welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه145

 

أدلّة القائلين بعدم شرطية وحدة الأُفق

استدلّ القائلون بعدم شرطية الوحدة بوجوه نقلية نأتي بها:

الأوّل: إطلاق أدلّة البيّنة

إنّ مقتضى إطلاقات نصوص البيّنة الواردة في رؤية الهلال ليوم الشكّ في رمضان أو شوال وأنّه في الأوّل يقضي يوماً لو أفطر، هو عدم الفرق بين ما إذا كانت الرؤية في بلد الصائم أو غيره المتحد معه في الأُفق أو المختلف. ودعوى الانصراف إلى أهل البلد كما ترى سيما مع التصريح في بعضها بأنّ الشاهدين يدخلان المصر و يخرجان كما تقدّم(1)، فهي طبعاً تشمل الشهادة الحاملة من غير البلد على إطلاقها.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ما ادّعاه من الإطلاق صحيح حيث يعم بلد الرؤية وغيرها، وأمّا إطلاقه بالنسبة إلى المتحد في الأُفق أو المختلف بعيد جداً خصوصاً بالنسبة إلى الوسائط النقلية.

مثلاً قوله (عليه السلام)في صحيحة منصور بن حازم: «صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته وإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنّهما رأياه فأقضه»(3) ناظر


1 . الوسائل: 7، الباب 11 من أحكام شهر رمضان، الحديث 10. لاحظ نصوص البيّنة الباب5، الحديث4، 9 والباب 6، الحديث 1، 2.

2 . مستند العروة:2/120.

3 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 8.


صفحه146

إلى شاهدين مرضيين رأيا الهلال إمّا في نفس البلد أو في بلد يقاربه على وجه يكون بينهما مسافة يوم، ومن المعلوم أنّ الإنسان في الأدوار السابقة حسب وسائط النقل المتاحة آنذاك لا يقطع في يوم واحد أكثر من 60 كيلومتراً، ومن المعلوم انّ هذا المقدار في الفاصل المكاني لا يؤثر في وحدة الأُفق، بل نفترض انّ الفاصل المكاني بين البلدين حوالي الخمسمائة كيلومتراً وهي منطقة واحدة في ثبوت الهلال على وجه الأرض وليست منطقتين.

فانّ هذا ونظائره منصرف إلى البلاد التي كان يقطعها الإنسان في يوم أو يومين أو مثل ذلك لا يخرج البلدين من وحدة الأُفق.

الثاني: النصوص الخاصة

وقد استدلّ بنصوص خاصة، منها:

1. صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال فيمن صام تسعة وعشرين، قال: «إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنّهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً».(1)

2. صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن هلال شهر رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ قال: «لا تصم إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه».(2)


1 . الوسائل: 7، الباب5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث13.

2 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث9.


صفحه147

3. صحيحة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: «لا تصمه إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه».(1)

4. صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال: «لا تقضه إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر، وقال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلاّ أن يقضي أهل الأمصار، فإن فعلوا فصمه».(2)

هذه الروايات دلّت بمقتضى إطلاقها على أنّ الرؤية والثبوت في مصر كافية لسائر البلاد ولم يقيد بوحدة الأُفق.

أقول: إنّ الاستدلال بهذه الإطلاقات مع العلم بأنّ الوسائل النقلية المتاحة آنذاك كانت محدودة جداً، فالمسافر الذي ينقل الخبر يأتي من بلد إلى بلد تكون المسافة بينهما خمسين كيلومتراً أو قريباً منه، وهذا المقدار من المسافة بل أكثر منها بكثير كما عرفت لا تؤثر في وحدة الأُفق، وقلّما يتفق أن يخرج إنسان من مصر ويدخل بغداد حاملاً خبر الهلال، ويكون قوله حجّة لأهل بغداد التي تقع في الجانب الشرقي بالنسبة إلى مصر، وإن كنت في شك فلاحظ حديث الخزّاز حيث يقول:«وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر».(3)


1 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث3.

2 . الوسائل: 7، الباب12 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.

3 . الوسائل: 7، الباب 11. من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث10.


صفحه148

فانّ الخبر ظاهر في أنّ البيّنة رأت الهلال قبل يوم ودخلت مصر بعد يوم و من المعلوم انّ مثل هذا لا يصدق على المسافات الشاسعة.

ومنه يعلم انّ الاستدلال بصحيحة أبي بصير التي جاء فيها: «إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر» في غير محله. فإنّ قوله «من جميع أهل الصلاة» ناظر إلى عمومية الحكم لجميع المسلمين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم لا على اختلاف بلادهم في الآفاق.

كما أنّ المراد من قوله:«أهل الأمصار» في نفس الصحيحة هي الأمصار المتقاربة التي كان الرجل يقطع بينها حسب الوسائط النقلية المتوفرة في يوم أو يومين ويحمل خبر الرؤية.

***

الثالث: صحيحة عيسى بن عبيد

روى محمد بن عيسى بن عبيد قال: كتب إليه أبو عمر(1): أخبرني يا مولاي انّه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علّة فيفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا: إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتى يختلف القرص على أهل الأمصار، فيكون صومهم خلاف صومنا، و فطرهم خلاف فطرنا؟


1 . أبو عمر الحذاء من أصحاب الإمام الهادي(عليه السلام).


صفحه149

فوقع (عليه السلام): «لا تصومنّ الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته».(1)

وجه الاستدلال: انّ السائل سأل عن قول أهل الحساب برؤية الهلال في الأندلس وافريقية، فأجاب (عليه السلام) بأنّه لا صوم مع الشك ولم يُجب بأنّ الرؤية في البلاد البعيدة لا تكفي.

يلاحظ عليه: أنّ البلد الراوي عنه واقع في غرب العراق الذي كان الإمام والراوي يقطنان فيه، وقد عرفت أنّ ثبوت الهلال فيه، لا يكون على وجود الهلال في سماء البلد الشرقي عند الغروب ، إذ من المحتمل جداً عدم تكونه عند غروب الشمس عنه. وعندئذ كان لإرشاد الراوي إلى الحكم الواقعي (عدم الملازمة بين الرؤيتين) طريقان:

الأوّل: أن يشير الإمام إلى عدم الملازمة بين الرؤيتين، لاختلاف البلدين في الأُفق، وانّ الرؤية في الآفاق الغربية لا تكون دليلاً على كون الهلال وولادته في الآفاق الشرقية، وبشرح حقيقة ذلك الأمر .

