welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه485

 

أقوال الفقهاء في المسألة

اتّفق فقهاء السنة على أنّ منجّزات المريض تخرج من الثلث، وهذا ما نص عليه السيد في الانتصار والشيخ في الخلاف.

نعم اختلف أصحابنا في ذلك فهم بين قائل بخروجه من الأصل، وقائل بخروجه من الثلث. وها نحن نذكر بعض أقوال كلتا الطائفتين إلى نهاية القرن العاشر.

كلمات القائلين بالخروج من الأصل

1. قال المفيد: وإذا وهب في مرضه أو تصدّق، جاز ذلك له في جميع ماله ولم يكن لأحد معارضته في ذلك، والبيع في المرض صحيح ـ كالهبة والصدقة ـ إذا كان الإنسان عاقلاً مالكاً لرأيه .(1)

2. قال السيد في «الانتصار»: وممّا انفرد به الإمامية بأنّ من وهب شيئاً في مرضه الّذي مات فيه إذا كان عاقلاً مميزاً تصحّ هبته، ولا يكون من ثلثه بل يكون من صلب ماله. وقد خالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهبوا إلى أنّ له الهبة في مرض الموت محسوبة من الثلث .(2)

3. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا وهب في مرضه المخوف شيئاً وأقبضه


1 . المقنعة: 671، كتاب الوصية، باب الوصية والهبة في المرض .

2 . الانتصار : 425، كتاب الهبة، تحت عنوان: الهبة في مرض الموت .


صفحه486

ثم مات فمن أصحابنا من قال: لزمت الهبة في جميع الموهوب ولم يكن للورثة فيها شيء. ومنهم من قال: يلزم في الثلث ويبطل فيما زاد عليه، وبه قال جميع الفقهاء. دليلنا على الأوّل: أخبار الطائفة المروية في هذا الباب .(1)

وقال أيضاً في كتاب الشفعة: إذا باع في مرضه المخوف شقصاً
وحابى فيه من وارث صحّ البيع ووجبت به الشفعة بالثمن الّذي وقع عليه البيع. (2)

وقال ـ أيضاً ـ في «النهاية»: والهبة في حال المرض صحيحة إذا قبضها وليس للورثة الرجوع فيها، فإن لم يقبضها ومات كان ما وهب راجعاً إلى الميراث. وكذلك ما يتصدّق به في حال حياته، والبيع في حال المرض صحيح كصحّته في حال الصحة إذا كان المريض مالكاً لرأيه وعقله .(3)

4. قال ابن البراج: وإذا وهب المريض في حال مرضه شيئاً وأقبضه كانت الهبة صحيحة ولم يكن للوارث الرجوع فيها ـ إلى أن قال: ـ وبيعه في حال مرضه صحيح إذا كان ثابت العقل، مالكاً لرأيه.(4) وقال في كتاب آخر له: إذا جمع بين عطية منجّزة وعطية مؤخّرة دفعة واحدة ولم تُخرجا من الثلث كيف يفعل بهما؟

الجواب: إذا جمع بين ذلك ولم تُخرجا من الثلث قدّمت العطية


1 . الخلاف: 3 / 573، كتاب الهبة، المسألة 21.

2 . الخلاف: 3 / 455، كتاب الشفعة ،المسألة 40.

3 . النهاية : 620، كتاب الهبة.

4 . المهذب: 1 / 420، كتاب الإقرار.


صفحه487

المنجزة، لأنّها سابقة وتلزمه في حق المعطي، فيجب فيها ما ذكرناه من التقديم على المؤخرة الّتي لم تلزم .(1)

5. قال صاحب الوسيلة: فإن أوصى في حال الصحّة أو في المرض غير المخوف أو المشتبه ونجّز كان من أصل المال، وإن لم ينجّز كان من الثلث.(2)

6. قال ابن زهرة في «الغنية»: والهبة في المرض المتصل بالموت محسوبة من أصل المال لا من الثلث بدليل الإجماع المشار إليه .(3)

7. وقال ابن إدريس في «السرائر»: إذا وهب في مرضه المخوف شيئاً وأقبضه ثم مات فمن أصحابنا من قال: تلزم الهبة في جميع الشيء الموهوب سواء كان الثلث أو أكثر من الثلث، وهو الصحيح من المذهب الّذي تقتضيه الأُصول. ومنهم من يقول: تلزم في الثلث وتبطل فيما زاد عليه.(4)

وبه أفتى في كتاب الوصية. (5)

8. وقال الفاضل الآبي في «كشف الرموز» بعد ذكر أدلّة القولين:


1 . جواهر الفقه: 153، المسألة 537، ط . النشر الإسلامي، وفي دلالته على أنّ المنجّز من الأصل تأمل، لو لم يدل على العكس، فهو ظاهر في انّه إذا لم يكف الثلث المنجز والمعلّق، يقدم الأوّل لتقدمه. فلاحظ.

2 . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 372. وفي دلالته على أنّ منجزات المريض في المرض المخوف تأمّل واضح.

3 . غنية النزوع: 1 / 301، كتاب الهبة، الطبعة المحققة في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

4 . السرائر: 3 / 176، كتاب الهبة .

5 . السرائر: 3 / 221. والبيع في حال المرض صحيح كصحّته في حال الصحة إذا كان المريض مالكاً لاختياره ورأيه، ثابت العقل.


صفحه488

والأشبه أنّ جميع تصرفاته من الأصل بوجوه... إلى أن قال: الرابع: لفتوى أكثر الأصحاب .(1)

9. وقال المحقّق الأردبيلي في ذيل كلام العلاّمة في «الإرشاد»: وفي التبرّعات المنجزة قولان: ودليل الأوّل (لزوم المنجزات وصحّتها) أظهر وهو الأصل، والاستصحاب، وتسلّط الناس على أموالهم .(2)

10. وقال السبزواري في «الكفاية»: وأمّا التبرعات المحضة كالهبات والصدقات وما في حكمها كالبيع بأقل من ثمن المثل والشراء بأزيد منه، في القدر الزائد فما أخذه من العوض فاختلف الأصحاب في حكمها وقيل: إنّها تمضى من الثلث، وقيل: من الأصل، وهو أقرب للأصل .(3)

هذه أقوال جملة من القائلين بخروج المنجّزات من الأصل.

