welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية/ج4*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية/ج4

صفحه1

   

   رسائل فقهية / ج 4


صفحه2

4

حضرة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ـ

      رسائل فقهية / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1430 ق . = 1388 .

      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 306 - 5 (دوره)

ISBN 978 - 964 - 357 - 408 - 6 (ج. 4)

      كتابنامه به صورت زير نويس.

      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .

      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.

5ر 2س/ 5/183 BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … رسائل فقهية

الجزء:    … الرابع

المؤلف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1430 هـ . ق

عدد النسخ :   … 1500 نسخة

المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه3

الجزء الرابع


صفحه4

2


صفحه5


صفحه6


صفحه7

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أمّا بعد; فهذا الجزء الرابع من موسوعتنا الفقهية، الّتي تتضمن رسائل في موضوعات متنوعة ويجمعها كون الجميع ممّا تعم به البلوى، وهي مورد حاجة الفقيه والمقلِّد .

ويحتوي هذا الجزء على ثمان عشرة رسالة نأتي بها حسب تسلسلها الموجود في الكتاب، وهي:

55 . في حكم كثير السفر.

56 . مَن كان في بعض الوقت حاضراً.

57 . الصلاة والصوم في المناطق القطبية.

58 . الصوم في السفر.

59 . حرمة الزكاة على الهاشمي.

60 . في قسمة الخمس ومستحقّه.

61 . الخمس في المال الحلال المخلوط بالحرام.

62 . الحج من أركان الدين.


صفحه8

63 . في شروط البيع بالصيغة.

64 . صور البيع الفضولي.

65 . مصافحة الأجنبية المسلمة.

66 . في أحكام النفقات.

67 . موت الزوج أثناء العدة.

68 . الحلف بالطلاق.

69 . الكلام في الحجب.

70 . في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم.

71 . في قاضي التحكيم والمأذون.

72 . دية الذمّي والمستأمن.

وقد بذلنا الوسع في عرض هذه الرسائل ببيان واضح وحجج قوية، معرضين عن الإطناب في الكلام.

والله من وراء القصد .

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

25 جمادى الأُولى 1430 هـ . ق


صفحه9

الرسالة الخامسة والخمسون

في حكم كثير السفر


صفحه10

صفحه11

اختلفت كلمة الأصحاب في التعبير عن هذا الشرط وإليك عناوينهم:

1. أن لا يكون سفره أكثر من حضره.

2. عدم زيادة سفره على حضره.

و هذان العنوانان هما المعروفان بين القدماء والمتأخّرين حتى المحقّق في «الشرائع».

3. أن لا يكون ممّن يلزمه الإتمام سفراً، وقد عبّر به المحقّق في «المعتبر» ورجّحه على العنوانين المتقدمين، قال: ويلزم على قولهم إنّه لو أقام في بلده عشرة وسافر عشرين يوماً أن يلزم الإتمام، وهذا لم يقل به أحد.

ويرد على عنوان المحقّق (مع أنّه أعمّ من هذا الشرط لأنّه يصدق على العاصي والمسافر بلا قصد إلى غير ذلك) أنّه لا يرجع إلى محصل، لأنّه في مقام بيان الشرط الموجب للإتمام، ولم يأت به وإنّما أتى بالحكم الواضح.

4. عدم كون حضره أقلّ من سفره.

5. أن لا يقيم في بلده أو غيره عشراً، ثلاثة متوالية.

6. عدم كونه كثير السفر.

7. عدم كون السفر عمله أو شغلاً له.


صفحه12

8. عدم كون السفر شغلاً له أو عدم كون شغله في السفر.

9.أن يكون السفر عمله ومن كان منزله في بيته، وهو الذي نقله السيد العاملي في مفتاح الكرامة عن أُستاذه بحرالعلوم.

10. الاقتصار على بعض العناوين الواردة في الروايات أو أكثرها، وعليه الصدوق في الهداية.

ولو أدرج الثاني في الأوّل والسابع في السادس تكون العناوين الواردة في كلماتهم ثمانية.

ولأجل أن يكون القارئ على بصيرة من العناوين التي اعتمد عليها الأصحاب نأتي بنصوص بعضهم:

1. قال الصدوق: فأمّا الذي يجب عليه التمام في الصلاة والصوم في السفر: المكاري، والكريّ، والبريد، والراعي، والملاّح، لأنّه عملهم.(1)

2. قال المفيد: ومن كان سفره أكثر من حضره، فعليه الإتمام في الصوم والصلاة معاً، لأنّه ليس بحكم الحاضر الذي يرجع إلى وطنه فيقضي الصيام.(2)

3. قال الشيخ: ولا يجوز التقصير للمكاري، والملاّح والراعي، والبدوي، إذا طلب القطْر والنَبْت والذي يدور في جبايته، والذي يدور في


1 . الهداية: 33.

2 . المقنعة: 349، كتاب الصوم، باب حكم المسافر في الصيام. لم يذكر الشيخ المفيد أحكام المسافر في كتاب الصلاة إلاّ بوجه موجز لاحظ ص 91. ولكنه بسط الكلام في كتاب الصوم على خلاف ما هو الدارج.


صفحه13

أمارته، ومن يدور في التجارة من سوق إلى سوق، ومن كان سفره أكثر من حضره، هؤلاء كلّهم لا يجوز لهم التقصير مالم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام.(1)

4. وقال سلاّر: والملاح والجمّال ومن معيشته في السفر، ومن سفره أكثر من حضره.(2)

5. وقال ابن البراج: وجميع من كان سفره أكثر من حضره مثل الملاح، والمكاري، والجمّـال، والبدوي إذا طلب القطر والنبت، والرعاة والأُمراء الذين يدورون في إماراتهم، والجباة الذين يسعون في جباياتهم، ومن يدور من سوق إلى سوق في تجارته، فإنّ الإتمام لازم لهم.(3)

6. وقال الحلبي: ولا كان حضره أقل من سفره.(4)

7. وقال ابن حمزة: والذي يكون سفره في حكم الحضر، ثمانية رهط: المُكاري والملاّح، والراعي والبدوي، والبريد، والذي يدور في إمارته، أو جبايته، أو تجارته من سوق إلى سوق.(5)

8. وقال ابن زهرة: الظهر أربع ركعات... هذا في حقّ الحاضر أهله بلا خلاف، وفي حقّ مَن كان حكمه حكم الحاضرين من المسافرين، وهو مَن كان سفره أكثر من حضره، كالجمّـال، والمكاري، والبادي.(6)


1 . النهاية: 122. 

2 . المراسم: 75.

3 . المهذب: 1 / 106.   

4 . إشارة السبق: 87 .

5 . الوسيلة: 108ـ109.  

6 . الغنية: 73 .


صفحه14

9. وقال ابن إدريس: ولا يجوز التقصير للمكاري والملاّح والراعي والبدوي إذا طلب القطْر والنبت، فإن أقام في موضع عشرة أيام فهذا يجب عليه التقصير إذا سافر عن موضعه سفراً يوجب التقصير...ولا يجوز التقصير للذي يدور في جبايته، والذي يدور في إمارته، ومن يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والبريد، ثمّ ذكر الكري والاشتقان، وحاول تفسير معناهما.(1)

10. وقال الكيدري: المكاري والملاح والراعي والبريد والبدوي، والذي لم يكن له دار مقام، والوالي الذي يدور في ولايته، والذي يدور في جبايته، والدائر في تجارته من سوق إلى سوق ومن كان سفره أكثر من حضره لا يجوز لهؤلاء التقصير إلاّ إذا كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام.(2)

11. وقال المحقّق: أن لا يكون سفره أكثر من حضره، كالبدوي الذي يطلب القطْر، والمكاري، والملاح، والتاجر الذي يطلب الأسواق، والبريد.(3)وقد عرفت نصّ «المعتبر» فلا نعيد.

12. وقال أيضاً: أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام، ولو أقام في بلده أو غير بلده قصر.(4)

13. وقال العلاّمة: من الشرائط، عدم زيادة السفر على الحضر كالمكاري، والملاح، وطالب النبت والقطر، والأسواق، والبريد، والضابط أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام، فإن أقام أحدهم عشرة قصر، وإلاّ أتم ليلاً ونهاراً.(5)


1 . السرائر: 1/336.  

2 . الإصباح: 92.

3 . الشرائع: 1 / 102.   

4 . المختصر النافع:51.  

5 . الإرشاد: 1 / 275.


صفحه15

14. وقال الشهيد: و أن لا يكثر سفره، كالمكاري، والملاّح، والأجير، والبريد.(1)

إلى غير ذلك من التعابير التي لا تخرج عن العناوين الماضية.

ثمّ إنّ بعض الأصحاب ذكروا الكري ـ تبعاً للنص ـ مع المكاري، ونقل ابن إدريس عن رسالة ابن بابويه: إنّ الكري هو المكاري، فاللفظ مختلف وإن كان المعنى واحداً. قال عذافر الكندي:

لو شاء ربّي لم أكن كريّا *** ولم أسق بشعفر المطيّا

و الشعفر اسم امرأة من العرب.

و الكريّ من الأضداد قد ذكره أبو بكر الأنباري في كتاب الأضداد، يكون بمعنى المكاري، ويكون بمعنى المكتري.

واحتمل السيد المحقّق البروجردي أن يكون معناه من يُكري نفسه، وعندئذ يتحد مع البريد.

وقال ابن إدريس: ذكروا أيضاً: «الاشتقان » وقال ابن بابويه: لم يبين المشايخ معناه لنا. ووجدت في كتاب الحيوان للجاحظ ما يدلّ على أنّ الاشتقان، الأمين الذي يبعثه السلطان على حفاظ البيادر، قال الجاحظ: وكان أبو عبّاد النميري أتى بابَ بعض العمال يسأله شيئاً من عمل السلطان فبعثه أشتقاناً فسرقوا كلّ شيء في البيدر، وهو لا يشعر فعاتبه في ذلك، وأظنّ أنّ


1 . الروضة البهية:1/154، طبعة عبدالرحيم.


صفحه16

الكلمة أعجمية غير عربية.(1) أقول: لعلّها معرب «دشتبان».

إذا عرفت الأقوال والعناوين فإليك دراسة النصوص، وهي عشرة وإن كانت تتراءى أنّها أكثر، وإليك ما رواه صاحب الوسائل في البابين 11و12 من أبواب صلاة المسافر.

1. روى الكليني بسند صحيح، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «المكاري والجمّال الذي يختلف، وليس له مقام يُتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان». وهو نفس ما رواه في الوسائل عن الشيخ باسناده عن السندي بن الربيع قال: «في المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان».(2)

2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري، والكري، والراعي، والاشتقان، لأنّه عملهم». وهو نفس ما رواه عن الصدوق، أعني: قال الصدوق: وروي الملاح، والاشتقان البريد.(3) والظاهر انّ قوله: «والاشتقان هو البريد» من كلام الصدوق، وليست الرواية إلاّ قوله: «و روي الملاح».

3. روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكاري والجمّال». وهو نفس ما رواه عن الشيخ عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «ليس


1 . السرائر:1/337.

2 . الوسائل: ج 5 ، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و 10.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2و3.


صفحه17

على الملاّحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكارين، ولا على الجمالين».(1)

4. روى الكليني، عن إسحاق بن عمّار قال: سألته عن الملاّحين والأعراب، هل عليهم تقصير؟ قال: «لا، بيوتهم معهم».(2)

5. روى الكليني بسند صحيح إلى سليمان بن جعفر الجعفري، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الأعراب لا يقصّرون، وذلك أنّ منازلهم معهم». وهو متحد مع ما رواه البرقي في المحاسن بنفس السند.(3)

6. روى الشيخ عن علي بن جعفر، عن موسى بن جعفر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «أصحاب السفن يتمون الصلاة في سُفنهم».(4)

7. روى الشيخ عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه قال: «سبعة لا يقصرون الصلاة: الجابي الذي يدور في جبايته، وا لأمير الذي يدور في إمارته، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والراعي، والبدويّ الذي يطلب مواضع القطْر ومنبت الشجر، والرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، والمحارب الذي يقطع السبيل».(5)

8. روى الصدوق بسنده إلى ابن أبي عمير رفعه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)


1 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث4و8.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث5.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث6و11. وقد عدّهما السيد المحقّق البروجردي (قدس سره)متغايرين.

4 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث7.

5 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث9.


صفحه18

قال: «خمسة يتمون في سفر كانوا أو حضر: المكاري والكري والاشتقان، وهو البريد، والراعي، والملاّح، لأنّه عملهم».(1) وتفسير الاشتقان بالبريد مخالف لما نقلناه عن ابن إدريس، عن الجاحظ، ولعلّه كان بعد لفظ «الكري» وكان تفسيراً له.

9. إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم عن الذين يكرون الدواب، يختلفون كلّ الأيّام أعليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال: «نعم». وهو متحد مع ما بعده في الوسائل.(2)

10. روى الشيخ عن محمد بن جزك قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام)أنّ لي جمالاً ولي قوام عليها، ولست أخرج فيها إلاّ في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة إلى بعض المواضع فما يجب عليّ إذا أنا خرجتُ معهم، أن أعمل، أيجب عليّ التقصير في الصلاة والصيام في السفر أو التمام؟ فوقّع(عليه السلام): « إذا كنت لا تلزمها، ولا تخرج معها في كلّ سفر إلاّ إلى مكة، فعليك تقصير وإفطار».(3)

وهذه هي الروايات الواردة في أصل الموضوع دون ما يتعلق ببعض جزئياته وليس فيها عن قولهم: «أن لا يكون سفره أكثر من حضره» عين ولا أثر، ومع كونه غير مذكور في الروايات، جاء مذكوراً في الكتب الفقهية


1 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث12.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 12من أبواب صلاة المسافر، الحديث2و3.و ذكر الحديث لأجل العنوان الوارد فيه، و سيوافيك توضيح المضمون، فانتظر.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 12من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.


صفحه19

الملتزمة بالفتوى بالمنصوص كالمقنعة للمفيد، ولعلّهم استنبطوه من الروايات.

ثمّ إنّ الّذي يمكن أن يكون مصدراً للحكم عبارة عن العناوين الكلية، والعناوين الخاصة، وإليك الأُولى.

1. الذي يختلف وليس له مقام (الحديث الأوّل) .

2. لأنّه عملهم (الحديث الثاني، والثاني عشر) .

3. لا، بيوتهم معهم (الحديث الخامس) .

4. انّ منازلهم معهم (الحديث السادس) .

5. فإنّه في بيت وهو يتردد (الحديث الحادي عشر) .

وأمّا العناوين الخاصة فهي عبارة عن:

1. المكاري، 2. الجمّال، 3. الكري، 4. الراعي، 5. الاشتقان، 6. الملاّح، 7. الأعراب، 8. أصحاب السُّفن، 9. الجابي الذي يدور في جبايته، 10. الأمير الذي يدور في إمارته، 11. التاجر الذي يدور في تجارته، 12. البدوي، 13. البريد.

ولكن يمكن تقليل العناوين الواقعية إلى الأقل، وذلك لأنّ «الأعراب والبدوي» و إن كانا مفهومين مختلفين، ولكنّهما متحدان مصداقاً، مضافاً إلى احتمال انّ المراد من البريد هو الكري، فتكون العناوين الواقعية الواردة في المسألتين أحد عشر عنواناً، وبما أنّ عنواني «الأعراب»، و«البدوي» راجعان


صفحه20

إلى المسألة السابقة ـ أي حكم مَن كان بيته معه ـ (1)فتبقى لمسألتنا هذه تسعة عناوين وهي التالية:

1. المكاري، 2. الجمّال، 3. الملاّح، 4. الكري، 5. الراعي، 6. الاشتقان، 7. الجابي الذي يدور في جبايته، 8. الأمير الذي يدور في إمارته، 9. التاجر الذي يدور في تجارته.

كما أنّ ما يرجع من الضابطة إلى المقام عبارة عن العناوين التالية:

1. لأنّه عملهم، وقد ورد في الحديث الثاني والثامن.

2. الذي يختلف وليس له مقام، وقد مرّفي الحديث الأوّل.

3. يختلفون كلّ الأيام.

فتحقيق الموضوع يتوقف على البحث في أمرين:

1. تحليل العناوين التسعة المذكورة، فنقول:

إنّ العناوين الخاصة على قسمين: قسم منها يكون السفر مقوماً لمفهومه ويعدّ بمنزلة الجنس له، ولا يتصور ولا يتحقّق بدونه، كالمكاري والجمّال والملاّح; وقسم آخر لا يكون السفر مقوماً لمفهومه بل يصح تصوره بدونه وإن كان بعض أقسامه يلازم السفرَ كما في التاجر الذي يريد البيع في خارج بلدته، ومثله الأمير الذي يتجول في إمارته، أو الجابي الذي يدور في جبايته، وهكذا ففي هذه الأمثلة ليس السفر مقوماً لنوع هذه المفاهيم، وإنّما يلازم وجودَ بعض الأصناف.


1 . راجع: ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر: 142 .


صفحه21

إذا علمت ذلك فنقول:

لا إشكال في عدم شرطية كون اتخاذ هذه العناوين مهنة لطلب الرزق أوجلب المال، بل يعم ما إذا كان عارياً عنهما كما إذا افترضنا أنّ الجمّال يعمل في سبيل اللّه، أو يحمل الجنود والعتاد إلى جبهات القتال، فكلا الصنفين داخلان تحت الضابطة.

كما لا إشكال في عدم خصوصية للمِهَن الواردة فيها، فلو افترضنا انّ نجّاراً، أو حداداً، أو مهندساً فنياً، أو طبيباًيتجول خارجَ بلدته مثل تجول البريد، أو افترضنا انّ موظفاً للدولة، استخدم للعمل خارج بلده بشكل مستمر يتجول في المسافة الشرعية من مكان إلى مكان، وهو يرجع إلى بلده في كلّ شهر أيّاماً قلائل، فالعرف يلغي الخصوصية ويراها داخلة تحت ضابطة واحدة.

والعجب من العلاّمة الحلّي حيث تردّد في هذا الأمر وقال: هل يُعتبر هذا الحكم في غيرهم حتى لو كان غير هؤلاء يتردد في السفر اعتبر فيه ضابطة الإقامة عشرة، أو لا؟ إشكال ينشأ من الوقوف على مورد النص ومن المشاركة في المعنى.

إلى هنا تبيّن أنّه لا خصوصية للمِهن الواردة في النصوص، وقد علمت أنّها على قسمين: قسم يكون نفس السفر مهنة له، كما في الجمّال والمكاري والملاّح. وتارة تكون المِهْنة شيئاً والسفر شيئاً آخر، لكنّه حسب ظروفه اختار مهنته في السفر، وعلى ذلك يكون المقياس أحد الأمرين:


صفحه22

1. أن يكون السفر شغله كما في الثلاثة، ونضيف إليها السائق والطيار ومن يعمل معهما.

2. أو أن يكون شغله في السفر، كما في الجابي والأمير والتاجر المتجولين من مكان إلى آخر.

ومع ذلك كلّه بقي هناك أمر آخر، وهو هل يعتبر أن يكون السفر له مهنة بأحد المعنيين، أو يكفي نفس التجوّل والتردد بين البلد وخارجه على حدّ مسافة شرعية من دون أن يتخذه مهنة، كما إذا زار الأمكنة المقدسة كلّ أُسبوع مرّتين، أو زار والديه كذلك؟ فالظاهر من مشايخنا المتأخرين اعتبار ذلك كما سيوافيك نصّهم في تحليل الضابطتين الواردتين في المقام.

وبعبارة أُخرى: هل الموضوع ما إذا كان السفر مهنة إمّا بالذات أو بالعرض، أو هو أعمّ من ذلك ويعمّ ما إذا كثرت أسفار الرجل، وتردده إلى البلد وخارجه، من دون أن يكون شغله بأحد الصورتين؟ وجهان، أكثر المشايخ على الوجه الأوّل، والثاني غير بعيد كما سيظهر.

وحصيلة البحث: أنّه لو خُلِّينا نحن وقوله(عليه السلام): «لأنّ السفر عملهم» اقتصرنا بما إذا كان السفر شغله الأساسي، كالمكاري والملاّح والجمّال، ويلحق بهم الكري إذا فسر بمن يكري نفسه للخدمة في السفر لإصلاح وضع الدوابّ وتعليفها، أو تصليح السيارة، ورفع حوائج المسافرين، ولا نتجاوز عن هؤلاء إلاّ أنّ التمثيل له بالراعي والجابي والاشتقان، والأمير الدوّار، صار قرينة على أنّ المراد منه ليس معناه اللغوي، بل معناه العرفي الصادق على مَن كان شغله شيئاً غير السفر، كالتجارة والإمارة في السفر، فإنّ


صفحه23

شغلهم بالدقة العقلية وإن لم يكن سفراً لكن يصدق عليهم عرفاً أنّ شغلهم السفر باعتبار أنّهم يمارسون شغلهم الأصلي في السفر، لا في الحضر، وعلى ذلك فيصح توسيع الحكم لكلّ أصحاب المهن الذين يمارسونها غالباً في خارج البلد، كالطبيب والطالب اللّذين يسافران كلّ يوم للطبابة والتحصيل إلى غيرهما من أصحاب الأشغال والمهن، إذ أيّ فرق بين الراعي الذي يذهب كلّ يوم لرعي غنمه ويرجع، والطبيب الذي يمارس مثل ذلك والحكم بالتمام في الجميع إنّما هو لصدق العلة حسب ما لها من المفهوم العرفي.

نعم الظاهر من السيد الأُستاذ، تخصيص الحكم بمن كان السفر متن شغله كالمكاري والساعي وأصحاب السيارات ونحوهم، ومنهم أصحاب السفن والملاّح. وأمّا الإتمام في القسم الثاني (من شغله في السفر) فيقتصر فيه على مورد النص قال: «ممّن شغله السفر الراعي الذي كان الرعي عمله، سواء كان له مكان مخصوص أو لا، والتاجر الذي يدور في تجارته».(1)

و لكن الظاهر انّ العرف يساعد على تعميم الحكم لكل من يكون شغله في السفر، كالموظف الدولي والطبيب السيّار، وإن كانا خارجين عن النص.

إنّما الكلام في توسيع الحكم لمن يذهب ويرجع لغاية الزيارة، والسياحة، واشتراء ما يحتاج إليه من الخبز واللحم كلّ يوم إلى أربعة فراسخ، أو المراجعة إلى الطبيب في كلّ أُسبوع مرّتين إلى غير ذلك من الغايات، وقد


1 . تحرير الوسيلة:1/230 ، الشرط السابع، المسألة 25 .


صفحه24

توقّف المشايخ في الإلحاق، قائلين بأنّه لا يصدق على مثل ذلك، كون السفر شغله فليست الزيارة المتكررة شغله، ولا شغله في السفر وبذلك تكون فتوى القدماء، فتوى بلا دليل.

ومع ذلك كلّه يمكن تقريب اللحوق بالوجه التالي:

1. أنّ الوارد في النصوص كون السفر عمله، لا شغله ومهنته، فكما يصدق التعبير على من كان السفر مقدمة لشغله الأصلي، فكذا يصدق لمن يزاول السفر في كلّ أُسبوع أو شهر، بكثرة فيقال، السفر عمله، وهذا واضح لمن تتبع موارد استعمال تلك التراكيب، قال سبحانه حاكياً عن امرأة فرعون: (وَنَجِّنِي من فِرعَون وَ عَمَلِه) (1) وقوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ علَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)(2)، وقوله تعالى: (كَذلِكَ زَيّنّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلَهُمْ) (3). والمراد من العمل المضاف إلى الضمير هو الفعل المتكرر، بقرينة قوله: (زيّن)، كما أنّ المراد من قوله: (من فرعون وعمله) أي عمله المستمر، وعندئذ فالمرجع هو عموم التعليل، لا خصوصية الموارد.

2. أنّ القدماء بصفاء ذهنهم، فهموا أنّ الأمثلة الواردة في الروايات، رمز لكثرة السفر، وإشارة إليه، وأنّ الإنسان الممارس للسفر كثيراً يُشبه بمن بيته معه، فحضره لقلته، مندرج في سفره، فاللازم في مثله الإتمام.

3. أنّ قيد الاختلاف الوارد في غير واحد من الروايات بمعنى الإياب والذهاب، وقد ورد في مواضع نأتي بمورد واحد منها، له صلة بالمقام، أعني: حديث السندي بن الربيع: قال في المكاري والجمّـال الذي يختلف وليس


1 . التحريم: 11.  

2 . محمد: 14.   

3. الأنعام: 108.


صفحه25

له مقام يتم الصلاة.(1) فإنّ في قوله: «يختلف» دلالة على أنّ الميزان ليس كونه مكارياً، بل الميزان كونه يختلف ويذهب ويجيء، وليس له مقام عشرة أيام في أثنائها، ولو كتب التمام على المكاري فإنّما هولأجل أنّه يختلف وليس له مقام، وهذا أيضاً موجود فيمن يعيش على نحو يختلف ليس له مقام.

ولعلّ هذه الوجوه الثلاثة كافية في تبيين ما هو المعروف بين القدماء من أنّ الموضوع هو كثرة السفر وقلّته، لكن القدر المتيقن، ما إذا صار السفر له أمراً عادياً، وكان له استمرار غير محدد، أو كان محدداً لكن بدرجة عالية حتى يعدّ له عملاً، شبيهاً للقسمين الأوّلين، وأمّا من اتفقت له لعارض أسفار عديدة من دون أن يستمر بل يكون محدداً، فالمرجع فيه هو القصر.

و من هنا يعلم أنّ ما أفاده السيد الطباطبائي في المسألة رقم 50 ليس بصحيح على إطلاقه، بل لابدّ من تقييده بما إذا كان محدداً.

قال فيها: إذا لم يكن شغله وعمله السفر، لكن عرض له عارض فسافر أسفاراً عديدة لا يلحقه حكم وجوب التمام سواء كان كلّ سفرة بعد سابقها اتفاقياً، أو كان من الأوّل قاصداً لأسفار عديدة، فلوكان له طعام أو شيء آخر في بعض مزارعه أوبعض القرى، وأراد أن يجلبه إلى البلد، فسافر ثلاث مرّات، أو أزيد بدوابه، أو بدواب الغير لا يجب عليه التمام، وكذا إذا أراد أن ينتقل من مكان، إلى مكان فاحتاج إلى أسفار متعددة في حمل أثقاله وأحماله.(2)


1 . الوسائل: ج 5 ، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

2 . العروة الوثقى: 335، المسألة 50.


صفحه26

لا شكّ أنّه يقصر في هذه الموارد، لكون السفر الثاني أو الثالث إمّا اتّفاقياً أو كون السفر من أوّل الأمر محدداً بثلاث أو أربع أسفار ومثلها لا يلحق بالقسمين الواردين في الروايات، والكلام فيما إذا قام بعمل إلى مدّة غير محددة، يستلزم الاختلاف إلى البلد وخارجه يوماً بعد يوم أو في كلّ أُسبوع مرتين أو ثلاث غير محدد بأسابيع، أو كان محدداً لكن على صعيد يراه العرف من مصاديق من يكون السفر عمله وإن لم يكن مهنته.

نعم ذهب السيد الأُستاذ إلى القصر في هذه الصورة قال: لو لم يكن شغله السفر لكن عرض له عارض فسافر أسفاراً عديدة يقصر، كما لو كان له شغل في بلد وقد احتاج إلى التردد إليه مرّات عديدة، بل وكذا فيما إذا كان منزله إلى الحائر الحسيني مسافة، ونذر أو بنى على أن يزوره كلّ ليلة جمعة، وكذا فيما إذا كان منزله إلى بلد كان شغله فيه مسافة ويأتي إليه كلّ يوم بأنّ الظاهر أنّ عليه القصر في السفر والبلد الذي ليس وطنه.(1)

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ المورد الأخير من القسم الثاني، والكلام في القسم الثالث، بما عرفت من أنّ عمل السفر إذا كان مستمراً آخذاً من أوقات المسافر شيئاً كثيراً في حدّ نفسه، فهو داخل في كبرى المسألة كما عرفت.

وبذلك ظهر أيضاً أنّ المراد ليس الأكثرية الزمانية بأن يكون اغترابه عن الوطن في كلّ شهر أكثر من حضوره فيه، ولا العددية، بأن يكون عدد الأسفار أكثر من عدد الحضور، بل المراد صيرورة السفر لأجل الكثرة والاستمرار كالعادة، من غير فرق بين كون شغله السفر، أو شغله في السفر، أو صيرورة


1 . تحرير الوسيلة:1/231، المسألة 24.


صفحه27

السفر حسب الاستمرار عملاً شأنياً له في نظر العرف لا أمراً نادراً.

***

لو كان سائقاً في البلد وأطرافه القريبة فسافر

لا شكّ أنّ منصرف قوله (عليه السلام): «لأنّه عملهم» هو السفر البالغ حدّ المسافة بحيث لولا العملية لكان مقتضياً للتقصير، وعلى هذا فمن كان سائقاً في داخل البلد أو خارجه لكن في شعاع غير بالغ حدّ المسافة الشرعية، فهو وإن كان من مصاديق المكاري لغة، لكنّه خارج عن تحت الأدلّة المرخصة، وعلى هذا إن اتّفق أن حمل مسافراً إلى خارج البلد البالغ حدّ المسافة الشرعية فهل هو يتم أو يقصر؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ المراد من كون السفر عمله، هو كون السفر الشرعي عمله والمفروض خلافه، لأنّ عمله هو السياحة في نفس البلد ومادون المسافة، وأمّا غيرهما فإنّما هو أمر اتّفاقي لا يصدق أنّه عمله. ويمكن الاستدلال له بما روي عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام)عن الذين يكرون الدواب يختلفون كلّ الأيام أعليهم التقصير إذا كانوا على سفر ؟ قال: «نعم».(1)

وعنه أيضاً، عن أبي إبراهيم قال (عليه السلام): سألته عن المكارين الذين يكرون الدواب وقلت: يختلفون كلّ أيام كلّما جاءهم شيء اختلفوا؟ فقال: «عليهم التقصير إذا سافروا».(2)


1 . الوسائل: ج 5، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.


صفحه28

فإنّ المراد من قوله: «يختلفون كلّ الأيام»، هو اختلافهم فيما دون المسافة، بقرينة قوله بعده : «إذا سافروا».

وبذلك نستغني عن حمل الحديثين على ما إذا تخلّلت الإقامة بين الأسفار، كما عليه صاحب الوسائل; أو حملهما على من أنشأ سفراً غير السفر الذي هو عادته، وهو ما يختلفون كلّ الأيام، كالمكاري مثلاً لو سافر للحج، أو إلى أحد البلدان في أمر غير ما هو الذي يتكرر فيه دائماً، كما حمل عليه المحدّث البحراني.(1)

لا فرق بين من جدّ في سيره ومن لم يكن كذلك

وردت عدّة روايات(2) بعضها صحيحة، من أنّ المكاري والجمّـال إذا جدّ بهما السير فليقصروا، وفسره الكليني بمن جعل المنزلتين منزلاً واحداً.(3) ولكن الظاهر عدم الاختصاص بما فسره، بل هو مطلق السرعة والجد في السير; والروايات الفارقة بين من جدّ، ولم يجد، بالتقصير في الأوّل دون الثاني، لم يعمل بها الأصحاب وأعرضوا عنها، ولم يُفْتِ على وفقها أحد منهم، فهي غير معمول بها، معرض عنها إلى زمان صاحب المدارك، ولذلك يرد علمها إليهم. حتى أنّ السيد الخوئي مع أنّه يعمل بصحاح الروايات وإن أعرض الأصحاب عن العمل بها، لم يعمل بها في


1 . الحدائق: 11/394.

2 . الوسائل : ج 5، الباب 13 من أبواب صلاة المسافر .

3 . الوسائل : ج 5، الباب 13 من أبواب صلاة المسافر. وما فسر به الكليني ورد تحت الحديث رقم 4.


صفحه29

المقام، واعتذر عنه بما لا يخلو من تأمل.

شرطية تكرّر السفر

إذا كان الموضوع هو اتّخاذ السفر عملاً، فهل يتوقف صدق هذا العنوان على تكرّر السفر مرّتين أو ثلاث مرّات، أو لا هذا، ولا ذاك، وإنّما الموضوع صدقُ هذا العنوانِ عرفاً ولو بسفرة واحدة؟ وجوه وأقوال:

ذهب الشهيدُ إلى الأوّل، وقال في الذكرى: وذلك يحصل غالباً بالسفرة الثالثة الّتي لم تتخلّلها إقامة عشرة.(1)

وذهب العلاّمة الحلّي إلى الثاني وقال بالإتمام في الدفعة الثانية ممّن جعل السفر عادته.(2)

وذهب صاحب الحدائق وتبعه أكثر المتأخرين إلى الوجه الثالث وقال: الواجب بالنظر إلى الأخبار، مراعاة صدق الاسم وكون السفر عمله فإنّه هو المستفاد منها، ولا دلالة لها على ما ذكروه من اعتبار الكثرة فضلاً عن صدقها بالمرتين أو الثلاث.(3) وعليه الفقيه الهمداني في المصباح والسيد الطباطبائي في العروة.

فقال الأوّل: إنّ المدار في وجوب الإتمام ليس على صدق عنوان كثير


1 . الذكرى: 4 / 316، في ضمن الشرط الخامس من شروط القصر.

2 . المختلف: 3/109.

3 . الحدائق: 11 / 395.


صفحه30

السفر و لا على إطلاق اسم المكاري أو الجمّال، بل على أن يصدق عليه أنّ السفر عمله ولا يتوقف صدقه ولا صدق اسم المكاري وشبهه على أن يكون مسبوقاً بتكرر صدور الفعل منه مرّة بعد أُخرى، بل على اتخاذه حرفة له بتهيئة أسبابه وتلبّسه بالفعل بمقدار يعتدّ به عرفاً.(1)

وقال السيد الطباطبائي: والمدار على صدق اتّخاذ السفر عملاً له عرفاً ولو كان في سفرة واحدة لطولها، وتكرر ذلك منه من مكان غير بلده إلى مكان آخر فلا يعتبر تحقق الكثرة بتعدّد السفر ثلاث مرات أو مرّتين، فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضاً يلحق الحكم وهو وجوب الإتمام، نعم إذا لم يتحقق الصدق إلاّ بالتعدد يعتبر ذلك.(2)

ما ذكراه إنّما يصحّ في القسم الأوّل دون القسم الثاني، وما ألحقنا به من القسم الثالث، فإنّ عدّ السفر له عملاً في هذين القسمين، إنّما بالعناية والمجاز والمسوِّغ له، هو كثرة المزاولة والممارسة بالجباية والتجارة في السفر إلى حدّ صار السفر شغلاً وعملاً له، وإلاّ فلا يعد عملاً له، بمجرّد القصد والممارسة مرّة واحدة فلو كان الملاك هو الصدق العرفي فصدقها في أقل من ثلاث مرات، محل ترديد، ولو شكّ لأجل الشك في سعة مفهوم المخصص وضيقه فهل المرجع هو التمسك بعمومات الأدلّة المرخصة أو عمومات التمام وجهان، ولو وصلت النوبة إلى الأُصول العملية فالمرجع هو استصحاب القصر كما لا يخفى.


1 . مصباح الفقيه: 2 / 747، الطبعة القديمة.

2 . العروة الوثقى: 334، ذيل الشرط السابع للقصر.


صفحه31

إنّما الكلام في أمثال المكاري والجمّـال والملاّح والكري التي يعد السفر جنساً لها، فهل الصدق العرفي رهن التعدّد أو لا؟

ربما يقال: بأنّ الظاهر تحقّق الصدق العرفي بمجرّد التلبس بالسفر على أنّه عمله، ولا يتوقف على طول السفر ولا على تكرره، وقد عرفت أنّه خيرة الأعلام الثلاثة، ونقل صاحب الجواهر عن المقدس البغدادي تحقّق وصف المكاري ونحوه بأوّل سفرة إذا تبعَ الدوابَّ، وسعى معها سعي المكارين ووصفه بقوله: لا يخلو من وجه.

ولكن لا يخلو عن بعد فيما إذاكان السفر قصيراً ولم ينتقل من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، ومن فندق إلى فندق، والتحقيق أن يقال: إنّ العناوين الكلية الواردة في المقام ثلاثة:

1. المكاري والجمّـال والملاّح.

2. لأنّه عملهم.

3. الذي يختلف ليس له مقام.

وليس المراد من المكاري وما عطف عليه، المعنى اللغوي أي من يُكري دابته أو سيارته الذي يصدق إذا أكرى مرّة واحدة، بل أصحاب الحرف والمهن التي يتوقف صدقها على وجود تدريب وتمرين، ومزاولة وممارسة واستمرار العمل.

وبذلك خرج من كانت له سيارة فأكراها لا بقصد الاستمرار، بل للمرة الأُولى، ثمّ اتّفق أيضاً إكراؤها ثانية، وهكذا، فإنّ البناء على الاستمرار شرط في صدق هذه العناوين.


صفحه32

و مثله ما إذا أكراها، مع البناء على الاستمرار لكن كان السفر قصيراً، كالسفر من قم إلى طهران، فلا يتصف بها إلاّ بالتعدد ولا يبعد صدقها في المرة الثالثة، ويحتاط بالجمع في الثانية.

نعم إذا كان السفر طويلاً، موجباً للانتقال من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، بحيث يعد الانتقال من بعض الأمكنة إلى غيرها إنشاء سفر جديد واختلافاً، فلا يبعد صدق العناوين العامة، حتى التعليل والاختلاف الواردين في صحيحة هشام بن الحكم(1)، أيضاً فما عن السيد المحقّق البروجردي من «انّ وجوب القصر في السفر الأوّل مطلقاً لا يخلو من قوّة»، لا يخلو من تأمّل.

فإن قلت: إنّ اقامة العشرة قاطع لموضوع السفر، عند جمع، ورافع لأثره عند جمع آخر، فلو أقام المكاري عشرة أيّام فهو يقصر في سفره الأوّل، وإذا كان كذلك في أثناء التلبّس فأولى أن يكون كذلك قبل التلبّس، ومعه كيف يقصر في سفره الأوّل وإن كان طويلاً؟!

قلت: إنّ السفر الأوّل إذا كان قصيراً، لا يؤثر شيئاً وإنّما يؤثّر إذا كان طويلاً موجباً للانتقال من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، على وجه يعدّ الانتقال كالأسفار المتعددة كما كان الحال كذلك في عهد السفر بالدواب، فلو صدق ذلك مع السفر بالسيارة فهو، وإلاّ فيتوقف على نيّة الاستمرار وتعدد الممارسة.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


صفحه33

 

لو إنشأ المكاري سفراً للحج والزيارة

إذا إنشأ المكاري سفراً للحج والزيارة فهو على قسمين:

الأوّل: أن يكون عمله استمراراً لعمله السابق، كما إذا كان يحمل الناس أو أثقالهم من بلد إلى بلد، فاتّفق حملهم إلى بيت اللّه الحرام أو إلى مشهد الرضا (عليه السلام)، بحيث تكون حقيقة واحدة وإن كانت الصورة مختلفة، فلا شكّ أنّه يتم.

الثاني: إذا أعرض عن عمله ـ المكاراة ـ وأراد أن يحجّ بيت اللّه الحرام بنفسه أو مع أهل بيته، بسيارته أو سيارة الغير، فهل يتم أيضاً أو يقصّر؟ فالمشهور أنّه يُقصّر اقتصاراً في تقييد الأدلّة على المتيقن، لأنّه لا يعدّ من عملهم الذي كانوا يختلفون فيه.(1)

وإن شئت قلت: العلّة تعمِّم وتخصّص، وهي في المقام تُخصّص، إذ ليس السفر إلى الحج أو الزيارة عمله، وإنّما عمله المكاراة التي تركها مؤقتاً.

و مع ذلك فالظاهر الإتمام، لأنّ الضمير لايرجع إلى المكاري والجمال، ولا إلى السفر، الموجود فيهما بل إلى مطلق السفر، فعندئذ يكون الموضوع كون السفر عمله، أي كان السفر لأجل كثرة المزاولة والممارسة عملاً وعادة. وعليه، فلا فرق بين إنشاء السفر لأجل المكاراة أو للحج والزيارة بعد كون السفر أمراً عادياً وعملاً يومياً له.


1 . الجواهر: 14/271.


صفحه34

 

حكم الحملدارية

الحملدارية مصطلح يطلق على مرافق الحجاج ومرشدهم في الطريق والمقصد، إلى كلّ ما يحتاجون إليه والرائج منها اليوم غير ما كان في السابق ولها صور:

الأُولى: ما كان رائجاً في عصر صاحب الجواهر أو قبله في البلاد النائية حيث كان الحملدار يحمل الحجاج من بلادهم ويرجع بهم إليها، على نحو تستغرق كلّ حجّة، عامة الحول إلاّ قليلاً.

فلا شكّ أنّه يتمّ لأنّ السفر عمله، ولبثه في بلاده شهرين أو ثلاثة أشهر، لا يخرجه عن كون السفر عملاً، وهذا النوع من الحملدارية كان رائجاً في البلاد النائية كالتِّبت وغيرها وقد انقضى زمنها.

الثانية: ما كان رائجاً في إيران والعراق حيث إنّ الحملدار يشتغل بعمله في أشهر الحج ويرجع إلى بلده مع حجّاجه في نهايتها، وهذا هو الذي ذهب فيه السيد الطباطبائي إلى وجوب القصر، حيث قال: الظاهر وجوب القصر على الحملدارية الذين يستعملون السفر في خصوص أشهر الحجّ، ولعلّ وجهه هو انّ الفصل الزمني كثمانية أشهر بين السفرين يؤثر في خروجهم عن التعليل فلا يقال: إنّ السفر عملهم.

هذا ولكن الظاهر هو التمام لما قلنا من أنّ السفر لو كان طويلاً وموجباً للانتقال من بلد إلى بلد يكون موجباً للتمام، والفرق بين الحاج والحملدار


صفحه35

هو أنّ الأوّل يسافر مرّة واحدة، والحملدار يسافر كلّ سنة، فليس من البعيد القول بالإتمام وفاقاً للسيد الخوئي حيث قال: هذا فيما إذا كان زمان سفرهم قليلاً(1).(2) كما هو الغالب فيمن يسافر جوّاً وإلاّ ففي وجوبه إشكال، والاحتياط بالجمع لا يترك.

والعجب أنّ القائل بالقصر في هذه المسألة كالسيد الطباطبائي يقول بالتمام في مسألة أُخرى تقرب ممّا نحن فيه، أعني: ما إذا كان شغله المكاراة في الصيف دون الشتاء أو بالعكس مع أنّه لا فرق بين المسألتين، وهم يقولون فيهما بالتمام وسيوافيك دليله، فإنّه أشبه بالجابي والاشتقان.

ثمّ لو شككنا في صدق التعليل على الحملدارية وكان الشكّ شبهة حكمية مفهومية ناشئة من إجمال النص، فهل المرجع بعد إجمال المخصص هو الإطلاقات وأدلّة التمام الأدلّة المرخّصة، أي ما يدل على أنّ المسافر يقصر إلاّ إذا كان السفر عمله؟

فإن قلنا: إنّ مرجع الشك إلى التخصيص الزائد مثلاً نعلم أنّ من يسافر طوال السنة أو أكثرها خرج من العام، وإنّما الشك في خروج من يسافر خصوص أشهر الحجّ، فلا شكّ انّ المرجع عموم الأدلّة المرخصة، أي أنّ المسافر يقصر.

وأمّا إذا قلنا بأنّ مرجع الشكّ ليس إلى التخصيص الزائد ودوران الأمر بين الأقل والأكثر، وذلك لأنّه لو خرج الزائد فإنّما يخرج بعنوان واحد لا


1 . هذا هو القسم الثالث الرائج اليوم، فلا شكّ انّهم يقصرون.

2 . منهاج الصالحين: 1 / 245، المسألة 914 .


صفحه36

بعنوانين، فخروج الزائد وعدم خروجه لا يؤثر في قلّة التخصيص وأكثره.

فالمرجع هوالإطلاقات وأدلّة التمام، لأنّ إجمال المخصص يسري إلى الأدلّة المرخصة فلا يكون مرجعاً ولا حجّة فيرجع إلى العام فوق العام، أي أدلّة التمام.

نعم قال السيد الخوئي بأنّ المرجع عندئذ هو إطلاق لفظ المكاري مع أنّ الحملدار ربما لا يكون مكارياً، بل يكون مرشداً ومنظماً للأُمور، على أنّك عرفت أنّ الموضوع عملية السفر، لا تلك العناوين.

***

مَن كان شغله المكاراة في الصيف فقط

مَن اشتغل بالمكاراة في الصيف دون الشتاء أو بالعكس قال السيد الطباطبائي: الظاهر وجوب التمام عليه، ولكن الأحوط الجمع. والظاهر هو الأوّل.

والذي يدل على ذلك أي عدم اشتراط الاستمرار، ما ورد من أنّ الاشتقان والجابي(1) يُتمّان مع أنّ السفر عمل لهما في فصل خاص لا دائماً.

وحصيلة البحث: أنّه إذا كان تمام الموضوع هو كون السفر عملاً له، كما هو الحال في صحيحة زرارة، فلا فرق بين استغراقه تمام أيّام السنة أو بعضها.

***


1 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث2، 9، 12.


صفحه37

 

إذا كان شغله السفر إلى دون المسافة

إذا كان التردد إلى ما دون المسافة عملاً له كالسائق ونحوه، قصّر إذا سافر إلى حدِّ المسافة ولو للسياقة، لأنّ السفر إلى ما دون المسافة ليس موضوعاً للحكم، فهو يتم لأنّه كالحاضر عند الشرع، وعلى هذا فلو كثر سفره إلى ما دون المسافة، فهو مثل من لم يسافر، فيكون سفره إلى المسافة الشرعية، سفراً ابتدائياً وإن كان في الظاهر استمراراً لها، ولا اعتبار للوحدة الصورية، وقد مرّ أنّ السائق يقصّر في سفره الأوّل إلاّ إذا كان طويلاً يقوم مقام الأسفار العديدة.

وما احتمله في العروة: « من أنّه إذا كان يصدق عليه المسافر عرفاً وإن لم يكن بحد المسافة الشرعية، فإنّه يمكن أن يقال بوجوب التمام عليه، إذا سافر بحدّ المسافة» لا يمكن المساعدة معه، لأنّ الموضوع هو المسافر الشرعي، لا العرفي، والمراد من الكثرة، هي التي لولاها لكان عليه التقصير، وكلاهما غير موجودين في المقام، كما لا يخفى.

***

شرطية عدم إقامته عشرة أيام

ثمّ إنّهم ذكروا تبعاً للشيخ في النهاية شرطية عدم إقامته عشرة أيّام، وسوف يوافيك أنّ إقامة العشرة قاطع لموضوع السفر أو حكمه في فصل


صفحه38

قواطع السفر، وإنّما البحث في المقام في كونه قاطعاً لحكم عملية السفر وأنّه يرجع إلى القصر.

وبعبارة أُخرى: أنّ إقامة العشرة تؤثر في حقّ المسافر في أيّامها، ولكن الإقامة في حقّ السائق مثلاً تؤثر إذا أخذ بالسفر بعدها، وإلاّ فهو مطلقاً يتم، أقام أو لا، فلا تأثير لها فيها. فيقع الكلام في الأُمور التالية:

1. أقوال العلماء في أصل المسألة، وستعرف أنّ المسألة ليست بإجماعية عند القدماء والمتأخرين، بل قطع صاحب الحدائق بالعدم.

2. ما هو دليل الحكم؟

3. هل تختص القاطعية بالسفرة الأُولى أو لا؟

4. هل الحكم مختص بالمكاري أو يعم سائر الأقسام؟

5. إذا أقام أقل من عشرة أيّام كما إذا أقام خمسة أيّام، فما هو حكمه؟

6. هل هناك فرق بين بلده، وغير بلده؟

7. هل يشترط أن تكون الإقامة منوية، في بلده أو في غير بلده؟

8. وهل تلحق بها إقامة ثلاثين يوماً متردّداً بحكم أنّها توجب الإتمام في حقّ المسافر بعده مثل الإقامة أو لا ؟

و لنأخذ بدراسة المواضيع، فنقول:


صفحه39

 

1. أقوال العلماء

ذكره من القدماء الشيخ في نهايته، وابن البراج في مهذبه، وابن حمزة في وسيلته.

1. قال الشيخ: فإن كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام وجب عليهم التقصير، وإن كان مقامهم في بلدهم خمسة أيّام قصّروا بالنهار وتمّموا الصلاة بالليل.(1)

2. قال ابن البرّاج: ولا يجوز لأحد منهم التقصير إلاّ أن يقيم في بلدة عشرة أيّام، فإن أقام ذلك قصر، وإن كان مقامه خمسة أيّام قصّر بالنهار وتمّم بالليل.(2)

3. وقال ابن حمزة: فإن كان سفره في حكم الحضر لم يخل إمّا كان له دار إقامة، أو لم يكن. فإن كان له دار إقامة يكون له فيها مقام عشرة أيّام كان حكمه حكم غيره من المسافرين، وإن كان له فيها مقام خمسة أيّام قصّر بالنهار وأتمّ بالليل، وإن لم يكن له دار إقامة، أتم على كلّ حال.(3)

4. وقد خالفهم ابن إدريس فإنّه بعد ما ذكر عبارة الشيخ في النهاية قال: وهذا غير واضح ولا يجوز العمل به، بل يجب عليهم التمام بالنهار والليل بغير خلاف، ولا يُرجع عن المذهب بأخبار الآحاد، إلى آخر ما ذكره .


1 . النهاية: 122.   

2 . المهذب: 1/106.

3 . الوسيلة: 108.


صفحه40

ثمّ قال: وقد اعتذرنا لشيخنا أبي جعفر الطوسي رضي اللّه عنه فيما يوجد في كتاب النهاية فقلنا: أورده إيراداً لا اعتقاداً، وقد اعتذر هو في خطبة مبسوطه عن هذا الكتاب يعني النهاية بما قدمنا ذكره.(1)

5. وقال الكيدري: لا يجوز لهؤلاء التقصير إلاّ إذا كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام فحينئذ يجب التقصير، وإن كان مقامهم في بلدهم خمسة أيّام قصّروا الصلاة بالنهار وتمّموها بالليل.(2)

نعم لم يذكره أكثر القدماء كابن أبي عقيل، والصدوق في المقنع والهداية، والمفيد في مقنعته، والمرتضى في الانتصار، وسلاّر في مراسمه، والحلبي في كافيه، وابن زهرة في غنيته.

نعم ذكره كثير من المتأخّرين من عصر المحقّق إلى يومنا هذا .

قال المحقّق: وضابطه أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام، فلو أقام أحدهم عشرة ثمّ أنشأ سفراً قصّر، وقيل: يختص ذلك بالمكاري فيدخل في جملته الملاّح والأجير، والأوّل أظهر ولو أقام خمسة قيل: يُتم، وقيل: يقصر نهاراً صلاته دون صومه ويتم ليلاً، والأوّل أشبه.(3)

وقال العلاّمة في الإرشاد: والضابط أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام، فإن أقام أحدهم عشرة فصاعداً قصر، وإلاّ أتم ليلاًو نهاراً على رأي.(4)

ونقل المحقّق في المعتبر عن بعضهم انّ اشتراط (عدم) إقامة عشرة


1 . السرائر: 1/341.   

2 . إصباح الشيعة: 92.

3 . الشرائع: 1/102.   

4 . إرشاد الأذهان: 1/275.


صفحه41

أيام مجمع عليه وخمسة أيام خبر واحد، وردّ عليه المحقّق بأنّ دعوى الإجماع في مثل هذه الأُمور غلط.(1)

نعم ناقش المحقّق الأردبيلي في سند الروايات الثلاث التي استدل بها ودلالتها وقال: وبالجملة ضابط كثرة السفر، وجعلها حاصلة في الثالثة كما هو مذهب البعض، أو الثانية كما اختاره في المختلف، والقطع بإقامة عشرة في بلده مطلقاً وفي غيره مع النية، ممّا لا نجد عليه دليلاً.(2)

وتبعه صاحب المدارك، وأفتى صاحب الحدائق بوجوب الإتمام مطلقاً، قائلاً بأنّ الأخبار الصحاح قد استفاضت لوجوب الإتمام على المكاري، والخروج عنها بهذين الخبرين (إشارة إلى أخبار المسألة)، مع ما عرفت من الإشكالات المتقدمة فيهما، مشكل.(3)

***

2. ما هو دليل الحكم؟

إذا عرفت آراء الأصحاب فيها، فاللازم دراسة دليلها، وهي روايات ثلاث، ويمكن توحيدها لوحدة سندها، وإن كان بينها اختلاف في المتن.

الأُولى: صحيحة هشام بن الحكم: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان».(4)


1 . المعتبر: 253.

2 . مجمع الفائدة: 3/391.

3 . الحدائق: 11/395.

4 . الوسائل: ج 5، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.


صفحه42

والاستدلال مبني على كون المراد من قوله: «وليس له مقام» هو عدم إقامة العشرة ولكن يحتمل أن يكون قوله هذا تفسيراً لقوله: «يختلف» وعطف تفسير له. ومعه لا يصح الاستدلال.

الثانية: ما رواه الشيخ بسنده عن: 1. محمد بن أحمد بن يحيى (مؤلف نوادر الحكمة) ، 2. عن إبراهيم بن هاشم، 3. عن إسماعيل بن مرّار، 4. عن يونس بن عبدالرحمن، 5. عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). قال: سألته عن حدّ المكاري الذي يصوم ويتم؟ قال: «أيّما مكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقلّ من مقام عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبداً، وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير والإفطار».(1)

نقد الرواية سنداً ومتناً

وقد وقعت الرواية مورد النقد من كلا الجانبين:

أمّا الأوّل، فبوجهين أشار إليهما الأردبيلي وقال: وفي سنده إرسال وإضمار، مع أنّ إسماعيل بن مرّار مجهول.(2) وحاصله أمران:

1. في آخر السند إرسال.

2. إسماعيل بن مرّار مجهول.

و يمكن دفع الأوّل، بأنّ المراد من البعض في آخر السند، هو عبد اللّه


1 . الوسائل: ج 5، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2 . مجمع الفائدة: 3/396.


صفحه43

بن سنان، بشهادة أنّ الشيخ نقل هذه الرواية بنفس السند، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن سنان(1) ولو كان اختلاف، فإنّما هو في صدر السند، فقد نقل الشيخ الأُولى عن كتاب نوادر الحكمة، والثانية عن كتاب سعد بن عبد اللّه القمي، وكلاهما رويا عن إبراهيم بن هاشم، والاختلاف في المتن واشتمال أحدهما على زيادة، لا يجعلهما روايتين لاحتمال السقوط من إحداهما.

وأمّا كون إسماعيل بن مرّار مجهولاً، ممنوع، بل هو مهمل لا مجهول، فإنّ المجهول من حكم عليه أهل الرجال بالجهالة، لا من عنون وعرف ولم يوثق، فإنّه مهمل، أهمل أهل الرجال توثيقه، فقد عنونه الشيخ في رجاله، وقال: إسماعيل بن مرار روى عن يونس بن عبدالرحمن، وروى عنه إبراهيم بن هاشم.(2)

و يمكن إحراز وثاقته من الأُمور التالية:

1. كثرة رواياته عن يونس، قال السيد الخوئي: إنّ إسماعيل بن مرّار تبلغ رواياته عن يونس، أو يونس بن عبد الرحمن مائتين وزيادة، فالظاهر أنّ رواياته هي من كتب يونس.(3)

2. انّ إبراهيم بن هاشم أوّل من نشر حديث الكوفيين بقم، وجلالة إبراهيم بن هاشم تمنع عن الرواية عن المجهول بكثرة، وإن كانت لا تمنع


1 . الوسائل: ج 5، الباب 12من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

2 . رجال الطوسي: 447، برقم 35، في مَن لم يرو عن الأئمة.

3 . معجم رجال الحديث:3/183، برقم 1430.


صفحه44

عن القلة، فإنّ الثقة يروي عن غير الثقة قليلاً لا كثيراً.

3. قال أبو جعفر ابن بابويه: سمعت ابن الوليد(رحمه الله)يقول: كتب يونس بن عبدالرحمن التي هي بالروايات كلّها صحيحة يعتمد عليها، إلاّ ما ينفرد به محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، ولم يروه غيره فإنّه لا يعتمد عليه ولا يفتى به.(1)

و هذا الكلام يدل على أنّ الرواية ممّا صحّحها ابن الوليد، وليس له طريق لتصحيحها، إلاّ وثاقة الراوي وأورد عليه بأنّه يمكن أن يكون تصحيحه على أصل رائج بين القدماء، وهو انّ الأصل في الراوي هو الوثاقة، فالجرح يحتاج إلى الدليل.

يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر من كلام الشيخ الصدوق في حقّ أُستاذه ابن الوليد، انّه كان نقّاداً للرجال، عارفاً بهم حيث إنّه يتبع في التصحيح والتجريح أثر أُستاذه، فيصحّح ما صحّحه، وكل ما لم يصحّحه فهو عندنا متروك غير صحيح.(2) ومن كان هذا شأنه فهو يتبع في التصحيح والتجريح الدليل لا على الأصل، وإلاّ فلو كان الأصل أساس التصحيح فهو أيضاً كان موجوداً لدى الصدوق، فلا وجه لأن يعتمد عليه في كلا الموردين، بل يتبع في الجرح المستلزم للتحقيق.

أضف إلى ذلك أنّ الشيخ أخرجه من كتاب نوادر الحكمة، لمحمد بن أحمد بن يحيى، وقد استثنى ابن الوليد من رواته قرابة سبعة وعشرين


1 . الفهرست للطوسي: برقم 810.

2 . لاحظ كليات في علم الرجال، الفصل السادس، و قد أوضحنا الموضوع بالتفصيل.


صفحه45

شخصاً، ولم يستثن إسماعيل بن مرار.(1)

فهذه الوجوه تشرف الفقيه على الاطمئنان بصدور الحديث.

وأمّا الاعتماد في إحراز وثاقته على وقوعه في أسناد تفسير علي بن إبراهيم، أو كتاب كامل الزيارات(2) لابن قولويه، فغير صحيح، وقد أوضحنا حاله في كتابنا «كليات في علم الرجال» (3).

هذا كلّه حول المناقشة في السند، وأمّا المناقشة في دلالته فهي عبارة:

1. أنّ الظاهر من الرواية أنّ إقامة العشرة في البلد الذي يدخله، شرط متأخر، للإتمام في السفر المتقدم، وإن كان شرطاً مقارناً للقصر والإتمام في السفر المتأخر.

يلاحظ عليه: أنّه ظهور بدئي، يرتفع بملاحظة الروايات الثلاث، فإنّ الظاهر أنّ الكلّ بصدد بيان حكم صلاة المكاري بعد الإقامة لا قبلها.

2. الظاهر أنّ الشرط في الرواية هو الإقامة أكثر من عشرة أيام، مع أنّ الفتوى على كفاية العشرة.

يلاحظ عليه: أنّ المراد هو العشرة، وما زاد مثل قوله سبحانه: (فإِنْ كُنَّ نِساءً فَوق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ)(4)، ومن المعلوم أنّ الثلثين لبنتين وما


1 . رجال النجاشي: برقم 940. و لكن الظاهر أنّ الاستثناء راجع إلى من يروي عنه بلا واسطة لا كل من يقع في سند الحديث.

2 . مستند العروة: 8/176 ; معجم رجال الحديث:3/183، برقم 1430.

3 . راجع كليات في علم الرجال: 297 ـ 345.

4 . النساء: 11.


صفحه46

فوقهما، ولعلّه كان اصطلاحاً رائجاً.

الثالثة: ما رواه الشيخ عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «المكاري إذا لم يستقر في منزله إلاّ خمسة أيّام أو أقلّ قصّر في سفره بالنهار، وأتم صلاة الليل وعليه صيام شهر رمضان، فإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيّام أو أكثر، قصّر في سفره وأفطر».(1)

والسند نقيّ عن الإشكال لكن المتن لا يخلو من مناقشات:

1. اشتماله على ما ليس في الرواية الثانية من أنّ الإقامة في المنزل بمقدار الخمسة يوجب التقصير في الصلوات النهارية دون الليلية ودون صيام شهر رمضان.

يلاحظ عليه: أنّه ليس بإشكال، غاية الأمر انّها مشتملة على ما لم تشتمل عليه الثانية.

2. انقطاع الكثرة بأقلّ من خمسة خلاف الإجماع.

يلاحظ عليه: أنّ المراد هو الأقل من العشرة، لا الخمسة ويؤيد ما جاء في مقابله، العشرة وما فوقها، فيكون مقابله الخمسة وما فوقها ممّا هو أقلّ من العشرة.

3. أنّ الظاهر أنّ الإقامة في البلد الذي يذهب إليه موجب للقصر في السفر المتقدم عليه.

يلاحظ عليه: أنّ الظهور بدئيّ خصوصاً بملاحظة أنّ الشرطية الثانية في


1 . الوسائل: ج 5، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، في ضمن الحديث6.


صفحه47

مقابل الشرطية الأُولى، وبما أنّ المراد من قوله في الشرطية الأُولى: «قصر في سفره بالنهار» هو السفر من البلد الذي أقام فيه خمسة أيّام يكون المراد من قوله: «قصر في سفره» هو السفر الذي ينشئه بعد الإقامة فيه.

4. أنّ الصدوق رواه في الفقيه بزيادة في آخر الحديث أعني: «و ينصرف إلى منزله ويكون له مقام عشرة أيّام أو أكثر، قصر في سفره وأفطر».(1) ومقتضى الزيادة ترتب القصر على الإقامتين، إقامة في منزله، وإقامة في بلد الإقامة وهو ممّا لم يقل به أحد.

ولعلّ كلاًّ من الإقامتين ناظر إلى مورد خاص، الإقامة في المنزل لمن يريد الخروج من البلد، والإقامة في الأثناء لمن يريد الرجوع ولم يكن له إقامة في المنزل.

ولعلّ المجموع كاف في الحكم بأصل الانقطاع بالعشرة إجمالاً.

3. هل الحكم مختص بالسفر الأوّل؟

هل الحكم بالتقصير مختص بالسفرة الأُولى ويرجع في الثانية فضلاً عن الثالثة إلى التمام، أو يعمّ الثانية و الثالثة أيضاً؟

ذهب المحقّق إلى القول الأوّل على ما حكاه عنه تلميذه الفاضل الآبي في كشف الرموز، وأمّا التعميم إلى الثانية والثالثة، فمبني على الاختلاف السابق، من أنّ المدار في اتخاذ السفر عملاً على العرف، أو على القول


1 . المصدر السابق، الحديث 5.


صفحه48

بحصول الكثرة بمرّتين أو بثلاث مرّات، وقد ذهب الشهيد فيها إلى القول بتحقّقه بالثالثة، ولأجل ذلك قال في المقام بأنّ اسم المكاري زال عنه فعوده يتوقف على تكرر السفر ثلاثاً.(1)

والحقّ هو اختصاص الحكم بالسفرة الأُولى، ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:

1. قوله (عليه السلام)في ذيل مرسلة «يونس»: «و إن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير» فهو إمّا راجع إلى السفرة الأُولى فهو المطلوب أو راجع إلى جميع الأسفار إلى آخر العمر فهو باطل بالإجماع، أو راجع إلى الثاني والثالث فهو يتوقف على البيان والمفروض عدمه.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال فرع كون المتكلم في مقام البيان من الجهة المبحوث عنها وهو غير محرز، بل هو بصدد بيان أصل الحكم وانّه يقصر، وأمّا في أي سفر من أسفاره في أُولاها أو ثانيها أيضاً أو أكثر فليس بصدد بيانه.

2. أنّ قوله (عليه السلام)في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «فإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيّام أو أكثر قصر في سفره وأفطر» ظاهر في السفرة الواقعة عقيب إقامة العشرة لا كلّ سفرة.(2)

ومعنى ذلك أنّ الدليل المخصص في المقام قاصر فيرجع في السفرة الثانية إلى عموم ما دلّ على أنّ من اتخذ السفر شغلاً يتم ويصوم .


1 . الذكرى: 4 / 316، ضمن الشرط الخامس من شروط القصر.

2 . مستند العروة:8/179.


صفحه49

والحاصل: أنّه إذا كان المخصص مجملاً دائراً أمره بين الأقل والأكثر وكان منفصلاً يرجع في مورد الشكّ إلى العموم، كما إذا ورد: أكرم العلماء، وورد لا تكرم الفساق منهم، ودار أمر الفاسق بين كونه مرتكباً للكبيرة فقط أو يعمّها والصغيرة، فالمرجع هو عموم العام. وهو في المقام عموم ما دلّ على وظيفة من اتّخذ السفر شغلاً هو التمام.

و ربما يؤيد التمام باستصحابه، وذلك لأنّه بعد ما أقام العشرة في بلده ثمّ سافر وجب عليه القصر، وإذا دخل البلد وجب عليه التمام، فلو فرضنا إنشاء السفرة الثانية قبل العشرة كما هو المفروض، يستصحب حكم التمام المفروض عليه قبل إنشاء سفره.

ولا يخفى أنّ القضيتين مختلفتان، فالقضية المتيقنة من فرض عليه التمام بما أنّه مقيم في بلده وغير مسافر ولو بقي فيكون مفروضاً عليه بما أنّه مسافر والسفر عمله ومعه كيف يمكن إسراء حكم أحدهما إلى الآخر مع الاختلاف في الموضوع؟

من غير فرق بين كون المستصحب حكماً كلياً، أو حكماً جزئياً مفروضاً على الشخص .

أمّا الأوّل فلا شكّ انّ الموضوع مختلف فأين قوله: «يجب التمام على الحاضر»، من قوله: «يجب التمام على المسافر الذي اتخذ السفر شغلاً»؟

وأمّا الثاني فبأن يقال: كان الواجب على هذا الفرد المقيم في بلده هو التمام لحضوره فالأصل بقاؤه، ولو بعد ما غاب بالسفر، وكان السفر عمله، فانّ اختلاف الحيثيات، تؤثر في تغاير المتيقن والمشكوك.


صفحه50

وعلى كلّ تقدير فالسفرة الأُولى هي الفرد المتيقن ولكن إذا كان سفراً قصيراً، وأمّا إذا كان طويلاً، منتقلاً من بلد إلى بلد، بحيث يقوم السفر الواحد مكان الأسفار المتعددة، فالظاهر التمام.

ويظهر ممّا ذكرنا انّ إقامة العشرة، لا تخرج المكاري عن كونه مكارياً، ولا عن كون السفر عمله، فالحكم بالقصر بعد الإقامة (إذا كان في غير بلده) في السفرة الأُولى حكم تعبدي، يقتصر على مورد اليقين كما لا يخفى.

لا فرق بين المكاري والملاّح والساعي

هل الحكم مختص بالمكاري ولا يعم غيره حتى الملاح، كما هو خيرة المحقّق الخوئي في تعليقته على العروة، أو يعم الملاّح والأجير (أجير الملاح والمكاري) كما حكاه المحقّق ولم يذكر ناقله(1)، أو يعمّ كلّ من حكم عليه بالتمام لأجل عملية السفر كما هو خيرة المحقّق، وجوه ثلاثة:

أمّا الأوّل فهو مقتضى الجمود على ظاهر النص، أخذاً بالقدر المتيقن في تخصيص المخصص حيث إنّ مقتضى الأدلّة الأوّلية انّ المسافر يقصر، خرج عنه مَنْ عمله السفر، فهو يتم ويصوم، وقد ورد عليه التخصيص في مورد المكاري في أنّه إذا أقام عشراً، فهو يقصر ويصوم ومقتضى الجمود على النص، الاقتصار على مورد النص.

يلاحظ عليه: أنّه خلاف السيرة المستمرة بين الفقهاء من حمل أمثال المورد على المثال، والعرف يساعد على إلغاء الخصوصية في مثل الملاح


1 . الشرائع: 1/102.


صفحه51

الذي هو أيضاً مكار لكن في البحر.

وبذلك تظهر قوة الوجه الثالث من عمومية الحكم لكلّ من يتم ويصوم لعملية السفر سواء كان لأجل كون السفر شغله أو كون شغله في السفر، أو لأجل كثرة السفر على وجه يوصف بأنّ السفر عمله.

إذا أقام أقل من عشرة أيّام

إذا أقام في بلده أو غيره خمسة أيّام فهل هو يؤثر في تقصير صلاته أو لا؟ ذهب الشيخ في نهايته، وابن البراج في مهذبه، وابن حمزة في وسيلته، والكيدري في إصباحه(1) إلى أنّه قصر نهاراً وأتمّ ليلاً، وخالفهم ابن إدريس وقال: إنّ الشيخ ذكره إيراداً لا اعتقاداً.

مقتضى مرسلة يونس انّ المدار هو إقامة عشرة أيّام، لا الأقل، نعم مقتضى صحيحة ابن سنان، تأثير الأقلّ من خمسة أيّام حيث قال: «إلاّ خمسة أيّام أو أقلّ» ولا يمكن العمل به لوجهين:

1. عدم الإفتاء على وفقها حتى الشيخ حيث عرفت أنّ الوارد في كلامه وكلام من بعده هو الخمسة.

2. التفكيك بين الصلوات النهارية والليلية أمر بعيد.

3. دلّت النصوص على الملازمة بين التقصير والإفطار والتفكيك بينهما على خلاف القاعدة حيث قال: «وعليه صيام شهر رمضان».

فإمّا أن تؤوّل بحمل التقصير في النهار على إرادة النوافل، أو يرد علمها


1 . مرّت نصوصهم في صدر البحث.


صفحه52

إليهم(عليهم السلام)، وقد احتاط السيد الطباطبائي وقال: وإن كان الأحوط مع إقامة الخمسة الجمع وظاهره الجمع نهاراً وليلاً، مع أنّ مورد النص هو التقصير نهاراً لا ليلاً ولو احتاط فإنّما يحتاط في خصوص الصلوات النهارية.

لا فرق بين الإقامة في بلده وغيره

لا فرق في الإقامة بين بلده وغيره لوروده في النصوص ففي مرسلة يونس: أيّما مكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقلّ من مقام عشرة أيّام. ومثله صحيح عبد اللّه بن سنان فلاحظ.

اعتبار القصد في الإقامتين وعدمه

هل تكفي في قاطعية الإقامة نفس تحققها بلا نيّة في كلا الموردين، أو يتوقف على اقترانها بها، أو يفصل بين الإقامة في البلد فيكفي نفس الحضور، والإقامة في غيره فيعتبر كونها عن قصد ونية؟

أمّا الأوّل فهو مقتضى إطلاق النصوص، حيث إنّ المذكور فيه انّه أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله وليس فيه شيء من كونها ناشئة عن القصد والنيّة. وليس هنا دليل صالح لتقييد الإطلاق ولا سيّما انّ النيّة لا دخل لها في منافاة الإقامة عشرة لعملية السفر أصلاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّه يتم إذا لم يكن دليل من خارج مقيّد للإطلاق كما سيوافيك.


1 . المستمسك: 8 / 84 .


صفحه53

أمّا الثاني: فانّ اعتبار القصد في الإقامة في غير البلد ـ عند الأصحاب ـ يستلزم اعتباره في الإقامة في البلد، لوحدة لسان الدليل في الإقامتين.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم لو كان القول باعتبار القصد في الإقامة في غير البلد مستنداً إلى نصوص المسألة، وأمّا إذا كان الاستظهار مستنداً إلى دليل خارجي، فالقول بوحدة لسان الدليل غير نافع إذا كان مقتضى الدليل هو التفصيل كما سيوافيك.

وأمّا وجه التفصيل فيمكن تقريبه بوجهين:

1. أنّ حضور المسافر في الوطن، يخرجه عن كونه مسافراً ويصير حاضراً، فإنّ السفر عبارة عن التغرب عن الوطن والمفروض أنّه حاضر غير غارب، سواء نوى الإقامة أو لا، غير انّ الشارع حدّد القاطع بالعشرة لا بالأقل، فلو لبث فيه بالمقدار المحدَّد، حصل القاطع فالحضور الحقيقي في الوطن بأيّ نحو كان يوجب خروجه عن كونه مسافراً.

وأمّا الإقامة في غير الوطن عشرة أيّام، فهو لا يخرج الإنسان عن كونه مسافراً، أقام مع النيّة أو لا، لتغرّبه عن البلد والوطن، لكن الشارع تلقّى الإقامة عشرة حضوراً تعبدياً لا واقعياً والمناسب لكونه عدلاً للحضور الحقيقي، هو اقترانها بالنية لا بدونها.

والحاصل: أنّ مناسبة الحكم والموضوع أنّ كون الإقامة قاطعةً للسفر موضوعاً، تقتضي لبثه في غير الوطن مقروناً بالنيّة، لا بدونها، ولأجل ذلك يرى الشارع اللبثَ ثلاثين يوماً متردّداً قاطعاً للسفر في غير هذا المورد،


صفحه54

فكيف يمكن أن يكون قاطعاً له، وإن كان بمقدار ثُلْثه.

2. إذا قورن ما ورد في الباب مع ما ورد في باب قاطعية الإقامة لسفر المسافر، تستأنس وحدة الموضوع في كلا الموردين غاية الأمر أنّ الإقامة في المقام قاطع لسفر من اتخذ السفر شغلاً، وهناك قاطع لسفر مطلق المسافر، فبما انّ الموضوع هناك ليس مطلق اللبث بل المقارن مع القصد فهكذا المقام.

والأولى تلقي هذا الوجه مؤيداً لا دليلاً، لاحتمال اختلاف الموردين من بعض الجهات.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي(قدس سره)اعتمد في القول بالتفصيل على وجه آخر وقال: إنّ الوجه في ذلك استفادته من نفس صحيحة ابن سنان حيث عبّر في صدرها عن المكث بالمنزل، بالاستقرار فيعلم أنّ المدار فيه مطلق الاستقرار والبقاء الصادق مع النية وبدونها. وأمّا بالإضافة إلى البلد الذي يذهب إليه فقد عبّر بلفظ المقام قال: فإن كان له مقام... والمقام مشروب في مفهومه القصد حيث إنّه من باب الإفعال من «اقام» «يقيم» ومعناه اتخاذه محلاً والاتخاذ لا يتحقّق إلاّ مع القصد والنية.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا جامع ولا مانع، فقد عبر في مرسلة يونس عن الإقامة في البلد، بلفظ «اقام» مع أنّه لا يقول فيه باعتبار القصد فيه، وجاء «المقام» في القرآن بمعنى مطلق اللبث، قال سبحانه: (وَ إِذْ قالتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)(2) . والوجه في التفصيل ما ذكرناه.


1 . مستند العروة:8/185.   

2 . الأحزاب: 13.


صفحه55

في اختلاف كيفيات السفر

لا يشترط ـ في مَن شغله السفر ـ اتحاد كيفيات وخصوصيات أسفاره من حيث الطول والقصر ومن حيث الحمولة، ومن حيث نوع الشغل فلو كان ملاحاً، فصار مكارياً أو بالعكس.قال السيد الطباطبائي: إذا كان شغله المكاراة فاتفق أنّه ركب السفينة للزيارة، يقصر لأنّه سفر في غير عمله.

يلاحظ عليه: بما ذكرناه من أنّ المراد من العمل الوارد في الرواية ليس بمعنى الحرفة والمهنة بل بمعنى ما يمارسه الإنسان ويلازمه في غالب الأيّام، وإن لم يكن حرفته، فلو ركب المكاري السفينة فقد مارسَ ما كان يمارسه فلم يتركه والظاهر من الفرض أنّه ركب السفينة بما أنّه أحد المسافرين، ولم يَسُقْها وإلاّ ، لكان عمله الجديد، من سنخ عمله الماضي.

مسألة: قال السيد الطباطبائي: السائح في الأرض، الذي لم يتخذ وطناً منها يتم، والأحوط الجمع.

أقول: الغالب على السائح أنّه يخرج من وطنه قاصداً السياحة في قطر أو أقطار من الأرض ثمّ يرجع إلى وطنه، وهذا يُقصّر وإن طال، وأمّا إذا ترك وطنَه وأخذ بالسير في أقطار العالم، فهو يُتم مطلقاً لأنّ القصر من شأن من يخرج عن الوطن ثمّ يرجع إليه وهذا ليس له حضر، فليس له سفر في مقابله.

