welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه1

 


صفحه2

حضرة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ـ

      رسائل فقهية / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1429 ق . = 1387 .

      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 306 - 5 (دوره)

ISBN 978 - 964 - 357 - 307 - 2 (ج. 1)

      كتابنامه به صورت زير نويس.

فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا

      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.

5ر 2س/ 5/183 BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … رسائل فقهية

الجزء:    …الأوّل

المؤلف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1429 هـ . ق

عدد النسخ :   … 1500 نسخة

المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

عناوين مكاتب

آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني التبريزي (دام ظله)

قم : ساحة الشهداء ، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، (المكتب المركزي)

هاتف: 7743151 251 0098

قم: شارع محمد الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم); الزقاق 11، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

هاتف: 2925152 251 0098 فاكس: 2922331 251 0098

طهران: ساحة الإمام الحسين (عليه السلام)، أول شارع 17 شهريور، قبل تقاطع صفا، رقم الدار 315

هاتف: 77623535 21 0098 فاكس: 77623536 21 0098

تبريز: شارع الشهيد المطهري، زقاق الصابونچي، جامعة القرآن والعترة

هاتف: 5264585 0411 0098

مركز التوزيع

قم المقدسة ; ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد ?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه3

صفحه4

صفحه5

صفحه6

صفحه7

   

   رسائل فقهية / ج 1

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه وأفضل خلقه محمد وآله الطاهرين الميامين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

أمّا بعد:

فهذه رسائل فقهية في مختلف الأبواب والمواضيع، نُقدمها إلى القرّاء الكرام وإلى ذوي الاختصاص، وكان منطلقنا في دراستها هو:
الكتاب المجيد، والسنّة المطهّرة، وما اتفق عليه الفقهاء، أو حكم به العقل الحصيف.

وليست هذه الرسائل وليدة يومها، بل هي نتيجة جهود مضنية استغرقت سنين مديدة ، دعتنا الحاجة إلى تحريرها وتدوينها ونشرها في المجلات العلمية والفقهية، كما أنّ بعضها مستلّ من بحوثي الفقهية الّتي دوّنتها في مؤلفاتي، علاوة على بعض الرسائل الجديدة الّتي كتبتها مؤخّراً ولم تطبع من قبل.

وقد آثرنا اليوم جمعَها في كتاب، ليسهل الرجوع إليها لمن يروم


صفحه8

مطالعتها وابتغاء ما فيها من مطالب، واخترنا منها مستحدثات المسائل المبتلى بها، وما مسّت الحاجة إليه .

ونحن ننتظر من القراء الأفاضل إفادتنا بآرائهم فيها، انطلاقاً من قوله (عليه السلام): «أحب إخواني من أهدى إليّ عيوبي» .

نحمَدُ الله سبحانه على ما أولانا من فضله الجسيم، ونشكره على ما وفّقنا إليه من إنجاز هذا العمل، راجين منه القبول والمغفرة وحسن العاقبة.

والحمد لله رب العالمين

جعفر السبحاني

قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

13 محرم الحرام 1429 هـ


صفحه9

الرسالة الأُولى

البلوغ


صفحه10

صفحه11

البلوغ   

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة و السّلام على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

أمّا بعد: فهذه رسالة وجيزة في البلوغ، حدّه وعلائمه.

للبحث عن البلوغ جوانب متعددة، فتارة يبحث عنه في علم الطب، وأُخرى في الحقوق والقانون الوضعيّ، وثالثة في الفقه الإسلامي، ورابعة في العرف وعامة الناس، وإشباع الكلام في كلّ واحد، من تلك الجوانب بحاجة إلى بحث مسهب خارج عن هدف الرسالة وإنّما نشير إليها بوجه موجز:

أمّا الجانب العلمي والطبي فيبحث فيه عن عوارض البلوغ المختلفة، من اشتداد العظم، وغلظة الصوت، وطول القامة، ونموّ الصدر في الرجل، وظهور الثديين في المرأة، وظهور الشعر في العانة إلى غير ذلك من العوارض الطبيعية التي تظهر عند بلوغ الذكر والأُنثى، وقد تعرّض إليها علم وظائف الأعضاء مفصلاً.(1)

وأمّا الجانب الاجتماعي فيبحث فيه عن البلوغ بما انّه مبدأ زوال الحجر عن الإنسان، فإنّ غير البالغ محجور في تصرفاته عامّة، فإذا بلغ،


1 . ومن أراد التفصيل فليرجع إلى سلسلة كتاب: «چه مى دانم» باللغة الفارسية الجزء المختص بالبلوغ .


صفحه12

نفذت تصرفاته، فبُذِلت جهود لمعرفة عوارض البلوغ وعلائمه من هذه الزاوية.

وأمّا الجانب الفردي فيبحث عن البلوغ الذي هو مبدأ التكليف ومن لم يبلغ فقد رفع عنه القلم، فالبلوغ موضوع للأحكام التكليفية والوضعيّة.

وفي الوقت نفسه هو أمر عرفي وله حقيقة لغوية عرفية يعرفها الناس مفهوماً ومصداقاً، غير أنّ الشارع مع إمضائه للمفهوم العرفي جعل له ضوابط رفع بها الإبهام الذي يحفُّ حوله، فليست للبلوغ حقيقة شرعية .


صفحه13

   

 

البلوغ في الذكر الحكيم

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تحقيق البلوغ من منظار الذكر الحكيم، وقد عبّـر عنه سبحانه في آياته بالتعابير الثلاثة التالية:

بلوغ الحلم، بلوغ النكاح، بلوغ الأشد.

فلنتناول كلّ واحد منهابالبحث:

الأوّل: بلوغ الحُلُم

قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنُكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّات مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَورات لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْض كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآياتِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .(1)

وقال سبحانه: (وَإِذا بَلَغَ الأَطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأذَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكيمٌ) .(2)

أمر سبحانه العبيدَ والإماء والأطفال أن يستأذنوا إذا أرادوا الدخول إلى مواضع الخلوات. فقوله: (الّذينَ مَلَكَتْ أَيمانكُم)إشارة إلى العبيد والإماء،


1 . النور: 58.   2 . النور: 59 .


صفحه14

وقوله: (وَ الّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُم)إشارة إلى الأطفال غير البالغين.

وأمّا مواضع الخلوة، فهي عبارة عن الأوقات الثلاثة من أوقات ساعات الليل والنهار وفسّرت بالشكل التالي:

1. (مِنْ قَبْل صَلاةِ الْفَجْرِ) حيث إنّ الإنسان يبيت بلباس النوم.

2. (وَ حينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَهِيرَة) للنوم أو للترويح عن أنفسهم نتيجة الإرهاق والتعب الذي يصيبهم.

3. (وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ) حينما يأوي الرجل إلى امرأته ويخلو بها.

فهذه هي الأوقات الثلاثة التي أمر اللّه سبحانه الإماء والعبيد والأطفال بالاستئذان عند الدخول وسمّاها: (ثَلاثُ عَورات لَكُمْ) .

نعم رفع عنهم أيّ جناح في غير هذه الأوقات الثلاثة، وقال: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لاعَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ) أي بعد هذه الأوقات الثلاثة، ثمّ بيّن وجه رفع الجناح، بقوله: (طوّافون عَلَيْكُم) أي هؤلاء الخدم والأطفال يطوفون بعضهم على بعض، فلا يمكن الاستئذان في كلّ دخول.

وأمّا الآية الثانية فقد أمر سبحانه الطائفتين بالاستئذان على وجه الإطلاق، وهما: البالغون من الأطفال حيث قال: (وَ إِذا بَلَغَ الأَطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُم) ، والأحرار الكبار كما قال سبحانه: (كَمَا اسْتَأْذَنَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) .(1)

فحصيلة الآيتين: انّ العبيد والإماء وغير البالغين يستأذنون في ساعات


1 . إشارة إلى ما ورد في الآية 27 أعني قوله سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيوتاً غيرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا) . لاحظ تفسير الميزان.


صفحه15

الليل والنهار ثلاث مرات، وأمّا البالغون والكبار الأحرار يستأذنون في جميع الأوقات، هذا ما يرجع إلى تفسير الآية حسب ظاهرها.

ولصاحب الكشاف هنا كلام قيِّم نأتي بنصه، قال: كان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته حُيِّيتم صباحاً، وحُيّيتم مساء، ثمّ يدخل فربّما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصدّ اللّه عن ذلك، وعلّم الأحسن والأجمل، وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة، قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك إذا رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممّن سمع ما أنزل اللّه فيه وما قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن أين الأُذن الواعية؟!(1)

ما هو المراد من بلوغ الحلم؟

قد عرفت أنّ الاستئذان في جميع الأوقات منوط ببلوغ الحلم، وهو آية البلوغ، ولكن يجب تحقيق معناه، فنقول: هنا عدّة احتمالات:

أ. أن يكون المراد من الحلم هو العقل الذي يحصل بعد التمييز، فهناك طفولية، وتمييز وتعقّل، فالبالغ رتبة العقل يستأذن في جميعها، ويؤيده استعمال الحلم في القرآن بمعنى العقل، قال سبحانه: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَومٌ طاغُونَ) .(2)


1 . الكشاف (للزمخشري): 2 / 69.

2 . الطور: 32.


صفحه16

ب. أن يكون المراد هي الرؤية في المنام، وفي القاموس: الحلم بالضم، والإحتلام: الجماع في النوم سواءخرج منه المني أم لا.

ج. الإحتلام كناية عن خروج المنيّ، وهو الذي عبّر به الفقهاء كالمحقق في الشرائع سواء كان في اليقظة أو في المنام، ولا خصوصية للإحتلام أي الجماع في النوم، فإنّه قد يتحقّق بدون خروج المني، كما أنّ خروج المني
قد يتحقّق بدونه، فالعبرة حينئذ في البلوغ بخروج المني دون الرؤية في المنام.

د. أن يكون المراد هوالاستعداد لخروج المني بالقوة القريبة من الفعل، وذلك بتحريك الطبيعة والاحساس بالشهوة، سواء انفصل المني معه عن الموضع المعتاد أم لم ينفصل، لكن بحيث لو أراد ذلك بالوطء أو الاستمناء تيسر له وكون الخروج شرطاً في الغُسل لا يقتضي كونه كذلك في البلوغ، ضرورة دوران الأمر في الأوّل على الحدث المتوقف صدقه ولو شرعاً على الخروج، بخلاف الثاني الذي هو أمر طبيعي لا يختلف بظهور الانفصال وعدمه.(1)

هذه هي المحتملات، والأوّل بعيد جداً، لأنَّ تعليق الحكم على أمر معنوي (العقل) في مجال الأطفال يوجب الفوضى، وربما يقع الإنسان في حيرة من أمره عند تطبيق الضابطة على المورد، وانّ هذا الطفل هل بلغ من العقل، مبلغ الرجال الموضوع للحكم أو لا؟

وأمّا الثاني فالآية تقسم الأولاد إلى قسمين:


1 . جواهر الكلام: 26 / 11.


صفحه17

1. (الّذين لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُم) .

2. الّذينَ بَلَغُوا الحُلم.

والقسم الثاني بما أنّهم بلغوا الحلم، فهم المسؤولون عن تطبيق الحكم على الموضوع، وأمّا القسـم الأوّل فبما أنّـهم غير مكلّفيـن، فالأوليـاء هم المسؤولون عن تطبيق الحكم على الموضوع، فإذن يجب أن يكون الموضوع أمراً ظاهراً بيِّناً وجوداً وعدماً، والرؤية الجنسية التي هي التفسير الثاني للآية أمر خفي لا يطّلع عليه الأولياء بسهولة حتى يميّزوا البالغين للحلم عن غيرهم.

وبذلك يعلم عدم صحّة الوجه الرابع، لأنّ استكشاف الاستعداد وعدمه أمر صعب، فمن أين يقف الولي على انّه مستعد للجماع أو لا؟ فيتعيّن المعنى الثالث، وعليه بعض الروايات كما سيوافيك.

وإن أبيت فالمعنيان: الثالث والرابع من جهة القرب سواء.

فإن قلت: إذا كان خروج المني هو الملاك، فجعله علامة للبلوغ أمر لغو، وذلك لتأخره عن الخمس عشرة سنة الذي هو الحدّ عند المشهور للبلوغ السنّي.

قلت: إنّ تأخر الاحتلام أمر غالبي وليس أمراً دائمياً، كما يقول صاحب الجواهر:

ولقد شاهدنا من احتلم في ثلاث عشرة سنته واثنتي عشرة سنته، وقال


صفحه18

بعض الأفاضل: ينبغي القطع بالإمكان في الثلاث عشرة فما فوقها لقضاء العادة بالاحتلام في ذلك غالباً.(1)

روي مرفوعاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «يثغر الغلام لسبع سنين، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة».(2)

ولقد حدّثني بعض زملائي أنّه احتلم وله من العمر عشر سنين.

على أنّه لا يكون لغواً، لأنّ الرجوع إلى الإحتلام إذا جُهِلَ السن، وإلاّ فلو علم السن فيحكم بالبلوغ، وأمّا إذا جهل فالإحتلام يكشف عن البلوغ الحادث به أو السابق عليه.

***

الثاني: بلوغ النكاح

قال سبحانه: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَأْكُلُوها إِسرافاً وَ بِدْاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَ مَنْ كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللّهِ حَسِيباً) .(3)

اتّفق الفقهاء على أنّه لا يدفع مال اليتيم إلاّ بعد البلوغ واستئناس الرشد،


1 . جواهر الكلام: 26 / 13.

2 . الوسائل: 15، الباب 74، من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 5.

3 . النساء:6.


صفحه19

فقد عبّرت الآية عن الشرط الأوّل ببلوغ النكاح وهو في اللغة بمعنى الوطء، ولا شكّ انّه لا يشترط إذا علم البلوغ والرشد، فلا محالة يفسّر بما فسّرت به الآية الأُولى، وهو خروج المني كما هو المختار، أو قابليته على النكاح والوطء وهو الاحتمال الرابع فيها.

الثالث: بلوغ الأشد

جاء بلوغ الأشد في غير واحد من الآيات:

قال سبحانه: (وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّبِالّتي هِيَ أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).(1)

وقال سبحانه: (وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ)(2).

وقال عزّ وجلّ: (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) .(2)

وقال عزّ وجلّ: (وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً).(4)

وقال سبحانه: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً).(3)

وقال عزّ وجلّ: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحساناً ـ إلى أن قال: ـ حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعينَ سَنَة).(6)


1 . الأنعام: 152.   2 . يوسف: 22.

2 . الحج:5.   4 . القصص:14.

3 . غافر: 67.   6 . الأحقاف:15.


صفحه20

والآية الثانية نزلت في يوسف، والرابعة في موسى، وغيرهما في نوع الإنسان.

والمراد من «الاشدّ» في قوله (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) هو الاحتلام بشهادة قوله (وَ إِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا)(1) وفي الحقيقة الاحتلام مبدء شدّ القوى الجسمانية والروحية ونهايته بلوغ الأربعين، ولأجل ذلك ترى انّه جمع في سورة الأحقاف بين بلوغ الأشد وبلوغ الأربعين.

والآية الثالثة تدل على أنّ بلوغ الأشد، خروج عن الطفولية، ودخول في البلوغ; كما أنّ الآية الخامسة تقسم حياة الإنسان إلى ثلاثة مراحل: الطفولة، وبلوغ الأشد، والشيخوخة.وهي تدل على أنّ البلوغ أمر تدريجيّ له مراتب من القوة والشدّة، وإنّ الشارع جعل المرتبة البدائية منه، موضوعاً للأحكام.

وعلى ضوء ذلك فالآيات المذكورة تنطبق على الإحتلام الملازم لخروج المني من دون فرق بين خروجه حين اليقظة أو المنام، ولا يستفاد من الآيات أزيد من ذلك، وقد أشار القرآن إلى علامة واحدة واضحة للبلوغ وهي الإحتلام، ولا ينافيه وجود علامات أُخرى له.

البلوغ في السُنّة

وقد وردت علامات للبلوغ في السنّة الشريفة:

1. الاحتلام.

2. الإنبات.

3. السن.

فلنتناول كلّ واحدة منها بالبحث، فنقول:


1 . النور: 59 .


صفحه21

 

1. الاحتلام

لقد تضافرت الروايات على أنّ الإحتلام من أمارات البلوغ، وقد عبّر عنه في الروايات، تارة بالفعل الماضي، أعني: قوله: «إذا احتلم». وأُخرى بالمصدر، أعني: قوله: «بَلَغُوا الحُلُم» ، كما نلاحظه من الروايات التالية:

1. ما في خبر طلحة بن زيد، من قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات».(1)

2. ما في رواية حمران من قول أبي جعفر(عليه السلام): «لا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يشعر، أو ينبت».(2) والإنبات هو وجود الشعر في العانة، بخلاف الأوّل وهو وجوده في غيرها.

إلى غير ذلك من الروايات.(3)

والروايات تعاضد الآية، حيث إنّ البلوغ أمر تدريجي، فلو احتلم قبل السن يحكم ببلوغه، وأمّا إذا احتلم بعد السن فيكشف عن بلوغه السابق.

والظاهر من الروايات وكلمات الفقهاء عدم الفرق بين الذكر والأُنثى في هذه العلامة.

قال المحقّق: من علامات البلوغ خروج المني الذي يكون منه الولد


1 . الوسائل: 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 1.

