welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه514

 

السادسة: مرسلة الكليني

روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لرجل من الأنصار أعتق مماليكه لم يكن
له غيرهم، فعابه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «ترك صبيته صغاراً يتكفّفون
الناس». (1)

والظاهر أنّ الكليني نقل الرواية بالمعنى، والأصل ما في الفقيه: أنّ رجلاً من الأنصار توفّي وله صبية صغار وله ستة من الرقيق فأعتقهم عند موته وليس له مال غيرهم، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأُخبر، فقال: «ما صنعتم بصاحبكم»; قالوا: دفناه، قال: «لو علمت ما دفناه (ما دفنته) مع أهل الإسلام، ترك ولده يتكففون الناس».(2)

وفي قرب الإسناد: انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بلغه أنّ رجلاً من الأنصار توفّي وله صبية صغار، وليس لهم مبيت ليلة، تركهم يتكفّفون الناس وقد كان له ستة من الرقيق ليس له غيرهم، وانّه أعتقهم عند موته، فقال لقومه: ما صنعتم به؟ قالوا: دفناه، قال: «أما إنّي لو علمته ما تركتكم تدفنونه مع أهل الإسلام، ترك ولداً صغاراً يتكفّفون الناس» . (3)

والرواية على خلاف المقصود أدلّ، فإنّ ظاهر قوله: «ما تركتكم


1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 9.

2 . الفقيه: 2 / 468 ; علل الشرائع: 189 .

3 . قرب الاسناد: 31.


صفحه515

تدفنونه مع أهل الإسلام» أنّ عمله هذا كان عملاً غير مشروع إمّا تكليفاً فقط وان المعتق كان صحيحاً، أو وضعاً أيضاً وأنّ صحّته بقاءً موقوف على عدم ردّ الورثة وان لهم أولوليّهم إذا كانوا صغاراً استرداد حقوقهم، وأمّا أنّ الورثة أو المولى، لم يردّوا الزائد على الثلث بعد كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلعلّ المصلحة العائليّة اقتضت التنفيذ.

فظهر بما ذكرنا أنّ ما استدلّ به على القول بالإخراج من الأصل لا يخلو من وجوه أربع:

1. ما يدلّ على القول صريحاً، تام دلالة وسنداً، وذلك كالصور الأربع من صور رواية عمار بن موسى، أعني: الثانية إلى الخامسة .

2. ما يدلّ على هذا القول بالإطلاق وأنّ للمرء أن يتصرّف في ماله ما دام الروح في بدنه، وهو مطلق شامل للمنجّز والمعلّق والمريض والمصح وفي الوقت نفسه قابل لإخراج المريض عن إطلاقه، وهذا كرواية أبي شعيب المحاملي وسماعة بن مهران.

3. ما لا صلة له بالموضوع، وهذا كرواية محمد بن مسلم وإسماعيل بن همّام.

4. ما يدلّ على الموضوع صريحاً تام دلالة لا سنداً . وهو مرسلة الكليني.


صفحه516

واستدلّ للقول بالثلث بطوائف ست من الروايات:

الطائفة الأُولى: للرجل عند موته ثلث ماله

1. معتبر عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: للرجل عند موته ثلث ماله. قال بعد ذلك: «وإن لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه».(1)

2. ما رواه في البحار: الوصية على كلّ مسلم ـ إلى أن قال: ـ وليس للميت من ماله إلاّ الثلث، فإذا أوصى بأكثر من الثلث ردّ إلى الثلث.(2)

3. خبر أبي حمزة عن بعض الأئمة(عليهم السلام)قال: «إنّ الله تبارك وتعالى يقول: ابن آدم تطوّلتُ عليك بثلاثة; سترتُ عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، وأوسعتُ عليك فاستقرضتُ منك فلم تُقدّم خيراً، وجعلتُ لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيراً».(3)

4. النبوي: «انّ الله تعالى قد تصدّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم» .(4)

5. صحيح يعقوب بن شعيب: عن الرجل يموت، ما له من ماله؟ فقال: «له ثلث ماله».(5)


1 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 7 .

2 . بحار الأنوار: 100 / 207، الحديث 18 .

3 . الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب الوصايا، الحديث 4 .

4 . مستدرك الوسائل: 13، الباب 9 من كتاب الوصايا، الحديث 3.

5 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 2.


صفحه517

6. صحيحة علي بن يقطين: ما للرجل من ماله عند موته؟ قال: «الثلث، والثلث كثير».(1)

وقد تقرر في محلّه أنّ جواب «ما» الاستفهامية للعموم .

7. خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يموت، ما له من ماله؟ فقال: «له ثلث ماله وللمرأة أيضاً».(2)

وجه الاستدلال: أنّ المراد من قوله: «عند موته» أو قوله: «يموت» هو من قارب موته وأشرف عليه ولكنّه بعد حي يرزق، فدل على أنّه في هذه الحالة لا يملك إلاّ ثلثه، هذا من جانب، ومن جانب آخر اتّفق الفقهاء على أنّ الانسان يملك أمواله ما دامت الروح في بدنه، والجمع بين هذين الأمرين المتنافيين يحصل بالوجه التالي:

أنّه يملك أمواله في تلك الحالة جميعاً لكن لا تكون تصرفاته نافذة إلاّ في مقدار الثلث. والروايات مطلقة تعمّ المنجزة والمعلّقة.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح لكن الروايات المذكورة على قسمين:

قسم ظاهر في مورد الوصية كالروايات الأربعة التالية:

أ. معتبر عبدالله بن سنان: فإن لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه .

ب. قوله في رواية البحار : فإذا أوصى بأكثر من الثلث ردّ إلى الثلث.


1 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 8. وقد استدل به وبما قبله، المحقّق الثاني في جامع المقاصد: 11 / 94.

2 . المصدر نفسه: الحديث 2 .


صفحه518

فإنّ ذيل الحديثين قرينة واضحة على أنّ المراد من الصدر، هو الإيصاء وأنّهما بصدد بيان أنّ الرجل لا يملك لما بعد الموت أزيد من الثلث، وأين هذا من أنّه لايملك لما قبل الموت ـ إذا كان مريضاً ـ أزيد من الثلث .

ج. خبر أبي حمزة في قوله: «يا ابن آدم تطوّلت عليك بثلاثة... وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيراً».

د. ما في النبوي: «قد تصدّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم» .

فإنّ التعبير بالتطوّل في خبر أبي حمزة والتصدّق في النبوي يناسبان الوصية حيث إنّه ما دام حياً، المال ماله، لا يحتاج في التملك والتصرف إلى التطوّل والتصدّق عليه وإنّما يحتاج إلى التمليك بعد الموت الّذي ينتقل المال منه إلى وارثه. فتصدّق عليه سُبحانه حتّى جعل له الخيار في ثلث ماله يكتسب به الخير لما بعد موته، وبهذه القرائن لا يمكن الركون إلى إطلاق صدر هذه الروايات الأربع المتزلزلة .

وأمّا القسم الآخر أعني الأحاديث الثلاثة فقد حملها الشيخ مشكور الحولاني على الايصاء أيضاً وقال: إنّ المراد من قوله: «عند موته» أو قوله: «يموت» هو ما بعد الموت قائلاً: بأنّ لفظة «عند» حقيقة في مكان حضور المضاف إليه أو زمانه لغة أو عرفاً الّتي لا ينافيها ثبوت استعمال اللفظ المزبور في بعض الموارد في مكان مشارفة حضور المضاف إليه أو زمانه (قلنا: لا ينافي) لكون الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز. (1)

وبعبارة أُخرى: فرض الموت أمراً مسلماً محقّقاً فطفق يسأل عمّا


1 . منجزات المريض للحولاني: 65.


صفحه519

يملكه الرجل في هذه الساعة فيكون السؤال راجعاً إلى ما يملكه بعد الموت وينطبق على الوصية.

وعلى ذلك فالروايتان ناظرتان إلى حدّ الإيصاء ولا صلة لهما بالمنجز. لأنّ الرواية تركّز على ملك الميت بعد موته لا على ملكه في حال حياته. فلا تشملان المنجّز في حياته، لأنّه ملك الميّت في حياته.

وعليه جرى السيد الطباطبائي في رسالته وقال: المراد منهما المال الّذي للميت بعد موته، أمّا ما اشتمل منها على لفظ «الميت» ولفظ: «يموت» فظاهر، وأمّا ما اشتمل منها على لفظ: «عند موته» فليحمل عليها، مع أنّها لو بقيت على ظاهرها أفادت عدم ملكية ما عدا الثلث وعدم جواز إتلافه وأكله وصرفه على نفسه بلبس واستخدام وغير ذلك من التصرفات غير المحاباتية، وهو خلاف الضرورة، فتعيّنت إرادة الملكية البعدية .(1)

يلاحظ عليهما: أنّ حمل الروايات على أنّ السؤال عمّا ينفع الميت بعد الموت يحتاج إلى قرينة، وليس إضافة لفظ: «عند» إلى موت الرجل قرينة على ذلك، لشيوع استعمال ذلك فيمن سيوافيه الموت ولو بعد عدّة أيّام فيرجع السؤال إلى ما يملكه في هذه الحالة، وهي حالة قبل فرض الموت. والأولى أن يقال: إنّ الروايات الأربع السابقة قرينة على أنّ المراد ما ينفع الميت بعد موته وأنّه هو الثلث، وليست الروايات ناظرة إلى ما يملكه الميت قبل موته. والروايات يفسّر بعضها بعضاً.


1 . رسالة في منجزات المريض للطباطبائي: 19 .


صفحه520

 

الطائفة الثانية: ما ورد في الهبة

1. موثّقة سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه فتُبرئه منه في مرضها؟ قال: «لا ولكن إن وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها» .(1)

2. خبر أبي ولاّد: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يكون لامرأته عليه الدينُ فتُبرِئُه منه في مرضها؟ قال (عليه السلام): «بل تهِبُه له فتجوز هبتُها، ويحسب ذلك من ثلثها ».(2)

3. صحيح الحلبي: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضُه فتُبرئه منه في مرضها؟ فقال (عليه السلام): «لا» .(3) ويحمل هذا الصحيح على التفصيل المذكور في الحديثين السابقين.

