welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل فقهية/ج4*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية/ج4

صفحه1

   

   رسائل فقهية / ج 4


صفحه2

4

حضرة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ـ

      رسائل فقهية / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1430 ق . = 1388 .

      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 306 - 5 (دوره)

ISBN 978 - 964 - 357 - 408 - 6 (ج. 4)

      كتابنامه به صورت زير نويس.

      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .

      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.

5ر 2س/ 5/183 BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … رسائل فقهية

الجزء:    … الرابع

المؤلف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1430 هـ . ق

عدد النسخ :   … 1500 نسخة

المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه3

الجزء الرابع


صفحه4

2


صفحه5


صفحه6


صفحه7

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أمّا بعد; فهذا الجزء الرابع من موسوعتنا الفقهية، الّتي تتضمن رسائل في موضوعات متنوعة ويجمعها كون الجميع ممّا تعم به البلوى، وهي مورد حاجة الفقيه والمقلِّد .

ويحتوي هذا الجزء على ثمان عشرة رسالة نأتي بها حسب تسلسلها الموجود في الكتاب، وهي:

55 . في حكم كثير السفر.

56 . مَن كان في بعض الوقت حاضراً.

57 . الصلاة والصوم في المناطق القطبية.

58 . الصوم في السفر.

59 . حرمة الزكاة على الهاشمي.

60 . في قسمة الخمس ومستحقّه.

61 . الخمس في المال الحلال المخلوط بالحرام.

62 . الحج من أركان الدين.


صفحه8

63 . في شروط البيع بالصيغة.

64 . صور البيع الفضولي.

65 . مصافحة الأجنبية المسلمة.

66 . في أحكام النفقات.

67 . موت الزوج أثناء العدة.

68 . الحلف بالطلاق.

69 . الكلام في الحجب.

70 . في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم.

71 . في قاضي التحكيم والمأذون.

72 . دية الذمّي والمستأمن.

وقد بذلنا الوسع في عرض هذه الرسائل ببيان واضح وحجج قوية، معرضين عن الإطناب في الكلام.

والله من وراء القصد .

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

25 جمادى الأُولى 1430 هـ . ق


صفحه9

الرسالة الخامسة والخمسون

في حكم كثير السفر


صفحه10

صفحه11

اختلفت كلمة الأصحاب في التعبير عن هذا الشرط وإليك عناوينهم:

1. أن لا يكون سفره أكثر من حضره.

2. عدم زيادة سفره على حضره.

و هذان العنوانان هما المعروفان بين القدماء والمتأخّرين حتى المحقّق في «الشرائع».

3. أن لا يكون ممّن يلزمه الإتمام سفراً، وقد عبّر به المحقّق في «المعتبر» ورجّحه على العنوانين المتقدمين، قال: ويلزم على قولهم إنّه لو أقام في بلده عشرة وسافر عشرين يوماً أن يلزم الإتمام، وهذا لم يقل به أحد.

ويرد على عنوان المحقّق (مع أنّه أعمّ من هذا الشرط لأنّه يصدق على العاصي والمسافر بلا قصد إلى غير ذلك) أنّه لا يرجع إلى محصل، لأنّه في مقام بيان الشرط الموجب للإتمام، ولم يأت به وإنّما أتى بالحكم الواضح.

4. عدم كون حضره أقلّ من سفره.

5. أن لا يقيم في بلده أو غيره عشراً، ثلاثة متوالية.

6. عدم كونه كثير السفر.

7. عدم كون السفر عمله أو شغلاً له.


صفحه12

8. عدم كون السفر شغلاً له أو عدم كون شغله في السفر.

9.أن يكون السفر عمله ومن كان منزله في بيته، وهو الذي نقله السيد العاملي في مفتاح الكرامة عن أُستاذه بحرالعلوم.

10. الاقتصار على بعض العناوين الواردة في الروايات أو أكثرها، وعليه الصدوق في الهداية.

ولو أدرج الثاني في الأوّل والسابع في السادس تكون العناوين الواردة في كلماتهم ثمانية.

ولأجل أن يكون القارئ على بصيرة من العناوين التي اعتمد عليها الأصحاب نأتي بنصوص بعضهم:

1. قال الصدوق: فأمّا الذي يجب عليه التمام في الصلاة والصوم في السفر: المكاري، والكريّ، والبريد، والراعي، والملاّح، لأنّه عملهم.(1)

2. قال المفيد: ومن كان سفره أكثر من حضره، فعليه الإتمام في الصوم والصلاة معاً، لأنّه ليس بحكم الحاضر الذي يرجع إلى وطنه فيقضي الصيام.(2)

3. قال الشيخ: ولا يجوز التقصير للمكاري، والملاّح والراعي، والبدوي، إذا طلب القطْر والنَبْت والذي يدور في جبايته، والذي يدور في


1 . الهداية: 33.

2 . المقنعة: 349، كتاب الصوم، باب حكم المسافر في الصيام. لم يذكر الشيخ المفيد أحكام المسافر في كتاب الصلاة إلاّ بوجه موجز لاحظ ص 91. ولكنه بسط الكلام في كتاب الصوم على خلاف ما هو الدارج.


