welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه540

 

الثالث: الترجيح بالشهرة الفتوائية

إنّ شهرة الإفتاء بالثلث بين القدماء أمر ظاهر والمقصود من فتوى القدماء هو نقل الرواة الوعاة من أصحاب الأئمة(عليهم السلام)وعلى رأسهم محمد بن مسلم، وإسماعيل بن همّام وحسن بن الجهم وسماعة والحلبي الذين رووا الإخراج من الثلث، وقد يظهر من كثير من الأسئلة عن جواز التصرف في المرض وعدمه، أنّ المنع كان ذائعاً وشائعاً بين أصحاب الأئمة ولذلك عادوا يسألون أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عنه.

نعم الشهرة الفتوائية من عصر الكليني إلى يومنا هذا ليست مستقرة على أحد الحكمين، بل لكلّ من القولين قائل ودليل.

الرابع: القول بالإخراج من الأصل يناقض الحكمة

ما أشرنا إليه تبعاً لصاحب الجواهر من أنّ القول بالإخراج من الأصل أشبه بفتح الذرائع، وأشار إليه أيضاً صاحب المسالك وقال: لولا كونها من الثلث لاختلّت حكمة حصر الوصيّة في الثلث فإنّه لولاه لالتجأ كل من يريد الزيادة في الوصية على الثلث إلى العطايا المنجزة، فيفوت الغرض الباعث من المنع على الزائد.(1)

ولكنه (قدس سره)ناقش في تلك الحكمة قائلاً: إنّها غير منصوصة . وليس ببعيد أن يكون الحكم في ذلك سهولة إخراج المال بعد الموت على النفس حيث


1 . المسالك: 6 / 307. ملخصاً.


صفحه541

يصير للغير فيمنع من التجري عليه لتضييع حق غيره وهذه الحكمة ليست حاصلة في الحيّ وإن كان مريضاً، لأنّ البرء ممكن، والشح بالمال في الجملة حاصل فيكون كتصرف الصحيح في ماله لا في مال غيره. وكون مال المريض في معرض ملك الورثة في الحال بخلاف الصحيح مطلقاً ممنوع، فرب مريض عاش أكثر من الصحيح، وربّما كان في حال المراماة الّتي يغلب معها ظن التلف أبلغ من المريض .(1)

يلاحظ عليه: أنّ محطّ البحث هو من حضره الموت وأشرف على الرحيل، ففي هذه الحالة يسهل له إخراج المال من ملكه، ويقلّ شحه وحرصه حيث يرى نفسه على عتبة الموت فلو جاز إخراج المنجزات من الأصل لعاد المحذور، وأمّا ما ذكره من أنّ ربّ مريض عاش أكثر من الصحيح لا يكون دليلاً على عدم صحة الحكمة إذ هي غاية القلّة.

الخامس: الحمل على التقيّة

وربّما يحتمل أنّ الروايات الواردة في الإخراج من الثلث وردت تقية لموافقة مضمونها مع فتوى فقهاء السنّة. ولكن الحمل بعيد جداً إذ قلّما يتّفق ورود رواية للتقية ليس فيها إشارة إليها، وأكثر ما ورد في التقية يذكر فيها لفظ الناس ونحوه.

على أنّه إذا كانت هذه الروايات وردت للتقية كان لهم(عليهم السلام)في إشارة إلى رد القول الآخر في ثنايا الروايات الدالّة على الإخراج من الثلث.


1 . المصدر نفسه .


صفحه542

فبملاحظة هذه القرائن والشواهد تظهر قوة القول بالإخراج من الثلث وضعف القول الآخر، ومن أراد الاحتياط فليس له الإفتاء بأحد القولين، بل الإفتاء بالتصالح، كما عليه السيد الميلاني (قدس سره)في رسالته العمليّة.

وينبغي التنبيه على أُمور:

الأوّل: ما هو المراد من الثلث؟

اعلم أنّ هنا مسألتين: الأُولى ما هو المراد من الثلث في باب الوصية الّتي اتّفقت كلمتهم فيها على عدم جوازها فيما إذا كانت زائدة على الثلث؟

الثانية: ما هو المراد من الثلث في منجّزات المريض على القول
بعدم جوازها فيما إذا زادت على الثلث ؟
وها نحن ندرس كلماتهم في كلا المسألتين:

أمّا المسألة الأُولى: فقال المحقّق: ويعتبر الثلث وقت الوفاة لا وقت الوصاية، فلو أوصى بشيء وكان موسراً في حال الوصية ثم افتقر عند الوفاة لم يكن بإيساره اعتبار. وكذلك لو كان في حال الوصية فقيراً ثم أيسر وقت الوفاة كان الاعتبار بحال إيساره (الّذي هو وقت الوفاة) .(1)

ثم إنّ صاحب المسالك أشكل على المحقّق في جعل الوفاة هو الميزان في تقدير الثلث بأنّه إنّما يتم إذا كان الموصى به قدراً معيناً كعين أو مائة درهم مثلاً. وأمّا لو انعكس (كما إذا أوصى بثلث ماله في المبرّات) أشكل اعتبار وقت الوفاة للشك في قصد الزائد وإنّما دلّت القرائن على عدم


1 . الشرائع: 2 / 246، كتاب الوصايا، باب في الموصى به .