2 . الوسائل: 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 2 .

3 . الوسائل: 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 9، 11، 12.


صفحه22

من الموضع المعتاد ويشترك في هذا، الذكور والإناث.(1)

وقال العلاّمة في «القواعد»: الثاني خروج المني الذي يكون منه الولد من الموضع المعتاد سواء الذكر والأُنثى.(2)

وقال السيد الطباطبائي في العروة: المرأة تحتلم كالرجل، ولو خرج منها المني حينئذ وجب عليها الغسل، والقول بعدم احتلامهن ضعيف.(3)

وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، قال: «إن أنزلت فعليها الغسل، وإن لم تنزل فليس عليها الغسل».(4)

ومع هذا الدعم من الفقهاء والروايات على احتلام المرأة، نجد انّ ثلّة من علماء الطبيعة ينفون أن يكون للمرأة منيّاً، بل يرون انّ لها بويضة تتلاقح مع الحيوان المنوي، وليس لها سائل دافق باسم المني، وما يشاهد من السوائل عند الملاعبة فليس منيّاً لها. واللّه العالم.

2. الإنبات

والمراد إنبات الشعر على العانة من دون فرق بين الذكر والأُنثى، قال الشيخ في الخلاف: الإنبات دلالة على بلوغ المسلمين والمشركين.


1 . شرائع الإسلام : 2/ 351، كتاب الحجر.

2 . قواعد الأحكام: 2 / 133، في حجر الصغير.

3 . الطباطبائي: العروة الوثقى، فصل في غسل الجنابة، المسألة 6.

4 . الوسائل: 1، الباب 7 من أبواب الجنابة، الحديث 5، راجع سائر أحاديث الباب.


صفحه23

وقال أبو حنيفة: الإنبات ليس بدلالة على بلوغ المسلمين ولا المشركين ولا يحكم به بحال.

وقال الشافعي: هو دلالة بلوغ المشركين وفي دلالته على بلوغ المسلمين قولان.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم من غير تفصيل.

وأيضاً ما حكم به سعد بن معاذ على بني قريظة، فإنّه قال: حكمتُ
بأن يُقتل مقاتِِلهم، ويُسبى ذراريهم وأمر بأن يكشف عن عورتهم، فمن
نبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذراري، فبلغ ذلك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال:

«لقد حكم سعد بحكم اللّه من فوق سبع سماوات» وروي «سبعة أرقعة».(1)

والعجب من بعضهم التفريق في هذه العلامة بين المشرك والمسلم. وهل العلامة مطلق إنبات الشعر ولو في الوجه وتحت الإبط والصدر أو نباته على العانة فقط؟ ويذكر الأطباء العلامة الثانية (الإنبات على العانة) على اعتقاد منهم بأنّ إنبات الشعر على العانة له صلة بالقابلية على الإنجاب، وقد وردا في بعض الروايات معاً ـ كما مرّ ـ قوله: أشعر أو أنبت قبل ذلك.

ثمّ الظاهر من إطلاق معقد الإجماع انّه علامة البلوغ مطلقاً من غير فرق بين الذكر والأُنثى، ومن فرّق بينهما فقد فرّق بلا وجه.


1 . الخلاف: 3 / 281، المسألة 1، كتاب الحجر; سنن البيهقي: 9 / 63 باختلاف في الألفاظ.


صفحه24

هذه هي العلامات العامة المشتركة بين الذكر والأُنثى، بقي الكلام في العلامة الخاصة لكل منهما وهي السن، وقد ألّفنا الرسالة لإيضاح هذا الجانب.

3. السن

يقع الكلام في مقامين: سن البلوغ في الذكر، وسنّ البلوغ في الأُنثى.

المقام الأوّل: سن البلوغ في الذكر

لا شكّ انّ السن علامة للبلوغ وقد تضاربت أقوال أهل السنّة، والقول المشهور عند الشيعة هو بلوغه خمس عشرة سنة، ولا بأس بنقل كلمات الفريقين:

1. قال الشيخ في الخلاف: يراعى في حدّ البلوغ في الذكور بالسن خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي، وفي الإناث تسع سنين، وقال الشافعي: خمس عشرة سنة مثل الذكور.

وقال أبو حنيفة: الأُنثى تبلغ باستكمال سبع عشرة سنة، وفي الذكور عنه روايتان:

إحداهما: يبلغ باستكمال تسع عشرة سنة، وهي رواية الأصل.

والأُخرى: ثمان عشرة سنة، وهي رواية الحسن بن زياد اللؤلؤي.

وحكي عن مالك أنّه قال: البلوغ بأن يغلظ الصوت، وأن ينشق


صفحه25

الغضروف وهو رأس الأنف، وأمّا السن فلا يتعلق به البلوغ.وقال داود: لا يحكم بالبلوغ بالسن.(1)

2. وقال العلاّمة: الذكر والمرأة مختلفان في السن، فالذكر يُعلم بلوغه بمضي خمس عشرة سنة، والأُنثى بمضي تسع سنين عند علمائنا، وممّن خالف بين الذكر والأُنثى أبوحنيفة، وسوّى بينهما الشافعي والأوزاعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل ومحمد وأبو يوسف، وقالوا: حدّ بلوغ الذكر والأُنثى بلوغ خمس عشرة سنة.

وقال أبو حنيفة: حدّ بلوغ المرأة سبع عشرة سنة بكلّ حال، وله في الذكر روايتان، إحداهما سبع عشرة سنة أيضاً، والأُخرى ثمان عشرة كاملة.

وقال أصحاب مالك: حدّ البلوغ في المرأة سبع عشرة سنة، وثمان عشرة سنة.(2)

وأمّا أقوال أصحابنا فالظاهر انّها لا تتجاوز عن الثلاثة:

1. انّه الخمس عشرة سنة، وهو القول المشهور الذي كاد أن يكون مورد الاتفاق قبل ظهور الأردبيلي(قدس سره)، نعم مال هو في آخر كلامه إلى غيره.

2. انّه الأربع عشرة سنة، نسبه العلاّمة إلى ابن الجنيد في مختلف الشيعة وقال: استدل ابن الجنيد بحديث أبي حمزة الثمالي وصريح عبارته انّ المستدل هو ابن الجنيد، لا العلاّمة.


1 . الخلاف: 3/282، المسألة 2، كتاب الحجر.

2 . تذكرة الفقهاء:2/74، كتاب الحجر.


صفحه26

3. انّه الثلاث عشرة سنة، وهو مختار الشيخ في قضاء «النهاية»، قال في باب «جامع من القضايا والأحكام» روى عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قلت له: في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة...».(1) والمعروف انّ «النهاية» هو كتاب الفتوى بتجريد المنقول عن الأسانيد، ولكنّه عدل عنه في كتاب «الخلاف» كما سيوافيك.

وأمّا القول بعشر سنين فلا صلة له بالبلوغ وإنّما أجاز الشيخ وغيره وصيةَ الصبي إذا بلغ العشر سنين، كما سيوافيك بيانه.

هذه هي الأقوال ولنذكر خصوص من ادّعى الإجماع أو الاتّفاق أو الشهرة بالنسبة إلى القول الأوّل:

1. قال الشيخ في الخلاف: يراعى في حدّ البلوغ في الذكور بالسن خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي ـ إلى أن قال ـ دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(2)

2. وقال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: (وَابْتَلُوا اليَتامى)(3) قال أصحابنا: حدّ البلوغ إمّا كمال خمس عشرة سنة، أو بلوغ النكاح، أو الإنبات.(4)


1 . النهاية: 354.

2 . الخلاف: 3/282، كتاب الحجر، المسألة 2.

3 . النساء:6.

4 . مجمع البيان:3/16.


صفحه27

3. قال ابن إدريس: والاعتماد عند أصحابنا على البلوغ في الرجال وهو إمّا الاحتلام، أو الإنبات في العانة، أو خمس عشرة سنة وفي النساء الحيض أو الحمل أو تسع سنين.(1)

4. وقال ابن زهرة: حدّ السن في الغلام خمس عشرة سنة، وفي الجارية تسع سنين بدليل الإجماع المشار إليه.(2)

5. قال العلاّمة في «التذكرة»: السن عندنا دليل على البلوغ، وبه قال جماهير العامة كالشافعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل، لما رواه العامة عن ابن عمر: قال: عرضت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في جيش وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردّني، وعرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردّني، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلني.

وعن أنس عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة، كتب ما له وما عليه وأخذت منه الحدود.

وقال تحت قوله: تذنيب: لا يحصل البلوغ بنفس الطعن في سن الخامس عشر إذا لم يستكملها عملاً بالاستصحاب وفتوى الأصحاب.(3)

6. وقال أيضاً: المشهور انّ حدّ البلوغ في الصبي خمس عشرة سنة.

وقال ابن الجنيد: أربع عشرة سنة.(4)


1 . السرائر:2/199، نوادر كتاب القضاء.

2 . غنية النزوع: 215، كتاب الحجر.

3 . تذكرة الفقهاء : 14 / 198 ، كتاب الحجر، البحث الثاني في السن.

4 . المختلف:5/431، كتاب الحجر، ط مؤسسة النشر الإسلامي.


صفحه28

7. وقال الفاضل الآبي: السن وفي كميته اختلاف والعمل على أنّه خمس عشرة سنة، ولعلّ ما وردت بدون ذلك من الروايات محمولة على ما إذا احتلم أو أنبت في تلك السنة فإنّا نشاهد من احتلم في اثني عشرة وثلاث عشرة سنة.(1)

8. وقال ابن فهد: في الحدّ الذي يعرف به بلوغ الذكر للأصحاب أقوال ثلاثة: المشهور خمس عشرة، ثمّ ذكر رواية حمزة بن حمران، ثمّ ذكر القول الثاني وهو ثلاث عشرة إلى أربع عشرة ولم يذكر القول الثالث إلاّ بالإشارة وهو القول بالعشرة، وسيوافيك انّه مختص بنفوذ الوصية.(2)

9. وقال الفاضل المقداد: في تفسير قوله تعالى: (حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاح)أو يبلغ خمس عشرة سنة عندنا.(3)

10. وقال الشهيد الثاني في شرح قول المحقّق «وبالسن وهو بلوغ خمس عشرة سنة للذكر، وفي أُخرى إذا بلغ عشراً وكان بصيراً»، قال: والمشهور بين أصحابنا بل كاد أن يكون إجماعاً هوالأوّل ويعتبر إكمال السنة الخامسة عشرة، وأمّا رواية بلوغ العشر في جواز الوصية فهي صحيحة وفي معناها روايات إلاّأنّها لا تقتضي البلوغ.(4)

هؤلاء من أفتوا بالخمس عشرة سنة وادّعوا عليه الإجماع أو الشهرة


1 . كشف الرموز: 1/552، كتاب الحجر.

2 . المهذّب البارع: 2/517ـ 518.

3 . كنز العرفان:2/103.

4 . مسالك الأفهام: 4/144، كتاب الحجر.


صفحه29

وأمّا الذين أفتوا بالخمس عشرة سنة ولم يدّعوا عليه الإجماع فحدِّث عنه ولا حرج، فقد نقله السيد العاملي، عن كثير من الكتب الفقهية، ومن أراد فليرجع إلى «مفتاح الكرامة».(1)

دليل القول المشهور

ولنتناول دليل القول المشهور بالبحث ثمّ نعد إلى القولين الآخرين.

واعلم أنّه يدلّ على القول المشهور أُمور:

1. خبر حمران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): قلت له متى يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامة، ويقام عليه ويؤخذ بها؟ قال: « إذا خرج عنه اليتم وأدرك» قلت: فلذلك حدّ يعرف به؟ فقال: «إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر، أو أنبت قبل ذلك، أُقيمت عليه الحدود التامة وأُخذ بها وأُخذت له ـ إلى أن قال: ـ ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يشعر، أو ينبت قبل ذلك».(2)

وفي سند الرواية 1. عبد العزيز العبدي 2. حمزة بن حمران، 3. حمران.

أمّا الأخير فهو حمران بن أعين يصفه أبو غالب الزراري، بقوله: لقي سيدنا سيد العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام)، وكان من أكبر مشايخ الشيعة


1 . مفتاح الكرامة: 5/238، كتاب الحجر.

2 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2.


صفحه30

المفضّلين الذين لا يشك فيهم، وكان أحد حملة القرآن، ومن بعده يذكر اسمه في القراءات.(1)

وأمّا الثاني، فلم يرد في حقّه مدح ولا ذم، ولكن رواية المشايخ كصفوان وابن أبي عمير، وجمع كثير من الأكابر عنه (2) ، يورث الوثوق.

وأمّا الأوّل فضعّفه النجاشي قائلاً: كوفي روى عن أبي عبد اللّه، ضعيف ذكره ابن نوح، له كتاب، يرويه جماعة ـ إلى أن قال: ـ عن الحسن بن محبوب بن عبد العزيز بكتابه.(2) ويحتمل جداً أن يكون تضعيفه لوجود الغلو في عقيدته الذي لا ينافي صدق لسانه ويؤيده احتمال اتحاده مع عبد العزيز بن عبد اللّه الذي روى الاربليّ في «كشف الغمة» ما يدل على وجود الغلو فيه.(4) وعلى كلّ تقدير فالرواية صالحة للتأييد بل للاستدلال، وسنعود إليها أيضاً عند الكلام في بلوغ الأُنثى.

2. صحيح يزيد الكناسي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): متى يجوز للأب أن يزوج ابنته ولا يستأمرها؟ قال: إذا جازت تسـع سنين ـ إلى أن قال:ـ قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: «يا أبا خالد انّ الغلام إذا زوّجه أبوه ولم يدرك كان بالخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك».(3)

والسند لا غبار عليه إلاّ في الأخير، وأمّا يزيد فهو أبو خالد القماط الذي


1 . قاموس الرجال: 4 / 13.   2 . قاموس الرجال: 4 / 28.

2 . قاموس الرجال: 6/179.   4 . قاموس الرجال:6/178.

3 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.


صفحه31

ترجَمه النجاشي، وقال: يزيد أبو خالد القماط كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه، له كتاب يرويه جماعة.(1) ولم يصفه النجاشي بالكناسي.

ولكن وُصِفَ في سند الرواية بالكناسي الذي عنونه الشيخ ولم يوثقه، وتُحْتَمَل وحدة الراويين فيكون ثقة، ويحتمل تعددهما بشهادة انّه لو كان الوارد في رجال النجاشي هو نفس ما عنونه الشيخ، كان عليه، وصفه بالكناسي لأنّ اشتهاره به كما يظهر من الشيخ، يوجب ذكره.

والذي يدل على التعدّد، اختلاف من يروي عنهما، فيروي عن يزيد أبي خالد القماط: 1. درست بن منصور، 2. علي بن عقبة، 3. إبراهيم بن عمر، 4. خالد بن نافع، 5. صالح بن عقبة، 6. صفوان بن يحيى، 7. محمد ابن أبي حمزة، 8. محمد بن سنان، 9. يحيى بن عمران، 10. ثعلبة.

ويروي عن يزيد الكناسي: 1. هشام بن سالم، 2. أبو أيوب، 3. جميل بن صالح، 4. حسن بن محبوب، 5. علي بن رئاب.

ولو كان الاسمان لمسمّى واحد، يلزم اشتراكهما فيمن يروي عنهما في الغالب.

مضافاً إلى ما في المتن من التفصيل الغريب حيث حكم انّ الجارية البالغة إذا عقدت بعد البلوغ فليس لها الخيار، بخلاف غير البالغة وهو عجيب جداً، ولأجل ذلك أعرض عنه المشهور.(2) نعم ورد في الوسائل اسم «بريد» مكان «يزيد» وهو تصحيف قطعاً، لأنّ كلّ من كُنّي بـ «أبي خالد»، فاسمه يزيد


1 . رجال النجاشي: رقم 1224.

2 . لاحظ كتابنا: نظام النكاح في الشريعة الإسلامية:1/169.


صفحه32

كأبي خالد الأعور، وأبي خالد البزاز، وعلى كلّ تقدير لم يثبت أن يزيد الكناسي الوارد في الرواية والذي عنونه الشيخ ولم يوثّقه، نفس ما عنونه النجاشي باسم يزيد أبو خالد القماط ووثقه فالرواية صالحة للتأييد لا للاحتجاج كالرواية السابقة.

3. ما رواه يزيد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) وفيه: أمّا الحدود الكاملة التي يؤخذ بها الرجال فلا، ولكن يجلد في الحدود كلّها على مبلغ سنّه (فيؤخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة) ولا تبطل حدود اللّه في خلقه ولا تبطل حقوق المسلمين بينهم.(1) والمذكور بين الهلالين رواه الشيخ في التهذيب دون الكليني، أضف إليه، انّه يحتمل وحدة الروايتين وإن اختلفتا في اللفظ كثيراً وتؤيده وحدة السند في ما روي في باب النكاح وما روي في باب الحدود، فعدّه رواية ثالثة كما في الجواهر لا يخلو من تأمّل.

هذه هي الروايات التي عرفت حالها، ولأجل ذلك قال الأردبيلي: وبالجملة ما رأيت خبراً صحيحاً صريحاً في الدلالة على خمس عشرة سنة فكيف في إكماله؟(2)

ولكن في الشهرة المحقّقة والإجماعات المدعاة غنى وكفاية، وقد حقّقنا في الأُصول انّ الشهرة الفتوائية بنفسها حجّة شرعية، وكان أصحاب الإمام الصادق، يقدّمونها على النص المسموع من الإمام لاحتمال التقيّة في المسموع دون المشهور بين أصحابه، فلاحظ.(3)


1 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1.

