welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه50

   

 

1

حدّ البلوغ في الأُنثى هوتسع سنين

ثمة طوائف من الروايات تدلّ على أنّ حدّ البلوغ في الأُنثى هو التسع سنين، وليست دلالتها على نمط واحد، بل تدل على المطلوب بدلالات شتى، كما ستظهر، وإليك هذه الطوائف:

الطائفة الأُولى: ما تدل على أنّ حدّ البلوغ في الأُنثى هو التسع.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على أنّ حدّ البلوغ ما أوجب على المؤمنين الحدودَ، كما في الطائفة التالية.

الطائفة الثالثة: ما تدل على أنّها إذا بلغت التسع، يترتب عليها ما يترتب على البالغ من كتابة الحسنات والسيئات وإقامة الحدود، وجواز البيع والشراء.

الطائفة الرابعة: ما تدلّ على أنّه لا يجوز الدخول بالزوجة ما لم تبلغ التسع.

الطائفة الخامسة: ما تدل على أنّ الدخول قبل التسع لو انتهى إلى العيب يضمنه الزوج أو الحاكم.

الطائفة السادسة: ما تدلّ على أنّ الدخول قبل التسع موجب للحرمة الأبدية.


صفحه51

الطائفة السابعة: ما تدل على أنّ المطلّقة دون التسع تتزّوج على كلّ حال.

الطائفة الثامنة: ما تدلّ على أنّ المزوجة ولها تسع سنين ليست بمخدوعة، أو ليست بصبية.

الطائفة التاسعة: ما تدل على سقوط الاستبراء عمّن اشترى جارية صغيرة مالم تبلغ، وتفسّره بنهاية التسع.

الطائفة العاشرة: ما تدل على أنّ الزوجة لها الخيار إذا زوجت قبل التسع دون ما زوجت بعدها.

هذه هي طوائف عشر تركّز على التسع، وتتخذه موضوعاً لكثير من الأحكام، وتدل بالتواتر المعنوي على مدخليتها في الأحكام الشرعية، والإعراض عن هذه الأخبار والقول بأنّ حدّالبلوغ هو الثلاث عشرة سنة، أو خصوص رؤية الدم ترك لما تواتر إجمالاً عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في مجال التحديد.

وبعبارة أُخرى، اتّفقت كلمتهم ـ تبعاً للنص ـ على أنّ عمد الصبيان خطأ.(1) وعمد الصبي وخطؤه واحد.(2) هذا من جانب ومن جانب آخر، نرى في هذه الروايات الهائلة، الاعتبار بفعل الأُنثى وقصدها إذا بلغت التسع في مختلف الأبواب، فيكشف عن خروجه عن حد الصبا وهو عين القول بالبلوغ.


1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 3.

2 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2.


صفحه52

ما تدل على أنّ حدّ البلوغ في الأُنثى هو التسع سنين   

ولعلّ بعض ماجاء في ضمن هذه الطوائف من الأحكام خاضع للنقاش، ولكنّه لا يسقطها عن الدلالة على أنّ التسع سنين، موضوع للأحكام التكليفية.

وإليك دراسة تلك الطوائف واحدة بعد الأُخرى:

الطائفة الأُولى: ما تدل على أنّ حدّ البلوغ في الأُنثى هو التسع سنين

1. ما رواه الصدوق بسند صحيح في «خصاله» عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «حدّ بلوغ المرأة تسع سنين».(1)

2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: الجارية ابنة كم لا تستصبا... قال(عليه السلام): «وأجمعوا كلّهم على أنّ ابنة تسع لا تستصبى إلاّ أن يكون في عقلها ضعف وإلاّ فإذا بلغت تسعاً فقد بلغت».(2)

الطائفة الثانية: ما تدل على أنّ حدّ البلوغ هو ما أوجب اللّه على المؤمنين الحدود

قد وردت روايات عديدة على أنّ ذات التسع تقام عليها الحدود.

3. ما رواه الكليني بسند معتبر عن علي بن الفضل الواسطي في حديث


1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 10.

2 . الوسائل: 14 ، الباب 12 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.


صفحه53

قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) ما حد البلوغ؟ فقال: «ما أوجب اللّه على المؤمنين الحدود».(1)

وسيوافيك تضافر الروايات على أنّ الأُنثى إذا بلغت التسع تقام عليها الحدود.(2)

وقفة قصيرة مع الأحاديث

أمّا الحديث الأوّل: فلا شكّ في صحّة السند، لما حقّقناه في محله من أنّ ابن أبي عمير لا يرسل ولا يروي إلاّ عن ثقة، وأجبنا على ما حوله من الإشكالات المثارة.(3) مضافاً إلى انّه ارسله عن غير واحد من مشايخه ومن البعيد ان يوجد فيهم ثقة نعم ربما يثار حولها إشكال من حيث صحّة المتن وهو ادعاء أنّ لفظ البلوغ في عصر الوحي والعصور القريبة منه لا يضاف إلاّ بمثل الحلم والنكاح والأشد، ولا يضاف إلى المرء والمرأة.

يلاحظ عليه: أنّ البلوغ في مصطلح الوحي والحديث والفقهاء بمعنى واحد، ولا دليل على كونه عند الفقهاء غيره عند الأوّلين.

إنّ البلوغ إذا نسب إلى الفاعل، يضاف إلى المرء والمرأة يقول سبحانه: (حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)(4) ويقال: بلوغ الرجل والأُنثى، وإذا تركت نسبته إلى الفاعل، يضاف إلى متعلقه من الحلم والأشدّ والنكاح ويقال: بلوغ الحلم أو النكاح أو الأشدّ. وكلّ من الاستعمالين صحيح.


1 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

2 . لاحظ الروايات برقم 4، 5، 6، 7 من هذا التسلسل.

3 . لاحظ : كليات في علم الرجال:217ـ234.

4 . الأنعام:152.


صفحه54

وعلى كل تقدير فابن أبي عمير عربي صميم، لا يخطأ في التعبير.