صفحه543

إرادته على تقدير زيادته كثيراً حيث لا تكون الزيادة متوقعة له.(1)

أقول: وقد تبع الشهيد في ذلك «جامع المقاصد» إذ فيه ما هذا نصه:

واعلم أنّ هذا يستقيم فيما إذا أوصى بقدر معلوم، أمّا إذا أوصى بثلث تركته وكان في وقت الوصية قليلاً، فتجدّد له مال كثير بالإرث أو بالوصية أو بالاكتساب، ففي تعلّق الوصية بثلث المتجدّد مع عدم العلم بإرادة الموصي للموجود وقت الوصية والمتجدد نظر ظاهر، منشؤه دلالة قرائن الأحوال على أنّ الموصي لم يرد ثلث المتجدّد حيث لا يكون تجدّده متوقّعاً. وقد تقدّم الإشكال فيما إذا أوصى لأقرب الناس إليه وله ابن وابن ابن، فمات الابن فإنّ استحقاق ابن الابن لها لا يخلو من تردد.(2)

وعلى كلّ تقدير إن الاختلاف في هذه المسألة بمعنى انّ الميزان هو الثلث وقت الإيصاء أو عند الموت يرجع إلى إرادة الموصي من الثلث. فيمكن أن يريد الموصي الثلث الموجود حين الوصية أو يريد الثلث الموجود حين الموت. وبعبارة أُخرى يرجع الإشكال إلى تعيين المشاع فهل المشاع هو الثلث حين الوصية أو حين الوفاة؟

أمّا المسألة الثانية: فالظاهر أنّ المراد هو الثلث حين الموت لا حين الوصية، ولما عرفت الثلث هناك كان متعلقاً بإرادة الموصي فصار ذلك سبباً للتردّد بين الوصية والوفاة، وأمّا المقام فالثلث منصوص من جانب الشرع وان الرجل إذا تصرف في ماله في حال مرضه فمات فليس له إلاّ الثلث


1 . مسالك الافهام: 6 / 153 .

2 . جامع المقاصد: 10 / 116 .


صفحه544

والزائد عليه يحتاج إلى إجازة الوارث. وعلى هذا يكون المراد كل ما يملكه المتصرف من مال ـ عيناً أو ديناً أو حقّاً أو منفعة ـ أو من حق مالي، كحق التحجير وحق الخيار والشفعة وحق القصاص الّذي كان له، وحق الجناية عمدية أو خطائية، ونحو ذلك حتّى نصب الشبكة في الماء (لاصطياد السمك) فلو آلت إلى المال أو بذل بازائها المال كان من جملة ما يخرج منه الثلث .

وعلى ضوء هذا فالمراد من الثلث هو الثلث المشاع الشائع في تمام التركة .

وتصرف المالك لا يتعين به الثلث بحيث يخرج من الإشاعة بل لا يخرج منها إلاّ بعد القسمة وكون التصرف في العين لازماً ـ إذا كان بمقدار الثلث أو أقل ـ لا يوجب القسمة القهرية بين الميت والوارث. وعلى هذا فالمدار هو الثلث في زمان الموت لا زمان التصرف فلو نقص المال عن زمان التصرف أو زاد عليه فالمدار هو الثلث زمان الموت.

فيترتّب على ما ذكرنا إذا نقصت التركة بعد الموت قبل القسمة أو زادت بالنماء بارتفاع القيمة السوقية يترتب النقصان والزيادة على الجميع حتّى ولو كان النقصان في سائر الأعيان غير ما تصرف فيه أو كانت الزيادة خاصة بأحدهما، وذلك لأنّ ثلث المشاع بذلك يزيد وينقص .

ثم إنّ من آثار كون الثلث مشاعاً لا مفروزاً ولا متعيّناً تكون الزيادات الخارجية الحاصلة بعد الموت مشاعة أيضاً إذا كان بسبب حق سابق. نظير:


صفحه545

1. إذا وقع السيل في الشبكة الّتي نصبها الميت .

2. إذا تصالح الورثة من حق القصاص الثابت للميت.

3. إذا تصالح سائر الحقوق كحق الشفعة ونحوها.

4. الزيادة الحاصلة بفسخ المعاملة الخيارية أو بالإقالة.

5. أو كان مديوناً تبرع به متبرع فإن الثلث يزيد به.

6. ولو أوصى له بمال فمات قبل القبول وقام الوارث مقام الموصى له فقبل الموصى به فأخذه فإنّ قبوله يزيد في الثلث. نعم الحقوق المتجددة للميت بالموت أو بعده لا تحسب من التركة ولا توجب زيادة في الثلث كجرح الميت عمداً أو خطأً أو قطع رأسه بعد الموت، فأمثال ذلك لا يحسب من التركة ولا يزيد في الثلث.

الأمر الثاني: إجازة الوارث تنفيذ لفعل المورث

لو قلنا بأنّ منجزات المريض من الثلث فلو رد الوارث فهو، وإن أجاز فهو تنفيذ لما فعله المورّث وليس عملاً جديداً ولا عطية ابتداءً ، من غير فرق بين منجزات المريض ومعلّقاته إذا زاد على الثلث، فليست الإجازة إلاّ الرضا بما فعله المورث، فالمعطي في الحقيقة هو المورث، وأمّا الوارث فبما أنّ له حقّ الرد فهو بإجازته نفذ العمل السابق التام، ولذلك لو كانت العطية في حيازة المعطى فلا يحتاج إلى قبض آخر.

فإن قلت: إنّ هذا إنّما يتمّ في المنجز وأمّا في الوصية فلا، حيث إنّ


صفحه546

المال بعد الموت للوارث والميت متصرف في مال الورثة، إذ المفروض أنّه علق التمليك على ما بعد الموت الّذي ينتقل المال إليهم.

قلت: لا فرق بين المنجز والمعلق، فالأوّل إنشاء تمليك بلا قيد وتنتقل العين إلى الموهوب له من دون قيد وشرط، وأمّا الوصية فهي أيضاً إنشاء تمليك عين أو منفعة بعد الموت لكن ينتقل الملك بموت الموصي فإذا مات انتقل الموصى به إلى الموصى له، سواء أكان بمقدار الثلث أو زائداً عليه والموت وإن كان سبباً ناقلاً للتركة إلى الوارث لكن بشرط أن لا يتصرّف فيه المالك حال حياته، فالعين صارت ملكاً للموصى له بعد العقد وتحقّق الموت، غاية الأمر أنّ للوارث حق التنفيذ والرد، وما ذكر من الإشكال مبني على أنّ عين الموصى له تدخل في ملك الوارث بعد الموت، إذ لو كان كذلك لبطلت الوصية بلا حاجة إلى الرد مع أنّ الوصية نافذة والعين ملك للموصى له ملكاً متزلزلاً.

