welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منجزات المريض و أقاريره*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

منجزات المريض و أقاريره

1
منجزات المريض
و
أقاريره

2
جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ـ
      منجزات المريض وأقاريره / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1431 ق . = 1389 .
ISBN 978 - 964 - 357 - 441 - 3
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 . منجزات المريض ـ ـ القرن 14. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. العنوان.
8م 2س/ 7/192 BP    372 / 297
اسم الكتاب:   … منجزات المريض وأقاريره
المؤلف:   … العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1431 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:   … رقعي
عدد الصفحات:   … 168
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

3
منجزات المريض
و
أقاريره
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

4

5
بسم الله الرحمن الرحيم

6

7
منجّزات المريض

8
   

9
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريته محمد وآله الطيبين الطاهرين.
أمّابعد:
فإنّ مسألة منجّزات المريض ـ أي تصرّفاته القطعية في مرض موته بالبيع والشراء والهبة والصلح على وجه التبرع والمحاباة ـ من المسائل الّتي يكثر الابتلاء بها، فنرى أنّ بعض الناس إذا أحسّوا بقرب الموت أو بدت أماراته عليهم، يقدمون على نقل بعض أموالهم بصورة قطعية إلى بعض الورثة أو إلى غيرهم بحجّة أنّهم مالكون وهم أولى بمالهم ما داموا أحياءً وينتهي ذلك إلى ضرر الورثة.
ولأجل توضيح المسألة وتحديد موضوعها وبيان حكمها نقدم أُموراً:

10

11
 

1

في صحّة هذا النوع من التصرّفات

لا شك أنّ تصرّفات المريض في حال حياته على النحو القطعي صحيحة ما دام حياً ومالكاً لعقله وشعوره، كما أنّها تبقى صحيحة بعد الموت على كلا القولين (خروجها من الأصل أو من الثلث) غاية الأمر أنّه يجوز للورثة الردّ كما أنّ لهم إبقاءَه، فالتصرف محكوم بالصحّة مالم يرد ردّ من جانبهم .
ثم إنّ المراد بالمنجّز هنا في مقابل المعلّق، وليس بمعنى الصحيح في مقابل الباطل، وسيظهر معنى المنجّز أوضح ممّا هنا في الأمر الثاني.
والمشهور بين القدماء ـ على ما قيل ـ هو الأوّل، والمشهور بين المتأخّرين هو الثاني، ولكن انقلبت الشهرة في الأعصار الأخيرة إلى الأوّل أيضاً، وقد تضاربت الآراء والأفكار في المسألة منذ أن وردت في الكتب الفقهية.

12
 

2

في تقسيم تصرّفات المريض

تصرّف المريض في ملكه إما أن يكون منجّزاً، أو يكون معلّقاً على الموت. والأوّل هو المطروح في المقام، وأمّا الثاني فيرجع إلى باب الوصية.
ثم إنّ الوصية تنقسم إلى تمليكية، وعهدية. أمّا الأُولى فهي إنشاء الموصي تمليك عين أو منفعة لشخص معيّن أو أشخاص بعد وفاته.
وأمّا الثانية فهي إيصاء الموصي لشخص معيّن أو أكثر بتنفيذ وصيته الّتي كتبها ممّا يتعلّق بتجهيزه أو استيجار الحج والعبادات الفائتة عنه، ومن ذلك تعيين إدارة شؤون الصغار من أولاده.
ومن ملحقات العهدية الإيصاء بالعتق وإيقاف داره

13
مسجداً أو مجمعاً علمياً، فكلّ ذلك يخرج من الثلث، من غير فرق بين ما لو كانت الوصية تمليكية أو عهدية، حتّى الملحق بالعهدية، فلو زاد على الثلث يحتاج إلى تنفيذ الوارث وإجازته وإلاّ يبطل.
إنّما الكلام فيما إذا كان منجّزاً غير معلّق على شيء، فإذا مات في نفس المرض الّذي نجّز التصرفات فيه فهل يخرج من الأصل أو الثلث؟ ونظيره المعلّق على غير الموت، سواء حصل المعلّق عليه قبل الموت أو بعده. كقوله: هذا لولدي إن نجح في الامتحان، فنجح قبل موته أو بعده، لأنّه لا يدخل في الوصية وإنّما هو داخل في المنجّزات.
وهذا من غير فرق بين التصرف في العين كبيعها، أو التصرف في المنفعة المملوكة كإجارة البيت.

14

3

تحديد موضوع المسألة

لاشك أنّ قسماً كبيراً من منجّزات المريض يخرج من الأصل بلا كلام، نظير ما إذا باع بثمن المثل أو اشترى به، فلابد من تحديد الموضوع على نحو يكون جامعاً مانعاً، ولم يرد عنوان «منجّزات المريض» في لسان الأدلّة، والقدر المتيقّن من أدلّة الباب، إذا كان التصرف تبرعياً مضرّاً بحال الوارث، ولذلك عمد غير واحد من الأصحاب إلى بيان ضابطة لموضوع المسألة متّخذة من دراسة الروايات ، وإليك بعض هذه الضوابط:
الضابطة الأُولى: ما ذكره العلاّمة في القواعد عند البحث في حقيقة التبرع حيث قال: وهو إزالة الملك ] عن [ عين مملوكة يجري الإرث فيها من غير لزوم ولا أخذ عوض يماثلها. فلو باع بثمن المثل لزم وصحّ، وكذا لو اشترى به .(1) وإليك دراسة التعريف:

1 . قواعد الأحكام: 2 / 531، كتاب الوصايا.

15
1. أنّ تخصيص التبرع بإزالة الملك عن عين مملوكة، يخرج العارية، إذ ليس فيها إزالة للملك ولا مانع من خروجه عن محل البحث لجريان السيرة على هذا، إذ لم يعرف أنّ المالك يكون ممنوعاً من إعارة كتابه لغيره شهراً واحداً، دون أن يدور في خلد أحد أنّه من تصرفات المريض وهو من الثلث.
وأورد المحقّق الثاني على التعريف بشمول «إزالة الملك» للإتلاف، فإنّ التعريف صادق عليها مع أنّها ليست من التبرعات فلا تحسب من الثلث.
2. قوله: «في عين مملوكة» يخرج إزالة الملك عن الدين بالإبراء وعن المنفعة وعن التحجير، ولاريب في أنّ خروجها تبرعي داخل في محل النزاع مع أنّ ظاهر التعريف خروجها.
3. قوله: «يجري فيها الإرث» قيد زائد، إذ لا تتصوّر إزالة الملك من عين مملوكة لا يجري فيها الإرث ويُعدّ تبرعاً.
4. قوله: «من غير لزوم» يخرج ما وجب عليه قبل المرض كالدين والنذر السابقين فلا شك أنّهما يخرجان من الأصل، وأمّا النذر في مرض الموت فهوخارج عن التعريف بقيد «من غير

16
لزوم» لكنّه داخل في محط النزاع.
5. قوله: «ولا أخذ عوض يماثلها» أخرج به المعاوضات إذا كانت بثمن المثل، ولذلك فرّع عليه قوله: فلو باع بثمن المثل لزم وصحّ وكذا لو اشترى به .
الضابطة الثانية: ما ذكره الشهيد الثاني في «المسالك»، حسب ما نقله السيد الطباطبائي في رسالته من أنّه «ما استلزم تفويت المال على الوارث بغير عوض». (1)
وأورد عليه: بأنّه يشمل الإتلافات ونحوها مع أنّها لا تحسب من الثلث ; ويشتمل ما كان لازماً كإراقة الخمر وكسر الميسر أيضاً مع خروجه، ولايشمل الحق مع كونه داخلاً.
والّذي عثرنا عليه في المسالك غير هذا التعبير .(2)
الضابطة الثالثة: ما ذكره السيد الطباطبائي هو التمليك أو الفك أو الابراء المتعلّق بالمال والحق الفعليين تبرعاً من غير لزوم سابق، أو الالتزام بأحد هذه الأُمور كذلك.

1 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 14.
2 . لاحظ المسالك: 6 / 304.

17

التعريف جامع ومانع

إنّ هذا التعريف جامع ومانع. أمّا كونه جامعاً ، فقد دخل في التعريف كلّ تمليك أو فك ملك ـ كالوقف ـ أو إبراء للدين على وجه المحاباة، أو البيع والإجارة بصورة المحاباة، والصلح من غير عوض أو بعوض قليل، وإبراء الدين وشراء أحد العمودين الّذي ينعتق عليه.
كما دخل بالقيد الأخير ـ أعني: «من غير لزوم سابق» ـ النذر والعهد أو اليمين أو الشرط المتعلّقات بالمال أو الحق في حال المرض. نعم لو كان النذر واجباً عليه بالنذر السابق على المرض فهوخارج عن محطّ النزاع.
وأمّا عدم ذكره المنفعة، فلأنّها داخلة تحت قوله: «كلّ تمليك».
هذا كلّه في كون التعريف جامعاً، وأمّا كونه مانعاً .
فقد خرجت بقوله: «التمليك أو الفك أو الإبراء» التسبيبات كإتلاف مال الغير، وكالجناية على الغير بما يوجب الأرش أو الدية، وفعل ما يوجب الكفّارة من حيث حنث النذر

18
والإفطار ونحوهما من أسبابها، وذلك لأنّ الجميع من قبيل الدين يخرج من الأصل وليس فيه تمليك ولا فك ولا إبراء .
وخرج بتقييده المال والحق بكونهما فعليين الأُمور التالية:
1. قبول هبة من ينعتق عليه. 2. قبول شرط سقوط خياري المجلس والحيوان في البيع. 3. صحّ ما لو آجر نفسه بأقل من أُجرة المثل أو جعل الأُجرة من ينعتق عليه. 4. تزويج المرأة نفسها بأقل من مهر المثل. 5. رد الهبة أو الوصية أو الصدقة إذا كان من أهلها.
وذلك لعدم وجود مال وحق فعليين قام المريض بتمليكه للغير أو فكه أو إبرائه. وبالجملة ليس في هذه الموارد ملك أو حق فعلي سابق على التصرف حتّى يكون من مصاديق المسألة، نعم كان في وسع المريض أن يكتسب مالاً أو حقاً ولكنّه لم يكتسبه.
6. العفو عن القصاص مع إمكان المصالحة بالمال، فإنّ إسقاط حق القصاص ليس إسقاطاً لحقّ مالي، وإن كان للمريض تبديله بالدية واكتساب مال جديد لكنّه لم يفعل.

19
والحاصل: أنّه لو كان هنا حق ثابت مالي يقع في محل النزاع، وأمّا إذا لم يكن هناك حق ثابت من ذي قبل وإنّما لم يكتسب المال أو الحق الجديدين فالجميع خارج عن محل النزاع.
وخرجت بقيد التبرع العقود المعاوضية بثمن المثل والصلح والإجارة بأُجرة المثل والهبة المعوضة لعدم وجود التبرع فيها.
وخرجت بقوله: «من غير لزوم سابق» الواجبات المالكية، كالزكاة والخمس والكفّارات والعتق المنذور والصدقة المنذورة إذا كان النذر في حال الصحّة وإن حصل المعلّق عليه في حال المرض.
وما إذا صرف المال لحفظ عرضه وحفظ نفسه أو من يعول عليه أو حفظ ماله، لا لأجل عدم كونه عقداً من العقود، بل لأجل جريان السيرة على تصرف المريض في هذا النوع من التصرفات وعدم حجره عنها. ونظير ذلك إذا تحقّق كل ذلك بالعقد.
وقد عُلم بما ذكرنا من الضوابط وما ذكرنا حولها ممّا

20
يدخل ويخرج، أنّ مصب النزاع ما إذا قام المريض بتصرفات جديدة في عين أو حق أو منفعة موجودة، بنحو يُعدّ عمله إضراراً للوارث وتفويتاً لمصلحته.
ما هو المراد من المرض الّذي يكون التصرف فيه محلاًّ للخلاف؟   

4

ما هو المراد من المرض الّذي

يكون التصرف فيه محلاًّ للخلاف؟
لا إشكال في أنّ المراد من المرض ليس مطلق المرض، بل المرض المتّصل بالموت، فلذلك لو تصرف في حال المرض ثم برأ من مرضه ذلك ومات في مرض آخر، يخرج من الأصل إجماعاً .
ومع ذلك ينبغي دراسة الأدلّة حتّى نخرج بنتيجة واحدة مقابل الاحتمالات المختلفة.
إنّ العناوين الواردة لا تتجاوز عن ثلاثة:
1. ما وقع فيه «الموت» موضوعاً والمراد قربُ موته، نظير

21
قوله: «للرجل عند موته ثلث ماله»، أو قوله: «ما للرجل من ماله، عند موته» أو: «عن الرجل يموت ما له من ماله؟».
2. ما وقع «حضور الموت» موضوعاً، كقوله: «رجل حضره الموت فاعتق مملوكاً له».
3. ما وقع المرض موضوعاً كقوله: «عن الرجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه، فتُبرئ ذمته في مرضها»، أو قوله: «في رجل أوصى بأكثر من ثلثه وأعتق مملوكه في مرضه».
فنقول هنا احتمالات:
الأوّل: أنّ الموضوع هو المشرف على الموت، ومن كان على عتبته بحيث تنقضي حياته بعد يوم أو يومين أو أقل أو أكثر بقليل.
الثاني: من يترقّبُ منه الموت حسَب حاله ونوع مرضه، كالسرطان وغيره ـ أعاذنا الله وجميع المؤمنين منه ـ وعندئذ يكون الوقت أوسع وربّما يطول المرض شهوراً حسب شدته ومحل ظهوره، وعلى هذا فيخرج المرض الّذي لا يترقب فيه الموت.
الثالث: مطلق المرض الّذي سواء كان الموت مترقباً، كما

22
مثلناه ; أو لم يكن، كما إذا ابتلى ببعض الأمراض الخفيفة لكن انتهى إلى موته .
ظاهر العنوانين الأوّلين: عند موته، أو حضره الموت، هو الأوّل، ولكن المتبادر من العنوان الثالث، هو الاحتمال الثاني، أي من يترقّب منه الموت ولو بعد مدة طويلة.
هذا ما فهمناه من الروايات وأمّا كلمات الأصحاب، فإليك ذكرها .
   

كلمات الأصحاب في تحديد المرض

يظهر من الشيخ وابن سعيد الحلي والمحقّق الثاني أنّ الموضوع هو المرض المخوف الّذي ينطبق على الاحتمال الثاني .
قال الشيخ : إنّ المرض المانع ممّا زاد على الثلث هو المخوف، وهو ما يتوقّع منه الموت دون غيره تمسّكاً بالأصل والاستصحاب وبنحو عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» إلاّ ما أخرجه دليل، ولم يقم على غير المخوف دليل... ثم أضاف وقال:

23
إنّ الأخبار الواردة بكون تصرف المريض من الثلث لا تدلّ على أزيد من ذلك، لأنّ في بعضها: ماللرجل عند موته. وليس المراد عند نزول الموت به قطعاً، فتعيّن حمله على ظهور أماراته; لأنّه أقرب من غيره من المجازات. والمراد ظهور ذلك بالمرض، لإشعار قوله (عليه السلام): «المريض محجور عليه بذلك» وللإجماع على عدم الحجر بغير المرض .(1)
وقال ابن سعيد : وإقرار ذي المرض المخيف، وبيعه وهبته وصدقته إذا أقبضها حال حياته لأجنبي ووارث وتصرفه المنجّز صحيح كزمان الصحة .(2) وهو وإن قال بالخروج من الأصل لكن حدّد المرض بالمخيف.
وقال المحقّق الثاني: والأوّل (المرض المخوف) أظهر، إذ لا تنهض الأخبار حجة على الحجر بمطلق المرض، وقوله (عليه السلام): «المريض محجور عليه» لا يقوم له: لأن المفرد لا يعم، ولو سلّم، منعنا صدق اسم المريض عرفاً على من حمّ ساعة، ومَنْ به وجع الضرس والعين، وإنّما يحمل المريض على من صدق عليه هذا

1 . المبسوط: 4 / 44.
2 . الجامع للشرائع: 497 .

24
الاسم عرفاً، لأنّ الحقيقة العرفية مقدمة.(1)
وذهب المحقّق والعلاّمة والسيد الطباطبائي اليزديّ إلى أنّ الموضوع هو أعمّ من المخوف وغيره .
قال المحقّق: كلّ مرض لا يؤمن معه من الموت غالباً فهومخوف ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الأمراض الّتي الغالب فيها السلامة فحكمها حكم الصحة.
ثم قال: ولو قيل بتعلّق الحكم بالمرض الّذي يتفق بسببه الموت، سواء كان مخوفاً في العادة أو لم يكن لكان حسناً .(2)
وقال العلاّمة: الأقرب عندي أنّ كل تصرف وقع في مرض اتفق الموت معه، سواء كان مخوفاً أو لا، فإنّه يخرج من الثلث إن كان تبرعاً وإلاّ فمن الأصل .(3)
واختاره السيد الطباطبائي في رسالته تمسكاً بالإطلاقات، قال: ما ذكره الشيخ ومن تبعه فلا دليل عليه، إذ ليس في الأخبار إشارة إلى كونه مخوفاً، بل الموجود فيها لفظ «المريض» و «غير

1 . جامع المقاصد: 11 / 97 .
2 . شرائع الإسلام: 2 / 261 .
3 . قواعد الاحكام: 2 / 529 .

25
الصحيح» و «حضرته الوفاة» و «عند موته» و «عند وفاته» .(1)
هذا ولنا أن نقول: إنّ الأقرب هو قول الشيخ لكن بإضافة قيد آخر، وهو كون التصرف عند حضور الموت وقربه، وذلك لأنّ الإنسان عندما يحسّ بالموت وتحضر أماراته عنده ربّما تتولّد في نفسه رغبة إلى فعل الخيرات والمبرّات. أو تتولّد في ذهنه رغبة في أن يمنع بعض ورثته من تركته فيتصرف تصرفات محاباتية أو تبرعية. كل ذلك يلازم أن يكون المرض مرضاً يظن به المتصرف أنّه في الأيام الأخيرة من حياته، وهذا ما ينطبق على المرض المخوف.
وأمّا إذا تصرّف وهو مريض في مرض لا ينتهي إلى الموت غالباً ولكن انتهى إلى الموت اتفاقاً دون أن تكون هناك ملازمة عاديّة بين هذا المرض والموت، أو تصرف في مرض يطول سنة أو سنتين إذا كان التصرف في أوائله، فالروايات منصرفة عنه.
ثم إنّ السيد الطباطبائي جعل الموضوع مركّباً من أمرين: وقال: المدار على مجموع الأمرين: المرض، وصدق حضور

1 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 15.

26
الموت. فمثل الأمراض المستمرّة الّتي تطول سنين عديدة لا تكون محلاًّ للبحث إلاّ إذا كان التصرف في آخرها .(1)
وبذلك يعلم انصراف الروايات عن الموارد التالية:
1. المرض الّذي يطول سنة أو سنتين كما هو الحال في المصابين بالغازات الكيمياوية، خصوصاً إذا كان التصرف في أوائل مرضه.
2. إذا تصرف وهومريض ولكن مات بسبب آخر من قتل أو حرق أو قصف جوي .
3. إذا تصرف وهو مريض وطرأ في أثناء ذلك المرض مرض آخر مات بسببه.
كما لا يبعد دخول الموارد التالية ملاكاً:
1. إذا صار مجروحاً وتصرف في تلك الحالة ومات بذلك الجرح، إذ لا فرق بينه وبين المرض عرفاً.
2. إذا تصرفت المرأة وهي في حالة الطلق المخيف غالباً.
وأمّا المذكورة تالياً ففي دخولها أو خروجها تأمل:

1 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 15 .

27
1. إذا تصرف والأمواج البحرية تتلاطم حول السفينة وتدفع بها من جانب إلى آخر.
2. إذا تصرف والعدو يقصف البلد وهو فيه.
3. إذا تصرف وهو أسير بيد العدو وعادته قتل الأسير.
4. إذا تصرف في حالة قُدّم المتصرف للقتل لأجل إجراء الحدّ أو القصاص.
 
ما هو الأصل في المسألة؟
المراد من الأصل مقتضى القاعدة الأوّلية إذا لم يوجد دليل حاسم على أحد القولين فيكون المرجع هو هذا الأصل.
فربما يقال: إنّ الأصل هو الخروج من الأصل لا من الثلث، وقُرّر بوجوه:

1. تسلّط الناس على أموالهم

دلّ الكتاب والسنّة على أنّ الناس مسلّطون على أموالهم، فإنّ مقتضاه نفوذ تصرف المريض من غير توقّف على إجازة

28
الورثة، إذ لاشك أنّ المال باق على ملكية المتصرف ما دامت فيه الروح، والمراد من السلطنة أعم من التكليفي والوضعي، فإذا شُكّ فمقتضى القاعدة أنّ تصرفه ممضى تكليفاً ووضعاً، وهذه الضابطة هي الأصل عند الشك.
يلاحظ عليه:
أوّلاّ: الظاهر من الأدلّة الدالة على تسلّط الناس على أموالهم، هو تسلّطهم على أموالهم على ضوء الضوابط المقررة في الكتاب والسنّة، فيجوز لهم بيع أموالهم أو هبتها أو وقفها إلى غير ذلك من أنواع التقلّبات الشرعية في الأموال والحقوق. ولا يمكن التمسّك بهذه الأدلّة في الموردين التاليين:
1. المعاملات المستحدثة كالتأمين والشركات الأربع الرائجة في الغرب الّتي لم تثبت شرعيتها ، فلا يصح التمسّك بهذه الأدلّة على شرعية هذه المعاملات بحجّة أنّ الناس مسلّطون على أموالهم وانّ لهم التقلب والتصرف بأي نحو كان، من غير فرق بين التصرف الثابتة شرعيته وما لم تثبت.
2. إذا ثبتت مشروعية معاملة خاصة كالهبة والوقف ولكن

29
شُكّ في شرطية القبض في صحتها وعدمها، فلا يمكن التمسك بتسلط الناس على أموالهم في نفي عدم شرطية القبض في الرهن والوقف، بل لابدّ من علاج الشك بطريق آخر.
والمقام من هذا القبيل حيث شك في مشروعية هذا النحو من التصرف في حال المرض الّذي يتضرر به الوارث. وبعبارة أُخرى: نشك في أنّ الشارع هل أعطى للرجل حق التصرف التبرعي في أُخريات عمره الّذي يصيّر الوارث مستجدياً في حياته .
وثانياً: سلّمنا صحّة التمسّك بها في إثبات صحة تصرف المريض ولزومه، لكن القول بأنّ نفوذ العقد بعد وفاته معلّق على عدم ردّ الوارث، لا ينافي لزوم العقد في حياته وبعدها إلى زمان الردّ، فإنّ تصرف المورث على وجه المحاباة أو التبرع صحيح ولازم من جانب الطرفين في حياة المورث وبعد رحيله، غير أنّ هنا حقاً لشخص ثالث فله أن يمنع عن بقاء العقد ولزومه بعد موته وثبوت مثل هذا الحق لا ينافي لزوم التصرف من جانب البائع والمشتري ولا ينافي تسلّط الناس على أموالهم في حياتهم، نظير:

30
1. إذا باع الشريك سهمه من أجنبي، فالبيع لازم من جانب البائع والمشتري، والتصرف صحيح ومع ذلك أنّ للشريك الآخر، حق الأخذ بالشفعة، فثبوت مثل هذا الحق لا ينافي صحة التصرف ولزوم بيعه.
2. تزويج الولي الصغير أو الصغيرة فإنّ له الولاية على تزويج المولّى عليه، لكن لزوم العقد بعد البلوغ رهن عدم الردّ من جانب المولّى عليه إذا لم يكن التزويج بصالحه، فثبوت مثل هذا الحق للمولّى عليه لاينافي ولاية الولي على التزويج وامتدادها إلى زمان البلوغ وانقطاعها بعد البلوغ، ومثل ذلك المقام حيث إنّ الإنسان ذو ولاية تامة على ماله ما دام حيّاً. وانّه لو تصرف يبقى صحيحاً ولازماً في حياته ومماته لكن للوارث تنفيذه وردّه .
3. الإيصاء بأكثر من الثلث، فقد اتّفق الفقهاء على أنّ نفوذ الوصية فيما زاد على الثلث يتوقّف على إذن الورثة، وليس هذا تخصيصاً في تسلّط الإنسان على ماله، فالتسلّط محفوظ ما دامت الروح في بدنه، وإنّما يتوقف النفوذ بعد الموت على عدم الردّ.

