welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه21

 

1. الاحتلام

لقد تضافرت الروايات على أنّ الإحتلام من أمارات البلوغ، وقد عبّر عنه في الروايات، تارة بالفعل الماضي، أعني: قوله: «إذا احتلم». وأُخرى بالمصدر، أعني: قوله: «بَلَغُوا الحُلُم» ، كما نلاحظه من الروايات التالية:

1. ما في خبر طلحة بن زيد، من قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات».(1)

2. ما في رواية حمران من قول أبي جعفر(عليه السلام): «لا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يشعر، أو ينبت».(2) والإنبات هو وجود الشعر في العانة، بخلاف الأوّل وهو وجوده في غيرها.

إلى غير ذلك من الروايات.(3)

والروايات تعاضد الآية، حيث إنّ البلوغ أمر تدريجي، فلو احتلم قبل السن يحكم ببلوغه، وأمّا إذا احتلم بعد السن فيكشف عن بلوغه السابق.

والظاهر من الروايات وكلمات الفقهاء عدم الفرق بين الذكر والأُنثى في هذه العلامة.

قال المحقّق: من علامات البلوغ خروج المني الذي يكون منه الولد


1 . الوسائل: 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 1.

2 . الوسائل: 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 2 .

3 . الوسائل: 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 9، 11، 12.


صفحه22

من الموضع المعتاد ويشترك في هذا، الذكور والإناث.(1)

وقال العلاّمة في «القواعد»: الثاني خروج المني الذي يكون منه الولد من الموضع المعتاد سواء الذكر والأُنثى.(2)

وقال السيد الطباطبائي في العروة: المرأة تحتلم كالرجل، ولو خرج منها المني حينئذ وجب عليها الغسل، والقول بعدم احتلامهن ضعيف.(3)

وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، قال: «إن أنزلت فعليها الغسل، وإن لم تنزل فليس عليها الغسل».(4)

ومع هذا الدعم من الفقهاء والروايات على احتلام المرأة، نجد انّ ثلّة من علماء الطبيعة ينفون أن يكون للمرأة منيّاً، بل يرون انّ لها بويضة تتلاقح مع الحيوان المنوي، وليس لها سائل دافق باسم المني، وما يشاهد من السوائل عند الملاعبة فليس منيّاً لها. واللّه العالم.

2. الإنبات

والمراد إنبات الشعر على العانة من دون فرق بين الذكر والأُنثى، قال الشيخ في الخلاف: الإنبات دلالة على بلوغ المسلمين والمشركين.


1 . شرائع الإسلام : 2/ 351، كتاب الحجر.

2 . قواعد الأحكام: 2 / 133، في حجر الصغير.

3 . الطباطبائي: العروة الوثقى، فصل في غسل الجنابة، المسألة 6.

4 . الوسائل: 1، الباب 7 من أبواب الجنابة، الحديث 5، راجع سائر أحاديث الباب.


صفحه23

وقال أبو حنيفة: الإنبات ليس بدلالة على بلوغ المسلمين ولا المشركين ولا يحكم به بحال.

وقال الشافعي: هو دلالة بلوغ المشركين وفي دلالته على بلوغ المسلمين قولان.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم من غير تفصيل.

وأيضاً ما حكم به سعد بن معاذ على بني قريظة، فإنّه قال: حكمتُ
بأن يُقتل مقاتِِلهم، ويُسبى ذراريهم وأمر بأن يكشف عن عورتهم، فمن
نبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذراري، فبلغ ذلك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال:

«لقد حكم سعد بحكم اللّه من فوق سبع سماوات» وروي «سبعة أرقعة».(1)

والعجب من بعضهم التفريق في هذه العلامة بين المشرك والمسلم. وهل العلامة مطلق إنبات الشعر ولو في الوجه وتحت الإبط والصدر أو نباته على العانة فقط؟ ويذكر الأطباء العلامة الثانية (الإنبات على العانة) على اعتقاد منهم بأنّ إنبات الشعر على العانة له صلة بالقابلية على الإنجاب، وقد وردا في بعض الروايات معاً ـ كما مرّ ـ قوله: أشعر أو أنبت قبل ذلك.

ثمّ الظاهر من إطلاق معقد الإجماع انّه علامة البلوغ مطلقاً من غير فرق بين الذكر والأُنثى، ومن فرّق بينهما فقد فرّق بلا وجه.


1 . الخلاف: 3 / 281، المسألة 1، كتاب الحجر; سنن البيهقي: 9 / 63 باختلاف في الألفاظ.


صفحه24

هذه هي العلامات العامة المشتركة بين الذكر والأُنثى، بقي الكلام في العلامة الخاصة لكل منهما وهي السن، وقد ألّفنا الرسالة لإيضاح هذا الجانب.

3. السن

يقع الكلام في مقامين: سن البلوغ في الذكر، وسنّ البلوغ في الأُنثى.

المقام الأوّل: سن البلوغ في الذكر

لا شكّ انّ السن علامة للبلوغ وقد تضاربت أقوال أهل السنّة، والقول المشهور عند الشيعة هو بلوغه خمس عشرة سنة، ولا بأس بنقل كلمات الفريقين:

1. قال الشيخ في الخلاف: يراعى في حدّ البلوغ في الذكور بالسن خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي، وفي الإناث تسع سنين، وقال الشافعي: خمس عشرة سنة مثل الذكور.

وقال أبو حنيفة: الأُنثى تبلغ باستكمال سبع عشرة سنة، وفي الذكور عنه روايتان:

إحداهما: يبلغ باستكمال تسع عشرة سنة، وهي رواية الأصل.

والأُخرى: ثمان عشرة سنة، وهي رواية الحسن بن زياد اللؤلؤي.