الثاني: أن يثير احتمال تطرّق الخطأ في حساب المنجّمين، خصوصاً انّ السماء كانت في العراق صافية ولم يره أحد، وهذا ما يؤيد وجود الخطأ في حسابهم. وقد اختار الإمام هذا الجواب لسهولته وقال: إنّ الصوم والإفطار مبنيّان على اليقين دون الشك، وسكوت الإمام عن الجواب الأوّل لا يكون دليلاً على عدم اعتبار وحدة الأُفق، إذ من المحتمل أن لا تكون الظروف مساعدة لإلقاء هذا النوع من الجواب.


1 . الوسائل: 7 ، الباب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.


صفحه150

وربما يعضد هذا القول بالدعاء المأثور في صلاة العيد :«أسألك بحقّ هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً».

فإنّه يعلم منه بوضوح انّ يوماً واحداً شخصياً يشار إليه بكلمة (هذا) هو عيد لجميع المسلمين المتشتتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها لا لخصوص بلد دون آخر.

وهكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر وانّها خير من ألف شهر وفيها يفرق كلّ أمر حكيم، فانّها ظاهرة في أنّها ليلة واحدة معينة ذات أحكام خاصة لكافة الناس وجميع أهل العالم، لا انّ لكلّ صقع وبقعة ليلة خاصة مغايرة لبقعة أُخرى من بقاع الأرض.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا محيص من تعدّد يوم العيد وليلة القدر على القول بكرويّة الأرض، و القائل بعدم اشتراط وحدة الأُفق قد خصَّ الحجّية بالأقطار التي تشترك في الليل ولو في جزء يسير منه، ولا يشمل النصف الآخر للكرة الذي لا يشارك تلك البقعة في ليلها، فيتعدّد يوم العيد سواء أقلنا باشتراط وحدة الأُفق أو لا، كما أنّ ليلة القدر تتعدّد حسب كرويّة الأرض.

وبذلك يظهر عدم صحّة ما أفاده صاحب الحدائق حيث قال: إنّ كلّ يوم من أيام الأُسبوع وكلّ شهر من شهور السنة أزمنة معينة معلومة نفس أمرية، كالأخبار الدالة على فضل يوم الجمعة، وما ورد في أيّام الأعياد من الأعمال، وما ورد في يوم الغدير ونحوه من الأيام الشريفة و ما ورد في شهر


1 . مستند العروة:2/122.


صفحه151

رمضان من الفضل والأعمال، فإنّ ذلك كلّه ظاهر في أنّها عبارة عن أزمان معينة نفس أمرية.(1)

فإنّ ما ذكره مبني على كون الأرض مسطحة كما اعترف بذلك، و أمّا على القول بكرويّة الأرض فتتعدد ليالي القدر وأيّام الجمعة وأيّام رمضان على كلا القولين، نعم لا يخرج عن مقدار 24 ساعة.


1 . الحدائق:13/267.


صفحه152

صفحه153

الرسالة الرابعة

مَنْ لم يمرّ بميقات ولا بما يحاذيه


صفحه154

صفحه155

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .

أمّا بعد; فهذه رسالة وضعتها لبيان حكم مَنْ لا يمرّ بميقات ولا بما يحاذيه محاذاةً قريبة، كأكثر الحجّاج الوافدين من بلادهم النازلين في جدّة، حيث ان جدّة أو بعض مناطقها تحاذي الجُحفة ولكن محاذاة بعيدة، فما حكم مَنْ لا يمر بميقات ولا بما يحاذيه؟

اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ الآفاقي (النائي) يجب عليه الإحرام لعمرته من أحد المواقيت الخمسة الّتي وقّتها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمن يمرّ بها (1)، أو ممّا يحاذيها محاذاة عرفيّة، كما إذا كان الحد الفاصل بين الميقات ومهلّه، بضع كيلومترات.

أخرج الكليني بسند صحيح عن عبدالله بن سنان الثقة عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال: «من أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحجّ، ثمّ بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الّذي يأخذونه، فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء» .(2)


1 . الوسائل: 8، الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث، 2 و 3 وغيرهما.

2 . الوسائل: 8، الباب 7 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .


صفحه156

ولعلّ الحدّ الفاصل بين المدينة ومسجد الشجرة يوم ذاك، كان ستة أميال، فلذلك أمر الإمام (عليه السلام)بالإحرام بعد الابتعاد عن المدينة، مقدار ستة أميال، ليكون المهلّ محاذياً للمسجد.

إنّما الكلام إذا ورد عن طريق لا يمرّ بالميقات، ولا بما يحاذيه محاذاة عرفية، فيقع الكلام في مهلِّه.

فإن قلنا بعدم تصور طريق لا يمر بالميقات (1) ولا يكون محاذياً لواحد منها بحجة أنّ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب، وقلنا بكفاية مطلق المحاذاة، وإن كانت عن مسافة بعيدة فيحرم ممّا يحاذي أحد المواقيت.

وأمّا لو قلنا بإمكان طريق لا يمرّ بميقات ولا بما يحاذيه محاذاةً عرفية، عن مسافة قريبة، كما هو الحال في مدينة «جدة» فإنّها ليست بميقات، كما هو واضح، ولا تحاذي أحد المواقيت كالجحفة، محاذاة عرفية (2)، فيقع الكلام فيما هو الواجب على الوافدين إلى جدة جوّاً أو بحرّاً.

والمسألة معنونة في كلمات الفريقين، وهي ذات قوانين منذ عهد بعيد، وإليك البيان:


1 . قال المحقّق النراقي: وقد اختلفوا في حكم من سلك طريقاً لا يحاذي شيئاً من المواقيت، وهو خلاف لا فائدة فيه، إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب (المستند: 11 / 283)، وتبعه صاحب «العروة الوثقى» في مبحث المواقيت، والتصديق العلمي يحتاج إلى دراسة ميدانية، وأنّى لنا هذه.

