـ.ق)

قال في الفرائد: «فكل اضرار بالنّفس أو الغير محرّم غير ماض على من أضرّه». (1)

وهذه العبارة صريحة في تحريم كل اضرار بالنفس مطلقاً، وقد صرّح بهذا النظر أيضاً في رسالة قاعدة نفي الضرر المطبوعة مع ملحقات المكاسب بقوله:

«إنّ العلماء لم يفرّقوا في الاستدلال بين الاضرار بالنفس والاضرار بالغير... نعم قد استفيد من الأدلّة ـ العقلية والنقليّة ـ تحريم الاضرار بالنفس...». (2)

19ـ المحقّق الخراساني (م 1329هـ.ق)

بعد أن ذكر كلام القائلين بحجيّة الظنّ المطلق في بحث القول بالانسداد وأنّ استدلالهم مركب من صغرى وكبرى، ردّ كلامهم بمنع الصغرى، وأمّا الكبرى وهي «استقلال العقل بدفع الضرر المظنون» فليست مخدوشة عنده، بل زاد على ذلك بوجوب دفع الضرر المشكوك أيضاً بقوله: «... ودعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظنون قريبة جدّاً...». (3)

20ـ السيّد الطباطبائي اليزدي (م 1337هـ.ق)

ليراجع كتاب العروة، المسألة 18 من باب مسوّغات التيمّم (4) ومسألة شرائط صحّة الصوم. (5)


(1) فرائد الأُصول: 315

(2) المكاسب: 373.

(3) كفاية الأُصول: 353، ط.جماعة المدرسين بقم.

(4) العروة الوثقى: 1/473.

(5) المصدر نفسه: 2/216.


21ـ المحقّق العراقي (م 1361هـ.ق)

قال في أبحاثه الأُصولية: «... بل الاطلاق مناسب مع الأخذ بأدلّة تحريم الاضرار بالنفس». (1)

22ـ السيد أحمد الخونساري (م 1405هـ.ق)

قال في مسألة حرمة السموم: «... والمعروف أنّ ما كان فيه الضّرر علماً أو ظنّاً بل خوفاً معتدّاً به حرم...». (2)

23ـ الإمام الخميني ـ قده ـ (م1409هـ.ق)

قال في باب الأطعمة والأشربة: «يحرم تناول كلّ ما يضرّ بالبدن، سواء كان موجباً للهلاك كشرب السموم القاتلة وشرب الحامل ما يوجب سقوط الجنين أو سبباً لانحراف المزاج أو لتعطيل بعض الحواس الظاهرة أو الباطنة، أو لفقد بعض القوى، كالرجل يشرب ما يقطع به قوّة الباه والتّناسل أو المرأة تشرب ما به تصير عقيماً لاتلد». (3)

24ـ المحقّق الخوئي ـ قده ـ (1413هـ.ق)

قال في منهاج الصّالحين: «تحرم السّموم القاتلة وكلّ ما يضرّالإنسان ضرراً يعتدّ به ومنه الأفيون المعبّر عنه بالتّرياك سواء أكان من جهة زيادة المقدار المستعمل منه أم من جهة المواظبة عليه». (4)


(1) تنقيح الأُصول: 141.

(2) جامع المدارك: 5/170.

(3) تحرير الوسيلة: 2/163.

(4) منهاج الصالحين: 2/337.


والملاحظة هنا أنّ هذا المحقّق قد مشى في هذا الكتاب الفقهي على ما أفتى به المشهور إلاّ أنّه خالفهم في أبحاثه الأُصوليّة وسوف نتعرّض لكلامه.

25ـ السّيد محمد رضا الكلبايكاني (م1414هـ.ق)

قال في كتاب الصوم من هداية العباد: «من شرائط صحّة الصوم كمامرّ عدم المرض أو الرّمد الذي يضرّه الصوم... ويلحق به الخوف العقلائي من حدوث المرض والضّرر بسببه، فانّه لايصحّ معه الصوم، ويجوز بل يجب عليه الافطار». (1)

هذا هو القول المشهور، وقد أتينا بشيء من الاسهاب في نقل كلمات ثلّة من مشاهير فقهاء الخاصّة لما فيها من فوائد.

***

القول الثاني: وهو غير المشهور:

قول آخر وهو إنكار حرمة مطلق الاضرار بالنّفس وهو خيرة المحقّق الخوئي (قدس سره) قال ـ على ما في تقريراته ـ: «ذكر شيخنا الأنصاري (رحمه الله) في رسالته المعمولة في قاعدة لا ضرر إنّ الاضرار بالنفس كالاضرار بالغير محرّم بالأدلّة العقليّة والنقليّة ولكن التحقيق عدم ثبوت ذلك على إطلاقه، أي من غير التهلكة وما هو مبغوض في الشّريعة المقدّسة كقطع الأعضاء ونحوه، فانّ العقل لايرى محذوراً في إضرار الإنسان بماله بأن يصرفه كيف يشاء بداع من الدّواعي العقلائية مالم يبلغ حدّالاسراف والتبذير، ولا بنفسه بأن يتحمّل ما يضرّ ببدنه فيما إذا كان له غرض عقلائي، بل جرت عليه سيرة العقلاء، فانّهم يسافرون للتجارة مع تضرّرهم من الحرارة والبرودة بمقدار لو كان الحكم الشرعي موجباً لهذا المقدار من الضرر


(1) هداية العباد: 268.


لكان الحكم المذكور مرفوعاً بقاعدة لا ضرر وكذا النّقل لم يدلّ على حرمة الاضرار بالنفس فانّ أقصى ما يمكن أن يستدلّ به لحرمة الاضرار بالنفس روايات نتكلّم عنها...». (1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الكلام الذي نقله عن الشيخ الأنصاري ليس مختصّاً به وإنّما هو نظر المشهور بل قد ادّعى عليه الإجماع كما مرّ.

وثانياً: أنّ الأمثلة التي ذكرها بأنّ العقل لايرى محذوراً في اضرار الإنسان بماله أو نفسه خارجة عن محلّ النزاع وذلك لأنّ الاضرار التي يتحمّلها الإنسان بداع عقلائي منجبرة بالمصالح التي يحصل عليها وهي لاتعدّ اضراراً عرفاً، فأدلّة حرمة الاضرار بالنفس منصرفة عنها، وإنّما النزاع في الاضرار غير المنجبرة بالدّواعي والمصالح العقلائيّة، وبناءً على هذا يصبح نزاعه مع نظر الشيخ الذي هو نظر المشهور نزاعاً لفظيّاً، فانّه وإن ناقش بعض أدلّة القول المشهور في بحثه الأُصولي إلاّ أنّه مشى على منوالهم في فتواه الفقهيّة كما مرّ آنفاً، فإن لم نقل بأنّ ذلك نزاع لفظي فلابدّ وأن يقال إنّه عدل عما في بحثه الأُصولي.

وثالثاً: أنّ قوله: «أقصى مايمكن أن يستدلّ به ...» غريب جدّاً منه فإنّ الأدلّة الأربعة تدلّ على المسألة كما سيأتي أو تؤيّدها على الأقلّ.

***


(1) مصباح الأُصول: لمؤلفه السيد محمّد سرور الواعظ الحسيني البهسودي: 2/548و549 وليراجع دراسات الأُستاذ المحقّق الخوئي في الأُصول العمليّة، تأليف السيد علي الحسيني الشاهرودي: 3/339.


الفصل الثاني:

في أدلّة حرمة الاضرار بالنفس

قد عرفت أنّ محلّ النزاع وهو مطلق الاضرار بالنّفس أعمّ من اتلاف النفس أو قطع الأعضاء أو إفساد قوّة من القوى أو حاسّة من الحواس أو تعريض الإنسان نفسه إلى الأمراض وانحراف المزاج، فحان حين سرد أدلّة القول المختار وهو المشهور، فنقول:

إنّ الأدلّة الأربعة من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل تدلّ على القول المشهور أو تؤيّده على الأقل.

الاستدلال بالكتاب:

يمكن الاستدلال بلفيف من الآيات غير انّ المهم هو مايلي وإن كانت دلالة البعض غير تامّة:

ما دلّ على جواز أكل الحرام عند الاضطرار:

هناك آيات تدلّ على جواز أو وجوب أكل الميتة والدم ونحوهما عند الاضطرار نأتي بواحدة منهاونشير إلى مواضع ما لم نذكرها قال سبحانه:


(إنّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ ولا عاد فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (البقرة/173). (1)

تدلّ على الميتة ولحم الخنزير وغير المذكّى وما يشبه ذلك محرّمة تشريعاً إلاّ في حالة الاضطرار فالمضطرّ يباح له ذلك.

والمضطرّ في اللغة: هو المحتاج إلى الشيء من الاضطرار والاسم الضرّة والضرورة وبناؤه من باب الافتعال وأصله الضّرر أي الضيق فجعلت التّاء طاءً لأنّ التّاء لم يحسن لفظه مع الضّاد، فأصل المضطرّ «مضترر». (2)

ودلالة الآيات على المقصود «حرمة الاضرار بالنّفس» تتوقف على ثبوت أمرين:

أحدهما: انّ المضطرّ يجب عليه استعمال المحرّم الذي اضطرّ إليه.

وثانيهما: انّ المضطرّ لاينحصر بمن يخاف الموت وتلف نفسه.

أمّا الأوّل، فليس بثابت إذ ليست الآية بصدد بيانه بل هي بصدد بيان حليّة هذه المحرّمات للمضطرّ لا أكثر، إلاّ أنّ الفقهاء نظراً إلى الأدلّة العقلية والنقليّة على وجوب دفع الضرر عن النفس افتوا بوجوب استعمال المضطرّ ما اضطر إليه من تلك المحرّمات بمقدار ما تندفع الضرورة كما أشرنا إلى كلماتهم آنفاً.

وأمّا الثاني فالظاهر أنّ الآية مطلقة من هذه النّاحية فتشمل كلّ نوع من أنواع الاضطرار سواء كان يخاف منه تلف النفس أو دون ذلك كما أفتى به الفقهاء على ما مرّ عليك.

قوله سبحانه: (وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَحِيماً). (النساء/110)


(1) لاحظ المائدة/3، الأنعام/119، 145والنحل/115.

(2) راجع لسان العرب وتاج العروس ومجمع البحرين وأقرب الموارد.


يستفاد من هذه الكريمة أنّ عمل السوء وظلم الإنسان نفسه أمران محرّمان والاستغفار دليل عليه، فلو قلنا بأنّ المراد من السوء التعدّي على الغير وبالظلم التعدّي على النفس (1) يكون دليلاً على حرمة الاضرار بالنّفس لأنّه من مصاديق التعدّي عليها.

الاستدلال بالسنّة:

تدلّ على المقصود طوائف من الأحاديث وهي متضافرة إن لم نقل بتواترها المعنوي أو الإجمالي، فلاحاجة إلى الفحص عن أسنادها، مضافاً إلى صحّة بعضها وعمل المشهور من أصحابنا على وفقها إن لم نقل بحصول الإجماع على مضمونها.

وإليك تلك الطوائف:

الطائفة الأُولى:

أدلّة قاعدة نفي الضرر مثل الحديث المشهور «لاضرر ولاضرار» أو مع قيد «في الإسلام». وتقريب الاستدلال به يتمّ بوجهين:

أ: بناءً على أنّ المقصود من «لا» هو النّهي فالمعنى أنّ ايراد الضرر والضرار حرام ومنهي عنه، وهذا مطلق يشمل الاضرار بالغير وبالنفس.

ب: بناءً على أنّ المقصود من «لا» هو النفي، أي نفي الحكم الضرري (2) وعلى أنّ «الاباحة» حكم شرعي فإذا استلزم الضّرر يكون حكماً ضرريّاً، فينتفي هذا الحكم ويثبت المقابل وهو الحرمة للقطع بانتفاء الثلاثة الأُخر: الكراهة والوجوب والاستحباب.


(1) تفسير الميزان: 5/74.

(2) الاستدلال بالوجه الثاني ثمّ على مختار الشيخ الأنصاري من أنّ المنفي، هو الحكم الضرري لا على مختار شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ كما مرّ في الرسالة.


وأمّا إذا قلنا بأنّ الاباحة ليس حكماً ضرريّاً فلايتم المقصود، كما قال بذلك الشيخ الأعظم حيث قال: «فإنّ اباحته (أي الاضرار بالنفس) بل طلبه على وجه الاستحباب ليس حكماً ضرريّاً ولايلزم من جعله ضرر على المكلّفين». (1)

يلاحظ عليه: بأنّ الضرر على هذا وصف للحكم، فإذا كانت الاباحة حكماً شرعيّاً ـ حسب الفرض ـ تكون صفحة التشريع مشتملة على الحكم الضرريّ، وهو ينافي نفيه عنها.

هذا وقد أنكر المحقّق الخوئي استفادة المقصود من حديث لاضرر بقوله: «لايستفاد من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا ضرر» حرمة الاضرار بالغير ولاحرمة الاضرار بالنفس، وإن كان الأوّل ثابتاً بالأدلّة الخاصّة، بل يمكن استفادته من الفقرة الثانية في نفس هذا الحديث....

ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الثاني وهو الاضرار بالنفس فلايستفاد حرمته من الفقرة الثانية أيضاً، لأنّ الضّرار وغيره ممّا هو من هذا الباب كالقتال والجدال لايصدق إلاّ مع الغير لا مع النفس». (2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الفقرة الأُولى «لاضرر» كافية في اثبات المطلوب فهي تدلّ على حرمة الاضرار بالغير كما تدلّ على حرمة الاضرار بالنّفس وذلك لأنّ مبنى الاستدلال هو أنّ المنفي هو الحكم الضرري فإذا لم يكن الاضرار بالغير أو بالنفس حراماً لكان مباحاً.ولكنّ إباحة الاضرار يكون حكماً ضرريّاً حينئذ، وقاعدة لا ضرر ناظرة إلى نفي الأحكام الضررية في عالم التشريع ـ على الفرض ـ إذن فالاضرار بالغير أو بالنفس محرّم بناءً على القاعدة.

نعم لو قلنا بعدم كون الإباحة حكماً ضرريّاً لكان كلامه صحيحاً.


(1) المكاسب: 373 رسالة قاعدة نفي الضرر.

(2) مصباح الأُصول: 2/533و534.


وثانياً: أنّ قوله: بأنّ الفقرة الثانية «لا ضرار» لاتدلّ إلاّ على تحريم الاضرار بالغير، مبنيّ على أنّ الضرار من باب المفاعلة وانّ هيئة المفاعلة، وضعت لقيام الفعل بالاثنين وقد مرّ الكلام فيه وأنّه غير ثابت، ولأجل ذلك قال بعضهم بأنّ الضرار بمعنى الضّرر أيضاً وأتى به تأكيداً له، لأنّه مصدر للفعل المجرّد كالقيام.

وبناءً على هذا المبنى الأخير تكون الفقرة الثانية كالأُولى، وعليه فكما تشمل حرمة الاضرار بالغير تشمل حرمة الاضرار بالنّفس أيضاً.

الطائفة الثاني: في مورد الافطار لأجل المرض:

وهي ما تدلّ على وجوب الافطار بالنسبة إلى المريض الذي يتضرّر من الصوم، منها:

1ـ قال الصدوق: «وقال (عليه السلام): كلّما أضرّ به الصوم فالافطار له واجب». (1)

2ـ روى الشيخ باسناده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن حدّ ما يجب على المريض ترك الصوم، قال: «كلّ شيء من المرض أضرّ به الصوم فهو يسعه ترك الصّوم». (2)

3ـ عن فقه الرضا (عليه السلام): «لا يجوز للمريض والمسافر الصيام فإن صاما كانا عاصيين وعليهما القضاء». (3)

هذه الأحاديث تدلّ على حرمة تحمّل الضرر بالنسبة إلى المريض وعلى الأقل تشعر بذلك.


(1) الوسائل: 7/156 ح 13265.

(2) المصدر: 158 ح13273.

(3) مستدرك الوسائل: ج7، كتاب الصوم، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 10.


وربما يناقش في ذلك ويقال: بأنّ ملاحظة مجرّد هذه الأحاديث وإن كانت ربّما توجب استشعار الحرمة لمطلق ما كان مضرّاً إلاّ أنّ الرجوع إلى سائر الأدلّة من الرّوايات بل الآية المباركة يرفع هذا الاستشعار والاستدلال فانّهاتدلّ على أنّ سرّ حرمة الصيام على المرضى هو أنّ اللّه تعالى قد أهدى إلى عباده المرضى والمسافرين هديّة الافطار...فإذا صام المريض ردّ هدية اللّه تعالى ردّاً عمليّاً فكان صيامه بما أنّه ردّ لهديّة اللّه معصية وكان الافطار له واجباً، وعليه فليس ايجاب الافطار للمريض إذا أضرّ به الصيام دليلاً على حرمة ايراد الضرر بالنفس بل ايجاب الافطار على المريض كايجابه على المسافر من باب واحد.

يلاحظ عليه: صحيح أنّ الظاهر من الآية وصريح الحديث هو أنّ حكم الافطار للمسافر والمريض هديّة وامتنان وصدقة من اللّه إلى العباد، إلاّ انّنا نعلم بأنّ أحكام اللّه سبحانه على العموم ومنها امتناناته ليست اعتباطيّة، بل ناشئة عن حكمة الهيّة بالغة ترتبط بجلب المنافع والمصالح للعباد أو دفع المضارّ والمفاسد عنهم.وهذه الحكمة تارة تكون تعبّدية لا يفهمها البشر وعليه أن يتعبّد بها، وتارة تكون واضحة للإنسان بايحاء عقله أو باشارة النصوص إلى وجهها.

وما نحن فيه من القسم الأخير فإنّ اللّه سبحانه رفع وجوب الصّوم عن المريض والمسافر لما يلاقيان عادة ونوعاً من الحرج والضّرر والمشقّة بسببه فامتنّ اللّه عليهما برفع هذا الوجوب وقد أشار سبحانه إلى وجه العلّة أو الحكمة لهذا الحكم في نفس الآية بقوله: (يريد اللّه بكم اليسر ولايريد بكم العسر) (1)، ولولا أنّ في تحمّل الحرج والضرر حزازة ومفسدة لايرتضيها اللّه سبحانه للإنسان لما صدر ذلك الامتنان منه برفع وجوب الصوم عن المسافر والمريض، وخاصّة بالنسبة إلى الأخير، فانّ المسافر وجب عليه الافطار لصرف عذر السفر وإن لم يكن سفره حرجياً وموجباً للعسر، ولكنّ المريض الذي جاز له الافطار بل وجب عليه هو خصوص المتضرّر منه، وأمّا القادر على الصّوم أي الذي لايوجب الصوم فيه شدّة أو طول


(1) البقرة/185.