الأمر الثالث: إذا أجاز في حياة المورث

إذا قلنا بأنّ الزائد على الثلث في المنجزات يحتاج إلى تنفيذ الوارث، فلو افترضنا أنّ الوارث أجاز فعل المورث في حال حياته فهل يكون التنفيذ لازماً عليه بحيث لا يجوز له الرد بعد فوت المورث؟

ربّما يقال بأنّ مقتضى القاعدة عدم الصحة لعدم انتقال المال إليه إلاّ بعد الموت وقبله لا ربط له به، فيكون نظير إجازة غير المالك في الفضولي.

وإن شئت قلت: إنّ المجيز إمّا أن يكون مالكاً، أو من له الحق في العين.


صفحه547

فالأوّل كمالك العين في البيع الفضولي، والثاني كإجازة المرتهن بيع العين المرهونة من دون إجازته، وأمّا الوارث في حياة المورث فليس مالكاً ولا من له الحق في التركة.

قلت: الظاهر صحّة الإجازة في حال الحياة والدليل على ذلك وجهان:

الأوّل: أنّ المقتضي للإجازة والرد كاف في صحّتهما ولا يتوقف على وجود العلّة التامة لهما ولذلك نرى أنّ الفقهاء قالوا بصحّة الضمان إذا وجد المقتضي له ، وهذا كما في ضمان التدارك مثلاً. إذا باع زيد عين من عمر ولكن المشتري يحتمل أن تكون العين مستحقة للغير فيطلب ضامناً يضمن انّه لو ظهرت مستحقةً للغير فعليه ضمان الثمن الّذي دفعه إلى البائع. هذا من جانب ومن جانب آخر أنّهم أجمعوا على بطلان ضمان ما لم يجب، والبائع حسب الظاهر لم يجب عليه شيء حتّى يضمنه الثالث، ولكن لمّا كان البيع مقتضياً لذلك حيث إنّه في معرض الاستحقاق للغير صحّ ضمان الثالث عنه.

وعلى ضوء ذلك صحّحوا ضمان الجريرة حيث يضمن كل من الشخصين ضمان ما يرتكبه من الجريرة الّتي فيها دية أو تدارك، وما هذا إلاّ لوجود المقتضي وهو كون الإنسان في معرض الإضرار بالغير خطأً .

وفي المقام بما أنّ المال ينتقل إلى الوارث بعد موته فله شأن فيه ليس لغيره، فيصح تنفيذه في حياة المورث المنجّز الزائد على الثلث حتّى الوصية.

الثاني: ما ورد في الروايات ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أوصى بوصية وورثته شهود فأجازوا ذلك، فلمّا مات


صفحه548

الرجل نقضوا الوصية، هل لهم أن يردوا ما أقرّوا به؟ فقال: «ليس لهم ذلك والوصية جائزة عليهم إذا أقرّوا بها في حياته».(1)

والرواية محمولة على ما إذا تجاوزت الوصية الثلث وإلاّ ليس للورثة دور في مقدار الثلث لا رداً ولا تنفيذاً.

ويدلّ على ذلك الحمل صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى بوصية أكثر من الثلث وورثته شهود فأجازوا ذلك له؟ قال: «جائز».

ونقل في الوسائل عن التهذيب أنّ ابن رباط قال: هذا عندي على أنّهم رضوا بذلك في حياته وأقرّوا به.(2)

فإذا كانت الإجازة في حال حياة الموصي نافذة فتكون كذلك في المعلّق بوجه أولى.

الأمر الرابع: إذا ردّ الوارث في حياة المورث

إذا ردّ الوارث في حياة المورّث ما زاد على الثلث فهل يكون نافذاً كالإجازة في حياته، الظاهر وجود الفرق بين الإجازة والرد، فإنّ الإجازة بمعنى إسقاط حق الرد، وبما أنّ المقتضي كان موجوداً فيسقط حق الرد بعد الموت.

وأمّا الرد فقد ورد في موقع غير صحيح، لأنّ المملِّك هو المورث


1 . الوسائل: 13، الباب 13 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .

2 . الوسائل: 13، الباب 13 من أبواب الوصايا، الحديث 2.


صفحه549

والمالك هو المشتري أو الموهوب له وليس للوارث هناك أي حق سوى أنّه لو مات المورّث يتمكن من إعمال حق الرد، والمفروض أنّ المورث بعد حيٌّ يرزق.

فإن قلت: ما الفرق بين الثلث والإجازة حيث صحّت الإجازة في حال حياة المورث دون الرد.

قلت: الفرق بينهما انّ الإجازة ليست تدخّلاً في أمر الغير، بل أقصاها إسقاط حق ربّما يحتمل أن يتّخذه ذريعةً للرد، وأمّا الردّ في حال حياة المورث فإنّه تدخل في أمر المالك، الّذي يملك أمر نفسه.

الأمر الخامس: إذا اجتمع الدين المستغرق للتركة مع المنجّز

فعلى القول بإخراج الثاني من الأصل يقدّم المنجّز على الدين، وإن لم يكن للميت مال غيره فيبقى الدين حينئذ بلا وفاء. حيث تم النقل القطعي قبل تعلّق حق الوفاء.