صفحه13

أمارته، ومن يدور في التجارة من سوق إلى سوق، ومن كان سفره أكثر من حضره، هؤلاء كلّهم لا يجوز لهم التقصير مالم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام.(1)

4. وقال سلاّر: والملاح والجمّال ومن معيشته في السفر، ومن سفره أكثر من حضره.(2)

5. وقال ابن البراج: وجميع من كان سفره أكثر من حضره مثل الملاح، والمكاري، والجمّـال، والبدوي إذا طلب القطر والنبت، والرعاة والأُمراء الذين يدورون في إماراتهم، والجباة الذين يسعون في جباياتهم، ومن يدور من سوق إلى سوق في تجارته، فإنّ الإتمام لازم لهم.(3)

6. وقال الحلبي: ولا كان حضره أقل من سفره.(4)

7. وقال ابن حمزة: والذي يكون سفره في حكم الحضر، ثمانية رهط: المُكاري والملاّح، والراعي والبدوي، والبريد، والذي يدور في إمارته، أو جبايته، أو تجارته من سوق إلى سوق.(5)

8. وقال ابن زهرة: الظهر أربع ركعات... هذا في حقّ الحاضر أهله بلا خلاف، وفي حقّ مَن كان حكمه حكم الحاضرين من المسافرين، وهو مَن كان سفره أكثر من حضره، كالجمّـال، والمكاري، والبادي.(6)


1 . النهاية: 122. 

2 . المراسم: 75.

3 . المهذب: 1 / 106.   

4 . إشارة السبق: 87 .

5 . الوسيلة: 108ـ109.  

6 . الغنية: 73 .


صفحه14

9. وقال ابن إدريس: ولا يجوز التقصير للمكاري والملاّح والراعي والبدوي إذا طلب القطْر والنبت، فإن أقام في موضع عشرة أيام فهذا يجب عليه التقصير إذا سافر عن موضعه سفراً يوجب التقصير...ولا يجوز التقصير للذي يدور في جبايته، والذي يدور في إمارته، ومن يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والبريد، ثمّ ذكر الكري والاشتقان، وحاول تفسير معناهما.(1)

10. وقال الكيدري: المكاري والملاح والراعي والبريد والبدوي، والذي لم يكن له دار مقام، والوالي الذي يدور في ولايته، والذي يدور في جبايته، والدائر في تجارته من سوق إلى سوق ومن كان سفره أكثر من حضره لا يجوز لهؤلاء التقصير إلاّ إذا كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام.(2)

11. وقال المحقّق: أن لا يكون سفره أكثر من حضره، كالبدوي الذي يطلب القطْر، والمكاري، والملاح، والتاجر الذي يطلب الأسواق، والبريد.(3)وقد عرفت نصّ «المعتبر» فلا نعيد.

12. وقال أيضاً: أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام، ولو أقام في بلده أو غير بلده قصر.(4)

13. وقال العلاّمة: من الشرائط، عدم زيادة السفر على الحضر كالمكاري، والملاح، وطالب النبت والقطر، والأسواق، والبريد، والضابط أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام، فإن أقام أحدهم عشرة قصر، وإلاّ أتم ليلاً ونهاراً.(5)


1 . السرائر: 1/336.  

2 . الإصباح: 92.

3 . الشرائع: 1 / 102.   

4 . المختصر النافع:51.  

5 . الإرشاد: 1 / 275.


صفحه15

14. وقال الشهيد: و أن لا يكثر سفره، كالمكاري، والملاّح، والأجير، والبريد.(1)

إلى غير ذلك من التعابير التي لا تخرج عن العناوين الماضية.

ثمّ إنّ بعض الأصحاب ذكروا الكري ـ تبعاً للنص ـ مع المكاري، ونقل ابن إدريس عن رسالة ابن بابويه: إنّ الكري هو المكاري، فاللفظ مختلف وإن كان المعنى واحداً. قال عذافر الكندي:

لو شاء ربّي لم أكن كريّا *** ولم أسق بشعفر المطيّا

و الشعفر اسم امرأة من العرب.

و الكريّ من الأضداد قد ذكره أبو بكر الأنباري في كتاب الأضداد، يكون بمعنى المكاري، ويكون بمعنى المكتري.

واحتمل السيد المحقّق البروجردي أن يكون معناه من يُكري نفسه، وعندئذ يتحد مع البريد.

وقال ابن إدريس: ذكروا أيضاً: «الاشتقان » وقال ابن بابويه: لم يبين المشايخ معناه لنا. ووجدت في كتاب الحيوان للجاحظ ما يدلّ على أنّ الاشتقان، الأمين الذي يبعثه السلطان على حفاظ البيادر، قال الجاحظ: وكان أبو عبّاد النميري أتى بابَ بعض العمال يسأله شيئاً من عمل السلطان فبعثه أشتقاناً فسرقوا كلّ شيء في البيدر، وهو لا يشعر فعاتبه في ذلك، وأظنّ أنّ


1 . الروضة البهية:1/154، طبعة عبدالرحيم.