وهذا ابن منظور يقول: بلغ الغلام: احتلم، وبلغت الجارية، ثمّ ينقل عن التهذيب: بلغ الصبي والجارية إذا أدركا وهما بالغان، وروى عن الشافعي انّه قال: سمعت فصحاء العرب يقولون جارية بالغ.(1)

ومنه يظهر حال سند الحديث الثاني، وأمّا الثالث، ففي سنده «سهل» بن زياد الآدمي، وعلي بن الفضل الواسطي، أمّا الأوّل فالأمر فيه سهل، فإنّ اتقان رواياته خير شاهد على كون الرجل، محدِّثاً بارعاً ضابطاً، وإن طعن فيه أحمد بن محمد بن عيسى القمي، فقد طعن أيضاً في أحمد بن محمد بن خالد البرقي ثمّ ندم وشيّع جثمانه يوم وفاته، ولم يكن الطعن إلاّ لاختلافه معهما في مقامات الأئمّة(عليهم السلام)، فقد كان القميّون على اعتقاد خاص فيهم، نقل المفيد في «تصحيح الاعتقاد» شيئاً من عقائدهم.(2) وما صوّر غلوّاً في ذلك الوقت، فقد قبله الأصحاب بعده إلى يومنا هذا.

أمّا الثاني فقد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (عليه السلام) وقال الصدوق في المشيخة: إنّه صاحب الرضا(عليه السلام).(3) وقال المحقّق التستري: كونه صاحبه (عليه السلام) فوق التوثيق.(4)

ما تدل على أنّها إذا بلغت تسعاً، يترتّب عليها ما يترتّب على البالغ   

وبذلك اتّضحت صحّة الاحتجاج بالروايات الثلاث وأنّه لا غبار عليها متناً ولا سنداً.


1 . لسان العرب: 8/420، مادة «بلغ».

2 . تصحيح الاعتقاد: 66.

3 . الفقيه:4/474.

4 . قاموس الرجال: 7/533، برقم 5254.


صفحه55

الطائفة الثالثة: ما تدل على أنّها إذا بلغت تسعاً، يترتّب عليها ما يترتّب على البالغ

هناك روايات تدل على أنّ ذات التسع يترتب عليها ذهاب اليتم، وجواز دفع المال إليها، وجواز أمرها في الشراء والبيع والأخذ لها وبها، وكتابة الحسنات لها والسيئات عليها إلى غير ذلك ممّا يعدّ من أحكام البالغ، فالاستدلال بهذا النحو من الأحاديث استدلال إنّي، وانتقال من المعلول إلى العلة أو من وجود الحكم إلى وجود الموضوع، وإليك دراسة هذا القسم.

4. معتبرة حمران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ... فالجارية متى تجب عليها الحدود التامة وتؤخذ بها ويؤخذ لها؟ قال: «إنّ الجارية ليست مثل الغلام، إنّ الجارية إذا تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين، ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأخذ لها وبها».(1)

فقد رتّب على الجارية التي تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين، خمسة أحكام:

أ. ذهاب اليتم عنها.

ب. دفع مالها إليها.

ج. جواز أمرها في الشراء والبيع.

د.إقامة الحدود التامة عليها.

هـ . الأخذ لها وبها.


1. الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2.


صفحه56

وربّما يخطر ببال بعض الأذهان أنّ الموضوع في الرواية المذكورة هو التسع سنين في ظرف التزويج والدخول، لا مطلق التسع ولكن يتّضح بطلانه بأدنى تأمّل، فإنّ المقصود من فرض تزوجها والدخول بها، هو التأكد من تحقّق بلوغها التسع لا أنّهما شرط لبلوغها ويحتمل أن يكون ذكرهما لغاية حصول الرشد، الموضوع لدفع ماله إليه مع البلوغ بشهادة أنّ الرواية تركّز على حالها، ليُدفع إليها أموالها ويجوز أمرها في الشراء والبيع.

وبعبارة أُخرى: أنّ الإمام (عليه السلام)بصدد بيان أحكام التسع، وأنّ الجارية إذا بلغت تسعاً يجوز لها التزويج، ويجوز الدخول بها، وإلى غير ذلك من الأحكام، فكأنّ التسع وكونه موضوعاً للبلوغ كان أمراً مسلّماً فذكر الإمام ما ترتّب عليه من آثار وأحكام.

كما يحتمل أن يكون الهدف من ذكر تزويجها والدخول بها هو التأكيد على بلوغ الجارية تسعاً، وذلك لقلّة اهتمام الناس في القرون السالفة بتسجيل مواليد الأولاد وعدم دقّتهم في تحديد أعمارهم، ولذلك ربّما كان يختفي سن الجارية الواقعي فيستدل بالتزويج والدخول على أنّها قد بلغت التسع أو تجاوزته.

وأمّا السند فقد روي بسند صحيح عن عبد العزيز العبدي، عن حمزة ابن حمران، عن حمران، فقد تطرقنا لهؤلاء الثلاثة سابقاً، ونقول الآن:

أمّا الأخير: فهو حمران بن أعين أخو زرارة، ولا شكّ في وثاقته وجلالته، ولمّا توفي، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «واللّه مات مؤمناً».


صفحه57

وروي في التهذيب أنّ الصادق (عليه السلام) قال عن ابنة حمران: «إنّ لأبيها حقاً، ولا يحملنا ذلك على أن لا نقول الحق». ووصفه أبوغالب الزراري في «رسالته» بأنّه من أكبر مشايخ الشيعة المفضّلين الذين لا يشك فيهم.(1)

وأمّا الثاني: فهو ابنه، فقد ذكره النجاشي في «رجاله» وأنّه روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ولم يذكر فيه شيئاً، وللصدوق طريق إليه.(2)

وفي «جامع الرواة»: نقل كثير من المشايخ عنه ويناهز عددهم إلى ثلاثة وعشرين شيخاً.

وأمّا الأوّل: فقد ضعّفه ابن نوح أبو العباس أحمد بن علي شيخ النجاشي.(3) وقد مرّ الكلام في سندها عند البحث عن بلوغ الذكر. وانّ التضعيف لأجل الغلوّ الذي لا ينافي صدق لسانه.

5. رواية يزيد الكناسي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) متى يجوز للأب أن يزوّج ابنته ولا يستأمرها، قال: «إذا جازت تسع سنين، فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين ـ إلى أن قال: ـ قلت: أفتقام عليها الحدود وتؤخذ بها وهي في تلك الحال، وإنّما لها تسع سنين، ولم تدرك مدرك النساء في الحيض؟ قال: «نعم، إذا دخلت على زوجها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها وأُقيمت الحدود التامّة عليها ولها».(4)وسيوافيك الاستدلال بصدره.


1 . قاموس الرجال:4/13 ـ 22.