وأمّا القائلون بخروجها من الثلث، فإليك كلمات بعضهم:

كلمات القائلين بالخروج من الثلث

إنّ القول بنفوذها من الثلث مذهب كثير من المتأخّرين وبعض المتقدّمين، وربّما يكون لفقيه واحد رأيان:

1. قال الشيخ: رجلٌ أعتق عبداً له لا مال له غيره في مرضه المخوف،


1 . كشف الرموز في شرح المختصر النافع: 2 / 91، ط . النشر الإسلامي.

2 . مجمع الفائدة والبرهان: 9 / 214 .

3 . كفاية الأحكام: 2 / 73، كتاب الوصية.


صفحه489

نظر فيه فإن لم يجزه الورثة بطل العتق في ثلثي العبد وصحّ في الثلث، ويكون الولاء في الثلث له .(1)

2. قال المحقّق في «النافع»: تصرّفات المريض إن كانت مشروطة بالوفاة فهي من الثلث، وإن كانت منجزّة وكان فيها محاباة أو عطية محضة فقولان; أشبههما أنّها من الثلث .(2)

وقال المحقّق في «الشرائع»: والمريض ممنوع من الوصية، بما زاد على الثلث إجماعاً، إذا لم يُجز الورثة. وفي منعه من التبرعات المنجزة، الزائدة على الثلث، خلاف بيننا، والوجه المنع.(3)

وللمحقّق كلمات مماثلة في غير هذا الباب، فقد قال في كتاب الوقف: فلو وقف في مرض الموت فإن أجاز الورثة، وإلاّ اعتبر من الثلث، كالهبة والمحاباة في البيع، وقيل: يمضى من أصل التركة. والأوّل أشبه .(4)

3. قال العلامة في «تحرير الأحكام»: الرابع عشر: المريض محجور عليه إلاّ في ثلث ماله في التبرعات، كالهبة، والصدقة، والعتق، ولو اشتمل البيع على المحاباة مضى ما قابل رأس المال من الأصل، والزيادة من الثلث، ولو أجازت الورثة صحّ جميع ما أجازوا فيه .(5)


1 . المبسوط: 4 / 10 (كتاب الوصايا).

2 . المختصر النافع، آخر أحكام الوصية: 193.

3 . شرائع الإسلام: 2 / 102، كتاب الحج.

4 . شرائع الإسلام: 2 / 212، كتاب الوقف .

5 . تحرير الأحكام: 2 / 537، كتاب الحجر.


صفحه490

وقال في «القواعد»: أمّا المعجلة للمريض فإن كانت تبرعاً فالأقرب أنّها من الثلث إن مات في مرضه، وإن برأ لزمت إجماعاً .(1)

4. وقال فخر المحقّقين في «الإيضاح» في شرحه: اختلف الفقهاء في تصرفات المريض المنجزة المتبرع بها، أعني الّتي بلا عوض غير الاقرار، فقال بعضهم: إنّها من الثلث كالمعلقة بالموت، وهو اختيار والدي المصنف والشيخ في المبسوط والصدوق وابن الجنيد، ومفهوم قول الشيخ في الخلاف. وقال المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية وابن البراج وابن إدريس أنها من الأصل، والأوّل هو الصحيح عندي، لوجوه (2).

5. وقال الشهيد في «اللمعة»: ولو وهب أو وقف أو تصدق في مرض موته فهي من الثلث إلاّ أن يجيز الوارث .(3)

وقال في «الدروس» في باب الوقف: ووقف المريض ماض من الثلث إذا لم يجزه الواقف .(4)

6. وقال ابن قطّان في «المعالم»: ويحجر على المريض في ثلثي ماله، فلو تبرّع منه بشيء منجزاً أو وصية لم يصحّ إن مات في مرضه ولم يجز الورثة .(5)


1 . القواعد: 2 / 229، كتاب الوصايا.

2 . الايضاح في شرح القواعد: 2 / 592 ـ 594، ط . العلمية ـ قم .

3 . اللمعة الدمشقية: 90، كتاب العطية.

4 . الدروس الشرعية: 2 / 263، كتاب الوقف .

5 . معالم الدين: 2 / 592، كتاب الوصية.


صفحه491

7. وقال الفاضل المقداد في «شرح مختصر النافع» بعد ذكر أدلّة الثلث: والفتوى على هذا .(1)

8. وقال ابن فهد الحلي في «المهذب البارع»: أقوال: المشهور أنّها من الثلث، وهو أحد قولي الشيخ... إلى قال: وقال الشيخان في النهاية والمقنعة أنّها من الأصل والروايات بالأوّل (2).

9. وقال المحقّق الثاني في «جامع المقاصد» بعدما نقل ما ذكره صاحب الإيضاح من المختلف فقال: المختار هو الأوّل، ومراده هوالثلث. واستدلّ عليه بصحيحتي ; علي بن يقطين ويعقوب بن شعيب.(3)

10. وقال الشهيد الثاني في «المسالك» كتاب الحجر: وفي وقوع هذه وشبهها من أصل المال أو من الثلث قولان: أحدهما انّها من الأصل... إلى أن قال: والثاني أنّها من الثلث. ذهب إليه جماعة من المتقدّمين، منهم الصدوق والشيخ في أحد قوليه ; واختاره عامة المتأخّرين، منهم المصنّف، وهو الأقوى.(4)

وقد اقتصرنا في نقل الأقوال، بعشر كلمات من كل طائفة ليعلم أنّ القولين مشهوران متكافئان، لا يرجّح أحدهما على الآخر، وقد اختار الخروج من الثلث صاحب الجواهر وأفاض الكلام فيه .(4)


1 . التنقيح الرائع في شرح مختصر النافع: 2 / 425، باب تصرّفات المريض، كتاب الوصايا.