أقول: المهم في هذه الطائفة هذه الروايات الثلاث حيث يدلّ الجميع ـ بعد حمل صحيح الحلبي على التفصيل الموجود فيما سبق عليه من الروايات ـ على أنّ هبة المريضة وعطيتها لا تجوز إلاّ من ثلثها. والهبة تصرّف منجّز.

نعم يبقى الكلام في وجه التفصيل بين الهبة حين تجوز من الثلث وبين الإبراء حيث لا يجوز مطلقاً لا من الأصل ولا من الثلث، ولعلّ وجهه ـ


1 . الوسائل: 13، الباب 7 من كتاب الهبات، الحديث 3.

2 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 11 .

3 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 15.


صفحه521

كما احتمله المجلسي في ملاذ الأخبار ـ هو أنّ الصداق يومذاك كان عيناً، كدار أو بستان أو غير ذلك، لا ديناً في الذمّة، ومن المعلوم أنّ الإبراء يتعلّق بما في الذمّة لا بالأعيان الخارجية عكس الهبة فهي تتعلّق بالأعيان لا بالذمّة، فتجويزها في المقام دون الإبراء دليل على أنّ الصداق كان عيناً لا ديناً، فصارت الهبة نافذة. نعم ما ذكر من الوجه لا يتم في خبر أبي ولاّد لورود لفظ «الدين» فيه. اللّهم إلاّ أن يحمل على المعنى الوسيع الشامل للعين إذا كانت في يد الآخر.

نعم يمكن أن يقال: إنّ مورد الروايات هو الهبة، ولا يمكن ممّا ورد في الهبة انتزاع ضابطة كلّية تشمل سائر المعاملات المحاباتية. إلاّ بضم ما يأتي من الروايات في غير مورد الهبة.

وأمّا الروايات الأُخرى الواردة في المقام فلا دلالة لها على المطلوب، نظير:

4. خبر سماعة: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن عطية الوالد لولده؟ فقال (عليه السلام): «فإذا كان صحيحاً فهو ماله يصنع به ما شاء، وأما في مرضه فلا يصلح».(1)

5. خبر جراح المدائني: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن عطية الوالد لولده ببينة؟ قال: «إذا أعطاه في صحّته جاز ».(2)

6. خبر السكوني عن علي (عليه السلام) أنّه كان يرد النحلة في الوصية، وما أقرّ به


1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 11 .

2 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 14.


صفحه522

عند موته بلا ثبت ولا بينة ردّه.(1)

أمّا عدم دلالة رواية سماعة فلأنّها تدلّ بمنطوقها على عدم صحة الهبة في حال المرض مطلقاً، وهذا لم يقل به أحد، بناءً على أنّ نفي الصلاحية بمعنى نفي الصحة، لأنّ للمريض أن يهب على وجه الإجمال إمّا من الأصل أو من الثلث.

اللّهم إلاّ أن يقال: ليس للمريض التصرف كيفما شاء ـ كما هو الحال في غيره ـ لا أنّه ليس له التصرف أصلاً.

وأمّا خبر المدائني فهو أيضاً يدلّ بمفهومه على عدم جواز هبة المريض مطلقاً، وهو على خلاف الإجماع. إلاّ أن يقال: إنّ إطلاق الجواز في حال الصحة وإطلاق المنع في حال المرض كون الإنسان مالكاً لفكره في الأوّل دون الثاني، ولكنّه تأويل بعيد.

وأمّا خبر السكوني فهو خارج عن مصب البحث حيث يرد أمران: النحلة في الوصية، والإقرار بالشيء عند الموت. والأوّل خارج عن موضوع البحث، وأمّا الإقرار فهو موضوع خاص سنبحثه بعد الفراغ من المسألة.

الطائفة الثالثة: فيمن أعتق عبده وليس له مال سواه

ونكتفي في بيان هذه الطائفة بما ورد فيه العتق دون أن يقترن بلفظ الوصية.


1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 12.


صفحه523

1. ما رواه علي بن عقبة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل حضره الموت فأعتق مملوكاً له ليس له غيره، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه؟ قال (عليه السلام) : «ما يعتق منه إلاّ ثلثه، وسائر ذلك الورثة أحق بذلك، ولهم ما بقي ».(1)

2. ما رواه عقبة بن خالد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكاً له ليس له غيره، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه؟ قال: «ما يعتق منه إلاّ ثلثه» .(2)

والظاهر أنّ الروايتين رواية واحدة باختلاف يسير. وأن الولد والوالد، سمع الحديث عن الإمام في مجلس واحد. ولكن كان السائل هو الوالد، وكان الولد مستمعاً، ولذلك قال الوالد: سألته، دون الولد .