2 . مجمع الفائدة: 9/188.   3 . المحصول: 3/214.


صفحه33

وكمْ لهُ من شواهد في الروايات النبوية وفقه السيرة النبوية نأتي بها:

1. «فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له، وماعليه، وأخذ منه الحدود».(1)

2. انّ عبد اللّه بن عمر عرض على النبي عام بدر وهو ابن ثلاث عشرة سنة فردّه، وعرض عليه عام أُحد وهو ابن أربع عشرة سنة فردّه، ولم يره بالغاً، وعرض عليه عام الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه في المقاتلة.(2)

3. عُرض على النبي يوم أُحد: أُسامة بن زيد، وزيد بن ثابت وأُسيد بن ظهير فردّهم، ثمّ أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة سنة وانّ من جملة من ردّ في ذلك اليوم البراء بن عازب وأبو سعيد الخدري، وزيد بن أرقم.(3)

4. ويمكن استفادة القول المشهور من صحيح معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في كم يؤخذ الصبيّ بالصيام؟ قال: «ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة، فإنْ هو صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته».(4)

والمراد من قوله: «كم يؤخذ الصبيّ بالصيام» أي يؤمر به لئلاّ يشقّ له بعد البلوغ.


1 . الخلاف: الجزء 3، كتاب الحجر، المسألة 2.

2 . سنن البيهقي: 6/55.

3 . عيون الأثر، لابن سيد الناس: 1 / 410 .

4 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.


صفحه34

ولا غبار في السند، وأمّا تقديم خمس عشرة سنة على أربع عشرة سنة، فلعلّه من تصرف الراوي، وقد عبر الصدوق في «المقنع» بقوله: روي أنّ الغلام يؤخذ بالصوم ما بين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك.(1)

وعلى ضوء ذلك فقد كان تعبير الإمام بالنحو التالي:

«ما بينه وبين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة» ومن المعلوم أنّه يشتد الأخذ حسب بلوغه وطعنه في العمر.

وجه الاستدلال: انّ الرواية بصدد بيان وظيفة الولي وأنّها تنتهي ببلوغ الصبي الخمس عشرة ولازمه استقلال الصبي وانتهاء ولاية الوليّ بذلك، وهو يلازم البلوغ.

ويؤيد ما ذكرنا صدر هذه الرواية المروية في الوسائل في أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، جاء فيه: كم يؤخذ الصبي في الصلاة؟ قال: «ما بين سبع سنين وست سنين».(2) وبما أنّ الصلاة أخف من الصوم يؤخذ الصبي في السنين الست أو السبع، وأمّا الصوم فيحتاج إلى قوّة وقدرة فيؤخذ إذا بلغ أربع عشرة أو خمس عشرة، فدلالة الرواية على القول المشهور دلالة التزامية. لان معناه انتهاء مراقبة الولي عند بلوغ الصبي خمس عشرة سنة وهو يلازم بلوغه في نفس السنة.

5. مرسلة عباس بن عامر، عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:


1 . المقنع: 195، كتاب الصوم، الباب 8.

2 . الوسائل: 3، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.


صفحه35

«يؤدّب الصبي على الصوم ما بين خمس عشرة سنة إلى ست عشرة سنة».(1)

وجه الاستدلال على القول المشهور على نحو ما مرّفي الرواية السابقة وهوأنّ الرواية بصدد بيان وظيفة الولي وأنّها تنتهي عند الست عشرة ومعناه انتهاء الولاية واستقلاله في تصرفاته وهو يلازم البلوغ.

هذه هي الروايات التي تدل على القول المشهور إمّا بالدلالة المطابقية أو الإلتزامية، ولعلّ المجموع يثبت القول المشهور وإن كان كلّ واحد غير خال عن الإشكال. نعم، لا محيص عن حمل الرواية الأخيرة على إكمال الخمس عشرة والدخول في الست عشرة حتى تنطبق على الروايات السابقة وحملها على إكمال الست عشرة يستلزم تحقّق البلوغ بالدخول في السبع عشرة ولم يقل به أحد.

عرض الروايات المخالفة

هناك روايات تدل على أنّ حدّالبلوغ هو الثلاث عشرة فإن أُريد منه كمال العدد والدخول في الأربع عشرة، تنطبق على قول ابن الجنيد إذا أراد ـ هو ـ من قوله أربع عشرة، الدخولَ في العام الرابع عشر، وهذه الروايات لا تتجاوز عن ثلاث:

1. خبر أبي حمزة الثمالي.


1 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 13.


صفحه36

2. صحيح ابن سنان الذي روي بطرق ثلاث وتنتهي الجميع إلى عبد اللّه بن سنان.

3. رواية عمار الساباطي.

1. خبر أبي حمزة الثمالي

روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة وأربع عشرة» قلت: فإن لم يحتلم فيها، قال: «وإن كان لم يحتلم، فإنّ الأحكام تجري عليه».(1)

وقوله: «كم تجري الأحكام» يعم العبادات والمعاملات والسياسات، والإمام يركّز على السن بما هو سن، وانّه تجري عليه الأحكام إذا بلغ الثلاث عشرة، وحمله على ما إذا أنبت أو أشعر، كما عليه الشيخ الطوسي لرفع المعارضة بينها وما دلّ على الخمس عشرة سنة خلاف الظاهر.

2. صحيح عبد اللّه بن سنان

وقد روي بأسانيد ثلاثة مع الاختلاف في المضمون، وإليك بيانها:

أ. صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول اللّه عزّ وجلّ: (حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ)(2) قال: «الاحتلام» قال: فقال: يحتلم في ست عشرة وسبع عشرة سنة ونحوها؟ فقال: «لا إذا أتت عليه


1 . الوسائل: 13، الباب 45 من أحكام الوصايا، الحديث3.

2 . الأحقاف:15.


صفحه37

ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات، وجاز أمره إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً».(1)

والرواية تعم العبادات والمعاملات بقرينة انّ السائل سأل عن تفسير قوله تعالى: (حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ) الذي ورد في المعاملات قوله سبحانه: (وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).(2)

ب. صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا بلغ أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة، وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات، وكتبت له الحسنات وجاز له كلّ شيء إلاّ أن يكون ضعيفاً أو سفيهاً».(3)

والرواية تعم الأحكام والمعاملات بقرينة التركيز على بلوغ الأشد وفي السند الحسن بن بنت الياس، والمراد منه هو الحسن بن علي بن زياد الوشاء الثقة الذي نقل عنه النجاشي في ترجمته، أنّه قال: لقد رأيت في هذا المسجد (مسجد الكوفة) تسعمائة رجل كلٌّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد (عليهما السلام).

ج. صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين كذلك وذلك أنّها تحيض لتسع سنين».(4)


1 . الوسائل: 13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث8.

2 . الأنعام:152.

3 . الوسائل: 13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث 11.

4 . الوسائل: 13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث 12.


صفحه38

والرواية قابلة للحمل على العبادات، وسيوافيك الكلام في ذيل الحديث.

3. رواية عمار الساباطي

روى الشيخ بسنده عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (م/262هـ) عن أحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن فضال الثقة، عن عمرو بن سعيد المدائني الثقة، عن مصدق بن صدقة الثقة، عن عمّار الساباطي الثقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم».(1)

والرواية معارضة لفتوى المشهور وهل هنا جمع دلالي بين الفريقين، الظاهر لا، بل يجب الرجوع إلى المرجّحات؟ وأنّ الترجيح للصنف الأوّل لأنّه المشهور فتوى ونقلاً، وسيوافيك بعض ما قيل من الجمع مع ما هو الحقّ في المقام.

وهناك روايات تدلّ على نفوذ وصية الصغير إذا بلغ عشر سنين.

روى أبو بصير المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حقّ جازت وصيته وإذا كان ابن سبع سنين


1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.


صفحه39

فأوصى من ماله باليسير في حقّ جازت وصيّته».(1)

ولكن الروايات لا تمتُّ إلى المقام بصلة، لأنّ نفوذ الوصية لا يدل على بلوغه حتى يحكم عليه بجميع الأحكام، وإنّما هو حكم خاص في باب الوصية، وقد عمل بتلك الروايات أكثر علمائنا كما حكاه الشيخ الحر العاملي في حاشيته على هذا الباب في كتاب «الوسائل»، حيث قال: أكثر علمائنا على صحّة وصيّة من بلغ عشراً، وابن الجنيد على صحّة وصيّة الصبي لثمان والبنت لسبع لرواية الحسن بن راشد، ذكره في «التذكرة» وقد تقدّمت الرواية في كتاب الصدقات.(2)

وأمّا الجمع بين الروايات فهناك تقريبات مختلفة:

الأوّل: ما ذكره المحدّث البحراني: قال: فلا يبعد عندي في الجمع بين الأخبار المذكورة حمل ما دلّ على البلوغ بخمس عشرة على الحدود والمعاملات، كما هو مقتضى سياق رواية حمران الدالّة على أنّ حدّ البلوغ هو الخمس عشرة سنة، وحمل ما دلّ على ما دون ذلك على العبادات.(3)

يلاحظ عليه: أنّ رواية ابن سنان التي هي الدليل المهم للقول المخالف (ثلاث عشرة) في المقام جاءت في مورد المعاملات حيث سأل السائلُ الإمامَ عن معنى بلوغ الأشد وفسّـره (عليه السلام) بالسن المذكور واللفظة وردت في


1 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2، ولاحظ الحديث 1، 3، 4، 5، 6، 7.

2 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، قسم التعليقة.

3 . الحدائق:13/185.


صفحه40

الآية في باب الأموال، قال سبحانه: (وَ لا تَقْرَبُوا مالَ اليَتيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) .(1)

الثاني: حمل ما دلّ على أنّ سن البلوغ هو الخمس عشرة على باب الحدود.

يلاحظ عليه: أنّ رواية حمران التي هي الدليل المهم للقول بالخمس عشرة جاءت في مورد المعاملات أيضاً، وقد جاء فيه قوله: والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع ولا يخرج عن اليتم حتى يبلغ خمس عشرة.(2) وهو دليل على شموله لباب المعاملات أيضاً.

أضف إلى ذلك انّ الظاهر من رواية علي بن الفضل الواسطي كفاية السن المزبور في تحليل المطلقة ثلاثاً.(3) وهو آية عدم اختصاصه بالحدود.

الثالث: ما ذكره أيضاً صاحب الحدائق بقوله: ويحتمل خروج بعضها مخرج التقية إلاّ أنّه لا يحضرني الآن مذهب العامة في هذه المسألة.(4)

أقول: إنّ أحداً من العامة لم يذهب إلى القول بثلاث عشرة.

نعم، قال الشافعي وجماعة بأنّ سن البلوغ في الذكر هو الخمس عشرة.

الرابع: ما ذكره أيضاً صاحب الحدائق بقوله: ويمكن أن يحمل الاختلاف في هذه الأخبار على اختلاف الناس في الفهم والذكاء وقوة العقل


1 . الأنعام:152.

2 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 2.

3 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث1.

4 . الحدائق:13/185.


صفحه41

وقوة البدن، ولذا ورد في رواية الثمالي: « ثلاث عشرة وأربع عشرة».وفي صحيحة معاوية بن وهب: «خمس عشرة وأربع عشرة» ولذا تراها أيضاً اختلفت في الاحتلام، فظاهر موثقة عبد اللّه بن سنان انّ الاحتلام في ست عشرة وسبع عشرة ونحوهما، وظاهر رواية عيسى بن يزيد انّه يحتلم لأربع عشرة، وظاهر موثقة عمّار أنّه يحتلم قبل ثلاث عشرة، إلاّ أنّه لا يبعد أن يكون هذا من قبيل ما يقع في رواياته من التهافتات والغرائب كما يفهم منها أيضاً من أنّ بلوغ الجارية إذا أتى لها ثلاث عشرة سنة مع استفاضة الأخبار واتّفاق العلماء على أنّها تبلغ بتسع سنين أو عشر.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ إذا كان الدليل على البلوغ هو الاحتلام، وإنبات الشعر على العانة ولا شكّ أنّهما يختلفان حسب اختلاف الأمزجة.

إنّما الكلام في انسجامها مع القول بأنّ للبلوغ وراء الاحتلام والإنبات دليلاً آخر، وهو السن وقد اضطربت الروايات فيه، بين خمس عشرة إلى ثلاث عشرة، فتفسير الاختلاف بالاختلاف في الأمزجة يوجب الفوضى في المجتمع، فمن مصلِّ وصائم في الثلاث عشرة بادّعاء انّه قويّ البنية، إلى تارك للصلاة ومفطر للصوم بادّعاء انّه ضعيف البنية.

وهناك جمع آخر للروايات المتعارضة أشار إليه الفيض الكاشاني في كتابه «مفاتيح الشرائع» حيث جعل للبلوغ مراتب باعتبار التكاليف غير أنّ كلامه ناظر إلى اختلاف الروايات في حق الأُنثى، لا في حق الذكر، ولأجل


1 . الحدائق: 13/184ـ185.


صفحه42

ذلك نأتي بنص كلامه في المقام الثاني.

والحقّ أن يقال: إنّ المورد من الموارد التي يرجع فيه إلى المرجحات، وقد قررنا في محلّه أنّ المرجحات عند القوم على قسمين; قسم تميّز به الحجّة عن اللاحجة كالشهرة العملية، وآخر ترجح به إحدى الحجتين على الأُخرى كمخالفة العامة، أو موافقة الكتاب (على تأمّل في الأخير) .

والمقام من قبيل القسم الأوّل، فإنّ ما دلّ على الخمس عشرة وإن كان لا يتجاوز عن روايتين لكنّهما مشهورتان رواية وفتوى، بخلاف الثانية فإنّها وإن امتازت بالشهرة الروائية، لكنها في الوقت نفسه غير مفتى بها، قد أعرض عنها المشهور من العلماء، وإمعان النظر في رواية عمر بن حنظلة وغيرها يثبت أنّ موافقة الشهرة من الأُمور التي تُضفي الحجّية للحديث الموافق وتسلبها عن المخالف، وليست الشهرة العملية كمخالفة العامة التي تميز الحجة الفعلية، عن الحجة الشأنيّة (1).

ثمّ إنّ ظاهر الأخبار وعبارات الأصحاب انّ المراد من الخمس عشرة هو إكمالها إذ لا يطلق على من دخل في الخمس عشرة انّه ذو سن كذا، قال الشهيد في المسالك: ويعتبر إكمال السنة الخامسة عشرة في الذكر والتاسعة في الأُنثى فلا يكفي الطعن فيها عملاً بالاستصحاب وفتوى الأصحاب، ولأنّ الداخل في السنة الأخيرة لا يسمّى ابن خمس عشرة سنة لغة ولا عرفاً والاكتفاء بالطعن فيها وجه للشافعية.(2)


1 . لاحظ كتاب المحصول في علم الأُصول: 3/ 206ـ214، تقرير ابحاثنا في أُصول الفقه.

2 . مسالك الأفهام:1/255، كتاب الحجر.


صفحه43

بقي هنا أُمور:

الأوّل: نسب إلى الصدوق أنّه قال بالثلاث عشرة للغلام مع أنّ كلامه في «المقنع» لا يوافق الحكاية، قال: اعلم أنّ الغلام يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيق، فإن أطاق إلى الظهر أوبعده صام إلى ذلك الوقت، فإذا غلب عليه الجوع والعطش أفطر، وإذا صام ثلاثة أيام ولاءً أُخذ بصوم الشهر كلّه.

وروي أنّ الغلام يؤخذ ما بين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك.(1)

وأنت ترى أنّه ليس بصدد بيان حدّ البلوغ وإنّما هو بصدد بيان وظيفة الولي وانّها تمتد إلى خمس عشرة سنة فالعبارة ظاهرة في دعم القول المشهور ولا دلالة لها على خلافه.

الثاني: استظهر المحقّق الأردبيلي من كتابي «التهذيب» و«الاستبصار» أنّ الشيخ قائل بأنّ حدّ البلوغ هو ثلاث عشرة سنة، قال: وهو الظاهر من «التهذيب» و «الاستبصار» حيث ذكر فيهما رواية عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة أو حاضت قبل ذلك وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم».(2)


1 . المقنع: 195، كتاب الصيام، الباب 8.

2 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.


صفحه44

ثمّ نقل بعد ذلك رواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا أتى على الصبي ست سنين وجبت عليه الصلاة، وإذا أطاق الصوم وجب عليه الصيام» (1) .

ثمّ إنّه تصدى لتأويل الحديث الأخير دون الأوّل، وهذا يدل على أنّ الحديث الأوّل مختاره وإلاّ لو كان الأوّل كالثاني كان عليه تأويلهما، وإليك نصّ كلام الشيخ في تأويل الحديث الثاني.

قال: قوله (عليه السلام): «إذا أطاق وجب عليه الصيام» محمول على التأديب دون الفرض، لأنّ الفرض إنّما يتعلّق وجوبه بحال الكمال على ما بيّناه، وكذلك قوله (عليه السلام): «إذا أتى عليه ست سنين» وفي الخبر الآخر: «أو سبع سنين وجب عليه الصلاة» محمول على الاستحباب والتأديب، لأنّ الفرض يتعلّق بحال الكمال على ما بيّناه.(2)

يلاحظ على ما ذكره بأنّ الشيخ ذكر قبل الحديث الأوّل، حديث علي ابن جعفر وقد أُنيط وجوب الصلاة والصوم بمراهقة الحلم وهو يتأخّر عن الثلاث عشرة، قال: عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الغلام متى يجب عليه الصوم والصلاة؟ قال: إذا راهق الحلم وعرف الصلاة والصوم».