وحكي عن مالك أنّه قال: البلوغ بأن يغلظ الصوت، وأن ينشق


صفحه25

الغضروف وهو رأس الأنف، وأمّا السن فلا يتعلق به البلوغ.وقال داود: لا يحكم بالبلوغ بالسن.(1)

2. وقال العلاّمة: الذكر والمرأة مختلفان في السن، فالذكر يُعلم بلوغه بمضي خمس عشرة سنة، والأُنثى بمضي تسع سنين عند علمائنا، وممّن خالف بين الذكر والأُنثى أبوحنيفة، وسوّى بينهما الشافعي والأوزاعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل ومحمد وأبو يوسف، وقالوا: حدّ بلوغ الذكر والأُنثى بلوغ خمس عشرة سنة.

وقال أبو حنيفة: حدّ بلوغ المرأة سبع عشرة سنة بكلّ حال، وله في الذكر روايتان، إحداهما سبع عشرة سنة أيضاً، والأُخرى ثمان عشرة كاملة.

وقال أصحاب مالك: حدّ البلوغ في المرأة سبع عشرة سنة، وثمان عشرة سنة.(2)

وأمّا أقوال أصحابنا فالظاهر انّها لا تتجاوز عن الثلاثة:

1. انّه الخمس عشرة سنة، وهو القول المشهور الذي كاد أن يكون مورد الاتفاق قبل ظهور الأردبيلي(قدس سره)، نعم مال هو في آخر كلامه إلى غيره.

2. انّه الأربع عشرة سنة، نسبه العلاّمة إلى ابن الجنيد في مختلف الشيعة وقال: استدل ابن الجنيد بحديث أبي حمزة الثمالي وصريح عبارته انّ المستدل هو ابن الجنيد، لا العلاّمة.


1 . الخلاف: 3/282، المسألة 2، كتاب الحجر.

2 . تذكرة الفقهاء:2/74، كتاب الحجر.


صفحه26

3. انّه الثلاث عشرة سنة، وهو مختار الشيخ في قضاء «النهاية»، قال في باب «جامع من القضايا والأحكام» روى عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قلت له: في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة...».(1) والمعروف انّ «النهاية» هو كتاب الفتوى بتجريد المنقول عن الأسانيد، ولكنّه عدل عنه في كتاب «الخلاف» كما سيوافيك.

وأمّا القول بعشر سنين فلا صلة له بالبلوغ وإنّما أجاز الشيخ وغيره وصيةَ الصبي إذا بلغ العشر سنين، كما سيوافيك بيانه.

هذه هي الأقوال ولنذكر خصوص من ادّعى الإجماع أو الاتّفاق أو الشهرة بالنسبة إلى القول الأوّل:

1. قال الشيخ في الخلاف: يراعى في حدّ البلوغ في الذكور بالسن خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي ـ إلى أن قال ـ دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(2)

2. وقال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: (وَابْتَلُوا اليَتامى)(3) قال أصحابنا: حدّ البلوغ إمّا كمال خمس عشرة سنة، أو بلوغ النكاح، أو الإنبات.(4)


1 . النهاية: 354.

2 . الخلاف: 3/282، كتاب الحجر، المسألة 2.

3 . النساء:6.

4 . مجمع البيان:3/16.


صفحه27

3. قال ابن إدريس: والاعتماد عند أصحابنا على البلوغ في الرجال وهو إمّا الاحتلام، أو الإنبات في العانة، أو خمس عشرة سنة وفي النساء الحيض أو الحمل أو تسع سنين.(1)

4. وقال ابن زهرة: حدّ السن في الغلام خمس عشرة سنة، وفي الجارية تسع سنين بدليل الإجماع المشار إليه.(2)

5. قال العلاّمة في «التذكرة»: السن عندنا دليل على البلوغ، وبه قال جماهير العامة كالشافعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل، لما رواه العامة عن ابن عمر: قال: عرضت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في جيش وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردّني، وعرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردّني، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلني.

وعن أنس عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة، كتب ما له وما عليه وأخذت منه الحدود.

وقال تحت قوله: تذنيب: لا يحصل البلوغ بنفس الطعن في سن الخامس عشر إذا لم يستكملها عملاً بالاستصحاب وفتوى الأصحاب.(3)

6. وقال أيضاً: المشهور انّ حدّ البلوغ في الصبي خمس عشرة سنة.

وقال ابن الجنيد: أربع عشرة سنة.(4)


1 . السرائر:2/199، نوادر كتاب القضاء.

2 . غنية النزوع: 215، كتاب الحجر.

3 . تذكرة الفقهاء : 14 / 198 ، كتاب الحجر، البحث الثاني في السن.

4 . المختلف:5/431، كتاب الحجر، ط مؤسسة النشر الإسلامي.


صفحه28

7. وقال الفاضل الآبي: السن وفي كميته اختلاف والعمل على أنّه خمس عشرة سنة، ولعلّ ما وردت بدون ذلك من الروايات محمولة على ما إذا احتلم أو أنبت في تلك السنة فإنّا نشاهد من احتلم في اثني عشرة وثلاث عشرة سنة.(1)

8. وقال ابن فهد: في الحدّ الذي يعرف به بلوغ الذكر للأصحاب أقوال ثلاثة: المشهور خمس عشرة، ثمّ ذكر رواية حمزة بن حمران، ثمّ ذكر القول الثاني وهو ثلاث عشرة إلى أربع عشرة ولم يذكر القول الثالث إلاّ بالإشارة وهو القول بالعشرة، وسيوافيك انّه مختص بنفوذ الوصية.(2)

9. وقال الفاضل المقداد: في تفسير قوله تعالى: (حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاح)أو يبلغ خمس عشرة سنة عندنا.(3)

10. وقال الشهيد الثاني في شرح قول المحقّق «وبالسن وهو بلوغ خمس عشرة سنة للذكر، وفي أُخرى إذا بلغ عشراً وكان بصيراً»، قال: والمشهور بين أصحابنا بل كاد أن يكون إجماعاً هوالأوّل ويعتبر إكمال السنة الخامسة عشرة، وأمّا رواية بلوغ العشر في جواز الوصية فهي صحيحة وفي معناها روايات إلاّأنّها لا تقتضي البلوغ.(4)

هؤلاء من أفتوا بالخمس عشرة سنة وادّعوا عليه الإجماع أو الشهرة


1 . كشف الرموز: 1/552، كتاب الحجر.