برء فلايجوز له الافطار كما تدلّ عليه النصوص الشّرعية وفتاوى الفقهاء.

فمن النصوص ما روي عن يونس عن سماعة قال: سألته ما حدّ المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما يجب عليه في السفر من كان مريضاً أو على سفر؟قال: « هو مؤتمن عليه مفوّض إليه فإن وجد ضعفاً فليفطر وإن وجد قوّة فليصمه كان المرض ما كان». (1) ومثل ذلك بقية أحاديث هذا الباب فراجع، وأمّا فتاوى الفقهاء فقد مرّ جملة منها.

منها: قال الشيخ الطوسي: «وحدّ المرض الذي يجب معه الافطار إذا علم الإنسان من نفسه أنّه إن صام زاد في ذلك في مرضه أو أضرّ به...». (2)

وقال المحقّق في المعتبر: «والمريض لا يصحّ صومه مع التضرّر لقوله (عليه السلام) «لاضرر ولاضرار» ولو تكلّفه لم يصحّ، لأنّه منهيّ عنه، والنهي يدل على فساد المنهيّ في العبادات ويجب عليه لو لم يتضرّر، والانسان على نفسه بصيرة». (3)

وصريح عبارة المحقّق أنّ المدرك لعدم صحّة صوم المريض هو قاعدة نفي الضرّر وإنّ مفاد القاعدة هو النهي عن الاضرار بالنفس ولذلك يكون الصوم المضرّ حراماً.

فالحاصل أنّ الملاك في وجوب الافطار على المريض هو الضرر، وقياسه على المسافر من هذه الجهة قياس مع الفارق.ويستكشف من هذا كلّه أنّ وجوب الافطار يشعر على الأقلّ بحرمة الاضرار بالنفس، ولا منافاة بين هذا الاشعار وبين كون صوم المريض يعتبر ردّاً لهديّة اللّه وصدقته، فانّهما متلازمان أو كالمتلازمين في الوجود، ولامانع من أن يكون في حكم واحد ملاكان، كلّ يكفي في إيجاب الحكم إذا توحّدا.


(1) الوسائل: ج7، باب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، ح4.

(2) النهاية: 158.

(3) المعتبر: 2/685، وراجع: الشرائع: 1/155و المختصر: 71.


الطائفة الثالثة: ما يدلّ على لزوم التيمّم عند خوف الضرر:

منها: ما روي عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الرضا (عليه السلام): في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يكون يخاف على نفسه من البرد فقال: «لايغتسل ويتيمّم». (1)

كيفية الاستدلال بهذا الحديث كما يلي:

إنّ الإمام (عليه السلام) نهى من به قروح أو جروح أو يخاف على نفسه من البرد أن يغتسل إمّا بجملة انشائية إذا قلنا بأن الـ «لا» ناهية، أو خبرية بناء على أنّها نافية، فانّه قد ثبت في علم الأُصول أنّ الأمر أو النهي بالجمل الخبريّة أبلغ منهما في الجمل الانشائية، ولاشكّ أنّ النهيّ عن الشّيء يوجب حرمة استعماله تكليفيّاً كما يقتضي فساده وضعيّاً فينتج من ذلك أنّ الاضرار بالنفس حرام، وعلى هذا الأساس نرى أساطين الفقه أفتوا بحرمة استعمال الماء إذا كان مضرّاً.

فقد قال صاحب الجواهر: «وكيف كان فمتى تضرّر لم يجز استعمال الماء، فإن استعمل لم يجز لانتقال فرضه فلا أمر بالوضوء مثلاً بل هو منهيّ عنه فيفسد، وما في بعض أخبار الجروح والقروح«أنّه لابأس عليه بأن يتمّم» ممّا يشعر بالرّخصة لاالوجوب لايراد منه ظاهره قطعاً، كما يوضحه مضافاً إلى العقل الاخبار الأُخر، وكذا كلّ ما كان كذلك من أسباب التيمّم ممّا يفيد تحريم العمل نفسه، لا ما كان منها ليس فيه تحريم للعمل نفسه، كالخوف من اللص ونحوه، فانّه لو خالف وغرّر بنفسه فوجد الماء عاد فرض الماء وإن فعل حراماً في ذلك لتحقّق الوجدان حينئذ عليه...». (2)


(1) الوسائل: ج1، كتاب الطهارة، الباب 2 من أبواب التيمّم، الحديث 7.

(2) الجواهر: 5/111.


الطائفة الرابعة: ما يرتبط بالأطعمة والأشربة:

وهي مجموعة روايات كثيرة، نقتطف عدّة منها:

1ـ ما روي عن مفضّل بن عمر أنّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني جعلني اللّه فداك، لم حرّم اللّه الخمر والميتة والدّم ولحم الخنزير؟ قال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه من رغبة منه فيما حرّم عليهم ولا زهداً فيما أحلّ لهم، ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم ومايصلحهم فأحلّه لهم وأباحه تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه وحرّم عليهم... ـ ثمّ قال: ـ أمّا الميتة فانّه لايدمنها (لم ينل منها ـ خل) أحد إلاّ ضعف بدنه (ونحل جسمه) وذهبت قوّته وانقطع نسله ولايموت آكل الميتة إلا فجأة...» (1).

2ـ مثل هذا الحديث ما رواه الأمالي بسند معتبر عن محمّد بن عذافر عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر (2) (عليه السلام)الخ. وتقريب الاستدلال به على المقصود كما يلي:

إنّ الإمام (عليه السلام) في هذا الحديث أعطى ضابطة كلّية للسّائل وهي: أنّ كلّ ما كان مضرّاً للعباد، منهيّ عنه ومحرّم عليهم، وأنّ الميتة والخمر والدم ولحم الخنزير لم تكن محرّمة إلاّ لأنّها مصاديق لتلك الكبرى. فالمتفاهم العرفي من الحديث هو: أنّ تناول المضرّ أيّاً كان تمام الموضوع للحرمة، فالحرمة تدور مدار الضرر وإن كانت في لسان النصوص تتعلّق بالمصاديق كالميتة وغيرها.


(1) الوسائل: ج16، باب 1 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح1، وأيضاً: الفروع: 2/150 والفقيه: 2/111 والأمالي: 395 والعلل: 165 والمحاسن: 334، وتفسير العياشي: 1/191 والتهذيب: 2/370.

(2) نفس المصادر الآنفة.


ويستفاد من هذا البيان حرمة الاضرار بالبدن والنفس بصورة مطلقة وإن لم يبلغ مستوى اتلاف النفس.

هذا، ولكـنّ المحقّق الخوئـي (قدس سره) أنكر دلالـة الروايـة على المقصـود وقال:

«ولكنّ التأمّل فيها يشهد بعدم دلالتها على حرمة الاضرار بالنفس فانّ المستفاد منها أنّ الحكمة في تحريم جملة من الأشياء كونها مضرّة بنوعها، لا أنّ الضرر موضوع للتحريم.والذي يدلنا على هذا أُمور:

الأوّل: إنّ الضرر لو كان علّة للتحريم يستفاد عدم حرمة الميتة من نفس هذه الرواية، لأنّ المذكور فيها ترتّب الضّرر على إدمانها، فلزم عدم حرمة الميتة من غير ادمان، لأنّ العلّة المنصوصة كما توجب توسعة الحكم توجب تضييقه أيضاً، فإذا ورد أنّ الخمر حرام لكونه مسكراً، فالتعليل المذكور كما يدلّ على حرمة غير الخمر من المسكرات، يدلّ على عدم حرمة الخمر إن لم يكن فيه سكر. وهذا من حيث القاعدة مع قطع النظر عن النصّ الخاص الدالّ على حرمة الخمر قليله وكثيره.

الثاني: انّه لو كان الضرر علّة للتحريم كانت الحرمة دائرة مدار الضرر، فإذا انتفى الضرر في مورد انتفت الحرمة. ولازم ذلك أن لايحرم قليل من الميتة مثلاً بمقدار نقطع بعدم ترتّب الضّرر عليه، مع أنّ ذلك خلاف الضّرورة من الدّين.

الثالث: أنّا نقطع بعدم كون الميتة بجميع أقسامها مضرّة للبدن فإذا ذبح حيوان إلى غير جهة القبلة، فهل يحتمل أن يكون مضرّاً بالبدن مع التعمّد في ذبحه إلى غير جهة القبلة، وغير مضرّ مع عدم التعمّد في ذلك، أو يحتمل أن يكون مضرّاً في حال التمكّن من الاستقبال وغير مضرّ في حال العجز عنه.


الرابع: ما ورد في الرّوايات من ترتّب الضّرر على أكل جملة من الأشياء، كتناول الجبن في النّهار وادمان أكل السمك وأكل التفّاح الحامض إلى غير ذلك ممّا ورد في الأطعمة والأشربة، ... مع أنّه لاخلاف ولاإشكال في جواز أكلها». (1)

يلاحظ عليه:أوّلاً: أنّ الحديث في بعض النسخ وفي الاختصاص ورد كالتالي:

«...لا يدنو منها أحد ولا يأكل إلاّ ضعف بدنه...» (2) فيعم المدمن وغيره.

ثانياً: افترضنا أنّ اضرار الميتة مختصّ بصورة الادمان وعليه فتكون الحرمة الناشئة من الضّرر مختصّة بهذه الصورة، ولكنّه لايأبى أن يكون مطلق أكل الميتة حراماً لملاك آخر وإن لم نقف عليه.وبعبارة أُخرى: انّ غاية ما تدلّ عليه الرواية هو جواز أكل الميتة بصورة غير الادمان وهذا ليس بأزيد من دلالة مفهومية يجوز رفع اليد عنها بما دلّ على حرمة أكل مطلق الميتة.

ثالثاً: الظاهر أنّ الميتة الواردة في الرواية هي الميتة العرفيّة أي ما مات حتف أنفه، فهذا هو محور البحث، وأمّا مطلق غير المذكّى فليس ميتة لغة وعرفاً، وإن كان محكوماً بحكم الميتة أي الحرمة.ولأجل ذلك ذهب هو (قدس سره) إلى عدم نجاسة ما لم يذبح بغير التسمية والاستقبال وإن كان حراماً.

رابعاً: من أين يحصل العلم بعدم الضرر في أكل لحم الحيوان غير المذبوح على جهة القبلة؟ وخاصة أنّ الضرر لا ينحصر بالضرر الجسمي بل يشمل المعنوي ومن المحتمل انّ في ترك استقبال القبلة عند الذبح اضراراً معنويّة، ولا يبعد حرمة ذلك اللحم لهذا الضّرر المعنوي.

خامساً: لماذا لايستكشف من عدم حرمة تناول الجبن في النّهار وادمان أكل السمك وأكل التّفاح الحامض، أنّ الضرر المترتب عليها ليس كثيراً بحيث يوجب


(1) مصباح الأُصول: 2/549و550.

(2) الاختصاص للشيخ المفيد: 103.


حرمتها، لأنّ أدلّة حرمة استعمال المضرّات منصرفة عن الاضرار اليسيرة كما قلنا، وغاية ما يمكن أن يحكم عليها بالكراهة كما لايبعد القول بحمل النهي الوارد عن مثل تناول الجبن على ذلك.

وعلى أيّ حال أنّ دلالة الحديث على المقصود قويّة ويمكن دفع الايرادات الواردة عليها، ولكن هناك مناقشة أُخرى حول الحديث من حيث سنده فقد يقال: إنّ الراوي عن المعصوم (عليه السلام) في اسناد الصدوق في كتبه الثلاثة هو عذافر أبو محمّد بن عذافر وهو عذافر بن عيسى أو ابن عيثم الخزاعي الصيرفي الكوفي عدّ من أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام)إلاّ أنّه لم يذكر بمدح ولا ذمّ، وفي بعض اسناد علل الشرائع رواه عذافر عن بعض رجاله فيشتمل على ارسال مثل المروي عن تفسير العياشي. كما أنّ في سند الكافي مجاهيل أو ضعف أو ارسال ونحوه سند المحاسن والتهذيب.

وبالجملة، فالحديث وإن ورد في كتب متعدّدة إلاّ أنّ سنده إمّا يرجع إلى ابن عذافر عن أبيه أو بعض رجاله وإمّا إلى مفضّل بن عمر وكلا السندين ولاسيّما الثاني منهما مخدوش.

ولكن يمكن دفع هذا الاشكال بهذا البيان:

انّ التحقيق في ملاك حجيّة خبر الواحد هو كون الخبر موثوق الصدور، لاكون الراوي ثقة، ولو قيل بحجية رواية الثقة، فلأجل أنّ وثاقته موجبة للوثوق بالصدور، وعلى ضوء ذلك فلو كانت هناك قرائن مورثة للوثوق بالصدور يكفي ذلك في جواز العمل، وذلك لأنّ الرواية المذكورة وردت في الكتب المعتبرة بعدّة طرق بعضها مرسلة وبعضها مسندة.أمّا المرسلة فقد وردت بسبع طرق، أحدها ينتهي إلى محمّد بن عذافر عن بعض رجاله عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) وستّة منها


(1) الوسائل: 16/377، العلل: 484.


تنتهي إلى محمّد بن عبد اللّه عن بعض أصحابه أو عن رجل عن أبي عبد اللّه. (1)

وأمّا نقلها مسندة فقد ورد من طريقين أحدهما ينتهي إلى عذافر والآخر إلى مفضّل بن عمر.

وعذافر وهو ابن عيسى الخزاعي الصيرفي روى عن أبي جعفر (عليه السلام)، كوفي من أصحاب الصّادق. (2)

والظاهر من كتب الرجال انّه لم يرد فيه مدح أو ذمّ، لكن الظاهر من المجلسي الأوّل كونه ممدوحاً قال: (وروى محمد بن عذافر) في الصحيح (عن أبيه) الممدوح ورواه الشيخان في القوي عن بعض أصحابنا كالمصنّف أيضاً والكليني في القويّ عن المفضّل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وعذافر (عن أبي جعفر (عليه السلام) الخ). (3)

مضافاً إلى ذلك فانّ هناك قرائن كثيرة إذا ضممنا بعضها إلى بعض يحصل الاطمئنان العرفي بوثوق روايته والقرائن هي:

1ـ إنّ رجال الطرق المنتهية إلى عذافر هم:

الشيخ الصدوق وأبوه، ومحمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، ومحمّد بن الحسن الصفّار، ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، ومحمّد بن إسماعيل بن بزيع، وسعد بن عبد اللّه، وأحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري، وإبراهيم بن هاشم القمّي، ومحمّد بن عذافر.وهؤلاء كلّهم ثقات وجلّهم من وجوه الأصحاب وعيونهم وأجلاّئهم (4)، ممّن يسكن إلى روايتهم ويبعد منهم أن ينقلوا حديثاً غير معتبر.


(1) راجع: فروع الكافي: 6/242، والتهذيب: 9/128، والمحاسن: 1/335 ومستدرك الوسائل: 16/163.

(2) راجع: معجم رجال الحديث: 11/135و136 وقاموس الرجال: 6/295.

(3) روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: 7/482.

(4) راجع: معجم رجال الحديث: 15/206، 207، 248، 291، 95، 97، و ج 8/74 و 75 وج2/296 وج1/316، 317 وج16/280.


2ـ نقل هذا الحديث بطرق قويّة ويعتمد عليها إمّا مسندة وإمّا مرسلة في كتب الشيعة المعتبرة أمثال الفروع للكليني وتفسير العيّاشي، ومحاسن البرقي وعلل الشيخ الصدوق، واختصاص الشيخ المفيد، وتهذيب الشيخ الطوسي.

3ـ وجود نفس الرّواية بطرق أُخرى منتهية إلى مفضّل بن عمر الذي سيأتي الكلام عن اعتباره ووثوقه.

4ـ اتقان متن الحديث وورود مضمونه في كثير من الرّوايات الأُخرى التي سنذكر بعضاً منها في هذا الباب.

فهذه القرائن حتّى لو نوقش في كلّ واحدة منها على حدة إلاّ أنّ المجموع يفيد علماً واطمئناناً بصحّة الرّواية.

هذا كلّه حول عذافر وروايته وأمّا مفضّل بن عمر فقد وردت روايته من ثلاث طرق أغلب رجال أسنادها ثقات وهم أحمد بن محمّد بن خالد ومحمّد بن مسلم ومحمّد بن أسلم، وعبد الرحمان بن سالم.

«ومفضّل بن عمر أبو عبد اللّه الجعفي رجل قد اختلفت فيه علماء الرجال.فقد عدّه الشيخ المفيد من خاصّة أبي عبد اللّه (عليه السلام)وبطانتة وثقاته الفقهاء الصّالحين، وعدّه الشيخ من الممدوحين وعدّه ابن شهر آشوب من خواصّ الإمام الصادق (عليه السلام) من الثقات الذين رووا النصّ على موسى بن جعفر (عليه السلام) من أبيه.

وقد روى الكشي في شأن المفضّل عدّة روايات منها مادحة ومنها ذامّة وقد ضعّفه ابن الغضائري... وقال النجاشي: وقيل إنّه كان خطّابيّاً.

والمحقّق الخوئي بعد أن نقل هذه المطالب، قال: «إنّ نسبة التفويض والخطابيّة إلى المفضّل بن عمر لم تثبت وما تقدّم من الروايات الواردة في ذمّه فلايتعدّ بما هو ضعيف السند منها، نعم انّ ثلاث روايات، منها تامّة السند، إلاّ أنّه لابدّ من ردّ علمها إلى أهلها فانّها لاتقاوم ما تقدّم من الروايات الكثيرة المتضافرة التي لايبعد دعوى العلم بصدورها من المعصومين إجمالاً على أنّ فيها ما


هو الصحيح سنداً، فلابدّ من حملها على ما حملنا عليه ما ورد من الروايات في ذمّ زرارة ومحمّد بن مسلم، ويزيد بن معاوية واضرابهم... ويكفي في جلالة المفضّل تخصيص الإمام الصادق (عليه السلام)إيّاه بكتابه المعروف بتوحيد المفضّل... والنتيجة انّ المفضّل بن عمر جليل، ثقة واللّه أعلم...». (1)

ومال المحقّق التستري أيضاً إلى توثيقه وقال:

«وتبيّن ممّا تقدم اختلاف الأقوال والأخبار فيه فقد عرفت قول المفيد في إرشاده بجلالته وكذا في الاختصاص على خبره وكذلك الشيخ في غيبته... كما عرفت قول الغضائري بضعفه وتبعه النجاشي، والظاهر انّ منشأ طعن الغضائري فيه حمل الغلاة في حديثه حملاً عظيماً كما اعترف به نفسه وكما عرفت من الكشي من قوله: «وذكرت الطيارة الغالية في بعض كتبه عن المفضّل» الخ ـ وزاد الشبهة فيه والتهمة له افتراء العامّة عليه، شأنهم مع أجلّة الشيعة....