31
فإن قلت: كيف يكون العقد صحيحاً واقعاً وباطلاً من حين الردّ مع أنّ القائل بالخروج عن الثلث يذهب إلى أن النماءات المتخلّلة بين العقد والردّ ـ إذا كان المبيع زائداً على الثلث ـ هي للوارث، وهذا لا يجتمع مع الصحة الواقعية وكون المبيع أو الموهب للمشتري.
قلت: إنّ القول بأنّ النماءات المتخلّلة للوارث لا يلازم سلب الملكية عن المشتري بل تبقى العين في تلك الفترة على ملكه، غاية الأمر تكون النماءات المتخلّلة للوارث ولا مانع في التفكيك بين بقاء العين في ملك المشتري وكون النماء للوارث، نظير ذلك:
إجازة المالك في البيع الفضولي، إذا باع الفضولي بستاناً في أوّل الربيع من زيد وأجاز المالك أوّل الخريف، فالعين ملك للمالك المجيز في تلك الفترة، وأمّا النماءات فهي للمشتري بعد الإجازة، فهنا تفكيك بين ملكية العين وملكية الآثار، وهذا ما يسمى بالكشف الحكمي، فإنّ إجازة المالك لا تبطل مالكيته من حين العقد إلى زمان الإجازة، ومع ذلك تكون الآثار للمشتري، فالإجازة تنفيذ في جانب الآثار لا في جانب العين،

32
عكس ذلك في المقام فإنّ الردّ نقض للآثار وكونها للوارث مع كون العين للمشتري أو الموهوب له.

2. وجوب الوفاء بالعقود

إنّ مقتضى ما دلّ على لزوم العقود والإيقاعات هو خروجها من الأصل. قال سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم» فإنّ مقتضى وجوب الوفاء هو الخروج من الأصل، لأنّ الخطاب لا يختص بالمتعاقدين، وكذا بالنسبة إلى الباقي، فيجب على الوارث ترتيب أثر ملكية ذلك الغير والتوقّف على إجازة الوارث ينافي إطلاق وجوب الوفاء عليه واقعاً.
وبالجملة جميع ما دلّ من الأدلّة العامّة على لزوم العقود والإيقاعات قاضية بالخروج من الأصل.
يلاحظ عليه: أنّ الخطاب في قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أو التكليف الوضعي في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم» متوجّه لمن قام به العقد وهو البائع والمشتري والشارط والمشروط عليه فيلزم عليهم الوفاء بالعقد، وأمّا الخارج عن

33
الخطاب فلا، إذ ليس عاقداً ولا معقوداً له ولا شارطاً ولا مشروطاً عليه.
ففي مورد الكلام يجب على المتبايعين في البيع المحاباتي في مرض الموت الوفاء بالعقد وتبادل الثمن والمثمن.
وأمّا وجوب الوفاء لمن لا صلة له بالعقد كالورثة ـ حال حياة المورث ـ فلا يستفاد منها، ولذلك قلنا لو زوّج الولي الصغيرة من زوج كبير يجب عليهما الوفاء بالعقد، وذلك لا ينافي تسلّط الصغيرة على نقض العقد بعد البلوغ إذا لم يكن الزواج بصالحها.
فإن قلت: إذا لم يجب الوفاء بالنسبة إلى غير المتعاقدين لزم من ذلك عدم جواز شراء المثمن من المشتري، لأنّ الشراء فرع كونه مالكاً وهو رهن صحّة العقد واعتباره في المتعاقدين وغيرهما .
قلت: إنّ الشراء لأجل كون المشتري صاحب اليد الكاشفة عن كونه مالكاً، لا من باب وجوب ترتيب آثار العقد للمتعاقدين، وغيرهما إلاّ إذا علم فساد العقد.

34
 
3. الاستصحاب التنجيزي
إنّ السلطنة من الأحكام الوضعية الثابتة حال الصحة فمع الشك في بقائها في حال المرض هو استصحابها، ولازمه نفوذ التصرفات بعد الموت مطلقاً والخروج من الأصل لا الثلث.
يلاحظ عليه: بما مرّ في أنّ كون العقد لازماً، في حال حياته وبعد رحيله، لا ينافي ثبوت حق الردّ للوارث بعد رحيله، إذ ليس معنى اللزوم أن لا يكون لأحد حق للفسخ، بل المراد من اللازم ما يقابل الجائز بالذات كالعارية في مقابل البيع فهو لازم بالطبع، وعلى ذلك فالعقد لازم، ولكنّه لا يمنع عن ثبوت حق الرد للوارث، فلو دلّ الدليل عليه، فهو لا ينافي لزوم العقد حسب طبعه.
وبهذا ظهر أنّ القاعدة الأوّلية تنسجم مع القولين.

35
 

أقوال الفقهاء في المسألة

اتّفق فقهاء السنة على أنّ منجّزات المريض تخرج من الثلث، وهذا ما نص عليه السيد في الانتصار والشيخ في الخلاف.
نعم اختلف أصحابنا في ذلك فهم بين قائل بخروجه من الأصل، وقائل بخروجه من الثلث. وها نحن نذكر بعض أقوال كلتا الطائفتين إلى نهاية القرن العاشر.

كلمات القائلين بالخروج من الأصل

1. قال المفيد: وإذا وهب في مرضه أو تصدّق، جاز ذلك له في جميع ماله ولم يكن لأحد معارضته في ذلك، والبيع في المرض صحيح ـ كالهبة والصدقة ـ إذا كان الإنسان عاقلاً مالكاً لرأيه .(1)
2. قال السيد في «الانتصار»: وممّا انفرد به الإمامية بأنّ من

1 . المقنعة: 671، كتاب الوصية، باب الوصية والهبة في المرض .

36
وهب شيئاً في مرضه الّذي مات فيه إذا كان عاقلاً مميزاً تصحّ هبته، ولا يكون من ثلثه بل يكون من صلب ماله. وقد خالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهبوا إلى أنّ له الهبة في مرض الموت محسوبة من الثلث .(1)
3. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا وهب في مرضه المخوف شيئاً وأقبضه ثم مات فمن أصحابنا من قال: لزمت الهبة في جميع الموهوب ولم يكن للورثة فيها شيء. ومنهم من قال: يلزم في الثلث ويبطل فيما زاد عليه، وبه قال جميع الفقهاء. دليلنا على الأوّل: أخبار الطائفة المروية في هذا الباب .(2)
وقال أيضاً في كتاب الشفعة: إذا باع في مرضه المخوف شقصاً وحابى فيه من وارث صحّ البيع ووجبت به الشفعة بالثمن الّذي وقع عليه البيع. (3)
وقال ـ أيضاً ـ في «النهاية»: والهبة في حال المرض صحيحة إذا قبضها وليس للورثة الرجوع فيها، فإن لم يقبضها

1 . الانتصار : 425، كتاب الهبة، تحت عنوان: الهبة في مرض الموت .
2 . الخلاف: 3 / 573، كتاب الهبة، المسألة 21.
3 . الخلاف: 3 / 455، كتاب الشفعة ،المسألة 40.

37
ومات كان ما وهب راجعاً إلى الميراث. وكذلك ما يتصدّق به في حال حياته، والبيع في حال المرض صحيح كصحّته في حال الصحة إذا كان المريض مالكاً لرأيه وعقله .(1)
4. قال ابن البراج: وإذا وهب المريض في حال مرضه شيئاً وأقبضه كانت الهبة صحيحة ولم يكن للوارث الرجوع فيها ـ إلى أن قال: ـ وبيعه في حال مرضه صحيح إذا كان ثابت العقل، مالكاً لرأيه.(2) وقال في كتاب آخر له: إذا جمع بين عطية منجّزة وعطية مؤخّرة دفعة واحدة ولم تُخرجا من الثلث كيف يفعل بهما؟
الجواب: إذا جمع بين ذلك ولم تُخرجا من الثلث قدّمت العطية المنجزة، لأنّها سابقة وتلزمه في حق المعطي، فيجب فيها ما ذكرناه من التقديم على المؤخرة الّتي لم تلزم .(3)
5. قال صاحب الوسيلة: فإن أوصى في حال الصحّة أو في

1 . النهاية : 620، كتاب الهبة.
2 . المهذب: 1 / 420، كتاب الإقرار.
3 . جواهر الفقه: 153، المسألة 537، ط . النشر الإسلامي، وفي دلالته على أنّ المنجّز من الأصل تأمل، لو لم يدل على العكس، فهو ظاهر في انّه إذا لم يكف الثلث المنجز والمعلّق، يقدم الأوّل لتقدمه. فلاحظ.

38
المرض غير المخوف أو المشتبه ونجّز كان من أصل المال، وإن لم ينجّز كان من الثلث.(1)
6. قال ابن زهرة في «الغنية»: والهبة في المرض المتصل بالموت محسوبة من أصل المال لا من الثلث بدليل الإجماع المشار إليه .(2)
7. وقال ابن إدريس في «السرائر»: إذا وهب في مرضه المخوف شيئاً وأقبضه ثم مات فمن أصحابنا من قال: تلزم الهبة في جميع الشيء الموهوب سواء كان الثلث أو أكثر من الثلث، وهو الصحيح من المذهب الّذي تقتضيه الأُصول. ومنهم من يقول: تلزم في الثلث وتبطل فيما زاد عليه.(3)
وبه أفتى في كتاب الوصية. (4)

1 . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 372. وفي دلالته على أنّ منجزات المريض في المرض المخوف تأمّل واضح.
2 . غنية النزوع: 1 / 301، كتاب الهبة، الطبعة المحققة في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).
3 . السرائر: 3 / 176، كتاب الهبة .
4 . السرائر: 3 / 221. والبيع في حال المرض صحيح كصحّته في حال الصحة إذا كان المريض مالكاً لاختياره ورأيه، ثابت العقل.

39
8. وقال الفاضل الآبي في «كشف الرموز» بعد ذكر أدلّة القولين: والأشبه أنّ جميع تصرفاته من الأصل بوجوه... إلى أن قال: الرابع: لفتوى أكثر الأصحاب .(1)
9. وقال المحقّق الأردبيلي في ذيل كلام العلاّمة في «الإرشاد»: وفي التبرّعات المنجزة قولان: ودليل الأوّل (لزوم المنجزات وصحّتها) أظهر وهو الأصل، والاستصحاب، وتسلّط الناس على أموالهم .(2)
10. وقال السبزواري في «الكفاية»: وأمّا التبرعات المحضة كالهبات والصدقات وما في حكمها كالبيع بأقل من ثمن المثل والشراء بأزيد منه، في القدر الزائد فما أخذه من العوض فاختلف الأصحاب في حكمها وقيل: إنّها تمضى من الثلث، وقيل: من الأصل، وهو أقرب للأصل .(3)
هذه أقوال جملة من القائلين بخروج المنجّزات من الأصل.

1 . كشف الرموز في شرح المختصر النافع: 2 / 91، ط . النشر الإسلامي.
2 . مجمع الفائدة والبرهان: 9 / 214 .
3 . كفاية الأحكام: 2 / 73، كتاب الوصية.

40
وأمّا القائلون بخروجها من الثلث، فإليك كلمات بعضهم:

كلمات القائلين بالخروج من الثلث

إنّ القول بنفوذها من الثلث مذهب كثير من المتأخّرين وبعض المتقدّمين، وربّما يكون لفقيه واحد رأيان:
1. قال الشيخ: رجلٌ أعتق عبداً له لا مال له غيره في مرضه المخوف، نظر فيه فإن لم يجزه الورثة بطل العتق في ثلثي العبد وصحّ في الثلث، ويكون الولاء في الثلث له .(1)
2. قال المحقّق في «النافع»: تصرّفات المريض إن كانت مشروطة بالوفاة فهي من الثلث، وإن كانت منجزّة وكان فيها محاباة أو عطية محضة فقولان; أشبههما أنّها من الثلث .(2)
وقال المحقّق في «الشرائع»: والمريض ممنوع من الوصية، بما زاد على الثلث إجماعاً، إذا لم يُجز الورثة. وفي منعه من التبرعات المنجزة، الزائدة على الثلث، خلاف بيننا، والوجه المنع.(3)

1 . المبسوط: 4 / 10 (كتاب الوصايا).
2 . المختصر النافع، آخر أحكام الوصية: 193.
3 . شرائع الإسلام: 2 / 102، كتاب الحج.

41
وللمحقّق كلمات مماثلة في غير هذا الباب، فقد قال في كتاب الوقف: فلو وقف في مرض الموت فإن أجاز الورثة، وإلاّ اعتبر من الثلث، كالهبة والمحاباة في البيع، وقيل: يمضى من أصل التركة. والأوّل أشبه .(1)
3. قال العلامة في «تحرير الأحكام»: الرابع عشر: المريض محجور عليه إلاّ في ثلث ماله في التبرعات، كالهبة، والصدقة، والعتق، ولو اشتمل البيع على المحاباة مضى ما قابل رأس المال من الأصل، والزيادة من الثلث، ولو أجازت الورثة صحّ جميع ما أجازوا فيه .(2)
وقال في «القواعد»: أمّا المعجلة للمريض فإن كانت تبرعاً فالأقرب أنّها من الثلث إن مات في مرضه، وإن برأ لزمت إجماعاً.(3)
4. وقال فخر المحقّقين في «الإيضاح» في شرحه: اختلف الفقهاء في تصرفات المريض المنجزة المتبرع بها، أعني الّتي

1 . شرائع الإسلام: 2 / 212، كتاب الوقف .
2 . تحرير الأحكام: 2 / 537، كتاب الحجر.
3 . القواعد: 2 / 229، كتاب الوصايا.

42
بلا عوض غير الاقرار، فقال بعضهم: إنّها من الثلث كالمعلقة بالموت، وهو اختيار والدي المصنف والشيخ في المبسوط والصدوق وابن الجنيد، ومفهوم قول الشيخ في الخلاف. وقال المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية وابن البراج وابن إدريس أنها من الأصل، والأوّل هو الصحيح عندي، لوجوه (1).
5. وقال الشهيد في «اللمعة»: ولو وهب أو وقف أو تصدق في مرض موته فهي من الثلث إلاّ أن يجيز الوارث .(2)
وقال في «الدروس» في باب الوقف: ووقف المريض ماض من الثلث إذا لم يجزه الواقف .(3)
6. وقال ابن قطّان في «المعالم»: ويحجر على المريض في ثلثي ماله، فلو تبرّع منه بشيء منجزاً أو وصية لم يصحّ إن مات في مرضه ولم يجز الورثة .(4)
7. وقال الفاضل المقداد في «شرح مختصر النافع» بعد

1 . الايضاح في شرح القواعد: 2 / 592 ـ 594، ط . العلمية ـ قم .
2 . اللمعة الدمشقية: 90، كتاب العطية.
3 . الدروس الشرعية: 2 / 263، كتاب الوقف .
4 . معالم الدين: 2 / 592، كتاب الوصية.

43
ذكر أدلّة الثلث: والفتوى على هذا .(1)
8. وقال ابن فهد الحلي في «المهذب البارع»: أقوال: المشهور أنّها من الثلث، وهو أحد قولي الشيخ... إلى قال: وقال الشيخان في النهاية والمقنعة أنّها من الأصل والروايات بالأوّل(2).
9. وقال المحقّق الثاني في «جامع المقاصد» بعدما نقل ما ذكره صاحب الإيضاح من المختلف فقال: المختار هو الأوّل، ومراده هوالثلث. واستدلّ عليه بصحيحتي ; علي بن يقطين ويعقوب بن شعيب.(3)
10. وقال الشهيد الثاني في «المسالك» كتاب الحجر: وفي وقوع هذه وشبهها من أصل المال أو من الثلث قولان: أحدهما انّها من الأصل... إلى أن قال: والثاني أنّها من الثلث. ذهب إليه جماعة من المتقدّمين، منهم الصدوق والشيخ في أحد قوليه ; واختاره عامة المتأخّرين، منهم المصنّف، وهو الأقوى.(4)

1 . التنقيح الرائع في شرح مختصر النافع: 2 / 425، باب تصرّفات المريض، كتاب الوصايا.
2 . المهذب البارع: 2 / 516، كتاب الوصية.
3 . جامع المقاصد: 11 / 94 .
4 . مسالك الأفهام: 4 / 157 .

44
وقد اقتصرنا في نقل الأقوال، بعشر كلمات من كل طائفة ليعلم أنّ القولين مشهوران متكافئان، لا يرجّح أحدهما على الآخر، وقد اختار الخروج من الثلث صاحب الجواهر وأفاض الكلام فيه .(1)
وأكثر من عاصرنا من المشايخ على القول بالخروج من الأصل، غير السيد المحقّق البروجردي حيث كان يرجّح القول بالثلث .
وللوقوف على واقع القولين نذكر كلمتين: إحداهما للعلاّمة الحلّي في «التذكرة»، والأُخرى لشارح «القواعد» صاحب «مفتاح الكرامة» .
قال العلاّمة: التبرعات المنجزّة كالعتق والمحاباة والهبة المقبوضة والصدقة المقبوضة والوقف المقبوض والابراء من الدين والعفو عن الجناية الموجبة للمال، إذا وقعت في حال الصحة فهي من رأس المال إجماعاً.
وإن كانت في مرض الموت فهي من الثلث على أقوى

1 . الجواهر: 26 / 63 ـ 93، كتاب الحجر .

45
القولين عندنا. وعند جمهور العلماء خلافاً لبعض علمائنا حيث قال: إنّها تمضي من الأصل.
وقال أهل الظاهر: الهبة المقبوضة من رأس المال .(1)
وقال العاملي ـ بعد قول العلامة: «... ويحجر على المريض في التبرعات كالهبة والوقف والصدقة والمحاباة فلا تمضي إلاّ من ثلث تركته وإن كانت منجزّة على رأي...» ـ قال: على رأي المشهور كما في «المهذب البارع» وهو الأظهر في فتاوى أصحابنا كما في «إيضاح النافع» وعليه الفتوى كما في «التنقيح» وعليه عامّة المتأخّرين كما في حَجر «المسالك» والأكثر وسائر المتأخّرين كما في وصاياه، وعليه المتأخّرون كما في «غاية المراد» و «مجمع البرهان» والنصوص به متواترة كما في «جامع المقاصد»، وفي موضع آخر منه: إنّه قد دلّت عليه صحاح الأخبار. وفي «المفاتيح» إنّ الأخبار به أكثر وأشهر، وقد حكاه المصنّف في «المختلف» والشهيد في «غاية المراد» عن الصدوق وأبي علي والشيخ في «المبسوط» وظاهر كلام الشيخ

1 . تذكرة الفقهاء : 2 / 488، كتاب الوصية (الحجرية).

46
في «الخلاف»، وتبعهما من تأخّر عنهما في الحكاية عن هؤلاء.(1)
ثم إنّه قال: والقول بأنّها ـ المنجزات ـ من الأصل خيرة «الفقيه» و «المقنعة» و «الانتصار» و «التهذيب» و «الاستبصار» و «النهاية» و «الخلاف» في مواضع منه ; الهبة والشفعة والوصايا، و «المبسوط» في موضع منه، و «المهذّب» فيما إذا أعتق في الحال، و «الوسيلة» و «الغنية» في موضعين منها، و «السرائر» في ثلاثة مواضع، و «جامع الشرائع» في باب الوقف، و «كشف الرموز» و «مجمع البرهان» في باب الحجر، و «الكفاية» و «الوافي» و «الوسائل» و «الهداية» و «الرياض».
وهو المحكيّ عن الكليني والقاضي أيضاً، ولعلّ وجه حكايته عن ثقة الإسلام هو أنّه عقد «باب صاحب المال أحقّ بماله ما دام حيّاً»، ثم ساق الأحاديث الدالّة عليه خاصة، ولم يذكر شيئاً من روايات القول الآخر .
وهو لازم لسلاّر كما ستسمع.

1 . مفتاح الكرامة: 12 / 522 ـ 523 .

47
وهو ظاهر «نكت النهاية» وفي «كشف الرموز»: أنّه مذهب الأكثر، وفي «الرياض»: إنّه المشهور بين القدماء ظاهراً، بل لعلّه لا شبهة فيه جدّاً، وفي موضع من «السرائر»: إنّه الصحيح من المذهب الّذي تقتضيه الأُصول، وفي موضع آخر ـ وهو باب الوصية ـ قال: إنّه الأظهر في المذهب، وعليه الفتوى وبه العمل، لأنّ للإنسان التصرّف في ماله ونفقة جميعه في مرض الموت بغير خلاف، وفي هبة «الانتصار» و «الغنية» الإجماع عليه، وهو ـ أي الإجماع ـ ظاهر مهور «السرائر» أيضاً كما ستسمع .(1)

موقف فقهاء السنة من المسألة

هذا كلّه حول أقوال الأصحاب وأمّا فقهاء السنّة فقد اتّفقوا على أنّ التبرعات المنجّزة تخرج من الثلث واستدلّوا بحديثين وردا في كلام ابن قدامة، قال :
إنّ التبرعات المنجّزة كالعتق والمحاباة والهبة المقبوضة والصدقة والوقف والإبراء من الدين والعفو عن الجناية الموجبة للمال إذا كانت في الصحة فهي من رأس المال لا نعلم في هذا خلافاً .

1 . مفتاح الكرامة: 12 / 523 ـ 524 .

