welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الوضوء علي ضوء الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الوضوء علي ضوء الكتاب والسنّة

الوضوء
على
ضوء الكتاب والسنّة

دراسة مبسطة في دلالة آية الوضوء على ضوء الكتاب والسنّة

تأليف

الشيخ جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)



(3)

الوضوء
على ضوء الكتاب والسنّة


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

( يأيّهَا الَّذينَ ءَامَنُوَاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبّا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنتُم مَرضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أو جَآءَ أحدٌ منّكم من الغَآئط أو لَمَستُمُ النّسآءَ فلم تَجِدُوا مآءً فتيمموا صعيداً طيبَا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منّهُ ما يريد اللهُ ليجعل عليكُم من حرج ولكن يُريدُ ليطهركم وليتمَّ نعمته عليكم لعلكم تشكرون) .

(سورة المائدة ـ الآية 6)


(5)

الاحتكام إلى الكتاب
فيما اختلفت فيه الاَُمّة

سبحانك اللّهمَّ ما أبلغ كلامك، وأفصح بيانك، قد أوضحت الفريضة، وبيّنت الوظيفة فيما يجب على المسلم فعلُه قبل الصلاة، فقلت:

(يَــأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ)

ثم قلت مبّيناً لكيفيّة الوظيفة وأنّها أمران:

أ ـ (فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)

ب ـ (وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن)

سبحانك ما تركت إجمالاً في كلامك، ولا إبهاماً في بيانك؛ فأوصدت باب الخلاف، وسددت باب الاعتساف بتوضيح الفريضة، وبيانها.

سبحانك ان كان كتابك العزيز هو المهيمن على الكتب السماوية كما قلت: (وَ أنزَلْنا إلَيْكَ الكتابَ بالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَينَ يَدَيهِ مِنَ الكِتـابِ وَمُهَيمِنــاً عَلَيهِ) (المائدة ـ 48) فهو مهيمن ـ بالقطع واليقين ـ على المأثورات التي بأيدينا التي نقلها الرواة عن النبيّ الاَكرم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهي بين آمرة بغسل الاَرجل وأُخرى آمرة بمسحها.

فماذا نفعل مع هذه المأثورات المتناقضة المرويّة عمّن لا ينطق إلاّ عن الوحي، ولا يناقض نفسه في كلامه؟

سبحانك لا محيص لنا إلاّ الاَخذ بما نادى به كتابك العزيز، وقرآنك المجيد وبيّنه في جملتين ترجعان إلى أنّ الفريضة تتألف من:

غسلتين ومسحتين لا غير ؟

(أَفَغيرَ اللّهِ أبتَغِي حَكَماً وهُوَ الَّذِي أنزلَ إليكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلاً)

(الاَنعام ـ 114)



(6)

الاِهداء:

إلى كل من يسعى لخدمة الاِسلام المحمدي الاَصيل.

إلى كل من يسعى لكلمة التوحيد و توحيد الكلمـة.

إلى كل من يسعى لتبيين ما جاء في الذكر الحكيــم.

إلى كل من يسعى لرص الصفوف.

إلى كل هوَلاء أتقدم بإهداء رسالتي هذه.

كما أتقدم بإهدائها إلى مجمع الفقه الاِسلامي في «جدة» الذي يتبنّى في هذه الاَيام فتح باب الاجتهاد بعد انغلاقه، آملاً أن ينظروا فيها بعين الانصاف فإن وقعت موقع القبول فالحقّ أولى بالاتباع وإلاّ فليبدوا بآرائهم ـ مشكورين ـ حول ما جاء فيهـا من الاَدلة على ما أثبتناه في هذه الرسالة، فإنّ الحقيقة ـ كما قيل ـ بنت البحث.

ونحن بحمد اللّه لسنا مختلفين في الكتاب والسنّة فلو كان هناك اختلاف فإنّما هو في الفهم والاقتباس منهما.

الموَلف



(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي فضّل مداد العلماء على دماء الشهداء، وجعل أجنحة الملائكة مواطىَ أقدامهم، والصلاة والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه وعلى آله الطيبين الطاهرين، أئمّة دينه، وعيبة علمه، وحفظة سننه.

أما بعد:

فقد وافتني رسالة من بعض الاِخوة في السودان يستفسرون فيها عمّـا كتبه الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في مجلة «الفيصل» السعودية حول المسح والغسل للاَرجل في الوضوء وهو يناصر في مقاله ـ بالطبع ـ غسل الاَرجل لا مسحها، وقد حاول التدليل على ذلك من خلال نقض ما استندت إليه الاِماميّة من حجج مأخوذة من الآية نفسها لا من الاَحاديث والآثار .