2 . المصدر نفسه: 4 / 28.

3 . رجال النجاشي: برقم 639.

4 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.


صفحه58

وقد عرفت وجه فرض التزويج والدخول في الرواية السابقة، كما مرّالكلام في سند الحديث عند البحث في بلوغ الذكر فلاحظ.

6. عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «وإذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة، وعوقب; وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك أنّها تحيض لتسع سنين».(1)

نعم ما ورد فيه في حقّ الغلام على خلاف المشهور، فلا يؤخذ به. وليست الرواية كالشهادة إذا ترك جزء منها يُترك الباقي، بل الرواية إذا ترك جزء منها لا يترك الجزء الآخر، وسيوافيك إن شاء اللّه توضيح قوله: «وذلك انّها تحيض لتسع سنين». حيث يعلل البلوغ ببلوغها الحيض، مع أنّ التحيّض متأخر في الأغلب عنه.

7. روى علي بن الحسن، عن العبدي، عن الحسن بن راشد، عن العسكري (عليه السلام) قال: «إذا بلغ الغلام ثمان سنين، فجائز أمره في ماله، وقد وجب عليه الفرائض والحدود، وإذا تم للجارية سبع سنين فكذلك».(2)

وفي بعض النسخ التسع مكان السبع.(3)

ولعلّ السبع مصحف التسع وقد وقع التصحيف في هذه الكلمة في غير مورد.

ما تدل على عدم جواز الدخول بالصغيرة المزوّجة ما لم تبلغ التسع   

8. مرسلة حفص المروزي عن الرجل (عليه السلام): «إذا تمّ للغلام ثمان سنين


1 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 12.

2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوقوف و الصدقات، الحديث 4.

3 . جامع أحاديث الشيعة:1، الباب 11 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 689 .


صفحه59

فجائز أمره وقد وجبت عليه الفرائض والحدود، وإذا تمّ للجارية تسع
سنين فكذلك».(1) وهي قرينة على أنّ السبع في رواية ابن راشد مصحف التسع.

9. مرسل الفقيه، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها، وجاز أمرها في مالها، وأُقيمت الحدود التامّة لها وعليها».(2) ويحتمل اتحاد الرواية مع بعض ما يأتي.

الطائفة الرابعة: ما تدل على عدم جواز الدخول بالصغيرة المزوّجة ما لم تبلغ التسع

10. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا تزوّج الرجل الجارية وهي صغيرة، فلا يدخل بها حتى يأتي لها تسع سنين».(3) وهي صريحة في أنّ وجه المنع لكونها صغيرة مادامت دون التسع، فإذا جازت عنها جاز له الدخول، فيكشف انّها بإكمالها التسع تخرج عن الصغر.

11. خبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».(4) وسيوافيك وجه الجمع بين السنّين، وهو استحباب التأخير عن التسع، إلى العشر سنين.


1 . جامع أحاديث الشيعة:1، الباب 11 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 688.

2 . الوسائل: 13، الباب 45 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4.

3 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1.

4 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.


صفحه60

12. مرسلة عمّار السجستاني قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لمولى له: «انطلق وقل للقاضي، قال رسول اللّه: حدّ المرأة أن يدخل بها على زوجها ابنة تسع سنين».(1)

13. صحيح عبد الكريم بن عمرو، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».(2)

14. صحيح أبي أيوب الخزاز، قال: سألت إسماعيل بن جعفر، متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا دخل عشر سنين، قلت: ويجوز أمره؟ قال: فقال: إنّ رسول اللّه دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته.(3)

15. ما روي عن إسماعيل بن جعفر، في حديث أنّ رسول اللّه
دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة.(4)

ما تدلّ على أنّ الدخول قبل التسع موجب للحرمة الأبدية   


1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 3.

2 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 4.

3 . الوسائل: 18، الباب 22 من أبواب الشهادات، الحديث 3.

4 . الوسائل: 14، الباب 4 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث5. وجه الاستدلال هو سماعه من أبيه، كما هو مقتضى طهارته بشرط أن يكون المراد من العشر هو الدخول فيه، و في الجواهر: 26/40 بل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) انّه دخل بعائشة قبل تجاوز التسع.


صفحه61

 

الطائفة الخامسة: ما تدل على ضمان من دخل بزوجته
الصغيرة وعيبت وليس لها تسع سنين

16. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من وطئ امرأته قبل تسع سنين، فأصابها عيب، فهو ضامن».(1)

17. خبر طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) قال: «من تزوّج بكراً فدخل بها في أقلّ من تسع سنين، فعيبت ضمن».(2)

18. خبر غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) قال: «لا توطأ جارية لأقل من عشر سنين، فإن فعل فعيبت فقد ضمن».(3)

19. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ من دخل بامرأة قبل أن تبلغ تسع سنين، فأصابها عيب، فهو ضامن».(4)

20. صحيحة بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل إقتضّ جارية ـ يعني امرأته ـ فأفضاها؟ قال: «عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين».(5)


1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 5.

2 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 6 .

3 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7.

4 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 8 .

5 . الوسائل: 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3.


صفحه62

21. صحيحة حمران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل تزوج جارية بكراً لم تُدْرِك، فلما دخل بها اقتضَّها فأفضاها، فقال: «إن كان دخل بها حين دخل بها ولها تسع سنين فلا شيء عليه، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين، أو كان لها أقلّ من ذلك بقليل حين دخل بها فأقتضّها، فإنّه أفسدها وعطّلها على الأزواج، فعلى الإمام أن يغرمه ديتها وإن أمسكها ولم يطلقها حتى تموت فلا شيء عليه».(1)

الطائفة السادسة: ما تدلّ على أنّ الدخول قبل التسع موجب للحرمة الأبدية

22. روى يعقوب بن زيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين فُرّق بينهما ولم تحل له أبداً».(2) وربما تستفاد الحرمة الأبديّة من رواية بريد بن معاوية(3) وحمران(4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وقد تقدّمتا ضمن روايات الطائفة الخامسة فلا نعيد ذكرهما.

ما تدل على أنّ المطلّقة دون التسع تتزّوج على كلّ حال   


1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 9.

2 . الوسائل: 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 2.

3 . الوسائل: 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 3.

4 . الوسائل: 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 1. ولاحظ رقم 20 و21 من الأرقام المتسلسلة.