2 . المهذب البارع: 2 / 516، كتاب الوصية.

3 . جامع المقاصد: 11 / 94 .   4 . مسالك الأفهام: 4 / 157 .

4 . الجواهر: 26 / 63 ـ 93، كتاب الحجر .


صفحه492

وأكثر من عاصرنا من المشايخ على القول بالخروج من الأصل، غير السيد المحقّق البروجردي حيث كان يرجّح القول بالثلث .

وللوقوف على واقع القولين نذكر كلمتين: إحداهما للعلاّمة الحلّي في «التذكرة»، والأُخرى لشارح «القواعد» صاحب «مفتاح الكرامة» .

قال العلاّمة: التبرعات المنجزّة كالعتق والمحاباة والهبة المقبوضة والصدقة المقبوضة والوقف المقبوض والابراء من الدين والعفو عن الجناية الموجبة للمال، إذا وقعت في حال الصحة فهي من رأس المال إجماعاً.

وإن كانت في مرض الموت فهي من الثلث على أقوى القولين عندنا. وعند جمهور العلماء خلافاً لبعض علمائنا حيث قال: إنّها تمضي من الأصل.

وقال أهل الظاهر: الهبة المقبوضة من رأس المال .(1)

وقال العاملي ـ بعد قول العلامة: «... ويحجر على المريض في التبرعات كالهبة والوقف والصدقة والمحاباة فلا تمضي إلاّ من ثلث تركته وإن كانت منجزّة على رأي...» ـ قال: على رأي المشهور كما في «المهذب البارع» وهو الأظهر في فتاوى أصحابنا كما في «إيضاح النافع» وعليه الفتوى كما في «التنقيح» وعليه عامّة المتأخّرين كما في حَجر «المسالك» والأكثر وسائر المتأخّرين كما في وصاياه، وعليه المتأخّرون كما في «غاية المراد» و «مجمع البرهان» والنصوص به متواترة كما في «جامع المقاصد»، وفي موضع آخر منه: إنّه قد دلّت عليه صحاح الأخبار. وفي «المفاتيح» إنّ الأخبار به أكثر


1 . تذكرة الفقهاء : 2 / 488، كتاب الوصية (الحجرية).


صفحه493

وأشهر، وقد حكاه المصنّف في «المختلف» والشهيد في «غاية المراد» عن الصدوق وأبي علي والشيخ في «المبسوط» وظاهر كلام الشيخ في «الخلاف»، وتبعهما من تأخّر عنهما في الحكاية عن هؤلاء .(1)

ثم إنّه قال: والقول بأنّها ـ المنجزات ـ من الأصل خيرة «الفقيه» و «المقنعة» و «الانتصار» و «التهذيب» و «الاستبصار» و «النهاية» و «الخلاف» في مواضع منه ; الهبة والشفعة والوصايا، و «المبسوط» في موضع منه، و «المهذّب» فيما إذا أعتق في الحال، و «الوسيلة» و «الغنية» في موضعين منها، و «السرائر» في ثلاثة مواضع، و «جامع الشرائع» في باب الوقف، و «كشف الرموز» و «مجمع البرهان» في باب الحجر، و «الكفاية» و «الوافي» و «الوسائل» و «الهداية» و «الرياض».

وهو المحكيّ عن الكليني والقاضي أيضاً، ولعلّ وجه حكايته عن ثقة الإسلام هو أنّه عقد «باب صاحب المال أحقّ بماله ما دام حيّاً»، ثم ساق الأحاديث الدالّة عليه خاصة، ولم يذكر شيئاً من روايات القول الآخر .

وهو لازم لسلاّر كما ستسمع.

وهو ظاهر «نكت النهاية» وفي «كشف الرموز»: أنّه مذهب الأكثر، وفي «الرياض»: إنّه المشهور بين القدماء ظاهراً، بل لعلّه لا شبهة فيه جدّاً، وفي موضع من «السرائر»: إنّه الصحيح من المذهب الّذي تقتضيه الأُصول، وفي موضع آخر ـ وهو باب الوصية ـ قال: إنّه الأظهر في المذهب، وعليه الفتوى


1 . مفتاح الكرامة: 12 / 522 ـ 523 .


صفحه494

وبه العمل، لأنّ للإنسان التصرّف في ماله ونفقة جميعه في مرض الموت بغير خلاف، وفي هبة «الانتصار» و «الغنية» الإجماع عليه، وهو ـ أي الإجماع ـ ظاهر مهور «السرائر» أيضاً كما ستسمع .(1)

موقف فقهاء السنة من المسألة

هذا كلّه حول أقوال الأصحاب وأمّا فقهاء السنّة فقد اتّفقوا على أنّ التبرعات المنجّزة تخرج من الثلث واستدلّوا بحديثين وردا في كلام ابن قدامة، قال :

إنّ التبرعات المنجّزة كالعتق والمحاباة والهبة المقبوضة والصدقة والوقف والإبراء من الدين والعفو عن الجناية الموجبة للمال إذا كانت في الصحة فهي من رأس المال لا نعلم في هذا خلافاً .

وإن كانت في مرض مخوف اتّصل به الموت فهي من ثلث المال في قول جمهور العلماء، وحكي عن أهل الظاهر في الهبة المقبوضة أنّها من رأس المال وليس بصحيح واستدلّ بحديثين:

1. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله تصدّق عليكم عند وفاتكم بثُلْث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم». رواه ابن ماجة، وهذا يدلّ بمفهومه على أنّه ليس له أكثر من الثلث .

2. وروى عمران بن حصين أنّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له في


1 . مفتاح الكرامة: 12 / 523 ـ 524 .


