welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل فقهية - ج2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج2

صفحه1

2


صفحه2

حضرة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ـ

      رسائل فقهية / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1429 ق . = 1387 .

      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 306 - 5 (دوره)

ISBN 978 - 964 - 357 - 339 - 3 (ج. 2)

      كتابنامه به صورت زير نويس.

فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا

      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.

5ر 2س/ 5/183 BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … رسائل فقهية

الجزء:    …الثاني

المؤلف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1429 هـ . ق

عدد النسخ :   … 1500 نسخة

المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه3


صفحه4


صفحه5


صفحه6


صفحه7

   

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وجعلهم أحد الثقلين اللذين أُنيط بهم الهداية وأكمل بهم السعادة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، فإن تمسكتم بهما فلن تضلّوا أبداً».

أمّا بعد; فإن الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة فريضة القلوب والشريعة فريضة الجوارح، فلكل واجب محرّر في محله، فانطلاقاً من هذا الأصل قمنا بتأليف رسائل مختصرة ومفصلة حول الشريعة في المسائل الّتي تبتلي بها العامّة أو يسأل الفقيه عنها.

وهذا هو الجزء الثاني من تلك السلسلة يحتوي على الرسائل التالية:

الرسالة السابعة عشرة: تفسير الوطنين الأصلي والاتخاذي.

الرسالة الثامنة عشرة: إتمام الصلاة في الأماكن الأربعة.

الرسالة التاسعة عشرة: أقسام الصوم .

الرسالة العشرون: في الأجناس الّتي تتعلق بها الزكاة.

الرسالة الحادية والعشرون: في شرطية السوم دون اعتبار عدم العمل.

الرسالة الثانية والعشرون: الخمس في زمان الغيبة.

الرسالة الثالثة والعشرون: المؤونة لغة واصطلاحاً.

الرسالة الرابعة والعشرون: صلاة الطواف ومكانها.

الرسالة الخامسة والعشرون: حقيقة الإحرام في كلمات الفقهاء.


صفحه8

الرسالة السادسة والعشرون: المطاف بين السعة والضيق.

الرسالة السابعة والعشرون: في عقد المضاربة وأحكامه.

الرسالة الثامنة والعشرون: في مال القراض.

الرسالة التاسعة والعشرون: الرضاع.

الرسالة الثلاثون: الكفاءة في النكاح ولواحقها.

الرسالة الحادية والثلاثون: في حكم المفقود عنها زوجها.

الرسالة الثانية والثلاثون: الطلاق ثلاثاً دفعة أو دفعات في مجلس واحد.

الرسالة الثالثة والثلاثون: المسلم يرث الكافر دون العكس.

الرسالة الرابعة والثلاثون: إرث الزوج والزوجة.

الرسالة الخامسة والثلاثون: عمل القاضي بعلمه.

الرسالة السادسة والثلاثون: العاقلة وأحكامها.

وهذه الرسائل إمّا أُلّفت على وجه الاستقلال، أو استلت من مؤلّفاتي الفقهية.

وفي الختام نرجو من القرّاء الكرام إيقافنا على مواضع الغفلة والزلة، فإنّ العصمة لله ومن عصمه الله، وعلى الله توكلت وإليه أُنيب.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

25 شعبان ـ 1429 هـ


صفحه9

الرسالة السابعة عشرة

تفسير الوطنين الأصلي

والاتخاذي


صفحه10

صفحه11

تفسير الوطنين الأصلي والاتخاذي   

إنّ الوطن بما له من المعنى العرفي يتحقّق بأحد أمرين:

1. كون البلدة مسقط رأسه ومحلّ تولّده ونشئه ونموّه، فهذا ما يسمّى بالوطن الأصلي، فكلّما خرج الإنسان عنه، عاد إليه.

2. اتخاذها وطناً ثانياً لإلجاء الظروف الانتقال من الوطن الأصلي، إلى إلقاء الرحل فيها، لعوامل اقتصادية أو سياسية أو صحيّة، بحيث يصدق عليه أنّه أعدّه مقراً لنفسه، وهذا ما يسمّى وطناً اتخاذياً، وقد شاعت الهجرة بين الشعوب بعد ظهور الحضارة الصناعية، لسهولة الانتقال مع الأثقال من بلد إلى بلد آخر لطلب المال والمقام.

ولا يعتبر في صدق الوطن الاتخاذي، إلاّ اتخاذه مقراً ومسكناً بلا تقييده بمدة محددة، بل يصدق مع التقييد أيضاً إذا كانت مدّة الاستقرار كثيرة كعشر سنين أو أزيد بشرط أن يُحقّق لوازم الاستقرار وشؤون الاستيطان كالانتقال مع الأهل والعيال إليه، والاشتغال بالتجارة أو العمل في المصانع والمزارع على وجه يتجلى المحلُّ في نظر العرف كونه مسكناً ومستقراً له، وهذا يختلف حسب اختلاف الأشخاص في الشؤون الاجتماعية، فالعامل في بلد إذا انتقل إلى بلد آخر واشتغل بنفس العمل في مصنع من المصانع صدق انّه اتّخذه مقرّاً ومسكناً، بخلاف التاجر فلا يصدق إلاّ إذا مارس نفس


صفحه12

ما كان يمارسه في البلد الأوّل عن طريق إنشاء متجر يضمّ إلى نفسه كاتباً ومحاسباً إلى غير ذلك من الشؤون. يقول السيد الطباطبائي: إنّ الصدق المذكور يختلف حسب الأشخاص والخصوصيات فربما يصدق بالإقامة فيه بعد القصد المزبور شهراً أو أقلّ فلا يشترط الإقامة ستة أشهر.

ولا يشترط في صدقه، كونه مالكاً لدار أو دكان، بل يكفي اتخاذه مسكناً ومقراً ولو بالإيجار، والسائد على المهاجرين هو الإيجار، لا التملك.

والحاصل: أنّه لا يشترط في صدق الوطن العرفي، سوى اتخاذه مقراً ومسكناً لنفسه وعياله وأولاده بحيث لو سئل عن مسكنه، لأجاب أسكن البلد الفلاني، سواء اقترن بنية الدوام أو لا، بشرط أن تكون المدّة في الصورة الثانية طويلة تصوّر المسكن في نظر العرف أنّه وطن، سواء كان له ملك أو لا.

إذا كان له دار أثناء الطريق

وبذلك تعلم حال ما لو كان له وراء دار إقامته منزل آخر، فهل العبور عليه يكون قاطعاً للسفر ويتم فيه الصلاة، أو لا؟ الظاهر انّه تختلف حاله حسب اختلاف كيفية إقامة الإنسان، فربما يتخذه مقراً لنفسه ليقضي أيام العطلة فيه فيجهّزه بأثاث البيت، بحيث كلما نزل فيه يرى نفسه مستقراً، لا مسافراً ولو ضمّ إليه أمراً وهو أن يتزوج امرأة ويسكنها فيه بحيث كلما حل فيه، فكأنّه حل في وطنه، ففي مثله يتم ويصوم وإن كان أقل من عشرة، وربما لا تكون إقامته بهذه المثابة بل ربما يحل فيه، يوماً وأياماً ثمّ يتركه، وتكون الإقامة فيه كالإقامة في الفندق في أيام الصيف ففي مثله يقصر ويفطر.


