welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه203

الرسالة السابعة

المفاهيم العامّة في المعاملات


صفحه204

صفحه205

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وسيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد:

فهذه رسالة وجيزة كفيلة بإيضاح بعض المفاهيم الّتي تتردد كثيراً على ألسن الفقهاء في أبواب المعاملات، وتستعمل بشكل واسع، أعني بها ما يلي:

1. المال.      2. الملك.

3. الحق.      4. الحكم.

5. أقسام الحق وأحكامه.

6. العقد والعهد.

وهذه الرسالة بالإضافة إلى إيضاح مفاهيم هذه الألفاظ تشتمل على مباحث وفوائد لا غنى للطالب عنها.

ومنه تعالى نستمد العون وعليه نتوكل في الأُمور كلها.

ويقع الكلام في فروع:


صفحه206

   

1

في تعريف المال

إنّ المال ـ المبحوث عنه في أبواب المتاجر والمأخوذ في تعريف البيع على ما سيأتي ـ : عبارة عمّا يرغب فيه العقلاء، ويُبذل بإزائه الثمن، وله ندرة نسبية.

فبالقيد الأوّل خرج كل منفور لا يرغب فيه، كالحشرات ونفايات البيت.

وبالقيد الثاني خرجت حبّة أو حبات من الحنطة فهي تُعدّ ملكاً ولا تُعدّ مالاً، إذ لا يبذل بازائها الثمن.

وبالقيد الثالث خرج المبذول كالهواء والماء على شاطئ النهر .

وعلى هذا فلا يختص المال بالأعيان، بل يعم الأعمال والمنافع، لانطباق التعريف عليهما فهما ممّا يبذل الثمن بازائهما.

فإن قلت: إنّ المنافع ليست مالاً لكونها معدومة .

قلت: إنّ العين تُعدّ عند العرف وجوداً جمعياً للمنافع، ومشيرة إليها، وكيف لا تكون المنافع مالاً مع أنّ مالية الأشياء عند العقلاء باعتبار منافعها، فنفس المنفعة أولى بأن تكون مالاً ويبذل بازائها الثمن.

ويشهد على ما ذكرنا ـ عدم اختصاص المال بالأعيان ـ صحة جعل ما


صفحه207

في الذمم المعتبرة ثمناً للبيع إذا باع نسيئة، أو مثمناً كما إذا باع سلماً. فوصف ما في الذمة المعدوم مالاً دليل على عدم اختصاصه بالأعيان.

فكما يشمل المال المنافع يعم الحقوق أيضاً كحق الشرب من النهر والعين، وحق العبور حيث إنّ كلاًّ منهما أمر مرغوب فيه، يبذل بازائه الثمن .

منابع المالية

إنّ مالية الشيء تارة تستند إلى قابليته الذاتية للانتفاع به، نظير ما خلق الله سبحانه من الطيبات النباتية والحيوانية الّتي تسدّ حاجات الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية.

وأُخرى تستند إلى وجوده الصناعي كالبيت والأواني وكل مصنوع ينتفع به الإنسان ويبذل بازائه الثمن.

وثالثة تستند إلى اعتبار عقلائي أو عقد اجتماعي على كونه مالاً كالأوراق النقدية.

وقد كانت الأوراق النقدية يوم ظهورها للعالم تُعدّ وثائق من الدولة على أنّها تتعهد بمنح حاملها شيئاً من النقود الفضية أو الذهبية . إلاّ أنّها صارت بمرور السنين ذات قيمة ومالية مستقلّة وخرجت عن كونها وثيقة .

وأمّا الأسهم الّتي شاع بيعها وشراؤها في هذه الأيّام فالظاهر أنّها ملك مشاع لأصحاب السهام في أموال الشركة.


صفحه208

 

2

في تعريف الملك

الملك في اللغة: هو الاحتواء والإحراز، يقال: ملك الشيء: احتواه، قادراً على التصرف فيه، وهو إضافة اعتبارية بين الشخص وما احتواه، وإليك بيانها.

إنّ في واقع الملكية أقوالاً أو احتمالات نشير إليها مع ما فيها:

الأوّل: أنّها من مقولة الإضافة القائمة بين المالك والملك فهي أمر تكويني كسائر الإضافات كالأُبوة القائمة بين الأب والابن، وهذا هو الظاهر من صدر المتألهين في أسفاره حيث قال: فإنّ هذا (الملك) من مقولة المضاف لا غير .(1)

وهو الظاهر ـ أيضاً ـ من الشيخ الأنصاري حيث قال: إنّها نسبة بين المالك والمملوك (2)، فلو أراد من النسبة الإضافة الحقيقية فتكون الملكية أمراً تكوينياً، وإن أراد نسبة اعتبارية فتتحد مع المختار الآتي بيانه.

الثاني: انّها من مقولة الجدة، وهي الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء


1 . الأسفار: 4 / 223، وقد أراد من (الملك) الملكية، لا ذات الشيء.

2 . المتاجر: 79، ط. تبريز .