والغالب على مثله، هو التصميم على عدم اتخاذ الوطن، أو التردد في الأخذ وعدمه، نعم لو كان بانياً على اتخاذ الوطن فهو من أقسام ما ذكره السيد في المسألة 55، وإليك نصّه:


صفحه56

«من سافر معرضاً عن وطنه لكنّه لم يتخذ وطناً غيره يقصّر» مع كونه قاصداً له يقصر لأنّ له سفراً، وحضراً بالقوة لكونه على عتبة أخذ الوطن، وأكثرُ من يترك الوطنَ ويريد التوطن في نقطة أُخرى من مصاديق هذا الفرع، لأنّ أكثر الناس يشتكون من أوطانهم، فيتركونها طالبين التوطن في نقطة أُخرى فهو مسافر إلى أن يستقر باتخاذ الوطن، قال حجّة الإسلام التبريزي:

لو كانَ للمرء مِنْ عِزّ وَ مَكْرُمَة *** في دارِهِ لَمْ يُهاجِرْ سيّدُ الرُّسلِ

 

مَن كان في أرض واسعة

مَن كان في أرض واسعة قد اتخذها مقرّاً إلاّ أنّه في كل سَنَة مثلاً في مكان منها، يقصر إذا سافر عن مقر سنته.

وذلك إذا كان في العراق وله علائق بالمشاهد الأربعة: النجف، وكربلاء والكاظمية، وسامراء ـ على ساكنيها آلاف التحية والسلام ـ فيَسْكُن في كلّ سنة واحدة منها، فلو قلنا بأنّ له أوطاناً أربعة، فلا إشكال في وجوب القصر إذا خرج، ولو قلنا باعتبار الدوام في الوطن ولا يكفي توطن سنة في صدق الوطن فكذلك أيضاً، لأنّه يصير كلّ بلد محلّ الإقامة فإذا خرج يقصر.

إذا شكّ في الإقامة

إذا شكّ في أنّه أقام في منزله أو بلد آخر العشرة أو أقلّ بقي على التمام، للاستصحاب.


صفحه57

الرسالة السادسة والخمسون

من كان في بعض الوقت حاضراً


صفحه58


صفحه59

إذا كان في بعض الوقت حاضراً، وفي البعض الآخر مسافراً، كما إذا كان في أوّل الوقت حاضراً ولم يصلّ وصار في آخر الوقت مسافراً، أو كان أوّل الوقت مسافراً ولم يصلّ وصار في آخره حاضراً، فهل الملاك في التمام والقصر، حال تعلّق الوجوب فيُتمَّ في الأوّل ويقصّر في الثاني، أو حال الأداء فينعكس؟

ولو افترضنا أنّه لم يصل في تمام الوقت مع كون الحال كذلك، فهل الملاك في القضاء هو مراعاة حال الوقت، أو وقت تعلّق الوجوب، أو مخير بين التمام والقصر؟

فيقع الكلام في صور ثلاث:

الصورة الأُولى: فيما إذا كان أوّل الوقت حاضراً وآخره مسافراً والمسألة، من الفقه المنصوص، وقد تضاربت فيها الأقوال واختلفت النصوص بادئ بدء، فلنذكر الآراء قبل النصوص وهي أربعة:

1. لزوم رعاية حال الأداء والامتثال. وهو خيرة علي بن بابويه(1)والمفيد في المقنعة، والسيد المرتضى في المصباح(2) ، والشيخ في


1 . نقله عنه العلاّمة في المختلف :2/541.

2 . نقله عنه ابن إدريس في السرائر : 1/235، و ستوافيك نصوص الباقين.


صفحه60

التهذيب، وابن إدريس، ونقله الشيخ في الخلاف عن الشافعي.

2. لزوم رعاية حال تعلّق الوجوب. وهو خيرة الصدوق في المقنع وابن أبي عقيل.(1)

3. التخيير بين الأمرين. وهو خيرة الشيخ في الخلاف.

4. أو حال الوجوب، مادام الوقت باقياً وإلاّ فيقصر. وهو مختاره في النهاية والمبسوط ونقله العلاّمة عن ابن البراج.(2)

إذا وقفت على الأقوال فلنذكر قسماً من عباراتهم:

1. قال الصدوق: وإذا خرج من مصره بعد دخول الوقت فعليه التمام.(3)

2. قال المفيد: وإذا دخل وقت صلاة على الحاضر فلم يصلِّها حتى صار مسافراً وكان الوقت باقياً صلاّها على التقصير.(4)

3. قال الشيخ: فإن خرج من منزله وقد دخل الوقت وجب عليه التمام إذا كان قد بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه التمام، فإن تضيّق الوقت قصّر ولم يتمم.(5)

4. وقال أيضاً: فإن خرج من منزله وقد دخل الوقت وجب عليه التمام إذا بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه على التمام، فإن تضيق الوقت قصر ولم يتمم.(6) هذا هو القول الأوّل للشيخ.


1 . نقله العلاّمة في المختلف: 2/541.

2 . لاحظ المختلف:2/541.   

3 . المقنع: 125.

4 . المقنعة: 211.   

5 . النهاية: 123.   

6 . المبسوط: 1/141.


صفحه61

5. وقال في الخلاف: إذا خرج إلى السفر وقد دخل الوقت إلاّ أنّه مضى مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات جاز له القصر ويستحب له الإتمام.

وقال الشافعي: إن سافر بعد دخول الوقت فإن كان مضى مقدار ما يمكنه أن يصلّي فيه أربعة كان له التقصير قال: هذا قولنا وقول الجماعة إلاّ المُزنَي فإنّه قال: عليه الإتمام ولا يجوز له التقصير.(1)

وهذا هو القول الثاني للشيخ، فقد أفتى بالتخيير مع كون الإتمام مستحباً.

و يظهر من الشيخ في التهذيب قول ثالث، وهو كون المعيار زمان الأداء، نقله عنه ابن إدريس في السرائر واختاره، وإليك نصّه:

6. قال ابن إدريس: الروايات مختلفة فيمن دخل عليه وقت صلاة وهو حاضر فسافر، أو دخل عليه الوقت وهو مسافر فحضر، والأظهر بين محصلي أصحابنا انّه يصلّي حسب حال الأداء فيتم الحاضر ويقصر المسافر مادام في وقت من الصلاة، وإن كان أخيراً، فإن خرج الوقت لم يجز إلاّ قضاؤها بحسب حاله عند دخول أوّل وقتها.

ثمّ ذكر ابن إدريس عبارة الشيخ في النهاية وردّ عليه بأنّه ممّا لم يذهب إليه أحد ولم يقل به فقيه، ولا مصنف ذكره في كتابه لا منّا ولا من مخالفينا، ثمّ ذكر ما نقلناه عن الخلاف من التخيير وكون الإتمام مستحبّاً وردّ عليه ثمّ قال: والصحيح ما ذهبنا إليه أوّلاً واخترناه لأنّه موافق للأدلّة، وأُصول المذهب


1 . الخلاف: 1 / 577، صلاة المسافر، برقم 332.


صفحه62

وعليه الإجماع، وهو مذهب السيد المرتضى، ذكره في مصباحه، والشيخ المفيد وغيرهما من أصحابنا ومذهب شيخنا في تهذيبه فإنّه حقّق القول في ذلك، وبالغ فيه، ورجع عمّا ذكره في نهايته ومسائل خلافه في تهذيب الأحكام في باب أحكام فوائت الصلاة.(1)

7. قال ابن سعيد: وإذا دخل الوقت حاضراً ثمّ سافر وهو باق قصّر.(2)

8. وقال المحقّق: وإذا دخل الوقت وهو حاضر ثمّ سافر والوقت باق، فالتقصير أشبه.

9. وقال السيد الطباطبائي: إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر متمكن من الصلاة ولم يصلِّ ثمّ سافر وجب عليه القصر.

10. وقال سيد مشايخنا البروجردي بالجمع في تعليقته على العروة. لكنّه عدل عنه في درسه الشريف.

وقد وردت الرواية على وفق القولين الأوّلين، وستوافيك نصوصهما.

إذا عرفت ذلك فلنذكر مقتضى القاعدة قبل سرد الروايات.

ما هو مقتضى القاعدة في المقام؟

لا شكّ أنّ قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)يخاطب كلاًّ من الحاضر والمسافر بما تقتضي حاله من الإتمام والتقصير في الجزء الأوّل


1 . السرائر: 1/334. لاحظ التهذيب: 1 / 163 ، الباب 10 من أحكام قراءة الصلاة، الحديث 14.

2 . الجامع للشرائع : 93.


صفحه63

من الوقت على وجه يتمكن من إقامة الفريضة. إنّما الكلام في أنّه مختص بالجزء الأوّل غاية الأمر يدوم التكليف الثابت فيه إلى آخر الوقت وإن تغيرت حاله، أو أنّه في كلّ جزء مخاطب بما هو مقتضى حاله فيتغير التكليف حسب توالي الحالات، فهو في كلّ جزء مخاطب ومكلّف بإيجاد الطبيعة حسب حاله وظرفه. فعلى الأوّل يكون المعيار هو حال تعلّق الوجوب، بخلاف الثاني إذ يكون المعيار عندئذ زمان الامتثال.

و مقتضى إطلاق الدليل هو الثاني وعدم اختصاص الخطاب بالجزء الأوّل، وإن شئت قلت: قوله: «قصّر» مطلق يعمّ ما لو كان أوّل الوقت حاضراً، كما أنّ قوله: «أتمم» مطلق يعمّ ما لو كان أوّل الوقت مسافراً، ومعنى الإطلاقين، انّه يتبع في امتثال التكليف ظروفه وحالاته التي يريد التأدية فيها.(1)

هذا هو مقتضى القاعدة إنّما الكلام في الأدلّة الواردة في المقام مع قطع النظر عنه، ومجموع ما ورد في المقام لا يتجاوز عن تسع روايات أربعة منها، صريحة في القول المشهور، وإليك دراستها:

1. صحيحة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يدخل عليّوقت الصلاة وأنا في السفر فلا أُصلّـي حتى أدخل أهلي، فقال: «صلّ وأتم الصلاة» قلت: فدخل عليّوقت الصلاة وأنا في أهلي أُريد السفر فلا أُصلّي حتى أخرج، فقال: «فصلّو قصّر، فإن لم تفعل، فقد خالفت واللّه رسول اللّه».(2) والرواية متعرضة لحكم كلتا الصورتين، والظاهر أنّ الذيل


1 . التقرير للسيد المحقّق البروجردي حسب تحريري من دورسه الشريفة.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.


صفحه64

«فإن لم تفعل فقد خالفت والله رسول اللّه» راجع إلى أصل الإتمام في السفر كما هو مورد الشقّ الثاني فإنّه من مصاديق الإتمام في السفر الذي قصّر فيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ووصف المخالف بالعاصي كما مرّ.

2. صحيح محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس، فقال: «إذا خرجت فصلّ ركعتين».(1)

3. صحيح محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة فقال: «إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم...».(2) لكن لو قلنا بعدم الفصل بين الصورتين تكون من روايات المسألة وسيوافيك نقلها أيضاً في المقام الثاني.

4. خبر الحسن بن علي الوشاء قال: سمعت الرضا (عليه السلام)يقول: «إذا زالت الشمس وأنت في المصر وأنت تريد السفر، فأتم، فإذا خرجت بعد الزوال قصّر العصر»(3) وليس بين الفقرتين تعارض، لأنّ الأُولى ناظرة إلى ما إذا أراد السفر وهو بعدُ لم يخرج فيُتمّ الصلاة فيه، والغرض ردع توهم انّ مجرّد قصد السفر يوجب القصر، والفقرة الثانية هي المطلوبة في المقام بناء على ما هوالمقرّر من أنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان، فقد خرج عن المصر وقد دخل وقت العصر.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

3 . الوسائل: ج5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.و في سنده الحسين بن محمد إبن عامر الأشعري، لم يوثق; ومعلى بن محمد، وهو أيضاً مثله.


صفحه65

5. ما في الفقه الرضوي: «و إن خرجت من منزلك، وقد دخل عليك وقت الصلاة، ولم تصل حتى خرجت، فعليك التقصير، وإن دخل عليك وقت الصلاة وأنت في السفر، ولم تصلّ حتى تدخل أهلك، فعليك التمام».(1)

و الفقه الرضوي تأليف فقيه عارف بالأخبار، مطلقها ومقيدها، عامّها وخاصّها، فيأتي بالحكم بعد إعمال الاجتهاد كما هو واضح لمن طالعه.

هذا مجموع ما ورد في المقام ممّا يدل على أنّ الميزان، هو وقت الامتثال فيما إذا خرج من بيته وقد زالت الشمس ولم يصل، وهي من التصريح بمكان خصوصاً رواية إسماعيل بن جابر.

***

واعلم أنّ لمحمد بن مسلم روايات أربع: اثنتان منها تدلاّن على القول المشهور وقد مرّتا، واثنتان يستظهر منهما خلاف المشهور، ولابدّ من دراسة الروايات المخالفة، والمهم منها الثانية والرابعة لمحمد بن مسلم. من الباب 21.

1. صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق، فقال: «يصلي ركعتين، وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعاً»(2).


1 . المستدرك: ج 6، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.

2 . الوسائل : ج 5 ، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.


صفحه66

يلاحظ عليه: أنّه غير ظاهر في المقصود لو لم يكن ظاهراً في خلافه، أمّا الشقّ الأوّل فهو وإن كان راجعاً إلى المقام الثاني ولكن قوله: «يصلّي ركعتين » بعد قوله: «و قد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق» ظاهر في أنّه يصلّي ركعتين في الطريق وإن قرب المصر، إفهاماً بأنّ القرب من الوطن، ليس موضوعاً للحكم بالتمام، وبذلك يعلم معنى الشقّ الثاني الذي ورد في حكم هذه الصورة ومفاده أنّ الاستعداد للسفر أو المشي نحو حدّ الترخص لا يكون مجوزاً للتقصير، وكأنّه يقول: «و دخل وقت الصلاة وهو في البلد» ويعلم وجه هذا التقدير بالقياس إلى الشقّ الأوّل.

2. صحيحه الآخر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل يدخل مكة من سفره وقد دخل وقت الصلاة؟ قال: «يصلّي ركعتين، وإن خرج إلى سفر وقد دخل وقت الصلاة، فليصلّ أربعاً».(1)

يلاحظ عليه: أنّه يعبّر عن الدخول في مكة بصيغة المضارع ويقول: «يدخل مكة» ويعبِّر عن دخول الوقت بصيغة الماضي، وهذا قرينة على أنّ المراد من الشقّ الأوّل هو القرب من مكة وهو في الطريق، ولذلك قال: «يصلّـي ركعتين» وبه يعلم حال الشقّ الثاني الذي هو المطلوب في المقام، وكأنّه ـ بالقياس إلى الشق الأوّل ـ يقول: «و إن يخرج إلى سفره...».

أضف إلى ذلك لو افترضنا عدم ظهور الروايتين فيما حملناهما عليه لكن ما نقلنا عن محمد بن مسلم من الرواية الثانية دليل على القول الأوّل،


1 . الوسائل : ج 5 ، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.


صفحه67

كاف في رفع الإجمال، أعني: ما رواه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال: «إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصلّ وليقصر».(1)

وهذه إذا انضمت إلى الروايتين ترفع الإجمال وانّ الأمر بالقصر لأجل إقامة الصلاة في الطريق لغاية ضيق الوقت، والأمر بالتمام لأجل إقامة الصلاة بعد الدخول في البلد لغاية سعة الوقت.

هذا ومن المعلوم أنّ محمد بن مسلم لم يسأل الإمام عن المسألة، أربع مرات، وإنّما سأله مرّة واحدة، وأجاب الإمام بوضوح، وإنّما طرأ الإجمال من جانب الرواة.

3.خبر بشير النبال قال: خرجت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام)حتى أتينا الشجرة، فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يا نبال» قلت: لبيك، قال: «إنّه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلّي أربعاً غيري وغيرك، وذلك انّه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج».(2)

وبشير، أخو«شجرة»، لم يرد فيه توثيق، وهو قليل الرواية، وقد ذكر سيدنا المحقّق البروجردي أنّه له في الكتب الأربعة روايات ثلاث، فلا يعادل رواية إسماعيل الفقيه، ويحتمل أن يكون المراد وجوب الأربعة للإتيان بها في المحل قبل الخروج من المحل، دفعاً لما يتوهم من أنّ قصد السفر، يجوز


1 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

2 . الوسائل: ج 5 ، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.


صفحه68

التقصير وإن لم يخرج، ولذلك قال في الوسائل: «ليس فيه أنّهما صلّيا بعد الخروج ويحتمل كونهما صلّيا في المدينة».

4. ما رواه ابن إدريس في «مستطرفات السرائر» نقلاً عن كتاب جميل بن دراج، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام)وهو مركّب من فقرات ثلاث:

أ. انّه قال في رجل مسافر نسي الظهر والعصر في السفر حتى دخل أهله، قال: «يصلّي أربع ركعات».

ب. وقال لمن نسي صلاة الظهر والعصر وهو مقيم حتى يخرج، قال: «يصلّي أربع ركعات في سفره».

ج. وقال: إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثمّ سافر صلّى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره.(1)

والفقرة الثالثة صريحة في أنّ المناط هو وقت تعلّق الوجوب على وجه غير قابل للتأويل. وأمّا الفقرتان الأُولتان، فهما راجعتان إلى الفرع الثالث أي قضاء ما فات في السفر، وسيوافيك الكلام فيه.

إنّما الكلام في اعتبار ما وصل إلى ابن إدريس من كتاب جميل، والظاهر انّه نقله بالوجادة من دون أن يقرأ النسخة على أُستاذه وهو على أُستاذه حتى يكون أثراً معتبراً.

5. ما رواه في البحار والمستدرك عن كتاب محمد بن المثنى


1 . السرائر:3/568. و رواه العاملي في الوسائل بصورة روايتين مع أنّهما رواية واحدة.راجع الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13 و 14.


صفحه69

الحضرمي، عن جعفر بن محمد بن شريح، عن ذريح المحاربي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إن خرج الرجل مسافراً وقد دخل وقت الصلاة كم يصلّي؟ قال: «أربعاً»، قال: قلت: وإن دخل وقت الصلاة وهو في السفر؟ قال: «يصلّي ركعتين قبل أن يدخل أهله، فإن دخل المصر فليصلّ أربعاً».(1)

والحديث يفصّل بين الذاهب إلى السفر، فالمناط وقت التعلّق ولذلك قال: يصلّي أربعاً; وبين الآيب منه، فالمناط وقت الأداء ولذلك قال: «فيصلّي أربعاً إذا دخل».

و يمكن حمل الفقرة الأُولى بالإتيان بالصلاة قبل حدّ الترخّص وإن كان خلاف الظاهر، وبما أنّ الرواية منقولة عن طريق الوجادة، فلا عبرة بها في مقابل المرويات عن الكتب الأربعة التي لم تزل الدراسة والقراءة فيها دارجة بين المشايخ.

6. رواية معاوية بن عمّار وهي مضطربة جدّاً.(2)

إلى هنا تبيّن أنّ الأربعة الأخيرة ابتداء من خبر بشير، وانتهاء إلى مضطربة معاوية بن عمّار، ممّا لا يصحّ الاستناد إليه من حيث السند لكونه إمّا خبراً وارداً في واقعة خاصة أو مرويّاً في كتب تصلح للتأييد لا للاحتجاج. والقابل للاحتجاج هو صحيحا محمد بن مسلم وقد روى عن الإمام رواية واحدة ثم تسرب الاختلاف إلى مضمونها، من جانب الرواة عنه مع إمكان حملهما على ما لا ينافي الصنف الأوّل.


1 . المستدرك : الجزء 6، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 3، الباب 23 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.


صفحه70

و بذلك تبيّـن وجه القول وانّ دليل القول بأنّ المناط هو زمان تعلّق الوجوب لا يعادل دليل القول بأنّ المعيار هو زمان الامتثال.

 

دراسة سائر الأقوال

إذا عرفت مدارك القولين بقي الكلام في دراسة سائر الأقوال:

منها: ما يظهر من الشيخ من التخيير بين القصر والإتمام، إذا مضى وقت يتمكن فيه من الإتيان بصلاة تامّة، مع كون الإتمام أفضل.

وقد استدلّ الشيخ على مدّعاه بصحيح ابن جابر الدالّ على تعيّن القصر وخبر بشير النبال الدالّ على تعيّن التمام، بحمل الأوّل على الإجزاء والآخر على الاستحباب.

يلاحظ عليه: بأنّه لا يصح حمل صحيح ابن جابر على الإجزاء دون التعيّن، لقوله: «صلّ وقصّر فإن لم تفعل فقد خالفت والله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)» وهل يمكن حمل مثل هذا الكلام على الإجزاء مع كون الندب في خلافه، والمفروض فيه هو مضي مقدار من الوقت يتمكن فيه من إقامة الصلاة لقول ابن جابر: «فلا أُصلّي حتى أخرج» ومعناه أنّه كان متمكناً من الصلاة ولم يصلّ وخرج وعندئذ كيف يكون مخيّراً، ويكون الإتمام مستحباً؟! وقال السيد العاملي: الخلاف في المسألة مقصور على ما إذا مضى وقت الصلاة كاملة الشرائط كما هو مفروض في عبارات جماعة، وبذلك صرح الشهيدان في الذكرى والدروس والبيان والمسالك والمحقّق الثاني، وفي الروض هو


صفحه71

شرط لازم اتّفاقاً وفي الذكرى وإذا لم يسع ذلك تتعين بحال الأداء قطعاً.(1)

ومنها: التخيير مطلقاً، نقله السيد البروجردي ونسبه إلى الخلاف، والموجود في الخلاف هو التخيير بالنحو الماضي لا مطلقاً ولم يعلم قائله، وليس له دليل ظاهر سوى تصور أنّ كلاً من الصنفين متعرض لواحد من شقّي التخيير.

وبعبارة أُخرى: يرفع اليد عن تعيّن كلٍّ بقرينة الشقّ الآخر وتكون النتيجة، هو تخيير المكلّف بين القصر والإتمام، ولكنّه لا تساعده صحيحة ابن جابر حيث قال: «فإن لم تفعل فقد خالفت واللّه رسول اللّه».(2)

و إن أراد منه التخيير الظاهري بحجّة أنّ الروايات المتعارضة، متعادلة فلا ترجيح بينهما، فيكون المكلّف مخيّراً في الظاهر في الأخذ بأحدهما، فهو فرع كونهما متعادلتين، وقد عرفت أنّ ما يدلّ على أنّ الملاك هو زمان الامتثال أصحّ سنداً وأقوى دلالة.

ومنها: التفصيل بين سعة الوقت للإتمام فيتم في الطريق وإلاّ فيقصر، وهو الظاهر من الشيخ في النهاية والمبسوط وقد مضى نصُّهما، وربما يستدل له بموثقة إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام)يقول، في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة، « إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصّر»(3). حيث إنّ ظاهره هو الإتمام في


1 . مفتاح الكرامة: 3/487.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.


صفحه72

البلد إذا كان الوقت وسيعاً، والتقصير فيه إذا كان ضيّقاً.

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر منه هو التفصيل بين الدخول في البلد، والإتمام فيه، إذا كان الوقت وسيعاً، وعدمه، والتقصير في الطريق، إذا كان الوقت ضيّقاً، ويشهد له صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال: «إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتمّ، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصّر».(1)

يقول السيد العاملي في تفسير الحديث: إنّ الذي يقدم من سفره حتى لم يخف خروج وقت الصلاة يؤخر فيدخل وطنه فيتم ولا يصلّي في الطريق قصراً إلاّ أن يخاف خروج الوقت، فحينئذ يصلّي في الطريق قصراً.

***

الصورة الثانية: فيما إذا كان أوّل الوقت مسافراً وآخره حاضراً، والمشهور كون المناط وقت الأداء ولنذكر الأقوال فيه:

1. ذهب المفيد إلى ما ذهب إليه المشهور وقال: فإن دخل على المسافر وقت صلاة، فتركها لعذر ذاكراً أو نسيها حتى صار حاضراً والوقت باق صلاّها على التمام (2)، ووافقه ابن إدريس وقد مضى نصّه في المقام الأوّل.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

2 . المقنعة: 211، باب أحكام فوائت الصلاة.


صفحه73

2. وقال الشيخ في النهاية والمبسوط بعد الدخول في البلد بالتفصيل الماضي بين بقاء الوقت فيتم وعدمه فيقصر قال: وإن دخل من سفر بعد دخول الوقت وكان قد بقى من الوقت مقدار ما يتمكن فيه من أداء الصلاة على التمام فليصلِّ وليتم، وإن لم يكن قد بقي مقدار ذلك قصّر.(1) ولم يذكر في الخلاف هذه الصورة.

3. وقال ابن الجنيد بالتخيير بين القصر والإتمام، حكاه السيد العاملي عنه في مفتاح الكرامة.(2)

وعلى كل تقدير فالأقوال ثلاثة وإن حكي القول بتعيّـن القصر، ولكن لم يعرف قائله.

و المشهور هو القول الأوّل. قال السيد العاملي في ذيل قول العلاّمة: «وكذا لو حضر من السفر في أثناء الوقت أتم على رأي». هذا خيرة المفيد وعلي بن الحسين ـ على ما نقل عنهما ـ والفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام) ، والسرائر، والشرائع، والنافع، وكشف الرموز، والتحرير، والتذكرة، ونهاية الأحكام، والمنتهى، والإرشاد، والتبصرة، والإيضاح، والدروس، والبيان، والموجز الحاوي، وجامع المقاصد، وفوائد الشرائع، وتعليق النافع والجعفرية، والغرية، والميسية، وإرشاد الجعفرية، والروضة، والروض، والمسالك، والمدارك، ورسالة صاحب المعالم، والنجيبيّة، والكفاية،


1 . النهاية: 123، و لاحظ المبسوط:1/141.

2 . مفتاح الكرامة: 3/490.


صفحه74

والمفاتيح، والمصابيح، والرياض، والحدائق، وهو المشهور بين المتأخرين.(1)

إذا عرفت الأقوال، فلندرس الروايات وهي بين ما تتعرض لحكم كلا المقامين، وما تتعرض لحكم أحدهما، ويدل على القول المشهور لفيف من الروايات:

1. صحيح إسماعيل بن جابر(2) وقد مرّنصه. وهو من الروايات المتعرضة لحكم كلا المقامين.

2. صحيح العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثمّ يدخل بيته قبل أن يصلّيها؟ قال: يصلّيها أربعاً وقال: «لا يزال يقصر حتى يدخل بيته».(3)

3. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة فقال: «إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصّر».(4)

و هذه الروايات الثلاث، صريحة في أنّ المتبع وقت الأداء، غير أنّ الأُولى متضمنة لحكم كلتا الصورتين، بخلاف الأخيرتين فهما تتضمنان حكم الصورة الثانية فقط.

وأمّا الروايات الثلاث الباقية لمحمد بن مسلم، فالرواية الأُولى في


1 . مفتاح الكرامة: 3/490.   

2 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2 .

3 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

4 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8 .


صفحه75

الباب 21 متعرضة لحكم الصورة الأُولى، وأمّا الأُخريتان ـ أي الرواية الخامسة والحادية عشرة من الباب ـ فقد عرفت مفادهما وأنّهما متعرضتان لحكم كلتي الصورتين وأنّ مفادهما هو كون المناط هو وقت الأداء فلا نعيد.وفي ضوء رواية محمد بن مسلم المذكورة، يستوضح بعض ما يمكن أن يكون شاهداً على فتوى الشيخ القائل بالتفصيل ـ بعد الدخول في البلد ـ بين بقاء الوقت فيتم وعدمه فيقصر، وقد استند في تفصيله هذا والذي أفتى به في النهاية والمبسوط إلى الروايتين التاليتين:

4. معتبرة إسحاق بن عمار(1) قال: سمعت أبا الحسن(عليه السلام)يقول: في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة فقال: «إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصّر».(2)

والرواية بقرينة رواية ابن مسلم ليست ناظرة إلى سعة الوقت أو ضيقه بعد الدخول في البلد، بل ناظرة إلى سعته وضيقه وهو في السفر، فلو كانت هناك سعة في الوقت يدخل البلد ويتم وإلاّ فيقصر في الطريق.

5. صحيح منصور بن حازم قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله فسار حتى يدخل أهله، فإن شاء قصر وإن شاء أتم، والإتمام أحبّ إليّ».(3)


1 . إسحاق بن عمار مردد بين بن حيان الإمامي و الساباطي الفطحي و إن كانا ثقتين وربما احتمل وحدتهما، و فيه تأمل كما هو واضح لمن لاحظ كلمة النجاشي في رجاله في حقّ الرجل.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6 .

3 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.


صفحه76

و أمّا سند الحديث فقد رُوي عن:

1. محمد بن أحمد بن يحيى، صاحب نوادر الحكمة.

2. عن محمد بن عبد الحميد الذي قال النجاشي في حقّه: «محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر، روى عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)وكان ثقة من أصحابنا له كتاب النوادر».(1) واستظهر بعض الأعاظم من المعاصرين أنّ التوثيق راجع إلى عبد الحميد، ولكن الظاهر أنّه راجع إلى محمد لرجوع الضمير في «له كتاب» إليه، وهذا هو الذي فهمه صاحب الوسائل ونقل وثاقته عن رجال النجاشي.

3. عن سيف بن عميرة الذي عرفه النجاشي بقوله: عربي، كوفي، ثقة، وإن قيل إنّ النسخ الخطية للرجال خالية عن التوثيق، لكن نقله المامقاني في تنقيح المقال (2)، والقهبائي في مجمع الرجال (3)، كما وثقه الشيخ في الفهرست(4).

4. عن منصور بن حازم أبي أيّوب البجلي، كوفي، ثقة، عين كما في رجال النجاشي، فالرواية صحيحة.

ولكن المضمون، قابل للحمل على ما في صحيح محمد بن مسلم، لأنّ قوله: «فسار حتى يدخل أهله» بمعنى أخذ بالسير نحو البلد ـ وبعدُ لما يدخل ـ وعند ذلك يخيّره الإمام بين الصلاة في الطريق فيقصر والصبر حتى يدخل أهله فيتم، والإتمام أحبّ إلى الإمام، ولعلّه لأنّه يصلّي في المنزل بقلب


1 . رجال النجاشي: رقم 907.   

2 . تنقيح المقال: 2 / 79 .

3 . مجمع الرجال: 3 / 187 .   

4 . الفهرست: برقم 164 .


صفحه77

هادئ، وليست الرواية دالّة على ما نسب إلى ابن الجنيد.

و بهذا ظهر أنّ ما ذهب إليه المشهور، هو المنصور، وليس لما يدل على القول الآخر، دليل صالح للاعتماد.

***

هذا كلّه في حكم الصورتين، أعني: ما إذا كان حاضراً في أوّل الوقت وصار مسافراً بعده وبالعكس، وقد عرفت أنّ المتبع هو وقت الأداء .

بقي الكلام في الصورة الثالثة وهو حكم من فاتته الصلاة وله إحدى الحالتين، وهي التي تعرض لها السيد الطباطبائي في المسألة العاشرة.

***

الصورة الثالثة: إذا فاتته فريضة

إذا كان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً أو بالعكس ومع ذلك فاتته الصلاة لعذر أو لغيره، فهل يقضيها حسب ما فاتته، أو يقضيها حسبَ ما تعلّق به الوجوب، أو يتخير بين الأمرين، قال السيد الطباطبائي: إذا فاتت منه الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً أو بالعكس فالأقوى أنّه مخيّر بين القضاء قصراً أو تماماً، لأنّه فاتت منه الصلاة في مجموع الوقت والمفروض أنّه كان مكلّفاً في بعضه بالقصر وفي بعضه بالتمام، ولكن الأحوط مراعاة حال الفوت وهو آخر الوقت، وأحوط منه الجمع بين القصر والإتمام.

أقول: إنّ في المسألة أقوالاً خمسة:


صفحه78

1. مراعاة حال الفوت، وهو المشهور، وهو آخر الوقت.

2. مراعاة حال التعلّق وهو أوّل الوقت. وهو خيرة ابن إدريس في السرائر.

3. التخيير بين الأمرين. وهو خيرة المحقّق الهمداني والسيد الطباطبائي ـ قدّس سرّهما ـ .

4. تعيّن الإتمام. وهو الظاهر من الشهيد في الذكرى.(1)

5. العمل بالاحتياط بالجمع بين القصر والإتمام. وهو خيرة السيد البروجردي.

وقبل سرد أدلّة الأقوال نذكر أمرين:

ألف. اتّفقت كلّمتهم على أنّ الفائت في الحضر يُقضى تماماً ولو في السفر، والفائت في السفر يُقضى قصراً ولو في الحضر، وعليه استقرت الفتوى وتضافرت النصوص.

ففي صحيح زرارة قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر، فذكرها في الحضر، قال: «يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاةَ السفر، أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر، فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته».(2)

ب. لو قلنا بأنّ الاعتبار في المسألة السابقة هو حال تعلّق الوجوب، يتعيّن رعايتُه في القضاء بلا كلام، لأنّ الواجب عليه أداءً مطلقاً إلى آخر


1 . الذكرى: 136، المسألة 9.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 و غيره.


صفحه79

الوقت هو ما يجب عليه في أوّل الوقت، مثلاً لو كان أوّل الوقت حاضراً، فالواجب عليه هو التمام إلى آخر الوقت وإن صار في أثنائه مسافراً; ولو كان فيه مسافراً، فالواجب عليه هو القصر إلى آخر الوقت وإن صار في أثنائه حاضراً، وعليه فالفائت آخر الوقت هو الواجب في أوّله، فيجب قضاء ما وجب عليه أوّل الوقت أخذاً بقولهم(عليهم السلام): «اقض ما فات كما فات».

و إنّما يتمشى النزاع إذا قلنا بأنّ المعيار هو حال الأداء، فلو كان في تلك الحال حاضراً فيتم وإن صار مسافراً فيما بعد، وإن كان مسافراً فيقصر وإن صار حاضراً بعدها، فعندئذ يأتي النزاع في القضاء لأنّه وجب عليه الصلاة بكيفيتين مختلفتين ولم تتعيّن إحداهما لأجل الإتيان والأداء، فيقع الكلام في أنّ المعيار هو حال تعلّق الوجوب، أو حال تحقّق الفوت الذي هو آخر الوقت.

إذا عرفت الأمرين: فالمشهور هو المنصور، وذلك لأنّ المكلّف موظف بالإتيان بها في المدّة المضروبة لها من الزوال إلى الغروب، فهو مخيّر عقلاً بين الأفراد العرضية والطولية، ويجوز له ترك فرد بالعدول إلى فرد آخر، كما أنّه مخير بين الثنائية والرباعية إذا تواردت عليه الحالتان من السفر والحضر ولكن التخيير يتضيق شيئاً فشيئاً حسبَ انقضاء الوقت، ومع ذلك فلا يصدق عليه فوت الطبيعة مهما تضايق الوقت، إلاّ إذا لم يبق من الوقت إلاّ مقدار صلاة واحدة مع الخصوصية المعتبرة فيها حسب حال المكلّف في ذلك الوقت، فلو تركها صدق عليه انّه فاتت تلك الصلاة أداءً، ومن المعلوم


صفحه80

أنّ القضاء تابع للأداء فيجب قضاؤها لا قضاء غيرها.(1)

وبالجملة لما كان ترك سائر الأفراد مع خصوصياتها بالعدول إلى بدل، تركاً بإذن شرعي فلا يستند الفوت إلى تركها، وإنّما يستند إلى الترك غير المأذون منها، وهو ترك الطبيعة مع خصوصياتها في الوقت الذي لا يسع إلاّ لصلاة واحدة.

فإن قلت: لا نسلم أنّ الفوت مستند إلى تركها في آخر الوقت، بل مستند إلى تركها في جميع أجزاء الوقت ولذا لو أتى به في أوّل الوقت أو أثنائه لما صدق الفوت.

قلت: إنّ الإتيان بها في أوّل الوقت أو أثنائه وإن كان مانعاً عن صدق الوقت لكنّه لا يكون دليلاً على استناد الفوت إلى عدم الإتيان بها في جميع أجزاء الوقت بشهادة أنّه لو أتى بها في آخر الوقت لما صدق عليه الفوت.

وإن شئت قلت: ليس الكلام في صدق الإتيان وعدمه، فلو أتى بها أوّل الوقت فقد أتى بها ولم يصدق أنّه لم يأت بها، إنّما الكلام في صدق الفوت وعدمه وليس له محقّق إلاّ تركها في آخر الوقت. فالذي فات في ذلك الوقت هو الذي يجب قضاؤه وتكون النتيجة هي لزوم مراعاة آخر الوقت.

فإن قلت: ما ذكرته هو مقتضى القاعدة ولكن النص الموجود في المسألة لا يوافقه، ففي خبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)انّه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فأخّر الصلاة حتى قدم وهو يريد أن يصلّيها إذا


1 . من إفادات السيد المحقّق البروجردي على ما حررته في سالف الزمان ـ أي عام 1369 هـ . ق ـ عن دروسه الشريفة.


صفحه81

قدم إلى أهله، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصلّيها حتى ذهب وقتها. قال: «يصليها ركعتين صلاة المسافر، لأنّ الوقت دخل وهو مسافر، كان ينبغي له أن يصلّي عند ذلك».(1) وهو صريح في أنّ المناط رعاية وقت تعلّق الوجوب كما هو مقتضى قوله: «لأنّ الوقت دخل وهو مسافر».

قلت: إنّ الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لوجهين:

1. أنّه وإن وردت فيمن فاتته الصلاة وقد تواردت عليه حالتان من السفر والحضر وأنّه تجب عليه مراعاة حال تعلّق الوجوب، لكن تعليل قضائها قصراً بقوله: «لأنّ الوقت دخل وهو مسافر كان ينبغي له أن يصلّي عند ذلك»، يعرب عن أنّه لو أتى بها أداءً في آخر الوقت يقصر وإن كان حاضراً، وهو مخالف لما مرّ من أنّ المعيار، هو ملاحظة حال الأداء لا زمان تعلّق الوجوب.

وبذلك يعلم وجه إيراد الحديث في الوسائل في كلا المقامين، أي في المقام وفي باب القضاء لصلته بكلا البابين.

2. وقوع موسى بن بكر الواسطي في طريق الرواية، وقد وصفه الشيخ بكونه واقفياً(2).

نعم الظاهر من الكشي(3) بل النجاشي كونه إماميّاً حيث لم يتعرض


1 . الوسائل: ج 5 ، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3. و رواه في الباب 6 من أبواب صلاة القضاء، الحديث 3.

2 . رجال الطوسي: 343، أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام)، برقم 9.

3 . رجال الكشي: 305.


صفحه82

لمذهبه وقال: «له كتاب يرويه جماعة»(1)، ولكن يمكن استظهار وثاقته بنقل المشايخ عنه. منهم: ابن أبي عمير كما في فهرست الشيخ، وصفوان وعلي بن الحكم في سند النجاشي إلى كتابه، ونقل المامقاني عن الكاظمي رواية العلاء بن رزين، والنضر بن سويد، وفضالة بن أيّوب. ونقل عن جامع الرواة نقل كثير من الأكابر عنه، منهم: أحمد بن محمد بن أبي نصر، ويونس بن عبدالرحمن، وعبد اللّه بن المغيرة، وجعفر بن بشير، وغيرهم.

وعلى هذا فلا يصحّ ردّ رواية راو روى عنه المشايخ بكثرة خصوصاً مثل ابن أبي عمير وصفوان، وليس اعتمادهم عليه بأقلّ من توثيق واحد من الرجاليين، وقد قلنا في محلّه: إنّ الملاك هو كون الخبر موثوق الصدور، لا خصوص كون الراوي ثقة.

وأمّا تصحيح الرواية بوقوع موسى بن بكر في اسناد تفسير علي بن إبراهيم أو في اسناد كتاب «كامل الزيارات» لابن قولويه، فليس مفيداً لما أوضحنا حال الكتابين في كتابنا «كليات في علم الرجال». والمهم هو الإشكال الأوّل.

دليل القول الثاني

مع أنّ ابن إدريس ذهب في المسألتين السابقتين إلى أنّ العبرة بحال الأداء، لا حال تعلّق الوجوب، اختار في المقام بأنّ العبرة بحال تعلّقه قال ما هذا نصّه: فأمّا إذا لم يصلّ، لا في منزله ولا لما خرج إلى السفر وفاته أداء


1 . رجال النجاشي، برقم 1082.


صفحه83

الصلاة، فالواجب عليه قضاؤها حسب حاله عند دخول وقتها ـ إلى أن قال: ـ لأنّ العبادات تجب بدخول الوقت وتستقر بإمكان الأداء، كما لو زالت الشمس على المرأة طاهرة فأمكنها الصلاة فلم تفعل حتى حاضت استقر القضاء.(1)

قدعرفت أنّ الواجب، هو قضاء ما فات، وليس الفائت إلاّ الصلاة بين الزوال والغروب غير أنّ تركها في غير الجزء الأخير القابل لإيجاد الطبيعة فيه حسب مقتضى حال المصلّي، ليس محقّقاً للفوت وإنّما المحقّق له، هو تركها في ذاك الجزء فيكون الواجب هو رعاية آخر الوقت لا أوّله.

وإن شئت قلت: إنّ تركها في غير ذاك الجزء لمّا كان مقروناً بالعدول إلى البدل ومأذوناً من العقل والشرع لا يكون محقّقاً له، فيكون المحقّق له، هو الترك في الجزء الأخير الذي ليس الترك فيه تركاً مأذوناً ولامقروناً بالبدل، فيتعين قضاء ما فات فيه.

وبذلك يظهر ضعف الاستدلال بالمرأة التي حاضت بعد مضي وقت أداء الصلاة، فإنّ القضاء فيها يتبع أوّل الوقت، وذلك لتعيّن صلاة واحدة عليها من التمام أو القصر، إذ المفروض أنّها لم تسافر وقت كونها طاهرة، بل كانت باقية في بلدها إلى أن حاضت. نعم لو توالت عليها حالتان من الحضر والسفر حال كونها طاهرة ثمّ حاضت يأتي فيها الكلام أيضاً.

وهذا بخلاف المقام فقد وجبت الصلاة بين الحدّين وله إيقاعها، في


1 . السرائر: 1/334ـ335.


صفحه84

أفراد عرضية وأفراد طولية مختلفة حسب اختلاف حالها. فإنّ القضاء يتبع وقت الفوت.

دليل القول بالقضاء تماماً

ذهب الشهيد إلى أنّه يقضي مطلقاً تماماً. (1) وأوضحه صاحب الجواهر بقوله: لكن ظاهرهم بل هو كصريح الشهيد منهم انّ التمام متى تعيّن في وقت من أوقات الأداء، كان هو المراعى في القضاء وإن كان المخاطب به حال الفوت، القصر، وعليه فمن كان حاضراً وقت الفعل ثمّ سافر فيه وفاتته الصلاة المخاطب بقصرها حاله، وجب عليه التمام في القضاء، كما أنّه يجب عليه ذلك لو كان مسافراً في الوقت ثمّ حضر.

و استدل عليه في الجواهر بقوله: ولعلّه لأنّ الأصل في الصلاة التمام، وفيه بحث إن لم يكن منع بل في المفتاح انّ الأكثر على مراعاة حال الفوات بالنسبة للسفر والحضر لا الوجوب، ويؤيّده انّه الفائت حقيقة لا الأوّل الذي قد ارتفع وجوبه في الوقت عن المكلّف برخصة الشارع له في التأخير.(2)

ولا يخفى انّ ما ذكره الشهيد مجرّد احتمال ولم يذكر له دليلاً، وأمّا ما احتمله صاحب الجواهر من الوجه، فقد كفانا كلامه في نقده.

دليل القول بالتخيير

قد تقدم انّه خيرة السيد الطباطبائي واستدل له المحقّق الهمداني في


1 . الذكرى: 136، المسألة 9.   

2 . الجواهر:13/114.


صفحه85

مصباح الفقيه بما هذا لفظه: انّ الفوت وإن لم يتحقّق صدق اسمه إلاّ في آخر الوقت عند تضيّقه عن أداء الفعل، ولكن الملحوظ في صدقه هو ترك الفعل في مجموع الوقت، المضروب له لا خصوص جزئه الآخر، فالذي فاته في الحقيقة هو فعل الصلاة في هذا الوقت المضروب له الذي كان في بعضه حاضراً، وفي بعضه مسافراً، وليس اجزاء الوقت موضوعات متعددة لوجوبات متمايزة كي يصحّ أن يقال: إنّ الجزء الأوّل ارتفع وجوبه في الوقت برخصة الشارع له في التأخير بل هو وجوب واحد متعلق بطبيعة الصلاة في وقت موسع تختلف كيفية أدائها باختلاف أحوال المكلّف سفراً وحضراً فليس لها بالمقايسة إلى شيء في أجزاء الوقت من حيث هو، وجوب شرعي وإنّما يتعيّن فعله في آخر الوقت بواسطة تركه فيما سبق لا لكونه بخصوصه مورداً للوجوب، فلو قيل بكون المكلّف مخيّراً بين مراعاة كلّ من حالتيه لكان وجهاً.(1)

وحاصل ما أفاده يرجع إلى أمرين:

1. انّ الفوت وإن كان يصدق بترك الصلاة آخر الوقت، لكن المحقِّق لتركها عبارة عن ترك الطبيعة في جميع أجزاء الوقت فهو مستند إلى تركها فيها، لا إلى تركها في الجزء الأخير.

2. انّ أجزاء الوقت ليست موضوعات متعددة لوجوبات متمايزة، بل وجوب واحد متعلّق بطبيعة الصلاة (من دون أن يسري إلى حيثية التمام


1 . مصباح الفقيه: 769، كتاب الصلاة.


صفحه86

والقصر) في وقت موسع تختلف كيفية أدائها باختلاف أحوال المكلّف سفراً وحضراً، وتعينه في آخر الوقت ليس لكونه بالخصوص مورداً للوجوب، بل لكونه مقتضى أحواله.

وعلى ضوء ذلك يكون المكلف، لأجل ترك طبيعة الصلاة التي يختلف أداؤها حسب اختلاف حالات المكلّف مخيراً بين مراعاة أيّ واحدة من حالاته.

يلاحظ عليه بأمرين:

1. إذا كان الواجب هو طبيعة الصلاة بين العدمين، وتختلف كيفية أدائها حسب اختلاف أحوال المكلّفين، يتعين الإتمام، لأنّ الأصل في الصلاة هو الرباعية وهي لا تحتاج إلى البيان، بخلاف الثنائية فهي تحتاج إليه، فمقتضى إطلاق الأمر بالطبيعة هو الإتيان بما لا يحتاج إلى البيان الزائد وهو التمام دون القصر، فلا يكون نتيجة التقريب ما يدعيه من التخيير.

2. انّ الأمر وإن تعلق بالطبيعة المجردة عن القيدين، لكن ما دلّ على أنّ ما فات في الحضر يُقضى في السفر تماماً، وما فات في السفر يُقضى في الحضر قصراً، يدل على كون المطلوب هو إيجادها في ضمن فرد خاص حسب اختلاف حالات المكلّف واعتبارها في مقام القضاء، وعلى ضوء ذلك يجب إمعان النظر في تشخيص ما فات من الخصوصية المأمور بها، وقد عرفت انّ الصدق العرفي، يساعد، مراعاة آخر الوقت.

وأمّا وجه القول بالجمع، فهو لأجل الاحتياط.


صفحه87

الرسالة السابعة والخمسون

الصلاة والصوم

في المناطق القطبية


صفحه88


صفحه89

إذا فرض كون المكلّف في المكان الّذي نهاره ستّة أشهر وليله ستّة أشهر أو نهاره ثلاثة وليله ستّة أو نحو ذلك، ففي المسألة فروع:

1. المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة مخيّراً بين أفراد المتوسط.

2. احتمال سقوط تكليفهما عنه .

3. سقوط الصوم وكون الواجب صلاة يوم وليلة واحدة.

4. كون المدار بلده الذي كان متوطّناً فيه سابقاً، إن كان له بلد سابق.

ولا يخفى سقوط الوجوه الثلاثة الأخيرة.

أمّا سقوط التكاليف والفرائض بالمرّة فهو ممّا لا يحتمل أبداً.

أمّا وجوب صلاة يوم وليلة فهو أيضاً مثل السابق، مع عدم تحقّق الدلوك فيما إذا كانت الليلة طويلة.

وأمّا الأخير فلعلّ وجهه الاستصحاب، لكنّه انتقض بالعبور على المناطق التي تختلف فيها الليالي والأيام بالنسبة إلى وطنه قبل أن يصل إلى المناطق القطبية، والصالح للبحث هو الوجه الأوّل الذي لم يستبعده صاحب العروة، وإليك تحقيق المقام، و يتوقف على ذكر أُمور:


صفحه90

الأوّل: أنّ لكلّ بلد طولاً وعرضاً جغرافياً، فالأوّل عبارة عن مقدار القوس العمود من خط نصف النهار «غرينتش» إلى نصف نهار البلد. فمقدار المسافة بينهما هو طول البلد.

وأمّا العرض الجغرافي، فهو عبارة عن مقدار القوس العمود من خط الاستواء إلى ذلك البلد. فمقدار المسافة بينهما هو عرض البلد.

وبما أنّ خط الاستواء دائرة تنصِّف الكرة الأرضية إلى نصفين، وبتبعه ينتصف هذا العرض الجغرافي إلى شمالي وجنوبي، فمقدار القوس من خط الاستواء إلى أن ينتهي إلى القطب الشمالي 90 درجة، ومثله القوس الممتد بين خط الاستواء إلى القطب الجنوبي.

الثاني: المناطق الواقعة بين خط الاستواء وأحد القطبين تختلف درجتها حسب بعدها عن خط الاستواء إلى أن ينتهي إلى درجة 67، فالمناطق الواقعة تحت ذلك العرض تعد مناطق معتدلة حيث تتمتع بليل ونهار مدة 24 ساعة وإن كانا يختلفان طولاً وقصراً.

وأمّا المناطق الواقعة فوق 67 درجة، إلى 90 درجة فهي مناطق قطبية يختلف فيها طول الليل والنهار حسب بعدها عن المناطق المعتدلة، وتشترك هذه المناطق في أنّها تتمتع إمّا بنهار طويل أو ليل طويل بنحو ربما يصل نهارها إلى ستة أشهر و ليلها كذلك كلّما اقتربنا من الدرجة 90 .

فما اشتهر على الألسن من أنّ طول النهار أو الليل في البلاد القطبية مطلقاً ستة أشهر ليس صحيحاً على إطلاقه وإنّما يختص بالنقاط المتاخمة


صفحه91

إلى الدرجة التسعين، و أمّا المناطق الواقعة بين هذه الدرجة والدرجة 67 فيختلف طول النهار والليل حسب قربها وبعدها، وإن كان الجميع يتمتع بطول النهار أو الليل.

الثالث: قد عرفت أنّ بعض المناطق القريبة من الدرجة 67 تتمتع بليل ونهار ضمن 24 ساعة و ربما يكون ليله22 ساعة ونهاره ساعتين وربما يكون بالعكس، فسكان هذه المناطق وإن طال نهارها أو ليلها مكلفون بالفرائض حسب نهارهم وليلهم، حسب مشرقهم ومغربهم فيصومون 22 ساعة ويقيمون الفرائض اليومية في ضمن ساعتين، ولا مناص لنا من هذا القول، ولا يمكن لنا إجراء حكم النهار في الليل أو بالعكس، إنّما الكلام في المناطق الواقعة فوق هذه الدرجة التي يمرّ عليها 24 ساعة وليس فيها ليل أو نهار، وهذه هي المسألة مورد البحث.

الرابع: المتبادر من كلمات الفقهاء في تلك المسألة هو أنّ الليل والنهار غير متميزين في المناطق القطبية، وأنّ الزمان إمّا نهار فقط أو ليل فقط، ولذلك اختلفت كلماتهم في كيفية إقامة الفرائض فيها. وأنّه كيف يمكن أن نصلّي المغرب والعشاء والشمس في السماء، أو نقيم الظهر والعصر والوقت ظلام دامس؟!

ولذلك طرحوا فرضيات قد عرفت حالها، وبقي ما اقترحه صاحب العروة ، و هو كون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة مخيراً بين أفراد المتوسط.


صفحه92

مثلاً يكون المقياس مقدار النهار والليل في المناطق المعتدلة في ذلك الفصل والتي يكون مقدار الليل والنهار فيها غير قصير وإن بلغ النهار إلى 16 ساعة والليل إلى 8 ساعات في بعض الفصول. فيصوم بمقدار نهار المناطق المعتدلة ويصلّي الظهرين، ويفطر بمقدار ليلها ويصلي فيها صلاة المغرب والعشاء. وعلى ذلك يجب أن يراعى مقدار الليل والنهار في كلّ فصل من فصول السنة في المناطق المعتدلة البعيدة عن المناطق القطبية.

أقول: أوّلاً: ما هو الوجه لاختيار البلدان المتعارفة المتوسطة وترجيحها على البلاد القريبة من تلك المنطقة التي تتمتع بليل ونهار وإن كان أحدهما أقصر والآخر أطول في ضمن 24 ساعة؟

وثانياً: انّ العلم بمقدار نهار المناطق المعتدلة في الفصل الخاص أمر صعب المنال ولا يمكن أن يكون مثل ذلك مناطاً لعامة الناس عبْر القرون، خصوصاً قبل تطور وسائل الاتصال السلكية واللا سلكية، والإسلام دين البساطة والسهولة.

إذا عرفت هذه الأُمور، فاعلم:

الصلاة في المناطق القطبية على المختار

إنّ المناطق القطبية تتمتع في عامّة الفصول بليل ونهار وإن كانت تختلف كيفية الليل والنهار عن المناطق المعتدلة، وبذلك تنحلّ العقدة، ويظهر ذلك في البيان التالي.


صفحه93

إذا كان النهار أطول من الليل وممتداً إلى شهر أو شهرين إلى أن يصل إلى ستة أشهر، فرائدنا في تمييز النهار عن الليل هو الشمس، حيث إنّ حركتها في تلك المناطق حسب الحس حركة رحوية حيث تدور حول الأُفق مرة واحدة ضمن 24 ساعة بأوج وحضيض، فتبدأ حركتها من الشرق إلى جانب الغرب في خط قوسيّ، وكلّما ارتفعت الشمس وسارت إلى الغرب ازداد ظلّ الشاخص إلى أن يصل إلى حدّتتوقف فيه الزيادة ثمّ ينعكس الأمر ويحدث في جانب الشرق، وعند ذلك تصل الشمس في تلك النقطة إلى نصف النهار، ويعلم بذلك أوقات الظهر والعصر، ثمّ تأخذ الشمس بالسير في هذا الخط المنحني إلى أن تنخفض نهاية الانخفاض وإن لم تغرب ثمّ تبدأ بالحركة من الغرب إلى الشرق وعند ذاك، يدخل الليل إلى أن تنتهي في حركتها إلى النقطة التي ابتدأت منها.

ويُعد قُبيل وصولها إلى نقطة الشرق أوّل الفجر.

وعلى ذلك فحركة الشمس هي رائدنا في العلم بأوّل النهار ووسطه وأوّل الليل وبدء الفجر. ولا يتصوّر أنّ ذلك استحسان منّا، بل الجو يؤيد ذلك، وهو انّه إذا بدأت الشمس بالحركة من الشرق إلى أن تنتهي إلى جانب الغرب يكون الجو مضيئاً جداً كنهار المناطق الاعتدالية، وعند ما انخفضت الشمس إلى جانب الغرب وبدأت بالحركة من الغرب إلى الشرق يميل الجو إلى الغبرة والظلمة الخفيفة، ولذلك يتعامل سُكّان تلك المناطق بالحركة الأُولى للشمس معاملة النهار وبالحركة الثانية معاملة الليل، فيقيمون أعمالهم فيها وينامون في الثانية.


صفحه94

وعلى ذلك فليس الوضع الجوي على وتيرة واحدة ضمن 24 ساعة، بل يتغير من الإضاءة إلى الغبرة، أو من الإضاءة الشديدة إلى الضعيفة، وما ذلك إلاّ لأنّ الحركة الأُولى تلازم وجود النهار في المناطق المعتدلة، كما أنّ الحركة الثانية تلازم وجود الليل فيها أيضاً. غير أنّ ميلان مركز دوران الأرض حول نفسها مقدار 5/23 درجة سبَّب لأن تخيِّم الشمس عليها في بعض الفصول مدة مديدة لا ترى لها غروباً وإن كنت ترى لها ارتفاعاً وانخفاضاً.

هذا كلّه إذا ظلّ النهار مدّة مديدة.

وأمّا إذا انعكس بأن غمر الليلُ تلك المناطق مدة مديدة إلى أن ينتهي إلى ستة أشهر، فيعلم حكمه ممّا ذكرناه في الصورة الأُولى، فإنّ الشمس وإن كانت تغرب عن تلك المناطق على مدى مدة طويلة لكن ليست الظلمة على نمط واحد، بل تتضاءل تارة وتزداد أُخرى، فزيادتها آية سلطة الليل في المناطق المعتدلة كما أنّ تضاؤلها علامة سلطة النهار عليها كذلك، وبذلك يمكن أن نميز النهار عن الليل حيث إنّ الزمان (24 ساعة) ينقسم إلى ظلمة دامسة(بحتة) وظلمة داكنة أي (مزيجة بالنور الضئيل)، فيعد ظهور الظلمة الدامسة ليلاً لهم، وتكون بدايته أوّل وقت المغرب ثمّ العشاء. فإذا بدت الظلمة الداكنة التي يخالطها نور ضئيل فيعد فجراً لهم، وتستمر هذه الحالة ساعات إلى أن تحل الظلمة الدامسة، فهذا المقدار من الساعات يعد نهاراً لهم فيصام فيه، كما أنّ وسطه يعد ظهراً لهم فيقيمون الظهر والعصر.

فتبيّن من ذلك أنّ المناطق القطبية أو القريبة منها على أنحاء ثلاثة:


صفحه95

الأوّل: أن يوجد الليل والنهار بشكل متميز وإن كانا غير متساويين ولكنّ هناك شروقاً وغروباً، فيؤدي الفرائض النهارية عند الشروق، والليلية عند الغروب و إن كان قصيراً.

الثاني: إذا كان هناك نهار طويل سواء بلغ ستة أشهر أو لم يبلغ، فبما أنّ الشمس مرئية وحركتها رحوية ، فإذا بدأت بحركتها من الشرق إلى الغرب يعدّ نهاراً، وإذا وصلت إلى دائرة نصف النهار يعدّ ظهراً، وإذا تمت الحركة الشرقية وأخذت بالاتجاه إلى جانب الغرب يعد ليلاً، فإذا تمت الحركة الغربية وبدأ بالحركة إلى جانب الشرق فهو أوّل فجرهم، وبذلك تتم الدورة النهارية والليلية في 24 ساعة.

الثالث: الليل الطويل فالشمس وإن كانت غير مرئية فيها، لكن الظلمة ليست على نسق واحد، بل هي بين ظلمة دامسة وظلمة داكنة، فعندما تسود الأُولى يحسب ليلاً لهم وتكون بدايته أوّل صلاة المغرب والعشاء، وإذا بدأت بالظلمة الداكنة وظهر بصيص من النور يحسب أوّل الفجر، فإذا خفّت الظلمة يعد نهاراً لهم إلى أن يعود إلى الحالة السابقة.


صفحه96


صفحه97

الرسالة الثامنة والخمسون

الصوم في السفر


صفحه98


صفحه99

اتفقت كلمة الفقهاء على مشروعية الإفطار في السفر تبعاً للذكر الحكيم والسنّة المتواترة، إلاّ أنّهم اختلفوا في كونه عزيمة أو رخصة نظير الخلاف في كون القصر فيه جائزاً أو واجباً، فالإمامية تبعاً لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، والظاهرية إلى كون الإفطار عزيمة. قال ابن حزم: اختاره من الصحابة: عبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن عبد اللّه، و أبو هريرة، وغالب، و ابن عباس; ومن التابعين: علي بن الحسين، و ابنه محمد الباقر، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وعروة بن الزبير، وشعبة، والزهري، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ويونس بن عبيد وأصحابه.(1)

ونسب الشيخ الطوسي في «الخلاف» القول بالعزيمة إلى ستّة من الصحابة، غير أنّ قاطبة الفقهاء على الخيار بين أن يصوم ولا يقضي وبين أن يُفطر ويقضي.(2)

وكونه شرط الصحة من ضروريات فقه الشيعة، ويدل عليه الإمعان في الآيات الثلاث المباركة:

قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام كَما كُتِبَ عَلَى


1 . المحلى:6/258.

2 . الخلاف: 2/201 ، كتاب الصوم، المسألة 53.


صفحه100

الّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(1)

(أَيّاماً مَعْدُودات فَمَن ْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْعَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر وَعَلَى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَة طَعامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تعْلَمُون).(2)

(شَهْرُ رَمَضان الَّذي انْزِلَ فيهِ الْقُرآن هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّنات مِنَ الهُدى وَالْفُرْقان فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْ على سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر).(2)

توضيح الاستدلال: أنَّ هذه الآيات الثلاث تتضمن أحكاماً ثلاثة لطوائف ثلاث:

الأُولى: ( مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَهر فليَصُمْهُ)ومعنى ذلك أنّه كتب عليه الصوم في ذلك الشهر.

الثانية: مَن كان مريضاً أو على سفر فقد كتب عليه صيام عدة من أيام أُخر، ومعنى ذلك أنّه مكلف بالصيام في غير أيام شهر رمضان.

وإن شئت قلت: إنّ الواجب عليه من أوّل الأمر هو القضاء لا الأداء، وإطلاق القضاء عليه من باب التوسع باعتبار أنّه لو كان مُصحّاً وحاضراً كان عليه أن يصوم.

وبذلك يعلم أنّ من قدّر جملة «فافطر» قبل قوله «فعدّة» وقال: إنّ تقدير


1 . البقرة: 183.   

2. البقرة: 184.

3 . البقرة: 185.


صفحه101

الآية: (فَمنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أو عَلى سَفَر «فأفطر» فعدّة من أيّام أُخر)حاولَ تفسير الآية على وفق المذهب حيث إنّ جواز الإفطار عنده رخصة لا عزيمة، ولذلك قدّر هذه الجملة ليكون معنى الآية أنّه مَنْ أفطر فعليه صيام أيام أُخر. وأمّا من لم يفطر فعليه صيام شهر رمضان. وهذا تأويل لم تدل عليه أي قرينة، فالمتبادر من الآية هو أنّ في المقام صنفين: شاهداً للشهر مع الصحة، فهو يصوم، وغير شاهد صحيحاً سواء أكان شاهداً مع المرض أم لم يكن شاهداً أصلاً كالمسافر، فالواجب عليهما صيام أيام أُخر.

الثالثة: الشيخ والشيخة، اللّذان يعبّـر عنهما القرآن بقوله: (وَعَلى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فدية طَعامُ مِسْكين) .

ثمّ يعود القرآن و يخاطب المؤمنين بقوله: (وانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون)ومعناه أن تصوموا على النحو الذي بيّنتُ، خير لكم إن كنتم تعلمون، فالشاهد يصوم في شهر رمضان، وغيره في أيام أُخر، والمطيق يكفِّر.

بذلك يعلم أنّ قوله:(وان تصومُوا) لا يرجعُ إلى المسافر، لأنّه رجوع بلا دليل، وإلاّ فلو رجع إلى المسافر يجب أن يرجع إلى قرينه أيضاً أي المريض، لأنّهما ذكرا معاً، وقال سبحانه : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أو عَلى سَفر )، ومن الواضح أنّ الصوم للمريض ليس خيراً غالباً.

وبالجملة، قوله: (وانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون)راجع إلى أصل التشريع، وأنّ في تشريع الصيام فوائد في عاجلكم وآجلكم فلا تغفلوا


صفحه102

عنه، كما ذكره مرّة أُخرى في ثنايا الآيات الثلاث بقوله: (أَيّام مَعْدُودات)للإشعار بأنّه لا يتجاوز عن أيام معدودات قليلة منقضية بسرعة، وليس لقوله (وان تصومُوا...) أيّ صلة بدعوة المسافر إلى الصوم.

فالإمعان في الآية يثبت أنّ الإفطار للمسافر عزيمة لا رخصة، مضافاً إلى الروايات التي نقلها الحر العاملي في مورده وقد عقد باباً خاصاً له.(1)

ثمّ إنّ عدم الصحة يختص بما إذا كان عالماً بالحكم، فلو كان جاهلاً به يصحّ، كما يصحّ الإتمام في موضع الجهل بالحكم، وسيوافيك بيانه لاحقاً.

صحّة الصوم الواجب في السفر في مواضع ثلاثة

نعم يصحّ الصوم الواجب مَن المسافر في ثلاثة مواضع:

1. مَن لا يجد هدي التمتع ولا ثمنه، صام بدله عشرة أيام، ثلاثة في سفر الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، قال سبحانه: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَة أَيّام فِي الحَجّ وَسَبْعَةٌ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشرةٌ كامِلَة)وقد وردت فيه روايات.(2) وأمّا تخصيص أي يوم من أيام الحج له ، فقد ورد النص بتخصيص السابع والثامن والتاسع منها.(3)

2. مَن أفاض من عرفات إلى المشعر قبل الغروب عمداً، كان عليه كفارة بدنة، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً، ويدل عليه صحيح ضريس


1 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 11 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.

3 . الوسائل: ج 10، الباب 46 من أبواب الذبح، الحديث 4.


صفحه103

الكناسي، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس؟ قال: «عليه بدنة ينحرها يوم النحر فإن لم يقدر، صام ثمانية عشر يوماً بمكة، أو في الطريق، أو في أهله».(1) ودلالة الحديث على جواز الصوم في السفر لا شبهة فيها، وحمل الرواية على الصوم في مكة أو في الطريق إذا نوى الإقامة ثم الصوم، كما ترى، وقد عمل به المشهور، وعلى ذلك فيُخصِّص ما دلّ على عدم جواز الصوم في السفر نظير «من لم يجد الهدي ولا ثَمَنه».

3. مَن نذر الصوم في السفر على وجه يكون السفر قيداً للنذر، أو نذر على الوجه الأعم من السفر والحضر على وجه يكون السفر ملحوظاً حال النذر، أمّا بخصوصه ومتقيداً به، أو الأعم منه و من الحضر، وقد تلقّاه الأصحاب بالقبول إلاّ المحقّق في الشرائع حيث توقّف.

ومستند المسألة، صحيحة علي بن مهزيار: قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفّارة؟ فكتب إليه وقرأته: «لا تتركه إلاّ من علّة، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلاّ أن تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت من غير علّة فتصدّق بعدد كل يوم على سبعة مساكين، نسأل اللّه التوفيق لما يحب ويرضى».(2)

والرواية صحيحة، لأنّ الشيخ رواها بالسند التالي:


1 . الوسائل: ج 10، باب 23 من أبواب إحرام الحجّ والوقوف بعرفات، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 4.


صفحه104

محمد بن الحسن الصفار: القمي الثقة (المتوفّى عام 290 هـ ).

عن أحمد بن محمد، وعبد اللّه بن محمد: أي أحمد بن محمد بن عيسى (المتوفّى عام 280هـ)، وأخيه عبد اللّه بن محمد بن عيسى المشتهر ببنان، وكلاهما ثقة.

عن علي بن مهزيار (الذي كان حياً عام 229هـ) الثقة.

وعلى ذلك فلا غبار في الرواية من جهة السند.

وأمّا بندار الذي كتب إلى الإمام (عليه السلام)فلعله هو بندار بن محمد بن عبد اللّه، يقول النجاشي: إمامي متقدم له كتب، منها: كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الصوم، وكتاب الحج، وكتاب الزكاة، ذكر ذلك أبو الفرج محمد بن إسحاق أبي يعقوب النديم في كتاب الفهرست.(1)

وعدم ورود التوثيق في حقّه لا يخل بالرواية، لأنّ العبرة بعلي بن مهزيار الذي قرأ الكتاب، وهو ممّن كان يكاتب كثيراً أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)ويعرف خطوطهم.

هذا هو سند الحديث، وأمّا الإضمار فغير مضر لجلالة علي بن مهزيار من أن يعتمد على كلام غير إمامه المعصوم.

نعم، بقي في المتن شذوذان:

أحدهما: أنّه قال: «وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلاّ أن تكون نويت ذلك» فإن رجع اسم الإشارة «ذلك» إلى السفر فهو، وإلاّ فلو رجع إلى


1 . رجال النجاشي: 1/285، برقم 292، ولاحظ فهرست ابن النديم: 327.


صفحه105

السفر والمرض أو خصوص المرض يتوجه الإشكال، لأنّ جواز الصوم في المرض لا يدور مدار النيّة بل يناط بالضرر وعدمه، ولا يصحّحه النذر، ولعل وضوح هذا قرينة على رجوع اسم الإشارة إلى السفر دون المرض.

ثانيهما: أنّه جعل الكفارة، هو التصدّق بعدد كلّ يوم على سبعة مساكين مع أنّ الصحيح عشرة مساكين، بناء على أنّ كفارة النذر هي كفارة اليمين، قال
سبحانه: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمْ الأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْليكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ).(1) والظاهر أنّ نسخة الشيخ كانت مغلوطة، والصحيح عشرة
مساكين بشهادة نقل الصدوق حيث قال في«المقنع» ناقلاً مضمون الرواية: فإن نذر رجل أن يصوم كلّ سبت أو أحد أو سائر الأيام فليس له أن يتركه إلاّ من علّة، وليس عليه صومه في سفر ولا مرض، إلاّ أن يكون نوى ذلك، فإن أفطر من غير علة تصدّق مكان كل يوم على عشرة مساكين.(2)

ثمّ إنّه يظهر من الصدوق جواز الصيام في السفر في موارد أُخرى:

1. صوم كفارة صيد المحرم ، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لاتَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ منَ النَّعم يَحْكُمُ بهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ هَدياً بالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفّارةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ


1 . المائدة: 89.

2 . المقنع: 410، باب الأيمان. وتقدم أنّ الشهيد الثاني رأى خط الصدوق وفيه: عشرة
مساكين.


صفحه106

عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ)(1). وقد روي عن علي بن الحسين (عليهما السلام)
انّه قال للزهري: «يا زهري أتدري كيف يكون عدل ذلك صياماً؟» قال: لا أدري، قال (عليه السلام): «يقوّم الصيد قيمة ثم تُفَضُّ تلك القيمة على البرّ ثم يكال البرُّ أصواعاً فيصوم لكل نصف صاع، يوماً».(2)

2. صوم كفّارة الإحلال من الإحرام إن كان به أذى من رأسه. (3)

توضيحه: أنّه سبحانه قال: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِديَةٌ مِنْ صِيام أَوْ صَدَقة أَوْنُسُك)(4) فصاحبها فيها بالخيار، فإن صام، صام ثلاثة أيام.(5) فيحرم على المحرم أن يحلق رأسه، حتى يبلغ الهدي محله، وقد استثنى من كان مريضاً أو به أذى من رأسه فيحتاج إلى الحلق للمداواة، فأبيح له الحلق بشرط الفدية.

3. صوم الاعتكاف في المسجد الحرام، أو في مسجد الرسول، أو مسجد الكوفة، أو مسجد المدائن، ونسب العلاّمة في المختلف جواز الصوم في السفر فيها إلى الصدوق ووالده.(6) ولم يذهب غيرهما إلى الجواز في هذه الموارد. ولم يعلم وجه الجواز إلاّ التمسك بإطلاق الآية، ومن المعلوم أنّها ليست بصدد بيان الحكم من هذه الجهة.


1 . المائدة:95.   

2 . المقنع: 180.

3 . المقنع: 199.

4 . البقرة:196.

5 . المقنع: 180.

6 . مختلف الشيعة: 3/462، ولاحظ المقنع أيضاً: 199.


صفحه107

 

في النذر المطلق

قد تبيّن ممّا ذكرناه كون السفر مانعاً من صحة الصيام الواجب إلاّ في الموارد التالية:

1. إذا كان جاهلاً بالحكم.

2. صيام ثلاثة أيام بدل الهدي.

3. صيام ثمانية عشر يوماً بدل البدنة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب.

4. صوم النذر المشترط فيه سفراً خاصة أو سفراً وحضراً.

بقي الكلام في الموردين التاليين:

أ: النذر المطلق غير المقيّد بالسفر، ولا بالأعم منه ومن الحضر.

ب: الصوم المندوب في السفر.

وإليك البحث فيهما واحداً تلو الآخر.

1. الصيام في السفر مع النذر المطلق

إذا علّق الصيام بوقت معيّن فاتفق أنّه صار مسافراً، فذهب المشهور إلى أنّه لا يجوز صيامه و إن كان النذر معيناً. ويدل عليه مضافاً إلى ما عرفت من صحيح علي بن مهزيار:

صحيح ابن أبي عمير، عن كرّام ـ وهو «كرّام بن عمرو» ـ و لعلّ في نقل


صفحه108

ابن أبي عمير عنه، كفاية في وثاقته، وقد وقع اسمه في 12 مورداً في الكافي والتهذيبين، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم، فقال: «صم ولا تصم في السفر».(1)

وموثق زرارة، قال: قلت لأبي جعفر: إنّ أُمّي كانت جعلت عليها نذراً إن يردّ اللّه عليها بعض ولدها من شيء، كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكّة فأشكل علينا لمكان النذر تصوم أو تفطر؟ فقال : «لا تصوم قد وضع اللّه عنها حقه...».(2) إلى غير ذلك من الروايات، كموثق عمار.(3)

نعم جوزه المفيد في المقنعة.(4) ونسب الجواز إلى المرتضى وسلار.(5) لتقديم عموم الوفاء بالنذر على حرمة الصوم في السفر،
ولرواية إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يجعل للّه عليه صوم يوم مسمّى؟ قال: «يصوم أبداً في السفر والحضر».(6)

يلاحظ عليه: أنّ العناوين الثانوية الاختيارية كالنذر والعهد، لا تغيّر أحكام العناوين الأوّلية، إلاّ ما خرج بالدليل ـ كما مرّ ـ فلا يجوز التوضّؤ بماء


1 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8 .

4 . المقنعة:362.

5 . قال: وصوم النذر إذا علق بوقت حضر في السفر . المراسم: 95.

6 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.


صفحه109

مضاف إذا نذر التوضّؤ به، فلا تُقدَّم على أدلة المحرمات ولا على أدلة الشرائط والاجزاء.

وأمّا رواية إبراهيم بن عبد الحميد، فهو واقفي ثقة، غاية الأمر يقيّد إطلاقه بما دل على اختصاص الجواز إذا نوى الصيام في السفر أو عمّمه إلى السفر والحضر.

2. التطوع بالصيام في السفر

اختلف علماؤنا في حكم صيام التطوع في السفر على أقوال ثلاثة:

1. عدم الجواز: اختاره ابن بابويه والمفيد، وسلار، فقال الأوّلان: لا يصوم في السفر تطوعاً ولا فرضاً، واستثنى من التطوّع صوم ثلاثة أيام للحاجة في مسجد النبي، وصوم الاعتكاف في المساجد الأربعة.(1)

وقال المفيد: لا يجوز ذلك، إلاّ ثلاثة أيام للحاجة: الأربعاء والخميس والجمعة عند قبر النبي، أو مشهد من مشاهد الأئمة (عليهم السلام)، ثمّ إنّ فقهاء العصابة عملوا بأخبار المنع.(2)

وقال سلاّر: ولا يصوم المسافر تطوعاً ولا فرضاً، إلاّ ثلاثة أيام بدل المتعة ـ إلى أن قال: ـ و صوم الثلاثة أيام للحاجة.(3)

2. الكراهة: وهو خيرة الشيخ في نهايته(4)، وابن البراج في مهذبه(5)،


1 . المقنع: 63.   

2 . المقنعة: 350.

3 . المراسم العلوية: 97ـ 98.   

4 . النهاية: 162 .

5 . المهذب:1/194.