صفحه13

والحاصل: أنّ الحكم بالخروج عن كونه مسافراً وعدمه تابع لكيفية إقامته فيه من حيث الكمية والكيفية، ولذلك يختلف قضاء العرف حسب اختلاف الإقامة فيه والشؤون المتواجدة فيه المعربة عن الاستيطان وعدمه. ثمّ إنّ الحكم بالإتمام في الوطنين فرع عدم إعراضه عنهما، ولو أعرض عاد كسائر الأمكنة التي تقصر فيه الصلاة.

الوطن الشرعي

نسب إلى المشهور قسم ثالث من الوطن وراء الأصلي والاتخاذي سمّوه بالوطن الشرعي، وحاصله: أنّه إذا كان له في بلد أو قرية ملك قد سكن فيه بعد اتخاذه وطناً ـ ستة أشهر ـ يتم إن دخل فيه وإن أعرض عنه إلى أن يزول ملكه، وهذا هو المشهور بالوطن الشرعي، حيث يُغاير القسمين الآخرين في النتيجة، وهي عدم إضرار الإعراض عنه مادام له ملك، والمقوم له الأُمور التالية:

1. أن يتخذ القرية أو البلد وطناً.

2. أن يكون له فيه ملك.

3. أن يكون الملك قابلاً للسكنى فلا يكفي كونه مالكاً للنخلة.

4. أن يسكن فيه بمدّة ستة أشهر بقصد التوطّن.

فمادام كونه مالكاً له لا يزول عنه حكم الوطنية وإن أعرض، فلو مرّ عليه يتم، ولو سافر إليه من البلد الجديد الذي اتخذه وطناً يُتم، وقد نسب إلى المشهور.


صفحه14

وربما يفسر الوطن الشرعي بوجه آخر وهو المكان الذي أقام
فيه الإنسان ستة أشهر متوالية أو متفرقة مع وجود ملك له فيه، سواء اتخذه مقراً له أو لا، وسواء كان وطنه الأصلي أو لا، وسواء كان لتحصيل العلم أو لغيره.

ولعلّ التفسير الثاني أكثر انطباقاً للأقوال التي ستمر عليك.

والفرق بين التفسيرين واضح، فانّ التفسير الأوّل مبني على اتّخاذه مقراً دائماً ثمّ أعرض، فيكون الوطن الشرعي وليد الوطن الاتخاذيّ غالباً إذا أعرض عنه بعد تحقّق الأمرين:

1. إقامة ستة أشهر.

2. فيه منزل يملكه، بخلاف الثاني حيث يكفي صرف الإقامة في المكان مع وجود ملك وإن كانت من أوّل الأمر بصورة مؤقتة، فلو أنّ إنساناً هاجر إلى بلدة طهران لإنجاز عمل يستغرق ستة أشهر، فأقام فيها تلك المدة وتملك داراً، ثمّ رجع إلى وطنه، فهو يتم إلى آخر عمره كلما حلّ في طهران أو مرّ عليها مادام الملك باقياً.

و ربما يفسر بوجه ثالث أي الوطن الأصلي الذي نشأ فيه بعد إعراضه عنه، وقد ترك فيه ملكاً وأقام المدة أو أزيد وقد ذكر التفاسير الثلاثة، المحقّق النراقي في المستند.(1)

والحاصل: أنّ الوطن الشرعي فُسّر بوجوه ثلاثة:


1 . المستند:1/565.


صفحه15

1. الوطن الأصلي الذي أعرض عنه، فإذا كان له منزل أو ملك فيه، يتم متى دخله.

2. الوطن الاتخاذي الذي أعرض عنه مع الشرطين. وهذا خيرة صاحب الجواهر.

3. أو المحل الذي أقام فيه ستة أشهر. وهو خيرة شيخنا الأنصاري.

وأمّا أهل السنّة فلم نعثر على نص لهم في «بداية المجتهد»، ولا في «الهداية» للمرغيناني. نعم قال ابن قدامة في «المغني»: قال الزهري: إذا مرّ بمزرعة له أتم. وقال مالك: إذا مرّ بقرية فيها أهله أو ماله أتم، إذا أراد أن يقيم بها يوماً وليلة.

وقال الشافعي وابن المنذر: يقصر مالم يجمع على إقامة أربع، لأنّه مسافر لم يجمع على أربع.

وقال ابن عباس: إذا قدمت على أهل لك أو مال فصلّ صلاة المقيم.(1)

إنّ الوطن الشرعي بأحد التفاسير الثلاثة لم نعثر عليه في الكتب التالية:

1. فقه الرضا ; 2 و 3. المقنع والهداية للصدوق; 4. المقنعة للمفيد; 5. جمل العلم والعمل للمرتضى; 6و 7.الخلاف والاقتصاد للطوسي; 8. الكافي للحلبي; 9و10. جواهر الفقه والمهذب لابن البراج; 11. فقه القرآن للراوندي; 12. الغنية لابن زهرة; 13. إشارة السبَق للحلبي;14. الجامع لابن سعيد; 15. اللمعة للشهيد الأوّل.


1 . المغني:2/136.


صفحه16

نعم تعرض له قليل من المتقدّمين والمتأخّرين:

1. قال الصدوق ـ بعدما نقل خبر إسماعيل بن الفضل ـ : قال مصنف هذا الكتاب: يعني بذلك إذا أراد المقام في قراه وأرضه عشرة أيّام، ومتى لم يرد المقام بها عشرة أيّام قصر إلاّ أن يكون له بها منزل يكون فيه في السنة ستة أشهر. فإن كان كذلك، أتم متى دخلها، وتصديق ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع.(1)

وظاهره عدم الإعراض وانّه يسكنه كلّ سنة ستة أشهر وكلامه أخص ممّا نسب إلى المشهور وناظر إلى بيان حكم ذي الوطنين .

2. قال الشيخ في النهاية: ومن خرج إلى ضيعة له، وكان له فيها موضع ينزل ويستوطنه وجب عليه الإتمام، فإن لم يكن له فيها مسكن وجب عليه التقصير.(2)

وظاهره هو أنّه يستوطنه ولو بصورة كونه ذا وطنين وليس فيه من الإقامة بمقدار ستة أشهر أثر.

3. قال ابن البراج في الكامل: من كانت له قرية له فيها موضع يستوطنه، وينزل به وخرج إليها وكانت عدّة فراسخ سفره ـ على ما قدمناه ـ فعليه التمام.(3)


1 . الفقيه:1/451 برقم 1307، باب الصلاة في السفر. وما ذكره الصدوق في تفسير الصحيحة هو الذي سوف نقوّيه في بحوثنا القادمة من حملها على من له وطنان، فلا تغفل.