صفحه495

مرضه لا مال له غيرهم فاستدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فجزّأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة»، وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته فغيره أولى، ولأنّ هذه الحال الظاهر منها الموت فكانت عطية فيها في حق ورثته لا تتجاوز الثلث كالوصية.(1)

وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: إنّ المريض مرَضَ الموت تُحْجر عليه تبرّعاته فيما زاد عن ثلث تركته، لحق ورثته وذلك حيث لا دين، وإذا تبرع بما زاد عن الثُّلث كان له حكم الوصية إذا مات .(2)

أقول: أمّا الحديث الأوّل فقد ورد من طرقنا أيضاً (3) لكن التصدّق يناسب الوصية حيث إنّه ما دام حياً، فالمال له، لا يحتاج في تصرفه إلى أن يتصدّق عليه أحد، وإنّما يحتاج إليه بعد الموت الّذي انتقل المال إلى وارثه فتصدق عليه سبحانه أن جعله في متناوله حيث إنّه يستفيد منه لما بعد الموت.

وأمّا الحديث الثاني فقد رواه أبو داود في سننه عن عمران بن حصين قائلاً: إنّ رجلاً أعتق ستة أعبد عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة.(4) والوارد فيها قوله: «عند موته» مع أنّ المنقول في المغني «في مرضه».


1 . المغني والشرح الكبير: 6 / 491 .

2 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 17 / 100، مادة «حجر».

3 . مستدرك الوسائل: 13، الباب 9 من كتاب الوصايا، الحديث 2 .

4 . سنن أبي داود: 4 / 28، كتاب العتق، برقم 3958 .


صفحه496

ونقله أحمد في مسنده عن عمران بن حصين قال: إنّ رجلاً أعتق ستة أعبد له فأقرع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة.(1)

والظاهر سقوط أحد اللفظين: (في مرضه) أو (عند موته) .

ورواه الترمذي في سننه وقال: إنّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له قولاً شديداً، ثم دعاهم فجزّأهم ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة.(2)

فلو رجع الضمير في قوله: «فقال له قولاً شديداً» إلى الرجل فقد أقرع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حال حياة الرجل، فإذا كان حكمه كذلك في حال حياته فأولى أن يكون كذلك بعد مماته.

ورواه البيهقي في سننه بالاسناد المتصل إلى عمران بن حصين قال: أنّ رجلاً أعتق ستة أعبد عند موته لم يكن له مال غيرهم. إلى آخر النص المار ذكره عن سنن الترمذي. وهذا يدلّ على أنّ الصحيح «عند موته» لا (في مرضه). وقد عبّر ابن قدامة باللازم الغالب للموت، أعني: المرض.

المناقشة في سند الحديث ودلالته

قد ناقش سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في سند الحديث قائلاً بأنّا: لو أغمضنا النظر عمّن يروي عن عمران بن حصين لكنَّ عمران هذا كان


1 . مسند أحمد: 4 / 438 .

2 . سنن الترمذي: 3 / 645 برقم 1364، كتاب الأحكام .


صفحه497

ممّن قيل إنّه آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في السنة الّتي وقع فتح خيبر فيها، وطالت حياته إلى زمان الخلافة الظاهرية لأمير المؤمنين (عليه السلام)وتخلّف عنه ولم يحضر معه حرب صفين واحتاط بخياله الفاسد وقعد عن متابعة وليّ الله الأعظم، فكيف يكون الاعتماد على نقل مثل هذا الشخص؟!(1)

أقول: إنّ عمران بن حصين كانت مع الإمام علي (عليه السلام)صلة وثيقة ويُعرف ذلك من وجوه:

أوّلاً: هو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة.(2)

ثانياً: وروى في فضائل علي (عليه السلام)جملة أحاديث.

روى أبو نعيم بسنده عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سرية واستعمل عليهم عليّاً ـ كرم اللّه وجهه ـ ، فأصاب عليّ جارية، فأنكروا ذلك عليه، فتعاقد أربعة من أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قالوا: إذا لقينا رسول اللّه أخبرناه بما صنع عليّ، قال عمران: وكان المسلمون إذا قدموا من سفر بدأوا برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسلّموا عليه ثم انصرفوا، فلمّا قدمت السرية سلّموا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول اللّه ألم ترَ أنّ عليّاً صنع كذا وكذا، فأعرض عنه، ثمّ قام آخر منهم فقال: يا رسول اللّه ألم تر أنّ عليّاً صنع كذا وكذا، فأعرض عنه حتى قام الرابع، فقال: يا رسول اللّه ألم تر أنّ عليّاً صنع كذا وكذا، فأقبل عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يُعرف الغضب في وجهه فقال: ما


1 . المجدي في تقريرات السيد البروجردي: 135.

2 . الغدير: 3 / 57 برقم 91 .


صفحه498

تريدون من عليّ؟ ثلاث مرات، ثمّ قال: إنّ علياً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كل مؤمن بعدي. (1)

وروى محب الدين الطبري أنّ عمران بن حصين قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): النظر إلى وجه عليّ عبادة. (2)

ثالثاً: كان عمران ممّن ثبت مع جمع من الصحابة على القول بإباحة المتعة وعدم نسخها، فقد ذكر الفخر الرازي (3) أنّ عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه تعالى ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتمتعنا بها ومات ولم ينهنا عنها ثم قال رجل برأيه ما شاء (4).

رابعاً: وروى ابن قتيبة أنّ طلحة والزبير لمّا نزلا البصرة قال عثمان بن حُنيف: نعذر إليهما برجلين فدعا عمران بن حصين صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبا الأسود الدؤلي. فأرسلهما إلى الرجلين فذهبا إليهما ... فتكلم أبو الأسود الدؤلي ... ثمّ تكلم عمران بن حصين فقال: يا طلحة، إنّكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثمّ بايعتم عليّاً وبايعنا من بايعتم، فإن كان


1. حلية الأولياء: 1 / 294 ترجمة جعفر الضبيعي. وأخرجه الحاكم في مستدركه: 3 / 110 ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وذكره الذهبي في تلخيصه.

2. الرياض النضرة: 3 / 219. وروى الحديث أيضاً عن عبد اللّه بن مسعود، ثم قال: أخرجه أبو الحسن الحربي.