2 . المهذّب البارع: 2/517ـ 518.

3 . كنز العرفان:2/103.

4 . مسالك الأفهام: 4/144، كتاب الحجر.


صفحه29

وأمّا الذين أفتوا بالخمس عشرة سنة ولم يدّعوا عليه الإجماع فحدِّث عنه ولا حرج، فقد نقله السيد العاملي، عن كثير من الكتب الفقهية، ومن أراد فليرجع إلى «مفتاح الكرامة».(1)

دليل القول المشهور

ولنتناول دليل القول المشهور بالبحث ثمّ نعد إلى القولين الآخرين.

واعلم أنّه يدلّ على القول المشهور أُمور:

1. خبر حمران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): قلت له متى يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامة، ويقام عليه ويؤخذ بها؟ قال: « إذا خرج عنه اليتم وأدرك» قلت: فلذلك حدّ يعرف به؟ فقال: «إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر، أو أنبت قبل ذلك، أُقيمت عليه الحدود التامة وأُخذ بها وأُخذت له ـ إلى أن قال: ـ ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يشعر، أو ينبت قبل ذلك».(2)

وفي سند الرواية 1. عبد العزيز العبدي 2. حمزة بن حمران، 3. حمران.

أمّا الأخير فهو حمران بن أعين يصفه أبو غالب الزراري، بقوله: لقي سيدنا سيد العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام)، وكان من أكبر مشايخ الشيعة


1 . مفتاح الكرامة: 5/238، كتاب الحجر.

2 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2.


صفحه30

المفضّلين الذين لا يشك فيهم، وكان أحد حملة القرآن، ومن بعده يذكر اسمه في القراءات.(1)

وأمّا الثاني، فلم يرد في حقّه مدح ولا ذم، ولكن رواية المشايخ كصفوان وابن أبي عمير، وجمع كثير من الأكابر عنه (2) ، يورث الوثوق.

وأمّا الأوّل فضعّفه النجاشي قائلاً: كوفي روى عن أبي عبد اللّه، ضعيف ذكره ابن نوح، له كتاب، يرويه جماعة ـ إلى أن قال: ـ عن الحسن بن محبوب بن عبد العزيز بكتابه.(2) ويحتمل جداً أن يكون تضعيفه لوجود الغلو في عقيدته الذي لا ينافي صدق لسانه ويؤيده احتمال اتحاده مع عبد العزيز بن عبد اللّه الذي روى الاربليّ في «كشف الغمة» ما يدل على وجود الغلو فيه.(4) وعلى كلّ تقدير فالرواية صالحة للتأييد بل للاستدلال، وسنعود إليها أيضاً عند الكلام في بلوغ الأُنثى.

2. صحيح يزيد الكناسي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): متى يجوز للأب أن يزوج ابنته ولا يستأمرها؟ قال: إذا جازت تسـع سنين ـ إلى أن قال:ـ قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: «يا أبا خالد انّ الغلام إذا زوّجه أبوه ولم يدرك كان بالخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك».(3)

والسند لا غبار عليه إلاّ في الأخير، وأمّا يزيد فهو أبو خالد القماط الذي


1 . قاموس الرجال: 4 / 13.   2 . قاموس الرجال: 4 / 28.

2 . قاموس الرجال: 6/179.   4 . قاموس الرجال:6/178.

3 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.


صفحه31

ترجَمه النجاشي، وقال: يزيد أبو خالد القماط كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه، له كتاب يرويه جماعة.(1) ولم يصفه النجاشي بالكناسي.

ولكن وُصِفَ في سند الرواية بالكناسي الذي عنونه الشيخ ولم يوثقه، وتُحْتَمَل وحدة الراويين فيكون ثقة، ويحتمل تعددهما بشهادة انّه لو كان الوارد في رجال النجاشي هو نفس ما عنونه الشيخ، كان عليه، وصفه بالكناسي لأنّ اشتهاره به كما يظهر من الشيخ، يوجب ذكره.

والذي يدل على التعدّد، اختلاف من يروي عنهما، فيروي عن يزيد أبي خالد القماط: 1. درست بن منصور، 2. علي بن عقبة، 3. إبراهيم بن عمر، 4. خالد بن نافع، 5. صالح بن عقبة، 6. صفوان بن يحيى، 7. محمد ابن أبي حمزة، 8. محمد بن سنان، 9. يحيى بن عمران، 10. ثعلبة.

ويروي عن يزيد الكناسي: 1. هشام بن سالم، 2. أبو أيوب، 3. جميل بن صالح، 4. حسن بن محبوب، 5. علي بن رئاب.

ولو كان الاسمان لمسمّى واحد، يلزم اشتراكهما فيمن يروي عنهما في الغالب.

مضافاً إلى ما في المتن من التفصيل الغريب حيث حكم انّ الجارية البالغة إذا عقدت بعد البلوغ فليس لها الخيار، بخلاف غير البالغة وهو عجيب جداً، ولأجل ذلك أعرض عنه المشهور.(2) نعم ورد في الوسائل اسم «بريد» مكان «يزيد» وهو تصحيف قطعاً، لأنّ كلّ من كُنّي بـ «أبي خالد»، فاسمه يزيد


1 . رجال النجاشي: رقم 1224.