ثمّ الروايات عن الصادق (عليه السلام) وإن كانت مختلفة إلاّ أنّها عن الكاظم متفقّة في مدحه وكذا ترحم الرضا (عليه السلام)عليه. وكتابه المعروف بتوحيد المفضّل الذي عبر عنه النجاشي بقوله: «كتاب فكر» أقوى شاهد عملي على استقامته فانّه يقهر كل ملحد على أن يكون موحّداً وبالجملة الحقّ كون مدحه محقّقاً وقدحه غير محقّق». (2)

الحاصل أنّ مفضّل بن عمر كما تبيّن من خلال تحقيقات هذين العَلَمين رجل ثقة يعتمد على قوله، ولو تنزّلنا عن ذلك وانتهجنا منهج من لايقول بتوثيقه، فمع ذلك نقول باعتبار الرواية المنقولة عنه لوجود أكثر القرائن الّتي مرّت الاشارة إليها في الرواية المنقولة عن عذافر، في رواية مفضّل بن عمر.

***


(1) معجم رجال الحديث: 18/292ـ 304.

(2) قاموس الرجال: 9/102ـ 104.


3ـ الحسن بن عليّ بن شعبـة في كتاب «تحف العقول» عن الصادق (عليه السلام) قال: وأمّا ما يحلّ للإنسان أكله ممّا أخرجت الأرض فثلاثة صنوف من الأغذية...ـ إلى أن قال: ـ وكلّ شيء يكون فيه المضرّة على الإنسان في بدنه وقوّته فحرام أكله إلاّ في حال الضّرورة... والصنف الثاني ...وما كان فيه المضرّة على الإنسان في أكله فحرام أكله...». (1)

كيفيّة الاستدلال بهذا الحديث كما مرّ في الحديثين الآنفين.

4ـ عن فقـه الرّضـا (عليه السلام): «اعلم ـ يرحمـك اللّه ـ إنّ اللّه تبارك وتعالى، لم يبح أكلاً ولاشرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصّلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضّرر والتلف والفساد، فكلّ نافع مقوّ للجسم فيه قوّة للبدن فحلال، وكلّ مضرّ يذهب بالقوّة فحرام...». (2)

ودلالة هذا الحديث على المقصود أوضح ممّا سبق ففيه تصريح بتلك الضابطة الكلّية التي مرّ الكلام حولها. إلاّ أنّ الكلام المهمّ يتعلّق باعتبار هذا الكتاب وقد مرّ الحديث حول ذلك فلانعيد.

وعلى فرض انّ الكتاب ليس كتاباً حديثيّاً بل كتاب فتوى، فلايضر بالمقصود وذلك لأنّ كتب فتاوى الفقهاء القدماء أمثال الشيخ الصدوق وأبيه كانت نفس عبارات الأحاديث مع حذف أسانيدها على الأغلب، فغاية ما تكون تلك الفتاوى أحاديث مرسلة وحيث إنّ الأحاديث حول المسألة متضافرة فلاحاجة إلى الفحص السندي ولايضرّ الإرسال.

5ـ وفي العلل عن الرضا (عليه السلام) قال: «إنّا وجدنا انّ ما أحل اللّه ففيه صلاح العباد وبقاؤهم ولهم إليه الحاجة ووجدنا المحرّم من الأشياء لاحاجة


(1) تحف العقول: 337، والوسائل ج17، الباب 42 من أبواب الأطعمة المباحة، ح1.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 34 من موسوعة الينابيع الفقهية، ومستدرك الوسائل، ج16، الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 5.


بالعباد إليه ووجدناه مفسداً ...». (1)

6ـ ما رواه في العيون عن محمّد بن سنان عن الرّضا (عليه السلام)فيما كتبه إليه: «وحرّم الميتة لما فيها من فساد الأبدان والآفة ـ إلى أن قال: ـ وحرّم الدّم كتحريم الميتة لما فيها من فساد الأبدان». (2)

7ـ مارواه أيضاً في باب تحريم جميع السباع من كلّ ذي ناب ومخلب من حديث الأربعمائة عن علي (عليه السلام): «ولاتأكلوا الطّحال فانّه ينبت الدم الفاسد». (3)

8 ـ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «انّ زنديقاً قال له: لم حرّم اللّه الدّم المسفوح قال: لأنّه يورث القساوة ويسلب الفؤاد الرّحمة ويعفّن البدن ويغيّر اللّون وأكثر ما يصيب الإنسان الجذام يكون من أكل الدم قال: فأكل الغدد قال: يورث الجذم. قال: فالميتة لم حرّمها قال: فرقاً بينها وما ذكر اسم اللّه عليها والميتة قد جمد فيها الدم وترجع إلى بدنها فلحمها ثقيل غير مرئي لأنّها يؤكل لحمهابدمها...». (4)

9ـ عن مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا اشترى أحدكم اللحم فليخرج منه الغدد فانّه يحرّك عرق الجذام. ورواه الصّدوق في العلل، ورواه البرقي في المحاسن». (5)

10ـ الحسين بن بسطام في طبّ الأئمّة (عليهم السلام) عن محمّد بن جعفر النرسي عن محمّد بن يحيى الأرمني عن محمّد بن سنان عن المفضّل بن عمر عن أبي


(1) الوسائل: ج17، الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4.

(2) المصدر نفسه: 16/311.

(3) المصدر نفسه: 322.

(4) المصدر نفسه: 312.

(5) المصدر نفسه: 361.


عبد اللّه (عليه السلام)عن آبائه عن علي (عليه السلام) عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إيّاكم وأكل الغدد فانّه يحرّك الجذام وقال: عوفيت اليهود لتركهم الغدد». (1)

11ـ في العلل ومعاني الأخبار بأسانيده عن محمّد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) في حديث العلل التي كتبها إليه: «وحرّم الطحال لما فيه من الدم ولأنّ علّته وعلة الدم والميتة واحدة لأنّه يجري مجراها في الفساد». (2)

12ـ عن ابن أبي زياد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «وأكثر مكائد الشيطان أكل الطين. إنّ الطين يورث السقم في الجسد ويهيّج الدّاء ومن أكل الطين فضعف عن قوّته الّتي كانت قبل أن يأكله وضعف عن العمل الّذي كان يعمله قبل أن يأكله حوسب على ما بين ضعفه وقوّته وعذّب عليه». (3)

فهذه الأحاديث كلّها تشير إلى أنّ الميتة والدم والطّحال والطين والغدد لم تحرّم إلاّ لأنّها مصاديق لتلك الضابطة الكلّية وهي حرمة كلّ ما كان مضرّاً لبدن الإنسان ويستفاد من مجموعها بصورة قطعية حرمة الإضرار بالنّفس مطلقاً.

الطائفة الخامسة: ماترتبط بالعلاقات الاجتماعيّة:

منها: ما عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إنّ الجار كالنّفس غير مضارّ ولا آثم، ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمّد مثله». (4)

ففي هذا الحديث نهى عن الاضرار بالجار بجملة خبريّة ودلالتها على التحريم واضحة، وشبّه هذا التحريم بتحريم الاضرار بالنّفس وجعل المشبّه به


(1) الوسائل: ج17، الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة، ص 362.

(2) المصدر نفسه: 379.

(3) المصدر نفسه: 392.

(4) المصدر نفسه: باب 12 من أبواب احياء الموات، الحديث 2، وأيضاً: الفروع: 5/292 ح1 من باب الضرار، والتهذيب: 7/146 ح35.


أمراً مفروغاً عنه، أي كما أنّ الإنسان لا يجوز له الإثم ولا الاضرار بالنّفس فكذلك لا يجوز له أن يضرّ جاره وأن يأثم به.

والمقصود من الجار هنا ليس الذي يكون بيته في جوار بيت الإنسان، بل هو الذي يجيره المسلم ويعطيه الأمان في زمان الحرب.لأنّ هذه الفقرة من الحديث الذي جاء فيه «أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب إنّ كلّ غازية غزت بما يعقّب بعضها بعضاً بالمعروف والقسط بين المسلمين فانّه لايجوز حرب إلاّ باذن أهلها وانّ الجار كالنفس غير مضار...».

والتفسير الذي قدّمناه للحديث هو ما يتبادر إلى الذّهن العرفي، خاصّة مع ملاحظة ما بعده وما قبله من الفقرات.وما قلناه ينسجم مع التفسير الذي ذكره العلاّمة المجلسي حيث قال: «قوله: «غير مضارّ» إمّا حال من المجير على صيغة الفاعل أي يجب أن يكون المجير غير مضارّ ولا آثم في حقّ المجار، أو حالّ من المجار فيحتمل بناء المفعول أيضاً». (1)

وأمّا ما ذكره المحقّق الخوئي في تفسيره بقوله: «المستفاد منها انّ الجار بمنزلة النّفس، فكما انّ الإنسان بطبعه لايقدم على ضرر نفسه ولايظهر عيوبه فليكن هكذا حاله مع جاره». (2)، فهو خلاف الظاهر ويحتاج إلى تكلّف ومؤونة زائدة لاتستفاد من ظاهر الكلام مضافاً إلى أنّه لاينسجم مع سياق الحديث الذي ذكرناه وينسجم مع الجار بمعنى الذي يحل بجوار دار الانسان أكثر ممّا يدلّ عليه الحديث.

الطائفة السّادسة: ما ترتبط بالاضرار بالبدن:

1ـ روى الكليني باسناده عن إسحاق بن عبد العزيز قال: «سئل أبو عبد


(1) مرآة العقول: 18/359.

(2) دراسات الأُستاذ المحقّق الخوئي، تأليف السيد علي الحسيني الشاهرودي: 3/340.


اللّه (عليه السلام) عن التّدلّك بالدّقيق بعد النّورة فقال: لابأس به، قلت: يزعمون انّه إسراف، فقال: ليس فيما أصلح البدن اسراف، وانّي ربّما أمرت بالنقي فيلثّ لي بالزّيت فاتدلّك به، إنّما الإسراف فيما أتلف المال وأضرّ بالبدن». (1)

2ـ وباسناده عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انّا لنسافر ولايكون معنا نخالة فندلّك بالدّقيق؟فقال: «لابأس إنّما الفساد فيما أضرّ بالبدن وأتلف المال، فأمّا ما أصلح البدن فانّه ليس بفساد، إنّي ربما أمرت غلامي فلثّ لي النقيّ بالزيت فاتدلّك به». (2)

دلالة هذين الحديثين على المقصود واضحة وذلك لأنّ الاسراف والفساد واضـح الحرمة وقد خصّهما الإمام الصادق (عليه السلام) بما أضرّ البدن أو أتلف المال.

فينتج من ذلك انّ الاضرار بالبدن واتلاف المال بلا داع عقلائي محرّمان.

الاستدلال بالعقل:

يمكن تبيين الدّليل العقلي على حرمة الاضرار بالنّفس بوجهين:

أ: إنّ الاضرار بالنفس من مصاديق الظّلم، والظّلم قبيح ومحظور عند العقل والشّرع وهذا من المستقلاّت العقليّة، فالاضرار بالنّفس محرّم عقلاً وشرعاً.لأنّه كلّما حكم به العقل حكم به الشرع أيضاً.

ب: إنّ العقل مستقلّ في وجوب دفع المضارّ عن النفس فينتج من ذلك انّ تحمّل الاضرار يكون محظوراًعند العقل والشّرع.وهذا الدّليل العقليّ استند إليه الفقهاء والأُصوليون في كثير من المسائل كما مرّت الإشارة إلى بعض كلماتهم.


(1) الوسائل: 1/397 ح1541، كتاب الطهارة.

(2) المصدر نفسه: الحديث 1542.


هذا، وقد ناقش المحقّق الخوئي (قدس سره) في دلالة العقل على المقصود بقوله:

«إنّ العقل لايرى محذوراً في إضرار الإنسان بماله بأن يصرفه كيف يشاء بداع من الدّواعي العقلائيّة، ما لم يبلغ حدّ الاسراف والتبذير، ولابنفسه بأن يتحمّل ما يضرّ ببدنه فيما إذا كا ن له غرض عقلائي، بل جرت عليه سيرة العقلاء، فانّهم يسافرون للتجارة مع تضرّرهم من الحرارة والبرودة بمقدار لو كان الحكم الشرعي موجباً لهذا المقدار من الضرر لكان الحكم المذكور مرفوعاً بقاعدة لاضرر». (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أمثلة للضرر حيث كان فيها أغراض عقلائية كالتجارة وغير ذلك خلاف الفرض. لأنّ المفروض هو انّ مجرّد الاضرار بالنّفس بلا اقترانه بداع عقلائي هل هو حرام أم لا؟

وأمّا وجود الدّاعي العقلائي فلا يرفع حرمة الاضرار الضيئلة فحسب كتحمّل الحرارة والبرودة بل يرفع حرمة الاضرار الكبيرة أيضاً، حتى مثل قطع الأعضاء واتلاف الأموال بل تعريض الإنسان نفسه للتّلف، بل قد يصبح تحمّل تلك الاضرار الفادحة واجباً في بعض الأحيان كما إذا توّقف الدفاع عن الدين وبيضة الإسلام والمسلمين عليه.

وذلك لأنّ الدّواعي العقلائية والشّرعيّة تجبر الضرر وتسبّب تداركه بها وحينئذ لايرى العقل محذوراً في اضرار الإنسان بنفسه وماله، ولكنّ هذا العقل يرى كلّ المحذور في تحملّ الاضرار حتّى ما دون اتلاف النفس وقطع الأعضاء إذا لم يكن بداع عقلائي.

نعم لايبعد القول بعدم حرمة الاضرار اليسيرة لعدم اعتناء العقلاء بها. اللّهمّ إلاّ أن تكون مصداقاً للإسراف والتبذير أو اللغو فانّها تكون منهيّة عنها بحكم الأدلّة النقليّة.


(1) مصباح الأُصول: 2/548و549.


الاستدلال بالإجماع:

قد نقل كما مرّ سابقاً بأنّ علماء الطّائفة أجمعوا على حرمة الاضرار بالنفس مطلقاً ولايبعد القول بذلك، لأنّ المخالف للمسألة ظهر على ما يبدو وبرهنّا عليه آنفاً في الآونة الأخيرة فلايضرّ الإجماع المنقول.

هذا، ولكنّ الإنصاف انّ ذاك الإجماع لايمكن أن يكون دليلاً مستقلاً، وذلك لأنّه مدركيّ بعد أن عرفت دلالة الآيات والرّوايات والعقل على المسألة.

نعم، يمكن أن نعتبره مؤيّداً للمطلوب، إذ ينبئ على الأقل عن شهرة منقطعة النظير بين الأصحاب، خاصّة المتقدّمين منهم بحيث يصعب على الفقيه جدّاً أن لايكترث بتلك الشهرة العظيمة الّتي تكاد أن تكون من ضروريات الدين الإسلامي الحنيف والشّريعة السهلة السّمحة.

تم تحرير رسالة «لا ضرر ولا ضرار» وله الحمد، في شهر شــوال المكـرم من شهور عـام 1414 هـ. ق.

بيد مؤلفها: محسن الحيدري الطرفيّ عامله اللّه بلطفه الخفي ويرجو من اللّه أن يوفقه لنشر ما كتبه من دروسشيخـهواستـاذه ـ مدّظلّه ـ بفضلـه وكرمـه.


الرسالة الثالثة

القول المفيد

في

الاجتهاد والتقليد

بقلم

السيّد طعان خليل الموسوي العاملي



مقدمة شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف أنبيائه وأفضل سفرائه محمّد وعترته الطاهرين، حجج اللّه على بريته، وخلفائه في أرضه.

أمّا بعد: فهذه ثمرات بحوث حول الاجتهاد والتقليد، ألقيتها في الدورة الثالثة من دوراتنا الأُصولية على لفيف من الفضلاء وثلة من العلماء زادهم اللّه شرفاً وعلماً وعملاً، فحرروا ما ألقيت، وضبطوا ما بينت، منهم العالم العَلَم الزكي التقي حجة الإسلام السيد طعّان خليل الموسوي العاملي ـ دامت إفاضاته ـ، فقد سرحت النظر فيما كتب وحرّر، فوجدته موافقاً لما حقّقناه من الأبحاث، فشكر اللّه مساعيه الجميلة، وبلّغه أمانيه، وجعله من العلماء العاملين والفقهاء النافعين، وسدّده في عاجله وآجله، إنّه سميع مجيب.

جعفر السبحاني

10 شعبان المعظم ـ 1415 هـ

الحوزة العلمية


مقدمة المؤلف:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف بريّته وأفضل خليقته محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين.

أمّا بعد: لمّا انتهى شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في دورته الثالثة في البحوث الأصوليّة ـ إلى خاتمة المباحث ـ أعني: مسألة الاجتهاد والتّقليد، رأيتها طويلة الذيل مترامية الأطراف، فأحببت أن أفردها وأفصلها عن سائر المباحث الأصوليّة التي قمت بتحريرها وقد عرضت ما كتبت في المقام على شيخنا الأُستاذ ـمدّظلهـ فطالع فاستحسن وأجاز نشره، وألتمس من إخواني الكرام أن يمنّوا ويتفضّلوا عليّ بالصّفح عمّا يبدو لهم من خطأ وزلل، وأن يدعوا لي بالخير في مظانّ الإجابة، وفّقنا اللّه جميعاً للعلم والعمل الخالصين لوجهه الكريم إنّه ذو الفضل العميم، عليه توكّلت وإليه أنيب.

الأقلّ: طعّان خليل الموسويّ

نزيل قم المقدسة

الأوّل من جمادي الآخرة من عام (1415) هـ


قال شيخنا الاستاذ ـ مدّ ظله ـ :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وآله الطاهرين.

الكلام في الاجتهاد والتقليد:

فنقول:

الأركان الثلاثة لإدارة المجتمع:

إنّ من سَبَرَ (1) الكتب الفقهيّة وأمعنَ النّظرَ في سائر المصادر يقف على أنّ الشّريعة الإسلاميّة اعتمدت في إدارة المجتمع على أركان ثلاثة، لكلّ شأنه وموقفه، ولايستغني عنها أهل الدّين في زمان من الأزمنة، وأنّ رحى الحياة في جميع الدّوائر تدور عليها.


(1) سبر: تأمّل جيّداً، يقال: سبرت القوم: أي تأمّلتهم واحداً بعد واحد.