صفحه209

بشيء كالتعمم والتقمّص. وقد نقل هذا القول السيد الطباطبائي اليزدي في تعليقته عن بعضهم .(1)

وذكره صدر المتألهين بصورة احتمال، قال ـ بعد تعريف الجدة ـ : وقد يعبّر عن الملك بمقولة «له»، فمنه طبيعي ككون القوى للنفس، ومنه اعتبار خارجي ككون الفرس لزيد. (2)

أقول: إنّ الملكية ـ سواء أقلنا بأنّها من مقولة الإضافة أم من مقولة الجدة ـ على هذين القولين عرض لا محالة، وهو لا ينفك عن موضوع يعرضه، وعندئذ نسأل ما هو موضوع ذلك العرض أي الملكية؟ فهل الموضوع هو المملوك فينتقض بالمملوك في الذمة فهو ملك وليس موجوداً في الخارج كالدين وبيع السلم؟

أو أنّ الموضوع هو المالك فينتقض بما إذا كان المالك هو الجهة كالمسجد والمدرسة وعامة الجهات الحقوقية؟

فإن قلت: هب أنّها ليست من المقولات العشر الارسطوئية، فلماذا لا تكون من الصفات الحقيقية الّتي لا تحتاج إلى محل كامتناع شريك الباري وإمكان الإنسان، وإن لم يكن إنسان في الخارج فلتكن الملكية صفة حقيقية من سنخ الامتناع والإمكان؟

قلت: ما ذكرته غير صحيح في المنزّل عليه فكيف يصحّ في المنزَّل؟


1 . تعليقة السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي على المتاجر: 58 .

2 . الأسفار: 4 / 223 .


صفحه210

أما الأوّل كيف يكون الامتناع والإمكان من الصفات الحقيقية والحال أنّ امتناع الشيء أمر عدمي، كما أنّ الإمكان ـ بمعنى سلب الضرورتين عن الماهية سلباً تحصيلياً ـ عدمي، والعدم بطلان محض حتّى المضاف منه إلى الملكة، والجمل المتشكلة من هذه المفردات إخبار عن البطلان المحض، فقولنا: «شريك الباري ممتنع» أي لا واقعية له، فالإخبار أمر وجودي والمخبر به بطلان محض .

يقول المحقّق السبزواري:

لا ميز في الأعدام من حيث العدم *** وهو لها اذاً بوهم يرتسم

كذاك في الأعدام لا عليّة *** وان بها فاهوا فتقريبية(1)

وأمّا الإخبار عنه كما في قولهم: «المعدوم المطلق لا يمكن الإخبار عنه» فقد أجاب عنه أهل الفن في محله.

فإذا كان هذا حال المشبه به فكيف حال المشبه (الملكية).

والّذي يدلّك على أنّها ليست من الأُمور الحقيقية اختلاف الشرع والعرف في حصول الملكية بالإنشاء فيما إذا كان المبيع خمراً أو خنزيراً فالشرع ينفيها والعرف يثبتها وهذا أوضح دليل على أنّها ليست أمراً حقيقياً،


1 . شرح المنظومة: 42 .


صفحه211

وإلاّ لم يختلفا في المُنشأ مع وجود السبب التام له.

الثالث: انّ الملكية من الأُمور الانتزاعية وقد اختلفوا في منشأ انتزاعها إلى أقوال:

أ. إنّ المنشأ هو العقد أو المعاطاة مثلاً، فإنّ كلاًّ منهما أمر خارجي يصح منه انتزاع الملك.

ب. انّها منتزعة من الأحكام التكليفية كجواز التصرف بالنقل وغيره، نظراً إلى أنّ الملكية بمعنى السلطنة، فمعنى جواز التقلب فيه بأي وجه هو أنّ زمام أمره بيده، ولا نعني بالسلطنة الوضعية إلاّ ذلك.

ج. ان تمكّن الشخص من بيع العين ونقلها بأنواعه وتقليبها وتقلبها شرعاً أو قانوناً، منشأ لانتزاع الملكية شرعاً، فقدرته خارجاً على العين بأنواع التصرفات شرعاً، منشأ انتزاع الملكية لا مجرد جواز التصرف شرعاً.(1)

والفرق بينه وبين الثاني واضح، فإنّ المنشأ في الثاني هو الأحكام الشرعية أو العرفية وفي الثالث هو السلطنة والقدرة التكوينية على التصرف والتقلب.

هذه الوجوه الثلاثة نقلها المحقّق الاصفهاني في تعليقته على المتاجر، (2) وناقش في الجميع.

والّذي يمكن أن يقال: إنّ الأوّل، غير تام ضرورة أنّ الملكية أوسع من


1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني على المتاجر: 5 ـ 6 .

2 . نفس المصدر .


صفحه212

العقد والمعاطاة، فمن حاز شيئاً من البحر أو غيره يرى نفسه مالكاً له من دون أن يكون هناك عقد أو معاطاة.

وأمّا الثاني ـ أعني: كونها منتزعة من الاحكام التكليفية ـ فكالأوّل، لأنّ الأحكام التكليفية تابعة لاعتبار الملكية، فالملكية موضوع لها لا أنّها منشأ انتزاع لها، أضف إلى ذلك أنّ الملكية تكون معتبرة مع المنع عن التصرف وهذا كالمفلس فهو مالك لما تحت يده، ولكنّه لا يجوز له التصرف، كما أنّ الصبي مالك لما ورثه مع أنّه لا يجوز له التصرف، ونحو ذلك .

وأمّا الثالث ـ أعني: تمكن الشخص من بيع العين ونقلها شرعاً أو قانوناً منشأ لانتزاع الملكية ـ فيرد عليه ان كون السلطة المذكورة منشأ للانتزاع ليس أولى من القول بأنّها سبب لانتقال المعتبر إلى اعتبار الإضافة بين المسلط والمسلط عليه، فكونها سبباً للانتقال غير كونها منشأ للانتزاع، كما أنّ وجود الزوجين تكويناً يكون سبباً لانتقال الإنسان إلى اعتبار الزوجية بين الرجل والمرأة.

الرابع: أنّ الملكية من الأُمور الاعتبارية العقلائية، لأنّ العقلاء في حياتهم الاجتماعية لا محيص لهم من اعتبار أُمور بينهم ذات آثار اجتماعية حتّى تدور عليها رحى الحياة، وليست الملكية فريدة في بابها، بل الأُمور الاعتبارية العقلائية أكثر فأكثر، وربّما تزيد حسب تكامل الحياة وتقدم الحضارة.