2 . وأمّا المحاذاة عن مسافة بعيدة، والّتي نسميها محاذاة غير عرفية، فالظاهر من الخرائط الجغرافية أنّ المطار الحديث للحجاج وميناء جدّة ، ومقدّم الجسر الكبير تحاذي الجحفة، فإنّ الخط الممتد من الجحفة إلى جدّة يمرّ على هذه الأمكنة أو على مقربة منها.


صفحه157

 

الآراء في المسألة

قال الغزالي في «الوجيز»: ولو حاذى ميقاتاً، فميقاته عند المحاذاة، إذ المقصود مقدار البعد عن مكة، وإن جاء من ناحية لم يحاذ ميقاتاً ولا مرّ به، أحرم من مرحلتين فانّه أقلّ المواقيت وهو «ذات عرق».

وقال الرافعي في شرحه:لو جاء من ناحية لا يحاذي في طريقها ميقاتاً ولا يمرّ به، فعليه أن يحرم إذا لم يبق بينه و بين مكة إلاّ مرحلتان، إذ ليس شيء من المواقيت أقلّ مسافة من هذا القدر.

ثمّ علّق على قول الغزالي في المتن: «فإنّه أقلّ المواقيت وهو ذات عرق» إنّما كان يحسب أن لو كانت ذات عرق أقلّ مسافة من كلّ ما سواها من المواقيت لكن قد مرّ انّ ذات عرق مع يلملم وقرن، متساوية في المسافة.(1)

وقال محيي الدين النووي: وأمّا إذا أتى من ناحية ولم يمرّ بميقات ولا حاذاه، فقال أصحابنا: لزمه أن يُحرم على مرحلتين من مكة اعتباراً بفعل عمر في توقيته ذات عرق.(2)

والظاهر أنّ فقهاء السنّة على قول واحد، وهو الإحرام على مرحلتين من مكة، تمسّكاً بما فعله عمر حيث جعل ذات عرق ميقاتاً، لأنّه على مرحلتين من مكة، مثل قرن المنازل ويلملم.


1 . فتح العزيز في شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير للرافعي:7/85ـ88، دار الفكر.

2 . المجموع:7/203 وهو شرح للمهذب للشيرازي.


صفحه158

ولكن الثابت عندنا أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على كون «ذات عرق» ميقاتاً.(1) وما ذكره الغزالي من الوجه: من أنّ المقصود الابتعاد بمقدار المرحلتين أو أزيد، فيكفي الإحرام من هذا المقدار من البعد، استحسان لا دليل عليه، ولا ينفي لزوم العود إلى الميقات، ولا لزوم الإحرام من مقدار أبعد المواقيت إذا لم يجاوزه ولم يكن محاذياً.

أضف إلى ذلك: انّ ما دلّ على الابتعاد بهذا المقدار من المسافة، إنّما دلّ إذا أحرم من الميقات، لا مطلقاً وإن لم يمرّ على ميقات.

وأمّا فقهاؤنا فلهم قولان:

1. الإحرام من مرحلتين من مكة

إذا سلك طريقاً لا يمرّ فيه على هذه المواقيت ولا يكون محاذياً فقد اختار ابن الجنيد ما حكيناه عن فقهاء السنة في أنّه يحرم من مكة بقدر أقرب المواقيت إليها فيحرم منه.(2)

وذكر الشهيد الثاني في وجهه: انّ هذه المسافة لا يجوز لأحد قطعها إلاّ محرماً من أيّ جهة دخل، وإنّما الاختلاف يقع في ما زاد عليها، فهي قدر متفق عليه.(3) وفي «المدارك»(4) قريب ممّا ذكره جدّه في «المسالك».

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الوجه لا يكون مبرّراً على الإحرام من تلك


1 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب المواقيت، الحديث2.

2 . المختلف:4/43.

3 . المسالك:2/216.

4 . المدارك: 7 / 223 ـ 224.


صفحه159

المسافة، إذ لقائل أن يقول: لماذا لا يرجع إلى الميقات، وقد عرفت أنّ ما ذكره من أنّه لا يجوز قطع هذه المسافة بلا إحرام إنّما هو فيما إذا أحرم من الميقات لا مطلقاً، فلا دليل على لزوم الإحرام في قطع المرحلتين إذا أحرم من غير المواقيت المنصوصة، كما سيأتي.

2. الإحرام من أدنى الحل

وهناك وجه آخر، وهو الإحرام من أدنى الحل، من غير فرق بين الجعرانة، أو الحديبية، أو التنعيم، وإن كان الثالث أقرب إلى مكة، فقد ذكره العلاّمة في عدّة من كتبه، والشهيد الثاني في «المسالك»، واستحسنه في «المدارك». وإليك بعض الكلمات:

1. قال العلاّمة في «القواعد»:ولو لم يؤدّ إلى المحاذاة فالأقرب إنشاء الإحرام من أدنى الحلّ، ويحتمل مساواة أقرب المواقيت.(1)

2. وقال فخر المحقّقين معلّقاً على قول والده في «القواعد»: وجه القرب أنّه ميقات للمضطرين، كالناسي، وهذا الّذي حجّ على طريق لا يؤدي إلى ميقات ولا إلى محاذاته، منهم(المضطرون) لتعذر الميقات، وهو الأقوى عندي.

ووجه الثاني: أنّ الاعتبار بالمحاذاة إنّما هو المساواة.(2)

3. وقال في «التذكرة»: ولو مرّ على طريق لم يحاذ ميقاتاً ولا جاز به، قال بعض الجمهور: يحرم من مرحلتين، فإنّه أقلّ المواقيت وهو ذات عرق.


1 . القواعد:1/417.   

2 . الإيضاح:1/284.


صفحه160

ويحتمل أن يحرم من أدنى الحلّ.(1)

4. وقال في «التحرير»: ولو مرّ على طريق لا يحاذي ميقاتاً، فالأقرب الإحرام من أدنى الحلّ.(2)

5. وقال الشهيد الثاني في «المسالك»: موضع الخلاف ما لو لم يحاذ ميقاتاً فإنّه يحرم عند محاذاته ـ إلى أن قال: ـ والوجه الآخر أن يحرم من أدنى الحلّ عملاً بأصالة البراءة من الزائد.(3)

6. وقال في «المدارك»: واستقرب العلاّمة في القواعد، وولده في الشرح: وجوب الإحرام من أدنى الحل. وهو حسن، لأصالة البراءة من وجوب الزائد.

