welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل فقهیة- ج 7*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهیة- ج 7

صفحه1

   

   رسائل فقهية

7


صفحه2


صفحه3

رسائل فقهية

تبحث في مسائل فقهية مختلفة ومستحدثة على ضوء الكتاب العزيز والسنة النبوية ومصادر التشريع عند الفريقين

وفي آخر هذا الجزء فهرس

موضوعي للأجزاء السبعة

تأليف

الفقيه

جعفر السبحاني

الجزء السابع


صفحه4

السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق . ـ

      رسائل فقهية / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1431 ق . = 1389 .

      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 306 - 5 (دوره)

ISBN 978 - 964 - 357 - 456 - 7 (ج. 7)

      كتابنامه به صورت زير نويس.

      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .

      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 15. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.

5ر 2س/ 5/183 BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … رسائل فقهية

الجزء:    …السابع

المؤلف:   … الفقيه جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1431 هـ . ق

عدد النسخ :   … 1500 نسخة

المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

القطع:   … وزيري

عدد الصفحات:   … 808 صفحة

التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه5
بسم الله الرحمن الرحيم


صفحه6


صفحه7
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي أوضح سُبل دينه ومعالم شريعته، وأكمل نعمته، حمداً لا يحصيه إلاّ هو. والصلاة والسلام على أفضل بريته وخاتم رسله، وعلى خلفائه أئمة الهدى ومصابيح الدجى الّذين طهرهم الله من الرجس تطهيراً.

أمّا بعد; فقد بعث سبحانه نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)خاتماً للنبوة، وأنزل كتابه خاتماً للكتب، وشريعته خاتمة للشرائع. بعثه ببراهين جليّة ودلائل مشرقة، تجذب القلوب وتنير البصائر.

ومن أبهر دلائله وأظهر معاجزه هو أنّه سبحانه بعثه بدين أكملَ أُصوله وفروعه، وبيّن ما يحتاج إليه الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية، على نحو أغناه عن الرجوع إلى القوانين الوضعية الّتي هي وليدة العقول الناقصة غير العارفة بما فيه مصالح الإنسان ومفاسده.

إنّ علماء الإسلام وإن أشبعوا الكلام في معاجزه وكراماته، إلاّ أنّهم لم يركّزوا على تلك المعجزة العلمية الّتي لا يقوم بالأقل منها إلاّ لجان من ذوي الاختصاصات المختلفة في شتى الحقول، مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بمفرده وبلا استعانة بغيره، ولا بدراسة عند أحد، أتى بشريعة شاملة، جامعة لغرر الأحكام في جميع الأبواب، وما هذا إلاّ لأنّه اختاره الله سبحانه لوحيه وخصّه بهذه العطيّة فأوحى إليه ما يسدّ حاجة الإنسان في دنياه وأُخراه.

وقد أصبح علم الفقه منذ رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من أبرز ما يهتم به المحدّثون والفقهاء، فألفوا في ذلك مختصرات وكتباً وموسوعات حفلت بذكر أسمائها المعاجم والفهارس .


صفحه8

ومن دواعي الخير وأسباب التوفيق أن أعاننا الله سبحانه لدراسة أكثر الكتب الفقهية وتقريرها وتأليفها ونشرها.

وقد تصدّت اللجنة العلمية للتأليف في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ـ المؤلّفة من المحقّقين الأفاضل:

1. السيد عبد الكريم الموسوي.

2. محمد عبد الكريم بيت الشيخ.

3. الشيخ محمد چياد الكناني ـ لجمع وتنظيم هذه الرسائل في سبعة أجزاء، تحتوي على 122 رسالة، كلّ جزء يحتوي على رسائل متنوعة من أبواب الفقه، كما قاموا بتصحيحها وتنقيحها وإظهارها بهذه الحلّة الزاهية، فلا يسعني في هذه الخلاصة إلاّ تقديم خالص الشكر وكمال الامتنان للمحقّقين الكرام لما بذلوه من جهود مضنية لإظهار الكتاب بثوب جديد جميل .