2 . النهاية: 124، باب الصلاة في السفر.

3 . نقله عنه العلاّمة في المختلف: 2/561.


صفحه17

وكلامه ظاهر في مَن كان له وطنان، تارة يستوطن الضيعة، وأُخرى في البلد الآخر.

نعم تجده صريحاً في المصادر التالية:

4. قال ابن حمزة: إن بلغ سفره مسافة التقصير إن مرّ بضيعة له فيها مسكن نزل به ستة أشهر فصاعداً أتم، وإن لم يكن فقصر.(1)

5. قال ابن إدريس: من نزل في سفره قرية أو مدينة وله فيها منزل مملوك قد استوطنه ستة أشهر أتم، وإن لم يقم المدة التي يجب على المسافر الإتمام، أو لم ينو المقام عشرة أيام.(2)

6. وقال الكيدري: إذا مرّ في طريقه بضيعة له أو ملك له أو حيث له فيه قرابة، فنزل ثمّ طرح ولم ينو المقام، فإن كان قد استوطنه ستة أشهر فصاعداً تمّم وإلاّ قصر.(3)

7. قال المحقّق: الوطن الذي يتم فيه هو كلّ موضع له فيه ملك قد استوطنه ستة أشهر فصاعداً، متوالية كانت أو متفرقة.(4)

8. وقال أيضاً: (الشرط) الثاني: أن لا يقطع السفر بعزم الإقامة، فلو عزم مسافة وله في أثنائها منزل قد استوطنه ستة أشهر، أو عزم في أثنائها إقامة عشرة أيّام أتم.(5)

9. وقال العلاّمة في القواعد: وكذا ـ أي يتم ـ لو كان له في الأثناء ملك


1 . الوسيلة: 109. 

2 . السرائر:1/331.

3 . إصباح الشيعة:93.  

4 . الشرائع:1/123.

5 . المختصر النافع: 51.


صفحه18

قد استوطنه ستة أشهر متوالية أو متفرقة.(1)

10. وقال في إرشاد الأذهان: (الشرط) الثالث: عدم قطع السفر بنية الإقامة عشرة فمازاد في الأثناء أو بوصوله بلداً له فيه ملك استوطنه ستة أشهر فصاعداً.(2)

11. وقال الشهيد في الدروس: (الشرط) السادس: عدم وصوله إلى منزل له فيه ملك واستيطان ستة أشهر ولو متفرقة.(3)

12. وقال في البيان: (الشرط) الرابع: لا يمرّعلى بلد له فيه منزل استوطنه ستة أشهر.(4)

13. وقال المحقّق الثاني: (الشرط) الثالث: استمرار القصد، فلو نوى الإقامة في الأثناء عشرة أيّام أتم وإن بقى العزم، وكذا لو كان له في الأثناء ملك قد استوطنه ستة أشهر متوالية أو متفرقة.(5)

هذه كلمات أكابر الأصحاب من القرن الثالث إلى العاشر، وبذلك يعلم مقدار الشهرة الواردة في كلماتهم، وقد عرفت أنّ المعنون في كلام الصدوق والشيخ وابن البراج لا يمتَّ إلى الوطن الشرعي بصلة، بل كلامهم في مَن كان ذا وطنين وعليه حملوا صحيحة ابن بزيع الآتية. وأمّا المتأخرون فلا يهمنا ذكر كلماتهم غير أنّ السيد الطباطبائي يقول: المشهور على أنّه بحكم الوطن العرفي وإن أعرض عنه إلى غيره ويسمّونه بالوطن الشرعي ويوجبون عليه


1 . القواعد: 1 / 325. لاحظ إيضاح الفوائد في شرح القواعد، قسم المتن:1/162.

2 . إرشاد الأذهان:1/275. 

3 . الدروس:1/211.

4 . البيان:1/156، الطبعة الحجرية.

5 . جامع المقاصد:2/511.


صفحه19

التمام ـ إذا مرّعليه ـ مادام بقاء ملكه فيه، لكن الأقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الإعراض فالوطن الشرعي غير ثابت. وإن كان الأحوط الجمع بين إجراء حكم الوطن وغيره عليه فيجمع بين القصر والتمام إذا مرّعليه ولم ينو إقامة عشرة أيّام، بل الأحوط الجمع إذاكان له نخلة أو نحوها ممّا هو غير قابل للسكنى وبقى فيه بقصد التوطّن ستة أشهر. بل وكذا إذا لم يكن يسكنه بقصد التوطّن بل بقصد التجارة مثلاً.

وقد وافقه أكثر المعلِّقين على العروة إلاّ السيد المحقّق الخوئي فقال في تعليقته: ما ذكره المشهور من ثبوت الوطن الشرعي هوالصحيح، وإنّما يتحقّق بوجود منزل مملوك له في محل قد سكنه ستة أشهر متصلة عن قصد ونية، فإذا تحقّق ذلك أتم المسافر صلاته كلما دخله إلاّ أن يزول ملكه.(1)

إذا وقفت على الأقوال فلندرس الروايات الواردة في المقام.

إنّ الروايات على أصناف أربعة ـ وإن جعلها صاحب الحدائق ثلاث عشرة طائفة ـ :

1. ما يدل على أنّ النزول في أرض أو المرور عليها للإنسان فيها ملك، قاطع للسفر ويكفي أن يكون له فيها نخلة، من غير فرق بين الاستيطان وعدمه وقصد العشرة وعدمه، فتمام الموضوع، للإتمام، كون الإنسان مالكاً لشيء فيها فقط، وقد ورد فيه أربع روايات.

2. ما يدل على أنّ مثل ذلك لا يكون قاطعاً للسفر وموجباً للإتمام، إلاّ


1 . العروة الوثقى: 2 / 141 ، فصل في قواطع السفر تعليقة المسألة الأُولى.


صفحه20

إذا قصد إقامة عشرة أيّام فليس لكون المصلّي مالكاً لشيء أي تأثير في الإتمام، بل هو وغير المالك سواء وقد ورد فيه روايتان.

3. ما يدلّ على أنّ الملاك هو الاستيطان وعدمه، لا كون المصلّي مالكاً للشيء وعدمه فلا يكون المرور على الضيعة قاطعاً إلاّ إذا استوطنه، وقد وردت فيه روايتان إحداهما عن علي بن يقطين بأسانيد خمسة، والأُخرى عن حماد بن عثمان عن الحلبي، كما سيوافيك.

وهذا الصنف يمكن أن يكون شاهد جمع بين الصنفين الأوّلين المختلفين من حمل الإتمام على صورة الاستيطان، والقصر على صورة عدمه.