ثم أردف كلامه بأنّ بعض الاِخوة الشيعة من القطر السوداني الشقيق، أصرّوا عليه بغية مراسلتي في هذا الشأن، لرفع الشكوك التي تساورهم حيال هذه المسألة، وإزاحة الستار عن وجه الحقيقة.

وهذا الحافز قد دفعني إلى تأليف هذه الرسالة وإن كنت قد كتبت في سالف الزمان مقالاً حول الوضوء في كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنّة».


(8)

غير أَنّي بسطت الكلام في هذه الرسالة وركّزت البحث على مفاد الآية وأَنّها آية واضحة في مدلولها لا تحتاج في تبيينها إلى حديث أو أثر إلاّ ما كانت الآية ساكتة عنه.

أرجو من اللّه سبحانه أن تكون خالصة لوجهه الكريم وأن ينتفع بها الاِخوة الكرام.

قم المقدسة ـ موَسسة الاِمام الصادق (عليه السلام)
جعفر السبحاني                
26|رجب الاَصب| 1417          



(9)

المدخل:

آية الوضوء محكمة وليست مجملة

اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم على أنّ الصلاة لا تصح إلاّ بطهور . والمراد من الطهور هو المزيل للخبث (النجاسة) والحدث، والمزيل له هو الوضوء والتيمم والغسل، وهل التيمم رافع للحدث موَقتاً ما دام المتيمم غير واجد للماء؟ أو مبيح للدخول في الصلاة وكل عمل عبادي مشروط بالطهارة؟ فيه قولان.

وعلى كل تقدير فالتكليف بتحصيل الطهارة منّة منه سبحانه على عباده لمثول العبد بين يدي الرب بنظافة ظاهرية تكون مقدمة لتزكية السرائر.

وقد بيّـن سبحانه سر التكليف بتحصيل الطهور قبل الصلاة بقوله تعالى: (ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِن حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم) (المائدة ـ 6).

وقال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «بني الدين على النظافة».

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «مفتاح الصلاة الطهور».

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الطهور نصف الاِيمان».

وقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «افتتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم».

وروي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا صلاة إلاّ بطهور».

وقال الصادق عليه السّلام: «الوضوء شطر الاِيمان» (1)


1 . الوسائل: ج1، الباب الاَوّل من أبواب الوضوء.


(10)

فإذا كان الوضوء بهذه الاَهميّة كما نطق به الكتاب والسنّة، فمن الواجب الوقوف على أجزائه وشرائطه ونواقضه ومبطلاته، وقد تكفّلت الكتب الفقهيّة بيان هذه المهمّة، ولكن نختار للبحث في المقام تبيين ما اختلفت فيه كلمة الاَُمّة، وهو حكم الاَرجل من حيث المسح والغسل. ونرجو من اللّه سبحانه أن تكون الغاية من دراستنا هذه فهم الواقع بعيداً عن الهوى والعصبيّة والتحيّز إلى رأي دون رأي.

الوضوء عبادة كسائر العبادات يُتَوَخّى منها التقرب إلى اللّه سبحانه ونيل رضاه، فيشترط في صحّتها: الاِخلاص والابتعاد عن الرياء، فهي نور لنور آخر، أعني: الصلاة، التي هي قرّة عين الموَمن.

بيّن سبحانه الوضوء في الكتاب بقوله: (يا أيُّها الذِينَ آمنُوا إذا قُمْتُم إلى الصلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُوَوسِكُم وأرْجُلَكُم إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كُنتُمْ جُنباً فاطَّهّرُوا وإنْ كُنتُم مَرضَى أو على سَفَرٍ أوْ جاءَ أحدٌ ِمنُكم مِنَ الغائطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُم وأيْدِيكُم مِنْهُ ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِن حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وُلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرون) (المائدة ـ 6).

الآية تشكّل إحدى آيات الاَحكام التي تستنبط منها الاَحكام الشرعية العمليّة الراجعة إلى تنظيم أفعال المكلّفين فيما يرتبط بشوَون حياتهم الدينيّة والدنيويّة.

وهذا القسم من الآيات يتمتع بوضوح التعبير، ونصوع الدلالة، فإنّ المخاطب فيها هي الجماهير الموَمنة التي ترغب في تطبيق سلوكها العملي وفقاً لها، وبذلك تفترق عن الآيات المتعلّقة بدقائق التوحيد ورقائق المعارف العقليّة التي تشدّ إليها أنظار المفكّرين المتضلّعين خاصة فيما يرتبط بمسائل المبدأ والمعاد.


(11)

والاِنسان إذا تأمّل في هذه الآية ونظائرها من الآيات التي تتكفّل بيان وظيفة المسلم، كالقيام إلى الصلاة في أوقات خمسة، يجدها محكمة التعبير، ناصعة البيان، واضحة الدلالة، تخاطب الموَمنين كافّة لترسم لهم وظيفتهم عند القيام إلى الصلاة.