وقولهم: إنّ هذه المسافة لا يجوز قطعها إلاّ محرماً، في موضع المنع، لأنّ ذلك إنّما ثبت مع المرور على الميقات لا مطلقاً، بل لولا ورود الرواية بوجوب الإحرام من محاذاة الميقات (يشير إلى صحيحة عبد اللّه بن سنان الواردة في القريب لا البعيد) لأمكن المناقشة فيه بمثل ما ذكرناه.(4)

7. وقال في «الرياض»: ولو لم يحاذ شيئاً منها، قيل يحرم من مساواة أقربها، إلى مكة، وهو مرحلتان تقريباً، لأنّ هذه المسافة لا يجوز لأحد قطعها إلاّ محرماً، وقيل: من أدنى الحل، لأصالة البراءة من وجوب الزائد.(5)


1 . التذكرة:7/204.   2 .

2 . تحرير الأحكام:1/565.

3 . المسالك:2/216ـ217.

4 . المدارك:7/224.

5 . رياض المسائل:6/195.


صفحه161

8. قال النراقي: ولو فرض إمكان (سلوك طريق لا يحاذي شيئاً من المواقيت)، فالمختار الإحرام من أدنى الحلّ، لأصالة البراءة عن الزائد.(1)

9. وأنكر في «الجواهر» فرض المسألة وقال: فمن التأمّل في ما ذكرناه سقوط فرض ما ذكر من أنّه لو سلك طريقاً لم يكن فيه محاذاة لميقات من المواقيت، وإن كان قد عرفت أنّ فيه الاحتمالين بل القولين: الإحرام من مقدار أقرب المواقيت أو من أدنى الحلّ.(2)

10. وقد كانت المسألة ذات قولين إلى أن أفتى السيد الحكيم بتعين الإحرام من أدنى الحلّ، وعلى ذلك طبّق عمله عند تشرّفه بالحجّ.

وقد نبّه بذلك نجله الشهيد السيد محمد باقر الحكيم في شرح والده ـ عند ذكر بعض فتاواه الحديثة ـ وقال: ومنها:

الفتوى بكفاية الإحرام من حدود الحرم وأدنى الحل للحجاج الذين يأتون من الآفاق، ممّن لا يمرّون في طريقهم بأحد المواقيت الخمسة المعروفة، أو ما يحاذيها محاذاة عرفية، كالحجاج الذين يأتون إلى جدة بالطائرات، وكذلك صحّة الإحرام من هذا الموقع للمعتمر بالعمرة المفردة.

حيث كان يستفيد من روايات المواقيت أنّها مختصّة بمن يمرّ عليها أو يحاذيها محاذاة عرفية، وهي المحاذاة الّتي يمرّ فيها الحاج قريباً من الميقات في حالة استقباله لمكة، وبدون ذلك فلا تكون هذه محاذاة ولا مروراً


1 . مستند الشيعة:11/189.

2 . الجواهر:18/118.


صفحه162

بالميقات، وبالتالي فيمكنهم أن يحرموا من أدنى الحلّ.

ومع قطع النظر عن صحّة هذا الاستنباط وعدمه فإنّ ذلك موكول للأبحاث الفقهية، ولكن المهم هو الشجاعة والجرأة الأدبية لهذه الفتوى والّذي عالج بها مشكلة حقيقية يعاني منها الحجاج استناداً لفهمه من النصوص.(1)

تعيّن القول الثاني

إنّ الّذي يحثّ الفقيه على الخوض في هذه المسألة هو أنّها ممّا يُبتلى به من قبل الكثير من الحجاج، حيث إنّ الذين يقصدون الحجّ من بلدان بعيدة على أقسام:

1. قسم منهم ينزلون مطار المدينة المنورة ويحرمون من ذي الحليفة، وهذا من أفضل وجوه الحجّ.

2. قسم آخر ينزلون مطار جدّة ويذهبون إلى المدينة شوقاً إلى زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويحرمون من ذي الحليفة أيضاً.

3. قسم منهم ينزلون مطار الجحفة ويحرمون منها.

إنّما الكلام في القسم الأخير.

4. من ينزل مطار جدّة ولا يتمكّن من الذهاب إلى المدينة ويشق عليه الذهاب إلى الجحفة إمّا لضيق الوقت أو لا يريده طلباً للراحة.


1 . دليل الناسك:67ـ68.


صفحه163

فالقسم الرابع هو أكثر ما يبتلي الحجاج به، فأمام هؤلاء الطرق التالية:

1. إلزامهم بالذهاب إلى أحد المواقيت، كالجحفة أو قرن المنازل أو غيرهما.

2. الإحرام من مرحلتين من مكة.

3. الإحرام من أدنى الحلّ.

أمّا الأوّل: فلا دليل على الإلزام، فإنّ ما ورد من الروايات من أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ووقّت لأهل الشام الجحفة، ووقّت لأهل نجد العقيق، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقّت لأهل اليمن يلملم.(1)

كلّ ذلك راجع إلى من كان من أهل هذه المواقيت أو كان ممّن يجتازها، وأمّا من سلك طريقاً لا يؤدي إلى أحد هذه المواقيت فلا يوجد أيّ دليل على إلزامه بالعود إلى المواقيت.

وأمّا الثاني: وهو الإحرام من مرحلتين من مكة بحجة أنّه لا يجوز لأحد أن يجتازها بلا إحرام، فقد مرّ فيه الإشكال بأنّه راجع لمن حضر أحد هذه المواقيت فلا يجوز له قطع المرحلتين على الأقلّ بلا إحرام، وأمّا من ليس من أهلها ولا مجتازاً فلا دليل على أنّها ميقات له .

فتعيّن هنا الطريق الثالث: ويشهد له ـ مضافاً إلى كونه المحتمل الذي ليس وراءه احتمال آخر ـ الأُمور التالية:


1 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب المواقيت، الحديث3 وغيره.