3 . تفسير الرازي: 3 / 200 .

4. يريد أنّ عمر بن الخطاب نهى عنها. وروى أبو نعيم بسنده عن عمران بن حصين قال: تمتعنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مرتين، فقال رجل برأيه ما شاء. قال أبو نعيم: هذا حديث صحيح ثابت أخرجه مسلم في صحيحه. حلية الأولياء: 2 / 355 ترجمة محمد بن واسع.


صفحه499

قتل عثمان صواباً فمسيركم لماذا؟ وإن كان خطأ، فحظكم منه الأوفر، ونصيبكم منه الأوفى. فقال طلحة: يا هذا إنّ صاحبكما لا يرى أنّ معه في هذا الأمر غيره، وليس على هذا بايعناه، وأيم اللّه ليسفكنّ دمه. فقال أبو الأسود: يا عمران! أمّا هذا فقد صرّح أنّه إنّما غضب للملك...(1).

هذا كله حول سند الحديث بقي الكلام في دلالته.

مناقشة دلالة الحديث

أورد السيد البروجردي على الدلالة بوجهين:

1. اختصاص مورده بالعتق فكيف يجوز التجاوز عن مورده إلى غيره.

2. انّ الاستدلال مبني على أنّ الرجل أعتق ستة أعبد قبل الموت فيكون الإنشاء والمنشأ واقعاً حال الحياة قرب الموت.

ولكن يحتمل أن يكون إنشاء العتق عند الموت ولكن المنشأ ـ يعني العتق الحقيقي ـ بعد الموت فيكون من باب الوصية، لأنّ الإنشاء في الوصية في حال الحياة، والمنشأ يقع بعد موته وليس الحديث صريحاً في احد الاحتمالين.(2)

يلاحظ عليه:

أمّا الوجه الأوّل: فغير واضح لإمكان إلغاء الخصوصية وانّ الملاك تعلّق حق الورثة بالتركة، بل يمكن ادّعاء الأولوية فإذا كان التصرّف في المعتق غير


1. الإمامة والسياسة: 1 / 60.

2 . المجدي: 138. بقلم آية الله الصافي دام ظله.


صفحه500

نافذ ففي غيره أولى لما علم من رغبة الشارع في خروج العبيد من الرقية، ولذلك لو عُتِق شقِص من العبد، تسربت الحرية إلى سائر السهام. وفي الروايات يستسعى العبد للورثة في ثلثي قيمته كما في رواية السكوني عن علي (عليه السلام).(1)

نعم يمكن أن يقال: إنّ عدم التنفيذ في مورد الرواية لأجل أنّه لم يكن للرجل مال معتد به سوى هؤلاء الأعبد، ولو صار التصرف لازماً غير قابل للردّ، وقعت الورثة في معرض الاستجداء فأبطله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من باب الولاية.

ويدلّ على ذلك متن الترمذي حيث جاء فيه : انّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له قولاً شديداً، وما هذا إلاّ لأجل أنّه تصرف في عامّة أمواله، ولم يترك للوارث شيئاً وهو أمر مذموم، لأنّه يجعله في معرض الاستجداء، وأمّا إذا كان الرجل ثرياً فتصرف في قسم من أمواله تبرعاً، وترك للوارث ـ مع ذلك ـ شيئاً طائلاً، يمكن إلغاء الخصوصية والتجاوز عن مورد الحديث إلى مثله.

أمّا الوجه الثاني: فقد استظهره من لفظة «عند موته» فهو يحتمل وجهين:

1. أن يكون العتق مقارباً للموت ومقدّماً عليه فيكون المورد من مقولة المنجزات ويصبح الحديث دليلاً على أنّها من الثلث .


1 . الوسائل: 16، الباب 64 من أبواب كتاب العتق، الحديث 5 .


صفحه501

2. أن يكون العتق (المنشأ) مقارناً ومتزامناً لموته فيكون كناية عن تحقّق العتق بعد الموت، فيكون المورد من قبيل الوصية الّتي يتقدّم فيه الإنشاء ويتأخّر المنشأ.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التفسير الثاني أمر عقلي، بل والمتبادر منه: أنّه قام بهذا العمل لما أحسّ بموته وحضرته أماراته، قياماً قطعياً، لا شرطياً .

أدلّة القائلين بالإخراج عن الأصل

إذا عرفت أنّ في المسألة قولين فلنقدّم دراسة أدلّة القول بالإخراج من الأصل. فقد استدلّوا بروايات، أوضحها ما دلّ على أنّ الميت أحقّ بماله ما دام فيه الروح. وقد جاءت هذه الضابطة في رواية عمّار بأسانيد مختلفة. وإليك بيانها.

الأُولى: روايات سبع تنتهي إلى عمّار الساباطي:

1. ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به، فإن قال: بعدي فليس له إلاّ الثلث».

وروى الكليني والصدوق نحوه إلاّ أنّهما قالا: فإن تعدّى .(1)


1 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 12. أقول رواه في التهذيب على النحو المذكور ولكن في الكافي والفقيه: «فإن تعدّى». لاحظ التهذيب: 9، الباب 6 من كتاب الوصايا، الحديث 9، والكافي: 7 / 8 ، باب أنّ صاحب المال أحق بماله، الحديث 7، والفقيه: 4 / 137، الباب 84، باب ما يجب من رد الوصية إلى المورث، الحديث 2 .


صفحه502

والاستدلال مبني على أنّ النسخة: «فإن قال بعدي»، وانّ المراد من قوله: «يبين به» أي يعزله عن ماله ويسلّمه إلى المعطى في مرضه في مقابل التعليق، وسوف يوافيك الكلام فيه.

2. ما رواه الكليني عن محمد بن أبي عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت: الميت أحق بماله ما دام فيه الروح، يُبين به؟! قال: «نعم، فإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث».(1) فكان قوله: «فان أوصى به» قائم مقام قوله في النقل السابق: «فان قال بعدي».