والخطاب ـ كما عرفت ـ يجب أن يكون بعيداً عن الغموض والتعقيد، وعن التقديم والتأخير ، وعن تقدير جملة أو كلمة حتى تقف على مضمونها عامّة المسلمين على اختلاف مستوياتهم من غير فرق بين عالم بالقواعد العربية أو لا .

فمن حاول تفسير الآية على غير هذا النمط فقد غفل عن مكانة الآية ومنزلتها، كما أنّ من حاول تفسيرها على ضوء الفتاوى الفقهيّة لاَئمّة الفقه فقد دخل من غير بابها.

نزل الروح الاَمين بهذه الآية على قلب سيد المرسلين، فتلاها على الموَمنين وفهموا واجبهم تجاهها بوضوح دون تردّد و دون أن يشوبها أي إبهام أو غموض، وإنّما دبّ الغموض فيها في عصر تضارب الآراء وظهور الاجتهادات.

إنّ المسلمين في الصدر الاَوّل تعلّموا القرآن من أفواه القرّاء، وكانت المصاحف قليلة النسخ لا يصل إليها إلاّ النفر اليسير ، وإنّما انتشر نسخ القرآن في الحواضر الاِسلامية في العقد الثالث من القرن الاَوّل، وكانت المصاحف يومذاك مع قلّتها غير منقّطة، ولا معربة، وانّما نقّطت وأُعربت بعد منتصف القرن الاَوّل.

بيد أنّ القرآن في الصدر الاَوّل كان محفوظاً في صدور الرجال ومأموناً عليه من الخطأ واللحن بسبب أنّ العرب كانت تقروَه صحيحاً حسب سليقتها الفطريّة التي كانت محفوظة لحدّ ذاك الوقت، أضف إلى ذلك شدّة عنايتهم بالاَخذ والتلقّي عن مشايخ كانوا قريبي العهد بعصر النبوة، فقد توفّرت الدواعي على حفظه وضبطه صحيحاً حينذاك.


(12)

أمّا بعد منتصف القرن الاَوّل حيث كثر الدخلاء وهم أجانب عن اللغة، فإنّ السليقة كانت تعوزهم، فكانوا بأمسّ الحاجة إلى وضع علامات ودلالات توَمّن عليهم الخطأ واللّحن وذلك مما دعا أبا الاَسود الدوَلي وتلميذيه: يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم إلى وضع نقاط وعلامات على الحروف (1)

يظهر من الروايات الكثيرة أَنّ الاختلاف في كيفيّة الوضوء ظهر في عصر الخليفة عثمان.

روى مسلم عن حمران مولى عثمان، قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضّأ، ثم قال: إنّ ناساً يتحدّثون عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أحاديث لا أدري ما هي؟! ألا إنّي رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضّأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضّأ هكذا، غفر له ما تقدّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة. (2) وتوَيد ذلك كثرة الروايات البيانيّة لوضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - المرويّة عن عثمان، وقد ذكر قسماً منها مسلم في صحيحه (3)

وهناك روايات بيانيّة أُخرى عن لسان عثمان لم يذكرها مسلم وإِنّما ذكرها غيره تشير إلى ظهور الاختلاف في كيفيّة وضوء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في عصره.

وأمّا مصدر الخلاف وسببه فهو اختلافهم في كيفيّة وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فسيوافيك أَنّ لفيفاً من الصحابة نقلوا وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأَنّه مسح رجليه مكان غسلهما، كما أنّ لفيفاً آخر نقلوا انّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - غسل رجليه، وقد نُقلت عن عثمان كلتا الكيفيتين.


1.محمد هادي معرفة: التمهيد في علوم القرآن: 1|309 ـ 310، نقل بتصرّف.
2. صحيح مسلم، بشرح النووي: 3|112.
3. نفس المصدر: 3|102 ـ 117.


(13)

ومن زعم أنّ مصدر الخلاف في ذلك العصر هو اختلاف القراءة فقد أخطأ لما ستعرف من أَنّ العربي الصميم لا يرضى بغير عطف الاَرجل على الروَوس سواء أقرأه بالنصب أم بالجر، وأمّا عطفه على الاَيدي فلا يخطر بباله حتى يكون مصدراً للخلاف.

فعلى من يبتغي تفسير الآية وفهم مدلولها، أن يجعل نفسه كأنّه الحاضر في عصر نزول الآية ويسمع كلام اللّه من فم الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو أصحابه، فعندئذٍ ما فهمه حجّة بينه وبين ربّه، وليس له عند ذاك، الركون إلى الاحتمالات والوجوه المختلفة التي ظهرت بعد ذلك العصر.