صفحه16

الكلمة أعجمية غير عربية.(1) أقول: لعلّها معرب «دشتبان».

إذا عرفت الأقوال والعناوين فإليك دراسة النصوص، وهي عشرة وإن كانت تتراءى أنّها أكثر، وإليك ما رواه صاحب الوسائل في البابين 11و12 من أبواب صلاة المسافر.

1. روى الكليني بسند صحيح، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «المكاري والجمّال الذي يختلف، وليس له مقام يُتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان». وهو نفس ما رواه في الوسائل عن الشيخ باسناده عن السندي بن الربيع قال: «في المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان».(2)

2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري، والكري، والراعي، والاشتقان، لأنّه عملهم». وهو نفس ما رواه عن الصدوق، أعني: قال الصدوق: وروي الملاح، والاشتقان البريد.(3) والظاهر انّ قوله: «والاشتقان هو البريد» من كلام الصدوق، وليست الرواية إلاّ قوله: «و روي الملاح».

3. روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكاري والجمّال». وهو نفس ما رواه عن الشيخ عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «ليس


1 . السرائر:1/337.

2 . الوسائل: ج 5 ، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و 10.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2و3.


صفحه17

على الملاّحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكارين، ولا على الجمالين».(1)

4. روى الكليني، عن إسحاق بن عمّار قال: سألته عن الملاّحين والأعراب، هل عليهم تقصير؟ قال: «لا، بيوتهم معهم».(2)

5. روى الكليني بسند صحيح إلى سليمان بن جعفر الجعفري، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الأعراب لا يقصّرون، وذلك أنّ منازلهم معهم». وهو متحد مع ما رواه البرقي في المحاسن بنفس السند.(3)

6. روى الشيخ عن علي بن جعفر، عن موسى بن جعفر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «أصحاب السفن يتمون الصلاة في سُفنهم».(4)

7. روى الشيخ عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه قال: «سبعة لا يقصرون الصلاة: الجابي الذي يدور في جبايته، وا لأمير الذي يدور في إمارته، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والراعي، والبدويّ الذي يطلب مواضع القطْر ومنبت الشجر، والرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، والمحارب الذي يقطع السبيل».(5)

8. روى الصدوق بسنده إلى ابن أبي عمير رفعه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)


1 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث4و8.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث5.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث6و11. وقد عدّهما السيد المحقّق البروجردي (قدس سره)متغايرين.

4 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث7.

5 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث9.


صفحه18

قال: «خمسة يتمون في سفر كانوا أو حضر: المكاري والكري والاشتقان، وهو البريد، والراعي، والملاّح، لأنّه عملهم».(1) وتفسير الاشتقان بالبريد مخالف لما نقلناه عن ابن إدريس، عن الجاحظ، ولعلّه كان بعد لفظ «الكري» وكان تفسيراً له.

9. إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم عن الذين يكرون الدواب، يختلفون كلّ الأيّام أعليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال: «نعم». وهو متحد مع ما بعده في الوسائل.(2)

10. روى الشيخ عن محمد بن جزك قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام)أنّ لي جمالاً ولي قوام عليها، ولست أخرج فيها إلاّ في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة إلى بعض المواضع فما يجب عليّ إذا أنا خرجتُ معهم، أن أعمل، أيجب عليّ التقصير في الصلاة والصيام في السفر أو التمام؟ فوقّع(عليه السلام): « إذا كنت لا تلزمها، ولا تخرج معها في كلّ سفر إلاّ إلى مكة، فعليك تقصير وإفطار».(3)

وهذه هي الروايات الواردة في أصل الموضوع دون ما يتعلق ببعض جزئياته وليس فيها عن قولهم: «أن لا يكون سفره أكثر من حضره» عين ولا أثر، ومع كونه غير مذكور في الروايات، جاء مذكوراً في الكتب الفقهية


1 . الوسائل: ج 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث12.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 12من أبواب صلاة المسافر، الحديث2و3.و ذكر الحديث لأجل العنوان الوارد فيه، و سيوافيك توضيح المضمون، فانتظر.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 12من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.


صفحه19

الملتزمة بالفتوى بالمنصوص كالمقنعة للمفيد، ولعلّهم استنبطوه من الروايات.

ثمّ إنّ الّذي يمكن أن يكون مصدراً للحكم عبارة عن العناوين الكلية، والعناوين الخاصة، وإليك الأُولى.

1. الذي يختلف وليس له مقام (الحديث الأوّل) .

2. لأنّه عملهم (الحديث الثاني، والثاني عشر) .

3. لا، بيوتهم معهم (الحديث الخامس) .

4. انّ منازلهم معهم (الحديث السادس) .

5. فإنّه في بيت وهو يتردد (الحديث الحادي عشر) .