وليس المراد من (حضور الموت) هو حضور النزع حتّى يقال: فإنّ حضور الموت مانع من مباشرة العتق فيراد منه حينئذ الوصية (3) .

بل المراد هو إحساسه بموته مع كونه عاقلاً مالكاً لعقله، نظير ما ورد في قوله سبحانه: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي)(4).

3. خبر السكوني عن علي (عليه السلام)أنّ رجلاً أعتق عبداً له عند موته لم يكن


1 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 4.

2 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 13.

3 . المسالك: 6 / 308 .

4 . البقرة: 133 .


صفحه524

له مال غيره، قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يستسعى في ثلثي قيمته للورثة» .(1)

4. النبوي: «انّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له عند موته ليس له مال غيرهم، فاستدعاهم رسول الله وجزّأهم ستة أجزاء، فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرقّ أربعة».(2)

وهذه الروايات ظاهرة في أنّ العتق كان منجّزاً بشهادة قوله: «أعتق» ولم يكن معلّقاً، وإلاّ لقال: أوصى بعتقهم. بل أعتق الجميع، وصاروا أحراراً وأرقّهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من جديد، وحمل الروايات على الوصية خال عن الشاهد، مخالف للظاهر .

فإذا كان هذا حال العتق، فغيره أولى بذلك لما علم من رغبة الشارع إلى شيوع العتق. كيف وقد خصّص سهماً من الزكاة للرقاب، كما جعل كفّارة أكثر المعاصي، عتق العبد، حتّى لو عتق جزء مشاع من العبد المشترك يسري العتق إلى سائر أجزائه فيسعى العبد في قيمة الباقي. وهذا هو المراد من التغليب في العتق.

ثم إنّ تعدّد المعتَق صار سبباً في الرواية النبوية لإرجاع الأربعة إلى الرقّية .

وأمّا إذا كان المعتق واحداً مشتركاً فيحكم على الكل بالحرية، غاية


1 . الوسائل: 16، الباب 64 من كتاب العتق، الحديث 5 .

2 . مسند أحمد: 5 / 341 .


صفحه525

الأمر يستسعى العبد في الثلثين، كما في رواية السكوني دون أن يحكم على الباقي بالرقية لعدم التبعيض في الرقيّة.

وعليه يحمل ما في رواية عقبة بن خالد حيث قال: «ما يعتق منه إلاّ ثلثه». وأمّا الباقي فتقوّم قيمتُه، مكان العين.(1)

وأُورد على الاستدلال على هذه الروايات بوجوه:

1. وجود الضعف في روايات هذه الطائفة وليس له جابر سوى الشهرة بين المتأخّرين.

يلاحظ عليه: أنّ بين هذه الروايات صحيحة الحلبي وموثّقة سماعة فكيف يكون الجميع ضعيفاً؟! أضف إلى ذلك أنّ الاستدلال إنّما هو بمجموع الروايات الواردة في مختلف الأبواب فإنّ البعض يدعم البعض الآخر.

2. لا يمكن انتزاع ضابطة كلية منها لاختصاص هذه الطائفة بالعتق في مورد لم يكن للمنجز مال غير ما أعتق فلا تشمل غير العتق من التصرفات، والعتق الّذي معه مال للمعتِق.

يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرنا سابقاً بأنّ انتزاع الضابطة إنّما يحصل من مجموع روايات الباب لا خصوص هذه الطائفة، وأمّا اختصاص الروايات بمن ليس له مال سوى ما أعتق فالظاهر أنّه ليس قيداً للموضوع وإنّما ذكر ليكون ذريعة لإباء الورثة عن الإجازة كما هو ظاهر لمن تأمّل فيه.


1 . منجزات المريض، للشيخ مشكور النجفي: 76 .


صفحه526

 

الطائفة الرابعة: فيما إذا اجتمع العتق والوصية

قد اجتمع العتق والوصية في صحاح ثلاثة وخبر، وقدم الأُول على الثاني .

الأوّل: صحيح محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه وأوصى بوصية فكان أكثر من الثلث، قال: «يَمْضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي».(1)

الثاني: صحيحه الآخر عن أبي جعفر (عليه السلام)قال في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مماليكه في مرضه، فقال: «إن كان أكثر من الثلث رُدّ إلى الثلث وجاز العتق».(2)

الاستدلال بالصحيحين مبنيّ على ثبوت أمرين:

1. العتق لم يكن مورداً للوصية وإنّما كان أمراً منجزاً .

2. انّ السؤال مركّز على عدم وفاء الثلث بهما، لا على خصوص ما أوصى.

ويدلّ على الأمر الأوّل :

أ. التعبير عن العتق بالفعل الماضي فيهما، وحتّى فيما يأتي من الصحيح الثالث لإسماعيل بن همام.

ب. جعله في مقابل الوصية في الصحاح الثلاث حيث قال: «فأعتق


1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .

2 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 4.


صفحه527

غلامه وأوصى بوصية»، وقريب منه ما في الصحيحين الآخرين، ولو كان العتق جزءاً من الوصايا كان اللازم أن يقول: وأوصى بوصية أُخرى.