* * *

إنّ هذه الرسالة وإن كرّست البحث في حكم الاَرجل من حيث المسح أو الغسل، ولكن لما كان الاختلاف في فهم الآية لا يقتصر على هذا المورد بل يعم كيفية غسل الاَيدي أيضاً، استدعت الحاجة إلى البحث في الثاني أيضاً على وجه موجز ، وتأتي هذه الدراسة ضمن فصول.

(قَدْ جَـآءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ)

(المائدة : 15)



(14)


(15)

الفصل الاَوّل:

آية الوضوء وكيفية غسل الاَيدي

إنّ آية الوضوء نزلت لتعليم الاَُمّة كيفية الوضوء والتيمّم، والمخاطب بها جميع المسلمين عبْـر القرون إلى يوم القيامة ، ومثلها يجب أن تكون واضحة المعالم، مبيّنة المراد، حتى ينتفع بها القريب والبعيد والصحابي وغيره .

فالآية جديرة بالبحث من جانبين:

الاَوّل: مسألة كيفية غسل اليدين، وأنّه هل يجب الغسل من أعلى إلى أسفل أو بالعكس؟

الثاني: حكم الاَرجل من حيث المسح أو الغسل.

فلنشرع في البحث في الجانب الاَوّل.

قال سبحانه: (يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ) (المائدة ـ 6).

اختلف الفقهاء في كيفية غسل اليدين، فأئمّة أهل البيت وشيعتهم، على أنّ الابتداء بالمرفقين إلى أطراف الاَصابع وانّ هذه هي السنّة، وحجتهم على ذلك هو ظاهر الآية المتبادر عند العرف، فإنّ المتبادر في نظائر هذه التراكيب هو الابتداء


(16)

من أعلى إلى أسفل، فمثلاً إذا قال الطبيب للمريض: اغسل رجلك بالماء الفاتر إلى الركبة، يتبع المريض ما هو المتداول في غسل الرجل عند العرف، وهو الغسل من أعلى إلى أسفل. أو إذا قال صاحب الدار للصبّاغ، أصبغ جدران هذه الغرفة إلى السقف، فيتبع الصبّاغ ما هو المألوف في صبغ الجدران من الاَعلى إلى الاَسفل ولا يدور بخلده، أو بخلد المريض من أنّ مالك الدار أو الطبيب استخدم لفظة «إلى» لبيان انتهاء غاية الصبغ والغسل عند السقف والرجل بل لتحديد المقدار اللازم لهما .

وأمّا كيفية الغسل فمتروك إلى ما هو المتّبع والمتداول في العرف، وهو ـ بلا ريب ـ يتبع الاَسهل فالاَسهل، وهو الابتداء من فوق إلى تحت، وما هذا إلاّ لاَنّ المتكلّم بصدد تحديد العضو المغسول، وهو اليد مع قطع النظر عن كيفية الغسل من حيث الابتداء والانتهاء ، فإذا كان هذا هو المفهوم، فليكن الاَمر كذلك في الآية المذكورة من دون أن نتكلّف بشيء من الوجوه التي يذكرها المفسرون في تأييد أحد المذهبين.

نعم، إنّ أساس الاختلاف في الابتداء بالمرفقين إلى أُصول الاَصابع أو بالعكس عندهم إنّما هو في تعيين متعلّق «إلى» في الآية الكريمة، فهل هو قيد «للاَيدي» أي المغسول، أو قيد للفعل أعني: «واغسلوا» ؟

فعلى الاَوّل تكون الآية بمنزلة قولنا: «الاَيدي إلى المرافق» يجب غسلها، وإنّما جاء بالقيد لاَنّ اليد مشترك تطلق على أُصول الاَصابع والزند والمرفق إلى المنكب، ولما كان المغسول محدداً إلى المرافق قُيّدت اليد بقوله «إلى المرافق»، ليفهم أنّ المغسول هو هذا المقدار المحدد من اليد ولولا اشتراك اليد بين المراتب المختلفة


(17)

وانّ المغسول بعض المراتب لما جاءت بلفظة «إلى» فالاِتيان بها لاَجل تحديد المقدار المغسول من اليد.

وعلى الثاني، أي إذا قلنا بكونه قيداً للاَمر بالاغتسال، فربّما يوحي إلى ضرورة الابتداء من أُصول الاَصابع إلى المرفقين، فكأنّه سبحانه قال: «الاَيدي» اغسلوها إلى المرافق.

ولكن لا يخفى ما في هذا الاِيحاء من غموض، لما عرفت من أنّ المتّبع في نظائر هذه الاَمثلة ما هو المتعارف وهو الابتداء من الاَعلى إلى الاَسفل.