إلاّ أنّ المهم هو أن نقف على ما هو السبب لانتقال الإنسان إلى ذلك الأمر الاعتباري وتثبيته في المجتمع. والّذي يمكن أن يقال هو أنّ الأُمور


صفحه213

الاعتبارية كلها استنساخ للأُمور التكوينية فالعقل العملي للإنسان ينتقل من ملاحظة الأُمور التكوينية إلى الأُمور الاعتبارية على نحو يكون المعتبر كالمستنسخ من التكوين، والفرد الاعتباري منبثقاً من الأمر التكويني.

ولنذكر مثالاً في المقام: إن الرأس في الإنسان يدير مجموع البدن والأعضاء فيأمر اليد بالقبض والبسط، والقدم بالمشي والوقوف، والعين بالغمض والفتح، إلى غير ذلك من الأعمال الّتي تصدر من الإنسان برئاسة الرأس الّذي يحتوي على المخ والعقل الإنساني حسب الظاهر، هذا هو حال الفرد من الإنسان .

وأمّا المجتمع الصغير أو الكبير فبما أنّه يتشكّل من طبقات مختلفة، متعدّدة الأهواء فلابد ـ في جعلهم كتلة واحدة تصب جهودهم في مصب واحد ـ لهم من وجود شخص نافذ الكلمة مطاع القول ، وهذا هو الّذي يطلق عليه الرئيس، فاعتبار ذلك الشخص رئيساً اعتبار عقلائي مستنسخ من رئاسة الرأس لجسد الإنسان، وهذا هو الّذي عبّرنا عنه بأنّ الأُمور الاعتبارية كلها أو أكثرها نوع استنساخ للأُمور التكوينية .

ولنذكر مثالاً آخر: يرى الإنسان في عالم التكوين زوجين كالعينين والأُذنين واليدين والرجلين وكل يعين الآخر فيما خلقا له، فهذه زوجية تكوينية مخلوقة لله سبحانه، ومنها تنبثق الزوجية الاعتبارية بين رجل وامرأة بينهما بعد المشرقين من حيث الثقافة واللغة واللون، ولكن كل يجذب الآخر ويشاركه معه فيما يحتاج إليه في الحياة، فيعتبران زوجين اعتباراً كالأُذنين تكويناً.


صفحه214

إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة الّتي كشف عن حقيقتها سيدنا العلاّمة الطباطبائي في بحوثه الفلسفية (1).

إذا عرفت هذين المثالين فقس عليهما الملكية الاعتبارية المستنسخة من الملكية التكوينية، فالإنسان حسب التكوين يملك كل واحد من أعضاء جسده وكيفية أعماله ويضيفه إلى نفسه فيقول هذه يدي، وهذه رجلي، وهذه عيني إلى غير ذلك من الأعضاء، بل ربّما يترقى حتّى ينسب أعماله الناشئة بواسطة هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول: هذه حسنتي وهذه جنايتي.

كل ذلك إضافة تكوينية مندمجة في خلق الإنسان وفطرته إلاّ أنّه ربّما تنتقل من هذه الإضافة التكوينية إلى إضافة اعتبارية لغاية اجتماعية، وهو أنّه إذا حاز شيئاً من البحر أو جنى شيئاً من الغابة يرى نفسه أولى به من غيره، فيعتبر نفسه مالكاً وما بيده مملوكاً، والنسبة الدائرة بين المالك والمملوك ملكية اعتبارية.

ومهما اتسعت دائرة الحضارة اتسعت دائرة الاعتبار كما سيوافيك بيانه.

   

هذا هو واقع الملكية ومَن عبّر عنها بالإضافة بين المالك والمملوك فهو يريد إضافة اعتبارية تحكي الإضافة التكوينية.

ومن جعلها من مقولة الجدة ـ أي الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء، وفي المقام إحاطة المالك بالمملوك ـ فعليه أن يجعلها جدة اعتبارية تعكس جدة تكوينية.


1 . راجع الجزء الثاني من «أُصول الفلسفة».


صفحه215

ومَنْ جعلها من الأُمور الانتزاعية فالصحيح أن يعبر عنها بالاعتبارية، لأنّ للأُمور الانتزاعية مناشئ خارجية هي من مراتب الوجود كتخلق الولد من ماء الوالد فينتزع منه الابوة والبنوة وغيرهما. وأمّا المقام فليست للملكية مناشئ خارجية، نعم ربّما يكون العمل الخارجي كحيازة الشيء من البحر سبباً للانتقال إلى اعتبار تلك الإضافة.

أسباب اعتبار الملكية

إنّ لاعتبار الملكية أسباباً ومناشئ نشير إليها:

الأوّل: الحيازة

وهي أُم المملكات، مثلاً إذا ذهب إنسان إلى البحر وصاد سمكة فأحاط بها إحاطة ليست لغيره، يرى نفسه أولى بها من غيره كما يراه العقلاء كذلك، قال الإمام علي (عليه السلام) لعبد الله بن زمعة: «إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ» (1)، فاصطياد السمك نوع احتواء له، ويصير الاحتواء سبباً لاعتبار نسبة بين المحرز وما أحرزه، ويعبّر عن تلك النسبة بالملكية، وعن الطرفين بالمالكية والمملوكية، وتصير مبدأ لآثار كثيرة منها جواز بيعه وشرائه ـ بمعنى تبديل طرفي الإضافة في جانبي البائع والمشتري.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 232 .


صفحه216

فالمبيع المنسوب إلى البائع، يكون منسوباً إلى المشتري على عكس الثمن.

