welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه233

5

أقسام الحق وأحكامه

إنّ طبيعة الحق تقتضي أن يكون قابلاً للإسقاط، إذ كيف يعدّ حقاً ينتفع به ذو الحق ومع ذلك لا يجوز له الإسقاط؟! والجمع بين الحق وعدم جواز الإسقاط كأنّه جمع بين النقيضين .

ومن البحوث اللازمة التعرّف على أقسام الحق وأحكامه، فإنّه حسب الظاهر من المشهور على أقسام:

1. ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل.

2. ما يقبل النقل الاختياري وما لا يقبل .

3. ما يقبل التوارث وما لا يقبل .

قال السيد الطباطبائي عرّف الحق بقوله: الحق نوع من السلطنة على شيء متعلق بعين كحق التحجير وحق الرهانة، وحق الغرماء في تركة الميّت، أو غيرها كحق الخيار المتعلق بالعقد، أو على شخص كحق القصاص وحق الحضانة وحق القسم، ونحو ذلك. (1) ومع ذلك عدّ من أقسام الحق ما لا يقبل الإسقاط ولا النقل .

اعترض عليه المحقق النائيني بأنّ ما أفاده السيد (قدس سره)في حاشيته على


1 . تعليقة الطباطبائي في المتاجر: 1 / 55 .


صفحه234

المتن من تقسيم الحقوق أوّلاً إلى ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل، لا وجه له، فإنّ كون الشيء حقاً وغير قابل للإسقاط لا يُعقل .(1)

وسيوافيك القضاء بين العلمين فانتظر، وتحقيق الحق يقتضي الكلام في الأقسام الثلاثة:

   

الأوّل: ما يقبل الإسقاط وعدمه

قد ذكر المحقّقون لما يقبل الإسقاط وما لا يقبل ضوابط ثلاث ندرسها واحدة بعد الأُخرى:

الأُولى: مراجعة الدليل للتعرّف على ما يقبل الإسقاط وعدمه

لمّا ذهب السيد الخوئي(رحمه الله) إلى عدم وجود الفرق الجوهري بين الحق والحكم وانّ كلا الأمرين من سنخ الحكم، اختار عدم ترتب الأثر على التفريق بينهما وتسمية أحدهما حقاً والآخر حكماً بعد كونهما شيئاً واحداً .

وأمّا التفريق بين ما يجوز إسقاطه وبين ما لا يجوز فليس من آثار كون الأوّل حقاً والثاني حكماً لما عرفت من عدم الفرق بين الحق والحكم، فللتعرف على ما يجوز إسقاطه عمّا لا يجوز، على مبناه لابدّ من مراجعة الأدلّة في شأن ذلك الحكم. فإن دلّ على جواز إسقاطه أو عدم جوازه فنتبع الدليل. ومثل ذلك معرفة ما يجوز نقله أو إرثه عمّا لا يجوز، فالمرجع في معرفة كل ذلك لسان الدليل لا كونه حقاً أو كونه حكماً.


1 . منية الطالب: 1 / 42 .


صفحه235

هذا وقد عرفت عدم تمامية هذا المبنى وانّ الحق والحكم متميزان بواقعهما فإن كان زمام الأمر بيد المكلف فهو حق، وإن كان بيد الشارع فهو حكم. ومن المعلوم أنّ الحكم الشرعي غير قابل للإسقاط ولا النقل ولا الإرث إلاّ إذا كان هناك دليل.

الثانية: التفريق بين صالح ذي الحق وصالح من عليه الحق

ذكر المحقّق الاصفهاني ضابطة للتفريق بين الأمرين وقال: التحقيق أنّ قبول كل حق للسقوط وعدمه يتبع دليل ذلك الحكم ومناسبة الحكم وموضوعه والمصالح والحِكم المقتضية لذلك الحكم، فمثل حق الولاية للحاكم والوصاية للوصي لخصوصية كونه حاكماً شرعياً وله هذا المنصب، وأنّ الوصي لوحظت فيه خصوصية في نظر الموصي فلذا عيّنه للوصاية دون غيره. فإنّ التخصيص بلا مخصص محال من العاقل (الملتفت) وعندئذ فنقله إلى غيره غير معقول لفقد الخصوصية، أو لوجود هذا الاعتبار له بنفسه من دون حاجة إلى النقل، كحاكم آخر مثلاً.

وحيث إنّ هذا الاعتبار لمكان رعاية حال المولّى عليه والموصي لا لرعاية نفس الولي والوصي فلا يناسبه السقوط بالإسقاط.

وهذا بخلاف سائر الحقوق كحق الخيار وحق الشفعة فإنّ مصلحة الإرفاق بالبائع أو بالمشتري أو بهما معاً أوجب لهم اعتبار السلطنة على فسخ البيع وإمضائه رعاية لذي الحق لا لمن عليه الحق فله إسقاطه، وكذا الشفعة فإن تضرر الشريك ببيعه حصة شريكه ممن لا يلائمه أحياناً أوجب جعل


صفحه236

حق التملك من المشتري بالعوض كما في بعض الروايات المتكفلة لحكمة التشريع. فمع تكلفه للضرر (تحمله له) أو لعدم التضرر من باب الاتفاق صحّ له إسقاط حقّه .(1)

وحاصل هذه الضابطة التفريق بين الحق المجعول لصالح من عليه الحق، والحق المجعول لصالح ذي الحق، فلا يجوز إسقاط الأوّل بخلاف الثاني.

وبذلك تقف على القضاء الصحيح بين العلمين، فالحق مع السيد الطباطبائي اليزدي حيث عرفت تقسيم الحق إلى ما يقبل وما لا يقبل، وأمّا كلام المحقّق النائيني فما ذكره صحيح في القسم الثاني ـ أعني: المجعول لصالح ذي الحق ـ إذ لا معنى لكون شيء حقاً للشخص ومع ذلك لا يصلح للإسقاط. وأمّا القسم الأوّل، فقد عرفت عدم صلاحيته للإسقاط ولا منافاة بينه وبين كونه حقاً، إذا لم يشرع لصالح ذي الحق، بل شرع لصالح من عليه الحق، أعني: المولّى عليه.