48
وإن كانت في مرض مخوف اتّصل به الموت فهي من ثلث المال في قول جمهور العلماء، وحكي عن أهل الظاهر في الهبة المقبوضة أنّها من رأس المال وليس بصحيح واستدلّ بحديثين:
1. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله تصدّق عليكم عند وفاتكم بثُلْث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم». رواه ابن ماجة، وهذا يدلّ بمفهومه على أنّه ليس له أكثر من الثلث .
2. وروى عمران بن حصين أنّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له في مرضه لا مال له غيرهم فاستدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فجزّأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة»، وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته فغيره أولى، ولأنّ هذه الحال الظاهر منها الموت فكانت عطية فيها في حق ورثته لا تتجاوز الثلث كالوصية.(1)
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: إنّ المريض مرَضَ الموت تُحْجر عليه تبرّعاته فيما زاد عن ثلث تركته، لحق ورثته

1 . المغني والشرح الكبير: 6 / 491 .

49
وذلك حيث لا دين، وإذا تبرع بما زاد عن الثُّلث كان له حكم الوصية إذا مات .(1)
أقول: أمّا الحديث الأوّل فقد ورد من طرقنا أيضاً (2)
لكن التصدّق يناسب الوصية حيث إنّه ما دام حياً، فالمال له،
لا يحتاج في تصرفه إلى أن يتصدّق عليه أحد، وإنّما يحتاج
إليه بعد الموت الّذي انتقل المال إلى وارثه فتصدق عليه
سبحانه أن جعله في متناوله حيث إنّه يستفيد منه لما بعد الموت.
وأمّا الحديث الثاني فقد رواه أبو داود في سننه عن عمران بن حصين قائلاً: إنّ رجلاً أعتق ستة أعبد عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة.(3) والوارد فيها قوله: «عند موته» مع أنّ المنقول في المغني «في مرضه».
ونقله أحمد في مسنده عن عمران بن حصين قال: إنّ

1 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 17 / 100، مادة «حجر».
2 . مستدرك الوسائل: 13، الباب 9 من كتاب الوصايا، الحديث 2 .
3 . سنن أبي داود: 4 / 28، كتاب العتق، برقم 3958 .

50
رجلاً أعتق ستة أعبد له فأقرع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة.(1)
والظاهر سقوط أحد اللفظين: (في مرضه) أو (عند موته) .
ورواه الترمذي في سننه وقال: إنّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له قولاً شديداً، ثم دعاهم فجزّأهم ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة.(2)
فلو رجع الضمير في قوله: «فقال له قولاً شديداً» إلى الرجل فقد أقرع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حال حياة الرجل، فإذا كان حكمه كذلك في حال حياته فأولى أن يكون كذلك بعد مماته.
ورواه البيهقي في سننه بالاسناد المتصل إلى عمران بن حصين قال: أنّ رجلاً أعتق ستة أعبد عند موته لم يكن له مال غيرهم. إلى آخر النص المار ذكره عن سنن الترمذي. وهذا يدلّ على أنّ الصحيح «عند موته» لا (في مرضه). وقد عبّر ابن قدامة باللازم الغالب للموت، أعني: المرض.

1 . مسند أحمد: 4 / 438 .
2 . سنن الترمذي: 3 / 645 برقم 1364، كتاب الأحكام .

51

المناقشة في سند الحديث ودلالته

قد ناقش سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في سند الحديث قائلاً بأنّا: لو أغمضنا النظر عمّن يروي عن عمران بن حصين لكنَّ عمران هذا كان ممّن قيل إنّه آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في السنة الّتي وقع فتح خيبر فيها، وطالت حياته إلى زمان الخلافة الظاهرية لأمير المؤمنين (عليه السلام)وتخلّف عنه ولم يحضر معه حرب صفين واحتاط بخياله الفاسد وقعد عن متابعة وليّ الله الأعظم، فكيف يكون الاعتماد على نقل مثل هذا الشخص؟!(1)
أقول: إنّ عمران بن حصين كانت مع الإمام علي (عليه السلام)صلة وثيقة ويُعرف ذلك من وجوه:
أوّلاً: هو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة.(2)
ثانياً: وروى في فضائل علي (عليه السلام)جملة أحاديث.
روى أبو نعيم بسنده عن عمران بن حصين قال: بعث

1 . المجدي في تقريرات السيد البروجردي: 135.
2 . الغدير: 3 / 57 برقم 91 .

52
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سرية واستعمل عليهم عليّاً ـ كرم اللّه وجهه ـ ، فأصاب عليّ جارية، فأنكروا ذلك عليه، فتعاقد أربعة من أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قالوا: إذا لقينا رسول اللّه أخبرناه بما صنع عليّ، قال عمران: وكان المسلمون إذا قدموا من سفر بدأوا برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فسلّموا عليه ثم انصرفوا، فلمّا قدمت السرية سلّموا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول اللّه ألم ترَ أنّ عليّاً صنع كذا وكذا، فأعرض عنه، ثمّ قام آخر منهم فقال: يا رسول اللّه ألم تر أنّ عليّاً صنع كذا وكذا، فأعرض عنه حتى قام الرابع، فقال: يا رسول اللّه ألم تر أنّ عليّاً صنع كذا وكذا، فأقبل عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يُعرف الغضب في وجهه فقال: ما تريدون من عليّ؟ ثلاث مرات، ثمّ قال: إنّ علياً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كل مؤمن بعدي. (1)
وروى محب الدين الطبري أنّ عمران بن حصين قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): النظر إلى وجه عليّ عبادة. (2)

1. حلية الأولياء: 1 / 294 ترجمة جعفر الضبيعي. وأخرجه الحاكم في مستدركه: 3 / 110 ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وذكره الذهبي في تلخيصه.
2. الرياض النضرة: 3 / 219. وروى الحديث أيضاً عن عبد اللّه بن مسعود، ثم قال: أخرجه أبو الحسن الحربي.

53
ثالثاً: كان عمران ممّن ثبت مع جمع من الصحابة على القول بإباحة المتعة وعدم نسخها، فقد ذكر الفخر الرازي (1) أنّ عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه تعالى ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتمتعنا بها ومات ولم ينهنا عنها ثم قال رجل برأيه ما شاء (2).
رابعاً: وروى ابن قتيبة أنّ طلحة والزبير لمّا نزلا البصرة قال عثمان بن حُنيف: نعذر إليهما برجلين فدعا عمران بن حصين صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبا الأسود الدؤلي. فأرسلهما إلى الرجلين فذهبا إليهما ... فتكلم أبو الأسود الدؤلي ... ثمّ تكلم عمران بن حصين فقال: يا طلحة، إنّكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثمّ بايعتم عليّاً وبايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صواباً فمسيركم لماذا؟ وإن كان خطأ، فحظكم منه الأوفر، ونصيبكم منه الأوفى. فقال طلحة: يا هذا إنّ صاحبكما لا يرى

1 . تفسير الرازي: 3 / 200 .
2. يريد أنّ عمر بن الخطاب نهى عنها. وروى أبو نعيم بسنده عن عمران بن حصين قال: تمتعنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مرتين، فقال رجل برأيه ما شاء. قال أبو نعيم: هذا حديث صحيح ثابت أخرجه مسلم في صحيحه. حلية الأولياء: 2 / 355 ترجمة محمد بن واسع.

54
أنّ معه في هذا الأمر غيره، وليس على هذا بايعناه، وأيم اللّه ليسفكنّ دمه. فقال أبو الأسود: يا عمران! أمّا هذا فقد صرّح أنّه إنّما غضب للملك...(1).
هذا كله حول سند الحديث بقي الكلام في دلالته.

مناقشة دلالة الحديث

أورد السيد البروجردي على الدلالة بوجهين:
1. اختصاص مورده بالعتق فكيف يجوز التجاوز عن مورده إلى غيره.
2. انّ الاستدلال مبني على أنّ الرجل أعتق ستة أعبد قبل الموت فيكون الإنشاء والمنشأ واقعاً حال الحياة قرب الموت.
ولكن يحتمل أن يكون إنشاء العتق عند الموت ولكن المنشأ ـ يعني العتق الحقيقي ـ بعد الموت فيكون من باب الوصية، لأنّ الإنشاء في الوصية في حال الحياة، والمنشأ يقع بعد موته وليس الحديث صريحاً في احد الاحتمالين.(2)

1. الإمامة والسياسة: 1 / 60.
2 . المجدي: 138. بقلم آية الله الصافي دام ظله.

55
يلاحظ عليه:
أمّا الوجه الأوّل: فغير واضح لإمكان إلغاء الخصوصية وانّ الملاك تعلّق حق الورثة بالتركة، بل يمكن ادّعاء الأولوية فإذا كان التصرّف في المعتق غير نافذ ففي غيره أولى لما علم من رغبة الشارع في خروج العبيد من الرقية، ولذلك لو عُتِق شقِص من العبد، تسربت الحرية إلى سائر السهام. وفي الروايات يستسعى العبد للورثة في ثلثي قيمته كما في رواية السكوني عن علي (عليه السلام).(1)
نعم يمكن أن يقال: إنّ عدم التنفيذ في مورد الرواية لأجل أنّه لم يكن للرجل مال معتد به سوى هؤلاء الأعبد، ولو صار التصرف لازماً غير قابل للردّ، وقعت الورثة في معرض الاستجداء فأبطله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من باب الولاية.
ويدلّ على ذلك متن الترمذي حيث جاء فيه : انّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له قولاً شديداً، وما هذا إلاّ لأجل أنّه تصرف في عامّة أمواله، ولم يترك للوارث شيئاً وهو أمر مذموم،

1 . الوسائل: 16، الباب 64 من أبواب كتاب العتق، الحديث 5 .

56
لأنّه يجعله في معرض الاستجداء، وأمّا إذا كان الرجل ثرياً فتصرف في قسم من أمواله تبرعاً، وترك للوارث ـ مع ذلك ـ شيئاً طائلاً، يمكن إلغاء الخصوصية والتجاوز عن مورد الحديث إلى مثله.
أمّا الوجه الثاني: فقد استظهره من لفظة «عند موته» فهو يحتمل وجهين:
1. أن يكون العتق مقارباً للموت ومقدّماً عليه فيكون المورد من مقولة المنجزات ويصبح الحديث دليلاً على أنّها من الثلث .
2. أن يكون العتق (المنشأ) مقارناً ومتزامناً لموته فيكون كناية عن تحقّق العتق بعد الموت، فيكون المورد من قبيل الوصية الّتي يتقدّم فيه الإنشاء ويتأخّر المنشأ.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التفسير الثاني أمر عقلي، بل والمتبادر منه: أنّه قام بهذا العمل لما أحسّ بموته وحضرته أماراته، قياماً قطعياً، لا شرطياً .

57

أدلّة القائلين بالإخراج عن الأصل

إذا عرفت أنّ في المسألة قولين فلنقدّم دراسة أدلّة القول بالإخراج من الأصل. فقد استدلّوا بروايات، أوضحها ما دلّ على أنّ الميت أحقّ بماله ما دام فيه الروح. وقد جاءت هذه الضابطة في رواية عمّار بأسانيد مختلفة. وإليك بيانها.

الأُولى: روايات سبع تنتهي إلى عمّار الساباطي:

1. ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به، فإن قال: بعدي فليس له إلاّ الثلث».
وروى الكليني والصدوق نحوه إلاّ أنّهما قالا: فإن تعدّى.(1)
والاستدلال مبني على أنّ النسخة : «فإن قال بعدي » ،

1 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 12. أقول رواه في التهذيب على النحو المذكور ولكن في الكافي والفقيه: «فإن تعدّى». لاحظ التهذيب: 9، الباب 6 من كتاب الوصايا، الحديث 9، والكافي: 7 / 8 ، باب أنّ صاحب المال أحق بماله، الحديث 7، والفقيه: 4 / 137، الباب 84، باب ما يجب من رد الوصية إلى المورث، الحديث 2 .

58
وانّ المراد من قوله: «يبين به» أي يعزله عن ماله ويسلّمه إلى المعطى في مرضه في مقابل التعليق، وسوف يوافيك الكلام فيه.
2. ما رواه الكليني عن محمد بن أبي عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت: الميت أحق بماله ما دام فيه الروح، يُبين به؟! قال: «نعم، فإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث».(1) فكان قوله: «فان أوصى به» قائم مقام قوله في النقل السابق: «فان قال بعدي».
فقوله: «الميت أحقّ بماله...» في الحديث الأوّل من كلام الإمام. وفي الحديث الثاني من كلام الراوي . نعم استثنى الإمام بعد كلامه صورة الوصية.
3. ما رواه الكليني بسنده عن صفوان، عن مرازم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يعطي الشيء من ماله في مرضه. فقال: «إذا أبان به فهو جائز، فإن أوصى به فهو من الثلث ».(2)

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 7 .
2 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .

59
4. ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، في الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه؟ فقال: «إذا أبانه جاز».(1)
وهذه الروايات الأربع نقلها مرازم عن عمّار الساباطي إذا قلنا: بأنّ المراد من بعض أصحابنا ، في الرواية الثالثة هو «عمّار»، وإلاّ فالروايات الثلاث مروية عن طريقه. وأمّا مرازم، فهومرازم بن حكيم الأزدي المدائني، ثقة، مات في أيام الرضا (عليه السلام).
5. ما رواه الكليني عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي الحسين الساباطي، عن عمّار بن موسى الساباطي: انّه سمع أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «صاحب المال أحق بماله ما دام فيه شيء من الروح، يضعه حيث يشاء».(2)
ولعل المراد من أبي الحسين، هو عمر بن شداد الأزدي بقرينة الرواية التالية.
6. روى الشيخ عن ثعلبة، عن أبي الحسين عمر بن شدّاد الأزدي والسري جميعاً، عن عمّار بن موسى، عن أبي

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 10 .
2 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 4.

60
عبدالله (عليه السلام)قال: «الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح. وإن أوصى به كلّه فهو جائز» .(1)
7. ورواه صاحب الوسائل في مورد آخر عن الشيخ بتفاوت يسير واختلاف قال: «الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح، إذا أوصى به كلّه فهو جائز».(2) والاختلاف في حرف الشرط ففي الحديث الأوّل «وإن» وفي الثاني «إذا» .

نقد الاستدلال بروايات عمّار

إنّ هذه الروايات المتعددة ظاهراً، المتحدة واقعاً يمكن نقدها من وجهين:
1. إنّ في المقام رواية واحدة رواها عمّار، عن أبي عبدالله (عليه السلام)وهي مردّدة بين هذه المتون السبعة، وعندئذ تسقط مثل هذه الرواية عن الحجّية عند العقلاء، للاضطراب. يقول المحقّق التستري: وأكثر ألفاظ أخباره (عمّار) معقدة مختلة النظام، وأصل نسخ كتابه كانت مختلفة، ثم استشهد بموارد

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 5.
2 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 19 .

61
مضافاً إلى أنّه من الباقين في الفطحية. قال النوبختي: فاجتمع عامة الفطحية ـ بعد الأفطح ـ على إمامة موسى بن جعفر (عليه السلام)ورجعوا عن الأفطح سوى نفر منهم فإنّهم ثبتوا على إمامة عبدالله ثم إمامة موسى (عليه السلام)فأجازوها في أخوين بعد أن لم يجز ذلك عندهم، منهم: عبدالله بن بكير، وعمّار بن موسى الساباطي، وجماعة منهم. (1)
إنّ الشيخ شرط في العمل بأخبار الفطحية شرطين وقال: لا يجوز العمل بخبر غير الإمامي إلاّ إذا لم يكن في المسألة خبر إمامي، ولم تُعرِض عن خبره الطائفة .(2)
وقد استخرج المحقّق التستري الروايات المروية عن عمّار الّتي لم يعمل بها الأصحاب ما يتجاوز السبعين، ودون الثمانين.
كلّ ذلك يصد الفقيه عن الإفتاء بمضمون هذه الرواية المضطربة، عن راو مضطرب النقل، لم يعمل المشهور برواياته في موارد كثيرة.

1 . قاموس الرجال: 8 / 16 نقلاً عن فرق الشيعة: 79 .
2 . قاموس الرجال: 7 / 18، نقلاً عن عدة الأُصول: 1 / 150 .

62

تصنيف روايات عمّار

إنّ هذه الروايات بين ما لا دلالة له على أنّ المنجز يخرج من الأصل، وما له دلالة عليه لكن بالإطلاق القابل تقييده بما دلّ على أنّ تصرفات خصوص المريض من الثلث.
أمّا ما لا دلالة له فهو الصورة الأُولى منها أعني: قوله (عليه السلام): «الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به، فإن قال بعدي فليس له إلاّ الثلث».
فإنّ الاستدلال مبني على أنّ النسخة «فإن قال بعدي» وانّ المراد من التبيين هو عزل المال وإقباضه إلى الطرف، وكلا الأمرين غير ثابتين.
أمّا الأوّل: فقد رواها الكليني والصدوق بقوله: «فإن تعدّى فليس له إلاّ الثلث» وعلى هذا فلا تكون الرواية مختصة بمورد التنجيز، بل تعمّه والوصية، ويكون معناها إن تعدى عن الثلث في مطلق تصرفاته تنجيزياً كان أو وصية فليس له إلاّ الثلث، وعلى هذا يكون المراد: «فإن تعدى فليس له إلاّ الثلث» (1) أي

1 . الكافي: 7 / 8 ، كتاب الوصايا، باب أنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيّاً، الحديث 7 .

63
إنّه إن تجاوز وتعدى في الوصية بالزائد أو التنجيز فلا يمضي منه إلاّ الثلث .
وقال في الجواهر: وظني ـ والله أعلم ـ أنّ الرواية كذلك إلاّ أنّه لمّا صعب فهم ذلك على بعض الناس صحّفها بلفظ «بعد» بالباء الموحّدة ثم أضاف إليها لفظ: «قال» .(1) وعلى هذا فالرواية دليل القول بالإخراج من الثلث لإطلاقه الشامل لكلا النوعين من التصرف.
وربما يفسر قوله «فان تعدى» بأنّه إن تعدى زمن الحياة إلى ما بعد الموت فيكون موافقاً لما رواه الشيخ (2) ولا يخفى انّه لا يناسبه «الاستثناء» أعني «إلاّ الثلث»، فالظاهر ان المستثنى منه هو التجاوز عن الثلث لا التجاوز عن زمن الحياة إلى ما بعد الموت.
وأمّا الثاني: فالظاهر أنّ المقصود من الإبانة هو الإظهار وتفهيم الآخرين لئلاّ يغمّ الأمر على الورثة، بعد رحيل المورِّث.
الصورة الثانية حيث ورد فيها: قال: قلتُ الميت أحق بماله

1 . جواهر الكلام: 26 / 73 .   2 . بلغة الفقيه: 3 / 43 .

64
ما دام فيه الروح يبين به؟ قال: «نعم، فان أوصى به فليس له إلاّ الثلث» فان صدر الرواية مطلق يعم المريض وغير المريض، فيقيّد إطلاقه بما دل على خروج منجزاته من الثلث.
الصورة الثالثة: أعني قوله: «في الرجل يعطي الشيء من ماله في مرضه فقال: إذا أبان به فهو جائز فإن أوصى به فهو من الثلث» فالرواية وان كانت واردة في مورد المريض لكنها مطلقة تعمّ ما تجاوز الثلث وعدمه فتقيّد بما لم يتجاوز.
وأمّا الصور الأربعة الباقية فدلالتها على أنّ المنجزات تخرج من الأصل واضحة لا سترة فيها.
أمّا الثانية والثالثة فالموضوع هو المريض فحكم (عليه السلام)«بأنّ المريض أحق بماله ما دام فيه الروح إذا أبان به»، فهو يعم المعلّق والمنجّز لكنّه قيد المعلّق بالثلث في ذيل كلامه وقال: «وإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث»، فلو كان المنجز مثل المعلّق في الإخراج من الثلث ، لما كان وجه للاستدراك، فتخصيص الوصية بعدم التجاوز عن الثلث دليل على أنّ المنجز باق تحت إطلاق الصدر وأنّ له أن يتصرف في ماله، من دون تحديد بالثلث.

65
وأمّا الرابعة فالموضوع فيها المريض، والخامسة مثلها لقوله فيها: «ما دام فيه شيء من الروح» الّذي هو كناية عن الإشراف على الموت لكنّهما غير مذيلين بالاستدراك، فإطلاق الصدر يقتضي عدم المحدودية في المنجز والمعلّق، لكن خرج الثاني بالدليل القطعي وبقي المنجز تحته.
وأمّا الصورتان السادسة والسابعة، فقد مر إعراض الأصحاب عن مضمونهما .
فظهر أنّ رواية عمار ـ لو سلمت عن المناقشة الجانبية ـ دليل على القول بالإخراج من الأصل .

الثانية: رواية أبي شعيب المحاملي

روى الكليني عن عثمان بن سعيد، عن أبي شعيب المحاملي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الإنسان أحق بماله ما دامت الروح في بدنه»(1) .
وفي الوسائل المحققّة (عن أبي المحماد) وهو مصحف عن (المحاملي) كما في رواية الشيخ حسب نقل الوسائل.

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 8.

66
وأمّا المحاملي فهو ثقة بلا إشكال، قال النجاشي: صالح بن خالد المحاملي، أبو شعيب الكُناسي روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)وقال في باب الكنى: «أبو شعيب المحاملي» كوفي ثقة من رجال أبي الحسن موسى (عليه السلام).(1)
أقول: الرواية لا يُحتجّ بها لا سنداً ولا دلالة فإنّ المحاملي وإن كان ثقة لكنّه لا يروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)بلا واسطة، وعلى هذا فقد سقطت الواسطة بينه وبين الإمام (عليه السلام)في هذه الرواية، وأمّا الثانية فإنّ الموضوع في الرواية هو الإنسان مطلقاً مريضاً كان أو غير مريض فدلالتها على أنّ منجّزات المريض تخرج من الأصل تامة بالاطلاق بشرط أن لا يتم دليل القول بالثلث وإلاّ فيقيّد إطلاقه بغير المريض .

الثالثة: ما رواه سماعة

روى الكليني بسنده عن عبدالله بن جبلة، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل له الولد يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟

1 . رجال النجاشي برقم 533 و 241.

67
قال: «هو ماله يصنع به ما شاء إلى أن يأتيه الموت». قال: «فإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث».(1)
ورواه صاحب الوسائل في الباب السابع عشر من أبواب الوصايا عن الكليني بنفس السند والمتن عن سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)مباشرة من دون واسطة.(2)
كما روى في نفس الباب نفس الحديث عن سماعة، عن أبي بصير وقال: وزاد: «أنّ لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حياً إن شاء وهبه، وإن شاء تصدّق به، وإن شاء تركه إلى أن يأتيه الموت، فإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث إلاّ أنّ الفضل أن لا يضيع من يعوله ويضرّ بورثته» .(3)
وحصيلة الكلام: أنّ حديثاً واحداً رواه سماعة في موردين عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وفي مورد آخر عن أبي عبدالله (عليه السلام)مباشرة.
واحتمل السيد المحقّق البروجردي بأنّه نقلهما عن الإمام

1 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 13، الباب 17، من أبواب الوصايا، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 2.