الثاني: العمل

لاشك أنّ للعمل تأثيراً في زيادة القيمة ومرغوبية المادة، فإذا صنع الخشب سريراً أو الطين كوزاً فالعمل هذا يوجد في المادة المملوكة هيئة خاصة مفيدة في الحياة، فهو يملك المادة بالحيازة والهيئة بالعمل.

وربّما يقال بأنّ الهيئة تملك تبعاً للمادة. وملكية الهيئة تندك في ملكية المادة، ولا تُرى ـ عرفاً ـ ملكية خاصة للهيئة.

أقول: ما ذُكر صحيح لو كانت ملكية الإنسان للهيئة في عرض ملكيته للمادة، وأمّا إذا كانت ملكيته لها في طول ملكيته للمادة فهو أمر صحيح عقلائي.

نعم لمّا كانت الهيئة أمراً غير منفك عن المادة يلاحظ الجميع ـ تسامحاً ـ ملكاً واحداً، وإلاّ فالهيئة شيء والمادة شيء آخر .

ويشهد على ذلك بعض أُمور:

1. إن المزارع يقسم الانتاج مع المالك بنسبة معينة، فالمالك يملك نصيبه من الزراعة بتبع المادة (الأرض)، ولكن المزارع يملك نتيجة عمله .

2. إنّ المضارب يقسّم الربح مع مالك رأس المال بنسبة معيّنة، فالمالك يملك نصيبه من الربح بتبع رأس المال، والمضارب يملك نتيجة عمله.


صفحه217

3. إنّ الرجل إذا باع أرضاً على رجل آخر ولكن كان العقد فاسداً والمشتري جاهلاً بالفساد، فعمل بالأرض بالإصلاح وقطع الأعشاب وإعدادها للزراعة. فإذا تبيّن الفساد فالبائع يرد المسمّى على المشتري مع قيمة الأعمال الّتي قام بها المشتري بإذن منه، خضوعاً لقاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)، وهذا يدل على أنّ العمل من المملكات. غاية الأمر إذا كانت المادة ملكاً لنفس العامل يتراءى المجموع ملكاً واحداً ولكنهما عند التحليل يتراءى كلٌ ملكاً في طول الآخر .

الثالث: نماء المملوك

إذا كان الأصل ملكاً لإنسان فنماؤه ونتاجه يكون ملكاً له، وذلك كاللبن وولد الشاة وغيرهما.

الرابع: الإرث

إن الإرث من عوامل التمليك، فإذا مات الوالد يرثه أولاده حسب المقررات الشرعية، عند الملتزمين بها، أو حسب المقررات الوضعية عند غير المتشرعة.

الخامس: العقود والإيقاعات

وهي من المملكات على اختلافها وبها يختلف طرفي الإضافة فالبائع يملك الثمن والمشتري يملك المثمن وتتبادل الإضافات، ويدخل فيها الهبة، أو الإيصاء بناءً على أنّه من العقود والوقف بناءً على أنّه من الإيقاعات.

السادس: الإضرار بالنفس والنفيس

من الأسباب المملكة الإضرار بالنفس والأطراف (الأعضاء) والأموال


صفحه218

والمنافع والحقوق فيدخل فيه الغرامات والديات الّتي يتملكها الإنسان في مقابل الجرائم.

اتساع دائرة الملكية الاعتبارية حسب تطور الحضارة

كلّما اتّسعت الحضارة اتّسعت دائرة الاعتبار، وهذا الاتّساع تارة في جانب المالك وأُخرى في جانب المملوك.

أمّا الأوّل: فيظهر في مالكية الجهة فإنّ المالك فيها ليس شخصاً خاصاً بل الجهة الخاصة القائمة بالأشخاص عبر القرون، كمالكية الفقراء للزكاة، ومالكية مقام الإمامة للحقوق الواجبة.

روى أبو علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنا نؤتى بالشيء فيقال هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)فكيف نصنع؟ فقال (عليه السلام): «ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيّه».(1) فقوله: «بسبب الإمامة» إشارة إلى أنّ المالك الحقيقي للحقوق الشرعية هو منصب الإمامة المتمثل يومذاك في الإمام الهادي (عليه السلام).

فقد كان عنوان المالك قائماً بالفرد الحقيقي ولكن الحضارة وسّعت ذلك إلى حد صارت العناوين والجهات القائمة بالأشخاص عبر القرون، ربما تعدّ مالكة حقيقة أيضاً .

وقد يعبّر عن مالكية الجهة بمالكية المؤسسات والجمعيات والشركات، والهدف من تشريع هذه الشخصيات الحقوقية هو أنّ أهدافها وأغراضها ومصارفها تختلف عن الهدف والغرض والمصرف الشخصي


1 . الوسائل: 6 ، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .


صفحه219

لأي فرد حتّى الأفراد القائمين بها.

نعم الشركة العادية بين شخصين لا تعتبر شخصية حقوقية وليس لها ذمة ولا متملكات وإنّما المتملك هم الأشخاص الذين أسّسوا الشركة العادية.

وأمّا الشركات الحقوقية فلها ذمم ومتملكات على نحو لو أفلست الشركة فليس للديّان حق إلاّ في أموال الشركة، فلو كان لأصحاب الشركة أموال في غيرها لا تتعلق بها ديون الديّان.

أمّا الثاني ـ أي الاتساع في جانب المملوك ـ : فهو نظير ما ربما يقع ما في الذمة ـ المعدوم ـ طرفاً للإضافة الاعتبارية، كما في بيع السلم. والمصحح لذلك أي كون العدم طرفاً للإضافة الاعتبارية استطاعة المُسلف من تسليم ما تعهد به في الوقت المقرر. ومن هذا القبيل منح الامتياز وبيعه في موارد مختلفة، فمن ألّف كتاباً وأفنى فيه عمره وأبلى فيه قدراته، نراه يسمح لغيره ، بطبعه ونشره في مقابل مبلغ معيّن، ويمنع غيرَه من طبعه ونشره.