صفحه63

 

الطائفة السابعة: ما تدل على أنّ المطلّقة دون التسع تتزّوج
على كلّ حال

23. روى عبد الرحمان بن الحجاج قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «ثلاث يتزوّجن على كلّ حال: التي يئست من المحيض ومثلها لا تحيض» قلت: ومتى تكون كذلك؟ قال: «إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض، والتي لم تحض ومثلها لا تحيض» قلت: ومتى تكون كذلك؟ قال: «ما لم تبلغ تسع سنين فإنّها لا تحيض ومثلها لا تحيض، والتي لم يدخل بها».(1)

إنّ تجويز التزويج للمطلّقة لما دون التسع للإطمئنان ببراءة رحمها من الولد، لأنّها لا تحيض فيما دون التسع، وأمّا التسع فبما أنّها أوان نضوج الطبيعة (البلوغ) فالتحيّض أمر ممكن فلا تتزوج إلاّ بعد العدة.

الطائفة الثامنة: ما تدلّ على أنّ البكر في تسع سنين ليست بمخدوعة

24. روى محمد بن هاشم، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: «إذا تزوّجت البكر بنت تسع سنين فليست بمخدوعة».(2)


1 . تهذيب الأحكام:7/469، الحديث 89، باب الزيادات في فقه النكاح، لاحظ الوسائل: الجزء 15، الباب 2 من أبواب العدد، الحديث3. و بين النقلين اختلاف يسير.

2 . الوسائل: 14، الباب 12 من أبواب المتعة، الحديث 3.


صفحه64

روى ابن أبي عمير عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت الجارية ابنة كم لا تستصبا، أبنت ست أو سبع؟ فقال: «ابنة تسع لا تستصبا، وأجمعوا كلّهم على أنّ ابنة تسع لا تستصبا إلاّ أن يكون في عقلها ضعف وإلاّ فإذا بلغت تسعاً فقد بلغت».(1) وقد مضى الاستدلال بذيله ولأجله لم نرقِّمْه.

25. عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الجارية يتمتع بها الرجل، قال: «نعم إلاّ أن تكون صبية تخدع» قال: قلت أصلحك اللّه وكم الحدّ الذي إذا بلغته لم تخدع؟ قال: «بنت عشر سنين».(2)

ويحمل على الدخول في العشر.

الطائفة التاسعة: ما تدل على أنّ الأمة لا تستبرأ إلى تسع سنين

26. روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا (عليه السلام) في حدّ الجارية الصغيرة السن الذي إذا لم تبلغه لم يكن على الرجل استبراؤها، قال: «إذا لم تبلغ استبرئت بشهر»، قلتُ: وإن كانت ابنة سبع سنين أو نحوها مما لا تحمل، فقال: «هي صغيرة ولا يضرك أن لا تستبرئها» فقلت: ما بينها وبين تسع سنين؟ فقال: «نعم تسع سنين».(3)

ما تدل على أنّ الزوجة لها الخيار إذا زوجت قبل التسع    


1 . الوسائل: 14، الباب 12 من أبواب المتعة، الحديث 2.

2 . الوسائل: 14، الباب 12 من أبواب المتعة، الحديث 4.

3 . الوسائل: 14، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 11.


صفحه65

 

الطائفة العاشرة: ما تدلّ على أنّ الزوجة لها الخيار إذا زوجت
قبل التسع دون ما زوجت بعدها

27. روى يزيد الكناسي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) متى يجوز للأب أن يزوج ابنته ولا يستأمرها؟ قال: «إذا جازت تسع سنين، فإن زوجها قبل بلوغ تسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين».(1) وقد مضى الاستدلال به بنحو آخر في الحديث رقم 5.

وبما أنّ ما ورد هنا متحد مع ما ورد في الحديث 5، كما هو الحال في الحديث رقم 14و15، فتبلغ عدد الروايات اللاّتي وقفنا عليها خمساً وعشرين رواية.

وهنا نكتة نلفت نظر القارئ إليها، وهي: أنّ القول بتسع سنين وأنُها أمارة البلوغ وحدّه من خصائص الفقه الإمامي، وليس منه أي أثر في فقه المذاهب الأُخرى ولا في أحاديثهم، وهذا أوضح دليل على صدور هذا الحدّ من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فترك هذه الأحاديث الهائلة ببعض الروايات المعرض عنها ليس من شأن الفقيه المتثبّت العارف بكلماتهم.

رحم الله سيد المحقّقين البروجردي حيث كان يقول بلزوم ذهاب الحمرة المشرقية في تحقّق الغروب الشرعي، وكان يؤيّد هذا القول في


1 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.


صفحه66

درسه الشريف ـ على ما ببالي ـ بأنّ هذه العلامة وردت في أحاديثنا وليس منها أثر في المذاهب الأُخرى ولا في أحاديثهم، وهذا دليل واضح على صدور هذا الحد في كلامهم(عليهم السلام).

وبه يظهر حال القول بالتسع في الانثى إذ لا يمكن الغاء هذه الروايات الهائلة برواية أو روايات شاذة اعرض عنها الأصحاب عبر قرون اللهم إلاّ إذا كان الهدف تسهيل الأمر على الناشئة، لغاية الرغبة إلى الدين الحنيف وهو كما ترى، اشبه بطلب النصر عن طريق غير صحيح اعاذنا الله واياكم من الزلل في القول والعمل.

   


صفحه67

 

أسئلة وأجوبة

ربّما تثار أسئلة حول هذه الروايات الدالة على أنّ سن البلوغ في الأُنثى هو التسع سنين، وهي ليست بمهمة ولا جديرة بالبحث، بيد أنّ مثيرها لمّا اختار خلاف القول المشهور عاد وأثار تلك الأسئلة لكي يضعّف بها أدلّة القول المشهور، ولولا انّه اتّخذ موقفاً مسبقاً في هذه المسألة لما جاد ذهنه بها، ولا أثارها خياله ووهمه.

وعلى أية حال فنقوم باستعراض تلك الأسئلة وتحليلها والجواب عنها:

1. التسع إمّا أمارة طبيعيّة أو تعبديّة

إنّ بلوغ التسع لا يخلو من حالتين، إمّا أن يكون أمارة طبيعية للبلوغ، أو أمارة تعبدية بحكم الشارع.