هذا ويمكن أن يقال: بأنّ ما شرع لصالح المولّى عليه سواء كان أمراً عاماً كالمجتمع بالنسبة إلى ولاية الحاكم، أو خاصاً كولاية الجد بالنسبة إلى الأولاد، أشبه بالحكم الشرعي وتسميته حقاً إنّما هو بالمعنى اللغوي، وسيأتي تفصيله في الضابطة الثالثة.


1 . تعليقة المحقق الاصفهاني على المتاجر: 12.


صفحه237

 

الثالثة: التفريق بين الحق العام والحق الخاص

وهذه الضابطة مبنيّة على تقسيم الحق إلى حقّ عام، وحق خاصّ. والمراد من الأوّل هو الحق المجعول لصالح المجتمع أو طائفة خاصة منهم، كما أنّ المراد من الثاني هو الحق المجعول لصالح شخص خاص والّذي يعبّر عنه بذي الحق، فالأوّل غير قابل للإسقاط، إذ ليست الغاية من جعله حفظ مصالحه، حتّى يُسقطه، بل الغاية حفظ المصالح العامّة. ولك أن تعبّر عن مثله بالحكم الشرعي الإلزامي، أو الحق العام، ولا مشاحة في الاصطلاح.

ومن هذا القسم (الحق العام) الأُمور التالية:

1. ولاية الحاكم على القُصّر والغُيّب.

2. حق التولية المجعول من الواقف للمتولي على الوقف.

3. حق الوصاية المجعول من الوصي لشخص معيّن على أطفاله أو على التصرف في ثلث ماله ونحو ذلك، ممّا يكون من شؤون ولايته على الأطفال وسلطنته على نفسه أو ماله فيجعله للوصي من بعده. فالجميع لا يصح نقله ولا إسقاطه ولا توارثه.

الحق العام ليس حقّاً اصطلاحياً بل حكم شرعي

إنّ الظاهر أنّ الحق العام من قبيل الحق بالمعنى الأعم، أي ما هو المجعول شرعاً وليس من الحق المصطلح المفسّر بالسلطنة فعدم جواز


صفحه238

إسقاطه لأجل كونه حكماً شرعياً، لا لكونه حقاً لكن غير جائز الإسقاط. وإليك تحليل الأمثلة الثلاثة:

1. إنّ معنى مسؤولية الحاكم وجوب قيامه ـ الّذي هو حكم شرعي ـ برعاية مصالح القاصرين والغائبين في أموالهم ومصالح المسلمين في أُمورهم. وبما أنّ الغاية المتوخاة من الولاية لا تتحقق إلاّ بوجوب القبول ممّن عليهم الولاية فيجب على المُولّى عليهم طاعة الحاكم وامتثال أوامره. فهذا النوع من الولاية أشبه بالحكم الشرعي الإلزامي، وفي الوقت نفسه من الحقوق العامة.

2. إنّ حق التولية ليس إلاّ مسؤولية ملقاة على عاتق المتولي في العين الموقوفة، ومعنى مسؤوليته هو وجوب قيامه بأعمال يحافظ بهاعليها من التلف والاندثار، وان تُصرف منافعها فيما وقفت له. ولو عُيّن للمتولي في صيغة الوقف شيئاً من الحقوق المالية فإنّما هو أُجرة مقابل الأعمال الّتي يقوم بها.

وبهذا يكون حكماً شرعياً ومن مقولة الحق بالمعنى العام.

3. حق الوصاية إن أُريد به أنّ للموصي حقاً على الوصي بمعنى أن يتخذه وصيّاً لنفسه، فهذا ليس حقاً بل حكماً شرعياً بمعنى أنّه يجوز له أن يتخذ الغير وصياً.

وإن أُريد به أنّه حق للوصي بمعنى أنّه يجوز له الردّ في حال الحياة وعدمه بعد الموت، فهذا أيضاً يرجع إلى الحكم الشرعي بمعنى أنّه يجوز


صفحه239

للوصي القبول والرد معاً في حال الحياة دون الموت. وإن لم يرد فهو حكم شرعي لا لصالح الوصي بل لمصلحة الميت وأولاده.

وبذلك يظهر أنّ الولايات على إطلاقها وشعبها من قبيل الأحكام الشرعية، فلو أُطلق عليه (حق) فهو بالمعنى العام، أي بمعنى ما ثبت شرعاً لا من الحق بالمعنى الأخصّ الّذي هو من مراتب الملك القابل للإسقاط، أو من مقولة السلطنة.

وأمّا الحق الخاص فهو عبارة عمّا يجعله الشارع أو العرف شخصاً ذا حظ ونصيب ينتفع به بنوع من الانتفاع ويصح له رد الحق وإسقاطه، وهذا كحق الشفعة والتحجير والقسم وغيرها، ولو صحّ تعجب المحقق النائيني فإنّما يصح في هذا القسم. إذ فرض كون شيء حقاً مع القول بعدم جواز إسقاطه كأنّه جمع بين المتقابلين.

فإن قلت: إنّ الخمس والزكاة المتعلقين بمال الغير يُعدّان حقاً لأربابهما ومستحقيهما، وهما من الحقوق بالمعنى الأخص حيث ينتفع أربابهما بهما مع أنّه لا يجوز إسقاط هذا الحق عمّن عليه، فكيف يقال أنّ الحق الخاص وعدم جواز الإسقاط أشبه بالجمع بين المتقابلين، فالخمس والزكاة من الحقوق الخاصّة ولا يجوز لصاحب الحق إسقاطهما.