فقوله: «الميت أحقّ بماله...» في الحديث الأوّل من كلام الإمام. وفي الحديث الثاني من كلام الراوي . نعم استثنى الإمام بعد كلامه صورة الوصية.

3. ما رواه الكليني بسنده عن صفوان، عن مرازم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يعطي الشيء من ماله في مرضه. فقال: «إذا أبان به فهو جائز، فإن أوصى به فهو من الثلث ».(2)

4. ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، في الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه؟ فقال: «إذا أبانه جاز».(3)


1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 7 .

2 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .

3 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 10 .


صفحه503

وهذه الروايات الأربع نقلها مرازم عن عمّار الساباطي إذا قلنا: بأنّ المراد من بعض أصحابنا ، في الرواية الثالثة هو «عمّار»، وإلاّ فالروايات الثلاث مروية عن طريقه. وأمّا مرازم، فهومرازم بن حكيم الأزدي المدائني، ثقة، مات في أيام الرضا (عليه السلام).

5. ما رواه الكليني عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي الحسين الساباطي، عن عمّار بن موسى الساباطي: انّه سمع أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «صاحب المال أحق بماله ما دام فيه شيء من الروح، يضعه حيث يشاء».(1)

ولعل المراد من أبي الحسين، هو عمر بن شداد الأزدي بقرينة الرواية التالية.

6. روى الشيخ عن ثعلبة، عن أبي الحسين عمر بن شدّاد الأزدي والسري جميعاً، عن عمّار بن موسى، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح. وإن أوصى به كلّه فهو جائز» .(2)

7. ورواه صاحب الوسائل في مورد آخر عن الشيخ بتفاوت يسير واختلاف قال: «الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح، إذا أوصى به كلّه فهو جائز».(3) والاختلاف في حرف الشرط ففي الحديث الأوّل «وإن» وفي الثاني «إذا» .


1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 4.

2 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 5.

3 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 19 .


صفحه504

 

نقد الاستدلال بروايات عمّار

إنّ هذه الروايات المتعددة ظاهراً، المتحدة واقعاً يمكن نقدها من وجهين:

1. إنّ في المقام رواية واحدة رواها عمّار، عن أبي عبدالله (عليه السلام)وهي مردّدة بين هذه المتون السبعة، وعندئذ تسقط مثل هذه الرواية عن الحجّية عند العقلاء، للاضطراب. يقول المحقّق التستري: وأكثر ألفاظ أخباره (عمّار) معقدة مختلة النظام، وأصل نسخ كتابه كانت مختلفة، ثم استشهد بموارد مضافاً إلى أنّه من الباقين في الفطحية. قال النوبختي: فاجتمع عامة الفطحية ـ بعد الأفطح ـ على إمامة موسى بن جعفر (عليه السلام)ورجعوا عن الأفطح سوى نفر منهم فإنّهم ثبتوا على إمامة عبدالله ثم إمامة موسى (عليه السلام)فأجازوها في أخوين بعد أن لم يجز ذلك عندهم، منهم: عبدالله بن بكير، وعمّار بن موسى الساباطي، وجماعة منهم. (1)

إنّ الشيخ شرط في العمل بأخبار الفطحية شرطين وقال: لا يجوز العمل بخبر غير الإمامي إلاّ إذا لم يكن في المسألة خبر إمامي، ولم تُعرِض عن خبره الطائفة .(2)

وقد استخرج المحقّق التستري الروايات المروية عن عمّار الّتي لم يعمل بها الأصحاب ما يتجاوز السبعين، ودون الثمانين.


1 . قاموس الرجال: 8 / 16 نقلاً عن فرق الشيعة: 79 .

2 . قاموس الرجال: 7 / 18، نقلاً عن عدة الأُصول: 1 / 150 .


صفحه505

كلّ ذلك يصد الفقيه عن الإفتاء بمضمون هذه الرواية المضطربة، عن راو مضطرب النقل، لم يعمل المشهور برواياته في موارد كثيرة.

تصنيف روايات عمّار

إنّ هذه الروايات بين ما لا دلالة له على أنّ المنجز يخرج من الأصل، وما له دلالة عليه لكن بالإطلاق القابل تقييده بما دلّ على أنّ تصرفات خصوص المريض من الثلث.

أمّا ما لا دلالة له فهو الصورة الأُولى منها أعني: قوله (عليه السلام): «الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به، فإن قال بعدي فليس له إلاّ الثلث».

فإنّ الاستدلال مبني على أنّ النسخة «فإن قال بعدي» وانّ المراد من التبيين هو عزل المال وإقباضه إلى الطرف، وكلا الأمرين غير ثابتين.

أمّا الأوّل: فقد رواها الكليني والصدوق بقوله: «فإن تعدّى فليس له إلاّ الثلث» وعلى هذا فلا تكون الرواية مختصة بمورد التنجيز، بل تعمّه والوصية، ويكون معناها إن تعدى عن الثلث في مطلق تصرفاته تنجيزياً كان أو وصية فليس له إلاّ الثلث، وعلى هذا يكون المراد: «فإن تعدى فليس له إلاّ الثلث» (1) أي إنّه إن تجاوز وتعدى في الوصية بالزائد أو التنجيز فلا يمضي منه إلاّ الثلث .

وقال في الجواهر: وظني ـ والله أعلم ـ أنّ الرواية كذلك إلاّ أنّه لمّا


1 . الكافي: 7 / 8 ، كتاب الوصايا، باب أنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيّاً، الحديث 7 .


صفحه506

صعب فهم ذلك على بعض الناس صحّفها بلفظ «بعد» بالباء الموحّدة ثم أضاف إليها لفظ: «قال» .(1) وعلى هذا فالرواية دليل القول بالإخراج من الثلث لإطلاقه الشامل لكلا النوعين من التصرف.