2 . لاحظ كتابنا: نظام النكاح في الشريعة الإسلامية:1/169.


صفحه32

كأبي خالد الأعور، وأبي خالد البزاز، وعلى كلّ تقدير لم يثبت أن يزيد الكناسي الوارد في الرواية والذي عنونه الشيخ ولم يوثّقه، نفس ما عنونه النجاشي باسم يزيد أبو خالد القماط ووثقه فالرواية صالحة للتأييد لا للاحتجاج كالرواية السابقة.

3. ما رواه يزيد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) وفيه: أمّا الحدود الكاملة التي يؤخذ بها الرجال فلا، ولكن يجلد في الحدود كلّها على مبلغ سنّه (فيؤخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة) ولا تبطل حدود اللّه في خلقه ولا تبطل حقوق المسلمين بينهم.(1) والمذكور بين الهلالين رواه الشيخ في التهذيب دون الكليني، أضف إليه، انّه يحتمل وحدة الروايتين وإن اختلفتا في اللفظ كثيراً وتؤيده وحدة السند في ما روي في باب النكاح وما روي في باب الحدود، فعدّه رواية ثالثة كما في الجواهر لا يخلو من تأمّل.

هذه هي الروايات التي عرفت حالها، ولأجل ذلك قال الأردبيلي: وبالجملة ما رأيت خبراً صحيحاً صريحاً في الدلالة على خمس عشرة سنة فكيف في إكماله؟(2)

ولكن في الشهرة المحقّقة والإجماعات المدعاة غنى وكفاية، وقد حقّقنا في الأُصول انّ الشهرة الفتوائية بنفسها حجّة شرعية، وكان أصحاب الإمام الصادق، يقدّمونها على النص المسموع من الإمام لاحتمال التقيّة في المسموع دون المشهور بين أصحابه، فلاحظ.(3)


1 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1.

2 . مجمع الفائدة: 9/188.   3 . المحصول: 3/214.


صفحه33

وكمْ لهُ من شواهد في الروايات النبوية وفقه السيرة النبوية نأتي بها:

1. «فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له، وماعليه، وأخذ منه الحدود».(1)

2. انّ عبد اللّه بن عمر عرض على النبي عام بدر وهو ابن ثلاث عشرة سنة فردّه، وعرض عليه عام أُحد وهو ابن أربع عشرة سنة فردّه، ولم يره بالغاً، وعرض عليه عام الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه في المقاتلة.(2)

3. عُرض على النبي يوم أُحد: أُسامة بن زيد، وزيد بن ثابت وأُسيد بن ظهير فردّهم، ثمّ أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة سنة وانّ من جملة من ردّ في ذلك اليوم البراء بن عازب وأبو سعيد الخدري، وزيد بن أرقم.(3)

4. ويمكن استفادة القول المشهور من صحيح معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في كم يؤخذ الصبيّ بالصيام؟ قال: «ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة، فإنْ هو صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته».(4)

والمراد من قوله: «كم يؤخذ الصبيّ بالصيام» أي يؤمر به لئلاّ يشقّ له بعد البلوغ.


1 . الخلاف: الجزء 3، كتاب الحجر، المسألة 2.

2 . سنن البيهقي: 6/55.

3 . عيون الأثر، لابن سيد الناس: 1 / 410 .

4 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.


صفحه34

ولا غبار في السند، وأمّا تقديم خمس عشرة سنة على أربع عشرة سنة، فلعلّه من تصرف الراوي، وقد عبر الصدوق في «المقنع» بقوله: روي أنّ الغلام يؤخذ بالصوم ما بين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك.(1)

وعلى ضوء ذلك فقد كان تعبير الإمام بالنحو التالي:

«ما بينه وبين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة» ومن المعلوم أنّه يشتد الأخذ حسب بلوغه وطعنه في العمر.

وجه الاستدلال: انّ الرواية بصدد بيان وظيفة الولي وأنّها تنتهي ببلوغ الصبي الخمس عشرة ولازمه استقلال الصبي وانتهاء ولاية الوليّ بذلك، وهو يلازم البلوغ.

ويؤيد ما ذكرنا صدر هذه الرواية المروية في الوسائل في أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، جاء فيه: كم يؤخذ الصبي في الصلاة؟ قال: «ما بين سبع سنين وست سنين».(2) وبما أنّ الصلاة أخف من الصوم يؤخذ الصبي في السنين الست أو السبع، وأمّا الصوم فيحتاج إلى قوّة وقدرة فيؤخذ إذا بلغ أربع عشرة أو خمس عشرة، فدلالة الرواية على القول المشهور دلالة التزامية. لان معناه انتهاء مراقبة الولي عند بلوغ الصبي خمس عشرة سنة وهو يلازم بلوغه في نفس السنة.

5. مرسلة عباس بن عامر، عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:


1 . المقنع: 195، كتاب الصوم، الباب 8.

2 . الوسائل: 3، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.


صفحه35

«يؤدّب الصبي على الصوم ما بين خمس عشرة سنة إلى ست عشرة سنة».(1)

وجه الاستدلال على القول المشهور على نحو ما مرّفي الرواية السابقة وهوأنّ الرواية بصدد بيان وظيفة الولي وأنّها تنتهي عند الست عشرة ومعناه انتهاء الولاية واستقلاله في تصرفاته وهو يلازم البلوغ.

هذه هي الروايات التي تدل على القول المشهور إمّا بالدلالة المطابقية أو الإلتزامية، ولعلّ المجموع يثبت القول المشهور وإن كان كلّ واحد غير خال عن الإشكال. نعم، لا محيص عن حمل الرواية الأخيرة على إكمال الخمس عشرة والدخول في الست عشرة حتى تنطبق على الروايات السابقة وحملها على إكمال الست عشرة يستلزم تحقّق البلوغ بالدخول في السبع عشرة ولم يقل به أحد.