وأمّا على القول بإخراجها من الثلث فيقدّم الدين عليه، وذلك لأنّ المتبادر من قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِهَا أَوْ دَيْن)(1) أنّ الميراث يتعلّق بما وراء الدين والوصية، فإذا استغرق الدينُ التركة فلم يترك المورّث تركة حتّى يخرج المنجز منها.

وبعبارة أُخرى: أنّ إخراج المنجّز من الثلث عملاً بقوله: «للميت عند


1 . النساء: 12 .


صفحه550

موته ثلث ماله» فرع إيراثه تركة حتّى يخرج منه، فإذا استغرق الدين الميراث فلم يترك تركة حتّى يخرج المنجز من ثلثها فليس هنا ثلث موروث حتّى يخرج منه.

وحصيلة الكلام: أنّه لو قلنا بإخراج المنجزات من الأصل تقدّم على الدين مطلقاً، بقي للغرماء شيء أو لا، شريطة أن لا يُحجر على المنجز من جانب الحاكم قبل التنجيز بالحجر، وأمّا لو قلنا بإخراجها من الثلث فإنّما تخرج منه إذا لم يكن في المورد دين فعندئذ تخرج من الثلث والزائد عليه رهن إجازة الوارث.

وأمّا إذا كان في المورد دين يستوعب التركة فلا تنفذ لا في مقدار الثلث ولا في الزائد عليه، لما عرفت من أنّ الثلث إنّما يتصوّر إذا ترك الميت ـ بعد الدين ـ شيئاً يكون ثلثاه للوارث وثلثه للميت نفسه، وأمّا إذا استغرق الدين التركة فلا موضع للميراث ولا للثلث ولا الزائد عليه.

وتكون النتيجة: إذا زاحم عمل المنجّز حقوق الورثة يتوقّف نفوذ الزائد على إجازتهم. وأمّا إذا زاحم حق الغرماء فيقدّم حقّهم على المنجّز بالدليل المذكور.

ثم إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي استشهد على ذلك بالحديثين التاليين:

1. موثّقة حسن بن الجهم: قال سمعت أبا الحسن (عليه السلام)يقول في رجل أعتق مملوكاً وقد حضره الموت وأشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم،


صفحه551

وعليه دين ثلاثمائة درهم، ولم يترك شيئاً غيره؟ قال: «يعتق منه سدسه، لأنّه إنّما له منه ثلاثمائة درهم (ويقضي عنه ثلاثمائة درهم وله من الثلاثمائة ثلثها) وله السدس من الجميع».(1)

فلو كان الدين غير مزاحم للأمر المنجّز كان اللازم عتق ثلث المملوك لا سدسه، وهذا يدلّ على أنّ المنجّز يلاحظ بعد إخراج الدين فإن استغرق الدين التركة حتّى المنجز يحكم بانحلال العقد ويصرف في مورد الدين، وإن بقي شيء ينفذ على حدّ ثلث الباقي.

2. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رواية طويلة وجاء فيها: قلت: فإن قيمة العبد ستمائة درهم ودينه ثلاثمائة درهم...، إلى أن قال (عليه السلام): فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلثه للورثة، ويكون له السدس.(2)

والاستدلال بهذه الرواية نفس الاستدلال بالرواية السابقة، بل يظهر منها أنّه إنّما ينفذ المنجز من الثلث إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة كما في المثال المذكور، أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء. وأمّا إذا كان مال الغرماء أكثر من مال الورثة فلا ينفذ حتّى في المقدار الباقي. مثلاً إذا كانت قيمة العبد ستمائة درهم ودينه أربعمائة، فيباع العبد ويأخذ الغرماء أربعمائة درهم ويأخذ الورثة مائتين، ولا يكون للعبد شيء حتّى على حد ثلث المائتين.


1 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4 .

2 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، الحديث 5.


صفحه552

نعم هذا الشرط على خلاف القاعدة فيختصّ العمل بمورده.

 

الأمر السادس: في بيع الفضولي إذا أجاز المالك

اختلفت كلمتهم في بيع الفضولي إذا أجازه المالك، فهل هو كاشف عن ملكية المشتري من زمان العقد أو ناقل؟ ولكلّ من القولين دليل.

فهل يمكن تصوير ذلك النزاع في المقام بأن تكون إجازة الوارث كاشفة عن ملكية المشتري بالبيع المحاباتي من زمان العقد، أو يكون ناقلاً بأن يدخل المبيع في ملك المشتري عند الإجازة؟

أقول : إنّ تصوير كلا الاحتمالين في المقام مشكل، أمّا احتمال أنّ الإجازة ناقلة فهو مشكل جداً، إذ هو مبني على أحد الوجوه:

1. انتقال المال بعد الموت وقبل الإجازة للوارث. ولازم ذلك أن يكون تملّك المشتري عطية جديدة يترتب عليه آثارها، وهو كما ترى.

2. الحكم ببقاء المال بين الموت والإجازة بلا مالك.

3. القول بكون الملك باقياً على ملك الميت، فالالتزام بهذه الأُمور مشكل، فالقول بأنّ الإجازة ناقلة غير تام جدّاً .

وأمّا احتمال أنّ الإجازة كاشفة فهو أيضاً لا يخلو من إشكال، لأنّها إنّما تتصوّر إذا كان البائع غير المالك كما إذا باع الفضولي وأجازه المالك بعد شهر، وأمّا إذا كان البائع هو نفس المالك الّذي له السلطة التامة ففي مثل ذلك يتحقّق الإنشاء والمنشأ من زمان العقد حقيقة لا تقديراً من دون حاجة إلى إجازة، غاية الأمر أنّ الشارع أعطى للوارث حق الرد والحيلولة بين استمرار


صفحه553

ملكية المشتري للعين، فإذا لم يرد بقي المال في ملكية المشتري من دون حاجة إلى إجازة، فالرد مانع للاستمرار عن الملكية وليست الإجازة شرطاً.