68
بلا واسطة مع عدم سماعه منه، لأجل وثوقه بأبي بصير وأنّه سمعه منه.
ولكن الاحتمال لا يناسب ظاهر الرواية: قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام). ولا محيص من القول بسقوط: أبي بصير، في المورد الثاني مع وجوده في الأوّل والثاني.
ودلالتها على أنّ المنجزات من الأصل واضح، لأنّه جعلها في مقابل الوصية وصرّح بأنّه إن أوصى به فليس له إلاّ الثلث. ومعنى ذلك عدم المحدودية في غير الوصية. ومع ذلك فدلالته بالإطلاق حيث يعم المصح والمريض، فلو تمّ دليل القول بالإخراج عن الثلث يقيّد إطلاقه بغير المريض، وأمّا هو فمنجزه كالمعلّق محدّد بالثلث .

الرابعة: ما روي عن محمد بن مسلم

وممّا استدلّ به على أنّ منجّزات المريض من الأصل ما روي عن محمد بن مسلم:
1. ما رواه الشيخ عن علي بن أسباط عن العلاء بن رزين القلاّء، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن

69
رجل حضره الموت فأعتق غلامه وأوصى بوصيته (بوصية) وكان أكثر من الثلث؟
قال (عليه السلام): «يمضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي».(1) ورواه الكليني والصدوق بسندهما عن العلاء بن رزين.
2. روى الكليني عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مماليكه في مرضه؟ قال: «إن كان أكثر من الثلث رُدّ إلى الثلث وجاز العتق».(2)
روى الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم مثله إلاّ أنّ في أكثر النسخ: «عن جميل» بدل قوله: «عن رجل» والفرق بين الروايتين أنّ الأُولى مروية عن أبي عبدالله (عليه السلام)والثانية مروية عن أبي جعفر (عليهما السلام)، وأيضاً أنّ الرجل على الرواية الأُولى «أعتق ثم أوصى»، وأمّا على الرواية الثانية «أوصى ثم أعتق».
ثم لو كان المراد من قوله: «عن رجل» في الرواية الثانية

1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 1.
2 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 4.

70
هو جميل، تخرج الرواية عن الإرسال إلى الإسناد، وإن كانت مراسيل ابن أبي عمير حجّة.
وجه الاستدلال: أنّه (عليه السلام)حكم بنفوذ العتق وعدم دخول النقص عليه، فهو دليل على خروجه من الأصل .(1)
ومع ذلك كلّه فالروايتان لا تدلاّن على مقصود المستدل.
وجهه: أنّ أساس الاستدلال أنّ الضمير في قوله: «وكان أكثر من الثلث » يرجع إلى خصوص «ما أوصى به» وعندئذ أنفذ الإمام عتق العبد بقوله: «يمضي عتق الغلام» أو قوله: «جاز العتق»، سواء أكانت قيمته مساوية للثلث أم أقلّ أم أكثر، فيدل على أنّ المنجزات تخرج من الأصل .
ولكن الظاهر أنّ الضمير يرجع إلى الجمع، أعني: « عتق الغلام وما أوصى به»، إذ لو كان راجعاً إلى خصوص ما أوصى به وكان السؤال منصباً على زيادة ما أوصى به على الثلث لما كان هناك وجهٌ لذكر عتق الغلام في سؤال السائل، لأنّ المفروض أنّ المنجّز يخرج من الأصل.

1 . رسالة في منجّزات المريض للسيد الطباطبائي: 18، نقلاً عن بعضهم .

71
نعم مقتضى القواعد رجوع الضمير في «كان» إلى الأقرب وهو «ما أوصى به» لكن القريب في الرواية الأُولى هو «ما أوصى به» ولكنّه في الرواية الثانية هو «عتق الغلام».
وهذا يدلّ على أنّ السؤال لم يكن منصبّاً على زيادة «ما أوصى به» على الثلث، بل كان منصباً على زيادة العتق والوصية عليه.
وهذا يدلّ على أنّ المنجز والمعلّق كانا في نظر الراوي سواء، وانّه لا يجوز للرجل أن يتصرف في ماله بأي نحو كان بأزيد من الثلث، فأراد أن يعرف حكم الشارع في مثل المقام، فهل الميزان هو ما أوصى به أوّلاً كما هو الحال في من أوصى بأُمور كثيرة تزيد على الثلث فيؤخذ بالأوّل والثاني والثالث؟
أو تقسيط الثلث على المنجّز والمعلّق ؟
أو تقديم المنجز على المعلّق كما أجاب به الإمام (عليه السلام)؟
فتكون الرواية دليلاً على أمرين:
1. أنّ المنجّز يخرج من الثلث كالوصية.
2. وأنّه إذا اجتمع المنجّز والوصية وكان الثلث غير واف

72
بهما يقدّم المنجّز على المعلّق.
هذا، وكما استدلّ بالصحيحين على أنّ المنجّزات تخرج من الأصل فهكذا استدل بهما على العكس، وسيوافيك بيانه عند سرد أدلّة القول الثاني، فانتظر.

الخامسة: ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي همام(1)

روى إسماعيل بن همام، عن أبي الحسن (عليه السلام)في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته وأعتق مملوكاً، وكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع به في وصيّته؟
قال: «يبدأ بالعتق فينفذه ».(2)
إنّ في الرواية احتمالين:
أ. أنّه أوصى بأُمور ومنها العتق فكان جميع ما أوصى به من العتق وغيره يزيد على الثلث، فأمر الإمام (عليه السلام)بتقديم العتق

1 . قال النجاشي: مولى كندة البصري، يكنّى أبا همّام، روى عن الرضا (عليه السلام)، ثقة هو وأبوه وجده، له عشرون رواية في الكتب الأربعة.
2 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 2.

73
على سائر ما أوصى به، وهذا هو قول الشيخ في المسألة من أنّه إذا أوصى رجل بالعتق وغيره يبدأ بالعتق أوّلاً، ولكن هذا الاحتمال ضعيف لقوله: «وأعتق مملوكاً» ـ مخبراً ـ عن وقوع العتق على أنّه عطف قوله: «وأعتق مملوكاً» على قوله: «رجل أوصى» فيكون العتق مغايراً للوصية.
ب. أنّ الرجل قام بأمرين: أعتق وأوصى، وكان في مرتكز السائل أنّ المنجَّز والمعلّق يخرجان من الثلث، والمفروض أنّ المجموع يزيد على الثلث، فما هو العلاج؟ فأجاب الإمام (عليه السلام)بتقديم المنجّز على المعلّق وصرف الثلث فيه أوّلاً، وإيراد النقص على الوصيّة.

السادسة: مرسلة الكليني

روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لرجل من الأنصار أعتق مماليكه لم يكن له غيرهم، فعابه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «ترك صبيته صغاراً يتكفّفون الناس». (1)
والظاهر أنّ الكليني نقل الرواية بالمعنى، والأصل ما في

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 9.

74
الفقيه: أنّ رجلاً من الأنصار توفّي وله صبية صغار وله ستة من الرقيق فأعتقهم عند موته وليس له مال غيرهم، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأُخبر، فقال: «ما صنعتم بصاحبكم»; قالوا: دفناه، قال: «لو علمت ما دفناه (ما دفنته) مع أهل الإسلام، ترك ولده يتكففون الناس».(1)
وفي قرب الإسناد: انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بلغه أنّ رجلاً من الأنصار توفّي وله صبية صغار، وليس لهم مبيت ليلة، تركهم يتكفّفون الناس وقد كان له ستة من الرقيق ليس له غيرهم، وانّه أعتقهم عند موته، فقال لقومه: ما صنعتم به؟ قالوا: دفناه، قال: «أما إنّي لو علمته ما تركتكم تدفنونه مع أهل الإسلام، ترك ولداً صغاراً يتكفّفون الناس» . (2)
والرواية على خلاف المقصود أدلّ، فإنّ ظاهر قوله: «ما تركتكم تدفنونه مع أهل الإسلام» أنّ عمله هذا كان عملاً غير مشروع إمّا تكليفاً فقط وان المعتق كان صحيحاً، أو وضعاً أيضاً وأنّ صحّته بقاءً موقوف على عدم ردّ الورثة وان لهم أولوليّهم إذا

1 . الفقيه: 2 / 468 ; علل الشرائع: 189 .
2 . قرب الاسناد: 31.

75
كانوا صغاراً استرداد حقوقهم، وأمّا أنّ الورثة أو المولى، لم يردّوا الزائد على الثلث بعد كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلعلّ المصلحة العائليّة اقتضت التنفيذ.
فظهر بما ذكرنا أنّ ما استدلّ به على القول بالإخراج من الأصل لا يخلو من وجوه أربع:
1. ما يدلّ على القول صريحاً، تام دلالة وسنداً، وذلك كالصور الأربع من صور رواية عمار بن موسى، أعني: الثانية إلى الخامسة .
2. ما يدلّ على هذا القول بالإطلاق وأنّ للمرء أن يتصرّف في ماله ما دام الروح في بدنه، وهو مطلق شامل للمنجّز والمعلّق والمريض والمصح وفي الوقت نفسه قابل لإخراج المريض عن إطلاقه، وهذا كرواية أبي شعيب المحاملي وسماعة بن مهران.
3. ما لا صلة له بالموضوع، وهذا كرواية محمد بن مسلم وإسماعيل بن همّام.
4. ما يدلّ على الموضوع صريحاً تام دلالة لا سنداً . وهو مرسلة الكليني.

76
واستدلّ للقول بالثلث بطوائف ست من الروايات:

الطائفة الأُولى: للرجل عند موته ثلث ماله

1. معتبر عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: للرجل عند موته ثلث ماله. قال بعد ذلك: «وإن لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه».(1)
2. ما رواه في البحار: الوصية على كلّ مسلم ـ إلى أن قال: ـ وليس للميت من ماله إلاّ الثلث، فإذا أوصى بأكثر من الثلث ردّ إلى الثلث.(2)
3. خبر أبي حمزة عن بعض الأئمة(عليهم السلام)قال: «إنّ الله تبارك وتعالى يقول: ابن آدم تطوّلتُ عليك بثلاثة; سترتُ عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، وأوسعتُ عليك فاستقرضتُ منك فلم تُقدّم خيراً، وجعلتُ لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيراً».(3)

1 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 7 .
2 . بحار الأنوار: 100 / 207، الحديث 18 .
3 . الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب الوصايا، الحديث 4 .

77
4. النبوي: «انّ الله تعالى قد تصدّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم» .(1)
5. صحيح يعقوب بن شعيب: عن الرجل يموت، ما له من ماله؟ فقال: «له ثلث ماله».(2)
6. صحيحة علي بن يقطين: ما للرجل من ماله عند موته؟ قال: «الثلث، والثلث كثير».(3)
وقد تقرر في محلّه أنّ جواب «ما» الاستفهامية للعموم .
7. خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يموت، ما له من ماله؟ فقال: «له ثلث ماله وللمرأة أيضاً».(4)
وجه الاستدلال: أنّ المراد من قوله: «عند موته» أو قوله: «يموت» هو من قارب موته وأشرف عليه ولكنّه بعد حي يرزق، فدل على أنّه في هذه الحالة لا يملك إلاّ ثلثه، هذا من جانب،

1 . مستدرك الوسائل: 13، الباب 9 من كتاب الوصايا، الحديث 3.
2 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 2.
3 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 8. وقد استدل به وبما قبله، المحقّق الثاني في جامع المقاصد: 11 / 94.
4 . المصدر نفسه: الحديث 2 .

78
ومن جانب آخر اتّفق الفقهاء على أنّ الانسان يملك أمواله ما دامت الروح في بدنه، والجمع بين هذين الأمرين المتنافيين يحصل بالوجه التالي:
أنّه يملك أمواله في تلك الحالة جميعاً لكن لا تكون تصرفاته نافذة إلاّ في مقدار الثلث. والروايات مطلقة تعمّ المنجزة والمعلّقة.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح لكن الروايات المذكورة على قسمين:
قسم ظاهر في مورد الوصية كالروايات الأربعة التالية:
أ. معتبر عبدالله بن سنان: فإن لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه .
ب. قوله في رواية البحار : فإذا أوصى بأكثر من الثلث ردّ إلى الثلث.
فإنّ ذيل الحديثين قرينة واضحة على أنّ المراد من الصدر، هو الإيصاء وأنّهما بصدد بيان أنّ الرجل لا يملك لما بعد الموت أزيد من الثلث، وأين هذا من أنّه لايملك لما قبل

79
الموت ـ إذا كان مريضاً ـ أزيد من الثلث .
ج. خبر أبي حمزة في قوله: «يا ابن آدم تطوّلت عليك بثلاثة... وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيراً».
د. ما في النبوي: «قد تصدّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم» .
فإنّ التعبير بالتطوّل في خبر أبي حمزة والتصدّق في النبوي يناسبان الوصية حيث إنّه ما دام حياً، المال ماله، لا يحتاج في التملك والتصرف إلى التطوّل والتصدّق عليه وإنّما يحتاج إلى التمليك بعد الموت الّذي ينتقل المال منه إلى وارثه. فتصدّق عليه سُبحانه حتّى جعل له الخيار في ثلث ماله يكتسب به الخير لما بعد موته، وبهذه القرائن لا يمكن الركون إلى إطلاق صدر هذه الروايات الأربع المتزلزلة .
وأمّا القسم الآخر أعني الأحاديث الثلاثة فقد حملها الشيخ مشكور الحولاني على الايصاء أيضاً وقال: إنّ المراد من قوله: «عند موته» أو قوله: «يموت» هو ما بعد الموت قائلاً: بأنّ لفظة «عند» حقيقة في مكان حضور المضاف إليه أو زمانه لغة أو عرفاً الّتي لا ينافيها ثبوت استعمال اللفظ المزبور في بعض

80
الموارد في مكان مشارفة حضور المضاف إليه أو زمانه (قلنا: لا ينافي) لكون الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز. (1)
وبعبارة أُخرى: فرض الموت أمراً مسلماً محقّقاً فطفق يسأل عمّا يملكه الرجل في هذه الساعة فيكون السؤال راجعاً إلى ما يملكه بعد الموت وينطبق على الوصية.
وعلى ذلك فالروايتان ناظرتان إلى حدّ الإيصاء ولا صلة لهما بالمنجز. لأنّ الرواية تركّز على ملك الميت بعد موته لا على ملكه في حال حياته. فلا تشملان المنجّز في حياته، لأنّه ملك الميّت في حياته.
وعليه جرى السيد الطباطبائي في رسالته وقال: المراد منهما المال الّذي للميت بعد موته، أمّا ما اشتمل منها على لفظ «الميت» ولفظ: «يموت» فظاهر، وأمّا ما اشتمل منها على لفظ: «عند موته» فليحمل عليها، مع أنّها لو بقيت على ظاهرها أفادت عدم ملكية ما عدا الثلث وعدم جواز إتلافه وأكله وصرفه على نفسه بلبس واستخدام وغير ذلك من التصرفات غير المحاباتية،

1 . منجزات المريض للحولاني: 65.

81
وهو خلاف الضرورة، فتعيّنت إرادة الملكية البعدية .(1)
يلاحظ عليهما: أنّ حمل الروايات على أنّ السؤال عمّا ينفع الميت بعد الموت يحتاج إلى قرينة، وليس إضافة لفظ: «عند» إلى موت الرجل قرينة على ذلك، لشيوع استعمال ذلك فيمن سيوافيه الموت ولو بعد عدّة أيّام فيرجع السؤال إلى ما يملكه في هذه الحالة، وهي حالة قبل فرض الموت. والأولى أن يقال: إنّ الروايات الأربع السابقة قرينة على أنّ المراد ما ينفع الميت بعد موته وأنّه هو الثلث، وليست الروايات ناظرة إلى ما يملكه الميت قبل موته. والروايات يفسّر بعضها بعضاً.

الطائفة الثانية: ما ورد في الهبة

1. موثّقة سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه فتُبرئه منه في مرضها؟ قال: «لا ولكن إن وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها».(2)

1 . رسالة في منجزات المريض للطباطبائي: 19 .
2 . الوسائل: 13، الباب 7 من كتاب الهبات، الحديث 3.

82
2. خبر أبي ولاّد: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يكون لامرأته عليه الدينُ فتُبرِئُه منه في مرضها؟ قال (عليه السلام): «بل تهِبُه له فتجوز هبتُها، ويحسب ذلك من ثلثها ».(1)
3. صحيح الحلبي: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضُه فتُبرئه منه في مرضها؟ فقال (عليه السلام): «لا» .(2) ويحمل هذا الصحيح على التفصيل المذكور في الحديثين السابقين.
أقول: المهم في هذه الطائفة هذه الروايات الثلاث حيث يدلّ الجميع ـ بعد حمل صحيح الحلبي على التفصيل الموجود فيما سبق عليه من الروايات ـ على أنّ هبة المريضة وعطيتها لا تجوز إلاّ من ثلثها. والهبة تصرّف منجّز.
نعم يبقى الكلام في وجه التفصيل بين الهبة حين تجوز من الثلث وبين الإبراء حيث لا يجوز مطلقاً لا من الأصل ولا من الثلث، ولعلّ وجهه ـ كما احتمله المجلسي في ملاذ الأخبار ـ هو أنّ الصداق يومذاك كان عيناً، كدار أو بستان أو غير ذلك، لا ديناً

1 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 11 .
2 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 15.

83
في الذمّة، ومن المعلوم أنّ الإبراء يتعلّق بما في الذمّة لا بالأعيان الخارجية عكس الهبة فهي تتعلّق بالأعيان لا بالذمّة، فتجويزها في المقام دون الإبراء دليل على أنّ الصداق كان عيناً لا ديناً، فصارت الهبة نافذة. نعم ما ذكر من الوجه لا يتم في خبر أبي ولاّد لورود لفظ «الدين» فيه. اللّهم إلاّ أن يحمل على المعنى الوسيع الشامل للعين إذا كانت في يد الآخر.
نعم يمكن أن يقال: إنّ مورد الروايات هو الهبة، ولا يمكن ممّا ورد في الهبة انتزاع ضابطة كلّية تشمل سائر المعاملات المحاباتية. إلاّ بضم ما يأتي من الروايات في غير مورد الهبة.
وأمّا الروايات الأُخرى الواردة في المقام فلا دلالة لها على المطلوب، نظير:
4. خبر سماعة: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن عطية الوالد لولده؟ فقال (عليه السلام): «فإذا كان صحيحاً فهو ماله يصنع به ما شاء، وأما في مرضه فلا يصلح».(1)
5. خبر جراح المدائني: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن عطية

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 11 .

84
الوالد لولده ببينة؟ قال: «إذا أعطاه في صحّته جاز ».(1)
6. خبر السكوني عن علي (عليه السلام) أنّه كان يرد النحلة في الوصية، وما أقرّ به عند موته بلا ثبت ولا بينة ردّه.(2)
أمّا عدم دلالة رواية سماعة فلأنّها تدلّ بمنطوقها على عدم صحة الهبة في حال المرض مطلقاً، وهذا لم يقل به أحد، بناءً على أنّ نفي الصلاحية بمعنى نفي الصحة، لأنّ للمريض أن يهب على وجه الإجمال إمّا من الأصل أو من الثلث.
اللّهم إلاّ أن يقال: ليس للمريض التصرف كيفما شاء ـ كما هو الحال في غيره ـ لا أنّه ليس له التصرف أصلاً.
وأمّا خبر المدائني فهو أيضاً يدلّ بمفهومه على عدم جواز هبة المريض مطلقاً، وهو على خلاف الإجماع. إلاّ أن يقال: إنّ إطلاق الجواز في حال الصحة وإطلاق المنع في حال المرض كون الإنسان مالكاً لفكره في الأوّل دون الثاني، ولكنّه تأويل بعيد.
فيمن أعتق عبده وليس له مال سواه    
وأمّا خبر السكوني فهو خارج عن مصب البحث حيث

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 14.
2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 12.

85
يرد أمران: النحلة في الوصية، والإقرار بالشيء عند الموت. والأوّل خارج عن موضوع البحث، وأمّا الإقرار فهو موضوع خاص سنبحثه بعد الفراغ من المسألة.

الطائفة الثالثة: فيمن أعتق عبده وليس له مال سواه

ونكتفي في بيان هذه الطائفة بما ورد فيه العتق دون أن يقترن بلفظ الوصية.
1. ما رواه علي بن عقبة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل حضره الموت فأعتق مملوكاً له ليس له غيره، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه؟ قال (عليه السلام) : «ما يعتق منه إلاّ ثلثه، وسائر ذلك الورثة أحق بذلك، ولهم ما بقي ».(1)
2. ما رواه عقبة بن خالد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكاً له ليس له غيره، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه؟ قال: «ما يعتق منه إلاّ ثلثه» .(2)

1 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 4.
2 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 13.

86
والظاهر أنّ الروايتين رواية واحدة باختلاف يسير. وأن الولد والوالد، سمع الحديث عن الإمام في مجلس واحد. ولكن كان السائل هو الوالد، وكان الولد مستمعاً، ولذلك قال الوالد: سألته، دون الولد .
وليس المراد من (حضور الموت) هو حضور النزع حتّى يقال: فإنّ حضور الموت مانع من مباشرة العتق فيراد منه حينئذ الوصية (1) .
بل المراد هو إحساسه بموته مع كونه عاقلاً مالكاً لعقله، نظير ما ورد في قوله سبحانه: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي)(2).
3. خبر السكوني عن علي (عليه السلام)أنّ رجلاً أعتق عبداً له عند موته لم يكن له مال غيره، قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يستسعى في ثلثي قيمته للورثة» .(3)
4. النبوي: «انّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له عند

1 . المسالك: 6 / 308 .
2 . البقرة: 133 .
3 . الوسائل: 16، الباب 64 من كتاب العتق، الحديث 5 .

87
موته ليس له مال غيرهم، فاستدعاهم رسول الله وجزّأهم ستة أجزاء، فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرقّ أربعة».(1)
وهذه الروايات ظاهرة في أنّ العتق كان منجّزاً بشهادة قوله: «أعتق» ولم يكن معلّقاً، وإلاّ لقال: أوصى بعتقهم. بل أعتق الجميع، وصاروا أحراراً وأرقّهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من جديد، وحمل الروايات على الوصية خال عن الشاهد، مخالف للظاهر .
فإذا كان هذا حال العتق، فغيره أولى بذلك لما علم من رغبة الشارع إلى شيوع العتق. كيف وقد خصّص سهماً من الزكاة للرقاب، كما جعل كفّارة أكثر المعاصي، عتق العبد، حتّى لو عتق جزء مشاع من العبد المشترك يسري العتق إلى سائر أجزائه فيسعى العبد في قيمة الباقي. وهذا هو المراد من التغليب في العتق.
ثم إنّ تعدّد المعتَق صار سبباً في الرواية النبوية لإرجاع الأربعة إلى الرقّية .
وأمّا إذا كان المعتق واحداً مشتركاً فيحكم على الكل

1 . مسند أحمد: 5 / 341 .