وأمّا العناوين الخاصة فهي عبارة عن:

1. المكاري، 2. الجمّال، 3. الكري، 4. الراعي، 5. الاشتقان، 6. الملاّح، 7. الأعراب، 8. أصحاب السُّفن، 9. الجابي الذي يدور في جبايته، 10. الأمير الذي يدور في إمارته، 11. التاجر الذي يدور في تجارته، 12. البدوي، 13. البريد.

ولكن يمكن تقليل العناوين الواقعية إلى الأقل، وذلك لأنّ «الأعراب والبدوي» و إن كانا مفهومين مختلفين، ولكنّهما متحدان مصداقاً، مضافاً إلى احتمال انّ المراد من البريد هو الكري، فتكون العناوين الواقعية الواردة في المسألتين أحد عشر عنواناً، وبما أنّ عنواني «الأعراب»، و«البدوي» راجعان


صفحه20

إلى المسألة السابقة ـ أي حكم مَن كان بيته معه ـ (1)فتبقى لمسألتنا هذه تسعة عناوين وهي التالية:

1. المكاري، 2. الجمّال، 3. الملاّح، 4. الكري، 5. الراعي، 6. الاشتقان، 7. الجابي الذي يدور في جبايته، 8. الأمير الذي يدور في إمارته، 9. التاجر الذي يدور في تجارته.

كما أنّ ما يرجع من الضابطة إلى المقام عبارة عن العناوين التالية:

1. لأنّه عملهم، وقد ورد في الحديث الثاني والثامن.

2. الذي يختلف وليس له مقام، وقد مرّفي الحديث الأوّل.

3. يختلفون كلّ الأيام.

فتحقيق الموضوع يتوقف على البحث في أمرين:

1. تحليل العناوين التسعة المذكورة، فنقول:

إنّ العناوين الخاصة على قسمين: قسم منها يكون السفر مقوماً لمفهومه ويعدّ بمنزلة الجنس له، ولا يتصور ولا يتحقّق بدونه، كالمكاري والجمّال والملاّح; وقسم آخر لا يكون السفر مقوماً لمفهومه بل يصح تصوره بدونه وإن كان بعض أقسامه يلازم السفرَ كما في التاجر الذي يريد البيع في خارج بلدته، ومثله الأمير الذي يتجول في إمارته، أو الجابي الذي يدور في جبايته، وهكذا ففي هذه الأمثلة ليس السفر مقوماً لنوع هذه المفاهيم، وإنّما يلازم وجودَ بعض الأصناف.


1 . راجع: ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر: 142 .


صفحه21

إذا علمت ذلك فنقول:

لا إشكال في عدم شرطية كون اتخاذ هذه العناوين مهنة لطلب الرزق أوجلب المال، بل يعم ما إذا كان عارياً عنهما كما إذا افترضنا أنّ الجمّال يعمل في سبيل اللّه، أو يحمل الجنود والعتاد إلى جبهات القتال، فكلا الصنفين داخلان تحت الضابطة.

كما لا إشكال في عدم خصوصية للمِهَن الواردة فيها، فلو افترضنا انّ نجّاراً، أو حداداً، أو مهندساً فنياً، أو طبيباًيتجول خارجَ بلدته مثل تجول البريد، أو افترضنا انّ موظفاً للدولة، استخدم للعمل خارج بلده بشكل مستمر يتجول في المسافة الشرعية من مكان إلى مكان، وهو يرجع إلى بلده في كلّ شهر أيّاماً قلائل، فالعرف يلغي الخصوصية ويراها داخلة تحت ضابطة واحدة.

والعجب من العلاّمة الحلّي حيث تردّد في هذا الأمر وقال: هل يُعتبر هذا الحكم في غيرهم حتى لو كان غير هؤلاء يتردد في السفر اعتبر فيه ضابطة الإقامة عشرة، أو لا؟ إشكال ينشأ من الوقوف على مورد النص ومن المشاركة في المعنى.

إلى هنا تبيّن أنّه لا خصوصية للمِهن الواردة في النصوص، وقد علمت أنّها على قسمين: قسم يكون نفس السفر مهنة له، كما في الجمّال والمكاري والملاّح. وتارة تكون المِهْنة شيئاً والسفر شيئاً آخر، لكنّه حسب ظروفه اختار مهنته في السفر، وعلى ذلك يكون المقياس أحد الأمرين:


صفحه22

1. أن يكون السفر شغله كما في الثلاثة، ونضيف إليها السائق والطيار ومن يعمل معهما.

2. أو أن يكون شغله في السفر، كما في الجابي والأمير والتاجر المتجولين من مكان إلى آخر.

ومع ذلك كلّه بقي هناك أمر آخر، وهو هل يعتبر أن يكون السفر له مهنة بأحد المعنيين، أو يكفي نفس التجوّل والتردد بين البلد وخارجه على حدّ مسافة شرعية من دون أن يتخذه مهنة، كما إذا زار الأمكنة المقدسة كلّ أُسبوع مرّتين، أو زار والديه كذلك؟ فالظاهر من مشايخنا المتأخرين اعتبار ذلك كما سيوافيك نصّهم في تحليل الضابطتين الواردتين في المقام.