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ الإجازة على القول بالخروج من الأصل لا مدخلية لها.

الأمر السابع: إذا ادّعى الوارث أنّه أجاز لظنّه قلّة المال

إذا أجاز الوارث ثم ادّعى أنّه إنّما أجاز لظنّه قلّة الزائد على الثلث، سواء أكان المال المنجّز مشاعاً، كما إذا باع نصف البستان محاباةً وتبيّن أنّ نصف البستان أكثر من ثلث البائع ; أو كان عيناً معيّنة، كما إذا باع سجادة كبيرة محاباة وكانت قيمتها أزيد من ثلث البائع، فادّعى في كلا الموردين أنّه أجاز بظن أنّ الزائد أقلّ في ظنّه وهو الآن أكثر ممّا كان ظنّه، فهل يسمع قوله أو لا؟ فيقع الكلام في مقامين:

1. في تكليف الوارث المجيز بظن قلّة الزائد مع كونه أكثر ممّا ظن.

2. في سماع قولهم في المحاكم أو لا؟

أمّا الأوّل: إذا كانت الإجازة مطلقة ولم تكن مقرونة بالظن بالقلّة أو كانت مقرونة بالظن بالقلّة، أو كان الظن المذكور من قبيل الداعي، ففي هاتين الصورتين يحكم بالنفوذ. أمّا إذا كانت مطلقة فواضح. وأمّا إذا كانت مقرونة بالظن المذكور مع كونه داعياً فيحكم بالنفوذ أيضاً، لأنّ الداعي لا يوجب تقييد الرضا الّذي دلّت عليه الإجازة، فلا يبطل التصرّف الواقع عن الرضا.


صفحه554

وبعبارة أُخرى: ليس ظنّ القلّة موضوعاً للرضا، بل الرضا المطلق، غاية الأمر ان الّذي دفع المجيز إلى الإجازة هو فكرة قلّة الزائد على نحو لو كان على الخلاف لأجاز أيضاً. وهذا نظير ما إذا ائتم بداعي أنّ الإمام زيد ثم تبيّن أنّه عمرو فإنّ صلاته وجماعته صحيحة، إذ ليس الداعي قيداً على نحو لو تخلّف لم يأتم، بل يأتم مطلقاً غاية الأمر تصوّر أنّه زيد.

هذا كلّه إذا كانت الإجازة مطلقة أو كان الظن من قبيل الداعي، وأمّا لو كان الرضا مقيداً لقلّة الزائد فبان الخلاف فلا تنفذ الإجازة، هذا نظير ما إذا اقتدى على أنّ الإمام زيد على نحو لو كان غيره لم يقتد به .

هذا كلّه حكم الوارث في حدّ نفسه .

وأمّا الثاني: فالظاهر عدم السماع، لأنّ ظواهر الألفاظ حجّة في جميع المقامات فيؤخذ بإطلاق كلامهم في مقام الإجازة.

وبعبارة أُخرى: أنّ إجازاتهم لا تخلو عن صورتين :

الأُولى: إذا كان كلامهم حاكياً عن الإجازة المطلقة، أو كان كاشفاً أنّ الظن بقلّة الزائد من قبيل الداعي فلا تسمع دعواهم، لتطابق الإثبات مع الثبوت. ولما عرفت أنّه ليس لهم الرد إذا أجازوا مطلقاً أو كان الظنّ بقلّة الزائد من قبيل الداعي.

والثانية: ادّعوا أنّ إجازتهم في أنفسهم كانت مقيّدة فقد تبيّن الخلاف فلا تسمع إلاّ بالبيّنة.


صفحه555

الرسالة الرابعة عشرة

إقرار المريض


صفحه556

صفحه557

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .

أمّا بعد; لمّا فرغنا من محاضراتنا حول حكم منجزات المريض وانتهينا إلى أنّها تخرج من الثلث ناسب أن نردف البحث السابق ببحث نفوذ إقرار المريض وعدمه، وعلى فرض نفوذه فهل ينفذ مطلقاً أو فيه تفصيل؟

إنّ الإقرار قد يكون بالعين، وأُخرى بالدين. وعلى كلا التقديرين فتارة يقرّ للوارث، وأُخرى للأجنبي.

اختلف الأصحاب في نفوذ إقرار المريض إلى أقوال وردت سبعة منها في الجواهر .(1) وأنهاها السيد الطباطبائي في رسالة «منجزات المريض» إلى عشرة(2)، غير أنّ قسماً من الأقوال متداخلة يمكن إرجاعه إلى قول واحد، والمهم هما القولان التاليان:


1 . الجواهر: 28 / 81 ، كتاب الحجر. وفي كتاب الإقرار: 35 / 116 عند قول المحقّق على أظهر الأقوال الّتي هي ستة أو سبعة، بل قيل هي عشرة وأحال التفصيل إلى كتاب الحجر. فلاحظ .

2 . رسالة السيد الطباطبائي في المنجزات: 22 .


صفحه558

 

1. نفوذه من الأصل

ذهب ابن زهرة في الغنية وابن إدريس في السرائر، وابن سعيد في الجامع إلى نفوذه من الأصل.

وقال ابن زهرة: ويصح إقرار المحجور عليه بفرض، وإقرار المريض للوارث وغيره بدليل الإجماع المشار إليه .(1)

قال ابن إدريس: ويصح إقرار المريض الثابت العقل، للوارث وغيره، سواء كان بالثلث أو أكثر منه. وإجماع أصحابنا منعقد على ذلك.(2)

وقال ابن سعيد: إقرار العاقل غير المحجور عليه صحيح عدلاً وفاسقاً، مريضاً وصحيحاً لأجنبي ووارث .(2)

وربما يظهر من إطلاق القاضي في المهذب قال: إذا أقرّ البالغ الكامل العقل الّذي ليس بمولى عليه المطلق التصرف على نفسه بشيء كان إقراره ماضياً وحكم عليه به .(3)

2. نفوذه من الأصل مع عدم التهمة ومن الثلث معها

وذهب جماعة إلى أنّه يخرج من الأصل مع عدم التهمة ومن الثلث معها، من غير فرق في الموضعين بين العين والدين والوارث والأجنبي،


1 . غنية النزوع: 271 .   2 . السرائر: 2 / 499، باب الإقرار.