ما هي النسبة بين المال والملك؟

إنّ النسبة بين المال والملك عموم وخصوص من وجه .

فملاك الأوّل رغبة الناس إلى الشيء.

وملاك الثاني الاحتواء ووقوع الشيء في حيازته واختصاصه به.

وعلى ضوء ذلك فقد يقع الشيء في حيازة الإنسان ولا يعدّ مالاً، لعدم وجود الرغبة فيه كالحبة من الحنطة، وربما تتعلق الرغبة بالشيء ولا يُعدّ ملكاً كحق الشفعة والتحجير، وقد يجتمعان وهو متوفر.


صفحه220

 

3

في الفرق بين الملك والحق

الحق إن أُخذ مبدأً فهو بمعنى الثبوت، وان أُخذ وصفاً فهو بمعنى الثابت، وبهذا المعنى أُطلق على الله سبحانه، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ)(1)، فهو سبحانه حق بأفضل أنواع الثبوت، وجودٌ صِرفٌ لا يخالطه العدم ولا العدمي.

وأمّا في مصطلح الفقهاء ففي تفسير الحق أقوال:

الأوّل: الحق مرتبة ضعيفة من الملك

الحق مرتبة ضعيفة من الملك وهذا ما نُسب إلى المشهور، والجامع بينهما أنّ كلاًّ منهما إضافة بين المالك ومتعلّقهما، وهذه الإضافة لو كانت من حيث نفسها ومن حيث متعلّقها تامة بأن تكون قابلة لأنحاء التقلبات تسمّى ملكاً، ولو كانت ضعيفة إمّا لقصور نفس الإضافة ـ كحق المرتهن بالنسبة إلى العين المرهونة ـ وإمّا لقصور في متعلقه فتسمى حقاً وذلك كما في الأمثلة التالية:

1. حق الخيار بناءً على تعلقه بالعقد غير القابل لما عدا الفسخ والإجازة.


1 . الحج: 62 .


صفحه221

2. حق الاختصاص بالنسبة إلى الخمر القابل للتخليل .

وعلى هذا فلو لم يكن المجعول الشرعي مستتبعاً للإضافة فليس إلاّ حكماً كالأحكام التكليفية الخمسة، وتسميته بالحق إنّما هو بلحاظ معناه اللغوي (1) .

فإن قلت: إنّ مقتضى كون الشيء من مقولة الملك جواز عامة التصرفات فيه، مع أنّه لا يجوز لذي الحق إلاّ التصرف المحدود.

قلت: إنّ الاختلاف رهن قوة الإضافة وضعفها، فلو كانت الإضافة تامة تستتبع جواز عامة التصرفات، ولو كانت ضعيفة يقتصر بالمقدار الميسور منها.

فإن قلت: ربّما يكون عمل الحر متعلقَ الحق كما في حق الفسخ والإمضاء فإنّ الفسخ والإمضاء عمل لنفس ذي الحق، وفي الوقت نفسه متعلق للحق، مع أنّ عمل الحر لا يملك، إذ لا يتصور أن يكون الإنسان مالكاً لمشيه وأكله وشربه، لأنّ مالكيته لعمله تكوينية، غنية عن اعتبار الملكية.

قلت: صحيح انّ عمل الحر لا يملك، لأنّ مالكية الإنسان لعمله أمر تكويني غني عن الملكية الاعتبارية وإنّما تتصور الملكية بالنسبة إلى الأعيان والأشياء الخارجة عن وجود الإنسان، وأمّا ما هو داخل في وجوده وهو مالك له تكويناً، فإنّ اعتبار الملكية في هذه الموارد أمر لغو لا يحوم حوله العقلاء.

وأمّا الفسخ والإمضاء فلهما جهتان:


1 . منية الطالب: 1 / 41 .


صفحه222

الأُولى: انّ الفسخ والإمضاء بما انّ كلاًّ منهما عمل خارجي وفعل تكويني صادر من الإنسان كسائر الأعمال، وهما بهذا الوصف كسائر الأفعال التكوينية لا يخضعان للتملك الاعتباري لغنائهما عنه بوجود الملكية التكوينية .

الثانية: انّ الفسخ والإمضاء ـ بمعنى حل العقد وتثبيته ـ من الأُمور الاعتبارية، حيث لاحلّ حقيقة، ولا حكماً واقعاً. إلاّ في ظرف الاعتبار، وقد اعتبر العقلاء، قول المالك: «فسخت» أو «رضيت»، إنشاء وإيجاداً في عالم الاعتبار لهذين المفهومين، فهما بهذا المعنى ـ بما أنهما من الأُمور الاعتبارية ـ قابلان للتملّك، ويقعان متعلقين للحق.(1)

فإن قلت: ربّما يضاف الحق إلى شيء لم يكن له اعتبار الملك شرعاً، كحق الاختصاص بالخمر الّتي كانت خلاًّ قبل ذلك. وكحق الأولوية في الأرض المحجّرة الّتي لا تملك بالإحياء، على المشهور.

قلت: لا نسلم عدم الملكية في هذين الموردين بالمعنى الضعيف، فالملكية الناقصة موجودة وإن لم تكن التامة منها موجودة.

هذا توضيح القول الأوّل الّذي هو خيرة المحقّق النائيني (رحمه الله)، ويُنسب إلى المشهور.