وبعبارة أُخرى: هل الموضوع ما إذا كان السفر مهنة إمّا بالذات أو بالعرض، أو هو أعمّ من ذلك ويعمّ ما إذا كثرت أسفار الرجل، وتردده إلى البلد وخارجه، من دون أن يكون شغله بأحد الصورتين؟ وجهان، أكثر المشايخ على الوجه الأوّل، والثاني غير بعيد كما سيظهر.

وحصيلة البحث: أنّه لو خُلِّينا نحن وقوله(عليه السلام): «لأنّ السفر عملهم» اقتصرنا بما إذا كان السفر شغله الأساسي، كالمكاري والملاّح والجمّال، ويلحق بهم الكري إذا فسر بمن يكري نفسه للخدمة في السفر لإصلاح وضع الدوابّ وتعليفها، أو تصليح السيارة، ورفع حوائج المسافرين، ولا نتجاوز عن هؤلاء إلاّ أنّ التمثيل له بالراعي والجابي والاشتقان، والأمير الدوّار، صار قرينة على أنّ المراد منه ليس معناه اللغوي، بل معناه العرفي الصادق على مَن كان شغله شيئاً غير السفر، كالتجارة والإمارة في السفر، فإنّ


صفحه23

شغلهم بالدقة العقلية وإن لم يكن سفراً لكن يصدق عليهم عرفاً أنّ شغلهم السفر باعتبار أنّهم يمارسون شغلهم الأصلي في السفر، لا في الحضر، وعلى ذلك فيصح توسيع الحكم لكلّ أصحاب المهن الذين يمارسونها غالباً في خارج البلد، كالطبيب والطالب اللّذين يسافران كلّ يوم للطبابة والتحصيل إلى غيرهما من أصحاب الأشغال والمهن، إذ أيّ فرق بين الراعي الذي يذهب كلّ يوم لرعي غنمه ويرجع، والطبيب الذي يمارس مثل ذلك والحكم بالتمام في الجميع إنّما هو لصدق العلة حسب ما لها من المفهوم العرفي.

نعم الظاهر من السيد الأُستاذ، تخصيص الحكم بمن كان السفر متن شغله كالمكاري والساعي وأصحاب السيارات ونحوهم، ومنهم أصحاب السفن والملاّح. وأمّا الإتمام في القسم الثاني (من شغله في السفر) فيقتصر فيه على مورد النص قال: «ممّن شغله السفر الراعي الذي كان الرعي عمله، سواء كان له مكان مخصوص أو لا، والتاجر الذي يدور في تجارته».(1)

و لكن الظاهر انّ العرف يساعد على تعميم الحكم لكل من يكون شغله في السفر، كالموظف الدولي والطبيب السيّار، وإن كانا خارجين عن النص.

إنّما الكلام في توسيع الحكم لمن يذهب ويرجع لغاية الزيارة، والسياحة، واشتراء ما يحتاج إليه من الخبز واللحم كلّ يوم إلى أربعة فراسخ، أو المراجعة إلى الطبيب في كلّ أُسبوع مرّتين إلى غير ذلك من الغايات، وقد


1 . تحرير الوسيلة:1/230 ، الشرط السابع، المسألة 25 .


صفحه24

توقّف المشايخ في الإلحاق، قائلين بأنّه لا يصدق على مثل ذلك، كون السفر شغله فليست الزيارة المتكررة شغله، ولا شغله في السفر وبذلك تكون فتوى القدماء، فتوى بلا دليل.

ومع ذلك كلّه يمكن تقريب اللحوق بالوجه التالي:

1. أنّ الوارد في النصوص كون السفر عمله، لا شغله ومهنته، فكما يصدق التعبير على من كان السفر مقدمة لشغله الأصلي، فكذا يصدق لمن يزاول السفر في كلّ أُسبوع أو شهر، بكثرة فيقال، السفر عمله، وهذا واضح لمن تتبع موارد استعمال تلك التراكيب، قال سبحانه حاكياً عن امرأة فرعون: (وَنَجِّنِي من فِرعَون وَ عَمَلِه) (1) وقوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ علَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)(2)، وقوله تعالى: (كَذلِكَ زَيّنّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلَهُمْ) (3). والمراد من العمل المضاف إلى الضمير هو الفعل المتكرر، بقرينة قوله: (زيّن)، كما أنّ المراد من قوله: (من فرعون وعمله) أي عمله المستمر، وعندئذ فالمرجع هو عموم التعليل، لا خصوصية الموارد.

2. أنّ القدماء بصفاء ذهنهم، فهموا أنّ الأمثلة الواردة في الروايات، رمز لكثرة السفر، وإشارة إليه، وأنّ الإنسان الممارس للسفر كثيراً يُشبه بمن بيته معه، فحضره لقلته، مندرج في سفره، فاللازم في مثله الإتمام.