عرض الروايات المخالفة

هناك روايات تدل على أنّ حدّالبلوغ هو الثلاث عشرة فإن أُريد منه كمال العدد والدخول في الأربع عشرة، تنطبق على قول ابن الجنيد إذا أراد ـ هو ـ من قوله أربع عشرة، الدخولَ في العام الرابع عشر، وهذه الروايات لا تتجاوز عن ثلاث:

1. خبر أبي حمزة الثمالي.


1 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 13.


صفحه36

2. صحيح ابن سنان الذي روي بطرق ثلاث وتنتهي الجميع إلى عبد اللّه بن سنان.

3. رواية عمار الساباطي.

1. خبر أبي حمزة الثمالي

روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة وأربع عشرة» قلت: فإن لم يحتلم فيها، قال: «وإن كان لم يحتلم، فإنّ الأحكام تجري عليه».(1)

وقوله: «كم تجري الأحكام» يعم العبادات والمعاملات والسياسات، والإمام يركّز على السن بما هو سن، وانّه تجري عليه الأحكام إذا بلغ الثلاث عشرة، وحمله على ما إذا أنبت أو أشعر، كما عليه الشيخ الطوسي لرفع المعارضة بينها وما دلّ على الخمس عشرة سنة خلاف الظاهر.

2. صحيح عبد اللّه بن سنان

وقد روي بأسانيد ثلاثة مع الاختلاف في المضمون، وإليك بيانها:

أ. صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول اللّه عزّ وجلّ: (حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ)(2) قال: «الاحتلام» قال: فقال: يحتلم في ست عشرة وسبع عشرة سنة ونحوها؟ فقال: «لا إذا أتت عليه


1 . الوسائل: 13، الباب 45 من أحكام الوصايا، الحديث3.

2 . الأحقاف:15.


صفحه37

ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات، وجاز أمره إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً».(1)

والرواية تعم العبادات والمعاملات بقرينة انّ السائل سأل عن تفسير قوله تعالى: (حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ) الذي ورد في المعاملات قوله سبحانه: (وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).(2)

ب. صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا بلغ أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة، وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات، وكتبت له الحسنات وجاز له كلّ شيء إلاّ أن يكون ضعيفاً أو سفيهاً».(3)

والرواية تعم الأحكام والمعاملات بقرينة التركيز على بلوغ الأشد وفي السند الحسن بن بنت الياس، والمراد منه هو الحسن بن علي بن زياد الوشاء الثقة الذي نقل عنه النجاشي في ترجمته، أنّه قال: لقد رأيت في هذا المسجد (مسجد الكوفة) تسعمائة رجل كلٌّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد (عليهما السلام).

ج. صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين كذلك وذلك أنّها تحيض لتسع سنين».(4)


1 . الوسائل: 13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث8.

2 . الأنعام:152.

3 . الوسائل: 13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث 11.

4 . الوسائل: 13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث 12.


صفحه38

والرواية قابلة للحمل على العبادات، وسيوافيك الكلام في ذيل الحديث.

3. رواية عمار الساباطي

روى الشيخ بسنده عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (م/262هـ) عن أحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن فضال الثقة، عن عمرو بن سعيد المدائني الثقة، عن مصدق بن صدقة الثقة، عن عمّار الساباطي الثقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم».(1)

والرواية معارضة لفتوى المشهور وهل هنا جمع دلالي بين الفريقين، الظاهر لا، بل يجب الرجوع إلى المرجّحات؟ وأنّ الترجيح للصنف الأوّل لأنّه المشهور فتوى ونقلاً، وسيوافيك بعض ما قيل من الجمع مع ما هو الحقّ في المقام.

وهناك روايات تدلّ على نفوذ وصية الصغير إذا بلغ عشر سنين.

روى أبو بصير المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حقّ جازت وصيته وإذا كان ابن سبع سنين


1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.


صفحه39

فأوصى من ماله باليسير في حقّ جازت وصيّته».(1)

ولكن الروايات لا تمتُّ إلى المقام بصلة، لأنّ نفوذ الوصية لا يدل على بلوغه حتى يحكم عليه بجميع الأحكام، وإنّما هو حكم خاص في باب الوصية، وقد عمل بتلك الروايات أكثر علمائنا كما حكاه الشيخ الحر العاملي في حاشيته على هذا الباب في كتاب «الوسائل»، حيث قال: أكثر علمائنا على صحّة وصيّة من بلغ عشراً، وابن الجنيد على صحّة وصيّة الصبي لثمان والبنت لسبع لرواية الحسن بن راشد، ذكره في «التذكرة» وقد تقدّمت الرواية في كتاب الصدقات.(2)

وأمّا الجمع بين الروايات فهناك تقريبات مختلفة:

الأوّل: ما ذكره المحدّث البحراني: قال: فلا يبعد عندي في الجمع بين الأخبار المذكورة حمل ما دلّ على البلوغ بخمس عشرة على الحدود والمعاملات، كما هو مقتضى سياق رواية حمران الدالّة على أنّ حدّ البلوغ هو الخمس عشرة سنة، وحمل ما دلّ على ما دون ذلك على العبادات.(3)

يلاحظ عليه: أنّ رواية ابن سنان التي هي الدليل المهم للقول المخالف (ثلاث عشرة) في المقام جاءت في مورد المعاملات حيث سأل السائلُ الإمامَ عن معنى بلوغ الأشد وفسّـره (عليه السلام) بالسن المذكور واللفظة وردت في


1 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2، ولاحظ الحديث 1، 3، 4، 5، 6، 7.

2 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، قسم التعليقة.