1 . المناقشة والإجابة للمحقّق الاصفهاني لكن بتوضيح منا. لاحظ التعليقة على المتاجر : 10، ولا يخلو كلامه من تعقيد.


صفحه223

 

الثاني: الحق من مقولة السلطنة

إنّ الملك من مقولة والحق من مقولة أُخرى، ولا وجه لجعل أحدهما من مقولة واحدة.

أمّا الملك فهو اعتبار بين المالك والمملوك بما انّه واجد له، وفي حيطته وتصرفه، إمّا تصرفاً تكوينياً أو قانونياً.

وأمّا الحق فهو اعتبار بين ذي الحق ومتعلقه بما أنّ له سلطنة في الإعمال وعدمه.

ولنذكر لذلك أمثلة :

1. حق القصاص، كما في قوله سبحانه: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً)(1).

فقد أعطى الله سبحانه للولي سلطنة وضعية وصلاحية قانونية لإجراء القصاص وعدمه بالعفو عن الجاني.

2. حق الشفعة، فقد أعطت الشريعة المقدسة للشريك صلاحية قانونية لضمّ حصة الشريك الآخر إلى حصته بنفس القيمة.

3. حق الخيار، بمعنى السلطنة على اختيار الفسخ أو الإمضاء، بمعنى انّه فوّض لذي الخيار أحد الأمرين، فله السلطنة في انتخاب أحدهما.

وعلى ضوء ذلك فكل مورد كان للإنسان سلطنة على الشيء ـ إنساناً


1 . الإسراء: 33 .


صفحه224

كان أو عيناً خارجية أو عملاً ـ فهو من مقولة الحق.

وهذه النظرية هي الّتي اختارها الشيخ حيث فسّر الحق بأنّه عبارة عن السلطنة مقابلاً للملك.(1)

فإن قلت: إنّ هناك ما يُعد من الحقوق وليس فيها سلطنة لذي الحق على مورده، كولاية الجدّ والأب على الصغير، وحق الأولوية في من سبق إلى المسجد أو الأمكنة الأُخرى الموقوفة، وكذلك حق أولوية الإحياء في مورد التحجير. فمن سبق إلى مكان في المسجد أو الأراضي المتسعة من الموقوفات فلا شبهة في أنّه لا يملك المسبوق إليه بوجه من الوجوه.(2)

قلت: إنّ ما ذكر من الأمثلة يصلح لئن يكون نقضاً للقول الأوّل حيث عدّ الحق من مراتب الملك وليس في هذه المواضع شيء منه ولو ضعيفاً، ولكنه لا يُعد نقضاً للقول الثاني وانّ السلطنة يختلف اعتبارها حسب اختلاف المتعلق، فلا مانع من القول: إنّ للجد والأب سلطاناً على أموال المولّى عليه ونكاحه في إطار خاص، كما أنّ للسابق إلى المساجد والموقوفات سلطاناً على ما حازه ولو سلطنة مؤقتة، وكما هو الحال في مَن كان له خلّ فصار خمراً فله سلطنة عليه في حفظه لكي يعود خلاًّ.

وعلى كل تقدير فالقول الثاني أظهر من القول الأوّل لأنّه أنسب لمفهوم الحق والملك. وسيوافيك في نهاية الكلام في الفرع الرابع ـ وهو الفرق بين الحكم والحق ـ أنّ بعض ما عدّ من الحقوق من مقولة الأحكام فانتظر.


1 . المتاجر: 79.

2 . كتاب البيع للسيد الأُستاذ (قدس سره): 1 / 40 ـ 43، بتلخيص منّا.


صفحه225

 

القول الثالث: الحقوق ليست اعتبارات مختلفة

ذهب المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) إلى أنّ للحق الّذي يقابل الحكم اعتبارات مختلفة في الموارد المتشتتة، حيث قال: ويمكن أن يقال ـ وإن لم أجد من وافق عليه صريحاً ـ إنّ الحق مصداق في كل مورد لاعتبار مخصوص له آثار خاصّة:

1. فحق الولاية ليس إلاّ اعتبار ولاية الحاكم والأب والجد، ومن أحكام نفس هذا الاعتبار جواز تصرّفه في مال المولّى عليه تكليفاً ووضعاً ولا حاجة إلى اعتبار آخر، فإضافة الحق إلى الولاية بيانية (أي الحق الّذي هو الولاية) كذلك حق التولية وحق النظارة.

2. بل كذلك حق الرهانة فإنّه ليس إلاّ اعتبار كون العين وثيقة شرعاً، وأثره جواز الاستيفاء ببيعها عند الامتناع من الوفاء.

3. وحق التحجير أي المسبب عنه ليس إلاّ اعتبار كونه أولى بالأرض من دون لزوم اعتبار آخر.

4. وحق الاختصاص في الخمر ليس إلاّ نفس اعتبار اختصاصه به في قبال الآخر دون اعتبار ملك أو سلطنة له، وأثر الأولوية والاختصاص عدم جواز مزاحمة الغير .(1)

أقول: الظاهر أنّ هنا اعتباراً واحداً لا اعتبارات مختلفة وليس


1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني: 10 ـ 11 .


صفحه226

هو السلطنة وإنّما الاختلاف في متعلقها، فلو أراد من طرح هذه الأمثلة
نفي الملك في مواردها فهو صحيح، وأمّا لو حاول نفي السلطنة فهو غير
تام.

أمّا ولاية الحاكم والأب والجد فلهما سلطنة على أموال المولّى عليه لكن في إطار مصلحته، وجواز تصرفهم في ماله من شؤون وجود السلطنة لهم عليها اعتباراً ووضعاً، كما مرّ آنفاً.