الأوّل: السّائسُ (1) والحاكم:

هذا هو الرّكنُ الأوّل لإدارة المجتمع، والمقصود منه وجود قوّة تنفيذيّة تطبّق ما جاء به صاحب الشّريعة في مجالات مختلفة، وفي ظلّ هذه القوّة المتمثّلة في الحاكم الإسلاميّ، يرفرفُ الأمن في البلاد، وتجبى الصّدقاتُ والزّكواتُ، وتجرى الحدود والأحكام على العصاة والطّغاة، وتحفظ ثغور البلاد من عداء الكفّار وتسلّلهم إلى أجوائها وأراضيها، فيسدّ الحاكم الأمر عليهم إلى غير ذلك من وظائف السّائس في مجال ترويج الاقتصاد والتجارة وبسط العدل والقسط، وصيانة الأُمّة من كلّ ظلم وتعدّ وما شابهها. وتختلف وظائف السّائس قلّة وكثرة حسب اختلاف الحضارات والبيئات المحيطة به.

قال سبحانه: ـ (الّذينَ إنْ مَكَّنّاهُمْ في الأرضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكوةَ وَأَمَرُوا بِالمعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وللّهِ عاقِبَةُ الأُمور)(الحج / 41).

وقال الإمام الرّضا (عليه السلام): «إنّا لا نجدُ فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس لما لابدّ لهم منه في أمر الدّين والدّنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لابُدّ لهم منه ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتلون به عدوّهم ويقسمون فيئهم، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من مظلومهم... » (2) هذا، وقد عبّر عن السّائس في الرّوايات بالحاكم والسّلطان والإمام إلى غير ذلك.


(1) من ساس يسوس سياسة، وهو المتولّي والمدبّر لأمور النّاس كالأمراء والولاة. وجمعه: ساسة وسوّاس. والسّياسة: استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي عاجلاً أو آجلاً.

(2) علل الشرائع للصّدوق، باب(182): علل الشرائع وأصول الإسلام، ح9 حديث طويل ذو فروع متعدّدة، اقتبس الشيخ الأستاذ منه ما في ص253 وهو عن أبي محمّد الفضل بن شاذان النيسابوريّ عن مولانا أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا (عليه السلام) راجع ص275.


الثّاني: القاضي والفاصل للخصومات:

هذا هو الركن الثّاني لإدارة المجتمع الإسلاميّ بل مطلق المجتمع البشريّ، لأنّ الحياة الفرديّة لا تثير أيّ اختلاف ونزاع بخلاف الحياة الاجتماعية، فإنّ الاختلاف فيها وافر من جهات ونواحي عديدة، كالتّزاحم والتّصادم في الحقوق والأموال، إمّا طمعاً في حقوق الآخرين وأموالهم وأعراضهم، وإمّا جهلاً بالحكم والوظيفة العمليّة واعتقاداً بملكيّة ما ليس يملكه، فلا مناص حينئذ عن وجود قوّة قضائيّة وسلطة نافذة فاصلة للخصومات تحلّ العقد ببنان العدل والإنصاف، وفي ضوء القانون النّازل من اللّه سبحانه، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه خطاباً لداود (عليه السلام)(ياداودُ إنّا جَعَلناكَ خَليفةً في الأرضِ فَاحْكُم بَينَ النّاسِ بالحقّ ولاتَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ إنَّ الّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَومَ الحِسابِ) (ص/ 26).

وقال مخاطباً لنبيّه: (وإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إنّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) (المائدة/ 42) وقال سبحانه: (وَأنْزَلْنا إلَيكَ الكِتابَ بالحقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْـنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ) (المائدة/ 48) وقال سبحانه: (وأَنِ احْكُمْ بيَنْهَمُ ْبِما أَنْزَلَ اللّهُ ولاتتَّبعْ أهْواءَهُمْ واحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللّهُ إلَيكَ)(المائدة/49).

وليس المراد من الحكم في الآيات هو الحكم فيما يرجع إلى الأُصول والعقائد، بل المراد هو الحكم في مجال الفروع وذلك بوجهين:

1 ـ قوله سبحانه: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التّوراةُ فِيها حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلكَ ومَا أُولئِكَ بالمُؤمِنين)(المائدة/ 43) فانّه بحكم قوله:


(يُحَكِّمُونَكَ وعندهُمُ التَّوراةُ فيها حُكمُ اللّهِ)صريح في كون مجال الحكم هو الفروع.

2ـ ماروي في شأن نزول الآيات عن الإمام الباقر (عليه السلام)وجماعة من المفسّرين: انّ امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم وهما محصنان، فكرهوا رجمهما، فأرسلوا إلى يهود المدينة وكتبوا إليهم أن يسألوا النبي عن ذلك طمعاً في أن يأتي لهم برخصة... (1).

والآيات وإن كانت خطاباً للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لكنّه من قبيل «إياك أعني واسمعي ياجارة» فهي تدل بوضوح على أنّ القاضي في مظنّة اتباع الهوى، معرضاً عن الحقّ، وإنّ المترافعين ربما يفتنونه عن القضاء بما أنزل اللّه، وعليه فلا يتصدى ذلك المقام إلاّ من امتحن اللّه قلبه، للتقوى، وامتلأت جوانحه بالخوف والخشية. ويكفي من السنة، ماروي: «لسان القاضي بين جمرتين(2) من نار حتى يقضي بين الناس فإمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار» (3).

وروى المفيد مرسلاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «فإنّ من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين» (4).

إلى غير ذلك من الآيات والروايات الناصّة على خطورة الموقف وعظمة المسؤولية للقاضي.

الثالث: المفتي والمجتهد:

هذا هو الرّكن الثّالث لإدارة المجتمع الإسلاميّ، فإنّ الإسلام ليس مجرّد


(1) الطبرسيّ: مجمع البيان: 2/ 193، ط. صيدا.

(2) الجمرة: النّار المتقدة.

(3) الوسائل : 18، الباب2 من أبواب صفات القاضي ح3.

(4) المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب صفات القاضي ح8.


أوراد (1) وطقوس (2) لاتتجاوز عدّة آداب وأدعية يلقيها القسّ (3) في الكنائس كما عليه النّصرانيّة، بل هو تشريع مسهب كامل فيه حياة الفرد والمجتمع عاجلاً وآجلاً، يغنيهم عن الاستعانة بأيّة قوة تشريعيّة أجنبيّة غربيّة أو شرقيّة، في مجال العبادات والمعاملات والأحوال الشّخصية والسياسات والقضاء والشّهادات.

إنّ التّشريع في الإسلام من خلال ألوان إعجازه وآيات صلته بقوّة غير متناهية، استطاع إغناء المجتمع البشريّ ـ في كل ما يمتّ بصلة إلى حياته الفرديّة والاجتماعيّة والسياسية والخلقيّة والبيئيّة ـ عن أيّ نظام تشريعيّ آخر.

إنّ هذه الجهات الثلاثة (الحكومة والقضاء والإفتاء) (4) قد تجتمع في شخص واحد كما في الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأوصيائه (عليهم السلام) وقد لاتجتمع في شخص، لضرورات اجتماعيّة توجب تقسيم الوظائف والمناصب، ومثل هذا لايعني فصل الدّين عن السياسة.

نعم، إنّ النّاس في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا في غنى عن بذل أيّ جهد وتحمّل سعي في الوقوف على ما جاء به (صلى الله عليه وآله وسلم)في تلك المجالات لإمكان السّؤال منه، وكان المسلمون كثيراً ما يسألونه ويستفتونه فيوفّيهم الجواب، قال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ في الكَلاَلَةِ...)(النساء/176). ولمّا ارتحل الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وتفرّق المسلمون في أنحاء العالم صعب على الجميع الوقوف على الحكم الشّرعيّ


(1) أوراد، جمع ورْد وهو الجزء، من قرأتُ وردي.

(2) طقوس جمع طقس، وهو الطريقة، وغلب على الطريقة الدينية (نصرانيّة دخيلة). أقرب الموارد: 1/710.

(3) القسُّ في الصحِّاح كفلْس: رئيس من رؤساء النّصارى في الدّين والعلم. وكذلك القسِّيس، والسّريانيّة لغتهم، وكذلك الجاثليق.

(4) إنّ الفرق بين الفتوى وحكم القاضي واضح، وهو أنّ الفتوى إخبار عن الحكم الكلّي وليس له أثر إلاّ تنجّز الواقع، وأمّا القضاء فهو إنشاء حكم جزئيّ مطابق للحكم الكلّي الصادر من اللّه تعالى.

وإن شئت قلت: حكم جزئيّ في مورد شخصي، ويفترق عن حكم الحاكم باشتراط سبق النّزاع في القضاء دون حكم الحاكم في الأُمور العامّة.(منه حفظه اللّه).


من عين صافية، لعدم جمع السنّة النبويّة في معجم تصل إليه كلّ يد، وظهور المسائل المستحدثة غير الموجودة في الكتاب والسنّة، واختفاء القرائن الحاليّة المتّصلة بالكتاب والسنّة، إلى غير ذلك من الأُمور التي دفعت أعلام الأُمّة إلى بذل الجهد في طريق استنباط الأحكام الشرعية، وكلّما ازداد البعد عن منبع الوحي، وكثر تطرّق الجعل والدسّ في الروايات وعروض الاشتباه والسّهو، صار الاجتهادُ أمراً مشكلاً لايتحمّله إلاّ الأمثل فالأمثل.

ولو افترضنا أنَّ أهل المدينة مثلاً كانوا في غنى عن الاجتهاد بعد رحيل الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)للتمكّن من الاتّصال بأهل البيت (عليهم السلام) ، إلاّ أنّ أهل سائر البلاد وخصوصاً البلاد الشّرقيّة يوم ذاك كخراسان، كانوا منقطعين عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)ولم يكن كلّ النّاس متمكّناً من شدّ الرّحال إلى المدينة ولقاء الإمام (عليه السلام) والسؤال منه (1).

ولذلك لم يكن بدّ من قيام جماعة تتحمّل مشقّات ومتاعب السّفر والنّفر، (وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ...)(التوبة/122).

وكان المتمثل لهذا الأمر (الإفتاء) هو المجتهد الّذي يتحمّل جهوداً كثيرة للتّوصل إلى الحكم الشّرعي.

هذا وإنّ لتاريخ الاجتهاد وسَيْرهِ بين الأُمّة الإسلامية بحثاً مفصّلاً سنقوم بعرضه في بحوثنا حول تاريخ الفقه وطبقات الفقهاء الّذي هو في يد التأليف بمعاضدة فريق من الفضلاء، وعليه، فليس للاخباريّ أن ينكر الاجتهاد بهذا المعنى الّذي فرضته الضرورات الاجتماعيّة على ذوي المواهب، وهنا فصلان ، فنقول:


(1) روى عليّ بن المسيّب الهمدانيّ قال: قلت للرّضا (عليه السلام): شقتي بعيدة، ولستُ أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال (عليه السلام) : من زكريّا بن آدم القمّي المأمون على الدّين والدّنيا، قال عليّ بن المسيّب: فلمّا انصرفت قدمنا على زكريّا بن آدم، فسألته عمّا احتجت إليه. الوسائل: 18/106ح 27، الباب 11من أبواب صفات القاضي.


الفصل الأوَّل

في الاجتهاد

الاجتهاد لغة واصطلاحاً.

أحكام الاجتهاد.

في تصدّي المقلِّد للقضاء.

الاجتهاد التجزّئي.

فيما يتوقّف عليه الاجتهاد.

الاجتهاد في عصر الصحابة والتابعين.

شبهة حول الاجتهاد الدارج في عصرنا.



الاجتهاد لغةً واصطلاحاً

الاجتهاد مأخوذ من الجهد بضمّ الجيم بمعنى الطّاقة والوسع، وبفتحها بمعنى المشقّة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطّاقة، فإذا كان من باب الافتعال يراد منه إمّا تحمّل الجهد والمشقّة، فيقال: اجتهد في حمل الرّحى ولايقال: اجتهد في حمل الخردلة، وإمّا بذل الوسع والطّاقة في طلب الشيء، ولعلّ المعنيين (تحمل المشقّة وبذل الطّاقة) متقاربان (1).

أمّا في اصطلاح الأُصوليّين، فقد ذكروا له تعاريف كثيرة سيوافيك مع كثرتها والاجتهاد من المفاهيم ذات الإضافة، أي لها إضافة إلى المجتهِد والمجتهَد فيه. وقبل الخوض في بيانهما لابدّ من تعريف الاجتهاد القائم بالأمرين المذكورين (المجتهد والمجتهد فيه) فنقول:

1ـ عرّفه الغزاليّ: «بذلُ المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشّريعة، والاجتهاد التّام أن يبذل الوسع في الطّلب بحيث يحسّ من نفسه بالعجز من مزيد الطّلب» (2).


(1) راجع لسان العرب: 2/ 395 و 397.

(2) المستصفى: 2/350 للغزالي: (450 ـ 505 هـ).


2ـ وعرّفه الآمديّ: «استفراغ الوسع في طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعيّة على وجه يحسّ من النّفس العجز عن المزيد فيه» (1).

3ـ وعرّفه الحاجبيّ: «استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعيّ»(2).

هذا ويرد على التعريف الأوّل ـ مضافا إلى اشتماله على الدّور الواضح من أخذ المعرّف في التّعريف (3) ـ أنّ الغاية للمجتهد أعمّ من تحصيل العلم بالحكم الشرّعيّ، فربمّا لايتمكّن من تحصيل العلم به، ولكن يتمكّن من تحصيل الحجّة القطعيّة عليه، وكون الحجّة قطعيّة، لايلازم كون مفاده قطعيّاً وعلماً واقعياً بالحكم الشرعيّ كما في الخبر الواحد القائم على حكم من الأحكام (4).

ويردُ على الأخيرين بأنّ الظنّ إمّا أن يقوم دليل قطعيّ على حجيّته أو لا، وعلى الثّاني لا عبرة به ولاقيمة له في مجال الاجتهاد، وعلى الأوّل يكون المدلول ظنيّاً وفي الوقت نفسه يكون حجّة قطعيّة على الحكم الشرعيّ، فالأولى حذف الظنّ وإقامة الحجّة مقامه.

ويتوجّه على الثّلاثة: أنّ الغاية للمجتهد ليست تحصيل العلم أو الحجّة


(1) الإحكام: 4/ 169للآمدي (551 ـ 631 هـ).

(2) شرح مختصر الأصول ـ :460عند الكلام عن الاجتهاد.

(3) لأنّ المراد من المجتهد هو العالم الفعليّ بالأحكام الشرعية الفرعيّة عن أدلّتها ومداركها، لا صاحب الاستعداد، فالفقيه بهذا المعنى ممّا يتوقّف فهمه على فهم الاجتهاد، فيلزم الدور.

(4) قيل: إنّ أخذ العلم في تعريف الاجتهاد ليس لموضوعيّته بالخصوص بل لكونه مصداقاً من مصاديق الحجّة، والمناط كلّه في تحصيل الحجّة سواء كان علماً أو غيره.


الشّرعية على الحكم الشّرعيّ بل الأعمّ منه ومن تحصيل الحجّة على الوظيفة الفعليّة، كالظنّ على الحكومة والأصول العقليّة كالبراءة والاشتغال العقليّين، فإنّها حجج عقليّة لا يستنبط منها حكم شرعي مباشرة، وأمّا استنباط الحكم الشرعيّ من الحكم العقليّ فهو ـ على القول بالملازمة ـ أمر آخر غير محتاج إليه.

وربّما يعرّف بما نقله المحقّق الخراساني بأنّه: «ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشّرعيّ الفرعي من الأصل فعلاً أو قوّة قريبة» (1).

قوله: «فعلاً أو قوّة قيدان للاستنباط لا للملكة للزوم فعليّة الملكة، والمراد من الأوّل هو الاقتدار على الاستنباط الفعليّ بلا حالة انتظاريّة غير المراجعة الاختيارية. والمرادُ من الثاني هو من كانت له حالة انتظارية من غير تلك الجهة أيضاً، لأجل عروض عارض خارجيّ كفقد الأسباب والكتب، لا مطلق الجهات وإلاّ يشمل العاميّ المستعدّ للتعلّم. هذا

ويردُ على التعريف المذكور: أنّ الغاية من الإجتهاد أعمّ من استنباط الحكم الشّرعيّ الفرعيّ أو الوظيفة الفعليّة كما في مجاري الأصول.

ثمّ إنّ تفسير الاجتهاد بالعلم بالأحكام كما في تعريف الغزالي، يوجب اتّحاد تعريفه مع تعريف الفقه. وهذا بخلاف ما إذا فسّر بالملكة فيتغاير معه.

واعلم أنّ الاجتهاد وقع موضوعاً لأحكام عديدة ـ تارة بالمعنى الأوّل أي المستنبط بالفعل، وأُخرى بالمعنى الأخير: أي من له الملكة حالة عدم تصدّيه للاستنباط خارجاً وتحصيل الحجّة على الأحكام الشرعيّة ـ ولايتوقّف البحث عن هذه الأحكام على تحقيق معنى الاجتهاد اصطلاحاً، إذ ليس هو بالمعنى المصطلح موضوعاً للحكم الشرعيّ حتى نبذل الجهد في تحديده، بل الموضوع إمّا المستنبط


(1) نقله المحقق الخراسانيّ في كفايته: 2 /422عن الشيخ بهاء الدين العاملي(رضي الله عنه) في زبدة الأصول: 115 المنهج الرّابع في الاجتهاد والتّقليد.


فعلاً أو الأعمّ منهُ ومن المستنبط بالقوّة القريبة.

وأمّا هذه الأحكام فهي عبارة عن أُمور أربعة:

الأوّل: يجوز للمجتهد أن يعمل برأي نفسه.

الثاني: يحرم للمجتهد الرّجوع إلى الغير.

الثالث: يجوز للعامّي الرّجوع إلى المجتهد وتقليده.

الرابع: ينفذ قضاءُ المجتهد وحكمه.

أمّا الحكم الأوّل: جواز العمل برأي نفسه:

فنقول: الموضوع فيه ليس صاحب الملكة المحضة الّذي لم يتلبّس بعد بالاستنباط فعلاً. بل من تلبّس به، وأمّا علّة الجواز (1) فلأنّه إمّا عالم بالحكم الواقعيّ وجداناً، أو تعبداً بفضل الدليل، الثابتة حجيته بالدّليل القطعي كما في موارد الطّرق والأصول الشرعيّة، وإمّا عالم بالوظيفة الفعليّة العمليّة كما في موارد الأصول العقليّة، وما للعالم إلاّ العمل بعلمه.