صفحه164

1. انّ أدنى الحلّ ميقات العمرة المفردة، للقارن والمفرد ولكلّ من يقوم بعمرة مفردة.

2. انّها ميقات من نسي الإحرام أو جهل بحكمه، فإنّه يحرم من أدنى الحلّ، فإن تعذر فمن مكانه. ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مرّ على الوقت الّذي يحرم الناس منه فنسي أو جهل فلم يحرم حتّى أتى مكة، فخاف إن رجع إلى الوقت أن يفوته الحجّ؟ فقال: «يخرج من الحرم ويحرم ويجزيه ذلك».(1)

3. انّها ميقات المقيم بمكة ما لم تمض عليه سنتان، فإنّه يخرج إلى أحد المواقيت إذا لزمه التمتع، ومع التعذّر إلى أدنى الحلّ.

وهذه الوجوه وما يقاربها تشرف الفقيه على أنّه يكفي الإحرام من أدنى الحلّ بلا حاجة إلى العود إلى المواقيت.

ويجب أن نذكر أنّ هناك مشكلة أُخرى تتعلّق بمسألة وجوب ترك التظليل ليلاً كالنهار عند جماعة من الفقهاء، خصوصاً إذا كانت الليلة مطيرة ، أو ذات رياح شديدة، فقد ذكروا ترك التظليل من تروك الإحرام، هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ السيارات المكشوفة غير متوفرة، والمتوفر منها بسبب قدمها واستهلاكها فهي خطرة على حياة الحجاج، حينما يستقلونها من المدينة إلى مكة.فانّ ركوبها وإن كان يسهّل الأمر من جهة ترك التظليل، لكنه لا يخلو من خطر كما جربناه بأُمّ أعيننا، عام 1410هـ حينما تعطّل كابح


1 . الوسائل:8، الباب14 من أبواب المواقيت، الحديث2.


صفحه165

السيارة التي كنّا نستقلها وكان جانبا الطريق منخفضين كثيراً والسيارة تسير بسرعة كبيرة، فأنجانا اللّه سبحانه من هذا الخطر بمنّه وقدرته.

وهذا بخلاف ما لو جاز لهم الإحرام من أدنى الحلّ، حيث إنّ المسافة بين الحديبية أو التنعيم ومكة قريبة جدّاً، فيمكن اتّخاذ سيارات مكشوفة تسير هذه المسافة القصيرة.

والأفضل حسب الظروف الحاليّة الإحرام من الحديبية لمن يصلها عبر أحد الطريقين القديم أو الجديد، حيث تتوفر فيها الحمامات بوفرة لجميع الحجاج نساءً ورجالاً، وهذا ما شاهدته بأُمّ عيني في سفري الأخير لأداء العمرة المفردة عام 1424هـ .

دراسة فتوى السيد الخوئي(قدس سره)

ثمّ إنّ السيد الخوئي ـ رضوان اللّه عليه ـ أفتى في الموضوع بالأُمور التالية:

1 . لزوم الذهاب إلى أحد المواقيت مع الإمكان .

2. ينذر الإحرام من بلده أو من الطريق قبل الوصول إلى جدّة بمقدار معتد به، ولو في الظاهر فيُحرم من محل نذره.

3. الذهاب إلى (رابغ ) الذي هو في طريق المدينة والإحرام منه بنذر باعتبار أنّه قبل الجحفة التي هي أحد المواقيت.

4. إذا لم يمكن المضي إلى أحد المواقيت ولم يحرم قبل ذلك بنذر،


صفحه166

لزمه الإحرام من جدّة بالنذر ثمّ يجدد إحرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه.(1)

يلاحظ على ما أفاده بأُمور:

أوّلاً: انّ لزوم الذهاب إلى أحد المواقيت مع الإمكان، بلا ملزم، لما مرّ من أنّ الروايات الدالّة على لـزوم الإحـرام من المواقيت التي وقّتها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ناظرة إلى مـن كان من أهل هذه المواقيت أو كان ممّن يجتازها، وأمّا مـن سلك طريقاً لا يؤدّي إلى أحـدها فـلا دليل على لزوم الذهاب إلى المواقيت.

ثانياً: انّ نذر الإحرام من بلده أو من الطريق قبل الوصول إلى جدة بمقدار معتد به أو في الطائرة، وإن كان يحل مشكلة الإحرام، لكن يبقى الإشكال في الاستظلال بعده بسقف الطائرة، ونحوها إذا كان الطيران في النهار أو في الليالي الممطرة أو ذات الرياح العاصفة .

وجه الإشكال: انّ حقيقة الإحرام عبارة عن العزم على ترك المحرمات، فكيف يجتمع ذلك العزم الجدي، مع العلم بنقضه في الطريق أو قبل ركوب الطائرة، ونحو ذلك، وهذه مشكلة يجب التخلّص منها على نحو لا يصادم حقيقة الإحرام الذي هو أمر قلبي قائم بالعزم والنية .

أضف إلى ذلك: انّ هذا الاقتراح ، لا ينفك عن وجوب الفدية عليه وهو تكليف زائد وتحميل عليه، وهو رهن الدليل.

ثالثاً: انّه إذا تمكن من الذهاب إلى (رابغ) يتمكن غالباً من الذهاب إلى


1 . المعتمد: 3 / 324 .


صفحه167

الجحفة، فإنّهـا بمقربة من (رابغ)، والطريق معبّد ذلول، والمسافة قليلة جداً.

رابعاً: إذا لم يمكن المضي إلى أحد المواقيت ولم يحرم قبل ذلك بنذر، فقـد أفتـى بلـزوم الإحرام من جدّة بالنذر، ثمّ يجدد إحرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه، ولم يعلم وجهه، لأنّ المورد خارج عن مصب روايات النذر، لأنّ مورد رواياته(1) هو نذر الإحرام قبل الميقات، ثمّ اجتيازه والمرور به. وأين هو من المفروض، وهو نذر الإحرام قبل الدخول في الحرم ثمّ الدخول فيه محرماً ، وقد ثبت في محله انّه لا يمكن تحليل الحرام ـ تكليفاً أو وصفاً ـ بالنذر واليمين والعهد، والإحرام قبل الميقات، أو بعده حرام تكليفاً وباطل وضعاً، خرجت منه صورة واحدة، وهو نذره قبل الميقات ثمّ المرور به محرماً، والصور الأُخرى باقية تحت المنع.