ويحتوي هذا الجزء ـ السابع والأخير ـ على فهرس موضوعي للأجزاء السبعة مرتّب حسب الكتب الفقهية من كتاب الاجتهاد والتقليد إلى كتاب القصاص والديات; وذلك إتماماً للفائدة، وتسهيلاً للقرّاء الكرام في العثور على ضالّتهم من الرسائل بسرعة ودقّة ويسر.

نحمد الله تعالى ونشكره على هذه النعمة الّتي أنعمها على عبده الفقير. ونسأل القرّاء الأعزّاء أن لا ينسونا من صالح دعواتهم.

والحمدلله رب العالمين

جعفر السبحاني

قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

غرّة شعبان المكرم 1431 هـ . ق


صفحه9

الرسالة الثالثة بعد المائة

في مفهوم العدالة


صفحه10


صفحه11

إنّ العدالة من مقولة الملكة، أي ملكة الاجتناب عن الأُمور الثلاثة:

1. الكبائر.

2. منافيات المروة.

3. الإصرار على الصغائر.

والطريق إلى معرفة وجودها هو حسن الظاهر الكاشف ظناً عن تلك الملكة، والمراد من حسن الظاهر هو تجلّي ظهور حسن أفعاله عند المعاشرة.

في تحقيق مفهوم العدالة

اختلفت كلمات الفقهاء في تعريفها، ونذكر منها المهمّ:

العدالة: الملكة الباعثة على إتيان الواجبات، وترك المحرّمات.

العدالة: ترك المعاصي.

العدالة: ترك الكبائر.

فلو أُريد من المحرّمات في التعريف الأوّل، الكبائر، يكون الأوّل أخصّ مورداً من الثاني، لأنّه لا يشمل الصغائر، ويكون مساوياً للتعريف الثالث.

ويظهر من الشيخ في «المبسوط» أنّ الأصل في كلّ مسلم، هو العدالة،


صفحه12

مالم يظهر منه الفسق، وقال في «الخلاف»: إذا شهد عند الحاكم شاهدان يُعرف إسلامهما، ولا يعرف فيهما جَرح، حُكم بشهادتهما، ولا يقف على البحث إلاّ أن يَجرح المحكومُ عليه فيهما، بأن يقول: هما فاسقان، فحينئذ يجب عليه البحث.

وقال أبو يوسف، ومحمد والشافعي: لا يجوز له أن يحكم حتّى يبحث عنهما، فإذا عَرَفهما عدلين حكم، وإلاّ توقّف في جميع الأشياء، ولم يخصّوا به شيئاً دون شيء.

واستدلّ الشيخ على مدّعاه بإجماع الفرقة، وأخبارهم، وقال: وأيضاً الأصل في الإسلام العدالة، والفسق طار عليه يحتاج إلى دليل، وأيضاً نحن نعلم أنّه ما كان البحث في أيّام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا أيام الصحابة، ولا أيّام التابعين، وإنّما هو شيء أحدثه شريك بن عبدالله القاضي، فلو كان شرطاً ما أجمع أهل الأعصار على تركه .(1)

ولو صحّ ما ذكره الشيخ، لكان البحث عن معنى العدالة أمراً غير لازم، لأنّ كلّ مسلم محكوم بالعدل مالم يظهر منه الفسق، ولكنّه رأي اختصّ بالشيخ ، وأمّا الآخرون فالجميع على لزوم البحث عن عدالة الرجل وفسقه، وعلى هذا يجب أن نحدّد معنى العدالة.

والمهم في المقام، هو استخراج معنى العدالة من الروايات، وقد استند غير واحد من الأصحاب إلى معتبرة ابن أبي يعفور، الّتي نقلها الصدوق، والشيخ. وإليك ما نقله الأوّل:


1 . الخلاف: 6 / 217، المسألة العاشرة.