ج. لو كان العتق جزءاً من الوصايا لزم العمل بما أوصى به مقدّماً، ولكنّ العتق ممّا أُوصي به ـ حسب الفرض ـ مؤخر في الصحيح الثاني مع أنّ الإمام أمر بتنفيذه وهو مؤخّر في الذكر.

ويدلّ على الثاني، أي أنّ السؤال كان مركّز على عدم وفاء الثلث بهما لا على خصوص ما أوصى، هو أنّ ظاهر الحديث وجود المزاحمة بين العتق والعمل بالوصية، والمزاحمة إنّما تتحقّق إذا كان الثلث مَخْرجاً لهما وإلاّ فلو كان العتق مُخْرجاً من الأصل والوصية من الثلث لم يكن بينهما أيّة مزاحمة.

ويؤيّد ذلك أمران :

1. انّ الضمير في قوله: «فكان» «أو ان كان» في الصحيحين يعود إلى مجموع العتق والوصية فهما كانا أكثر من الثلث.

فإن قلت: الضمير يرجع إلى الأقرب وهوقوله: «أوصى بوصية» في الصحيح الأوّل.

قلت: إنّ الوصية وإن كانت أقرب ولكنّ الأقرب في الصحيح الثاني هو العتق، وهذا دليل على عدم العناية بواحد منهما.

2. انّ مقتضى قوله: «يمضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي» إخراج العتق من الثلث، إذ لو كان العتق خارجاً من الأصل وكان الثلث مختصاً بالوصيّة فلا يتصوّر هناك زيادة ولا نقصان من ناحية العتق. نعم يتصوّر


صفحه528

النقصان من ناحية أُخرى وهو وفاء الثلث بالوصية وعدمه لكنّه خارج عن مقصود السائل .

الثالث: صحيح إسماعيل بن همّام، عن أبي الحسن (عليه السلام)في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته وأعتق مملوكاً، وكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع به في وصيته؟ قال :«يبدأ بالعتق فينفذه» .(1)

ودلالته على المقصود رهن ثبوت أمرين :

1. انّ العتق كان منجزاً لا معلّقاً.

2. انّ السؤال مركز على عدم وفاء الثلث بهما.

أمّا الأمر الأوّل فيكفي من ذلك مقابلة العتق مع الوصية في سؤال الراوي.

وأمّا الأمر الثاني وهو أنّ السؤال مركّز على عدم وفاء الثلث بهما معاً فيدلّ عليه :

أ. لو كان السؤال مختصّاً بما أوصى به وأنّه إن زاد على الثلث فماذا يفعل؟ لما كان لذكر العتق وجه، لأنّ العتق يخرج من الأصل ولا يزاحم الوصية حتّى يذكر في جانبها.

ب. قوله: «يبدأ بالعتق» أي يبدأ بالعتق في الإخراج من الثلث، وذلك لأنّه إذا اجتمع المنجّز والمعلّق ولم يكن الثلث وافياً لهما، قُدّم المنجّز على المعلّق.


1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 2.


صفحه529

وأمّا قوله: «كيف يصنع به في وصيّته» ليس دليلاً على أنّ العتق كان من هذه المقولة، إذ المراد أنّه كيف يصنع بالثلث في وصيته مع أنّ العتق يزاحمه ويوجب عدم وفائه بما أوصى.

الرابع: روى الكليني عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن أعتق رجل عند موته خادماً له ثم أوصى بوصية أُخرى، أعتقت الخادم من ثلثه، وألغيت الوصية إلاّ أن يفضل من الثلث ما يبلغ الوصية».(1)

ورواه الشيخ عن كتاب محمد بن علي بن محبوب بالسند الموجود في «الكافي» مع اختلاف يسير في متنه: عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن أعتق رجل عند موته خادماً له، ثم أوصى بوصية أُخرى أُلغيت الوصية وأعتقت الجارية من ثلثه إلاّ أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية». (2)

والاستدلال بالرواية على ثبوت أمرين ماضيين:

1. العتق منجز ومعلق.

2. السؤال مركّز على عدم وفاء الثلث بهما.

أمّا الأمر الأوّل: فربّما يحتمل أن يكون المورد من باب الوصية بشهادة قوله: «ثم أوصى بوصية أُخرى» وكلا الأمرين كانا من باب الوصية لكن تقديم العتق على الأمر الثاني لأجل تقدّم الإيصاء، بشهادة لفظة «ثم».


1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 3.

2 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .


صفحه530

ويمكن أن يقال: إنّ العتق كان منجّزاً والثانية معلّقة، وأمّا التعبير بلفظة «بوصية أُخرى» فهو :

إمّا من باب المشاكلة في التعبير حيث عبر عن العتق أيضاً بالوصية لوقوعه في مصاحبتها كقول القائل:

قالوا اقترح شيئاً نُجِدْ لك طبخه *** قلت اطبخوا لي جبةً وقميصاً

ويؤيد ذلك ذيل الحديث: «إلاّ أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية» الظاهر في كون الثاني فقط من مقولة الوصية ألاّ أن يقدر لفظة «الأُخرى» وهو خلاف الظاهر .