ولعلّه اعتمد على هذا الحديث دون حديث إسحاق بن عمّار.


1 . الوسائل: 3، الباب 3 من اعداد الفرائض، الحديث 4.

2 . مجمع الفائدة و البرهان:9/189 بتوضيح منا; التهذيب:2/381، و الحديث الأوّل برقم 5 و الثاني برقم 8.


صفحه45

الثالث: يظهر من المحقّق الأردبيلي الجنوح إلى القول بالثلاث عشرة سنة، قال: وليس على إكمال خمس عشرة إجماع، فإنّ البعض ذهب إلى أنّ الشروع يكفي، وذهب البعض إلى ثلاث عشرة، ثمّ ذكر كلام الشيخ في التهذيب الآنف الذكر، قال: والظاهر انّ غيره أيضاً ذهب إلى ثلاث عشرة من الذكور، فلا إجماع في عدم الوجوب إلاّ بالحلم أو الإنبات أو خمس عشرة.

ثمّ استدل برواية معاوية بن وهب التي مرّت، هذا تمام الكلام في بلوغ الصبي، وإليك الكلام في بلوغ الصبية.

المقام الثاني: سنّ البلوغ في الأُنثى

استقر المذهب الفقهي للشيعة على أنّ حدّ البلوغ للأُنثى هو تسع سنين، ولو خالف فقيه في كتاب رجع عنه في كتاب آخر، وربما يمكن الجمع بين بعض الأقوال، مثلاً من قال بعشر سنين، فيراد منه إكمال التسع ولا يعلم إلاّ بالدخول في العشر، والشهرة الفتوائية بلغت حدّاً لا حاجة إلى نقل كلمات الموافقين، وإنّما تلزم الإشارة إلى المخالف أو من تُستشم من كلامه المخالفة، ومع ذلك ننقل بعض الكلمات من الفريقين:

1. قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): ولا تتزوج امرأةً حتى تبلغ تسع سنين، فإن تزوجتها قبل أن تبلغ تسع سنين فأصابها عيب فأنت ضامن .(1)

2. وقال الشيخ المفيد (رحمه الله): والأُم أحق بكفالة البنت حتى تبلغ تسع سنين .(2)


1 . المقنع: 308. ولاحظ : من لا يحضره الفقيه: 4 / 221، باب انقطاع يتم اليتيم، برقم 5520.

2 . المقنعة: 531، و 747 .


صفحه46

3. وقال أبو الصلاح الحلبي: إذا انعقد النكاح استحقت المزوجة الصداق، والزوج التسليم إن كانت ممن يصحّ الدخول بها ببلوغها تسع سنين فما زاد.(1)

4. وقال سلاّر بنفس الكلام الّذي مضى ذكره عن الشيخ المفيد في المقنعة .(2)

5. قال الشيخ في «الخلاف»: يراعى في حدّ البلوغ في الإناث بالسن تسع سنين.(2)

ثمّ ادّعى الإجماع عليه ولم يذكر قولاً آخر.

6. وقال في «نهايته»: وحدّ الجارية التي يجوز لها العقد على نفسها، أو يجوز لها أن تولّي من يعقد عليها تسع سنين فصاعداً.(3)

7. وقال في «المبسوط»: وأمّا البلوغ فهو شرط في وجوب العبادات الشرعية، وحدّه الاحتلام في الرجال، والحيض في النساء، أو الإنبات، أو الاشعار، أو يكمل له خمس عشرة سنة، والمرأة تبلغ عشر سنين.(4)

ولا تنافي بين القولين كما عرفت.

8 . وقال في «المبسوط» في كتاب الحجر: وأمّا السن فحدّه في الذكور خمس عشرة سنة، وفي الإناث تسع سنين وروي عشر سنين.(5)


1 . الكافي: 294 .   2 . المراسم العلوية: 166، 168 .

2 . الخلاف: 3/382، كتاب الحجر، المسألة 2.

3 . النهاية:468، كتاب النكاح، باب من يتولى العقد على النساء.

4 . المبسوط:1/266، كتاب الصوم، فصل في ذكر حقيقة الصوم.

5 . المبسوط: 2 / 283 ـ 284، كتاب الحجر.


صفحه47

فقد أفتى في كتاب «النهاية» وكتاب الحجر من «المبسوط» بالتسع، وأفتى في كتاب الصوم من «المبسوط»بالعشر، وبما أنّ كتاب الحجر متأخر، وضعاً عن الصوم فقد عدل عمّا في الصوم، أو أراد منه إكمال التسع الذي يعلم بدخول العشر.

9. وقال ابن إدريس في «السرائر»: والمرأة تعرف بلوغها من خمس طرائق: إمّا الاحتلام، أو الإنبات، أو بلوغ تسع سنين، وقد ذكر شيخنا أبوجعفر (رحمه الله) في «مبسوطه» في كتاب الصوم عشر سنين(1)، وفي «نهايته» تسع سنين وهوالصحيح، فإذا بلغتها وكانت رشيدة سلَّم الوصي إليها مالها، وهو بلوغها الوقت الذي يصحّ أن تعقد على نفسها عقدة النكاح ويحل للبعل الدخول بها بغير خلاف بين الشيعة الاثني عشرية، ـ والحيض والحمل ـ وهكذا يذكر في الكتب، والمحصّل من هذا بلوغ التسع سنين، لأنّها لا تحيض قبل ذلك ولا تحمل قبل ذلك فعاد الأمر إلى بلوغ التسع سنين.(2)

10. وقال ابن سعيد: وبلوغ المرأة والرجل بالاحتلام، وتختص المرأة بالحيض وبلوغ عشر سنين.(3) ولعلّه أراد الدخول في العشر ليكون دليلاً على كمال التسع.

11. وقال ابن حمزة: في كتاب الخمس: وبلوغ الرجل بأحد ثلاثة


1 . وقد مرّ عدوله عنه في كتاب الحجر أيضاً، و كأنّه (قدس سره) لم يقف على عدوله في ذلك الكتـاب.

2 . السرائر:1/367، كتاب الصوم.

3 . الجامع للشرائع:153، كتاب الصوم.


صفحه48

أشياء: الاحتلام، والإنبات، وتمام خمس عشرة سنة، وبلوغ المرأة بأحد شيئين: الحيض، وتمام عشر سنين.(1)

12. ولكنّه عدل عنه في كتاب النكاح المتأخر عنه وضعاً، قال: وبلوغ المرأة يعرف بالحيض، أو بلوغها تسع سنين فصاعداً.(2)

13. وقال العلاّمة في «التذكرة»: والأُنثى بمضي تسع سنين عند علمائنا.(3)

14. وقال المحقّق الأردبيلي في شرح قول العلاّمة: «وببلوغ تسع»: وأمّا السن فالأخبار عليه كثيرة في النكاح حيث جوّز الدخول بعد التسع دون قبله، وهو مشعر بالبلوغ بعده لثبوت تحريم الدخول قبله عندهم ـ كأنّه ـ بالإجماع ويفهم من التذكرة كون البلوغ بتسع إجماعياً عندنا فتأمّل، كذا في الحدود، وفي الأخبار المتقدمة أيضاً دلالة عليه فافهم.(4)

15. وقال المحدّث البحراني: وبلوغ التسع بمعنى كمالها في الأُنثى على المشهور.(5)

16. وقال في «الجواهر» في شرح قول المحقّق«والأُنثى تسع»: على المشهور بين الأصحاب بل هو الذي استقر عليه المذهب خلافاً للشيخ في


1 . الوسيلة:137، كتاب الخمس.

2 . الوسيلة:301، كتاب النكاح.

3 . التذكرة: 2/75.

4 . مجمع الفائدة:9/192، كتاب الديون. و قد تقدم عبارة التذكرة في الصبي.

5 . الحدائق:12/181.


صفحه49

صوم «المبسوط»، وابن حمزة في خمس «الوسيلة»، فبالعشر إلاّ أنّ الشيخ قد رجع عنه في كتاب الحجر فوافق المشهور، وكذا الثاني في كتاب النكاح منها بل قد يرشدك ذلك منهما إلى إرادة توقّف العلم بكمال التسع على الدخول على العشر.(1)

وقد علم من كلماتهم أنّ القول بالتسع هو المشهور، وانّه لم يثبت قائل بالعشر غير الشيخ وابن حمزة وقد عدلا عن رأيهما فالشيخ عدل عنه في كتاب الحجر، وابن حمزة عدل عنه في كتاب النكاح، وعبارة ابن سعيد قابلة للحمل على كمال التسع.

وهناك أقوال أُخر منها:

1. بلوغ الأُنثى، بثلاث عشرة سنة.

2. بلوغها بالطمث والحيض.

3. للبلوغ مراتب حسب اختلاف الأحكام.

وإليك استعراض الأقوال واحداً تلو الآخر.


1 . الجواهر:26/38.


صفحه50

   

 

1

حدّ البلوغ في الأُنثى هوتسع سنين

ثمة طوائف من الروايات تدلّ على أنّ حدّ البلوغ في الأُنثى هو التسع سنين، وليست دلالتها على نمط واحد، بل تدل على المطلوب بدلالات شتى، كما ستظهر، وإليك هذه الطوائف:

الطائفة الأُولى: ما تدل على أنّ حدّ البلوغ في الأُنثى هو التسع.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على أنّ حدّ البلوغ ما أوجب على المؤمنين الحدودَ، كما في الطائفة التالية.

الطائفة الثالثة: ما تدل على أنّها إذا بلغت التسع، يترتب عليها ما يترتب على البالغ من كتابة الحسنات والسيئات وإقامة الحدود، وجواز البيع والشراء.

الطائفة الرابعة: ما تدلّ على أنّه لا يجوز الدخول بالزوجة ما لم تبلغ التسع.

الطائفة الخامسة: ما تدل على أنّ الدخول قبل التسع لو انتهى إلى العيب يضمنه الزوج أو الحاكم.

الطائفة السادسة: ما تدلّ على أنّ الدخول قبل التسع موجب للحرمة الأبدية.


صفحه51

الطائفة السابعة: ما تدل على أنّ المطلّقة دون التسع تتزّوج على كلّ حال.

الطائفة الثامنة: ما تدلّ على أنّ المزوجة ولها تسع سنين ليست بمخدوعة، أو ليست بصبية.

الطائفة التاسعة: ما تدل على سقوط الاستبراء عمّن اشترى جارية صغيرة مالم تبلغ، وتفسّره بنهاية التسع.

الطائفة العاشرة: ما تدل على أنّ الزوجة لها الخيار إذا زوجت قبل التسع دون ما زوجت بعدها.

هذه هي طوائف عشر تركّز على التسع، وتتخذه موضوعاً لكثير من الأحكام، وتدل بالتواتر المعنوي على مدخليتها في الأحكام الشرعية، والإعراض عن هذه الأخبار والقول بأنّ حدّالبلوغ هو الثلاث عشرة سنة، أو خصوص رؤية الدم ترك لما تواتر إجمالاً عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في مجال التحديد.

وبعبارة أُخرى، اتّفقت كلمتهم ـ تبعاً للنص ـ على أنّ عمد الصبيان خطأ.(1) وعمد الصبي وخطؤه واحد.(2) هذا من جانب ومن جانب آخر، نرى في هذه الروايات الهائلة، الاعتبار بفعل الأُنثى وقصدها إذا بلغت التسع في مختلف الأبواب، فيكشف عن خروجه عن حد الصبا وهو عين القول بالبلوغ.


1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 3.

2 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2.


صفحه52

ما تدل على أنّ حدّ البلوغ في الأُنثى هو التسع سنين   

ولعلّ بعض ماجاء في ضمن هذه الطوائف من الأحكام خاضع للنقاش، ولكنّه لا يسقطها عن الدلالة على أنّ التسع سنين، موضوع للأحكام التكليفية.

وإليك دراسة تلك الطوائف واحدة بعد الأُخرى:

الطائفة الأُولى: ما تدل على أنّ حدّ البلوغ في الأُنثى هو التسع سنين

1. ما رواه الصدوق بسند صحيح في «خصاله» عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «حدّ بلوغ المرأة تسع سنين».(1)

2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: الجارية ابنة كم لا تستصبا... قال(عليه السلام): «وأجمعوا كلّهم على أنّ ابنة تسع لا تستصبى إلاّ أن يكون في عقلها ضعف وإلاّ فإذا بلغت تسعاً فقد بلغت».(2)

الطائفة الثانية: ما تدل على أنّ حدّ البلوغ هو ما أوجب اللّه على المؤمنين الحدود

قد وردت روايات عديدة على أنّ ذات التسع تقام عليها الحدود.

3. ما رواه الكليني بسند معتبر عن علي بن الفضل الواسطي في حديث


1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 10.

2 . الوسائل: 14 ، الباب 12 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.


صفحه53

قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) ما حد البلوغ؟ فقال: «ما أوجب اللّه على المؤمنين الحدود».(1)

وسيوافيك تضافر الروايات على أنّ الأُنثى إذا بلغت التسع تقام عليها الحدود.(2)

وقفة قصيرة مع الأحاديث

أمّا الحديث الأوّل: فلا شكّ في صحّة السند، لما حقّقناه في محله من أنّ ابن أبي عمير لا يرسل ولا يروي إلاّ عن ثقة، وأجبنا على ما حوله من الإشكالات المثارة.(3) مضافاً إلى انّه ارسله عن غير واحد من مشايخه ومن البعيد ان يوجد فيهم ثقة نعم ربما يثار حولها إشكال من حيث صحّة المتن وهو ادعاء أنّ لفظ البلوغ في عصر الوحي والعصور القريبة منه لا يضاف إلاّ بمثل الحلم والنكاح والأشد، ولا يضاف إلى المرء والمرأة.

يلاحظ عليه: أنّ البلوغ في مصطلح الوحي والحديث والفقهاء بمعنى واحد، ولا دليل على كونه عند الفقهاء غيره عند الأوّلين.

إنّ البلوغ إذا نسب إلى الفاعل، يضاف إلى المرء والمرأة يقول سبحانه: (حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)(4) ويقال: بلوغ الرجل والأُنثى، وإذا تركت نسبته إلى الفاعل، يضاف إلى متعلقه من الحلم والأشدّ والنكاح ويقال: بلوغ الحلم أو النكاح أو الأشدّ. وكلّ من الاستعمالين صحيح.


1 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

2 . لاحظ الروايات برقم 4، 5، 6، 7 من هذا التسلسل.

3 . لاحظ : كليات في علم الرجال:217ـ234.

4 . الأنعام:152.


صفحه54

وعلى كل تقدير فابن أبي عمير عربي صميم، لا يخطأ في التعبير.

وهذا ابن منظور يقول: بلغ الغلام: احتلم، وبلغت الجارية، ثمّ ينقل عن التهذيب: بلغ الصبي والجارية إذا أدركا وهما بالغان، وروى عن الشافعي انّه قال: سمعت فصحاء العرب يقولون جارية بالغ.(1)

ومنه يظهر حال سند الحديث الثاني، وأمّا الثالث، ففي سنده «سهل» بن زياد الآدمي، وعلي بن الفضل الواسطي، أمّا الأوّل فالأمر فيه سهل، فإنّ اتقان رواياته خير شاهد على كون الرجل، محدِّثاً بارعاً ضابطاً، وإن طعن فيه أحمد بن محمد بن عيسى القمي، فقد طعن أيضاً في أحمد بن محمد بن خالد البرقي ثمّ ندم وشيّع جثمانه يوم وفاته، ولم يكن الطعن إلاّ لاختلافه معهما في مقامات الأئمّة(عليهم السلام)، فقد كان القميّون على اعتقاد خاص فيهم، نقل المفيد في «تصحيح الاعتقاد» شيئاً من عقائدهم.(2) وما صوّر غلوّاً في ذلك الوقت، فقد قبله الأصحاب بعده إلى يومنا هذا.

أمّا الثاني فقد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (عليه السلام) وقال الصدوق في المشيخة: إنّه صاحب الرضا(عليه السلام).(3) وقال المحقّق التستري: كونه صاحبه (عليه السلام) فوق التوثيق.(4)

ما تدل على أنّها إذا بلغت تسعاً، يترتّب عليها ما يترتّب على البالغ   

وبذلك اتّضحت صحّة الاحتجاج بالروايات الثلاث وأنّه لا غبار عليها متناً ولا سنداً.


1 . لسان العرب: 8/420، مادة «بلغ».

2 . تصحيح الاعتقاد: 66.

3 . الفقيه:4/474.

4 . قاموس الرجال: 7/533، برقم 5254.


صفحه55

الطائفة الثالثة: ما تدل على أنّها إذا بلغت تسعاً، يترتّب عليها ما يترتّب على البالغ

هناك روايات تدل على أنّ ذات التسع يترتب عليها ذهاب اليتم، وجواز دفع المال إليها، وجواز أمرها في الشراء والبيع والأخذ لها وبها، وكتابة الحسنات لها والسيئات عليها إلى غير ذلك ممّا يعدّ من أحكام البالغ، فالاستدلال بهذا النحو من الأحاديث استدلال إنّي، وانتقال من المعلول إلى العلة أو من وجود الحكم إلى وجود الموضوع، وإليك دراسة هذا القسم.