3 . الحدائق:13/185.


صفحه40

الآية في باب الأموال، قال سبحانه: (وَ لا تَقْرَبُوا مالَ اليَتيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) .(1)

الثاني: حمل ما دلّ على أنّ سن البلوغ هو الخمس عشرة على باب الحدود.

يلاحظ عليه: أنّ رواية حمران التي هي الدليل المهم للقول بالخمس عشرة جاءت في مورد المعاملات أيضاً، وقد جاء فيه قوله: والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع ولا يخرج عن اليتم حتى يبلغ خمس عشرة.(2) وهو دليل على شموله لباب المعاملات أيضاً.

أضف إلى ذلك انّ الظاهر من رواية علي بن الفضل الواسطي كفاية السن المزبور في تحليل المطلقة ثلاثاً.(3) وهو آية عدم اختصاصه بالحدود.

الثالث: ما ذكره أيضاً صاحب الحدائق بقوله: ويحتمل خروج بعضها مخرج التقية إلاّ أنّه لا يحضرني الآن مذهب العامة في هذه المسألة.(4)

أقول: إنّ أحداً من العامة لم يذهب إلى القول بثلاث عشرة.

نعم، قال الشافعي وجماعة بأنّ سن البلوغ في الذكر هو الخمس عشرة.

الرابع: ما ذكره أيضاً صاحب الحدائق بقوله: ويمكن أن يحمل الاختلاف في هذه الأخبار على اختلاف الناس في الفهم والذكاء وقوة العقل


1 . الأنعام:152.

2 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 2.

3 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث1.

4 . الحدائق:13/185.


صفحه41

وقوة البدن، ولذا ورد في رواية الثمالي: « ثلاث عشرة وأربع عشرة».وفي صحيحة معاوية بن وهب: «خمس عشرة وأربع عشرة» ولذا تراها أيضاً اختلفت في الاحتلام، فظاهر موثقة عبد اللّه بن سنان انّ الاحتلام في ست عشرة وسبع عشرة ونحوهما، وظاهر رواية عيسى بن يزيد انّه يحتلم لأربع عشرة، وظاهر موثقة عمّار أنّه يحتلم قبل ثلاث عشرة، إلاّ أنّه لا يبعد أن يكون هذا من قبيل ما يقع في رواياته من التهافتات والغرائب كما يفهم منها أيضاً من أنّ بلوغ الجارية إذا أتى لها ثلاث عشرة سنة مع استفاضة الأخبار واتّفاق العلماء على أنّها تبلغ بتسع سنين أو عشر.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ إذا كان الدليل على البلوغ هو الاحتلام، وإنبات الشعر على العانة ولا شكّ أنّهما يختلفان حسب اختلاف الأمزجة.

إنّما الكلام في انسجامها مع القول بأنّ للبلوغ وراء الاحتلام والإنبات دليلاً آخر، وهو السن وقد اضطربت الروايات فيه، بين خمس عشرة إلى ثلاث عشرة، فتفسير الاختلاف بالاختلاف في الأمزجة يوجب الفوضى في المجتمع، فمن مصلِّ وصائم في الثلاث عشرة بادّعاء انّه قويّ البنية، إلى تارك للصلاة ومفطر للصوم بادّعاء انّه ضعيف البنية.

وهناك جمع آخر للروايات المتعارضة أشار إليه الفيض الكاشاني في كتابه «مفاتيح الشرائع» حيث جعل للبلوغ مراتب باعتبار التكاليف غير أنّ كلامه ناظر إلى اختلاف الروايات في حق الأُنثى، لا في حق الذكر، ولأجل


1 . الحدائق: 13/184ـ185.


صفحه42

ذلك نأتي بنص كلامه في المقام الثاني.

والحقّ أن يقال: إنّ المورد من الموارد التي يرجع فيه إلى المرجحات، وقد قررنا في محلّه أنّ المرجحات عند القوم على قسمين; قسم تميّز به الحجّة عن اللاحجة كالشهرة العملية، وآخر ترجح به إحدى الحجتين على الأُخرى كمخالفة العامة، أو موافقة الكتاب (على تأمّل في الأخير) .

والمقام من قبيل القسم الأوّل، فإنّ ما دلّ على الخمس عشرة وإن كان لا يتجاوز عن روايتين لكنّهما مشهورتان رواية وفتوى، بخلاف الثانية فإنّها وإن امتازت بالشهرة الروائية، لكنها في الوقت نفسه غير مفتى بها، قد أعرض عنها المشهور من العلماء، وإمعان النظر في رواية عمر بن حنظلة وغيرها يثبت أنّ موافقة الشهرة من الأُمور التي تُضفي الحجّية للحديث الموافق وتسلبها عن المخالف، وليست الشهرة العملية كمخالفة العامة التي تميز الحجة الفعلية، عن الحجة الشأنيّة (1).

ثمّ إنّ ظاهر الأخبار وعبارات الأصحاب انّ المراد من الخمس عشرة هو إكمالها إذ لا يطلق على من دخل في الخمس عشرة انّه ذو سن كذا، قال الشهيد في المسالك: ويعتبر إكمال السنة الخامسة عشرة في الذكر والتاسعة في الأُنثى فلا يكفي الطعن فيها عملاً بالاستصحاب وفتوى الأصحاب، ولأنّ الداخل في السنة الأخيرة لا يسمّى ابن خمس عشرة سنة لغة ولا عرفاً والاكتفاء بالطعن فيها وجه للشافعية.(2)


1 . لاحظ كتاب المحصول في علم الأُصول: 3/ 206ـ214، تقرير ابحاثنا في أُصول الفقه.

2 . مسالك الأفهام:1/255، كتاب الحجر.