أو من باب استعمال الوصية في كلّ ما يقوم به الرجل قبل موته من منجّز ومعلّق وقد كان هذا الاستعمال رائجاً، نظير:

1. روى منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً، فقال: «إن كان الميت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له» .(1) فكان ما أوصى به إقراراً وسمّاه الإمام وصيّة.

2. عن أبي أيوب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً فقال: «إن كان الميت مرضياً فأعطه الّذي أوصى له ».(2) ترى أنّه وصف الإقرار بالوصية.

3. عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل معه مال


1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .

2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 8 .


صفحه531

مضاربة فمات وعليه دين، وأوصى (أي أقرّ) أنّ هذا الّذي ترك لأهل المضاربة أيجوز ذلك؟ قال: «نعم إذا كان مصدّقاً».(1)

وأمّا الأمر الثاني: فإنّ قوله «إلاّ أن يفضل من ثلثه»، صريح في صرف مقدار منه في غير مورد الإيصاء وليس هو إلاّ العتق فلو بقى شيءٌ يُصرف في الوصية.

الطائفة الخامسة: عتق من عليه دين

دلّت الموثّقة التالية على أنّه إذا أعتق المولى عبده ولم يكن له مال غير المعتق وكان عليه دين بقدر قيمته أو أقل منه، يُنفّذ قدرُ ثلث الزائد على الدين، وعندئذ يحكم على العبد بالحرية ويستسعى العبد في حق الغريم وثلثي الورثة : مثلاً إذا أعتق عبداً قيمته ستمائة درهم، وعليه دين ثلاثمائة درهم ولم يترك شيئاً، فلو أخرج حق الغريم ـ أعني : الدين ـ يبقى للورثة ثلاثمائة درهم فينفذ العتق من ثلثه ـ أعني: مائة درهم ـ وهو بالنسبة إلى قيمة الكل، سدسه فتكون النتيجة ينعتق منه سدسه ويستسعى للغريم، نصف القيمة، وللورثة، ثلثي الباقي أعني مائتي درهم. وهذه الرواية صريحة في أنّ المنجز، يخرج من الثلث لا من الأصل وإلاّ كان اللازم ـ بعد إخراج الدين ـ انعتاق نصفه وكان اللازم عليه أن يستسعى في نصف قيمته للغرماء فقط دون أن يستسعى للورثة .

نعم يبقى الإشكال في ما هو الوجه في هذا الشرط من كون قيمته


1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 14 .


صفحه532

ضعف دينه أو أقل. وإليك ما ورد في المقام:

1. موثّقة الحسن بن الجهم، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام)يقول في رجل أعتق مملوكاً وقد حضره الموت وأشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم وعليه دين ثلاثمائة درهم ولم يترك شيئاً غيره، قال: «يعتق منه سدسه، لأنّه إنّما له منه ثلاثمائة درهم وله السدس من الجميع، ويقضي عنه ثلاثمائة درهم وله من الثلاثمائة، ثلثها» .(1)

2. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ـ وهي مفصّلة نقتصر على موضع الحاجة ـ قلتُ: فإنّ قيمة العبد ستمائة درهم وديته ثلاثمائة درهم، فقال: «إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتهم الرجل على وصيته وأُجيزت وصيته على وجهها، فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلثه للورثة ويكون له (العبد) السدس» .(2)

والتصريح بأنّه يعتق منه السدس أقوى دليل على أنّ العتق المنجز يخرج من الثلث، فلو كان من الأصل لزم كون نصفه حرّاً، لأنّ قيمة العبد ستمائة، فنصفها للغرماء، والنصف للمالك عند الموت فيكون نصفه حرّاً مع أنّ الإمام قال: إنّ له السدس .

فإن قلت: إنّ المورد من باب الوصية لقوله: «لم يتّهم الرجل على وصيته» وقوله: «وأُجيزت وصيته»، فالباقي للوارث بعد أداء الدين هو


1 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، الحديث 4. وفي الكافي: ثلاثمائة درهم، ويقضي منه ثلاثمائة درهم فله من الثلاثمائة، ثلثها وهو السدس من الجميع .

2 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، ذيل الحديث 5.


صفحه533

ثلاثمائة، فللميت منها الثلث ـ أعني: المائة ـ وهي تعادل قيمة سدس العبد.

قلت: قد تقدّم أنّ استعمال الوصية في كلماتهم في مورد المنجّز، لأحد أمرين: إمّا من باب المشاكلة أو شيوع استعمالها في مورد المنجّز

فإن قلت: إنّ الاستدلال مبني أوّلاً: على عدم الفرق بين العتق وغيره. وثانياً: على عدم الفرق بين ما إذا كان عليه دين أو لم يكن. وثالثاً: على عدم الفرق بين ما إذا كانت قيمة العبد أكثر من الدين أو أقل . وكلّ هذه لا تتم إلاّ بالإجماع على عدم الفرق. وإلاّ فلا دليل على التعدية.(1)

قلت: إذا ثبت الحكم في العتق ثبت في غيره بطريق أولى لما علمنا من رغبة الشارع في العتق، فإذا كان العتق من الثلث فغيره أولى بأن يكون من الثلث. وأمّا إلغاء الخصوصية من الجهات الأُخرى فإنّما هو بملاحظة مجموع ما دلّ على أنّ المنجز يخرج من الثلث .