صفحه110

وابن إدريس في سرائره(1)، بل نسب في الأخير القول بالكراهة إلى المفيد أيضاً، لكن المتبادر من كلامه في المقنعة أنّ المختار عنده عدم الجواز، أو لعلّ مراد ابن إدريس من الكراهة هو الحرمة، للاستدلال عليها بقوله: «ليس من البر الصيام في السفر».

3. الجواز بلا كراهة: وهو الظاهر من ابن حمزة، قال: صيام النفل في السفر ضربان: مستحب: وهو ثلاثة أيام للحاجة عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجائز: وهو ما عدا ذلك، وروي كراهة صوم النافلة في السفر، والأوّل أثبت.(2)

واختار المحقّق في الشرائع القول بالكراهة، وهو خيرة الجواهر تبعاً للمحقّق.(3) كما اختار السيد في المدارك والمحدث البحراني عدم الجواز. واختلاف الأقوال يستند إلى اختلاف الروايات وكيفية علاج تعارضهما. وإليك دراسة الروايات.

الأخبار الدالة على المنع

1. ما دلّ على حرمة الصوم في السفر مطلقاً نظير قول الصادق (عليه السلام): «ليس من البر الصيام في السفر»(4). وقوله(عليه السلام): «لو أنّ رجلاً مات صائماً في السفر، ما صليت عليه».(5) إلى غير ذلك مما أورده الحرّ العاملي في الباب


1 . السرائر: 1/392.   

2 . الوسيلة: 148.

3 . الجواهر:16/338.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 11.

5 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9.


صفحه111

الأوّل من أبواب من يصحّ منه الصوم من كتاب الوسائل.

ما دلّ على المنع في خصوص المورد

2. صحيح زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:«لم يكن رسول اللّه يصوم في السفر في شهر رمضان ولا في غيره، وكان يوم بدر في شهر رمضان، وكان الفتح في شهر رمضان.(1) ولعلّ مراده من الصوم في غيره هو الصوم المندوب.

3. مرسل العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «لم يكن رسول اللّه يصوم في السفر تطوعاً ولا فريضة».(2)

إنّ في دلالتهما على الحرمة قصوراً، لأنّهما يحكيان فعل المعصوم وهو أعم من الحرمة والكراهة والجواز، فلا يصلحان للاحتجاج، إلاّ أن يقال: إنّ الروايتين ناظرتان إلى عمل الناس يوم ذاك، فهما بصدد نفي عملهم وذم فعلهم، فتكونا ظاهرتين في التحريم.

4. صحيح البزنطي: سألت أبا الحسن عن الصيام بمكة والمدينةونحن في سفر؟ قال: «أفريضة؟» فقلت: لا، ولكنّه تطوع كما يتطوع بالصلاة، فقال: «تقول اليوم وغداً؟» قلت نعم: فقال: «لا تصم».(3)

والنهي ظاهر في عدم الجواز ولا يحمل على الكراهة إلاّ بدليل.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 11 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 7 ، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.

3 . الوسائل: ج 7 ، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.


صفحه112

5. موثقة عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يقول: للّه عليّ أن أصوم شهراً أو أكثر من ذلك أو أقل، فيعرض له أمر لابدّ له من أن يسافر، أيصوم وهو مسافر؟ قال: «إذا سافر فليفطر ،لأنّه لا يحل له الصوم في السفر، فريضة كان أو غيره، و الصوم في السفر معصية».(1)

والسند لا غبار عليه سوى أنّ الجميع فطحيون، والمراد من أحمد بن الحسن الذي به صدِّر السند هو أحمد بن الحسن بن علي بن فضال الثقة.

ما يدل على الجواز

ويدل على الجواز خبران مرسلان ورواية صحيحة.

1. مرسل إسماعيل بن سهل، عن رجل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام)من المدينة في أيام بقين من شهر شعبان، فكان يصوم، ثمّ دخل عليه شهر رمضان وهو في السفر فأفطر، فقيل له: تصوم شعبان، وتفطر شهر رمضان؟! فقال: «نعم، شعبان إليّ إن شئت صمتُ وإن شئتُ لا، وشهر رمضان عزم من اللّه عزّوجلّ عليّ الإفطار».(2)

وفي السند: منصور بن العباس الذي وصفه النجاشي بقوله: مضطرب الأمر; ومحمد بن عبد اللّه بن واسع، الذي لم يرد في حقّه شيء كما أنّ المرسِل، أعني: إسماعيل بن سهل: قال النجاشي فيه: ضعّفه أصحابنا، فلا يحتج بمثل هذه الرواية.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم ، الحديث 8.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.


صفحه113

2. مرسل الحسن بن بسّام الجمّال، عن رجل قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام)فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم، ثمّ رأينا هلالَ شهر رمضان فأفطر، فقلت له: جعلتُ فداك، أمس كان من شعبان وأنت صائم، واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر؟! فقال: «إنّ ذلك تطوّع ولنا أن نفعل ماشئنا وهذا فرض فليس لنا أن نفعل إلاّ ما أمرنا».(1)

والظاهر وحدة المرسلتين لتقارب مضمونهما.

وفي السند سهل بن زياد رواه عن علي بن بلال، والظاهر أنّه البغدادي الثقة الذي يروي عن الهادي والعسكري (عليهما السلام)، و هو عن الحسن بن بسّام الجمّال، الذي لم يرد في حقّه شيء مدح ولا ذمّ.

3. روى الحسين بن سعيد الأهوازي، عن سليمان الجعفري الثقة، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام)يقول:«كان أبي يصوم يوم عرفة في اليوم الحار في الموقف، ويأمر بظل مرتفع فيضرب له...».(2)

رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن سليمان الجعفري وهو سليمان بن جعفر الطالبي الجعفري، ولو صحّ الاحتجاج بهذا الحديث ـ و غُضَّ النظرُ عن عدم إفتاء الأصحاب بمضمونه ـ ، أُقتصر على مورده.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.


صفحه114

 

الموارد التي يجوز للمسافر الصوم فيها

هنا فروع ثلاثة:

1. صيام ثلاثة أيّام في المدينة للحاجة

اتفقت كلمة الأصحاب على أنّه يجوز للمسافر أن يصوم ثلاثة أيام في المدينة للحاجة، ووردت عليه نصوص خَصَّت الجواز بالأيام الثلاثة: الأربعاء والخميس والجمعة.

روى الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صُمْت أوّل يوم الأربعاء، وتصلّي ليلة الأربعاء عند اسطوانة أبي لبابة، وهي اسطوانة التوبة التي كان ربط نفسه إليها حتى نزل عذره من السماء وتقعد عندها يوم الأربعاء، ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليلتك ويومك وتصوم يوم الخميس، ثم تأتي الاسطوانة التي تلي مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومصلاّه ليلة الجمعة فتصلّي عندها ليلتك ويومك وتصوم يوم الجمعة.(1)

وربما يتصور انّ التقييد بالأيام الثلاثة من قبيل تعدد المطلوب، كما هو الحال في باب المستحبات، فلا يحمل فيه المطلق على المقيد كما إذا ورد دليل على استحباب زيارة الحسين (عليه السلام)تحت السماء فيحمل على تعدد المطلوب ويزار أيضاً تحت السقف.


1 . الوسائل: ج 10، الباب 11 من أبواب المزار، الحديث 1، ولاحظ بقية الأحاديث.


صفحه115

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بينه و بين المقام، لأنّ القاعدة الأوّلية في المقام هي الحرمة، فلا يصحّ رفع اليد عنها إلاّ في المورد المتيقن، وهو الأيام الثلاثة، والمرجع فيما سواها هو عمومات الحرمة، على أنّ العمل المذكور إنّما يصحّ إذا كان هناك مطلق، ومقيد، فيؤخذ بالأوّل دون الثاني لما ذكره، وليس المقام كذلك لورود القيد في عامة روايات الباب.

نعم عطف المفيد في المقنعة(1) سائر المشاهد المشرّفة على مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم نجد ما يدل عليه، وإلغاء الخصوصية والقطع بالمناط، فرع حصول العلم به.

2. اختصاص الصحة بالجاهل بالحكم

اتّفقت كلمتهم على أنّ الجاهل بالحكم غير معذور إلاّ في موارد:

1. الإتمام في مكان القصر.

2. والصيام مكان الإفطار.

3. الجهر مكان المخافتة وبالعكس.

وقد أشبعنا الكلام في الأوّل في كتابنا «ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر».

ويدل على الثاني: صحيحة العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه».(2)


1 . المقنعة: 350 ، قال: عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أومشهد من مشاهد الأئمة (عليهم السلام) .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.


صفحه116

وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (البصري) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر؟ فقال: «إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن ذلك فليس عليه القضاء قد أجزأ عنه الصوم».(1)

وتقيد بهما ما دل على بطلان صوم المسافر مطلقاً، عالماً كان أو جاهلاً، وقد نقل رواياته صاحب الوسائل في الباب الأوّل من أبواب مَن يصحّ منه الصوم.

نعم ورد في مورد الإتمام مكان التقصير قوله: «إن كانت قرئت عليه آية التقصير وفسرت له، فصلّـى أربعاً أعاد، وإن لم تكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه».(2) دون المقام وإنّما ورد فيه قوله: «إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه نهى عن ذلك» و الوجه في ذاك، هو أنّ التقصير وجب بالذكر الحكيم وهو قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)(3) وهو بحاجة إلى التفسير، لظهور قوله:(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) في الرخصة لا في العزيمة، وحمله على الثانية يحتاج إلى التفسير ولكن الإفطار وجب بالسنّة حيث إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)سمّى قوماً صاموا في السفر عصاة، وقوله صريح في العزيمة.(4)

فتلخّص أنّ التفصيل بين الجاهل بالحكم وعالمه في الإتمام والصيام مقتضى الأدلة الواردة فيه.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

3 . النساء:101.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث3.


صفحه117

وإنّما يحكم بالصحة إذا بقى على جهله إلى آخر النهار، وأمّا لو علم بالحكم في الأثناء فلا يصح صومه، لأنّ الخارج من تحت الإطلاقات إنّما هو الجاهل في تمام النهار دون البعض، على أنّه كيف يمكن أن يتقرب بالمبغوض بعد العلم به.

3. الناسي ملحق بالعالم

إنّ مقتضى الإطلاقات الواردة هو حرمة الصيام في السفر على المكلّف بأقسامه الثلاثة: العالم والناسي والجاهل كموثّقة عمار: «إذا صام الرجل رمضان، في السفر لم يجزه وعليه الإعادة».(1) خرج عنه الثالث وبقي الباقي تحت العام، ومثله ناسي حكم التقصير، فصلى تماماً ناسياً، فيلحق بالعالم في بطلان صلاته، ولزوم إعادتها.

ثمّ إنّ الروايات دلّت على وجود الملازمة بين القصر والإفطار; ففي صحيح الفقيه عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث قال: «هذا واحد، إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت».(2)

وفي موثقة سماعة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام)في حديث: «وليس يفترق التقصير والإفطار فمن قصّر فليفطر».(3) إلى غير ذلك من الروايات الحاكية عن الملازمة بين الأمرين، وهي الضابطة في الموارد المشكوكة إلاّ أن يدل


1 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.


صفحه118

دليل على التفكيك بينهما، ولعلّ المورد التالي منه، أعني: إذا سافر الصائم بعد الزوال، فيقصر ولا يفطر، وقد اختلفت كلماتهم في شروط الإفطار والإمساك، نأتي بمهم التفاصيل.

الف. الملاك: الخروج قبل الزوال وبعده

ذهب كثير من الفقهاء إلى أنّ الملاك في الإفطار وعدمه هو انّه لو خرج قبل الزوال يُقصّر ويفطر، وإذا خرج بعده يقصر ولا يفطر. وهذا هو المشهور بين المتأخرين، وعليه الصدوق في المقنع، والمفيد في المقنعة، والشيخ في الخلاف في الشق الثاني، واختاره العلاّمة في المختلف.

1. قال الصدوق: وإذا سافر قبل الزوال فليفطر. وإن خرج بعد الزوال فليصم. وروي إنّ خرج بعد الزوال فليفطر وليقض ذلك اليوم.(1) وما ذكره أوّلاً هو مختاره، وما نسبه إلى الرواية إنّما ذكره استطراداً.

2. قال المفيد: ومن خرج عن منزله إلى سفر يجب فيه التقصير قبل زوال الشمس فإنّه يجب عليه التقصير في الصلاة والإفطار، فإن خرج بعد الزوال فعليه التمام في صيام ذلك اليوم وعليه التقصير في الصلاة على كلّ حال.(2)

3. وقال الشيخ: إذا تلبّس بالصوم في أوّل النهار، ثمّ سافر آخر النهار، لم


1 . المقنع: 198.

2 . المقنعة: 354.


صفحه119

يكن له الإفطار. وبه قال جميع الفقهاء إلاّ أحمد فإنّه قال : يجوز له أن يفطر.(1)

قال العلاّمة: والمعتمد عندي قول المفيد(رحمه الله).(2)

ب: الملاك: تبييت النية والخروج قبل الزوال

ويظهر من الشيخ في المبسوط أنّ السبب المجوِّز للإفطار هو اجتماع أمرين: تبييت النية ليلاً مع كون الخروج قبل الزوال، ولو خرج بعد الزوال فهو يصوم مطلقاً، فخص التفصيل بين تبييت النية وعدمه بما قبل الزوال. وأمّا بعده فقد أفتى فيه بالصوم مطلقاً بيّت النيّة أو لا.

قال: و من سافر من بلده في شهر رمضان وكان خروجه قبل الزوال، فإن كان بيّت نية السفر، أفطر وعليه القضاء، وإن كان بعد الزوال لم يفطر.(3)

هذا هو المستفاد من نهايته بعد الإمعان في أطراف كلامه، وأنّه يقول فيها بنفس ما اختاره في الخلاف، قال فيه:

إذا خرج إلى السفر بعد طلوع الفجر أيَّ وقت كان من النهار وكان قد بيّت نيّته من الليل للسفر وجب عليه الإفطار، وإن لم يكن قد بيّت نيّته من الليل ثم خرج بعد طلوع الفجر كان عليه إتمام ذلك اليوم وليس عليه قضاؤه، وإن خرج قبل طلوع الفجر وجب عليه الإفطار على كلّ حال وكان عليه القضاء.(4)


1 . الخلاف: 2/219، كتاب الصوم، المسألة 80.   

2 . مختلف الشيعة: 3/470.

3 . المراد: أيّ وقت من أوقات النهار في فترة ما قبل الزوال، كما سيظهر من ذيل كلامه، فانتظر.

4 . ليس هذا شقاً مستقلاً لأنّ الخروج قبل الفجر مقرون مع تبييت النية والخروج قبل الزوال.


صفحه120

ومتى بيت نيّته للسفر من الليل ولم يتّفق له الخروج إلاّ بعد الزوال كان عليه أن يمسك بقيّة النهار وكان عليه القضاء.(1)

وإذا ضُمّ هذا الشق الأخير إلى صدر كلامه يظهر أنّ مختاره في النهاية والخلاف واحد، وأنّه يشترط في الإفطار شرطين: 1. تبييت النية، 2. الخروج قبل الزوال، ولذلك حكم بعدم كفاية التبييت في الشق الثاني (تبييت النية ليلاً والخروج بعد الزوال)، غير أنّه حكم في النهاية ـ مع وجوب الإمساك ـ بالقضاء دون الخلاف حيث اكتفى بنفس الإمساك.

والقول بلزوم اجتماع الشرطين هو مختار المحقّق الخوئي، قال في تعليقته على قول صاحب العروة: «فإن كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار»، هذا إذا كان ناوياً للسفر من الليل وإلاّ فالأحوط إتمام الصوم والقضاء.

كما تبع الشيخ ـ في السفر بعد الزوال ـ في نهايته بعض المشايخ حيث علّق على قول صاحب العروة: «وكذا يصحّ الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال» بقوله: لكن الأحوط القضاء أيضاً إذا نوى السفر من الليل.

وبذلك يعلم أنّه ليس هنا قائل يقول بأنّ العبرة بتبييت النية ليلاً من غير فرق بين قبل الزوال ومابعده، فإن بيّت نيّة السفر أفطر ولو خرج بعد الزوال وإلاّ صام وإن خرج قبله.(2) لما عرفت من أنّ القائل هو الشيخ في كتابيه وهو إنّما يشترط تبييت النية في الخروج قبل الزوال، وأمّا بعده ففي الخلاف حكم


1 . النهاية: 162، وهذا الشق دليل على أنّ المراد من قوله: «أي وقت كان من النهار»، هو أي وقت من النهار في الفترة الّتي قبل الزوال.

2 . مستند العروة: كتاب الصوم: 1/446.


صفحه121

عليه بالإمساك وكفايته، وفي النهاية حكم عليه بالإمساك مع القضاء أيضاً. نعم وردت على وفق هذا الملاك روايات أصحّها ، رواية علي بن يقطين كما سيوافيك.

واختاره أبو الصلاح في الكافي وقال: وإذا عزم على السفر قبل طلوع الفجر وأصبح حاضراً فإن خرج قبل الزوال أفطر، وإن تأخّر إلى أن تزول الشمس أمسك بقية يومه وقضاه.(1) ولم يذكر الخروج قبل طلوع الفجر لوضوح حكمه.

كما اختاره القاضي ابن البراج في مهذبه.(2) وهو الظاهر من عبارة ابن حمزة في الوسيلة حيث قسم المسافر إلى أربعة:

1. إن خرج قبل الفجر من منزله، يفطر.

2. إن خرج بعده قبل الزوال ناوياً للسفر من الليل، يفطر.

3. تلك الصورة ولكن غير ناو للسفر من الليل، لا يفطر ويقضي.

4. إذا خرج بعد الزوال (ناوياً للسفر من الليل)، يصوم و يقضي.(3)

فصارت النتيجة أنّه تبع الشيخَ الأعلامُ الثلاثة: أبو الصلاح، وابن البراج، وابن حمزة.

ج. الصوم كالصلاة يفطر إذا سافر في جزء من النهار

ذهب جماعة إلى أنّ الصوم كالصلاة، يُفطر الصائم إذا سافر أي جزء


1 . الكافي في الفقه:182.   

2 . المهذب: 1/194.   

3 . الوسيلة: 149.


صفحه122

من النهار، فلا يشترط فيه الخروج قبل الزوال ولا تبييت النية من الليل. وعليه علي بن بابويه في رسالته، وابن أبي عقيل، والسيد المرتضى، ووصفه ابن إدريس في السرائر بأنّه أوضح من جميع ما تقدّمه من الأقوال.(1)

وهذا القول مخالف للقولين السابقين حيث لا يعتبر شيئاً من القيدين اللّذين اعتبرهما أو أحدهما أكثر الفقهاء، ويخالف النصوص الواردة في المسألة، فلنترك هذا القول لأصحابه، ولندرس الروايات حتى يتبين مفادها.

الروايات الواردة على صنفين:

ألف: الملاك: الخروج قبل الزوال وبعده

دلّت الروايات الصحيحة على أنّ الملاك للصوم والإفطار هو الخروج قبلَ الزوال وبعده، فلو خرج قبله يفطر وإلاّ فيمسك بلا قضاء عليه.

1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فخرج بعد نصف النهار، فعليه صيام ذلك اليوم، ويعتدّ به من شهر رمضان».(2)

2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر وهو صائم، قال: فقال:«إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليُفْطر وليقضِ ذلك اليوم، و إن خرج بعد الزوال فَليُتمَّ صومه».(3)


1 . لاحظ المختلف: 3/469ـ 470.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2 .


صفحه123

3. صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر؟ قال: «إن خرج قبل الزوال فليفطر، وإن خرج بعد الزوال فليصم».(1)

4. موثق عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتمّ الصيام، فإذا خرج قبل الزوال أفطر».(2)

وليس فيها ما يدل على شرطيّة تبييت النية، وتصوّر أنّ الإمام لم يكن في مقام بيان تمام شرائط الإفطار والإمساك من جميع الجهات، بعيد جداً.

ب: الملاك: هو تبييت النية ليلاً

وهناك روايات تعلّق الإفطار على تبييت النية في الليل ومقتضى إطلاقها أنّه إن بيّتها ليلاً، يفطر و إن خرج بعد الزوال، وإن لم يبيتها فلا يفطر وإن خرج قبله، ويدلّ عليه من الروايات ما يلي:

1. موثق علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)في الرجل يسافر شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال: «إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، وإن لم يحدّث نفسه من الليل ثمّ بدا له في السفر من يومه أتم صومه».(3)

وهذه الرواية هي المعتبرة من هذا الصنف، وغيرها مراسيل ضعاف.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.

3 . الوسائل : ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 10.


صفحه124

2. رواية صفوان بن يحيى، عمّن رواه، عن أبي بصير.

3. رواية إبراهيم بن هاشم، عن رجل، عن صفوان، عن الرضا(عليه السلام).

4. رواية سماعة هو وابن مسكان، عن رجل، عن أبي بصير.

ومعه كيف يمكن أن يحتج بها؟

وأمّا رواية علي بن يقطين، فرواها الشيخ عن كتاب علي بن الحسن بن فضال، وابن فضال لا غبار عليه إنّما الكلام في سند الشيخ إلى كتابه الذي أخذ الحديث عنه، وفي سنده إليه أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير القرشي الكوفي.

وقد حاول بعض الرجاليين أن يثبت وثاقة أبي الحسن علي بن محمد القرشي المعروف بـ«ابن الزبير» ممّا ذكره النجاشي في ترجمة أُستاذه «ابن عبدون» فقد قال في حقّه: قد قرأ كتب الأدب على شيوخ أهل الأدب، وكان قد لقى أبا الحسن علي بن محمد القرشي المعروف بـ «ابن الزبير»، وكان علواً في الوقت.(1)

وفي استدلاله نظر صغرى وكبرى.

أمّا الأُولى فالظاهر أنّ الضمير في «كان» الثانية، يرجع إلى ما رجع إليه «كان» الأُولى، وهو نفس ابن عبدون لا ابن الزبير.

أمّا الثانية فلأنّ المراد هو علو سنده (لا علو مقامه) فانّ علو الاسناد ممّا يتنافس به أصحاب الحديث و يتحمّلون المشاقّ لأجله.(2)


1 . رجال النجاشي: برقم 209.   

2 . منتهى المطلب: 2/599، الطبعة الحجريّة.


صفحه125

إذا وقفت على مقدار اعتبار السند، فلندرس دلالة الحديث، فنقول:

إنّ الصنف الأوّل جعل المعيار الخروج قبل الزوال وبعده، والصنف الثاني جعل المعيار، تبييت النية في الليل وعدمه، فيقع التعارض بينهما في موردين:

1. إذا خرج قبل الزوال بلا تبييت النية. فيفطر على الأوّل، ويصوم على الثاني.

2. إذا خرج بعد الزوال مع التبييت. فيصوم على الأوّل، ويفطر على الثاني.

فما هو المرجع؟ فهل هو الرجوع إلى المرجّحات، أو الجمع الدلالي بتقييد إطلاق الصنف الأوّل بالثاني في خصوص الخروج قبل الزوال وإبقاء إطلاق الصنف الأوّل بحاله في الخروج بعد الزوال؟ وجهان:

الرجوع إلى المرجّحات

إنّ الاختلاف بين الصنفين وإن لم يكن على نحو التباين، بل الاختلاف بينهما على وجه الإطلاق والتقييد لكن يصار إلى الطرح للوجوه التالية:

1. انّ الإطلاقات المتضافرة، لا تُقيّد إلاّ بدليل مفيد للاطمئنان، وقد عرفت أنّ الصنف الأوّل، أخبار صحاح، تضافرت على اعتبار قيد واحد، وهو كون الخروج قبل الظهر وبعده، ومن البعيد أن لا يكون الإمام فيها بصدد بيان


صفحه126

تمام المراد، فلا ترفع اليد عنه إلاّ بدليل معتبر يفيد الاطمئنان، والوارد في الصنف الثاني إمّا مراسيل وإمّا خبر واحد لا يفيد الاطمئنان في مقابل الإطلاقات الكثيرة، وليس هذا بمعنى إنكار تقييد المطلق بالخبر الواحد، بل بمعنى إنكار تقييد المطلقات المتضافرة بالخبر الواحد الذي يتضاءل عندها، ولذا لم نقل بحق المارّة الذي ورد في خبر واحد، في مقابل الإطلاقات المتضافرة الدالة على عدم حلية مال أحد لأحد إلاّ بطيب نفسه.

2. انّ المعتبر منها إنّما هو رواية علي بن يقطين، وكان الرجل مبتلى بالمخالف، فلعلّ الإمام أفتى بالتقية، ويؤيد ذلك وجود هذا القيد في فتاواهم، قال العلاّمة في المنتهى: إذا نوى المقيم الصوم قبل الفجر، ثم خرج بعد الفجر مسافراً لم يفطر يومه، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأبو ثور واختاره النخعي ومكحول والزهري. وهو صريح في أنّ الإفطار مشروط بشرط تبييت النية ليلاً، ولو لم يبيّت فلا يفطر.

3. انّ هذا الصنف من الروايات الذي يعتبر الملاك تبييت النية في الليل فقط لم يعمل بها أحد من الفقهاء، وقد عرفت أنّ الشيخ يعتبر وراء ذلك، الخروج قبل الزوال، ومعه كيف يكون حجة صالحة لتقييد إطلاق الصحاح المتضافرة.

المرجع هو الجمع الدلالي

ذهب السيد الخوئي (قدس سره)إلى أنّ المرجع هو الجمع الدلالي، وذلك بفضل صحيح رفاعة قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يعرض له السفر في


صفحه127

شهر رمضان حين يُصبح قال: «يتم صومه».(1) وذلك بالتقريب التالي:

إنّ قوله: «يعرض» ظاهر في عروض السفر وحدوث العزم عليه من غير سبق النية، فدلّت على أنّ من لم تسبق منه النية لو سافر قبل الزوال يصوم، فتكون قرينة على أنّ الطائفة الثانية المتضمنة للتفصيل بين التبييت وعدمه ناظرة إلى هذا المورد، أعني :ما قبل الزوال، فيكون الحكم بالصيام إذا سافر بعد الزوال الذي تضمنته الطائفة الأُولى سليماً عن المعارض.(2)

وحاصله: إنّ إطلاق الصنف الأوّل يقتضي لزوم الإفطار إذا خرج قبل الزوال مطلقاً، نوى السفر ليلاً أو لا، كما أنّ إطلاقه يقتضي لزوم الإمساك إذا خرج بعد الزوال، نوى السفر ليلاً أو لا، فبما أنّ صحيح رفاعة المتضمن لشرطية التبييت وارد في خصوص الشق الأوّل، يقيد إطلاق هذه الروايات في خصوص الشق الأوّل، ويؤخذ بإطلاق الشق الثاني.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم إذا ورد القيد «حين يصبح» في كلام الإمام، دونما إذا كان وارداً في كلام الراوي فيُحتمل أن لا يكون له دخل في الحكم، وأنّ الملاك للإفطار وعدمه، هو نية السفر ليلاً وعدمها، فعلى الثاني يصوم مطلقاً، وعلى الأوّل يفطر مطلقاً، وبذلك ظهر أنّ ما أتعب السيد الجليل في الجمع بين الصنفين من الروايات أمر لا تطمئن به النفس، وما ذكرناه أولى وأوفق بالقواعد الموروثة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

2 . مستند العروة: كتاب الصوم: 1/451.


صفحه128

 

ج: كفاية السفر قبل الزوال وبعده في وجوب الإفطار

قد عرفت القائلين بهذا القول ويدل عليه ما رواه عبد الأعلى مولى آل سام في الرجل يريد السفر في شهر رمضان، قال: «يفطر وإن خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل».(1)

وفي السند موسى بن جعفر البغدادي الذي لم يرد في حقّه التوثيق، مضافاً إلى أنّ الرواية غير مسندة إلى المعصوم، فلا يحتج بمثلها.

ولعلّه فتوى نفس عبد الأعلى.

ويؤيده مرسلة المقنع: وروي إن خرج بعد الزوال فليفطر وليقض ذلك اليوم كما مر. وكما يؤيد بما في الفقه الرضوي.(2)

والمرسلة لا يحتج بها في مقابل الصحاح مثل الفقه الرضوي، لأنّها مأخوذة من رواية عبد الأعلى ونحوها على أنّ هذا القول مخالف لكلتا الطائفتين من الروايات الدالة على شرطية أحد الأمرين أو كليهما، فالقول بكفاية مطلق السفر في الإفطار يضادّ مع هذه الروايات التي توجد بينها الصحاح.وهذا القول يترك إلى أصحابه.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 14.

2 . المقنع: 198 ; الفقه الرضوي: 25. رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال الفطحي الثقة الجليل، عن أيوب بن نوح الثقة عن محمد بن أبي حمزة( ابن أبي حمزة الثمالي المعروف الذي وثقه الكشي) عن علي بن يقطين.


صفحه129

ثمّ إنّ هنا روايات لم يعمل بمضمونها أحد من الفقهاء.

1. اشتراط الخروج قبل الفجر إذا نوى السفر في الليل كرواية سليمان بن جعفر الجعفري(1)، وسماعة(2).

2. هو بالخيار في تلك الصورة كصحيح رفاعة بن موسى.(3)

فيرجع علم هذه الروايات إليهم (عليهم السلام).


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.


صفحه130


صفحه131

الرسالة التاسعة والخمسون

حرمة الزكاة على الهاشمي


صفحه132


صفحه133

هنا فروع:

1. حرمة الزكاة على الهاشمي إذا كان الدافع غير هاشمي.

2. لا فرق في عدم الجواز بين سهم الفقراء وسائر السهام.

3. حكم أخذ الهاشمي الزكاة من مثله.

4. أخذ الهاشمي الزكاة من غير الهاشمي مع الاضطرار.

5. ما هو شرط التناول من الزكاة عند الاضطرار؟ فهل هو مجرّد عدم التمكن من الخمس، أو من كلّ ما يحلّ لهم التصرف فيه؟

6. كيفية تناول الزكاة في صورة الاضطرار.

وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر:

الأوّل: حرمة الزكاة على الهاشمي

اتّفقت كلمة الفقهاء من السنّة والشيعة على حرمة الصدقات الواجبة على الهاشمي من غير خلاف إجمالاً.

قال الشيخ في «النهاية»: ولا تحلّ الصدقة الواجبة في الأموال لبني هاشم قاطبة، وهم الذين ينتسبون إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وجعفر بن أبي طالب وعقيل بن أبي طالب، وعباس بن عبدالمطلب، فأمّا ما عدا صدقة


صفحه134

الأموال، فلا بأس أن يُعطَوا إيّاها، ولا بأس أن تُعْطى صدقة الأموال مواليهم، ولا بأس أن يعطي بعضهم بعضاً صدقة الأموال، وإنّما يحرم عليهم صدقة من ليس من نسبهم.(1)

وقال الخرقي في متن المغني: «ولا لبني هاشم ولا لمواليهم» والمراد من الموالي من اعتقهم الهاشمي.

وقال ابن قدامة في شرحه: لا نعلم خلافاً في أنّ بني هاشم لا تحلّ لهم الصدقة المفروضة، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمّد إنّما هي أوساخ الناس». أخرجه مسلم.

وعن أبي هريرة، قال: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)«كخ كخ» ليطرحها، وقال: «أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة». متفق عليه.(2)

وقال في «الجواهر»: بلا خلاف أجده فيه بين المؤمنين بل وبين المسلمين، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما متواتر، كالنصوص الّتي اعترف غير واحد بكونها كذلك إكراماً لهم بالتنزيه عن أوساخ الناس الّتي هي من الرجس الّذي أذهب الله عنهم وطهرهم عنه تطهيراً، فحرّمه عليهم وعوّضهم عنه الخمس، من غير فرق بين أهل العصمة منهم وبين غيرهم.(3)

ويدلّ على ذلك ـ وراء الإجماع بين المسلمين ـ صحاح الروايات الّتي نذكر منها ما يلي:


1 . النهاية: 186 .   

2 . المغني: 2 / 519 .   

3 . الجواهر: 15 / 406 .


صفحه135

1. صحيحة العيص بن القاسم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إنّ أُناساً من بني هاشم أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا: يكون لنا هذا السهم الّذي جعل الله عزّوجلّ للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا بني عبدالمطلب إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم، ولكنّي قد وُعدتُ الشفاعة... أتروني مُؤثراً عليكم غيركم» .(1)

2. صحيحة الفضلاء، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) قالا: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، وإنّ الله قد حرّم عليّ منها ومن غيرها ما قد حرّمه، وإنّ الصدقة لا تحل لبني عبدالمطلب».(2)

3. صحيحة عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لا تحلّ الصدقة لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم» .(3)

إلى غير ذلك من الروايات الّتي عمل بها المسلمون.

نعم يخالفها صحيح أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال، عن
أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: «أُعطوا الزكاة من أرادها من بني هاشم، فإنّها تحلّ لهم، وإنّما تحرم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى الإمام الّذي من بعده وعلى الأئمّة(عليهم السلام)» .(4)

والخبر لإعراض الأصحاب ليس بحجّة، غير أنّ غير واحد من


1 . الوسائل: 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

3 . الوسائل: 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

4 . الوسائل: 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .


صفحه136

الأصحاب حاولوا أن يطبّقوا الرواية على القواعد، فقد نقل صاحب الوسائل وجوهاً ثلاثة وقال:

حملها الأصحاب على الضرورة، أو على زكاة بعضهم لبعض، أو على المندوبة.(1)

والجميع لا يوافق الظاهر، ولعلّ التفريق عند الضرورة بين الإمام وغيره هو انّ الضرورة تتّفق للسادة دون النبي والأئمّة(عليهم السلام) .

وعلى كلّ حال فالرواية ليست بحجّة، سواء أصحت هذه التأويلات أم لا.

ثمّ إنّ الموضوع في صدر الرواية الأُولى والثالثة هو «بنو هاشم» وفي ذيل الأُولى والثانية «بنو عبدالمطلب»، وبما انّ هاشماً لم يعقب إلاّ من عبدالمطلب يكون مرجع الجميع واحداً.

نعم ورد في رواية زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) انّه قال: «لو كان العدل ما احتاج هاشميّ ولا مطّلبيّ إلى صدقة، إنّ الله جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم» .(2)

لكن المراد من المطّلبيّ هو المنتسب إلى عبدالمطلب، فإنّ ياء النسبة في هذا النوع من المركّب يدخل الجزء الثاني، فيقال في عبد شمس: شمسيّ، وفي أبي طالب: طالبيّ، وفي عبدالمطلب: مطلبيّ، فعندئذ يكون العطف تفسيرياً، وقد مرّ انّ هاشماً لم يعقب إلاّ من عبدالمطلب كما هو


1 . المصدر السابق.

2 . الوسائل: 6، الباب 33 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .


صفحه137

مصرح به في كتب الأصحاب والتاريخ والسيرة.

يقول ابن مالك:

وانسِبْ لصدر جملة وصدر ما *** ركّبَ مزجاً، وبثان تمِّما

اضافة مبدوءة بابن وأب *** أو ماله التعريف بالثاني وجب

قال ابن عقيل في شرحه: إذا نسب إلى الاسم المركّب فإن كان مركباً تركيب جملة أو تركيب مزج، حذف عجزه والحق صدره ياء النسبة، فتقول في تأبط شرّاً: تأبطيّ، وفي بعلبك: بعليّ; وإن كان مركب إضافة، فإن كان صدره ابناً أو أباً أو كان معروفاً بعجزه، حذف صدره والحق عجزه ياء النسبة، فنقول في ابن الزبير: زبيريّ، وفي أبي بكر: بكريّ، وفي غلام زيد: زيديّ....(1)

نعم حكي عن الشيخ المفيد في الرسالة الغرية تحريم الزكاة على بني المطّلب وهو (المطّلب) عمّ عبدالمطلب بن هاشم، ونقل أيضاً عن ابن الجنيد، ولعلّ مستند المفيد هو ما ذكرنا من الرواية مفسراً قوله: «ولا مطلبيّ» أي أبناء «مطلب» وهو أخو هاشم وعمّ عبدالمطلب كما عرفت، وقد عرفنا تفسيره.


1 . شرح ابن عقيل: 2 / 391 .


صفحه138

 

الثاني: لا فرق بين سهم الفقراء وغيرهم

هل المحرّم عليهم سهم الفقراء أو عامّة السهام، فيه خلاف، قال الشيخ في «الخلاف»: لا يجوز لأحد من ذوي القربى أن يكون عاملاً في الصدقات، لأنّ الزكاة محرّمة عليهم. وبه قال الشافعي وأكثر أصحابه.

وفي أصحابه من قال: يجوز ذلك، لأنّ ما يأخذه على جهة ا لمعاوضة كالإجارات.

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضاً: روي أنّ الفضل بن عباس، والمطّلب بن ربيعة سألا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يولّيهما العمالة، فقال لهما: «إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، وأنّها لا تحلّ لمحمّد وآل محمّد».(1)

وقال في «الجواهر»: ولا فرق في الحكم المزبور بين السهام كلّها، كما صرّح به غير واحد.

ثمّ نقل صحيحة العيص بن القاسم التي مرت فيما سبق.

وقال ابن قدامة في «المغني»: وظاهر قول الخرقي هنا أنّ ذوي القربى يمنعون الصدقة وإن كانوا عاملين، وذكر في باب قسم الفيء والصدقة ما يدلّ على إباحة الأخذ لهم عمالة وهو قول أكثر أصحابنا، لأنّ ما يأخذونه أجر، فجاز لهم أخذه كالحمّال وصاحب المخزن إذا آجرهم مخزنه.(2)


1 . الخلاف: 4 / 231 ـ 232، كتاب الصدقات، المسألة 13.

2 . المغني: 2 / 520 .


صفحه139

يمكن الاستدلال على المنع من غير السهمين (الفقراء والعاملين عليها) بوجهين:

1. إطلاق الروايات الماضية ومعاقد الإجماعات، فإنّها تعمّ جميع الأصناف.

2. إذا حرم عليهم سهم العاملين الذي هو كالعوض عن العمل فغيره أولى، ويظهر من رواية العيص أنّ التحريم سياسي لئلاّ يتّهم النبي أو الإمام بإيثار أقربائه على سائر الناس، ولأجل ذلك نهاهم عن أخذ هذا النوع من الضريبة، ولأجل إيجاد النفرة بينهم وبين الزكاة شبهّها بأوساخ الناس كي لا يرغب فيه أحد، كما في صحيحة زرارة.

نعم وشذ منّا صاحب كشف الغطاء حيث أحلّ جواز إعطائهم من الزكاة من السهام الثلاثة: المؤلّفة قلوبهم، وفي الرقاب، وسبيل الله، على تأمّل في الأخير، وذكر في كيفية إعطاء بني هاشم من السهام المذكورة وجوهاً ثلاثة:

1. فرض ارتداده كسهم المؤلّفة وفي الرقاب.

2. أو كونه من ذرية أبي لهب ولم يكن في سلسلته مسلم، والحاجة إلى الاستعانة به.

3. وبتزويجه الأمة واشتراط رقّية الولد عليه على القول به، وسهم سبيل الله فعلى تأمّل.(1)


1 . كشف الغطاء: 356، في بيان أوصاف المستحقّين للزكاة.


صفحه140

يلاحظ عليه: ـ مع بعد الفروض التي ذكرها ـ أنّه لم يعلم الفرق بين الغارم وفي الرقاب، فإنّ في كلٍّ، فك رقبة إمّا عن الدين وإمّا عن الرقّية، فإذا جاز فكّ الرقبة بالزكاة ففي فكّ ذمّة الهاشمي من الدين بطريق أولى، فالأولى الاجتناب مطلقاً.

نعم ما يبنى من الخانات والمدارس وسائر الأوقاف المتّخذة من سهم سبيل الله يجوز للسادة الانتفاع بها، ووجهه واضح، لأنّ الممنوع هو التصرّف في الزكاة، والمؤسسات المبنيّة من الزكاة لا يصدق عليها أنّها زكاة، فهو أشبه بهبة الفقير شيئاً ممّا أخذ من الزكاة للسادة بعد تملّكه أو أداء دينه من الزكاة إذا كان الدائن هاشمياً.

الثالث: أخذ الهاشمي الزكاة من مثله

وهذه المسألة أيضاً ممّا لا خلاف فيها عندنا، قال الشيخ في «الخلاف»: صدقة بني هاشم بعضهم على بعض غير محرّمة وإن كانت فرضاً. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وسوُّوا بينهم وبين غيرهم. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)

وقال العلاّمة: ولا يحرم صدقة بعضهم على بعض، وعليه فتوى علمائنا خلافاً للجمهور كافة إلاّ أبا يوسف انّه جوزه.(2)

وقال في «التذكرة»: تحلّ صدقة بعضهم على بعض عند علمائنا، وهو


1 . الخلاف: 4 / 240، كتاب الصدقات، المسألة 27.

2 . منتهى المطلب: 1 / 524.


صفحه141

محكي عن أبي يوسف، لأنّ مفهوم قوله (عليه السلام): «الصدقة أوساخ الناس» ترفّعهم عن غيرهم، وامتياز الجنس عن الجنس بعدم قبول صدقته تنزيهاً له، فلا ينقدح فيه امتياز أشخاص الجنس بعضها عن بعض لتساويهم في المنزلة، فلا يليق ترفّع بعضهم على بعض.(1)

وقد عقد صاحب الوسائل باباً لهذا ذكر فيه تسع روايات، ونقل رواية أُخرى في الباب 34 من أبواب المستحقّين للزكاة.

ففي صحيحة البزنطي، عن الرضا (عليه السلام)قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن الصدقة تحل لبني هاشم؟ فقال: «لا ولكن صدقات بعضهم على بعض تحلّ لهم».(2)

وفي صحيحة الجعفري، عن أبي عبدالله (عليه السلام)انّه قيل له: الصدقة لا تحلّ لبني هاشم؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «إنّما ذلك محرم علينا من غيرنا، فأمّا بعضنا على بعض فلا بأس بذلك».(3) إلى غير ذلك من الروايات.

وعلى ذلك يجوز استعمال الهاشمي على جباية صدقات بني هاشم فيدفع لهم سهم العاملين.

الرابع: أخذ الزكاة عند الاضطرار

قد تقدّم في الروايات انّه سبحانه جعل الخمس للهاشميين عوض الزكاة، فلو افترض عدم كفاية الخمس للهاشميين ـ لا لنقصان التشريع ـ بل


1 . تذكرة الفقهاء: 5 / 269، المسألة 181.

2 و 3 . الوسائل: ج 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8 و 9. ولاحظ سائر أحاديث الباب، ولاحظ أيضاً الباب 34، الحديث 4 فيكون الجميع عشرة كاملة.


صفحه142

لامتناع أصحاب الخمس من الإعطاء، فهل يجوز للهاشمي أن يأخذ الزكاة من غير الهاشمي عند الاضطرار؟

قال الشيخ في «النهاية»: هذا كلّه إنّما يكون في حال توسّعهم ووصولهم إلى مستحقّهم من الأخماس، فإذا كانوا ممنوعين من ذلك ومحتاجين إلى ما يستعينون به على أحوالهم، فلا بأس أن يعطوا زكاة الأموال رخصة لهم في ذلك عند الاضطرار.(1)

وقال في «الخلاف»: تحلّ الصدقة لآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)عند فوت خمسهم، أو الحيلولة بينهم وبين ما يستحقّونه من الخمس. وبه قال الاصطخري من أصحاب الشافعي.

وقال الباقون من أصحابه: إنّها لا تحلّ لهم، لأنّها إنّما حرمت عليهم تشريفاً لهم وتعظيماً، وذلك حاصل مع منعهم الخمس.

دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم، وأيضاً قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ)(2)، وإنّما أخرجناهم في حال توسعهم إلى الخمس بدليل.(3)

وقال ابن زهرة: فإن كان مستحقّ الخمس غير متمكّن من أخذه، أو كان المزكّي هاشمياً مثله، جاز دفع الزكاة إليه، بدليل الإجماع المشار إليه .(4)

وقال العلاّمة: ولو لم يحصل للهاشمي من الخمس بقدر كفايته جاز أن


1 . النهاية: 187.   

2 . التوبة: 60 .

3 . الخلاف: 4 / 232، كتاب الصدقات، المسألة 14 .

4 . غنية النزوع: 2 / 125 .


صفحه143

يأخذ الزكاة المفروضة عند علمائنا، وبه قال أبو سعيد الاصطخري، لأنّ المنع إنّما كان لاستغنائهم بالخمس، وحرمت عليهم الصدقة، وجعل لهم الخمس في مقابلة ذلك، فإذا لم يحصل لهم الخمس حلّت لهم الصدقة، ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للفضل بن العباس: «أليس في خمس الخمس ما يكفيكم عن أوساخ الناس».(1)

وقال في «المنتهى»: وإذا مُنع الهاشميون من الخمس جاز لهم تناول الزكاة، وعليه فتوى علمائنا أجمع، وقال أبو سعيد الاصطخري من الشافعية: وأطبق الجمهور على المنع. لنا: إنّ المنع من الزكاة إنّما هو لاستغنائهم بالخمس مع التعذر والمنع المقتضي للتحريم، فيبقى على أصالة الإباحة، ويؤيّده ما رواه الجمهور أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للفضل بن العباس: «في خمس الخمس ما يكفيكم عن أوساخ الناس».(2)

إلى غير ذلك من الكلمات.

ويدلّ عليه أمران:

الأوّل: عموم ما دلّ على أنّ الاضطرار رافع للإيجاب والحرمة.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم، فقد أحلّه الله له».(3)


1 . تذكرة الفقهاء: 5 / 273، المسألة 186 .

2 . منتهى المطلب: 1 / 526 .

3 . الوسائل: ج 11، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 2 .


صفحه144

مضافاً إلى حديث الرفع المتضافر عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطرّوا إليه...».(1)

الثاني: موثّقة زرارة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «إنّه لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطّلبي إلى صدقة، إنّ الله جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم، ثمّ قال: إنّ الرجل إذا لم يجد شيئاً حلّت له الميتة، والصدقة لا تحلّ لأحد منهم إلاّ أن لا يجد شيئاً، ويكون ممّن تحلّ له الميتة».(2)

ويقرب منه خبر العزرمي، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: «لا تحلّ الصدقة لبني هاشم إلاّ في وجهين: إن كانوا عطاشاً فأصابوا ماءً فشربوا، وصدقة بعضهم على بعض».(3)

وبعد ذلك فلا عبرة بما رواه صاحب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) ـ في حديث ـ أنّه قيل له: فإذا مُنِعْتُم الخمس هل تحلّ لكم الصدقة؟ قال: «لا والله ما يحلّ لنا ما حرّم الله علينا بمنع الظالمين حقنا، وليس منعهم إيّانا ما أحلّ الله لنا، بمحلّ لنا ما حرّم الله علينا»(4)، وذلك لإعراض الأصحاب عنه كما هو واضح.


1 . الوسائل: ج 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 33 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .

4 . المستدرك: 1 / 524، الباب 19 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .


صفحه145

 

الخامس: ما هو شرط التناول؟

دلّت الإجماعات المنقولة والروايات على جواز تناول الهاشمي من الزكاة عند الضرورة، فهل المراد منها مجرّد عدم التمكّن من الخمس؟ أو المراد عدم التمكّن من كلّ ما يجوز لهم التصرّف فيه كالصدقات المندوبة، أو الواجبة غير الزكاة بناء على حلّها لهم، أو الهبات والعطايا الّتي ربما تُقدَّمُ إليهم؟ فأكثر العبارات هو الاكتفاء بعدم التمكّن من الخمس.

ففي «النهاية»: فإذا كانوا ممنوعين من ذلك (الخمس). (1)

وفي «الخلاف»: عند فوت خمسهم.(2)

وفي «الغنية»: إذا كان مستحقُّ الخمس غيرَ متمكّن من أخذه.(3)

وفي «الشرائع»: لو لم يتمكّن الهاشمي من كفايته من الخمس، جاز له أن يأخذ من الزكاة.(4)

وفي «المنتهى»: وإذا مُنِعَ الهاشميون من الخمس جاز لهم تناول الزكاة.(5)

فمعقد الفتاوى هو كفاية الحرمان من الخمس وإن كان باب الانتفاع من سائر الأموال المباحة مفتوحاً.


1 . النهاية: 187

2 . الخلاف: 4 / 232، كتاب الصدقات، المسألة 14.

3 . غنية النزوع: 2 / 125 .   

4 . شرائع الإسلام : 1 / 163 .

5 . منتهى المطلب: 1 / 526 .


صفحه146

لكن الاعتماد على هذا الظهور مشكل، لاحتمال أن يكون ذكر الخمس من باب المثال الشاخص، وإلاّ فالمناط هو الاضطرار المبيح للحرام.

نعم استدلّ المرتضى في «الانتصار» على كفاية مجرّد عدم التمكّن من الخمس بقوله: وممّا انفردت به الإمامية القول بأنّ الصدقة إنّما تحرم على بني هاشم إذا تمكّنوا من الخمس الّذي جعل لهم عوضاً عن الصدقة فإذا حُرِمُوه حلّت لهم الصدقة، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك. دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتردّد، ويقوى هذا المذهب بظاهر الأخبار، وبأنّ الله حرّم الصدقة على بني هاشم وعوَّضهم الخمس منها، فإذا سقط ما عُوِّضُوا به، لم تَحْرم عليهم الصدقة.(1)

وأورد عليه في «الجواهر» بأنّ الثابت من المعاوضة بالنسبة إلى الحكم، أي حرّم عليهم الزكاة وعوّضهم بفرض الخمس على الناس من غير مدخلية للتمكّن وعدمه.(2)

ولعلّه إلى هذا الجواب يرجع ما ذكره المحقّق الخوئي (رحمه الله) من أنّ العوضية إنّما هي في الجعل والتشريع لا في متعلّق الجعل ـ أعني: المال الخارجي ـ فالزكاة جعلها الله سبحانه للفقراء، وبدلاً عن ذلك جعل الخمس للسادة، وهذه البدلية والعوضية باقية أبدية، سواء أُعطي الخمس لهم خارجاً أم لا، فلاسقوط له لينتقل إلى المعوّض، لما عرفت من أنّ التعويض إنّما هو في الجعل لا في المجعول.(3)


1 . الانتصار: 85.

2 . الجواهر: 15 / 410 .   

3 . المستند: كتاب الزكاة: 2 / 186 .


صفحه147

يلاحظ على الجوابين: أنّ التعويض بين الحكمين يلازم التعويض بين العينين، خصوصاً انّ الحكم منظور به والعين منظور فيها، فمصبُّ المعاوضة هو الأعيان الخارجية لا الأحكام الاعتبارية، وعلى ذلك يمكن القول بكفاية الحرمان عن الزكاة وإن استتبَّ لهم التصرف في سائر الأموال المحلّلة لهم.

هذاكلّه حول القول الأوّل، وأمّا القول الآخر، أعني: اشتراط التصرف في الزكاة وعدم التمكّن من المال الحلال سواء كان خمساً أو صدقة مندوبة أو صدقة واجبة غير الزكاة أو الهدايا والعطايا، فيمكن الاستدلال عليه بما في ذيل رواية زرارة حيث قال:

«إنّ الرجل إذا لم يجد شيئاً حلّت له الميتة، والصدقة لا تحلّ لأحد منهم إلاّ أن لا يجد شيئاً، ويكون ممّن تحلّ له الميتة».

يلاحظ عليه: أنّه لا يمكن الأخذ بظهور الذيل، لأنّ اشتراط حلّية الزكاة بعدم وجدان شيء على الإطلاق من الحلال من الصدقة المندوبة وغيرها أمر واضح لا يحتاج إلى بيان، مع أنّ الإمام بصدد بيان حكم شرعي وراء ما يحكم به العقل، فلا مناص من حمل الذيل على شدة الكراهة ولزوم الاجتناب، لا أنّه ملاك للحكم.

اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ هنا قرينة حالية تدلّ على عدم كفاية الحرمان من الخمس في تناول الزكاة.

وهو ما أفاده المحقّق الخوئي بقوله: إنّ معظم الهاشميّين كانوا محرومين من الخمس في عصر صدور هذه الأخبار عن الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)، لابتلائهم بخلفاء الجور وغيرهم من أبناء العامّة المعاندين لهم والمانعين


صفحه148

حقّهم من الخمس، بل أنّ كثيراً من خواصّهم لقلّة ابتلائهم به لم يكونوا يعرفون كثيراً من أحكامه، ومع ذلك فقد صدرت هذه الأخبار ومنعتهم عن أخذ الزكاة، وهذا كماترى خير شاهد على أنّ مجرّد منعهم عن الخمس وحرمانهم عنه لا يكون مجوّزاً لأخذ الزكاة ما لم يصل حدّ الضرورة الملحّة البالغة حدّ أكل الميتة كما تضمّنه النصّ .(1)

السادس: مقدار الأخذ

فإذا حلّ للهاشمي أخذ الزكاة، فهل يكتفي بمقدار سد الرمق، أو له أخذ مؤونة السنة، غاية الأمر إن استغنى في أثناء السنة يرد ما أخذه إلى بيت المال؟ وجهان:

فلو قلنا بما ذهب إليه المرتضى من حديث التعويض فيعامل الهاشمي معاملة غير الهاشمي، فيجوز لكلّ هاشمي أخذها بمقدار مؤونة السنة.

وأمّا لو قلنا بالقول الثاني من عدم الجواز إلاّ إذا لم يكن هناك مال حلال، ففيه احتمالان:

1. الاقتصار على قدر الضرورة يوماً فيوماً مع الإمكان، كما عليه صاحب العروة الوثقى، واختاره المحقّق الكركي.

2. ما حكي عن «جامع المقاصد» من جواز إعطاء ما يكفيه سنة.

ويمكن أن يقال بأنّ كيفية التناول تابع لمقدار الإحراز، فإن أحرز


1 . المستند: كتاب الزكاة: 2 / 185 ـ 186 .


صفحه149

القصور في تمام السنة جاز أخذ مؤونة السنة، وإن لم يحرز ذلك اقتصر على المقدار المحرز فيه الشرط لا غير، فلو أخذ أكثر لم يملكه ووجب ردّه، إلاّ أن ينكشف الاحتياج إليه. وبالجملة: المدار في جواز الأخذ واقعاً على القصور كذلك، وكذلك الجواز الظاهري، فانّه تابع لثبوت القصور ظاهراً.(1)

ما هو المحرّم من صدقات غير الهاشمي على الهاشمي؟

هنا فروع:

الأوّل: حرمة زكاة المال الواجبة.

الثاني: زكاة الأبدان (الفطرة).

الثالث: زكاة المال المندوبة كزكاة التجارة.

الرابع: الصدقات الواجبة بالذات كالكفّارات.

الخامس: الصدقات المندوبة بالذات الواجبة بعروض عناوين النذر والإيصاء واللقطة والمظالم ومجهول المالك.

السادس: الصدقات المندوبة بالذات.

إنّ البحث في الفروع الستة يمكن تصنيفه تحت عنوانين:

الأوّل: الزكاة.

الثاني: الصدقة.

أمّا الأوّل: فيعمّ الواجب المالي أو البدني أو المستحب كزكاة التجارة.


1 . المستمسك: 9 / 307 .


صفحه150

وأمّا الثاني: كالصدقات الواجبة بالذات كالكفّارات، أو بالعرض كالواجب بالنذر والشرط، أو المندوب بالذات وبالعرض.

وعلى ضوء ذلك نحن نبحث في مقامين:

المقام الأوّل: حكم دفع الزكاة إلى الهاشمي

قد عرفت أنّ الزكاة تنقسم إلى مالية وبدنية ومندوبة، وإليك البحث في كلّ واحد من هذه الاقسام :

الفرع الأوّل: زكاة المال الواجبة

قد عرفت اتّفاق الفقهاء على حرمة الزكاة المالية على الهاشمي إذا كان الدافع غير هاشمي، وقد مرّ الكلام فيها مستقصى.

الفرع الثاني: زكاة الأبدان

والمراد منها زكاة الفطرة، فهل هي حرام على الهاشمي إذا كان الدافع غير هاشمي؟ فيمكن الاستدلال على الحرمة بوجوه ثلاثة:

الأوّل: إطلاق معقد الفتاوى وعمومه لزكاة المال والبدن، وإليك بعضها:

1. قال المفيد في «المقنعة»: وتحرم الزكاة الواجبة على بني هاشم جميعاً من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجعفر وعقيل والعباس (رض)....(1)


1 . المقنعة: 243 .


صفحه151

2. وقال الشيخ في «الخلاف»: النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحرّم عليه الصدقة المفروضة ولا يحرّم عليه الصدقة الّتي يتطوّع بها وكذلك حكم آله .(1)

3. وقال المحقّق في «الشرائع»: الوصف الرابع أن لا يكون هاشمياً ـ إلى أن قال : ـ ويجوز للهاشمي أن يتناول المندوبة من هاشمي وغيره ; والذين يحرم عليهم الصدقة الواجبة، من ولد هاشم خاصة على الأظهر .(2)

4. وقال العلاّمة في «التذكرة»: يشترط أن لا يكون هاشمياً، وقد أجمع المسلمون كافة على تحريم الصدقة المفروضة على بني هاشم.

وقال في موضع آخر: الصدقة المفروضة محرّمة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إجماعاً.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي تركّز على الصدقة الواجبة أو المفروضة، وهذه العناوين تنطبق على زكاة الفطرة.

الثاني: الاستدلال بالروايات فهي أيضاً تشمل كلتا الزكاتين: المالية والبدنية:

1. صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قلت له: أتحلّ الصدقة لبني هاشم؟ فقال: «إنّما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحلّ لنا، فأمّا غير ذلك فليس به بأس، ولو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا إلى مكة، هذه المياه عامّتها صدقة».(4)


1 . الخلاف: 4 / 240، كتاب الصدقات، المسألة 26.  

2 . شرائع الإسلام : 1 / 164 .

3 . تذكرة الفقهاء: 5 / 268 ـ 269، كتاب الزكاة، المسألة 180 و 182 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 31 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3.


صفحه152

وذيل الحديث وإن كان ناظراً إلى زكاة الأموال، لكنّه لا يكون قرينة على صرف الصدر (الصدقة الواجبة) من ظاهره خصوصاً قوله: «الواجبة على الناس» الّذي يشمل زكاة المال والبدن، وكلتاهما واجبتان على الناس على صعيد واسع.

2. خبر زيد الشحّام عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن الصدقة الّتي حُرّمت عليهم؟ فقال: «هي الزكاة المفروضة، ولم يحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض».(1)

فالموضوع في هذه الروايات كمعاقد الفتاوى هو الصدقة الواجبة الّتي تشمل كلتا الزكاتين بلا شكّ، خصوصاً أنّه إذا حرمت زكاة المال لأنّها أوساخ الناس، تحرم زكاة الأبدان الّتي هي أوساخها بطريق أولى.

الثالث: ما يدلّ على أنّ زكاة الفطرة، من أقسام الزكاة، نظير:

1. خبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «وهي الزكاة الّتي فرضها الله على المؤمنين مع الصلاة».(2)

2. خبر إبراهيم بن عبدالحميد، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: سألته عن صدقة الفطرة، أواجبة هي بمنزلة الزكاة؟ قال: «هي ممّا قال الله: (وَ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ)(3) هي واجبة».(4)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 23.

3 . البقرة: 83 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 10. ولاحظ الحديث 11 و 9 و 1 .


صفحه153

فهذه الروايات بمنزلة بيان الصغرى، وانّها من الزكاة وتدلّ صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي على أنّ الزكاة بإطلاقها محرّمة عليهم وهي الكبرى، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الصدقة الّتي حُرّمت على بني هاشم ما هي؟ فقال: «هي الزكاة» .(1)

فتلخّص من ذلك أنّ زكاة الفطرة وزكاة المال سيّان في الحرمة للوجوه التالية:

أ. شمول معاقد الفتاوى والإجماعات لها.

ب. شمول الروايات العامّة لهذا النوع من الزكاة.

ج. دلّت الروايات على أنّ الفطرة من مصاديق الزكاة، ودلّت رواية الهاشمي على أنّ الزكاة بإطلاقها حرام عليهم.

الفرع الثالث: حكم الزكوات المندوبة بالذات

هل المحرّم هو الزكاة الواجبة مالية كانت أو بدنية، أو يعمّ المندوبة بالذات كزكاة التجارة عندنا؟

المعروف اختصاصه بالواجبة دون المندوبة، غير أنّ الظاهر من بعضهم هو حرمة المندوبة عليهم أيضاً .

وممّن اختار ذلك العلاّمة في «التذكرة» حيث قال:

وأمّا المندوبة فالأقوى عندي التحريم أيضاً ، لعلو منصبه، وزيادة شرفه


1 . الوسائل: ج 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .


صفحه154

وترفّعه، فلا يليق بمنصبه قبول الصدقة، لأنّها تُسقط المحلّ من القلب.(1)

خلافاً للمحقّق حيث فصّل بين الواجبة والمندوبة من الزكاة وقال: ويجوز للهاشمي أن يتناول المندوبة من هاشمي وغيره.

ثمّ إنّ العلاّمة من المتحمّسين للحرمة في هذا القسم ويمكن الاستدلال على قوله بما يلي:

1. صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الصدقة الّتي حُرِّمت على بني هاشم ما هي؟ فقال: «هي الزكاة».(2)

يلاحظ عليه: بلزوم تقييده بالواجبة، وقد عرفت أنّ الموضوع في صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي(3) وخبر زيد الشحّام (4) هو الواجب أو المفروض، فيحمل المطلق على المقيّد.

2. عموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّا أهل بيت لا تحلّ لنا الصدقة» .(5)

يلاحظ عليه: أنّ المطلق يحمل على المقيّد، وقد ورد قيد الواجبة في صحيح جعفر الهاشمي والمفروضة في رواية الشحّام، ولعلّ لفظ الصدقة في زمن صدور الرواية ينصرف إلى الزكاة الواجبة، بشهادة آية الصدقات: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) .


1 . تذكرة الفقهاء: 5 / 269، المسألة 182 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 31 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3، 4 .

5 . صحيح مسلم: 2 / 751، ذيل الحديث 1069 ; الوسائل: ج 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 .


صفحه155

3. ما دلّ على أنّ الزكاة أوساخ المال فيعمّ الزكاة المستحبة.

يلاحظ عليه: أنّ الاعتماد على الحكمة في مقابل صحيحة جعفر بن إبراهيم أو خبر زيد الشحّام مشكل، وإن كان الأحوط الاجتناب.

فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ الزكاة المندوبة حلال لبني هاشم دون الواجبة بقسميها.

المقام الثاني: دفع الصدقات إلى الهاشمي

الصدقة عبارة عن العطيّة الّتي بها يراد المثوبة، لا المكرمة، ويقابلها الهدية فإنّها عطيّة يراد بها تكريم المعطى له.

وتنقسم إلى: الصدقة الواجبة بالذات، والصدقة المندوبة بالذات الواجبة بالعرض، والصدقة المندوبة بالذات.

 

الفرع الرابع: الصدقة الواجبة بالذات

كالهدي والكفّارات فإنّها صدقات واجبة وإن لم تكن من مصاديق الزكاة، فهل تحرم على الهاشمي أو لا؟

يمكن أن يقال بعدم الحرمة، لما عرفت من أنّ الموضوع للحرام هو الصدقة الواجبة على الناس كما في صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي ـ أي ما يجب على أكثر الناس ـ فخرجت الكفّارات لعدم وجوبها إلاّ على قسم خاص من الناس الذين صدر عنهم موجبها، ككفّارات اليمين والنذر والإيلاء والظهار وكفارات الحج والصيام.


صفحه156

يلاحظ عليه: أنّ ما أُشير إليه لا يتجاوز عن حدّ الإشعار ولا يقاوم ما تضافر عليه من الإطلاقات من أنّ الصدقة محرمة على آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .(1)

ويؤيّده ما في مرفوعة أحمد بن محمد: «لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة».(2)

ويؤيّده ما في «نهج البلاغة» رداً على أشعث بن قيس: «أصلة أم زكاة أم صدقة، فذلك محرّم علينا».(3)

وهذه الوجوه وإن كانت قابلة للنقاش، لاحتمال كون المراد من الصدقة فيها، ما يخرج لأجل دفع البلاء والآفة، فإنّ هذا النوع من الصدقات لا يناسب مقامهم السامي، لكن الأحوط اجتناب الهاشمي عن هذا النوع من الصدقة.

الفرع الخامس: الصدقات المندوبة بالذات الواجبة بالعرض

إذا كانت الصدقة مستحبة بالذات واجبة بالعرض، كما إذا أوصى بمال لهاشمي أو نذر أو شرطه في ضمن عقد وما شاكلها، فهل هي داخلة في الصدقات الواجبة أو لا؟ الظاهر عدم دخولها، لانصرافها إلى ما هو واجب بالذات، وأمّا المستحبّة بالذات والواجبة بالعرض فهي خارجة عن مصب الروايات، خصوصاً على ما قلنا في محلّه من أنّ الصدقة المندوبة بالذات لا تكون واجبة بالنذر والشرط والوصية وإنّما هي باقية على استحبابها،


1 . لاحظ : الوسائل: ج 6، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 9 .

3 . نهج البلاغة، قسم الخطب، برقم 244، ط . عبده.


صفحه157

والواجب هو الوفاء بالنذر والشرط والإيصاء، ولا يتحقّق الوفاء إلاّ بدفع الصدقة المندوبة بما هي مندوبة.

ومنه يعلم حكم المظالم والتصدّق بمجهول المالك، فإنّ الظاهر أنّ المحرّم هو ما وجب على المالك، وأمّا المقام فإنّما وجب على غير المالك حيث تعلّق الوجوب بشخص آخر يتصدق عن المالك المجهول أو المعلوم الّذي لا يمكن الوصول إليه .

وأمّا الكلام في الفرع السادس، وهو الصدقات المندوبة بالذات، فقد تركنا الكلام فيها، لوضوحها.


صفحه158

 

في كيفية ثبوت نسب الهاشمي

هنا مسائل:

1. يثبت كون الآخذ هاشمياً بأمرين:

الف: البيّنة.

ب. الشياع.

2. إذا ادّعى انّه هاشمي حرم من الزكاة.

3. إذا ادّعى انّه غير هاشمي يُعطى من الزكاة.

4. يجوز إعطاء الزكاة لمجهول النسب كاللقيط.

وإليك دراستها واحدةً تلو الأُخرى:

المسألة الأُولى: ما يثبت كونه هاشمياً

ألف: ثبوت النسب بالبيّنة

يثبت النسب بالبيّنة، فلو شهد عدلان على أنّه هاشمي يثبت الموضوع، ويترتّب عليه أثره من جواز أخذ الخمس وحرمة أخذ الزكاة إذا كان الدافع غير هاشمي إلى غير ذلك من الآثار، إنّما الكلام في حجّية البيّنة في ثبوت النسب وشمول دليل حجّيتها له فنقول: إنّ دراسة مجموع ما دلّ على حجّية البيّنة يشرف الفقيه على عدم اختصاص حجّيتها بباب دون باب، بل ينتزع


صفحه159

منها ضابطة كلية وهي حجّيتها، إلاّ ما قام الدليل على عدمها، فنقول:

دلّ الذكر الحكيم على حجّية شهادة العدلين في موارد:

الأوّل: في الشهادة على الطلاق، كقوله سبحانه: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَي عَدْل مِنْكُمْ)(1) .

الثاني: في الشهادة على الوصية، كقوله سبحانه: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ)(2) .

الثالث: في الشهادة على الدين، كقوله سبحانه: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ )(3) .

والغاية من الاستشهاد، هو حجّية قولها عند الإشهاد، وإلاّ يلزم لغويته، والمورد أعمّ من الترافع.

وأمّا الروايات فيمكن الاستدلال بها على حجّيتها في عامّة الموارد إلاّ ما خرج بالدليل منها:

1. روى الكليني عن علي بن إبراهيم، (عن أبيه)، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على


1 . الطلاق: 2 .   

2 . المائدة: 106 .

3 . البقرة: 282 .


صفحه160

هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة».(1)

والرواية من ثلاثيات الكليني حيث يروي عن المعصوم بثلاث وسائط، ومن ثنائيّات القمي حيث يروي عن المعصوم بواسطتين. كلّ ذلك إذا روى القمّي عن هارون بن مسلم بلا واسطة ولو صحّ ما في بعض النسخ من روايته عنه بواسطة أبيه ـ كما هو ليس ببعيد ـ ينقلب الثلاثي إلى الرباعي والثنائي إلى الثلاثي كما لا يخفى.

أمّا السند فلا غبار عليه إلاّ في آخره، فإنّ علي بن إبراهيم القميّ من المشايخ الأثبات.

قال النجاشي: وهارون بن مسلم أنباري، سكن سامراء، يكنّى أبا القاسم، ثقة، وجه، وكان له مذهب في الجبر والتشبيه، لقي أبا محمد وأبا الحسن (عليهما السلام) .(2)

والتعبير بلفظ: «كان» حاك عن عدوله عنه، وإلاّ كيف يكون معه ثقة؟!

وأمّا مسعدة بن صدقة العبدي، فقد وصفه الشيخ في رجاله بأنّه عامي، وعدّه الكشي من البتريّة، ولولا تصريح النجاشي برواية هارون بن مسلم عن مسعدة، لكان لاحتمال سقوط الواسطة بينهما مجال.

والسند وإن كان غير نقي، لكن تلوح على المضمون علائم الصدق.

إذا عرفت ذلك فإنّ مفاد الحديث تقدّم البيّنة على الأُمور التالية:


1 . الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

2 . رجال النجاشي: 2 / 405، برقم 1181 .


صفحه161

1. يد البائع على الثوب أو العبد الكاشفة عن الملكية.

2. يد البائع على العبد مع احتمال أنّه حرّ قد باع نفسه.

3. أصالة عدم الانتساب. يد البائع على العبد مع احتمال أنّه قد خدع فبيع قهراً.

4. أصالة عدم الانتساب بين الرجل والمرأة الّتي تحته.

فلولا البيّنة، كانت هذه الأُمور حجّة في موردها ولكن البيّنة حاكمة عليها، ومقتضى الإطلاق حجّيتها سواء أكان هناك ترافع أم لا.

والمراد من البيّنة كما قلنا في محلها هو العدلان، ولا ينافيه كونها في اللغة بمعنى مطلق التبيّن، بل في القرآن أيضاً كذلك كما يقول سبحانه: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَ رَحْمَةً)(1) .

ولكنّها في عصر الصادقين (عليهما السلام)كانت حقيقة شرعية في العدلين، بل يمكن ادّعاء ذلك في لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان».(2)

2. خبر عبدالله بن سليمان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كلّ شيء لك حلال، حتّى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة».(3)


1 . هود: 17 .

2 . الوسائل: ج 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.


صفحه162

3. صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: «صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته، فإن شهد عندك شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياهُ فاقضه».(1)

4. وفي صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إنّما جعلت البيّنات للنسب والمواريث».(2)

إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في المقام.

وهذه الروايات مع ما ذكر من الذكر الحكيم تثبت حجّيتها في عامّة الموارد إلاّ ما دلّ الدليل على عدمها.

أضف إلى ذلك انّه إذا كانت البيّنة حجّة في المرافعات الّتي ربّما تستباح بها الأموال والأعراض، فأولى أن تكون حجّة في غيرها.

ثمّ إنّ الظاهر حجّية البيّنة، لأنّها تفيد الاطمئنان النوعي لا الشخصي في أغلب الموارد ولا يتوقف القضاء بها على إفادتها الاطمئنان الشخصي.

ثبوت النسب بالعدل الواحد

وأمّا ثبوت الموضوعات بخبر العدل، فقد قلنا في محلّه بحجّيته إلاّ ما خرج بالدليل.(3) إذ الظاهر أنّ ما دلّ على حجّية قول العادل لا يختص بالأحكام، بل يعمّ الموضوعات، وقد عرفت أنّ الدليل الوحيد هو بناء


1 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 8.

2 . الوسائل: ج 14، الباب 43 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث1.

3 . لاحظ : كليات في علم الرجال: 158.


صفحه163

العقلاء، وهو يشمل عامّة موارد الحكم والموضوع.

 

ب. ثبوت النسب بالشياع

الظاهر من كلمات غير واحد من الفقهاء هو حجّية الشياع ـ بالمعنى الّذي سيوافيك ـ في ثبوت النسب، والمراد من الشياع في مورد النسب هو قضاء الناس بأنّ فلاناً ابن فلان، ويظهر من كلمات علمائنا الأبرار أنّ الشياع الّذي يعبّر عنه أيضاً بالسماع أُخرى والاستفاضة ثالثة، حجة في ثبوت أُمور ممّا تعسر إقامة البيّنة عليها ومنها «النسب»، وقد نصّ على ذلك الشيخ في «الخلاف» (1) و «المبسوط»(2)، والكيدري في «إصباح الشيعة» (3)،
والمحقّق في «الشرائع» .(4)

وإليك كلام المحقّق في مبحث «الطرف الثاني فيما به يصير شاهداً»:

ومستند الشهادة: إمّا المشاهدة، أو السماع، أو هما. فما يفتقر إلى المشاهدة، الأفعال، لأنّ آلة السمع لا تدركها، كالغصب والسرقة... وما يكفي فيه السماع فالنسب والموت والملك المطلق، لتعذّر الوقوف عليه مشاهدة في الأغلب.

ثمّ إنّه عرّف السماع بتوالي الأخبار من جماعة لا يضمّهم قيد المواعدة، أو يستفيض ذلك حتّى يتاخم العلم.


1 . الخلاف: 6 / 265، كتاب الشهادات، المسألة 15 .

2 . المبسوط: 8 / 180 .   

3 . إصباح الشيعة: 531 .

4 . شرائع الإسلام : 4 / 132 ـ 133 .


صفحه164

ثمّ إنّ الشياع في هذه الأُمور الثلاثة الّتي أشار إليها المحقّق حجة وإن لم يفد العلم، لأنّ تعذّر الوقوف عليها من طريق آخر صار سبباً لحجّية الشياع فيها.

بخلاف الشياع المفيد للعلم في باب رؤية الهلال وغيرها فهو حجّة، لأنّه طريق مفيد للعلم فلايختص بباب دون باب.

وعلى ذلك فللقاضي أن يعتمد على الشياع في هذه الأُمور فيقضي، كما أنّ للشاهد أن يعتمد عليه فيشهد على تفصيل في باب القضاء.

ويدلّ على حجّية الشياع في النسب وغيره أُمور:

1. مرسلة يونس عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات، والتناكح، والمواريث، والذبائح، والشهادات; فإذا كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه».(1)

ورواه الصدوق في «الفقيه» وذكر مكان المواريث: «الأنساب» .(2)

ورواه في «الخصال» عن أبي جعفر المقري رفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام)، عن آبائه، عن علي (عليه السلام): خمسة أشياء يجب على القاضي.(3)

ورواه الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم إلاّ أنّه قال مكان «بظاهر الحكم»: بظاهر الحال.(4)


1 . الوسائل: ج 18، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.

2 . الفقيه: 3 / 9، الحديث 29.   

3 . الخصال: 311، باب الخمس، الحديث 88 .

4 . التهذيب: 6 / 288، الحديث 798 .


صفحه165

ولعلّ عناية المشايخ الثلاثة بنقلها، تورث الاطمئنان بصدورها ولا يضرها الإرسال والرفع، فلو كان المراد من قوله: «أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم» أي حكم الناس، لكان دليلاً على حجّية الاستفاضة في الموارد الخمسة ومنها الأنساب، ولا يضر ورود المواريث مكان الأنساب في بعض الطرق، لأنّهما يرميان إلى معنى واحد.

2. ما ورد في متاع الرجل والمرأة، إذا مات أحدهما فادّعاه ورثة الحي وورثة الميت، أو طلّقها فادّعاه الرجل وادّعته المرأة، فقد قضى الإمام بأنّ المتّاع للمرأة مستدلاً بقوله: «أرأيت إن أقامت بيّنة الحاكم إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين، فقال: «لو سألت من بين لابتيها ـ يعني: الجبلين، ونحن يومئذ بمكة ـ لأخبروك أنّ الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي الّتي جاءت به، وهذا المدّعي (الرجل) فإن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البيّنة».(1)

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الحديث أنّ الاعتداد بشهادة من بين لابتيها لأجل إفادته العلم واليقين، فإنّ المتاع قد نقل على رؤوس الأشهاد من بيت المرأة إلى بيت الزوج، فكيف يصحّ للزوج أن يدّعي أنّه له؟ ! فلا صلة له بالشياع بما هوهو.