2 . الجامع للشرائع: 338.

3 . المهذب البارع: 1 / 404 .


صفحه559

حكي عن الأكثر والظاهر أنّه المشهور.

هذان القولان هما القولان المعروفان، وهناك أقوال ترجع إلى الثاني.

منها: أنّه من الأصل مع العدالة وعدم التهمة، ومن الثلث مع فقد القيدين.

قال الشيخ في «النهاية»: إقرار المريض جائز على نفسه للأجنبي والوارث على كل حال إذا كان مرضياً موثوقاً بعدالته ويكون عقله ثابتاً في حال الإقرار، ويكون ما أقرّبه من أصل المال; فإن كان غير موثوق به وكان متهماً، طولب المقرّ له بالبيّنة، فإن كانت معه بينة أُعطي من أصل المال، وإن لم تكن بيّنة أُعطي من الثلث .(1)

فإنّ هذا القول نفس القول الثاني، لأنّ العدالة طريق إلى عدم التهمة.

ومنها: أنّه من الأصل إن كان عدلاً وإلاّ فمن الثلث. حُكِي عن المحقّق الثاني في «جامع المقاصد» أنّه نسبه إلى بعض الأصحاب.(2)

والقائل اكتفى بقيد واحد وهوالعدالة عن قيد عدم التهمة، فيرجع إلى القول السابق .

ومنها: أنّه من الأصل إن كان للأجنبي ولم يكن متّهماً، وإلاّ فإن كان متّهماً أو كان للوارث مطلقاً فهو من الثلث. وهو مختار المحقّق في النافع.(3)


1 . النهاية: 617 ـ 618 .

2 . جامع المقاصد: 11 / 107 ـ 108 .

3 . المختصر النافع: 168، آخر كتاب الوصية.


صفحه560

وجه رجوعه أنّه قسّم الإقرار للأجنبي إلى قسمين: إمّا أن يكون متّهماً أو لا يكون، ولكنّه جعل الإقرار للوارث قسماً واحداً لغلبة الاتّهام في الإقرار للوارث. فهذا القول في الحقيقة تفصيل بين المتهم وغيره، غاية الأمر لمّا كانت التهمة شائعة في الإقرار للوارث، جعله قسماً واحداً .

ومنها: أنّه من الأصل إن كان للأجنبي مطلقاً أو كان للوارث وكان غير متهم، وإلاّ فمن الثلث. وهو خيرة ابن حمزة .(1)

وجه رجوعه أنّه فرض الإقرار للأجنبي قسماً واحداً لغلبة عدم الاتّهام فيه وجعل الإقرار للوارث إلى قسمين. إلى غير ذلك من الأقوال الّتي يمكن إرجاعها إلى القول الثاني.

وللعلاّمة الحلّي كلام في المقام لا يخلو من فائدة، قال:

ولو أقرّ ] المريض [ بدين أو عين لأجنبي، فالأقوى عندي من أقوال علمائنا: إنّه ينفذ من الأصل إن لم يكن متّهماً في إقراره. وإن كان متهماً، نفذ من الثلث، لأنّه مع انتفاء التهمة يريد إبراء ذمّته، فلا يمكن التوصل إليه إلاّ بالإقرار عن ثبوته في ذمّته، فلو لم يقبل منه بقيت ذمّته مشغولةً، وبقي المُقرّ له ممنوعاً عن حقّه، وكلاهما مفسدة، فاقتضت الحكمة قبول قوله. أمّا مع التهمة فإنّ الظاهر أنّه لم يقصد الإخبار بالحقّ، بل قَصَد منعَ الوارث عن جميع حقّه أو بعضه والتبرّعَ به للغير، فأُجري مجرى الوصيّة.(2)


1 . الوسيلة: 284 .

2 . تذكرة الفقهاء: 15 / 267 .


صفحه561

وأمّا فقهاء السنّة فيظهر فما نقله العلاّمة عن الشافعي خروج الإقرار للوارث في مرض الموت عن محط البحث وانّه لا يقبل .

إنّما الكلام في الأجنبي ففيه روايات ثلاث عن الشافعي :

1. يصح إقراره للأجنبي وأطلق (لم يقيد بالثلث) وهو إحدى الروايات عن أحمد .

2. انّه لا يقبل، لأنّه إقرار في مرض الموت فاشبه الإقرار لوارث.

3. انّه يقبل من الثلث ولا يقبل من الزائد، لأنّه ممنوع من عطية ذلك للأجنبي كما هو ممنوع من عطية الوارث عندهم فلم يصح إقراره بما لا يملك عطيته بخلاف الثلث فما دون. (1)

ويظهر من «الخلاف» أنّ الإقرار للوارث أيضاً محل خلاف وليس موضعَ اتفاق:

قال: يصح الإقرار للوارث في حال المرض. وبه قال أبو عبيد وأبو ثور وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وهو أحد قولي الشافعي .

والقول الآخر: إنّه لا يصح. وبه قال مالك وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأحمد. وقال أبو إسحاق المروزي: المسألة على قول واحد وهو أنّه يصح إقراره .(2)


1 . تذكرة الفقهاء : 15 / 268 .

2 . الخلاف: 3 / 368 .