صفحه13

عن عبدالله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام):

بم تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين، حتّى تُقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال (عليه السلام):

1. أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكفّ البطن والفرج واليد واللسان .

2. ويُعرفَ باجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف، وغير ذلك.

3. والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه، حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه، وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ، وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاّهم إلاّ من علّة.

فإذا كان كذلك لازماً لمصلاّه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلّته، قالوا: ما رأينا منه إلاّ خيراً، مواظباً على الصلوات، متعاهداً لأوقاتها في مصلاه، فإنّ ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين.... (1)

ورواها الشيخ الطوسي في «تهذيب الأحكام» مع زيادة (2).

والاستدلال بالحديث رهن إثبات صحّة سنده وإتقان دلالته، أمّا السند فلم يستشكل فيه أحد إلاّ صاحب «مفتاح الكرامة»، وذلك لأن الصدوق نقله


1 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 2 .


صفحه14

عن شيخه أحمد بن محمد بن يحيى، وهو لم يوثّق .

أقول: أمّا قوله: نقله عن أحمد بن محمد بن يحيى، فصحيح، لأنّه قال في المشيخة: وما كان فيه عن عبدالله بن أبي يعفور، فقد رويته عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار (رضي الله عنه)، عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبدالله بن أبي يعفور.

نعم، أحمد بن محمد بن يحيى لم يرد له توثيق في الأُصول الرجالية، أمّا النجاشي فلم يذكره لأجل عدم وجود كتاب له، وهو يذكر في رجاله من له كتاب أو أصل; وأمّا الشيخ فذكره في كتاب رجاله، ولم يذكر فيه جرحاً أو تعديلاً، وأمّا الفهرست فلم يذكره فيه لأنّ غرض الشيخ فيه نفس غرض النجاشي في رجاله، لكن يُشار إلى أن الصدوق ترضّى عليه، وروى عنه التلعكبري، والحسين بن عبيد الله الغضائري، وأبو الحسين بن أبي جيد القمي.(1)

وأمّا الشيخ فرواه بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى (الأشعري صاحب النوادر)، عن محمد بن موسى، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن علي بن عقبة، عن موسى بن أكيل النميري، عن ابن أبي يعفور.

وأمّا سند الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى، فقد قال في المشيخة: وما ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري، فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله ] المفيد [، والحسين بن عبيد الله ]الغضائري[،


1 . رجال الطوسي: 410 برقم 5955 .


صفحه15

وأحمد بن عُبدون ] ابن الحاشر [، كلّهم عن أبي جعفر محمد بن الحسين بن علي بن سفيان ]البزوفري [، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى.

والسند لا بأس به .

توضيح الدلالة

المعتبرة تشتمل على فقرات خمس، يجب إمعان النظر فيها، حتّى تتّضح دلالتها على ما هو المقصود، وإليك تلك الفقرات :

1. «بم تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين».

2. «أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكف البطن والفرج واليد واللسان».

3. «ويعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار».

4. «والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه».

5. «ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن».

أمّا الفقرة الأُولى: فالظاهر أنّ قول الراوي: «بمَ تعرف عدالة الرجل بين المسلمين؟» ظاهر في أنّ السؤال عن تعلّم الطريق إلى معرفة عدالة الرجل بعد فهم مفهومها، وكأنّ معنى العدالة كان واضحاً عند السائل، ولكنّه حاول أن يتعرف على الطريق إلى تمييز العادل عن غيره.

هذا هو المتبادر من السؤال، لكن الفقرة الثانية والثالثة على خلاف هذا الظهور المتبادر، لأن الإمام (عليه السلام)فيهما بصدد بيان مفهوم العدالة وما يقصد منها، والدليل على ذلك أمران:


صفحه16

الأول: أن الإمام (عليه السلام)عبّر في الفقرة الثانية بقوله: «أن تعرفوه بالستر والعفاف»، مستعملاً لفظ المعرفة.