3. أنّ قيد الاختلاف الوارد في غير واحد من الروايات بمعنى الإياب والذهاب، وقد ورد في مواضع نأتي بمورد واحد منها، له صلة بالمقام، أعني: حديث السندي بن الربيع: قال في المكاري والجمّـال الذي يختلف وليس


1 . التحريم: 11.  

2 . محمد: 14.   

3. الأنعام: 108.


صفحه25

له مقام يتم الصلاة.(1) فإنّ في قوله: «يختلف» دلالة على أنّ الميزان ليس كونه مكارياً، بل الميزان كونه يختلف ويذهب ويجيء، وليس له مقام عشرة أيام في أثنائها، ولو كتب التمام على المكاري فإنّما هولأجل أنّه يختلف وليس له مقام، وهذا أيضاً موجود فيمن يعيش على نحو يختلف ليس له مقام.

ولعلّ هذه الوجوه الثلاثة كافية في تبيين ما هو المعروف بين القدماء من أنّ الموضوع هو كثرة السفر وقلّته، لكن القدر المتيقن، ما إذا صار السفر له أمراً عادياً، وكان له استمرار غير محدد، أو كان محدداً لكن بدرجة عالية حتى يعدّ له عملاً، شبيهاً للقسمين الأوّلين، وأمّا من اتفقت له لعارض أسفار عديدة من دون أن يستمر بل يكون محدداً، فالمرجع فيه هو القصر.

و من هنا يعلم أنّ ما أفاده السيد الطباطبائي في المسألة رقم 50 ليس بصحيح على إطلاقه، بل لابدّ من تقييده بما إذا كان محدداً.

قال فيها: إذا لم يكن شغله وعمله السفر، لكن عرض له عارض فسافر أسفاراً عديدة لا يلحقه حكم وجوب التمام سواء كان كلّ سفرة بعد سابقها اتفاقياً، أو كان من الأوّل قاصداً لأسفار عديدة، فلوكان له طعام أو شيء آخر في بعض مزارعه أوبعض القرى، وأراد أن يجلبه إلى البلد، فسافر ثلاث مرّات، أو أزيد بدوابه، أو بدواب الغير لا يجب عليه التمام، وكذا إذا أراد أن ينتقل من مكان، إلى مكان فاحتاج إلى أسفار متعددة في حمل أثقاله وأحماله.(2)


1 . الوسائل: ج 5 ، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

2 . العروة الوثقى: 335، المسألة 50.


صفحه26

لا شكّ أنّه يقصر في هذه الموارد، لكون السفر الثاني أو الثالث إمّا اتّفاقياً أو كون السفر من أوّل الأمر محدداً بثلاث أو أربع أسفار ومثلها لا يلحق بالقسمين الواردين في الروايات، والكلام فيما إذا قام بعمل إلى مدّة غير محددة، يستلزم الاختلاف إلى البلد وخارجه يوماً بعد يوم أو في كلّ أُسبوع مرتين أو ثلاث غير محدد بأسابيع، أو كان محدداً لكن على صعيد يراه العرف من مصاديق من يكون السفر عمله وإن لم يكن مهنته.

نعم ذهب السيد الأُستاذ إلى القصر في هذه الصورة قال: لو لم يكن شغله السفر لكن عرض له عارض فسافر أسفاراً عديدة يقصر، كما لو كان له شغل في بلد وقد احتاج إلى التردد إليه مرّات عديدة، بل وكذا فيما إذا كان منزله إلى الحائر الحسيني مسافة، ونذر أو بنى على أن يزوره كلّ ليلة جمعة، وكذا فيما إذا كان منزله إلى بلد كان شغله فيه مسافة ويأتي إليه كلّ يوم بأنّ الظاهر أنّ عليه القصر في السفر والبلد الذي ليس وطنه.(1)

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ المورد الأخير من القسم الثاني، والكلام في القسم الثالث، بما عرفت من أنّ عمل السفر إذا كان مستمراً آخذاً من أوقات المسافر شيئاً كثيراً في حدّ نفسه، فهو داخل في كبرى المسألة كما عرفت.

وبذلك ظهر أيضاً أنّ المراد ليس الأكثرية الزمانية بأن يكون اغترابه عن الوطن في كلّ شهر أكثر من حضوره فيه، ولا العددية، بأن يكون عدد الأسفار أكثر من عدد الحضور، بل المراد صيرورة السفر لأجل الكثرة والاستمرار كالعادة، من غير فرق بين كون شغله السفر، أو شغله في السفر، أو صيرورة


1 . تحرير الوسيلة:1/231، المسألة 24.


صفحه27

السفر حسب الاستمرار عملاً شأنياً له في نظر العرف لا أمراً نادراً.