وربما يفسر قوله «فان تعدى» بأنّه إن تعدى زمن الحياة إلى ما بعد الموت فيكون موافقاً لما رواه الشيخ (2) ولا يخفى انّه لا يناسبه «الاستثناء» أعني «إلاّ الثلث»، فالظاهر ان المستثنى منه هو التجاوز عن الثلث لا التجاوز عن زمن الحياة إلى ما بعد الموت.

وأمّا الثاني: فالظاهر أنّ المقصود من الإبانة هو الإظهار وتفهيم الآخرين لئلاّ يغمّ الأمر على الورثة، بعد رحيل المورِّث.

الصورة الثانية حيث ورد فيها: قال: قلتُ الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به؟ قال: «نعم، فان أوصى به فليس له إلاّ الثلث» فان صدر الرواية مطلق يعم المريض وغير المريض، فيقيّد إطلاقه بما دل على خروج منجزاته من الثلث.

الصورة الثالثة: أعني قوله: «في الرجل يعطي الشيء من ماله في مرضه فقال: إذا أبان به فهو جائز فإن أوصى به فهو من الثلث» فالرواية وان كانت واردة في مورد المريض لكنها مطلقة تعمّ ما تجاوز الثلث وعدمه فتقيّد بما لم يتجاوز.


1 . جواهر الكلام: 26 / 73 .

2 . بلغة الفقيه: 3 / 43 .


صفحه507

وأمّا الصور الأربعة الباقية فدلالتها على أنّ المنجزات تخرج من الأصل واضحة لا سترة فيها.

أمّا الثانية والثالثة فالموضوع هو المريض فحكم (عليه السلام)«بأنّ المريض أحق بماله ما دام فيه الروح إذا أبان به»، فهو يعم المعلّق والمنجّز لكنّه قيد المعلّق بالثلث في ذيل كلامه وقال: «وإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث»، فلو كان المنجز مثل المعلّق في الإخراج من الثلث ، لما كان وجه للاستدراك، فتخصيص الوصية بعدم التجاوز عن الثلث دليل على أنّ المنجز باق تحت إطلاق الصدر وأنّ له أن يتصرف في ماله، من دون تحديد بالثلث.

وأمّا الرابعة فالموضوع فيها المريض، والخامسة مثلها لقوله فيها: «ما دام فيه شيء من الروح» الّذي هو كناية عن الإشراف على الموت لكنّهما غير مذيلين بالاستدراك، فإطلاق الصدر يقتضي عدم المحدودية في المنجز والمعلّق، لكن خرج الثاني بالدليل القطعي وبقي المنجز تحته.

وأمّا الصورتان السادسة والسابعة، فقد مر إعراض الأصحاب عن مضمونهما .

فظهر أنّ رواية عمار ـ لو سلمت عن المناقشة الجانبية ـ دليل على القول بالإخراج من الأصل .

الثانية: رواية أبي شعيب المحاملي

روى الكليني عن عثمان بن سعيد، عن أبي شعيب المحاملي، عن أبي


صفحه508

عبدالله (عليه السلام)قال: «الإنسان أحق بماله ما دامت الروح في بدنه»(1) .

وفي الوسائل المحققّة (عن أبي المحماد) وهو مصحف عن (المحاملي) كما في رواية الشيخ حسب نقل الوسائل.

وأمّا المحاملي فهو ثقة بلا إشكال، قال النجاشي: صالح بن خالد المحاملي، أبو شعيب الكُناسي روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)وقال في باب الكنى: «أبو شعيب المحاملي» كوفي ثقة من رجال أبي الحسن موسى (عليه السلام).(2)

أقول: الرواية لا يُحتجّ بها لا سنداً ولا دلالة فإنّ المحاملي وإن كان ثقة لكنّه لا يروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)بلا واسطة، وعلى هذا فقد سقطت الواسطة بينه وبين الإمام (عليه السلام)في هذه الرواية، وأمّا الثانية فإنّ الموضوع في الرواية هو الإنسان مطلقاً مريضاً كان أو غير مريض فدلالتها على أنّ منجّزات المريض تخرج من الأصل تامة بالاطلاق بشرط أن لا يتم دليل القول بالثلث وإلاّ فيقيّد إطلاقه بغير المريض .

الثالثة: ما رواه سماعة

روى الكليني بسنده عن عبدالله بن جبلة، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل له الولد يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟


1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 8.

2 . رجال النجاشي برقم 533 و 241.


صفحه509

قال: «هو ماله يصنع به ما شاء إلى أن يأتيه الموت». قال: «فإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث».(1)

ورواه صاحب الوسائل في الباب السابع عشر من أبواب الوصايا عن الكليني بنفس السند والمتن عن سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)مباشرة من دون واسطة.(2)

كما روى في نفس الباب نفس الحديث عن سماعة، عن أبي بصير وقال: وزاد: «أنّ لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حياً إن شاء وهبه، وإن شاء تصدّق به، وإن شاء تركه إلى أن يأتيه الموت، فإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث إلاّ أنّ الفضل أن لا يضيع من يعوله ويضرّ بورثته» .(3)

وحصيلة الكلام: أنّ حديثاً واحداً رواه سماعة في موردين عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وفي مورد آخر عن أبي عبدالله (عليه السلام)مباشرة.

واحتمل السيد المحقّق البروجردي بأنّه نقلهما عن الإمام بلا واسطة مع عدم سماعه منه، لأجل وثوقه بأبي بصير وأنّه سمعه منه.

ولكن الاحتمال لا يناسب ظاهر الرواية: قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام). ولا محيص من القول بسقوط: أبي بصير، في المورد الثاني مع وجوده في الأوّل والثاني.

ودلالتها على أنّ المنجزات من الأصل واضح، لأنّه جعلها في مقابل


1 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .

2 . الوسائل: 13، الباب 17، من أبواب الوصايا، الحديث 1 .

3 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 2.


صفحه510

الوصية وصرّح بأنّه إن أوصى به فليس له إلاّ الثلث. ومعنى ذلك عدم المحدودية في غير الوصية. ومع ذلك فدلالته بالإطلاق حيث يعم المصح والمريض، فلو تمّ دليل القول بالإخراج عن الثلث يقيّد إطلاقه بغير المريض، وأمّا هو فمنجزه كالمعلّق محدّد بالثلث .