وفي الثالثة بقوله: « ويُعرفَ باجتناب الكبائر» ، مستعملاً نفس
اللفظ.

وفي الفقرة الرابعة عبّر بقوله: «والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه»، مستخدماً لفظ الدلالة.

فالاختلاف في التعبير أفضل دليل على أنّ الإمام (عليه السلام)في الثانية والثالثة بصدد بيان مفهوم العدالة وما يقصد منها، ولكنّه في الفقرة الرابعة بصدد بيان الطريق إليها وتمييز العادل عن غيره، ولذلك استخدم في الثانية والثالثة لفظ: تعرفوه أو يُعرف، وفي الرابعة كلمة الدلالة، فتكون الثانية والثالثة معرّفتين للعدالة بشرط أن يُقرأ فعل «يُعرف» بصيغة المجهول.

الثاني: أنّ كلاًّ من الستر والعفاف ملكة، فالمراد من الستر والعفاف هو الحياء .

إذا علمت ذلك فلنرجع إلى توضيح الفقرة الثانية والثالثة، فنقول: قوله: «أن تعرفوه بالستر والعفاف» فالستر فيها بمعنى الحياء، وفي اللسان: رجل مستور، وستير أي عفيف، ويقال: ما لفلان ستر ولا حجر، فالستر: الحياء، والحجر: العقل.

وأمّا العفاف، فالعفّة، الكفّ عمّا لا يحلّ ويجمل، يقال: عفّ عن المحارم والأطماع الدنيّة، ويقول سبحانه: (وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ


صفحه17

نِكَاحًا )(1) أي يكفّ الذين لا يجدون نكاحاً أنفسهم.

فهذه الفقرة ربّما تكون مشيرة إلى القبائح العقلية والأعمال الدنيّة الّتي يستنكرها العرف والمجتمع البشري، ولذلك عطف على الستر والعفاف كفّ البطن والفرج واليد واللسان... وهذا الجزء من المعرف يهدف إلى ترك القبائح والأفعال الدنية عند الناس، فإنّ من لا يهمه إلاّ البطن والفرج منبوذ عند الناس، كما أنّ المتطاول على أموال الناس باليد أو أعراضهم بلسانه لا مكانة له عندهم أيضاً .

كما أنّ الفقرة الثالثة، أعني: «ويعرف باجتناب الكبائر الّتي وعد الله عليها النار» تشير إلى اجتنابه المحرّمات الشرعية.

وعلى هذا فالعادل مَنْ يكون ذو مروءة لا يرتكب ما لا يجمله الناس ولا يحمدوه، كما هو يجتنب المحرّمات الشرعية (الكبائر). كلّ ذلك عن ملكة راسخة في النفس تصدّه عن الأمرين، واحتمال كون المراد مجرد الاجتناب دون أن يكون مستنداً إلى الحالة النفسانيّة، لا يناسب مطاوي الحديث .

وبذلك يُعلم أنّ الفقرتين الثانية والثالثة معاً، حدّ وتعريفٌ للعدالة في الشرع.

ولمّا كان إحراز تلك الهيئة الراسخة في النفس أمراً مشكلاً، مع الحاجة الشديدة إليها في المرافعات والصلوات، عاد الإمام لبيان ما جعله الشارع


1 . النور: 33 .


صفحه18

أمارة وطريقاً لها أوّلاً، ويكون جواباً لسؤال الراوي ثانياً فذكر له طريقاً مؤلفاً من أمرين:

1. أن يكون ساتراً لجميع عيوبه.

2. يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ وحفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم إلاّ من علّة.

ثم إنّ هنا سؤالاً: لماذا جعل الطريق متعدّداً أو جعل الطريق الواحد مؤلّفاً من أمرين؟

والجواب أنّ المحرّمات على قسمين:

أ. أُمور وجودية، كالكذب والنميمة والربا حيث يكفي في وصف الرجل بتركها بعدم مشاهدتها في حياة الرجل، وهذا ما أشار إليه في الطريق الأوّل وقال: أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته.