بقيت في المقام رواية أُخرى وهي لزرارة أو لجميل عنه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أعتق مملوكه عند موته وعليه دين، فقال: «إن كان قيمته مثل الّذي عليه ومثله جاز عتقه، وإلاّ لم يجز ».(2)

إنّ الحديث يدلّ على أنّ العتق ينفّذ، وأمّا أنّه ينفذ من الأصل أو الثلث فلا دلالة له على أحد الأمرين.


1 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 20 .

2 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .


صفحه534

 

الطائفة السادسة: الأخبار الواردة في إقرار المريض

دلّت الروايات على أنّ المقر إذا لم يكن متّهماً ينفذ إقراره من الأصل، وإلاّ فمن الثلث.

قال الشيخ في «النهاية»: إقرار المريض جائز على نفسه للأجنبي وللوارث على كلّ حال إذا كان مرضيّاً موثوقاً بعدالته، ويكون عقله ثابتاً في حال الإقرار، ويكون ما أقرّ به من أصل المال; فإن كان غير موثوق به وكان متّهماً، طولب المقرّ له بالبيّنة، فإن كانت معه بيّنة أُعطي من أصل المال، وإن لم يكن معه بيّنة أُعطي من الثلث إن بلغ ذلك فإن لم يبلغ فليس له أكثر منه.(1)

ويدلّ على ذلك الروايات التالية:

1. صحيح إسماعيل بن جابر قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أقرّ لوارث له وهو مريض بدين له عليه؟ قال: «يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث».(2)

2. خبر العلاء بياع السابري قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن امرأة استودعت رجلاً مالاً فلمّا حضرها الموت قالت له: إنّ المال الّذي دفعته إليك لفلانة، وماتت المرأة فأتى أولياؤها الرجل فقالوا له: إنّه كان لصاحبتنا مال ولا


1 . النهاية: 617 .

2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 3 .


صفحه535

نراه إلاّ عندك فأحلف لنا ما لها قبلك شيء، أفيحلف لهم؟ فقال: «إن كانت مأمونة عنده فليحلف لهم، وإن كانت متّهمة فلا يحلف، ويضع الأمر على ما كان، فإنّما لها من مالها ثلثه».(1)

وجه الاستدلال بهذه الروايات اشتراك تصرّفات المريض مع إقرار المريض إذا كان متهماً في كون المانع عن النفوذ فيما زاد على الثلث، هو تعلّق حق الوارث به، وهو كما يمنع من نفوذ الإقرار فيه، كذلك يمنع من نفوذ المنجز فيه أيضاً، لوجود الملاك وهو تعلّق حق الغير به.

وأورد عليه سيد مشايخنا المحقّق البروجردي بوجود الفرق بين الإقرار والمقر قائلاً:

أوّلاً: إنّ الإقرار ليس من منجزات المريض وإنّما هو إخبار عمّا نجّزه في سالف الأيام، وعندئذ فلا يقاس عليه ما ينجزه في أيام مرضه .

وبعبارة أُخرى: أنّ المقرّ بإقراره لا يخرج شيئاً من كيسه وممّا يملكه، وإنّما يقرّ بأنّ الشيء الفلاني ملك لفلان وإن كان تحت يده، وهذا بخلاف المنجزات فإنّه ببيعه وشرائه وهبته ووقفه يخرج شيئاً ممّا يملك، فلو ثبت لزوم الإخراج من الثلث إذا كان متهماً فلا يكون دليلاً على سائر الموارد.

وثانياً: أنّ الحكم المزبور ليس أمراً متفقاً عليه وإنّما هو أحد الأقوال ففي المسألة أقوال أنهاها في الجواهر إلى عشرة.(2)


1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا ، الحديث 2.

2 . لاحظ الجواهر: 26 / 81 ـ 82 ; ولاحظ رسالة المجدي.


صفحه536

يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّ وجه الاستدلال ليس جعل الإقرار من مصاديق المنجز، حتّى يقال: إنّ أحدهما إخبار، والآخر إنشاء، بل وجهه ما أشرنا إليه من أنّ المانع في عدم النفوذ فيما زاد كون المريض في كلتا الصورتين في مظنّة الإضرار بالوارث بعد تعلّق حقه بالميراث.