صفحه562

أقول: مقتضى القاعدة الأوّلية ـ مع قطع النظر عن الروايات الواردة في المسألة ـ هو نفوذ الإقرار. ويدلّ عليه سيرة العقلاء والروايات الدالّة على نفوذ إقرار كلّ شخص على نفسه مريضاً كان أو غير مريض، أقرّ للوارث أو للأجنبي. ولكن دراسة الروايات تستدعي الكلام في موضعين :

الأوّل: إقرار المريض للوارث.

الثاني: إقرار المريض لغير الوارث .


صفحه563

الموضع الأوّل:

في الإقرار للوارث

إنّ الروايات الواردة فيه على طوائف ثلاث:

الأُولى: ما يدل على النفوذ مطلقاً

دلّت صحيحة أبي ولاّد على نفوذ إقرار المريض للوارث مطلقاً، سواء أكان المقَرّ به مقدار الثلث، أم أزيد منه،وسواء أكان المقرّ ثقة أم متّهماً في إقراره.

روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد (بن محمد بن عيسى أو أحمد بن محمد بن خالد) عن ابن محبوب، عن أبي ولاّد (1) قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل مريض أقرّ عند الموت لوارث بدين له على ذلك؟ قال: «يجوز ذلك»، قلت: فإن أوصى بوارث لشيء؟ قال: «جائز» .(2)

وفي الحديث فقرتان:

الأُولى: إقراره لوارث.

الثانية: إيصاؤه لوارث.


1 . أبو ولاّد الحنّاط، حفص بن سالم الثقة، روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن الأوّل (عليهما السلام).

2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 4 .


صفحه564

أمّا الأُولى: فلا مانع من الأخذ بإطلاقها، وأمّا الفقرة الثانية فلابدّ من تقييد إطلاقها فيما إذا لم تتجاوز الوصية الثلث.

ويمكن أن يقال: إنّ الفقرة الثانية فاقدة للإطلاق، لأنّها وردت لردّ ما اشتهر بين السنّة من أنّه لا وصية لوارث، وكأنّ السائل سأل عن أصل الوصية من غير نظر إلى كميتها فقال الإمام (عليه السلام): جائز .

فمقتضى هذه الرواية نفوذ إقرار المريض للوارث مطلقاً من غير فرق بين حال المقِرّ من كونه ثقة أو متهماً، ومن غير فرق بين كون المقرّ به بمقدار الثلث أو لا.

الثانية: ما يدلّ على النفوذ إذا كان المقر مرضيّاً

يستفاد من بعض الروايات نفوذ الإقرار بالدين للوارث بشرط أن يكون المقرّ مرضيّاً غير متّهم. ويدلّ عليه :

1. صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً؟ فقال: «إن كان الميت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له».(1)

وقد مرّ في الرسالة السابقة (2) أنّ المراد من الوصية هنا وحتّى فيما يأتي من الرواية هو الإقرار، بشهادة قوله: «أنّ له عليه ديناً» .


1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .

2 . لاحظ رسالتنا «منجزات المريض» : 514، من هذا الكتاب.


صفحه565

وتتميز الرواية عن الصحيحة بتقييد نفوذ إقرار المقرِّ بكونه مرضياً بخلاف الرواية السابقة فقد كانت مطلقة من هذه الحيثية. نعم هذه الرواية وما يتلوها مطلقتان من حيث المقرِّ من دون تقييده بكونه مريضاً، اللهم إلاّ أن يحمل على المريض بشهادة أنّه أوصى لبعض ورثته بأن له عليه ديناً. والغالب على مثل هذه الوصايا هو حالة المرض .

2. ما رواه الشيخ بسند موثق عن أبي أيوب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً، قال: «إن كان الميت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له».(1)

والكلام في هذه الرواية نفس الكلام في الرواية السابقة، وقد ورد في الروايتين قيدان: كون المقرّ له وارثاً، وكون المقر مرضيّاً.

ولا يمكن إلغاء القيد الأوّل، إذ يلزم منه أن يكون إقرار الإنسان لغير الوارث مشروطاً بكونه مرضياً وهو مخالف لضرورة الفقه، إذ إقرار العقلاء في حق غيرهم جائز ونافذ، كما لا يمكن إلغاء القيد الثاني ـ أعني: كونه مرضيّاً ـ وإلاّ تلزم لغوية الشرط الوارد في كلام الإمام فيكون مضمون الروايتين أنّ الإقرار في حق الوارث نافذ إذا كان المقر مرضياً صادقاً في إقراره، ولا يريد بذلك زيادة ميراثه .

نعم الرواية خالية عن كون المقرّ مريضاً فلو أخذنا بإطلاقه يلزم أن لا يكون إقرار المقر للوارث مطلقاً مريضاً كان أو لا، نافذاً إلاّ إذا كان المقرّ مرضيّاً


1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 8 .


صفحه566

فيحتج بإطلاقها على المسألة وإن حملت على المريض، لأنّه الغالب حتّى أنّ المسألة معنونة في الخلاف «في حال المرض» تكون دليلاً عليها بالخصوص.

ثم إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي بعدما أفاض الكلام في روايتي; منصور بن حازم، وأبي أيوب، قال ما هذا خلاصته:

إنّ إلغاء القيد الأوّل أي كون المقرّ له، وارثاً، يستلزم خلاف ما اتّفق عليه فقه المسلمين، إذ لا يشترط في نفوذ الإقرار في حق الأجنبي كون المقرّ مرضيّاً أخذاً بقوله: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

وحفظ القيد الأوّل وتعليق الإقرار للوارث على كون المقرّ مرضياً، موافق لمذهب مالك من فقهاء المدينة المعاصر للإمام الصادق (عليه السلام)فتحمل على التقية.(1)

أقول: التفصيل الوارد في الرواية بين كون المقر مرضيّاً وعدمه، ليس موجوداً في مذهب مالك حسب ما نقله الشيخ في «الخلاف» وقد نقلناه في صدر الرسالة، قال: يصح الإقرار للوارث في حال المرض وبه قال: أبو عبيدة و... إلى أن قال: والقول الآخر: إنّه لا يصح. وبه قال مالك وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأحمد .(2) فمذهبه عدم صحّة الإقرار للوارث.