فهذا النوع من المعاصي لا يُعلم تحلّي الرجل بتركه إلاّ بعدم صدورها عنه بين الناس، هذا من جانب ومن جانب آخر يحرم تفتيش عثرات الرجل، فيكفي في سلب هذه المعاصي عن الرجل كونه ساتراً لعيوبه.

ب. أُمور عدمية كترك الصلاة، فلا يعلم تحلّي الرجل بالمحافظة عليها إلاّ بحضوره في جماعة المسلمين، ولأجل ذلك جعل هنا طريقين للعدالة، ولكل كشف خاص به .

فإن قلت: إنّ الزكاة والحج أيضاً من القسم الثاني، فلماذا لم يذكرهما؟


صفحه19

قلت: أمّا الزكاة فلأنّ الحاكم لا يتركه فيأخذ منه الزكاة فيعلم حال الرجل منه; وأمّا الحج فليس واجباً مطلقاً على كلّ الناس، بل يجب على المستطيع، ولأجل ذلك لم يذكره في هذا ا لطريق.

هذه هي الموثقة وهذا سندها وهذه دلالتها، فقد ظهر أنّ الرواية في الفقرتين: الثانية والثالثة بصدد بيان واقع العدالة، كما أنّها في الفقرة الرابعة والخامسة لبيان الطريق، وأنّ حقيقة العدالة عبارة عن ملكة نفسانية تتقوّم بالستر والعفاف وامتلاك البطن والفرج واليد واللسان وتبعث الإنسان إلى اجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار.

وبما أنّ التعرف على ملكة العدالة بهذا المعنى من الأُمور المشكلة مع حاجة الناس إلى معرفة العادل في مرافعاتهم وصلواتهم وفي الأنكحة والطلاق وثبوت الهلال وغيره، أوضح الإمام (عليه السلام)الطريق السهل إلى معرفتها حتّى يكون مقياساً لتمييز العادل عن غيره، وهو كونه ساتراً لجميع عيوبه أوّلاً، وحاضراً في جماعات المسلمين ثانياً.

وما أسهل تحصيل هذين الطريقين إلى معرفة العادل، فتكون النتيجة أنّ العدالة ملكة نفسانية يصعب على الإنسان اقتراف المعاصي والمحرمات، لا أنّه يمتنع صدورها، بل يصعب ويعسر على نحو لو عصى لوجد في نفسه انزعاجاً وضيق صدر، يتعقّبه الندم على العمل.

وبعبارة أُخرى: ليس العادل من لا يعصي وإلاّ لانحصرت العدالة بالأنبياء والأولياء، بل مَن يأتي أحياناً بالمعصية فيجد في نفسه حالة خاصة لا يرضى بها باطناً.


صفحه20

وأمّا الطريق إلى معرفة العدالة فهو أمر سهل مرجعه إلى حسن الظاهر الكاشف عن تلك الملكة، وإنّما يقف الإنسان عليه إذا عاشره وصاحبه مدة قليلة، فكيف إذا عاشره مدة مديدة؟!

فما ربّما يقال من أن جعل تفسير العدالة بالملكة يعرقل عجلة القضاء ويوجب تعطيل المحاكم والمرافعات، وغير ذلك، فليس بتام، لما عرفت من أنّ الشارع حدّد طريق المعرفة بشكل واضح.

نعم أنّ صاحب الجواهر أتعب نفسه في نقد هذه النظرية وبسط الكلام، وأكثر ما ذكره غير تام بالنظر إلى ما ذكرنا. فما هو المنقول عن العلاّمة والشهيدين من تفسير العدالة بالملكة وأنّ حسن الظاهر كاشف عنه، هو المتعيّن .

فقد خرجنا بالنتيجة التالية: أنّ العدالة ملكة نفسانية تقوم بالستر والعفاف وامتلاك البطن والفرج واليد واللسان عن الخروج عن حدّ الاعتدال، كما أنّها تقوم بالاجتناب عن الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار .

ولا يصل الإنسان إلى هذا المقام إلاّ إذا كان فيه ملكة تصدّه عن القبائح العقلية والشرعية.

والتعبير بالكف والاجتناب دليل على أنّ ابتعاد الإنسان عن القبائح والمعاصي لا لعدم القدرة على الاقتراف أو لعدم وصول اليد إليها، بل لوجود ملكه تصدّه عن القبيح والحرام رغم كونه قادراً على اقتراف هذه الأعمال لكنه يكون في منأى عنها .


صفحه21

الروايات الموضحّة لمعنى العدالة

إنّ معتبرة ابن أبي يعفور ليست هي الوحيدة في هذا المضمار بل ورد في روايات أُخرى توضيح لمعنى العدالة، وإليك بعض ما ورد:

1. روى سماعة بن مهران، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مَن عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، وواعدهم فلم يُخلفهم; كان ممّن حرمت غيبته، وكملت مرؤته، وظهر عدله، ووجبت أُخوّته» (1) .

2. ما رواه أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن الرضا (عليه السلام)، عن علي (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مرؤته، وظهرت عدالته، ووجبت أُخوته، وحرمت غيبته».(2)

3. ما رواه عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ثلاث مَنْ كُنّ فيه أوجبت له أربعاً على الناس: مَن إذا حدّثهم لم يكذبهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم، وإذا خالطهم لم يظلمهم; وجب أن يُظهروا في الناس عدالته، وتظهر فيهم مروءته، وأن تحرم عليهم غيبته، وأن تجب عليهم اخوته» .(3)


1 . الوسائل: ج 5، الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 9 .

2 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 15 .

3 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 16 .


صفحه22

ما هو مفاد هذه الروايات؟

إنّ الروايات المتقدّمة بصدد بيان الطريق إلى تحلّي الرجل بوصف العدالة وليست بصدد بيان مفهومها وواقعها، ومرجعها إلى ما عرفته من موثقة ابن أبي يعفور، وذلك لأنّ الإنسان إذا وقف على أنّ الرجل لا يكذب ولا يخلف ولا يظلم، فيكون هذا دليلاً على تحلّي الرجل بمبدأ خاص يسوقه إلى هذا الأمر، وإلاّ لما كانت حياته على وتيرة واحدة بل يظلم تارة ولا يظلم أُخرى، وهكذا سائر الأفعال .

وبعبارة أُخرى: أنّ حسن الظاهر في المعاشرة المتحقّق بترك الظلم والكذب والخلف، طريق إلى تحلّي الرجل بمبدأ نفساني يسوقه إلى هذا العمل على وتيرة واحدة.

***

بقي هنا أمران وهو أنّ صاحب العروة اعتبر في العدالة وراء ملكة الاجتناب عن الكبائر أمرين آخرين، وهما:

ترك منافيات المروءة، وترك الإصرار على الصغائر.

وإليك دراسة كلا الأمرين:

الأوّل: اعتبار ترك منافيات المروءة

إنّ غير واحد من الفقهاء اعتبروا في العدالة ترك منافيات المروءة; وحكى في الجواهر (1) عن مجمع البرهان أنّه احتمل الإجماع على اعتبارها


1 . الجواهر: 16 / 301 .


صفحه23

في غير مستحق الزكاة والخمس، وظاهر المفاتيح أنّ المشهور جعلها جزءاً في مفهوم العدالة.

واستدلّ السيد العاملي (1) على اعتبارها بالرواية التالية:

عن سماعة بن مهران، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «مَنْ عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، وواعدهم فلم يُخلفهم ; كان ممّن حرمت غيبته، وكملت مرؤته، وظهر عدله، ووجبت أُخوته» .(2)

ورواه أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن الرضا (عليه السلام)، عن علي (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).(3)

والمروءة في اللغة هي كمال الرجولية الّذي يعبر عنها باللغة الفارسية بـ «مردانگى». فالمراد من قولهم: ترك ما ينافي المروءة، أي ترك الأشياء المنكرة عرفاً بحيث يكون الإتيان بها مورثاً للشك في كشف حسن الظاهر على الملكة، ويمثلون بلبس الفقيه لباس الجندي من غير داع، أو الأكل في الطريق، أو غير ذلك من الأُمور المستنكرة عرفاً.