4. ما يدعم مفاد الصنف الثالث إلاّ أنّه يفسّر الاستيطان بأن يكون للإنسان منزل يقيم فيه ستة أشهر فإذا كان كذلك يتم فيه متى دخله. وتدل عليه رواية واحدة وهي صحيحة ابن بزيع عن أبي الحسن (عليه السلام)، ولولا هذه الرواية لم يكن أي خلاف في أنّ الوطن ينقسم إلى أصلي واتخاذي من دون توهم وطن ثالث باسم الوطن الشرعي.

و إليك نقلها بأصنافها الأربعة:

الأوّل: ما يدل على أنّ المرور على الملك ضيعة كان أو داراً قاطع للسفر من دون أن يقيد باتخاذه وطناً بل يكتفى بنفس الملك:

1. روى الصدوق باسناده عن إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يسافر من أرض إلى أرض، وإنّما ينزل قراه وضيعته، قال:


صفحه21

«إذا نزلت قراك وضيعتك(1) فأتمّ الصلاةَ، وإذا كنت في غير أرضك فقصر».(2)

والشاهد في قوله: «و ضيعتك» فإنّ ملكية الضيعة لا تلازم اتخاذها وطناً، بخلاف قوله: «قراه» فإنّ انتساب القرية إلى الإنسان فرع كونه متوطناً فيها، في فترة سواء أعرض عنها أم لا.

2. ما رواه الشيخ عن عمار بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها. قال: «يتم الصلاة ولو لم يكن له إلاّ نخلة واحدة ولا يقصر، وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها».(3)

3. ما رواه الشيخ بسنده عن عمران بن محمد قال: قلت لأبي جعفر الثاني(عليه السلام): جعلتُ فداك انّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلاً ـ خمسة فراسخ ـ فربما خرجت إليها فأُقيم فيها ثلاثة أيّام أو خمسة أيّام أو سبعة أيّام فأُتمّ الصلاة أم أُقصِّر؟ فقال: قصِّر في الطريق وأتمَّ في الضيعة.(4)

4. روى الكليني عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن الرجل يخرج إلى ضيعته فيقيم اليوم واليومين والثلاثة، أيقصّر أم يتم؟ قال: «يتم الصلاة، كلما أتى ضيعة من ضياعه».(5)


1 . كذا نقله الشيخ في «التهذيب» و «الاستبصار»، و رواه الصدوق«و أرضك». لاحظ جامع أحاديث الشيعة: الجزء 7، برقم 11573.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5 .

4 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14 .

5 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.


صفحه22

ورواه عبد اللّه بن جعفر في «قرب الإسناد»، وذكره صاحب الوسائل برقم (18) .

و مقتضى هذه الروايات أنّ المرور على الملك والنزول فيه قاطع للسفر.

***

الثاني: ما يدل على خلاف مفاد هذا الصنف وأنّ الملاك هو قصد الإقامة وعدمه:

1. روى الكليني عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أتى ضيعته ثمّ لم يرد المقام عشرة أيّام قصر، وإن أراد المقام عشرة أيّام أتم الصلاة».(1)

2. روى الكليني عن موسى بن حمزة بن بزيع قال: قلت لأبي الحسن: جعلت فداك إنّ لي ضيعة دون بغداد فأخرج من الكوفة أُريد بغداد فأُقيم في تلك الضيعة أقصر أو أتم؟ فقال: «إن لم تنو المقام عشرة أيّام فقصّر».(2)

***

الثالث: ما يفصل بين صورة الاستيطان وغيرها، وفيه حديثان:

1. ما رواه الصدوق عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام)أنّه قال: «كلّ منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير». (3) وقد روي هذا


1 . الوسائل: ج 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 14من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


صفحه23

المضمون عن علي بن يقطين بطرق مختلفة يستظهر منها أنّ الجميع رواية واحدة لها أسانيد كثيرة.(1)

2. ما رواه حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصّر؟ قال: «يقصّر إنما هو المنزل الذي توطّنه».(2)

***

وقد تقدم أنّه يمكن الجمع بين هذه الصنوف بجعل الصنف الثالث شاهداً على ما هوالمراد من الصنفين المتقدمين، وأنّ الأمر بالإتمام في الصنف الأوّل محمول على صورة الاستيطان والأمر بالقصر في الصنف الثاني محمول على عدمه.

فهذه الروايات لا توجد أي مشكلة فقهية بالنسبة إلى ما تقدم من المسائل.

***

الرابع: ما يدعم مضمون الصنف الثالث لكنه يعود فيفسر الاستيطان بشكل خاص، وهذا هو الذي صار منشأ للقول بالوطن الثالث المسمّى بالوطن الشرعي وليست المشكلة إلاّ في هذه الرواية:


1 . أُنظر الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1،6، 7، 9، 10. وما في الرواية التاسعة من التفريق بين قوله: «قد سكنه» و «ما لم يسكنه» محمول على عدم الإعراض بقرينة سائر ما روى عنه من التفصيل بين الاستيطان وعدمه، و بعبارة أُخرى: كناية عن كونه مستوطناً أو لا.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.


صفحه24

روى الشيخ بسند صحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا قال: سألته عن الرجل يقصر في ضيعته، فقال: «لا بأس مالم ينو مقام عشرة أيّام إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه»، فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: «أن يكون فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها». قال: وأخبرني محمد بن إسماعيل أنّه صلّى في ضيعته فقصّر في صلاته. قال أحمد: أخبرني علي بن إسحاق بن سعد وأحمد بن محمد جميعاً انّ ضيعته التي قصّر فيها الحمراء.

ورواه الصدوق باسناده عن محمد بن إسماعيل بن بزيع مثله إلى قوله: متى دخلها.(1)

و المهم دراسة الرواية وتحليل مفهومها، وللأعلام حول الصحيحة كلمات بين ما تحاول تطبيقها على الوطن الشرعي، أو إرجاعها إلى الوطن العرفي; فلنذكر بعض ما أُفيد في المقام:

1. الوطن الاتخاذي إذا أعرض عنه

قد عرفت أنّ من تفاسير الوطن الشرعي، هو الوطن الاتخاذي الذي أعرض عنه بعدما أقام فيه ستة أشهر وله فيه ملك، هذا هو الذي أيّده صاحب الجواهر، فالظاهر منه في رسالته العملية باسم «نجاة العباد» انّه يشترط في ثبوت الوطن الشرعي تحقّق أُمور ثلاثة:

1. اتّخاذه محلاً على الدوام.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.


صفحه25

2. أن يكون له ملك.

3. يسكنه ستة أشهر.