أضف إلى ما ذكرنا أنّ مجرد كون مضمون الرواية موافقاً لفتوى مالك


1 . المجدي: 184 .

2 . الخلاف: 3 / 368 .


صفحه567

الّتي مرت عليك لا يوجب ضعفاً، لأنّ المسؤول هو الإمام الصادق (عليه السلام)المتوفّى 148 هـ ، وأمّا مالك فقد توفّي عام 179 هـ ، والفاصل الزماني بين الوفاتين يتجاوز ثلاثين سنة، فلم يكن لمالك في عهد الإمام الصادق (عليه السلام)دور كدور أبي حنيفة وابن شبرمة في مجال الإفتاء حتّى يتّقى منه. نعم صار إمام دار الهجرة في عهد المنصور وبعده .

الثالثة: ما يدلّ على النفوذ على حد الثلث

تدلّ الرواية التالية على نفوذ إقراره إذا لم يكن زائداً على الثلث .

روى الكليني بسند صحيح عن إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أقرّ لوارث له وهو مريض بدين له عليه؟ قال: «يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث» .(1)

ومقتضاها: أنّه إذا أقرّ المريض بدين للوارث يُقْبل، إذا كان بمقدار الثلث، سواء أكان مرضياً أم لا.

فالرواية مشتملة على القيود التالية:

أ. كون المقرّ مريضاً.

ب. والمقرّ له وارثاً.

ج . وتحديد نفوذ إقراره إذا لم يزد على الثلث .

وفي الوقت نفسه مطلق من حيث كونه مرضياً أو لا.


1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 3.


صفحه568

ومع حفظ القيدين الأوّلين تكون النتيجة: أنّ المريض المقرّ بالدين للوارث ينفذ إقراره على حد الثلث.

ويقرب منها ما رواه الشيخ عن سماعة قال: سألته عمّن أقرّ للورثة بدين عليه وهو مريض؟ قال: «يجوز عليه ما أقرّ به إذا كان قليلاً». (1) وهل المراد، قلة المال في حد نفسه، أو بالنسبة إلى ما تركه من الميراث، أو ثلث المال الذي هو أقل بالنسبة إلى ثلثيه؟ وجوه .

وعندئذ يقع الكلام في وجه الجمع بين هذه الروايات فيمكن الجمع بالوجه التالي:

تدل الطائفة الأُولى على نفوذ إقراره للوارث مطلقاً، سواء أكان متّهماً أم لا، فيقيد إطلاقها بما في الطائفة الثانية من اشتراط كون المقرّ مرضياً.

وأمّا الطائفة الثانية فبما أنّها مقيّدة بكونه مرضيّاً ومطلقة من جهة كونه مريضاً، فإطلاقها حجة في المقام مع احتمال انصرافها إلى المريض فيكون دليلاً خاصّاً.

وأمّا الطائفة الثالثة فتبقى على إطلاقها، لأنّ النفوذ إذا كان محدداً بالثلث فهو نافذ، سواء أكان مرضياً أم غير مرضي، إذ لكل إنسان عند موته الثلث من أمواله.

فخرجنا بالنتيجة التالية:

1. إذا كان المقرّ به على حد الثلث فلا يشترط فيه شيء لا كونه مرضيّاً


1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 9 .


صفحه569

ولا كونه مريضاً، لأنّه قيد غالبي لضرورة أن الإنسان يملك ثلث ماله لما بعد موته.

2. إذا كان المقرّ به أزيد من الثلث ففيه التفصيل بين كون المقر مرضياً فينفذ إقراره، وبين كونه غير مرضي فيدخل تحت الضابطة الثابتة من نفوذ إقراره في الثلث. وهذا القول هو المعروف بين الأصحاب.

نعم أنّ مورد التفصيل، كون الإقرار للوارث مزاحماً لحق سائر
الورثة فيؤخذ به إذا كان مرضياً، وأمّا إذا كان مزاحماً لحق غيرهم من الغرماء فالرواية ساكتة عنه، فهل يقدّم فيه الإقرار أو يقدّم حق الغرماء، فقد مرّ الكلام فيه في الرسالة السابقة، وسيوافيك أيضاً عند الكلام في الإقرار لغير الوارث فانتظر.

فإن قلت: إنّ هنا طائفة رابعة تنفي نفوذ الإقرار للوارث مطلقاً .

1. خبر قاسم بن سليمان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل اعترف لوارث له بدين في مرضه؟ فقال (عليه السلام): «لا يجوز وصيته لوارث ولا اعتراف له بدين» .(1)

2. خبر مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال علي (عليه السلام): «لا وصية لوارث ولا إقرار له بدين». يعني إذا أقرّ المريض لأحد من الورثة بدين له عليه فليس له ذلك.(2)


1 . الوسائل: 13، الباب 15 من أبواب الوصايا، الحديث 12 .

2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 13. أضف إليه إطلاق خبر السكوني، الحديث 12 من هذا الباب فإنّه يدل بإطلاقه على عدم نفوذ النحلة والوصية للوارث .


صفحه570

قلت: مضمون الروايتين يُخالف مذهب الشيعة المأخوذ من أئمة
أهل البيت(عليهم السلام)فإنّهم اتّفقوا على جواز الوصية للوارث، فلا يمكن العمل بها وبما فيها من عدم نفوذ الإقرار للوارث، لأنّ الجميع أخبار ضعاف تلوح منه التقية.

   

Website Security Test