قلت: إنّ الزكاة والخمس من الحقوق الشرعية، وأمّا عدم جواز إسقاطها فلأجل مانع في جانب ذي الحق وهو أنّ الحقوق الشرعية ليست حقاً قائماً بشخص الفقير الّذي يريد الإسقاط وإنّما هو حق للجهة القائمة به وبغيره من المستحقين، ولذلك لا يصحّ له إسقاط الحق، إذ أنّه ليس نائباً ولا وكيلاً عن


صفحه240

عامة الفقراء حتّى يصحّ له الإسقاط، قال سبحانه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقَابِ وَ الْغَارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(1)، فقوله سبحانه: (لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ) إشارة إلى أنّ المالك الحقيقي ـ ولو شأناً ـ هو عنوان الفقر والمسكنة وإلى غير ذلك من العناوين، وليس هو متمثلاً في شخص واحد معيّن حتّى يسقط الحق بإسقاطه.(2)

الثاني: ما يجوز نقله وعدمه

قد عرفت الضابطة لما يجوز إسقاطه ولما لا يجوز، فيقع الكلام في


1 . التوبة: 60 .

2 . واعلم انّه اختلفت آراء الفقهاء في كيفية تعلق الزكاة و الخمس بالمال، وربما ناهز عدد هذه الآراء العشرة.

والمختار عندنا أنّ فريضة الزكاة متعلقة بالعين لا بالذمة ولكن تعلقها بها ليس بنحو الملك الفعلي في العين، لا بنحو الشركة الحقيقية الّتي يعبّر عنها بالإشاعة ولا بنحو الكلي في المعيّن وإنّما هو حقّ مالي معيّن فرضه الله تعالى على المالك متعلق بما له المعيّن، فهوحقّ متعلق بماليّة النصاب لا ملكاً للمستحق في العين ـ لا بنحو الإشاعة ولا بنحو الكلّي في المعيّن ـ ولذلك فهو مخيّر بين أدائه من نفس المال أو من ماله الآخر. وبالتالي هو ملك للمستحق لكن شأناً لا فعلاً.

وإن أردنا أن نمثل له بمثال نستطيع أن نقول: إنّ تعلق الخمس والزكاة بالنصاب أشبه بإرث الزوجة من الأبنية والنخيل والأشجار فإنّه حق متعلق بماليتها، ولذلك يجب على الوارث دفع القيمة للزوجة، نعم لو أمكن دفعها من العين كما في الأشجار والنخيل جاز.

نعم فرق بين تعلق الزكاة والخمس بالنصاب وتعلق إرث الزوجة بغير الأرض وهو أنّ الزوجة مالكة بالفعل بالنسبة إلى الأعيان، لأنّ إرثها من المنقول بنحو الملك الفعلي فيكون إرثها من غير المنقول كذلك، وأمّا الزكاة والخمس فليسا ملكاً فعلياً بل ملكاً شأنياً.


صفحه241

بيان الضابطة في ما يجوز نقله إلى الغير وما لا يجوز، فنقول: إنّ الضابطة في ذلك هو التعرف على أنّ العنوان المأخوذ في موضوع الحكم عنوان مقوّم أو عنوان معرّف. فعلى الأوّل لا يجوز نقله وعلى الثاني يجوز .

توضيح ذلك: انّه ربما يستفاد من الأدلة أنّ العنوان المأخوذ في لسان الدليل مقوّم للحكم وعلّة له، وعندئذ لا يجوز نقله إلى الغير، ولنذكر على ذلك أمثلة :

1. حق الشفعة فالذي يمكن أن يتضرر أحياناً هو الشريك دون غيره فلا معنى لنقله إلى غيره بعد ما لم يكن شريكاً له.

2. حق الرهانة فإنّ كون العين وثيقة لغير الدائن غير معقول، فنقله إلى غيره غير معقول إلاّ بتبع نقل دينه إلى غيره وعندئذ ينقل حق الرهانة أيضاً تبعاً.

3. حق القَسْم فإن نقله من زوجة إلى أُخرى صحيح لاتّصافها بذلك العنوان وصحة استفادتها من الحق، وأمّا إلى إمرأة أُخرى ليست زوجة له، فغير معقول.

كل ذلك يتبع كون العنوان مقوّماً ودخيلاً في الحكم، والحكم دائراً مداره، يوجد بوجوده وينعدم بانعدامه.

وأمّا إذا افترضنا أنّ العنوان معرّف وعنوان مشيرٌ إلى موضوع أعم فيجوز فيه النقل، وهذا كحق التحجير فإنّه ليس فيه شيء من هذه الموانع فيصح نقله إلى غيره في مقابل الثمن.


صفحه242

وحصيلة الكلام: إنّه إذا كان الموضوع هو العلّة التامة للحكم فلا يقبل النقل إلاّ إذا كان مثلها موجوداً في المنقول إليه، وأمّا إذا كان مشيراً إلى ما هو الموضوع، غير مقوم للحكم فيجوز نقله إلى غيره.

الثالث: ما يورث وما لا يورث

ماذكرنا من الضابطة في جواز النقل وعدمه هي نفسها في جواز الإرث وعدمه. فلو كان العنوان مقوّماً فمعناه أنّ الحق قائم بالشخص فلا ينتقل إلى غيره، وهذا كحق القسم فإنّه حق للزوجة بما هي زوجة فإذا ماتت لا يتصور أن يقوم الوارث مقام الزوجة في هذا الحق، ولا تعقل استفادته من هذا الحق. وهذا بخلاف حق التحجير فقد عرفت أنّ العنوان معرّف ومشير فيرثه الوارث كما يرث أمواله وسائر حقوقه.

وحصيلة الكلام: أنّه لابد من ملاحظة دليل كل حق وما يحتف به من القرائن من الوجوه والمصالح والمناسبات .(1)

فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الميزان في الإسقاط وعدمه كون الحكم موضوعاً لصالح ذي الحق أو لأمر آخر فيجوز إسقاطه في الأوّل دون الثاني.

وأمّا الميزان في كون الشيء قابلاً للنقل أو الإرث فلو كان العنوان مقوّماً فلا ينقل ولا يورث. وأمّا لو كان مشيراً فينقل ويورث .