أضف إلى ذلك: أنّه لو سلمنا أن حرف الجر قيد للفعل، لا نسلم أنّه بمعنى «إلى» الذي هو لانتهاء الغاية، بل يحتمل أن يكون بمعنى «مع» أي الاَيدي اغسلوها مع المرافق، وليس هذا بعزيز في القرآن والاَدب العربي.

يقول سبحانه: (ولا تأكُلوا أَمْوالَهُمْ إلى أَمْوالِكُمْ) (النساء ـ 2).

وقال سبحانه ـ حاكياً عن المسيح ـ: (فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُم الكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصَاري إلى اللّهِ) (آل عمران ـ 52) أي مع اللّه.

وقوله سبحانه: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ) (هود ـ 52) أي مع قوتكم.

ويقال في العرف: ولى فلان الكوفة إلى البصرة، أي مع البصرة، وليس في هذه الموارد من الغاية أثر.

وقال النابغة الذبياني:

ولا تتركني بالوعيد كأنني إلى      الناس مطليّ به القار أجرب

أراد مع الناس أو عند الناس.


(18)

وقال ذو الرمة:

بها كل خوار إلى كل صولة      ورفعي المدا عار الترائب

وقال امروَ القيس:

له كفل كالدعص لبّده الندى      إلى حارك مثل الغبيط المذأبِّ

أراد مع حارك (1)

وعلى ضوء ذلك فليست «إلى» لبيان الغاية، بل لبيان الجزء الواجب من المغسول سواء أكان الغسل من الاَعلى أو من الاَسفل.

هذا والدليل القاطع على لزوم الابتداء من الاَعلى إلى الاَسفل هو لزوم اتّباع ما هو المألوف في أمثال المورد كما سلف.

وقد نقل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنحو التالي:

أخرج الشيخ الطوسي بسنده عن بكير وزرارة بن أعين، أنّهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فدعا بطست أو بتَوْر (2) فيه ماء، فغسل كفّيه، ثمّ غمس كفّه اليمنى في التور فغسل وجهه بها، واستعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه، ثم غمس كفّه اليسرى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الاَصابع لا يردّ الماء إلى المرفقين، ثم غمس كفَّه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكفِّ لا يردُّ الماء إلى المرفق كما صنع باليمنى، ثمَّ مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفّيه ولم يجدد ماء. (3)


1 . رسائل الشريف المرتضى: الرسالة الموصلية الثالثة: 213 ـ 214.
2. التَوْر : اناء صغير .
3. تهذيب الاَحكام: 1|59 برقم 158.


(19)

الفصل الثاني:

آية الوضوء وحكم الاَرجل

إنّ الآية الكريمة لو عُرضت على عربيّ بعيد عن الاَجواء الفقهيّة، وعن اختلاف المسلمين في كيفيّة الوضوء وطُلِب منه تبيين ما فهمه لقال بوضوح: إنّ الوضوء: غسلتان ومسحتان، دون أن يتردّد في أنّ الاَرجل هل هي معطوفة على الروَوس أو معطوفة على الوجوه، فهو يدرك بأنّها تتضمّن جملتين صُرِّحَ فيهما بحكمين:

بُدىَ في الجملة الاَُولى:(فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلى المَرافِق) بغسل الوجوه، ثم عطفت الاَيدي عليها، فوجب لها من الحكم مثل حكم الوجوه لاَجل العطف.

ثم بُدىَ في الجملة الثانية:(وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم وأرْجُلَكُم إلى الكَعْبَيْنِ) بمسح الروَوس، ثم عطفت الاَرجل عليها، فوجب أن يكون لها من الحكم مثل حكم الروَوس لاَجل العطف، والواو تدل على مشاركة ما بعدها لما قبلها في الحكم.

والتفكيك بين حكم الروَوس وحكم الاَرجل، لا يحتمله عربي صميم بل يراه مخالفاً لظهور الآية.


(20)

فلو سئل عن كيفية الوضوء الواردة في الآية لصرّح أنّ هناك أعضاء يجب غسلها وهي: الوجوه والاَيدي، وأعضاءً يجب مسحها وهي: الروَوس والاَرجل، ولو أُلفت نظره إلى القواعد العربيّة تجده لا يتردّد في أنّ الاَرجل معطوفة على الروَوس، ولو سُئل عن عطفه إلى الاَبعد ـ أي الوجوه ـ لاستغرب وتعجّب.

فإن كنت في شك ممّا ذكرناه، فاعرض الآية على عربيّ أو خبير بالقواعد العربيّة، فستجده يذهب إلى ما ذكرنا ولا حاجة بعد ذلك إلى استعراض أدلّة الطرفين في مسح الرجلين أو غسلهما، وإلاّ فالحلّ الوحيد هو دراسة الآية على ضوء القواعد والذوق السليم والسنّة الصحيحة.