4. معتبرة حمران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ... فالجارية متى تجب عليها الحدود التامة وتؤخذ بها ويؤخذ لها؟ قال: «إنّ الجارية ليست مثل الغلام، إنّ الجارية إذا تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين، ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأخذ لها وبها».(1)

فقد رتّب على الجارية التي تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين، خمسة أحكام:

أ. ذهاب اليتم عنها.

ب. دفع مالها إليها.

ج. جواز أمرها في الشراء والبيع.

د.إقامة الحدود التامة عليها.

هـ . الأخذ لها وبها.


1. الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2.


صفحه56

وربّما يخطر ببال بعض الأذهان أنّ الموضوع في الرواية المذكورة هو التسع سنين في ظرف التزويج والدخول، لا مطلق التسع ولكن يتّضح بطلانه بأدنى تأمّل، فإنّ المقصود من فرض تزوجها والدخول بها، هو التأكد من تحقّق بلوغها التسع لا أنّهما شرط لبلوغها ويحتمل أن يكون ذكرهما لغاية حصول الرشد، الموضوع لدفع ماله إليه مع البلوغ بشهادة أنّ الرواية تركّز على حالها، ليُدفع إليها أموالها ويجوز أمرها في الشراء والبيع.

وبعبارة أُخرى: أنّ الإمام (عليه السلام)بصدد بيان أحكام التسع، وأنّ الجارية إذا بلغت تسعاً يجوز لها التزويج، ويجوز الدخول بها، وإلى غير ذلك من الأحكام، فكأنّ التسع وكونه موضوعاً للبلوغ كان أمراً مسلّماً فذكر الإمام ما ترتّب عليه من آثار وأحكام.

كما يحتمل أن يكون الهدف من ذكر تزويجها والدخول بها هو التأكيد على بلوغ الجارية تسعاً، وذلك لقلّة اهتمام الناس في القرون السالفة بتسجيل مواليد الأولاد وعدم دقّتهم في تحديد أعمارهم، ولذلك ربّما كان يختفي سن الجارية الواقعي فيستدل بالتزويج والدخول على أنّها قد بلغت التسع أو تجاوزته.

وأمّا السند فقد روي بسند صحيح عن عبد العزيز العبدي، عن حمزة ابن حمران، عن حمران، فقد تطرقنا لهؤلاء الثلاثة سابقاً، ونقول الآن:

أمّا الأخير: فهو حمران بن أعين أخو زرارة، ولا شكّ في وثاقته وجلالته، ولمّا توفي، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «واللّه مات مؤمناً».


صفحه57

وروي في التهذيب أنّ الصادق (عليه السلام) قال عن ابنة حمران: «إنّ لأبيها حقاً، ولا يحملنا ذلك على أن لا نقول الحق». ووصفه أبوغالب الزراري في «رسالته» بأنّه من أكبر مشايخ الشيعة المفضّلين الذين لا يشك فيهم.(1)

وأمّا الثاني: فهو ابنه، فقد ذكره النجاشي في «رجاله» وأنّه روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ولم يذكر فيه شيئاً، وللصدوق طريق إليه.(2)

وفي «جامع الرواة»: نقل كثير من المشايخ عنه ويناهز عددهم إلى ثلاثة وعشرين شيخاً.

وأمّا الأوّل: فقد ضعّفه ابن نوح أبو العباس أحمد بن علي شيخ النجاشي.(3) وقد مرّ الكلام في سندها عند البحث عن بلوغ الذكر. وانّ التضعيف لأجل الغلوّ الذي لا ينافي صدق لسانه.

5. رواية يزيد الكناسي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) متى يجوز للأب أن يزوّج ابنته ولا يستأمرها، قال: «إذا جازت تسع سنين، فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين ـ إلى أن قال: ـ قلت: أفتقام عليها الحدود وتؤخذ بها وهي في تلك الحال، وإنّما لها تسع سنين، ولم تدرك مدرك النساء في الحيض؟ قال: «نعم، إذا دخلت على زوجها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها وأُقيمت الحدود التامّة عليها ولها».(4)وسيوافيك الاستدلال بصدره.


1 . قاموس الرجال:4/13 ـ 22.

2 . المصدر نفسه: 4 / 28.

3 . رجال النجاشي: برقم 639.

4 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.


صفحه58

وقد عرفت وجه فرض التزويج والدخول في الرواية السابقة، كما مرّالكلام في سند الحديث عند البحث في بلوغ الذكر فلاحظ.

6. عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «وإذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة، وعوقب; وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك أنّها تحيض لتسع سنين».(1)

نعم ما ورد فيه في حقّ الغلام على خلاف المشهور، فلا يؤخذ به. وليست الرواية كالشهادة إذا ترك جزء منها يُترك الباقي، بل الرواية إذا ترك جزء منها لا يترك الجزء الآخر، وسيوافيك إن شاء اللّه توضيح قوله: «وذلك انّها تحيض لتسع سنين». حيث يعلل البلوغ ببلوغها الحيض، مع أنّ التحيّض متأخر في الأغلب عنه.

7. روى علي بن الحسن، عن العبدي، عن الحسن بن راشد، عن العسكري (عليه السلام) قال: «إذا بلغ الغلام ثمان سنين، فجائز أمره في ماله، وقد وجب عليه الفرائض والحدود، وإذا تم للجارية سبع سنين فكذلك».(2)

وفي بعض النسخ التسع مكان السبع.(3)

ولعلّ السبع مصحف التسع وقد وقع التصحيف في هذه الكلمة في غير مورد.

ما تدل على عدم جواز الدخول بالصغيرة المزوّجة ما لم تبلغ التسع   

8. مرسلة حفص المروزي عن الرجل (عليه السلام): «إذا تمّ للغلام ثمان سنين


1 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 12.

2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوقوف و الصدقات، الحديث 4.

3 . جامع أحاديث الشيعة:1، الباب 11 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 689 .


صفحه59

فجائز أمره وقد وجبت عليه الفرائض والحدود، وإذا تمّ للجارية تسع
سنين فكذلك».(1) وهي قرينة على أنّ السبع في رواية ابن راشد مصحف التسع.

9. مرسل الفقيه، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها، وجاز أمرها في مالها، وأُقيمت الحدود التامّة لها وعليها».(2) ويحتمل اتحاد الرواية مع بعض ما يأتي.

الطائفة الرابعة: ما تدل على عدم جواز الدخول بالصغيرة المزوّجة ما لم تبلغ التسع

10. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا تزوّج الرجل الجارية وهي صغيرة، فلا يدخل بها حتى يأتي لها تسع سنين».(3) وهي صريحة في أنّ وجه المنع لكونها صغيرة مادامت دون التسع، فإذا جازت عنها جاز له الدخول، فيكشف انّها بإكمالها التسع تخرج عن الصغر.

11. خبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».(4) وسيوافيك وجه الجمع بين السنّين، وهو استحباب التأخير عن التسع، إلى العشر سنين.


1 . جامع أحاديث الشيعة:1، الباب 11 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 688.

2 . الوسائل: 13، الباب 45 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4.

3 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1.

4 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.


صفحه60

12. مرسلة عمّار السجستاني قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لمولى له: «انطلق وقل للقاضي، قال رسول اللّه: حدّ المرأة أن يدخل بها على زوجها ابنة تسع سنين».(1)

13. صحيح عبد الكريم بن عمرو، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».(2)

14. صحيح أبي أيوب الخزاز، قال: سألت إسماعيل بن جعفر، متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا دخل عشر سنين، قلت: ويجوز أمره؟ قال: فقال: إنّ رسول اللّه دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته.(3)

15. ما روي عن إسماعيل بن جعفر، في حديث أنّ رسول اللّه
دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة.(4)

ما تدلّ على أنّ الدخول قبل التسع موجب للحرمة الأبدية   


1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 3.

2 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 4.

3 . الوسائل: 18، الباب 22 من أبواب الشهادات، الحديث 3.

4 . الوسائل: 14، الباب 4 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث5. وجه الاستدلال هو سماعه من أبيه، كما هو مقتضى طهارته بشرط أن يكون المراد من العشر هو الدخول فيه، و في الجواهر: 26/40 بل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) انّه دخل بعائشة قبل تجاوز التسع.


صفحه61

 

الطائفة الخامسة: ما تدل على ضمان من دخل بزوجته
الصغيرة وعيبت وليس لها تسع سنين

16. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من وطئ امرأته قبل تسع سنين، فأصابها عيب، فهو ضامن».(1)

17. خبر طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) قال: «من تزوّج بكراً فدخل بها في أقلّ من تسع سنين، فعيبت ضمن».(2)

18. خبر غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) قال: «لا توطأ جارية لأقل من عشر سنين، فإن فعل فعيبت فقد ضمن».(3)

19. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ من دخل بامرأة قبل أن تبلغ تسع سنين، فأصابها عيب، فهو ضامن».(4)

20. صحيحة بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل إقتضّ جارية ـ يعني امرأته ـ فأفضاها؟ قال: «عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين».(5)


1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 5.

2 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 6 .

3 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7.

4 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 8 .

5 . الوسائل: 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3.


صفحه62

21. صحيحة حمران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل تزوج جارية بكراً لم تُدْرِك، فلما دخل بها اقتضَّها فأفضاها، فقال: «إن كان دخل بها حين دخل بها ولها تسع سنين فلا شيء عليه، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين، أو كان لها أقلّ من ذلك بقليل حين دخل بها فأقتضّها، فإنّه أفسدها وعطّلها على الأزواج، فعلى الإمام أن يغرمه ديتها وإن أمسكها ولم يطلقها حتى تموت فلا شيء عليه».(1)

الطائفة السادسة: ما تدلّ على أنّ الدخول قبل التسع موجب للحرمة الأبدية

22. روى يعقوب بن زيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين فُرّق بينهما ولم تحل له أبداً».(2) وربما تستفاد الحرمة الأبديّة من رواية بريد بن معاوية(3) وحمران(4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وقد تقدّمتا ضمن روايات الطائفة الخامسة فلا نعيد ذكرهما.

ما تدل على أنّ المطلّقة دون التسع تتزّوج على كلّ حال   


1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 9.

2 . الوسائل: 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 2.

3 . الوسائل: 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 3.

4 . الوسائل: 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 1. ولاحظ رقم 20 و21 من الأرقام المتسلسلة.


صفحه63

 

الطائفة السابعة: ما تدل على أنّ المطلّقة دون التسع تتزّوج
على كلّ حال

23. روى عبد الرحمان بن الحجاج قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «ثلاث يتزوّجن على كلّ حال: التي يئست من المحيض ومثلها لا تحيض» قلت: ومتى تكون كذلك؟ قال: «إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض، والتي لم تحض ومثلها لا تحيض» قلت: ومتى تكون كذلك؟ قال: «ما لم تبلغ تسع سنين فإنّها لا تحيض ومثلها لا تحيض، والتي لم يدخل بها».(1)

إنّ تجويز التزويج للمطلّقة لما دون التسع للإطمئنان ببراءة رحمها من الولد، لأنّها لا تحيض فيما دون التسع، وأمّا التسع فبما أنّها أوان نضوج الطبيعة (البلوغ) فالتحيّض أمر ممكن فلا تتزوج إلاّ بعد العدة.

الطائفة الثامنة: ما تدلّ على أنّ البكر في تسع سنين ليست بمخدوعة

24. روى محمد بن هاشم، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: «إذا تزوّجت البكر بنت تسع سنين فليست بمخدوعة».(2)


1 . تهذيب الأحكام:7/469، الحديث 89، باب الزيادات في فقه النكاح، لاحظ الوسائل: الجزء 15، الباب 2 من أبواب العدد، الحديث3. و بين النقلين اختلاف يسير.

2 . الوسائل: 14، الباب 12 من أبواب المتعة، الحديث 3.


صفحه64

روى ابن أبي عمير عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت الجارية ابنة كم لا تستصبا، أبنت ست أو سبع؟ فقال: «ابنة تسع لا تستصبا، وأجمعوا كلّهم على أنّ ابنة تسع لا تستصبا إلاّ أن يكون في عقلها ضعف وإلاّ فإذا بلغت تسعاً فقد بلغت».(1) وقد مضى الاستدلال بذيله ولأجله لم نرقِّمْه.

25. عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الجارية يتمتع بها الرجل، قال: «نعم إلاّ أن تكون صبية تخدع» قال: قلت أصلحك اللّه وكم الحدّ الذي إذا بلغته لم تخدع؟ قال: «بنت عشر سنين».(2)

ويحمل على الدخول في العشر.

الطائفة التاسعة: ما تدل على أنّ الأمة لا تستبرأ إلى تسع سنين

26. روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا (عليه السلام) في حدّ الجارية الصغيرة السن الذي إذا لم تبلغه لم يكن على الرجل استبراؤها، قال: «إذا لم تبلغ استبرئت بشهر»، قلتُ: وإن كانت ابنة سبع سنين أو نحوها مما لا تحمل، فقال: «هي صغيرة ولا يضرك أن لا تستبرئها» فقلت: ما بينها وبين تسع سنين؟ فقال: «نعم تسع سنين».(3)

ما تدل على أنّ الزوجة لها الخيار إذا زوجت قبل التسع    


1 . الوسائل: 14، الباب 12 من أبواب المتعة، الحديث 2.

2 . الوسائل: 14، الباب 12 من أبواب المتعة، الحديث 4.

3 . الوسائل: 14، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 11.


صفحه65

 

الطائفة العاشرة: ما تدلّ على أنّ الزوجة لها الخيار إذا زوجت
قبل التسع دون ما زوجت بعدها

27. روى يزيد الكناسي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) متى يجوز للأب أن يزوج ابنته ولا يستأمرها؟ قال: «إذا جازت تسع سنين، فإن زوجها قبل بلوغ تسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين».(1) وقد مضى الاستدلال به بنحو آخر في الحديث رقم 5.

وبما أنّ ما ورد هنا متحد مع ما ورد في الحديث 5، كما هو الحال في الحديث رقم 14و15، فتبلغ عدد الروايات اللاّتي وقفنا عليها خمساً وعشرين رواية.

وهنا نكتة نلفت نظر القارئ إليها، وهي: أنّ القول بتسع سنين وأنُها أمارة البلوغ وحدّه من خصائص الفقه الإمامي، وليس منه أي أثر في فقه المذاهب الأُخرى ولا في أحاديثهم، وهذا أوضح دليل على صدور هذا الحدّ من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فترك هذه الأحاديث الهائلة ببعض الروايات المعرض عنها ليس من شأن الفقيه المتثبّت العارف بكلماتهم.

رحم الله سيد المحقّقين البروجردي حيث كان يقول بلزوم ذهاب الحمرة المشرقية في تحقّق الغروب الشرعي، وكان يؤيّد هذا القول في


1 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.


صفحه66

درسه الشريف ـ على ما ببالي ـ بأنّ هذه العلامة وردت في أحاديثنا وليس منها أثر في المذاهب الأُخرى ولا في أحاديثهم، وهذا دليل واضح على صدور هذا الحد في كلامهم(عليهم السلام).

وبه يظهر حال القول بالتسع في الانثى إذ لا يمكن الغاء هذه الروايات الهائلة برواية أو روايات شاذة اعرض عنها الأصحاب عبر قرون اللهم إلاّ إذا كان الهدف تسهيل الأمر على الناشئة، لغاية الرغبة إلى الدين الحنيف وهو كما ترى، اشبه بطلب النصر عن طريق غير صحيح اعاذنا الله واياكم من الزلل في القول والعمل.

   


صفحه67

 

أسئلة وأجوبة

ربّما تثار أسئلة حول هذه الروايات الدالة على أنّ سن البلوغ في الأُنثى هو التسع سنين، وهي ليست بمهمة ولا جديرة بالبحث، بيد أنّ مثيرها لمّا اختار خلاف القول المشهور عاد وأثار تلك الأسئلة لكي يضعّف بها أدلّة القول المشهور، ولولا انّه اتّخذ موقفاً مسبقاً في هذه المسألة لما جاد ذهنه بها، ولا أثارها خياله ووهمه.

وعلى أية حال فنقوم باستعراض تلك الأسئلة وتحليلها والجواب عنها:

1. التسع إمّا أمارة طبيعيّة أو تعبديّة

إنّ بلوغ التسع لا يخلو من حالتين، إمّا أن يكون أمارة طبيعية للبلوغ، أو أمارة تعبدية بحكم الشارع.

أمّا الأُولى: فلأنّ بلوغ الإناث الطبيعي يبدأ من السنة الثانية عشرة، والشاهد على ذلك أنّ إنبات الشعر على العانة وكذا الطمث لا يظهران إلاّ بعد فترة طويلة من التسع، فكيف تكون التسع أمارة طبيعية للبلوغ مع أنّه يتقدم زماناً على الأمارتين الأخيرتين اللّتين لا شكّ في أماريّتهما الطبيعيّة ولا معنى لأن تكون الثلاثة أمارة طبيعية مع أنّ واحدة منها دائمة التقدّم على الأخيرتين.