88
بالحرية، غاية الأمر يستسعى العبد في الثلثين، كما في رواية السكوني دون أن يحكم على الباقي بالرقية لعدم التبعيض في الرقيّة.
وعليه يحمل ما في رواية عقبة بن خالد حيث قال: «ما يعتق منه إلاّ ثلثه». وأمّا الباقي فتقوّم قيمتُه، مكان العين.(1)
وأُورد على الاستدلال على هذه الروايات بوجوه:
1. وجود الضعف في روايات هذه الطائفة وليس له جابر سوى الشهرة بين المتأخّرين.
يلاحظ عليه: أنّ بين هذه الروايات صحيحة الحلبي وموثّقة سماعة فكيف يكون الجميع ضعيفاً؟! أضف إلى ذلك أنّ الاستدلال إنّما هو بمجموع الروايات الواردة في مختلف الأبواب فإنّ البعض يدعم البعض الآخر.
   
2. لا يمكن انتزاع ضابطة كلية منها لاختصاص هذه الطائفة بالعتق في مورد لم يكن للمنجز مال غير ما أعتق فلا تشمل غير العتق من التصرفات، والعتق الّذي معه مال للمعتِق.

1 . منجزات المريض، للشيخ مشكور النجفي: 76 .

89
يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرنا سابقاً بأنّ انتزاع الضابطة إنّما يحصل من مجموع روايات الباب لا خصوص هذه الطائفة، وأمّا اختصاص الروايات بمن ليس له مال سوى ما أعتق فالظاهر أنّه ليس قيداً للموضوع وإنّما ذكر ليكون ذريعة لإباء الورثة عن الإجازة كما هو ظاهر لمن تأمّل فيه.

الطائفة الرابعة: فيما إذا اجتمع العتق والوصية

قد اجتمع العتق والوصية في صحاح ثلاثة وخبر، وقدم الأُول على الثاني .
الأوّل: صحيح محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه وأوصى بوصية فكان أكثر من الثلث، قال: «يَمْضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي».(1)
الثاني: صحيحه الآخر عن أبي جعفر (عليه السلام)قال في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مماليكه في مرضه، فقال: «إن كان أكثر من الثلث رُدّ إلى الثلث وجاز العتق».(2)

1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 4.

90
الاستدلال بالصحيحين مبنيّ على ثبوت أمرين:
1. العتق لم يكن مورداً للوصية وإنّما كان أمراً منجزاً .
2. انّ السؤال مركّز على عدم وفاء الثلث بهما، لا على خصوص ما أوصى.
ويدلّ على الأمر الأوّل :
أ. التعبير عن العتق بالفعل الماضي فيهما، وحتّى فيما يأتي من الصحيح الثالث لإسماعيل بن همام.
ب. جعله في مقابل الوصية في الصحاح الثلاث حيث قال: «فأعتق غلامه وأوصى بوصية»، وقريب منه ما في الصحيحين الآخرين، ولو كان العتق جزءاً من الوصايا كان اللازم أن يقول: وأوصى بوصية أُخرى.
ج. لو كان العتق جزءاً من الوصايا لزم العمل بما أوصى به مقدّماً، ولكنّ العتق ممّا أُوصي به ـ حسب الفرض ـ مؤخر في الصحيح الثاني مع أنّ الإمام أمر بتنفيذه وهو مؤخّر في الذكر.
ويدلّ على الثاني، أي أنّ السؤال كان مركّز على عدم وفاء الثلث بهما لا على خصوص ما أوصى، هو أنّ ظاهر الحديث

91
وجود المزاحمة بين العتق والعمل بالوصية، والمزاحمة إنّما تتحقّق إذا كان الثلث مَخْرجاً لهما وإلاّ فلو كان العتق مُخْرجاً من الأصل والوصية من الثلث لم يكن بينهما أيّة مزاحمة.
ويؤيّد ذلك أمران :
1. انّ الضمير في قوله: «فكان» «أو ان كان» في الصحيحين يعود إلى مجموع العتق والوصية فهما كانا أكثر من الثلث.
فإن قلت: الضمير يرجع إلى الأقرب وهوقوله: «أوصى بوصية» في الصحيح الأوّل.
قلت: إنّ الوصية وإن كانت أقرب ولكنّ الأقرب في الصحيح الثاني هو العتق، وهذا دليل على عدم العناية بواحد منهما.
2. انّ مقتضى قوله: «يمضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي» إخراج العتق من الثلث، إذ لو كان العتق خارجاً من الأصل وكان الثلث مختصاً بالوصيّة فلا يتصوّر هناك زيادة ولا نقصان من ناحية العتق. نعم يتصوّر النقصان من ناحية أُخرى

92
وهو وفاء الثلث بالوصية وعدمه لكنّه خارج عن مقصود السائل.
الثالث: صحيح إسماعيل بن همّام، عن أبي الحسن (عليه السلام)في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته وأعتق مملوكاً، وكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع به في وصيته؟ قال :«يبدأ بالعتق فينفذه» .(1)
ودلالته على المقصود رهن ثبوت أمرين :
1. انّ العتق كان منجزاً لا معلّقاً.
2. انّ السؤال مركز على عدم وفاء الثلث بهما.
أمّا الأمر الأوّل فيكفي من ذلك مقابلة العتق مع الوصية في سؤال الراوي.
وأمّا الأمر الثاني وهو أنّ السؤال مركّز على عدم وفاء الثلث بهما معاً فيدلّ عليه :
أ. لو كان السؤال مختصّاً بما أوصى به وأنّه إن زاد على الثلث فماذا يفعل؟ لما كان لذكر العتق وجه، لأنّ العتق يخرج من الأصل ولا يزاحم الوصية حتّى يذكر في جانبها.

1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 2.

93
ب. قوله: «يبدأ بالعتق» أي يبدأ بالعتق في الإخراج من الثلث، وذلك لأنّه إذا اجتمع المنجّز والمعلّق ولم يكن الثلث وافياً لهما، قُدّم المنجّز على المعلّق.
وأمّا قوله: «كيف يصنع به في وصيّته» ليس دليلاً على أنّ العتق كان من هذه المقولة، إذ المراد أنّه كيف يصنع بالثلث في وصيته مع أنّ العتق يزاحمه ويوجب عدم وفائه بما أوصى.
الرابع: روى الكليني عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن أعتق رجل عند موته خادماً له ثم أوصى بوصية أُخرى، أعتقت الخادم من ثلثه، وألغيت الوصية إلاّ أن يفضل من الثلث ما يبلغ الوصية».(1)
ورواه الشيخ عن كتاب محمد بن علي بن محبوب بالسند الموجود في «الكافي» مع اختلاف يسير في متنه: عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن أعتق رجل عند موته خادماً له، ثم أوصى بوصية أُخرى أُلغيت الوصية وأعتقت الجارية من ثلثه إلاّ أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية». (2)

1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 3.
2 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .

94
والاستدلال بالرواية على ثبوت أمرين ماضيين:
1. العتق منجز ومعلق.
2. السؤال مركّز على عدم وفاء الثلث بهما.
أمّا الأمر الأوّل: فربّما يحتمل أن يكون المورد من باب الوصية بشهادة قوله: «ثم أوصى بوصية أُخرى» وكلا الأمرين كانا من باب الوصية لكن تقديم العتق على الأمر الثاني لأجل تقدّم الإيصاء، بشهادة لفظة «ثم».
ويمكن أن يقال: إنّ العتق كان منجّزاً والثانية معلّقة، وأمّا التعبير بلفظة «بوصية أُخرى» فهو :
إمّا من باب المشاكلة في التعبير حيث عبر عن العتق أيضاً بالوصية لوقوعه في مصاحبتها كقول القائل:
قالوا اقترح شيئاً نُجِدْ لك طبخه *** قلت اطبخوا لي جبةً وقميصاً
ويؤيد ذلك ذيل الحديث: «إلاّ أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية» الظاهر في كون الثاني فقط من مقولة الوصية ألاّ أن يقدر لفظة «الأُخرى» وهو خلاف الظاهر .

95
أو من باب استعمال الوصية في كلّ ما يقوم به الرجل قبل موته من منجّز ومعلّق وقد كان هذا الاستعمال رائجاً، نظير:
1. روى منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً، فقال: «إن كان الميت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له» .(1) فكان ما أوصى به إقراراً وسمّاه الإمام وصيّة.
2. عن أبي أيوب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً فقال: «إن كان الميت مرضياً فأعطه الّذي أوصى له ».(2) ترى أنّه وصف الإقرار بالوصية.
3. عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل معه مال مضاربة فمات وعليه دين، وأوصى (أي أقرّ) أنّ هذا الّذي ترك لأهل المضاربة أيجوز ذلك؟ قال: «نعم إذا كان مصدّقاً».(3)
وأمّا الأمر الثاني: فإنّ قوله «إلاّ أن يفضل من ثلثه»، صريح

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 8 .
3 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 14 .

96
في صرف مقدار منه في غير مورد الإيصاء وليس هو إلاّ العتق فلو بقى شيءٌ يُصرف في الوصية.

الطائفة الخامسة: عتق من عليه دين

دلّت الموثّقة التالية على أنّه إذا أعتق المولى عبده ولم يكن له مال غير المعتق وكان عليه دين بقدر قيمته أو أقل منه، يُنفّذ قدرُ ثلث الزائد على الدين، وعندئذ يحكم على العبد بالحرية ويستسعى العبد في حق الغريم وثلثي الورثة : مثلاً إذا أعتق عبداً قيمته ستمائة درهم، وعليه دين ثلاثمائة درهم ولم يترك شيئاً، فلو أخرج حق الغريم ـ أعني : الدين ـ يبقى للورثة ثلاثمائة درهم فينفذ العتق من ثلثه ـ أعني: مائة درهم ـ وهو بالنسبة إلى قيمة الكل، سدسه فتكون النتيجة ينعتق منه سدسه ويستسعى للغريم، نصف القيمة، وللورثة، ثلثي الباقي أعني مائتي درهم. وهذه الرواية صريحة في أنّ المنجز، يخرج من الثلث لا من الأصل وإلاّ كان اللازم ـ بعد إخراج الدين ـ انعتاق نصفه وكان اللازم عليه أن يستسعى في نصف قيمته للغرماء فقط دون أن يستسعى للورثة .
نعم يبقى الإشكال في ما هو الوجه في هذا الشرط من

97
كون قيمته ضعف دينه أو أقل. وإليك ما ورد في المقام:
1. موثّقة الحسن بن الجهم، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام)يقول في رجل أعتق مملوكاً وقد حضره الموت وأشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم وعليه دين ثلاثمائة درهم ولم يترك شيئاً غيره، قال: «يعتق منه سدسه، لأنّه إنّما له منه ثلاثمائة درهم وله السدس من الجميع، ويقضي عنه ثلاثمائة درهم وله من الثلاثمائة، ثلثها» .(1)
2. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ـ وهي مفصّلة نقتصر على موضع الحاجة ـ قلتُ: فإنّ قيمة العبد ستمائة درهم وديته ثلاثمائة درهم، فقال: «إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتهم الرجل على وصيته وأُجيزت وصيته على وجهها، فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلثه للورثة ويكون له (العبد) السدس» .(2)
والتصريح بأنّه يعتق منه السدس أقوى دليل على أنّ العتق

1 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، الحديث 4. وفي الكافي: ثلاثمائة درهم، ويقضي منه ثلاثمائة درهم فله من الثلاثمائة، ثلثها وهو السدس من الجميع .
2 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، ذيل الحديث 5.

98
المنجز يخرج من الثلث، فلو كان من الأصل لزم كون نصفه حرّاً، لأنّ قيمة العبد ستمائة، فنصفها للغرماء، والنصف للمالك عند الموت فيكون نصفه حرّاً مع أنّ الإمام قال: إنّ له السدس .
فإن قلت: إنّ المورد من باب الوصية لقوله: «لم يتّهم الرجل على وصيته» وقوله: «وأُجيزت وصيته»، فالباقي للوارث بعد أداء الدين هو ثلاثمائة، فللميت منها الثلث ـ أعني: المائة ـ وهي تعادل قيمة سدس العبد.
قلت: قد تقدّم أنّ استعمال الوصية في كلماتهم في مورد المنجّز، لأحد أمرين: إمّا من باب المشاكلة أو شيوع استعمالها في مورد المنجّز
فإن قلت: إنّ الاستدلال مبني أوّلاً: على عدم الفرق بين العتق وغيره. وثانياً: على عدم الفرق بين ما إذا كان عليه دين أو لم يكن. وثالثاً: على عدم الفرق بين ما إذا كانت قيمة العبد أكثر من الدين أو أقل . وكلّ هذه لا تتم إلاّ بالإجماع على عدم الفرق. وإلاّ فلا دليل على التعدية.(1)
قلت: إذا ثبت الحكم في العتق ثبت في غيره بطريق أولى

1 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 20 .

99
لما علمنا من رغبة الشارع في العتق، فإذا كان العتق من الثلث فغيره أولى بأن يكون من الثلث. وأمّا إلغاء الخصوصية من الجهات الأُخرى فإنّما هو بملاحظة مجموع ما دلّ على أنّ المنجز يخرج من الثلث .
بقيت في المقام رواية أُخرى وهي لزرارة أو لجميل عنه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أعتق مملوكه عند موته وعليه دين، فقال: «إن كان قيمته مثل الّذي عليه ومثله جاز عتقه، وإلاّ لم يجز».(1)
إنّ الحديث يدلّ على أنّ العتق ينفّذ، وأمّا أنّه ينفذ من الأصل أو الثلث فلا دلالة له على أحد الأمرين.

الطائفة السادسة: الأخبار الواردة في إقرار المريض

دلّت الروايات على أنّ المقر إذا لم يكن متّهماً ينفذ إقراره من الأصل، وإلاّ فمن الثلث.
قال الشيخ في «النهاية»: إقرار المريض جائز على نفسه

1 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .

100
للأجنبي وللوارث على كلّ حال إذا كان مرضيّاً موثوقاً بعدالته، ويكون عقله ثابتاً في حال الإقرار، ويكون ما أقرّ به من أصل المال; فإن كان غير موثوق به وكان متّهماً، طولب المقرّ له بالبيّنة، فإن كانت معه بيّنة أُعطي من أصل المال، وإن لم يكن معه بيّنة أُعطي من الثلث إن بلغ ذلك فإن لم يبلغ فليس له أكثر منه.(1)
ويدلّ على ذلك الروايات التالية:
1. صحيح إسماعيل بن جابر قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أقرّ لوارث له وهو مريض بدين له عليه؟ قال: «يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث».(2)
2. خبر العلاء بياع السابري قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن امرأة استودعت رجلاً مالاً فلمّا حضرها الموت قالت له: إنّ المال الّذي دفعته إليك لفلانة، وماتت المرأة فأتى أولياؤها الرجل فقالوا له: إنّه كان لصاحبتنا مال ولا نراه إلاّ عندك فأحلف لنا ما لها قبلك شيء، أفيحلف لهم؟ فقال: «إن كانت مأمونة عنده فليحلف لهم، وإن كانت متّهمة فلا يحلف، ويضع الأمر على ما

1 . النهاية: 617 .
2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 3 .

101
كان، فإنّما لها من مالها ثلثه».(1)
وجه الاستدلال بهذه الروايات اشتراك تصرّفات المريض مع إقرار المريض إذا كان متهماً في كون المانع عن النفوذ فيما زاد على الثلث، هو تعلّق حق الوارث به، وهو كما يمنع من نفوذ الإقرار فيه، كذلك يمنع من نفوذ المنجز فيه أيضاً، لوجود الملاك وهو تعلّق حق الغير به.
وأورد عليه سيد مشايخنا المحقّق البروجردي بوجود الفرق بين الإقرار والمقر قائلاً:
أوّلاً: إنّ الإقرار ليس من منجزات المريض وإنّما هو إخبار عمّا نجّزه في سالف الأيام، وعندئذ فلا يقاس عليه ما ينجزه في أيام مرضه .
وبعبارة أُخرى: أنّ المقرّ بإقراره لا يخرج شيئاً من كيسه وممّا يملكه، وإنّما يقرّ بأنّ الشيء الفلاني ملك لفلان وإن كان تحت يده، وهذا بخلاف المنجزات فإنّه ببيعه وشرائه وهبته ووقفه يخرج شيئاً ممّا يملك، فلو ثبت لزوم الإخراج من الثلث

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا ، الحديث 2.

102
إذا كان متهماً فلا يكون دليلاً على سائر الموارد.
وثانياً: أنّ الحكم المزبور ليس أمراً متفقاً عليه وإنّما هو أحد الأقوال ففي المسألة أقوال أنهاها في الجواهر إلى عشرة.(1)
يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّ وجه الاستدلال ليس جعل الإقرار من مصاديق المنجز، حتّى يقال: إنّ أحدهما إخبار، والآخر إنشاء، بل وجهه ما أشرنا إليه من أنّ المانع في عدم النفوذ فيما زاد كون المريض في كلتا الصورتين في مظنّة الإضرار بالوارث بعد تعلّق حقه بالميراث.

الإخراج من الأصل يوجب الاختلال في الحكمة

هذه أدلّة المسألتين من حيث الروايات، وأمّا القضاء الحاسم بينهما فسيوافيك بيانه إلاّ أنّنا نشير هنا إلى نكتة، وهي أنّ الشريعة المقدسة ـ صيانة لحق الورثة ـ لم تسمح للمورّث التصرف بأكثر من الثلث، وحتّى عدّ التجاوز سرقة في بعض الروايات . فقد ورد عن علي (عليه السلام)أنّه قال: «ما أُبالي أضررت

1 . لاحظ الجواهر: 26 / 81 ـ 82 ; ولاحظ رسالة المجدي.

103
بولدي أو سرقتهم ذلك المال» .(1)
وقد تضافرت الروايات على وجوب عدم الإضرار بالورثة بالوصية. ومن جانب آخر لو فتح باب الإضرار على الورثة بتنفيذ منجزاته من أصل المال بلا قيد ولا شرط، فهذان الحكمان متزاحمان لا يجتمعان، فهو أشبه بفتح الذرائع عند الأحناف، كلّ ذلك يوجب ترجيح القول بالإخراج من الثلث.
وإلى ما ذكرنا يشير صاحب الجواهر ويقول: بل في سؤال هذا البعض دلالة واضحة على معلومية الفرق بين حالي الصحة والمرض بالنسبة إلى النفوذ من الأصل وعدمه، وغير ذلك خصوصاً اختلال حكمة حصر الوصية في الثلث، ضرورة التجاء كل من يريد حرمان الورثة أو بعضهم عند حضور موته، إلى التنجيز.(2)

القضاء الحاسم بين القولين

إذا عرفت القولين، والقائلين بهما، والأدلّة الّتي استدلّ بها

1 . الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب الوصايا، الحديث 2.
2 . الجواهر: 26 / 71 .

104
عليهما فلابدّ من دراسة علاج الروايات المتخالفة فهل يمكن الجمع بينهما دلالة أو لا يمكن؟ وعلى الثاني فهل هي متكافئة أو لا ؟
وفيه وجوه:

الأوّل: الجمع الدلالي بين الطائفتين

قد عرفت أنّ ما يدلّ على أنّ المنجزات تخرج من الأصل على أقسام:
1. ما يدلّ بالنص لا بالإطلاق على أنّ المنجز يخرج من الأصل، وذلك كالصور الأربعة من رواية عمار ـ أعني: الثانية والثالثة والرابعة والخامسة ـ فإنّ دلالتها على المطلوب واضحة وصريحة.
2. ما يدل بالإطلاق على أنّ المنجّز يخرج من الأوّل ، وهذا كرواية أبي شعيب المحاملي وسماعة بن مهران.
3. ما يدلّ على المدّعى وهو تام دلالة، ضعيف سنداً وهذا كمرسلة الكليني .
فيمكن الجمع الدلالي بين ما يدل بالإطلاق وما يدل

105
بالخصوص على أنّ المنجز يخرج من الثلث.
وأمّا القسم الأوّل فهو وإن كان تاماً لكن الأخذ به مع ما فيها من الإشكالات مشكل، وأمّا القسم الرابع، فهو ضعيف لا يحتج به.
أمّا ما رواه الكليني من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لرجل من الأنصار أعتق مماليكه لم يكن له غيرهم فعابه النبي...(1) وإن كان ظاهره خروج المنجز عن الأصل، لكن المروي في العلل وقرب الاسناد، بشكل آخر، ربّما يكون ظاهره خلاف المطلوب كما مرّ.
فلو أمكن الجمع الدلالي فلا تصل النوبة إلى الترجيح بالمرجّحات، وإلاّ فلابد من ترجيح أحد القولين بها.

الثاني: الترجيح بكثرة الروايات

إنّ كثرة الروايات وتضافرها في جانب القول بالإخراج عن الثلث على وجه يجعل الحكم المستفاد منها متضافراً بخلاف القول الآخر، وذلك لأنّ ما يدلّ على القول بالإخراج من

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 9.

106
الأصل لا يتجاوز أربع روايات: رواية عمّار على بعض صورها، ورواية أبي شعيب المحاملي، ورواية سماعة، ومرسلة الكليني.
بخلاف ما يدلّ على القول بالإخراج من الثلث، فالروايات متضافرة :
1. رواية عقبة بن خالد وولده وهما رواية واحدة.
2. خبر السكوني.
3. النبوي المعروف. وقد تعرفت على هذه الروايات الثلاث في الطائفة الثانية.
4. صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام).
5. صحيحه الآخر عن أبي عبدالله (عليه السلام).
6. صحيح إسماعيل بن همّام، وقد تعرفت عليها في الطائفة الثالثة .
7. موثّقة حسن بن الجهم المذكورة في الطائفة الرابعة.
8. موثّقة سماعة .
9. صحيح الحلبي.
المذكورتين في الطائفة الخامسة.

107
هذا والعجب من قول الشهيد الثاني في المسالك حيث ناقش في كثير من هذه الروايات وقال: وأجود ما في هذا الباب متناً وسنداً الرواية العاميّة ومن ادّعى خلاف ذلك، فالسبر يردّ دعواه وعليها اقتصر ابن الجنيد في كتابه «الأحمدي» (1).
وقد عرفت صراحة قسم من الروايات في الإخراج من الثلث .
هذا مع قطع النظر عن الروايات الّتي يمكن تطبيقها على الثلث وإن لم تكن متعيّنة فيه.