إنّ القول بمسح الرجلين أو غسلهما يرجع إلى تعيين ما هو العامل فيهما، فإنّ في الآية عاملين، وإن شئت قلت: فعلين كلّ يصلح في بدء النظر لاَن يكون عاملاً فيهما، إِنّمـا الكلام في تعيين ما هو العامل حسب ما يستسيغه الذوق العربي.

والعاملان هما:

فاغسلوا:

وامسحوا:

فلو قلنا:إنّ العامل هو الاَوّل يجب غسلهما، كما لو قلنا بأنّ العامل هو الثاني يجب مسحهما.

فملاك القولين عبارة عن كون المعطوف عليه هو الوجوه أو الروَوس، فعلى الاَوّل: حكمهما الغسل، وعلى الثاني: المسح.

ولا شك أَنّ الاِمعان في الآية ـ مع قطع النظر عن كلّ رأي مسبق وفعل رائج بين المسلمين ـ يثبت أَنّ العامل هو الفعل الثاني، أي: (فامسحوا) دون


(21)

الاَوّل البعيد.

وإن شئت قلت: إنّه معطوف على القريب أي الروَوس لا على البعيد، أعني: «وجوهكم» أو «أيديكم»، فاستوضح ذلك بالمثال التالي:

لو سمعنا قائلاً يقول: أحبّ زيداً وعمراً ومررت بخالد وبكر من دون أن يُعْربَ «بكر» بالنصب والجر نحكم بأنّ «بكر» معطوف على «خالد» والعامل فيه الفعل الثاني وليس معطوفاً على «عمرو» حتى يكون العامل فيه هو الفعل الاَوّل.

وقد ذكر علماء العربيّة أنّ العطف من حقّه أن يكون على الاَقرب دون الاَبعد، وهذا هو الاَصل، والعدول عنه يحتاج إلى قرينة موجودة في الكلام، وإلاّ ربّما يوجب اللّبس وصرف اللفظ عن المراد، فلنفرض أنّ رئيساً قال لخادمه: أكرم زيداً وعمراً واضرب بكراً وخالداً، فهو يميز بين الجملتين ويرى أنّ «عمراً» عطف على «زيداً»، و «خالداً» عطف على «بكراً» ولا يدور بخلده خلاف ذلك.

فإذا كانت الحال كذلك ولم يجز الخروج عن القواعد في الاَمثلة العرفيّة، فأولى أن يكون كلام ربّ العزة على ذلك النمط.

فلماذا نتردّد في تعيين العامل، أو تعيين المعطوف عليه، أو نقضي على الخلاف بإخراجه من تحت العامل الثاني وإدخاله تحت العامل الاَوّل، أو عطفه على الاَيدي دون الروَوس.

وليس المثال منحصراً بما ذكرنا بل بإمكانك الاِدلاء بأمثلة مختلفة شريطة أن تكون مشابهة لما في الآية .

وان أردتَ توضيح الكلام، نقول: إنّ في لفظ: (أرجلكم) قراءتين:

قراءة بالخفض، وقراءة بالنصب، وعلى كلا التقديرين يجب المسح دون الغسل.


(22)

أمّا الاَوّل، فقد قرأ بها: ابن كثير، وأبو عمرو ، وحمزة، وأبو بكر، عن عاصم، وقرأ الباقون بالنصب.

فالقائل بالمسح، يفسّـر كلتا القراءتين على ضوء القواعد العربيّة بلا شذوذ، ويقول: إنّ أرجلكم معطوفة على الروَوس، فجرّها لعطفها على ظاهر الروَوس، ونصبها لعطفها على محلّ الروَوس، لاَنّها مفعول لقوله: (وامسحوا) فكما أَنّ العطف على اللفظ جائز، فكذا على المحلّ، قال سبحانه: (أنَّ اللّهَ بريءٌ من المشركينَ ورسولُهُ) (التوبة ـ 3) فإنّ قوله: (ورسوله) بالضم عطف على محل اسم انّ، أعني: لفظ الجلالة، لكونه مبتدأ، وقد ملاَت مسألة العطف على المحل كتب الاَعاريب. (1) نظير قول القائل:

معاوي إنّنا بشر فاسجـح      فلسنا بالجبـال ولا الحديدا

وأمّا القائل بالغسل، فلا يستطيع أن يفسّـر الآية على ضوء القواعد، لاَنّه يفسّـر قراءة النصب بأنّها معطوفة على الوجوه، في الجملة المتقدمة، ويفسر قراءة الخفض بالجر بالجوار. وكلا الوجهين غير صحيحين.