صفحه43

بقي هنا أُمور:

الأوّل: نسب إلى الصدوق أنّه قال بالثلاث عشرة للغلام مع أنّ كلامه في «المقنع» لا يوافق الحكاية، قال: اعلم أنّ الغلام يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيق، فإن أطاق إلى الظهر أوبعده صام إلى ذلك الوقت، فإذا غلب عليه الجوع والعطش أفطر، وإذا صام ثلاثة أيام ولاءً أُخذ بصوم الشهر كلّه.

وروي أنّ الغلام يؤخذ ما بين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك.(1)

وأنت ترى أنّه ليس بصدد بيان حدّ البلوغ وإنّما هو بصدد بيان وظيفة الولي وانّها تمتد إلى خمس عشرة سنة فالعبارة ظاهرة في دعم القول المشهور ولا دلالة لها على خلافه.

الثاني: استظهر المحقّق الأردبيلي من كتابي «التهذيب» و«الاستبصار» أنّ الشيخ قائل بأنّ حدّ البلوغ هو ثلاث عشرة سنة، قال: وهو الظاهر من «التهذيب» و «الاستبصار» حيث ذكر فيهما رواية عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة أو حاضت قبل ذلك وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم».(2)


1 . المقنع: 195، كتاب الصيام، الباب 8.

2 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.


صفحه44

ثمّ نقل بعد ذلك رواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا أتى على الصبي ست سنين وجبت عليه الصلاة، وإذا أطاق الصوم وجب عليه الصيام» (1) .

ثمّ إنّه تصدى لتأويل الحديث الأخير دون الأوّل، وهذا يدل على أنّ الحديث الأوّل مختاره وإلاّ لو كان الأوّل كالثاني كان عليه تأويلهما، وإليك نصّ كلام الشيخ في تأويل الحديث الثاني.

قال: قوله (عليه السلام): «إذا أطاق وجب عليه الصيام» محمول على التأديب دون الفرض، لأنّ الفرض إنّما يتعلّق وجوبه بحال الكمال على ما بيّناه، وكذلك قوله (عليه السلام): «إذا أتى عليه ست سنين» وفي الخبر الآخر: «أو سبع سنين وجب عليه الصلاة» محمول على الاستحباب والتأديب، لأنّ الفرض يتعلّق بحال الكمال على ما بيّناه.(2)

يلاحظ على ما ذكره بأنّ الشيخ ذكر قبل الحديث الأوّل، حديث علي ابن جعفر وقد أُنيط وجوب الصلاة والصوم بمراهقة الحلم وهو يتأخّر عن الثلاث عشرة، قال: عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الغلام متى يجب عليه الصوم والصلاة؟ قال: إذا راهق الحلم وعرف الصلاة والصوم».

ولعلّه اعتمد على هذا الحديث دون حديث إسحاق بن عمّار.


1 . الوسائل: 3، الباب 3 من اعداد الفرائض، الحديث 4.

2 . مجمع الفائدة و البرهان:9/189 بتوضيح منا; التهذيب:2/381، و الحديث الأوّل برقم 5 و الثاني برقم 8.


صفحه45

الثالث: يظهر من المحقّق الأردبيلي الجنوح إلى القول بالثلاث عشرة سنة، قال: وليس على إكمال خمس عشرة إجماع، فإنّ البعض ذهب إلى أنّ الشروع يكفي، وذهب البعض إلى ثلاث عشرة، ثمّ ذكر كلام الشيخ في التهذيب الآنف الذكر، قال: والظاهر انّ غيره أيضاً ذهب إلى ثلاث عشرة من الذكور، فلا إجماع في عدم الوجوب إلاّ بالحلم أو الإنبات أو خمس عشرة.

ثمّ استدل برواية معاوية بن وهب التي مرّت، هذا تمام الكلام في بلوغ الصبي، وإليك الكلام في بلوغ الصبية.

المقام الثاني: سنّ البلوغ في الأُنثى

استقر المذهب الفقهي للشيعة على أنّ حدّ البلوغ للأُنثى هو تسع سنين، ولو خالف فقيه في كتاب رجع عنه في كتاب آخر، وربما يمكن الجمع بين بعض الأقوال، مثلاً من قال بعشر سنين، فيراد منه إكمال التسع ولا يعلم إلاّ بالدخول في العشر، والشهرة الفتوائية بلغت حدّاً لا حاجة إلى نقل كلمات الموافقين، وإنّما تلزم الإشارة إلى المخالف أو من تُستشم من كلامه المخالفة، ومع ذلك ننقل بعض الكلمات من الفريقين:

1. قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): ولا تتزوج امرأةً حتى تبلغ تسع سنين، فإن تزوجتها قبل أن تبلغ تسع سنين فأصابها عيب فأنت ضامن .(1)

2. وقال الشيخ المفيد (رحمه الله): والأُم أحق بكفالة البنت حتى تبلغ تسع سنين .(2)


1 . المقنع: 308. ولاحظ : من لا يحضره الفقيه: 4 / 221، باب انقطاع يتم اليتيم، برقم 5520.

2 . المقنعة: 531، و 747 .


صفحه46

3. وقال أبو الصلاح الحلبي: إذا انعقد النكاح استحقت المزوجة الصداق، والزوج التسليم إن كانت ممن يصحّ الدخول بها ببلوغها تسع سنين فما زاد.(1)

4. وقال سلاّر بنفس الكلام الّذي مضى ذكره عن الشيخ المفيد في المقنعة .(2)

5. قال الشيخ في «الخلاف»: يراعى في حدّ البلوغ في الإناث بالسن تسع سنين.(2)

ثمّ ادّعى الإجماع عليه ولم يذكر قولاً آخر.