الثالث: الترجيح بالشهرة الفتوائية

إنّ شهرة الإفتاء بالثلث بين القدماء أمر ظاهر والمقصود من فتوى القدماء هو نقل الرواة الوعاة من أصحاب الأئمة(عليهم السلام)وعلى رأسهم محمد بن مسلم، وإسماعيل بن همّام وحسن بن الجهم وسماعة والحلبي الذين رووا الإخراج من الثلث، وقد يظهر من كثير من الأسئلة عن جواز التصرف في المرض وعدمه، أنّ المنع كان ذائعاً وشائعاً بين أصحاب الأئمة ولذلك

1 . المسالك: 6 / 309 .

108
عادوا يسألون أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عنه.
نعم الشهرة الفتوائية من عصر الكليني إلى يومنا هذا ليست مستقرة على أحد الحكمين، بل لكلّ من القولين قائل ودليل.

الرابع: القول بالإخراج من الأصل يناقض الحكمة

ما أشرنا إليه تبعاً لصاحب الجواهر من أنّ القول بالإخراج من الأصل أشبه بفتح الذرائع، وأشار إليه أيضاً صاحب المسالك وقال: لولا كونها من الثلث لاختلّت حكمة حصر الوصيّة في الثلث فإنّه لولاه لالتجأ كل من يريد الزيادة في الوصية على الثلث إلى العطايا المنجزة، فيفوت الغرض الباعث من المنع على الزائد.(1)
ولكنه (قدس سره)ناقش في تلك الحكمة قائلاً: إنّها غير منصوصة . وليس ببعيد أن يكون الحكم في ذلك سهولة إخراج المال بعد الموت على النفس حيث يصير للغير فيمنع من التجري عليه لتضييع حق غيره وهذه الحكمة ليست حاصلة في الحيّ وإن

1 . المسالك: 6 / 307. ملخصاً.

109
كان مريضاً، لأنّ البرء ممكن، والشح بالمال في الجملة حاصل فيكون كتصرف الصحيح في ماله لا في مال غيره. وكون مال المريض في معرض ملك الورثة في الحال بخلاف الصحيح مطلقاً ممنوع، فرب مريض عاش أكثر من الصحيح، وربّما كان في حال المراماة الّتي يغلب معها ظن التلف أبلغ من المريض.(1)
يلاحظ عليه: أنّ محطّ البحث هو من حضره الموت وأشرف على الرحيل، ففي هذه الحالة يسهل له إخراج المال من ملكه، ويقلّ شحه وحرصه حيث يرى نفسه على عتبة الموت فلو جاز إخراج المنجزات من الأصل لعاد المحذور، وأمّا ما ذكره من أنّ ربّ مريض عاش أكثر من الصحيح لا يكون دليلاً على عدم صحة الحكمة إذ هي غاية القلّة.

الخامس: الحمل على التقيّة

وربّما يحتمل أنّ الروايات الواردة في الإخراج من
الثلث وردت تقية لموافقة مضمونها مع فتوى فقهاء السنّة.

1 . المصدر نفسه .

110
ولكن الحمل بعيد جداً إذ قلّما يتّفق ورود رواية للتقية ليس
فيها إشارة إليها، وأكثر ما ورد في التقية يذكر فيها لفظ الناس ونحوه.
على أنّه إذا كانت هذه الروايات وردت للتقية كان لهم(عليهم السلام)في إشارة إلى رد القول الآخر في ثنايا الروايات الدالّة على الإخراج من الثلث.
فبملاحظة هذه القرائن والشواهد تظهر قوة القول بالإخراج من الثلث وضعف القول الآخر، ومن أراد الاحتياط فليس له الإفتاء بأحد القولين، بل الإفتاء بالتصالح، كما عليه السيد الميلاني (قدس سره)في رسالته العمليّة.
وينبغي التنبيه على أُمور:

الأوّل: ما هو المراد من الثلث؟

اعلم أنّ هنا مسألتين: الأُولى ما هو المراد من الثلث في باب الوصية الّتي اتّفقت كلمتهم فيها على عدم جوازها فيما إذا كانت زائدة على الثلث؟
الثانية: ما هو المراد من الثلث في منجّزات المريض على القول بعدم جوازها فيما إذا زادت على الثلث ؟ وها نحن ندرس

111
كلماتهم في كلا المسألتين:
أمّا المسألة الأُولى: فقال المحقّق: ويعتبر الثلث وقت الوفاة لا وقت الوصاية، فلو أوصى بشيء وكان موسراً في حال الوصية ثم افتقر عند الوفاة لم يكن بإيساره اعتبار. وكذلك لو كان في حال الوصية فقيراً ثم أيسر وقت الوفاة كان الاعتبار بحال إيساره (الّذي هو وقت الوفاة) .(1)
ثم إنّ صاحب المسالك أشكل على المحقّق في جعل الوفاة هو الميزان في تقدير الثلث بأنّه إنّما يتم إذا كان الموصى به قدراً معيناً كعين أو مائة درهم مثلاً. وأمّا لو انعكس (كما إذا أوصى بثلث ماله في المبرّات) أشكل اعتبار وقت الوفاة للشك في قصد الزائد وإنّما دلّت القرائن على عدم إرادته على تقدير زيادته كثيراً حيث لا تكون الزيادة متوقعة له.(2)
أقول: وقد تبع الشهيد في ذلك «جامع المقاصد» إذ فيه ما هذا نصه:
واعلم أنّ هذا يستقيم فيما إذا أوصى بقدر معلوم، أمّا إذا

1 . الشرائع: 2 / 246، كتاب الوصايا، باب في الموصى به .
2 . مسالك الافهام: 6 / 153 .

112
أوصى بثلث تركته وكان في وقت الوصية قليلاً، فتجدّد له مال كثير بالإرث أو بالوصية أو بالاكتساب، ففي تعلّق الوصية بثلث المتجدّد مع عدم العلم بإرادة الموصي للموجود وقت الوصية والمتجدد نظر ظاهر، منشؤه دلالة قرائن الأحوال على أنّ الموصي لم يرد ثلث المتجدّد حيث لا يكون تجدّده متوقّعاً. وقد تقدّم الإشكال فيما إذا أوصى لأقرب الناس إليه وله ابن وابن ابن، فمات الابن فإنّ استحقاق ابن الابن لها لا يخلو من تردد.(1)
وعلى كلّ تقدير إن الاختلاف في هذه المسألة بمعنى انّ الميزان هو الثلث وقت الإيصاء أو عند الموت يرجع إلى إرادة الموصي من الثلث. فيمكن أن يريد الموصي الثلث الموجود حين الوصية أو يريد الثلث الموجود حين الموت. وبعبارة أُخرى يرجع الإشكال إلى تعيين المشاع فهل المشاع هو الثلث حين الوصية أو حين الوفاة؟
أمّا المسألة الثانية: فالظاهر أنّ المراد هو الثلث حين الموت لا حين الوصية، ولما عرفت الثلث هناك كان متعلقاً

1 . جامع المقاصد: 10 / 116 .

113
بإرادة الموصي فصار ذلك سبباً للتردّد بين الوصية والوفاة، وأمّا المقام فالثلث منصوص من جانب الشرع وان الرجل إذا تصرف في ماله في حال مرضه فمات فليس له إلاّ الثلث والزائد عليه يحتاج إلى إجازة الوارث. وعلى هذا يكون المراد كل ما يملكه المتصرف من مال ـ عيناً أو ديناً أو حقّاً أو منفعة ـ أو من حق مالي، كحق التحجير وحق الخيار والشفعة وحق القصاص الّذي كان له، وحق الجناية عمدية أو خطائية، ونحو ذلك حتّى نصب الشبكة في الماء (لاصطياد السمك) فلو آلت إلى المال أو بذل بازائها المال كان من جملة ما يخرج منه الثلث .
وعلى ضوء هذا فالمراد من الثلث هو الثلث المشاع الشائع في تمام التركة .
وتصرف المالك لا يتعين به الثلث بحيث يخرج من الإشاعة بل لا يخرج منها إلاّ بعد القسمة وكون التصرف في العين لازماً ـ إذا كان بمقدار الثلث أو أقل ـ لا يوجب القسمة القهرية بين الميت والوارث. وعلى هذا فالمدار هو الثلث في زمان الموت لا زمان التصرف فلو نقص المال عن زمان التصرف أو زاد عليه فالمدار هو الثلث زمان الموت.
فيترتّب على ما ذكرنا إذا نقصت التركة بعد الموت قبل

114
القسمة أو زادت بالنماء بارتفاع القيمة السوقية يترتب النقصان والزيادة على الجميع حتّى ولو كان النقصان في سائر الأعيان غير ما تصرف فيه أو كانت الزيادة خاصة بأحدهما، وذلك لأنّ ثلث المشاع بذلك يزيد وينقص .
ثم إنّ من آثار كون الثلث مشاعاً لا مفروزاً ولا متعيّناً تكون الزيادات الخارجية الحاصلة بعد الموت مشاعة أيضاً إذا كان بسبب حق سابق. نظير:
1. إذا وقع السيل في الشبكة الّتي نصبها الميت .
2. إذا تصالح الورثة من حق القصاص الثابت للميت.
3. إذا تصالح سائر الحقوق كحق الشفعة ونحوها.
4. الزيادة الحاصلة بفسخ المعاملة الخيارية أو بالإقالة.
5. أو كان مديوناً تبرع به متبرع فإن الثلث يزيد به.
6. ولو أوصى له بمال فمات قبل القبول وقام الوارث مقام الموصى له فقبل الموصى به فأخذه فإنّ قبوله يزيد في الثلث. نعم الحقوق المتجددة للميت بالموت أو بعده لا تحسب من التركة ولا توجب زيادة في الثلث كجرح الميت عمداً أو خطأً أو

115
قطع رأسه بعد الموت، فأمثال ذلك لا يحسب من التركة ولا يزيد في الثلث.

الأمر الثاني: إجازة الوارث تنفيذ لفعل المورث

لو قلنا بأنّ منجزات المريض من الثلث فلو رد الوارث فهو، وإن أجاز فهو تنفيذ لما فعله المورّث وليس عملاً جديداً ولا عطية ابتداءً ، من غير فرق بين منجزات المريض ومعلّقاته إذا زاد على الثلث، فليست الإجازة إلاّ الرضا بما فعله المورث، فالمعطي في الحقيقة هو المورث، وأمّا الوارث فبما أنّ له حقّ الرد فهو بإجازته نفذ العمل السابق التام، ولذلك لو كانت العطية في حيازة المعطى فلا يحتاج إلى قبض آخر.
فإن قلت: إنّ هذا إنّما يتمّ في المنجز وأمّا في الوصية فلا، حيث إنّ المال بعد الموت للوارث والميت متصرف في مال الورثة، إذ المفروض أنّه علق التمليك على ما بعد الموت الّذي ينتقل المال إليهم.
قلت: لا فرق بين المنجز والمعلق، فالأوّل إنشاء تمليك بلا قيد وتنتقل العين إلى الموهوب له من دون قيد وشرط، وأمّا

116
الوصية فهي أيضاً إنشاء تمليك عين أو منفعة بعد الموت لكن ينتقل الملك بموت الموصي فإذا مات انتقل الموصى به إلى الموصى له، سواء أكان بمقدار الثلث أو زائداً عليه والموت وإن كان سبباً ناقلاً للتركة إلى الوارث لكن بشرط أن لا يتصرّف فيه المالك حال حياته، فالعين صارت ملكاً للموصى له بعد العقد وتحقّق الموت، غاية الأمر أنّ للوارث حق التنفيذ والرد، وما ذكر من الإشكال مبني على أنّ عين الموصى له تدخل في ملك الوارث بعد الموت، إذ لو كان كذلك لبطلت الوصية بلا حاجة إلى الرد مع أنّ الوصية نافذة والعين ملك للموصى له ملكاً متزلزلاً.

الأمر الثالث: إذا أجاز في حياة المورث

إذا قلنا بأنّ الزائد على الثلث في المنجزات يحتاج إلى تنفيذ الوارث، فلو افترضنا أنّ الوارث أجاز فعل المورث في حال حياته فهل يكون التنفيذ لازماً عليه بحيث لا يجوز له الرد بعد فوت المورث؟
ربّما يقال بأنّ مقتضى القاعدة عدم الصحة لعدم انتقال

117
المال إليه إلاّ بعد الموت وقبله لا ربط له به، فيكون نظير إجازة غير المالك في الفضولي.
وإن شئت قلت: إنّ المجيز إمّا أن يكون مالكاً، أو من له الحق في العين. فالأوّل كمالك العين في البيع الفضولي، والثاني كإجازة المرتهن بيع العين المرهونة من دون إجازته، وأمّا الوارث في حياة المورث فليس مالكاً ولا من له الحق في التركة.
قلت: الظاهر صحّة الإجازة في حال الحياة والدليل على ذلك وجهان:
الأوّل: أنّ المقتضي للإجازة والرد كاف في صحّتهما ولا يتوقف على وجود العلّة التامة لهما ولذلك نرى أنّ الفقهاء قالوا بصحّة الضمان إذا وجد المقتضي له ، وهذا كما في ضمان التدارك مثلاً. إذا باع زيد عين من عمر ولكن المشتري يحتمل أن تكون العين مستحقة للغير فيطلب ضامناً يضمن انّه لو ظهرت مستحقةً للغير فعليه ضمان الثمن الّذي دفعه إلى البائع. هذا من جانب ومن جانب آخر أنّهم أجمعوا على بطلان ضمان ما لم يجب، والبائع حسب الظاهر لم يجب عليه شيء حتّى يضمنه الثالث، ولكن لمّا كان البيع مقتضياً لذلك حيث إنّه في

118
معرض الاستحقاق للغير صحّ ضمان الثالث عنه.
وعلى ضوء ذلك صحّحوا ضمان الجريرة حيث يضمن كل من الشخصين ضمان ما يرتكبه من الجريرة الّتي فيها دية أو تدارك، وما هذا إلاّ لوجود المقتضي وهو كون الإنسان في معرض الإضرار بالغير خطأً .
وفي المقام بما أنّ المال ينتقل إلى الوارث بعد موته فله شأن فيه ليس لغيره، فيصح تنفيذه في حياة المورث المنجّز الزائد على الثلث حتّى الوصية.
الثاني: ما ورد في الروايات ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أوصى بوصية وورثته شهود فأجازوا ذلك، فلمّا مات الرجل نقضوا الوصية، هل لهم أن يردوا ما أقرّوا به؟ فقال: «ليس لهم ذلك والوصية جائزة عليهم إذا أقرّوا بها في حياته».(1)
والرواية محمولة على ما إذا تجاوزت الوصية الثلث وإلاّ ليس للورثة دور في مقدار الثلث لا رداً ولا تنفيذاً.
ويدلّ على ذلك الحمل صحيحة منصور بن حازم قال:

1 . الوسائل: 13، الباب 13 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .

119
سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى بوصية أكثر من الثلث وورثته شهود فأجازوا ذلك له؟ قال: «جائز».
ونقل في الوسائل عن التهذيب أنّ ابن رباط قال: هذا عندي على أنّهم رضوا بذلك في حياته وأقرّوا به.(1)
فإذا كانت الإجازة في حال حياة الموصي نافذة فتكون كذلك في المعلّق بوجه أولى.

الأمر الرابع: إذا ردّ الوارث في حياة المورث

إذا ردّ الوارث في حياة المورّث ما زاد على الثلث فهل يكون نافذاً كالإجازة في حياته، الظاهر وجود الفرق بين الإجازة والرد، فإنّ الإجازة بمعنى إسقاط حق الرد، وبما أنّ المقتضي كان موجوداً فيسقط حق الرد بعد الموت.
وأمّا الرد فقد ورد في موقع غير صحيح، لأنّ المملِّك هو المورث والمالك هو المشتري أو الموهوب له وليس للوارث هناك أي حق سوى أنّه لو مات المورّث يتمكن من إعمال حق الرد، والمفروض أنّ المورث بعد حيٌّ يرزق.

1 . الوسائل: 13، الباب 13 من أبواب الوصايا، الحديث 2.

120
فإن قلت: ما الفرق بين الثلث والإجازة حيث صحّت الإجازة في حال حياة المورث دون الرد.
إذا اجتمع الدين المستغرق للتركة مع المنجّز   
قلت: الفرق بينهما انّ الإجازة ليست تدخّلاً في أمر الغير، بل أقصاها إسقاط حق ربّما يحتمل أن يتّخذه ذريعةً للرد، وأمّا الردّ في حال حياة المورث فإنّه تدخل في أمر المالك، الّذي يملك أمر نفسه.

الأمر الخامس: إذا اجتمع الدين المستغرق للتركة مع المنجّز

فعلى القول بإخراج الثاني من الأصل يقدّم المنجّز على الدين، وإن لم يكن للميت مال غيره فيبقى الدين حينئذ بلا وفاء. حيث تم النقل القطعي قبل تعلّق حق الوفاء.
وأمّا على القول بإخراجها من الثلث فيقدّم الدين عليه، وذلك لأنّ المتبادر من قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِهَا أَوْ دَيْن)(1) أنّ الميراث يتعلّق بما وراء الدين والوصية، فإذا استغرق الدينُ التركة فلم يترك المورّث تركة حتّى يخرج المنجز منها.

1 . النساء: 12 .

121
وبعبارة أُخرى: أنّ إخراج المنجّز من الثلث عملاً بقوله: «للميت عند موته ثلث ماله» فرع إيراثه تركة حتّى يخرج منه، فإذا استغرق الدين الميراث فلم يترك تركة حتّى يخرج المنجز من ثلثها فليس هنا ثلث موروث حتّى يخرج منه.
وحصيلة الكلام: أنّه لو قلنا بإخراج المنجزات من الأصل تقدّم على الدين مطلقاً، بقي للغرماء شيء أو لا، شريطة أن لا يُحجر على المنجز من جانب الحاكم قبل التنجيز بالحجر، وأمّا لو قلنا بإخراجها من الثلث فإنّما تخرج منه إذا لم يكن في المورد دين فعندئذ تخرج من الثلث والزائد عليه رهن إجازة الوارث.
وأمّا إذا كان في المورد دين يستوعب التركة فلا تنفذ لا في مقدار الثلث ولا في الزائد عليه، لما عرفت من أنّ الثلث إنّما يتصوّر إذا ترك الميت ـ بعد الدين ـ شيئاً يكون ثلثاه للوارث وثلثه للميت نفسه، وأمّا إذا استغرق الدين التركة فلا موضع للميراث ولا للثلث ولا الزائد عليه.
وتكون النتيجة: إذا زاحم عمل المنجّز حقوق الورثة يتوقّف نفوذ الزائد على إجازتهم. وأمّا إذا زاحم حق الغرماء

122
فيقدّم حقّهم على المنجّز بالدليل المذكور.
ثم إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي استشهد على ذلك بالحديثين التاليين:
1. موثّقة حسن بن الجهم: قال سمعت أبا الحسن (عليه السلام)يقول في رجل أعتق مملوكاً وقد حضره الموت وأشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم، وعليه دين ثلاثمائة درهم، ولم يترك شيئاً غيره؟ قال: «يعتق منه سدسه، لأنّه إنّما له منه ثلاثمائة درهم (ويقضي عنه ثلاثمائة درهم وله من الثلاثمائة ثلثها) وله السدس من الجميع».(1)
   
فلو كان الدين غير مزاحم للأمر المنجّز كان اللازم عتق ثلث المملوك لا سدسه، وهذا يدلّ على أنّ المنجّز يلاحظ بعد إخراج الدين فإن استغرق الدين التركة حتّى المنجز يحكم بانحلال العقد ويصرف في مورد الدين، وإن بقي شيء ينفذ على حدّ ثلث الباقي.
2. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رواية طويلة وجاء فيها: قلت: فإن قيمة العبد ستمائة درهم

1 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4 .

123
ودينه ثلاثمائة درهم...، إلى أن قال (عليه السلام): فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلثه للورثة، ويكون له السدس.(1)
والاستدلال بهذه الرواية نفس الاستدلال بالرواية السابقة، بل يظهر منها أنّه إنّما ينفذ المنجز من الثلث إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة كما في المثال المذكور، أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء. وأمّا إذا كان مال الغرماء أكثر من مال الورثة فلا ينفذ حتّى في المقدار الباقي. مثلاً إذا كانت قيمة العبد ستمائة درهم ودينه أربعمائة، فيباع العبد ويأخذ الغرماء أربعمائة درهم ويأخذ الورثة مائتين، ولا يكون للعبد شيء حتّى على حد ثلث المائتين.
نعم هذا الشرط على خلاف القاعدة فيختصّ العمل بمورده.

الأمر السادس: في بيع الفضولي إذا أجاز المالك

اختلفت كلمتهم في بيع الفضولي إذا أجازه المالك، فهل هو كاشف عن ملكية المشتري من زمان العقد أو ناقل؟ ولكلّ من القولين دليل.

1 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، الحديث 5.

124
فهل يمكن تصوير ذلك النزاع في المقام بأن تكون إجازة الوارث كاشفة عن ملكية المشتري بالبيع المحاباتي من زمان العقد، أو يكون ناقلاً بأن يدخل المبيع في ملك المشتري عند الإجازة؟
أقول : إنّ تصوير كلا الاحتمالين في المقام مشكل، أمّا احتمال أنّ الإجازة ناقلة فهو مشكل جداً، إذ هو مبني على أحد الوجوه:
1. انتقال المال بعد الموت وقبل الإجازة للوارث. ولازم ذلك أن يكون تملّك المشتري عطية جديدة يترتب عليه آثارها، وهو كما ترى.
2. الحكم ببقاء المال بين الموت والإجازة بلا مالك.
3. القول بكون الملك باقياً على ملك الميت، فالالتزام بهذه الأُمور مشكل، فالقول بأنّ الإجازة ناقلة غير تام جدّاً .
إذا ادّعى الوارث أنّه أجاز لظنّه قلّة المال   
وأمّا احتمال أنّ الإجازة كاشفة فهو أيضاً لا يخلو من إشكال، لأنّها إنّما تتصوّر إذا كان البائع غير المالك كما إذا باع الفضولي وأجازه المالك بعد شهر، وأمّا إذا كان البائع هو نفس المالك الّذي له السلطة التامة ففي مثل ذلك يتحقّق الإنشاء

125
والمنشأ من زمان العقد حقيقة لا تقديراً من دون حاجة إلى إجازة، غاية الأمر أنّ الشارع أعطى للوارث حق الرد والحيلولة بين استمرار ملكية المشتري للعين، فإذا لم يرد بقي المال في ملكية المشتري من دون حاجة إلى إجازة، فالرد مانع للاستمرار عن الملكية وليست الإجازة شرطاً.
فخرجنا بهذه النتيجة: انّ الإجازة على القول بالخروج من الأصل لا مدخلية لها.