وأمّا الحكم الثّاني: حرمة رجوعه إلى الغير:

فهل الموضوع للحرمة مطلق المتمكن من استنباط الأحكام الشّرعية ـ ولو لم يتلبّس بالاستنباط ـ كما عليه الشّيخ الأعظم والمحقّق الخوئي(رضي الله عنه) (2) وغيرهما، أو


(1) المراد به الجواز بالمعنى الأعمّ الصّادق على الوجوب.

(2) التنقيح: 1/30، قال(رضي الله عنه): وعن شيخنا الأنصاريّ(قدس سره) في رسالته الموضوعة في الاجتهاد والتقليد، دعوى الاتفاق على عدم الجواز، لانصراف الاطلاقات الدّالة على جواز التقليد عمّن له ملكة الاجتهاد، واختصاصها بمن لايتمكّن من تحصيل العلم بها. وما أفاده (قدس سره) هو الصحيح وذلك لأنّ الأحكام الواقعيّة قد تنجّزت على من له ملكة الاجتهاد، بالعلم الإجمالي أو بقيام الحجج والأمارات عليها في محالّها، وهو يتمكّن من تحصيل تلك الطرق، إذاً لابدّ له من الخروج عن عهدة التكاليف المتنجّزة في حقّه، ولايكفي في ذلك أن يقلِّد الغير، إذ لايترتّب عليه الجزم بالامتثال، فإنّه من المحتمل أن لاتكون فتوى الغير حجّة في حقّه لوجوب العمل بفتيا نفسه ونظره، فلا يُدرى أنّها مؤمِّنة من العقاب المترتّب على مخالفة ماتنجّز عليه من الأحكام الواقعية، والعقل قد استقلّ بلزوم تحصيل المؤمِّن من العقاب، ومع الشك في الحجيّة يبنى على عدمها، فإنّ الشكّ في الحجيّة يساوق القطع بعدمها ... ـ ثم قال(رضي الله عنه)(ص ـ 32): ـ والمتحصّل أنّ من له ملكة الاجتهاد ـ سواء لم يتصدّ للاستنباط أصلاً أو استنبط شيئاً قليلاً من الأحكام ـ لابد له من أن يتبع نظره ويرجع إلى فتيا نفسه، ولايجوز أن يقلّد غيره، والإجماع المدّعى في كلام شيخنا الأنصاري(رضي الله عنه) أيضاً مؤيِّد لما ذكرناه، لعدم كونه إجماعاً تعبّديّاً».


المتمكّن المتلبّس بالاستنباط كما عليه صاحب المناهل؟ نقول:

قال الشيخ الأنصاريّ (رضي الله عنه) في رسالته الّتي ألّفها في الاجتهاد والتّقليد: «فاعلم أنّه لا إشكال في أنّه يجوز التّقليد للعامّي الصّرف، وكذا العالم غير البالغ مرتبة الاجتهاد، وهل يجوز لمن له ملكة الاجتهاد، التقليد فيما لم يجتهد فيه فعلاً أم يتعيّن عليه الاجتهاد؟ قولان: المعروف عندنا العدم، بل لم ينقل الجواز عند أحد منّا، وإنّما حكي عن مخالفينا على اختلاف منهم في الإطلاق والتفصيلات المختلفة. نعم اختار الجواز بعض سادة مشايخنا في مناهله، وعمدة أدلة القائلين بالمنع عبارة عن الأُمور التالية:

الأوّل: الأصل بتقريرات مختلفة.

الثاني: عموم الأدلة الدّالة على وجوب الرّجوع إلى الكتاب والسنّة في الأحكام خرج منها القاصر عن ذلك.

وعمدة أدلة الجواز أمران:

الأوّل: استصحاب جواز التقليد.

الثاني: عموم السّؤال من أهل الذكر» (1).


(1) مجموعة رسائل فقهيّة وأصوليّة: 53 ـ 54.


أقول:

الظّاهر أنّ القائل بالجواز في غنىً عن التمسّك بالاستصحاب (1) أو عموم آية الذّكر (2) لأنّ الدّليل الوحيد على جواز الرّجوع إلى أصحاب التّخصّص هو السيرة (سيرة العقلاء). وما ورد في الشّرع إمّا مؤكّد لها أو مبيّن للمصداق.

فقوله سبحانه: (فَاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ...) مؤكّد لحكم العقل، وقوله (عليه السلام): «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أصحابنا...» (3) مبيّن للمصداق وليس مؤسّساً للحكم.

والذي يجب التركيز عليه هو شمول السّيرة لأمثال المقام وعدمه. والظّاهر شمولها خصوصاً إذا كان المرجع أعلم وأفقه من الرّاجع، وبما يرجّح الرّجوع إليه، وعند ذلك يسقط الاستدلال على عدم الجواز بأصالة عدم حجيّة رأي أحد في حقّ أحد.

وأمّا ما دلّ على الرّجوع إلى الكتاب والسنّة فهو باق على عمومه لم يخرج منه


(1) مضافاً إلى انّه لا معنى لجريان الاستصحـاب في المقام، لاختلال شرط إحراز بقـاء الموضوع، فإنّ القادر على الاستنباط وإن لم يستنبط فعلاً ليس العامّي المحض.

(2) سيأتي الكلام حول الأدلّة النقلّية.

(3) الوسائل: 18/ 101ح9، الباب11 من أبواب صفات القاضي، قال صاحب الوسائل: وفي كتاب(إكمال الدين وإتمام النعمة) عن محمّد بن محمّد بن عصام عن محمّد بن يعقوب عن اسحاق بن يعقوب...الحديث: هذا حديث طويل في إكمال الدّين(2/162) وإسحاق بن يعقوب مجهول لم يعرف في الرّجال. وقال في الخاتمة ص138رقم 138: إسحاق بن يعقوب: روى الكشيّ توقيعاً يتضمّن مدحه.

وقال في تنقيح المقال: 1/122 رقم 727: لم أقف فيه إلاّ على رواية الشيخ(رضي الله عنه) في كتاب الغيبة عن جماعة... الخ وذكر بعض الحديث، وفي آخره: والسّلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتّبع الهدى.


أحد حتّى العامّي غير أنّ الرّجوع تارة يكون مباشرة (بالاجتهاد) وأُخرى بلامباشرة (بالتّقليد) ، ومرجع الكلّ في الحقيقة هو الكتاب والسنة، وليس ما دلّ على الرجوع، ظاهراً في خصوص الرّجوع المباشريّ.

وتظهر قوّة جواز الرّجوع والتّقليد، لو وقفنا على أنّ مناط حجيّة اجتهاد المجتهد هو الطريقيّة، فعليه نقول: تعيّن رجوعه إلى اجتهاد نفسه مع كون كليهما طر يقين إلى الواقع يحتاج إلى الدّليل.

نعم إذا استنبط وخالف الآخر لايصحّ له الرّجوع إلى الغير، لأنّه يخطّئهُ باجتهاده، دون ما إذا لم يستنبط.

فإنّ قلت: إنّه يعلم أنّه لو قام بالاستنباط لخالف الآخر في بعض آرائه، ومعه كيف يجوز الرّجوع إليه.

قلت: إنّ العلم بالمخالفة ليس في دائرة محصورة، بل في مجموع أبواب الفقه الكثيرة، الخارج أكثرها عن محلّ الابتلاء، ومثل هذا العلم غير منجّز في باب العلم الاجماليّ .

ثمّ على ما ذكره الشّيخ يكون الموضوع لجواز الرّجوع إلى نفسه هو المستنبط بالفعل الّذي استنبط الأحكام الشّرعية الفرعيّة وصار عارفاً بها، والموضوع لحرمة الرّجوع إلى الغير أوسع من ذلك وأعمّ، أي شموله للمستنبط بالقوّة، وهذا على خلاف ماذهبنا إليه، فإنّ الموضوع لجواز الرّجوع إلى نفسه وحرمة الرّجوع إلى الغير وتقليده، يكون شيئاً واحداً وهو المستنبط بالفعل.

أمّا الحكم الثّالث: جواز رجوع العامّي إلى المجتهد وتقليده:

فسيوافيك دليله في الفصل الخاصّ بجواز رجوع العامّي إلى المجتهد، والغرض في المقام هو بيان أحكام عنوان المجتهد عقلاً أو شرعاً.


فنقول: إنّ جواز الرّجوع والتّقليد منحصر في من عرف الأحكام واستخرجها من الأدّلة الشّرعية المتعارفة المقرّرة، ولايشمل الواقف على الحكم من الطرّق غير المألوفة والمعهودة، كالرّمل والجفر والاسطرلاب (1)، وذلك لانصراف الأدلّة عن مثله.

نعم يبقى هنا بحث وهو: هل يجوز تقليد المجتهد القائل بالانسداد أو لا ؟

نقول:

هذا هو الّذي عنونه صاحب الكفاية في المقام بعد تقسيم الاجتهاد إلى المطلق والمتجزّي، وكان عليه أن يبحث فيه قبل ذلك التقسيم، فإنّه (رحمه الله) سوف يتعرض لأحكام المتجزّي، وقد اختار ـ قدّه ـ عدم الجواز، واستدل عليه:

أوّلاً: أنّ المجتهد الانسداديّ إمّا أن يقول بحجيّة الظنّ من باب الحكومة أو من باب الكشف، فعلى الأوّل ليس هو عالماً بالأحكام الشرعية، لأنّ معناه هو أنّ الاحتياط المطلق في المظنونات والمشكوكات والموهومات لمّا كان أمراً حرجيّاً أو مخلاً للنّظام، استقلّ العقل حينئذ بالتبعيض في الاحتياط بتقديم المظنونات على غيرها، فيكون العمل بالظنّ عملاً بالاحتياط، وهو ليس علماً بالحكم الشّرعيّ، فلا يشمله دليل التقليد الذي يركزّ على رجوع غير العالم إلى العالم، بل هو أشبه برجوع غير العالم إلى مثله.

وثانياً: أنّ مقتضى مقدّمات الانسداد ليست إلاّ حجيّة الظّن عليه لا على غيره (2)، فلابدّ في حجيّة اجتهاد مثله على غيره من التماس دليل آخر غير دليل التقليد، وغير دليل الانسداد الجاري في خصوص حقّ المجتهد.


(1) منجد اللّغة: ص10-11مادّة: أسط: الأسطرلاب: آلة رصد قديمة، لقياس مواقع الكواكب وساعات الليل والنّهار وحلّ شتى القضايا الفلكّية، وهو أنواع: مسطّح، أكري، خطيّ(يونانيّة).

(2) هذا الدّليل مشترك بين القول بالحكومة والكشف، وسيعود(قدس سره) إليه أيضاً عند الكلام في جواز الرّجوع إلى المجتهد القائل بالكشف.


هذا والّذي يمكن أن يكون دليلاً على حجيّة الظّن الانسداديّ في حقّ العامّي أمران:

الأوّل: الإجماع على جواز التّقليد.

الثاني: جريان مقدّمات دليل الانسداد في حقّ العاميّ بحيث تكونُ منتجة لحجّية الظّن الثابتة حجّيّته بمقدّماته أيضاً.

والدّليل الأوّل باطل لعدم الاجماع تحقّقاً، حيث إنّ المسألة من المستحدثات، وكذلك الثّاني لعدم جريان مقدّمات دليل الانسداد في حقّ العامّي، وذلك لأنّ من مقدّماته (أي المقدّمة الثالثة) بطلان تقليد المجتهد الانسداديّ للقائل بالانفتاح، وذلك لأنّ الانسداديّ يخطّئُ الانفتاحيّ، فلايمكن تقليده، وهذا بخلاف العاميّ، لتمكّنه من تقليد الانفتاحيّ.

ولو فرض انحصار المجتهد بالانسداديّ فلايلزم من ترك العمل بقوله واللّجوء إلى الاحتياط، محذور اختلال النّظام وإن لزم منه العسر، فيتعيّن عليه الاحتياط وإن استلزم العسر مادام قاصراً عن إثبات عدم وجوب الاحتياط مع فرض العسر.

هذا كلّه إذا كان المجتهد قائلاً بحجيّة الظّن من باب الحكومة، وأمّا لو كان قائلاً بحجيّته من باب الكشف، فالّذي يستنبطه وإن كان حكماً شرعيّاً، ويكونُ الرّجوع إليه من قبيل رجوع الجاهل إلى العالم، إلاّ أنّ أدلّة التقليد لاتساعد على جواز الرّجوع إليه لاختصاص حجّية الظنّ بمن جرت في حقّه


مقدّمات الانسداد دون غيره . (انتهى المراد من كلامه (رضي الله عنه) بتصرّف منّا).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ دليل الجواز، ليس جريان مقدّمات الانسداد في حقّ العامّي حتّى يقابل بما سمعت، بل جريان الانسداد في حقّ المجتهد كاف في عموميّة النتيجة وشموليّتها له ولغيره، واختصاص حجيّة الظنّ بمن جرت في حقّه مقدّمات الانسداد ممنوع، وذلك لأنّه بعد طيّ العقبات والمراحل، لا يستنبط إلاّ حكماً كليّاً أو وظيفة كليّة لا شخصيّة لنفسه، فقيامه بالإجراء كاف في شمول الحجّية (1).

هذا وإنّ القول بجريان مقدّمات الانسداد في حقّه دون غيره لعدم وجود مباديها في الغير، لايوجب اختصاص النتيجة به، وذلك لما ذكرناه من كون الحكم المستنبط والوظيفة كذلك، كليّين.

وبالجملة: قوام مقدّمات الانسداد به وجريانها في حقّه دون غيره، لايصير دليلاً على خصوصّية النتيجة مع فرض الوظيفة الإلهيّة كليّة لعامّة المكلّفين.

والمقام أشبه بالتّقليد في نتائج الأُصول، فإنّه ليس للعاميّ يقين ولاشكّ وليس عارفاً بشرائط الأُصول، ومع ذلك يكون الحكم المستنبط بالأُصول نافذاً في حقّ الجميع، فإنّ استصحاب النجّاسة في الماء المتغيّر الزّائل تغيّرُه بنفسه، حجّة على الجميع، لأنّ المستصحب حكم اللّه المشترك بين الكلّ، لا الحكم المتوجّه إلى المستنبط خاصة، وإن كانت مقدّمات الاستنباط قائمة بالمجتهد وليس للعامّي حظّ فيها.

وثانياً: أنّ مورد التّقليد لا ينحصر بما إذا كان الموجود حكماً من أحكام اللّه الفرعية، بل يكفي فيه كونه وظيفة لازمة على العباد، والانسداديّ على الحكومة وإن لم يستنبط حكم اللّه الفرعيّ إلاّ أنّه استنبط الوظيفة العامّة للعباد، نظير استنباط الانفتاحيّ بالأُصول العقليّة كالبراءة والاشتغال العقليّتين.


(1) وبعبارة أُخرى أنّ العقل لايفرّق في رجوع الجاهل بالوظيفة إلى العالم بها بين الانفتاحيّ القائل بانحلال العلم الإجماليّ بما في موارد الظنون الخاصّة وبين الانسداديّ القائل بعدم انحلاله، فكما أنّ الأوّل عالم بالوظيفة الشرعيّة الظّاهرية كذلك الثاني عالم بالوظيفة العقلية الظاهرية وهو الأخذ بالأقرب إلى الواقع، لعلمه بعدم الوظيفة الشرعية.


ثمَّ إنّ المحقّق الخراساني (رضي الله عنه) لمّا التفت إلى أنّ منع الرّجوع إلى المجتهد الانسداديّ بحجّة أنّه غير عالم بالحكم الشرعي يستلزم منع رجوع العامّي إلى المجتهد الانفتاحيّ فيما إذا انحصر مدركه في الاستنباط بالأُصول العقليّة، قال مستشكلاً: «إن قلت: رجوعه إليه في موارد فقد الامارة المعتبرة عنده التي يكون المرجع فيها الأُصول العقلية ليس إلاّ الرّجوع إلى الجاهل.

وأجاب ما هذا حاصله: إنّ رجوع العامّي إلى المجتهد في هذه الموارد إنّما هو لأجل تشخيص الصّغرى وهو عدم وجود أمارة في هذا المورد، وأمّا الكبرى فيستقلّ عقل العامّي بها، فمع فقد الأمارة المعتبرة تكون الوظيفة الفعليّة هي البراءة أو الاحتياط. (انتهى) (1).

يلاحظ عليه: إنّ ما ذكره أشبه بالمزاح، إذ من المعلوم أنّ تشخيص الصغرى في موارد الشّبهات البدويّة أو أطراف العلم الإجماليّ من وظائف الفحول الذين كرّسوا حياتهم في تلك المباحث، فأين للعاميّ تشخيص الصّغرى في تلك الموارد.

والعجب أنّ المحقّق الخوئيّ (رضي الله عنه) أيّد المذكور آنفاً بقوله: الرّجوع إلى المجتهد في موارد الأُصول العقلية ليس من جهة التقليد في الحكم الشرعيّ، بل من جهة الرّجوع إليه في تشخيص موضوع حكم العقل، حيث إنّه من أهل خبرة ذلك، فيرجع العامّي إليه في تشخيص أنّ المورد الفلاني لم تقم فيه حجّة على التكليف المحتمل، ولم يثبت فيه حكم شرعيّ واقعيّ أو ظاهريّ، فيستقل عقله بما استقلّ به عقل المجتهد بعينه. ولو فرض أنّه لم يكن أهلاً لإدراك الأحكام العقليّة المستقلة، لم يكن مانع من الرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة أيضاً (2) (انتهى المراد من كلامه (رحمه الله)).


(1) كفاية الأُصول: 2 / 426.

(2) مصباح الأُصول: 3 /439.


يلاحظ عليه: أنّه مع رجوعه في الصّغرى والكبرى إلى أهل الخبرة، أليس ذلك هو التقليد في مجاري الأُصول العقليّة مع فقد حكم اللّه الشرعي .

وختاماً نقول: إنّ مايرجع إليه الانسداديّ في مقام الإفتاء هو نفس مايرجع إليه الانفتاحيّ، فالمرجع عند الجميع هو الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، غاية الأمر يسمّيه الانفتاحي ظنّاً خاصّاً، والانسداديّ ظنّاً مطلقاً، ولايرجع إلى الظّنون الممنوعة كالقياس، نعم يرى الانسداديّ بعض الظّنون حجّة ولايراه الانفتاحي كذلك، وليس هذا إلاّ كاختلاف الاخباريّ والأُصوليّ من جهة حجيّة بعض الأُمور، مع اتّفاقهما على لزوم النظر وبذل الجهد.