6. وقال في «نهايته»: وحدّ الجارية التي يجوز لها العقد على نفسها، أو يجوز لها أن تولّي من يعقد عليها تسع سنين فصاعداً.(3)

7. وقال في «المبسوط»: وأمّا البلوغ فهو شرط في وجوب العبادات الشرعية، وحدّه الاحتلام في الرجال، والحيض في النساء، أو الإنبات، أو الاشعار، أو يكمل له خمس عشرة سنة، والمرأة تبلغ عشر سنين.(4)

ولا تنافي بين القولين كما عرفت.

8 . وقال في «المبسوط» في كتاب الحجر: وأمّا السن فحدّه في الذكور خمس عشرة سنة، وفي الإناث تسع سنين وروي عشر سنين.(5)


1 . الكافي: 294 .   2 . المراسم العلوية: 166، 168 .

2 . الخلاف: 3/382، كتاب الحجر، المسألة 2.

3 . النهاية:468، كتاب النكاح، باب من يتولى العقد على النساء.

4 . المبسوط:1/266، كتاب الصوم، فصل في ذكر حقيقة الصوم.

5 . المبسوط: 2 / 283 ـ 284، كتاب الحجر.


صفحه47

فقد أفتى في كتاب «النهاية» وكتاب الحجر من «المبسوط» بالتسع، وأفتى في كتاب الصوم من «المبسوط»بالعشر، وبما أنّ كتاب الحجر متأخر، وضعاً عن الصوم فقد عدل عمّا في الصوم، أو أراد منه إكمال التسع الذي يعلم بدخول العشر.

9. وقال ابن إدريس في «السرائر»: والمرأة تعرف بلوغها من خمس طرائق: إمّا الاحتلام، أو الإنبات، أو بلوغ تسع سنين، وقد ذكر شيخنا أبوجعفر (رحمه الله) في «مبسوطه» في كتاب الصوم عشر سنين(1)، وفي «نهايته» تسع سنين وهوالصحيح، فإذا بلغتها وكانت رشيدة سلَّم الوصي إليها مالها، وهو بلوغها الوقت الذي يصحّ أن تعقد على نفسها عقدة النكاح ويحل للبعل الدخول بها بغير خلاف بين الشيعة الاثني عشرية، ـ والحيض والحمل ـ وهكذا يذكر في الكتب، والمحصّل من هذا بلوغ التسع سنين، لأنّها لا تحيض قبل ذلك ولا تحمل قبل ذلك فعاد الأمر إلى بلوغ التسع سنين.(2)

10. وقال ابن سعيد: وبلوغ المرأة والرجل بالاحتلام، وتختص المرأة بالحيض وبلوغ عشر سنين.(3) ولعلّه أراد الدخول في العشر ليكون دليلاً على كمال التسع.

11. وقال ابن حمزة: في كتاب الخمس: وبلوغ الرجل بأحد ثلاثة


1 . وقد مرّ عدوله عنه في كتاب الحجر أيضاً، و كأنّه (قدس سره) لم يقف على عدوله في ذلك الكتـاب.

2 . السرائر:1/367، كتاب الصوم.

3 . الجامع للشرائع:153، كتاب الصوم.


صفحه48

أشياء: الاحتلام، والإنبات، وتمام خمس عشرة سنة، وبلوغ المرأة بأحد شيئين: الحيض، وتمام عشر سنين.(1)

12. ولكنّه عدل عنه في كتاب النكاح المتأخر عنه وضعاً، قال: وبلوغ المرأة يعرف بالحيض، أو بلوغها تسع سنين فصاعداً.(2)

13. وقال العلاّمة في «التذكرة»: والأُنثى بمضي تسع سنين عند علمائنا.(3)

14. وقال المحقّق الأردبيلي في شرح قول العلاّمة: «وببلوغ تسع»: وأمّا السن فالأخبار عليه كثيرة في النكاح حيث جوّز الدخول بعد التسع دون قبله، وهو مشعر بالبلوغ بعده لثبوت تحريم الدخول قبله عندهم ـ كأنّه ـ بالإجماع ويفهم من التذكرة كون البلوغ بتسع إجماعياً عندنا فتأمّل، كذا في الحدود، وفي الأخبار المتقدمة أيضاً دلالة عليه فافهم.(4)

15. وقال المحدّث البحراني: وبلوغ التسع بمعنى كمالها في الأُنثى على المشهور.(5)

16. وقال في «الجواهر» في شرح قول المحقّق«والأُنثى تسع»: على المشهور بين الأصحاب بل هو الذي استقر عليه المذهب خلافاً للشيخ في


1 . الوسيلة:137، كتاب الخمس.

2 . الوسيلة:301، كتاب النكاح.

3 . التذكرة: 2/75.

4 . مجمع الفائدة:9/192، كتاب الديون. و قد تقدم عبارة التذكرة في الصبي.

5 . الحدائق:12/181.


صفحه49

صوم «المبسوط»، وابن حمزة في خمس «الوسيلة»، فبالعشر إلاّ أنّ الشيخ قد رجع عنه في كتاب الحجر فوافق المشهور، وكذا الثاني في كتاب النكاح منها بل قد يرشدك ذلك منهما إلى إرادة توقّف العلم بكمال التسع على الدخول على العشر.(1)

وقد علم من كلماتهم أنّ القول بالتسع هو المشهور، وانّه لم يثبت قائل بالعشر غير الشيخ وابن حمزة وقد عدلا عن رأيهما فالشيخ عدل عنه في كتاب الحجر، وابن حمزة عدل عنه في كتاب النكاح، وعبارة ابن سعيد قابلة للحمل على كمال التسع.

وهناك أقوال أُخر منها:

1. بلوغ الأُنثى، بثلاث عشرة سنة.

2. بلوغها بالطمث والحيض.

3. للبلوغ مراتب حسب اختلاف الأحكام.

وإليك استعراض الأقوال واحداً تلو الآخر.


1 . الجواهر:26/38.

Website Security Test