نعم للسيد الأُستاذ (قدس سره)مناقشات في بعض الأمثلة والظاهر عدم تماميتها فلاحظ .(2)


1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني: 12

2 . كتاب البيع: 1 / 48 .


صفحه243

 

إذا شُك في قبول الحق للإسقاط

إذا شك في كون الشيء قابلاً للإسقاط والنقل وعدمه، نظير: حق الرجوع في العدة، وحق النفقة في الأقارب، وحق الفسخ بالعيوب في النكاح. فله صورتان:

الأُولى: أن يكون منشأ الشك احتمال كونه حكماً، لا حقّاً، فالشك يرجع إلى وجود الموضوع (الحق) وعدمه ومع الشك في الموضوع لا يمكن أن يتمسك بالعمومات كعمومات الصلح والبيع وغيرهما، وذلك لأنّ الشك في الموضوع، إنّما هو بمعنى هل هناك موضوع للعمومات أو لا؟

وعندئذ فالمرجع هو الأُصول العملية ومقتضاها هو عدم سقوطه باسقاط بقائه أخذاً باستصحاب بقاء ما كان قبل الإسقاط، وعلى هذا فلو شك في كون شيء حقاً أو حكماً فلا يجوز إسقاطه ولا نقله. نعم لا يثبت باستصحاب بقائه كون المشكوك حكماً، لأنّه بالنسبة إليه أصل مثبت.

الثانية: إذا كان منشأ الشك ـ مع القطع بكونه حقاً ـ احتمال كونه سنخَ حق، له الإباء عن الإسقاط والنقل كحق الولاية الّتي عرفت إباءها عن الإسقاط على القول بكونه حقاً، فذهب المحقّق الاصفهاني إلى جواز التمسك في هذه الصورة بإطلاق دليل الصلح على سقوطه ونقله، أو بعموم أدلة الإرث لانتقاله (1).


1 . تعليقة الاصفهاني على المتاجر: 12 .


صفحه244

يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين الصورتين وأنّ الشك يرجع إلى الشبهة المصداقية في كلا المقامين.

أمّا الأوّل: فقد عرفت وجهه في كلامه.

وأمّا الثاني: فلأنّه خرج ما لا يقبل النقل والإرث عن تحت عمومات الصلح والبيع، فإذا شككنا في جواز نقله وعدمه يرجع الشك إلى أنّ المورد باق تحت العموم إذا كان قابلاً للنقل، أو خارجاً عنه إذا لم يكن قابلاً للنقل، ومعه يكون التمسك بإطلاقات أدلّة الصلح والبيع من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص.

ثم إنّه (قدس سره)التفت إلى هذا الإشكال وأجاب عنه بقوله: إنّ الحق القابل، والحق غير القابل عنوانان انتزاعيان من الحق الداخل تحت العموم والخارج عنه، لا أنّ العام (1) معنون بعنوان القابل، والمخصص معنون بعنوان غير القابل .(2)

يلاحظ عليه: إنّ كون القابل وغير القابل من العناوين الانتزاعية لا يصحح التمسك بالعام، وذلك لأنّا نعلم أنّ عدةً من الحقوق داخلة تحت العام، وأنّ قسماً منها خارجٌ عنه وداخلٌ تحت المخصص، ففي هذه الحالة نشك في أنّ هذا الحق هل هو من الحقوق الباقية تحت العام أو الخارجة عنه، وفي مثله لا يجوز التمسك بالعام.


1 . في المصدر: (لأن العام) والصحيح ما أثبتناه.

2 . تعليقة الاصفهاني على المتاجر: 12 .


صفحه245

ولو صحّ ما ذكره صحّ التمسك في الشبهات المصداقية للمخصص في عامة الموارد، مثلاً إذا قال المولى: أكرم العالم، ثم قال: لا تكرم الفاسق من العلماء، وشككنا في حال زيد العالم هل هو فاسق أم لا؟ فيمكن أن يقال: إنّ الفاسق وغير الفاسق عنوانان انتزاعيان من الفرد الداخل تحت العموم والخارج عنه لا أن العام معنون بعنوان غير الفاسق والمخصص معنون بعنوان الفاسق وهو كما ترى.

وبذلك يعلم أنّ تعجب المحقق النائيني من السيد الطباطبائي في غير محله، إذ لا ملازمة بين الحق والإسقاط لما عرفت من أن الملاك هو كون العنوان مقوّماً أو معرّفاً.

كما ظهر عدم تمامية ما اشتهر بينهم، أنّ لكل ذي حق إسقاط حقّه، إذ لم يرد في آية أو رواية أو معقد إجماع معتبر، فليتأمل.

نعم هنا صورة ثالثة لا بأس فيها بالتمسك بالعمومات، وهي ما إذا أُحرزت قابلية الحق للنقل والانتقال عُرفاً وعلم أنّه ليس من سنخ الحقوق الآبية عنها، لكن نشك في وجود المنع التعبدي فيها.

ففي هذه الصورة يجوز التمسك بالعمومات لإثبات صحة النقل بالعقد كالصلح نحو قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلح جائز بين المسلمين»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما ترك الميّت من حق فلوارثه»، فلو قام بالنقل أو مات صاحب الحق والحال هذه


1 . المائدة: 1 .   


صفحه246

يحكم بصحة النقل وصحة الانتقال ببركة هذه العمومات، إذا وقع النقل بالعقد أو الصلح أو جعل شرطاً في المعاملة، وما ذلك إلاّ لأنّ قابلية الحق للنقل والانتقال عند العرف، تكون طريقاً صحيحاً إلى كونه كذلك عند الشرع.

ولذلك يصح التمسك بهذه العمومات عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للبيع وغيره، وذلك لأنّ البيع الصحيح عند العرف طريق إلى البيع الصحيح عند الشرع، فإذا حكم العرف بكونه مصداقاً للبيع، يُحرز به كونه مصداقاً له عند الشرع فيشمله قوله: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(1)، ونظيره المقام فإذا كان الحق قابلاً للنقل والانتقال عند العرف نستكشف به كونه كذلك عند الشرع فتشمله العمومات.