وأمّا الثانية: فلأنّ الإمام (عليه السلام) يعلّل كون التسع سن البلوغ بتحيّضها في


صفحه68

هذا السن.(1) ومع التعليل كيف يكون المعلّل أمراً تعبديّاً؟

يلاحظ عليه: أنّه لا شكّ انّ التسع أمارة طبيعية للبلوغ كشف عنها الشارع، لأنّ المراد من البلوغ هو حدوث طفرة أو قفزة نوعيّة في مزاج الإنسان وبُنيته تؤثر في عظمه ولحمه وعصبه وحاسته وفكره شيئاً فشيئاً، ولا دليل على ظهور جميع آثار البلوغ دفعة واحدة، لأنّ له درجات ومراتب تختلف شدّة وضعفاً فتظهر آثار البلوغ تدريجياً حسب تقدّم سنِّ الإنسان نحو الأمام.

فعلى ضوء ذلك فلا مانع من أن يكون التسع أمارة طبيعية كإنبات الشعر والتحيّض، غير انّ التسع أمارة لأُولى المراحل، بخلاف الأخيرتين فإنّهما علامتان للمراحل المتأخرة، ولأجل ذلك لو جهل سن الجارية وظهرت عليها العلامتان الأخيرتان يحكم عليها بسبق البلوغ، فهما علامتان عند الجهل بالسنِّ.

ومنشأ الاعتراض هو تصور أنّه ليس للبلوغ إلاّ مرتبة واحدة وهو البلوغ الجنسي الذي تظهر آثاره عند إنبات الشعر أو تحيّض الجارية، فعند ذلك عاد يطرح السؤال السابق، بأنّه كيف يكون التسع سنين أمارة طبيعية للبلوغ مع أنّ البلوغ الطبيعي (الجنسي) يتأخر عن التسع بسنتين أو أكثر؟!

وقد عرفت أنّه لا يراد من البلوغ، البلوغُ الجنسي بل بلوغ الجارية حدّاً ومرتبة تلازم الطفرة النوعية في مزاجها وبُنْيتِها، وقد كشف الشارع عن مبدئه،


1 . الوسائل: 13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث 12، وقد مرّ برقم 6.


صفحه69

وهو التسع سنين، ويحتمل سبق البلوغ على هذا الحدّ، لكن الشارع اختاره موضوعاً للتكاليف.

2. منشأ الترديد بين التسع والعشر

لو كان التسع هو الحدّ الشرعي للبلوغ، فلماذا نجدُ الترديد بينه وبين العشر في قسم من الروايات؟ فمثلاً يقول الإمام الباقر (عليه السلام): «لا يُدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».(1)

ونرى مثل هذا الترديد في جانب الصبي، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «يُؤدَب الصبي على الصوم ما بين خمس عشرة سنة إلى ست عشرة سنة».(2)

وقال الشيخ الصدوق: روي أنّ الغلام يؤخذ بالصوم ما بين أربع عشرة إلى خمس عشرة سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك.(3)

وروى معاوية بن وهب عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال له: في كم يؤخذ الصبي بالصيام؟ قال: «ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة».(4)

أقول: إنّ الهدف في الحديث الأوّل هو تحديد الموضوع لجواز الدخول بالجارية والحدّالشرعي له هو التسع سنين، وأمّا الترديد بينه وبين العشر سنين فبما ان التخيير بين الأقل والأكثر غير معقول فلعلّه لأجل استحباب التأخير حتى تتكامل قابليتها أكثر ممّا مضى.


1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.

2 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 13.

3 . المقنع: 195، كتاب الصوم.

4 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.


صفحه70

والعجب أنّ المستشكل طرح ما ورد من الترديد في تأديب الغلام بين خمس عشرة إلى ست عشرة، وقد استقصينا الكلام في ذلك، وقلنا: إنّ مصبّ السؤال هو وظيفة الولي، ولا صلة له بالطفل. ومثله الترديد بين الأربع عشرة والخمس عشرة فهو لأجل بيان وظيفة الولي بين هذين الحدين.

وحصيلة الكلام عدم رجوع الترديد إلى بيان حدّالبلوغ وإنّما يعود إلى بيان وظيفة الولي بين هذين المقطعين.

3. جواز التزويج لا يناسب التعبدية

قال الإمام الباقر (عليه السلام): «الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليُتْم وزوجت وأُقيمت عليها الحدود التامة لها وعليها».(1)

ترى أنّه رتّب على التسع أُموراً:

أ. إقامة الحدود لها وعليها.

ب. جواز التزويج وذهاب اليتم عنها.

والأوّل من الأُمور التشريعية التي يكون تحديد مبدئها بيد الشارع وأمّا التزويج فهو من الأُمور الطبيعية الذي يتوقف على تكامل البنية المزاجية والبدنية والرغبة النفسية ولا دور للشارع بما هو مقنن ولا للوالدين في تحديد هذا الأمر.

يلاحظ عليه: أنّ الغاية من التزويج ليس هو خصوص الاستمتاع عن


1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2.


صفحه71

طريق الدخول بها حتى يقال بأنّ تلك الغاية لا تتحقّق إلاّ في السنين التي تعقب التسع، بل الغاية هو مطلق الاستمتاع بأنواعه وأقسامه، فلو كانت البنية المزاجية والبدنية تسوِّغ الاستمتاع بالدخول، كما هو كذلك في بعض المناطق الحارة لترتب عليه جميع تلك الاستمتاعات، وإلاّ لتوقف على حصول شرطه وهو الاستعداد المزاجي، فيكون للشارع دور في تحديد سن التزويج الذي يقصد منه مطلق الاستمتاع لا خصوص الدخول.

وليس هذا أمراً جديداً، فإنّ البلوغ السنّي والجنسي لا يكفيان في ذهاب اليتم بتمامه مع أنّ الإمام رتّبه على التسع أيضاً، بل يتوقف على وجود الرشد المالي، قال سبحانه: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) .(1)

4. قصور التسع عن التصرف المالي

ثمة طائفة من تلك الروايات رتبت على البلوغ السنّي جواز التصرف، ولا شكّ أنّ البلوغ السنّي وحتى الجنسي كالاحتلام والحيض لا يكفيان لتسليم المال إلى الغلام والجارية، بل يتوقف على استئناس الرشد منهما، فإذا فرض الشارع في سن التسع، جواز تصرفها في أموالها يكشف عن كون ذات التسع في مورد الروايات امرأة ناضجة جنسياً إلى حدّ سوّغ الإمام دفع مالها إليها، وعلى ذلك لا يكون دليلاً على أنّ التسع بما هو تسع موضوع للحكم بل التسع الملازم لدفع المال، وهو غير قول المشهور.


1 . النساء:6.


صفحه72

أقول: إنّ التسع أخذ موضوعاً لعدّة من الأحكام ومنها تسليم مالها إليها لكن لا بمعنى أنّها علّة تامة للدفع، وإنّما هي مقتضية لهذا الحكم أي أنّ لذات التسع ذلك الشأن بخلاف ما دونها، وليس معنى ذات الشأن أنّها كذلك بالفعل، بل ربما يتوقف على حصول شرط آخر، وهو استئناس الرشد، فإن كانت ذات التسع رشيدة في الأُمور المالية يدفع إليها مالها، وإلاّفيصبر الوليّ إلى حصول الرشد. فلا وجه للقول بأنّ الموضوع هو التسع الملازم لدفع المال حتى يغاير قول المشهور بأنّ التسع ذات الاقتضاء لدفع المال. ومبدأ الإشكال أنّه تصوّر انّ ذات التسع علّة تامة لدفع المال وغفل عن كونها علّة مقتضية كما صوّرها القرآن الكريم، حيث قال: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ).

تجد انّه سبحانه لم يقتصر على بلوغ النكاح فقط بل ذكر شرطاً آخر وهو استئناس الرشد منهم، فالروايات كنفس الآية ناظرة إلى الاقتضاء لا إلى العلة التامة، فإن كان الشرط الآخر موجوداً يدفع المال إليها وإلاّ فينتظر.

5. التسع موضوع لقسم من الأحكام لا كلّها

وقد وقع بلوغ التسع في هذه الروايات موضوعاً لقسم من الأحكام، كإقامة الحدود، والتصرف بالأموال وجواز الدخول، والخروج عن اليتم، ولا دليل على أنّه أيضاً موضوع للصيام والحج، والزكاة والصلاة والستر.

يلاحظ عليه: لو افترضنا عدم وجود دليل عام لترتب عامة الأحكام عليه، فيكفي في المقام القياس الأولوي، فإذا حكم عليه بالقطع والجلد،


صفحه73

والرجم والتصرف في الأموال والدخول، فالأولى أن يكون محكوماً بالأحكام الشرعية، على أنّ جواز التصرف في الأموال كاشف عن رشدها وهو يلازم البلوغ غالباً، قال سبحانه: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ).(1) ترى أنّه سبحانه يرتّب التصرف في الأموال، على أمر زائد على البلوغ، فإذا كانت التسع موضوعاً لمثل تلك الأحكام يكشف عن وصولها قمة البلوغ حتى فوضت إليها أموالها. فيترتب عليه سائر الاحكام من وجوب الصلاة والصيام.

أضف إلى ذلك أنّ هنا روايات تدل على ترتّب كلّ الأحكام على من بلغت التسع نظير:

صحيحة ابن سنان: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة، وكتبت عليه السيئة، وعوقب; وإذا بلغت الجارية تسع سنين كذلك».(2)

ويؤيدها خبر المروزي عن الرجل (عليه السلام)قال: «إذا تم للغلام ثمان سنين فجائز أمره، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود، وإذا تم للجارية تسع سنين فكذلك».(2)

والفقيه إذا نظر إلى هذه الروايات في مختلف الأبواب والأحكام، بذهن صاف غير مشوب بالشُبَه والاستحسانات، يقضي بأنّ الشارع، قد أخذ تسع سنين مبدأً للبلوغ ورتّب عليه عامة أحكام البالغين، غاية الأمر لو فقدت الجارية في بعض المناطق، الشرائط اللازمة من القابليات والقدرات بالنسبة إلى بعض الأحكام يُنظر إلى حصولها في المستقبل.


1 . النساء:6.   2 . مرّ برقم 6.

2 . مرّ برقم 8.


صفحه74

 

6. قضايا خارجية لا حقيقية

وربّما يتخيل ان ما ورد عنهم(عليهم السلام)من تحديد البلوغ بالتسع من مقولة «قضايا خارجية» ناظرة إلى ناشئة أعصارهم(عليهم السلام)وبيئتهم ومناقطهم.

ويلاحظ عليه:

ان ما ورد عنهم(عليهم السلام)في بيان الشريعة الإسلامية الغرّاء كلّها قضايا حقيقية لا خارجية، فتكون حجّة في سائر الأعصار وعلى كلّ الأجيال، فإنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)عيبة علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ومصادر الشريعة بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتخصيص بعض أحاديثهم ـ ككون التسع آية البلوغ ـ بعصرهم وبيئتهم أمر لا يُعتد ولا يعتنى به. فكيف يدّعي من يرجّح عدد الثلاث عشر أو التحيّض بأنّ ما دلّ على حدّ هو تسع سنين، من قبيل القضايا الخارجية، ناظر إلى جواري عصر صدر الإسلام لا سائر الأعصار؟!

إذ من العجب أنّ الإمام (عليه السلام)ـ حسب نظر القائل ـ قام ببيان حكم عصره دون العصور الآتية، وقام ببيان حكم الجواري المتواجدين في بيئته وبلده دون سائر البلدان .

أضف إلى ذلك ان هذا الاحتمال يتطرق إلى كل ما صدر عنهم(عليهم السلام)وهذا يورث عدم ثبات الاحكام في اعصارنا المتأخرة.

   


صفحه75

 

2

حدّ البلوغ في الأُنثى هو الثلاث عشرة سنة

هذا هو الاحتمال الثاني في بلوغ الأُنثى ولم نجد بين المتقدّمين والمتأخرين من اعتمد على ذلك الوجه غير ما يظهر من المحقّق الكاشاني:

ويمكن الاستدلال عليه بأُمور:

1. موثقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها وجرى عليها القلم».(1)

والسند مثل الدلالة معتبر إنّما الكلام في صحّة الاحتجاج إذ فيها:

أوّلاً: أنّ مضمونه لا يوافق المدعى، لأنّها تضمّنت كون المعيار: ثلاث عشرة سنة إلاّ إذا حاضت قبل ذلك فعلى ذلك يجب تغيير العنوان بالنحو التالي: حد البلوغ هو الثلاث عشرة سنة إلاّ إذا حاضت قبل ذلك.

وثانياً: أنّها رواية أعرض عنها الأصحاب في المقيس عليه (الغلام)


1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.


صفحه76

فضلاً عن المقيس (الجارية)، وعمار وإن كان متهماً بالفطحية (وإن قيل بعدوله عنها إلى الطريقة الحقّة)، لكنّه ثقة بلا كلام إلاّ انّه يعمل برواياته في غير ما ينفرد بنقله، وقد نقل الشيخ الطوسي في «التهذيب» عن جماعة من الأصحاب انّ ما ينفرد عمار بنقله لا يعمل به.(1)

أضف إلى ذلك أنّ روايات عمار لا تخلو من اضطراب، وقد اتّهم بعدم إجادته للعربية.

قال المحدّث البحراني: لا يبعد أن تكون هذه الرواية من قبيل ما يقع في رواياته من التهافتات والغرائب.(2)

2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: إذا بلغ أشده، ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات وجاز له كلّ شيء إلاّ أن يكون ضعيفاً أو سفيهاً.(3)

وجه الدلالة أنّ الرواية بصدد تفسير «بلوغ الأشد» الوارد في القرآن الكريم وهو غير مختص بالغلام بل يعمّه والجارية، قال سبحانه: (وَ وَصَّيْنَا الإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحساناً حَمَلَتْهُ أُمّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً حتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ).(4)


1 . تنقيح المقال: 2/319، ترجمة عمّار.

2 . الحدائق الناضرة: 13/185.

3 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 11.

4 . الأحقاف: 15.


صفحه77

فتكون النتيجة أنّ بلوغ الأشد هو الحد المشترك بين الغلام والجارية، وقد فسّر بثلاث عشرة سنة.

أقول، أوّلاً: إنّ الآية لا تدل على أزيد من أنّ بلوغ الأشد هوحدّ البلوغ في الغلام والجارية، ولكن لا تدلّ على أنّ بلوغ الأشد في كلا الصنفين يتحقّق في زمان واحد، إذ من المحتمل أن يكون ظرف حصوله في أحد الصنفين متقدماً على حصوله في ظرف آخر، وتصديق ذلك سهل بالنظر إلى أنّهما صنفان من نوع واحد ومن المحتمل اختلافهما في سرعة النضوج وبطئه، وقد دلّت التجارب العلمية على أنّ الموجود، الضعيف البنية، أسرع رشداً من الموجود القوي البنية، مثلاً الازهار تنمو كل يوم أكثر من نمو شجرة الصنوبر، ومن المعلوم أنّ الذكور أقوى بنية من الإناث وهذا شيء لا يمكن إنكاره.

وبذلك تبيّن عدم صحّة الاستدلال بالرواية على المدعى، فإنّ تطبيق بلوغ الأشد في الغلام على ثلاث عشرة، لا يصلح دليلاً على كون الجارية كذلك وانّ بلوغ الأشدّ فيها، بإتمامها الثلاث عشرة كما لا يخفى إذ اشتراكهما في أمر، لا يدل على وحدة زمانه فيهما.

وحصيلة الكلام: أنّ الغلام والجارية يبلغان عند بلوغ الأشد، وأمّا انّ الغاية تتحقق في كلا الصنفين على نحو واحد فهذا ممّا لا تدل عليه الآية ولا الرواية.

وثانياً: الظاهر أنّ لعبد اللّه بن سنان رواية واحدة نقلت بصور وأسانيد مختلفة في الباب الرابع والأربعين من أبواب أحكام الوصايا، وما ذكرناه


صفحه78

إحدى تلك الصور، وإليك الإشارة إلى الصورتين الأخيرتين:

أ. عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول اللّه عزّوجلّ: (حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ)قال: «الاحتلام...».

ب. عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة».

فالصورة الأُولى من الأخيرتين ظاهرة في الذكر بشهادة أنّه فسّر بلوغ الأشد بالاحتلام، وهو منصرف إلى الذكور لا الإناث وإن قلنا بصحّة احتلامها، ووجه الانصراف إنّما هو كثرة استعماله في الذكور، وقلّة استعماله في الإناث لا كثرة الوجود حتى يقال انّ الثانية لا تصلح للإنصراف.

كما أنّ الصورة الثانية بشهادة لفظ الغلام صريحة في الذكور، ومع هذا الاختلاف في نقل رواية واحدة كيف يمكن استفادة حكم الأُنثى بحجّة انّ الإمام فسّر بلوغ الأشد بثلاث عشرة سنة.

3. خبر أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة وأربع عشرة» قلت: فإنّه لم يحتلم فيها، قال: «وإن كان لم يحتلم، فإنّ الأحكام تجري عليه».(1)

   

وجه الاحتجاج أنّ الصبيان وإن كان جمع الصبي، ولكنّه يستعمل في جنس الصبي، وقد جاء في غير واحد من الروايات لفظ الصبيان وأُريد منه مطلق الصغير.


1 . الوسائل: 13، الباب 45 من أحكام الوصايا، الحديث 3.


صفحه79

قال: روى إسحاق بن عمّـار، عن جعفر، عن أبيه، «إنّ عليّاً كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة».(1)

أقول: إنّ استعمال لفظة الصبيان في مطلق الصغير وإن كان صحيحاً ويشهد له كثير من الروايات، لكن القرينة في الرواية تدل على أنّه أُريد به خصوص الصبي، حيث قال في ذيل الرواية، قال: قلت: فإنّه لم يحتلم فيها، قال (عليه السلام): «وإن كان لم يحتلم ...».