والحمد للّه الذي بنعمته تتمّ الصالحات


1 . الوسائل:8، الباب12 من أبواب المواقيت، الحديث 1ـ3.


صفحه168

صفحه169

الرسالة الخامسة

توسعة المسعى


صفحه170

صفحه171

لمّا وصلت الأخبار بأنّ الحكومة السعودية بصدد توسعة المسعى من الجانب الشرقي كتبنا هذه الرسالة لبيان حكمها، فنقول قال الله سبحانه: (إِنَّ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهمِاَ وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)(1).

***

السعي أحد أركان العمرة والحج فعلى المعتمر أو الحاج إذا فرغا من الطواف إتيان المسعى والسعي فيه على سبعة أشواط مبتدئاً من الصفا ومختتماً بالمروة.

إنّ الصفا والمروة جبلان معروفان، فالصفا جزء من جبل أبي قبيس، والمروة جزء من جبل قيقعان .(2)

وقد خصّ الله سبحانه المبدأ والمنتهى بعلامتين طبيعيتين غير متغيرتين عبر العصور والقرون لكي لا يطرأ التغيير على تلك الفريضة، من جهة المبدأ والمنتهى .

ذكر القاضي محمد بن أحمد بن علي الحسني الفاسي أنّ طول المسعى (أربعمائة وخمسة أمتار) وعرضه (في بعض المواضع عشرة أمتار


1 . البقرة: 158 .

2 . تهذيب النووي على ما نقله في الجواهر: 19 / 421 .


صفحه172

وفي البعض الآخر اثنا عشر متراً (1))، هذا ما ذكره الفاسي (المتوفّى 832 هـ) حسب ما نقله عنه رفعت پاشا في كتابه «مرآة الحرمين» والّذي زار مكة بين عام 1318 ـ 1321 هـ مرة بعد أُخرى. وأمّا في الوقت الحاضر فإنّ عرضه يبلغ 20 متراً ويبلغ طوله من الداخل 5,394 متراً، وأمّا ارتفاع الطبقة الأُولى فهو 12 متراً والطبقة الثانية 9 أمتار، ولعل الاختلاف في العرض نشأ بسبب إزالة المحلات والبيوت الّتي كانت موجودة على الجانب الشرقي للمسعى، والّتي كنت قد شاهدتها مقفلة أيام موسم الحج عند تشرفنا بزيارة بيت الله الحرام عام 1375 هـ .

لاشك أنّه لم يطرأ على المسعى أيّ تطور في جانب الطول لما عرفت من أنّ الجبلين الشامخين ثابتين في مكانهما، إنّما الكلام في جانب العرض فهل المسعى في عصر الرسول كان محدوداً بهذا العرض المعيّن، أو كان أوسع من الموجود حالياً؟

وهذا ما يطلب لنفسه التتبع الواسع وجمع القرآئن على دعم أحد الاحتمالين، خصوصاً أنّ الحجاج في كثرة وازدياد. فتسهيل الأمر من جانب وبيان الحكم الشرعي من جانب آخر يستدعيان البحث والتتبع والتحقيق في ذلك.

فلنذكر ما وقفنا عليه من خصوصيات المسعى في العصور السابقة، فهذا هو أبو الوليد محمد بن عبدالله بن أحمد الأزرقي (المتوفّى بعد عام


1 . مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا: 1 / 321. نقلاً عن شفاء الغرام للفاسي، وهذا التقدير هو ما ذكره الفاسي مقيساً بالذراع ثم حُوّل إلى الأمتار باعتبار طول الذراع 49 سنتيمتراً .


صفحه173

223 هـ) يشرح لنا كيفية المسعى في ذلك العصر:

1. ذُرِع ما بين الركن الأسود إلى الصفا فصار 262 ذراعاً و 18 اصبعاً.

2. ذُرِع ما بين المقام إلى باب المسجد الّذي يخرج منه إلى الصفا فكان 5,164 ذراعاً.

3. وذُرِع ما بين باب المسجد الّذي يخرج منه إلى الصفا إلى وسط الصفا، فكان 5 ,112 ذراعاً.

4. وذُرِع ما بين العلم الّذي على باب المسجد إلى المروة فكان 5,500 ذراعاً.

5. وذُرِع ما بين الصفا والمروة فكان 5,766 ذراعاً.

6. وذُرِع ما بين العلم الّذي على باب المسجد إلى العلم الّذي بحذائه على باب دار العباس بن عبدالمطلب وبينهما عرض المسعى فكان 5, 35 ذراعاً.(1)

وفي حاشية البجيرمي ما يقرب ممّا ذكره الأزرقي فقد جاء فيها: وقدر المسافة بين الصفا والمروة بذراع الآدمّي 777 ذراعاً. وكان عرض المسعى 35 ذراعاً فأدخلوا بعضه في المسجد (2) .

وهذان القولان لا يختلفان إلاّ في نصف الذراع في طول المسعى وعرضه كما هو واضح .


1 . أخبار مكة: 2 / 119 .

2 . حاشية البجيرمي: 2 / 127 .


صفحه174

ويظهر من كلمات المؤرخين أنّه حصل التغيير في أيام المهدي العباسي عام 160 هـ فقد قال القطبي: أمّا المكان الّذي يُسعى فيه الآن فلا يتحقق أنّه بعض من المسعى الّذي سعى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أو غيره، وقد حوّل عن محله كما ذكره الثقات .(1)

وقال صاحب الجواهر: حكى جماعة من المؤرخين حصول التغيير في المسعى في أيام المهدي العباسي وأيام الجراكسة على وجه يقتضي دخول المسعى في المسجد الحرام، وأنّ هذا الموجود الآن مسعى مستجدّ، ومن هنا أشكل الحال على بعض الناس باعتبار عدم إجزاء السعي في غير الوادي الّذي سعى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّه أُشكل عليه إلحاق أحكام المسجد لما دخل منه فيه.