أمّا الاَوّل: فلاَنّه يستلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية، وهي: (وامسحوا برءُوسكم) مع أنّه لا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمفرد، فضلاً عن جملة أجنبية. ولم يسمع في كلام العرب الفصيح قائلاً يقول: ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً بعطف «عمراً» على «زيداً».

وأمّا الثاني: فهو يقول: بأنّه مجرور لاَجل الجوار، أي لوقوعه في جنب الروَوس المجرورة، نظير قول القائل: «جحر ضب خرب» فان «خرب» خبر «لجحر»


1 . ابن هشام: مغني اللبيب: الباب الرابع مبحث العطف، قال: الثاني: العطف على المحل ... ثم ذكر شروطه.


(23)

فيجب أن يكون مرفوعاً لكنّه صار مجروراً لاَجل الجوار.

لكنّه غير صحيح لاتّفاق أهل العربية على أنّ الاِعراب بالمجاوَرة شاذّ نادر ، وما هذا سبيله لا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة يلجأ إليها.

قال الزجّاج: أمّا الخفض على الجوار فلا يكون في كلمات اللّه. (1) أضف إلى ذلك، أَنّه لو صحّ الجر بالمجاورة، فإِنّما يصح إذا لم يكن معها حرف عطف كما في الكلام السابق، دون المقام، فقد تصدّر قوله ( أرجلكم) بحرف العطف.

وممّن نصّ على ذلك من أعلام السنّة «علاء الدين علي بن محمّد البغدادي» في تفسيره المسمّى بـ «الخازن» قال: وأمّا من جعل كسر اللام في (الاَرجل) على مجاورة اللفظ دون الحكم. واستدل بقولهم: «جحر ضب خرب»، وقال: الخرب نعت للجحر لا للضب، وانّما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس بجيد [لوجهين]:

1ـ لاَنّ الكسر على المجاورة إنّما يحمل لاَجل الضرورة في الشعر، أو يصار إليه حيث يحصل الاَمن من الالتباس، لاَنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب، بل للجحر.

2ـ ولاَنّ الكسر بالجـوار انّما يكون بدون حرف العطـف، أمّا مـع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب. (2) وحاصل الوجه الاَوّل: انّه لو صحّ تفسير العطف بالجوار، فإِنّما يصح إذا لم يولّد الشبهة، ولا يوجب اللبس، كما في قوله: «جحر ضب خرب» إذ من المعلوم أنّ خرباً صفة للجحر، دون الضّبّ، بخلاف المقام، فإنّ قراءة الاَرجل بالجر ،


1 . معاني القرآن وإعرابه: 2|153.
2. تفسير الخازن: 2|16.


(24)

توجب كونه ممسوحاً لا مغسولاً، إذ المتبادر منه أنّه معطوف على الروَوس دون غيره، مع أنّ المقصود حسب فرض الفارض غيره.

وأمّا الوجه الثاني فظاهر غنيّ عن البيان.

وقد خرجنا بهذه النتيجة: أَنّ كلتا القراءتين منطبقتان على القول بالمسح، وغير منطبقتين على القول بالغسل.

فالكتاب العزيز يدعم ـ بلا مرية ـ القول بالمسح، ومن أراد إخضاع الكتاب للقول بالغسل، فقد فسّـره برأيه، وجعل مذهبه دليلاً على تفسير الآية، وحملها على أمرين غير صحيحين:

أ ـ الفصـل بين المعطوف والمعطـوف عليه بجملة أجنبية، وهو موجب للالتباس إذا قرىَ بالنصب.

ب ـ الجر بالجوار، ولكنه لا يليق بكلام رب العزة إذا قرىَ بالخفض.

وبما أنّ أكثر القائلين بالغسل اعتمدوا في تفسير قراءة الخفض على العطف بالجوار خصصنا البحث التالي له .

بحث حول الخفض بالجوار :

إنّ الخفض بالجوار أمر اختلفت فيه كلمة النحاة، فمنهم من أنكره مطلقاً، أو في خصوص القرآن الكريم، قال الزجّاج: وقال بعض أهل اللغة: إنّ قوله: (وأرجلكم) جر على الجوار فأ ضاف، أمّا الخفض بالجوار فلا يكون في كلمات اللّه. (1)

استدلّ القائلون بجواز الجر بالجوار بقول العرب: «جحر ضب خرب».


1 . معاني القرآن وإعرابه: 2|153.


(25)

فظاهر الكلام أنّ «خرب» صفة «ضب»، ومن المعلوم أنّه صفة «جحر» ولكنّه تبع في الاِعراب جاره أعني «ضبٍّ».