فإنّ الاحتلام منصرف إلى الغلام دون الجارية حتى لو قلنا بصحّة احتلامها، فهو أمر نادر الوجود ولا يستعمل فيها إلاّ نادراً فلا ينصرف إليها اللفظ.

وبذلك ظهر أنّه لا دليل معتبر على أنّ حدّ البلوغ في الجارية هو الثلاث عشرة إلاّ موثقة عمار مع أنّ الحكم في المقيس عليه فيها، أعني: الغلام، معرض عنه، فكيف يستدل به على المقيس أي الجارية؟!

علاج الروايات

الظاهر أنّه لا جمع دلالي مقبول بين الطائفتين من الروايات، فتصل النوبة إلى الترجيح، ومن المعلوم أنّ الترجيح مع التسع لوجوه:

الأوّل: انّ الحدّ المذكور قد دلّ عليه ما يناهز خمساً وعشرين رواية بين صحيح وموثّق وحسن وضعيف، وكلّ واحد منها وإن كان خبر واحد، لكن المجموع يفيد القطع بصدوره عن الأئمّة (عليهم السلام)، والتواتر اللفظي وإن كان


1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 6.


صفحه80

غير متحقّق، لكن التواتر المعنوي ـ أعني: الجامع بين مضامين تلك الروايات ـ متحقّق، ومعه كيف يمكن العدول منها إلى غيرها؟!

فلو أخذنا بالثلاث عشرة يلزم رفض ما ثبت وروده بالتواتر الإجمالي، وهذا بخلاف الثلاث عشرة، فإنّه لم يدل عليه إلاّ خبر واحد، وهو موثّقة عمّـار، وأمّا دلالة الخبرين الأخيرين فإنّما كانت باستنباط المستدل، لا بالدلالة اللفظية، حيث إنّ إسراء حكم الغلام المذكور فيهما إلى الجارية كانت نظرية لا دلالة.

الثاني: انّ الشهرة العملية مع الطائفة الأُولى، وقد أمر الإمام الصادق (عليه السلام)في مقبولة عمر بن حنظلة بأخذ المجمع عليه عند الأصحاب، قال: «ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمعَ عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويُترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه».(1)

ومن نظر إلى الكتب الفقهية الاستدلالية أو الفتوائية يجد القول الأوّل مشهوراً متّفقاً عليه، والقول الثاني شاذاً متروكاً، وقد ذكرنا في أبحاثنا الأُصولية (2): إنّ الشهرة العملية ليست من مرجّحات إحدى الحجّتين على الأُخرى، بل هي من مميزات الحجّة من اللا حجّة، بشهادة أنّ الإمام جعل المجمع عليه لا ريب فيه، ومعنى ذلك أنّ خلافه فيه كلّ الريب الذي يساوي الباطل لا فيه بعض الريب، وإلاّ فلو كان المخالف ما فيه الريب، يلزم اجتماع


1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

2 . المحصول في علم الأُصول: 3/207.


صفحه81

اليقين بالشيء مع احتمال خلافه، وهو أمر محال، وذلك لأنّ اتّفاق الأصحاب ـ حسب تعبير الإمام ـ ممّا لا ريب فيه، وما هو كذلك يورث اليقين، ولازم ذلك أن يكون الطرف المقابل ممّا لا ريب في بطلانه، وإلاّ فلو كان فيه الريب بمعنى احتمال صدقه يلزم اجتماع اليقين بالشيء، مع احتمال خلافه.

فالشاذ النادر داخل في بيّن الغيّ من أقسام التثليث الوارد في ذيل المقبولة، لا في القسم الثالث وهو الأمر المشكل الذي يرد علمه إلى اللّه ورسوله.

الثالث: انّ المتتبع في سيرة أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) يقف على أنّهم كانوا يتركون ما سمعوه شفاهاً من لسان الإمام، ويأخذون بما اتّفقت عليه كلمة بطانتهم، وهذا يرشدنا إلى أنّ ما اتّفق عليه الأصحاب بما أنّهم بطانة علوم الأئمّة مقدّم على ما سمعوه من نفس الإمام، لاحتمال وجود التقية فيما سمعوه دون ما اتّفقوا عليه، نظراً لوقوفهم على فتوى الإمام عن كثب.

روى سلمة بن محرز، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ رجلاً مات وأوصى إليّ بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: «اعطها النصف» قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتّقاك إنّما المال لها، قال: فدخلت عليه بعد فقلت: أصلحك اللّه إنّ أصحابنا زعموا أنّك اتقيتني، فقال: «لا واللّه ما اتقيتك، ولكنّي اتقيت عليك أن تضمن فهل علم بذلك أحد؟» قلت: لا، قال: «فاعطها ما بقي».(1)

إنّ لشيخنا المفيد كلمة قيّمة، يجب على مَن يُفتي بكل خبر، ولا يراعي


1 . الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد، الحديث 3.


صفحه82

ضوابط حجّيته، أن يطالعها ويتدبّر فيها ونحن نأتي ببعضها:

قال: «إنّ المكذوب منها لا ينتشر بكثرة الأسانيد، انتشارَ الصحيح المصدوق على الأئمّة (عليهم السلام) فيه، وما خرج للتقية لا تكثر روايته عنهم، كما تكثر رواية المعمول به، بل لابدّ من الرجحان في أحد الطرفين على الآخر من جهة الرواة حسب ما ذكرته».

«ولم تجمع العصابة على شيء كان الحكم فيه تقية ولا شيء دلّس فيه ووضع مخروصاً عليهم وكذب في إضافته إليهم، فإذا وجدنا أحد الحديثين متفقاً على العمل به دون الآخر علمنا أنّ الذي اتّفق على العمل به هو الحقّ في ظاهره وباطنه، وانّ الآخر غير معمول به، إمّا للقول فيه على وجه التقية، أو لوقوع الكذب فيه».

«وإذا وجدنا حديثاً يرويه عشرة من أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) يخالفه حديث آخر في لفظه ومعناه، ولا يصحّ الجمع بينهما على حال، رواه اثنان أو ثلاثة، قضينا بما رواه العشرة ونحوهم على الحديث الذي رواه الاثنان أو الثلاثة، وحملنا ما رواه القليل على وجه التقية أو توهم ناقله».(1)

فتدبّر في ما رواه جماهير الأصحاب في بلوغ الأُنثى، وما تفرد به عمّـار.

   

هذه مكانة الشهرة الفتوائية، وقيمة الإعراض عن الرواية، فالعدول عن هذه السيرة والتمسك بشواذ الروايات، عدول عن الطريق المهيع.


1 . تصحيح الاعتقاد:71، ط تبريز.


صفحه83

 

3

المعيار هو الطمث والحيض

وهذا هو القول الثالث في بلوغ الأُنثى، وحاصله: أنّ المعيار في الحكم على الجارية بالبلوغ هو رؤية الدم المعبَّر عنه بالطمث والتحيّض، وهي أمارة طبيعية على نضوج المزاج وخروجها عن الصبا، ويدلّ عليه لفيف من الروايات:

1. صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك أنّها تحيض لتسع سنين».(1) والتعليل يحكي عن كون المدار هو رؤية الدم، ولو قيل بالتسع سنين فإنّما هو لأجل كونها ترى الدم في هذا السن.

يلاحظ عليه: أنّ الدليل لا ينطبق على المدّعى، لأنّ المدّعى كون المعيار هو التحيّض بالفعل، ومن المعلوم عدم تحقّقه في ذلك السنّ غالباً لأنّ التجارب أثبتت أنّ المتعارف في الجواري أنّهنّ يرين الدم من ثلاث عشرة، لا قبلها إلاّ قليلاً، وعندئذ كيف يمكن أن يُفسر التعليل بالتحيّض الفعلي، حتى ينطبق على المدّعى، فلا مناص من حمل التعليل على الشأن والاستعداد والاقتضاء، أي بما أنّ لهنّ ذلك التهيّؤ للطمث حُكِم عليهنّ بكتابة


1 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 12.


صفحه84

الحسنات والسيئات في ذلك السن، وربما ينقلب ذلك الشأن إلى الفعلية في النقاط الحارة، وقد عرفت أنّ النبي دخل على عائشة ولها عشر سنين وقد بلغت مبلغ المرأة.

أضف إلى ذلك: أنّه لو كان المدار على الحيض فلا وجه لإقحام عدد (تسع سنين) في ثنايا الكلام، بل كان اللازم أن يقول: «تبلغ الجارية إذا حاضت» فقط.

على أنّ هنا احتمالاً آخر وهو: أنّ التحيّض من مقولة الحكمة لا العلة، والفرق بينهما واضح، لأنّ الحكم في العلة يدور مدارها ولا يشذ عنها قيد شعرة، فإذا قال: الخمر حرام لإسكاره، تصل الحرمة إلى كلّ مسكر وإن لم يكن خمراً، بخلاف الحكمة فالحكم ربّما يكون أوسع منها، مثلاً يجب على المرأة المدخول بها بعد أن تطلّق، الاعتداد بثلاثة قروء، وما ذلك إلاّ لاستبراء رحمها من الحمل، فإن كانت ذات ولد تخرج من العدّة بأبعد الأجلين، ومن المعلوم أنّ احتمال الولد حكمة ولذلك تجب العدّة حتّى مع القطع بخلو الرحم من الولد.

***

2. خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «على الصبي إذا احتلم، وعلى الجارية إذا حاضت، الصيام والخمار إلاّأن تكون مملوكة، فإنّه ليس عليها خمار، إلاّ أن تحب أن تختمر وعليها الصيام».(1)


1 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7 و 12 . والأخير مروي في الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات برقم10; و في الجزء 3، الباب 29 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3.


صفحه85

وإليه أشار الصدوق في «الفقيه» بقوله: «وفي خبر آخر: على الصبيّ إذا احتلم الصيام، وعلى المرأة إذا حاضت، الصيام».(1) وأسقط الخمار.

وأشار إليه في المقنع بقوله: وروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «على الصبي إذا احتلم الصيام، وعلى المرأة إذاحاضت، الصيام والخمار».(2)

أمّا المنقول عن أبي بصير، ففيه:

أوّلاً: أنّه ضعيف بابن أبي حمزة الواقفي البطائني أوّلاً، ومحمد بن القاسم الواقفي ثانياً، وروى الكشي عن نصر بن الصباح أنّه قال: القاسم بن محمد الجوهري لم يلق أبا عبد اللّه، وهو مثل ابن أبي غراب، وقالوا: إنّه كان واقفياً، وهو واقفي غير موثق، وقد رد جمع من الفقهاء روايته، منهم: المحقّق في «المعتبر» حيث قال: والجواب، الطعن في السند، فإنّ القاسم بن محمد واقفي، وفي «المسالك»: إنّ القاسم بن محمد لم يوثق مع أنّه واقفي.(3)

والعجب من بعض أهل التحقيق حيث وصف الرواية بالصحّة في كلام له حول بلوغ الأُنثى.(4)

وأمّا المنقول عن الصدوق فهو نفس خبر أبي بصير، نقل بتجريد السّند، وقال: وفي خبر: «على الصبي إذا احتلم...» كما عبر عنه في «المقنع»


1 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7 و 12 . والأخير مروي في الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات برقم10; و في الجزء 3، الباب 29 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3.

2 . المقنع:195، باب الوقت الذي يؤخذ الصبي فيه بالصوم.

3 . تنقيح المقال: 3/24.

4 . لاحظ مجلة «الفكر الإسلامي» العدد 3و4 تحت عنوان «متى تصوم الجارية».


صفحه86

بقوله: وروي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، ولم ينسبه إلى الصادق جازماً، وما يظهر من كلام البعض أنّه قال: قال الصادق، فلا يوافق المصدر.

وثانياً: أنّ الرواية عطفت الخمار على الصيام فلازم ذلك الالتزام بعدم وجوبه عليها إلاّإذا حاضت وهل يمكن الالتزام بذلك؟

وثالثاً: أنّ صدر الرواية قابل للجمع بينه وبين قول المشهور، وهو كون المعيار في الغلام خمس عشرة سنة، ولكن ذيل الرواية غير قابل للجمع بينه وبين قول المشهور وهو كون المعيار في الجارية التسع.

توضيح الأمرين: أنّ تعليق وجوب الصيام على الصبي في صدر الرواية، بالاحتلام، لا ينافي وجوبه ببلوغ خمس عشرة سنة، لأنّه محمول على ما إذا تقدّم الاحتلام على البلوغ بالسن، وهو ليس أمراً نادراً وإن كان قليلاً. غاية الأمر ترفع اليد عن مفهوم الجملة الشرطية الدالّة على عدم وجوبه عليه ما لم يحتلم وإن بلغ الخمس عشرة.

وأمّا قوله: «وعلى الجارية إذا حاضت الصيام»، فلا يمكن تصحيحه بحمله على تقدّم الحيض على التسع، لأنّه نادر جداً، ولا يمكن حمل الرواية عليه، إذ معناه لغوية كون الطمث دليلاً على بلوغ الأُنثى، لتقدّم الدليل الآخر عليه وهو التسع سنين. ولا معنى لجعل شيء علامة، تتقدّمها علامة أُخرى دائماً، فلا مناص من طرح الذيل والأخذ بالمشهور رواية وفتوى.

أضف إلى ذلك: أنّه يحتمل ان يكون الاعتماد على الحيض في موارد جهل حال الأنثى من حيث السن كما هو الغالب في العوائل السابقة واما إذا علم السن فالاعتماد عليه لا على الطمث.

3. موثقة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر


صفحه87

سنين يحج، قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت».(1)

4. معتبر شهاب(2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن ابن عشر سنين يحج، قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت».(3)

يلاحظ أنّ الحديثين بقرينة وجود السؤال عن وجوب الحج على ابن عشر سنين، وبقرينة ما رواه مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: لو أنّ غلاماً حجّ عشر حجج، ثمّ احتلم كانت عليه فريضة الإسلام.(4) بصدد نفي ما ارتكز في ذهن السائلين من وجوب الحجّ في عشر سنين وانّه لو حجّ، لكفى عن حجّة الإسلام، فردّ الإمام ذلك الزعم بأنّ الحجّ يجب بعد البلوغ، من غير فرق بين الذكر والأُنثى، ولأجل التركيز على أمرملموس من علائم البلوغ، أشار إلى الاحتلام في الذكر والطمث في الجارية، حتى يقع الرد موقعه، ومع هذا لا يمكن استفادة الانحصار من الحديثين وانّه لولا الاحتلام في الغلام والطمث في الأُنثى لما وجب، وهذا واضح لمن تدبّر الروايتين.

5. معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «أتى علي (عليه السلام) بجارية لم


1 . الوسائل: 8، الباب 12 من أبواب وجوب الحج، الحديث 1.

2 . هو شهاب بن عبد ربّه بن أبي ميمونة، وثّقه النجاشي في ترجمة ابن أخيه إسماعيل بن عبد الخالق برقم 49.

3 . الوسائل: 8، الباب 12 من أبواب وجوب الحج، الحديث 2.

4 . الوسائل: 8، الباب 13 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 1.


صفحه88

تحض قد سرقت فضربها أسواطاً ولم يقطعها».(1)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية تحكي عملاً للوصي(عليه السلام)، وهو عدم القطع، وليس صريحاً في أنّ عدم القطع لأجل عدم البلوغ وإن كان ظاهراً فيه، بل من المحتمل عدم إحراز الشرائط اللازمة في القطع، كما يحتمل أن يكون لأجل عفو الإمام عنها لعدم ثبوت السرقة بالبيّنة، بل بالإقرار وقد تقرر في محلّه أنّه إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، وإذا أقرّ الشخص على نفسه فذاك إلى الإمام إن شاء عفا وإن شاء قطع.(2) على أنّ الحدود تدرأ بالشبهة.(3) وكفى فيها وجود الشك ـ مع عدم الطمث ـ في بلوغها التسع سنين.

6. ما رواه الصدوق بسند ضعيف، عن يونس بن يعقوب أنّه سأل أبا عبد اللّه عن الرجل يصلّي في ثوب واحد، قال: «نعم» قال: قلت فالمرأة؟

قال: «لا، ولا يصلح للحرة إذا حاضت إلاّ الخمار إلاّ أن لا تجده».(4)وسند الصدوق إلى يونس بن يعقوب ضعيف.

7. روى عبد اللّه بن جعفر الحميري في «قرب الإسناد»، عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام)قال: «إذا حاضت الجارية فلا تصلّي إلاّ بخمار».(5)

والسندي: هو أبان بن محمد، ابن اخت صفوان بن يحيى، وثقه


1 . الوسائل: 18، الباب 28 من أبواب السرقة، الحديث 6.

2 . الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 3.

3 . الوسائل: 18، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 4.

4 . الوسائل: 3، الباب 28 من أبواب لباس المصلي، الحديث 4.

5 . الوسائل: 3، الباب 28 من أبواب لباس المصلي، الحديث 13.