ولكن العمل المستمر من سائر الناس في جميع هذه الأعصار يقتضي خلافه، ويمكن أن يكون المسعى عريضاً قد أدخلوا بعضه وأبقوا بعضه كما أشار إليه في الدروس .(2)

وحاصل هذه الكلمات أنّ التضييق قد حصل في جهة المسجد لا في الجهة الأُخرى بمعنى أنّ الساعي إذا وقف على الصفا متجهاً إلى المروة فإنّ المسجد الحرام يقع على يساره وأمّا الجانب الشرقي فعلى يمينه، فالتغيير الّذي طرأ فإنّما طرأ على جانبه الأيسر فدخل جزء من المسعى في المسجد. وأمّا الجانب الآخر فلم يُعلم حدوث أي تغيير فيه.


1 . تاريخ القطبي: 99 .   

2 . الجواهر: 19 / 422.


صفحه175

وبذلك يعلم مفاد ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام)حيث قال: ثم انحدر ماشياً وعليك السكينة والوقار حتّى تأتي المنارة، وهي طرف المسعى، فاسع ملأ فروجك، وقل: بسم الله والله أكبر، وصلّى الله على محمد وآله» وقل: «اللهم اغفر وارحم واعف عمّا تعلم إنّك أنت الأعز الأكرم» حتّى تبلغ المنارة الأُخرى، قال: وكان المسعى أوسع ممّا هو اليوم، ولكن الناس ضيّقوه .(1)

وقد نقله العلاّمة في التذكرة (2)، وفي المنتهى (3)، والبحراني (4)وصاحب الرياض (5) إلاّ أنّهم لم يعلّقوا على الحديث بشيء إلاّ البحراني الّذي قال: إنّ المفهوم من الأخبار أنّ الأمر أوسع من ذلك، فإنّ السعي على الإبل الّذي دلت عليه الأخبار، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يسعى على ناقته لا يتفق فيه هذا التضييق، من جعل عقبه يلصقه بالصفا في الابتداء وأصابعه يلصقها بالصفا موضع العقب بعد العود، فضلاً عن ركوب الدرج، بل يكفي فيه الأمر العرفي، فإنّه يصدق بالقرب من الصفا والمروة.(6)

وبما أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)قد عاصر الدولتين وتوفّي (عام 148 هـ) أي في عصر المنصور قبل أن يتسنّم المهدي ملك بني العباس، وكان التغيير قد


1 . الوسائل: 9، الباب 6 من أبواب السعي، الحديث 1 .

2 . التذكرة: 8 / 135 .

3 . منتهى المطلب: 10 / 411 .

4 . الحدائق: 16 / 271 .

5 . رياض المسائل: 7 / 94 .

6 . الحدائق: 16 / 265. ولاحظ الرياض: 7 / 94 .


صفحه176

حصل أيضاً قبل عام 160 هـ ، فهذا يعرب عن أنّ الناس قد بنوا أبنية طول المسعى الملاصق بالمسجد فضيقوا المسعى كما أشار إليه الإمام الصادق (عليه السلام). وقام المهدي العباسي بتهديم البيوت وجعل أرضها جزء من المسجد الحرام.

ويظهر من الأزرقي أنّ المساحة بين المسجد والمسعى قد بنيت فيها دور لبعض المكيين .

قال: وللعباس بن عبد المطلب أيضاً الدار الّتي بين الصفا والمروة الّتي بيد ولد موسى بن عيسى الّتي إلى جنب الدار الّتي بيد جعفر بن سليمان ودار العباس هي الدار المنقوشة الّتي عندها العلم الّذي يسعى منه من جاء من المروة إلى الصفا...، ثم إنّه يقول: ولهم أيضاً دار أُم هاني بنت أبي طالب الّتي كانت عند الحناطين عند المنارة فدخلت في المسجد الحرام حين وسعه المهدي في الهدم الآخر سنة سبع وستين ومائة. (1)

وهذا يدل على أنّ التوسعة الّتي حصلت في عهد المهدي كانت من جانب المسجد وأنّه هدم البيوت الّتي كانت مبنية على أرض المسعى .

***

وقد بلغتنا الأخبار بأنّ السعوديين بصدد توسعة المسعى بإحداث مسيرين متحاذيين ذهاباً وإياباً، ويظهر ممّا نشره المشرفون على التوسعة أنّها مبنية على أن يكون القديم للآتي من المروة إلى الصفا ويكون الجديد للنازل


1 . أخبار مكة: 2 / 233 ـ 234، ولاحظ بقية الصفحات .


صفحه177

من الصفا ذاهباً إلى المروة. وتقع التوسعة في الجانب الشرقي للمسعى لا في جانب المسجد.

وشكل الجبلين الموجود حاليّاً ربما يلازم كون المسعى الجديد خارجاً عن التحديد بما بين الصفا والمروة .

ومع ذلك كله فهناك قرائن تدل على أنّ المسعى كان أوسع حتّى من الجانب الآخر الّذي يقابل المسجد وهذه القرائن عبارة عن:

1. انّ الصفا جزء من جبل أبي قبيس كما أنّ المروة جزء من جبل قعيقعان فمن البعيد أن يكون طول الجبل وامتداده حوالي 20 متراً من غير فرق بين الصفا والمروة وهذا يدل على أنّ الامتداد الحالي ليس هو كما في السابق لحصول الحفريات على جانبيه.

2. توجد حالياً بقايا من جبل المروة خارج المسعى في الجانب الشرقي وهذا يدل على امتداده سابقاً ولكنّه حفر لإيجاد الطريق .

3. يظهر من الحاكم في ترجمة الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي قوله: إنّ دار الأرقم ـ وهي الدار الّتي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يدعو الناس فيها إلى الإسلام، وأسلم فيها قوم كثيرون ـ أنّ داره كانت على الصفا وتصدق بها الأرقم على ولده، فقرأت نسخة صدقة الأرقم بداره: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى الأرقم في ربعه ما حاز الصفا أنّها صدقة بمكانها من الحرم لا تباع ولا تورث».