فإن قلت: إنّ التمسك بالعمومات عند الشك في المنع التعبدي أشبه بالتمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية، فإذا ورد: أكرم العلماء، وخُصِّص بقوله: لا تكرم العالم الفاسق، وشك في فسق عالم وعدالته لا يمكن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص، وهكذا المقام إذ نعلم وجود المنع التعبدي من النقل في بعض الحقوق يكون المورد شبهة مصداقية للمخصص.

قلت: ما ذكرت إنّما يصح إذا لم يكن هناك طريقٌ إلى معرفة الحق القابل للانتقال عند الشرع عمّا لا يقبل، وأمّا مع وجود الطريق، أعني: كونه قابلاً لهما عندالعرف نستكشف أنّه فرد باق تحت العام وليس من مصاديق المخصص.


1 . البقرة: 275 .


صفحه247

تنبيه

ربّما عُدّت الأُمور التالية من الحقوق الخاصّة، أعني:

1. حق الأُبوّة.

2. حق الاستمتاع بالزوجة.

3. حق الجار على جاره.

4. حق المؤمن على أخيه.

والظاهر أنّ الأُمور المذكورة من أقسام الحكم الشرعي وليست من الحقوق، وإليك دراستها.

أما الأوّل ـ أعني: حق الأُبوة ـ : فالظاهر أنّه يرجع إلى وجوب الطاعة
أو حرمة العقوق وسخط الأبوين، فهو حكم شرعي إلزامي على الولد
بالنسبة إلى والديه ثبت ـ بدليل خاص ـ احتراماً لهما وجزاءً على إحسانهما إليه.

فلو وجبت على الولد الطاعة وجب على الوالد الإحسان إلى أولاده الصغار، فيجوز له التصرف في ماله إذا كان فيه مصلحة للولد.

وفي إزاء الخدمات الّتي يقدمها الوالد إلى الولد أجاز الشارع للولي أن يأكل من مال ولده من غير إسراف.

روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لرجل: «أنت ومالك لأبيك»، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): «ما أُحب أن يأخذ من مال


صفحه248

ابنه إلاّ ما احتاج إليه ممّا لابد منه، إنّ الله لا يحب الفساد».(1)

فالجميع في جانب الولد والوالد حكم شرعي وإن كان يتراءى أنّه من أقسام الحقوق، ولا بأس بتسميته بالحق بالمعنى العام لا الحق بالمعنى الخاص الّذي وقفت على معناه.

وأمّا الثاني ـ أعني: حق الاستمتاع بالزوجة: ـ فهو أيضاً حكم شرعي على الزوجة أن لا تمتنع عند إرادة الزوج لها إذا كان الزوج قائماً بحقوقها.

وأمّا الثالث والرابع ـ أعني: حق الجار على جاره، وحق المؤمن على أخيه ـ : فكلها من الأحكام وليست من الحقوق بمعنى الملك الضعيف، وأمّا ما ورد في الروايات من وجوب الاستحلال إذا اغتاب مؤمناً فإنّما هو لأجل المحافظة على مقام الأُخوّة، لا لثبوت حق مملوك له عليه.


1 . الوسائل: 12، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 2 .


صفحه249

 

في الحقوق المستحدثة

1. حق الاختراع

شاع في أيامنا هذه حقٌ يسمّى بحق الابتكار أو الاختراع، وهذا ما أحدثه التقدم الصناعي في عصرنا الحاضر.

وحاصله: أنّه يقوم أحد الباحثين باختراع جهاز أو آلة أو تأليف كتاب، يبذل في سبيل ذلك جهوداً مادية ومعنوية مضنية، وبذلك يقدّم شيئاً ينتفع به المجتمع انتفاعاً بالغاً، لم يكن له مثيل في السابق.

ثم إنّ هذا العمل يسجّل في سجّل الاختراعات والابتكارات باسمه، ويمنع الآخرين من تقليده، وانتاج مثله أو طبعه ونشره على نفس النسخة أو بنضد وترتيب آخر .

وهذا النوع من الابتكار قد اعترف به علماء الحقوق في الغرب والشرق، والغاية من الاعتراف بهذا الحق وإقراره هو تشجيع المؤلفين والمخترعين والمبتكرين للاستمرار بعملهم وتأليفهم، لطمأنتهم بأنّه لا يتمكن أحدٌ لاقتباس عملهم وإنّما تكون الفائدة منحصرة بصاحب الابتكار.

إنّما الكلام في مشروعية ذلك في الفقه الإسلامي، ويمكن التطرق إلى ذلك بالوجهين التاليين :


صفحه250

 

الأوّل: كون هذا الحق ارتكازياً

لا شك أنّ من قرأ حياة المخترعين والمبتكرين وشاهد جهود المؤلفين في أنّهم ربّما يوصلون ليلهم بنهارهم في طريق ما ينشدونه من العمل وربّما لا يعرفون الأكل والشرب إلاّ القليل الّذي يمدّ حياتهم، فعند ذلك يحكم بأنّ لهم حقاً في منع الغير عن اقتباسه وتقليده وصنع مثله. وهذا النوع من الحق أمر عرفي لم يردع عنه الشارع.

فإن قلت: الحقوق الّتي لم يردع عنها الشارع عبارة عن الحقوق الّتي كانت موجودة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فإذا لم يُردع عنها يُحكم بمشروعيتها.

وأمّا هذا النوع من الحق فقد مرّ أنّه وليد التقدم الصناعي الّذي مكن التجار والعمال من استغلال جهود السابقين بسبب الأجهزة والآلات الّتي اخترعت حديثاً، فعدم الردع أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

قلت: إنّ المصداق وإن كان حديثاً غير موجود في عصر الرسالة، لكن الكبرى الكلية المرتكزة ليست أمراً حديثاً، وهو أنّ المرتكز في ذهن كل إنسان أنّه إذا حاز شيئاً أو حفر بئراً أو غرس شجراً أو أحيا أرضاً فالجهود المبذولة في طريق ذلك لا تذهب سدى بل تثمر وتكون نتائجها له، وهذا أمر ارتكازي لم يردع عنه الشارع، ولذلك نرى أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام)قال لعبدالله بن زمعة: «إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ،


صفحه251

وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ» .(1)

فعندئذ نقول: ما هو الفرق بين جني الثمرة من البستان أو إحياء الأرض، وبين بذل الجهود المضنية لابتكار جهاز للنسخ والطبع أو تأليف كتاب كرس مؤلفه عمره في جمعه وتصنيفه؟ فالعرف يتلقّى الكل من نسيج واحد.