وإليك عبارته: الوطن هو المكان الذي يتخذه الإنسان مقرّاً ومحلاً له على الدوام مستمِّراً على ذلك، غير عادل عنه من غير فرق بين ما نشأ فيه وما استجدّه، ولا يعتبر فيه بعد الاتخاذ المزبور حصولَ ملك له فيه، ولا إقامة ستة أشهر ـ إلى أن قال: ـ نعم يجري عليه حكم الوطن مادام متخذاً كذلك، أمّا إذا عدل عنه إلى غيره ولم يكن له فيه ملك، زال عنه حكم الوطنية، فإن كان له فيه ملك قد جلس فيه حال الاتخاذ المزبور، لاتخاذه مقرّاً على الدوام ستة أشهر، ولو متفرقة جرى عليه حكم الوطنية على الأقوى مادام مالكاً، فلو أخرجه عن ملكه خرج عن حكم الوطن....(1)

ومحصل كلامه: أنّ الوطن الشرعي غالباً وليدُ الوطن الاتخاذي إذا أعرض عنه، لكن بعد حصول القيدين في حال اتخاذه وطناً، وهو الإقامة ستة أشهر في منزل يملكه.

ولعلّه (قدس سره) استظهر ما أفاده من الصحيحة والدالّ على القيد الأوّل قوله: «يستوطنه» وعلى الثاني قوله: «منزل»، وعلى الثالث قوله: «يقيم ستة أشهر».

يلاحظ عليه بأُمور:

1. انّ استظهار نية الدوام من جملة: «يستوطنه» في الصحيحة لا شاهد


1 . نجاة العباد:152. وعليها تعليقات العلمين: المجدّد الشيرازي و المحقّق الآشتياني ـ قدّس سرّهماـ .


صفحه26

له لغة ولا عرفاً وقد عرفتَ كفاية كون الإقامة غير محدَّدة.

2. انّ استفادة شرطية الملك منها غير واضح، لأنّه جاء ذكر المنزل في كلا الموردين، أعني قوله: «إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه» وقوله: «أن يكون فيها منزل يقيم فيه» توطئةً للاستيطان في الفقرة الأُولى، وتمهيداً للإقامة في الفقرة الثانية، فلم يبق مايكون دخيلاً في تحقّق الاستيطان إلاّ إقامة ستة أشهر، وسيوافيك وجهه عند ذكر الاحتمال الثالث، وعلى ذلك لا صلة للصحيحة بالوطن الشرعي الذي يدّعيه صاحب الجواهر، لأنّه مبني على أُمور ثلاثة ولم يثبت شرطية الأوّلين.

3. انّ ما ذكره من حمل الرواية على المُعْرِض عن الوطن الاتخاذي ينافيه قوله: «يستوطنه» و«يقيم» فانّ ظاهرهما كونه مستوطناًو مقيماً فيه لا معرضاً عنه.

2. مطلق من أقام في مكان ستة أشهر

قد عرفت أنّ من تفاسير الوطن الشرعي عبارة عن المحل الذي أقام فيه ستة أشهر مع كونه مالكاً للمنزل فيتم فيه كلما دخلَ أو مرّعليه، وهو خيرة شيخنا الأنصاري، ولا يشترط في تفسيره كون إقامته مدّة ستة أشهر مقروناً بنية الدوام، بل من أقام تلك المدة ولو محدَّداً بها لكفى وحاصل ما أفاده مع إغلاق في كلامه:

إنّ قوله: «إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه» بمعنى اتخاذه المنزلَ وطناً فهل المراد اتخاذه وطناً في الماضي أو في الحال أو في المستقبل؟


صفحه27

لا سبيل إلى الثاني، لأنّ التلبس بالاتخاذ ليس أمراً تدريجياً حتى يصدق التلبس بانقضاء شيء منه وبقاء شيء آخر منه.

كما لا سبيل إلى الثالث، لأنّ من ليس له منزل اتخذه وطناً وإنّما يتخذه بعد ذلك لا يمكن أن يكون سبباً للإتمام بالفعل فانحصر المرادُ بالماضي أي استوطن وأقام في المنزل الذي يملكه ستة أشهر، فهو يكفي في الإتمام مادام العمر بشرط أن لا يزول ملكه.

ثمّ إنّ اتخاذ المنزل وطناً وإن كان ظاهراً في الاتخاذ الدائمي لكن في نفس الصحيحة قرينة على أنّ المراد غيره، لأنّ مفروض السائل عبور الرجل إلى الضيعة فكيف يحمل على الاستيطان الدائمي؟ فينحصر المراد منه في أنّ كلّ مكان أقام الرجل فيه ستة أشهر مع كونه ذا منزل يملكه فيه فهو في حكم الوطن الأصلي والوطن الاتخاذي الدائمي.

وأمّا استعمال المضارع في المقام: أي «يستوطنه» و«يقيم» فإنّما هو بحسب فرض المسألة لا بحسب تحقّق المبدأ للموضوع ومثله في غاية الكثرة، فانّ المفروض قد يعبّر عنه بالماضي (رجل صلّى) وقد يعبّـر عنها بالمستقبل (رجل يصلّي) مع كون الحكم موقوفاً على تحقّق المبدأ.(1)

يلاحظ عليه: أنّ حاصل ما ذكره في تفسير الحديث انّ قوله: «منزل يستوطنه» وقوله: «منزل يقيم فيه» بمعنى استوطنه، وأقام فيه ولو مرة واحدة، لكنّه خلاف الظاهر لا يصار إليه إلاّ بدليل، وذلك لوجهين:


1 . كتاب الصلاة: 420، الطبعة الحجرية.


صفحه28

ألف. أنّ المتبادر من الحديث أنّ الاستيطان والإقامة بستة أشهر وصف فعلي له، متلبّس به فعلاً، لا انّه تلبّس به سابقاً.

ب. انّ صيغة المضارع بحكم دلالته على التجدّد والاستمرار تدل على ثبوت تلك النسبة له مستمراً في كلّ سنة.

3. الحديث ناظر لذي الوطنين

إنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع كوفي والكوفة سواد العراق، تتواجد في أطرافها الضياع والمزارع والحدائق، وكان أصحاب المُكْنة يتملكون ضياعاًو في الوقت نفسه يقطنون الكوفة، ولكن يذهبون بين فترة وأُخرى إلى مزارعهم وضياعهم للترويح تارة، وحيازة المحصول ثانياً، وبما أنّ الراوي ومن كان مثله كان يسافر إلى ضيعته كثيراً ويظهر من ذيل الرواية انّه كانت له ضيعة باسم «الحمراء» سأل الإمام عن الصلاة فيها؟ فأجاب الإمام، بأنّها وغيرها سواء يُقصر فيها الصلاة مالم ينو مقام عشرة أيّام.و لو كان الإمام مقتصراً بكلامه هذا كان السائل مقتنعاً بالجواب، عارفاً بواجبه.

لكن لما أضاف الإمام إلى كلامه قوله: «إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه» صار هذا سبباً لسؤال السائل أنّه كيف يمكن له أن يستوطن الضيعة مع أنّه مستوطن في الكوفة؟(1) فأجاب الإمام بأنّه يمكن تصويره إذا كان ذا وطنين يقيم ستة أشهر في الضيعة، وستة أُخرى في الكوفة.


1 . لاحظ ذيل الرواية يصرّح بأنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع صلّى في ضيعته فقصّر في صلاته.