الثالث: السيرة المستمرة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا من اعتماد الناس على ما استفاض بينهم في الأُمور الّتي لها جذور في التاريخ، كالأوقاف


1 . الوسائل: ج 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.


صفحه166

والأنساب ممّا تعسر إقامة البيّنة عليها في كلّ زمان، وبذلك يعلم أنّ القدر المتيقّن من حجّية الشياع هذه الأُمور الّتي لها جذور في التاريخ ويعسر إقامة البيّنة عليها، أو ما يقرب من هذه الأُمور سواء أفاد العلم أو لا.

وعلى كلّ تقدير فالأنساب من مصاديقه، وأمّا حجّية سعة الاستفاضة فقد فرغنا منها في كتابنا «نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغرّاء».(1)

المسألة الثانية: إذا ادّعى أنّه هاشمي فهل يسمع أو لا؟

فقد عرفت فيما سبق أنّه إذا ادّعى أنّه فقير أو غارم لا يسمع إلاّ بالبيّنة، إذ لا عبرة بادّعاء المدّعي.

وعلى ذلك فلو حصل من قوله الوثوق فيترتب عليه الأثر، وإلاّ فلا.

نعم إذا ادّعى انّه هاشمي حرم دفع الزكاة إليه مؤاخذة له بإقراره، وذلك لأنّ الإقرار على النفس حجّة عند العقلاء، وقد اشتهر قول جماعة من علمائنا في كتب الاستدلال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».(2)

نعم أشكل عليه في «المستمسك» بقوله: لكنّه غير ظاهر، إذ الإقرار إنّما يمنع من العمل بالحجّة ـ من أمارة أو أصل ـ بالإضافة إلى الأحكام الّتي


1 . نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 1 / 159 ـ 166 .

2 . الوسائل: ج 16، الباب 3 من كتاب الإقرار، الحديث 2 .


صفحه167

تكون للمقرّ، لا بالإضافة إلى المالك وإفراغ ذمّته بذلك.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الأحكام الّتي تكون للمقرّ على قسمين:

تارة يختصّ الحكم بالمقرّ ولا يعمّ الغير، كما إذا اعترف بأنّه ليس مالكاً للشيء فيسلب منه، وأُخرى تكون له صلة بالشخص الآخر كما في المقام، فإنّ إقراره بأنّه هاشمي يلازم إقراره بأنّه لا يملك ما أخذ ولا يصحّ له التصرّف فيه، ومعه كيف يمكن لمالك الزكاة أن يدفع إليه شيئاً يعترف هو بأنّه لا يملكه ولا يصحّ التصرّف فيه؟ ! نظير ذلك إذا اعترف أنّه غني تحرم عليه الزكاة فهل يصحّ لمالكها أن يدفع إليه الزكاة؟!

المسألة الثالثة: لو ادّعى أنّه ليس بهاشمي

لو ادّعى أنّه ليس بهاشمي يعطى من الزكاة لا لقبول قوله، لما عرفت من أنّ دعوى المدّعي ليست بحجّة، بل لأجل دليل آخر، وهو التمسّك بالأصل الأزلي بالتقرير التالي، وهو أنّا نشير إلى ماهية هذا الرجل الّذي يدّعي أنّه غير هاشمي، فنقول: لم يكن موصوفاً بالهاشمية ولو لأجل عدم وجودها، فإذا وجد وعلمنا اتّصاف الماهية بالوجود نشك في اتّصافها بالهاشمية فيستصحب عدم كونها كذلك.

وبما انّا قد أشبعنا الكلام في عدم حجّية الأصل المثبت في البحوث الأُصولية، فمن أراد فليرجع إلى كتابنا «المحصول» (2).


1 . المستمسك: 9 / 312 .

2 . راجع : المحصول: 2 / 498 ـ 512.


صفحه168

والظاهر أنّ المرجع في هاتيك الموارد هو الشياع كما مرّ، وإلاّ فالأخذ بحكم الغالب إذا كان مفيداً للوثوق، وإلاّ فيمنع حتّى يثبت كونه غير هاشمي.

ومنه يظهر حال المسألة الرابعة، وهي دفع الزكاة لمجهول النسب.

ما هو حكم إعطاء زكاة غير الهاشمي لمن تولّد من الهاشمي بالزنا؟

إنّ وليد الزنا ولد في اللغة والعرف، فالآثار المترتّبة على الولد تترتب عليه إلاّ ما دلّ الدليل على عدم ترتّب أثره، فبما أنّه تضافرت الروايات على أنّ ولد الزنا لا يرث فلا يحكم عليه بقوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(1) فهو محروم من الإرث، وأمّا سائر الآثار المترتّبة على عنوان الولد والابن فلا دليل على رفع اليد عنه ما لم يكن هناك دليل قاطع، فقوله سبحانه: (وَ لاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ)(2) يعمّ وليد الزنا، فإنّ الولد عبارة عمّن تكون من نطفة والديه وهو يصدق على وليد الزنا، وعلى ذلك فلا فرق بين طهارة المولد وطيبه وخلافه.

نعم إذا دلّ الدليل على الحرمان مع كونه ولداً يتبع حسب ما دلّ، ففي باب القضاء يقول المحقّق: لاينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقّق حاله، كما لا تصحّ إمامته ولا شهادته في الأشياء الجليلة.(3)


1 . النساء: 11 .   

2 . النور: 31 .

3 . شرائع الإسلام : 4 / 76 .


صفحه169

وبالجملة حرمانه من الإرث لا يكون دليلاً على عدم كونه ولداً لغة وعرفاً كما أنّ ممنوعية الولد من الإرث لأجل القتل والكفر لا يكون سبباً لسلب عنوان الولدية عنه.

نعم ذهب صاحب الجواهر إلى انصراف دليل المنع عن مثل المقام، لانسياق المتولّد من الحلال دون الحرام، فيشمله عموم الزكاة وهو كما ترى.


صفحه170


صفحه171

الرسالة الستون

في

قسمة الخمس ومستحقه


صفحه172


صفحه173

في هذه المسألة فروع:

1. تقسيم الخمس ستة أسهم

المشهور عند الإمامية هو قول واحد وهو أنّ الخمس يُقسّم أسداساً، نعم حكى المحقّق في الشرائع قولاً آخر ولكن اعترف في المسالك(1) أنّه لم يعرف قائله وهو أنّه يقسم خمسة أقسام بحذف سهم اللّه، وأنّ ذكر اللّه تعالى مع الرسول، إنّما هو لإظهار تعظيمه، وقال في المسالك: وهذا القول مع شذوذه لا يعلم قائله. نعم دلّت صحيحة ربعي بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)عليه، وستوافيك دراسته، هذا ما عندنا بقول واحد.

وأمّا عند أهل السنّة فقد ذكر الشيخ الطوسي أقوالهم فخرج بالأقوال التالية:

1. ذهب أبو العالية الرياحي(2) إلى ما ذهبنا إليه من أنّ الغنيمة والفيء مقسوم على ستة أسهم: سهم للّه تعالى، وسهم لرسوله،وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.

2. ذهب الشافعي إلى أنّ خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهُم: سهم


1 . مسالك الأفهام:1/470.

2 . وصفه الشيخ الطوسي في الخلاف: 4/211 بأنّه من ثقات التابعين .


صفحه174

لرسول اللّه، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى،وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل; فأمّا سهم رسول اللّه فيُصرف في مصالح المسلمين، وأمّا سهم ذي القربى فإنّه يصرف إلى ذوي القربى على ما كان يصرف إليهم على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).

3. ذهب أبو حنيفة إلى أنّه يقسم ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل; وكان أبو حنيفة يقول: إنّ ذلك كان مقسوماً على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)على خمسة أسهم إلاّ أنّه لما مات سقط سهمه وسهم ذي القربى الذين كانوا على عهده وبقي الأصناف الثلاثة فيصرف إليهم.

ثمّ إنّ أصحابه بين من يقول: باستحقاق ذي القربى بالقرابة ثمّ سقط بموتهم(1)، ومن يقول: ما كانوا يستحقون وإنّما كان رسول اللّه يتصدّق عليهم لقرابتهم.

4. وذهب مالك إلى عدم التقسيم وأنّه مفوّض إلى اجتهاد الإمام ليصرفه إلى من رأى أن يصرفه إليه، وهذه هي أقوالهم المأخوذة من الخلاف.(2)

بالإمعان فيما ذكرنا يظهر أنّ الخلاف في مجال التقسيم في الأُمور التالية:


1 . وكأنّ أبا حنيفة، يفسّـر«ذي القربى» بصورة القضايا الخارجية، أي الأقرباء المتواجدين في عصره.

2 . الخلاف:4/209، كتاب الفيء، المسألة 37.


صفحه175

1. الاختلاف في كيفية التقسيم فنحن على قول واحد وهو أنّه يقسّم على ستة، وهؤلاء بين القول بستة أسهم، وخمسة أسهم، وثلاثة أسهم، وسهم واحد.

2. عدم سقوط سهم ذي القربى بعد رحيل الرسول إلى يومنا وعليه أيضاً قول الشافعي، وسقوطه على رأي أبي حنيفة.

3. إنّ سهم ذي القربى عندنا للإمام المعصوم، وعند الشافعي لجميع ذوي القربى. يستوي فيه القريب والبعيد والذكر والأُنثى والصغير والكبير إلاّ أنّه للذكر مثل حظّ الأُنثيين، نعم قال المزني وأبو ثور: الذكر والأُنثى فيه سواء.

4. الأسهم الثلاثة التي هي لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من الخمس يختصّ بها من كان من آل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)دون غيرهم، وخالف في ذلك جميع الفقهاء فقالوا: لفقراء المسلمين وأيتامهم وأبناء سبيلهم دون من كان من آل الرسول خصوصاً.

وهذه فتاواهم، والأصل في ذلك قوله تعالى :(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَانَّ للّهِ خُمُسهُ وَللرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالمَساكينَ وَابْن السَّبيل)(1) ودراسة الآية تؤيد مواقف الإمامية في النقاط السابقة.

وأمّا لزوم التقسيم على ستة أسهم لأنّ اللام للملك أو الاختصاص والعطف بالواو يقتضي التشريك فيجب صرفه في الأصناف الستة.

فإن قلت: ما الفرق بين الخمس حيث صار فيه التقسيم على ستة أسهم


1 . الأنفال:41.


صفحه176

أمراً مسلّماً ، دون الزكاة حيث أفتوا بعدم وجوب تقسيمها على المصارف الثمانية الواردة في الآية الكريمة، قال سبحانه: (إِنَّما الصَّدقات لِلْفُقَراءِ وَالمَساكين وَالعامِلين عليها...) (1).

قلت: لولا النصّ(2) الدال على عدم وجوبه لقلنا فيها مثل ما قلنا في الخمس، أضف إلى ذلك اختلاف لسان الآيتين حيث إنّ الزكاة أُضيفت إلى العناوين الكلية بخلافها في آية الخمس حيث أُضيف في الأسهم الثلاثة، الأُولى إلى الأشخاص وقال: (للّه وللرَّسول ولذي القربى)معبّراً بصيغة الإفراد، لا ذوي القربى بصيغة الجمع المشعر بأنّ المستحق شخص واحد.

وأمّا الثاني، أي عدم سقوط سهم ذي القربى برحيل الرسول فإنّه من قبيل القضايا الحقيقية التي يتجدد مصداقها عبر الزمان، وليست من قبيل القضايا الخارجية البعيدة عن مجال التقنين.

وأمّا الثالث، أي أنّ المراد من ذي القربى أقرباء الرسول فهو مجمع عليه بين المفسرين، مضافاً إلى أن تقدم الرسول قرينة على أنّ المراد منه ذلك، ولولاه لحمل على مطلق الأقربين.

وليس المراد من ذي القربى مطلق القريب منه، بل شخص واحد وهو الإمام القائم مقامه ويدلّ عليه نفس الآية ـ مضافاً إلى ما يأتي من الروايات ـ وذلك لأنّ المراد من الأصناف الثلاثة، بقرينة الرسول، أقرباؤه، ولو أُريد من ذي القربى، مطلق الأقرباء كانت الأسهم حينئذ خمسة لا ستة، فلا مناص من إرادة الإمام ليمتاز أحد السهمين عن الآخر. نعم هذا الاستدلال يتم، إذا قلنا


1 . التوبة:60.   

2 . الوسائل: ج 6، الباب 28 من أبواب المستحقين للزكاة.


صفحه177

بأنّ المراد من الأصناف الثلاثة، هم المنتمون إلى الرسول، دون مطلقهم كما عليه فقهاء العامّة جميعاً.

وأمّا الرابع، أعني: أنّ المراد من الأصناف الثلاثة، هم المنتمون إلى الرسول، فالدليل هو ذكر الرسول، فهو قرينة على أنّ المراد يتيم ذلك الباب ومسكينه. نعم خالف في ذلك فقهاء العامة قالوا: المراد فقراء المسلمين وأيتامهم وأبناء سبيلهم دون من كان من آل الرسول خصوصاً.(1)

وأمّا ما يدل على تلك الأُمور من الأخبار فلنذكر منها ما يلي:

1. ما رواه في الموثّق عن عبد اللّه بن بكير عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام)في قول اللّه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي القُربى وَاليَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْن السَّبيل) ، قال: «خمس اللّه للإمام، وخمس الرسول للإمام، وخمس ذوي القربى لقرابة الرسول، الإمام، واليتامى يتامى آل الرسول، والمساكين منهم، وأبناء السبيل منهم، فلا يخرج منهم إلى غيرهم».(2)

2. ما رواه في الصحيح عن أحمد بن محمد قال: حدّثنا بعض أصحابنا: رفع الحديث قال: «الخمس من خمسة أشياء ـ ثمّ ساق الحديث ـ إلى أن قال: فأمّا الخمس فيقسّم على ستة أسهم: سهم للّه، وسهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل; فالذي للّه، فرسول اللّه أحقّ به فهو له خاصّة، والذي للرسول هو لذي القربى والحجّة


1 . الخلاف:4/217، كتاب الفيء، المسألة 41.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 2.


صفحه178

في زمانه فالنصف له خاصة، والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد الذين لا تحلّ لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم اللّه مكان ذلك بالخمس، فهو يعطيهم على قدر كفايتهم، فإن فضل منهم شيء فهو له، وإن نقص عنهم ولم يكفهم أتمّه لهم من عنده كما صار له الفضل كذلك لزمه النقصان».(1)

3. ما رواه في الصحيح عن حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح (عليه السلام)في حديث: «وتقسّم الأربعة أخماس بين مَن قاتل عليه وولي ذلك، ويقسّم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم للّه، وسهم لرسول اللّه، و سهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل; فسهم اللّه وسهم رسول اللّه لأُولي الأمر من بعد رسول اللّه وراثة وله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من اللّه، وله نصف الخمس كملاً; و نصف الخمس الباقي بين أهل بيته فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب والسنة(الكفاف والسعة) ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون».(2)

4. صحيحة البزنطي عن الرضا(عليه السلام)قال: سئل عن قول اللّه عزّ وجلّ:


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 9.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8; ونهاية الحديث الباب 3 من نفس الأبواب، الحديث 1.


صفحه179

(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للّهِ خُمُسهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي القُربى) ، فقيل له فما كان للّه فلمن هو؟ فقال: «لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما كان لرسول اللّه فهو للإمام».(1)

إلى غير ذلك ممّا يفيد لزوم التقسيم إلى ستة.(2)

ثمّ إنّ صاحب المدارك أشكل على هذه الروايات بالإرسال، وهو حقّ، إلاّ في الأخيرة، ولكن الضعف منجبر بعمل الأصحاب، بل نعلم بصدور بعضها إجمالاً.

بقي الكلام في دليل من قال : يقسم على خمسة أسهم من الأصحاب، فقد نسب إلى ابن الجنيد، واستدل له بما رواه في الصحيح عن ربعي بن عبد اللّه بن الجارود، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له، ثمّ يقسم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه، ثمّ يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثمّ قسّم الخمس الذي أخذه، خمسة أخماس يأخذ خمس اللّه عزّ وجلّ لنفسه ثمّ يقسم الأربعة أخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل يعطي كلّ واحد منهم حقّاً، وكذلك الإمام أخذ كما أخذ الرسول».(3)

والظاهر منه إسقاط حقّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لا حقّ اللّه، وحمله الشيخ على أنّه قنع بما دون حقّه ليتوفر على المستحقين. وبعبارة أُخرى: أنّه حكاية عمل وليس


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 6.

2 . لاحظ : الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 10، 11، 12.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3.


صفحه180

له ظهور في سقوط حقّه، إذا كان هناك احتمال آخر.

ثمّ إنّ صاحب الحدائق اعترض على الحمل بأنّ قوله في ذيل الحديث «وكذلك الإمام أخذ كما أخذ رسول اللّه» ينافي ذلك الحمل، والأظهر عندي حمله على التقية فإنّ التقسيم إلى خمسة أقسام مذهب جمهور العامة.(1)

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه مذهب الشافعي لا جمهورهم ـ أنّ المراد التشبيه في أصل الأخذ لا في كيفيته، واللّه العالم.

وعلى أيّ تقدير ففي الروايات الماضية غنى وكفاية لإثبات الأُمور الأربعة التي أشرنا إليها وقلنا إنّها محور الخلاف بيننا وبين غيرنا فلاحظ.

2. في اشتراط الإيمان في مستحق الخمس

اختلفت كلمتهم في شرطية الإيمان ـ أي الاعتقاد بالولاية للأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)ـ في مستحق الخمس، بعد اتفاقهم في مستحق الزكاة حيث يمنع المخالف منها بفضل الروايات المتضافرة، فتردّد المحقّق في الشرائع حيث قال: السادسة: الإيمان معتبر في المستحق على تردد. وذهب العلاّمة في الإرشاد إلى الاشتراط قال:وثلاثة لليتامى والمساكين وأبناء السبيل للهاشميين المؤمنين.وقال المحقّق الأردبيلي في شرحه على الإرشاد: اشتراط كونهم من بني هاشم واشتراط الإيمان في الأصناف الثلاثة هو المشهور عندنا ـ إلى أن قال: ـ وأمّا اعتبار الإيمان فما نجد له بخصوصه شيئاً، نعم ما يدلّ على


1 . الحدائق: 12/373.


صفحه181

اشتراطه في الزكاة من الإجماع والأخبار قد يشعر بذلك مع كونه عوضاً، ولا نجد مخالفاً بخصوصه ولكن الأصل وظاهر الأدلة يقتضيه.(1)

ولكن المحقّق جزم في المعتبر بالاشتراط، وتردّد صاحب المدارك والذخيرة تبعاً للمحقق.(2) والكلام إنّما هو بعد الحكم بإسلام المخالف ووجوب أحكام الإسلام عليه، وإلاّ فيمنع كما هو واضح.

هذا ويمكن الاستدلال على شرطية الإيمان بوجوه:

1. اصطياد القاعدة الكلية في أداء الفرائض المالية وأنّها لا تدفع إلاّ إلى أهل الولاية، ففي صحيح إسماعيل بن سعد الأشعري عن الرضا(عليه السلام)قال: سألته عن الزكاة هل توضع في مَن لا يعرف؟ قال: «لا ولا زكاة الفطرة».(3)

وفي رواية علي بن بلال قال: كتبت إليه أسأله هل يجوز أن أدفع زكاة المال والصدقة إلى محتاج غير أصحابي؟ فكتب: «لا تعط الصدقة و الزكاة إلاّ لأصحابك».(4)

وفي بعض الروايات:«لا واللّه إلاّ التراب إلاّ أن ترحمه». (5)

أو : «ما لغيرهم إلاّ الحجر».(6)


1 . مجمع الفائدة:4/328ـ 329 ، والظاهر سقوط لفظة «لا» من قوله يقتضيه كما يشعر بذلك قوله:«ولكن» فلاحظ.

2 . الحدائق: 12 / 389 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

5 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6.

6 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7.


صفحه182

إنّ اصطياد القاعدة الكلية ممنوع، لورود الروايات في خصوص الزكاة، وعطف الخمس عليه، لا يصحّ إلاّ بالقياس، أو بادّعاء العوضية كما هو مفاد الدليل الثاني.

2. ما دلّ على أنّ الخمس يجري مجرى الزكاة وأنّه سبحانه حرّمها على الهاشميين وأعطاهم الخمس، ففي مرسل أحمد بن محمد عن بعض أصحابنا رفع الحديث «... فالنصف له خاصه والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد(عليهم السلام)الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوّضهم اللّه مكانَ ذلك بالخمس».(1) وما يدل على أنّ الخمس عوض الزكاة أكثر ، فلاحظ روايات الباب.(2)

3. ما دلّ على أن تخصيص الخمس من باب الكرامة والتعزير ولا يستحقّ به إلاّ المؤمن، وفي رواية حمّاد بن عيسى: «إنّما جعل اللّه هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضاً لهم من صدقات الناس تنزيهاً من اللّه لهم لقرابتهم برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وكرامة من اللّه لهم عن أوساخ الناس فجعل لهم... ما يغنيهم به عن أن يصيّرهم في موضع الذّل والمسكنة».(3)

الإنصاف أنّ الوجه الثاني أوثق ما يمكن الاستناد إليه، والتفكيك بينهما


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 9 .

2 . لاحظ : الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8; والباب 1 من أبواب قسمة الخمس ، الحديث1، 4، 7، 8، 10.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8 .


صفحه183

في الحكم يحتاج إلى الدليل، ومع غضّ النظر عنه، فهل يصحّ التمسك بالإطلاقات لنفي شرطية الإيمان، أو لا؟وعلى فرض عدم الصحّة ما هو الأصل المحكّم في المقام؟

الظاهر هو صحّة التمسّك بها، إذ من البعيد أن لا تكون واحدة من هذه الروايات الكثيرة في مقام البيان، وعلى فرض التسليم، فالأصل المحكّم هو أصل البراءة، للشك في شرطية الأمر الزائد على الهاشمية.

وأمّا ما أفاده السيد الحكيم من كون الأصل هو الاشتغال لدوران الأمر بين التعيين والتخيير، وذلك لدوران الأمر بين الدفع إلى زيد الهاشمي المؤمن فقط، أو التخيير بينه وبين عمرو الهاشمي غير المؤمن، والأصل في مثله التعيين لتحصيل البراءة القطعيّة، فغير تام، إذ ليس الخارج متعلّق الأمر، بل متعلّقه هو العناوين الكليّة المرددة بين الأقل والأكثر ففي مثله المرجع البراءة.

وإن شئت قلت: الشك في التعيين والتخيير مسبب عن كون الواجب هو العنوان المطلق أو العنوان المقيد، فمع جريان الأصل في جانب العنوان وأنّ الموضوع هو الأقل يرتفع الشكّ عن الخارج.

نعم الأحوط عدم إعطائه إلاّ للمؤمن.

3. اشتراط الفقر في الأيتام

لا خلاف في أنّه لا يشترط في ابن السبيل الفقر، بل المعتبر احتياجه في بلد التسليم وإن كان غنياً في بلده، ولعلّ في استخدام لفظة:«ابن السبيل»


صفحه184

إشارة إلى ذلك أي المحتاج في أثناء سفره، وأنّه توقّف عن السير لأجل فقد المال، وهو أعم من أن يكون له مال في بلده أو لا، وأمّا المساكين فالفقر مقوّم لصدق المسكين، إنّما الكلام في شرطيته في اليتيم، أي الذي فقد أباه، ويدلّ على اشتراط الفقر أنّ الخمس عوض الزكاة فلا يعطى منها إلاّ لليتيم الفقير دون الغني فهكذا الخمس، ويؤيده ما في مرسل حمّاد حيث قال: «يقسم بينهم على الكفاف والسعة ما يستغنون في سنتهم، فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي ـ إلى أن قال: ـ وجعل للفقراء قرابة الرسول نصف الخمس».(1)

4. اشتراط كون السفر في غير معصية

هل يشترط في ابن السبيل أن يكون سفره مباحاً، أو لا؟ يقول السيد الطباطبائي في المقام: ولا فرق بين أن يكون سفره في طاعة أو معصية، ولكنّه يشترط في دفع الزكاة لابن السبيل أن يكون سفره في غير المعصية.(2)

وجه عدم الاشتراط هو دلالة الإطلاقات عليه، كما أنّ وجه الاشتراط هو كون الخمس عوضاً عن الزكاة، وقد ورد النص على شرطية كون السفر غير معصية.(3)

ويمكن المنع بوجه آخر، وهو أنّه إذا عدّ الدفع مصداقاً للإعانة على الإثم، يحكم عليه بالبطلان لا لامتناع اجتماع الأمر والنهي، بل لأجل امتناع أن


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8.

2 . العروة الوثقى، فصل أصناف المستحقين: قوله: الثامن: ابن السبيل.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7.


صفحه185

يكون المبغوض مقرّباً، ولذلك ذهبنا إلى بطلان الصلاة في الدار المغصوبة، وإن قلنا بصحّة اجتماع الأمر والنهي.

5. اعتبار العدالة في المستحقين

اختلفت كلمتهم في اعتبار العدالة في الزكاة، وقد ذكر الشيخ
في الخلاف قولين من أصحابنا قال: الظاهر من مذهب أصحابنا أنّ زكاة الأموال لاتعطى إلاّ العدول من أهل الولاية دون الفسّاق منهم، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: إذا أُعطي الفاسق برئت الذمة; وبه قال قوم من أصحابنا.(1)

وقال السيد الطباطبائي: والأقوى عدم اشتراط العدالة، ولا
عدم ارتكاب الكبائر، ولا عدم كونه شارب الخمر، فيجوز دفعها إلى
الفساق ومرتكبي الكبائر وشاربي الخمر بعد كونهم فقراء من أهل الإيمان، وإن كان الأحوط اشتراطها، بل وردت رواية بالمنع من إعطائها لشارب الخمر.(2)

فإذا كان الاشتراط مورد الخلاف في الزكاة فلا يمكن الاستدلال على الشرطية بالعوضية، ومقتضى الإطلاقات عدم اشتراطها.

نعم يستثنى ما إذا كان إعانة على الإثم على ما مرّ في الفرع السابق.


1 . الخلاف: 4/224، كتاب الصدقات، المسألة 3.

2 . العروة الوثقى، كتاب الزكاة، فصل أوصاف المستحقين لها، تحت الشرط الثاني.


صفحه186

 

وجوب البسط بين الأصناف الثلاثة

أمّا وجوب البسط وعدمه فالمعروف بين الأصحاب كما اعترف به صاحب الحدائق(1) هو جواز تخصيص صنف من الأصناف الثلاثة بالإعطاء، خلافاً للحلبي في الكافي و الشيخ في المبسوط .

قال الأوّل: ويلزم على من وجب عليه الخمس إخراج شطره للإمام والشطر الآخر للمساكين واليتامى وأبناء السبيل لكلّ صنف ثلث الشطر.(2)

وقال الشيخ : ولا يخصّ فريقاً منهم بذلك دون فريق، بل يعطى جميعهم على ما ذكرنا من قدر كفايتهم.(3) وفي دلالة عبارة الكافي على لزوم البسط تأمّل.

استدلّ لقول الشيخ بأنّ اللام المقدرة في الأصناف الثلاثة الأخيرة إمّا للتمليك أو للاختصاص، وعلى كلّ تقدير، فلا يجوز دفع ما يملكه كلّ صنف أو يختص به، إلى صنف آخر، أخذاً بمفاد اللام المقدرة فيها.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على كونها إمّا للتمليك أو للاختصاص، مع أنّه يحتمل أن تكون لبيان المصرف كما هو الحال في آية الزكاة، ولذا اتفقوا على عدم البسط فيها.

استدلّ لقول المشهور بوجوه:


1 . الحدائق: 12/379.   

2 . الكافي: 174.   

3 . المبسوط: 1/262.


صفحه187

1. ما في صحيح البزنطي... فقيل له : أفرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقلّ ما يصنع به؟ قال: «وذاك إلى الإمام، أرأيت رسول اللّه كيف يصنع؟ أليس إنّما كان يعطي على ما يرى؟ كذلك الإمام».(1)

يلاحظ عليه: أنّ السؤال منصب إلى ما إذا كان أفراد صنف أكثر من أفراد صنف آخر، فهل يجب التساوي والحال هذه؟ فأجاب الإمام بأنّ ذلك للإمام، والكلام في المقام في حرمان صنف دون صنف، ولا صلة للسؤال به، إذ هو فيما إذا دفع إلى جميع الأصناف لكن عدّه أحد الصنفين قليل والآخر كثير، فعندئذ قال ذلك إلى الإمام لو رأى فيه المصلحة لعمل بها، وأين هو ممّا نحن فيه؟

أضف إليه أنّ جوازه للإمام لا يكون دليلاً على جوازه للعامي، لأنّ الإمام يتكّفل بترميم ما نقص، على ما في مرسلة حمّاد بن عيسى: «فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي ،وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون عنه دون العامي».

2. لو وجب البسط وجب ادّخار سهم ابن السبيل لقلّة وجوده بالنسبة إلى سهمه، وهو كما ترى.

يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقّن من البسط صورة وجود الصنف لدى الدفع دون عدمه.

3. عدم وجوبه في الزكاة كما نطقت به صحيحة الهاشمي عن أبي عبد


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 1.


صفحه188

اللّه(عليه السلام):« كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي، وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر، ولا يقسّمها بينهم بالسوية، وإنّما يقسّمها على قدر ما يحضرها منهم وما يرى، وليس في ذلك شيء مؤقّت موظّف دائماً، يصنع ذلك بما يرى، على قدر من يحضرها منهم».(1)

هذا ويمكن الاستدلال على عدم البسط بوجهين آخرين:

1. لو وجب البسط، لوجب الاستيعاب. فالتالي باطل بالاتفاق، فالمقدّم مثله.

بيان الملازمة: أنّ مبنى الاستدلال كون اللاّم المقدرة في الأصناف الثلاثة للتمليك أو الاختصاص، ولكن الجمع المحلّى باللام الداخلة عليه يفيد الاستغراق، فمعناه تملّك كلّ فرد فرد من كل صنف، ثلث الشطر الثاني الملازم بوجوب الاستيعاب، الذي اتفقوا على عدم وجوبه فيدلّ بالملازمة على عدم صحّة المبنى، أعني: ملكية الطوائف الثلاث، أو اختصاص ثلث الشطر الثاني لهم.

2. إنّ الموضوع الواقعي للشطر الثاني من الخمس ليس إلاّ المحتاجون من أقرباء النبي، المتجسدون في اليتامى والمساكين و ابن السبيل، والجامع بينهم، هو وجود الصلة بينهم وبين النبي، أعني: صلة القرابة النسبية بشرط الافتقار والحاجة.

والذي يشهد بذلك، أنّ الأيتام داخل في المساكين، لأنّ المراد منها، هو


1 . الوسائل: ج 6، الباب 28 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.


صفحه189

الأعم من المسكين الذي أسوأ حالاً، والفقير الذي هو أحسن حالاً منه، واليتيم الفقير داخل تحت المساكين فهو قسم منهم مع أنّه عدّ قسيماً، وما ذلك إلاّ للتنبيه على أهميته، وبذلك يعلم عدم موضوعيّة واحد منهم، وإنّما الموضوع هو الجامع بينهم، أعني: القريب المحتاج، وعلى ذلك فلو دفع الكلي إلى اليتيم فقد صرفه في محلّه، لأنّه مصداق للموضوع الواقعي، أعني: القريب المحتاج.

فإن قلت: فعلى القول بعدم البسط، يلزم حرمان بعض الأصناف.

قلت: أمّا إذا كانت حكومة إسلامية جامعة للحقوق في صندوق واحد فلا يتصوّر الحرمان، وفي غير هذه الصورة ربّما ينجرّ عدم البسط إلى الحرمان، فاللازم في هذه الصورة البسط، إذا كان المال متوفراً، نعم لو لم يستلزم الحرمان، كما لو دفع واحد إلى الأيتام والآخر إلى المساكين وهكذا، فلا يلزم البسط لا بالعنوان الأوّلي ولا بالعنوان الثانوي.

مستحقّ الخمس مَن انتسب إلى هاشم بالأُبوّة

المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) أنّه يعتبر في الطوائف الثلاث انتسابهم إلى هاشم بالأُبوة فلو انتسبوا بالأُمّ لم يعطوا من الخمس شيئاً وإنّما يعطون من الزكاة.

وذهب السيد المرتضى (رضي الله عنه) إلى أنّه يكفي في الاستحقاق الانتساب بالأُمّ ويكون الحكم فيه حكم المنتسب بالأب من غير فرق.


صفحه190

وجعل صاحب الحدائق منشأ الخلاف أنّ أولاد البنت أولاد حقيقةً أو أولاد مجازاً؟ فالمرتضى ومن تبعه على الأوّل، والمشهور على الثاني.

قال العلاّمة في المختلف: يستحق الخمس من أبوه هاشمي وإن كانت أُمّه غير هاشمية بالإجماع، وتحرم عليه الزكاة، واختلف في استحقاق من أُمّه هاشميّة وأبوه غير هاشمي، فاختار الشيخ في المبسوط والنهاية المنع من الخمس ويجوز له أن يأخذ الزكاة، واختاره ابن إدريس، وابن حمزة.

وذهب السيد المرتضى إلى أنّ ابن البنت، ابن حقيقة، ومن أوصى بمال لولد فاطمه(عليها السلام)دخل فيه أولاد بنيها وأولاد بناتها حقيقة، وكذا لو وقف على ولده دخل فيه ولد البنت لدخول ولد البنت تحت الولد.(1)

أقول: إنّ القول المنسوب إلى السيّد غير موجود في كتبه من الانتصار وغيره، وإنّما نقله العلاّمة في المختلف ونسبه المعلّق إلى المجموعة الرابعة من رسائل الشريف ولم تحضرني حتى أراجعها، وما نقله العلاّمة من العبارة لا يدل على ما نسب إليه لما ستعرف من إمكان عدّ ولد البنت ولداً حقيقة، ومع ذلك لا يستحقّ الخمس.

قال المحقّق في الشرائع: ولو انتسبوا بالأُمّ خاصّة لم يعطوه، وقال الشهيد الثاني في شرحه: خالف في ذلك المرتضى (رحمه الله) فاكتفى بالانتساب إلى الأُمّ، واستعمال أهل اللغة حجّة عليه، ولا حجّة له في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)للحسنين (عليهما السلام): «هذان ابناي»، لأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، وحمله على


1 . مختلف الشيعة: 3/332.


صفحه191

المجاز أولى من الحقيقة لاستلزامه الاشتراك، والمجاز خير منه، وللرواية عن الكاظم (عليه السلام).(1)

الحقّ أنّه لو كان أساس النزاع في أنّ ولد البنت، ولد حقيقة أو لا؟ فالحقّ مع السيد، وصاحب الحدائق الذي أتعب نفسه في هذه المسألة وأقام دلائل من اللغة وكلمات الفقهاء على أنّ ولد البنت، ولد لكن النزاع ليس مبنيّاً عليه، وذلك لأنّ هنا مسألتين .

الأُولى: أنّ ولد البنت ولد حقيقة أو لا؟

الثانية: ما هو الموضوع لاستحقاق الخمس، فهل يعمّ ولد البنت ـ مع الاعتراف بأنّه ولد ـ أو لا، إذ يمكن أن يكون الموضوع أخص من الولد الحقيقي؟ فإليك دراسة كلا المسألتين :

المسألة الأُولى: هل أنّ ولد البنت ولد حقيقة أو لا؟

إنّ ولد البنت ولد حقيقة لا مجازاً بلا شك، ومن قال إنّه ليس بولد، فقد تأثر بالحكم الرائج في الجاهلية حيث كانوا يعدّون أولاد الأبناء، أولاداً بالحقيقة، دون أولاد البنات، وعلى هذا الأساس يقول الشاعر:

بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا *** بنوهن أبناءُ الرجال الأباعد

ومن زعم أنّ أبناء البنت ليسوا أبناء فقد جعل ا لأُمّ وعاء لنشوء النطفة كالأُمّ الصناعية لانتاج الدواجن، وهو أمر مردود علمياً أوّلاً، ونقلاً ثانياً.


1 . المسالك: 1/470، ويريد من الرواية مرسلة حماد عن العبد الصالح كما ستوافيك.


صفحه192

أمّا الأوّل فإنّ الولد، نتيجة تركيب لقاح بين جزأين أحدهما من الأب باسم الحيمن والآخر من الأُمّ باسم البويضة، وهذا أمر مسلّم في العلوم الطبيعية، فكيف تكون الأُمّ (بنت الإنسان في المقام) وعاء للولد وتنقطع صلته عن آباء الأُمّ؟!

ولعلّه إلى ذلك اللقاح يشير قوله سبحانه: (إِنّا خَلَقْنَا الإِنْسان مِنْ نُطْفَة أَمْشاج) (1) ، والأمشاج جمع المشج وهو الخليط حيث إنّ النطفة مخلوطة من جزأين أحدهما للزوج والآخر للزوجة فالولد منتسب إليهما حقيقة، كما يكون منتسباً إلى والد الزوجين كذلك.

وأمّا الثاني: فالأحكام المترتّبة على الولد، مترتّبة على ولد البنت كترتّبها على ولد الأب في أبواب النكاح والميراث والوقف، وغير ذلك:

أمّا النكاح، فلقوله تعالى:

1. (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساء).(2) فيحرم نكاح زوجة الجدّ على الحفيد و السبط، لأنّها منكوحة الأب.

2. (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتكُمْ وَبَناتكُمْ) . (3) فيحرم على الجدّ نكاح بنت الولد، وبنت البنت بحكم هذه الآية، لأنّها بنت الجد.

3. (وَحَلائِل أَبْنائكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ).(4) فيحرم على الجد،


1 . الدهر:2.   

2 . النساء:22.

3 . النساء:23.

4 . النساء:23.


صفحه193

نكاح زوجة الحفيد والسبط بعد الطلاق.

4. (وَلا يُبْدينَ زِينَتهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولتهنَّ أَوْ أَبْنائهن).(1) فيجوز للجدّة إبداء زينتها للحفيد والسبط، بحكم هذه الآية.

هذا كلّه في باب النكاح ومثله باب الميراث والأوقاف.

وأمّا الميراث، فلقوله تعالى: (وَلأَبَويْهِ لِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُس مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلد) (2) فإنّ ولد البنت يحجب الأبوين عن الزيادة بالاتفاق، و(وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزواجكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَد فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبع مِمّا تَرَكْن) (3)، فإنّ ولد البنت للزوجة يحجب الزوج عن الزيادة على الربع وهكذا في جانب الزوج.

وأمّا الأوقاف، فقد صرّحوا باشتراك الأولاد مطلقاً في الموقوف، قال الشهيد في اللمعة: إذا وقف على أولاده، اشترك أولاد البنين والبنات بالسوية، إلاّ أن يفضل. وأمّا قوله بعد: «ولو قال على من انتسب إليّ لم يدخل أولاد البنات» فلأجل أنّ الانتساب ينحصربالاتصال بالولد الذكر دون الأُنثى، فلا يقال تيمي إلاّ مَن كان أبوه منهم.

هذا ما يرجع إلى المسألة الأُولى وقد عرفت أنّ أولاد البنت أولاد حقيقة، وبقي الكلام في المسألة الثانية.


1 . النور:31.

2 . النساء:11.

3 . النساء:12.


صفحه194

 

المسألة الثانية: ما هو الموضوع لاستحقاق الخمس؟

هل الموضوع لاستحقاق الخمس يختص بولد هاشم أو يشمل من يعدّ في العرف هاشمياً ومن بني هاشم؟

أقول: إنّ العناوين الواردة في الروايات مختلفة.

1. التعبير بـ «أهل البيت»

قد ورد هذا العنوان في غير واحد من الروايات كقوله في رواية زكريا : «واليتامى أهل بيته» .(1)

وقوله في مرسلة إبراهيم بن عثمان عن سليم بن قيس الهلالي :«وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس» .(2)

وقوله في مرسلة حمّاد : «ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته» .(3)

وقوله في رواية الريان بن الصلت : «ونزّه أهل بيته».(4)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 7 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 10. ولاحظ الباب 3 من تلك الأبواب، الحديث1.


صفحه195

 

2. التعبير بالقرابة

جاء التعبير بالقرابة في مرسلة حمّاد: «وهؤلاء الذين جعل اللّه لهم الخمس، هم قرابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الذين ذكرهم اللّه فقال: (وَأَنْذِرْ عَشِيرتَكَ الأَقْرَبين) وهم بنو عبد المطلب أنفسهم الذكر منهم والأُنثى ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد».(1) وأمّا ما رواه محمد بن مسلم في تفسير آية الخمس ونقلها في الوسائل في مواضع مختلفة فهو تفسير لقوله: (وَلِذي القُربى)ولا صلة له بتفسير الأصناف الثلاثة، فلاحظ.(2)

3. التعبير بالآل

وقد ورد التعبير بالآل في غير واحد من الروايات، كما في مرسلة أحمد بن محمد: «وأبناء السبيل من آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)».(3)

ومرسلة تفسير النعماني: «ثمّ قسّم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمد».(4)

و مرسلة أبي جميلة عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «فرض اللّه في الخمس نصيباً لآل محمد».(5)


1 . الوسائل:ج6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8 .

2 . الوسائل:ج6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 5، 17. نعم فسّر فيما جاء برقم 13 ذو القربى و الطوائف الثلاث بقرابة الرسول.

3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 9 .

4 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 12.

5 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 16.


صفحه196

 

4. التعبير بـ «لنا»

وقد أخذ الموضوع في غير واحد من الروايات لفظة:«لنا» ففي رواية محمّد بن مسلم: «والخمس للّه وللرسول ولنا».(1)

أقول: إنّ مقتضى هذه التعابير، هو عدم اختصاص الخمس بالأحفاد، بل يعمّ الأسباط أي من انتسب إلى هاشم من جانب الأُم، ولكن هناك أُموراً تصدّنا عن الأخذ بعموم هذه العناوين.

1. إنّ الموضوع لحرمة الزكاة بنو عبد المطلب أو بنو هاشم، ففي رواية العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): «يا بني عبد المطلب إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم».(2)

وفي رواية الفضلاء:«أنّ الصدقة لا تحلّ لبني عبد المطلب». (3)

وفي رواية عبد اللّه بن سنان : «لا تحلّ الصدقة لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم».(4)

وفي رواية زرارة : «لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطّلبي إلى صدقة».(5)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1من أبواب قسمة الخمس، الحديث 5. ولاحظ الأحاديث: 4، 7، 20 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

5 . الوسائل: ج 6، الباب 33 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1.


صفحه197

فقد اتخذ الانتساب إلى القبيلة موضوعاً للحرمة، ومن المعلوم أنّ الشخص لا ينتسب إلى قبيلة إلاّ إذا كان أبوه منها، دون أُمّه خاصّة، ولا مانع من أن يكون ولد البنت ولداً حقيقة ولا يعدّ عند الانتساب إلى قبيلة إلاّ إذا كان والده منهم. وكأنّه اصطلاح خاص، وهذا هو المتبادر من قولهم: بني سعد، بني بكر، بني تميم، بني كنانة. فلا يدور الحكم مدار صدق الولد وعدمه، بل يدور على صدق إضافته إلى هاشم بحيث يطلق عليه أنّه هاشمي، أو مطلبي.

2. ما ورد في مرسلة حمّاد:ومن كانت أُمّه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش، فإنّ الصدقات تحلّ له، وليس له من الخمس شيء لأنّ اللّه يقول: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ ).(1) وأمّا الاستدلال بالآية في المقام مع ورودها في الأدعياء الأجانب الذين يفتقدون النسبة بتاتاً ولا صلة له بمن لا يفقد الصلة من جانب الأُم فإنّما هو من باب الاستئناس، لا الاستدلال، على أنّ وجود الإشكال في موضع من الرواية لا يسقطها عن الحجّية.

3. لو كان الانتساب بالأُمّ كافياً في صدق الموضوع لزم دخول قسم كبير من المسلمين ممّن يحلّ له الخمس وتحرم عليه الصدقة، وبما أنّ العادة جرت على حفظ النسب من جانب الأب، لا من جانب الأُم، لا يجوز دفع الزكاة إلاّ إذا أُحرز عدم انتسابه إلى هاشم ولو في مراتب عالية وهو أمر متعذّر، فيلزم حرمان كثير من الفقراء من الزكاة لكون الشبهة مصداقية.

وربّما يورد على السيّد بأنّه لو كان الانتساب بالأُمّ كافياً في الاندراج في موضوع الهاشمي فليكن انتسابه بالأب إلى القبائل الأُخر سبباً لاندراجه


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8 . والآية 5 من سورة الأحزاب.


صفحه198

تحت سائر القبائل، كتيم وعدي ، فمثل هذا الشخص هاشمي من جانب الأُمّ ، تحرم عليه الصدقة، تيمي من جانب الأب يجوز له أخذ الصدقة، مع أنّهما متنافيان لا يجتمعان.

والظاهر : أنّ الإشكال مبني على أنّ لكلّ من حلّية الخمس والصدقة موضوعاً خاصّاً، فالخمس للهاشمي والزكاة للتيمي والبكري مثلاً ، فإذا صدقا يلزم التنافي، وأمّا إذا قلنا بأنّ الزكاة تحلّ لكلّ الناس إلاّ إذا كان هاشمياً، فإذا صدق العنوان المخصص تحرم عليه الصدقة، ويحلّ له الخمس.

لا فرق بين أن يكون علوياً أو عقيلياً أو عباسياً

قد علم ممّا ذكر أنّ الخمس يخرج لمن ينتسب إلى هاشم جدّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من جانب الأب، وذريّته كانت محصورة في ولده الوحيد «عبد المطلب» ولم يعقّب سواه ولتسميته بعبد المطلب مع كونه ابن هاشم ومطلّب عمّه، وجه مذكور في التاريخ(1)، وهو أبو السادة العشرة المعروفة أعني: عبد اللّه، وأبا طالب، والعباس، وحمزة، والزبير، وأبا لهب، وضرار، وحجل، ومقوّم، والحارث وهو أكبرهم، إلاّ أنّ نسله عنهم قد انحصر في الخمسة الأُولى، بل الأربعة منهم لأنّ عبد اللّه لم يعقّب إلاّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد انحصر نسله في فاطمة فدخل في أبي طالب، ولا يعرف اليوم منهم إلاّ المنتسب إلى الأوّلين: أبي طالب والعباس.

وقال المحقّق في استحقاق بني المطلب أخي هاشم تردّد، أظهره


1 . سيد المرسلين:1/144.


صفحه199

المنع، وقد حكى الجواز عن الإسكافي وغريّة المفيد، ولقول الصادق في خبر زرارة: «ولو كان عدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة».(1)

يلاحظ عليه: أنّه من المحتمل أن يكون المراد منه، هو المنسوب إلى «عبد المطلب» والضابط في النسبة إلى المركب من «عبد» أو «ابن» أو «أُمّ» هو حذف الأوّل.

قال ابن مالك:

وانسب لصدر جملة وصدر ما *** رُكِّبَ مزجاً وبثان تمِّما

إضافة مبدؤة بابن أو أب *** أو ماله التعريف بالثاني وجب

وعندئذ يكون عطفه عطف تفسير، وهذا وإن كان مخالفاً للظاهر لكن لامحيص عنه بعد تضافر الروايات على لفظة «بني هاشم» كما في رواية ابن سنان: «لا تحلّ الصدقة ، لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم».(2)وغيره.(3)

في ثبوت النسب

يثبت النسب كسائر الموضوعات بالأُمور التالية:

1. البيّنة، لعموم حجّيتها.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 33 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1.

2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة ، الحديث 3 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة ، الحديث 1،2،9.


صفحه200

2. الشياع المفيد للعلم.

3. الوثوق والاطمئنان الشخصي الذي هو علم عرفي، وقد ذكرنا أنّ العلم واليقين الواردين في الروايات يراد منه الأعم من العلم المنطقي أو العرفي الذي هو الاطمئنان الذي يكون احتمال الخلاف معه ضعيفاً عنده لا معدوماً.

4. الشياع والاشتهار في البلد ربّما يتصور قوله: «يكفي الشياع والاشتهار في البلد» أنّه من متمّمات الشق الثاني وأنّه لا يلزم أن يكون الاشتهار أوسع من البلد، بل يكفي الاشتهار فيه.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان من متمّماته كان التعرّض له أمراً لغواً لأنّ المدار على هذا القول هو العلم، وربّما يحصل من أقل من الاشتهار في البلد، وربّما لا يحصل من الاشتهار فيه ويكون التحديد عندئذ لغواً، فلا مناص من جعله طريقاً ثالثاً وأنّه بنفسه طريق سواء أفاد العلم أم لا، والمهمّ هو حجّية إثبات هذا النوع من الاشتهار، وجهه هو قيام السيرة العقلائية على الأخذ بما هو المشهور بين أهل البلد، و لعلّ وجهه انسداد باب العلم في هذه الموضوعات ولا طريق إلاّ الرجوع إلى أهل البلد.

ويؤيّده مرسلة يونس، عن بعض، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)سألت عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البينة إذا لم يعرفهم من غير مسألة؟ فقال: «خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا بظاهر الحكم: الولايات، والتناكح، والمواريث، والذبائح ، والشهادات; فإذا كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه» .(1)


1 . الوسائل: ج 18، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


صفحه201

ورواه الصدوق في الفقيه وذكر الأنساب مكان المواريث.(1)

وقد أشبعنا الكلام في حجّية الشياع والاشتهار بين الناس،(2) والحال أنّ ترك العمل بالشياع موجب لضياع الحقوق في غالب الموضوعات الواردة في الرواية.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر ذكر احتيالاً نقله الماتن وجعل الأحوط في تركه، قال:

نعم قد يحتال في الدفع للمجهول المدعي، بأن يوكّله من عليه الحقّ في الدفع إذا فرضت عدالته أو قلنا بعدم اشتراطها فإنّه يكفي في براءة ذمّته وإن علم أنّه قبضه، لأنّ المدار في ثبوت الموضوع على علم الوكيل دون الموكل ما لم يعلم الخلاف، لكن الإنصاف أنّه لا يخلو من تأمّل أيضاً.(3)

والإشكال مبني على ما ذكره الشيخ وغيره في شرطية جريان أصالة الصحة في فعل النفس والغير، وهو أنّ الأصل إنّما يجري إذا لم تكن صورة العمل محفوظة، فإذا كان للعمل صورتان يكون في إحداهما صحيحاً وفي الأُخرى باطلاً ولم تكن صورة العمل محفوظة، يحتمل خمسين بالمائة أنّه أتى بالصورة التي يوصف فيها بالصحة وبما أنّه في حالة العمل أذكر من حال الشك، يحكم عليه بأنّه أتى على النحو الذي يكون العمل معه صحيحاً للأذكرية، وأمّا إذا كانت صورة العمل محفوظة في كلتا الحالتين بحيث يكون


1 . الفقيه: 3/9 برقم 29.

2 . لاحظ: نظام القضاء في الشريعة الإسلامية الغراء:1/160.

3 . الجواهر:16/106.


صفحه202

الفاعل في كلتا الحالتين من حيث الأذكريّة على نحو واحد فلا تجري، كما إذا اغتسل والخاتم في إصبعه ولم يحرك وشك في جريان الماء تحته فلا يجري الأصل، لأنّه حين العمل لم يكن أذكر من حين الشك.

ومثله المقام حيث يعلم الموكل أنّ الوكيل أخذه لنفسه باعتقاده الاستحقاق لكنّه يشكّ في استحقاقه قبل الدفع وحينه وبعده، فلا يجري أصالة الصحة لكون صورة العمل محفوظة وأنّه ليس حين الدفع أذكر من حين الشك، نعم لو أخذه للأعم من نفسه وغيره واحتملنا أنّه دفعه إلى الغير تجري أصالة الصحة.

ثمّ إنّه نقل صاحب الجواهر عن كشف الغطاء أنّه يصدّق مدّعي النسب إن لم يكن متهماً كمدّعي الفقر.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الحكم في المقيس عليه غير ثابت، وقد ذكر صاحب العروة في كتاب الزكاة أنّ الأحوط مع الجهل بالحالة السابقة عدم الإعطاء إلاّ مع الظنّ بالصدق.(2) وعلّق عليه السيد البروجردي قوله: «بل الوثوق» وهو المتعيّن لعدم الدليل على حجّية الظن كما لا يخفى.

عدم جواز دفع الخمس إلى مَن تجب عليه نفقته

ويدل على عدم الجواز أُمور:

1. عموم التعليل الوارد في باب الزكاة في صحيحة عبد الرحمن بن


1 . الجواهر:16/105.

2 . العروة الوثقى، كتاب الزكاة، فصل أصناف المستحقين للزكاة، المسألة 10.


صفحه203

الحجاج البجلي (الثقة) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً: الأب، والأُم، والولد، والمملوك، والمرأة، وذلك أنّهم عياله لازمون له».(1)

وفي مرفوعة عبد اللّه بن الصلت: «خمسة لا يعطون من الزكاة ، الولد والوالدان والمرأة والمملوك، لأنّه يجبر على النفقة عليهم».(2)

2. أنّ الخمس بدل الزكاة فهو لبني هاشم كالزكاة لغيرهم، يرتضعان من لبن واحد، يشتركان في الأحكام إلاّ ما خرج بالدليل.

3. عدم التداخل في الأسباب في الارتكاز العرفي، فإنّ من عليه الخمس مديون من جهتين: الخمس والنفقة، فالكلّ يطلب مسبباً مستقلاً إلاّ ما دلّ الدليل على التداخل، وأمّا وجه تخصيص الزوجة في كلام صاحب العروة ـ مع أنّ الخمسة كلّهم واجبو النفقة ـ فهو كون نفقة الزوجة كالدين فلا يسقط بالعصيان بخلاف غيرهم فلو عصى، سقط.

نعم لو كان لابنه زوجة فبما أنّ نفقة زوجة الابن ليست على الأب، يجوز له صرف خمسه في نفقة زوجته.

لا يجوز دفع الزائد عن مؤونة السنة لمستحق واحد

أفتى صاحب العروة في باب الزكاة بالجواز وقال : يجوز أن يعطى الفقير أزيد من مقدار مؤونة سنته دفعة، فلا يلزم الاقتصار على مقدار مؤونة


1 . الوسائل: ج 6، الباب 13 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 13 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.


صفحه204

سنة واحدة ـ إلى أن قال: ـ وإن كان الأحوط الاقتصار، نعم لو أعطاه دفعات لا يجوز له بعد أن حصل عنده مؤونة السنة أن يعطى شيئاً ولو قليلاً مادام كذلك.(1) واحتاط سيدنا البروجردي في الزكاة.

أمّا عدم جواز دفع أزيد من مؤونة سنته بصورة الدفعات، لأنّه إذا حصل عنده مؤونة سنته بالدفعة الأُولى، فقد خرج عن كونه فقيراً مستحقاً وصار غنياً شرعياً خارجاً عن الموضوع.

إنّما الكلام إذا دفع الزائد دفعة واحدة. فوجه الجواز أنّه عند الأخذ فقير، ولا يمنع كونه غنياً بعد الأخذ.

يلاحظ عليه: أنّ الوارد في مرسلة «حمّاد بن عيسى» هو دفع الخمس إليهم على حدّ يكفي مؤونة سنتهم. فإذا كان هذا هو المقياس فكيف يجوز لهم أخذ الزائد على مقدار المؤونة؟


1 . العروة الوثقى، كتاب الزكاة، فصل أصناف المستحقين للزكاة، المسألة 2.


صفحه205

الرسالة الحادية والستون

الخمس في المال الحلال

المخلوط بالحرام


صفحه206


صفحه207

تحقيق المسألة يتوقف على بيان صورها وسرد الأقوال في كلّ واحد منها.

أمّا الصور فهي أربع:

1. إذا كان الحرام غير معلوم المقدار ومجهول المالك.

2. إذا كان الحرام معلوماً من كلا الجانبين.

3. إذا كان الحرام معلوم المقدار، دون صاحبه.

4. عكس الصورة الثالثة.

الصورة الأُولى: إذا كان الحرام غير معلوم المقدار ومجهول المالك

المعروف عند الأصحاب هو تعلّق الخمس به، وبإخراجه يحلُّ لصاحبه التصرّف في الباقي. وذكره من المتقدّمين المفيد في مقنعته (حيث اقتصر بنقل الرواية فقط)، وأبو الصلاح في كافيه، والشيخ في نهايته، والقاضي في مهذّبه، وابن زهرة في غنيته، وابن إدريس في سرائره، والمحقّق في شرائعه، وابن سعيد في جامعه، والعلاّمة في منتهاه.

نعم لم يذكره القديمان: ابن أبي عقيل و ابن الجنيد، ولا سلاّر ولا ابن


صفحه208

حمزة ولا الكيدري (قدّس اللّه أسرارهم)، ولنذكر بعض كلماتهم:

1. قال المفيد: وسُئل(عليه السلام)عن رجل اكتسب مالاً من حلال و حرام، ثمّ أراد التوبة من ذلك و لم يتميز له الحلال بعينه من الحرام؟ فقال: «يخرج منه الخمس وقد طاب، إنّ اللّه تعالى طهّر الأموال بالخمس».(1)

2. قال أبو الصلاح الحلبي: وعلى ما اختلط حلاله بحرامه ولم يتميز أحدهما من الآخر ولا يعين مستحقه.(2)

3. قال الشيخ في النهاية: إذا حصل مع الإنسان مال قد اختلط الحلال بالحرام ولا يتميز له وأراد تطهيره، أخرج منه الخمس، وحلّ له التصرف في الباقي، وإن تميّز له الحرام وجب عليه إخراجه وردّه إلى أربابه، ومن ورث مالاً ممّن يعلم أنّه كان يجمعه من وجوه محظورة مثل الربا والغصب وما يجري مجراهما ولم يتميز له المغصوب منه ولا الربا، أُخرج منه الخمس واستعمل الباقي، وحلّ له التصرف فيه.(3)

4. وقال القاضي: وأمّا المال الحرام إذا اختلط بالحلال، فإنّه ينبغي أن يحكم فيه بالأغلب، فإن كان الحرام الغالب احتاط من هو في يده في إخراج الحرام منه، فإن لم يتميّز له ذلك أخرج منه الخمس، ويصحّ تصرّفه في الباقي على وجه الحلال.(4)


1 . المقنعة: 288، كتاب الزيادات من الزكاة.

2 . الكافي في الفقه: 170.

3 . النهاية 197، باب الخمس من كتاب الزكاة.

4 . المهذّب: 1/178.


صفحه209

5. وقال ابن زهرة: وفي المال الذي لم يتميز حلاله من حرامه.(1)

6. وقال ابن إدريس، ما يقرب من عبارة الشيخ في النهاية: وإذا اختلط المال الحرام بالحلال حكم فيه بحكم الأغلب، فإن كان الغالب حراماً احتاط في إخراج الحرام منه، فإن لم يتميّز له، أُخرج الخمس، وصار الباقي حلالاً، والتصرّف فيه مباحاً، وكذلك إن ورث مالاً....(2)

7. وقال المحقّق : الحلال إذا اختلط بالحرام فلا يتميّز، وجب فيه الخمس.(3)

8. وقال يحيى بن سعيد في بيان ما يجب فيه الخمس: وفي مال المختلط حلاله بحرامه ولم يتميّز صاحبه ولا قدره، فإن تعيّن صاحبُه صولح، وإن تعيّن قدره فقط تصدّق به عنه.(4)

9. وقال العلاّمة في المنتهى: ذكره أكثر علمائنا.(5)

هذه هي مقتطفات من أقوال علمائنا، وأمّا الدليل فقد استدل بروايات:

الأُولى: صحيحة عمّار بن مروان

قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «فيما يخرج من المعادن، والبحر، والغنيمة، والحلال المختلط بالحرام إذا لم يُعرف صاحبه، والكنوز، الخمس».(6)


1 . غنية النزوع: 2/129.   

2 . السرائر: 1/487.

3 . الشرائع: 1/181.   

4 . الجامع للشرائع: 148.  

5 . المنتهى:1/548.

6 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.


صفحه210

وقد نقلها صاحب الوسائل عن الخصال للصدوق بسند صحيح، وفي السند محمد بن عيسى وهو محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني.(1) وهو ثقة بلا كلام، وقد وثّقه النجاشي واستغرب من استثناء ابن الوليد إيّاه من رواة نوادر الحكمة للأشعري.

وكون الرواية مروية في غير الكتب الأربعة لا يضرّ بالمقصود، فإنّ الصدوق الذي رواها في خصاله هو مؤلف «الفقيه»، أحد الكتب الأربعة.

نعم ذكر المحقّق النراقي: أنّ الرواية على النحو المذكور إنّما نقلها عنه بعض المتأخرين.(2)

ولعلّه أراد صاحب الحدائق، فقد نقلها فيه بالنحو المذكور(3)، ولكنّه موجود في الخصال المطبوع قديماً وحديثاً كما ذكرناه، فلا وجه للوسوسة في هذا الحديث.

الثانية: صحيحة الحلبي

عن أبي عبداللّه(عليه السلام)في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيُصيب غنيمة، قال: يؤدِّي خمساً ويطيب له.(4)

والاستدلال ضعيف جدّاً، لأنّ الخمس فيه بعنوان الغنائم، وهي تدل


1 . هكذا نقلها صاحب الوسائل، ولكن الموجود في الخصال المطبوع: أحمد بن محمد بن عيسى، وهو أرجح لكثرة روايته عن الحسن بن محبوب (الخصال، باب الخمسة، الحديث 51).

2 . مستند الشيعة: 10/39.   

3 . الحدائق: 12/364.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 2من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8.


صفحه211

على أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)أمضوا الجهاد الابتدائي للخلفاء، فلذلك طلب منه خمس المال لا جميعه.

الثالثة: قضاء علي(عليه السلام)

قد نقل المشايخ الثلاثة في كتبهم قضاء علي(عليه السلام)لكن بمضامين مختلفة، والجميع حديث واحد وإن كانت الألفاظ والطرق مختلفة، ولأجل ذلك تعدُّ رواية واحدة.

أ. ما رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي،
عن السكوني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «أتى رجل أمير المؤمنين(عليه السلام)فقال:
إنّي كسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً وحراماً وقد أردت التوبة، ولا
أدري الحلال منه والحرام، وقد اختلط عليّ؟ فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): تصدّق بخمس مالك، فإنّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس وسائر المال لك حلال».(1)

والرواية وردت في الحلال المختلط بالحرام فإنّ قوله: «أغمضت في مطالبه» بمعنى «أغمضت في طلبه» والمطالب جمع المطلب وهو مصدر ميمي أو اسم زمان و مكان، أي ما راعيت في طلبه ومظانّه الحلال والحرام، بل جمعت كلّ ما وصلت إليه يدي.

والسند لا بأس به فيكون حجّة في المقام.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.


صفحه212

وثمّة خصوصيات في الرواية:

1. عبّر بالتصدّق مكان الخمس.

2. فسّر الحكم بأمر ارتكازي: «انّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس».

ب. ما رواه الصدوق ،عن السكوني بما يقرب من هذا المتن، فقال: جاء رجل إلى علي(عليه السلام)فقال: إنّي كسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً وحراماً، فقد أردت التوبة، ولا أدري الحلال منه ولا الحرام، فقد اختلط عليّ.

فقال عليّ(عليه السلام): «أخرج خمس مالك، فإنّ اللّه عزّ وجلّ قد رضي من الإنسان بالخمس، وسائر المال كلّه لك حلال».(1)

والاختلاف بين الروايتين واضح، فإنّ لفظ الكليني هو «تصدق بخمس مالك» ولفظ الفقيه هو «اخرج خمس مالك»، فالمصرف على الأوّل مصرف الصدقة، وعلى الثاني مصرفه مصرف الخمس.

وبذلك يعلم الإشكال في كلام صاحب الوسائل حيث قال: ورواه (أي ما رواه الكليني) الصدوق بإسناده عن السكوني فإنّ ظاهره وحدة مضمونهما مع أنّه ليس كذلك.

ج. ما رواه الصدوق مرسلاً قال: «جاء رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالاً أغمضت فيه، أفلي توبة؟ قال: «إئتني بخمسه» فأتاه بخمسه، فقال: «هو لك أنّ الرجل إذا تاب، تاب ماله معه».(2)


1 . الفقيه: 3، كتاب الدين والقروض، برقم 35.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.


صفحه213

د. ما رواه الشيخ بسند ضعيف، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقال: يا أمير المؤمنين إنّي أصبت مالاً لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: اخرج الخمس من ذلك المال، فإنّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من المال بالخمس واجتنب ما كان صاحبُه يُعلَم».(1)

وفي السند الحكم بن بهلول، وهو لم يوثق.

ويتّحد في التعبير مع ما رواه الصدوق حيث قال: «اخرج الخمس».

هـ . ما رواه المفيد في «المقنعة» وقد مرّ نصّه، عند ذكر الأقوال.

وهذه الصور الخمس تحكي عن قضاء واحد لأمير المؤمنين (عليه السلام)، والمحكي واحد، وإنّما الاختلاف في الحكاية.

وعلى أيّ حال تصلح دليلاً على المسألة، ويأتي الكلام فيها عند البحث عن مصرفه.

الرابعة: موثّقة عمّار

عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه سُئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل؟ قال: «لا إلاّ أن لا يقدر على شيء يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت».(2)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


صفحه214

والسند يتضمّن فطحيين وهم أحمد بن حسن بن علي (ابن فضال)، وعمرو بن سعيد، والمصدق بن صدقة، عن عمّار، والدلالة لا تخلو عن قصور، إذ نحتمل أن يكون المراد من قوله: «شيء» هي الغنائم الحربية التي كانت عماداً لحياة الدولة الإسلامية آنذاك، فيكون مدلول الرواية متّحداً مع صحيح الحلبي الماضي.

قال المحقّق النراقي: إنّ الشيء فيه مطلق شامل للحلال محضاً والحرام كذلك والمشتبه، والحرام والحلال المختلطين ، فالحمل على الأخير لا وجه له، بل الظاهر أنّه من باب خمس المكاسب.

وأمّا النهي عن عمل السلطان، فهو لأجل عمله لا لحرمة ما يأخذ، فمراده (عليه السلام): أنّه لا تدخل في عمل السلطان، وإن اضطررت إليه ودخلت واكتسبت مالاً فأدّ خمسنا.(1)

وعلى ضوء ذلك فانحصر الدليل في روايتين:

أحدهما: صحيح عمّار بن مروان، والأُخرى: موثقة السكوني; وربّما يستدل برواية ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة» ونسي ابن أبي عمير الخامس.(2)


1 . مستند الشيعة:10/40.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7. وفي الوسائل المطبوع في بيروت: عن أحمد بن زياد عن جعفر، ولكن في الخصال والوسائل (تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)): أحمد بن زياد بن جعفر وهو الصحيح، لأنّ الصدوق يروي عن علي بن إبراهيم بواسطة واحدة.


صفحه215

وجه الاستدلال: أنّ الصدوق بعد ما نقل الرواية، قال: قال مصنّف هذا الكتاب: أظنّ الخامس الذي نسيه ابن أبي عمير مالاً يرثه الرجل وهو يعلم أنّ فيه من الحلال والحرام، ولا يعرف أصحاب الحرام فيؤديه إليهم، ولا يعرف الحرام بعينه فيجتنبه، فيخرج منه الخمس.(1)

وممّا لا شكّ فيه أنّ ظن الصدوق كظن غيره لا يغني عن الحقّ شيئاً، ولعلّ الذي نسيه ابن أبي عمير هو العنبر أو الملاّحة، وقد مضى ورودها في الروايات.(2)

فانحصر الدليل في الروايتين.

ثمّ الظاهر أنّ الشارع جعل الخمس طريقاً تعبّدياً لتشخيص الحرام المجهول المقدار، كما جعل صرفه في مواضعه طريقاً إلى إيصاله إلى المالك، كما أنّ التصدّق في اللقطة ومطلق مجهول المالك طريق آخر للوصول إلى مالكه، وعلى ذلك فتعلّق الخمس به لا من باب الغنيمة وأنّ لأصحاب الخمس حقّاً فعلياً في هذا المال، بل الظاهر أنّه محاولة من الشرع لحلّ المشكلة، فبالخمس قُدِّر الحرام وبصرفه في مصارفه بما أنّه عمل قربي جُعل واصلاً إلى صاحبه.

ولأجل ذلك لو وقف قبل التخميس على مقداره وعرف صاحبه، كان


1 . الخصال: 291، الحديث 53،باب الخمسة.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 9 ; والباب 7 منه.


صفحه216

عليه العمل على علمه لا على التخميس.

وربّما يوجّه الأمر بالتخميس في المقام بأنّ الحرام عند الجهل بمالكه، يصير ملكاً لمالك الحلال على حسب ما يملكه من سائر ما يغتنمه ممّا يتعلّق به الخمس، فتسميته حراماً إنّما هي بعلاقة ما كان، وإلاّ فهو بالفعل حلال كسائر ما يستفيده ممّا يجب فيه الخمس.

وربّما يؤيد هذا الاحتمال بوجوه:

1. قوله(عليه السلام)في مرسلة الصدوق: هو لك أنّ الرجل إذا تاب تاب ماله معه.

2. قوله(عليه السلام)في رواية السكوني: تصدّق بخمس مالك.

3. وفي رواية المقنعة : أخرج خمس مالك.

4. قوله(عليه السلام): فإنّ اللّه قد رضي من المال بالخمس.

والمعهود في باب الخمس هو الآية الشريفة الواردة في الغنائم، وتطبيق الآية عليه يستلزم كون دفع الخمس من باب الغنيمة.

وعلى ذلك فيمكن أن يقال: إنّه لا يعدّ في القول بتملّك مال الغير قهراً أو بالقصد إذا لم يمكن إيصاله إليه، وإذا انتقل المال إلى الشخص يصير غنيمة له، ويصير موضوعاً للخمس في قبال سائر الموضوعات، ولو لم ينتقل الحرام إليه كان مقتضى القاعدة الاجتناب عن جميع المال، فالحرام المختلط بالحلال بعد التوبة كأنّه غنيمة جديدة.

ويؤيّد انتقال الحرام إلى مالك الحلال بعض الروايات:


صفحه217

1. ما رواه سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل أصاب مالاً من عمل بني أُمية وهو يتصدّق منه ويصل منه قرابته ويحجّ ليغفر له ما اكتسب، وهو يقول: (إنّ الحسنات يذهبن السيئات)، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إنّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة، وأنّ الحسنة تحطُّ الخطيئة» ثمّ قال: «إن كان خلط الحرام حلالاً، فاختلطا جميعاً فلا يعلم الحرام من الحلال فلا بأس».(1)

ويؤيده أيضاً، ما ورد في باب الربا من الروايات الصحاح في مورد المال الحلال المختلط بالربا .

روى الكليني بسند صحيح عن أبي المغراء قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «لو أنّ رجلاً ورث من أبيه مالاً وقد عرف أنّ في ذلك المال رباً ولكن قد اختلط في التجارة بغير حلال كان حلالاً طيباً فليأكله».(2)

وروى العياشي، عن الحلبي، عن أبي جعفر(عليه السلام)في الحلال المختلط بالربا قوله(عليه السلام): «إن كنت تعلم بأنّ فيه مالاً معروفاً رباً، وتعرف أهله فخذ رأس مالك، ورُدّ ما سوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً».(3)

يلاحظ عليه: أنّ هذا الاحتمال لا يوافقه الذوق العرفي والفقهي، إذ كيف يصحّ أن ينسب إلى الشارع أنّه قام بتحليل الحرام للشخص ثمّ طلب منه الخمس من باب الغنيمة، فإنّ الخمس يتعلّق بالحلال دون الحرام من المال، والشارع الأقدس وإن كان مالك الملك والملكوت فله التصرف في


1 . الوسائل: ج12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج12، الباب 5 من أبواب الربا ، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج12، الباب 5 من أبواب الربا ، الحديث 3.


صفحه218

الأنفس والأموال، لكنّه يحتاج إلى عناية بالغة في التعبير، لا بمثل هذه التعابير التي لا تخرج عن حدّ الإشعار.

وأمّا جواز التصرّف فيما استشهد به من الروايات فهي محمولة على كون الشبهة غير محصورة، أو لوجود دليل خاص كما في باب الربا، فالروايات محمولة على إحدى الصورتين كما لا يخفى.

مصرف هذا الخمس

اختلفت كلمتهم في مصرف هذا الخمس على أقوال واحتمالات:

أ. مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس.

ب. مصرفه مصرف الصدقة.

ج. التخيير بين المصرفين.

د. يعطى للسادة الفقراء.

والأقوى من هذه الوجوه الأوّل، ويدلّ عليه أُمور:

الأوّل: وحدة السياق في صحيح عمّار بن مروان ، فلو كان المصرف متغايراً لزم البيان دفعاً للاشتباه.

الثاني: ما ورد في قضاء أمير المؤمنين بالتعابير التالية:

ففيما رواه الصدوق مسنداً عن السكوني: «أخرج خمس مالك» وفيما رواه مرسلاً : «ائتني بخمسه» وكلا التعبيرين يدلاّن على أنّ أخذ الخمس من باب الولاية والمنصب.


صفحه219

وفي رواية الشيخ: «أخرج الخمس من ذلك المال».

نعم في رواية الكليني «تصدّق بخمس مالك»، ومع التعارض لا يمكن الأخذ بواحد منهما لو لم نقل بقوّة الأخذ بالأوّل، وعندئذ يراد من التصدّق الوارد في كلام الكليني هو التصدّق بالمعنى اللغوي، لا المقابل للخمس، ويؤيد ذلك أنّه ورد في رواية الكليني بعد الأمر بالتصدّق قوله : «فإنّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس» واللام فيه إشارة إلى الخمس المعهود، وليس الخمس المعهود إلاّ ما جاء في الآية المباركة: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء).

الثالث: التعليل بالأمر الارتكازي الوارد في قضاء علي (عليه السلام)حسب نقل الكليني والشيخ والصدوق، أعني قوله:« إنّ اللّه عزّ وجلّ قد رضي من الأشياء بالخمس».

وبذلك ظهر ضعف القول الثاني، أعني: كون مصرفه مصرف الصدقة.

وأمّا القول الثالث فمصدره هو تعارض النصوص، فهي بين ظاهر في التصدّق كنقل الكليني، وظاهر غيره في الخمس، فيكون مخيّراً بين المصرفين.

يلاحظ عليه: أنّ التصدق وإن كان ظاهراً في التصدّق المقابل للخمس كما ورد في رواياتنا، قال الصادق(عليه السلام): «إنّ اللّه الذي لا إله إلاّ هو لمّا حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال».(1)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


صفحه220

ومع ذلك ربّما تُستعمل الصدقة في مطلق الأمر القربي، ففي رواية علي بن مهزيار: إنّ مواليّ ـ أسأل اللّه صلاحهم ـ أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن أطهرهم وأُزكيهم بما فعلت في عامي هذا
من أمر الخمس ، قال اللّه تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم)(1) .(2)

وبذلك يظهر عدم تماميّة ما أفاده المحقّق الهمداني حيث قال: لو قلنا بظهور خبر السكوني في التصدّق بالخمس، لا الخمس المصطلح كما يقتضيه الإنصاف، لكان مقتضى الجمع بينه وبين غيره ممّا ظاهره إرادة الخمس المعروف كخبر ابن مروان، هو الالتزام بجواز كلّ منهما وكون المكلّف مخيّراً بين التصدّق بخمسه أو صرفه في مصرف الخمس المصطلح. فالقول به غير بعيد إن لم ينعقد الإجماع على خلافه.(3)

ولا يخفى أنّه إحداث قول ثالث انعقد الإجماع على نفيه كما أشار إليه في كلامه، وبذلك يعلم ضعف الاحتمال الرابع، فليس له وجه سوى الاحتياط.