أمّا الأُولى: فلأنّ بلوغ الإناث الطبيعي يبدأ من السنة الثانية عشرة، والشاهد على ذلك أنّ إنبات الشعر على العانة وكذا الطمث لا يظهران إلاّ بعد فترة طويلة من التسع، فكيف تكون التسع أمارة طبيعية للبلوغ مع أنّه يتقدم زماناً على الأمارتين الأخيرتين اللّتين لا شكّ في أماريّتهما الطبيعيّة ولا معنى لأن تكون الثلاثة أمارة طبيعية مع أنّ واحدة منها دائمة التقدّم على الأخيرتين.

وأمّا الثانية: فلأنّ الإمام (عليه السلام) يعلّل كون التسع سن البلوغ بتحيّضها في


صفحه68

هذا السن.(1) ومع التعليل كيف يكون المعلّل أمراً تعبديّاً؟

يلاحظ عليه: أنّه لا شكّ انّ التسع أمارة طبيعية للبلوغ كشف عنها الشارع، لأنّ المراد من البلوغ هو حدوث طفرة أو قفزة نوعيّة في مزاج الإنسان وبُنيته تؤثر في عظمه ولحمه وعصبه وحاسته وفكره شيئاً فشيئاً، ولا دليل على ظهور جميع آثار البلوغ دفعة واحدة، لأنّ له درجات ومراتب تختلف شدّة وضعفاً فتظهر آثار البلوغ تدريجياً حسب تقدّم سنِّ الإنسان نحو الأمام.

فعلى ضوء ذلك فلا مانع من أن يكون التسع أمارة طبيعية كإنبات الشعر والتحيّض، غير انّ التسع أمارة لأُولى المراحل، بخلاف الأخيرتين فإنّهما علامتان للمراحل المتأخرة، ولأجل ذلك لو جهل سن الجارية وظهرت عليها العلامتان الأخيرتان يحكم عليها بسبق البلوغ، فهما علامتان عند الجهل بالسنِّ.

ومنشأ الاعتراض هو تصور أنّه ليس للبلوغ إلاّ مرتبة واحدة وهو البلوغ الجنسي الذي تظهر آثاره عند إنبات الشعر أو تحيّض الجارية، فعند ذلك عاد يطرح السؤال السابق، بأنّه كيف يكون التسع سنين أمارة طبيعية للبلوغ مع أنّ البلوغ الطبيعي (الجنسي) يتأخر عن التسع بسنتين أو أكثر؟!

وقد عرفت أنّه لا يراد من البلوغ، البلوغُ الجنسي بل بلوغ الجارية حدّاً ومرتبة تلازم الطفرة النوعية في مزاجها وبُنْيتِها، وقد كشف الشارع عن مبدئه،


1 . الوسائل: 13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث 12، وقد مرّ برقم 6.


صفحه69

وهو التسع سنين، ويحتمل سبق البلوغ على هذا الحدّ، لكن الشارع اختاره موضوعاً للتكاليف.

2. منشأ الترديد بين التسع والعشر

لو كان التسع هو الحدّ الشرعي للبلوغ، فلماذا نجدُ الترديد بينه وبين العشر في قسم من الروايات؟ فمثلاً يقول الإمام الباقر (عليه السلام): «لا يُدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».(1)

ونرى مثل هذا الترديد في جانب الصبي، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «يُؤدَب الصبي على الصوم ما بين خمس عشرة سنة إلى ست عشرة سنة».(2)

وقال الشيخ الصدوق: روي أنّ الغلام يؤخذ بالصوم ما بين أربع عشرة إلى خمس عشرة سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك.(3)

وروى معاوية بن وهب عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال له: في كم يؤخذ الصبي بالصيام؟ قال: «ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة».(4)

أقول: إنّ الهدف في الحديث الأوّل هو تحديد الموضوع لجواز الدخول بالجارية والحدّالشرعي له هو التسع سنين، وأمّا الترديد بينه وبين العشر سنين فبما ان التخيير بين الأقل والأكثر غير معقول فلعلّه لأجل استحباب التأخير حتى تتكامل قابليتها أكثر ممّا مضى.


1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.

2 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 13.

3 . المقنع: 195، كتاب الصوم.

4 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.


صفحه70

والعجب أنّ المستشكل طرح ما ورد من الترديد في تأديب الغلام بين خمس عشرة إلى ست عشرة، وقد استقصينا الكلام في ذلك، وقلنا: إنّ مصبّ السؤال هو وظيفة الولي، ولا صلة له بالطفل. ومثله الترديد بين الأربع عشرة والخمس عشرة فهو لأجل بيان وظيفة الولي بين هذين الحدين.

وحصيلة الكلام عدم رجوع الترديد إلى بيان حدّالبلوغ وإنّما يعود إلى بيان وظيفة الولي بين هذين المقطعين.

3. جواز التزويج لا يناسب التعبدية

قال الإمام الباقر (عليه السلام): «الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليُتْم وزوجت وأُقيمت عليها الحدود التامة لها وعليها».(1)

ترى أنّه رتّب على التسع أُموراً:

أ. إقامة الحدود لها وعليها.

ب. جواز التزويج وذهاب اليتم عنها.

والأوّل من الأُمور التشريعية التي يكون تحديد مبدئها بيد الشارع وأمّا التزويج فهو من الأُمور الطبيعية الذي يتوقف على تكامل البنية المزاجية والبدنية والرغبة النفسية ولا دور للشارع بما هو مقنن ولا للوالدين في تحديد هذا الأمر.

يلاحظ عليه: أنّ الغاية من التزويج ليس هو خصوص الاستمتاع عن


1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2.


صفحه71

طريق الدخول بها حتى يقال بأنّ تلك الغاية لا تتحقّق إلاّ في السنين التي تعقب التسع، بل الغاية هو مطلق الاستمتاع بأنواعه وأقسامه، فلو كانت البنية المزاجية والبدنية تسوِّغ الاستمتاع بالدخول، كما هو كذلك في بعض المناطق الحارة لترتب عليه جميع تلك الاستمتاعات، وإلاّ لتوقف على حصول شرطه وهو الاستعداد المزاجي، فيكون للشارع دور في تحديد سن التزويج الذي يقصد منه مطلق الاستمتاع لا خصوص الدخول.