الإخراج من الأصل يوجب الاختلال في الحكمة

هذه أدلّة المسألتين من حيث الروايات، وأمّا القضاء الحاسم بينهما فسيوافيك بيانه إلاّ أنّنا نشير هنا إلى نكتة، وهي أنّ الشريعة المقدسة ـ صيانة لحق الورثة ـ لم تسمح للمورّث التصرف بأكثر من الثلث، وحتّى عدّ التجاوز سرقة في بعض الروايات . فقد ورد عن علي (عليه السلام)أنّه قال: «ما أُبالي أضررت بولدي أو سرقتهم ذلك المال» .(1)

وقد تضافرت الروايات على وجوب عدم الإضرار بالورثة بالوصية. ومن جانب آخر لو فتح باب الإضرار على الورثة بتنفيذ منجزاته من أصل المال بلا قيد ولا شرط، فهذان الحكمان متزاحمان لا يجتمعان، فهو أشبه بفتح الذرائع عند الأحناف، كلّ ذلك يوجب ترجيح القول بالإخراج من الثلث.

وإلى ما ذكرنا يشير صاحب الجواهر ويقول: بل في سؤال هذا البعض دلالة واضحة على معلومية الفرق بين حالي الصحة والمرض بالنسبة إلى النفوذ من الأصل وعدمه، وغير ذلك خصوصاً اختلال حكمة حصر الوصية


1 . الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب الوصايا، الحديث 2.


صفحه537

في الثلث، ضرورة التجاء كل من يريد حرمان الورثة أو بعضهم عند حضور موته، إلى التنجيز.(1)

القضاء الحاسم بين القولين

إذا عرفت القولين، والقائلين بهما، والأدلّة الّتي استدلّ بها عليهما فلابدّ من دراسة علاج الروايات المتخالفة فهل يمكن الجمع بينهما دلالة أو لا يمكن؟ وعلى الثاني فهل هي متكافئة أو لا ؟

وفيه وجوه:

الأوّل: الجمع الدلالي بين الطائفتين

قد عرفت أنّ ما يدلّ على أنّ المنجزات تخرج من الأصل على أقسام:

1. ما يدلّ بالنص لا بالإطلاق على أنّ المنجز يخرج من الأصل، وذلك كالصور الأربعة من رواية عمار ـ أعني: الثانية والثالثة والرابعة والخامسة ـ فإنّ دلالتها على المطلوب واضحة وصريحة.

2. ما يدل بالإطلاق على أنّ المنجّز يخرج من الأوّل ، وهذا كرواية أبي شعيب المحاملي وسماعة بن مهران.

3. ما يدلّ على المدّعى وهو تام دلالة، ضعيف سنداً وهذا كمرسلة الكليني .


1 . الجواهر: 26 / 71 .


صفحه538

فيمكن الجمع الدلالي بين ما يدل بالإطلاق وما يدل بالخصوص على أنّ المنجز يخرج من الثلث.

وأمّا القسم الأوّل فهو وإن كان تاماً لكن الأخذ به مع ما فيها من الإشكالات مشكل، وأمّا القسم الرابع، فهو ضعيف لا يحتج به.

أمّا ما رواه الكليني من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لرجل من الأنصار أعتق مماليكه لم يكن له غيرهم فعابه النبي...(1) وإن كان ظاهره خروج المنجز عن الأصل، لكن المروي في العلل وقرب الاسناد، بشكل آخر، ربّما يكون ظاهره خلاف المطلوب كما مرّ.

فلو أمكن الجمع الدلالي فلا تصل النوبة إلى الترجيح بالمرجّحات، وإلاّ فلابد من ترجيح أحد القولين بها.

الثاني: الترجيح بكثرة الروايات

إنّ كثرة الروايات وتضافرها في جانب القول بالإخراج عن الثلث على وجه يجعل الحكم المستفاد منها متضافراً بخلاف القول الآخر، وذلك لأنّ ما يدلّ على القول بالإخراج من الأصل لا يتجاوز أربع روايات: رواية عمّار على بعض صورها، ورواية أبي شعيب المحاملي، ورواية سماعة، ومرسلة الكليني.

بخلاف ما يدلّ على القول بالإخراج من الثلث، فالروايات متضافرة :

1. رواية عقبة بن خالد وولده وهما رواية واحدة.


1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 9.


صفحه539

2. خبر السكوني.

3. النبوي المعروف. وقد تعرفت على هذه الروايات الثلاث في الطائفة الثانية.

4. صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام).

5. صحيحه الآخر عن أبي عبدالله (عليه السلام).

6. صحيح إسماعيل بن همّام، وقد تعرفت عليها في الطائفة الثالثة .

7. موثّقة حسن بن الجهم المذكورة في الطائفة الرابعة.

8. موثّقة سماعة .

9. صحيح الحلبي.

المذكورتين في الطائفة الخامسة.

هذا والعجب من قول الشهيد الثاني في المسالك حيث ناقش في كثير من هذه الروايات وقال: وأجود ما في هذا الباب متناً وسنداً الرواية العاميّة ومن ادّعى خلاف ذلك، فالسبر يردّ دعواه وعليها اقتصر ابن الجنيد في كتابه «الأحمدي» (1).

وقد عرفت صراحة قسم من الروايات في الإخراج من الثلث .

هذا مع قطع النظر عن الروايات الّتي يمكن تطبيقها على الثلث وإن لم تكن متعيّنة فيه.


1 . المسالك: 6 / 309 .

Website Security Test