الرابع: نفوذ حكمه وقضائه:

هذا هو الحكمُ الرّابع المترتّب على عنوان المجتهد والفقيه في لسان الفقهاء، والبحث فيه عن أُمور ثلاثة:

الأوّل: ما هو الدّليل على نفوذ حكم المجتهد المطلق؟

الثاني: هل حكمُ المتجزّي كحكم المطلق فيما اجتهد واستنبط؟

الثالث: هل يجوز نصب المقلّد للقضاء فيما إذا مارس القضاء وعرف آدابه وأحكامه تقليداً؟

هذا وإنّ إشباع الكلام في المقامات الثلاثة موكول إلى كتاب القضاء، وإنمّا البحث في المقام حسب المناسب، غير أنّ المحقّق الخراساني (رضي الله عنه) بدل التركيز على البحث من هذه المسائل ركّز البحث على جواز القضاء للانسداديّ وعدمه الّذي لاتترتّب عليه ثمرة في أعصارنا هذه، فنقول:


ما هو الدّليل على نفوذ حكم المجتهد المطلق؟

إعلم بأنّ الشريعة الإسلامية الغرّاء، تشريع كامل لم يترك شيئاً ممّا له ارتباط بحياة البشر عاجلاً وآجلاً. فقد عالج تلك النّاحية الحيويّة بنصب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة المعصومين (عليهم السلام)حكاماً وقضاة، واللاّزم على الأُمّة الرّجوع إليهم (عليهم السلام) فيما اختلفوا فيه حكماً كان أو موضوعاً، وليس لأحد القضاء بين النّاس إلاّ بإذن منه سبحانه، وتوضيحه:

إنّ القضاء بين الناس لمّا كان ملازماً للتصرّف في أموالهم وأنفسهم، احتاج التلبّسُ به إلى ولاية حقيقيّة يمارس في ظلّها ذلك التصرّف، وليست هي إلاّ للّه سبحانه، فلا ولاية لأحد على أحد ولاينفذ قول أحد ورأيه في حقّ أحد، إنمّا الولاية للّه سبحانه، قال تعالى: (إِنِ الُحكْمُ إلاّ للّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلين) (الأنعام ـ 57). وقال سبحانه: (إنِ الحكمُ إلاّ للّهِ...)(يوسف ـ 40)، إلى غير ذلك من الآيات الحاصرة حقّ الحكومة في اللّه سبحانه وحده لانحصار الولاية الحقيقيّة فيه.

ثمّ إنّ من لوازم القضاء كون الممارس له، مجانساً لمن يقضي فيهم، ولأجل ذلك نصب سبحانه أنبياءه (1) وأولياءه (عليهم السلام) قضاةً للنّاس يحكمون فيهم بما أنزل اللّه سبحانه ولايحيدون عنه قيد شعرة.

قال سبحانه: (ياداودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ ولاتَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبيلِ اللّهِ...)(ص ـ 26). وقال سبحانه في حقّ نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَما أرسَلْنَا مِن رَسَول إلاّ لِيُطاعَ بإذْن ِاللّهِ وَلَو أنّهم إذْ ظَلَمُوا


(1) قال تعالى: (إنّا أنزَلْنا التّوراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يحكُمُ بها النّبيُّونَ الّذينَ أسْلَمُوا لِلّذِينَ هَادُوا والرّبّانيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء...) (المائدة ـ 44).


أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً * فَلا وَرَبِّكَ لايُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لايَجِدُوا في أنفُسِهِمْ حَرَجاً ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تًسْلِيما) (النساء ـ 64و65).

وقال أيضاً في حقّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأُولي الأمر من الأُمّة المفسّرين بالأئمّة المعصومين (عليهم السلام) (يَا أيّها الّذينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ في شيْءِ فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ والرَّسُولِ إن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وأحسَنُ تأوِيلا)(النساء ـ 59).

وليس المراد من الإطاعة في هذه الآيات، هي الإطاعة في العمل بالأحكام الشرعية كإقامة الصلاة وإيتاء الزّكاة وحجّ البيت، إذ ليس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا لغيره في تلك المجالات حكم وقضاء حتّى يُطاع، وإنمّا دورهم فيها دور المبلّغ والمبيِّن لأحكام الشّريعة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وليس هو عليهم بمسيطر، بل المراد الإطاعة في فصل الخصومات وقطع المنازعات إلى غير ذلك من الموارد التي له فيها حكم طلبيّ أو زجريّ.

فهؤلاء هم القضاة المنصوبون من اللّه سبحانه بأسمائهم وخصوصيّاتهم، وأمّا بعد ارتحال النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأوصيائه (عليهم السلام)أو عدم التمكّن من الوصيّ المنصوب (كما في عصر الغيبة) فإنّ هذه الناحية لم تترك سدى، بل عيِّن رجال موصوفون بصفات ومتّسمون بسمات لمنصب القضاء، والتفصيل موكول إلى الروايات، وإليك بعض ماورد في ذلك المجال من الرّوايات المعتبرة:

الأُولى: مقبولة عمر بن حنظلة: (1)

روى الكليني (رضي الله عنه) عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن


(1) الأُصول من الكافي: 1 / 67 و 68، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث.


عيسى عن صفوان بن يحيى عن دواد بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك؟ قال (عليه السلام): «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطّاغوت، وما يحكم له فإنمّا يأخذ سحتا، وإن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى: (يُرِيدُونَ أنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أن يَكْفُرُوا بِه)».

قلتُ: فكيف يصنعان؟ قال (عليه السلام): «ينظران (إلى) من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنمّا استخفّ بحكم اللّه وعلينا ردّ، والرّاد علينا رادّ على اللّه وهو على حدّ الشرك باللّه».

قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلاًمن أصحابنا فرضيا أن يكونا النّاظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال (عليه السلام): « الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولايلتفت إلى مايحكم به الآخر».

(إلى أن قال): قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّةووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال (عليه السلام) «ما خالف العامّة ففيه الرّشاد».

أقول: نبحث المقبولة سنداً ومتناً. أمّا من جهة السنّد:

فإنّ من جاء في السنّد، أجلاّء ثقات كما ثبت دون الأخير، وإليك ترجمتهم إجمالاً:

أ ـ محمد بن يحيى وهو العطّار القميّ شيخ الكليني وقد أكثر الرواية عنه.


ب ـ محمّد بن الحسين وهو ابن أبي الخطاب، أبو جعفر الزّيات الهمدانيّ، جليل من أصحابنا عظيم القدر، كثير الرواية، ثقة عين، حسن التّصانيف، مسكون إلى روايته (1)، توفي عام (262هـ).

ج ـ محمد بن عيسى العبيديّ اليقطينيّ، وقد وثّقه النّجاشي وإن راب في حقّه أُستاذ الصّدوق ابن الوليد، وليس بشيء بعد توثيق النجاشي إيّاه وغيره.

د ـ صفوان بن يحيى، ثقة جليل، توفيّ عام (210هـ)، غنيّ عن التّرجمة.

هـ ـ داود بن الحصين، وهو أسديّ الولاء، كوفيّ المولد، قال عنه النجاشي: ثقة، روى عن أبي عبداللّه وأبي الحسن (عليهما السلام)وهو زوج خالة عليّ بن الحسن الفضّال (2)، نعم وصفه الشيخ بكونه واقفيّاً، إلاّ أنَّ النجاشي لم يتعرّض لوقفه وهو أضبط.

هذا، ولم يبق في السند إلاّ عمر بن حنظلة، والكلام فيه مسهب، وعلى كلّ تقدير سواء ثبتت وثاقته أو لا فقد تلقّاها المشهور بالقبول (3)، ولأجل ذلك سمّيت مقبولة، وعليها المدار في كتاب القضاء، إضافة إلى أنَّ إتقان الرّواية كاشف عن صدورها عن الإمام (عليه السلام) (4)، هذا هو حال السند وإليك دراسة المتن، فنقول:


(1) راجع رجال النجاشي: 2/220 رقم 898.

(2) المصدر نفسه: 1 / 367 رقم 419.

(3) قال الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني في منتقى الجمان: 1 /19 نقلاً عن والده(رضي الله عنه): «... ووجدت بخطّه (رحمه الله)في بعض مفردات فوائده ماصورته: «عمر بن حنظلة غير مذكور بجرح ولاتعديل، ولكنّ الأقوى أنّه ثقة لقول الصادق (عليه السلام)في حديث الوقت -: «إذاً لايكذب علينا. والحال أنّ الحديث الّذي أشار إليه ضعيف الطريق، فتعلّقه به في هذا الحكم مع ما علم من انفراده به غريب...».

(4) على نحو يوجب الوثوق بصدور الرواية ـ قال شيخنا الأُستاذ في كليات في علم الرجال ـ ص162 ـ الثالثة ـ نصّ أحد أعلام المتأخرين: «... فقد جرت سيرتهم (العقلاء) على الأخذ بالخبر الموثوق الصّدور وإن لم تحرز وثاقة المخبر، لأنَّ وثاقة المخبر طريق إلى إحراز صدق الخبر، وعلى ذلك فيجوز الأخذ بمطلق الموثوق بصدوره إذا شهدت القرائن عليه...».


المستفاد منه أنَّ القاضي لابدَّ أن يتمتّع بشروط يجب الأخذ بجميعها:

الأوّل: يجب أن يكون شيعيّاً إماميّاً لقوله (عليه السلام)«ينظران إلى من كان منكم» وبما أنَّ الزّيديّة (1) كانت منفصلة عن الإمام الصّادق (عليه السلام) يوم صدور الرواية، فلا تعمّهم ولا أضرابهم كالاسماعيليّة (2)، فعليه: المراد هو الفقيه الإمامي الاثنا عشريّ.

الثّاني: أن يحكم بحكمهم لقوله (عليه السلام) «فإذا حكم بحكمنا» فلو كان موالياً لهم (عليهم السلام) وحكم بحكم فقهاء العامّة، لاينفذ حكمه.

الثالث: أن يكون راوياً لحديثهم (عليهم السلام) لقوله: (عليه السلام) «روى حديثنا» والمتبادر كونه ممارساً لأحاديثهم، لا أنّه روى حديثهم مرّة أو مرّات. (نقل الحديث مقدّمة للشرّط التالي).

الرابع: أن يكون صاحب النّظر والفكر في الحلال والحرام لقوله (عليه السلام): «ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» وليس المراد من النظر، الالتفات إليهما


(1) هم القائلون بإمامة زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام)وكلّ من خرج بالسيف من ولد عليّ وفاطمة (عليهما السلام) ، وكان عالماً شجاعاً.

وقيل: أن يكون فيه ستّ خصال: العلم والزّهد والشجاعة، حسنيّاً أو حسينياً وزاد بعضهم صباحة الوجه وعدم الآفة. ـ والزيدية موجودون في بلاد اليمن ـ (اعيان الشيعة للعلامة الأمين العاملي(رضي الله عنه): 1 /20. وراجع الملل والنحل للشيخ الأستاذ: 1/154 ـ 161.

(2) هم القائلون بإمامة اسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام) بعد أبيه ويسوقون الإمامة في ولده، وهم في بلاد الهند، ويسمّون اليوم «بَهرَة» ولهم تكايا منظمة في جميع البلاد التي يقصدونها للحج والزيارة، وهم غير الإسماعيلية الباطنيّة أتباع آغا خان(نفس المصدر المتقدّم وص 167 ـ 168 من الملل والنحل).


دون تأمّل وتدبّر، بل السّبر في الحلال والحرام المرويّين عنهم (عليهم السلام)بإمعان ودقة، قال سبحانه: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبينَ) (آل عمران ـ 137)، ويؤيد ذلك استعمال الامام (عليه السلام)لفظ «عرف» فإنّه لايستعمل إلاّ في المورد الّذي سبقه الاشتباه والخلط، وعليه، فالمقبولة تختص بصاحب النّظر، المعبّر عنه بالمجتهد.

الخامس: أن يكون على حدّ يقال: إنّه عارف بأحكامهم وهو الفقيه العارف الّذي استنبط أحكامهم (عليهم السلام)، فلا يكفي العلم بواحد او أكثر من أحكامهم، فإنّ الجمع المضاف «أحكامنا» يفيد العموم، وعليه: تكون المقبولة ظاهرة في المجتهد المطلق.

هذا، ويؤيد ذلك الظهور قوله: «وكلاهما اختلفا في حديثكم» فلو أُريد الاختلاف في مضمون الحديث (دون النقل)، فهو شأن الفقيه، وإن أُريد الاختلاف في نقل الحديث فهو أيضاً لاينفك عن الاجتهاد غالباً إن لم يكن دائماً.

وكذلك قوله (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما».

وقول (الراوي): «أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمهُ من الكتاب والسنّة.

فالنّاظر في جميع القيود الواردة في المقبولة يقف على أنّ الإمام (عليه السلام) نصب الفقيه الإماميّ ـ الذي يمارس الأحاديث وينظر في الحلال والحرام ويعرف الأحكام الصّادرة عن الأئمّة (عليهم السلام) ويعتمد في فتياه على الكتاب والسنة ـ قاضياً. وهذا لايصدق إلاّ على الفقيه المستنبط لجميع الأحكام الشرعيّة فيما تبتلي به الأُمّة على مرّ الأيام.

وبالجملة: الموضوع من يصدر عن الكتاب والسنّة وهو ينطبق في زماننا على المجتهد فقط.


الثانية: مشهورة أبي خديجة (1):

مارواه الشّيخ باسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن أبي الجهم، عن أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبداللّه (عليه السلام) إلى أصحابنا، فقال: قل لهم: «إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري (2) في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».

والحديث لاغبار عليه من حيثُ السند، أمّا أبو الجهم، فهو أخو زرارة واسمه بكير بن أعين من أصحاب الصادق (عليه السلام)وإنه (عليه السلام)لمّا بلغه خبر موته قال في حقه (3): «أما واللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمير المؤمنين (عليه السلام) ». ومن أحفاده الحسن بن الجهم.

وأمّا أبو خديجة فهو سالم بن مكرم الذي يقول النّجاشي (4) في حقّه: ثقة ثقة، فلم يبق في السند إلاّ رواية الحسين بن سعيد عن أبي الجهم، فإنّ الراوي من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي ـ (عليهم السلام) وتوفي الإمام الرضا (عليه السلام) عام (203هـ) والامـام الجـواد (عليه السلام)عـام (220هـ) والإمـام الهادي (عليه السلام) عام (254هـ)، فكيـف تصـحّ روايتـه عمّن توفيّ (بكير بن أعين) في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) الّذي توفي عام (148هـ) ففي السند سقط.


(1) الوسائل: 18/ 100، ح6، الباب11من أبواب صفات القاضي .

(2) تدارأ تدارُؤاً القوم: تدافعوا في الخصومة ونحوها، واختلفوا.

(3) الكشيّ: 160 رقم 72، وسند الحديث: حدّثنا حمدويه قال حدثنا يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن الفضيل وابراهيم ابني محمّد الأشعريين قالا: إنّ أبا عبداللّه (عليه السلام)...الحديث».

(4) رجال النجاشي: 1/ رقم 499.


ولكن يمكن استظهار الواسطة من سائر الرّوايات التي نقل فيها الحسين ابن سعيد عن بكير بوسائط وإليك أسماؤهم:

أ ـ حريز بن عبداللّه عن بكير (1).

ب ـ ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن بكير (2).

ج ـ حمّاد بن عيسى عن حريز عن عبداللّه عن بكير (3).

د ـ صفوان عن عبداللّه بن بكير عن أبيه بكير بن أعين (4).

هـ ـ حمّاد بن عيسى عن عمر بن أذينة عن بكير (5).

وأمّا دراسة المتن فالظّاهر عن قوله (عليه السلام) «عرف» هو المعرفة الفعليّة (6) لكون مبادىء الأفعال ظاهرة فيها (الفعلية) وقوله (عليه السلام)«حلالنا وحرامنا» ظاهر في العموم ولو لم يصحّ حمله على الاستغراق العقلي لأجل عدم كون الرواة في ذلك الزمان عارفين بجميع الأحكام فلا محيص من حمله على الاستغراق العرفيّ فيكون الموضوع هو العارف، بالحلال والحرام فعلاً، على حدّ يمكن أن يقال في حقّه «قد عرف حلالنا وحرامنا» وبما أنَّ مادّة العرفان تستعمل في الموارد التي تكون مسبوقة بالاشتباه والخلط كما تقدم، ثمّ يقف الإنسان على المراد الصّحيح، فالعارف إذن هو من له قوّة عرفان الحقّ بتمييزه عن الباطل، فعليه يكون العارف


(1) التهذيب: 2/ 255 رقم 1012.

(2) الاستبصار: 1 / 61 رقم 182.

(3) المصدر نفسه: 1 / 248 رقم 892، ويحتمل أن تكون لفظة(عن) مصحّف(بن) فالمراد: حريز بن عبداللّه ويحتمل أن يكون المراد: عبداللّه بن بكير. (منه حفظه اللّه)

(4) المصدر نفسه: 1 /430 رقم 1660.

(5) المصدر نفسه: 2 /270 رقم 960.

(6) فلا يكفي وجود المبدأ شأناً بوجود ملكة الاستنباط دون الاستحضار فعلاً.


المفرّق للحقّ عن الباطل والحلال عن الحرام هو المعادل لصاحب النّظر، فلا يعمّ المقلّد. وأمّا شموله للمجتهد المتجزّي فسيوافيك الكلام فيه.

الثالثة: المشهورة الأُخرى لأبي خديجة:

مارواه الصدوق في الفقيه (1) بإسناده عن أحمد بن عائذ بن حبيب الأحمسيّ البجليّ الثقة عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال: أبو عبداللّه جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنيّ قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه» (2). ورواه في الكافي (3) غير أنّه قال مكان (قضايانا) قضائنا.

والرّواية صحيحة وسند الصدوق (رضي الله عنه) إلى أحمد بن عائذ في الفقيه بالشكل التالي: عن سعد بن عبداللّه عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسن بن عليّ الوشاء عن أحمد بن عائذ (4).

والكلّ غير الأخير من أجلاّء الأصحاب وعيونهم. ولايشكّ في وثاقة الحسن ابن عليّ الوشاء إلاّ غير العارف بأساليب التوثيق في علم الرجال فإنّه وإن لم يصرّح بوثاقته إلاّ أنّه جاء في ترجمته ما مفاده أنّه كان في الدرجة العالية منها (الوثاقة)، وهذا النجاشي يعرّفه بأنّه: «من وجوه هذه الطائفة» (5)، وقد قلنا في


(1) من لايحضره الفقيه: 3 /2 ح1.

(2) الوسائل: 18/ 4 ح5، الباب1 من أبواب صفات القاضي.

(3) الفروع: 7/412 ح4.