الأمر السابع: إذا ادّعى الوارث أنّه أجاز لظنّه قلّة المال

إذا أجاز الوارث ثم ادّعى أنّه إنّما أجاز لظنّه قلّة الزائد على الثلث، سواء أكان المال المنجّز مشاعاً، كما إذا باع نصف البستان محاباةً وتبيّن أنّ نصف البستان أكثر من ثلث البائع ; أو كان عيناً معيّنة، كما إذا باع سجادة كبيرة محاباة وكانت قيمتها أزيد من ثلث البائع، فادّعى في كلا الموردين أنّه أجاز بظن أنّ الزائد أقلّ في ظنّه وهو الآن أكثر ممّا كان ظنّه، فهل يسمع قوله أو لا؟ فيقع الكلام في مقامين:

126
1. في تكليف الوارث المجيز بظن قلّة الزائد مع كونه أكثر ممّا ظن.
2. في سماع قولهم في المحاكم أو لا؟
أمّا الأوّل: إذا كانت الإجازة مطلقة ولم تكن مقرونة بالظن بالقلّة أو كانت مقرونة بالظن بالقلّة، أو كان الظن المذكور من قبيل الداعي، ففي هاتين الصورتين يحكم بالنفوذ. أمّا إذا كانت مطلقة فواضح. وأمّا إذا كانت مقرونة بالظن المذكور مع كونه داعياً فيحكم بالنفوذ أيضاً، لأنّ الداعي لا يوجب تقييد الرضا الّذي دلّت عليه الإجازة، فلا يبطل التصرّف الواقع عن الرضا.
وبعبارة أُخرى: ليس ظنّ القلّة موضوعاً للرضا، بل الرضا المطلق، غاية الأمر ان الّذي دفع المجيز إلى الإجازة هو فكرة قلّة الزائد على نحو لو كان على الخلاف لأجاز أيضاً. وهذا نظير ما إذا ائتم بداعي أنّ الإمام زيد ثم تبيّن أنّه عمرو فإنّ صلاته وجماعته صحيحة، إذ ليس الداعي قيداً على نحو لو تخلّف لم يأتم، بل يأتم مطلقاً غاية الأمر تصوّر أنّه زيد.
هذا كلّه إذا كانت الإجازة مطلقة أو كان الظن من قبيل

127
الداعي، وأمّا لو كان الرضا مقيداً لقلّة الزائد فبان الخلاف فلا تنفذ الإجازة، هذا نظير ما إذا اقتدى على أنّ الإمام زيد على نحو لو كان غيره لم يقتد به .
هذا كلّه حكم الوارث في حدّ نفسه .
وأمّا الثاني: فالظاهر عدم السماع، لأنّ ظواهر الألفاظ حجّة في جميع المقامات فيؤخذ بإطلاق كلامهم في مقام الإجازة.
وبعبارة أُخرى: أنّ إجازاتهم لا تخلو عن صورتين :
الأُولى: إذا كان كلامهم حاكياً عن الإجازة المطلقة، أو كان كاشفاً أنّ الظن بقلّة الزائد من قبيل الداعي فلا تسمع دعواهم، لتطابق الإثبات مع الثبوت. ولما عرفت أنّه ليس لهم الرد إذا أجازوا مطلقاً أو كان الظنّ بقلّة الزائد من قبيل الداعي.
والثانية: ادّعوا أنّ إجازتهم في أنفسهم كانت مقيّدة فقد تبيّن الخلاف فلا تسمع إلاّ بالبيّنة.
والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات

128

129
إقرار المريض

130

131
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .
أمّا بعد; لمّا فرغنا من محاضراتنا حول حكم منجزات المريض وانتهينا إلى أنّها تخرج من الثلث ناسب أن نردف البحث السابق ببحث نفوذ إقرار المريض وعدمه، وعلى فرض نفوذه فهل ينفذ مطلقاً أو فيه تفصيل؟
إنّ الإقرار قد يكون بالعين، وأُخرى بالدين. وعلى كلا التقديرين فتارة يقرّ للوارث، وأُخرى للأجنبي.
اختلف الأصحاب في نفوذ إقرار المريض إلى أقوال وردت سبعة منها في الجواهر .(1) وأنهاها السيد الطباطبائي في رسالة «منجزات المريض» إلى عشرة(2)، غير أنّ قسماً من

1 . الجواهر: 28 / 81 ، كتاب الحجر. وفي كتاب الإقرار: 35 / 116 عند قول المحقّق على أظهر الأقوال الّتي هي ستة أو سبعة، بل قيل هي عشرة وأحال التفصيل إلى كتاب الحجر. فلاحظ .
2 . رسالة السيد الطباطبائي في المنجزات: 22 .

132
الأقوال متداخلة يمكن إرجاعه إلى قول واحد، والمهم هما القولان التاليان:

1. نفوذه من الأصل

ذهب ابن زهرة في الغنية وابن إدريس في السرائر، وابن سعيد في الجامع إلى نفوذه من الأصل.
وقال ابن زهرة: ويصح إقرار المحجور عليه بفرض، وإقرار المريض للوارث وغيره بدليل الإجماع المشار إليه .(1)
قال ابن إدريس: ويصح إقرار المريض الثابت العقل، للوارث وغيره، سواء كان بالثلث أو أكثر منه. وإجماع أصحابنا منعقد على ذلك.(2)
نفوذه من الأصل مع عدم التهمة ومن الثلث معها   
وقال ابن سعيد: إقرار العاقل غير المحجور عليه صحيح عدلاً وفاسقاً، مريضاً وصحيحاً لأجنبي ووارث .(2)
وربما يظهر من إطلاق القاضي في المهذب قال: إذا أقرّ البالغ الكامل العقل الّذي ليس بمولى عليه المطلق التصرف

1 . غنية النزوع: 271 .   2 . السرائر: 2 / 499، باب الإقرار.
2 . الجامع للشرائع: 338.

133
على نفسه بشيء كان إقراره ماضياً وحكم عليه به .(1)

2. نفوذه من الأصل مع عدم التهمة ومن الثلث معها

وذهب جماعة إلى أنّه يخرج من الأصل مع عدم التهمة ومن الثلث معها، من غير فرق في الموضعين بين العين والدين والوارث والأجنبي، حكي عن الأكثر والظاهر أنّه المشهور.
هذان القولان هما القولان المعروفان، وهناك أقوال ترجع إلى الثاني.
منها: أنّه من الأصل مع العدالة وعدم التهمة، ومن الثلث مع فقد القيدين.
قال الشيخ في «النهاية»: إقرار المريض جائز على نفسه للأجنبي والوارث على كل حال إذا كان مرضياً موثوقاً بعدالته ويكون عقله ثابتاً في حال الإقرار، ويكون ما أقرّبه من أصل المال; فإن كان غير موثوق به وكان متهماً، طولب المقرّ له بالبيّنة،

1 . المهذب البارع: 1 / 404 .

134
فإن كانت معه بينة أُعطي من أصل المال، وإن لم تكن بيّنة أُعطي من الثلث .(1)
فإنّ هذا القول نفس القول الثاني، لأنّ العدالة طريق إلى عدم التهمة.
ومنها: أنّه من الأصل إن كان عدلاً وإلاّ فمن الثلث. حُكِي عن المحقّق الثاني في «جامع المقاصد» أنّه نسبه إلى بعض الأصحاب.(2)
والقائل اكتفى بقيد واحد وهوالعدالة عن قيد عدم التهمة، فيرجع إلى القول السابق .
ومنها: أنّه من الأصل إن كان للأجنبي ولم يكن متّهماً، وإلاّ فإن كان متّهماً أو كان للوارث مطلقاً فهو من الثلث. وهو مختار المحقّق في النافع.(3)
وجه رجوعه أنّه قسّم الإقرار للأجنبي إلى قسمين: إمّا أن يكون متّهماً أو لا يكون، ولكنّه جعل الإقرار للوارث قسماً واحداً لغلبة الاتّهام في الإقرار للوارث. فهذا القول في الحقيقة

1 . النهاية: 617 ـ 618 .   2 . جامع المقاصد: 11 / 107 ـ 108 .
3 . المختصر النافع: 168، آخر كتاب الوصية.

135
تفصيل بين المتهم وغيره، غاية الأمر لمّا كانت التهمة شائعة في الإقرار للوارث، جعله قسماً واحداً .
ومنها: أنّه من الأصل إن كان للأجنبي مطلقاً أو كان للوارث وكان غير متهم، وإلاّ فمن الثلث. وهو خيرة ابن حمزة.(1)
وجه رجوعه أنّه فرض الإقرار للأجنبي قسماً واحداً لغلبة عدم الاتّهام فيه وجعل الإقرار للوارث إلى قسمين. إلى غير ذلك من الأقوال الّتي يمكن إرجاعها إلى القول الثاني.
وللعلاّمة الحلّي كلام في المقام لا يخلو من فائدة، قال:
ولو أقرّ ] المريض [ بدين أو عين لأجنبي، فالأقوى عندي من أقوال علمائنا: إنّه ينفذ من الأصل إن لم يكن متّهماً في إقراره. وإن كان متهماً، نفذ من الثلث، لأنّه مع انتفاء التهمة يريد إبراء ذمّته، فلا يمكن التوصل إليه إلاّ بالإقرار عن ثبوته في ذمّته، فلو لم يقبل منه بقيت ذمّته مشغولةً، وبقي المُقرّ له ممنوعاً عن حقّه، وكلاهما مفسدة، فاقتضت الحكمة قبول قوله. أمّا مع

1 . الوسيلة: 284 .

136
التهمة فإنّ الظاهر أنّه لم يقصد الإخبار بالحقّ، بل قَصَد منعَ الوارث عن جميع حقّه أو بعضه والتبرّعَ به للغير، فأُجري مجرى الوصيّة.(1)
وأمّا فقهاء السنّة فيظهر فما نقله العلاّمة عن الشافعي خروج الإقرار للوارث في مرض الموت عن محط البحث وانّه لا يقبل .
إنّما الكلام في الأجنبي ففيه روايات ثلاث عن الشافعي :
1. يصح إقراره للأجنبي وأطلق (لم يقيد بالثلث) وهو إحدى الروايات عن أحمد .
2. انّه لا يقبل، لأنّه إقرار في مرض الموت فاشبه الإقرار لوارث.
3. انّه يقبل من الثلث ولا يقبل من الزائد، لأنّه ممنوع من عطية ذلك للأجنبي كما هو ممنوع من عطية الوارث عندهم فلم يصح إقراره بما لا يملك عطيته بخلاف الثلث فما دون. (2)

1 . تذكرة الفقهاء: 15 / 267 .
2 . تذكرة الفقهاء : 15 / 268 .

137
ويظهر من «الخلاف» أنّ الإقرار للوارث أيضاً محل خلاف وليس موضعَ اتفاق:
قال: يصح الإقرار للوارث في حال المرض. وبه قال أبو عبيد وأبو ثور وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وهو أحد قولي الشافعي .
والقول الآخر: إنّه لا يصح. وبه قال مالك وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأحمد. وقال أبو إسحاق المروزي: المسألة على قول واحد وهو أنّه يصح إقراره .(1)
أقول: مقتضى القاعدة الأوّلية ـ مع قطع النظر عن الروايات الواردة في المسألة ـ هو نفوذ الإقرار. ويدلّ عليه سيرة العقلاء والروايات الدالّة على نفوذ إقرار كلّ شخص على نفسه مريضاً كان أو غير مريض، أقرّ للوارث أو للأجنبي. ولكن دراسة الروايات تستدعي الكلام في موضعين :
الأوّل: إقرار المريض للوارث.
الثاني: إقرار المريض لغير الوارث .

1 . الخلاف: 3 / 368 .

138
   

الموضع الأوّل:

في الإقرار للوارث

إنّ الروايات الواردة فيه على طوائف ثلاث:

الأُولى: ما يدل على النفوذ مطلقاً

دلّت صحيحة أبي ولاّد على نفوذ إقرار المريض للوارث مطلقاً، سواء أكان المقَرّ به مقدار الثلث، أم أزيد منه،وسواء أكان المقرّ ثقة أم متّهماً في إقراره.
روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد (بن محمد بن عيسى أو أحمد بن محمد بن خالد) عن ابن محبوب، عن أبي ولاّد (1) قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل مريض أقرّ عند الموت لوارث بدين له على ذلك؟ قال: «يجوز ذلك»، قلت: فإن

1 . أبو ولاّد الحنّاط، حفص بن سالم الثقة، روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن الأوّل (عليهما السلام).

139
أوصى بوارث لشيء؟ قال: «جائز» .(1)
وفي الحديث فقرتان:
الأُولى: إقراره لوارث.
الثانية: إيصاؤه لوارث.
أمّا الأُولى: فلا مانع من الأخذ بإطلاقها، وأمّا الفقرة الثانية فلابدّ من تقييد إطلاقها فيما إذا لم تتجاوز الوصية الثلث.
ويمكن أن يقال: إنّ الفقرة الثانية فاقدة للإطلاق، لأنّها وردت لردّ ما اشتهر بين السنّة من أنّه لا وصية لوارث، وكأنّ السائل سأل عن أصل الوصية من غير نظر إلى كميتها فقال الإمام (عليه السلام): جائز .
فمقتضى هذه الرواية نفوذ إقرار المريض للوارث مطلقاً من غير فرق بين حال المقِرّ من كونه ثقة أو متهماً، ومن غير فرق بين كون المقرّ به بمقدار الثلث أو لا.

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 4 .

140

الثانية: ما يدلّ على النفوذ إذا كان المقر مرضيّاً

يستفاد من بعض الروايات نفوذ الإقرار بالدين للوارث بشرط أن يكون المقرّ مرضيّاً غير متّهم. ويدلّ عليه :
1. صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً؟ فقال: «إن كان الميت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له».(1)
وقد مرّ في الرسالة السابقة (2) أنّ المراد من الوصية هنا وحتّى فيما يأتي من الرواية هو الإقرار، بشهادة قوله: «أنّ له عليه ديناً» .
وتتميز الرواية عن الصحيحة بتقييد نفوذ إقرار المقرِّ بكونه مرضياً بخلاف الرواية السابقة فقد كانت مطلقة من هذه الحيثية. نعم هذه الرواية وما يتلوها مطلقتان من حيث المقرِّ من دون تقييده بكونه مريضاً، اللهم إلاّ أن يحمل على المريض بشهادة أنّه أوصى لبعض ورثته بأن له عليه ديناً. والغالب على

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .
2 . لاحظ رسالتنا «منجزات المريض» : 514، من هذا الكتاب.

141
مثل هذه الوصايا هو حالة المرض .
2. ما رواه الشيخ بسند موثق عن أبي أيوب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً، قال: «إن كان الميت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له».(1)
والكلام في هذه الرواية نفس الكلام في الرواية السابقة، وقد ورد في الروايتين قيدان: كون المقرّ له وارثاً، وكون المقر مرضيّاً.
ولا يمكن إلغاء القيد الأوّل، إذ يلزم منه أن يكون إقرار الإنسان لغير الوارث مشروطاً بكونه مرضياً وهو مخالف لضرورة الفقه، إذ إقرار العقلاء في حق غيرهم جائز ونافذ، كما لا يمكن إلغاء القيد الثاني ـ أعني: كونه مرضيّاً ـ وإلاّ تلزم لغوية الشرط الوارد في كلام الإمام فيكون مضمون الروايتين أنّ الإقرار في حق الوارث نافذ إذا كان المقر مرضياً صادقاً في إقراره، ولا يريد بذلك زيادة ميراثه .
نعم الرواية خالية عن كون المقرّ مريضاً فلو أخذنا بإطلاقه يلزم أن لا يكون إقرار المقر للوارث مطلقاً مريضاً كان أو لا،

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 8 .

142
نافذاً إلاّ إذا كان المقرّ مرضيّاً فيحتج بإطلاقها على المسألة وإن حملت على المريض، لأنّه الغالب حتّى أنّ المسألة معنونة في الخلاف «في حال المرض» تكون دليلاً عليها بالخصوص.
ثم إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي بعدما أفاض الكلام في روايتي; منصور بن حازم، وأبي أيوب، قال ما هذا خلاصته:
إنّ إلغاء القيد الأوّل أي كون المقرّ له، وارثاً، يستلزم خلاف ما اتّفق عليه فقه المسلمين، إذ لا يشترط في نفوذ الإقرار في حق الأجنبي كون المقرّ مرضيّاً أخذاً بقوله: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
وحفظ القيد الأوّل وتعليق الإقرار للوارث على كون المقرّ مرضياً، موافق لمذهب مالك من فقهاء المدينة المعاصر للإمام الصادق (عليه السلام)فتحمل على التقية.(1)
أقول: التفصيل الوارد في الرواية بين كون المقر مرضيّاً وعدمه، ليس موجوداً في مذهب مالك حسب ما نقله الشيخ في «الخلاف» وقد نقلناه في صدر الرسالة، قال: يصح الإقرار

1 . المجدي: 184 .

143
للوارث في حال المرض وبه قال: أبو عبيدة و... إلى أن قال: والقول الآخر: إنّه لا يصح. وبه قال مالك وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأحمد .(1) فمذهبه عدم صحّة الإقرار للوارث.
أضف إلى ما ذكرنا أنّ مجرد كون مضمون الرواية موافقاً لفتوى مالك الّتي مرت عليك لا يوجب ضعفاً، لأنّ المسؤول هو الإمام الصادق (عليه السلام)المتوفّى 148 هـ ، وأمّا مالك فقد توفّي عام 179 هـ ، والفاصل الزماني بين الوفاتين يتجاوز ثلاثين سنة، فلم يكن لمالك في عهد الإمام الصادق (عليه السلام)دور كدور أبي حنيفة وابن شبرمة في مجال الإفتاء حتّى يتّقى منه. نعم صار إمام دار الهجرة في عهد المنصور وبعده .

الثالثة: ما يدلّ على النفوذ على حد الثلث

تدلّ الرواية التالية على نفوذ إقراره إذا لم يكن زائداً على الثلث .
روى الكليني بسند صحيح عن إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أقرّ لوارث له وهو مريض بدين

1 . الخلاف: 3 / 368 .

144
له عليه؟ قال: «يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث» .(1)
ومقتضاها: أنّه إذا أقرّ المريض بدين للوارث يُقْبل، إذا كان بمقدار الثلث، سواء أكان مرضياً أم لا.
فالرواية مشتملة على القيود التالية:
أ. كون المقرّ مريضاً.
ب. والمقرّ له وارثاً.
ج . وتحديد نفوذ إقراره إذا لم يزد على الثلث .
وفي الوقت نفسه مطلق من حيث كونه مرضياً أو لا.
ومع حفظ القيدين الأوّلين تكون النتيجة: أنّ المريض المقرّ بالدين للوارث ينفذ إقراره على حد الثلث.
ويقرب منها ما رواه الشيخ عن سماعة قال: سألته عمّن أقرّ للورثة بدين عليه وهو مريض؟ قال: «يجوز عليه ما أقرّ به إذا كان قليلاً». (2) وهل المراد، قلة المال في حد نفسه، أو بالنسبة إلى ما تركه من الميراث، أو ثلث المال الذي هو أقل بالنسبة إلى ثلثيه؟ وجوه .

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 3.
2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 9 .

145
وعندئذ يقع الكلام في وجه الجمع بين هذه الروايات فيمكن الجمع بالوجه التالي:
تدل الطائفة الأُولى على نفوذ إقراره للوارث مطلقاً، سواء أكان متّهماً أم لا، فيقيد إطلاقها بما في الطائفة الثانية من اشتراط كون المقرّ مرضياً.
وأمّا الطائفة الثانية فبما أنّها مقيّدة بكونه مرضيّاً ومطلقة من جهة كونه مريضاً، فإطلاقها حجة في المقام مع احتمال انصرافها إلى المريض فيكون دليلاً خاصّاً.
وأمّا الطائفة الثالثة فتبقى على إطلاقها، لأنّ النفوذ إذا كان محدداً بالثلث فهو نافذ، سواء أكان مرضياً أم غير مرضي، إذ لكل إنسان عند موته الثلث من أمواله.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
1. إذا كان المقرّ به على حد الثلث فلا يشترط فيه شيء لا كونه مرضيّاً ولا كونه مريضاً، لأنّه قيد غالبي لضرورة أن الإنسان يملك ثلث ماله لما بعد موته.
2. إذا كان المقرّ به أزيد من الثلث ففيه التفصيل بين كون

146
المقر مرضياً فينفذ إقراره، وبين كونه غير مرضي فيدخل تحت الضابطة الثابتة من نفوذ إقراره في الثلث. وهذا القول هو المعروف بين الأصحاب.
نعم أنّ مورد التفصيل، كون الإقرار للوارث مزاحماً لحق سائر الورثة فيؤخذ به إذا كان مرضياً، وأمّا إذا كان مزاحماً لحق غيرهم من الغرماء فالرواية ساكتة عنه، فهل يقدّم فيه الإقرار أو يقدّم حق الغرماء، فقد مرّ الكلام فيه في الرسالة السابقة، وسيوافيك أيضاً عند الكلام في الإقرار لغير الوارث فانتظر.
فإن قلت: إنّ هنا طائفة رابعة تنفي نفوذ الإقرار للوارث مطلقاً .
1. خبر قاسم بن سليمان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل اعترف لوارث له بدين في مرضه؟ فقال (عليه السلام): «لا يجوز وصيته لوارث ولا اعتراف له بدين» .(1)
2. خبر مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال علي (عليه السلام): «لا وصية لوارث ولا إقرار له بدين». يعني إذا

1 . الوسائل: 13، الباب 15 من أبواب الوصايا، الحديث 12 .

147
أقرّ المريض لأحد من الورثة بدين له عليه فليس له ذلك.(1)
قلت: مضمون الروايتين يُخالف مذهب الشيعة المأخوذ من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فإنّهم اتّفقوا على جواز الوصية للوارث، فلا يمكن العمل بها وبما فيها من عدم نفوذ الإقرار للوارث، لأنّ الجميع أخبار ضعاف تلوح منه التقية.

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 13. أضف إليه إطلاق خبر السكوني، الحديث 12 من هذا الباب فإنّه يدل بإطلاقه على عدم نفوذ النحلة والوصية للوارث .

148
   

الموضع الثاني:

في الإقرار لغير الوارث

إذا أقر لغير الوارث بدين فهل ينفذ مطلقاً، أو لا، أو فيه نفس التفصيل السابق؟
الروايات الواردة فيه على أقسام ثلاثة:

الأوّل: ما لا صلة له بالمقام، نظير:

1. ما رواه سعد بن سعد (الثقة)، عن الرضا (عليه السلام)قال: سألته عن رجل مسافر حضره الموت فدفع مالاً إلى أحد التجار، فقال له: إنّ هذا المال لفلان بن فلان ليس لي فيه قليل ولا كثير فادفعه إليه يصرفه حيث يشاء، فمات ولم يأمر فيه صاحبه الّذي جعله له بأمر، ولا يدري صاحبه ما الّذي حمله على ذلك كيف يصنع؟ قال: «يضعه حيث شاء».(1) فإنّ قوله: «إنّ هذا المال لفلان بن

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .

149
فلان» ظاهر في الإقرار، ولكن قوله: «فادفعه إليه يصرفه كيف يشاء» ظاهر في الوصية، وإلاّ يكون كلاماً لغواً، فالرواية في مورد الإيصاء ولعلّه كان على قدر الثلث أو أقلّ منه.
2. مكاتبة محمد بن عبدالجبار الإمام العسكري (عليه السلام)قال:
كتبت إلى العسكري (عليه السلام): امرأة أوصت إلى رجل وأقرّت له بدين ثمانية آلاف درهم، وكذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف وشعر وشبه (1) وصفر ونحاس وكل ما لها أقرّت به للموصى إليه وأشهدت على وصيتها، وأوصت أن يحج عنها من هذه التركة حجّتين، وتُعطي مولاة لها أربعمائة درهم، وماتت المرأة وتركت زوجاً، فلم ندر كيف الخروج من هذا واشتبه علينا الأمر.
وذكر الكاتب: أنّ المرأة استشارته فسألته أن يكتب لها ما يصح لهذا الوصي، فقال: لا تصح تركتك لهذا الوصي إلاّبإقرارك له بدين يحيط بتركتك بشهادة الشهود، وتأمريه بعد أن ينفذ ما توصّيه به، فكتبت له بالوصية على هذا وأقرّت للوصي بهذا الدين، فرأيك ـ أدام الله عزك ـ في مسألة الفقهاء قبلك عن هذا

1 . الشبه ـ محركة ـ : النحاس الأصفر.

150
وتعريفنا ذلك لنعلم به إن شاء الله؟ فكتب (عليه السلام)بخطّه: «إن كان الدين صحيحاً معروفاً مفهوماً فيخرج الدين من رأس المال إن شاء الله، وإن لم يكن الدين حقّاً أنفذ لها ما أوصت به من ثلثها، كفى أو لم يكف».(1)
فقه الحديث: إنّ المرأة على ما يعطيه صدر الحديث أقرّت بدين، أو أوصت بأُمور كثيرة تستوعب جميع التركة وكان المعروف عند فقهاء السنّة في المسألة أنّ الإقرار ينفذ من الثلث كالوصية. وكانت المرأة ـ قبل موتها عالمة بذلك ـ شاورت شخصاً، وهو أرشدها إلى طريق تنفيذ جميع ما أقرّت به وما أوصت إليه وهو أن تقرّ للموصى له بدين يحيط بعامة التركة وتستشهد على ذلك ثم تأمر الموصى له بتنفيذ ما أوصت به .
   
فلمّا وصل الكتاب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)فأجاب بأنّه إذا كان الدين معروفاً مفهوماً (أي ديناً واقعياً لا صورياً) يخرج من رأس المال، وإلاّ لا يعتد بالدين بالإقرار وإنّما ينفذ ما أوصت به من ثلثها على قدر كفايته .

1 . تهذيب الأحكام: 9 / 190، الحديث 9، باب الإقرار في المرض; الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 10 .

151
هذا هو المفهوم من الرواية ولكن لا يحتج بها في المقام. لأنّه خصَّ الإخراج من الأصل إذا كان الدين أمراً قطعياً حيث قال: «إن كان الدين صحيحاً معروفاً مفهوماً» وهو خارج عن محل البحث لشمول قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِهَا أَوْ دَيْن)(1) له.

القسم الثاني: ما يدلّ على عدم النفوذ مطلقاً

كخبر السكوني، كان علي (عليه السلام)يرد النحلة في الوصية، وما أقرّ به بلا ثبت ولا بيّنة، ردّه .(2) بناء على أنّ المراد من الرد هو الرد مطلقاً لا كالرد في الوصية. والرواية معرض عنها لا يحتج بها، وقد مرّ مثلها في المقام الأوّل وهو وإن لم يكن مقيداً بالمريض ولكنّه منصرف إليه أو يعمّه بإطلاقه.

القسم الثالث: النفوذ إذا كان مصدَّقاً أو مأموناً

يستفاد من الروايتين الاوليين ـ بعد الإمعان والدقّة ـ النفوذ

1 . النساء: 11 .
2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 12.

152
من الأصل إذا كان المقرّ مصدّقاً مأموناً، وإلاّ فيخرج من الثلث. وإليك دراستهما:
1. ما رواه الشيخ، عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل معه مال مضاربة فمات وعليه دين وأوصى أنّ الذي ترك لأهل المضاربة، أيجوز ذلك؟ قال: «نعم إذا كان مصدّقاً» .(1)
والرواية تدلّ على أنّ المضارب كان عنده مال مضاربة أوّلاً، وعليه دين ثانياً لغير أهلها فخاف الرجل أنّه إذا لم يقر بأنّ المال لأهل المضاربة يتملّكه الدائن بزعم أنّه ملك المديون. فبما أنّ هذا الإقرار بظاهره كان إضراراً على الدائن حيث لم يترك شيئاً يؤدي به الدين سأل الإمام عن جواز هذا الإقرار، فقال (عليه السلام) بالجواز إذا كان مصدقاً، أي مصدقاً عند الناس. ومعنى جواز الإقرار هو تصديقه بأنّ العين أو الأعيان الموجودة عنده لأهل المضاربة فتدفع إليهم وإن أورث ضرراً على الوارث والدائن. والحديث يقرب ممّا ورد في روايات القسم الأوّل: أي الإقرار للوارث فقد جاء فيه تصديقه إذا كان مرضيّاً، والمورد من

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 14.

153
قبيل الإقرار للأجنبي وهو أهل المضاربة، والمقرّ به، هو العين لا الدين بشهادة قوله: «أن الذي ترك لأهل المضاربة».
2. ما رواه الكليني عن العلاء بياع السابري قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن امرأة استودعت رجلاً مالاً فلمّا حضرها الموت قالت له: إنّ المال الّذي دفعته إليك لفلانة، وماتت المرأة فأتى أولياؤها الرجل فقالوا له: إنّه كان لصاحبتنا مال ولا نراه إلاّ عندك فاحلف لنا مالها قبلك شيء، أفيحلف لهم؟ فقال: «إن كانت مأمونة عنده فليحلف لهم، وإن كانت متّهمة فلا يحلف، ويضع الأمر على ما كان، فإنّما لها من مالها ثلثه».(1)
وهل الموضوع جواز الحلف وعدمه، من دون نظر إلى نفوذ إقراره في صورة جواز الحلف، وعدم نفوذه في صورة عدم جوازه، أو أنّ جواز الحلف لأجل نفوذ إقراره، وعدمه لأجل عدم نفوذه.
المتبادر هو الثاني إذ الغاية من السؤال توجيه الودعيّ إلى ما يجب عليه؟ فهل يدفع الوديعة إلى فلانة أو يدفعها إلى الوارث، فتجويز الحلف فيما إذا كان المقرّ مرضياً، عبارة أُخرى

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 2 .

154
عن لزوم دفع الأمانة إلى صاحبها .
والّذي يشهد على ذلك ذيل الحديث أعني قوله: «فإن كانت متّهمة فلا يحلف ويضع الأمر على ما كان فإنّما لها من مالها ثلثه».
فإنّ معناه أنّها إذا كانت متّهمة يدفع المال إلى الوارث، إذ ليس لها حق التصرف في أموالها، إلاّ في ثلثها لا في جميعها. وهي تصرفت في الجميع.
وهذا هو مضمون التعليل، وأمّا أنّه هل يجوز إقراره في صورة الاتّهام في مقدار الثلث أو لا؟ فالظاهر هو الأوّل لقوله: «ويضع الأمر على ما كان، فإنّما لها من مالها، ثُلَثه» فكأنّ الرواية بصدد تنزيل الإقرار منزلة الوصية فكما أنّها إذا أوصت بالزائد على الثلث لا ينفذ إلاّ في مقداره، فهكذا إذا أقر بالزائد، فينفذ في مقداره.
3. صحيح الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت له: الرجل يقر لوارث بدين فقال: «إذا كان مليّاً» .(1)

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .

155
4. عنه عن أبي عبدالله (عليه السلام)سئل أبو عبدالله عن رجل أقرّ لوارث بدين في مرضه أيجوز ذلك؟ قال: «نعم إذا كان مليّاً».(1)
قال في «مفتاح الكرامة»: لعلّ المراد إذا كان الوارث الّذي أقر له مليّاً، لأنّ ملاءته قرينة على صدقه أو المقرّ، ويكون المراد مليّاً بالصدق والأمانة مجازاً، أو في الثلث وما دونه بأن تبقى ملاءته بالثلثين بعد الإقرار بالثلث.(2)
أقول: الظاهر أنّ «الملي» وصف «المقر» لا الوارث بقرينة سائر الروايات ثم إنَّ المليّ بالياء المشددة، بمعنى المدّة الطويلة كما في قوله سبحانه حاكياً عن خطاب «آزر» لإبراهيم (عليه السلام)قائلاً: (وَ اهْجُرْني مَلِيًّا) (3)، وأمّا «المليء»: بالهمز فيحتمل أن يكون من الملاءة وهي كناية عن «الغنى»، فيكون غناه دليلاً على صدق مقاله في المقام.
ولكن فسّره في الصحاح بمعنى الوثاقة حيث قال: ومَلُؤُ الرجل: صار مليئاً أي ثقةً، فهو غنيٌ مليءٌ بيّنُ الملاءة (4)،

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 7 .
2 . مفتاح الكرامة: 12 / 533 .
3 . مريم: 46 .   4 . الصحاح: 1 / 73 .

156
وبذلك يظهر أنّ العناوين الثلاثة «مصدّقاً، مأموناً، مليئاً» ترمي إلى معنى واحد وهو أن يكون الرجل معروفاً بالصدق وعندئذ ينفذ إقراره في الكل، وإلاّ ففي الثلث.
فإن قلت: إنّ مقتضى مفهوم صحيحة «إسماعيل بن جابر» عدم نفوذ إقرار المقرّ فيما زاد على الثلث مطلقاً، سواءٌ أكان المقر مصدّقاً ومأموناً أو لا، حيث قال: «يجوز عليه إذا أقرّ دون الثلث» وهذا ينافي منطوق رواية العلاء بياع السابري ورواية أبي بصير الدالتين على نفوذ إقراره، إذا كان المقر مأموناً أو مصدّقاً.
قلت: الظاهر أنّ الصحيحة بصدد ما اشتهر بين فقهاء السنّة من عدم نفوذ الإقرار للوارث كالوصية في حال المرض، ولذلك قال: «يجوز عليه إذا أقرّ دون الثلث».
وأمّا صورة ما زاد على الثلث فليست مطروحة في سؤال الراوي ولا في جواب الإمام (عليه السلام)، سواء أكان المقر مأموناً ومصدّقاً أو لا، فالصحيحة فاقدة للمفهوم فلا موضوع للتعارض بين المفهوم ومنطوق الأُخريين.
فإن قلت: إنّ بين الروايتين ـ رواية العلاء ورواية أبي

157
بصير ـ : تعارضاً من جانب آخر، فالأُولى منهما تدلّ على أنّ المقرّ إذا كان متّهماً لا ينفذ إقراره في الزائد وإن كان ينفذ في الثلث حيث قال: «وإن كانت متهمةً فلا يحلف، ويضع الأمر على ما كان، فإنّما لها من مالها ثلثه»، والثانية تدلّ على أنّه إذا كان متهماً لا ينفذ مطلقاً سواء في الثلث أو الزائد عليه حيث ورد فيها: وأوصى أنّ هذا الّذي تركه لأهل المضاربة أيجوز ذلك؟ قال: «نعم إذا كان مصدّقاً»، والمتبادر أنّه إذا لم يكن مصدّقاً لاينفذ حتّى في مقدار الثلث.
قلت: الظاهر عدم التعارض وذلك لاختلاف موردهما، فإنّ الإقرار للأجنبي في رواية العلاء كان مزاحماً لحق الوارث فلذلك لو كان مصدقاً ينفذ مطلقاً، وإن كان متهماً ينفذ على حدّ الثلث، كما قال: «فإنّ لها من مالها ثلثه».
وأمّا الإقرار للأجنبي في رواية أبي بصير فقد كان مزاحماً لحق الغريم فلو كان مصدّقاً ينفذ مطلقاً، لأنّه تصرف في ماله حال كونه غير محجور، وأمّا إذا كان متّهماً ومريباً أمره فلا ينفذ مطلقاً ويقدّم حق الغرماء، لما ذكرنا عند البحث في الإقرار للوارث أنّه إذا كان مزاحماً لحق الغريم وكان المقر متهماً، أنّه لا

158
ينفذ مطلقاً، لأنّ الإخراج من الثلث فرع وجود التركة حتّى يخرج المُقرّ به من ثلثها، والدين يعدم التركة، لأنّ الميراث حسب قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِهَا أَوْ دَيْن) عبارة عمّا يبقى بعد إخراج الدين، فلو استوى الدين والتركة أو زاد عليها لا يبقى مال في البين حتّى يصرف في مورد الإقرار.
وحصيلة الكلام: أنّه إذا كان الإقرار بالعين أو الدين في مقابل الدين المسلّم، سواء أكان الدائن أجنبياً أم غيره، لا ينفذ إقراره إذا كان المقرّ متهماً مظنون الكذب لا في الثلث ولا في الزائد عليه، وأمّا إذا كان الإقرار بالدين أو العين مزاحماً لحق الوارث، مضراً بميراثه فينفذ في الثلث وإن كان متهماً، لأنّ لصاحب المال من ماله الثلث.
وبذلك ترتفع المعارضة بين روايتي العلاء وأبي بصير، فنفوذ الإقرار في مقدار الثلث في رواية العلاء عندما كان المقر متهماً، لأجل كون الإقرار في مقابل حقوق الورثة وميراثهم فينزّل إقرار مظنون الكذب، منزلة الوصية فينفذ في الثلث.
وأمّا عدم نفوذ الإقرار حتّى في مقدار الثلث في رواية أبي بصير ـ عندما كان متّهماً ـ فلأجل كون الإقرار بظاهره إضراراً

159
بالغرماء لا بالوارث، وعندئذ يأتي فيه ما ذكرنا من أنّ تنزيل إقرار مظنون الكذب منزلة الوصية فرع وجود التركة، وثلثها والمفروض عدمها.
وقد أوعزنا إلى ذلك التفصيل في رسالة منجزات المريض وقلنا بأنّه لو كانت المنجزات مخرجة من الأصل فلا كلام فيه، وأمّا لوقلنا بأنّه يخرج من الثلث فإنّما يخرج منه إذا لم يكن في مقابله دين مستغرق للتركة وإلاّ فلا يخرج أبداً، وقد استشهدنا على ذلك بصحيحة الحسن بن الجهم وصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج، ولذلك نقول في المقام بنفس هذا التفصيل في الإقرار بالدين فلو كان المتضرر هو الوارث ففيه التفصيل بين المصدق والمتهم، فينفذ في الكل إذا كان مصدقاً، وفي الثلث إذا كان متهّماً، وإن كان المتضرر هم الغرماء فلا ينفذ عند الاتّهام مطلقاً، لأنّ الدين يستغرق التركة فلا يبقى ثلث حتّى يخرج المقرّ به منه .
***

160
 
خاتمة وفيها مسألتان:
الأُولى: إذا كان مصدَّقاً وضاقت التركة
إذا كان المقرّ مصدَّقاً ومأموناً وأقرّ بالعين، ومع ذلك عليه دين ولم يكن له تركة سواه، أو كان ولم يكن وافياً بأداء الدين، فيقدّم الإقرار بالعين على الدين على كل حال، لأنّها بحكم إقراره المصدق لم يكن مالكاً لها حتّى تورث.
إنّما الكلام فيما إذا أقرّ بالدين وعليه أيضاً دين ثابت بالبينة أو بالإقرار في الصحة، فلو كان هنا سعة في المال، نفذ إقراره من الأصل إذا كان مصدَّقاً كما هو المفروض ولو ضاق المال: عنهما.
قال الشيخ: إذا أقرّ بدين في حال صحته ثم مرض فأقرّ بدين آخر في حال مرضه، نُظر فإن اتّسع المال لهما استوفيا معاً، وإن عجز المال قُسِّم الموجود على قدر الدينين، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا ضاق المال قُدِّم دينُ الصحة على

161
دين المرض، فإن فضل شيء صرف إلى دين المرض. ثم استدل الشيخ على مختاره بأنّهما دينان ثبتا في الذمة فوجب أن يتساويا في الاستيفاء، لأنّ تقديم أحدهما على الآخر يحتاج إلى دليل.(1)
وقال العلاّمة: ولو ضاق عنهما فهو بينهما بالحصص. وبه قال مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور. قال أبو عبيد: إنّه قول ]أكثر [أهل المدينة، لأنّهما حقّان تساويا في وجوب القضاء من أصل المال لم يختص أحدهما برهن فاستويا، كما لو ثبتا ببيّنة.
وقال النخعي: إنّه يُقدَّم الدَّين الثابت بالبيّنة ـ وبه قال الثوري وأصحاب الرأي، وعن أحمد روايتان كالمذهبين ـ لأنّه أقرّ بعد تعلّق الحقّ بتركته، فوجب أن لا يشارك المُقرّ له مَنْ ثبت دَيْنه ببيّنة، كغريم المفلس الّذي أقرّ له بعد الحجر عليه .
] قال [: قلنا: إنّه تعلّق الحقّ بتركته; لأنّ الشارع مَنَعه من التصرّف في أكثر من الثلث، ولهذا لم تُنفذ هباته وتبرّعاته من الأصل، فلم يشارك مَنْ أقرّ له قبل الحجر ومَنْ ثبت دَيْنه ببيّنة الّذي أقرّ له المريض في مرضه .

1 . الخلاف: 3 / 367، المسألة 12 .

162
ولو أقرّ لهما جميعاً في المرض، فإنّهما يتساويان، ولا يُقدَّم السابق منهما.(1)
أقول: الظاهر صحّة القول الأوّل وهو التقسيم بالحصص كما هو الحال في مال المفلّس إذا ضاق عن أداء الديون وما استدلّ به النخعي من «أنّه تعلّق الحق بتركته، لأنّ الشارع منعه من التصرّف في أكثر من الثلث» إنّما يناسب منجزات المريض لا إقراره، فإنّ المقرّ يخبر عن الدين عليه، ولا يتصرف في ماله، فشارك المقرّ له من ثبت دينُه بالبينة. وأمّا قوله: «فلم يشارك من أقرّ له قبل الحجر» فهو خروج عن موضوع المسألة إذ الموضوع مَنْ أقرّ في حال المرض دون أن يكون محجوراً في التصرف من قبل الحاكم.
الثانية: إذا حابى المشتريَ بثلثي ماله
إذا باع في مرضه عيناً لا يملك غيرها وقيمتها ثلاثون، بعشرة فقد حابى المشتري بثلثي ماله وليس له المحاباة بأكثر من الثلث، فهنا صور:
1. إذا أجاز الورثة ذلك لزم البيع إجماعاً. وإن لم يجز:

1 . تذكرة الفقهاء: 15 / 269 .

163
2. فإن اختار المشتري فسخ البيع كان له ذلك لتبعض الصفقة عليه.
3. وإن اختار الإمضاء فهناك وجوه:
الأوّل: أنّه يأخذ نصف المبيع بنصف الثمن ويفسخ البيع في الباقي، وهو خيرة العلاّمة وأحد وجهي الشافعي، وسنشير إلى دليله في آخر البحث .
الثاني: انّ المشتري يأخذ ثلثي العين بالثمن كلّه، لأنّه يستحق ثلث العين بثمنها الّذي دفعه والثلث الآخر بالمحاباة.
الثالث: قال أصحاب الرأي: يقال للمشتري: إن شئت أدّيت عشرة أُخرى وأخذت العين وإن شئت فسخت ولا شيء لك.
الرابع: قال مالك: له أن يفسخ البيع ويأخذ ثلث العين بالمحاباة ويسمّيه أصحابه خُلع الثلث وهوقول أكثر علمائنا.(1)
والظاهر قوة القول الأوّل وقد أشار إلى دليله العلاّمة بقوله: إنّ البيع إنّما وقع على مقابلة الثمن بكل المبيع، فإذا بطل البيع

1 . تذكرة الفقهاء: 2 / 518 ، من كتاب الوصية، ط (الحجرية).

164
في بعض المبيع وجب أن يبطل من الثمن بازائه، كما أنّه لو بطل البيع في الجميع بطل جميع الثمن وله نظائر، مثلاً لو اشترى سلعتين فبطل البيع في إحداهما إما لعيب أو لغيره فإن المشتري يأخذ السلعة الأُخرى بقسطها من الثمن لا بجميعه.
توضيح ما أراد: إنّ مقتضى الجمع بين حق الميّت ورعاية حق الورثة هو أنّ الورثة إذا ملكوا نصف العين مع نصف الثمن، أعني: خمسة دراهم مثلاً فقد استوفوا حقهم، وذلك لأنّ المفروض أنّ العين تساوي ثلاثين درهماً فإذا رُدّ إليهم نصف العين فقد رُدّ إليهم خمسة عشر درهماً من عشرين درهماً فإذا أخذوا خمسة دراهم من المشتري فقد أخذوا حقّهم كله.
15 + 5 = 20 وهويعادل ثلثي قيمة العين.
وفي هذه الحالة فقد تملك المشتري نصف العين بخمسة دراهم من عنده وعشرة دراهم حاباه بها البائع.
وأمّا القول الثاني: فحاصله أنّه يدفع العشرة ويتملك ثلثي العين ثلثاً في مقابل الثمن وثلثاً آخر بالمحاباة.
يلاحظ عليه: أنّ البائع لم يعمل عملين: أحدهما بيع ثلث العين بعشرة، وثانيهما دفع الثلث الآخر محاباةً وعطيةً وإنّما

165
عمل عملاً واحداً وهو البيع بعشرة، فكيف يتملك ثلثي العين ثلث منها بالبيع والثلث الآخر بالمحاباة.
وأمّا القول الثالث: فحاصله التخيير بين دفع عشرة أُخرى وأخذ العين والفسخ بلا استحقاق شيء.
يلاحظ عليه: انّه إذا فسخ لماذا لا يستحق شيئاً، أو ليس نتيجة الفسخ هي رجوع كلّ من الثمن والمثمن إلى محلّه، فإذا رجعت العين إلى الورثة يرجع الثمن إلى المشتري.
وأمّا القول الرابع: وهو قول مالك، أعني: أنّ له أن يفسخ البيع ويأخذ ثلث العين بالمحاباة.
فيلاحظ عليه: بما ذكرنا سابقاً من أنّ البائع المريض الّذي مات لم يقم بعملين: أحدهما البيع، والآخر المحاباة حتّى يفسخ البيع ويأخذ الثمن وتبقى المحاباة مكانه فيأخذ ثلث العين بالمحاباة.
هذا وللعلاّمة الحلي فروع كثيرة في إقرار المريض، فمن أراد فليرجع إلى التذكرة (باب الوصية).
تم الكلام في أقارير المريض
وله الحمد في الدنيا والآخرة
Website Security Test