الصورة الثانية: إذا كان الحرام معلوم المقدار دون صاحبه

مقصوده أنّه يتصدّق بالمقدار المعلوم، سواء كان المعلوم مساوياً


1 . التوبة: 103.   

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

3 . مصباح الفقيه:14/160.


صفحه221

لخمس المال أو كان أزيد أو أقل، وعلى كلّ تقدير فالمسألة فيها وجوه واحتمالات:

واعلم أنّ البحث تارة في تعيين المقدار المخرج،وأُخرى في مصرفه، وإليك الأقوال:

1. وجوب التصدّق بالمقدار المعلوم، وهذا هو القول المشهور .

قال صاحب الحدائق: إنّ مستند هذا القول هو الأخبار الدالة على الأمر بالتصدّق بالمال المجهول المالك، ومن أجل ذلك أخرجوا هذه الصورة من عموم النصوص.

2. دفع المقدار المعلوم خمساً لا صدقة، قلّ أو كثر.

3. إخراج الخمس وصرفه في مصرفه، سواء كان الحرام أقلّ منه أو أكثر، وهو خيرة صاحب الحدائق قائلاً: بأنّ الأظهر دخول هذه الصورة تحت إطلاق الأخبار المتقدمة، وأنّه لا دليل على إخراجها.(1)

4. إخراج الخمس ثمّ الصدقة بالزائد في صورة الزيادة.

ثمّ إنّ كلّ قول يتضمن أمرين أحدهما يرجع إلى المقدار المخرج، والآخر إلى مصرفه.

القول الأوّل: وجوب التصدّق بالمقدار المعلوم

فلنأخذ القول الأوّل بالدراسة، فدليله يتركّب من أمرين:

أحدهما: انصراف الروايات السابقة التي كانت تحدد المقدار المخرج،


1 . الحدائق الناظرة: 12/365.


صفحه222

بالخمس عن هذه الصورة، لأنّ التعبّد بأداء الخمس فيما إذا كان الحرام أكثر أو أقل، وإن كان أمراً ممكناً، لكنّه يحتاج إلى نصّ خاص، ولأجل ذلك تنصرف أدلّة التحديد عن هذه الصورة فلا تشتغل الذمة إلاّ بالمقدار المعلوم لا غير.

يصح الاستئناس للمقام بما ورد في المظالم ومجهول المالك حيث عدّ طريقاً من طرق إيصال المال إلى صاحبه نظير ما يلي:

1. روى علي بن أبي حمزة، عن رجل من كتّاب بني أُمية، أنّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام)بقوله: فهل لي مَخرج منه؟ قال: «إن قلت لك تفعل؟»قال: أفعل، قال له: «فاخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدّقت به، وأنا أضمن لك على اللّه عزّ وجلّ الجنّة».(1)

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الرواية أنّ جميع أمواله كانت حراماً، ولذلك أمر بردّ ما عرف صاحبه، والتصدّق بمالم يعرفه، ولعلّ الجميع كان مغصوباً فلم يكن له محيص عنه. وعلى ذلك يفارق ما نحن فيه حيث إنّ المفروض اختلاط الحرام بالحلال، لا كونه حراماً، فيقصر في التطهير بالمقدار الحرام لا كله، نعم يصحّ الاستئناس به لأمر آخر وهو إنّ الطريق إلى إيصال المال إلى صاحبه عند عدم المعرفة هو التصدّق.

2. صحيحة يونس بن عبدالرحمن ، قال: سئل أبو الحسن الرضا(عليه السلام)


1 . الوسائل: ج12، الباب 47 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. وعلي بن أبي حمزة في آخر السند هو الثمالي وهو وأخواه الحسين ومحمد وأبوه من الثقات.


صفحه223

وأنا حاضر ـ إلى أن قال: ـ رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأيّ شيء نصنع به، قال: «تحملونه حتى تلحقوه بالكوفة» قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟ قال: «إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه» قال له: على مَنْ، جعلت فداك؟ فقال: «على أهل الولاية».(1)

نعم مورد الحديث هو المتميز والبحث في المختلط، وكيفية الاستئناس على نحوِ ما قلناه في الرواية السابقة.

3. ما رواه علي بن ميمون الصائغ: قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عمّا يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به، قال: تصدّق به فإمّا لك و إمّا لأهله.(2)

ويحتمل وروده في المختلط، بقرينة قوله(عليه السلام): «فإمّا لك و إمّا لأهله» فكأنّ بعض التراب للصائغ، ويحتمل كون المعنى أنّ المالك الواقعي لو أعرض يكون ملكاً للصائغ وتقع الصدقة عنه.

4. وقد ورد في لقطة الحرم بأنّه إن لم يجد له طالب يرجع إلى بلده فيتصدّق به على أهل بيت من المسلمين، فإن جاء طالبه فهو له ضامن.(3)

5. كما ورد فيما يؤخذ من اللصوص، أنّه يجب ردّه على صاحبه إن عرف، وإلاّ تصدّق به.(4)


1 . الوسائل: ج17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2. وفيه: حتى تحملوه إلى الكوفة; وفي الكافي: حتى تلحقوهم بالكوفة، والظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.

2 . الوسائل: ج12، الباب 16 من أبواب الصرف، الحديث 1 وغيره.

3 . الوسائل: ج17، الباب 17 من أبواب اللقطة، الحديث 2.

4 . الوسائل: ج17، الباب 18 من أبواب اللقطة، الحديث 1.


صفحه224

6. وقد رخّص التصدّق في ميراث المفقود والمال المجهول المالك، فروى نصر بن حبيب صاحب الخان، قال: كتبت إلى العبد الصالح: لقد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم وأنا صاحب فندق ومات صاحبها ولم أعرف له ورثة فرأيك في إعلامي حالها، وما أصنعُ بها، فقد ضقت بها ذرعاً، فكتب:«اعمل فيها وأخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتّى تخرج».(1)

وما ورد من الحفظ في هذا الباب من الروايات محمول على صورة عدم اليأس من عرفان مالكه كما لا يخفى.

وهذه الأحاديث وإن كانت واردة في الحرام المتميّز، أو مال كله حرام، لكن العرف يقطع بعدم الخصوصية، ويرى أنّ التصدّق أحد الطرق إلى وصول المال إلى صاحبه من غير فرق بين المتميّز والمختلط.

وبذلك يظهر ضعف ما أفاده صاحب الحدائق، حيث قال: إنّ مورد تلك الأخبار الدالة على التصدّق إنّما هو المال المتميز في حدّ ذاته لمالك مفقود الخبر، وإلحاق المال المشترك به مع كونه ممّا لا دليل عليه، قياس مع الفارق، لأنّه لا يخفى أنّ الاشتراك في هذا المال سار في كلّ درهم درهم وجزء جزء منه فعزل هذا القدر المعلوم للمالك المجهول، مع كون الشركة شائعة في أجزائه كما أنّها شائعة في أجزاء الباقي، لا يوجب استحقاق المالك المجهول له، حتى أنّه يتصدّق به عنه، فهذا العزل لا ثمرة له، بل الاشتراك باق مثله قبل العزل.(2)


1 . الوسائل: ج17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه، الحديث 3.

2 . الحدائق:12/365.


صفحه225

والظاهر أنّ العرف يساعد لإلغاء الخصوصية، قائلاً بأنّ الملاك هو الجهل بالمالك، سواء كان متميزاً أو لا.

بقي في المقام في صحّة إفراز مال الغير عن المال المشترك، ومقتضى القاعدة بقاء الشركة وعدم تعيّن المفروز للمالك المجهول إلاّ بولاية عليه، ولذلك تجب مراجعة المجتهد الجامع للشرائط الذي له الولاية على الغائب كما هو الحال في إفراز مال اليتيم والقاصر إذا اختلط مع غيره ولم يكن له ولي منصوص، ولو صحّ تدخل الفقيه وعمّت ولايته لتلك الموارد يعمّ المورد قطعاً، ولأجل ذلك نقول: الأقوى (لا الأحوط كما عليه صاحب العروة) أن يكون بإذن المجتهد الجامع للشرائط، حتّى يكون الإفراز صحيحاً قاطعاً للشركة.

مضافاً إلى ما ذكرناه من رواية أبي حمزة فإنّ موردها هو المال الممتزج، إذ من البعيد أن يكون جميع أمواله حراماً ولم يكن فيه حلال مختلط بالحرام، ولعلّ أمر الإمام بالإخراج عن الجميع ناظر إلى ما اكتسبه من الحرام، إذ لا وجه للخروج عن الحلال. هذا كلّه حول القول الأوّل الذي هو المشهور بين الأصحاب كما يظهر من الحدائق، حيث قال: أخرجوا هذه الصورة من عموم النصوص المتقدمة أي دفع الخمس.

القول الثاني: دفع المقدار خمساً لا صدقة

وأمّا القول الثاني: أعني دفع ذلك المقدار خمساً لا صدقة قلّ أو كثر، فقد علّله المحقّق الهمداني: بأنّه لدعوى استفادته من الأخبار التي ورد فيها


صفحه226

الأمر بالخمس، بتنقيح المناط، نظراً إلى أنّ الجهل بالمقدار إنّما يناسب تحديد مقداره بالخمس لا تخصيص مصرفه بأرباب الخمس، فيستكشف من ذلك أنّ قصره عليهم دون سائر الفقراء منشؤه عدم تمييز عينه لا الجهل بقدره.(1)

حاصله: أنّ الصورة السابقة كانت تتميز بأمرين: الجهل بالمقدار، والاختلاط والجهل بالمالك فأمر بالخمس لأجل الأمر الأوّل، وهو غير موجود في المقام فيجب عليه دفع المقدار المعلوم كونه حراماً. كما أمر بصرفه خمساً لأجل الأمر الثاني، وهو الاختلاط والجهل بالمالك، وهو مشترك بين الصورتين.

وبعبارة أُخرى : أنّه مع الجهل بالمقدار، يقدّر الحرام خمس المال، ومع العلم به يخرج ما عُلِم قلّ أو كثر، فالعلم بالمقدار يؤثر في عدم التحديد بالخمس، ولا يؤثر في المصرف.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا علم لنا بالمناط المذكور، لاحتمال أنّ للجهل بالمقدار مدخليّة في كون مصرفه مصرف الخمس، و المفروض في الصورة الثانية، خلافه.

وثانياً: أنّ الأخذ بالمناط المنقح مشكل بعد كون الضابطة الأوّلية في مجهول المالك هو إيصاله إليه من طريق الصدقة كما عليه الروايات، فترك تلك الروايات والتمسّك بتنقيح المناط مشكل.

نعم مقتضى الاحتياط، رعاية الجمع بين المصرفين.


1 . مصباح الفقيه:14/173.


صفحه227

 

القول الثالث: إخراج الخمس وصرفه سواء كان الحرام أقلّ
منه أو أكثر

القول الثالث هو خيرة صاحب الحدائق ناقلاً: بأنّ الأظهر دخول هذه الصورة تحت إطلاق الأخبار المتقدمة وأنّه لا دليل على إخراجها.

يلاحظ عليه : أوّلاً: بأنّ القول بإطلاق هذه الروايات وشمولها لمعلوم المقدار، والقول بعدم شمول أخبار التصدّق للحرام المختلط واختصاصها بالمتميز، على خلاف الإنصاف، وذلك لأنّ الحكم بإخراج الخمس من الصورة الأُولى كان طريقاً تعبّدياً لتشخيص مقدار الحرام عن حلاله، وإلاّ فمقتضى القاعدة هو العمل بقاعدة الاشتغال حتى يعلم الفراغ، والتعبّد فرع وجود الشكّ في المقدار، والمفروض في المقام خلافه، فكيف يصحّ إسراء الحكم الوارد في موضع الشكّ إلى صورة اليقين؟

وثانياً: أنّ الحكم بالتخميس مع العلم بأنّ الحرام أقلّ بكثير منه، أمر ينكره العرف، إلاّ إذا كان في المسألة نصّ واضح، كما أنّ الاكتفاء به فيما إذا كان الخمس أقلّ من الحرام بكثير بعيد عن الذوق، بل ربّما يكون ذريعة إلى التوصل إلى أكل مال الغير، فربّما ينتهز الرجل الفرصة فيخلط حراماً كثيراً في حلال قليل، ليحلّله بإخراج الخمس، وهو كما ترى.


صفحه228

 

القول الرابع: إخراج الخمس ثم الصدقة بالزائد

يرجع القول الرابع إلى ما إذا علم أنّ الحرام أزيد من خمس المال، فيصرف خمسه في مصرف الخمس، والزائد صدقة، وقد نقله صاحب الحدائق قولاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المورد إمّا داخل تحت أخبار الصدقة فيصرف الجميع في مورد الصدقة، أو تحت أخبار الخمس، فيكتفى بالخمس ويصرف في مورده فلا وجه للتقسيم في المصرف، وإلاّ فيرجع إلى الأُصول، والأصل الحاكم هو الاشتغال، إلاّ إذا صرفه في السادة الفقراء، فيعلم ببراءة الذمة، فالتفصيل ليس بتام.

إذن المجتهد الجامع للشرائط في هذه الصورة

إنّ المال المحترم لا يجوز تركه بحاله حتى يضيع، والتصرف في مال الغير يتوقف على الولاية عليه حتى يكون إفرازه نافذاً ويتعين مال كلّ من الشريكين فيما أُفرز، ولم تثبت ولاية لغير المجتهد فيتعيّن هو، لأنّ ترك التصرّف مقطوع البطلان، والأمر دائر بين كونه للحاكم تعييناً أو تخييراً بينه وبين غيره، والأولى هو القدر المتيقن.

وبعبارة أُخرى: كلّ فعل لم يُسمَّ فاعله ولم يعيّن في الشرع مسؤوله


1 . الحدائق الناضرة: 12/365.


صفحه229

فهو من شؤون الحاكم الفقيه.

قال الشيخ الأعظم: كلّ معروف علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج، إن علم كونه وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده الصغير، أو صنف خاص كالإفتاء والقضاء، أو كلّ من يقدر على القيام به كالأمر بالمعروف، فلا إشكال في شيء من ذلك، وإن لم يعلم ذلك واحتمل كونه مشروطاً في وجوده أو وجوبه بنظر الفقيه وجب الرجوع إليه.(1)

هذا، ويمكن استفادة كونه من شؤون الحاكم من رواية داود بن أبي يزيد، وإن كان السند لا يخلو عن ضعف كما سيوافيك.

عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال رجل: إنّي قد أصبت مالاً، وإنّي قد خفت فيه على نفسي، ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلصت منه، قال: فقال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): «واللّه أن لو أصبته تدفعه إليه؟» قال: إي واللّه، قال: «فأنا، واللّه ماله صاحب غيري» قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، فقال: «فاذهب فاقسمه في إخوانك ولك الأمن ممّا خفت منه» قال: فقسّمته بين إخواني.(2)

روى محمد بن القاسم، عن أبي الحسن(عليه السلام)في رجل كان في يده مال لرجل ميّت، لا يعرف له وارثاً، كيف يصنع بالمال؟ قال: «ما أعرفك لمن هو؟!»، يعني نفسه.(3)


1 . المتاجر: 154، الطبعة الحديثة.

2 . الوسائل: ج17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 1.

3 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 12.


صفحه230

إنّ القرائن الموجودة في نفس الرواية تفيد أنّه(عليه السلام)لم يرد من قوله :

«ماله صاحب غيري»، أنّه مالكه الشخصي، بل أراد أنّه صاحبه ولاية وتولية، وذلك:

أوّلاً: لو كان المراد هو الأوّل كان الأنسب حسب الموازين العرفية التي عليها ينطبق فعل الإمام(عليه السلام)هو السؤال عن خصوصيات المال المصاب مع أنّه أجاب بأنّه لا صاحب له غيره.

ثانياً: لو كان المراد كونه مالكه الشخصي كان الأنسب مطالبة المال لا الأمر بتقسيمه بين الإخوان الدال على أنّها لقطة مجهولة المالك.

ثالثاً: لو كان المراد هوالأوّل، لما كان وجه لقوله«ولك الأمن ممّا خفت منه» إذ لا وجه للخوف بعد ردّ المال إلى صاحبه الشخصي، وإنّما الخوف فيما إذا لم يرد على صاحبه ولكن قسّمه بين الإخوان، فتأمين الإمام(عليه السلام)له دليل على أنّه قام بهذا العمل بإذن ولي الأمر النافذ حكمه.

ولأجل ذلك، يعلم أنّ الأولى أن يقول: الأقوى أن يكون بإذن المجتهد، لا الأحوط، كما لا يخفى.

نعم في سند الحديث، موسى بن عمر، وهو مردّد بين عمر بن بزيع الثقة(1)، وعمر بن يزيد الذي لم يوثق(2). ووقوعه في أسناد كامل الزيارات لا


1 . ذكره الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام)، فقال: موسى بن عمر بن بزيع ثقة . لاحظ رجال الطوسي:405، برقم 11.

2 . ذكره النجاشي وقال: موسى بن عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل، مولى بني نهد«أبو علي» وله ابن، اسمه علي وبه يكنّى، له كتاب طرائف النوادر وكتاب النوادر. لاحظ رجال النجاشي: 2/336، برقم 1076.


صفحه231

يفيد شيئاً لما قلنا في محله: من أنّ ما ذكره في ديباجة كتابه راجع إلى مشايخه الذين يروي المؤلف عنهم مباشرة، لا كلّ من وقع في السند.

 

الصورة الثالثة: إذا علم المالك وجهل المقدار

وفيها وجوه ثلاثة: 1. الصلح أوّلاً ، 2.الاكتفاء بالأقلّ لو لم يتراضيا به على الأقوى، 3. ودفع الأكثر على الأحوط. وإليك توضيح الأقوال:

1. الصلح إن تراضيا

لا إشكال في الصلح إذا تراضيا، ومرجعه إمّا إلى الإبراء إذا كان الحقّ أكثر ممّا تراضيا عليه، أو الهبة إذا كان الحقّ أقلّ منه.

2. الاكتفاء بالأقلّ

يجوز له الاكتفاء بالأقلّ لدوران الأمر بين كون الواجب هو الأقل أو الأكثر، وبما أنّ المقام من قبيل الأقل والأكثر الاستقلاليين لا الارتباطيين فينحلّ العلم الإجمالي إلى واجب قطعي وشك بدئي فتجري البراءة عن الزائد.

فإن قلت: إنّ أصالة البراءة تنفي استحقاق الغير ولا يثبت كونه ملكاً لذي اليد، كما أنّ قاعدة «اليد» دليل الملكيّة إذا شُكّ في كون ذي اليد مالكاً


صفحه232

أو لا، ما إذا شكّ نفس ذي اليد.

قلت: اليد أمارة عقلائية على الملكية مطلقاً بالنسبة إلى ذات اليد أو الغير، إلاّ إذا كان الغالب عليها، عدمها، كيد السمسار وصاحب الفندق، فقوله: «ولولاه لما قام للمسلمين سوق»، أو: «من استولى على شيء فهو له» دليل الملكية.

3. وجوب الأكثر

إنّما يتّجه ذلك في الموارد التالية:

1. إذا كان المال تحت يد الغير ولم تكن هناك أمارة على كونه مالكاً للزائد من الأقل.

2. أو كان تحت يده، ولكن قلنا بأنّ اليد أمارة لملكية الغير لا لملكية من كان المال تحت يده.

3. إذا كان عالماً بالمقدار ثمّ عرضه النسيان، فبما أنّ ذمّته اشتغلت بالواقع، ولا يخرج منه إلاّ بدفع الأكثر.

4. إذا تردّد المال بين المتبائنين، لكن كان من حيث العدد أو القيمة من قبيل الأقل والأكثر، كما إذا كان المال بين كيسين أحدهما أقلّ عدداً من الآخر، أو بين الشاة والفرس، الثاني أكثر قيمة.

ففي جميع هذه الصور لا براءة يقينية إلاّ بالعمل بدفع الأكثر.

فإن قلت: إذا دفع الأقلّ المتيقن في الحرام المختلط لا يبقى علم


صفحه233

إجمالي بالنسبة إلى الباقي.

قلت: إنّ الحكم بالاشتغال أثر العلم السابق، لا العلم الفعلي غير الباقي، وهذا نظير خروج أحد الطرفين ـ بعد العلم الإجمالي ـ عن محلّ الابتلاء، أو إراقة أحد الإناءين، فالعلم الفعلي بالحرام وإن كان غير موجود، لكن وجوب الاجتناب أثر العلم السابق.

 

4. وجوب الخمس

ذهب بعضهم إلى أنّ الواجب هو الخمس، قائلاً: بشمول قوله(عليه السلام): «إنّ اللّه قد رضي من ذلك المال بالخمس». واختاره العلاّمة في التذكرة(1) لكنّه غير تام، لأنّ مورد الروايات الدالة عليه هو ما لم يعلم صاحبه، كما في رواية عمّار: «إذا لم يعرف صاحبه» وفي رواية الحسن بن زياد :«واجتنب ما كان صاحبه يعلم» ومعه كيف يصح إسراء الحكم إلى المعلوم صاحبه؟

أضف إليه: أنّ الحكم بالخمس لا يخلو من أحد وجهين: إمّا أنّ مصرفه مصرفه، أو يكون مصرفه هو المالك. والأوّل بعيد جدّاً مع عرفان مالكه، وعلى الثاني فدفع الخمس إليه مع كون حقّه أزيد من الخمس ظلم عليه، ومع كون حقّه أقل، ظلم يقع على الدافع.

وبالجملة، فضعف هذا القول، واضح.


1 . تذكرة الفقهاء:5/422.


صفحه234

 

5. التنصيف

القول بالتنصيف، أخذاً بقاعدة العدل والإنصاف «التي تطابقت عليها العقلاء في مخاصماتهم» وهذا يكفي سنداً ودليلاً، وربّما يؤيده بعض الروايات الواردة.

مثل ما رواه عبد اللّه بن المغيرة، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر: هما بيني وبينك، فقال: «أمّا الذي قال هما بيني و بينك فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له وأنّه لصاحبه ويقسم الآخر».(1)

فإن قلت: إنّ الرواية على خلاف القاعدة، وذلك لأنّ الظاهر استيلاء كلّ منهما على كلا الدرهمين، فيكون لكلّ يد على كلّ نصف من الدرهمين، فيكون كلّ درهم بينهما مشاعاً، وقضية ذلك هو حلف مدعي الدرهم الواحد وأخذ الجميع، لا الأخذ بالنصف بلا يمين فيكون الحكم صادراً على خلاف القاعدة ومثله لا يتعدى عنه إلى غيره.

قلت: الظاهر أنّ الموردين من قبيل التداعي، لأنّ الاستيلاء على أحد الدرهمين صوري من جانب مدعي الدرهم الواحد، وخارج عن محل الخصومة من جانب مدعي الدرهمين، فيبقى الدرهم الواحد، فلكل استيلاء عليه، فمقتضاه هو كونه بينهما بالإشاعة والتقسيم على


1 . الوسائل: ج 13، الباب 9 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 1.


صفحه235

وجه المناصفة، فيكون الحكم موافقاً للقاعدة.

وما رواه السكوني عن الصادق(عليه السلام)، عن أبيه، في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر ديناراً فضاع دينار منها، قال: «يعطي لصاحب الدينارين ديناراً ويقسم الآخر بينهما نصفين».(1)

ومع الفرق بين المقام ومورد الروايتين، يمكن إلغاء الخصوصية واصطياد الضابطة بالنسبة إلى المخاصمات التي لا يمكن حلّها بالقرائن والشواهد أو بالقواعد و الضوابط، فالمرجع عندئذ العمل بقول كلا المدعيين. فالأقوى في غير ما ينحلّ فيه العلم الإجمالي، هو القول بالتنصيف.

6. القرعة

ولو عمل بالقاعدة المصطادة المذكورة، فهو، وإلاّ فالقرعة متعينة، لأنّ مظانها هي المخاصمة ليس غير، وقد درسنا روايات القرعة مرّة بعد مرّة فوجدناها واردة في موضع المخاصمة كتاباً وسنة، غير رواية واحدة شذت عن تلك الموارد، وردت في الشاة الموطوءة المشتبهة في قطيع غنم، ولو عمل بها في مواضع المخاصمة لم يلزم تأسيس فقه جديد وإن اشتهر في الألسن، والظاهر أنّ المقام من مشاكل الأُمور التي لم يرد فيه شيء سوى القول بالتنصيف إذا أمكنت استفادة حكم المقام منه، ولولاه القول بالقرعة في المقام قوي.


1 . الوسائل: ج 13، الباب 12 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 12.


صفحه236

 

الصورة الرابعة: إذا عُلم المالك والمقدار

وإن علم المالك وا لمقدار وجب دفعه إليه إذا كان الاختلاط على وجه الإشاعة، كما في اختلاط الدهن بالدهن يكون عدم التميّز واقعياً، وهذا بخلاف ما إذا كان اشتبه بين أفراد جنسه كاشتباه كتاب بين الكتب، أو بين أُمور مختلفة الجنس كشيء من أثاث البيت فعدم التميّز ظاهري، وعلى الأوّل، يكون المخرج عين المال المعلوم مالكه، أو مجهوله فلا يحتاج إلى معاوضة قهرية، بخلاف الثاني، فلو كان المخرج في نفس الأمر نفس ماله، فهو، وإلاّ فيجب التصالح على معاوضة قهرية بين ماله ومال المالك حتى يكون حلالاً له.

والظاهر شمول الاختلاط لجميع الصور.

إذا جهل مقدار الحرام

إذا جهل مقدار الحرام، فتارة يعلم بأنّ مقداره يزيد عن الخمس ويتردّد بين ربعه أو ثلثه، وأُخرى يعلم بأنّه ينقص منه قطعاً ويتردّد بين كونه سدسه أو سُبعه، وثالثة لا يعلم واحداً من الأمرين، وقد مضى حكم القسم الثالث إنّما الكلام في الصورتين الأُولتين.

الصورة الأُولى : إذا علم بزيادة الحرام عن الخمس: ففيها وجوه واحتمالات:


صفحه237

الأوّل: ما اختاره صاحب العروة من الاكتفاء بالخمس في تطهيره من الحرام وأنّه مطهّر تعبّدي، وربّما يؤيد هذا القول بالنبويّ المرويّ في غوالي اللآلي: «ما اجتمع الحلال والحرام إلاّ غلب الحرامُ الحلالَ».(1) فيغلب جانب الحلّية الجانب الآخر ويتملّك الكل ويكتفي بالخمس، وليس له دليل سوى التمسك بإطلاق صحيحة عمّار بن مروان من قوله(عليه السلام): «والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس».(2)

وربّما يؤيد هذا القول بأنّ موضوع الأخبار وموردها هو الخلط وعدم الميز لا عدم معلومية المقدار، و من المعلوم عدم المجال لدعوى القدر المتيقّن فيما أخذ موضوعاً في لسان الأدلّة، لأنّ العبرة بعدم الميز والخلط الذي هو صادق على جميع الصور المتصورة من حيث مقدار الحرام فيصدق على الجميع بمناط واحد بلا تفاوت بينها، فلا وجه لمنع الإطلاق، ولا لدعوى الانصراف.

ولا يخفى عدم إمكان المساعدة، مع هذا القول.

أمّا أوّلاً: فلأنّ ادّعاء الإطلاق في صحيحة عمّار أمر مشكل، لأنّه ليس إلاّ في مقام بيان الخمس على وجه الإجمال، وفي مثله الأخذ بالإطلاق أمر مشكل، والقول بأنّ تمام الموضوع هو عدم الميز والخلط مثل القول بأنّ تمام الموضوع هو المعادن والكنز، والحال أنّ الخمس لا يتعلّق بهما إلاّ بشروط، وهذا يكشف عن عدم كون الصحيحة في مقام البيان.


1 . غوالي اللآلي: 2/132، برقم 358.

2 . الوسائل: ج6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.


صفحه238

وأمّا الأحاديث الحاكية عن قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)فبما أنّ اللفظ الصادر عنه(عليه السلام)غير معلوم، فلا يمكن الاعتماد عليه في الموارد المشكوكة.

وثانياً: أنّ الاكتفاء بالخمس فيما علم كون الحرام أزيد والإلزام به فيما إذا كان أقلّ أمر بعيد حسب الأُصول المسلّمة، فالتعبّد به يحتاج إلى تصريح خاص، ولا يصحّ فيه الاكتفاء بالإطلاق، ولأجل ذلك قال صاحب الجواهر: لو اكتفى بإخراج الخمس هنا لحلّ ما علم من ضرورة الدين خلافه إذا فرض زيادته عليه، كما أنّه لو كُلِّف به مع فرض نقيصته عنه وجب عليه بذل ماله الخاص له.(1)

وثالثاً: ما أفاده الشيخ في جانب التعليل بأنّ قوله(عليه السلام):«فإنّ اللّه قد رضي من المال بالخمس» بمعنى كفاية الخمس عن الزائد الواقعي لو ثبت، لا عن الزائد المعلوم.

الثاني: إخراج خمسه وصرفه في مصرف الخمس، وإخراج الزائد والتصدّق به بحكم أنّه مجهول المالك، وهو الظاهر من بعض أعلام العصر.

يلاحظ عليه: أنّ المورد داخل تحت إحدى الطائفتين لا كلتيهما، فعلى الطائفة الأُولى يُكْتفى بالخمس لا غير، وعلى الطائفة الثانية يجب التصدّق بالجميع والتعامل معه معاملة مجهول المالك، فالجمع بينهما لا تساعده الأدلّة.

الثالث: إخراج الخمس والزائد معاً وصرفه في مصرف الخمس، وهو


1 . جواهر الكلام: 16 / 74 .


صفحه239

خيرة المحقّق الخوئي. الظاهر أنّه جمع بين الأمرين المتنافيين، لأنّ صرف الجميع في مصرف الخمس آية أنّه داخل تحت روايات المقام (الحرام المختلط بالحلال) مع أنّ لازمه هو إخراج الخمس لا الجميع، وإخراج الجميع دليل على دخوله تحت نصوص الصدقة مع أنّ مصرفه الفقراء، لا الخمس، فالجمع بين دفع الجميع وصرفه في مصرف الخمس جمع بين الأمرين المتنافيين.

الرابع: إنّ هذه الصورة من فروع القسم الثاني، لا القسم الأوّل، أعني: «ما إذا علم مقداره ولم يعلم مالكه تصدق به عنه»، غير أنّ معلومية المقدار على قسمين: إمّا أن يعلم على وجه التحقيق، وإمّا أن يعلم نسبياً وإضافياً. فقد عرفت انصراف أدلّة الخمس عن هذه الصور فالواجب في المقام هو التصدّق فقط، نعم لا يجب عليه التصدّق إلاّ بالقدر المتيقن، مثلاً إذا علم أنّ الحرام الموجود في ماله، أزيد من الخمس، وفي الوقت نفسه يتراوح بين الربع والثلث، فالأوّل هو القدر المتيقّن والثاني هو القدر المشكوك فيكلّف بدفع الأوّل دون الثاني.

إلاّ إذا كان عامل منجّز للأكثر، على ما ذكرناه في القسم الثالث كما إذا كان عالماً بالمقدار ثمّ طرأ عليه النسيان.

أمّا الصورة الثانية: فالقول بلزوم دفع الخمس خلاف منصرف أخباره، خصوصاً أنّه في مقام الامتنان، وأي امتنان في إلزام دفع الأكثر؟! فالحقّ الاكتفاء بالحق المعلوم، ويكون مصرفه مصرف الصدقة.


صفحه240

 

إذا علم قدر المال ولم يعلم صاحبه بعينه

للتخلّص من الحرام في هذه المسألة وجوهاً خمسة:

الأوّل: وجوب التخلّص من الجميع

يجب التخلص من الجميع ولو بإرضائهم بأيّ وجه كان، للعلم بالاشتغال، ولا يُقْطع بالبراءة إلاّ من هذا الطريق. وهو خيرة المحقّق الخوئي في مستنده(1) وتعليقته على العروة، ويتوجّه عليه إشكالان:

1. استلزامه الضرر غير القابل للتحمّل كما إذا كان العدد المحصور عشرة أو فوقها، ومعنى ذلك أن يدفع أضعاف ما عليه من المال، وهو مرفوع بقاعدة «لا ضرر» على القول بحكومتها على الأحكام الشرعية.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أجاب عن الإشكال بما ذكره الشيخ الأنصاري عند البحث عن دليل الانسداد في فرائده(2) وقال: إنّ حديث نفي الضرر إنّما يتكفّل بنفي الضرر الناشئ من قبل الحكم بنفسه فكلّ حكم كان تشريعه في مورد ضرراً على المكلّف فهو منفي في الشريعة المقدسة بالدليل الحاكم، وأمّا إذا لم يكن الحكم بنفسه ضرريّاً وإنّما الضرر نشأ من إحراز الامتثال كما في المقام فمثله غير مشمول للحديث بوجه.

وبعبارة أُخرى: الواجب على المكلّف الضامن هو إعطاء المال الحرام


1 . مستند العروة: 153، كتاب الخمس.

2 . الفرائد: 121، طبعة رحمة اللّه.


صفحه241

وتسليمه إلى مالكه، وهذا الحكم في نفسه لا ضرر فيه بوجه، وإنما يترتّب الضرر على إحراز الوصول إليه الناشئ من حكم العقل بوجوب الاحتياط من أجل تنجيز العلم الإجمالي، وهو أجنبي عن الحكم الشرعي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ حكم العقل بتنجيز العلم الإجمالي فرع شمول إطلاق الدليل لهذه الصورة كالنبوي: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».(2) أو قوله: «حرمة ماله كحرمة دمه».(3) وإلاّ فلا يحكم العقل بالتنجيز، وعليه يعود الضرر إلى إطلاق التشريع وشموله لهذه الصورة لا إلى حكم العقل. أضف إليه عدم الفرق بين الضررين في نظر العرف المخاطب بنفي الضرر و الضرار.

2. قد عرفت أنّ الحكم بالتنجيز فرع شمول الدليل لصورة الاختلاط. ولا يستبعد شموله إذا كان الاستيلاء عدواناً، كما هو مفاد قاعدة «على اليد» فيجب عليه الخروج عن اشتغال الذمة بالمقدمة العلمية وبما أنّه يكون هو السبب، فلا يشمله حديث لا ضرر ولا ضرار، لأنّه حديث امتنان والغاصب ليس أهلاً للامتنان الذي فيه الضرر على صاحب المال.

وأمّا إذا كان الاختلاط بعامل طبيعي، أو إنسان آخر ، فادّعاء لزوم تحصيل البراءة فرع وجود الإطلاق وشمول دليل ردّ مال الغير إليه لهذه الصورة فلابدّ من تحصيل البراءة بوجه آخر.


1 . مستند العروة: 153، كتاب الخمس.

2 . المستدرك:14/7ـ8، الباب 1 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث12.

3 . الوسائل:ج8، الباب 158 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 3.


صفحه242

 

الثاني: كونه بحكم مجهول المالك

هذا هو الوجه الثاني، وعطفه على مجهول المالك فرع كون الموضوع للتصدّق هو الجهل بالمالك لا عدم التمكّن من إيصاله، وإلاّ فلا يصحّ العطف، والظاهر من روايات الباب أنّ الموضوع عدم التمكن من الإيصال، ففي صحيحة يونس بن عبد الرحمن قال: سئل أبو الحسن الرضا(عليه السلام)وأنا حاضرفقال: رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا، فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأي شيء نصنع به؟ قال: «تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة».(1) ثمّ إنّ الإمام(عليه السلام)أمر بالتصدّق في ذيل الحديث بعد اليأس من التمكّن منه.

الثالث: استخراج المالك بالقرعة

ويمكن استخراج المالك باستخدام القرعة لكون المقام من موارد التنازع وقد وردت فيها القرعة، وهو خيرة السيد الحكيم.

وأورد عليه في مستند العروة من عدم شمول دليلها، لأنّها في كلّ أمر مشكل، أي لم يتضح فيه التكليف الواقعي ولا الظاهري غير المنطبق بالمقام، لأنّه بعد العلم بالضمان وتردد المالك بين محصور، فبمقتضى العلم الإجمالي يجب الخروج عن العهدة بإرضاء المالك الواقعي.(2)


1 . الوسائل: ج 17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2.

2 . مستند العروة: 152، كتاب الخمس.


صفحه243

يلاحظ عليه: بعدم تمامية الإشكال، لأنّ حكم العقل بتنجز الواقع، فرع وجود إطلاق في دليل ردّ مال الغير إليه، فيحكم بوجوب البراءة العقلية وبالتالي لا يبقى للقرعة موضوع. ولكنّه غير تام لما عرفت من أنّه يصحّ فيما إذا كان الاستيلاء عن عدوان لا عن غيره، كما إذا صار عمل الغير أو العامل الطبيعي سبباً لاختلاط مال الغير مع ماله، فهو عندئذ يكون أشبه للودعي، حيث لم يكن الاستيلاء لأجل الانتفاع بمال الغير.

نعم يرد على القول بالرجوع إلى القرعة، بأنّ الرجوع إليها منحصر بما إذا لم يكن هناك حلّ شرعي أو عقلي أو عقلائي، فإذا كانت هنا قاعدة عقلائية وسيرة سائدة منهم من الرجوع إلى قاعدة العدل والانصاف فتكون أدلّة القرعة منصرفة عن هذه الصورة لوجود مفزع عقلائي كما عرفت.

الرابع: التوزيع

والمراد منه، هو القيام بما يكون موافقاً لقاعدة العدل والإنصاف، فلو تردّد بين شخصين فينصف، وإلاّ فيثلث وهكذا.

 

الخامس: التخيير

أي التخيير بين القرعة والتوزيع، لأنّ لكلّ من القرعة والتوزيع وجهاً. وفي القرعة موافقة احتمالية ولو أصاب الواقع يصل المال إلى صاحبه بأجمعه، وفي الثاني موافقة قطعية للعلم بوصول جزء من المال إلى صاحبه، وإن اشتمل على مخالفة قطعية للعلم بوصول مقدار من مال المالك إلى غيره،


صفحه244

وبما أنّه لا ترجيح لأحد الأمرين فيكون مخيّراً بين القرعة والتوزيع.

وهناك احتمال سادس ذكره السيد الحكيم: وهو التخيير بين التوزيع والدفع إلى واحد منهم(1) لعدم إمكان الاحتياط، فيدور الأمر بين الموافقة الاحتمالية الملازمة للمخالفة الاحتمالية، وبين الموافقة القطعية مع المخالفة القطعية كذلك، ولا مرجّح في نظر العقل.

ثمّ إنّ السيّد الحكيم أورد على هذا الاحتمال ما هذا حاصله:

أنّ ذلك يتمّ مع تميّز المال وعدم ضمان اليد كالودعي ونحوه،وأمّا مع عدم التميّز فولاية القسمة لذي اليد محتاجة إلى دليل، كما أنّه مع ضمان اليد لا مجال لحكم العقل لرفع الضمان بالتوزيع أو التخيير، وإنّما يجدي في رفع العقاب لا غير، فرفع الضمان يحتاج إلى دليل، ولأجل هذا الإشكال لا يجدي الرجوع إلى الحاكم الشرعي في القسمة لأنّها لا ترفع الضمان، نعم لو أمكن الرجوع إليه في دفع المال بعد القسمة والخروج عن الضمان كان الحاكم هو المكلّف بالإيصال إلى المالك ويتخيّر حينئذ بين التوزيع ودفعه إلى واحد لما عرفت، لكن ثبوت الولاية للحاكم في القبض عن المالك مع حضوره وإمكان الإيصال إليه، غير ظاهر، لعدم الدليل عليها حينئذ فالمتعيّن الرجوع إلى القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل.(2)

وحاصل ما أفاده أنّ التخيير إنّما يصحّ بشرطين:


1 . لو كان أساس الدفع هو إصابة القرعة باسمه يرجع إلى الوجه الخامس لكن تعليله«بعدم إمكان الاحتياط» ينافي ذلك، وان وجهه هو عدم التمكن من إصابة القرعة.

2 . المستمسك:9/498.


صفحه245

أ. أن يكون مال الغير متميّزاً غير محتاج إلى القسمة، ولم يكن من بيده المال ضامناً كالودعي دون المقام الذي اختلط ماله بماله، وكان ذو اليد ضامناً فليس له الولاية على التقسيم ، ولا يرفع الضمان بالتوزيع أو التخيير.

ب. نعم لو رجع إلى الحاكم الشرعي فيما إذا كان له الولاية يصحّ الإفراز والتقسيم ويتعيّن المال المفروز لغيره، ويكون ذو اليد ضامناً لإيصال ما عيّنه الحاكم إلى صاحبه ، ولا يرتفع الضمان، لا بالتوزيع ولا بالتخيير بل بإرضاء كلّ مثل بما تحت يده.

وليس للحاكم الشرعي تنفيذ عمله مع كون المالك معلوماً ومحصوراً بين شخصين.

يلاحظ عليه: أنّه صحيح فيما إذا كان غاصباً أو ضامناً أو كان مباشراً للاختلاط، دون ما إذا كان العامل له أمراً طبيعياً أوإنساناً غيره، فيصحّ له القيام بالإفراز بإذن الحاكم الشرعي، فيكون أشبه بالودعي حيث لم يكن الاستيلاء لصالح الانتفاع، فيكون مخيّراً بين الأمرين لعدم الترجيح.

فالحقّ، أنّ هذه الحوادث أوضح مصداق لقوله(عليه السلام): «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا» فله الولاية في القسمة وتعيين ماله وإخراجه عن يد المديون، فعندئذ يكون مختاراً بين التوزيع والقرعة لما عرفت من اعتبار كلتا القاعدتين، أو بين التوزيع، والتخيير، أعني: الدفع إلى واحد منهم لعدم المزية لواحد على الآخر.


صفحه246

 

إذا لم يعلم قدر المال وعلم صاحبه

إذا لم يعلم قدر المال تحقيقاً، ولكن علم نسبيّاً، ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر، فيقع الكلام في موردين:

الأوّل: في المقدار الذي يجب دفعه، فهل هو الأخذ بالأقل، أو الأخذ بالأكثر، أو التفصيل الماضي في الأخذ بالأقل، إلاّ في موارد مثل ما إذا سبق العلم التفصيلي بمقداره، ولكن عرض النسيان، أو دار الأمر بين المتبائنين، أحدهما أكثر عدداً أو قيمة.

وقد عرفت الحقّ فيه في شرح قوله: ولو انعكس بأن علم المالك ولم يعلم المقدار، تراضيا بالصلح ونحوه، وإن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقل....

الثاني: كيفية دفعه ففي الوجوه المذكورة في الفرع السابق من هذه المسألة.

إذا كان حق الغير في ذمّته لا في عين ماله

أقول: للمسألة صورتان:

أحدهما: إذا استولى على مال الغير بغصب وغيره فأتلفه قبل الاختلاط فطرأ الجهل بالمقدار أو بالمالك أو كليهما.

ثانيهما: إذا استولى على مال الغير وحصل الخلط ثمّ أتلفه بنفسه أو


صفحه247

بآفة سماوية، فيقع الكلام في هذه الصورة في لحوقها بالمال الموجود المختلط حلاله بحرامه وعدمه، والذي يدل على ذلك ما ذكره الشيخ وغيره(1)، بأنّه إذا تصرّف في المال المختلط بالحرام بحيث صار في ذمّته تعلّق الخمس بذمّته (الصورة الثانية)، ولو تصرف في الحرام المعلوم فصار في ذمّته وجب دفعه صدقة (الصورة الأُولى). إذا علمت ذلك فنقول:

أمّا الصورة الأُولى: فلا موضوع للخمس، لأنّ الموضوع هو المال المختلط، وأمّا الثابت ابتداءً في الذمّة فهي مشغولة بنفس الحرام فيجب عليه أداؤها حسب القواعد.

وأمّا الصورة الثانية: ففيها وجهان مبنيان على أنّ تعلّق الخمس بالمختلط بالحرام كنفس تعلّقه بسائر الموارد كالمعادن والغوص، وأنّ أصحاب الخمس يملكون بعد الاختلاط جزءاً من المال على وجه الإشاعة، أو على نحو الكلي في المعيّن، أو بنحو آخر نظير تعلّق حقّ الرهانة بالعين المرهونة، كما سيوافيك.

أوّ أنّ تعلّق الخمس عليه من سنخ آخر، وهو أنّه لو أراد المالك إفراغ ذمّته من الحرام وتطهير ماله منه فقد صالحه الشارع بالخمس وجعله طريقاً تعبدياً لتشخيص الحرام، فما لم يقم بالتطهير ليس لأصحاب الخمس في المال المختلط شيء، فلا تكون العين مشتركة بينهم وبين المالك ولا متعلّقاً للحقّ.


1 . كتاب الخمس لشيخنا الأنصاري: 268، المسألة 19; جواهر الكلام :16/76.


صفحه248

فعلى الأوّل يكفي التخميس وإن أتلفه ذو اليد بعد الاختلاط، لأنّه يكون المورد نظير إتلاف المعادن والكنوز حيث لا يتغيّر حدّ الواجب سواء بقيت العين أم لم تبق، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالثاني، فإنّ الخمس إنّما يتعلّق بماله إذا قام بالتخميس وأخرجه من ماله، وأمّا إذا لم يقم بذلك حتى تلفت العين كلّها فلا موجب للخمس وهو المصالحة، ولا مناص عليه إلاّ الخروج عن نفس ما اشتغلت به ذمّته ولو بالاحتياط.

وربما يستظهر من رواية عمّار بن مروان أنّ تعلّقه به كتعلّقه بسائر الموضوعات، وعليه فاللازم هو الاكتفاء به إذا كان مختلطاً أتلفه المالك أو تلف بآفة سماوية، ولكن استفادة الإطلاق من رواية عمار لا يخلو عن إشكال لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، وسيوافيك تفصيل القول فيه عند البحث حول: تلف المال المختلط قبل إخراج الخمس (ص 268)، فانتظر. نعم إذا غصبه وأتلفه بلا اختلاف فلا يجزي فيه الخمس لعدم شمول أدلّته لهذا المورد لعدم الاختلاط المصحح للمصالحة، فما ذكره صاحب العروة (قدس سره)على وجه الإطلاق منظور فيه، بل يجب تقييده بما إذا لم يكن هناك اختلاط.

في مقدار ما يجب دفعه وإلى مَن يدفعه؟

إذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله يقع الكلام في موضعين:

أحدهما: في مقدار ما يجب دفعه.

ثانيهما: إلى مَن يجب دفعه؟


صفحه249

ولنقدّم الكلام في الثاني على الأوّل، فنقول: إذا كان مال الغير في ذمّة شخص فهو لا يخرج عن صور أربع: إمّا أن يكون المالك معلوماً بشخصه، أو معلوماً في عدد محصور، أو معلوماً في عدد غير محصور، أو مجهولاً مطلقاً.

ففي الأُولى يدفع إلى مالكه، وفي الثانية ففيه الوجوه الخمسة المذكورة في المسألة السابقة، أي ما إذا كان مال الغير مختلطاً بمال الشخص وتردّد في عدد محصور، وقد مرّ الأقوى من الأقوال، وفي الثالثة والرابعة يتصدّق من جانب المالك، وبما أنّ حكم الأُولتين واضح، فلنبحث حكم الأخيرتين فنقول:

أمّا التصدق في الصورتين الأخيرتين (العدد غير المحصور والمجهول المطلق) فهو الظاهر من الأخبار، وموردها وإن كان هو الأعيان الشخصية لكن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية وتعميمه إلى ما في الذمة، وقد عرفت تعميم ما ورد في الأعيان المتميزة إلى غير المتميزة، وهذا أحد القرائن على صحّة ما قلناه من لزوم التصدّق فيما إذا جهل الشخص وعلم المقدار.

وعلى كلّ تقدير فالأخبار دالة على أنّ المالك إذا لم ينتفع من ماله فلينتفع من ثوابه، ويمكن استفادة ذلك من بعض الروايات.

1. ما رواه يونس بن عبد الرحمن، قال: سئل أبو الحسن الرضا(عليه السلام)وأنا حاضر ـ إلى أن قال: ـ فقال: رفيق لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منزلنا فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأيّ شيء نصنع به؟ قال: «تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة» قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا


صفحه250

نعرف كيف نصنع؟ قال: «إذا كان كذا فبعه فتصدّق بثمنه» الخ.(1)

والحديث وإن ورد في المال المشخص خارجاً، لكن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية، وأنّ التصدّق أحد الطرق لوصول المال إلى صاحبه بعد اليأس، ويستفاد من الحديث سقوط التعريف سنة إذا كان الواجد آيساً.

2. وما رواه معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في رجل كان له على رجل حقّ، ففقده ولا يدري أين يطلبه، ولا يدري أحيّ أم ميّت، ولا يعرف له وارثاً ولا نسباً ولا ولداً؟ قال: «اطلب»، قال: فإنّ ذلك قد طال فأتصدّق به؟ قال: «اطلبه».(2)

إنّ الإمام(عليه السلام)إنّما أمر بالطلب والفحص لأجل عدم حصول اليأس، ويستظهر منه أنّه مع اليأس فالوظيفة المسلّمة بين الإمام والسائل هي الصدقة، والرواية واردة في الحقّ المتمثل في الذمّة لا في المال الموجود في الخارج.

3. روى الصدوق مرسلاً قال: وقد روي في خبر آخر «إن لم تجد له وارثاً وعرف اللّه عزّ وجلّ منك الجهد فتصدّق بها».(3)

وعلى ذلك فالأمر من الجهة الثانية ، أعني: كيفية إيصاله إلى المالك واضح، ففي المعيّن يدفعه إليه، وفي المحصور يعمل بالقرعة، أو التوزيع، وفي غير المحصور أو المجهول المطلق يتصدّق .


1 . الوسائل: ج 17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2. والمروي في الكافي(ج5/309 ح22) يغاير الموجود في الوسائل في العبارة.

2 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من ميراث الخنثى، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من ميراث الخنثى، الحديث 11.


صفحه251

إنّما الكلام في المقدارالذي يجب أن يدفعه، وفيه صور ثلاث:

1. إذا علم الجنس والمقدار.

2. إذا علم الجنس دون المقدار.

3. إذا جهل الجنس دون المقدار.

ولم يذكر الصورة الرابعة إذا جهل الجنس والمقدار.

أمّا الصورة الأُولى: فلو علم صاحبه فلا إشكال، ولو علم في عدد محصور يجري فيه ما تقدّم فيما إذا كان الحرام مختلطاً، وإن كان في عدد غير محصور أو لا يعلم صاحبه بوجه من الوجوه فيتصدّق، لعدم إمكان إرضاء الكل، وقد عرفت أنّ الظاهر من الروايات أنّ التصدّق أحد طرق إيصال المال إلى صاحبه.

أمّا الصورة الثانية: أعني ما إذا كان الجنس معلوماً والمقدار مجهولاً، سواء كان قيمياً كما إذا علم أنّه أتلف شاة الغير مردداً بين الواحد والاثنين، أو مثلياً كما إذا علم أنّه أتلف حنطة الغير وتردّد بين كونها خمسين منّاً، أو ثلاثين، فيقتصر في كلا الموردين بالأقل لانحلال العلم الإجمالي، وأمّا كيفية الإيصال فتأتي فيها الأقسام المذكورة في الصورة الأُولى من كون المالك معلوماً بشخصه، أو في عدد محصور، أو غير محصور، أو لا يعلم أصلاً، والحكم واحد.

أمّا الصورة الثالثة: أعني ما إذا كان الجنس مجهولاً دون المقدار، فلها أقسام:


صفحه252

1. ما يكون التالف قيمياً مردداً بين الجنسين كالشاة والبقرة.

2. ما يكون التالف مثلياً مردداً بين الجنسين كالحنطة والشعير.

3. ما يكون التالف مردداً بين المثلي والقيمي كما لو تردّد المغصوب بين الشاة والحنطة.

وإليك الكلام في جميع الأقسام:

القسم الأوّل: إذا كان التالف قيمياً

إذا كان التالف قيمياً، يكون مضموناً بقيمته، فإن تساوت قيمة الجنسين (الغنم والبقر) فلا إشكال، وإلاّ فيدفع أقلّ القيمتين أخذاً بالانحلال، إلاّ إذا كان علم القيمة التي استقرت في الذمّة ثمّ طرأ عليه النسيان.

هذا من غير فرق بين القول بضمان قيمة يوم المخالفة أو قيمة يوم التلف أو قيمة يوم الأداء، فإنّ الاختلاف في القيمة ناش من إبهام التالف، وأنّه هل هو الغنم أو البقر؟ وأمّا اختلاف الفقهاء في قيمة أيّ يوم من الأيّام، فغير مؤثر في ذلك، لأنّ الاختلاف في اليوم الذي يجب أداء قيمتها فيه، لا يؤثّر في تردّد الأمر بين الأقلّ والأكثر، وذلك لأنّ ضمان العين في القيمي ينتهي إلى ضمانها بقيمتها فتكون ذمّته مشغولة بالقيمة بعدما كانت مشغولة بالعين فبعد التبدّل يدور الأمر بين الأقلّ والأكثر.

وبذلك يظهر ما في حاشية بعض الأساطين حيث فصّل بين ما اشتغلت الذمة بالقيمة كما في الضمانات ففيه الأقل، وما إذا اشتغلت بنفس العين كما


صفحه253

في العقود فحكمه حكم المثلي، فقوّى وجوب الاحتياط في المتبائنين بتحصيل المراضاة مع الإمكان، وإلاّ فيوزّع على محتملات ما اشتغلت به الذمة، ففي المردّد بين جنسين يعطي نصف كلّ منهما وفي الثلاث ثلث كلّ منهم.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر دائر بين المتبائنين من قبيل الانقلاب إلى القيمة، وحكمه الاحتياط، ولكن بعد الانقلاب إلى القيمة يدور الأمر بين الأقل والأكثر وعلى ذلك يكفي الأقل.

وما تقدّم منّا من لزوم الاحتياط في موردين:

1. إذا عرضه النسيان ، 2. إذا دار أمر الحرام بين المتبائنين فإنّما هو فيما
إذا كان الحرام باقياً غير تالف، أي كان موجوداً بين الحلال لا ما في مثل المقام الذي تلف وانتهى ضمانه إلى الضمان بالقيمة فإنّ مقتضى القواعد هو الأخذ بالأقل.

وبذلك يعلم ضعف ما أفاده بعض الأعلام المعاصرين من أنّ الثابت في الذمّة في التالف أو المتلف نفس العين حسب قوله (عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» و على ذلك فنفس العين في ذمّة الضامن. نعم في مقام الأداء يؤدي القيمة من جهة كونها مرتبة نازلة من العين بعد تعذرها فيكون حكمه حكم المثلي (القسم الثاني).

يلاحظ عليه: أنّ هذا الاختلاف غير مؤثر في المسألة، لأنّا نفترض أنّ العين باقية على ذمّة الضامن إلى يوم الأداء، ولكنّه في وقت الأداء يتبدل إلى


صفحه254

القيمة ويكون أمر المتبدل إليه دائراً بين الأقل والأكثر حسب اختلاف المتبدَّل ويأتي حديث الانحلال بعد الانتقال.

والفرق بين القيمي والمثلي هو أنّ القيمي ينتقل نهاية إلى القيمي ويكون المضمون قيمته، بخلاف المثلي فالمضمون فيه هومثله فيبقى المضمون في ذمّته من دون انتقال إلى القيمي، ولذلك يفترق حكمه، مع حكمه الذي سيوافيك في القسم الثاني.

وهنا احتمال آخر وهو أنّه يدفع القدر المعلوم المتيقن من القيمي وينتصف الزائد، عملاً بقاعدة العدل والإنصاف، وقد مرّ في كلام بعض الأساطين.

القسم الثاني: إذا كان التالف مثلياً

إذا كان الجنس المردّد مثلياً كما إذا دار أمر التالف بين الحنطة والشعير، فيكون المرجع إلى المتبائنين دون الأقلّ والأكثر، لأنّ المضمون هو نفس الجنس المردّد بين الحنطة والشعير، واختلافهما في القيمة لا يوجب كون المورد من قبيل الأقل والأكثر.

فهنا وجوه لإفراغ الذمة:

1. التوزيع: ويمكن تصويره بأحد وجهين:

أ. توزيع العين، لأنّه يعلم أنّ عليه شيئاً مردداً بين منّ حنطة أو منِّ شعير، فيعطي من كلّ نصفه.


صفحه255

ب. إنّ الجهل بالجنس يوجب الانتقال إلى القيمة ويعطي القدر المعلوم وينتصف الزائد، كلّ ذلك أخذاً بقاعدة العدل والإنصاف.

2. القرعة: وذلك لأنّ الواجب على الضامن إيصال المال إلى المضمون عنه، وهو يحصل بدفع كلا المالين إليه، وبما أنّه ليس له التصرّف في كلا المالين، ينحصر الطريق بالقرعة فإذا كان المرجع نهايةً، هو القرعة، فليكن هو المرجع في المبدأ، وأنّ الضامن يقرع بين الجنسين بإذن الحاكم.

3. دفع الأقلّ: ببيان أنّه ليس للمالك أخذ شيء من هذه الأجناس فلا محيص من إسقاط الخصوصية واختيار القيمة، فحينئذ الأمر يدور بين الأقلّ والأكثر، فلا يأخذ المالك إلاّ الأقل، لا أنّ الدافع لا يكون مكلّفاً إلاّ بالأقل، حيث إنّ الواجب عليه في هذه الصورة مردّد بين المتبائنين، بخلاف ما لو كان قيمياً لأنّه مردّد بين الأقل والأكثر فلا يكون مكلّفاً إلاّ بدفع ما اشتغلت به ذمّته وهو الأقل. نعم بعد إسقاط الخصوصية يرجع إلى ذلك.

وعلى هذا الاحتمال لا فرق بين القيمي والمثلي في أنّ الواجب هو أخذ الأقل.


صفحه256

 

القسم الثالث: إذا كان التالف مردداً بين المثلي والقيمي

إذا كان التالف مردّداً بين المثلي والقيمي، كما لو تردّد الحرام بين الحنطة والشاة، فيعلم حكمه ممّا ذكرناه في المثلي، ففيه الوجوه الثلاثة.

ولعلّ الأوضح هو الوجه الأوّل.

***

وأمّا الصورة الرابعة : أي إذا كان الجنس والمقدار مجهولين، كما إذا تردّد التالف بين الحنطة والأرز، وعلى كلّ تقدير تردّد بين ثلاثين منّاً أو خمسين، فيعلم حكمه ممّا ذكر.

ولاية المالك على إخراج هذا الخمس

اتّفقت كلمتهم على ولاية المالك لإخراج خمس ماله ودفعه من غيره من دون توقّف على إذن الحاكم، وأمّا جواز صرفه في مجاله بنفسه فسيأتي في المستقبل، وهل الحكم في المقام أيضاً كذلك أو يحتاج الإخراج والدفع من مال آخر إلى إذن الحاكم الشرعي؟

فقد حكم بعضهم باتحاد حكمه مع سائر الموارد وثبوت الولاية في الإخراج والدفع من غير المال متمسّكاً بأنّ تعلّق الخمس عليه نظير تعلّقه بالموارد الأُخر على ما في رواية عمّار بن مروان، فيجري فيه ما يجري فيها، وخالف أكثر مشاهير العصر وقالوا بالاستجازة.


صفحه257

والحقّ، هو الثاني: لأنّ طبع المسألة يقتضي ذلك لوجود الفرق بينهما، لأنّ روح التخميس في سائر الموارد، عبارة عن تخميس نفس ماله والقيام بالوظيفة بأداء الخمس من ماله وتصرف الإنسان في ماله لا يحتاج إلى الاستئذان، وسيوافيك أنّ العين ليس مشاعاً بين المالك وأصحاب الخمس، بل غاية ما يستفاد تعلّق حقّهم عليها كتعلّق حقّ المرتهن وأمثاله، وللإنسان القيام بترخيص ماله عن الرهن، وهذا بخلاف المال المختلط بالحرام فإنّه يتصرف في مال الغير، ويقرّره ويشخصه في المفروز، ويتملّكه ويدفع من مال آخر.

فالقيام بها يستدعي الولاية وهي ثابتة للحاكم دون المالك.

وبذلك يعلم أنّه لا يصحّ التمسك بالإطلاقات في كلا الموردين، إذ ليست في ذلك الصدد حتّى يكون السكوت دليلاً على العموم.

والتمسك بالإطلاق المقامي وأنّه لو كان الإذن شرطاً لاشتهر وبان، إنّما يصح في الموارد التي كان التصرف فيها أمراً طبيعياً كما في دفع خمس ماله، لا في مثل المقام الذي طبعه المنع وعدم الجواز، لأنّ الحكم الأوّلي للتصرّف في مال الغير بلا إذنه هو الحرمة، والتصرّف يتوقف على الجواز، ففي مثل المقام لا يصحّ الاعتماد بالسكوت.

لو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس

في المسألة قولان:

الأوّل: الضمان ، اختاره الشهيد في الروضة وقال: ولو تبيّن المالك بعد


صفحه258

إخراج الخمس ففي الضمان له وجهان، أجودهما ذلك.(1) واختاره صاحب الجواهر حيث جعل مقتضى الحكم بالتخميس هو رفع الإثم فقط مع التحفّظ على الضمان.(2)

أقول: استدلّ على الضمان بوجوه:

الأوّل: كونه مقتضى الاستيلاء العدواني، وعلى اليد ما أخذت حتى تؤدي.

الثاني: الإتلاف، بدفعه إلى أصحاب الخمس.

الثالث: إلحاقه بباب اللقطة، وأنّ حكم الشارع بالدفع لا يرفع الضمان كما هو كذلك فيها.(3)

بل يمكن استظهار الضمان في مطلق مجهول المالك وإن لم يكن لقطة، وذلك بما رواه حفص بن غياث المِنقري، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعاً واللص مسلم هل يرد عليه؟ فقال: «لا يردّه، فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل، وإلاّ كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها، فيعرّفه حولاً، فإن أصاب صاحبَها ردّها عليه، وإلاّ تصدّق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم، فإن اختار الأجر فله الأجر، وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له».(4)

فإذا ثبت الضمان في باب اللقطة وفيما أودعه بعض اللصوص، يمكن


1 . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: 2 / 68 .  

2 . الجواهر:16/75.

3 . الوسائل: ج 17، الباب 2 من أبواب اللقطة، الحديث 2و5.

4 . الوسائل: ج17، الباب 18 من أبواب اللقطة، الحديث 1.


صفحه259

إلغاء الخصوصية والحكم بالضمان في المقام أيضاً، هذا غاية ما يمكن الاستدلال به على الضمان.

الثاني: عدم الضمان وعدم كفاية الأدلة المذكورة في إثباته:

أمّا اليد، وإن كانت عدوانيةً، لكنّها صارت بعد المراجعة إلى الحاكم الشرعي يداً مأذونة، والإطلاقات غير شاملة لمثلها، وعلى فرض الشمول، فلو دلّ دليل على عدم الضمان نقيّد الإطلاق به.

وأمّا الإتلاف فلا يوجب الضمان إذا كان بأمر الشارع، فالمتبادر منه رفع التكليف والوضع معاً، إلاّ إذا دلّ عليه دليل كما في اللقطة، وأمّا الحكم بالضمان في مورد قبول الوديعة من اللصوص فلعلّه لأجل علمه بكون المودع مال الغير ، وبذلك صارت يده يداً عاديّة، لا يداً مأذونة، فالحكم بالضمان فيه لا يصير منشأ للضمان في المقام، وليس الأمر بالدفع حكماً ظاهرياً متوقفاً على عدم مطالبة المالك، كيف؟ وأنّ الحكم الظاهري لابدّ أن يكون محتمل المطابقة للواقع، وهنا نعلم بمخالفته للواقع على كلّ حال، بل هو من قبيل الواقعي الثانوي، ومقتضى إطلاق دليل الإجزاء.

وأمّا إلحاقه بباب اللقطة كما في دليل القائل بالضمان فغير صحيح، لأنّ الحكم في المقيس عليه على خلاف القاعدة، فكيف يصحّ القياس مع بطلانه في ذاته؟ كما عرفت الفرق بين المقام، وما أودعه بعض اللصوص، ثمّ إنّ في الروايات قرائن تدل على عدم الضمان.

1. انّ المتبادر من الروايات الحاكية لفعل الإمام (عليه السلام)أنّ التخميس


صفحه260

مصالحة شرعية نيابة عن المالك، وولاية عليه، وبذلك تفرغ ذمّته عن أيّة تبعة، والحكم بالضمان بعد مطالبة المالك، يخالفه.

2. إنّ ظاهر قوله(عليه السلام): «إنّ اللّه قد رضي من ذلك المال بالخمس» أنّه لو أدّى الخمس، يكون الباقي له بلا إشكال، فالحكم بالضمان ولزوم الأداء منه بعد المطالبة لا تساعده العبارة، وتوهم أنّ التصالح بالخمس راجع إلى تحديد الحرام به ليحلّ له الباقي فقط ولا صلة له بالتصالح من جانب المالك ولاية، كما ترى.

3. إنّ الظاهر من رواية داود بن أبي يزيد ولاية الشارع على مجهول المالك، حيث قال: قال رجل: إنّي قد أصبت مالاً وإنّي قد خفت فيه على نفسي ـ إلى أن قال: ـ «فأنا واللّه، ماله صاحب غيري».(1)

والحديث يحتمل أن يكون المصاب لقطة أو شيئاً قد أغمض في طلبه من جهة كونه حلالاً أو حراماً.

ومع فرض الولاية والقيام بالتخميس أو التصدّق بأمر الشارع فالحكم بالضمان لأجل الإتلاف بعيد عن الأذهان، وأمّا الضمان في باب اللقطة فليس من باب الإتلاف، بل هو حكم تعبّدي يحدث عند المطالبة، ولأجل ذلك لو لم يطالب لما كان ضامناً، ولو كان وجه الضمان الإتلاف، يجب أن يستقرّ عليه قبل المطالبة وهو خلاف المشهور وخلاف ظاهر الروايات، وبذلك يعلم عدم صحّة التمسك بقاعدة الإتلاف، إذ لو كانت هي مصدر الضمان


1 . الوسائل: ج17، الباب 6 من أبواب اللقطة، الحديث 1.


صفحه261

يثبت الضمان مطلقاً وإن لم يتبيّن المالك، بل يجب عليه إيصاؤه، وكلّ ذلك على خلاف القاعدة.

نعم: لو قام بالتخميس من عند نفسه من دون مراجعة إلى الحاكم الشرعي كان للضمان وجه، لا ما إذا دفعه إليه أو قام به نيابة ووكالة عنه.

ثمّ الظاهر من صاحب العروة، اختصاص الضمان بالخمس لا ما اشتغلت به ذمّته، وهو غير تام، إذ لو صحّت المصالحة لما كان للضمان وجه، ولو لم تتم يضمن ما تعلّقت به ذمّته ولو بالعمل بالاحتياط لا الخمس.

لو علم بعد إخراج الخمس أنّ الحرام أزيد من الخمس

للمسألة صورتان:

الأُولى: إذا علم الحرام أزيد من الخمس.

الثانية: إذا كان الحرام أقلّ منه.

أمّا الأُولى: يقع البحث في وجوب التصدّق بمازاد على الخمس، ففيه وجوه:

1. يسترجع الخمس ويتصدّق بمقدار الحرام لأهل الصدقة.

2. إنّ الباقي بعد التخميس موضوع جديد للمال المخلوط فيه الحلال بالحرام فيجري عليه حكمه من الصور الأربع السابقة، ويعمل في كلّ صورة بحكمها الخاص، وهو خيرة المحقّق الخوئي.

3. صحّة التخميس الأوّل والتصدّق بالباقي لافتراض كون المقدار الحرام معلوماً.


صفحه262

4. كفاية التخميس وعدم لزوم التصدق بالباقي.

أقول: الوجه الأوّل، احتمال محض، ومدفوع، بأنّ استرجاعه، إبطال لعمل عبادي وقع بأمر الشارع، وهو يحتاج إلى الدليل، أضف إلى ذلك قوله (عليه السلام): «وإنّ اللّه قد رضي من هذا المال بالخمس» واسترجاعه، يخالف هذا الرضا.

ويمكن الاستئناس بما ورد في اللقطة: إذا جاء صاحبها فإنّه لا يسترجع الصدقة: والذي يجمع بينهما كون العملين من الأُمور العبادية.

والوجه الثاني: حاصله أنّ الباقي بعد التخميس ـ المعلوم بعد وجود الحرام فيه ـ موضوع جديد للمال المخلوط فيه الحلال بالحرام، فيجري عليه حكمه من أنّه:

1. إن علم مقداره ومالكه دفعه إليه.

2. وإن يعلم مقداره ولم يعلم مالكه تصدّق.

3. وإن جهل كلاهما تعلّق به خمس آخر.

وهذا الوجه يخالف إطلاق الأدلّة فإنّها ظاهرة في حلّية المال مطلقاً وإن انكشف أنّ الحرام أزيد، خصوصاً قوله: «وسائر المال لك حلال» وهذا يؤيد ما قلناه، من أنّ التخميس مصالحة شرعية بين الحاكم نيابة عن المالك وصاحب المال المختلط، ومعنى المصالحة هو الاكتفاء بالمدفوع، وإن تبيّن الخلاف وأنّ الحرام أزيدمن الخمس فإيجاب الزائد يحتاج إلى الدليل سواء كان بصورة الصدقة أو بصورة التخميس.


صفحه263

والوجه الثالث: مدفوع، بإطلاق الروايات بكفاية التخميس. وبذلك يعلم قوّة الوجه الرابع، لأنّ ظاهره كفاية المصالحة عمّا يطرأ ويتبين من الزيادة.

وأمّا الصورة الثانية: فاحتمال استرداد الزائد مدفوع بما ذكرناه ،وقد عرفت أنّ طبيعة المصالحة لا تنفك عن احتمال الزيادة والنقص غالباً، وفائدة التخميس هو جواز تصرفه في المال المخلوط، وهو في مقابل دفع الشيء الزائد ليس بقليل، وقد عرفت أنّه عمل قربيّ لا يبطل.

لو كان الحرام المجهول مالكه معيّناً فخلطه بالحلال

قال في الجواهر: ولو خلط الحرام بالحلال، عمداً خوفاً من كثرة الحرام وليجتمع شرائط الخمس فيجتزي بإخراجه، عصى بالفعل وأجزأه الإخراج، ويحتمل قويّاً تكليف مثله بإخراج ما يقطع بالبراءة إلزاماً له بأشقّ الأحوال، ولظهور الأدلّة في غيره.(1)

والظاهر أنّ الوجه هو انصراف أدلّة التخميس عن المورد لأجل وروده في المختلط ابتداءً، بل يعمّ ذلك وما كان متميّزاً وصار مخلوطاً لعوامل خارجية، إذ الاقتصار على الأوّل يوجب خروج أكثر الموارد و ـ مع ذلك كلّه ـ لا يشمل الاختلاط لغاية التخميس والسيطرة على مال الغير عن ذاك الطريق، بل مورده مورد الإنسان المتهيّئ لإخراج الحرام من ماله، وهذا هو الوجه لعدم الشمول لا ما ذكره المصنف: من أنّه كمعلوم المالك حيث إنّ مالكه


1 . جواهر الكلام: 16 / 76 .


صفحه264

الفقراء. وذلك لأنّهم لا يتملّكون إلاّ بالقبض، فكيف يكون معلوم المالك أو كمعلومه؟

وتظهر الثمرة بين القولين في موردين.

فلو قلنا بشمول الأدلّة لهذه الصورة، يتعيّن الخمس والمصرف مصرفه، وعلى ما قوّينا يتعين الأقل، إلاّ إذا عرضه النسيان، أو دار أمره بين المتبائنين فيتعيّن الأكثر، والمصرف مصرف الصدقة.

لو تعلّق الخمس بالحلال الذي في المختلط

وهو مقتضى القاعدة لتعدّد الأسباب المقتضي لتعدّد المسبب، إلاّ إذا دلّ دليل على الاكتفاء بالمسبب الواحد، كما في موارد تعدّد أسباب الحدث الأكبر والأصغر، قال في الجواهر: ولو كان خليط الحرام ممّا فيه الخمس أيضاً لم يكف خمس واحد، كما صرّح به بعضهم لتعدّد الأسباب المقتضي لتعدّد المسببات، فيجب حينئذ بعد إخراج خمس التطهير، خمس آخر.(1)

وبعبارة أُخرى: أنّ المختلط بالحرام تارة يكون مالاً موروثاً يعلم بوجود الحرام فيه أو موهوباً أو نحو ذلك، وأُخرى يكون ممّا تعلّق به الخمس كالمعادن وأرباح المكاسب، فالحكم بالتخميس في روايات الباب ناظر إلى حلّ مشكلة الاختلاط.

وأمّا الحيثيّة الثانية فليست مطروحة حتى ينفى وجوب التخميس


1 . الجواهر:16/76.


صفحه265

الثاني عنه بالإطلاق، أو بقوله(عليه السلام): «وسائر المال لك حلال»، والحاصل: أنّ المختلط عنوان، والمعدن عنوان آخر، ولكلّ حكمه.

نعم احتمل المحقّق الهمداني (قدس سره) الاكتفاء بالخمس الأوّل: قائلاً بأنّ حمله على إرادته من حيث الاختلاط مع وروده في المال المجتمع بالكسب في الأزمنة السابقة الذي يتعلّق به خمس الاكتساب أيضاً لا يخلو من بعد، خصوصاً مع ما فيه من التعليل.(1)

يلاحظ عليه: أنّ العبارة الحاكية لقضاء أمير المؤمنين مختلفة، ففي رواية السكوني: «كسبت مالاً» وفي رواية الحسن بن زياد و مرسلة الصدوق: «أصبتُ مالاً»، وبما أنّ الرواية منقولة بالمعنى فلا اعتبار بلفظ السكوني وأمثاله. أضف إلى ذلك، أنّ أحكام الخمس خصوصاً في أرباح المكاسب قد بيّنه الأئمّة(عليهم السلام)في الظروف المتأخرة عن زمن أمير المؤمنين(عليه السلام)لمصلحة فيه فلا يكون السكوت دليلاً على عدمه.

ثمّ الظاهر من صاحب العروة تقديم خمس الاختلاط على خمس السبب الآخر، فلو عمل كذلك فأخرج خمس الجميع، تبقى أربعة أخماس، فإن علم مقدار ما تعلّق به الخمس فهو، وإلاّ فهل الواجب هو إخراج خُمْس الباقي (أربعة أخماس) أو يقتصر بخمس المتيقن بكونه حلالاً، لاحتمال أنّ بعض ما بقي من مال الغير، فيكون تعلّق الخمس بغير المتيقن بكونه حلالاً، مجرى للبراءة؟


1 . مصباح الفقيه:14/163.


صفحه266

إذا وقفت على ذلك فاعلم أنّه لا وجه لتقديم تخميس الاختلاط على الخمس، وهو أشبه بتعلّق الضريبة على الضريبة، فلو قدّمنا تخميس الاختلاط فلازمه دفع الخمس من الخمس الثاني الذي هو ملك للإمام(عليه السلام)والسادة.

وإن شئت قلت: إنّ الهدف من تخميس الاختلاط هو إفراز المال المجهول من ناحية المالك والمقدار، والمفروض أنّ خمس الأرباح ليس مجهولاً من حيث المالك، فلا وجه لتعلّقه به.

وربّما يعلل تقديم تخميس الجهة الأُخرى على التخميس من جهة الاختلاط بأنّ الروايات ناظرة إلى المال المخلوط فيه الحلال بالحرام، فموضوعه المال المؤلف من هذين الصنفين.

فبعض له حلال وبعضه حرام لا يعرف صاحبه، وأمّا المشتمل على صنف ثالث بحيث لا يكون له ولا يكون من المال الحرام الذي لا يعرف صاحبه، فهو غير مشمول لتلك الأدلّة، ومقامنا من هذا القبيل فهو يعلم أنّ مقداراً من هذا المال المختلط، أعني: الخمس، من حصّته لا له ولا من المال الحرام، بل هو ملك للسادة والإمام(عليه السلام)، وعليه لابدّ من إخراجه ليتمحض المال في كونه حلالاً مخلوطاً بالحرام ثمّ يخمس بعدئذ للتحليل وبعنوان الاختلاط.