ثم إنّـهم استشهدوا بأبيات للشعراء منها:

قول أمرىَ القيس:

كأنّ ثبيراً في عرانـين وَبْلِه      كبير أُناس في بجاد مزمل

فإنّ مقتضى القياس رفع «مزمل» لاَنّه وصف «كبير أُناس» وإنّما انخفض لاَجل الجوار .

أقول: أمّا المثل فلاَنّه لم يثبت متواتراً أنّ العرب تخفض «خرب» وان اشتهر في الاَلسن ولعلهم يقرأونه بالرفع خبراً لـ «جحر».

و لو ثبتت قراءة الجرّ لكن لا يمكن تفسير القرآن الكريم بهذا المثل الذي لم تثبت كيفية جرّه بنقل متواتر .

قال ابن هشام: أنكر السيرافي وابن جنّي الخفض على الجوار وتأوّلا قولهم «خَرِبٍ» بالجر على أنّه صفة لضب.

ثم قال السيرافي: الاَصل خربٍ الجُحْر منه، بتنوين خربٍ ورفع الجحر، ثم حذف الضمير للعلم به، وحُوِّل الاسنادُ إلى ضمير الضب، وخفض الجحرُ ـ كما تقول «مررت برجلٍ حسنِ الوجه» بالاِضافة، والاَصلُ حسنٍ الوجهُ منه ـ ثم أُتى بضمير الجُحر مكانه لتقدم ذكره فاستتر .

وقال ابن جنّي: الاَصل خربٍ جحره، ثم أنيب المضاف إليه عن المضاف فارتفع واستتر . (1)


1 . مغني اللبيب: 896، الباب الثامن، القاعدة الثانية.


(26)

وأمّا الثاني: فلاَنّ جر قوله «مزملاً» للاِطلاق، فإنّ القافية ـ في قصيدة امرىَ القيس اللامية المعروفة بالجلجلية في جميع الاَبيات ـ مجرورة فلم يكن له بد من الجر حفظاً للروي، وهذا مطلع قصيدته المعروفة حيث يقول:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ      بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ

إلى أن يقول:

وتيماء لم يترك بها جذع نخلة      ولا أطماً إلاّ مشيداً بجندل

كأنّ ثبيراً في عرانين وبله      ............       

ثم إنّ الذين حاولوا إخضاع القرآن لمذهبهم، استدلّوا على الخفض بالجوار ببعض الاَبيات إلاّ أنّ تلك المحاولة تبدو عقيمة لاَنّه لم تثبت القراءة فيها حسب ما يدَّعون، وعلى فرض الثبوت لم يدل دليل على أنّ الخفض للجوار أو للضرورة، وعلى فرض القبول لم يثبت إلاّ في الوصف والبدل لا في المعطوف كما في الآية وسيوافيك تفصيله، فالاَولى الاِعراض عنها وصب الاهتمام على ما استشهدوا به من الآيات.

استشهادات أُخرى على الجر بالجوار :

واستشهد القائلون بالغسل للجر بالجوار بآيات:

1. قوله سبحانه: (عذاب يوم محيط) (هود ـ 84).

بخفض محيط مع أنّه نعت للعذاب.


(27)

2. وقوله تعالى: (عذاب يوم أليم) (هود ـ 26).

أنّ الاَليم صفة للعذاب وقد خفض للمجاورة .

3. وقوله تعالى: (بل هو قـرآن مجيـد في لوح محفـوظ) (الـبــروج: 21ـ22).

على قراءة من قرأ بخفض محفوظ فقد جُرّ لاَجل المجاورة .

يلاحظ عليه: أنّ لفظة (محيط) صفة ليوم لا لعذاب، فإنّ قوله (محيط)؛ كقوله: (عظيم) وصفان ليوم، بشهادة قوله سبحانه: (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) (مريم ـ 37) وقوله سبحانه: (إلا يظن هوَلاء أنّهم مبعوثون ليوم عظيم) (المطففين : 4 ـ 5).

وبذلك يظهر أنّ لفظة (محيط) في الآية ونظائرها وصف ليوم لا لعذاب .

وأمّا الآية الثانية فلا دليل على أنّ (أليم) صفة (لعذاب)، بل لقوله (يوم) ، نظير قولك: نهارك صائم وجدّه جده، كما ذكره الزمخشري في الكشاف.

وأمّا الآية الثالثة فقد قرأ نافع بالرفع وصفاً لقرآن، والباقون بالجر ، ولكن الجر لا للجوار بل لاَجل كونه وصفاً للوح، وقد كثر على ألسنتهم اللوح المحفوظ.

فالقرآن محفوظ واللوح الذي فيه القرآن أيضاً محفوظ، فلا دليل على أنّ اللفظ (محفوظ) وصف للقرآن بل وصف للّوح الذي هو وعاء القرآن .