وليس هذا أمراً جديداً، فإنّ البلوغ السنّي والجنسي لا يكفيان في ذهاب اليتم بتمامه مع أنّ الإمام رتّبه على التسع أيضاً، بل يتوقف على وجود الرشد المالي، قال سبحانه: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) .(1)

4. قصور التسع عن التصرف المالي

ثمة طائفة من تلك الروايات رتبت على البلوغ السنّي جواز التصرف، ولا شكّ أنّ البلوغ السنّي وحتى الجنسي كالاحتلام والحيض لا يكفيان لتسليم المال إلى الغلام والجارية، بل يتوقف على استئناس الرشد منهما، فإذا فرض الشارع في سن التسع، جواز تصرفها في أموالها يكشف عن كون ذات التسع في مورد الروايات امرأة ناضجة جنسياً إلى حدّ سوّغ الإمام دفع مالها إليها، وعلى ذلك لا يكون دليلاً على أنّ التسع بما هو تسع موضوع للحكم بل التسع الملازم لدفع المال، وهو غير قول المشهور.


1 . النساء:6.


صفحه72

أقول: إنّ التسع أخذ موضوعاً لعدّة من الأحكام ومنها تسليم مالها إليها لكن لا بمعنى أنّها علّة تامة للدفع، وإنّما هي مقتضية لهذا الحكم أي أنّ لذات التسع ذلك الشأن بخلاف ما دونها، وليس معنى ذات الشأن أنّها كذلك بالفعل، بل ربما يتوقف على حصول شرط آخر، وهو استئناس الرشد، فإن كانت ذات التسع رشيدة في الأُمور المالية يدفع إليها مالها، وإلاّفيصبر الوليّ إلى حصول الرشد. فلا وجه للقول بأنّ الموضوع هو التسع الملازم لدفع المال حتى يغاير قول المشهور بأنّ التسع ذات الاقتضاء لدفع المال. ومبدأ الإشكال أنّه تصوّر انّ ذات التسع علّة تامة لدفع المال وغفل عن كونها علّة مقتضية كما صوّرها القرآن الكريم، حيث قال: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ).

تجد انّه سبحانه لم يقتصر على بلوغ النكاح فقط بل ذكر شرطاً آخر وهو استئناس الرشد منهم، فالروايات كنفس الآية ناظرة إلى الاقتضاء لا إلى العلة التامة، فإن كان الشرط الآخر موجوداً يدفع المال إليها وإلاّ فينتظر.

5. التسع موضوع لقسم من الأحكام لا كلّها

وقد وقع بلوغ التسع في هذه الروايات موضوعاً لقسم من الأحكام، كإقامة الحدود، والتصرف بالأموال وجواز الدخول، والخروج عن اليتم، ولا دليل على أنّه أيضاً موضوع للصيام والحج، والزكاة والصلاة والستر.

يلاحظ عليه: لو افترضنا عدم وجود دليل عام لترتب عامة الأحكام عليه، فيكفي في المقام القياس الأولوي، فإذا حكم عليه بالقطع والجلد،


صفحه73

والرجم والتصرف في الأموال والدخول، فالأولى أن يكون محكوماً بالأحكام الشرعية، على أنّ جواز التصرف في الأموال كاشف عن رشدها وهو يلازم البلوغ غالباً، قال سبحانه: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ).(1) ترى أنّه سبحانه يرتّب التصرف في الأموال، على أمر زائد على البلوغ، فإذا كانت التسع موضوعاً لمثل تلك الأحكام يكشف عن وصولها قمة البلوغ حتى فوضت إليها أموالها. فيترتب عليه سائر الاحكام من وجوب الصلاة والصيام.

أضف إلى ذلك أنّ هنا روايات تدل على ترتّب كلّ الأحكام على من بلغت التسع نظير:

صحيحة ابن سنان: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة، وكتبت عليه السيئة، وعوقب; وإذا بلغت الجارية تسع سنين كذلك».(2)

ويؤيدها خبر المروزي عن الرجل (عليه السلام)قال: «إذا تم للغلام ثمان سنين فجائز أمره، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود، وإذا تم للجارية تسع سنين فكذلك».(2)

والفقيه إذا نظر إلى هذه الروايات في مختلف الأبواب والأحكام، بذهن صاف غير مشوب بالشُبَه والاستحسانات، يقضي بأنّ الشارع، قد أخذ تسع سنين مبدأً للبلوغ ورتّب عليه عامة أحكام البالغين، غاية الأمر لو فقدت الجارية في بعض المناطق، الشرائط اللازمة من القابليات والقدرات بالنسبة إلى بعض الأحكام يُنظر إلى حصولها في المستقبل.


1 . النساء:6.   2 . مرّ برقم 6.

2 . مرّ برقم 8.


صفحه74

 

6. قضايا خارجية لا حقيقية

وربّما يتخيل ان ما ورد عنهم(عليهم السلام)من تحديد البلوغ بالتسع من مقولة «قضايا خارجية» ناظرة إلى ناشئة أعصارهم(عليهم السلام)وبيئتهم ومناقطهم.

ويلاحظ عليه:

ان ما ورد عنهم(عليهم السلام)في بيان الشريعة الإسلامية الغرّاء كلّها قضايا حقيقية لا خارجية، فتكون حجّة في سائر الأعصار وعلى كلّ الأجيال، فإنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)عيبة علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ومصادر الشريعة بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتخصيص بعض أحاديثهم ـ ككون التسع آية البلوغ ـ بعصرهم وبيئتهم أمر لا يُعتد ولا يعتنى به. فكيف يدّعي من يرجّح عدد الثلاث عشر أو التحيّض بأنّ ما دلّ على حدّ هو تسع سنين، من قبيل القضايا الخارجية، ناظر إلى جواري عصر صدر الإسلام لا سائر الأعصار؟!

إذ من العجب أنّ الإمام (عليه السلام)ـ حسب نظر القائل ـ قام ببيان حكم عصره دون العصور الآتية، وقام ببيان حكم الجواري المتواجدين في بيئته وبلده دون سائر البلدان .

أضف إلى ذلك ان هذا الاحتمال يتطرق إلى كل ما صدر عنهم(عليهم السلام)وهذا يورث عدم ثبات الاحكام في اعصارنا المتأخرة.