***

لو كان سائقاً في البلد وأطرافه القريبة فسافر

لا شكّ أنّ منصرف قوله (عليه السلام): «لأنّه عملهم» هو السفر البالغ حدّ المسافة بحيث لولا العملية لكان مقتضياً للتقصير، وعلى هذا فمن كان سائقاً في داخل البلد أو خارجه لكن في شعاع غير بالغ حدّ المسافة الشرعية، فهو وإن كان من مصاديق المكاري لغة، لكنّه خارج عن تحت الأدلّة المرخصة، وعلى هذا إن اتّفق أن حمل مسافراً إلى خارج البلد البالغ حدّ المسافة الشرعية فهل هو يتم أو يقصر؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ المراد من كون السفر عمله، هو كون السفر الشرعي عمله والمفروض خلافه، لأنّ عمله هو السياحة في نفس البلد ومادون المسافة، وأمّا غيرهما فإنّما هو أمر اتّفاقي لا يصدق أنّه عمله. ويمكن الاستدلال له بما روي عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام)عن الذين يكرون الدواب يختلفون كلّ الأيام أعليهم التقصير إذا كانوا على سفر ؟ قال: «نعم».(1)

وعنه أيضاً، عن أبي إبراهيم قال (عليه السلام): سألته عن المكارين الذين يكرون الدواب وقلت: يختلفون كلّ أيام كلّما جاءهم شيء اختلفوا؟ فقال: «عليهم التقصير إذا سافروا».(2)


1 . الوسائل: ج 5، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.


صفحه28

فإنّ المراد من قوله: «يختلفون كلّ الأيام»، هو اختلافهم فيما دون المسافة، بقرينة قوله بعده : «إذا سافروا».

وبذلك نستغني عن حمل الحديثين على ما إذا تخلّلت الإقامة بين الأسفار، كما عليه صاحب الوسائل; أو حملهما على من أنشأ سفراً غير السفر الذي هو عادته، وهو ما يختلفون كلّ الأيام، كالمكاري مثلاً لو سافر للحج، أو إلى أحد البلدان في أمر غير ما هو الذي يتكرر فيه دائماً، كما حمل عليه المحدّث البحراني.(1)

لا فرق بين من جدّ في سيره ومن لم يكن كذلك

وردت عدّة روايات(2) بعضها صحيحة، من أنّ المكاري والجمّـال إذا جدّ بهما السير فليقصروا، وفسره الكليني بمن جعل المنزلتين منزلاً واحداً.(3) ولكن الظاهر عدم الاختصاص بما فسره، بل هو مطلق السرعة والجد في السير; والروايات الفارقة بين من جدّ، ولم يجد، بالتقصير في الأوّل دون الثاني، لم يعمل بها الأصحاب وأعرضوا عنها، ولم يُفْتِ على وفقها أحد منهم، فهي غير معمول بها، معرض عنها إلى زمان صاحب المدارك، ولذلك يرد علمها إليهم. حتى أنّ السيد الخوئي مع أنّه يعمل بصحاح الروايات وإن أعرض الأصحاب عن العمل بها، لم يعمل بها في


1 . الحدائق: 11/394.

2 . الوسائل : ج 5، الباب 13 من أبواب صلاة المسافر .

3 . الوسائل : ج 5، الباب 13 من أبواب صلاة المسافر. وما فسر به الكليني ورد تحت الحديث رقم 4.


صفحه29

المقام، واعتذر عنه بما لا يخلو من تأمل.

شرطية تكرّر السفر

إذا كان الموضوع هو اتّخاذ السفر عملاً، فهل يتوقف صدق هذا العنوان على تكرّر السفر مرّتين أو ثلاث مرّات، أو لا هذا، ولا ذاك، وإنّما الموضوع صدقُ هذا العنوانِ عرفاً ولو بسفرة واحدة؟ وجوه وأقوال:

ذهب الشهيدُ إلى الأوّل، وقال في الذكرى: وذلك يحصل غالباً بالسفرة الثالثة الّتي لم تتخلّلها إقامة عشرة.(1)

وذهب العلاّمة الحلّي إلى الثاني وقال بالإتمام في الدفعة الثانية ممّن جعل السفر عادته.(2)

وذهب صاحب الحدائق وتبعه أكثر المتأخرين إلى الوجه الثالث وقال: الواجب بالنظر إلى الأخبار، مراعاة صدق الاسم وكون السفر عمله فإنّه هو المستفاد منها، ولا دلالة لها على ما ذكروه من اعتبار الكثرة فضلاً عن صدقها بالمرتين أو الثلاث.(3) وعليه الفقيه الهمداني في المصباح والسيد الطباطبائي في العروة.

فقال الأوّل: إنّ المدار في وجوب الإتمام ليس على صدق عنوان كثير


1 . الذكرى: 4 / 316، في ضمن الشرط الخامس من شروط القصر.

2 . المختلف: 3/109.

3 . الحدائق: 11 / 395.