الرابعة: ما روي عن محمد بن مسلم

وممّا استدلّ به على أنّ منجّزات المريض من الأصل ما روي عن محمد بن مسلم:

1. ما رواه الشيخ عن علي بن أسباط عن العلاء بن رزين القلاّء، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه وأوصى بوصيته (بوصية) وكان أكثر من الثلث؟

قال (عليه السلام): «يمضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي».(1) ورواه الكليني والصدوق بسندهما عن العلاء بن رزين.

2. روى الكليني عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مماليكه في مرضه؟ قال: «إن كان أكثر من الثلث رُدّ إلى الثلث وجاز العتق».(2)

روى الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم مثله إلاّ أنّ في أكثر النسخ:


1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 1.

2 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 4.


صفحه511

«عن جميل» بدل قوله: «عن رجل» والفرق بين الروايتين أنّ الأُولى مروية عن أبي عبدالله (عليه السلام)والثانية مروية عن أبي جعفر (عليهما السلام)، وأيضاً أنّ الرجل على الرواية الأُولى «أعتق ثم أوصى»، وأمّا على الرواية الثانية «أوصى ثم أعتق».

ثم لو كان المراد من قوله: «عن رجل» في الرواية الثانية هو جميل، تخرج الرواية عن الإرسال إلى الإسناد، وإن كانت مراسيل ابن أبي عمير حجّة.

وجه الاستدلال: أنّه (عليه السلام)حكم بنفوذ العتق وعدم دخول النقص عليه، فهو دليل على خروجه من الأصل .(1)

ومع ذلك كلّه فالروايتان لا تدلاّن على مقصود المستدل.

وجهه: أنّ أساس الاستدلال أنّ الضمير في قوله: «وكان أكثر من الثلث » يرجع إلى خصوص «ما أوصى به» وعندئذ أنفذ الإمام عتق العبد بقوله: «يمضي عتق الغلام» أو قوله: «جاز العتق»، سواء أكانت قيمته مساوية للثلث أم أقلّ أم أكثر، فيدل على أنّ المنجزات تخرج من الأصل .

ولكن الظاهر أنّ الضمير يرجع إلى الجمع، أعني: « عتق الغلام وما أوصى به»، إذ لو كان راجعاً إلى خصوص ما أوصى به وكان السؤال منصباً على زيادة ما أوصى به على الثلث لما كان هناك وجهٌ لذكر عتق الغلام في سؤال السائل، لأنّ المفروض أنّ المنجّز يخرج من الأصل.

نعم مقتضى القواعد رجوع الضمير في «كان» إلى الأقرب وهو «ما


1 . رسالة في منجّزات المريض للسيد الطباطبائي: 18، نقلاً عن بعضهم .


صفحه512

أوصى به» لكن القريب في الرواية الأُولى هو «ما أوصى به» ولكنّه في الرواية الثانية هو «عتق الغلام».

وهذا يدلّ على أنّ السؤال لم يكن منصبّاً على زيادة «ما أوصى به» على الثلث، بل كان منصباً على زيادة العتق والوصية عليه.

وهذا يدلّ على أنّ المنجز والمعلّق كانا في نظر الراوي سواء، وانّه لا يجوز للرجل أن يتصرف في ماله بأي نحو كان بأزيد من الثلث، فأراد أن يعرف حكم الشارع في مثل المقام، فهل الميزان هو ما أوصى به أوّلاً كما هو الحال في من أوصى بأُمور كثيرة تزيد على الثلث فيؤخذ بالأوّل والثاني والثالث؟

أو تقسيط الثلث على المنجّز والمعلّق ؟

أو تقديم المنجز على المعلّق كما أجاب به الإمام (عليه السلام)؟

فتكون الرواية دليلاً على أمرين:

1. أنّ المنجّز يخرج من الثلث كالوصية.

2. وأنّه إذا اجتمع المنجّز والوصية وكان الثلث غير واف بهما يقدّم المنجّز على المعلّق.

هذا، وكما استدلّ بالصحيحين على أنّ المنجّزات تخرج من الأصل فهكذا استدل بهما على العكس، وسيوافيك بيانه عند سرد أدلّة القول الثاني، فانتظر.


صفحه513

 

الخامسة: ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي همام(1)

روى إسماعيل بن همام، عن أبي الحسن (عليه السلام)في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته وأعتق مملوكاً، وكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع به في وصيّته؟

قال: «يبدأ بالعتق فينفذه ».(2)

إنّ في الرواية احتمالين:

أ. أنّه أوصى بأُمور ومنها العتق فكان جميع ما أوصى به من العتق وغيره يزيد على الثلث، فأمر الإمام (عليه السلام)بتقديم العتق على سائر ما أوصى به، وهذا هو قول الشيخ في المسألة من أنّه إذا أوصى رجل بالعتق وغيره يبدأ بالعتق أوّلاً، ولكن هذا الاحتمال ضعيف لقوله: «وأعتق مملوكاً» ـ مخبراً ـ عن وقوع العتق على أنّه عطف قوله: «وأعتق مملوكاً» على قوله: «رجل أوصى» فيكون العتق مغايراً للوصية.

ب. أنّ الرجل قام بأمرين: أعتق وأوصى، وكان في مرتكز السائل أنّ المنجَّز والمعلّق يخرجان من الثلث، والمفروض أنّ المجموع يزيد على الثلث، فما هو العلاج؟ فأجاب الإمام (عليه السلام)بتقديم المنجّز على المعلّق وصرف الثلث فيه أوّلاً، وإيراد النقص على الوصيّة.


1 . قال النجاشي: مولى كندة البصري، يكنّى أبا همّام، روى عن الرضا (عليه السلام)، ثقة هو وأبوه وجده، له عشرون رواية في الكتب الأربعة.

2 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 2.

Website Security Test