وبذلك يعلم أنّ الحقوق الاجتماعية أو الفردية الحادثة في الأعصار الأخيرة إذا اعترف بها العقلاء في عيشهم وحياتهم فهو أمر ماض عند الشرع، لما عرفت من أنّ الاعتراف بالحقوق ليس أمراً تعبدياً بل ارتكازياً له جذور في فطرة الإنسان، ومعه لا فرق بين الحق الحديث أو القديم.

والّذي يدلك على عدم الفرق هو أنّ الفقهاء سوّوا في تملك ما حازه الصياد بواسطة الأسباب القديمة كشبكة الصيد الصغيرة وبين آلات الصيد الحديثة كالسفن الكبيرة الّتي تخترق البحار والمحيطات وتنشر شباك صيدها الواسعة والمتطورة وتصطاد السمك من هنا وهناك.

كما لم يفرقوا في إحياء الأرض بين أداة قديمة كالمعول والمسحاة وبين إحيائها بالجرافة وسائر المكائن الزراعية الحديثة.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 232 .


صفحه252

 

الثاني: كون الاقتباس ظلماً

لاشك أنّ الظلم قبيح عقلاً وحرام شرعاً، وحقيقة الظلم هو التعدي على حقوق الآخرين وأموالهم وأعراضهم وكل ما يمت لهم بصلة. وقد اعترفت العدلية بالتحسين والتقبيح العقليين، ومن أوضح أمثلتهما قبح الظلم وحسن العدل اللّذين لا يشك أحدٌ من أصحاب الفطرة السليمة في قبح الأوّل وحسن الآخر. هذه هي الكبرى الّتي أصفق العدليون على هذا الحكم فيهما.

نعم أنكرت الأشاعرةُ قسم العقليينَ منهما ولكنّهم اعترفوا بالشرعيين. وأنّ الشارع قبّح الظلم وحسّن العدل.

وعلى كلّ تقدير فلا كلام في الكبرى، وإنّما المهم في الصغرى فنقول: إنّ تشخيص المصاديق بيد العرف دائماً أو غالباً. ولا شك أنّ تسويغ الآخرين حق الاقتباس والتقليد لعمل المبتكرين والمخترعين والمؤلفين بلا إذن منهم يُعدّ ظلماً لحقهم وتضييعاً لجهودهم .

فنفترض أنّ أحد دور النشر أعطت مبلغاً كبيراً لأحد الخطاطين لكتابة المصحف الكريم ثم استخدم أصحاب الاختصاص في ضبط إعرابه وحركاته، وعلامات الوقف إلى غير ذلك، ثم عُقدت اتفاقية مع أصحاب المطابع لطبعه وتجليده وعرضه إلى السوق، فمنذ أن ظهرت عدة نسخ منه بادر أحد الانتهازيين لتصويره وطبعه ونشره بقيمة أرخص منها أو بمثلها. فلا


صفحه253

شك أنّ من له طبع سليم يقبّح عمل الثاني ويؤنبه ويصفه بالتعدي والعدوان على حقوق الآخرين.

وكان سيدنا الأُستاذ في بعض بحوثه لا يعترف بهذا الحق، وقد بقي على هذا الرأي إلى أُخريات حياته (قدس سره).

2. حق السرقفلية

شاع في زماننا حق باسم «السرقفلية» وحقيقته أنّه إذا استأجر رجل حانوتاً أو محلاً للتجارة وانتهت مدة الإجارة، فلو حاول المالك إخراجه فالمستأجر يطالب بالسرقفلية وانّه لايترك المحل إلاّ بأخذ مبلغ خاص يتفاوت باختلاف الأماكن.

أو يؤجره المحل من مستأجر آخر ويأخذ منه ذلك المبلغ إمّا بإذن المالك أو بلا إذنه، والقانون الوضعي نطق بأنّه لا يتركه إلى الغير إلاّ بإذن المالك.

وعلى كل تقدير فقد صار هذا الحق أمراً دارجاً أكب عليه عامة المستأجرين من متدينيهم وغيرهم.

فهل أنّ هذا الحق له مبدأ شرعي أو لا؟

إنّ مقتضى القواعد أنّه إذا انتهت مدة الإجارة فعلى المستأجر ترك ما استأجره بلا طلب عوض. إنّما الكلام في إمكانية تصوير نوع حق للمستأجر عند تركه للمحل أو دفعه إلى شخص آخر ؟

يمكن القول بوجود حق للمستأجر في صور خمس هي:

الأُولى: لو اشترط المستأجر على صاحب الدار في ضمن عقد الإجارة


صفحه254

بأنّه لا يترك هذا الحانوت إلاّ إذا أخذ من المالك ما هو المرسوم في تسليم هذه المحلات، سواء دفع هو مبلغاً للمالك باسم السرقفلية أم لا .

الثانية: تلك الصورة ولكن دفع إلى المالك مبلغاً باسم السرقفلية وبالتالي تملك ذلك الحق، فيجوز له ان لا يترك المحل إلاّ بعد أخذ ما هو المرسوم في تسليمه .

الثالثة: إذا اشترط على المؤجر في ضمن عقد الاجازة بأنّ له حق ايجار المحل من شخص آخر عند انتهاء الإجارة ثم إنّه يؤجره منه ويشترط عليه ان يعطيه مبلغاً إضافة إلى الأُجرة الّتي يدفعها إلى المالك.