   


صفحه75

 

2

حدّ البلوغ في الأُنثى هو الثلاث عشرة سنة

هذا هو الاحتمال الثاني في بلوغ الأُنثى ولم نجد بين المتقدّمين والمتأخرين من اعتمد على ذلك الوجه غير ما يظهر من المحقّق الكاشاني:

ويمكن الاستدلال عليه بأُمور:

1. موثقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها وجرى عليها القلم».(1)

والسند مثل الدلالة معتبر إنّما الكلام في صحّة الاحتجاج إذ فيها:

أوّلاً: أنّ مضمونه لا يوافق المدعى، لأنّها تضمّنت كون المعيار: ثلاث عشرة سنة إلاّ إذا حاضت قبل ذلك فعلى ذلك يجب تغيير العنوان بالنحو التالي: حد البلوغ هو الثلاث عشرة سنة إلاّ إذا حاضت قبل ذلك.

وثانياً: أنّها رواية أعرض عنها الأصحاب في المقيس عليه (الغلام)


1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.


صفحه76

فضلاً عن المقيس (الجارية)، وعمار وإن كان متهماً بالفطحية (وإن قيل بعدوله عنها إلى الطريقة الحقّة)، لكنّه ثقة بلا كلام إلاّ انّه يعمل برواياته في غير ما ينفرد بنقله، وقد نقل الشيخ الطوسي في «التهذيب» عن جماعة من الأصحاب انّ ما ينفرد عمار بنقله لا يعمل به.(1)

أضف إلى ذلك أنّ روايات عمار لا تخلو من اضطراب، وقد اتّهم بعدم إجادته للعربية.

قال المحدّث البحراني: لا يبعد أن تكون هذه الرواية من قبيل ما يقع في رواياته من التهافتات والغرائب.(2)

2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: إذا بلغ أشده، ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات وجاز له كلّ شيء إلاّ أن يكون ضعيفاً أو سفيهاً.(3)

وجه الدلالة أنّ الرواية بصدد تفسير «بلوغ الأشد» الوارد في القرآن الكريم وهو غير مختص بالغلام بل يعمّه والجارية، قال سبحانه: (وَ وَصَّيْنَا الإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحساناً حَمَلَتْهُ أُمّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً حتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ).(4)


1 . تنقيح المقال: 2/319، ترجمة عمّار.

2 . الحدائق الناضرة: 13/185.

3 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 11.

4 . الأحقاف: 15.


صفحه77

فتكون النتيجة أنّ بلوغ الأشد هو الحد المشترك بين الغلام والجارية، وقد فسّر بثلاث عشرة سنة.

أقول، أوّلاً: إنّ الآية لا تدل على أزيد من أنّ بلوغ الأشد هوحدّ البلوغ في الغلام والجارية، ولكن لا تدلّ على أنّ بلوغ الأشد في كلا الصنفين يتحقّق في زمان واحد، إذ من المحتمل أن يكون ظرف حصوله في أحد الصنفين متقدماً على حصوله في ظرف آخر، وتصديق ذلك سهل بالنظر إلى أنّهما صنفان من نوع واحد ومن المحتمل اختلافهما في سرعة النضوج وبطئه، وقد دلّت التجارب العلمية على أنّ الموجود، الضعيف البنية، أسرع رشداً من الموجود القوي البنية، مثلاً الازهار تنمو كل يوم أكثر من نمو شجرة الصنوبر، ومن المعلوم أنّ الذكور أقوى بنية من الإناث وهذا شيء لا يمكن إنكاره.

وبذلك تبيّن عدم صحّة الاستدلال بالرواية على المدعى، فإنّ تطبيق بلوغ الأشد في الغلام على ثلاث عشرة، لا يصلح دليلاً على كون الجارية كذلك وانّ بلوغ الأشدّ فيها، بإتمامها الثلاث عشرة كما لا يخفى إذ اشتراكهما في أمر، لا يدل على وحدة زمانه فيهما.

وحصيلة الكلام: أنّ الغلام والجارية يبلغان عند بلوغ الأشد، وأمّا انّ الغاية تتحقق في كلا الصنفين على نحو واحد فهذا ممّا لا تدل عليه الآية ولا الرواية.

وثانياً: الظاهر أنّ لعبد اللّه بن سنان رواية واحدة نقلت بصور وأسانيد مختلفة في الباب الرابع والأربعين من أبواب أحكام الوصايا، وما ذكرناه


صفحه78

إحدى تلك الصور، وإليك الإشارة إلى الصورتين الأخيرتين:

أ. عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول اللّه عزّوجلّ: (حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ)قال: «الاحتلام...».

ب. عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة».

فالصورة الأُولى من الأخيرتين ظاهرة في الذكر بشهادة أنّه فسّر بلوغ الأشد بالاحتلام، وهو منصرف إلى الذكور لا الإناث وإن قلنا بصحّة احتلامها، ووجه الانصراف إنّما هو كثرة استعماله في الذكور، وقلّة استعماله في الإناث لا كثرة الوجود حتى يقال انّ الثانية لا تصلح للإنصراف.

كما أنّ الصورة الثانية بشهادة لفظ الغلام صريحة في الذكور، ومع هذا الاختلاف في نقل رواية واحدة كيف يمكن استفادة حكم الأُنثى بحجّة انّ الإمام فسّر بلوغ الأشد بثلاث عشرة سنة.

3. خبر أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة وأربع عشرة» قلت: فإنّه لم يحتلم فيها، قال: «وإن كان لم يحتلم، فإنّ الأحكام تجري عليه».(1)

   

وجه الاحتجاج أنّ الصبيان وإن كان جمع الصبي، ولكنّه يستعمل في جنس الصبي، وقد جاء في غير واحد من الروايات لفظ الصبيان وأُريد منه مطلق الصغير.


1 . الوسائل: 13، الباب 45 من أحكام الوصايا، الحديث 3.


صفحه79

قال: روى إسحاق بن عمّـار، عن جعفر، عن أبيه، «إنّ عليّاً كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة».(1)

أقول: إنّ استعمال لفظة الصبيان في مطلق الصغير وإن كان صحيحاً ويشهد له كثير من الروايات، لكن القرينة في الرواية تدل على أنّه أُريد به خصوص الصبي، حيث قال في ذيل الرواية، قال: قلت: فإنّه لم يحتلم فيها، قال (عليه السلام): «وإن كان لم يحتلم ...».

فإنّ الاحتلام منصرف إلى الغلام دون الجارية حتى لو قلنا بصحّة احتلامها، فهو أمر نادر الوجود ولا يستعمل فيها إلاّ نادراً فلا ينصرف إليها اللفظ.