صفحه30

السفر و لا على إطلاق اسم المكاري أو الجمّال، بل على أن يصدق عليه أنّ السفر عمله ولا يتوقف صدقه ولا صدق اسم المكاري وشبهه على أن يكون مسبوقاً بتكرر صدور الفعل منه مرّة بعد أُخرى، بل على اتخاذه حرفة له بتهيئة أسبابه وتلبّسه بالفعل بمقدار يعتدّ به عرفاً.(1)

وقال السيد الطباطبائي: والمدار على صدق اتّخاذ السفر عملاً له عرفاً ولو كان في سفرة واحدة لطولها، وتكرر ذلك منه من مكان غير بلده إلى مكان آخر فلا يعتبر تحقق الكثرة بتعدّد السفر ثلاث مرات أو مرّتين، فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضاً يلحق الحكم وهو وجوب الإتمام، نعم إذا لم يتحقق الصدق إلاّ بالتعدد يعتبر ذلك.(2)

ما ذكراه إنّما يصحّ في القسم الأوّل دون القسم الثاني، وما ألحقنا به من القسم الثالث، فإنّ عدّ السفر له عملاً في هذين القسمين، إنّما بالعناية والمجاز والمسوِّغ له، هو كثرة المزاولة والممارسة بالجباية والتجارة في السفر إلى حدّ صار السفر شغلاً وعملاً له، وإلاّ فلا يعد عملاً له، بمجرّد القصد والممارسة مرّة واحدة فلو كان الملاك هو الصدق العرفي فصدقها في أقل من ثلاث مرات، محل ترديد، ولو شكّ لأجل الشك في سعة مفهوم المخصص وضيقه فهل المرجع هو التمسك بعمومات الأدلّة المرخصة أو عمومات التمام وجهان، ولو وصلت النوبة إلى الأُصول العملية فالمرجع هو استصحاب القصر كما لا يخفى.


1 . مصباح الفقيه: 2 / 747، الطبعة القديمة.

2 . العروة الوثقى: 334، ذيل الشرط السابع للقصر.


صفحه31

إنّما الكلام في أمثال المكاري والجمّـال والملاّح والكري التي يعد السفر جنساً لها، فهل الصدق العرفي رهن التعدّد أو لا؟

ربما يقال: بأنّ الظاهر تحقّق الصدق العرفي بمجرّد التلبس بالسفر على أنّه عمله، ولا يتوقف على طول السفر ولا على تكرره، وقد عرفت أنّه خيرة الأعلام الثلاثة، ونقل صاحب الجواهر عن المقدس البغدادي تحقّق وصف المكاري ونحوه بأوّل سفرة إذا تبعَ الدوابَّ، وسعى معها سعي المكارين ووصفه بقوله: لا يخلو من وجه.

ولكن لا يخلو عن بعد فيما إذاكان السفر قصيراً ولم ينتقل من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، ومن فندق إلى فندق، والتحقيق أن يقال: إنّ العناوين الكلية الواردة في المقام ثلاثة:

1. المكاري والجمّـال والملاّح.

2. لأنّه عملهم.

3. الذي يختلف ليس له مقام.

وليس المراد من المكاري وما عطف عليه، المعنى اللغوي أي من يُكري دابته أو سيارته الذي يصدق إذا أكرى مرّة واحدة، بل أصحاب الحرف والمهن التي يتوقف صدقها على وجود تدريب وتمرين، ومزاولة وممارسة واستمرار العمل.

وبذلك خرج من كانت له سيارة فأكراها لا بقصد الاستمرار، بل للمرة الأُولى، ثمّ اتّفق أيضاً إكراؤها ثانية، وهكذا، فإنّ البناء على الاستمرار شرط في صدق هذه العناوين.


صفحه32

و مثله ما إذا أكراها، مع البناء على الاستمرار لكن كان السفر قصيراً، كالسفر من قم إلى طهران، فلا يتصف بها إلاّ بالتعدد ولا يبعد صدقها في المرة الثالثة، ويحتاط بالجمع في الثانية.

نعم إذا كان السفر طويلاً، موجباً للانتقال من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، بحيث يعد الانتقال من بعض الأمكنة إلى غيرها إنشاء سفر جديد واختلافاً، فلا يبعد صدق العناوين العامة، حتى التعليل والاختلاف الواردين في صحيحة هشام بن الحكم(1)، أيضاً فما عن السيد المحقّق البروجردي من «انّ وجوب القصر في السفر الأوّل مطلقاً لا يخلو من قوّة»، لا يخلو من تأمّل.

فإن قلت: إنّ اقامة العشرة قاطع لموضوع السفر، عند جمع، ورافع لأثره عند جمع آخر، فلو أقام المكاري عشرة أيّام فهو يقصر في سفره الأوّل، وإذا كان كذلك في أثناء التلبّس فأولى أن يكون كذلك قبل التلبّس، ومعه كيف يقصر في سفره الأوّل وإن كان طويلاً؟!

قلت: إنّ السفر الأوّل إذا كان قصيراً، لا يؤثر شيئاً وإنّما يؤثّر إذا كان طويلاً موجباً للانتقال من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، على وجه يعدّ الانتقال كالأسفار المتعددة كما كان الحال كذلك في عهد السفر بالدواب، فلو صدق ذلك مع السفر بالسيارة فهو، وإلاّ فيتوقف على نيّة الاستمرار وتعدد الممارسة.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.