(4) الفقيه: 4 / 514.

(5) قال النجاشي في رجاله: 28: « ...خير من أصحاب الرضا (عليه السلام) وكان من وجوه هذه الطائفة».


كتابنا «كليّات في علم الرجال»: إنّ هذا النوع من التعبير يفيد أن المترجَم ـبالفتحـ في الدرجة العالية من الوثاقة (1).

هذا وإنَّ ظاهر الرّواية عامّ شامل للمجتهد المطلق والمتجزّي دون المقلّد لقوله (عليه السلام) «شيئاً من قضايانا» أو «شيئاً من قضائنا» كما في الكافي وهو صادق عليهما معاً.

ما قد يورد على المشهورة في شمولها للمتجزّي:

ثمّ إنّه قد يورد على دلالة المشهورة الثانية على كفاية الاجتهاد غير المطلق بوجوه نذكر بعضاً منها:

الأوّل: إنّ القلّة المستفادة من قوله (عليه السلام) : «شيئاً» إنّما هي بالقياس إلى علومهم (عليهم السلام) وإن كان كثيراً في حدّ نفسه.

يلاحظ عليه: أنّه خلاف المتبادر، فإنَّ الرّواية في قبال ردع الشيعة عن الرّجوع إلى غيرهم، وعليه يناسب أن يخاطب الإمام (عليه السلام)شيعته بأنّه يكفيهم أن يرجعوا إلى من يعلم شيئاً من قضاياهم، لا خصوص الواقف على جميع قضاياهم (عليهم السلام)، وعندئذ المناسب في جعل الملاك هو نفس علم الرّواي قلّة وكثرة،


(1) بَل قاله (حفظه اللّه) في كتاب أصول الحديث وأحكامه في علم الدّراية، باب الألفاظ المستعملة في التعديل والجرح، ص 162 ـ 163، (3و4) (وجه، عين): «... والسّابر في الكتب الرّجالية يقف على أن اللفظين يدلان على جلالة الرّجل أزيد من كونه إماميّاً عادلاً، وأنّهم يستعملون هذين الوصفين في موارد يعد الرّجل من الطبقة المثلى في الفضل والفضيلة، معربين عن أن مكانة الرّجل بين الطائفة مكانة الوجه والعين في كونهما محور الجمال والبهاء».


وذلك كقول الناصح المشفق لأخيه: إذا لم تستطع على العمل الكثير فعليك بما في وسعك. فكأنّ الإمام (عليه السلام) يقول: إذا فاتكم الرّجوع إلى هؤلاء الحكّام لأخذ حقوقكم لكونهم طواغيت، فلا يفوتنّكم الرّجوع إلى عالم من شيعتي، يعلم شيئاً من قضايانا.

الثاني: إنّ الرّواية ناظرة إلى القاضي الّذي اختاره الطرفان لفصل الخصومة أي قاضي التحكيم فلو دلّت على كفاية التجزّي فهو في خصوص مورد قاضي التّحكيم لا المنصوب ابتداءً، وذلك إنّ قوله (عليه السلام) «فإنّي قد جعلته قاضياً» متفرّع على قوله (عليه السلام) : «فاجعلوه بينكم» وعليه فالاكتفاء بالتجزّي إنمّا هو في قاضي التحكيم دون المنصوب .

يلاحظ عليه: أنّ قوله (عليه السلام) «فاجعلوه بينكم» ليس ناظراً إلى كونه قاضياً مجعولاً من قبل المتخاصمين حتّى تختصّ الرّواية به، بل هو يهدف إلى معنى آخر، وهو أنّ القاضي المنصوب من قبل السّلطة والدّولة ينفذ حكمه مطلقاً، سواء رضي الطرّفان بذلك أم لا، بخلاف القاضي الشيعيّ الّذي يرجع إليه المتخاصمان، فإنّ نفوذ حكمه مرهون برضا الطرفين به، لا أنّ لرضائهما به مدخلية في الحكم والجعل.

وبعبارة أُخرى: أنّ الإ مام (عليه السلام) نصّب كلّ من يعلم شيئاً من قضاياهم (عليهم السلام) للحكم والقضاء، ولكن تحقّق الغاية رهن رضا الطرفين بحكمه وخضوعهما له، بعد فرض عدم قوّة تقهر المتخاصمَين على القبول.


حصيلة البحث:

هذا وإنَّ الحقّ هو: صلاحيّة المتجزّي للقضاء إذا استنبط شيئاً معتدّاً به، وإنّ قصرت يده عن معضلات المسائل، فإنّ أهمّ ما يدلّ على شرطية الاجتهاد المطلق هو قوله (عليهم السلام)في المقبولة: «نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» إلاّ أنّه وارد في قبال المنع عن الرّجوع إلى حكام الجور وقضاتهم، بمعنى وجوب الرّجوع إلى من كان نظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم ـ (عليهم السلام) ، لا إلى من نظر في حلال الآخرين وحرامهم وعرف أحكامهم التي هي مقابل أحكامهم (عليهم السلام) ، وعليه فمن استنبط شيئاً معتدّاً به من الحلال والحرام والأحكام، كان مصداقاً لقوله (عليه السلام): «نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا».

وبذلك يعلم حال المشهورة الأُولى لأبي خديجة حيث جاء فيها: «قد عرف حلالنا وحرامنا»، فإن هذه الجملة وما في المقبولة ـ من قوله (عليه السلام) : «قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» ـ تتضمّن وراء المعنى الايجابيّ معنى سلبيّاً وهو نفي الرّجوع إلى الغير، والواجب هو الرّجوع إلى من عرف حلالهم وحرامهم نظر فيهما، وهو صادق في حقّ الطبّقة العالية من المتجزّئين إذا استنبطوا شيئاً معتداً به كما تقدّم.

ويؤيد ذلك أمران:

الأوّل: إن ّالقضاة الّذين كانت الشيّعة تفزع إليهم في تلك الأيّام، لم يكونوا إلاّ في هذه الدرجة من العلم والعرفان، ولم تكن لهم معرفة فعليّة بجميع الأحكام، لتفرّق الرّوايات وتشتّتها بين الرّواة، وعدم وجود جامع بين الحكّام حتّى يكونوا متدّرعين بالعلم بجميع الأحكام.

الثاني: كان الأمر في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والوصي (عليه السلام) أيضاً كذلك، فقد


بعث النبي معاذاً إلى اليمن وقال له: «كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بكتاب اللّه، قال: فإن لم تجد في كتاب اللّه؟ قال: بسنّة رسول اللّه...» (1). أتظنّ أنّ معاذاً كان مسلّطاً على جميع الأحكام الشرعية يوم ذاك.

وقد كتب الإمام عليّ بن أبي طالب ـ (عليه السلام) إلى واليه مالك الأشتر (رضي الله عنه) في عهده: «ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لاتضيق به الأُمور ولا تمحكـه (2) الخصـوم ـ إلى أن قـال (عليه السلام) : ـ وأوقفهـم في الشبهات وآخذهم بالحجج... » (3) فهل كانت مصر آنذاك تطفح بفقهاء ومجتهدين مسلّطين على جميع الأحكام الشرعية؟ نعم كانوا يحفظون من الكتاب والسنة وعمل الخلفاء أشياء يقضون ويحكمون بها، فلو كان الاجتهاد المطلق شرطاً، لعطّل باب القضاء في مصر.

نعم كلّما تقدّمت الحضارة الإسلامية وتفتّحت العقول، وازداد العلماء علماً وفهماً، وعدداً وكميّة، تسنّم منصب القضاء من له خبرة كاملة في الفقه وعلم بحدود الشريعة علماً محيطاً، إلاّ أنّ ذلك ليس بوازع دينيّ، بل كان نتيجة لسير العلم وتقدّمه وازدهار الثقافة.

نعم أخذ القضاء في عصرنا لوناً فنياً، وصار عملاً يحتاج إلى التدريب والتمرين.

فلا مناص عن إشراف قاض ذي تجربة وممارسة، على عمل القضاة المتجزّئين في الاجتهاد حتى تحصل لهم قدم راسخة لاتزلّ بفضله سبحانه.


(1) جامع الأُصول من أحاديث الرّسول لابن الأثير: 10/551 رقم 7651، الفصل السادس: في كيفية الحكم.

(2) أمحكهُ: جعله محكان أي: عسر الخلق، لجوج.

(3) نهج البلاغة: 2 / 94 رقم 52 قسم الكتب والرّسائل، شرح الشيخ محمد عبده.


في تصدّي المقلّد للقضاء:

يتصوّر تصدّي المقلّد لأمر القضاء على أنحاء ثلاثة:

الأوّل: أن يستقلَّ في القضاء بلا نصب من جانب من له أهليّة الفتوى ولا وكالة منه، بل يقضي على طبق رأي مقلَّده.

الثاني: أن ينصّب من جانبه لهذا الأمر الخطير.

الثالث: أن يوكّله في القضاء.

والفرق بين الأخيرين واضح، فإنّ القضاء في الثاني عمل نفس القاضي، بخلاف الثالث فإنّه عملُ نفس من نصّبه كما هو الحال في جميع موارد الوكالة.

ثمَّ إنّ أمر القاضي ونهيه يختلف بالقياس إلى أمر الآمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر، فإنّ الأمر والنهي في الثاني إرشاد إلى ما هو تكليف الغير الثابت عليه، مع قطع النظر عن أمر الآمر ونهي النّاهي، وفي هذا المجال المجتهد والمقلّد سواء، يجوز لكلّ منهما أمرُ الغير ونهيه إرشاداً إلى تكاليفه الثابتة مطلقاً، وهذا بخلاف أمر القاضي، فإنَّ ما يحكمُ به ليس تكليفاً للغير مع غضّ النظر عن حكمه، وإنّما يكون تكليفاً له بعد الحكم والقضاء. مثلاً: لو اختلف العامل والمالك، فادّعى العامل ردّ رأس المال وأنكره المالك، فحكم القاضي بأنّ القول قول المالك حينئذ يتنجّز على العامل دفعُ العين مع وجودها وإلاّ فعليه دفع المثل أو القيمة سواء دفع المال في الواقع أو لا، وهذا الإلزام جاء من جانب القاضي بحكمه، ولم يكن ثابتاً من قبل، وبما أنّه خلاف القاعدة ـ إذ أنّ الأصل عدم حجيّة رأي أحد في حق أحد ونفوذه ـ احتاج نفوذه إلى الدّليل وقد عرفت وجود الدليل وثبوته في المجتهد المطلق والمتجزّي الذي استنبط شيئاً معتدّاً به. وإنمّا الكلام في المقلِّد، ويقع أوّلاً في النحو الأوّل ثمّ النحوين الآخرين.


المقام الأوّل: استقلال المقلِّد في القضاء:

قد عرفت خطورة منصب القضاء وأنّه لايتولاّه إلاّ المنصوب من جانب الرّسول والأئمة (عليهم السلام)وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله لشريح: «يا شريح قد جلست مجلساً لايجلسه ]ماجلسه[ إلاّ نبي أو وصيّ نبيّ أو شقيّ»(1).

وقال الصادق (عليه السلام): «اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنمّا هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبيّ ]كنبيّ[ أو وصيّ نبيّ» (2).

تقدّم قيامُ الدّليل على نفوذ قضاء الفقيه الجامع للشّرائط أو المجتهد الذي استنبط شيئاً معتدّاً به، والكلام هنا في المقلِّد المحض الّذي لايكونُ حكمه القضائي إلاّ على طبق رأي مقلّده ـ بالفتح ـ ، فهل يجوز له التّصدّي أو لا ؟ المشهور: عدم الجواز، ويظهر ذلك من خلال تتبّع كلمات الفقهاء وهي كالتالي:

1 ـ قال الشيخ (قدس سره): «القضاء لاينعقد لأحد إلاّ بثلاث شرائط: أن يكون من أهل العلم والعدالة والكمال، وعند قوم بدل كونه عالماً أن يكون من أهل الاجتهاد، ولايكون عالماً حتّى يكون عارفاً بالكتاب والسنّة والإجماع والاختلاف ولسان العرب، وعندهم والقياس» (3).

2 ـ وقال (رضي الله عنه) أيضا: «لايجوز أن يتولّى القضاء إلاّ من كان عارفاً (عالماً ـخل ـ) بجميع ما ولى ولايجوز أن يشذّ عنه شيء من ذلك، ولايجوز أن يقلِّد غيره ثمّ يقضي به، وقال الشافعيّ: ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد ولايكون عامّياً، ولايجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه، وقال في القديم مثل ماقلناه.


(1) الوسائل: 18 / 7 ح2، الباب3 من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر نفسه: 18/ 7 ح3، الباب3 من أبواب صفات القاضي.

(3) المبسوط: 8/ 99.


وقال أبو حنيفة: « يجوز أن يكون جاهلاً بجميع ماوليه إذا كان ثقة، ويستفتي الفقهاء ويحكم به، ووافقنا في العامّي أنّه لايجوز أن يفتي...» (1).

3 ـ وقال أبو الصّلاح: «]يعتبر[ العلمُ بالحقّ في الحكم المردود إليه، ـ ثمَّ قال: ـ واعتبرنا العلم بالحكم لما بيّناه من وقوف صحّة الحكم على العلم، لكون الحاكم مخبراً بالحكم عن اللّه سبحانه وتعالى ونائباً في إلزامه عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبح الأمرين من دون العلم...» (2).

4 ـ وقال المحقّق (رضي الله عنه): «وكذا لاينعقد لغير العالم المستقلّ بأهليّة الفتوى، ولايكفيه فتوى العلماء ولا بدّ أن يكون عالماً بجميع ماوليه...» (3).

5ـ وقـال في النافع: «ولاينعقد إلاّ لمن له أهليّة الفتـوى ولايكفيـه فتوى العلماء...» (4).

6 ـ وقال العلاّمة في القواعد: «وفي حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء» (5).

7 ـ وقال الشّهيد الثّاني في المسالك عند قول المحققّ: «وكذا لاينعقد لغير العالم»: « المراد بالعالم هنا، المجتهد في الأحكام الشّرعيّة، وعلى اشتراط ذلك في القاضي إجماع علمائنا...» (6).

8 ـ وقـال العاملي (رضي الله عنه) (مستدلاً على اشتراط اتّصـاف القاضي ـ حـال


(1) الخلاف: 3 / 309، المسألة1، كتاب القضاء.

(2) الكافي في الفقه لأبي الصلاح الحلبي: 421 و422.

(3) الشرائع: 4 /860.

(4) المختصر النّافع: 279، أوّل كتاب القضاء، عند ذكر الصفات.

(5) مفتاح الكرامة: 10/3، قسم المتن.

(6) مسالك الافهام: 2 / 351 الطبعة الحجرية.


الغيبة ـ بكونه فقيهاً جامعاً لشرائط الافتاء): «فيدل عليه بعد الإجماع، الأخبار الموافقة للاعتبار، وما كان منها بلفظ (روى حديثنا) فقد أُردف بقوله (عليه السلام) : «ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا»، فلا يكفي مجرّد الرّواية كما توهّمه بعض، وماكان منها بلفظ: (يعلمُ شيئاً من أحكامنا) فالمراد أنّه علم ذلك بعد تحصيل الشرائط المذكورة إذ لايحصل العلم إلاّ بها» (1).

9 ـ وقال صاحب الجواهر بعد كلام المحقّق: «ولايكفيه فتوى العلماء» : «بلا خلاف أجده، بل في المسالك وغيرها الإجماع عليه من غير فرق بين حالتي الاختيار والاضطرار» (2).

هذا ويكفي في عدم الجواز، عدم الدليل وإنمّا الدّليل على القائل، ولأجل ذلك ربمّا أراد بعضهم استظهار الجواز من بعض الأدلّة وإليك البيان:

الأوّل: إنّ المستفاد من الكتاب والسنّة صحّة الحكم بالحقّ والعدل والقسط من كلّ مؤمن، قال اللّه تعالى: (إنَّ اللّهَ يَأمُرُكُمْ أن تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُم بَيْنَ النّاس أنْ تَحْكُمُوا بالعَدْل)(النساء ـ 58).

(ياأيّها الّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنّكُـمْ شَنْئانُ قَوْم عَلَى ألاّ تَعْدِلُوا)(المائدة ـ 8).

(يا أيّها الّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ للّهِ وَلَوْ عَلَى أنفُسِكُمْ أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبينَ إن يَكُنْ غَنِيّاً أوْ فَقِيراً فاللّهُ أوْلَى بِهِما فَلا تَتّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلوُنَ خَبِيرا) (النساء ـ 135).

ومفهوم قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الفَاسِقُون)


(1) مفتاح الكرامة: 10 /3، قسم الشرح.

(2) الجواهر: 40 / 15 ثم قال(رضي الله عنه): «بل لابدّ أن يكون عالماً بجميع ما وليه، أي مجتهداً مطلقاً كما في المسالك، فلا يكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزّي الاجتهاد».


(المائدة ـ 47) وفي أخرى (هُمُ الكافِرُون)(المائدة ـ 44) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

الثاني: قول الصادق (عليه السلام) «القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنّة: رجل قضى بجور وهو يعلم، فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لايعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق، وهو لايعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة» (1).

وقال عليّ (عليه السلام): «الحكم حكمان: حكمُ اللّه وحكم الجاهلية، فمن أخطأ حكم اللّه حكم بحكم الجاهلية» (2).

الثالث: قول أبي جعفر (عليه السلام): «الحكم حكمان: حكمُ اللّه عزّ وجلّ وحكم أهل الجاهلية، وقد قال اللّه عزّ وجلّ: (وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماًً لِقَوم يُوقِنوُن) (المائدة ـ 50) وأشهد على زيد بن ثابت، لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية» (3).

إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتّعاضد أعلى مراتب القطع الدّالة على أنّ المدار هو الحكم بالحقّ الّذي عند محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته (عليهم السلام)، وأنه لاريب في اندراج من سمع منهم (عليهم السلام) أحكاماً خاصّة مثلاً فيها وحكم فيها بين النّاس وإن لم تكن له مرتبة الاجتهاد والتصرّف.

يلاحظ على الجميع: أنّ الآيات والرّوايات ليست بصدد بيان شرائط الحاكم وخصوصياته حتى يتمسّك بإطلاقها، وإنما هي بصدد بيان أمر آخر.


(1) الوسائل: 18/11 الحديث 6، الباب4 من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر نفسه: الحديث 7، وفيه: وقال (عليه السلام) . بدل: وقال عليٌّ (عليه السلام).

(3) المصدر نفسه: الحديث 8.والدليل الأول والثاني والثالث مقتبس من الجواهر: 40/15 و16.