وعلى ذلك، يكفي تقديم خمس الجهة الثانية، وهو لا يتعلّق ظاهراً إلاّ بالمقدار المتيقن من الحلال فيدفع خمسه لا مجموع المال بخلاف تخميس الاختلاط فإنّه يتعلّق بالمجموع، وعلى ذلك فلوكان مجموع المال 100


صفحه267

ديناراً وكان المتيقن منه حلالاً هو 50 ديناراً يخمس الثاني ويدفع 10 دنانير فيبقى له 90 ديناراً ثمّ يخمسه بعنوان تطهيره من مال الغير ويدفع 18 ديناراً فيبقى له 72 ديناراً.

وأمّا إذا قدّمنا تخميس الاختلاط، فبما أنّه يتعلّق بالمجموع يجب عليه أن يدفع 20 ديناراً من تلك الجهة، ثمّ لو قلنا بتعلّق الخمس بمقدار الحلال وهو الخمسون فيخرج عشرة دنانير فيبقى له 70 ديناراً.

نعم لو قلنا بتعلّق الخمس بالباقي ـ لا بالمقدار المتيقن كونه حلالاً ـ أعني الثمانين فيخرج ستة عشر ديناراً فيبقى له 64 ديناراً.

لو كان الحرام المختلط من الخمس أو الزكاة أو الوقف

قد تقدّم عند قوله: الخامس: المال المختلط بالحرام أنّه لو علم المالك وجهل المقدار تراضيا بالصلح ونحوه، وإن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقلّ، أووجوب إعطاء الأكثر، وجهان الأحوط الثاني، والأقوى الأوّل إذا كان المال بيده.

إذا عرفت ذلك فهل يلحق المقام بما ذكره هناك من الصلح أو الاكتفاء بالأقلّ أو لزوم الأكثر؟ والإلحاق مبني على انصراف أدلّة تخميس الحلال المختلط بالحرام عن مثله فإنّ الأخماس والزكوات والأوقاف وإن لم يكن لها مالك شخصي لكن لها مالك كلي وهو الجهات والعناوين الكلية الواردة في لسان الأدلّة.

وعلى ذلك يجب الرجوع إلى الحاكم الشرعي لولايته على هذه


صفحه268

الأموال والأُمور، وهل يجوز الاكتفاء بالمتيقن من هذه الأُمور، أو يجب تحصيل البراءة ويدفع الأكثر المحتمل، أو الفرق بين ما علم و عرض النسيان له و بين الجهل بالمقدار من أوّل الأمر؟ الأقوى الثالث، ثمّ الأوّل، و ربّما يكون أزيد من الخمس أو أقلّ.

إذا تلف المال المختلط قبل إخراج الخمس

لا شكّ أنّه لو تصرّف الإنسان في الحرام المشخص الخارجي، المجهول المالك يجب الخروج عنه بدفعه صدقة. إنّما الكلام فيما إذا كان مخلوطاً بالحلال هل هو كذلك، أو لا؟

قال الشيخ: لو تصرّف في المال المختلط بالحرام بحيث صار في ذمّته، تعلّق الخمس بذمته، ولو تصرف في الحرام المعلوم فصار في ذمّته وجب دفعه صدقة.(1)

أقول: المسألة مبنية على أنّ تعلّق الخمس بالمختلط كتعلّقه بسائر الموارد الأُخرى، فكما أنّ لأصحاب الخمس سهماً فيما يخرج من المعادن وغيرها فهكذا لهم سهم في الحلال المختلط أو أنّ تعلّقه به بنحو آخر، وهو أنّه إذا ندم الإنسان وأراد تخليص ذمّته فعندئذ رضي الشارع بدفع الخمس منه، فكأنّه نوع مصالحة بين ولي المالك المجهول وصاحب المال المختلط.

فعلى الوجه الأوّل: يجب الخمس سواء كان موجوداً أو صار تالفاً، كسائر الموارد التي يتعلّق بها الخمس: فلو أتلف ما أخرج من المعدن أو


1 . كتاب الخمس: 268، قسم المسائل، المسألة 19.


صفحه269

أتلف ما ملكه من طريق العثور على الكنز، يتعلّق الخمس بذمّته.

وعلى الثاني: يتعيّن التصدّق، لانتفاء الموضوع بالإتلاف فإنّ الاختلاط من صفات الأعيان الخارجية ومع إتلاف المال كلّه لا موضوع له، فالذمة تشتغل بنفس الحرام الواقعي لا الخمس.

وبما أنّ المختار عندنا،هو القول الثاني كما مرّ الكلام في مسألة: إذا كان حق الغير في ذمّته لا في عين ماله (ص 246) ، يتعيّن القول بجريان المظالم على الأقوى وذلك لظهور الأدلّة في وجوب الخمس من المال الخارجي عند التطهير، وذلك كما في قوله(عليه السلام): «فإنّ اللّه قد رضي من ذلك المال بالخمس»، فهو إشارة إلى المال الخارجي، وقوله(عليه السلام): «ائتني بخُمسه» وقوله(عليه السلام): «وسائر المال لك حلال» فالكلّ ظاهر في المال الخارجي فتظهر الثمرة في مصرفه، وذلك لأنّه على القول بعدم شمول روايات الباب لما أتلفه قبل التخميس، يتعيّن صرف ما تحصل به البراءة في مصرف الصدقة، بخلاف ما لو قلنا بالوجه الآخر، فهل يجب إخراج القدر المتيقن من الحرام وصرفه في مصرف الصدقة، أو يجب دفع الأكثر لتحصيل اليقين بالبراءة، أو تنصيف المقدار المتيقن والمقدار المحتمل وأخذ النصف من كلّ منهما؟ وجوه، أقواها الأوّل، وأحوطها الثاني ثمّ الثالث.

وعلى القول بوجوب الخمس، فلو علم قدر المال المختلط التالف اشتغلت ذمّته بمقدار خمسه، وإن لم يعرفه، ففي وجوب دفع ما تتيقن معه البراءة أو جواز الاقتصار على ما يرتفع به يقين الشغل، أو التفصيل بين ما علم و طرأ عليه النسيان فالأوّل، وبين غيره فالثاني، أقواها الأخير.


صفحه270

 

إذا تصرّف في المال المختلط قبل إخراج الخمس

ما ذكره من الوجوه مبني على أنّ تعلّق الخمس بالمال المختلط كتعلّقه بسائر الموارد من المعادن والكنوز وأرباح المكاسب، وأنّ أصحاب الخمس يملكون فعلاً شيئاً من ذاك المال، إمّا بنحو الإشاعة أو الكلي في المعيّن، أو بنحو كون المال موضوعاً لحقّ فعليّ لهم، إلى غير ذلك من الوجوه التي تشترك جميعاً في أنّ أصحابه يملكون فعلاً شيئاً من ذلك المال.

وأمّا على المختار من أنّ الخمس وسيلة لتشخيص الحرام من الحلال، إذا كان المالك بصدد التطهر منه، وأمّا إذا لم يكن بهذا الصدد، فلا صلة لولي الخمس بهذا المال، ويكون الحرام المختلط بالحلال باقياً على ملك مالكه الحقيقي، ويكون أمره بيد الحاكم الشرعي حسب ولايته على المال المجهول.

ولنطرح المسألة على كلا المبنيين.

أمّا على المبنى الأوّل يكون تصرّف البائع في مقدار الخمس فضوليّاً فإن اختار وليّ الخمس الردَّ، يرجع في استرجاع الخمس إلى كلّ من البائع والمشتري لجريان يدهما عليه، وإن اختار الإمضاء يرجع إلى من شاء منهما أيضاً، لأنّه باع بقيمته الواقعية أو أزيد فيأخذ الخمس من الثمن، نعم لو باع بأقلّ من قيمته الواقعية فليس له الإمضاء إلاّ إذا اقتضت المصلحة ذلك.

وبذلك يعلم أنّ قوله : «ضمنه» إنّما يناسب إذا كان التصرّف في المال المختلط متلفاً للعين، وأمّا إذا كان ناقلاً لها بالبيع، فالخمس باق على ملك


صفحه271

أصحابه، والبيع بالنسبة إليه فضوليّ، ولا تخلو الحال عن صورتين: إمّا أن يمضي فينتقل الخمس إلى الثمن المختلط، وإمّا أن يرد فيكون الثمن مشتركاً بين البائع والمشتري، فللأوّل أربعة أخماس منه، لأنّه لا يملك أزيد منها، وللمشتري خمس واحد لأنّه استرجع منه خمس المبيع بالرد، وبهذه النسبة يكون المبيع مشتركاً بين المشتري وأصحاب الخمس، فللأوّل، أربعة أخماس، وللثاني، خمس واحد.

ثمّ إنّه ربّما يستظهر من أدلّة التحليل كونه عامّاً لكلّ من لم يُخمِّس سواء كان معتقداً به أم لا، وأنّ الغاية من التحليل، هي صحّة المعاملات الواردة على المناكح والمساكن والمتاجر، لا سقوط الخمس وتحليله واقعاً، فلو صححنا ذلك الاستظهار تصحّ المعاملة مطلقاً، غير أنّه إذا لم يكن للعين بدل ينتقل الخمس إلى ذمة البائع كما إذا وهبه ،وإلى الثمن كما إذا باعه، هذا كلّه على المبنى الأوّل.

وأمّا على المبنى الثاني، الذي هو المختار، فأمره موكول إلى الحاكم الشرعي فإن أمضاه ينتقل حقّ المالك المجهول إلى الثمن، ويخرج الموضوع عن تحت الباب (تطهير المال المختلط بالحرام بالخمس) لأنّها واردة في نفس العين المختلطة لا في ثمنها، وينحصر التخلّص بالتصدّي من باب «ردّ المظالم» بأحد وجوه:

1. التصدّق بما تحصل معه البراءة اليقينية.

2. التصدّق بما يرتفع معه اليقين بالاشتغال وإن لم تحصل البراءة اليقينية.


صفحه272

3. تنصيف المردّد بين كونه لنفسه أو للغير.

4. التفصيل بين ما سبق العلم بالمقدار ثمّ طرأ النسيان وغيره، فيكلّف في الأوّل بتحصيل اليقين بالبراءة، دون الثاني فيكتفي فيه بما فيه دفع الاشتغال اليقيني، وإلاّ يكون البيع فضولياً في غير ما يملك.


صفحه273

الرسالة الثانية والستون

الحجّ من أركان الدين


صفحه274


صفحه275

عُدّ الحجّ من أركان الدين، وهو رهن توضيح، فإن كان المراد ما يدخل به الإنسان في حظيرة الإسلام فالحجّ ليس منه، إذ يكفي في انخراط الإنسان في عداد المسلمين: الشهادتان والإقرار بالمعاد، وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقبل إسلام من يشهد توحيده سبحانه ورسالته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما أنّ العقيدة باللّه سبحانه لا تعدّ ديناً، ما لم يشهد بالحساب والكتاب والحشر والنشر، أُضيف إلى الشهادتين، الشهادة بالمعاد، ولذلك نرى أنّه سبحانه يعطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان باللّه سبحانه ويقول: (مَنْ آمَنَ بِاللّهِ والْيَومِ الآخِر).(1)

وإن أُريد أنّه من أهمّ الواجبات الإلهية وممّا بني عليه الإسلام فهو حقّ حسب ما رواه الفريقان. قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والحجّ والصوم والولاية».(2)

وفي صحيح البخاري: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وانّ محمّداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والحجّ وصوم رمضان».(3)


1 . البقرة: 62 .

2 . الوسائل: ج1، الباب1 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 1.

3 . صحيح البخاري: 1، كتاب الإيمان برقم8.


صفحه276

 

الحجّ واجب عيني على المستطيع

ويدلّ على وجوب الحجّ مضافاً إلى كونه من ضروريات الفقه، بل الدين قوله سبحانه: (وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً)(1) حيث جعل الحجّ في ذمّة الناس وهو آية الوجوب العيني كقوله: عليه الصلاة، عليه الصوم.

وفي الآية دلالة على تقدّم الاستطاعة والقدرة على الفعل، خلافاً للأشاعرة فإنّهم يرونها مقارنة إلى الفعل.(2)

حكم المنكر و المستخفّ والتارك

ظاهر عبارة السيّد المصنّف أنّ إنكار الحجّ بما هوهو موجب للكفر، واستدلّ عليه بوجوه:

1. إنّ وجوب الحجّ من ضروريات الدين كوجوب الصلاة والزكاة، وإنكار الضروري موجب للكفر.

يلاحظ عليه: أنّ إنكار الضروري بما هوهو غير موجب للكفر ما لم يكن ملازماً لإنكار أحد الأُصول الثلاثة بشهادة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقبل إسلام
من يشهد الشهادتين من دون أن يعترف بالصلاة والزكاة، نعم إذا كان إنكار


1 . آل عمران:97.

2 . لاحظ بحوث في الملل والنحل:2/169.


صفحه277

الحكم الضروري ملازماً لإنكار النبوة فهو موجب لكفر المنكر لا بما أنّه منكر للحكم الضروري، بل بما أنّه يلازم إنكار النبوّة، كما هو الحال في من أنكر وجوب الحجّ وهو ممّن يعيش في بلاد الإسلام أعواماً بخلاف من أسلم وهو في بلاد الكفر وأنكر وجوبه فإنّ إنكاره الضروريّ لا يوجب الكفر لعدم الملازمة.

وظاهر المصنّف كون الإنكار سبباً مستقلاً للكفر لا ملازماً لإنكار أحد الأُصول، كنبوّة نبي الإسلام في المقام.

2. إنّه سبحانه وصف منكر الوجوب بالكفر وقال: (ومَنْ كَفَرَ فإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمين)، وفسّره الطبرسي بإنكار وجوبه.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاستدلال مبنيّ على أنّ سبب الكفر في الآية هو جحد الوجوب، ولكن يحتمل أن يكون سبب الكفر، كفره بتوحيده ورسوله المؤدّي إلى جحد وجوبه، والآية لو لم تكن ظاهرة في هذا النوع من الكفر ليست بظاهرة في ما احتمله.

وثانياً: أنّ الكفر في الآية فسّر بترك الحجّ، في رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) بعد قراءة الآية قال: هو لمن كان عنده مال، إلى أن قال: وعن قول اللّه عزّ وجلّ(ومن كفر)يعني من ترك.(2)


1 . مجمع البيان:1/479. قال: ومن جحد فرض الحج ولم يره واجباً، رواه عن ابن عباس والحسن.

2 . الوسائل: ج 8 ، الباب 6 من أبواب وجوب الحج، الحديث 11 .


صفحه278

وبما أنّ ترك الحجّ عصياناً لا يوجب الكفر اتفاقاً، فلابدّ من تفسير الكفر في الآية بكفر النعمة في مقابل كفر الملّة، قال سبحانه: (إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيل إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً).(1)

فشكر النعمة عبارة عن صرفها في محلّها، وكفرها عبارة عن خلافه، فعلى ذلك فالمراد من كفر بالنعمة مع الاستطاعة المالية والبدنية، ولم يحجّ فلا يضرّ اللّه شيئاً فإنّ اللّه غني عن العالمين.

3. وربما يستدلّ على كفر الجاحد بما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى(عليه السلام)، قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام، وذلك قوله تعالى: (وَللّه عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمين)، قال: قلت: فمن لم يحجّ منّا فقد كفر؟ قال: «لا، ولكن من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر».(2) فإنّ قوله: «ليس هذا هكذا» أي: ليس الحجّ واجباً.

يلاحظ عليه: أنّ الحديث غريب حيث أوجب الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام، وهو ما لم يذهب إليه أحد إلاّ الصدوق كما سيأتي، مضافاً إلى احتمال أنّ قوله: «ليس هذا هكذا» هو إنكار كون القرآن وحياً سماويّاً وانّ النبي رسول مبعوث من اللّه سبحانه.

هذا كلّه حول الجاحد.


1 . الإنسان:3.

2 . الوسائل: ج 8 ، الباب 2 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.


صفحه279

ثمّ إنّ صاحب العروة عطف المستخِفّ على الجاحد، وهو على قسمين تارة يستخفّ بأصل الحكم الشرعي، ويراه حكماً في غير موضعه ، وأُخرى يستخف بالعمل به من دون استخفاف بأصل الحكم، كأكثر من يترك الفرائض لأجل الاشتغال بالأُمور الدنيوية. أمّا الأوّل، فلا يبعد إلحاقه بالجاحد، فإنّه أخوه الصغير. وأمّا الثاني فهو حرام من غير فرق بين حكم دون حكم كما ورد في حديث جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) في مَن سأله عن الفأرة، وقعت في خابية فيها سمن أو زيت؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) بقوله:«لا تأكله»، فقال السائل: الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها، فقال له أبو جعفر(عليه السلام): «إنّك لم تستخف بالفأرة وإنّما استخففت بدينك».(1)

نعم يفترق الاستخفاف بالحجّ عن الاستخفاف بسائر الأحكام بأنّه من الكبائر، كما ورد فيما كتبه الإمام الرضا(عليه السلام)في رسالته إلى المأمون، فقال: الإيمان هو أداء الأمانة... واجتناب الكبائر وهي قتل النفس التي حرّم اللّه... والاستخفاف بالحجّ».(2)

وأمّا تركه مجرّداً عن الإنكار والاستخفاف فقد عدّه صاحب العروة من الكبائر. ويدلّ عليه صحيح ذريح المحاربي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال : «من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياً».(3)


1 . الوسائل: ج 1، الباب5 من أبواب الماء المضاف، الحديث2.

2 . الوسائل: ج 12، الباب46 من أبواب جهاد النفس، الحديث33.

3 . الوسائل: ج 8 ، الباب7 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث1.


صفحه280

ويؤيّده ما ورد في روايات التسويف المنتهي إلى الترك.(1) وليعلم أنّ البحث في المقام مركّز على الترك، وأمّا ما يأتي في البحوث التالية فهو مركّز على صرف التأخير مع قطع النظر عن الترك.

الحج لا يجب في أصل الشرع إلاّ مرّة واحدة

اتّفق المسلمون على وجوبه في تمام العمر مرّة واحدة.

قال العلاّمة في «التذكرة» (2): الحجّ يجب بأصل الشرع مرّة واحدة، وكذا العمرة، ولا يجب أزيد منها، وهو قول عامّة أهل العلم.(3)

وحكي عن بعض الناس أنّه قال: يجب فـي كلّ سنة مرّة. (4)

وقال في «المنتهى»: إنّما يجب بأصل الشرع في العمر مرّة واحدة بإجماع المسلمين على ذلك ـ إلى أن قال: ـ ولا نعلم فيه خلافاً يعتدّ به، وقد حكي عن بعض النّاس أنّه يقول يجب في كلّ سنة مرّة، وهذه حكاية لا تثبت، وهي مخالفة للإجماع والسنّة.(5)

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: «أيّها النّاس قد فرض اللّه عليكم الحجّ فحجّوا» فقال رجل: أكلّ عام يا


1 . الوسائل: ج 8 ، الباب 6 .

2 . تذكرة الفقهاء:7/15، المسألة6.

3 . المغني والشرح الكبير:3/165; المجموع:7/9; فتح العزيز:7/3; حلية العلماء:3/231.

4 . حلية العلماء:3/232; المجموع:7/9.

5 . منتهى المطلب:2/643.


صفحه281

رسول اللّه؟ فسكت حتّى قالها ثلاثاً، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم» ثمّ قال: «ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».(1)

ويدلّ على وجوبه مرّة واحدة ـ مضافاً إلى كونه من ضروريات الفقه ـ صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«... وكلّفهم حجة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك». (2)

نعم قال الصدوق في «العلل»: فإنّ الذي أعتمده وأفتي به، انّ الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام فريضة. واستدلّ بأحاديث رواها في الوسائل في الباب 2 من أبواب وجوب الحجّ، وهي تناهز سبعة أحاديث أُوّلت بالوجوه التالية:

1. الاستحباب المؤكّد.

2. الوجوب على البدل بمعنى أنّه إذا تركه ففي العام الثاني.

3. الوجوب الكفائي إذا عطّلت الكعبة عن الحجّ.

وكلّها على خلاف الظاهر كما لا يخفى، وحمله المحقّق الخوئي على ما في تقريراته من أنّها ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهلية من عدم الإتيان بالحجّ في بعض السنين لتداخل بعض السنين في بعض بالحساب


1 . التاج الجامع للأُصول:2/100، كتاب الحجّ.

2 . الوسائل: ج 8 ، الباب3 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1، ولاحظ الحديث2و3.


صفحه282

الشمسي، فإنّ العرب كانت لا تحجّ في بعض الأعوام، وكانوا يعدّون الأشهر بالحساب الشمسي، ومنه قوله تعالى: (إِنّما النَّسيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ)(1)وربما لا تقع مناسك الحجّ في شهر ذي الحجّة فأنزل اللّه الآية ردّاً عليهم. فالمقصود أنّ كلّ سنة قمرية لها حجّ ولا يجوز خلوّها عن الحجّ، لا أنّه يجب الحجّ على كلّ أحد في كلّ سنة.(2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ محاسبة الشهور، بالحساب الشمسي رهن محاسبات دقيقة، وأين هو من العرب في العصر الجاهلي البعداء عن هذا النوع من المحاسبات خصوصاً سكان «مكة» و ما حولها؟!

وثانياً: بأنّ المراد من النسيء هو تقديم وتأخير أشهر الحجّ حسب مصالحهم لا عدم الإتيان بالحجّ في بعض السنين، فكانوا يحجّون في كلّ سنة لكن ربما يقدّمون الأشهر الحرم وأُخرى يؤخّرونها على نحو يحجون في غير ذي الحجة.

قال الطبرسي: المراد تأخير الأشهر الحرم عمّا رتّبها اللّه سبحانه عليه، وكانت العرب تحرّم الشهور الأربعة، وذلك بما تمسكت به من ملّة إبراهيم وإسماعيل، وهم كانوا أصحاب غارات وحروب، فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه، ويستحلّون المحرّم، فيمكثون بذلك زماناً، ثمّ يؤول التحريم إلى المحرّم ولا يفعلون ذلك إلاّ في ذي الحجّة.(3)


1 . التوبة:37.

2 . معتمد العروة، كتاب الحجّ:1/ 16.

3 . مجمع البيان:5/57، تفسير آية : (إِنّما النَّسيء...) (التوبة:37).


صفحه283

وذلك يدلّ على أنّهم يحجّون في كلّ سنة، ولكن بتقديم الشهر الحرام أو بتأخيره لا بترك الحجّ في عام أساساً.

ثمّ إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع شارك في مراسم الحجّ شخصياً وقام بتعليم الناس مناسك الحجّ، فجعل الشهر الحرام في مكانه الأصلي ولم يتغير بعده إلى عصر الصادق حتّى يركّز الإمام على خلافه، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبته:

«أيّها الناس إنّ النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلّونه عاماً ليواطئوا عدّة ما حرّم اللّه، فيحلّوا ما حرّم اللّه، ويحرّموا ما أحلّ اللّه، وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض، وإنّ عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متوالية(ذوالقعدة، و ذو الحجّة، وشهر المحرم، ورجب».(1)

والأولى إرجاع علم الروايات إليهم(عليهم السلام).

وجوب الحجّ ـ عند تحقّق شرائطه ـ واجب فوريّ وأنّ تأخيره من الكبائر

ويدلّ عليه أمران:

الأوّل: الإجماع من الفريقين إلاّ الأوزاعي والثوري والشافعي ومحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة. قال الشيخ : الحجّ وجوبه على الفور دون التراخي، وبه قال: مالك وأبو يوسف والمزني، وليس لأبي حنيفة فيه نصّ،


1 . إمتاع الأسماع:1/523; الطبقات الكبرى:2/186.


صفحه284

وقال أصحابه: يجيء على قوله: إنّه على الفور كقول أبي يوسف. و قال الشافعي: وجوبه على التراخي، ومعناه أنّه بالخيار إن شاء قدّم وإن شاء أخّر، والتقديم أفضل، وبه قال الأوزاعي والثوري و محمد.(1)

وأمّا الأمر الثاني: فهو الروايات:

1. ما رواه الترمذي في سننه، عن عاصم بن ضمر، عن علي(عليه السلام) انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى الحجّ ولم يحجّ، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً.(2)

2. ما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس:«من أراد الحجّ فليعجّل».(3)

وفي دلالة الروايتين على كونه واجباً فورياً نظر.

أمّا الأُولى، فإنّ موردها إذا أخّر وانتهى إلى موته مع أنّ موضوع البحث هو الأعمّ منه وممّا ترك عاماً وحجّ في العام المقبل فقد أثم أيضاً .

وأمّا الثانية، فإنّه قيد التعجيل بمن أراد، لا بمن وجب عليه. والكلام في الثاني دون الأوّل.

وقال المفيد: وفرضه عند آل محمد ـ صلوات اللّه عليهم ـ على الفور دون التراخي بظاهر القرآن وما جاء عنهم(عليهم السلام)] من الروايات [ ثمّ استدلّ


1 . الخلاف:2/257، المسألة22 من كتاب الحجّ.

2 . سنن الترمذي:3/154، حديث809.

3 . سنن أبي داود:2/141، حديث1732.


صفحه285

برواية زيد الشحام، وذريح المحاربي.(1)

وقال ابن إدريس: ووجوبهما ـ الحجّ والعمرة ـ على الفور والتراخي بغير خلاف بين أصحابنا.(2)

وقال العلاّمة: ووجوب الحجّ والعمرة على الفور، لا يحلّ للمكلّف بهما تأخيره عند علمائنا أجمع. ثمّ نقل عبارة الشيخ المتقدّمة.(3)

وقال الشهيد الثاني معلّقاً على عبارة المحقّق «وتجب على الفور، والتأخير مع الشرائط كبيرة موبقة»: لا خلاف في ذلك عندنا. (4)

هذا ما لدى الخاصة، وأمّا العامّة فقال ابن رشد القرطبي: وهل هو على الفور أو التراخي، والقولان متأوّلان على مالك وأصحابه، والظاهر عند المتأخّرين من أصحابه أنّها على التراخي، وبالقول: إنّها على الفور، قال البغداديون من أصحابه وقال الشافعي: هو على التوسعة، وعمدة من قال: هو على التوسعة: انّ الحجّ فرض قبل حجّ النبي بسنين، فلو كان على الفور لما أخّره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو أخّره لعذر لبيّنه.(5)

ويمكن أن يستدلّ على الفورية بالوجوه التالية:

الأوّل: أنّ الفور هو مقتضى إطلاق الأمر، والتأخير بحاجة إلى دليل خاص، وعليه سيرة العقلاء.


1 . المقنعة: 385.

2 . السرائر:1/515.

3 . تذكرة الفقهاء: 7/17، المسألة 8 .

4 . مسالك الأفهام: 2/122.

5 . بداية المجتهد: 3/259.


صفحه286

وبعبارة أُخرى: أنّ الأمر وإن كان ينقسم إلى قسمين: فوري وغير فوري، وكلّ من القسمين يتميّز عن المقسم بقيد خاص، حسب حكم العقل، لكن الذي يحتاج إلى البيان في نظر العرف هو التأخير دون الفور.

الثاني: ما دلّ من الروايات على أنّ المستطيع لا يحجّ عن غيره نيابة، ففي رواية سعد بن أبي خلف، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام)عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال: «نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحجّ به عن نفسه».(1)

الثالث: ما يدلّ على أنّ التأخير بما هوهو حرام، كصحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثمّ دفع ذلك وليس له شغل يعذره به، فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام، وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره، فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مـال له».(2) فقوله: «ثمّ دفع ذلك» بمعنى أخّره فيكون صريحاً في أنّ نفس التأخير ـ سواء أدّى إلى الترك أو لا ـ حرام.

الرابع: الروايات المعروفة بروايات التسويف وهو مصدر مشتق من قوله: «سوّف الحج» وهي كثيرة جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب السادس من أبواب وجوب الحجّ، نذكر منها شيئاً:

1. ففي صحيحة أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له:


1 . الوسائل: ج 8 ، الباب 5 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 1. ولاحظ سائر روايات الباب.

2 . الوسائل: ج 8 ، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3. وروى ذيله في الباب24 من تلك الأبواب، الحديث2.


صفحه287

أرأيت الرجل التاجر ذا المال حين يسوّف الحج كلّ عام وليس يشغله عنه إلاّ التجارة أو الدَين؟ فقال: «لا عذر له يسوف الحج، إن مات وقد ترك الحجّ فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام».(1)

2. وفي رواية زيد الشحّام، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): التاجر يسوّف الحج؟ قال: «ليس له عذر، فإن مات فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام».(2)

ولكن القدر المتيقّن من هذه الروايات هو التسويف المنتهي إلى الترك حتّى وافاه الموت، وأمّا التسويف غير المنتهي إلى ذلك فلا يستفاد منها.

ومنه يعلم قصور دلالة رواية ذريح المحاربي التي رواها عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: «من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحجّ، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياً».(3)

فهذه الرواية نظير روايات التسويف تدلّ على حرمة التأخير المنتهي إلى الترك، وأمّا التأخير بما هوهو مع قطع النظر عن انتهائه إلى الترك فالرواية غير متعرضة له. نعم يكفي فيه الوجهان الأوّلان.

وجوب تحصيل المقدّمات بعد حصول الاستطاعة

يجب تحصيل المقدّمات بعد تحقّق الاستطاعة بمقتضى العقل حيث


1 . الوسائل: ج 8 ، الباب6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث4.

2 . الوسائل:ج 8 ، الباب6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ، الحديث 6.

3 . الوسائل: ج 8 ، الباب7 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث1.


صفحه288

يحكم بلزوم تحصيل المقدّمة بعد تحقّق وجوب ذيها، وصاحب العروة قيّد تحصيل المقدّمة بإدراك الحجّ في تلك السنة وما ذكره يتناسب مع الأزمنة السابقة.

وأمّا بالنسبة إلى زماننا فيجب تحصيل المقدّمة ولو بإدراك الحجّ بعد سنين، وذلك لأنّ شؤون الحجّ في زماننا موكولة إلى الحكومات، وهي تجيز في كلّ سنة حصة معينة محدودة فعلى المستطيع تسجيل اسمه في قائمة الراغبين بالحجّ، ليتمكن من الحجّ بعد صدور الإجازة في نفس سنة التسجيل أو في السنين المقبلة، وإلاّ حُرم من الحجّ سنين متمادية أو إلى آخر العمر.

في تعدّد الرُّفقة

لو تعدّدت الرُّفْقة، فهل يجب اختيار الأوثق سلامة وإدراكاً، أو يكفي الوثوق؟ فالأفضل اختيار الأوّل، لكن يكفي الوثوق والاطمئنان العقلائي، ولم يدلّ دليل على لزوم اختيار الأوثق فهو مع الوثوق مخيّر بينهما.

أمّا لو تهيَّأت رفقة واحدة ولم يعلم حصول رفقة أُخرى، أو لو علم حصول رفقة أُخرى ولم يعلم التمكّن من المسير والإدراك للحجّ مع الثانية ففي هاتين الصورتين وجوه ثلاثة:

1. يجب البدار والخروج مع الأُولى مطلقاً.

2. يجب البدار إلاّ إذا حصل الوثوق بالإدراك مع الثانية.


صفحه289

3. يجوز التأخير بمجرّد احتمال الإدراك ولو لم يثق به.

أمّا الأوّل: فهو مقتضى إطلاق كلام الشهيد الثاني في الروضة، قال: لو تعددت الرفقة في العام الواحد وجب السير مع أُولاها.(1)

وأمّا الثاني: فهو خيرة الشهيد في الدروس، قال: ويجب البدار مع أوّل رفقة، إلاّ أن يثق بالمسير مع غيرها.(2)

وأمّا الثالث: فقد حكي عن صاحب المدارك ـ بعد نقل القولين عن الشهيدين ـ أنّه قال: بل يحتمل قوياً جواز التأخير بمجرّد احتمال سفر الثانية، لانتفاء الدليل على فورية المسير بهذا المعنى.(3)

وما اختاره الشهيد هو الأوفق بالقواعد، لأنّ الوثوق طريق عقلائي، بل قطع عرفي، فإذا وثق بالإدراك فإيجاب الخروج مع الرفقة الأُولى يحتاج إلى دليل، وكما أنّ المحكي عن سيد المدارك ضعيف، لأنّ التأخير إلى القافلة الثانية، مع عدم الوثوق تفويت للواجب عند العقلاء.

إذا لم يخرج مع الرفقة الأُولى فهل يستقر عليه الحج ؟

إذا لم يخرج مع الأُولى واتّفق عدم التمكّن من المسير أو عدم إدراك الحجّ، فهل يستقرّ عليه الحجّ؟

اختار المصنّف استقرار الحجّ عليه ـ وإن لم يكن آثماً ـ إلاّ إذا تبيّن عدم إدراكه لو سار معهم أيضاً.


1 . الروضة البهية:2/161.   

2 . الدروس الشرعية:1/269.   

3 . مدارك الأحكام:7/18.


صفحه290

ولعلّ وجهه، أنّ الموضوع لاستقرار الحجّ، هو تمكّنه من المسير، وإن لم يخرج فيجب عليه الحجّ في العام القابل، بقيت استطاعته أو لا، فيحجّ متسكعاً. واختاره صاحب الجواهر قال: الظاهر استقرار الحجّ بالتمكّن من الرفقة الأُولى، كمن وجبت عليه الصلاة ومضى وقت يمكن أن يفعلها ولم يفعلها ومات مثلاً، فإنّه لا إشكال في تحقّق وجوب القضاء عليه بذلك.

على أنّه مندرج في جميع النصوص الدالّة على أنّ من استطاع الحجّ ولم يحجّ ومات، إن شاء أن يموت يهودياً أو نصرانياً ونحوها.(1)

أقول: الكلام فيما إذا زالت الاستطاعة في العام المقبل، وإلاّ فلو بقيت فلا شكّ أنّه يجب عليه الحجّ في العام المقبل، وعلى ضوء ذلك فالقول بوجوب الحجّ مع زواله أمر مشكل أوّلاً، وما استدلّ به صاحب الجواهر غير تامّ ثانياً.

أمّا الأوّل: فلما قلنا في باب الإجزاء من أنّ قيام المكلّف بالوظيفة حسب الأُصول والضوابط الشرعية موجب للإجزاء، والمفروض أنّه تأخّر عن القافلة الأُولى واثقاً بأنّه يتمكن من السير مع القافلة الثانية ويدرك الحجّ، والوثوق حجّة شرعية .

ومعنى جعل الوثوق حجّة شرعية، هو اقتصار الشارع في كيفية امتثال أوامره ونواهيه بما تؤدّي إليه الحجّة، وهي هنا الوثوق، فإيجاب القضاء ثانياً مع زوال الاستطاعة يعدّ نقضاً للحجّية عند العقلاء كما أوضحناه في مبحث الإجزاء.


1 . جواهر الكلام:17/226.


صفحه291

والحاصل: أنّ تأخيره لمّا كان بتجويز المولى، فإيجاب القضاء عليه يعدّ مناقضاً لتجويزه.

فإن قلت: إنّ لازم ذلك عدم إيجاب الحجّ عليه في السنة المقبلة إذا بقيت الاستطاعة.

قلت: إنّ الاستطاعة في العام المقبل، موضوع جديد له حكمه، فهو داخل في قوله سبحانه:(وللّهِ علَى النّاس حِجُّ البَيْتِ)وليس إيجابه عليه فيه، تابعاً للإيجاب السابق، وهذا كما إذا كان على الإنسان حجّان: أصالة ونيابةً، أو نذراً، فإذا امتثل الأوّل، يبقى الثاني في ذمّته.

فإن قلت: فقد تقرّر في مبحث الإجزاء، انّه إنّما يتصوّر إذا أتى المكلّف بالواجب وإن كان بصورة غير كاملة، وأمّا إذا لم يأت به أصلاً، فلا وجه للإجزاء، كما إذا كان الواجب، هو صلاة الجمعة فصلّى الظهر، وعلى ضوء ذلك لا وجه للإجزاء، لأنّه لم يأت بشيء من أعمال الحجّ، أو أتى ولكن لم يدرك الأركان.

قلت: المراد من الإجزاء هنا هو الكشف عن عدم تعلّق الوجوب بذمّته، أو أنّه لم يكن مخاطباً في الواقع وإن زعم وجوبه عليه.

وأمّا الثاني فيرد عليه : أنّه لو كان الموضوع لاستقرار الحجّ، هو التمكن من الحجّ، إذا سار بالقافلة الأُولى، لزم القول باستقراره عليه إذا سار مع القافلة الأُولى ولم يدرك لكنّه لو كان سائراً بالثانية، لأدرك ، لوجود الموضوع للاستقرار وهو التمكّن من الحجّ، بالسير مع الثانية وهو كما ترى، والجامع


صفحه292

بينه و بين المقام، هو وجود التمكن في الواقع، ففي المقام يتمكّن من المسير بالأُولى، و في مورد النقض بالمسير بالثانية.

وقياسه بمن وجبت عليه الصلاة ومضى وقتها ولم يفعلها ومات، قياس مع الفارق، لأنّه فوت الواجب، بعض الوقت اختياراً، فيجب على الولي القضاء بخلاف المقام، فإنّه لم يتمكن من إدراك الواجب لاعن اختيار، بل لجهله، بمصير القافلة الثانية وانّه كُتِبَ عليها ، عدمُ النجاح.

وأمّا الاستدلال عليه بالنصوص الدالة على أنّ مَن استطاع الحجّ ومات إن شاء أن يموت يهودياً أو نصرانياً، بتصور أنّها بإطلاقها تدلّ على استقرار الحجّ حتّى لو زالت الاستطاعة، فغير تام، لأنّ موردها التفويت العمدي بالإهمال والتسويف، فأين هي ممّن عمل بالوظيفة واتبع الحجة ولم يكن التوفيق حليفه من دون اختيار.


صفحه293

الرسالة الثالثة والستون

في شروط البيع بالصيغة


صفحه294


صفحه295

إنّ المعاملات أُمور عرفية وليست توقيفية حتّى يُتبع فيها نصُّ الشارع وإذنُه وترخيصُه، وإنّ دور الشارع في غير العبادات هو الإرشاد والتنبيه إلى ما يضرّ وما لا يصلح، كحرمة الربا، والبيع الغرري وما شابه ذلك من المحرمات و المكروهات. فيتبع فيما ورد فيه النهي تحريماً أو تنزيهاً.

وعلى ذلك فالأسباب الفعلية والقولية على وزان واحد في إنشاء البيع وسائر العقود، بل قد عرفت أنّ السبب الفعلي هو الأصل والسبب القولي هو العارض، وعلى ذلك فالأصل في المعاملات هو وجود السبب الإنشائي عند العرف من غير فرق في السبب بين اللفظ وبين الفعل والكتابة والإشارة إذا كانت صريحة أو ظاهرة في إنشاء البيع.

نعم ذهب غير واحد من علمائنا إلى اعتبار اللفظ في البيع، بل في جميع العقود وقد نقلوا عليه الإجماع وتحقّقت فيه الشهرة العظيمة. وقد مرّت الروايات الّتي استدلّ بها على لزوم الصيغة في البيع وغيره في الفصل السابق، وعرفت عدم دلالتها على المقصود.

ولكن الإجماع غير محقّق وعلى فرض تحقّقه فهو ليس كاشفاً عن نص وصل إليهم ولم يصل إلينا.

ثمّ إنّ القائلين بلزوم العقد خصّوه بصورة القدرة، وأمّا مع العجز عنه كالأخرس أو من عرض له العجز لأجل المرض ففيه كلام.


صفحه296

 

1

حكم العاجز عن التكلّم

الظاهر من الروايات أنّ إشارة الأخرس في الطلاق تقع مكان اللفظ. فإذا كانت الإشارة كافية في الطلاق ففي غيره بطريق أولى.

ويدلّ على ذلك روايات كثيرة في باب الطلاق منها:

1. ما رواه أبان بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن طلاق الأخرس؟ قال: «يلفّ قناعَها على رأسها ويجذبه».(1)

2. روى السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها، ويضعها على رأسها ويعتزلها.(2)

3. روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها، ويضعها على رأسها ثم يعتزلها».(3)

والروايات صريحة في جواز الطلاق بالإشارة لغير المتمكّن.

فإن قلت: إنّ القدر المتيقّن من الروايات هو قيام الإشارة مكان الطلاق


1 . الوسائل: ج 15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث2.

2 . المصدر السابق، الحديث3.

3 . المصدر السابق، الحديث5.


صفحه297

اللفظي إذا لم يتمكّن من التوكيل، وأمّا معه فلا.

قلت: حمل الروايات على صورة عدم إمكان التوكيل حمل لها على الفرد النادر، وهو كما ترى، فالظاهر كفاية الإشارة للعاجز مطلقاً، تمكّن من التوكيل أو لا.

ثمّ إنّ الظاهر كفاية الكتابة أيضاً للأخرس، إنّما الكلام في تقدّم الإشارة عليها أو كونهما متساويين.

قال الشيخ: وأمّا مع القدرة على الإشارة فقد رجّح بعض الإشارة، ولعلّه لأنّها أصرح في الإنشاء من الكتابة.(1)

إلاّ أنّ بعض الروايات ورد فيها الاكتفاء بالكتابة مع إمكان الإشارة، وأشار إليها الشيخ أيضاً في كلامه، وذلك:

1. ما رواه الصدوق عن أبي نصر البزنطي أنّه سأل أبا الحسن الرضا(عليه السلام)عن الرجل تكون عنده المرأة، يصمت ولا يتكلّم، قال(عليه السلام): «أخرس هو؟» قلت: نعم، ويعلم منه بغض لامرأته وكراهة لها، أيجوز أن يطلّق عنه وليّه؟ قال:«لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك»، قلت: أصلحك اللّه، فإنّه لا يكتب، ولا يسمع، كيف يطلّقها؟ قال: «بالذي يعـرف به مـن أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها».(2)

والرواية صحيحة وليست بحسنة وإن وصفها بذلك المحقّق الخوئي،


1 . المتاجر:93.

2 . الوسائل: ج 15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث1.


صفحه298

وقال: حسنة بإبراهيم بن هاشم (في السند) وذلك لأنّ إبراهيم بن هاشم فوق الثقة، وإن لم ترد في حقّه كلمة الثقة، ولكن وردت فيه كلمات تشير إلى أنّه أحد الثقات العظام لا الثقة المطلقة. على أنّ إبراهيم بن هاشم وقع في سند الكليني لا في سند الفقيه ولا في سند الشيخ.(1) وسند الفقيه أيضاً صحيح.

2. ما رواه يونس في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته، قال (عليه السلام): «إذا فعل في قبل الطهر بشهود، وفهم عنه كما يفهم عن مثله، ويريد الطلاق، جاز طلاقه على السنّة».(2)

وقد حكم السيد الخوئي بضعف السند، لأنّ إسماعيل بن مرّار مجهول(3) ، والأولى أن يقول: إنّه مهمل لا مجهول، فإنّ المجهول هو غير المعروف وقد حكم بجهالته، وإسماعيل بن مرّار معروف روى عنه إبراهيم بن هاشم، وروى هو أكثر من مائتي رواية عن يونس، بل يمكن أن يحكم بوثاقته لأنّ ابن الوليد لم يستثنه، قال ابن الوليد: كتب يونس الّتي هي بالروايات كلّها صحيحة معتمد عليها إلاّ ما ينفرد به محمد بن عيسى بن عبيد، وهذا (عدم استثنائه) يشهد على وثاقته.(4)

هذا ومن المعروف في هذه الأيّام هو وجود لغة خاصة للعاجزين عن النطق، وهي لغة الإشارة ولها مدارس وكتب، وبواسطتها يتعلّم هؤلاء مختلف


1 . لاحظ الوسائل: ج 15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث4.

2 . الوسائل: ج 15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث4.

3 . مصباح الفقاهة:2/256.

4 . راجع: معجم رجال الحديث: 21 / 228 برقم 13863 .


صفحه299

الفنون ويعبرون عن حوائجهم بها، وهذا يدلّ على أنّ الإشارة تحتل مكاناً طبيعياً في إفهام العاجزين عن النطق.ولولا ما ورد من الرواية، لكان القول بتقدّم الإشارة على الكتابة وجه، لأنّها لسان طبيعي له فيكون متقدماً على غيره.

هذا كلّه في العاجز عن النطق، وأمّا الكلام في المتمكن منه، فقد عرفت قول المشهور وكلامنا حوله أيضاً، وانّ البيع بالصيغة هو أحد الأسباب لا السبب المنحصر، وعلى ذلك فالكلام في العقد بالصيغة ليس لأجل شرطية الصيغة، بل لأجل احتمال اعتبار الشارع في خصوص صيغة البيع، شرائط للصحة أو اللزوم، والهدف، التعرف على هذه الشروط.

المحاور الثلاثة في العقد بالصيغة

ويقع الكلام في مقامات ثلاثة أشار إليها الشيخ في صدر كلامه:

1. مواد الألفاظ من حيث إفادة المعنى بالصراحة والظهور والحقيقة والمجاز والكناية.

2. هيئة كلّ من الإيجاب والقبول من حيث كونه بالجملة الفعلية وبصورة الفعل الماضي.

3. هيئة تركيب الإيجاب والقبول من حيث الترتيب والموالاة.

وسوف ندرس هذه المحاور الثلاثة مع فروعها في هذا الفصل ضمن أُمور:


صفحه300

 

المحور الأوّل

وفيه مباحث

2

في مواد الألفاظ

لا شكّ في صحة إنشاء البيع بلفظ موضوع لإنشائه كما في قوله: بعت واشتريت، إنّما الكلام في وقوعه بالمجاز والكناية، فثمة أقوال وآراء:

1. الاقتصار على الألفاظ الّتي وضعها الشارع لهذا العقد.

2. الاقتصار على الألفاظ الّتي عبّر بها الشارع عن تلك المعاملة كإنشاء البيع، والنكاح، والإجارة بصيغة: بعت، أنكحت، وآجرت.

3. الاقتصار على اللفظ الموضوع لهذا العقد لغة، والّذي يكون استعماله فيه حقيقة، وعلى هذا لا يكفي المجاز قريبه وبعيده ولا الكناية.

4. كفاية المجاز في إنشاء العقد إذا كان مقروناً بالقرائن اللفظية دون ما يكون مقروناً بالقرائن الحالية ودون الكناية.(1)

5. الاكتفاء بكلّ لفظ يكون صريحاً أو ظاهراً في إنشاء العقد، سواء


1 . قال الشهيد في الدروس:3/320: ولا تكفي الكناية.


صفحه301

كان الاستعمال حقيقياً أو مجازياً أو كنائياً.

والوجه الأخير هو الأقوى كما سيتضح.

دراسة الأقوال الخمسة

أمّا القول الأوّل: فقد نقله الشيخ الأنصاري عن فخر المحقّقين(في الإيضاح) حيث قال: إنّ كلّ عقد لازم «وضع له الشارع صيغة مخصوصة» بالاستقراء فلابدّ من الاقتصار على المتيقّن.(1)

ولما كان هذا القول غير صحيح جدّاً وصفه الشيخ بقوله: وهو كلام لا محصل له عند من لاحظ فتاوى العلماء فضلاً عن الروايات المتكثرة.

وجهه: أنّ العقود أُمور عرفية عقلائية وقد وضعوا لها ألفاظاً من
عند أنفسهم، والشارع استخدم نفس الألفاظ الّتي كان العقلاء يستعملونها
في تلك المعاني، وليس للشارع هناك دور في وضع هذه الألفاظ حتّى يُتّبع وضعه.

أمّا القول الثاني ـ أعني: الاقتصار على الألفاظ الّتي عبّر بها الشارع عن تلك المعاملة ـ : فقد احتمل الشيخ أنّ هذا القول هو مراد فخر المحقّقين من كلامه السابق حيث قال: فلعل المراد من الخصوصية المأخوذة في الصيغة شرعاً هي اشتمالها على العنوان المعبّر عن تلك المعاملة به في كلام الشارع، فإذا كانت العلاقة الحادثة بين الرجل والمرأة معبّراً عنها في كلام الشارع


1 . المتاجر:94.


صفحه302

بالنكاح أو الزوجية أو المتعة فلابدّ من اشتمال عقدها على هذه العبارة، فلا يجوز بلفظ الهبة أو البيع أو الإجارة أو نحو ذلك، وهكذا الكلام في العقود المنشئة للمقاصد الأُخرى كالبيع والإجارة ونحوهما لأنّها بهذه العنوانات موارد للأحكام الشرعية الّتي لا تُحصى.(1)

يلاحظ عليه: أنّ تعبير الشارع عن هذه العقود بالألفاظ الدارجة لأجل أنّ العرف يستخدمها في هذه العقود، فإذاً لا موضوعية لاستخدام الشارع بعدما كان تابعاً لاستخدام العرف، فالميزان كون اللفظ عند العرف قالباً لهذا المعنى ومنشئاً به.

أمّا القول الثالث ـ أعني: الاقتصار على اللفظ الموضوع له لغة ـ : فهو بمعنى أن يكون استعمال اللفظ في العقد المزبور استعمالاً حقيقياً لا مجازياً ولا كنائياً، واحتمل الشيخ أنّ ذلك هو مراد العلاّمة في «التذكرة» حيث قال:الرابع من شروط الصيغة التصريح، فلا يقع بالكناية بيع البتة، مثل قوله: أدخلته في ملكك، أو جعلته لك، أو خذه مني بكذا، أو سلطتك عليه بكذا، عملاً بأصالة بقاء الملك، ولأنّ المخاطب لا يدري بِمَ خوطب.

يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّ ظاهر العبارة هو إخراج خصوص الكناية دون المجاز ـ : أنّه كيف لا يجوز العقد بالألفاظ المجازية مع أنّ ظاهر كلامهم في غير واحد من الموارد هو الاكتفاء بالألفاظ غير الموضوعة لذلك العقد؟! مثلاً حُكي عن الأكثر تجويز البيع حالاً بلفظ «أسلمتُ»، إلى غير ذلك من الأمثلة الّتي نقلها الشيخ عن الأصحاب.


1 . المتاجر:94ـ95.


صفحه303

أضف إلى ذلك: أنّ المعاملات ليست من مقولة العبادات بل هي من مقولة الأُمور العقلائية، والمطلوب عند العقلاء كون اللفظ صريحاً في المعنى المقصود أو ظاهراً فيه، وعندئذ لا فرق بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ولهذا حمل المحقّق الثاني كلام هذا القائل على المجازات البعيدة الّتي لا يكون اللفظ ظاهراً في المعنى المقصود.

أمّا القول الرابع: وهو كفاية الإنشاء باللفظ، سواء كان الاستعمال حقيقياً أو مجازياً بشرط أن تكون القرينة الدالة على المعنى المجازي لفظية، وهذا هو الّذي اختاره الشيخ فقال بعد نقل كلام المحقّق الثاني: والأحسن منه أن يراد باعتبار الحقائق في العقود، اعتبار الدلالة اللفظية الوضعية، سواء أكان اللفظ الدالّ على إنشاء العقد موضوعاً له بنفسه أو مستعملاً فيه مجازاً بقرينة لفظ موضوع آخر لترجع الإفادة بالآخرة(1) إلى اللفظ، إذ لا يعقل الفرق في الوضوح الّذي هو مناط الصراحة بين إفادة لفظ للمطلب بحكم الوضع أو إفادته له بضميمة لفظ آخر يدلّ بالوضع على إرادة المطلب من ذلك اللفظ.

وهذا بخلاف اللفظ الّذي تكون دلالته على المطلب لمقارنة حال أو سبق مقال خارج عن العقد، فإنّ الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين وإن كان من المجازات القريبة جدّاً، رجوع عمّا بني عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد، ولذا لم يجوزوا العقد بالمعاطاة ولو مع


1 . كذا في المصدر: والصحيح أخيراً، لأنّها غير عربية وإن استعملها التفتازاني في مورد من المطوّل.


صفحه304

سبق مقال أو اقتران حال تدلّ على إرادة البيع جزماً.(1)

فظاهر هذا القول عدم الاكتفاء بأمرين:

1. إنشاء العقد بالاستعمال المجازي إذا كانت القرينة حالية.

2. إنشاء العقد بالاستعمال الكنائي.

أمّا الأوّل فقد ذكر الشيخ في وجهه أنّ الاكتفاء بالقرائن الحالية رجوع عمّا بُني عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد.

يلاحظ عليه: أنّ إنشاء المقاصد في مورد المجاز إنّما هو باللفظ لا بالقرائن الحالية وإنّما القرينة لتفهيم المقصود، فإذا قال: ما هذا بشراً إن هذا إلاّ ملك كريم، أو جاء حاتم عندما جاء الإنسان المعروف بالبخل، فقد أنشأ المدح الذم بنفس قوله: إن هذا إلاّ ملك كريم أو جاء حاتم. وإنّما القرينة لتفهيم المراد، وتطبيق العنوان على المصداق.

وأمّا الإنشاء بالكناية فالظاهر جواز الإنشاء بها إذا كان اللفظ ظاهراً في إفادة المطلوب ظهوراً عرفياً، والتفريق بين الإنشاء بالمجاز والإنشاء بالكناية غير تام.

كلام المحقّق النائيني حول الإنشاء بالكناية

ذهب المحقّق النائيني إلى التفريق بين المجاز والكناية فقال بجواز الإنشاء بالأوّل دون الثاني. وحاصل كلامه:


1 . المتاجر:94.


صفحه305

إنّ المجاز استعمال اللفظ في غير الموضوع له، فإذا أطلق اللفظ وأُريد المعنى المجازي الّذي هو مفاد العقد فقد أنشأ وأوجد العنوان الاعتباري للعقد، وهذا بخلاف الكنايات فإنّها قسيم المجازات، فإنّ قوله: «طويل النجاد» استعمل في نفس معناه الحقيقي، وأُلقي معنى اللفظ إلى المخاطب لينتقل إلى ملزومه وهو طول القامة، والانتقال إليه من دواعي استعمال هذه الألفاظ في معانيها، لا أنّها استعملت في طول القامة، فالأقوى عدم صحّة إنشاء العنوان بها; فإنّ إنشاء اللازم وإيجاده في الإنشاء القولي ليس إيجاداً للملزوم عرفاً. وكون الملزوم مقصوداً وداعياً من إيجاد اللازم، لا أثر له، لما عرفت من أنّ الدواعي والأغراض لا أثر لها.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ التفكيك مبني على أنّ المجاز استعمال اللفظ في غير الموضوع له ابتداءً، بخلاف الكناية فإنّها عبارة عن استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي (اللازم)(2) لينتقل منه المخاطب إلى ملزومه، فقول القائل: «زيد طويل النجاد» أُريد به المعنى اللغوي لكنه صار وسيلة للانتقال إلى ملزومه وهو طول القامة، فلا يكون العقد منشئاً باللفظ وإنّما يكون تابعاً للمعنى المنشأ.

ولكن هذا التفريق غير صحيح فإنّ المجاز والكناية من باب واحد فاللفظ في كلّ منهما مستعمل في المعنى الحقيقي، غاية الأمر أنّ المتكلّم


1 . منية الطالب: 1 / 105 ـ 106.

2 . بناء على أنّ الكناية عبارة عن ذكر اللازم وإرادة الملزوم على ما هو مختار القائل تبعاً للسكاكي، وربما تفسر بذكر الملزوم وإرادة اللازم، فراجع.


صفحه306

يدّعي ـ في المجاز الاستعاري ـ مصداقية المورد للمعنى الحقيقي، فقوله سبحانه وتعالى حاكياً عن النسوة اللواتي رأين يوسف: (مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)(1) فلفظة «مَلك» مستعملة في الموجود النوراني لا في الفرد
الحاضر في المجلس، ولكن ادّعي أنّ المورد من مصاديقه، وقد أوضحنا
ذلك في دروسنا في علم الأُصول وقلنا: لولا هذا لما صحّ التعجب في قول الشاعر:

قامتْ تُظلّلني ومـن عجـب *** شمسٌ تُظلِّلني عن الشمس

وأمّا الكناية فقد استعمل في اللازم بالإرادة الاستعمالية لينتقل المخاطب عنه إلى الملزوم المراد بالإرادة الجدّية، فإذا كان المجاز والكناية من باب واحد وانّ اللفظين استعملا في المعنى الحقيقي، ولكن الإرادة الجدّية تعلّقت بمصداقية المعنى المجازي، أو تعلّقت بالمعنى الملزوم في قوله: «زيد طويل النجاد»، فلا يصح ما ذكره(قدس سره)من «التفريق بين المجاز فيصح به الإنشاء دون الكناية فلا يصحّ، لأنّ الملزوم لم ينشأ أصالة بل تبعاً»، لأنّ المنشأ أصالة واستقلالاً في الكناية هو المعنى الثاني أي الملزوم ، وإلاّ لأصبحت الكناية أحد أنواع الكذب كما في قوله: زيد كثير الرماد، إذ ربما لا يكون في بيته رماد.

القول الخامس: هو الاكتفاء بكلّ لفظ صريح أو ظاهر في إنشاء العقد، وذلك لأنّ المعاملات أُمور عرفية وليست توقيفية، والإنشاء باللفظ سبب إلى


1 . يوسف:31.


صفحه307

تحقّق المعاملة، هذا من جانب ومن جانب آخر يجب أن يكون السبب صريحاً أو ظاهراً في المقصود، لكي يسدّ باب النزاع في المستقبل في وجه المتعاملين، فالجمع بين الأمرين هو كفاية القول الصريح أو الظاهر في المقصود. وعلى ذلك فلا فرق بين كون اللفظ مستعملاً في المقصود على وجه الحقيقة أو على وجه المجاز أو على وجه الكناية الّتي ربّما تكون أبلغ في أداء المقصود، فلا فرق في المجاز بين كون القرائن لفظية أو حالية، نعم تظهر الثمرة بينهما في مقام الخصومة حيث إنّ القرائن اللفظية تسد باب النزاع بخلاف القرائن الحالية فإنّها تزول بافتراق المتبايعين ومرور الزمان عليها، فلا تنفع في ذلك.

ثمّ إنّ للسيد الطباطبائي اليزدي كلاماً في جواز الإنشاء بالكناية، قال: التحقيق أنّه يجوز إنشاؤه بإنشاء اللازم. وبعبارة أُخرى: يجوز إيقاع المعاملة بالكناية بمعنى ذكر اللازم وإرادة الملزوم بأن يستعمل اللفظ الدالّ على اللازم فينتقل منه الذهن إلى الملزوم، كما في زيد طويل النجاد حيث إنّه استعمل وأُريد منه طول النجاد لينتقل إلى طول القامة، ففي المقام أيضاً يذكر لفظ النقل ويراد به معناه لينتقل إلى معنى البيع الّذي هو الملزوم.

فإن قلت: كيف يجوز ذلك واللازم إنشاء البيع والمفروض أنّه أنشأ لازمه لا نفسه؟

قلت: نعم ولكن البيع أيضاً منشأ، غايته أنّه منشأ ثانوي، ألا ترى أنّه لو مدح زيداً بطول النجاد مع قصد الانتقال إلى طول القامة يصدق أنّه مدحه


صفحه308

بطول القامة، وهكذا في جميع موارد الكنايات من الأخباريات والإنشائيات، ولا دليل على وجوب كون حقيقة المعاملة مدلولاً أوّلياً للصيغة.(1)

ثمّ إنّ سيدنا الحجّة(قدس سره)أورد عليه في درسه الشريف ما هذا حاصله:

إنّه خلط بين الإيجاد والانتقال فلو كان البيع من الأُمور الإنشائية فلا يقع البيع بالكناية، لأنّها مستعملة في الملزوم وهو ليس مفاد العقد، وأمّا اللازم الّذي هو مفاد العقد فلم يستعمل فيه اللفظ حتّى يتحقّق باللفظ، فقول القائل: «خذ هذا» مريداً به التمليك، فاللفظ مستعمل في معناه اللغوي وهو البعث إلى الشيء، ولكنّه جعل طريقاً إلى إرادة اللازم وهو التمليك، فلا يتحقّق به التمليك الّذي هو معنى إيجادي.

نعم لو قلنا بأنّ البيع من المفاهيم الّتي يكفي في تحقّقها الانتقال إليها من إرادة معنى لكان للقول بانعقاده بالكناية مجال.

وبعبارة أُخرى: فرق بين العقود الإذنية كالعارية والإباحة الّتي يكفي فيها وجود الكاشف عن إرادة المتكلم، وبين العقود اللازمة كالبيع والإجارة الّتي هي من الأُمور الإيجادية الّتي لا تتحقّق إلاّ باستعمال اللفظ فيها ابتداءً لا بالواسطة.

ثمّ إنّه(قدس سره)كان يفرّق ـ كالمحقّق النائيني ـ بين المجاز والكناية قائلاً بأنّ اللفظ المجازي استعمل في غير ما وضع له ابتداءً الّذي هو مفاد العقد فيكون منشأ باللفظ، بخلاف الكناية فإنّ المعنى الإيجادي لم يستعمل فيه اللفظ


1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:86.


صفحه309

وإنّما انتقل إليه المخاطب.

يلاحظ على ما ذكره(قدس سره)بما أوضحنا من عدم الفرق بين المجاز والكناية والجميع من باب واحد، فلو لم يجز الإنشاء بالكناية لا يجوز بالمجاز أيضاً، فإنّ المعنى المجازي يقع في طول المعنى الحقيقي عند الاستعمال. حسب ما حقّقناه واللفظ استعمل في المعنى الحقيقي لينتقل إلى المصداق الادّعائي.

والحلّ أنّ الإرادة الاستعمالية فيهما وإن تعلّقت بالمعنى الحقيقي في المجاز والملزوم في الكناية، لكن الإرادة الجدّية تعلقت بالمعنى المجازي أو اللازم اللّذين هما مفاد العقد ،فاللفظ في نظر العرف صدر لإنشاء المعنى الثانوي لا المعنى الأوّلي.وليس الحديث، حديث الانتقال بل حديث الإنشاء وأنّ المتكلّم أنشأ المعنى الثاني بالطريق الأبلغ، ولذلك لا يقال: إنّه أخبر عن كثرة الرماد، بل أنشأ مدحه بالسخاء.


صفحه310

 

3

الألفاظ الّتي تصلح للإيجاب والقبول

البحث عن الألفاظ الصالحة للإيجاب والقبول بحث لغوي أو عرفي لا صلة له بالفقه، فإنّ وظيفة الفقيه بيان الأحكام لا الموضوعات، ولذلك لا ترى أثراً من هذا البحث في كتب القدماء، حتّى أنّ المحقّق اكتفى بقوله: ولا ينعقد إلاّ بلفظ الماضي في الإيجاب والقبول.(1)

ويؤيد ذلك ما قلناه من أنّ المعاملات أُمور عرفية، والعقلاء هم الذين اخترعوها ووضعوا لها أسماء وعيّنوا لها أسباباً فهم أعرف بالأسباب من غيرهم، فلو ورد الفقيه هذا البحث فإنّما يريد بيان ما هـو السبب عند العقلاء، فاللازم إيكال البحث إليهم فما رأوه سبباً فهو السبب وإلاّ فلا.

والّذي يمكن أن يقال: إنّ العرف والعقلاء ربما يتردّدون في كون لفظ سبباً أو لا، وهذا هو الّذي دفع الفقهاء المتأخّرين إلى فتح هذا الباب. والعجب أنّهم خصّصوا البحث بالصالح للإيجاب أو القبول في اللغة العربية مع أنّ نطاق البحث أعم، فهو يعم كلّ المسلمين من ذوي اللغات المختلفة، فلكل لغته ولفظه، وهذا ما يدلّ على أنّ الخوض في هذا البحث بلا موجب.


1 . شرائع الإسلام :2/13، الفصل الثاني من كتاب التجارة، في عقد البيع.


صفحه311

وعلى كلّ تقدير فنحن نقتفي أثرهم على وجه الإيجاز، فالألفاظ الصالحة للإيجاب أو ما يمكن أن يكون صالحاً عبارة عن الألفاظ التالية:

1. بعت. 2. شريت. 3. اشتريت. 4. ملّكت.

أمّا الأوّل ـ أي الإيجاب بلفظة «بعت» ـ فقد اتفقت كلمتهم على صلاحيته للإيجاب وقد شاع استعماله في الإيجاب.

قال سبحانه: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ).(1)

وقد اشتهر أنّ البيع من الأضداد، أي أنّه يستعمل في الشراء أيضاً.

لكن السيد الطباطبائي قال : يمكن أن يقال إنّه مشترك معنوي بين البيع والشراء، نظير ما يُحكى عن القاموس في لفظ الاشتراء من قوله: كلّ من ترك شيئاً وتمسّك بغيره فقد اشتراه، فيكون بمعنى التمليك بالعوض، أعمّ من الصريح كما في البيع أو الضمني كما في الشراء.(2)

ويؤيد ما ذكر من أنّه موضوع للجامع أنّه سبحانه يقول:(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَومٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ).(3)

وقال سبحانه:(رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ)(3)، فالمراد هو نفي المعاملة على وجه الإطلاق، أعني: البيع والشراء لا خصوص البيع، وإن شئت قلت: نفي الجامع.


1 . التوبة:111.    

2 . حاشية السيد على المكاسب:87.

3 . البقرة:254.

4 . النور:37.


صفحه312

وأمّا الثاني ـ أي الإيجاب بلفظ «شريت» ـ فلا ريب في جواز الإنشاء به. قال في القاموس: شراه ويشريه: ملكه بالبيع وباعه، كاشتراه وهما ضدّان. وكل من ترك شيئاً وتمسك بغيره فقد اشتراه، وفي القرآن الكريم: (وَشَرَوْهُ بِثَمَن بَخْس دَراهِمَ مَعْدُودَة).(1)

وقال سبحانه:(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ).(2)

وقال سبحانه: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ).(3)

وربما يستشكل فيه بقلة استعماله عرفاً في البيع وكونه محتاجاً إلى القرينة المعيّنة وعدم نقل الإيجاب به في الأخبار وكلام القدماء.

وقال الشيخ بعد ـ نقل هذه الكلمة ـ ولا يخلو عن وجه.

واعترض عليه السيد الخوئي(رحمه الله)بأمرين:

1. لا نسلم وقوع الاستعمالات العرفية على خلاف الاستعمالات القرآنية.

2. لو سلمنا ذلك ولكن لا نسلم تقديم الاستعمالات العرفية على الاستعمالات القرآنية.(4)

والظاهر عدم تمامية الوجهين:

أمّا الأوّل: فمن رجع إلى الاستعمالات الرائجة يقف على أنّ مادة


1 . يوسف:20.   

2 . النساء:74.

3 . البقرة:207.

4. مصباح الفقاهة: 2/972.


صفحه313

«شرى» تستعمل في جانب القبول ومنه أخذ لفظ «اشتريت» و «المشتري».

وأمّا الثاني: فالمتبع هو الاستعمالات الرائجة لا القرآنية، وليس هذا قدحاً في القرآن، لأنّ الناس يتكلّمون بلسانهم لا بلسان القرآن، فلفظ الدابة في القرآن بمعنى كلّ ما يدب في الأرض وفي العرف هو الفرس، فلو قال: بعت دابةً، فالمراد هو الفرس لا مطلق ما يدب على الأرض.

وأمّا الثالث: «وهو الإيجاب بلفظ اشتريت» فقد نقل صاحب مفتاح الكرامة أنّه قد يقال: يصح الإيجاب باشتريت كما هو موجود في بعض نسخ
التذكرة.(1) ويدل على ذلك قوله سبحانه:(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَب عَلَى غَضَب وَلِلْكافِرينَ عَذابٌ مُهِينٌ).(2)

ومعنى الآية أنّ اليهود كانوا قبل البعثة يستنصرون وينذرون الأوس والخزرج بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فلمّا جاء انقلب اليهود على أعقابهم وتراجعوا عمّا كانوا يروّجون له، وذلك لأنّهم لمّا رأوه عربياً من نسل إسماعيل أنكروه حسداً وتعصّباً للعنصرية اليهودية، وكانوا يعتقدون بأنّه يأتي إسرائيلياً من


1 . مفتاح الكرامة: 4/150.

2 . البقرة: 89 ـ 90.إنّ قوله:(أن يكفروا بما أنزل) مبتدأ لخبر مقدّم: أي بئسما: أي كفرهم بما أنزل اللّه.


صفحه314

نسل إسحاق، فباعوا أنفسهم للشيطان ولا ثمن لنفوسهم إلاّ الحسد والتعصّب للجنسية اليهودية.

ومع ذلك كلّه فالميزان هو العرف العام للمتبايعين، والظاهر أنّ العرف لا يساعده إلاّ بالقرينة، ويؤيد ذلك أنّ اللفظة من باب الافتعال وهو يدلّ على القبول والمتابعة فهو بهذا المفهوم أصلح أن يكون قبولاً لا إيجاباً.

نعم يجوز الإنشاء به مع القرينة كجعله إيجاباً مقدّماً على القبول ونحو ذلك، غيرأنّ الشيخ لم يرض به قائلاً: بأنّ الاعتماد على القرينة غير اللفظية في تعيين المراد من ألفاظ العقود قد عرفت ما فيه.(1)

وأشار بقوله: «قد عرفت ما فيه» إلى اتّفاق العلماء على لزوم اللفظ في الإيجاديات والأُمور الإنشائية، فالاعتماد على القرينة غير اللفظية لا يتناسب مع هذا الاتفاق.

وقد عرفت الإشكال فيه وهو أنّ الإيجاد والإنشاء إنّما هو باللفظ والقرينة لتفهيم المخاطب، لا للإيجاد والإنشاء.

وأمّا الرابع: ـ أعني: «ملّكت هذا بهذا» ـ قال الشيخ: والأكثر على وقوع البيع به بل ظاهر «نكت الإرشاد» الاتّفاق حيث قال: إنّه لا يقع البيع بغير اللفظ المتّفق عليه كبعت وملّكت.

ثمّ إنّه أشكل عليه بالنقض بالهبة المعوّضة فإنّ التمليك يستعمل في الهبة بحيث لا يتبادر عند الإطلاق غيرها.


1 . المتاجر:95.


صفحه315

أقول: الظاهر صحّة الإيجاب به لكونه مرادفاً لمضمون «بعت هذا بهذا» فإنّ لقول القائل: «بعت هذا بهذا» معنيين; مطابقي وهو المبادلة بين المالين، والتزامي وهو تمليك هذا بهذا. فقوله: «ملكت» تصريح بالمعنى الالتزامي للفظ «بعت».

وأمّا النقض بالهبة فقد ذكرنا غير مرّة أنّ الهبة تتضمن معنى العطية والمجانية ،غاية الأمر بشرط شيء والشرط في الدرجة الثانية، وهذا بخلاف البيع فهو مبني على المعاوضة والمبادلة لا العطية والمجانية.

الألفاظ الصالحة للقبول

الأصل فيه الصراحة والظهور العرفي، قال صاحب«الجواهر»: يجري في ألفاظ القبول ما سمعته في ألفاظ الإيجاب، ضرورة عدم الفرق بين ألفاظه وألفاظ الإيجاب في اعتبار الصراحة.(1)

ثمّ إنّ الشيخ نفى الإشكال في وقوع القبول بالألفاظ التالية: قبلت، رضيت، اشتريت، شريت، ابتعت، تملّكت، ملكت (مخففاً) واستشكل في انعقاد القبول بلفظ: أمضيت، أجزت، أنفذت وشبهها، وقال: فيها وجهان.

والظاهر عدم الإشكال في الجميع إذا كان اللفظ صدر بنية الإنشاء وكان ظاهراً في القبول.

نعم استشكل المحقّق الإصفهاني في القسم الثاني بقوله: إنّ عنوان


1 . الجواهر:22/250.


صفحه316

الإمضاء والإجازة والإنفاذ لا يتعلق إلاّ بما له مضي وجواز ونفوذ، وما يترقب منه ذلك هو السبب التام وهو العقد لتقوّم السبب المترقّب منه التأثير في الملكية بالإيجاب والقبول معاً، فلا معنى للتسبّب في قوله: أمضيت وأجزت وأنفذت إلاّ في مثل العقد الفضولي لا بالإضافة إلى الإيجاب فقط.(1)

حاصل كلامه: أنّ هذه الألفاظ يشار بها إلى ما تمتّ فيه سببية الشيء، وهو يناسب تنفيذ الفضولي الّذي تمّ فيه السببية بالإيجاب والقبول، ولا يناسب المقام الّذي تفرد بالإيجاب فقط فليس هو سبباً تاماً حتّى ينفذ وإنّما السببية التامة بالقبول.

يلاحظ عليه: أنّ العقد الفضولي والإيجاب المتفرد قبل القبول من وزان واحد فليس للعقد الفضولي أي اعتبار وقيمة ما لم يلحق به الإذن فسببيته أيضاً ناقصة تكتمل بالإجازة والإنفاذ، نظير المقام على أنّه لا دليل على أنّ هذه الألفاظ وضعت لتنفيذ السبب التام إلاّ إذا أُريد السببية التامة من جانب البائع لا مطلقاً.

وإن شئت قلت: يكفي وجود المقتضي في التنفيذ والإمضاء وهو الإيجاب.

ولو أوقع العقد بالألفاظ المشتركة بين الإيجاب والقبول ثم اختلفا في تعيين الموجب والقابل إمّا بناءً على جواز تقديم القبول أو من جهة


1 . تعليقة المحقق الاصفهاني:68.


صفحه317

اختلافهما في المتقدّم والمتأخّر، قال الشيخ: فلا يبعد الحكم بالتحالف ثم عدم ترتب الآثار المختصة لكلّ من البيع والاشتراء على واحد منهما.(1)

أقول: إن كان مصب الدعوى، هو ما ذكره الشيخ من الاختلاف في عنواني البائع والمشتري فالحق ما ذكره الشيخ من التحالف، لأنّ كلاً منهما يدّعي، ما يدّعيه الآخر، وبعبارة أُخرى: كلّ مدّع من جهة ومنكر من جهة أُخرى، ولكن الفرض بعيد، إذ لا أثر شرعي يترتّب على عنواني البايع والمشتري حتّى يتنازعا فيهما، ولابدّ أن يكون النزاع لغاية أمر آخر نشير إليه تالياً.

وأمّا إن كان النزاع فيهما، لغاية أمر آخر وهو الخيار الشرعي الّذي يترتّب على عنوان المشتري، كخيار الحيوان مثلاً لو حصلت المبادلة بين الحنطة، والفرس بالألفاظ المشتركة بين الإيجاب والقبول، فلو كانت الحنطة مبيعاً والفرس ثمناً، فلا يكون لمن تملّك الفرس خيار ثلاثة أيّام ،لأنّه في هذه الصورة بائع وليس بمشتر; ولو انعكس الأمر وكان الفرس مبيعاً والحنطة ثمناً، يكون لمن تملّكه خيار ثلاثة أيّام. فيصحّ ما ذكره الشيخ من التحالف وعدم ترتب الآثار المختصة لكلّ من البيع والاشتراء على واحد منهما.

وبما ذكرنا يظهر الحال إذا كانت المبادلة على وجه المعاطاة.


1 . المتاجر:95.


صفحه318

 

4

اشتراط العربية في البيع بالصيغة

هل تشترط العربية في انعقاد البيع؟ كما نقل عن الفاضل المقداد في التنقيح،(1) والمحقّق الثاني في جامع المقاصد(2)، والشهيد الثاني في الروضة البهية(3)، ولعلّ دليلهم هو لزوم التأسّي بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة من أهل بيته(عليهم السلام).

يلاحظ عليه: أنّ مورد التأسّي هو الأحكام الشرعية لا الأُمور العرفية. والنبي وإن كان يبيع ويشتري باللفظ العربي لكنّه لا يصدر إلاّ عن مقتضى المرتكز في فطرته وما تتطلبه بيئته، لأنّه عاش بين العرب الذين يسيّرون أُمورهم باللغة العربية، وأصدق شاهد على عدم اعتبارها أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يبعث جماعة لتعليم القرآن والأحكام، ولم ينقل أهل السير أنّه أرسل رسولاً لتعليم العقود، وما ذلك إلاّ لأنّ كلّ أُمّة تُسيّر أُمور حياتها بلغتها، بلا خصوصية للفظ دون لفظ.