الرابعة: يشترط على المالك إيجاره للغير قبل انتهاء مدة الإجارة ثم إنّه يؤجره من شخص آخر بنفس المبلغ ولكن يشترط على المستأجر الثاني دفع مبلغ عند الإيجار، مقابل فسخ المدة المتبقية من وقت الإجارة.

الخامسة: لو كان الخان أو الحانوت غير معروف بين الناس إلاّ أن المستأجر بذل جهوداً حتّى عرفه الناس إلى حدّ أصبح يتقاطرون عليه في عامّة الأوقات بحيث خرج المحل عن كونه غير معروف وصار محلاً مرغوباً، فعندما تنتهي الإجارة فللمستأجر أن يطلب من المؤجر حقاً مقابل القيمة الإضافية الّتي أوجدها المستأجر في هذا المكان على وجه لو حلّ شخصٌ آخر محله لانتفع من جهوده السابقة بعدما لم يكن لهذا المحل تلك السمعة، وهذا يُعدّ حقاً اقتصادياً عقلائياً فله أن يطلب عليه مبلغاً في مقابل ما اكتسبه من قيمة إضافية، لا بعنوان السرقفلية.

وبأحد هذه الوجوه يمكن تصحيح السرقفلية الرائجة في أعصارنا هذه.


صفحه255

 

6

العقد والعهد

من الألفاظ الرائجة في لسان الفقهاء لفضتي العقد والعهد، انطلاقاً من قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)(1).

وقوله سبحانه: (وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ)(2).

فلذلك نستوضح معنى العهد والعقد في اللغة أوًلاً، والكتاب ثانياً، ومصطلح الفقهاء ثالثاً.

العقد نقيض الحلّ

العقد في اللغة نقيض الحلّ، وقد ذاع وشاع قولهم: أهل الحل والعقد. وفي اللسان: العقد نقيض الحَلّ، وقالوا للرجل إذا لم يكن عنده غناء: فلان لا يعقد الحبل، أي أنّه يعجز عن هذا على هوانه وخفته، والعُقد جمع عقدة .(3)وتفسيره بالشدّ غير صحيح لأنّه عبارة عن توثيق العقد يقال: شدّ العقدة قوّاها وأوثقها. (4)


1 . المائدة: 1 .  

2 . الإسراء: 34 .

3 . لسان العرب: 2 / 296، مادة «عقد».

4 . لاحظ المنجد: مادة «شدّ».


صفحه256

وأمّا قوله سبحانه: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ)(1) فتعقيد الايمان مقابل للغوها كما يقول «لا والله وبلى والله»(2) بلا التزام. وهذا ما لا يجب حفظه بخلاف ما لو عقدّ الايمان. والجملة كناية عن المبالغة في العقد الّذي يناسب معنى الشد، فلو صحّ تفسير العقد بالشد فإنّما يصحّ في المضاعف لا مطلقاً .

العقد في الكتاب

اختلفت كلمتهم فيما هو المراد منه في الآية المباركة، فقد ذكر الطبرسي أقوالاً:

أ. المراد بها العهود الّتي كان أهل الجاهلية قد عاهد بعضهم بعضاً فيها على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على مَنْ حاول ظلمهم أو بغاهم سوءاً.

ب. العقود الّتي أخذ الله سبحانه على عباده بالإيمان به وطاعته في ما أحل لهم (الطيبات) أو حرّم عليهم (الخبائث)، (كلاهما مرويان عن ابن عباس).

ج. العقود الّتي يتعاهدها الناس بينهم ويأخذها المرء على نفسه كعقد النكاح والبيع (نقله عن ابن زيد).

د. أنّ ذلك أمر من الله لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)وما جاء به من عند الله سبحانه.


1 . المائدة: 89 .

2 . تفسير جوامع الجامع للطبرسي: 1 / 528 .


صفحه257

ثم قال: وأقوى هذه الأقوال قول ابن عباس (القول الثاني): إنّ المراد بها عقود الله الّتي أوجبها على العباد بالحلال والحرام والفرائض والحدود.

ثم قال: ويدخل في ذلك جميع الأقوال الأُخر، فيجب الوفاء بجميع ذلك.(1)

يلاحظ على بعض هذه الأقوال:

أمّا على الأوّل: فلأنّه لا وجه لتخصيص العقود الّتي عقدها المسلمون في عصر الجاهلية.

كما يلاحظ على الرابع بأنّه خلاف ظاهر الآية، لأنّ الخطاب للمؤمنين لا لأهل الكتاب.

فبقي القولان: الثاني الّذي هو أعم من الثالث، فقد رجّح الطبرسي الثاني على الثالث وجعله أقوى الأقوال لسعة مفهومه ومضمونه.

ولكن يمكن أن يقال بِرجحان القول الثالث على الثاني، بوجهين:

1. أن اللام في قوله (بِالْعُقُودِ) عوض عن المضاف إليه كأنّه قال: «أوفوا بعقودكم» فيختص بالعقود الّتي يعقدها المؤمنون بعضهم مع بعض كالبيع والإجارة والنكاح وغير ذلك.

ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)(2).


1 . مجمع البيان: 2 / 151 ـ 152 .

2 . البقرة: 237 .


صفحه258

وقوله: (وَ لاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)(1).

2. استدلال الفقهاء عبر القرون بالآية على لزوم الوفاء بالعقود الدارجة بين الناس كالنكاح والبيع والاجارة، فالاستدلال بالآية على العقود الّتي يعقدها الناس بعضهم مع بعض أوفق بمضمون الآية.

العقد في مصطلح الفقهاء

وقد عُرّف العقد ببعض التعاريف نذكر منها:

1. قال المحقّق الاصفهاني: العقد في اصطلاح الفقهاء ارتباط أحد القرارين بالآخر من الموجب والقابل .(2)

2. وعرّفه السيد الخوئي بقوله: شدّ أحد الالتزامين وعقده بالآخر.

يلاحظ عليهما أوّلاً: بأنّهما يشملان القسم الصحيح والفاسد، ولا يختصان بالصحيح، كما أنّ الأولى تبديل «الشدّ» بالوصل لما مرّ...