إلى أن قال الحاكم: فلم تزل هذه الدار صدقة قائمة، فيها ولده يسكنون


صفحه178

ويؤجرون ويأخذون عليها حتّى كان زمن أبي جعفر. قال محمد بن عمر: فأخبرني أبي عن يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم قال: إنّي لأعلم اليوم الّذي وقع في نفس أبي جعفر انّه يسعى بين الصفا والمروة في حجة حجّها ونحن على ظهر الدار فيمر تحتنا لو شئت أن آخذ قلنسوته لأخذتها وانّه لينظر إلينا من حين يهبط الوادي حتّى يصعد إلى الصفا».(1)

وهذه الوثيقة التاريخية تدفعنا إلى القول: إنّ المسعى من الجانب الشرقي كان أوسع ممّا عليه الآن.

4. انّ دار الأرقم صارت في السنوات السالفة مكاناً لما يسمّى «دار الحديث المكّي» ولو بذلت جهود لسؤال المسنّين والمعمّرين الذين شاهدوا دار الحديث قبل التوسعة وحدّدوا مقدار الفاصلة بين هذا المكان وبين المسعى الحالي لكان ذلك دليلاً على الموضوع.

هذا وقد نشر المشرفون على التوسعة مخططاً أوضحوا فيه أن دار الأرقم بن أبي الأرقم «دار الحديث» كما ورد في المصادر التاريخية كانت تقع في المسعى وهي الآن تبعد عن المسعى الحالي مقدار 18,21 متراً، وبما أنّ مشروع التوسعة الجديدة يمتد إلى شرق المسعى مسافة 20 متراً، فيكون هذا الامتداد واقعاً ضمن المسعى الواقعي.(2)

وهذا الّذي يعاني منه العلماء والمحقّقون اليوم هو أحد النتائج السلبية الّتي سببها هدم الآثار التاريخية المتعلقة بعصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وصدر الإسلام،


1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 502 ـ 503 .

2 . لاحظ الخارطة في نهاية .


صفحه179

والّذي تعرضت له أغلب من المعالم الإسلامية في مكة والمدينة المنورة.

ولو كانت التوسعة مقرونة بحفظ معالم الإسلام وآثاره لما ضاع علينا معرفة حدود المشاعر الإسلامية.

5. يحتفظ المشرفون على التوسعة الجديدة بصورة فتوغرافية قديمة لمنطقة الصفا والّتي تظهر ـ كما يقولون ـ أنّ هناك امتداداً شرقياً لجبل الصفا كان موجوداً قبل أعمال الهدم وأثناء عملية الإزالة وبعد الإزالة.

6. ما ذكرنا من الدراسة يؤيد امتداد جبل الصفا حوالي 20 متراً إلى الشرق، إنّما الكلام في امتداد جبل المروة بهذا المقدار ولم نقف على ما يؤيد امتداد جبل المروة هذا المقدار، حتّى أنّ الباحثين في السعودية صرّحوا بذلك وقالوا: لم يوضح المسح التاريخي للصور الامتداد الشرقي لجبل المروة وإن أثبتت أحاديث كبار السن والمعمرين من سكان المنطقة وجود امتداد شرقي لسفح جبل المروة يقدر بحوالي 40 متراً بنيت عليه البيوت إلى شارع «المَدعى» الموجود جزء منه حالياً.

7. بالاعتماد على المسح الجيولوجي لمنطقة جبل المروة ثبت أنّ امتداد الجبل يستمر إلى مسافة 31 متراً، وهذا ما أشار إليه المشرفون في تقريرهم حيث قالوا: إنّ هناك ردميات من البطحاء تظهر في القطاعات المرفقة. كما نجد امتداد الجبل السطحي الموضح في الخريطة الجيولوجية المرفقة يقارب (31 متراً) شرقاً، وهو ما تم تأكيد وجوده من نتائج الحفر.

8. أكدت الدراسات التاريخية والجغرافية والجيولوجية الّتي قامت بها


صفحه180

اللجان المشرفة على توسعة المسعى أنّ هناك امتداداً سطحياً لجبل المروة بما لا يقل يقيناً عن 25 متراً من الناحية الشرقية، وهذا ما ثبت بعد دراسة عينات الصخور الّتي أُخذت من الناحية الشرقية لجبل المروة والّتي ظهرت مشابهتها لصخور المروة.

وقال الدكتور عبدالوهاب إبراهيم أبو سليمان ـ أحد علماء مكة المكرمة الّذي تلقينا أكثر معلومات هذا البحث عن طريقه ـ في رسالته إليّ: والّذي عاصرته من هذا المشعر بعد التوسعة السعودية للمسعى والحرم الشريف وقبل ذلك، أنّ الصفا امتداد لجبل أبي قبيس من الناحية الشمالية الشرقية، وكان هذا الامتداد ظاهراً متصلاً، تعاقب عليه التطور لتخطيط مكة المكرمة فقد كان الجبل الّذي يمتد منه الصفا ظاهراً، وطريقاً مرتفعاً تمر منه السيارات، هو الطريق الوحيد في تلك الجهة الّذي يربط شمال مكة بجنوبها، ومشعر الصفا في جزء منخفض منه.

ثم قال: وأُلفت نظر سماحتكم إلى الصورة رقم 193، ص 344 من الجزء الخامس من كتاب «التاريخ القويم» ـ وعسى أن يكون ضمن مكتبة الحوزة العامرة ـ لمشاهدة واقع هذا الامتداد قبل الإحداثات الأخيرة.

أمّا المروة فكما جاء في «التاريخ القويم» (5 / 353): «المروة في الشمال الشرقي للمسجد الحرام وهي منتهى السعي من أصل جبل قيقعان...».

وقد ظهرت في الكتاب الآنف الذكر صورة المؤلف (رحمه الله) في المروة عند


صفحه181

هدمها وهي بالفعل امتداد للجبل المذكور. ولعل سماحتكم شاهد جزءاً ممّا تبقى من الجبلين في الصفا والمروة، فكلاهما امتداد للجبل حذاءه.

هذه معلومات ووثائق حول الموضوع أضعها في متناول المحقّقين حتّى تكون نواة للبحث والدراسة الموّسعة، وليست الدراسة دليلاً على الإفتاء وإنّما هي خطوة متواضعة للغرض المنشود إلى أن ينكشف الحال أكثر من ذلك .

Website Security Test