1 . التنقيح الرائع:2/184.

2 . جامع المقاصد:4/59ـ60.

3 . الروضة البهية:3/225.


صفحه319

 

5

حكم الصيغة الملحونة

هل ينفذ البيع بالصيغة الملحونة أو لا؟ فيه خلاف.

قال الشيخ: وهل يعتبر عدم اللحن من حيث المادة والهيئة بناءً على اشتراط (اللفظ) العربي؟ الأقوى ذلك، بناء على أنّ دليل اعتبار العربية هو لزوم الاقتصار على المتيقن من أسباب النقل، وكذا اللحن في الإعراب.(1)

ولكن الأقوى هو الصحة ما لم يتغير المعنى على وجه يخرجه عن حقيقته لجريان السيرة على التلفّظ باللغات المحرّفة في كلّ شعوب العالم.

وبعبارة أُخرى: إذا كانت الجملة المحرفة عند العرف قالباً لإيجاد العقد بحيث يفهم منها المعنى المقصود، فالظاهر الاكتفاء بها.

ثمّ إنّ الشيخ رتّب لزوم الاقتصار على العربي الصحيح، على اعتبار العربية وعدم كفاية غيرها، مع أنّ الاقتصار يترتّب على القول بعدم اعتبار العربية أيضاً، وأنّها كسائر الأسباب، فالمتيقّن ـ أيضاً ـ عند القائل بعدم اعتبارها هو الاقتصار على العربية الصحيحة.


1 . المتاجر:95.


صفحه320

 

6

علم المتكلم بمفاد الصيغة وعدمها

هل يشترط في صحة العقد علم المتكلم بمفاد الصيغة أو لا؟

الظاهر التفصيل بين العلم الإجمالي بمفاد مجموع الصيغة والعلم التفصيلي بمفرداتها وخصوصياتها، فيكفي الأوّل ولا يعتبر الثاني، لأنّ العلم بخصوصيات الصيغة وحروفها وأسمائها وأفعالها أمر مشكل على أهل اللغة فكيف لغيرهم، فإذاً لا مناص من القول الأوّل. فإذا قُصد المعنى من الجملة، يتحقّق الإنشاء ويحصل العقد.

إلى هنا تم الكلام في المحور الأوّل الذي يرجع إلى البحث عن مواد الألفاظ من حيث إفادة صراحتها وظهورها في المعنى المقصود.


صفحه321

 

المحور الثاني:

7

في هيئة كلّ من الإيجاب والقبول

يقع الإيجاب تارة بلفظ الماضي كقولك: «بعت»، وأُخرى بصيغة الأمر كقوله: «بعني»، وثالثة: بصيغة المستقبل كقولك: «أبيعك»، فهل يقع الإيجاب بالجميع أو يختص بالماضي؟ حكي عن غير واحد اشتراط الماضوية.

قال العلامة في ضمن الشروط: الثاني: الإتيان بهما بلفظ الماضي، فلو قال أبيعك أو قال: اشتري، لم يقع إجماعاً لانصرافه إلى الوعد.(1)

وقال في «المختلف» بعد العبارة المذكورة: ولو أتى بلفظ الأمر أو الاستفهام لم يقع، اختاره الشيخ وابن حمزة.

وقال ابن البراج في «الكامل»: لو قال المشتري: «بعني هذا» فقال البائع:«بعتك» انعقد. وقال في «المهذب»: لو قال المشتري: «بعني هذا» فيقول البائع: «بعتك» صحّ.(2)

ولعل الاقتصار بالماضي لصراحته في الإنشاء، إذ المستقبل أشبه


1 . تذكرة الفقهاء: 10 / 8 .

2 . مختلف الشيعة: 5 / 53 .


صفحه322

بالوعد والأمر استدعاء لا إيجاب مع أنّ قصد الإنشاء بلفظ الاستقبال خلاف المتعارف.

أقول: المعيار في الصحة وعدمها سيرة العقلاء، فإن كان النقل عندهم منحصراً بالماضي فتحمل العمومات عليه، وإن كان الرائج هو الأعم فالأدلة تعم الكل. والظاهر وقوعه بالكل لوجهين:

الأوّل: أنّ المعاملات أُمور عرفية وليست أُموراً عبادية حتّى تتحدّد في إطار خاص، والألفاظ وسيلة للتمليك والتملّك، فلو كان الجميع ظاهراً في هذا المقصود ينعقد.

الثاني: الروايات الواردة في بيع العبد الآبق واللبن في الضرع من الإيجاب بلفظ المضارع، وفحوى ما دلّ عليه في النكاح، ولذلك قال الشيخ ـ بعد الإشارة إلى هذه الروايات ـ : ولا يخلو من وجه. ولنذكر بعض ما ورد من الروايات:

1. روى سماعة قال: سألته عن اللبن يُشترى وهو في الضرع؟ قال:«لا إلاّ أن يهرق لك سكرجةً فتقول: اشتري منك هذا اللبن الّذي في السكرجة، وما بقي في ضروعها بثمن مسمّى، فإن لم يكن في الضرع شيء كان ما في السكرجة(1)».(2)

2. ما رواه رفاعة النخاس قال: سألت أبا الحسن ـ يعني موسى بن


1 . السُّكرجة ـ بضم السين والكاف ـ إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم.

2 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث2.


صفحه323

جعفر (عليهما السلام)ـ : يصلح لي أن أشتري من القوم، الجارية الآبقة، وأعطيهم الثمن، وأطلبها أنا؟ قال: «لا يصلح شراؤها إلاّ أن تشتري معها منهم شيئاً ثوباً أو متاعاً فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهماً، فإنّ ذلك جائز».(1)

3. روى أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: «تقول: أتزوجك متعة على كتاب اللّه وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)لا وارثة، ولا موروثة كذا وكذا يوماً. فإذا قالت: نعم، فقد رضيت، فهي امرأتك وأنت أولى الناس بها».(2)

فعليه فإنّ هذه الجمل الواردة إيجاب وما يأتي بعدها قبول. بناء على أنّ الإيجاب ليس من خصائص صاحب المتاع، بل يعمّ غيره أيضاً إذا تقدّم في الإنشاء، أو أنّها قبول مقدّم بصيغة المضارع، وظاهر عبارة العلاّمة شرطية الإتيان بالقبول أيضاً بلفظ الماضي فتكون الروايات دليلاً على خلافه مطلقاً.

هذا كلّه في المضارع وأمّا الأمر، فقد روى الأحول قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام): أدنى ما يتزوج به الرجل المتعة؟ قال: «كف من بُر، يقول لها: زوجيني نفسك متعة على كتاب اللّه وسنة نبيه نكاحاً غير سفاح».(3)

بناءً على أنّ قوله: «زوجيني نفسك متعة» إيجاب.

هذا وقد وردت روايات في باب بيع المصاحف.(4)


1 . الوسائل: ج 12، الباب11 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 14، الباب18 من أبواب المتعة، الحديث1. ولاحظ الحديث2، 3، 4.

3 . الوسائل: ج 14، الباب18 من أبواب المتعة، الحديث5.

4 . لاحظ الوسائل: ج 12، الباب31 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1، 2، 3و 6.


صفحه324

والمجموع من حيث المجموع كاف في إثبات المطلوب، وليس
هناك إجماع كاشف عن وجود النص الواصل إليهم دوننا، وأمّا القول بأنّ
صيغة المستقبل أشبه بالوعد، والأمر استدعاء لا إيجاب، فالكل مرفوع بأنّ القرائن الحاضرة السائدة على مجلس البيع تدفع ذلك. تمّ الكلام في المحور الثاني.


صفحه325

 

المحور الثالث

في هيئة تركيب الإيجاب والقبول

يقع الكلام في هذا المحور في موردين:

1. تقدّم الإيجاب على القبول.

2. الموالاة بينهما.

8

في تقدم الإيجاب على القبول

هل يشترط تقدّم الإيجاب على القبول؟ فيه خلاف.

ذكر المحقّق: هل يشترط تقديم الإيجاب على القبول؟ فيه تردد، والأشبه عدم الاشتراط.(1) وقد استدلّ على الاشتراط بالأُمور التالية:

1. التقديم هو المتعارف، وآية لزوم الوفاء بالعقود محمولة على المتعارف.

2. القبول فرع الإيجاب.


1 . شرائع الإسلام:2/267.


صفحه326

3. ادّعاء الإجماع على التقديم عن «الخلاف» في باب البيع والنكاح.

أمّا الأخير فقد راجعنا الخلاف في كلا الموضعين ولم نجد ما يدلّ عليه، ثم وقفت بعد ذلك على كلام صاحب «مفتاح الكرامة» حيث قال: وقد نسب في «غاية المراد» و «المسالك» إلى«الخلاف» دعوى الإجماع، وهو وهم قطعاً، لأنّي تتبعت كتاب البيع فيه مسألة مسألة، وغيره حتّى النكاح فلم أجده.(1)

أمّا العلاّمة فقد اضطرب كلامه فقال في «التذكرة» في ضمن شروط العقد: الأوّل: تقديم الإيجاب على الأقوى، خلافاً للشافعي وأحمد.(2)

وقال في «القواعد»: وفي اشتراط تقديم الإيجاب نظر.(3)

وبهذا ظهر عدم الإجماع في المسألة.

أمّا الدليل الأوّل وهو أنّ المتعارف تقدّم الإيجاب على القبول فإنّما يتم إذا لم يكن هناك تعارف على العكس أيضاً.

وأمّا الدليل الثاني من أنّ القبول فرع الإيجاب فإنّما يتم فيما إذا كان بصدد قبول ما أوجبه المالك، وأمّا إذا كان قبولاً لما يوجبه بعد ثوان فلا يتم الاستدلال. فظهر ممّا ذكر جواز تقديم القبول على الإيجاب مطلقاً، خلافاً للشيخ الأنصاري حيث قال بالتفصيل الآتي:


1 . مفتاح الكرامة:4/164.

2 . تذكرة الفقهاء:10/8.

3 . قواعد الأحكام: 2 / 17 .


صفحه327

 

التقسيم الثلاثي لألفاظ القبول

ثمّ إنّ الشيخ قسّم ألفاظ القبول إلى أقسام ثلاثة:

1. أن يكون بلفظ: قبلت ورضيت.

2. أن يكون بطريق الأمر والاستيجاب.

3. أن يكون بلفظ: اشتريت وملكتُ(بالتخفيف) وابتعت.

ثمّ إنّه(قدس سره)منع تقدّم القبول على الإيجاب بالصورة الأُولى، واستدلّ عليه بكلام مفصّل يرجع لبُّه إلى أمرين، وربّما يخفى على المبتدئ. وإليك توضيحهما:

الأوّل: أنّ القبول ليس مجرد الرضا بالإيجاب كي يصحّ إمكان تعلّقه بالأمر المتأخّر، بل القبول عبارة عن الرضا بالإيجاب المتضمّن لنقل المال من الموجب إلى القابل نقلاً فعلياً، ومن الواضح أنّ هذا المعنى لا يتحقّق إلاّ بتأخّر الرضا عن الإيجاب، وهذا ما أشار إليه بقوله: ليس المراد من هذا القبول... إلى قوله: على وجه العوضية.

الثاني: ما أشار إليه بقوله: لأنّ المشتري ناقل كالبائع، وهذا لا يتحقّق إلاّ مع تأخّر الرضا عن الإيجاب، إذ مع تقدّمه لا يتحقّق النقل في الحال، فإنّ من رضي بمعاوضة يُنشؤها الموجب في المستقبل لم ينقل في الحال ماله إلى الموجب، بخلاف من رضي بالمعاوضة الّتي أنشأها الموجب سابقاً، فإنّه يرفع بهذا الرضا يده من ماله وينقله إلى غيره على وجه العوضية.(1)


1 . لاحظ المتاجر:97.


صفحه328

يلاحظ على الوجه الأوّل: بمنع «كون القبول هو الرضا بالإيجاب المتضمّن لنقل المال من الموجب إلى القابل نقلاً فعلياً» بل معناه الرضا بالإيجاب، فإن كان الإيجاب متقدّماً فلازمه حصول النقل حينه، نظير إجازة الفضولي، وإن كان الإيجاب متأخّراً فلازمه النقل حين تحقّقه.

فإن قلت: إنّ اللفظين يتضمّنان معنى المطاوعة أي مطاوعة الإيجاب، ولا يعقل تقدّمه عليه كتقدّم الانكسار على الكسر.

قلت: ما ذكرته يرجع إلى المطاوعة التكوينية كالانكسار بالنسبة إلى الكسر لا المطاوعة الإنشائية فهو يُنشئ معنى المطاوعة، وليس هناك مطاوعة حقيقية حتّى يستلزم تقدّم شيء يطيعه.

وقد أجاب عنه سيدنا الأُستاذ(قدس سره)بوجهين فقال: إنّ القبول وإن كان مطاوعة وتنفيذاً لما أوقعه البائع لكن يمكن إنشاؤه مقدّماً على نحوين:

أحدهما بنحو الاشتراط: بأن يقول: «إن ملّكتني هذا بهذا قبلت» نظير الواجب المشروط، فيتحقّق القبول والمنشأ بعد الإيجاب ويكون مطاوعة له حقيقة، وتحصل الملكية بعد القبول الحقيقي بلا فصل لو فرض في الحال اشتراط حصولها بعده. وهو صحيح على القواعد إلاّ أن يثبت الإجماع على بطلانه.

وثانيهما بنحو الواجب التعليقي: فكما يمكن الأمر بأمر متأخّر من غير اشتراط يمكن إيقاع الإيجاب أو القبول، كذلك فللقابل أن يقبل الإيجاب في


صفحه329

موضع تحقّقه(1)، فإنشاؤه حاليّ والمنشأ استقبالي.(2)

ويلاحظ على الوجه الثاني: بما ذكرنا سابقاً من أنّ حقيقة البيع قائمة بالبائع فهو الّذي ربط بين المالين وأوجد المبادلة بينهما، غاية الأمر أنّ عمله هذا لا يؤثر إلاّ بإمضاء المشتري فليس للمشتري إلاّ تنفيذه بإنشاء الرضا والقبول، وليس فيه إلاّ التملّك لا التمليك ولا النقل.

وبما ذكرنا يظهر ما في كلام المحقّق النائيني، في غير هذا المقام حيث قال:

إنّ كلاًّ من الموجب والقابل في عقود المعاوضة ينشئ أمرين: أحدهما بالمطابقة، وثانيهما بالالتزام. فالموجب ينقل ماله إلى ملك المشتري مطابقة ويتملّك مال المشتري عوضاً عن ماله التزاماً، والقابل بعكس ذاك. وعلى هذا فلو لم يكن هناك لفظ يدلّ على نحو القصد كما إذا أنشأ كلّ منهما بلفظ «شريت» فنقول المقدّم هو الموجب والمتأخّر هو المشتري، ولو اشتبه أو تقارن وقلنا بصحّته فلا يترتّب الأثر الخاص على كلّ منهما كما أوضحناه في المعاطاة.(3)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مخالف للوجدان، إذ معنى ذلك أنّ هناك تمليكين وتملّكين، بل ليس هناك إلاّ تمليك بعوض من جانب الموجب


1 . والفرق بين الجوابين هو أنّ القبول في الأوّل مشروط فلا يتحقّق إلاّ بعد الإيجاب شأن كلّ قضية شرطية بخلافه في الثاني فإنّ القبول فعلي، وإن كان المقبول استقبالياً شأن الواجب المعلّق حيث إنّ الوجوب فيه حالي والواجب استقبالي.

2 . كتاب البيع للسيد الخميني:1/336.  

3 . منية الطالب:109.


صفحه330

وقبول من جانب القابل. نعم عند التحليل يكون لكلّ، تمليك وتملّك، لكنّه تحليل عقلي وليس مدلولاً مطابقياً.

هذا كلّه حول اللفظين «قبلت»، و «رضيت».

وأمّا القسم الثاني ـ أعني القبول بالأمر ـ : فقد ذكر الشيخ الأعظم في وجه المنع ما هذا لفظه: أنّ غاية الأمر في قوله: «بعني هذا بدرهم» دلالة طلب المعاوضة على الرضا بها، لكن لم يتحقّق بمجرد الرضا بالمعاوضة المستقبلة، نقل في الحال للدرهم إلى البائع.(1)

فقد اعتمد في منعه على الوجه الثاني المذكور في تقدّم لفظيّ:«قبلت» و «رضيت» وهو أنّ المشتري ناقل كالبائع، وليس في الأمر دلالة على النقل في الحال للدرهم إلى البائع. وإنّما يدلّ على طلب المعاوضة.

يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّه لا يشترط في القبول نقل الثمن إلى البائع فعلاً، بل يكفي فيه إنشاء الرضا والقبول لما ينشؤه الموجب في المستقبل.

فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الوجهين اللّذين اعتمد عليهما الشيخ في منع تقدّم القبول على الإيجاب في هذين القسمين غير تامّين.

ثمّ إنّه قد ورد تقدّم القبول بصورة الأمر على الإيجاب في الروايات:

1. ما رواه العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:جاءت امرأة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: زوّجني، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)مَن لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول اللّه، زوجنيها، فقال:ما تعطيها؟ فقال: ما لي


1 . المتاجر:97.


صفحه331

شيء، قال: لا. فأعادت فأعاد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل. ثم أعادت فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في المرّة الثالثة: أتُحسِنُ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، قال: قد زوّجتكها على ما تُحسِنُ من القرآن فعلّمها إيّاه».(1)

2. ولعل هذه الرواية هي نفس ما رواه أهل السنّة عن سهل بن سعد الساعدي حيث قال: إنّي لفي القوم عند رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول اللّه، إنّها قد وهبت نفسها لك، فر(2) فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً. ثم قامت فقالت: يا رسول اللّه، إنّها قد وهبت نفسها لك فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً. ثم قامت ثالثة فقالت: إنّها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك. فقام رجل فقال: يا رسول اللّه أنكحنيها.

قال: هل عندك من شيء؟ قال: لا. قال: فاذهب فاطلب ولو خاتماً من حديد، فذهب فطلب، ثم جاء فقال: ما وجدت شيئاً ولا خاتماً من حديد. فقال: هل معك من القرآن شيء؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا.

قال: اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن.(3)

نعم يحتمل أن يكون الطلب الصادر من الرجل كونه إيجاباً لا قبولاً، ولا دليل على اختصاص الإيجاب بالمرأة. وعلى كلّ تقدير يدلّ على جواز إنشاء القبول أو الإيجاب بالأمر.


1 . الوسائل:ج14، الباب2 من أبواب المهور، الحديث1.

2 . صيغة أمر من «رأى» يرى و نظير وقى يقي، قِ

3 . صحيح البخاري:1323، رقم الحديث 5149، باب التزويج على القرآن وبغير صداق (8/175).


صفحه332

القسم الثالث: تقديم القبول بلفظ: «اشتريت» و «ابتعت» و «تملّكت» أو «ملكت» ـ هذا بكذا ـ فذهب الشيخ إلى جوازه.

ووجهه: أنّه ليس في حقيقة الاشتراء من حيث هو، معنى القبول، لكنّه لمّا كان الغالبُ وقوعَه عقيب الإيجاب. وإنشاء انتقال مال البائع إلى نفسه إذا وقع عقيب نقله إليه، يوجب تحقّق المطاوعة ومفهوم القبول، وهذا المعنى مفقود في الإيجاب المتأخّر، لأنّ المشتري إنّما ينقل ماله إلى البائع بالالتزام الحاصل من جعل ماله عوضاً والبائع إنّما يُنشئ انتقال الثمن إليه كذلك لا بمدلول الصيغة.(1)

وهاهنا احتمال آخر وهو أن تكون كلّ هذه الأمثلة من قبيل الإيجاب لا القبول المتقدّم، وهذا ما احتمله سيدنا الأُستاذ فقال: إنّ مثل اشتريت ليس من قبيل القبول بل هو إيجاب من قبل المشتري، فإنّ ماهية البيع الّتي ليست إلاّ مبادلة مال بمال كما يمكن إيقاعها بالإيجاب من طرف البائع يمكن إيقاعها بإيجاب المشتري، فإذا قال المشتري:«اشتريت هذا بهذا» أو «تملّكت هذا بهذا» لم يبق محل لإيجاب البائع بل لابدّ له من قبول هذا الإيقاع وبقوله يتم موضوع اعتبار العقلاء.(2)

وبهذا ظهر أنّ كون البائع هو الموجب والمشتري هو القابل ليس على إطلاقه، بل يمكن أن يكون المشتري موجباً والبائع قابلاً كما في هذه الصورة.


1 . المتاجر:97.   

2 . كتاب البيع:1/335.


صفحه333

على ما ذكره(قدس سره)يمكن أن يقال:كلّما ورد القبول بصورة الأمر أو المضارع فهو إيجاب من جانب المشتري، وما يأتي بعده من البائع هو القبول.

بقي هنا أمران:

الأوّل: كلّ ما ذكرناه صحيح على ضوء القواعد ولكن المهم موافقة العرف معها، فلو كان تقديم القبول موافقاً للقواعد ولكن مخالفاً للعرف لم يتحقّق به العقد، لأنّ الممضى هو العقود العرفية.

الثاني: أنّ الشيخ(قدس سره)ذكر في آخر كلامه أنّ العقود على قسمين وقسّم كل قسم إلى قسمين آخرين، وقال: إنّ تقديم القبول على الإيجاب لا يكون إلاّ في القسم الثاني من كلّ من القسمين.

حاصل كلامه: إنّ القبول في العقود إمّا أن يكون فيه التزام بشيء من القابل كنقل مال عنه أو زوجية.

وإمّا أن لا يكون فيه سوى الرضا بالإيجاب.

أمّا الأوّل فهو على قسمين:

1. أن يكون الالتزام الحاصل من القابل نظير الالتزام الحاصل من الموجب كالمصالحة.

2. أو يكون الالتزام الحاصل من القابل متغايراً كالاشتراء.

وأمّا الثاني فهو أيضاً على قسمين:

3. إمّا أن يعتبر فيه عنوان المطاوعة كالارتهان والاتهاب والاقتراض.


صفحه334

4. وإمّا أن لا يثبت فيه اعتبار أزيد من الرضا بالإيجاب كالوكالة والعارية وشبهها.

فتقديم القبول على الإيجاب لا يتصور إلاّ في القسم الثاني من كلّ من القسمين. وذلك لأنّ القسم الأوّل بما أنّ الالتزامين متماثلان كما في الصلح فكلّ مَن تكلّم بالصلح قبل الآخر فهو الموجب والآخر هو القابل، ولا يتصور فيه تقديم القبول على الإيجاب، لأنّ الإيجاب متمايز بذاته عن القبول بالتقدّم.

أمّا الثاني ـ أعني إذا كان الالتزامان متغايرين، كالبيع من جانب البائع والاشتراء من جانب المشتري ـ : فهنا يتصور تقديم القبول على الإيجاب.

وأمّا الثالث ـ أعني إذا كان في القبول عنوان المطاوعة ـ : لا يجوز فيه تقدّم القبول على الإيجاب، كما إذا قال: رهنتك وقال الآخر: ارتهنت . لأنّ قبول الارتهان فرع صدور الرهن من الراهن.

وأمّا الرابع ـ أعني ما لا يعتبر فيه سوى الرضا بالإيجاب كالوكالة والعارية ـ : فيتصور فيه تقدم القبول على الإيجاب. لأنّ الإيجاب متمايز عن القبول بالذات.

وحصيلة الكلام: أنّ البحث في جواز تقديم القبول على الإيجاب وعدمه مركّز على هذين القسمين لا القسم الأوّل، لعدم التمايز; ولا القسم الثالث، لامتناع قبول الرهن قبل صدوره من الراهن.


صفحه335

 

9

الموالاة بين الإيجاب والقبول

من شروط صحّة العقد; الموالاة بين الإيجاب والقبول، وقد ذكرها غير واحد من الفقهاء.

قال الشهيد في «القواعد»: الموالاة المعتبرة في العقد ونحوه وهي مأخوذة من اعتبار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه.(1)

وقد ذكروا في اعتبارها وجوهاً:

الأوّل: ما ذكره الشهيد في «القواعد» ولخّصه الشيخ الأنصاري قال: حاصله: أنّ الأمر المتدرج شيئاً فشيئاً إذا كان له صورة اتصالية في العرف، فلابدّ في ترتّب الحكم المعلّق عليه في الشرع من اعتبار صورته الاتصالية، فالعقد المركب بين الإيجاب والقبول القائم بنفس المتعاقدين بمنزلة كلام واحد مرتبط بعضه ببعض، فيقدح تخلّل الفصل المخلّ بهيئته الاتصالية، ولذا لا يصدق التعاقد إذا كان الفصل مفرطاً في الطول كسنة أو أزيد، وانضباط ذلك إنّما يكون بالعرف فهو في كلّ أمر بحسبه فيجوز الفصل بين كلّ من الإيجاب والقبول بما لا يجوز بين كلمات كلّ واحد منهما، ويجوز بين


1 . القواعد والفوائد:1/234.


صفحه336

الكلمات بما لا يجوز بين الحروف كما في الأذان والإقامة (القراءة).(1)

ثمّ إنّ الشيخ فرّق بين العقد والبيع والتجارة عن تراض، لكنّه ليس بتام، لأنّ ما ذكره الشهيد يجري في العقد والبيع على السواء، والمناط في لزوم الموالاة هو كون الإيجاب والقبول بمنزلة كلام واحد، لابدّ في حفظ الوحدة، اعتبار الاتصال والتوالي بينهما. وهو مشترك بين الجميع.

الثاني: ما ذكره المحقّق الاصفهاني: انّ الإيجاب والقبول حيث إنّهما قائمان بأثر فلهما بنظر العرف جهة وحدة، فكأنّ الواحد قائم بأثر واحد، فلابدّ من كونهما على نحو من الاتصال العرفي فكأنّه كلام واحد بوحدة اتصالية يقوم بأثر واحد.وعليه فلا فرق بين دليل الوفاء بالعقد ودليل الحلية فإنّ المدار ليس على ما يقتضيه عنوان العقد، بل ما يقتضيه قيام ما هو كالواحد بأثر واحد.(2)

أقول: إنّ ما ذكره(قدس سره)قريب ممّا ذكره الشيخ، غير أنّ الثاني ركّز على وحدة الكلام ولزوم الصورة الاتصالية في حفظ الوحدة ولكن المحقّق الإصفهاني ركّز على اشتراك الإيجاب والقبول في إيجاد أثر واحد، فالأثر الواحد يقوم بموضوع واحد. والفصل القليل بين الإيجاب والقبول لا يضر بوحدة الموضوع.

الثالث: ما استدلّ به المحقّق النائيني بعد أن قسّم العقود إلى ما تعتبر فيه الموالاة قطعاً، ومنها ما لا تعتبر فيه قطعاً، ومنها ما هو محل إشكال.


1 . المتاجر:98.  

2 . تعليقة المحقّق الاصفهاني:71.


صفحه337

أمّا القسم الأوّل فكالعقود العهدية المعاوضية كالبيع وما يلحق بها، كالنكاح ونحوه، ووجه اعتبارها فيها أمران:

الأوّل: أنّه لمّا كان فيها خلع ولُبس أو إيجاد عُلقة فلابدّ أن يكون مقارناً للخلع، لبس، وهكذا مقارناً لإيجاد العلقة قبول. وإلاّ تقع الإضافة أو العلقة بلا محلّ ومضاف إليه.

الثاني: اعتبار كونها عقداً يقتضي أن يرتبط إنشاء أحدهما بإنشاء الآخر، بأن يصير بمنزلة كلام واحد... إلى آخر ما ذكره الشيخ.(1)

يلاحظ على الأمر الأوّل: بأنّه لا شكّ أنّ الخلع فعل الموجب حيث يخلع ملكية المبيع عن نفسه، وأمّا اللُّبس ـ أي جعل الثمن ملكاً للبايع ـ فإن كان فعل الموجب أيضاً فكلاهما يتحقّقان في زمن واحد، حيث إنّ البائع بإيجابه إنّما يخلع ملكية المثمن عن نفسه، ويجعل الثمن لنفسه بإزاء ذلك الخلع.

وأمّا لو كان اللُّبس فعل المشتري فلو تمّ فرضه لصح الدليل، إلاّ أنّ الكلام في كون اللبس فعلاً للمشتري، لأنّ الخلع واللبس الإيقاعيين حصلا بالإيجاب، لأنّه تمام ماهية المعاملة فالموجب بإيجابه يملك المشتري ويتملّك الثمن إيقاعاً وإنشاءً وليس للقبول شأن إلاّ تنفيذ فعل الموجب. فلا يوجب الفصلُ بين الإيجاب والقبول الفصل بين الخلع واللبس.

وأمّا ما أفاده في ذيل كلامه من لزومه مقارنة القبول لإيجاد العلقة وإلاّ


1 . منية الطالب:1/111.


صفحه338

تقع الإضافة أو العلقة بلا محل، فمنظور فيه إذ لو تمّ لزم بطلان كافة العقود، لأنّه يفصل بين الإيجاب والقبول شيء من الزمان، وامتناع العلقة بلا محل أمر عقلي لا تأثير لطول الزمان وقصره عليه.

وبذلك يظهر أنّ الوجه الثالث أشبه بدليل فلسفي على أمر اعتباري بخلاف الوجهين الأوّلين فإنّ لهما عرفية واضحة خصوصاً الوجه الأوّل.

الرابع: ما ذكره المحقّق الإيرواني بقوله: إنّ الإيجاب يفيد النقل من حينه، فإذا تأخّر القبول عنه، فإمّا أن يكون قبولاً لتمام مضمون الإيجاب، فعلى فرض الصحّة لزم حصول النقل قبل تمام العقد; أو بعض مضمونه، أعني: النقل من حين تحقّق القبول، فيلزم عدم المطابقة بين الإيجاب والقبول، وهو معفوّ في الفصل القليل دون الكثير.(1)

يلاحظ عليه بوجهين:

1. أنّ ما ذكره مبني على أنّ للقبول دوراً في النقل وعندئذ يتجه ما ذكره. وأمّا إذا قلنا بأنّه ليس له دور سوى تنفيذ ما نقله البائع، فالقابل ينفّذ ما نقله البائع بعد تمام الإيجاب ويكون دور القبول أشبه بدور الإجازة في الفضولي.

2. انّ ما ذكره مبني على أخذ الزمان قيداً للإيجاب مع أنّه ظرف لا قيد فمضمونه ليس سوى النقل فقط لا النقل من حين الإيجاب. نعم وقع النقل في حين الإيجاب لكنّه ليس قيداً لمضمون الإيجاب، بل هو مجرّد عن أيّ زمان، فإذا انضم إليه القبول يكون مطابقاً لمضمون الإيجاب.


1 . تعليقة المحقّق الإيرواني:1/90 ، السطر 35.


صفحه339

 

أدلة القائل بعدم اعتبار الموالاة

ذهب المحقّق الخوئي إلى عدم اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول قائلاً: بأنّ العقد ليس اسماً للّفظ المركب من الإيجاب والقبول، بل هو عبارة عن العهد المطلق أو العهد المشدّد، وهذا المعنى أمر نفساني قائم باعتبار الموجب والقابل، ومن الواضح أنّه لا ينفصم بتخلّل الفصل بين الإيجاب والقبول اللفظيين.

نعم لابدّ بعد ذلك أن يكون هناك مُظهِر في نظر أهل العرف لذلك الاعتبار النفساني، فإذن لا يكون الوجه المزبور دليلاً على اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول مادام الاعتبار قائماً بنفس الموجب.(1)

وحاصله: أنّ العقد قائم بالاعتبار النفساني إذا انضم إليه المبرز، فمادام الأمر النفساني موجوداً يؤثر، وإذا ما انضم إليه القبول يتحقّق العقد. ولا يشترط بقاء المبرز.

والظاهر أنّ السيد المحقّق الخوئي تأثّر بما ذكره السيد الطباطبائي في تعليقته حيث قال: إنّه لا دليل على اعتبار الموالاة بالمعنى المذكور لعدم الإجماع ـ وإن قيل:إنّ ظاهرهم الاتفاق عليه في العقود اللازمة ـ وعدم منافاته لصدق العقد إلاّ إذا كان بحيث لا يبقى معنى المعاهدة في نفس الموجب، وإلاّ فمع كونه باقياً عليه وبانياً على العمل بمقتضاه فنمنع عدم الصدق، ولذا


1 . مصباح الفقاهة:2/308.


صفحه340

لا يعتبر ذلك في العقود الجائزة بالاتفاق.(1)

ولعلّ الشهيدي(قدس سره)تبعه في تعليقته حيث قال: إنّ المدار في صدقه على بقاء الموجب على عهده إلى زمان مجيء القبول لا على الموالاة.(2)

يلاحظ عليه بوجهين:

الأوّل: عدم تسليم المبنى، فإنّ البيع وأمثاله من الأُمور الاعتبارية الإيجادية على نسق الأُمور التكوينية الموجودة بالتكوين، فالبيع عبارة عن إنشاء المبادلة بين المالين لا إبراز الإرادة النفسانية بتعلّقها على المبادلة، وهذا ما فرغنا منه في الفرق بين الإخبار والإنشاء.

الثاني: سلّمنا أنّ البيع من مقولة الإرادة الباطنية بشرط الإبراز لكن ليس كلّ إبراز موضوعاً عند العقلاء للأثر، فلو قال القائل: «بعتُ» وسكتَ القابل عن قبوله فترة طويلة لا يُعد ذلك موضوعاً لوجوب الوفاء بالعقد عرفاً، إلاّ في الموارد الّتي يقتضي المورد فيها جواز الفصل كما يأتي في البحث التالي.

ثمّ إنّ السيد المحقّق الخوئي أيّد ما اختاره بالوجوه التالية:

أ. انّ بعض الناس يرسل هدية إلى صاحبه الساكن في البلاد النائية وتصل إلى المهدى إليه بعد مدة طويلة مع أنّها صحيحة.

ب. انّ ملك الحبشة أهدى مارية القبطية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقبلها النبي مع عدم الموالاة بينهما.

ج. قيام السيرة بين التجار المتدينين على معاملة بعضهم بعضاً بالكتابة


1 . تعليقة السيد الطباطبائي:90.   

2 . تعليقة الشهيدي:197.


صفحه341

والبرقية مع تخلل الفصل الطويل بين إيجابها وقبولها.

د. فحوى ما ورد في جواز جعل المهر شيئاً من القرآن بناءً على أنّ القبول في الرواية هو قول الصحابي: زوجنيها، والإيجاب هو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):« قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها إياه»(1).(2)

يلاحظ على الوجهين الأوّل والثاني: أنّ الموردين من العقود الإذنية ويكفي فيها وجود الإذن وبقاؤه في ذهن الموجب، غاية الأمر يحتاج إلى كاشف وهو إرسال الهدية إلى المهدى إليه.

ويلاحظ على الوجه الثالث: بأنّ للكتابة بقاء عرفياً فإذا وقّع عليها القـابل يتحقّـق العقد مع عـدم الفصل، وكذا لو أبـرق بالكتابة ووقّـع عليها القابل.

ويلاحظ على الوجه الرابع: أنّ المرأة فوضّت أمر تزويجها للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قالت: زوّجني، كما أنّ الرجل وكّل النبي أيضاً بقوله: زوّجنيها، فأصبح النبي وكيلاً عنهما، عندئذ فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «زوجتكها على ما معك من القرآن»، ولو صحت الرواية لدلت على كفاية صيغة واحدة عنهما عن الإيجاب والقبول.

وقد ورد في بعض الروايات أنّه سبحانه عقد فاطمة(عليها السلام)لعلي(عليه السلام)فقال: «زوّجت أمتي فاطمة عبدي علياً»(3)، وهذا ليس ببعيد في الأولياء، فإذا كان


1 . الوسائل: ج 14، الباب1 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث13.

2 . مصباح الفقاهة:2/310ـ311.

3 . راجع بحارالأنوار: 43/128، الحديث 32; نقلاً عن كشف الغمة: 1/367، ومناقب الخوارزمي: 347.


صفحه342

الرجل ولياً للصغير والصغيرة يزوجهما بصيغة واحدة من باب الولاية.

ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ اختار مذهباً وسطاً بين نفي التوالي وإيجابه وقال: ما هو المعتبر ارتباط قرارهما وعهدهما أي عهد البائع وقراره بقبول المشتري ـ لا تواليهما ـ وهو حاصل مع بقاء الإيجاب الاعتباري، ففيما لم يصر الإيجاب الكذائي منسياً ومعرضاً عنه، صحّ ضم القبول إليه، فلو قال: بعتك هذا الفرس قم وتفكّر في ما تراه صالحاً لك، فقام وتأمل ساعة أو ساعتين بل يوماً أو يومين فاختار القبول يصدق العقد عليه ويجب الوفاء به عرفاً وشرعاً. كما أنّ العهود والاتفاقيات بين الدول المكتوبة وبين الشركاء في التجارات لا يعتبر فيها التوالي لدى العقلاء، فالمضرّ عدم ربط المسببات، والمعتبر ربطها، لا التوالي بين الإيجاب والقبول وبين الأسباب، من غير فرق بين كون دليل التنفيذ قوله سبحانه: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ) أو (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ)، أو (تِجَارَةً عَنْ تَرَاض).(1)

يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّ الفصل بين الإيجاب والقبول ربّما يكون من مقتضيات المورد، كما إذا باع بالكتابة ووصل الكتاب بعد شهر إلى المشتري فأمضاه، وهذا داخل في العمومات لأنّ موالاة كلّ شيء بحسبه، ومثله العقود والاتفاقيات بين الدول والشركاء في التجارات. فإنّ لكلّ مورد توالياً عرفياً فلا يكون هذا دليلاً على جواز الفصل بين الإيجاب والقبول في التجارات الدارجة في السوق وبين الناس.وأمّا ما ذكره من المثال فالرائج هو الوعد من جانب المالك إلى أن يرى المشتري ثم يفي بوعده، لا البيع القطعيّ، فتدبّر.


1 . كتاب البيع:1/345.


صفحه343

 

إكمال

قال الشهيد في «القواعد»: الموالاة معتبرة في العقد ونحوه، وهو مأخوذ من اعتبار الاتصال بين الاستثناء والمستثنى منه.(1)

وقد حمل المحقّق الخوئي الاستثناء في كلام الشهيد على ما هو المعروف في مصطلح النحاة والأُصوليين ولكن المراد منه هو الاستثناء بالمشيئة، قال سبحانه: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيء إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ).(2) وقال تعالى:(إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرمُنَّها مُصْبِحينَ * ولا يَسْتَثْنُونَ)(3)، أي ليقطعن ثمرتها إذا دخلوا في وقت الصباح غير مستثنين في أيمانهم فلم يقولوا: إن شاء اللّه. قال: معنى قول القائل: لأفعلنّ كذا إلاّ أن يشاء اللّه، استثناء; ومعناه إلاّ أن يشاء اللّه منعي أو تمكين مانعي.(4)

وقد ورد في الروايات تعقيب النذر واليمين بالاستثناء .(5) والمراد به المشيئة.

كما ورد في بعض الروايات عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:


1 . القواعد والفوائد: 1/234، القاعدة 73 ، ولاحظ أيضاً الدروس:2/ 165 في أحكام اليمين.

2 . الكهف:23ـ24.

3 . القلم:17ـ 18.

4 . مجمع البيان:5/336.

5 . انظر: الوسائل : ج 15، الباب25 من أبواب الأيمان، الحديث2. وقد ورد فيها: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «من حلف سرّاً فليستثن سرّاً، ومن حلف علانية فليستثن علانية».


صفحه344

«من قرأ سورة العنكبوت والروم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين فهو ـ و اللّه، يا أبا محمد ـ من أهل الجنّة، لا أستثني فيه أبداً، ولا أخاف أن يكتب اللّه عليّ في يميني إثماً، وإنّ لهاتين السورتين من اللّه مكاناً».(1)

ومعنى «لا أستثني في ذلك أبداً» :أي لا أضمّ إلى قسمي هذا لفظة إن شاء اللّه، ليقيني على هذا، وربما تصحف لفظة أبداً بـ(أحداً).


1 . الوسائل: ج 10، الباب 33 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.


صفحه345

 

10

التنجيز في مقابل التعليق

من شرائط صحّة العقد هو التنجيز في العقد، بأن لا يكون معلقاً، ذكره جماعة من المتقدّمين والمتأخّرين. وقد نقل الشيخ الأنصاري كلماتهم في «المتاجر».

وقبل الخوض في بيان الأحكام نذكر أُموراً:

1. أقسام التعليق

قد ذكر الشيخ الأنصاري للتعليق أقساماً أنهاها إلى اثني عشر قسماً، وإليك بيانها:

إنّ الشرط المعلّق عليه على أصناف:

أ. أن يكون دخيلاً في مفهوم العقد.

ب. أن يكون دخيلاً في صحّة العقد.

ج. أن لا يكون دخيلاً لا في مفهوم العقد ولا في صحّته.

وهذه الأصناف الثلاثة تُعدّ أُصولاً للتقسيم.

وكلّ من هذه الأصناف ينقسم إلى معلوم الحصول في الحال


صفحه346

ومجهوله، وإلى معلوم الحصول في المستقبل ومجهوله. فهذه اثنا عشر قسماً، إليك بيانها.

أمّا الصنف الأوّل ـ أعني: ما إذا كان الشرط دخيلاً في مفهوم العقد ـ فهو على أقسام أربعة:

1. أن يكون المعلق عليه أمراً حاليّاً معلوم الحصول، كما إذا قال: إن كانت هذه زوجتي فهي طالق، حيث إنّ الزوجية مأخوذة في عنوان الطلاق إذ هو فرع لها.

2. أن يكون المعلّق عليه أمراً حاليّاً مجهول الحصول، كما إذا قال وهو شاك: إن كانت هذه زوجتي فهي طالق.

3. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً معلوم الحصول في ظرفه، كما إذا قال البائع للمشتري: بعتك داري إن قبلت، مع علمه بأنّ المشتري يقبله.

4. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً مجهول الحصول في ظرفه، كما إذا باع بالنحو السابق مع جهله بأنّه يقبله.

هذه الأقسام الأربعة كلّها ترجع إلى الشرط الّذي هو دخيل في مفهوم العقد.

وأمّا الصنف الثاني ـ أعني: ما إذا كان الشرط دخيلاً في صحّة العقد ـ فهو أيضاً على أقسام أربعة:

5. أن يكون المعلّق عليه أمراً حاليّاً معلوم الحصول، كما إذا قال البائع: إن كان هذا ملكي فقد بعته لك بكذا مع علمه بأنّه ملكه.


صفحه347

6. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً مجهول التحقّق والحصول، كما إذا قال البائع: بعت هذا بكذا إن كان ملكي.

7. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً معلوم الحصول في المستقبل، كما إذا علّق البائع بيعه بتسلم المشتري ـ في بيع الذهب والفضة ـ فإذا قال: بعتك هذا الدينار أو الدرهم إن أخذتها وسلمت إليّ الثمن.

8. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً مجهول التحقّق، كما إذا باعهما بقيد التسلم مع الشك في قبول المشتري.

وهذه هي الأقسام الأربعة للصنف الثاني.

وأمّا الصنف الثالث ـ أعني: ما إذا لم يكن الشرط دخيلاً لا في مفهوم العقد ولا في صحّته ـ فهو أيضاً على أقسام أربعة:

9. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً معلوم التحقّق، كما إذا قال: بعتك إن كان اليوم يوم الجمعة بكذا درهماً، مع العلم بكون اليوم يوم الجمعة.

10. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً مجهول التحقّق، كما إذا قال: إن كان هذا اليوم يوم الجمعة فقد بعتك هذا الكتاب، مع الشك في كون هذا اليوم يوم الجمعة.

11. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً معلوم الحصول، كما إذا قال: بعتك داري إذا دخل شهر رمضان، ويريد بذلك تحقّق البيع من حين دخول شهر رمضان لا من الآن.


صفحه348

12. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً مجهول الحصول والتحقّق، كما إذا قال: بعتك هذا الكتاب إن جاء زيد يوم الجمعة.

2. ما هو محل النزاع في هذه الأقسام؟

الظاهر أنّ الأقسام الأربعة الأُولى خارجة عن محط النزاع، لأنّها من مقتضيات العقد ومقوّماته، وذكرها وحذفها سيّان، وكأنّ القيود في الأقسام الأربعة من مقوّمات الصيغة.

ومثلها الأقسام الأربعة الوسطى، فإذا كان الشرط دخيلاً في صحة العقد فكأنّه مذكور، وإلى ذلك يشير الشيخ الطوسي في كلامه فيقول: ومنهم من قال: يصح، لأنّه لم يشرط إلاّ ما يقتضيه إطلاق العقد، لأنّه إنّما يصحّ بيعه لهذه الجارية من الوكيل إن كان أذن له في الشراء بعشرين، وإذا اقتضاه الإطلاق لم يضر إظهاره وشرطه، كما لو شرط في البيع تسليم الثمن وتسليم المثمن وما أشبه ذلك.(1)

نعم أورد عليه الشيخ الأنصاري بأنّه لا يدفع مشكلة تعليق الإنشاء، حيث قال: إنّ المعلق على ذلك الشرط في الواقع هو ترتّب الأثر الشرعي على العقد دون إنشاء مدلول الكلام الّذي هو وظيفة المتكلّم، فالمعلّق في كلام المتكلّم غير معلق في الواقع على شيء، والمعلّق على شيء ليس معلّقاً في كلام المتكلّم على شيء ، بل ولا منجزاً بل هو شيء خارج عن مدلول الكلام.(2)


1 . المبسوط:2/385.  

2 . المتاجر:100.


صفحه349

وحاصل إشكاله: أنّ الشارع رتّب الأثر على وجود هذه الشرائط في الواقع وهو أمر صحيح، ولكن المتكلم قيّد إنشاءه بهذه الأُمور، فالمعلّق في كلام الشارع هو الآثار، والمعلّق في كلام المتكلم هو الإنشاء أي إنشاء البيع.

ولكن كلام الشيخ الطوسي يعرب عن خروج هذه الأقسام الثمانية عن معقد الإجماع الّذي أُدعيّ على بطلان المعلّق ويثبت أنّ معقد الإجماع على فرض وقوعه هو الأقسام الأربعة للقسم الثالث، أعني: ما لا يكون الشرط دخيلاً لا في مفهوم العقد ولا في صحّته.

3. دخول التعليق في جوهر بعض الصيغ

إنّ بعض العقود يكون التعليق داخلاً في جوهرها بحيث ليس له إلاّ قسم واحد، كما في الصور التالية:

أ. في الوصية التمليكية، كما لو قال: هذا لفلان إن متُّ.

ب. في التدبير، إذا قال: أنت حرٌّ إن مت.

ج. في السبق، كما إذا قال: هذه الجائزة لك إن كنت سابقاً، أو يخاطب الجماعة (الفريق الرياضي) ويقول: هذه الجائزة لكم إن فزتم على الفريق الآخر في المباراة.

د. الجعالة، كما إذا قال: من وجد ضالتي فله كذا.

إلى غير ذلك من الموارد.

والعجب أنّهم اتّفقوا على صحّة التوكيل إذا قال: أنت وكيلي ولكن لا


صفحه350

تبع مالي إلاّ يوم الجمعة، ولكن اختلفوا إذا قال: أنت وكيلي في أن تبيع مالي يوم الجمعة، مع أنّ الاختلاف بينهما في اللفظ دون المعنى، ومن البعيد أن تكون إحدى الصيغتين نافذة دون الأُخرى عند الشرع.

4. اختلاف الأدلة سعة وضيقاً

إنّ القائلين ببطلان التعليق استدلّوا بوجوه يختلف مفادها سعة وضيقاً، وإليك الإشارة إلى بعضها:

أ. بطلان التعليق في الإنشاء.

ب. التعليق على الشرط تعليق على أمر مجهول وهو ينافي الجزم.

فلو كان المستند للبطلان هو الأوّل فهو يعم جميع الأقسام الاثني عشر.

وأمّا لو كان المستند هو الثاني فلا يضرّ التعليق إذا كان الشرط معلوم التحقّق في الحال أو معلوم الحصول في المستقبل.

إذا عرفت هذه الأُمور الأربعة فلندرس أدلّة القائلين بالبطلان.


صفحه351

 

11

أدلة القائلين ببطلان العقد المعلّق

الدليل الأوّل: الإجماع

قد عدّ من أدلة لزوم التنجيز وبطلان التعليق الإجماع الوارد في كلام
غير واحد من علمائنا، منهم الشيخ قال: إذا قال: إن قدم الحاج أو جاء رأس الشهر فقد وكلتك في البيع، فإنّ ذلك لا يصحّ. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يصح. دليلنا: أنّه لا دليل على صحة هذا العقد، وعقد الوكالة يحتاج إلى دليل.(1)

وذكر صاحب مفتاح الكرامة في شرح قول العلاّمة في القواعد: «ويجب أن تكون منجزة»: عند علمائنا كما في التذكرة، أجمع كما في جامع المقاصد، وفي شرح الإرشاد لفخر الإسلام أنّ تعليق الوكالة على الشرط لا يصحّ عند الإمامية، وعن غاية المرام أنّه لا خلاف فيه، ومع ذلك قال في الكفاية:إنّه المشهور وأنّه غير مرتبط بدليل واضح، ثم قال: قد صرح بوجوب التنجيز في الخلاف والمبسوط والسرائر والشرائع والنافع والتحرير والإرشاد واللمعة والتنقيح وجامع المقاصد والمسالك والروضة وهو مقتضى


1 . الخلاف:3/355، كتاب الوكالة، المسألة 23.


صفحه352

بقية الشروح والحواشي حيث سكتوا كما في بطونها.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لو كان في المسألة إجماع لاستند إليه الشيخ الطوسي في الخلاف حيث إنّه يستدل في أكثر المسائل إليه، ولكنّه في هذه المسألة اقتصر بقوله: إنّه لا دليل على صحّة هذا العقد.

ثانياً: أنّه لو كان التنجيز شرطاً في الصحة، والتعليق مبطلاً لها، لأشار إليه المفيد في المقنعة والطوسي في النهاية وابن الصلاح في الكافي والديلمي في المراسم وابن حمزة في الوسيلة والراوندي في فقه القرآن وابن سعيد في الجامع.(2)

ثالثاً: لو افترضنا وجود الإجماع فالإجماع مدركي اعتمده القائلون بالأدلة العقلية الّتي نتلوها عليك ، ومثله لا يكشف عن نص وصل إليهم ولم يصل إلينا.

نعم كلّ مورد قام الإجماع على بطلان التعليق يؤخذ به كما في مورد الطلاق والنكاح، وأمّا في غيرهما فالعموم والإطلاق في أدلّة البيع والعقد هو المحكم. وسيوافيك الكلام فيما ذكره الشيخ في آخر المبحث.

الثاني: استلزام التعليق في الإنشاء

هذا ما اعتمد عليه بعض القائلين بالبطلان، قال الشيخ: وربما يتوهم أنّ الوجه في اعتبار التنجيز هو عدم قابلية الإنشاء للتعليق، ثم أجاب عنه بقوله: المراد بالإنشاء إن كان هو مدلول الكلام، فالتعليق فيه غير متصوّر، وإن كان


1 . مفتاح الكرامة:7/526.   

2 . مفتاح الكرامة:7/526.


صفحه353

الكلام في أنّه كما يصحّ إنشاء الملكية المتحقّقة على كلّ تقدير فهل يصحّ إنشاء الملكية المتحقّقة على تقدير دون آخر، كما إذا قال: هذا لك إن جاء زيدٌ غداً، أو: خُذ هذا المال قرضاً أو قراضاً إن أخذته من فلان، فلا ريب في أنّه متصوّر واقع في العرف والشرع كثيراً، في الأوامر والمعاملات من العقود والإيقاعات.(1)

توضيحه: أنّه إذا قال: بعتك هذا المال إن جاء زيد غداً، فالشرط دائر بين أن يرجع إلى الإنشاء وبين أن يرجع إلى المنشأ.

أمّا الإنشاء بمعنى استعمال اللفظ في معناه فهو يدور أمره بين الوجود والعدم، إذ أنّه إمّا أنشأ وإمّا لم يُنشئ، ولا يتصور أن يقال: أنشأ على وجه ولم يُنشئ على وجه. وهذا نظير قولنا: استعمل على وجه ولم يستعمل على وجه.

وأمّا المنشأ فهو الملكية فلا مانع من تصويرها على وجهين: فتارة يكون المنشأ ملكية مطلقة كما إذا قال: هذا لك، وأُخرى يقول: هذا لك إذا جاء ابني يوم الجمعة.

فما لم يتحقّق الشرط فالملكية تقديرية لا تحقيقية، ولها واقعية في حدّ نفسها، ولذلك يستغني البائع عن الإنشاء الجديد إذا حصل الشرط.

فإن قلت: كيف لا يجوز تعليق الإنشاء مع أنّ المحقّق الخراساني قال ـ في القضايا الشرطية نظير «أكرم زيداً إن أكرمك» ـ برجوع القيود إلى مفاد الهيئة، أعني: الطلب، خلافاً للشيخ الأنصاري الّذي قال برجوعها إلى المادة، أي الإكرام.


1 . المتاجر:100.


صفحه354

قلت: إنّ الإنشاء على كلا القولين مطلق غير مقيّد.

وإنّما الاختلاف في أنّ القيد راجع إلى المنشأ وهو الوجوب، أو راجع إلى ما تعلّق به الوجوب، أعني: الصلاة.

توضيحه: أنّه إذا قال: أقم الصلاة إذا زالت الشمس، فهنا أُمور ثلاثة:

1. الإنشاء.

2. المنشأ.

3. المادة أو المتعلّق.

فالإنشاء بمعنى استعمال اللفظ في معناه الإيجادي أمر مطلق لا يقبل التعليق، لأنّ أمر الاستعمال دائر بين الوجود والعدم.

والمنشأ عبارة عن المعنى الحاصل بسبب الاستعمال في عالم الاعتبار، أعني: الطلب، فهو عند المحقّق الخراساني مقيّد بالزوال.

والمتعلّق عبارة عن الصلاة التي تعلّق بها الوجوب. نعم الصلاة عند الشيخ الأنصاري مقيدة بالزوال.

فعلى كلّ تقدير فالإنشاء مطلق غير مقيد.

فقوله: أقم الصلاة إذا زالت الشمس، عند المحقّق الخراساني بمنزلة قوله: تجب عند زوال الشمس الصلاة.

وعند الشيخ الأنصاري بمنزلة قوله: تجب الصلاة المقيّدة بزوال الشمس.


صفحه355

 

الثالث: منافاة التعليق الجزم حال الإنشاء

اعتمد العلاّمة في «التذكرة» على هذا الدليل وقال: الخامس من الشروط: (الجزم); فلو علّق العقد على شرط، لم يصح، وإن كان الشرط المشيئة (إن شاء اللّه) للجهل بثبوتها حال العقد وبقائها مدته.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، فإنّما يتم فيما إذا كان الشرط مجهول الحصول لا محقّقه كما في بعض الأقسام.

أضف إلى ذلك أنّه لم يذكر لهذا الشرط دليلاً، إذ ليس هناك دليل قاطع على لزوم الجزم في العقود، بل يكفي في صحّة العقود كونها أمراً متعارفاً، وهو كذلك كما إذا شك في زوجية امرأة، فلا محيص من الطلاق بالتعليق ويقول: إن كنت زوجتي فأنت طالق.

ثمّ إنّ المنع عن التعليق بوجه مطلق ينافي المصلحة الاجتماعية، لأنّ كثيراً من الناس يعقدون الوكالة لشخص ولكن لا يريدون أن يكون مطلق العنان في الوكالة، بل يقيّدون الوكالة بقيد أو شرط.

الرابع: عدم ترتب الأثر حال العقد

ما ذكره صاحب الجواهر وهو أنّ ظاهر أدلّة سببية العقد هو ترتّب مسببه عليه حال وقوعه، فتعليق أثره بشرط من المتعاقدين دون الشارع


1 . تذكرة الفقهاء:10/10.


صفحه356

معارض لذلك، بل هو شبه إثبات حكم شرعي من غير أهله.(1)

وأجاب عنه الشيخ بقوله: إنّ العقد سبب لوقوع مدلوله فيجب الوفاء به على طبق مدلوله، فليس مفاد (أَوفُوا بِالْعُقُودِ)إلاّ مفاد: (أوفوا بالعهد)، في أنّ العقد كالعهد إذا وقع على وجه التعليق، فترقّب تحقّق المعلّق عليه في تحقّق المعلّق لا يوجب عدم الوفاء بالعهد.(2)

توضيحه: أنّ الأثر الشرعي يترتّب على كيفية المنشأ، فإن كان المنشأ ملكية فعلية، فالأثر ـ أعني: جواز التصرف ـ يترتّب عليه بالفعل، وإن كان المنشأ هو الملكية المعلّقة فيترتب عليه الأثر الشرعي على وجه التعليق، أي إذا وجد المعلق عليه يصحّ للمشتري التصرف فيه.

الخامس: الشك في شمول الأدلّة

إنّ المنجز داخل في الآية، وأمّا المعلّق ففيه الشك في شمول الآية ونحوها له.(3)

وإليه ينظر قول الشيخ ويقول: والأضعف من الوجه المتقدّم التمسّك في ذلك بتوقيفية الأسباب الشرعية الموجبة لوجوب الاقتصار فيها على المتيقّن، وليس إلاّ العقد العاري عن التعليق.(4)

وأظن أنّ هذا الدليل هو الدليل الحاسم في المقام، وهو أنّ المرجع في


1 . الجواهر:22/253.   

2 . المتاجر:100.

3 . الجواهر:22/253.

4 . المتاجر:100.


صفحه357

صحّة عقد دون عقد هو العرف، فلو كان التعليق في البيع والإجارة أمراً عرفياً، ورائجاً بين الناس تشمله أدلة الإمضاء، وأمّا إذا كان أمراً غريباً غير رائج عندهم فلا يمكن الاستدلال بإطلاق أدلة الإمضاء على صحّته، لما عرفت من السابق من أنّ أدلة الإمضاء ناظرة إلى تصحيح ما بيد العرف على وجه يكون الصحيح عند العرف مرآة إلى الصحيح عند الشرع، فإذا كان التعليق أمراً غير مقبول عندهم فكيف يجوز التمسّك بإطلاق الأدلة؟!

ومن هنا يعلم أنّ ما أورده الشيخ على هذا الاستدلال، غير تام، قال: إذ فيه: أنّ إطلاق الأدلّة مثل حلّية البيع وتسلّط الناس على أموالهم(1)، وحلّ التجارة عن تراض، ووجوب الوفاء بالعقود، وأدلة سائر العقود، كاف في التوقيف. وبالجملة فإثبات هذا الشرط في العقود مع عموم أدلّتها ووقوع كثير منها في العرف على وجه التعليق بغير إجماع محقّق أو منقول، مشكل.(2)

يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّ أدلة الإمضاء ناظرة إلى ما هو الصحيح في العرف، فإذا كان التعليق مرفوضاً عندهم فلا يمكن إثبات صحّته بالإطلاقات، ومن هنا يعلم أنّ الميزان في صحّة التعليق وعدمه كونه رائجاً بين الناس، كما هو الحال في الوكالة، وبعض ما يشبهها، وأمّا الطلاق والنكاح والبيع والإجارة، فالتعليق فيها غير رائج، وما هذا إلاّ لأنّ الغرض من المعاملة قضاء الحاجات، والتعليق ينافي ذلك.


1 . لا يخفى أنّ الاستدلال بدليل السلطنة على الأموال، ينافي ما مرّ من الشيخ من أنّه ليس مشرعاً، والسلطنة على الأموال غيرها على الضوابط والقواعد العقلائية. فلاحظ.

2 . المتاجر:100.


صفحه358

وبذلك يظهر الفرق بين مختارنا وما اختاره الشيخ الأنصاري(رحمه الله)،
فقد ذهب الشيخ إلى جواز التعليق إلاّ إذا كان هناك إجماع على الخلاف
محقّقاً أو منقولاً، وأمّا نحن فقد قلنا بأنّ الأصل كونه متعارفاً بين الناس، فما تعارف يجوز كما في التدبير والوصية والسبق والرماية والوكالة، وإلاّ فلا يجوز.


صفحه359

 

12

التطابق بين الإيجاب والقبول

من جملة شروط العقد: التطابق بين الإيجاب والقبول.

قال العلاّمة: لابدّ من التطابق في المعنى بين الصيغتين.

فلو قال: بعتك هذين بألف، فقال: قبلت أحدهما بخمسمائة، أو قبلت نصفهما بنصف الثمن. أو قال: بعتكما هذا بألف، فقال أحدهما: قبلت نصفه بنصف الثمن، لم يقع على إشكال في الأخير. أقربه: الصحة واختيار البائع.(1)

وقال المحقّق النائيني: إنّ اعتبار التطابق من القضايا الّتي قياساتها معها، لأنّ العقد عبارة عن أمر وحداني متحصّل من الإيجاب والقبول، فلو أنشأ أحدهما البيع والآخر قبل بعنوان الهبة، أو أحدهما باع الجارية والآخر اشترى العبد، لم يتحصّل معنى واحد منهما، لعدم ارتباط كلام أحدهما بالآخر.(2)

ويمكن أن يقرر ببيان آخر، وهو: أنّ القابل بقبوله يطاوع ما أنشأه الموجب، ومقتضى المطاوعة هو تعلّق القبول بنفس ما تعلّق به الإيجاب، وإلاّ لم يصدق القبول ولا المطاوعة، بل لا يصدق عليه العقد الواحد، بل كلامان منفصلان لا صلة لأحدهما بالآخر.


1 . تذكرة الفقهاء:10/10.  

2 . منية الطالب:1/114.


صفحه360

ثمّ إنّ التطابق على أقسام:

1. التطابق في مقوّمات العقد وهذا كما في المبيع، لما مرّ من أنّه ربط بين المالين، كما أنّ النكاح ربط بين الزوجين; فلو باع عبداً وقبل الآخر جارية فلا يصدق عليه البيع، لأنّ البائع ربط بين العبد والثمن لا بين الجارية والثمن.

ونظيره ما لو زوجت المرأة نفسها بعمرو وقبلها بكر، فلا يصدق النكاح، لأنّ الموجبة ربطت بين نفسها وعمرو لا بينها وبين بكر، هذا كلّه راجع إلى التطابق في مقوّمات العقد ومحقّقاته.

2. التطابق في غير المقوّمات كالتطابق بين الإيجاب والقبول من ناحية البائع والمشتري، فلو قال زيد لعمرو: بعتك داري بكذا، ويقول عمرو: قبلت البيع لخالد، أو يقول خالد: قبلت البيع لنفسي بكذا، فهل يبطل العقد؟ ذكر المحقّق الخوئي(رحمه الله)أنّه يبطل العقد لعدم ورود الإيجاب والقبول على مورد واحد.(1)

أقول: قد عرفت أنّ مقوم البيع هو تبادل المالين ولا مدخلية للبائع والمشتري في حقيقته، فعلى ذلك يجب التفصيل بين ما إذا كان الثمن كليّاً قائماً بذمة المخاطب، كما إذا قال: بعتك داري بكذا في ذمتك، فلا يصح أن يقول القابل: قبلت لخالد، أو يقول خالد: قبلت البيع لنفسي، إذ لا اعتبار لذمّة خالد، سواء قبل مباشرة أو قبل عنه وكيله.

نعم لو كان الثمن عيناً خارجية فقال البائع: بعتك داري من عمرو في


1 . مصباح الفقاهة:2/226.


صفحه361

مقابل هذا الثمن، وكان الثمن لخالد، فقبل عمرو وكالة عن خالد، أو قبل خالد مباشرة، صح البيع.

3. التطابق بين الإيجاب والقبول في أجزاء المبيع والثمن، فلو قال البائع: بعتك داري بخمسين ديناراً، وقال المشتري: قبلت البيع في نصف المبيع بخمسة وعشرين ديناراً، فالظاهر بطلان البيع، لأنّ البائع ربط بين مجموع الدار ومجموع الخمسين ديناراً، أي المجموع في مقابل المجموع ، فقبول نصف المبيع في مقابل نصف الثمن خارج عن واقع عمل البائع.

4. التطابق بين الإيجاب والقبول من ناحية الشروط، فإذا باع البائع داره بثمن معين بشرط أن يخيط له ثوباً وقبل المشتري البيع بذلك الثمن مجرداً عن الشرط، فهل يصحّ أو لا؟ ربما يقال بالصحة وثبوت الخيار للمشروط له نظراً إلى أنّ الشرط لا يرتبط بالعقد وإنّما هو التزام في التزام.

والمسألة مبنية على أنّ الشرط التزام ثان وراء الالتزام بالثمن، أو هو جزء الالتزام الواحد، والعرف مع الثاني دون الأوّل، والضابطة الكلية: أنّه إذا كان متلقّى العرف انحلال العقد الواحد إلى عقدين، لا يضرّ قبول أحد العقدين دون الآخر، كما إذا باع فرسه بألف وثوبه بألف، فقال من باب الجمع في التعبير: بعتهما بألفين، فقبل أحدهما دون الآخر ،صحّ في المقبول ولا يعد مثل ذلك على خلاف التطابق. وأمّا إذا كان المجموع في نظر العرف مبيعاً واحداً، فباع المجموع بألف، فلا يصحّ قبول البعض ورفض البعض الآخر. وقد مرّ كلام العلاّمة في صدر المبحث، فظهر من جميع ما ذكرنا أنّ ما ذكره المحقّق النائيني من أنّ التطابق من القضايا الّتي قياساتها معها، كلام تام.


صفحه362

 

13

بقاء المتعاقدين على الأهلية

قال الشيخ: ومن جملة الشروط في العقد أن يقع كلٌّ من إيجابه وقبوله في حال يجوز لكلّ واحد منهما الإنشاء، فلو كان المشتري في حال إيجاب البائع غير قابل للقبول، أو خرج البائع حال القبول عن قابلية الإيجاب، لم ينعقد.(1)

وقال المحقّق النائيني: إنّ هذا الشرط أيضاً كالشرط السابق من القضايا الّتي قياساتها معها، بل منشأ اعتباره هو المنشأ لاعتبار الشرط السابق.

واستدل عليه بقوله: لأنّ العقد لا ينعقد إلاّ بفعل الاثنين، فلو فقد ـ حين أنشأ أحدهما ـ شرائط العقد فوجودها سابقاً أو لاحقاً لا أثر له، ومجرد تحقّق الشرط حين أنشأ الآخر لا يفيد بعد كون إنشائه جزءاً للعقد لا إيقاعاً مستقلاً، فلو كان المشتري حين إنشاء البائع نائماً لا يصحّ العقد وكذلك العكس.(2)

وفصّل السيد الطباطبائي بين ما كان المشتري في حال إيجاب البائع غير قابل للتخاطب من جهة الإغماء أو النوم أو الجنون، وبين ما لو لم يكن


1 . المتاجر:101.

2 . منية الطالب:1/114.


صفحه363

كذلك، كما إذا نام البائع بعد الإيجاب مع علمه بأنّ المشتري يقبل لا محالة. وكذا فيما إذا كان المانع هو الفلس أو السفه، ويشهد لما ذكرنا من صدق المعاهدة عدم الفرق في ذلك بين كون العقد جائزاً أو لازماً، مع أنّه لا بأس بالنوم بين الإيجاب والقبول في العقود الجائزة.(1)

وحاصل التفصيل بطلان العقد في مورد وصحته في موردين، بطلانه فيما إذا كان المشتري غير قابل للخطاب وإن أفاق بعده، وضمنه فيما إذا كان البائع واجداً للشرط ثم فقد عند قبول المشتري. وفيما إذا كان المانع هو الفلس والسفه، مثلاً إذا كان البائع محجوراً عند الإيجاب ، وصار غير محجور عند القبول.

والظاهر التفصيل بين ما هو مقوّم لماهية العقد وقوامه، كالحياة والعقل; وبين ما هو مؤثر في ترتّب الآثار الشرعية والعرفية.

أمّا الأوّل: فوجود هذه الشرائط من بدء الإيجاب إلى ختام العقد ممّا لا ينبغي أن يشك في شرطية بقائها.

وذلك لأنّ الموجب يملك ماله في مقابل الثمن، فإذا قال: بعت هذا بهذا، ثم مات، فليس هناك تمليك حتّى يقبله المشتري، لأنّ التمليك زال بالموت وليس له عند العرف بقاء.

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيد الأُستاذ (قدس سره)أنّ البيع عبارة عن مبادلة


1 . تعليقة السيد: 92. وهذا هو الظاهر من المحقّق الاصفهاني ، لاحظ : تعليقة الاصفهاني على المتاجر: 1 / 73 .


صفحه364

مال بمال، وهذه المبادلة أُنشئت بفعل الموجب وإيجابه من غير دخالة مخاطبه، فإذا كان المشتري نائماً عند الإيجاب فانتبه وعلم إيجاب البائع فقبله، صح العقد.

وجه النظر إنّه إنّما يصحّ في جانب المشتري دون البائع، فلو مات البائع عند قبول المشتري فلا تمليك حتّى يقبل.

فإن قلت: إنّ الموصي يملّك ماله للموصى له، فيقبله الثاني بعد موت الموصي.

قلت: إنّ حياة الموصي ليست مقوماً لتملّك الموصى له، بل موته شرط لتملّكه، فلا يضر موت الموصي لتملّكه، وهذا بخلاف المقام فإنّ حياة البائع مقوم لبقاء تمليك البائع حتّى يقبله المشتري، وبذلك يُعلم ضعف ما أفاده السيد في تعليقته حيث قال: ويشهد له ما في باب الوصية.

أمّا الثاني ـ أعني: ما هو المؤثر في ترتّب الآثار كالقبض والاختيار ـ : فوجودها في مواردها كاف في الصحة، فلو كان المشتري مكرهاً عند الإيجاب ثم رضي عند القبول، ومثله ما لو باع شيئاً ثم ملكه فإنّ الملكية ليست معتبرة في أوّل العقد، بل تكفي عند التسليم.


صفحه365

 

14

اختلاف المتعاقدين في شروط الصيغة

إذا اختلف المتعاقدان في شروط الصيغة ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ فهل يجوز أن يكتفي كلّ بما يقتضيه مذهبه، أو لا؟ وجوه.

وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً:

الأوّل: صور الاختلاف:

إنّ للاختلاف صوراً نذكرها تالياً:

1. في شروط العقد.

2. في شروط المتعاقدين.

3. في شروط العوضين.

4. في نفس الشروط من حيث الصحة والفساد.

أمّا الأوّل: كالعقد بالفارسية أو بغير الماضوية إذا صحّ عند أحد المتعاقدين دون الآخر.

وأمّا الثاني: كالاختلاف في حدّ البلوغ للمرأة، فأحدها رأى أنّ بلوغها


صفحه366

بتمام التسع والآخر يراه بالحيض أو بالثلاث عشرة سنة، فعقدت ولها من العمر تسعاً.

وأمّا الثالث: كما إذا رأى أحد الطرفين الشيء مكيلاً أو موزوناً و الآخر رآه معدوداً.

وأمّا الرابع: كما لو اختلف في جواز شرط خاص وانّه هل هو مخالف لمقتضى العقد أو لا؟

الثاني: الأقوال والاحتمالات في المسألة

إنّ في المسألة أقوالاً أو احتمالات نذكر أهمها:

1. الاكتفاء مطلقاً.

2. عدم الاكتفاء مطلقاً.

3. الاكتفاء إلاّ إذا كان العقد المركب منهما ممّا لا قائل بكونه سبباً في النقل، كما إذا لم يوجد قائل بجواز تقديم القبول على الإيجاب والعقد بالفارسية، فعقدا بالفارسية وقدم القبول على الإيجاب، وهذا ما عدّه الشيخ أردأ الأقوال.

4. التفصيل بين العلم بالبطلان من ناحية أحدهما وبين مجرد الظن الحاصل من الأمارات، فيصح على الثاني دون الأوّل.

5. التفصيل بين ما لا يسري فساد أحد جزئي العقد إلى الآخر فيصح، وهذا كما إذا أوجب بالمضارع أو بالفارسية، دون ما لو سرى من جزء إلى آخر


صفحه367

وهذا كالموالاة، فلو كانت الموالاة شرطاً عند الموجب دون القابل، فقبل بعد فوت الموالاة، فيسري الفساد إلى مجموع العقد، لأنّ الموالاة قائمة بمجموع الإيجاب والقبول.

الثالث: تقسيم الأحكام

إنّ الأحكام الشرعية حسب تقسيم القوم على أقسام ثلاثة:

1. الحكم الواقعي الأوّلي، المشترك بين جميع الناس، سواء أكان عالماً أم جاهلاً، قادراً أم عاجزاً.

2. الحكم الواقعي الثانوي، وهو الحكم الثابت في حق المضطر، كوجوب التيمم بالنسبة إلى فاقد الماء، فهذا النوع من الحكم حكم شرعي له آثاره، ولذا يجوز للمتيمّم دخول المسجد ومس القرآن وغير ذلك.

3. الحكم الظاهري، وهو الحكم الموضوع عند الشكّ في الحكم الواقعي، كالبراءة والتخيير واستصحاب الحكم الثابت في زمان اليقين وجرّه إلى زمان الشك، فقد عدّ المشهور الحكم الظاهري حكماً مجعولاً من الشارع في ظرف الشك ثم ذكروا وجوهاً لوجه الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي إذا تعارضا.

وهناك قول آخر وهو الّذي رآه سيدنا المحقّق الكوهكمري(قدس سره)، وهو أنّ الحكم الظاهري ليس حكماً شرعياً مجعولاً، بل هو جعل عذر للشاك إذا خالف الواقع.


صفحه368

وإن شئت قلت: إنّ الشارع يرفع اليد عن الحكم الواقعي في مقام الفعلية عند الجهل به، مع ثبوته إنشاءً دون أن يكون هناك جعل من الشارع.

إذا عرفت ذلك فلنذكر أدلّة الأقوال والاحتمالات.

أدلّة الاحتمالات الخمسة في المسألة

أمّا الاحتمال الأوّل ـ أعني ترتيب الأثر مطلقاً حتّى بالنسبة إلى العالم بفساده ـ فهو مبنيّ على أنّ الأحكام الظاهرية، بمنزلة الأحكام الواقعية الاضطرارية، فالإيجاب بالفارسية بمنزلة إشارة الأخرس في طلاقه وصلاة المتيمّم بالنسبة إلى واجد الماء، فكما يجب ترتيب الأثر لإشارته وصلاته فهكذا المقام.

وأمّا الاحتمال الثاني فهو مبني على أنّ الأحكام الظاهرية ليست أحكاماً شرعية مجعولة من الشارع في حقّ الجاهل، غاية الأمر أنّها أحكام عذرية لمن جهل الحكم الشرعي دون العالم بخلافه.

وأمّا الاحتمال الثالث فهو احتمال مؤلف من الاحتمالين المذكورين: الأوّل والثاني حيث فصل بين كون الحكم الظاهر حكماً شرعياً مجعولاً كالأحكام الاضطرارية فيكون مجزياً مطلقاً، أو حكماً عذرياً بالنسبة إلى الجاهل فلا يكون كذلك.

وأمّا الاحتمال الرابع وهو التفصيل بين العلم بالبطلان من أحدهما وبين مجرد الظن الحاصل من الأمارات، مثلاً إذا حصل العلم ببطلان العقد الفارسي عند القابل، لا يجوز له ترتيب الأثر، وأمّا إذا قام الدليل الظني على


صفحه369

بطلان العقد غير العربي، يجوز له ترتيب الأثر، فوجهه أنّ الشارع أمضى الحكم الظاهري في حق القائل بالجواز، فيجب على الطرف الآخر ترتيب الأثر على عمله، لأنّ القائل بالبطلان لم يحرز الحكم الواقعي المشترك بين الجميع وإنّما أحرز حكم الشارع بالأمارات، وهو بعد غير قطعي.

وأمّا الاحتمال الخامس ـ الّذي أشار إليه الشيخ أيضاً في ذيل كلامه ـ فلا غبار عليه بأن يقال: إنّ الكلام فيما إذا كان أحد الجزأين عند أحد المتعاقدين فاسداً دون الجزء الآخر، وأمّا إذا سرى الفساد من أحد الجزأين إلى الجزء الآخر فالعقد حينئذ محكوم بالبطلان، مثلاً الموجب القائل بالموالاة إذا قبله المشتري بلا موالاة فقد أفسد قبوله، وإيجاب الآخر أيضاً، فلا يعتمد عليه.