وكذلك حق الرهانة فإنّ للمرتهن سلطاناً على العين لجواز استيفاء حقه ببيعها عند الامتناع عن الوفاء، ونظيره حق التحجير فإنّ له سلطة على ما حُجّر ليست لغيره إذا فرض هناك تشاحّ.

وعلى كل تقدير فلامانع من ارجاع الاعتبار في هذه الموارد إلى السلطة الاعتبارية وإن شئت قلت السلطة الوضعية. نعم كل مورد يفقد السلطة الوضعية بل كان اعتباراً محضاً لغاية وأثر خاص فهوليس من الحق المصطلح، بل هو حق بالمعنى اللغويّ أو عطف إلى الحق المصطلح طرداً للباب.(1)

والّذي يدلّك على اعتبار مفهوم السلطنة في مفهوم الحق، هو أنّ الحق تقوم بأمرين: ذي الحق ومَن عليه الحق، فلا يتصور الحق المصطلح إلاّ إذا كان هناك مَن عليه الحق، بخلاف الملك فهو إضافة قائمة بالمالك والمملوك عليه، ولا يتوقف على تصور المملوك عليه.


1 . سيوافيك الكلام في هذه الموارد في نهاية الفرع الرابع.


صفحه227

وما ربّما يقال: بأنّ الملك أيضاً قد فرض في حيثيته التعليلية وجود المملوك عليه فلو لم يكن في العالم إلاّ شخص واحد يتصرف في كل الأموال كما يشاء، لم يكن نكتة لفرض مالكيته لها .(1)

مدفوع بوجود الفرق بين «مَن عليه الحق»، و «مَن في مقابله الملك »، فالحق إضافة قائمة بين ذي الحق ومَن على ضرره الحق، بخلاف الملك فهو قائم بين المالك والمملوك لا في مقابل الآخرين وبحرمانهم عنه، فتدبر.

وبذلك يعلم أنّ إضافة الحق إلى التحجير والحضانة باعتبار وجود أطماع في البين، يسبّب ثبوت الحق لواحد من المتشاحين وحرمان الآخرين عنه.

الرابع: الحق غير الملك والسلطنة

لمّا ذهب المحقّق الاصفهاني إلى أنّ الحق في كل مورد مصداق لاعتبار مخصوص، له آثار خاصّة وعدّ منها: حق الولاية، وحق التولية، والنظارة، والرهانة، والاختصاص ; أشكل عليه سيدنا الأُستاذ (قدس سره)بالقول: بأنّ الاعتبار في الحقوق ليس مختلفاً وإنّما الاختلاف في المتعلقات، ثم ذهب إلى أنّ الحق غير الملك والسلطنة. واستدل على ذلك بالأُمور التالية:

1. لا شك انّ الحق حسب فهم العرف وفي موارد لا يعتبر فيها الملك ولا السلطنة، فلو سبق إلى مكان في المسجد فلا شبهة أنّه لا يملك المكان


1 . فقه العقود: 1 / 121 .


صفحه228

المسبوق إليه بوجه من الوجوه .

2. إذا انتقل حق التحجير إلى الصغير أو كان (حق التحجير) للمحجور عليه بسفه وغيره، فلا شبهة في عدم اعتبار السلطنة لهم لدى العقلاء بالنسبة إلى بعضهم، كالصغير غير المميز والمجنون فالسلطنة فيها لوليه القانوني أو الشرعي.

3. تعتبر السلطنة في بعض الموارد ولا يعتبر الحق ولا الملك، كسلطنة الناس على نفوسهم فإنّها عقلائية، فكما أنّ الإنسان مسلّط على أمواله مسلّط على نفسه .

4. يعتبر في الحق أحياناً الأداء كالدين دون الملك، فيقال: أدى دينه، وأمّا الملك فلا يصح فيه الأداء كما لا يصح في السلطنة، فلا يقال: أدّى ملكه، كما لا يقال: أدّى سلطنته أو سلطانه .(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما استدل به على أنّ الحق ليس من مقولة الملك، فهو صحيح مقبول، إنّما الكلام فيما استدل به على نفي أنّ الحق من مقولة السلطنة، فإنّه منظور فيه لأُمور:

أمّا أوّلاً: فلأنّ من سبق إلى مكان في المسجد له سلطنة مؤقتة وليس لأحد من المؤمنين مزاحمته، نعم ليس هناك كما أفاده (قدس سره).

ثانياً: أنّه إذا انتقل حق التحجير للمحجور عليه بسفه وغيره فله السلطنة إنشاءً لا فعلاً .

وإن شئت قلت: إنّ سلطنة الولي سلطنة المحجور وما قاله (قدس سره)(في ردّ


1 . كتاب البيع: 1 / 40 ـ 43، بتلخيص منا.


صفحه229

هذا الفرض بأنّ القاصر مسلوب السلطنة لا مفوضها وللوصي والقيّم والجدّ والأب والحاكم سلطنة مستقلة عليه وعليها، وليس حالهم حال الوكيل) غير تام، وذلك للفرق بين سلطنة الولي على أموال المحجور وسلطنته على أمواله نفسه، فهل هما على نسق واحد، أو أنّ بين السلطنتين فرق؟ وهذا يدل على أنّ الولي يتصرف في مال المولّى عليه نيابة ولاية عنه لا استقلالاً.

ثالثاً: أنّ ما أفاده من عدم الملازمة بين السلطنة والحق حيث إنّ للناس سلطنة على نفوسهم ولا يعتبر فيها الحق وإن كان صحيحاً، لكنّه ليس دليلاً على مدّعاه من أنّ السلطنة غير الحق، لأنّ السلطنة الموجودة في النفوس، سلطنة تكوينية نابعة عن اختيار الإنسان وعدم صدق الحق عليها، لا يضر في المقام، لأنّ الملازمة بين السلطنة الاعتبارية الوضعية وبين الحق، لا بين السلطنة التكوينية والحق فتدبر.