لكن الأُمور المستنكرة عرفاً تختلف حسب بيئة وبيئة، فركوب الحمار العاري وإرداف شخص خلفه، أو الأكل ماشياً إلى الصلاة أمر مستقبح عرفاً مع أنّه لم يكن مستقبحاً في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)والوصي (عليه السلام). حيث ورد أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يركب الحمار العاري (4)، وأنّه كان يأكل ماشياً (5) .


1 . مفتاح الكرامة: 5 / 1049 .

2 . الوسائل: ج 5، الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 15. ولاحظ الحديث 16 .

4 . بحار الأنوار: 16 / 285 .   5 . بحار الأنوار: 18 / 617. ط . القديمة، كتاب الصلاة.


صفحه24

وعلى هذا يجب تحديد منافيات المروءة بشكل آخر، وهو أن يدلّ الفعل على نقصان في العقل أو قلّة مبالاة أو حياء، أو غير ذلك من الأُمور الّتي ربّما تورث الشك في أنّ حسن الظاهر هل يكشف عن ملكة راسخة أو لا؟

وبعبارة أُخرى: إذا كانت العدالة هي الاستواء والاستقامة في الحياة فلا ريب أنّ الرجل إذا كان لا يبالي بشيء من الأشياء المنكرة عرفاً يكشف عن عدم الاستواء أو الاستقامة، وقد مرّ أنّ هذا يختلف حسب اختلاف الثقافات.

الثاني: ترك الإصرار على الصغائر

يظهر من غير واحد من الفقهاء أنّ فعل الصغيرة غالباً مضرّ بالعدالة، وقد نقله في «مفتاح الكرامة» عن التحرير والإرشاد والقواعد، ونقل تقسيمه عن مجمع البرهان إلى: فعلي، وحكمي. فالفعلي هو الدوام على نوع واحد من الصغائر بلا توبة أو الأكثار من جنسها بلاتوبة، والحكمي هو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها، قال في الذخيرة: هذا ممّا ارتضاه جماعة من المتأخّرين .(1)

أقول: لم يرد في معتبرة ابن أبي يعفور ذكر عن الصغيرة فضلاً عن مدخلية ترك الإصرار في العدالة، وهذا يمكن أن يكون على أحد وجهين:

1. إن الذنوب كلّها كبائر وليس هناك ذنب صغير، وإنّما يوصف بالكبر والصغر بالنسبة إلى ما فوقه وما دونه.


1 . مفتاح الكرامة: 5 / 1050 .


صفحه25

وبعبارة أُخرى: إنّ تقسيم المعاصي إلى صغيرة وكبيرة وإدخال جمع تحت عنوان الكبيرة بحيث لا يوصف بالصغر وإدخال جمع في الصغيرة بحيث لا يوصف بالكبر، أمر غير صحيح، بل الجميع داخل تحت خيمة واحدة، وإنّما يوصف بالكبر والصغر بالنسبة إلى ما فوقه وإلى ما تحته، ولذلك لم يذكره الإمام (عليه السلام)في المعتبرة.

2. تقسيم المعاصي إلى قسمين وأنّ بينها حاجزاً لا يختلط أحدهما بالآخر وإنّما ترك الإمام (عليه السلام)ذكره، لأنّ الصغيرة بلا إصرار لا تخل بالعدالة ومع الإصرار من دون تخلل التوبة، كبيرة داخلة تحت قوله (عليه السلام): «ويعرف باجتناب الكبائر» .

وقد روى عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ».(1)

***


1 . الوسائل: ج 11، الباب 48 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3.


صفحه26