صفحه29

والدليل على ذلك:

هو أنّ قوله: «يستوطنه»، أو «يقيم» ظاهر في كونه كذلك بالفعل ومتلبساً بالمادة كذلك ومقتضى دلالة فعل المضارع على التلبس والتجدّد، كونه مقيماً كذلك في كلّ سنة لا أنّه تلبس به مرّة واحدة وترك الضيعة وبدا له أن ينزل أو يمرّ عليها، فإنّ كلّ ذلك مخالف لصيغة المضارع لدلالتها على تجدد المبدأ، وكونه متلبساً به بالفعل وأين هو ممن دخل منزلاً أقام فيه في سالف الأيام ستة أشهر إلاّ إذا قلنا بأنّ الفعلين المضارعين بمعنى الماضي وهو كما ترى.

وعليه تكون الرواية بصدد بيان حكم ذي الوطنين، وهذا هو الظاهر من الصدوق في الفقيه في تفسير الرواية كما أومأنا إليه عند نقل عبارته.

قال الفيض: ظاهر هذا الحديث، اعتبار تكرر إقامة ستة أشهر في الاستيطان كما يستفاد من صيغة المضارع الدالة على التجدّد في الموضعين، وبمضمونه أفتى في الفقيه وهو أصحّ ما ورد في هذا الباب وبه يجمع بين الأخبار المتعارضة فيه، بحمل مطلقها على مقيدها بأحد القيدين، إمّا عزم إقامة عشرة، وإمّا الاستيطان كما فعله في الفقيه والتهذيبين.(1)

وهل يشترط أن يكون الاستيطان في الملك الشخصي كما عليه الفيض حيث قال: ويستفاد من إضافة الضيعة إلى صاحبها في جميع الأخبار اعتبار الملك؟ الظاهر لا ويكفي الإيجار لأنّ «المنزل» في الفقرتين لأجل التمهيد لقوله«يستوطن» أو «يقيم» والمقياس كونه مقيماً ستة أشهر في ضيعته.


1 . الوافي: 5/162، ط مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) .


صفحه30

فإن قلت: فعلى هذا التفسير تكون الرواية راجعة إلى تفسير الوطن العرفي، مع أنّ السائل، أعني: محمد بن إسماعيل بن بزيع، أرفع من أن يجهل معنى هذا النوع من الوطن.

قلت: لا غرو في أن يكون هذا النوع من الوطن أمراً غير ظاهر لابن بزيع، وهو أن يكون الرجل ذا وطنين، وهو يعيش بين وطن صيفي ووطن شتوي.

و على هذا فترجع الرواية إلى بيان حكم ذي الوطنين، وإنّ من كان له وطنان يُقيم في كلّ ستة أشهر، فهو يتم في كلاهما إذا دخل فيهما ولو لم يقصد إقامة العشرة.

وقد عرفت أنّ الصدوق في «الفقيه» فسر الرواية بهذا النحو. وعليه تعبير الشيخ في النهاية، وابن البراج في المهذب، واختاره جماعة من المتأخرين كصاحب المدارك(1) والمجلسي الأوّل(2).

وقد عرفت عبارة شيخنا الفيض في الوافي.

و بذلك ظهر الفرق بين قوله: «منزل يستوطنه» وقوله: «منزل يقيم فيه ستة أشهر» فالمراد من الأوّل هو قصد التوطن في الضيعة مقيّداً بالدوام أو مجرداً عن الحد على ما قويناه; كما أنّ المراد من الثاني، ما يتحقّق به الاستيطان، لمن كان له وطن.


1 . مدارك الأحكام: 4/444، كتاب الصلاة.

2 . ملاذ الأخيار:5/392، باب الصلاة في السفر.


صفحه31

 

مدخلية القيود وعدمها

قد وردت في الرواية قيود ثلاثة:

1. كونه مالكاً للضيعة.

2. كونه مالكاً للمنزل.

3. مقيماً فيه ستة أشهر.

فلو قلنا بأنّ الصحيحة كافلة لتفسير الوطن الشرعي بكلا التفسيرين، فلا محيص عن اعتبار جميع القيود الواردة فيها وما تنصرف إليه، ككون الإقامة فيها ستة أشهر متوالية لا متفرقة، لأنّ المتبادر في كلّ مورد أُخذت المدةُ موضوعاً للأحكام، كشهر أو شهرين هو التوالي. فلأجل ذلك يجب على صاحب الجواهر، وشيخنا الأنصاري ـ اللّذين حملا الرواية على الوطن الشرعي غير المألوف لدى العرف ـ الأخذُ بعامة القيود الواردة والمتبادرة من لفظ الرواية.

وعلى ما ذكرنا، من أنّها ليست بصدد بيان أمر تعبدي، بل بصدد بيان مصداق للوطن العرفي، الذي كان الراوي غافلاً عنه وقت المخاطبة، وهو أن يقسِّم الرجل فصولَ سنته إلى قسمين، فيقيمَ ستة أشهر في البلد والستة الأُخرى في الضيعة، فيكون ذا وطنين، يُلغى من القيود ما يكون العرف مساعداً لإلغائه، ويحمل ذكر القيود لغاية أُخرى من كونها تمهيداً، وتوطئة للإقامة (كالمنزل) أو كونه الأصل في تقسيم السنة كستة أشهر، ولندرس القيود، حسب تفسيرنا:


صفحه32

 

ألف. ملكية الضيعة والمنزل

إذا كانت الصحيحة بصدد بيان الوطن العرفي، فيكون المقياس صدقه، وعليه فالإتمام يدور مدار كونه مستوطناً في المحل الثاني كاستيطانه في المحل الأوّل، سواء كان مالكاً للضيعة والمنزل أو لا، فلو انّ إنساناً يقسم فصول السنة إلى قسمين، فيقيم ستة أشهر في العاصمة والستة الثانية في مدينة قم، وفي الوقت نفسه قد وطن نفسه على الاستمرار على هذا النوع من الإقامة، فهو يتم في كلا الموردين وإن لم يملك ضيعة، ولا منزلاً، ولو افترضنا انّه يسكن العاصمة، ولكنّه يتولى الضيعة الموقوفة للأُمور الخيرية، ولا يتمشى أمرها إلاّ بالإقامة فيها ستة أشهر في كلّ سنة، فهو يتم في كلا المكانين، وإن لم يملك شيئاً، ولو كان مالكاً للضيعة، ولكنّه يقيم تحت الخيام وفي الأكواخ، فالحكم في الجميع واحد وهو الإتمام.

ب. مدخلية المدة المعيّنة

إذا قلنا بأنّ الرواية بصدد بيان أمر تعبدي، لم يكن محيص عن الأخذ بمدخلية المدّة المذكورة، فلو نقص يوم فضلاً عن أيّام لم يتحقّق الوطن الشرعي، على كلا التفسيرين، وأمّا لو قلنا بأنّه لبيان الفرد الخفي على الراوي من مصاديق الوطن العرفي، فالمدار صدق الاستيطان العرفي في الضيعة وإنّما حدّد في الصحيحة بالستة لأنّها الأصل في تقسيم السنة، وإلاّ فالوطن الثاني يحصل بالإقامة فيه في كل سنة مدّة معتداً بها، كما سيوافيك بيانه في المسألة الآتية.