وبذلك ظهر أنّه لا دليل معتبر على أنّ حدّ البلوغ في الجارية هو الثلاث عشرة إلاّ موثقة عمار مع أنّ الحكم في المقيس عليه فيها، أعني: الغلام، معرض عنه، فكيف يستدل به على المقيس أي الجارية؟!

علاج الروايات

الظاهر أنّه لا جمع دلالي مقبول بين الطائفتين من الروايات، فتصل النوبة إلى الترجيح، ومن المعلوم أنّ الترجيح مع التسع لوجوه:

الأوّل: انّ الحدّ المذكور قد دلّ عليه ما يناهز خمساً وعشرين رواية بين صحيح وموثّق وحسن وضعيف، وكلّ واحد منها وإن كان خبر واحد، لكن المجموع يفيد القطع بصدوره عن الأئمّة (عليهم السلام)، والتواتر اللفظي وإن كان


1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 6.


صفحه80

غير متحقّق، لكن التواتر المعنوي ـ أعني: الجامع بين مضامين تلك الروايات ـ متحقّق، ومعه كيف يمكن العدول منها إلى غيرها؟!

فلو أخذنا بالثلاث عشرة يلزم رفض ما ثبت وروده بالتواتر الإجمالي، وهذا بخلاف الثلاث عشرة، فإنّه لم يدل عليه إلاّ خبر واحد، وهو موثّقة عمّـار، وأمّا دلالة الخبرين الأخيرين فإنّما كانت باستنباط المستدل، لا بالدلالة اللفظية، حيث إنّ إسراء حكم الغلام المذكور فيهما إلى الجارية كانت نظرية لا دلالة.

الثاني: انّ الشهرة العملية مع الطائفة الأُولى، وقد أمر الإمام الصادق (عليه السلام)في مقبولة عمر بن حنظلة بأخذ المجمع عليه عند الأصحاب، قال: «ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمعَ عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويُترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه».(1)

ومن نظر إلى الكتب الفقهية الاستدلالية أو الفتوائية يجد القول الأوّل مشهوراً متّفقاً عليه، والقول الثاني شاذاً متروكاً، وقد ذكرنا في أبحاثنا الأُصولية (2): إنّ الشهرة العملية ليست من مرجّحات إحدى الحجّتين على الأُخرى، بل هي من مميزات الحجّة من اللا حجّة، بشهادة أنّ الإمام جعل المجمع عليه لا ريب فيه، ومعنى ذلك أنّ خلافه فيه كلّ الريب الذي يساوي الباطل لا فيه بعض الريب، وإلاّ فلو كان المخالف ما فيه الريب، يلزم اجتماع


1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

2 . المحصول في علم الأُصول: 3/207.


صفحه81

اليقين بالشيء مع احتمال خلافه، وهو أمر محال، وذلك لأنّ اتّفاق الأصحاب ـ حسب تعبير الإمام ـ ممّا لا ريب فيه، وما هو كذلك يورث اليقين، ولازم ذلك أن يكون الطرف المقابل ممّا لا ريب في بطلانه، وإلاّ فلو كان فيه الريب بمعنى احتمال صدقه يلزم اجتماع اليقين بالشيء، مع احتمال خلافه.

فالشاذ النادر داخل في بيّن الغيّ من أقسام التثليث الوارد في ذيل المقبولة، لا في القسم الثالث وهو الأمر المشكل الذي يرد علمه إلى اللّه ورسوله.

الثالث: انّ المتتبع في سيرة أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) يقف على أنّهم كانوا يتركون ما سمعوه شفاهاً من لسان الإمام، ويأخذون بما اتّفقت عليه كلمة بطانتهم، وهذا يرشدنا إلى أنّ ما اتّفق عليه الأصحاب بما أنّهم بطانة علوم الأئمّة مقدّم على ما سمعوه من نفس الإمام، لاحتمال وجود التقية فيما سمعوه دون ما اتّفقوا عليه، نظراً لوقوفهم على فتوى الإمام عن كثب.

روى سلمة بن محرز، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ رجلاً مات وأوصى إليّ بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: «اعطها النصف» قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتّقاك إنّما المال لها، قال: فدخلت عليه بعد فقلت: أصلحك اللّه إنّ أصحابنا زعموا أنّك اتقيتني، فقال: «لا واللّه ما اتقيتك، ولكنّي اتقيت عليك أن تضمن فهل علم بذلك أحد؟» قلت: لا، قال: «فاعطها ما بقي».(1)

إنّ لشيخنا المفيد كلمة قيّمة، يجب على مَن يُفتي بكل خبر، ولا يراعي


1 . الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد، الحديث 3.


صفحه82

ضوابط حجّيته، أن يطالعها ويتدبّر فيها ونحن نأتي ببعضها:

قال: «إنّ المكذوب منها لا ينتشر بكثرة الأسانيد، انتشارَ الصحيح المصدوق على الأئمّة (عليهم السلام) فيه، وما خرج للتقية لا تكثر روايته عنهم، كما تكثر رواية المعمول به، بل لابدّ من الرجحان في أحد الطرفين على الآخر من جهة الرواة حسب ما ذكرته».

«ولم تجمع العصابة على شيء كان الحكم فيه تقية ولا شيء دلّس فيه ووضع مخروصاً عليهم وكذب في إضافته إليهم، فإذا وجدنا أحد الحديثين متفقاً على العمل به دون الآخر علمنا أنّ الذي اتّفق على العمل به هو الحقّ في ظاهره وباطنه، وانّ الآخر غير معمول به، إمّا للقول فيه على وجه التقية، أو لوقوع الكذب فيه».

«وإذا وجدنا حديثاً يرويه عشرة من أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) يخالفه حديث آخر في لفظه ومعناه، ولا يصحّ الجمع بينهما على حال، رواه اثنان أو ثلاثة، قضينا بما رواه العشرة ونحوهم على الحديث الذي رواه الاثنان أو الثلاثة، وحملنا ما رواه القليل على وجه التقية أو توهم ناقله».(1)

فتدبّر في ما رواه جماهير الأصحاب في بلوغ الأُنثى، وما تفرد به عمّـار.

   

هذه مكانة الشهرة الفتوائية، وقيمة الإعراض عن الرواية، فالعدول عن هذه السيرة والتمسك بشواذ الروايات، عدول عن الطريق المهيع.


1 . تصحيح الاعتقاد:71، ط تبريز.

Website Security Test