ولو أنّهما أضافا إلى هذين التعريفين جملة «على وجه مؤثر» لاختص التعريف بالصحيح ولا يعم الفاسد.

ولذلك عرفه بعضهم بالنحو التالي:

ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله .(3)


1 . البقرة: 235 .

2 . تعليقة الطباطبائي على المتاجر: 35.

3 . الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد: 1 / الفقرة 132 .


صفحه259

ثانياً: أنّ التعريف الثاني يعرف العقد بارتباط أحد القرارين بالآخر ولم يشر إلى السبب الّذي يربط بينهما. فلو أُضيفت إلى التعريف جملة «بالإيجاب والقبول» ونحوها من الأسباب الفعلية لكان التعريف أوضح وأتم.

ثم إنّ المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي واضحة جداً لما قلنا من أنّ العقد في اللغة هو نقيض الحلّ، فإذا حصل ربط بين الحبلين يقال عقدهما، ويقال: عَقَد الخيط جعل فيه عقدة. وكأنّ الإيجاب والقبول بمنزلة حبلين منفصلين فيتصلان بالعقدة التي يعبر عنها في اللغة الفارسية بـ «گره». غير أنّ العقد بين الحبلين تكويني وخارجي ولكنّه بين الإيجاب والقبول اعتباري .

وبذلك يظهر أنّ تفسير العقد بالعهد أو بالشدّ تفسير غير صحيح، والعقد غير العهد كما سيوافيك بيانه، كما أنّ «الشدّ» وصف للعقد فإنّ العقد تارة يكون ضعيفاً وتارة يكون شديداً .

هذا كله حول العقد، وبما أنّ العقد ربّما يفسر بالعهد نذكر شيئاً حوله .

تفسير العهد

الظاهر أنّ العهد غير العقد، إذ الأوّل عبارة عن جعل شيء في الذمة وتقبله، سواء أكان الجاعل هو نفس المتعهد كما في النذر، مثل قوله: عاهدت الله أن أفعل كذا، قال سبحانه: (وَ مِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ)(1); أو كان الجعل من غيره كما في قوله تعالى: (وعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ


1 . التوبة: 75 .


صفحه260

وَ إِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ)(1).

فإذن العقد غير العهد، نعم ربّما يستعار العقد للالتزام والعهد لأجل الأثر الموجود في العقد، أعني: الإبرام وعدم الانفصال، فما ربّما يقال من أنّ العقد هو العهد أو العهد المشدد، ناشئٌ من خلط المعنى اللغوي بالمعنى الاستعاري المجازي .

تقسيم العقد إلى إذني وعهدي

قسم المحقّق النائيني (رحمه الله)العقد إلى قسمين أسماهما بالإذني والعهدي، فقال: أمّا العقود الإذنية فتسمى عقوداً لأنّها ترتبط بشخصين لا أنّ فيها عهداً وعقداً، فقوله عزّ من قائل: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لا يشمل هذه العقود، لخروجها عنه تخصّصاً.

وبالجملة ما كان قوامه بالإذن ومجرد رضا ولي الأمر ومالكه لا
يكون فيه عهدٌ والتزام، وهذه كالوديعة والعارية بناء على أن يكون مفادها الإباحة المجانية .

ثم قال: قد يكون العقد مركباً من عهدي وإذني باعتبار مدلوله المطابقي والالتزامي كالإجارة فإنّها تدخل من جهة تمليك المنفعة بالعوض في العهدية، ومن جهة تصرف المستأجر في العين في باب الأمانات المالكية الّتي ترجع جميع العقود الإذنية إليها.(2)


1 . البقرة: 125 .

2 . منية الطالب: 1 / 33، طبعة النجف الأشرف.


صفحه261

يلاحظ عليه أوّلاً: بما عرفت من أنّ اعتبار العقد غير اعتبار العهد، والعقد ربط قرار بقرار آخر، وأمّا العهد فهو جعل شيء في الذمة وتقبله سواء كان الجاعل نفس المتعهد أو غيره، فتقسيم العقد إلى إذني وعهدي تقسيم غير تامّ، إذ ليس في العقد شيء من العهد، نعم ربّما يمكن استعارة العقد للعهد، بجامع أن كلا الأمرين فيهما شدّ لا ينفصم بسهولة.

نعم روى العياشي في تفسيره عن ابن سنان، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن قول الله عزوجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: «العهود».(1)فعلى هذا يختص العقد بالعهد.

ولكن الرواية ضعيفة بالإرسال، حيث حذف مستنسخ تفسير العياشي سند عامة رواياته إلى الراوي، فلايحتج به، ولو صحّ تفسير العقود بالعهود يلزم سدّ باب الاستدلال بالآية في أبواب المعاملات، وهو على خلاف المشهور بين الفقهاء.

وثانياً: أنّ العقد كما عرفت عبارة عن وصل الحبلين أحدهما بالآخر واستعير لربط أحد القرارين بالقرار الآخر. وبما أنّ العقود الاذنية يكفي فيها العلم بالإذن بالتصرف فليس هناك قرار موصول بقرار آخر إلاّ إذا كان هناك إيجاب وقبول فيصدق عندئذ العقد.

وثالثاً: أنّ تسمية الإجارة بالعقد المركب من العهد باعتبار تمليك المنفعة، ومن الإذن باعتبار كون العين أمانة مالكية، تحليل غير تام، لما حقّق


1 . تفسير العياشي: 1 / 289 .


صفحه262

في محله أنّ الإجارة ليست من قبيل تمليك المنفعة، بشهادة أنّه لا يقال: ملّكت منفعة الدار، بل هي عبارة عن تسليم العين للمستأجر في مقابل الأُجرة مدة معينة لغاية الانتفاع بمنافعها، سواء انتفع أم لا، فكون العين أمانة مالكية للانتفاع، لازم تسليم العين لغاية الانتفاع، فليس جزءاً لمدلول العقد.

Website Security Test