صفحه33

نعم هنا سؤال ربما يختلج بالبال وهو انّه إذا كانت الرواية متعرضة لبيان الوطن العرفي، فقد مضى انّه لا يشترط في صدقه سوى نيّة الإقامة دائماً
أو بلا قيد مع البقاء فيه أيّاماً قلائل، بحيث يصدق أنّه يسكن البلد الكذائي، ومع ذلك نرى في المقام عدم الاكتفاء بمجرّد النيّة المرفق بالبقاء فيه أيّاماً قلائل.

والجواب عنه واضح إذ لا فرق بين البلد المستجدّ ، والوطن الثاني غير أنّه تعتبر في الأوّل نية الدوام أو نية الإقامة المجرّدة عن التحديد، وفي المقام تكفي نيّة إقامة ستة أشهر، بل أقلّ في كلّ سنة، مع مرور أيّام قلائل يصدق انّه يسكن في محل كذا، ولعلّ العرف يساعد في صدقه إذا استعدّ للإقامة فيه في كلّ سنة، ستة أشهر أو خمسة أشهر أو أربعة، والذي يكشف عن أنّ الصحيحة بصدد بيان حكم الوطن الثاني هو أنّ الإمام علّق الحكم بالإتمام على الاستيطان في الطائفة الثالثة من الروايات ; ففي رواية علي بن يقطين المنقولة بأسانيد مختلفة قال: كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل وليس لك أن تتم فيه.(1)

وفي رواية حماد بن عثمان، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصر؟ قال: «يقصّر إنّما هو المنزل الذي توطنه».(2)


1 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.


صفحه34

ج. اشتراط التوالي وعدمه

إذا قلنا بأنّ الحديث بصدد بيان الوطن الشرعي، فلا محيص عن اعتبار التوالي لكونه المتبادر عن كل مدّة أُخذت موضوعاً للحكم الشرعي كشهر أو شهرين، وأمّا إذا قلنا بأنّها بصدد بيان الوطن العرفي فالمدار الصدق العرفي فلا عبرة بالستة فضلاً عن البحث عن التوالي والتفريق، فهو يتم وإن كان يسافر على رأس تسعة أيّام، واللّه العالم.

***

تعدّد الأوطان المستجدّة

قد عرفت أنّ الصحيحة بصدد بيان الوطن الثاني المستجد، وانّ ذكر إقامة ستة أشهر لأجل كونها الأصل في تقسيم السنة، أو انّ رعاية الضيعة وحيازة ثمراتها، لا تنفك عن إقامة ستة أشهر وإلاّ فيكفي في تحقّق الاستيطان، العزم على الإقامة في كلّ سنة مدة معتدّاً بها، وبذلك تظهر صحّة ما أفاده السيد الطباطبائي حيث قال: يمكن تعدّد الوطن العرفي بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين من قصده السكنى فيهما أبداً من كلّ منهما مقدار من السنة بأن يكون له زوجتان مثلاً، كلّواحدة في بلدة يكون عند كلّ واحدة ستة أشهر أو بالاختلاف، بل يمكن الثلاثة أيضاً بل لا يبعد الأزيد إذا ساعد العرف في صدق الاستيطان عليه.

هذا ما ظهر لي في هذه المسألة التي تضاربت فيها كلمات الأصحاب واللّه العالم.


صفحه35

 

تبعية الولد للوالد

قال السيد الطباطبائي: لا يبعد أن يكون الولد تابعاً لأبويه أو أحدهما في الوطن مالم يعرض بعد بلوغه عن مقرّهما وإن لم يلتفت بعدَ بلوغه إلى التوطن فيه أبداً، فيعد وطنُهما وطناً له أيضاً إلاّ إذا قصد الإعراض.

أقول: للمسألة صور:

1. تبعية الولد للوالدين قبل البلوغ، سواء كان الوطن للوالدين أصلياً أو وطناً مستجدّاً، كما إذا أعرضا عن وطنهما الأصلي واتخذا مكاناً آخر وطناً لأنفسهما وهو معهما قبل بلوغه.

2. تلك الصورة ولكن صار الولد بالغاً على هذه الحالة ولم يُعْرِض.

3. تلك الصورة ولكن إذا بلغ أعرض.

4. إذا أتيا بلدة أو قرية وتوطّنا فيها والولد معهما مع كونه بالغاً.

أمّا الصورتان الأُوليان فلا شكّ في تبعية الولد للوالد إمّا لأنّ للولد قصداً ارتكازياً نابعاً من التبعية لوالديه من غير فرق بين البلوغ وبعده، وإمّا لأنّ العرف يعد وطنهما وطناً له لأجل التبعية وعدم التفكيك وإن لم يكن له قصد من غير فرق بين البلوغ وبعده.

وأمّا الصورة الثالثة فبما انّه مكلّف مستقل فلقصده من البقاء أو الإعراض أثر شرعي يترتب عليه، ولأجل ذلك لو أعرض يخرج عن كونه وطناً.


صفحه36

وأمّا الصورة الرابعة فبما أنّه مكلّف مثل الوالدين، فلا يصدق عليه أنّه وطنه إلاّ مع قصده بنفسه وإن كان قصده نابعاً عن قصد والديه.

هذا ما يرجع إلى تفسير كلام السيد الطباطبائي، وهناك أمر آخر وهو انّه لا مجال لهذا التفصيل في الولد لما عرفت أنّ الإتمام لا يدور على عنوان الوطنية، بل يكفي في ذلك كون الإنسان غير مسافر، ومن المعلوم أنّ الولد تابع للوالدين إذا توطّنا ومعه لا يصدق عليه أنّه مسافر، سواء صدق أنّه وطنه أم لا.

وبذلك يعلم وجوب الإتمام في جميع الصور إلاّ إذا أعرض بعد بلوغه، وهو أن يخرج عن مقرّهما بقصد عدم القرار فيه، فإذا رجع إلى مقره السابق يقصر.

وليعلم أنّ الأسباب الموجبة للتمام ثلاثة:

1. التوطّن.

2. نية الإقامة في محلّ مدّة طويلة يخرجه عن كونه مسافراً.

3. الإقامة عشرة أيّام في محلّ.

وقد احتمل المحقّق الخوئي أنّ الحكم بالإتمام على الأعراب لعدم كونهم مسافرين في البادية وإن لم يكونوا متوطّنين، لأنّ المفروض أنّ بيوتهم معهم، ولا مقيمين عشرة أيّام لما عرفت انّهم يقيمون في البادية مدّة طويلة، فليس الوجه إلاّ كونهم غير مسافرين.