وهناك احتمال سادس ذكره السيد الطباطبائي في تعليقته، وحاصله: أنّه لا مانع من أن يكون الحكم الظاهري في حق واحد منهما حجّة في حقّ الآخر وإن اعتقد خطأه، وذلك فيما لو كان فعله موضوعاً للحكم بالنسبة إليه كما في مثال النكاح إذا عقد بالفارسية فيحرم ـ على من يرى وجوب العقد بالعربية ـ تزويجها.

وأمّا إذا كان فعله قائماً مقام فعله بأن يتحمّل بفعله عن الطرفين، مثلاً إذا استأجر الولي الذي يجب عليه قضاء الميت من يعتقد بطلان صلاته وإن كانت صحيحة عند نفسه، فإن فعل الأجير فعل الولي ـ المستأجر ـ فلا يجوز الاكتفاء به.(1)


1 . التعليقة:93.


صفحه370

وقد أشار إليه السيد أيضاً في «العروة الوثقى» في أحكام الجماعة وقال: يجوز اقتداء أحد المجتهدين أو المقلدين أو المختلفين بالآخر مع اختلافهما في المسائل المتعلقة بالصلاة... إلى أن قال: فيما عدا ما يتعلق بالقراءة في الركعتين الأُوليين الّتي يتحملها الإمام عن المأموم، وذلك لأنّ الضامن حينئذ لم يخرج من عهدة الضمان حسب معتقد المضمون عنه، مثلاً إذا كان معتقد الإمام عدم وجوب السورة وقد تركها فيشكل جواز اقتداء من يعتقد وجوبها به، وكذا إذا كانت قراءة الإمام صحيحة عنده وباطلة بحسب معتقد المأموم من جهة ترك إدغام لازم أو مدّ لازم.(1)

نعم ما ذكره يختص بغير باب البيع، إذ ليس فيه ضمان بل كلّ يعمل بوظيفته.

وفي المقام قول سابع اختاره المحقّق الخوئي وحاصله: إنّ كلاًّ من المتبايعين يعمل بمقتضى وظيفته، قال: التحقيق ـ هو ما ذكرناه ـ من الحكم بالصحة من جانب، وبالفساد من جانب آخر، ضرورة أنّ العقد وإن كان متقوماً بالإيجاب والقبول، إلاّ أنّ ذلك لا يقتضي إلاّ التلازم ـ في الصحة أو الفساد ـ بحسب الحكم الواقعي، لأنّه لا يمكن في الواقع أن ينتقل المبيع إلى المشتري، ولا ينتقل الثمن إلى البائع أمّا بالنسبة إلى الحكم الظاهري فلا مانع من الالتزام بالتفكيك: بأن يعمل كلّ من الموجب والقابل بما تقتضيه وظيفته الظاهرية.


1 . العروة الوثقى:278، أحكام الجماعة، المسألة 31.


صفحه371

مثلاً: إذا كان البائع مقلداً لمن يقول بصحة العقد بالفارسي وكان المشتري مقلداً لمن يقول ببطلان ذلك، جاز للبائع أن يتصرف في الثمن، لأنّه يراه ملكاً لنفسه، ولا يجوز له أن يتصرف في المبيع، لأنّه خارج عن ملكه في نظره.

أمّا المشتري فلا يجوز له التصرف في المبيع، لأنّه لا يراه ملكاً لنفسه بل يراه ملكاً لمالكه الأوّل.

ولا عجب في ذلك، لأنّ التفكيك في الأحكام الظاهرية بما لا يحصى.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لو تم، ما ذكر فإنّما يتمّ لو كان المتبايعان عالمين بالحكم الشرعي حين البيع، فيجوز للبائع التصرف في الثمن لأنّه ملكه باعتقاده، ولا يجوز للمشتري التصرف في المبيع لاعتقاده بأنّه ملك للبائع; وأمّا لو كانا جاهلين أو كان المشتري جاهلاً ثم علم الحكم الشرعي، فكيف يجوز للبائع التصرف في الثمن مع أنّ تمليك المشتري مقيّد بتملّكه المبيع، وإلاّ فلا يرضى بالتصرف أصلاً.

على أنّ هذا القول يورث الفوضى في المعاملات.

هذه هي الأقوال والاحتمالات ودلائلها.

وتلخص ممّا ذكرنا عدم الصحة على مذاق القوم في الموارد التالية:


1 . مصباح الفقاهة:2/84.


صفحه372

1. إذا كان الاختلاف سبباً إلى جريان البطلان إلى مجموع العقد كالموالاة والتعليق، فإذا علّق الموجب وكان الحكم عند القابل بطلان التعليق، يكون العقد بما هوهو معلقاً فيسري البطلان إلى مجموع العقد.

2. إذا كان الطرف المخالف عالماً وقاطعاً بفساد الإيجاب أو القبول، إذ مع العلم به لا يمكن أن يرتّب الأثر عليه.

3. ما يرجع إلى غير مقام البيع إذا كان أحد الطرفين متحمّلاً لضمان الآخر ولم يكن العمل موافقاً لرأي المضمون عنه، كما مرّ في مسألة القرابة.

وأمّا في غير تلك الموارد فالاكتفاء يتوقّف على جعل حكم شرعي ظاهري في موارد الجهل فيجب ترتيب الأثر حتّى من جانب المخالف، وأمّا إذا أنكر حكماً شرعياً ظاهريّاً بل قلنا:إنّ غاية ما في الباب وجود عذر للجاهل، فلا يترتّب الأثر.

ومع ذلك يمكن أن يقال:إنّ الحكم ببطلان المعاملة في هذه الموارد وما شابهها مخالف للسيرة المستمرة بين المسلمين في كثير من الموارد، مضافاً إلى أنّه يوجب العسر والحرج، لأنّ كثيراً من الناس يتعاملون مع أشخاص يختلفون معهم في الأحكام نظير الموارد التالية:

1. إذا عقد الرجل على امرأة بعقد، فيجب لمن يقول بفساده أن يترتّب عليه أثر الصحة.

2. إذا أوصى بشيء وكانت الوصية صحيحة حسب اجتهاده ، ولكن الوصي يرى ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ فساد الوصية فليس له أن يبدل الوصية، بل يجب عليه إجراؤها.


صفحه373

3.إذا وقف شيئاً وكان الوقف صحيحاً ـ حسب اجتهاده أو تقليده ـ ومات، وكان الوقف عند الموقوف عليهم باطلاً ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ لم يصح تبديل الوقف.

4. انّ أهل السنة لا يرون الخمس في غير الغنائم، كما أنّ كثيراً من الشيعة لا يخمسون في بعض الموارد ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ كالهبة وشبهها.فلو أهدى أحدهم شيئاً من ماله أو جعله مهراً لزوجته فهل يجوز لنا القول بعدم جواز الأخذ؟

كلّ ذلك يدلّ على أنّ الشارع دفعاً للحرج والعسر أمضى الحكم السائد في جانب المخالف في حق الآخرين، واللّه العالم.


صفحه374


صفحه375

الرسالة الرابعة والستون

صور البيع الفضولي


صفحه376


صفحه377

قد سبق أنّ البيع الفضولي على أقسام ثلاثة ندرس كلّ قسم ضمن مسألة.

المسألة الأُولى:

البيع للمالك مع عدم سبق منع منه

إذا باع للمالك مع عدم سبق منع منه، قال الشيخ: هذا هو المتيقن من عقد الفضولي.

فلنذكر أقوال الفقهاء قبل الخوض في أدلة المسألة.

قال الشيخ: إذا باع إنسان ملك غيره بغير إذنه كان باطلاً، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ينعقد البيع ويقف على إجازة صاحبه. وبه قال قوم من أصحابنا. ثم استدل بإجماع الفرقة، وعدم الاعتداد برأي المخالف، ولأنّه ممنوع من التصرف في ملك غيره والبيع تصرف، وروى حكيم بن حزام عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه نهى عن بيع ما ليس عنده، كما استدل أيضاً برواية عمرو بن شعيب عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه لا بيع إلاّ فيما يملك.(1)


1 . الخلاف: 3 / 168، المسألة 275.


صفحه378

والظاهر من الشيخ وجود الخلاف في المسألة بين القدماء، والعجب أنّ الشيخ أفتى في النهاية(1) بالصحة، نعم أفتى في المبسوط(2) بما في الخلاف.

وقال العلاّمة: بيع الفضوليّ جائز عندنا لكن يكون موقوفاً على إجازة المالك، فإن أجاز البيع، لزم وإلاّ بطل، ولا يقع فاسداً في أصله، ولا لازماً.

ولا فرق بين البيع والشراء ـ وبه قال مالك والشافعي في القديم ـ لأنّه عقد صدر من أهله ووقع في محلّه، وله مُجيزٌ في حال وقوعه، فجاز أن يقف على إجازته، كالوصيّة.

ولأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)دفع إلى عروة البارقي ديناراً يشتري به شاةً، فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وجاء بشاة ودينار، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«بارك اللّه في صفقة يمينك» فأجاز(صلى الله عليه وآله وسلم)بيع الشاة وشراء الشاتين، ولو كان بيع الفضولي وشراؤه باطلين، لما أقرّه (صلى الله عليه وآله وسلم)على ذلك.

وقال أبو حنيفة: يقف البيع على إجازة المالك، ولا يقف الشراء على إجازة المشتري له، بل يقع للوكيل.

وعن أحمد روايتان في البيع والشراء جميعاً.

وقال الشافعي في الجديد: يبطل البيع من أصله; لقوله(عليه السلام)لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك».(3)


1 . النهاية ونكتها:2/135.    

2 . المبسوط:2/397.

3 . تذكرة الفقهاء: 10/216.


صفحه379

أقول: أمّا القول بالصحة فقد قال بها المفيد(1)، وابن حمزة(2)، وابن إدريس(3)، والعلاّمة في المختلف ونقلها عن ابن الجنيد أيضاً.(4)

أقول: الظاهر من كلّ من عنون بيع الفضولي وقال بصحّته، انّه بيع عقلاني حائز لأكثر أركان العقد، إلاّ جزءاً طفيفاً وهو الاستناد إلى المالك، أو رضاه، وهو يحصل بالإجازة.

والثابت عندي خلاف ذلك وهو أنّ بيع الفضولي، بمعنى قيام كلّ أجنبي ببيع مال المالك من عند نفسه من دون أن يستأذنه يعد عند العقلاء أمراً عبثاً، لغواً لا يقام له وزن ولا قيمة، فكيف يكون مثله حائزاً لأركان العقد إلاّ الشيء الطفيف.

وعلى ضوء ذلك فعقد الفضولي أشبه بالاتّفاقية الّتي يكتبها صاحب مكتب العقار قبل أن يُحرز رضا المالك أو المشتري أو كليهما على أمل أن يكتسب رضاهما فيما بعد في المستقبل، فهذه الورقة المكتوبة أو الألفاظ الّتي جرت على لسان العاقد، قبل أن يَختم عليها المالك أو يقرنها بالإجازة اللفظية ليست إلاّ حبراً على ورق لا قيمة لها أصلاً فليس هو بيعاً ولا عقداً ولا تجارة عن تراض.

فما في كلمات الفقهاء في هذا الصدد ومنها عبارة الشيخ الأعظم(رحمه الله): من كون المورد من مصاديق أدلة البيع والعقود، لأنّ خلوّه عن إذن المالك لا يوجب سلب اسم العقد والبيع عنه، فلم يبق الكلام إلاّ في اشتراط سبق الإذن


1 . المقنعة: 606.   

2 . وسيلة النجاة: 236.

3 . السرائر: 2/275.   

4 . المختلف: 5/54.


صفحه380

وحيث لا دليل عليه فمقتضى الإطلاقات عدمه(1)، كلام غير تام لو أراد كونه بيعاً وعقداً قبل لحوق الإجازة.

ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع ما ذكره الشهيد الثاني في «غاية المراد» وقال: إنّه من باب المصادرة.(2)

وجهه: أنّ الإطلاقات ناظرة إلى العاقد الّذي له أهلية العقد على المبيع الخاص إمّا لأجل كونه مالكاً أو مأذوناً من المالك، وأمّا الأجنبي الّذي لا علاقة له بالبائع ولا صلة له بالمبيع فما معنى شمول الإطلاقات لبيعه وعقده، فما اشتهر بين العلماء من أنّ العقد الفضولي صدر من أهله، وقع في محله(3) ما هو إلاّ مصادرة، وما ذكره الشيخ الأعظم في دفع المصادرة مثله أيضاً حيث قال: إنّ كون العاقد أهلاً للعقد من حيث إنّه بالغ عاقل لا كلام فيه. وكذا كون المبيع قابلاً للبيع فليس محل الكلام إلاّ خلو العقد عن مقارنة إذن المالك وهو مدفوع بالأصل.(4)

وجهه: أنّه يفقد أمراً ثالثاً وهو صدوره عمّن له أهلية القيام ببيع ذلك المال، وكلّ من المفردات التي ذكرها الشيخ صحيحة، إنّما الكلام في صحة النسبة بينهما. وحصيلة الكلام: أنّه لو أراد بذلك أنّ عقد الفضولي وبيعه من مصاديق الإطلاقات قبل لحوق الإجازة فهو مصادرة جدّاً.

وإن شئت قلت: إنّ الإطلاقات إمضاء لما بيد العرف وليست بصدد


1 . المتاجر:124ـ125.

2 . غاية المراد:178.   

3 . المختلف:5/54.

4 . المتاجر:125.


صفحه381

التأسيس، والموجود بين العقلاء لزوم أهلية البائع والعاقد للبيع والعقد، والأهلية خاصة بالمالك والمأذون منه.

ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ أيّد ما عليه الشيخ من كون العقد الفضولي لا يشذ عن سائر العقود إلاّ بتأخير القبول الذي هو الإجازة، وقال في بيان ذلك:إنّ البيع الفضولي لا يَشذُّ بشيء عن غيره إلاّ بتأخير القبول غالباً عن الإيجاب الّذي هو تمام البيع، والبيع غير الفضولي لا يزيد عن الفضولي إلاّ باتصال الإجازة غالباً به.

وقد أوضحه بقوله: إنّ الإيجاب ـ عند ما كان الطرفان أصليين ـ يكون إنشاءً لتمام ماهية المعاملة فالموجب أصيل بالنسبة إلى ماله وفضولي بالنسبة إلى مال المشتري، والقبول ليس ركناً في تحقّق مفهوم العقد بل هو بمنزلة إجازة بيع الفضولي.

إذا تقرر هذا فاعلم: أنّ الفضولي أوجد تمام ماهية البيع كما هو الحال إذا كان البائع أصيلاً وإجازة المالك بمنزلة قبول المشتري، ولا فرق بين البيعين إلاّ بتوالي الرضا والقبول في الأوّل وانفصاله في الثاني.

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بينهما، فإنّ العاقد في البيع الأصلي مالك للمبيع فيصلح أن يُنشأ تمام ماهية البيع حتّى يأتي بعده القبول فيكون مشمولاً للإطلاقات بخلاف المقام فإنّ العاقد ليس بمالك ولا مأذون ولا مجاز فكيف ينشئ تمام ماهية البيع وينتظر قبول المالك مع عدم صلاحيته لبيع مال الغير.

وإن شئت قلت: إن كان المراد أنشاء حقيقة البيع الممضى لدى العقلاء


صفحه382

فالفضولي لا يملكه ولا يقدر عليه، وإن أراد إنشاء البيع بمعنى إطلاق اللفظ وإرادة معناه فهو يملكه ويقدر عليه، لكنّه ليس موضوعاً للعمومات والإطلاقات.

نعم هنا أمران آخران نلفت نظر القارئ إليهما:

الأوّل: جرت سيرة العقلاء على أنّ الرجل إذا كانت له علاقة بصاحب المال ككونه سمساراً لبيع أموال الآخرين أو كان ابناً للمالك وما يشبه ذلك ربما يقوم بإجراء عقد يتعلق بأموال المالك، على أمل أن يعرضه عليه على نحو لو قبل يتم العقد بين المالك والمشتري وهذا شيء لا يمكن إنكاره، وسيوافيك أنّ الروايات الّتي استدل بها العلماء على صحة بيع الفضولي كلّها من هذا القبيل فالعاقد إمّا ابن للمالك كما في صحيحة محمد بن قيس، أو العامل المضارب الّذي خالف شرط صاحب المال كما في صحيحة الحلبي إلى غير ذلك من الروايات، ومع ذلك كلّه فالعقد الملفوظ أو المكتوب شيء لا يترتب عليه الأثر ولا يشمله القانون، مادام الحال كذلك.

الثاني: إنّه إذا وقف المالك على العقد أو البيع ووقع موقع الرضا من نفسه فختم الاتفاقية وأمضاها أو أعلن إجازته للبيع الملفوظ تكون الاتفاقية بيعاً شرعياً ومعاملة قانونية تشملها كلّ ما للبيع والعقد من الآثار، فعندئذ تشملها الإطلاقات الشرعية من حين لحوق الإجازة على نحو يكون كلّ الأثر للإجازة فهي من مصاديق المثل السائر:«كل الصيد في جوف الفرى».


صفحه383

 

عدم جريان الفضولي في الإيقاعات

وممّا ذكرنا يعلم وجه عدم جريان الفضولي في الإيقاعات كالطلاق والعتق والجعالة وغير ذلك، وما ذلك إلاّ لعدم وجود السيرة فيما يتعلق بالنواميس والروابط العائليّة والأُمور العبادية (كالعتق)، ولذلك اتفقت كلمتهم على عدم جريانه في الإيقاعات إلاّ من شذ.

وبذلك يعلم ضعف ما أفاده السيد الطباطبائي في تعليقته حيث قال:

«إن قلنا: بكون الفضولي في البيع مقتضى القاعدة لشمول العمومات حسب ما اختاره المصنف(قدس سره)فإلحاق سائر العقود به في محله بل مقتضاها حينئذ القول بالصحة في الإيقاعات أيضاً إلاّ ما خرج بالإجماع فإنّ الظاهر إجماعهم على عدم جريان الفضولية فيهما ـ العتق والطلاق ـ... إلى أن قال: ولو قلنا بأنّ الفضولي على خلاف القاعدة ـ كما هو الحق ـ فإلحاق سائر العقود أيضاً محلّ إشكال».(1)

يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّ العمومات والإطلاقات ليست أُموراً تأسيسية بل إمضائية وهي لا تشمل إلاّ من له أهلية، والفضولي ليس له أهلية، خرج منه موارد خاصّة ممّا يرجع إلى بعض العقود كالبيع والإجارة إذا صدرا ممّن له علاقة بالمالك، وأمّا وراء ذلك كالطلاق والعتق فليس هناك سيرة بين العقلاء حتّى تشملهما الإطلاقات بعد لحوق الإجازة.

***


1 . تعليقة السيد:133.


صفحه384

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يمكن الاستدلال على صحة الفضولي في الموارد التي جرت السيرة فيها على إنشاء العقد فضولة كما مرّ بأُمور ثلاثة:

أ. السيرة السائدة بين العقلاء على النحو الّذي ذكرناه.

ب. شمول الإطلاقات له بعد لحوق الإجازة حيث إنّ العقد بعد الإجازة سواء أكان مكتوباً أو ملفوظاً يستند إلى المالك كإستناده إلى المباشر، حتّى قوله تعالى:(أَوفُوا بِالْعُقُودِ) بناءً على أنّ معناه: «أوفوا بعقودكم» فإنّ الانتساب والاستناد يحصل بتوقيع الاتفاقية أو التصريح بالالتزام بها، فالميزان كون العقد عقداً للمالك سواء أكان بالمباشرة أو بالانتساب.

ج. الاستدلال بالروايات الخاصة الواردة في المقام ونحن نذكرها حسب ما ذكرها الشيخ واحدة بعد الأُخرى.

الأُولى: ما ورد عن عروة البارقي

روى الفريقان ما نسب إلى عروة البارقي باختلاف يسير في اللفظ، ونحن نذكر نصّين في ذلك هما:

1. روى عماد الدين الطوسي المعروف بابن حمزة في «ثاقب المناقب» عن عروة بن أبي جعد البارقي قال: قدم «جلبٌ»(1) فأعطاني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ديناراً فقال: اشتر بها شاة، فاشتريت شاتين بدينار، فلحقني رجل فبعت أحدهما منه بدينار ثم أتيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بشاة ودينار، فردّه عليّ وقال: «بارك اللّه لك في صفقة يمينك» ولقد كنت أقوم بالكناسة ـ أو قال بالكوفة ـ


1 . الجلب ما جلب من خيل وإبل ومتاع إلى الأسواق للبيع.


صفحه385

فأربح في اليوم أربعين ألفاً.(1)

2. روى أحمد في مسنده عن عروة بن أبي الجعد البارقي قال: عرض للنبي جلب فأعطاني ديناراً وقال: أي عروة أئت الجَلب فاشتر لنا شاة، قال: فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار، فجئت أسوقهما ـ أو قال: أقودهما ـ فلقيني رجل فساومني فأبيعه شاة بدينار فجئت: بالدينار فقلت يا رسول اللّه هذا ديناركم وهذه شاتكم، قال: كيف صنعت؟ قال: فحدثته الحديث، فقال: «اللّهمّ بارك له في صفقة يمينه». فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفاً قبل أن أصل إلى أهلي وكان يشتري الجواري ويبيع.(2)

وربما تنسب القصة إلى حكيم بن حزام حيث روي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعث معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار وباعها بدينارين فرجع فاشترى أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتصدّق به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ودعا أن يبارك له في تجارته.(3)

وجه الاستدلال واضح حيث إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا وكله في شراء الشاة الأُولى يكون شراء الشاتين فضولياً، اللهم إلاّ أن يقال أنّ عروة البارقي كان عالماً برضا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بهذه التجارة الرابحة. وعندئذ تتمحضّ الفضولية في بيع إحدى الشاتين بدينار، فلمّا أخبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أمضاه وقال: «بارك اللّه في صفقة يمينك».


1 . مستدرك الوسائل:13/245.   

2 . مسند أحمد:4/376.

3 . البحار:103/136، الباب12 من أبواب العقود والإيقاعات، الحديث4.


صفحه386

ولكن الاستدلال بالحديث مقرون بإشكالات عديدة:

1. لم يصحّ سند الرواية عندنا، نعم يمكن أن يقال بجبر ضعف السند بالاشتهار بين الفقهاء حيث مازالوا يتمسكون بها في مورد الفضولي.

2. انّ القصة تارة تنسب إلى عروة البارقي وأُخرى إلى حكيم بن حزام، وعلى كلّ تقدير فبما أنّ الرواية تتضمن مدح الراوي وهذا ممّا يثير سوء الظن بها.

3. كيف يرضى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بهذه التجارة الرابحة مع أنّ المشتري أصبح مغبوناً (مائة بالمائة).

4. من المستبعد أن يكون المشتري جاهلاً بقيمة الشاة على نحو كان على استعداد أن يشتري بقيمة مضاعفة.

هذه بعض الإشكالات الجانبية على الرواية مضافاً إلى ما ذكره الشيخ من أنّ عروة البارقي اقبض المبيع وقبض الثمن، ولا ريب أنّ الإقباض والقبض في بيع الفضولي حرام لكونه تصرفاً في مال الغير، فلابدّ من توجيهه حسب الاحتمالات التالية:

1. نلتزم أنّ عروة فعل الحرام في القبض والإقباض ولكن هذا الاحتمال مناف لتقرير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

2. البيع الّذي يعلم الفضولي بتعقّبه بالإجازة يجوز التصرف فيه قبل الإجازة بناء على كونها كاشفة، وهذا الاحتمال ضعيف.

3. جعل هذا الفرد من البيع ـ و هو المقرون برضا المالك ـ خارجاً عن


صفحه387

الفضولي، و هو خيرة الشيخ، وقد عرفت ضعفه فيما سبق.

4. علم عروة برضا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بإقباض ماله إلى المشتري حتّى يستأذن، وعلم المشتري بكون البيع فضولياً حتّى يكون دفعه للثمن بيد البائع على وجه الأمانة، وهذا أيضاً بعيد لبعد علم المشتري بكون البيع فضولياً.

وهناك احتمال خامس وهو ما ذكره المحقّق الخوئي من أنّ تحقّق القبض والإقباض بين عروة والمشتري لا يكون قرينة على عدم كون البيع الواقع بينهما فضوليّاً بدعوى أنّه لو كان فضولياً لكان التصرف في الثمن والمثمن بالقبض والإقباض حراماً، وذلك لما ذكرناه آنفاً من عدم الملازمة بين كون البيع فضولياً وبين حرمة التصرف في الثمن والمثمن، ضرورة أنّ العلم بالرضا الباطني للمالك يفيد جواز التصرف تكليفاً لا جوازه وضعاً». (1)

هذا ولكن الّذي يصد الفقيه عن الاستدلال بها على صحّة بيع الفضولي مطلقاً هو أنّ البيع هنا كان مقروناً بالرضا فيكون القدر المتيقن من الصحة ما إذا علم العاقد برضا المالك بالبيع وتعقبه للإجازة، وأمّا إذا كان شاكاً فلا يمكن الاستدلال على صحّته بهذه الرواية.

الثانية: ما روي عن محمد بن قيس

روى الشيخ الطوسي في «التهذيب» بسند موثّق عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه قال: قضى (أمير المؤمنين(عليه السلام)كما في الكافي) في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً ثمّ قَدِمَ سيّدُها الأوّل فخاصم


1 . مصباح الفقاهة:2/629.


صفحه388

سيّدها الأخير فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: خذ وليدتك وابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه ـ يعني الّذي باع الوليدة ـ حتّى ينفِّذ لك ما باعك، فلمّا أُخذ البيّع الابنُ قال أبوه: أرسل ابني، فقال: لا أُرسل ابنك حتّى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيّد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه.(1)

وقال في الدروس: وفيها دلالة على صحّة الفضولي وأنّ الإجازة كاشفة.(2)

وجه الدلالة فقرتان:

الأُولى: قول الإمام للمشتري:«خذ ابنه حتّى ينفّذ لك البيع».

الثانية: قول الراوي: «فلمّا رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه».

وكلتا الفقرتان ظاهرتان في أنّ بيع الفضولي ينفذ بالإجازة.

ولو قطعنا النظر عن الموهنات الأربعة في الرواية فهي صريحة في المدّعى، وأمّا الإشكالات أو الموهنات فهي كالتالي:

الإشكال الأوّل:

إنّ الإجازة في الرواية كانت بعد الردّ بوجوه شتى:

1. ظهور المخاصمة في ردّ البيع.

2. إطلاق حكم الإمام بتعيّن أخذ الجارية وأنّها من المالك، لأنّه لو لم يردّ البيع وجب تقييد الأخذ بصورة الردّ.


1 . الوسائل: ج 14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.

2 . الدروس الشرعية:3/233.


صفحه389

3. مناشدة المشتري للإمام وإلحاحه عليه في علاج فك ولده.

4. قوله: «حتّى ترسل ابني» ، لظهوره على أنّه حبس الولد ولو على قيمته يوم الولادة.

وظهور الرواية في أنّ الإجازة بعد الرد على حدّ وصفه الشيخ الأعظم بأنّه لا ينكره المنصف إلاّ أنّه تخلص من الإشكال بقوله: الإنصاف أنّ ظهور الرواية في أنّ أصل الإجازة مجدية في الفضولي مع قطع النظر عن الإجازة الشخصية في مورد الرواية غير قابل للإنكار، فلابدّ من تأويل ذلك الظاهر لقيام القرينة وهي الإجماع على اشتراط الإجازة بعدم السبق.(1)

ويمكن التخلّص من هذا الإشكال من وجوه:

الأوّل: إنّ فقرات الرواية ليست على وتيرة واحدة فبعض منها ظاهر في سبق الردّ على الإجازة، غير أنّ بعضها الآخر ظاهر في خلاف ذلك، وهي:

أ. قوله: خذ ابنه حتّى ينفّذ لك البيع.

ب. قول أبي جعفر(عليه السلام): حتّى أجاز البيع.

فالفقرتان ظاهرتان في قابلية البيع للإجازة وعدم لحوق الردّ به. فلو كانت الإجازة مسبوقة بالردّ، لما أمره الإمام بأخذ ابنه لتنفيذ البيع.

ومع هذا التنافي بين الفقرات كيف يمكن الإذعان بسبق الردّ على الإجازة؟!

الوجه الثاني: أنّ الفقرات الّتي استشهد بها الشيخ الأنصاري ليست


1 . المتاجر:125.


صفحه390

صريحة إلاّ في إظهار الكراهة وأنّ البيع كان غير مرضي عنده وليست ظاهرة في الردّ، لأنّ سبق الكراهة لا يمنع عن لحوق الإجازة وإلاّ لبطل عقد المكره إذا لحقته الإجازة. كيف وأنّ الردّ من الأُمور الإنشائية الإيجادية فيحتاج إلى الإنشاء في الخارج وليس في الرواية دلالة على إنشاء المالك للرد، وأقصى ما يستفاد عدم رضاه بالبيع.

الوجه الثالث: أنّه لم يثبت الإجماع على اشتراط عدم سبق الرد في تأثير الإجازة، بل يمكن أن تكون الرواية دليلاً على صحة الإجازة حتّى بعد الردّ، كما عليه السيد الطباطبائي في تعليقته.(1)وسيوافيك في «مبحث الإجازة والردّ»، أنّه لا دليل على هذا الشرط، أي عدم سبق الردّ عليها في صحّة العقد.

الإشكال الثاني:

إنّ الإمام(عليه السلام)حكم بأخذ الوليدة مع ابنها، أمّا أخذ الوليدة فهو مطابق للقاعدة، إنّما الكلام في أخذ ولدها مع أنّه ولد الحرّ ، إذ الظاهر أنّ الوطء كان بالشبهة. فكيف قال الإمام: خذ وليدتك وابنها؟

أجاب عنه السيد في تعليقته: أنّه يمكن أن يكون أخذه لأخذ قيمته يوم الولادة.(2) يريد أنّ حكم الإمام(عليه السلام)بأخذه ليس بمعنى كونه مملوكاً للمولى الأوّل كأُمّه، بل بمعنى أنّه يأخذه لغاية دفع ثمنه إليه.

وبعبارة أُخرى: لوكان الأخذ لغاية استرقاق الابن كان الإشكال متوجهاً،


1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:135.

2 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:135.


صفحه391

وأمّا إذا كان الأخذ مؤقتاً لغاية أخذ ثمنه فإذا دفع الثمن دفع الولد الحرّ إلى أبيه فلا مانع منه.

الإشكال الثالث:

حكم الإمام(عليه السلام)بأخذ ابن السيد مع أنّ ذلك لا يجوز، إذ غاية الأمر
كونه غاصباً وليس السجن حكم الغاصب بعد إزالة استيلائه عن
المغصوب.

وأجاب عنه السيد بأنّه يمكن أن يكون ذلك للمطالبة بالثمن الّذي دفعه إليه، ولعلّه طلب الثمن الّذي دفعه إليه فامتنع فأرشده الإمام(عليه السلام)إلى أخذ ابنه.(1)

ولكن الجواب غير مقنع، لأنّه لا ينسجم مع قوله: «لا واللّه لا أُرسل إليك ابنك حتّى ترسل ابني» لأنّه صريح في أنّ حبس ابن السيّد للتوسل إلى إطلاق ابنه، لا لطلب القيمة.

الإشكال الرابع:

تعليم الإمام(عليه السلام)الحيلة للمشتري مع أنّ ذلك ليس من وظيفة الحاكم.

يلاحظ عليه: أنّه كانت هناك مصلحة لتعليم الإمام المشتري لأخذ ولد السيد وهي خافية علينا. وذلك أنّ كيفية طرح الدعوى لم تنقل على وجه التفصيل، كما أنّ قضاء الإمام علي(عليه السلام)نقل على وجه الإجمال والاختصار


1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:135.


صفحه392

فلذلك أعقب هذه الأسئلة، فلا يمكن رفع اليد عمّا هو صريح في المقام وهو تصحيح بيع الفضولي بالإجازة.

ثمّ إنّ لسيد مشايخنا الحجة الكوهكمري(رحمه الله)جواباً آخر عن الإشكال وهو أنّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)كان عالماً بأنّ المالك أجاز لولده بيع الوليدة، ولكنّه رأى المصلحة في إنكارها وبما أنّ الإمام(عليه السلام)كان مأموراً بالعمل بالظواهر وما تؤديه الأمارات لم يكن له أن يحكم على خلاف ما تدلّ عليه القرائن. ولكنّه لأجل إيصال الحق إلى ذيه (أي المشتري) علّمه طريقة الوصول إلى مقصوده وقال: «خُذ ابنه حتّى يجيز لك البيع».

وهذه الطريقة وإن كانت تشتمل على ما يخالف القواعد ـ حسب الظاهر ـ لكنّها لمّا كانت ذريعة للتوصل إلى الحقّ فلا مانع من تعليمها للمشتري، لأنّها أحكام صورية، وكم لها من نظير في أقضية الإمام(عليه السلام); فقد ورد أنّ امرأة كانت تنفي ولدها والولد يصر على أنّها أُمّه، فقال الإمام للمرأة والولد: «هل تقبلان أمري في حقكما؟»، فلما أظهرا الرضا قال الإمام(عليه السلام): «أُشهد اللّه وأُشهد من حضر من المسلمين الواقعة: إنّي قد زوجت هذه الجارية من هذا الغلام بأربعمائة درهم والنقد من مالي...»، فقام الغلام فصبّ الدراهم في حجر المرأة ثم تلببها فقال لها: قومي، فنادت المرأة: النار النار يابن عم محمد، تريد أن تزوجني من ولدي.(1)


1 . الوسائل : ج 18، الباب21 من أبواب كيفية الحكم، الحديث2.


صفحه393

 

الثالثة: ما ورد في عقد النكاح

والروايات في باب النكاح على قسمين:

1. ما يكون العاقد هو المتزوج.

2. ما يكون العاقد غير المتزوج، وإليك بعض ما ورد في كلا القسمين.

القسم الأوّل: إذا كان العاقد هو المتزوج

1. روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده، فقال: «ذاك إلى سيّده، إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما»، قلت: أصلحك اللّه، انّ الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد، ولا تحلّ إجازة السيد له، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «إنّه لم يعص اللّه، وإنّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو له جائز».(1)

2. روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه قال: سألته عن رجل تزوّج عبده بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطّلع على ذلك مولاه؟ قال: «ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما، وإن شاء أجاز نكاحهما، فإن فرّق بينهما فللمرأة ما أصدقها، إلاّ أن يكون اعتدى فأصدقها صداقاً كثيراً، وإن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأوّل»، فقلت لأبي جعفر(عليه السلام): فإنّ أصل النكاح كان عاصياً، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «إنّما أتى شيئاً حلالاً وليس بعاص للّه إنّما عصى سيّده ولم يعص اللّه، إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح في عدّة وأشباهه».(2)


1 . الوسائل: ج 14، الباب24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث2.


صفحه394

أمّا فقه الحديث، فربما يقال: كيف فرّق الإمام بين عصيان اللّه وعصيان السيد وقال: «إنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيّده» مع أنّ عصيان السيد يلازم عصيانه سبحانه، لأنّه تعالى أمر العبد بإطاعة مولاه وعدم التصرف في شيء إلاّ بإذنه، فإذا خالف مولاه وسيّده فهو في الحقيقة خالف أمر اللّه؟!

وقد أجبنا عن السؤال في بحوثنا الأُصولية على وجه التفصيل.

وحاصله: أنّ المراد من العصيان هو العصيان الوضعي أي كون الشيء غير موافق للقانون والضابطة الشرعية، فالإمام(عليه السلام)نفى هذا النوع من العصيان من غير تعرض للعصيان التكليفي، ومن المعلوم أنّ العصيان الوضعي يلازم الفساد، لأنّ كون العمل غير موافق للضابطة عبارة أُخرى عن عدم إمضاء الشارع له وهو لا ينفك عن الفساد بخلاف العصيان التكليفي فهو لا يلازم الفساد، وإنّما لم يتعرض الإمام، للعصيان التكليفي بالنسبة إلى اللّه سبحانه، ـ مع وضوح أنّ مخالفة المولى عصيان للرب أيضاً ـ لعدم كونه مؤثراً في بطلان العقد.

والّذي يدلّ على أنّ المراد نفي العصيان الوضعي قوله: «إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح من عدة وأشباهه». نعم يلزم على ما ذكرنا التفكيك في المراد بين عصيانه سبحانه وعصيان مولاه، فالأوّل محمول على الوضعيّ و الثاني على التكليفي ولا إشكال فيه إذا دلّت القرينة عليه.

وأمّا كيفية الاستدلال بهاتين الروايتين فبوجوه ثلاثة:


صفحه395

 

1. عموم التعليل

إنّ قوله:«إنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو له جائز» بمنزلة ضابطة كليّة في تمييز الصحيح من العقد من باطله، وأنّ الميزان كون المورد في العقد ممّا حرّمه اللّه كالعقد على المحارم نسباً أو رضاعاً أو مصاهرة، فهذا ممّا لا يجوز مطلقاً ولا يصحّ برضى المعقود له أو وليّه.

وأمّا إذا كان المورد غير حرام بالذات ولم يكن العقد عليه مصداقاً لتحليل ما حرّم اللّه، بل أقصى ما يتصوّر كونه مصداقاً لعصيان المخلوق، فهذا يصحّ إذا رضي.

ومقتضى عموم العلة كون عقد البيع فضولة داخلاً تحت الضابطة، فلو باع كلب الغير أو خنزيره أو صنمه بلا إذن منه فهذا لا يصحّ وإن رضي صاحبها، وأمّا إذا باع غنم الغير أو بقره فهذا ممّا يتوقف على رضا صاحبه فإذا رضي جاز، إذ لا وجه للبطلان لا من جانب التشريع السماوي، لأنّ المفروض أنّ بيعه حلال بالذات ولا من جانب المالك لافتراض أنّه أجازه.

وبعبارة أُخرى: أنّ الوجه في البطلان منحصر بمخالفة اللّه الّتي لا يمكن جَبرها بالإجازة، وأمّا مخالفة السيد فهي قابلة للجَبر بالإجازة.

2. إلغاء الخصوصية

إنّ إلغاء خصوصية المورد أمر متعارف بين الفقهاء خصوصاً في غير


صفحه396

العبادات بشرط موافقة العرف لها، والمورد(النكاح) لا خصوصية له في الحكم الشرعي بل الموضوع العقد الّذي ليس فيه عصيان اللّه سبحانه وهو مشترك بين النكاح والبيع.

وهذان الوجهان لا يترتب عليهما شيء ممّا يترتّب على الوجه الثالث.

3. الفحوى وادّعاء الأولوية

وهذا ما سلكه الشيخ وقال: إنّ تمليك بضع الغير(1) إذا لزم بالإجازة كان تمليك ماله أولى بذلك، مضافاً إلى ما علم من شدة الاهتمام في عقد النكاح، لأنّه يكون منه الولد كما في بعض الأخبار.(2)

وحاصل الاستدلال: أنّه إذا صحّ الفضولي في مورد النكاح ـ مع تأكيد الاحتياط فيه ـ لزمت صحة عقده في مورد البيع الّذي لم يؤكد بالاحتياط، فجواز بيع الفضولي فيما أُوصي بالاحتياط فيه يدلّ على جوازه في البيع الّذي لم يوص به.

لكن هذا الاستدلال ربما يوهن بالنص الوارد في الردّ على فقهاء السنّة حيث إنّهم فرّقوا بين مسألتين:

1. تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل.

2. بيع الوكيل المعزول مع جهله بالعزل.


1 . الأولى أن يقول تحليل بضع الغير.

2 . الوسائل: ج 14، الباب157 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1و3.


صفحه397

فقالوا بالصحة في الثاني محتجين بأنّ المال له عوض، وبالبطلان في الأوّل قائلين بأنّ البضع ليس له عوض.

ولما نقل العلاء بن سيابة (1) للإمام الصادق(عليه السلام)فتوى فقهاء السنة في هذا المورد وقال: يزعمون أنّها لو وكلت رجلاً وأشهدت في الملأ وقالت في الملأ: اشهدوا إنّي قد عزلته، أبطلت وكالته بلا أن يُعلم بالعزل، وينقضون جميع ما فعل الوكيل في النكاح خاصة، وفي غيره لا يبطلون الوكالة إلاّ أن يعلم الوكيل بالعزل، ويقولون: المال منه عوض لصاحبه، والفرج ليس منه عوض إذا وقع منه ولد.

فلمّا أخبر الراوي عن فتوى فقهائهم قال الإمام الصادق(عليه السلام): «سبحان اللّه ما أجْوَر هذا الحكم وأفسده، إنّ النكاح أحرى وأحرى أن يحتاط فيه وهو فرج، ومنه يكون الولد».(2)

والتدبر في الحديث يعطي أنّ مقتضى الاحتياط كون النكاح الواقع أولى بالصحة من البيع الواقع، من حيث الاحتياط المؤكد في النكاح دون غيره، فدلّ على أنّ صحّة البيع تستلزم صحّة النكاح بطريق أولى لا العكس كما هو مبنى الاستدلال.

وعلى ضوء هذا فالاستدلال بصحة النكاح على صحة البيع بالفحوى مطابق لمذاق العامة.


1 . وهو من مشايخ ابن أبي عمير، والرواية معتمدة.

2 . الوسائل: ج 13، الباب2 من أبواب الوكالة، الحديث2.


صفحه398

فإن قلت: كيف جعل الإمام (عليه السلام)الصحة في النكاح موافقة للاحتياط في مقابل فقهاء السنة الذين جعلوا البطلان موافقاً للاحتياط؟

قلت: قد بيّنه الشيخ بما هذا توضيحه: ولو قلنا بصحة العقد كما عليه الإمام(عليه السلام)فالواقع لا يخلو عن أحد أمرين:

أ. إمّا يكون العقد صحيحاً في الواقع، لم يترتب عليه إشكال.

ب. أو يكون العقد باطلاً في الواقع فأقصى ما يلزم هو الزنا بامرأة غير ذات بعل.

وأمّا لو قلنا ببطلان العقد كما عليه فقهاء السنة، فلو كان الواقع كذلك لم يترتب عليه شيء، وأمّا لو كان صحيحاً في الواقع فعندئذ تتزوج المرأة برجل آخر فيلزم منه الزنا بذات البعل.

واعلم أنّ هذا القسم من الروايات لا يكون دليلاً على صحة الفضولي مطلقاً، بل يكون دليلاً على ما إذا صدر العقد ممّن له أهليّة العقد كالعبد المتزوج لنفسه وبيع الراهن العين المرتهنة بلا إذن المرتهن ونحو ذلك، وقد سبق منّا أنّ هذا القسم من أقسام الفضولي، وأمّا إذا صدر العقد ممّن ليس له العقد كما إذا باع مال غيره أو زوّج من ليس له الولاية، فهذا القسم يحتاج إلى دليل آخر، و سيوافيك بيانه في القسم التالي.

القسم الثاني: ما إذا كان العاقد غير المتزوج

1. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه سأله عن رجل زوجته أُمّه وهو غائب؟ قال: «النكاح جائز إن شاء المتزوج قبل وإن شاء ترك،


صفحه399

فإن ترك المتزوج تزويجه فالمهر، لازم لأُمّه».(1)

2. ما رواه أبان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «إذا زوّج الرجل ابنه كان ذلك إلى ابنه، وإذا زوّج ابنته جاز في ذلك».(2)

3. ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في عبد بين رجلين زوجه أحدهما والآخر لا يعلم ثم إنّه علم بعد ذلك، أله أن يفرّق بينهما؟

قال(عليه السلام): «للذي لم يعلم ولم يأذن، أن يفرّق بينهما، وإن شاء تركه على نكاحه».(3)

4. رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى(عليه السلام)قال: سألته عن مملوكة بين رجلين زوجها أحدهما والآخر غائب، هل يجوز النكاح؟

قال: «إذا كره الغائب لم يجز النكاح».(4)

فإنّ المزوّج فيها المولى لا المملوك واحتمال كون التزويج بإذن المملوك أو المملوكة بعيد، على أنّ ترك الاستفصال دليل على عدم الفرق، سواء كان بإذنهما أو لا.

ثمّ إنّ المراد من قوله: «إذا كره الغائب» هو كراهة التزويج حين الاطّلاع.


1 . الوسائل: ج 14، الباب7 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث6.ولزوم المهر على الأُمّ عند ردّ الابن محمول على دعواها الوكالة.

2 . الوسائل: ج 14، الباب 13 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث3.

3 . الوسائل: ج 14، الباب25 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.

4 . الوسائل: ج 14، الباب70 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.


صفحه400

 

تزويج الأولياء للصغيرين

وربّما يستدلّ بالروايات الواردة في تزويج الأولياء العرفيين للصغير أو الصغيرة وهي كالتالي:

5. روي صحيحاً عن عبيدة الحذّاء أنّه قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن غلام وجارية زوّجهما وليّان لهما وهما غير مدركين.

قال: فقال(عليه السلام): «النكاح جائز، أيّهما أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلاّ أن يكونا قد أدركا ورضيا».

قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟

قال: «يجوز ذلك عليه إن هو رضي».

قلت: فإن كان الرجل الّذي أدرك قبل الجارية ورضي النكاح، ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية، أترثه؟ قال: «نعم يعزل ميراثها منه حتّى تدرك، وتحلف باللّه بأنّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلاّ رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث، ونصف المهر».

قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك!

قال: «لا; لأنّ لها الخيار إذا أدركت».

قلت: فإن كان أبوها هو الّذي زوّجها قبل أن تدرك؟

قال: «يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام، والمهر على الأب للجارية».(1)


1 . الوسائل: ج 17، الباب11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1.


صفحه401

ثمّ إنّ المراد بالوليين هما الوليان العرفيان لوجهين:

أ. الحكم الوارد في الرواية ـ أعني: الخيار ـ إذ لو كان الولي شرعياً ولم يكن العقد مضرّاً بالمولّى عليه لما كان له الخيار.

ب. قوله في آخر الرواية الأُولى: «فإن كان أبوها هو الّذي زوجها».

كما أنّ المراد من قوله(عليه السلام): «النكاح جائز» هو الجواز بمعنى الاقتضاء كما هو الحال في البيع الفضولي بقرينة قوله(عليه السلام):«فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلاّ إذا كانا قد أدركا ورضيا».

بقي الكلام في قوله: «قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر يجوز ذلك عليه إن هو رضي»، إذ ليس المراد تحقّق الزوجية من جانبه دون الطرف الآخر، فإنّه غير معقول، لأنّ الزوجية ربط بين الشخصين وهو أشبه بالإضافة المقولية، بل المراد أنّه إذا رضي لا يجوز له التخلف بل لابدّ من الانتظار، فإن أدرك الآخر ورضي لم يجز له التخلّف وإن لم يرض جاز له التخلّف.

6. روى عباد بن كثير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن رجل زوّج ابناً له مدركاً من يتيمة في حجره. قال: «ترثه إن مات، ولا يرثها; لأنّ لها الخيار ولا خيار عليها».(1)

إلى هنا تم الكلام في بعض ما ورد من الروايات في باب النكاح الّذي يمكن الاستدلال به على صحة عقد الفضولي، وليست الروايات منحصرة فيما ذكرنا،(2) فقد ورد فيها (أيضاً) نكاح العم لابن أخيه، والجميع يدلّ على


1 . الوسائل: ج 17، الباب11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث2.

2 . انظر : الوسائل: ج 14، الباب6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2و غيره.


صفحه402

أنّه إذا كانت للعاقد صلة تربطه بالمعقود له، يجوز له أن يزوّجه وينتظر إلى إجازته بعد العلم بالعقد.

الرابعة: ما ورد في المضاربة إذا خالف العامل الشرط

قد وردت في باب المضاربة روايات ربّما يستدل بها على صحة عقد الفضولي، نذكر منها ما يلي:

1. معتبر جميل عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل دفع إلى رجل مالاً يشتري به ضرباً من المتاع مضاربة فاشترى به غير الّذي أمره؟ قال: «هو ضامن والربح بينهما على ما شرط».(1)

وجه الاستدلال: هو أنّ بيع العامل أو شراءه لمّا كان على خلاف ما اشترط صار عقده فضولياً، فإذا اطّلع المالك على عمله، فإن رأى عمله رابحاً أجازه مضاربة فيكون الربح بينهما، وإن رآه خاسراً ردّه وعندئذ يكون عليه الضمان فينزل الحكم بالاشتراك في الربح على صورة الإجازة كما ينزل الضمان على صورة الردّ.

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم جعل الرواية بين ما يمكن أن يستدلّ بها وما يمكن أن يستأنس بها.

قال: إن حملنا الرواية على صورة إجازة المالك بالمعاملة بعد ظهور الربح اندرجت المعاملة في الفضولي، فيستدل بها على صحة الفضولي .


1 . الوسائل: ج 13، الباب1 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث 9.ولاحظ الحديث5 والحديثان متحدان مضموناً.


صفحه403

وإن أُبقيت على ظاهرها من عدم توقف ملك الربح على الإجازة وعدّ هذا خارجاً عن بيع الفضولي بالنص، كان فيها استئناس لحكم المسألة من حيث عدم اعتبار إذن المالك سابقاً في نقل مال المالك إلى غيره.(1)

ولكنّ للتأمّل في الاستدلال مجالاً:

نحن نفترض أنّ المورد من مصاديق الفضولي وأنّ المالك أجاز البيع الواقع على خلاف الشرط وإن لم تكن الإجازة مذكورة في الرواية.

لكن الإشكال في أمر آخر، وهو أنّ كون الربح بينهما، يلازم كون البيع المذكور مضاربة حتى يكون الربح بينهما لكن الإجازة تصحح البيع ـ الصادر من العامل على خلاف الشرط ـ بما هو هو بيع فيكون مستنداً إلى المالك كذلك ويكون الربح له خاصة.

ولكنها لا تقلب الواقع عما هو عليه، ولا تجعل ما صدر من غير المضاربة، من مصاديقها، لأنّه إذا كان الشرط قيداً للمضاربة فلا يكون العقد الصادر مضاربة، ومن المعلوم أنّ الإجازة المتأخرة لا تجعل العقد الفاقد للعنوان واجداً له حقيقة فإذا لم يكن العقد من مصاديقها، كيف يكون الربح بينهما؟!

فلأجل إيضاح أنّ الإجازة لا تقلب الواقع نأتي بمثال:

نفترض: أنّ الرجل وكّل رجلاً لبيع شيء خاص ولكنّه باع شيئاً آخر وأجازه المالك، فالإجازة تصحح ذلك البيع فقط ولا تجعله من مصاديق البيع الّذي وُكّل فيه الرجل.


1 . المتاجر: 126 .


صفحه404

ومع ذلك يمكن دفع الإشكال و أنّ ما قام به العامل كان داخلاً في إطار المضاربة ـ و إن خالف الشرط ـ وعندئذ يكون الربح بينهما حسب ما اتفقا عليه، ولكن عليه الضمان لأنّه خالف الشرط، وذلك بالبيان التالي:

إنّ الشروط المأخوذة في المضاربة على قسمين:

قسم يكون قيداً للمضاربة، ويخصِّصها بموردها كما إذا قال: اشتر به متاعاً ولا تشتر الأكفان، فإنّه يخصّ مورد المضاربة بغير الأكفان ويكون الاشتراء بمال المضاربة فضولياً قطعاً.

وقسم يذكر لأجل حفظ رأس المال عن التلف والضياع من دون أن يعدّ قيداً لها ومن دون أن يخصّها بغير مورده، وذلك كالنهي عن السفر مطلقاً، أو السفر إلى جهة معيّنة، فإنّ روح هذه القيود تضمينية لغاية صيانة رأس المال عن التلف، فلو خالف فأقصى ما يترتب عليه هو الضمان، لا كون العقد فضولياً، لأنّ الغاية هو الضمان لا عدم الرضا بالمعاملة.

وعلى هذه الصورة تحمل الرواية فتنحل بها العقدة.

وممّا يدلّ على أنّ الشرط لم يكن دخيلاً في تخصيص المضاربة بمورده، بل كان لأجل صيانة المال من التلف، ما ورد في المقام من الروايات:

1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه قال:«في المال الّذي يعمل به مضاربة له من الربح وليس عليه من الوضيعة شيء إلاّ أن يخالف أمر صاحب المال. فإنّ العباس كان كثير المال وكان يعطي الرجال يعملون به مضاربة ويشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد ولا يشتروا ذا كبد رطبة، فإن


صفحه405

خالفت شيئاً ممّا أمرتك به فأنت ضامن المال».(1)

وجه الدلالة: انّ قوله(عليه السلام)«إلاّ أن يخالف أمر صاحب المال» بمعنى أن يخالف الشرط، والمقصود منه هو ما جاء في عبارة العباس وهو «أن لا ينزلوا بطن واد ولا يشتروا ذا كبد رطبة» والشرط الأوّل ورد لحفظ رأس المال عن التلف والضياع من دون أن يعدّ قيداً للمضاربة، وأمّا الشرط الثاني فيحتمل أن يكون قيداً للمضاربة.

2. ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «كان للعباس مال مضاربة فكان يشترط أن لا يركبوا بحراً ولا ينزلوا وادياً فإن فعلتم فأنتم ضامنون، فأُبلغ ذلك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فأجاز شرطه عليهم».(2)

وبذلك يمكن الإجابة عن مجموع الأسئلة المطروحة في المقام.

أ. بما أنّ المورد كان من مصاديق المضاربة ولم يكن الشرط قيداً لمورد المضاربة حتّى يكون فضولياً، وعندئذ استغنى عن الإجازة الّتي جعل الشيخ عدمها مانعاً عن كون المورد من مصاديق الفضولي.

ب. كون الربح مشتركاً بينهما لأجل صحة المضاربة.

ج. كون الضمان على العامل لصيرورة يده يداً عدوانية.


1 . الوسائل: ج 13، الباب1 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث7.

2 . الوسائل: ج 13، الباب1 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث11. ولاحظ في هذا الصدد الحديث 1و 2 و 6 و 10، ترى أنّ الجميع تفسر الشرط بالخروج إلى مواضع خاصّة.


صفحه406

ثمّ إنّ لصاحب الجواهر كلاماً لعلّه يريد ما ذكرناه، حاصله: تنزيل هذه النصوص على إرادة بقاء الإذن في المضاربة وإرادة الضمان من الاشتراط كما يومي إليه خبر رفاعة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في مضارب يقول لصاحبه إن أنت أدنته أو أكلته فأنت له ضامن، قال: «هو ضامن إذا خالف شرطه».(1)

الخامسة: ما ورد في اتّجار غير الولي بمال اليتيم والربح له(2)

قد وردت روايات فيما إذا اتّجر غير الولي بمال اليتيم، أنّ التجارة صحيحة لكن الربح لليتيم.

وجه الاستدلال: انّ مقتضى كون الربح لليتيم والخسارة على العامل هو أنّ المتّجر كان غير ولي فإذا اتّجر، فإن كانت رابحة أجازها الولي ويكون الربح لليتيم، وإن كانت خاسرة ردّها ويكون الضمان على العامل.

قال في البلغة: ورد مستفيضاً في مَن اتّجر بمال الطفل لنفسه بغير إذن وليّه: إنّه يضمن المال والربح للطفل أو اليتيم.(3)

وقال السيد الطباطبائي: ليس في تلك الأخبار ما يكون نصاً أو ظاهراً في كون المتجر غير ولي.(4)


1 . الجواهر: 26/355.

2 . إنّ أساس الاستدلال بهذه الروايات هو كون المتجر غير ولي حتى يكون الاتجار فضولياً وإلاّ سقط الاستدلال بهذه الطائفة كما سيأتي في المتن.

3 . بلغة الفقيه:2/214.

4 . تعليقة السيد الطباطبائي:137.


صفحه407

وقال السيد الخوئي: إنّا لم نعثر على خبر يكون نصاً أو ظاهراً في كون المتجر بمال اليتيم هو غير الولي، بل الروايات الواردة في الاتجار بماله كلها على طائفتين:

الأُولى: صريحة في تجارة نفس الولي بذلك.

الثانية: مطلقة وغير مقيدة بالولي ولا بغيره.

فأمّا الطائفة الثانية الّتي تدل على جواز الاتجار بمال اليتيم مطلقاً فهي ناظرة إلى رعاية حال اليتيم وواردة في مقام التوسعة له والامتنان عليه، لأنّه تعالى قد رخّص في الاتجار بماله لأي أحد مع كون ربح التجارة له ووضيعتها على التاجر، ولعل النكتة في ذلك هو أن لا يقرب أحد مال اليتيم إلاّ بالّتي هي أحسن، ولا شبهة في أنّ هذا حكم تعبّدي محض لا صلة له بالفضولي أصلاً ولا تنطبق عليه القواعد.(1)

***

إنّ الشيخ الأنصاري والمعلّقين على متاجره ـ مع الاعتراف بفضلهم ـ مرّوا على هذه المسألة والروايات الّتي وردت فيها بشكل عابر ولم يهتموا بها،(2) إلاّ السيد الأُستاذ الحجة الكوهكمري(قدس سره)فقد أمعن في الروايات وجمع


1 . مصباح الفقاهة:2/66.

2 . والّذي سبّب الإبهام في المسألة هو أنّ الشيخ الحر العاملي قد وزّع الروايات في أبواب مختلفة، فقد أورد قسماً منها في كتاب الزكاة، وقسماً آخر في كتاب التجارة، وثالثاً في باب المضاربة، وقسماً رابعاً في كتاب الوصايا; ولذلك نشأ الإبهام في المقصود من الروايات، ولو كان الكلّ مجتمعاً في باب واحد لسهل الأمر.


صفحه408

شتاتها ورفع تعارضها بشكل علمي، ونحن نصدر في المقام عن إفاضاته القيّمة، بتحرير جديد منّا.

أقول: إنّ الروايات الواردة في الاتّجار بمال اليتيم على أصناف:

1. ما يدلّ على أنّ الربح بينهما وليس على العامل ضمان.

2. ما يدلّ على أنّ الربح لليتيم والضمان على العامل.

3. التفصيل بين كون العامل فقيراً فالربح لليتيم والضمان على العامل، وكونه غنياً فالربح له والضمان عليه.

وهذه الأصناف المختلفة بظاهرها ليست منصبّة على مورد واحد بل مسوقة لبيان حكم موردين:

1. اتّجار الوصي بأقسامه الثلاثة.

2. استقراض الولي أو الوصيّ من مال الطفل لا غير.

ولا صلة لها باتّجار الأجنبي. فالوصي يتّجر، والولي أو الوصي يستقرض ويتّجر لنفسه، ولذلك تختلف أحكامهما، ويتّضح ذلك بالإمعان في الروايات.

أمّا اتّجار الوصي فإليك صوره وأحكامه.

الكلام في اتّجار الوصي بمال اليتيم

إنّ اتّجار الوصي بمال اليتيم على صور ثلاث:


صفحه409

 

الصورة الأُولى: اتّجار الوصي المأذون من الولي

أن يكون الوصي مأذوناً من ولي الطفل ـ أعني: الأب أو الجد ـ فيكون تصرفه صحيحاً، وبما أنّ الاتجار بمال اليتيم على وجه المضاربة يكون الربح بينهما ولا ضمان على المتجر كما هو الحال في سائر الموارد، فالربح يقسّم بين العامل والمالك والوضيعة على الأخير.

ويدلّ عليه ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال وأن يكون الربح بينه وبينهم؟ فقال: «لا بأس به من أجل أنّ أباهم قد أذن له في ذلك وهو حيّ».(1)

ومورد الرواية هو اتّجار الوصيّ ونظيره ما رواه خالد بن بكير الطويل قال: دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به وخذ نصف الربح واعطهم النصف وليس عليك ضمان.

فقدّمتني أُم ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى، فقالت: إنّ هذا يأكل أموال ولدي، قال: فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي، فقال لي ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه، ثمّ أشهد عليّ ابن أبي ليلى إن أنا حرّكته فأنا له ضامن، فدخلت على أبي عبد اللّه(عليه السلام)فقصصتُ عليه قصّتي، ثمّ قلت له: ما ترى؟ فقال: أمّا قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه، وأمّا فيما


1 . الوسائل: ج 13، الباب92 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 1.


صفحه410

بينك وبين اللّه عزّ وجلّ فليس عليك ضمان.(1)

وظاهر الرواية انّ الإمام(عليه السلام)أمضى وصية الأب من كون الربح بينهما ولا ضمان عليه. وعلى كلّ تقدير فالوصي كان مأذوناً من الولي كما هو صريح الحديث بخلاف الشق الآتي فليس تصريح من الوليّ للوصي بالأولى بالتجارة.

الصورة الثانية: مضاربة الوصي الناظر غير المأذون

إذا اتّجر الوصي ـ غير المأذون من الولي ـ بمال اليتيم لأجل حفظه من الضياع إذا توقّف حفظه على التجارة به، وحكم هذه الصورة حكم الصورة السابقة فالربح بينهما والوضيعة على اليتيم، ويدل عليه رواية أبي الربيع قال: سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يكون في يديه مال لأخ له يتيم وهو وصيّه، أيصلح له أن يعمل به؟ قال: «نعم، كما يعمل بمال غيره والربح بينهما»، قال: قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: «لا، إذا كان ناظراً له».(2)

والدليل على أنّ الرواية ناظرة إلى الصورة الثانية قوله(عليه السلام)في آخر الرواية: «إذا كان ناظراً له».

فالمراد من الناظر هو المدير لأموال اليتيم، وبالتالي يكون شفيقاً على اليتيم، يقال: «فلانٌ تحت نظر فلان» أي أنّه تحت حمايته والتفاته.


1 . الوسائل: ج 13، الباب92 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث2. يريد (عليه السلام) من قوله:«لا أستطيع ردّه» عدم تمكنه من نقض حكمه ، لأنّ الحكومة مؤيّدة له وهو منصوب من جانب الخلفاء ولا يريد بهذه الكلمة تكريمه.

2 . الوسائل: ج 6، الباب2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث2.


صفحه411

كما يقال: نظره بعين النظرة، أي بعين الرحمة. فيكون الاتّجار بمال اليتيم لا لأجل الربح بل لصالح اليتيم والشفقة عليه.

يقول الشيخ في التهذيب بعد نقله للرواية: يكون ضامناً للمال ويكون الربح لليتيم والزكاة في مال اليتيم وعلى الولي إخراجها منه، إذا لم يكن قد قصد بالتجارة نظراً لليتيم... إلى أن قال: ومتى كان قصده نظراً لليتيم جاز له أن يأخذ من الربح شيئاً ما يكون له بلغة.(1)

الصورة الثالثة: مضاربة الوصي غير المأذون ولا الناظر

إذا اتّجر بلا إذن من الولي ولا نظراً لحفظ المال فتبطل مضاربته، وأمّا نفس الاتجار ـ مع قطع النظر عن المضاربة ـ فبما أنّه اتّجر بعين مال اليتيم لا في ذمته، فيصح لعدم بطلان ولايته ببطلان المضاربة لأنّه وصيّ، وولايته على أموال اليتيم ثابتة بوصية من الوليّ غاية الأمر أنّه صار خاطئاً في أمر المضاربة فلا يكون سبباً لبطلان وصايته الّتي هي نوع من الولاية ، النابعة من إيصاء الولي.

وعليه يحمل ما رواه سعيد السمّان قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة، إلاّ أن يتّجر به، فإن اتّجر به فالربح لليتيم، وإن وضع فعلى الّذي يتّجر به».(2)

والرواية محمولة على أنّ المتّجر كان وصيّاً، لأنّ مال اليتيم يكون بيد


1 . التهذيب:4/28، الحديث70. وسيأتي نصّ النهاية للشيخ في تفسير النظر، فانتظر.

2 . الوسائل: ج 6، الباب2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث2.


صفحه412

الوصيّ غالباً وقد اتّجر بعنوان المضاربة كما يدلّ عليه قوله: «فالربح لليتيم»، ردّاً على نية المتّجر.

هذا مجموع ما ورد في مضاربة الوصي وباختلاف الصور اختلفت الأحكام كما ارتفع التعارض بينها حيث إنّ ما دلّ على المشاركة في الربح والوضيعة على الطفل راجع إلى الصورتين الأُوليين، وما دلّ على أنّ الربح للطفل والوضيعة على العامل راجع إلى الصورة الثالثة.

وعلى كلّ تقدير فهذه الروايات لا صلة لها بباب الفضولي، لأنّ المضاربة في الصورتين الأُوليين، والاتجار ـ بعد بطلان المضاربة ـ في الصورة الثالثة، قام بها الوصيّ ولا يعدّ عمله فضولياً.

في استقراض الولي أو الوصيّ

إنّ قسماً من الروايات ناظر إلى صورة استقراض الوليّ أو الوصيّ من مال الطفل والاتجار به لنفسه دون المضاربة، وهي على قسمين:

القسم الأوّل: أن يستقرض وهو فقير ففي هذا القسم يكون الربح للصبي والضمان على الولي، ويدلّ عليه رواية ربعي بن عبداللّه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: في رجل عنده مال اليتيم، فقال:«إن كان محتاجاً وليس له مال فلا يمسّ ماله، وإن هو اتّجر به فالربح لليتيم وهو ضامن».(1)

وجه كون الربح لليتيم، هو بطلان الاستقراض ويتبعه بطلان كون الاتّجار لنفسه ولما كان الاتجار بعين مال اليتيم يتبعه الربح.


1 . الوسائل: ج 12، الباب75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.


صفحه413

فإن قلت: لماذا حملت الرواية على صورة الاستقراض دون المضاربة؟

قلت: يدلّ على أنّ الرواية ناظرة إلى صورة الاستقراض أمران:

1. قوله: فلا يمسّ ماله، الظاهر في كون المسّ لمصالحه.

2. ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في مال اليتيم: قال: «العامل به ضامن، ولليتيم الربح إذا لم يكن للعامل مال إن عطب أدّاه».(1) فإنّ قوله: «إن عطب أدّاه» ظاهر في اشتغال ذمّته بمال الطفل وهو يتحقّق في الاستقراض دون المضاربة حيث إنّه يتملك مال الطفل وتشتغل ذمته به، فيؤدي عند العطب.

القسم الثاني: أن يستقرض الولي أو الوصي ويتجر وكان مليّاً والروايات تخصص الربح والوضيعة على الولي أو الوصي.

1. روى منصور الصيقل قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن مال يعمل به؟ قال: فقال: إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال، وإن كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن للمال.(2)

2. روى أسباط بن سالم قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام)كان لي أخ هلك فأوصى إلى أخ أكبر مني وأدخلني معه في الوصية وترك ابناً له صغير وله مال، أفيضرب به أخي؟ فما كان من فضل سلّمه لليتيم، وضمن له ماله؟ فقال: «إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف فلا بأس به، وإن لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم».(3)


1 . الوسائل: ج 12، الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

2 . الوسائل: ج 6، الباب2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث7.

3 . الوسائل: ج 12، الباب75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.


صفحه414

وظاهر الروايتين خصوصاً الثانية أنّ الاتّجار كان بعنوان المضاربة لكنّها انقلبت إلى الاستقراض بقرينة الضمان فيهما.

توضيح ذلك: أنّ الضابطة الموجودة في باب المضاربة هي أنّ صاحب المال إذا ضمّن العامل فليس له إلاّ رأس ماله ويدلّ عليه صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)في حديث أنّ علياً (عليه السلام)قال:«مَن ضمّن تاجراً فليس له إلاّ رأس ماله وليس له من الربح شيء»(1)، وقد ورد في الرواية الأُولى قوله: «وضمنته»، وجاء في الرواية الثانية قوله:«وضمن له ماله» فلذلك صار الربح كلّه للعامل ولم يكن لليتيم منه نصيب.

نعم لو لم يُضمّن يكون من باب المضاربة ويكون الربح بينهما والضمان على صاحب المال.

وبعبارة أُخرى: أنّ شرط الضمان يقلب المضاربة إلى القرض، ومن المعلوم أنّ الربح للمستقرض لا للمقرض، وإلاّ فلو كانت المضاربة باقية على حالها فيحكم عليها بما ثبت في المضاربة من أنّ الربح بينهما والضمان على المالك.

إنّ ما ذكرناه في اتجار الوصي والولي بأقسامه وأحكامه هو الذي فهمه الشيخ الطوسي من الروايات وإليك نصّه في «النهاية» الذي هو في مجرد الفتوى، مأخوذة من الروايات بلفظها أو معناها. قال: ومتى اتّجر الإنسان بمال اليتيم نظراً لهم وشفقة عليهم فربح كان الربح لهم(2)، وإن خسر كان عليهم


1 . الوسائل: ج 13، الباب4 من أبواب المضاربة، الحديث1.

2 . الضمير يرجع إلى الطرفين، كما أنّ الضمير في «عليهم» يرجع إلى اليتيم حسب ما مرّ في الروايات.


صفحه415

ويستحب أن يخرج من جملته الزكاة، ومتى اتّجر لنفسه وكان متمكناً في الحال من ضمان ذلك المال وغرامته، وإن حدث به حادث جاز ذلك، وكان المال قرضاً عليه فإن ربح كان له وإن خسر كان عليه وتلزمه في حصته الزكاة كما يلزمه لو كان المال له ، ندباً واستحباباً، ومتى اتّجر لنفسه بمالهم وليس بمتمكّن في الحال من مثله وضمانه، كان ضامناً للمال. فإن ربح كان ذلك للأيتام وإن خسر كان عليه دونهم.(1)

وبذلك ظهر أنّ الربح تارة يكون بينهما كما في المأذون والناظر، وأُخرى لليتيم وحده كما إذا اتّجر بلا إذن ولا نظر أو استقرض وهو فقير واتّجر لنفسه، وثالثة للمتّجر إذا استقرض وهو مَلْي.

وبذلك تستطيع أن تجمع شتات الروايات وتعارضها. وعلى كلّ تقدير فالروايات لا صلة لها ببيع الفضولي.

السادسة: رواية ابن أَشْيَم

روى ابن أَشْيَم، عن أبي جعفر (عليه السلام)عن عبد لقوم مأذون له في التجارة دفع إليه رجل ألفَ درهم، فقال: اشتر بها نسمة واعتقها عنّي وحُجّ عني بالباقي، ثمّ مات صاحب الألف، فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه عن الميّت ودفع إليه الباقي يحجّ عن الميت فحجّ عنه. وبلغ ذلك موالي أبيه وموإليه وورثة الميّت جميعاً فاختصموا جميعاً في الألف.

فقال موالي العبد المعتَق: إنّما اشتريت أباك بمالنا.


1 . النهاية: 361ـ 362.


صفحه416

وقال الورثة: إنّما اشتريت أباك بمالنا.

وقال موالي العبد: إنّما اشتريت أباك بمالنا.

فقال أبو جعفر(عليه السلام): «أمّا الحجّة فقد مضت بما فيها لا ترد، وأمّا المعتَق فهو رد في الرقّ لموالي أبيه(1)، وأي الفريقين بعد أقاموا البيّنة على أنّه اشترى أباه من أموالهم كان له رقّاً».(2)

أمّا السند فهو ضعيف، لأنّ المراد من ابن أشيم هو موسى بن أَشْيَم من رجال الباقر والصادق(عليهما السلام)، قال الكشي: إنّه كان من الخطابية وذمّه الصادق (عليه السلام) .(3)

وأمّا الدلالة أو الاستئناس به على جواز الفضولي فوجهه: هو أنّ كلاً من الموالي يدّعي أنّ العبد اشترى أباه بعين مالهم، فلو لم يكن الاشتراء بعين المال كافياً في تملّك المبيع بعد المطالبة الّتي تتضمن إجازة البيع، لم يكن مجرد دعوى الشراء بالمال ولا إقامة البينة عليها كافية في تملّك المبيع.

هذا وقد جعله الشيخ مؤيداً لصحة بيع الفضولي ولكنّه غير تام بوجهين:

1. أنّه إنّما يصحّ إذا لم يكن العبد مأذوناً من الجميع في البيع والشراء، ولكن الظاهر من الرواية أنّ العبد المأذون كان عنده مال من الموالي الثلاثة


1 . لاستصحاب بقاء العبد في ملك المولى.

2 . الوسائل: ج 12، الباب25 من أبواب بيع الحيوان، الحديث1.

3 . اختيار معرفة الرجال:2/634، باب ما روي في موسى بن أشيم وحفص بن ميمون وجعفر بن ميمون. وراجع معجم رجال الحديث:20/21.


صفحه417

فهو كان يبيع ويشتري لهم بعين أموالهم فادّعى كلّ منهم أنّه اشترى أباه بعين مالهم، وعند ذلك يخرج الحديث عن كونه مؤيداً للفضولي.

2. أنّ من المحتمل أن يكون العبد وصيّاً للميت في شراء العبد وأنّ المال الّذي دفعه إليه لم يكن بأكثر من الثلث، فعندئذ لا يكون الشراء فضولياً; وأمّا إصرار ورثة الميت على شرائه بمال الوصية، فلأجل أن لا يُردّ المشترى بمال أبيهم رقّاً، ويكفي هذا في تدخّلهم في النزاع.

هذا ما يرجع إلى التأييد، وأمّا فقه الحديث فلا يخلو من إشكالات، وهي:

1. انّ المعروف في الأُمور الّتي لا تعلم إلاّ من جانب صاحبها، هو الرجوع إليه والاستفسار منه لتعلم حقيقة الحال. والقائم بأمر الشراء هو العبد وهو أعرف بقصده ونيّته، فلماذا أُهمل الرجوع إليه، وأُرجع الأمر إلى إقامة البيّنة كما قال الإمام(عليه السلام):«وأيّ الفريقين بعد أقاموا البيّنة على أنّه اشترى أباه من أموالهم كان له رقّاً».

2. انّ عتق العبد عن الميّت وبعثَه إلى الحجّ عنه أمارة على أنّه اشتراه بمال الميّت، فكيف ترك هذا الظاهر وصار المرجع إقامة البيّنة؟!

3. كيف صحّح الإمام(عليه السلام)الحجّ وقال:«أمّا الحجّة فقد مضت بما فيها لا تُردّ» مع أنّه ردّ النائب رقاً لصاحبه، ومع الحكم بكونه رقّاً يبطل حجّه، لأنّ حجّ الرق بلا إذن صاحبه غير صحيح.

ويمكن الجواب عن ذلك بأنّ المراد أنّ الحجّ قد انتهى أمره وانقضى،


صفحه418

هو ليس كالعبد أمراً موجوداً يمكن ردّه إلى صاحبه، وأمّا أنّ الحجّ كان صحيحاً أو لا، فليس الإمام (عليه السلام)بصدد بيانه.

4. إنّ الإمام رخص إقامة البيّنة للطائفتين: ورثة الميت، وموالي العبد المعتِق، مع أنّهما يدّعون الصحة وأنّه اشترى بأموالهم عبداً من غيرهم، وأمّا الطائفة الثالثة فهم يدّعون الفساد لأنّهم يدّعون أنّه اشترى أباه بأموالهم والثمن والمثمن ملكاً لهم، وعند ذلك فمن وافق قوله الصحة فهو المنكر، ومن ادّعى الفساد فهو المدعي، وعلى ضوء ما ذكرنا تنحصر إقامة البيّنة في الطائفة الثالثة فقط ولا تتوجّه للأخيرتين بل عليهم الحلف.

ولو قيل: إنّ الطائفة الثالثة ينفون أصل الشراء والطائفتان الأُوليان يدّعون وقوعه، فعندئذ ينعكس الأمر، وتتوجّه إقامة البيّنة عليهما دون الطائفة الثالثة.

وعلى كلّ تقدير فالاستدلال بالرواية مع ضعف السند واقترانها بهذه الإشكالات، أمر مشكل.

السابعة: صحيحة الحلبي

قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام): عن رجل اشترى ثوباً(ولم يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه) ثمّ ردّه على صاحبه، فأبى أن يقبله إلاّ بوضيعة، قال: لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة، فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه رد على صاحبه الأوّل مازاد.(1)