فالآية الأولى والثانية بصدد بيان خصوصّيات الحكم (لا الحاكم) وأنّه يجب أن يكون حكماً بالعدل وقضاءً بالقسط ولايخاف الحاكم من شن آن قوم فيحكم على خلافهما (العدل والقسط)، وأين هما من بيان خصوصّيات الحاكم حتّى يتمسّك بإطلاقهما.

ومنه يظهر الجواب عن الاستدلال بالآية الثالثة فإنّها بصدد النهي عن القضاء بغير ما أنزل اللّه لابصدد بيان خصوصيّات الحاكم (1).

ومثل الآيات تقسيم القضاة إلى أربعة، أو تقسيم الحكم إلى حكمين، فإنّ الجميع بصدد سوق المجتمع إلى القضاء بحكم اللّه لابحكم الجاهليّة، لالبيان شرائط الحاكم وخصوصيّاته من كونه رجلاً أو امرأة، مسلماً أو كافراً، سميعاً أو بصيراً، مجتهداً أو مقلِّداً كما هو النزاع.


(1) وكذلك ما قيل في استفادة جواز التصديّ من إطلاق أدلّة الأمر بالمعروف حيث إنّ القضاء من شعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكفي في جواز تصدّيه إطلاقات أدلتّها نظير قوله تعالى: (والمُؤمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أوْلياءُ بَعْض يَأمروُنَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَر)(التوبة ـ 71).

يلاحظ عليه: أنّ مورد أدلّتهما هو الدّعوة إلى التكليف الثابت للمكلّف مع قطع النظر عن قضاء القاضي، كما إذا رأى إنساناً يغتاب أو يكذّب أو يظلم، وهذا هو الذي يجب على المؤمن والمؤمنة ضمن شرائط، وأمّا التكليف الّذي يقتضيه حكم القاضي بحيث لولاه لما كان هناك تكليف، لاتشمله الأدلّة العامّة للأمر بالمعروف، مثلاً إذا اختلف العامل والمالك فقال الأوّل: رددتُ رأس المال، وأنكره المالك، فليس هنا أيّ تكليف متوجّه إلى العامل بعد ادّعاء ردّ المال وإنمّا يتوجّه إليه التكليف بالردّ بعد القضاء بأنّ القول قول المالك مع حلفه، فعندئذ يتوجّه تكليف بالردّ بعد ما لم يكن أيّ تكليف قبل القضاء فمثل هذا ليس مشمولاً لأدلّتهما.

وإن شئت قلت: إنّ مورد أدلّتهما ما إذا اتفق الآمر والمأمور على وجود التكليف فيقوم أحدهما بالدّعوة لا ما إذا أنكر أحدهما أصل التكليف كما هو الحال قبل القضاء(منه حفظه اللّه).


فالتمسك بالجميع غفلة عن شرائط انعقاد الإطلاق (1).

الرابع: صحيح أبي خديجة حيث قال (عليه السلام) : «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنيّ قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه» (2).

ردّ الاستدلال بوجوه:

أ ـ إنّ الوارد فيها لفظ العلم، وهو لايشمل المقلّد، لأنّ العلم عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع.

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين العلم المصطلح عليه في علم المنطق، والعلم الوارد في الكتاب والسنّة والمراد من الأوّل ما ذكر . ومن الثّاني ما قامت عليه الحجّة، وإلاّ لزم عدم صحّة قضاء نفس المجتهد، لعدم علمه بالواقع، والعلم بالحكم الظاهري مشترك بين المجتهد والمقلِّد.

ب ـ إنّ الرّواية محمولة على صورة الاضطرار وعدم التمكّن من لقاء من يعرف الأحكام عن أدلّتها التفصيلية، والسؤال عنه، وبما أنّ الشيعة كانوا متفرّقين آنذاك في بلاد نائية، ولم يكن في كلّ بلد وصقع من يعرف الأحكام بالدّليل، اكتفى


(1) التمسّك بالإطلاق في المقام نظير تمسّك بعضهم بإطلاق قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُم) (المائدة ـ 5) على أنّه يجوز الأكل ممّا أمسكت الجوارح بأنيابها بلا لزوم غسل مواضعها، مع أنّ الآية بصدد بيان شيء آخر وهو حليّة ما أمسكته وأنّه من الطيّبات لا المحرمات، وأمّا أنّه هل يؤكلُ مطلقاً أو بعد الغسل فليست بصدد بيانه حتّى يتمسّك بالإطلاق.

وهناك وجه آخر وهو أنّ الآيات والرّوايات بمعزل عن باب القضاء، لأنّ المراد من الحقّ هو الحقّ في الشّبهات الحكميّة والحقّ في باب القضاء يرجع إلى الحقّ في الشّبهات الموضوعية غالباً كما لايخفى.(منه حفظه اللّه).

(2) الوسائل: 18 / 4 ح5، الباب1 من أبواب صفات القاضي.


صاحب الشريعة بمن يعلم شيئاً من الأحكام فيسدّ بذلك باب الرّجوع إلى أبواب الطواغيت.

يلاحظ عليه: بأنّه حمل تبرّعي لا دليل عليه، وليس في الرّواية مايحكي عن كونه وارداً مورد الاضطرار.

ج ـ إنّ العلم بشيء من قضاياهم، مختصّ بالفقيه أو منصرف إليه، لأنّ العامّي إمّا أن يعتمد على فتوى الفقيه في القضاء، فلا يصدق أنّه يعلم شيئاً من قضاياهم (عليهم السلام) بل هو عالم بفتوى الفقيه وهو طريق إلى حكم اللّه، وإمّا أن يعتمد على إخبار الفقيه بقضاياهم (عليهم السلام) وهذا غير جائز لأنّه لايزيد على رواية مرسلة غير جائزة العمل إلاّ بعد الفحص عن الجهات الأربعة: الصدور، والدّلالة، وجهة الصّدور، وعدم المعارض وأنّى هذا للمقلِّد.

يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الأوّل، وهو الأخذ بإفتاء الفقيه، إلاّ أنّه عند المقلّد هو حكم الإمام (عليه السلام) وقضاؤه، خصوصاً إذا كان الإفتاء بلفظ الحديث، كما في الفقيه والنّهاية، والإفتاء وإن كان غير التّحديث، والأوّل مشتمل على إعمال النظر دون الثاني، لكنّه لدى العرف يعكس حكم الكتاب والسنّة وحلال الأئمة (عليهم السلام) وحرامهم.

د ـ ويمكن أن يقال: إنّ الصادر من الإمام (عليه السلام) مردّد بين مانقل، وبين ما جاء في روايته الأُخرى التي فيها: «اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» (1).

وقد عرفت أنّ لفظ «العرفان» لايستعمل إلاّ إذا كان هناك اشتباه يتعقبه التّمييز، وهو لايصدق إلاّ في حقّ الفقيه ولايشمل المقلّد المحض، ولأجل تردّد لفظ المنقول، لايصحّ الاستدلال بها.


(1) الوسائل: 18/ 100 ح6، الباب 11 من أبواب صفات القاضي .


الخامس: صحيح الحلبيّ، قال: قلتُ لأبي عبداللّه (عليه السلام)ربّما كان بين الرّجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء، فيتراضيان برجل منّا؟ فقال (عليه السلام): «ليس هو ذاك إنمّا هو الّذي يجبر الناس على حكمه بالسّيف والسّوط» (1).

يلاحظ عليه: أنّ قوله (عليه السلام): «ليس هو ذاك» دليل على أنّ الإمام (عليه السلام) كان يندّدُ بقضاة عصره، ولمّا سأله السائل عن الرّجوع إلى رجل من شيعة الإمام (عليه السلام)، صرّح الإمام (عليه السلام)بأنّ هذا ليس ذاك فيكون الكلام مسوقاً لبيان عدم جواز الرجوع إلى قضاة العامة دون الشيعة، وأمّا ما هي شرائطهم وخصوصياتهم، فالرواية ليست بصدد بيانها حتّى يتمسّك بالإطلاق.

السادس: خبر محمّد بن حفص(2) عن عبداللّه بن طلحة (3) عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل سارق، دخل على امرأة ليسرق متاعها، فلمّا جمع الثياب تابعته نفسه، فكابرها على نفسها فواقعها ]فتحرك ابنها فقام، فقتله بفأس كان معه[فلمّا فرغ حمل الثياب وذهب ليخرج، حملت عليه بالفأس فقتلته، فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد، فقال أبو عبداللّه (عليه السلام): «اقض على هذا كما وصفت لك، فقال: يضمن مواليه الّذين طلبوا بدمه دية الغلام، ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم بمكابرتها على فرجها، إنّه زان وهو في ماله غريمة، وليس عليها في قتلها إيّاه شيء ]لأنه سارق [قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): من كابر امراة


(1) الوسائل: 18/5 ح 8، الباب 1 من أبواب صفات القاضي.

(2) محمّد بن حفص بن خارجة مجهول لم يعنون في في كتب الرجال. قال في تنقيح المقال: 3 / 108 رقم 10618: ولم أقف على ذكر له في كتب الرّجال وهو مجهول الحال.

(3) هو عبد اللّه بن طلحة النهديّ عربيّ كوفيّ، لم يذكر في حقّه توثيق ولامدح ولكن الرواية متقنة ـ منه حفظه اللّه ـ قال في تنقيح المقال: 2 /190 رقم 6911: ولم نقف فيه على مدح يدرجه في الحسان.


ليفجر بها فقتلته فلا دية له ولاقود» (1).

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّه من المحتمل أن يكون كلامه (عليه السلام) هذا: «اقض على هذا كما وصفت لك» أشبه بالمشاكلة (2) لا الحقيقة، والقاضي واقعاً هو الإمام الصادق (عليه السلام).

وثانياً: يحتمل كون ابن طلحة ممّن كان ينطبق عليه المقياس الوارد في المقبولة.

وثالثاً: أنّه يصحّ الاستدلال بها على صورة النصب أو الوكالة، والثاني أظهر من الأوّل.

السابع: قد يدّعى أنّ الموجودين في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّن أمر بالتّرافع إليهم، قاصرون عن مرتبة الاجتهاد، وإنّما يقضون بين النّاس بما سمعوه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد، عن منصب القضاء بما علمه، خالية عن الدّليل (3).

وأجاب عنه المحقّق الآشتيانيّ (رضي الله عنه): بأنّ الشرط الواقعيّ هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، فالمنصوبون من قبل الأئمة (عليهم السلام) كانوا يعلمون الأحكام وإن


(1) الوسائل: 19/ 45 ح2، كتاب القصاص، الباب 23 من أبواب قصاص النفس.

(2) المشاكلة: هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسـكَ)(المائدة ـ 116) المراد: ولا أعلم ما عندك. وعبّر بالنفس للمشاكلة ووقوعه في صحبته.

(3) جواهر الكلام: 40 / 18، وقال(رضي الله عنه): «بل ظاهر الأدلة خلافها، بل يمكن دعوى القطع بخلافها، ونصب خصوص المجتهد في زمان الغيبة بناء على ظهور النصوص فيه، لايقتضي عدم جواز نصب الغير.


كانوا غير مجتهدين، وأمّا زماننا هذا فالعلم فيه لايحصل إلاّ بالاجتهاد، فليس للاجتهاد موضوعية إلاّ كونه طريقاً إلى العلم بالأحكام، وهو كان حاصلاً للمنصوبين يوم ذاك دون مقلّدي أعصارنا. وحاصله: أنّ الميزان هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، والعامّي في السابق كان عالماً بها بخلاف العامّي في أعصارنا (1).

يلاحظ عليه: إن كان المراد من العلم، العلم بالأحكام الواقعيّة فهو لم يكن حاصلاً يوم ذاك للمنصوبين ولا للمجتهدين في الأعصار المتقدّمة ضرورة أنَّ أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ربّما كانوا يأخذون الأحكام عن أصحابهم، وقد كانوا مبتلين بالأخبار المتعارضة ومشكوك الصّدور، إلى غير ذلك ممّا لايوجب العلم بالحكم الواقعيّ، ومثله المجتهد، فإنّ مايحصّله من أحكام ممّا قامت عليه الحجّة لا أنّها أحكام واقعيّة.

وإن كان المراد الأعمّ من الحكم الواقعيّ فهو حاصل لمقلِّدي عصرنا.

والأولى أن يقال: إنّه لو كان الموضوع لنفوذ القضاء هو المجتهد أو من له قوّة الاستنباط، صحّ أن يردّ بما جاء في الاستدلال بخلاف ما لو قلنا بأنّ الموضوع له، هو من روى حديثهم (عليهم السلام) ونظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم،


(1) كتاب القضاء للمحقّق ميرزا محمد حسن الآشتيانيّ(رضي الله عنه): 9 و 10.

وعبارته كالتالي، حيث قال بعد كلام حول دلالة المقبولة:

«قلت: لسنا قائلين بدلالة المقبولة على اعتبار الاجتهاد في الحاكم، وإنمّا نقول بدلالتها على اعتبار العلم فيه، ولكنّا نقول: إنّه لايمكن العلم بتحصيل الأحكام الشرعية في زماننا هذا إلاّ بملكة الاجتهاد، فاعتبار الاجتهاد ليس من جهة دلالة المقبولة عليه، بل من جهة عدم حصول العلم في زماننا هذا وأشباهه إلاّ به(الاجتهاد).

فاعتبار الملكة إنمّا هو من جهة عدم تحقّق الموضوع في هذه الأزمنة إلاّ به».


وقد كان صادقاً على قضاة عصر الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن بعده، كما كان صادقاً على المتربّين على أيدي الأئمة (عليهم السلام) من المحدّثين والفقهاء لاتّصالهم بالمعصومين (عليهم السلام) ، وسماعهم منهم أو عمّن سمع منهم، وأمّا في عصرنا هذا فلا يصدق إلاّ على من له قوّة الاستنباط ويبذل الجهد بالتتبّع في الروايات والنظر في حلالهم وحرامهم، فيعرف ـ أكثر ـ أحكامهم (عليهم السلام) فالموضوع لنفوذ القضاء واحد في جميع الأعصار، غير أنّ بعد العهد واختلاط الصحيح بالسقيم من الروايات، وما صدر عن تقيّة بما صدر لبيان الواقع، صار سبباً لعدم صدقه إلاّ على لفيف قليل من العلماء وهم الممارسون لأحاديثهم ـ (عليهم السلام)والناظرون في حلالهم وحرامهم والعارفون أحكامهم (عليهم السلام) ، ولامجال لصدق ذلك على المقلّد المحض الّذي لايعرف شيئاً من الأحكام سوى ما جاء في رسالة مقلّده ـ بالفتح ـ (1).

المقام الثاني: في نصب المجتهد المقلّد للقضاء:

ماتقدّم من الكلام كان في تصدي المقلّد منصب القضاء ( استقلالاً ) وقد عرفت عدم الدّليل على جوازه ونفوذ قضائه، والكلام هنا في تصدّيه للقضاء بعد نصب المجتهد إيّاه للنّظر في المرافعات والقضاء فيها على طبق مايراه المجتهد. فنقول:


(1) ثمّ إنّ الفرق بين الجوابين واضح، فإنّ جواب المحقّق الآشتياني(رضي الله عنه) مبني على أنّ الميزان هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، غير أنّ العلم بالأحكام كان ميسوراً للقضاة الموجودين في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مطلقاً، وأمّا في عصرنا فليس ميسوراً إلاّ على من له ملكة الاجتهاد.

وأمّا جوابنا فهو مبنيّ على أنّ الميزان في صحّة التصدّيّ هو ما جاء في لسان الرّوايات، أعني: قوله «روى حديثنا ونظر في حرامنا وحلالنا وعرف أحكامنا وهو كان صادقاً على القضاة الموجودين في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مطلقاً(مجتهداً كان أو لا ) ولكنّه في عصرنا هذا لايصدق إلاّ على المجتهد، فليس الاجتهاد شرطاً وإنمّا هو طريق لتحصيل موضوع الدّليل.(منه حفظه اللّه).


إنّ جواز النّصب للمجتهد رهن أمرين:

1 ـ أن يكون النّصب جائـزاً في نفسه بأن لاتكون الفقاهة شرطاً شرعيّاً للقضاء، ولو لم يكن كذلك فلا يجوز للإمام (عليه السلام)فكيف للمجتهد الّذي هو نائبه، هذا وإنّ محور البحث حال الاختيار لا الاضطرار.

2 ـ إنّ كلّ حكم يجـوز للإمام (عليه السلام) يجـوز للفقيه الجامع للشّرائط، فالدّعوى الأُولى بمثابة الصّغرى للثانية وهي كبرى للأُولى.

أمّا الأُولى فيمكن أن يقال بأنّها غير ثابتة، لأنّه مع ثبوت دلالة المقبولة والمشهورة على أنّ المأذون للقضاء من ينطبق عليه عنوان النّاظر في الحلال والحرام والعارف بالأحكام، وقلنا بعدم صدق المذكور على المقلِّد، يصير قضاء المقلِّد كقضاء المرأة، فكما لايصحُّ نصبها للقضاء فكذلك العامّي العارف بمسائل القضاء.

وبعبارة أُخرى: إذا كان الاجتهاد معتبراً شرطاً في القضاء كالرُّجولة ونحوها، فكيف يجوز للإمام (عليه السلام) أن يلغي ما اعتبره الشارع في القضاء وينصب من ليس أهلاً في ذلك.

ثم إنّ هذا على القول بدلالتهما على شرطيَّة الاجتهاد في القضاء، ولو قلنا بالعدم، فيكفينا نفس الشّك في جواز نصب المقلِّد، للحكم بعدم الجواز، والأصل عدم حجيّة رأي أحد في حقّ أحد ـ كما تقدّم ـ إلاّ مع قيام الدّليل عليه.

ومن هنا يعلم عدم تمامية ما أفاده سيِّدنا الأُستاذ الخميني (قدّه) في ردّ الاستدلال حيث قال: «إنّ المقبولة دلّت على أنّ الفقيه منصوب من ناحيتهم للقضاء، وأمّا اختصاص هذا المنصب للفقيه في نفس الأمر ومحروميّة العامّي عنه كذلك بحيث كانت الفقاهة من شروطه الشرعية وأنّ ذلك كان بإلزام شرعيّ إلهيّ،


فلا يستفاد منها» (1).

يلاحظ عليه: ماعرفت من أنّه مع فرضنا بأنّ المقبولة والمشهورة ليستا بصدد بيان شرائط من له حقّ القضاء، إلاّ أنّ نفس الشك في مشروعية قضاء العاميّ العارف بمسائل القضاء عن تقليد، كاف في الحكم بعدم الجواز والنفوذ، وهذا أش