صفحه37

 

يزول حكم الوطنية بالإعراض

إذا أعرض عن وطنه وخرج، يزول عنوان الوطنية، لما عرفت من أنّه عبارة عن أخذ المكان مقراً دائماً أو بلا ترديد وهو لا يجتمع معهما. نعم لا بشرط أن يتخذ وطناً، وقد مرّت أقسامه فلاحظ.

نعم لو اتخذ مقراً موقتاً، بحيث يأوي إليه كلما خرج، فهو يتم لا بملاك أنّه وطن، بل بملاك أنّه غير مسافر كما هو الحال في الأعراب الذين بيوتهم معهم. خلافاً للسيد الحكيم حيث قسّم الوطن إلى شخصي وهو المتعارف، ونوعي وهو بيوت الأعراب، ومنه من أعرض عن وطنه ولم يتخذ بعد وطناً آخر، لكن اتّخذ مكاناً مقراً لنفسه يأوي إليه إذا لم يكن ما يقتضي الخروج، ولعلّ ما ذكرناه أظهر عرفاً.

لا يشترط في الوطن إباحة المكان

لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه فلو غصب في بلد وأراد السكنى فيهما أبداً يكون وطناًله، وكذا إذا كان بقاؤه في بلد حراماً من جهة كونه قاصداً لارتكاب حرام، أو كان منهيّاً عنه من أحد والديه ونحو ذلك، والدليل عليه أنّ العنوان أمر عرفي، يتبع حدّنظر العرف، نعم للشارع التصرف في حكمه بأن لا يترتب على مثل هذا المتوطن حكم الإتمام وهو غير التصرف في مفهوم الوطن.


صفحه38

 

حكم التردّد بعد العزم على التوطّن

إذا تردّد بعد العزم على التوطّن أبداً. فإنّ للمسألة صوراً:

1. إذا تردّد في الوطن المستجدّ قبل أن يصدق عليه الوطن، كما إذا نوى الإقامة دائماً أو بلا تحديد، ولكن تردّد قبل أن يسكن فيه أيّاماً يصدق في حقّه أنّه ساكن في بلد كذا.

2. إذا تردّد في الوطن المستجدّ بعد الصدق.

3. إذا تردّد في الوطن الأصلي.

فقد حكم السيد الطباطبائي (قدس سره) بزوال الحكم من الصورتين واستشكل في الثالث وقال: ففي زوال حكمه قبل الخروج والإعراض، إشكال لاحتمال صدق الوطنية مالم يعزم على العدم.

أمّا الأُولى: فلأنّ القصد كما هو معتبر حدوثاً معتبر بقاءً، وعلى ذلك فلو تردّد قبل أن يصدق عليه الوطن زال حكم الوطنية وإن لم يتحقق الإعراض والخروج.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الزوال فرع صدق الوطنية والمفروض أنّه لم يتحقّق إلاّ أن يكون إطلاق الزوال لأجل وجود المقتضي وهو القصد حدوثاً مع البقاء فيه يوماً أو أيّاماً.

ثانياً: ما هو المراد من زوال الحكم؟ هل المراد هو انّه يقصر بعدما تردّد، وإن لم يعرض ولم يخرج فهو كما ترى، لأنّه وإن زال عنه عنوان التوطّن لكن لا يصدق عليه أنّه مسافر، وقد علمت أنّ الإتمام لا يدور مدار


صفحه39

صدق الوطن، بل هو أعمّ منه وقد سبق انّ أسباب الإتمام ثلاثة: الوطن، عدم كونه مسافراً، إقامة عشرة، وإن شئت أضف إليها، رابعاً: وهو الإقامة في بلد متردّداً ثلاثين يوماً.

وإن أراد أنّه يقصر إذا خرج منه إلى حدّ المسافة ثمّ رجع، وهو أيضاً مورد إشكال، فإنّه مالم يعرض ولم يخرج لا يصدق عليه أنّه مسافر.

وبالجملة: لا أرى لصدق الوطنية وعدمها أثراً في ذلك.

وأمّا الثانية: أعني إذا حصل التردّد بعد تحقّق الصدق المذكور فقد ذكر أنّه يزول عنه الحكم في المستجد لنفس الوجه المذكور في الأُولى.

ويرد عليه ما أوردناه على الصورة الأُولى، فإنّه لا أثر لصدق الوطنية وعدمها، إذ هو يتم ما لم يخرج منها، بل ولو خرج وعاد إلى محل الإقامة وهو متردّد بعدُ إذ لا يصدق عليه أنّه مسافر.

وأمّا الثالثة: فقد استشكل فيه السيّد الطباطبائي في زوال حكمه قبل الخروج والإعراض، قائلاً باحتمال صدق الوطنية مالم يعزم على العدم فحكم بالجمع بين الحكمين.

فيرد عليه: أنّ التردّد لا يزيل عنوان الوطن الأصلي فضلاً عن زوال حكمه فهو يتم فيه مادام متردّداً قبل الخروج، بل ولو خرج وعاد إلى الوطن.

ومنه يعلم أنّ الإعراض بمجرده مثل التردّد لا يسلب حكم الوطنية أي الإتمام في جميع الصور، فهو يتم مع الإعراض لأجل أنّه غير مسافر مادام هو فيه. نعم، لو أعرض وهاجر تزول الوطنية وحكمها ولو عاد يقصر.


صفحه40

 

اعتبار قصد التأبيد في صدق الوطنية

قال السيد الطباطبائي: ظاهر كلمات العلماءـ رضوان اللّه عليهم ـ اعتبار قصد التوطّن أبداً في صدق الوطن العرفي، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدّة مديدة كثلاثين سنة أو أزيد، لكنه مشكل، فلا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك. والأحوط في مثله إجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط.

أقول: إذا اتخذ محلاً للإقامة فله صور:

الأُولى: أن يتوطّن فيه بقصد التأبيد.

الثانية: أن يقصد الإقامة بلا تحديد لا بالتوقيت ولا بالتأبيد.

الثالثة: أن يعزم على السكنى محدّداً بسنة أو أربع سنوات أو ثلاثين سنة.

فقد تعرفت أنّ الوطن يصدق على القسمين الأوّلين وليس عن التأبيد في كلمات اللغويين أثر إنّما الكلام فيما إذا كان محدّداً بسنة أو سنين، فالظاهر عدم صدقه إذا كان محدداً ولكن لا تترتب ثمرة عليه لما عرفت من أنّ الإتمام لا يدور مدار صدق الوطن، بل يكفي كون الرجل فيه غير مسافر، ولأجل ذلك لو سكن إنسان في بلدة مع علائقه من زوجة وأولاد ورتب لوازم المعيشة وشؤونها، لا يصدق عليه أنّه مسافر وإن عزم على مغادرته بعد أربع سنوات، فلأجل ذلك لو خرج وعاد، فقد عاد إلى مقره.

فلا أرى لهذا البحث ثمرة.