رابعاً: أنّ ما استشهد به أخيراً من أنّ السلطنة لا يقال فيها: أدى سلطنته ولكن يقال: أدّى دينه فهو أيضاً كسوابقه. وذلك لأنّه إذا كان الحق معادلاً للسلطنة لا يلزم استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر، وهذا هو لفظ «مولى» بمعنى «أولى» إذ يصح أن يقال: «هذا أولى من فلان» ولا يصح أن يقال: «هذا مولى من فلان».

وإن شئت قلت: إنّ اتحاد المعنى والترادف بين الألفاظ إنّما يقع في جوهريات المعاني لا عوارضها الحادثة من أنحاء التركيب وتصاريف الألفاظ وصيغها، فلا بأس أن يصح أن يقال: أدّيت حقّه ولا يصح أن يقال: أدّيت سلطنته.


صفحه230

   

4

في الفرق بين الحكم والحق

الحكم: عبارة عن مجعول شرعي على موضوع، زمامه بيد الشارع، وأمر وضعه ورفعه إليه.

أمّا الحق فهو مجعول شرعي جُعل لصاحبه على نحو يكون زمامه بيده، فله الأخذ به، وله العفو، وله الإسقاط.

وإن شئت قلت: الحق سلطنة مجعولة، زمامها بيد ذي الحق، فله الاختيار على الإعمال والإسقاط; بخلاف الحكم فإنّ رفعه ووضعه بيد الشارع.

نعم كلٌ من الحكم والحق مجعولان شرعيان لكن الجاعل وضعه على قسمين، تارةً وضعه وجعل زمام المجعول بيده فيسمى حكماً، وأُخرى وضعه وجعل زمامه بيد ذي الحق.

   

وبعبارة أوضح: أنّ الحكم تكليفاً كان أو وضعاً ، متعلق بفعل الإنسان من حيث المنع عنه أو الرخصة فيه، أو ترتب الأثر عليه. فجعل الرخصة ـ مثلاً ـ حكم، والشخص مورده ومحله، وفعله موضوعه. وهو لا يسقط بالإسقاط، ولا ينقل بالنواقل ـ بالبديهة ـ لأنّ أمر الحكم بيد الحاكم لا بيد المحكوم عليه.


صفحه231

نعم، الأحكام الخمسة المجعولة على فعل المكلف كلها من قبيل الحكم، كما أنّ الأحكام الوضعية من الطهارة والنجاسة والميراث وغيرها أحكام وضعية شرعية وهذا مما لا شك فيه.

نظرية وحدة الحق والحكم

ذهب المحقّق الخوئي (رحمه الله) إلى وحدة الحق والحكم، وقال في توضيحها: إنّ المجعولات الشرعية على أقسام ستة:

1. التكليف الإلزامي، كالواجبات والمحرمات.

2. التكليف غير الإلزامي، كالمستحبات والمكروهات.

3. الوضعي اللزومي الّذي يقبل الانفساخ، كالبيع والإجارة.

4. الوضعي اللزومي الّذي لا يقبل الانفساخ، كالزواج فإنه لا ينفسخ إلاّ في موارد.

5. الوضعي الترخيصي الّذي يقبل الإسقاط، كحق الشفعة.

6. الوضعي الترخيصي الّذي لا يقبل الإسقاط، كالجواز في الهبة.

وهذه الأُمور الاعتبارية وإن اختلفت من حيث الآثار ولكنّها تشترك في أنّ قوامها بالاعتبار المحض فلاوجه لتقسيم المجعول الشرعي إلى الحق والحكم .(1)

ثم إنّه (قدس سره)أكمل ما رامه بالبيان التالي فقال: فاعطف نظرك هل ترى فارقاً


1 . مصباح الفقاهة: 2 / 54.


صفحه232

بين جواز قتل المشرك الّذي يسمّى حكماً شرعياً وبين سلطنة وليّ الدم على قتل القاتل الّذي يسمّى حقاً شرعيّاً لقبوله الإسقاط؟ (1).

وقال في تقرير آخر:

وممّا يشهد لما ذكرنا من أنّ الحق هو الحكم بعينه أنّا لا نرى فرقاً بين الجواز الحكمي غير القابل للإسقاط في جواز قتل الكافر تكليفاً وبين الجواز الحقّي في جواز قتل الجاني قصاصاً. وهكذا لا فرق في جواز رجوع الواهب وضعاً وجواز رجوع مَنْ له الخيار في البيع مع أنّ الأوّل حكمي والثاني حقّي.(2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ كون الحكم والحق قائمين بالاعتبار المحض
لا يكون سبباً لوحدة المعتبَر، وإلاّ يلزم أن تكون الأقسام الستة قسماً
واحداً.

ثانياً: أنّ الحق والحكم وإن كانا من المجعولات الشرعية لكن تختلف كيفية الجعل والاعتبار، فتارة يجعل زمامه بيد الجاعل كجواز قتل الكافر حيث إنّه لا يسقط باسقاط المكلّف ، وأُخرى يجعل زمامه بيد مَنْ ينتفع به على نحو يكون إسقاطه وعدمه بيده ، ومع هذا الفرق الجوهري بين الاعتبارين كيف نجعلهما من مقولة واحدة؟

   

وثالثاً: أنّ الاختلاف في الآثار يدل على اختلاف الموضوع اعتباراً ولحاظاً، فلو كانا من سنخ واحد لكان اللازم هو الوحدة في الآثار.


1 . مصباح الفقاهة: 2 / 46 .

2 . المحاضرات: 2 / 21 .

Website Security Test