صفحه89

النجاشي، إلاّ أنّ الكلام في أبي البختري وهو وهب بن وهب الذي يصفه النجاشي بقوله: روى عن أبي عبد اللّه، وكان كذاباً وله أحاديث مع الرشيد في الكذب، ووصفه الشيخ بالضعف وانّه عامي المذهب.(1)

8. روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لا تصلح للجارية إذا حاضت إلاّ أن تختمر إلاّ أن لا تجده».(2)

9. روى الصدوق بسند غير نقيّ عن محمد بن مسلم، قال: وسألته عن الأمة إذا ولدت، عليها الخمار، قال: «لو كان عليها، لكان عليها إذا هي حاضت وليس عليها التقنع».(3)

10. روى النوري في «المستدرك» عن «الجعفريات» بسند عن علي (عليه السلام)قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تقبل صلاة جارية قد حاضت حتى تختمر».(4)

وما نقله في «المسالك»، يرجع إلى هذه الروايات، قال: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلاّهذا» وأشار إلى الوجه والكفين وقوله: «لا تقبل صلاة حائض إلاّ بخمار».(5)

هذه الروايات الخمس تؤكد على خصوص الخمار مطلقاً أو في حال


1 . تنقيح المقال:3/282.

2 . الوسائل: 14، الباب 126 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1.

3 . الوسائل: 3 ، الباب 29 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7.

4 . مستدرك الوسائل: 3، الباب 22 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1.

5 . مسالك الافهام:1/247.


صفحه90

الصلاة، ولا تشير إلى سائرالأحكام المترتبة على البلوغ، فلو صحّ الأخذ بها مع غض النظر عن إعراض المشهور عنها فتحمل على تأكّد الوجوب.

ثمّ إنّ الذي يورث الريب في هذه الخمسة الأخيرة، ورود مضمونها من طرق غيرنا فقد رووا عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقبل اللّه صلاة حائض إلاّ بخمار». قال ابن حجر: رواه الخمسة إلاّ النسائي، وصحّحه ابن خزيمة.(1)والمراد من الحائض، هو من حاضت، وإلاّ فالصلاة في حالة الحيض ساقطة.

اضف إلى ذلك انّه لا مانع من اتخاذ الحيض دليلاً على البلوغ فيما إذا جهل حال الأنثى من حيث السن فلا مانع من حمل هذه الروايات على تلك الحالة.


1 . بلوغ المرام:42، الحديث 221.


صفحه91

 

4

للبلوغ مراتب حسب اختلاف الأحكام

وهذا هو النظر الرابع وهو خيرة الفيض الكاشاني في «مفاتيح الشرائع» ولننقل نصه:

قال: والتوفيق بين الأخبار يقتضي اختلاف معنى البلوغ بحسب السن بالإضافة إلى أنواع التكاليف كما يظهر ممّا روي في باب الصيام: أنّه لا يجب على الأُنثى قبل إكمالها الثلاث عشرة سنة، إلاّ إذا حاضت قبل ذلك. وما روي في باب الحدود أنّ الأُنثى تؤاخذ بها، وهي تؤخذ لها تامة إذا أكملت تسع سنين.

إلى غير ذلك ممّا ورد في الوصية والعتق ونحوهما أنّها تصح من ذي العشر.(1)

وأورد عليه في «الجواهر» وقال:

1. إنّ ما ذكره مخالف لإجماع العلماء فإنّهم مع اختلافهم في حدّ البلوغ بالسن مجمعون على أنّ البلوغ الرافع للحجر هو الذي يثبت به التكليف، وانّ الذي يثبت به التكليف في العبادات هو الذي يثبت به التكليف


1 . مفاتيح الشرائع:14، المفتاح الثاني.


صفحه92

في غيرها، وانّه لا فرق بين الصلاة وغيرها من العبادات فيه.

بل هو أمر ظاهر في الشريعة ومعلوم من طريقة فقهاء الفريقين، ولم يسمع من أحد منهم تقسيم الصبيان بحسب اختلاف مراتب السن بأن يكون بعضهم بالغاً في الصلاة غير بالغ في الزكاة أو بالغاً في العبادات دون المعاملات، أو بالغاً فيهما غير بالغ في الحدود وما ذاك إلاّ لكون البلوغ بالسن أمراً متحداً غير قابل للتجزئة والتنويع.(1)

واختار التفصيل نفسه بعض المحقّقين المعاصرين وحاصله: أنّ البلوغ بمراتبه المختلفة موضوع لأحكام كذلك.

1. ففي مجال العقائد يكفي إجراء الشهادتين على اللسان عن وعي ودرك وإن لم يبلغ الخمس عشرة سنة من الذكور، والتسع في الأُنثى، فلو أسلم ولد الكافر وأذعن بهما كإذعان سائر الأفراد، فهو محكوم بالإسلام، ويخرج عن كونه تابعاً لوالديه.

2. وفي مورد العقود، كالبيع والإجارة والرهن والإيصاء والعتق والطلاق يكفي البلوغ إلى عشر سنين بشرط الرشد الفكري والعقلاني.

3. وبالنسبة إلى الحدود والتعزيرات يكفي بلوغ الأُنثى مبلغ النساء، ومن علائمه التزويج، وتعالي البنية البدنية وإن لم تبلغ العشر.

4. وفي مجال العبادات، يكفي أحد الأمرين الطمث، أو البلوغ إلى ثلاث عشرة سنة خصوصاً في الصوم.(2)


1 . جواهر الكلام :26/41.

2 . كاوشى در فقه:251.


صفحه93

يلاحظ عليه:

أوّلا: أنّ هذا التفصيل، يخالف ما تواتر إجمالاً عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)من أنّ حدّ البلوغ في الأُنثى هو التسع في الأحكام الشرعية إلاّ ما خرج بالدليل، وهي من الكثرة بمكان لا يمكن طرحها بتاتاً، اللّهمّ إلاّ أن يقصد من كلامه في الشق الثاني «عشر سنين»، هو إكمال التسع والدخول في العشر، فعندئذ فقد عمل بها في مورد العقود.

ثانياً: لا يراد من صحّة عقود البالغ، مجرد إجراء الصيغة اللفظية
وكالة عن الغير، بل مباشرتها بنفسه، ومن المعلوم أنّها فرع مؤّهلات وقابليّات البائع، والموجر والراهن والمطلّق، فإذا كان بلوغ العشر مع الرشد المناسب كافياً للموضوع، فلماذا لا يكون كافياً في مجال العبادات التي لا تتجاوز
عن عدّة ركعات، وإمساك عن الطعام والشراب مدّة قصيرة. فالقياس
الأولوي يستدعي عطف العبادات على المعاملات في تحديد سن البلوغ مع شرطه.

ثالثاً: انّ القول بكفاية أحد الأمرين من الطمث أو البلوغ إلى ثلاث عشرة سنة يعتمد على موثقة عمار، يرويها فطحي عن فطحي إلى أن تصل إليه، وقد عرفت أنّ الرواية متروكة، انفرد بها عمار، ونقل الشيخ في «الاستبصار» انّ الأصحاب لا يعملون بمتفرّداته، فكيف يصحّ الاعتماد على حديث معرض عنه طيلة قرون. وإنّي أجلّ شيخنا المحقّق العزيز أنار اللّه برهانه عن الإفتاء بهذا التفصيل الذي يوجب الفوضى في المجتمع الإسلامي


صفحه94

ويُضفي على المسألة إجمالاً وإبهاماً، ولعلّه ـ دام ظلّه ـ يجدد النظر فيما أفاد.

رحم اللّه الماضين من علمائنا وحفظ اللّه الباقين منهم والحمد للّه ربّ العالمين


صفحه95

الرسالة الثانية

الصلاة جماعة بالاستدارة

حول الكعبة


صفحه96

صفحه97

الصلاة جماعة بالاستدارة حول الكعبة   

كان لكلّ مذهب من المذاهب الأربعة مقام خاص في المسجد الحرام، يقوم فيه إمام المذهب ويقتدي به المصلّون، كل إمام في ضلع من أضلاع الكعبة المشرفة، وبعد أن جاء السعوديون إلى منصَّة الحكم أزالوا هذه المقامات الأربعة وجعلوها مقاماً واحداً لإمام من الحنابلة فقط، وبذلك أعادوا الصلاة جماعة استدارة حول الكعبة الشريفة.

وأصبحت هذه المسألة مورد بحث ونقاش بين فقهائنا من جديد بعدما كانت المسألة معنونة في كتب المتقدمين أيضاً ، وقبل الخوض في دراسة دليل المسألة صحة وفساداً نقدم أُموراً:

الأوّل: تاريخ ظهور الصلاة جماعة بهذه الكيفية

يظهر من الأزرقي في «تاريخ مكة المكرمة» أنّ أوّل من أدار الصفوف حول الكعبة هو خالد بن عبدالله القسري، يقول: كان الناس يقومون قيام شهر رمضان في أعلى المسجد الحرام تركّز حربة خلف المقام بربوة فيصلي الإمام خلف الحربة، والناس وراءه فمَن أراد صلى مع الإمام ومَن أراد طاف بالبيت وركع خلف المقام، فلمّا ولي خالد بن عبدالله القسري مكة لعبد الملك بن مروان وحضر شهر رمضان، أمر خالد القراء أن يتقدّموا فيصلوا خلف المقام،


صفحه98

وأدار الصفوف حول الكعبة، وذلك أنّ الناس ضاق عليهم أعلى المسجد فأدارهم حول الكعبة.

فقيل له: تقطع الطواف لغير المكتوبة، قال: فأنا آمرهم يطوفون بين كل ترويحتين سبعاً، فأمرهم ففصلوا بين كل ترويحتين بطواف سبع.

فقيل له: فإنّه يكون في مؤخر الكعبة وجوانبها من لا يعلم بانقضاء طواف الطائف من مصل وغيره فيتهيّأ للصلاة، فأمر عبيد الكعبة أن يكبروا حول الكعبة، يقولون: الحمد لله والله أكبر، فإذا بلغوا الركن الأسود في الطواف السادس سكتوا بين التكبيرتين سكتة حتّى يتهيّأ الناس ممّن في الحجر ومن في جوانب المسجد من مصل وغيره فيعرفون ذلك بانقطاع التكبير، ويصلي ويخفّف المصلي صلاته ثم يعودون إلى التكبير حتّى يفرغوا من السبع، ويقوم مسمع فينادي (الصلاة رحمكم الله).

قال: وكان عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار ونظائرهم من العلماء يرون ذلك ولا ينكرونه.

ثم نقل عن ابن جريج قلت لعطاء: إذا قلّ الناس في المسجد الحرام أحب إليك أن يصلوا خلف المقام أو يكونوا صفاً واحداً حول الكعبة؟

قال: بل يكون صفاً واحداً حول الكعبة وتلا: (وَ تَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ)(1). (2)

ويظهر من كلام الأزرقي أنّ الدافع إلى الصلاة حول الكعبة استدارة هو


1 . الزمر: 75 .

2 . تاريخ مكة للازرقي: 2 / 65 ـ 66 .


صفحه99

ضيق المكان في صلاة التراويح، ولم يكن قبله أي سابقة لها، وقد تصدى عبدالملك للخلافة عام 65 هـ بعد وفاة أبيه مروان بن الحكم وتوفّي عام 86 هـ .

وبما أنّه لم تمتد سلطة عبدالملك بن مروان إلى مكة المكرمة الّتي كان قد استولى عليها عبدالله بن الزبير إلى أن قتل هذا الأخير عام 73 هـ فيكون هذا الشكل من الصلاة قد بدأ بين عام 73 هـ و 86 هـ ، ولو تم التعرف على تاريخ ولاية خالد بن عبدالله القسري لتعيّن هذا الأمر بدقة.

الثاني: أوّل من تعرض إلى المسألة من الأصحاب

لم نجد عنواناً لهذه المسألة عند أصحابنا قبل ابن الجنيد فهو أوّل من تعرّض لها حسب اطّلاعنا، نقله العلاّمة عنه وقال: قال ابن الجنيد: الإمام إذا صلى في المسجد الحرام أحاط المصلون حول البيت من حيث لا يكون أحدهم أقرب إلى جدار البيت منه، ولم يذكر علماؤنا ذلك والأقرب الوقوف خلف الإمام للعموم .(1)

وعلى ضوء هذا فقد جعل الميزان في تأخّر المأموم عن الإمام أو عدم تقدّمه عليه ـ على اختلاف فيما هو الشرط ـ هو أن يكون الفاصل المكاني بين المأموم والكعبة أكثر من الفاصل المكاني بين الإمام والكعبة، وعلى ذلك تجوز الصلاة بالاستدارة التامة لكن برعاية هذا الشرط.

مثلاً: إذا كان الإمام واقفاً حيال مقام إبراهيم (عليه السلام)فالفاصل بينه وبين


1 . مختلف الشيعة: 3 / 90 .


صفحه100

الكعبة حوالي 12 متراً تقريباً، فيجب أن يكون الفاصل المكاني المستدير في تمام الدور أكثر من هذا المقدار حتّى يصدق كون المأموم خلف الإمام أو غير متقدم عليه. وسيوافيك أنّ هذا الشرط إنّما يتحقّق في بعض الصور لا كلّها.

ولم نجد من تعرض للمسألة بعد ابن الجنيد إلى عصر العلاّمة الحلي، وقد خلت كتب الشيخ الطوسي من عنوان هذه المسألة ومن أتى بعده كابن البراج، وابن زهرة وابن إدريس والمحقّق وغيرهم. وإليك نقل كلمات الآخرين:

الثالث: نقل كلمات الآخرين

قال العلاّمة: المصلي خارج الكعبة وهو مشاهد لها يستقبل أي جدرانها شاء وكذا لو كان في حكم المشاهد، ولو تعدّدوا وأرادوا الاجتماع ففي صلاتهم مستديرين حولها إشكال، ولا إشكال لو كانوا منفردين .(1)

ولعل وجه الإشكال عند العلاّمة غيره عند ابن الجنيد، فالإشكال عند الثاني هو تقدّم المأموم على الإمام في بعض الأحايين، ولذلك لو كان الفاصل المكاني بين الكعبة والمأموم أكثر من الفاصل المكاني بينها وبين الإمام لجاز عنده بالاستدارة الكاملة.

وأمّا الإشكال عند العلاّمة فلعله هو مسألة المواجهة وكون المأموم مواجهاً للإمام في نصف الدائرة وهو أمر غريب .

فإنّ المأموم يقف خلف الإمام أو مع الإمام على جهة واحدة، ولكنّه في


1 . تذكرة الفقهاء: 3 / 10 .


صفحه101

نصف الدائرة يقف مواجهاً للإمام ومقابلاً له وهوأمر غير متعارف.

وقد صرح بهذا، في المنتهى وقال: لو صلّى الإمام في المسجد الحرام إلى ناحية من نواحي الكعبة واستدار المأمومون حولها صحت صلاة مَن خلف الإمام خاصة، سواء أكان بُعد المأمومين في الجهة الأُخرى عنها أكثر من بُعد الإمام أو لا، خلافاً للشافعي وأبي حنيفة.

لنا: إنّ موقف المأموم خلف الإمام أو إلى جانبه إنّما يحصل في جهة واحدة، فصلاة من غايرها باطلة، ولأنّهم وقفوا بين يدي الإمام فتبطل صلاتهم .(1)

وعبارته كالصريح في أنّ المحذور ليس هو تقدّم المأموم بل مواجهته للإمام، وهذا صريح قوله: «ولأنّهم وقفوا بين يدي الإمام».

فظهر ممّا نقلناه أنّ مشكلة صلاة الجماعة بالإستدارة أمران:

1. لزوم تقدّم المأموم على الإمام في بعض الصور.

2. مواجهة المأموم للإمام أحياناً.

ويظهر من الشهيد في «البيان» أنّ المانع عنده هو الوجه الأوّل، قال: ولو صلّوا جماعة فلهم الاستدارة حولها وينبغي أن لا يكون المأموم إليها أقرب من الإمام.

ويظهر منه (قدس سره)في كتاب «الدروس» أنّ المانع هو نفس ما ذكره في البيان حيث قال: أن لا يتقدّم المأموم على الإمام بعقبه، ولا عبرة بمسجده إلاّ في


1 . منتهى المطلب : 6 / 257 .


صفحه102

المستديرين حول الكعبة بحيث لا يكون المأموم أقرب إليها.(1)

وقال في «الذكرى»: لو استطال صف المأمومين مع المشاهدة حتّى خرج عن الكعبة، بطلت صلاة الخارج لعدم إجزاء الجهة هنا. ولو استداروا صحّ، للإجماع عليه عملاً في كلّ الأعصار السالفة. نعم، يشترط أن لا يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام .(2)

وظاهر هذا الكلام أنّ الإشكال عنده هو تقدّم المأموم على الإمام، ولذلك اشترط أن لا يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام.

وأمّا الشهيد الثاني فيظهر منه أيضاً أنّ الإشكال هو تقدّم المأموم على الإمام في الصلاة استدارة، فقال: إنّ قول المحقّق «ولا يجوز أن يقف المأموم قدّام الإمام» مفهومه الاعتبار بتساوي الأقدام حال القيام،... إلى أن قال: وأمّا في حال الركوع فظاهرهم أنّه كذلك وأنّه لا اعتبار بتقدّم رأس المأموم، وكذا حال السجود والتشهد فيجوز تقدم رأس المأموم على رأسه. لكن يستثنى منه مالو كانت الصلاة حول الكعبة فإنّه لا يجوز أن يكون مسجد المأموم أقرب إليها.(3)

وأمّا سبطه فقد ألمح إلى كلا الإشكالين حيث ذكر كلام ابن الجنيد والشهيد في الذكرى اللّذين ركّزا على الإشكال الأوّل، ثم نقل كلام العلاّمة في «التذكرة» و «المنتهى» الّذي يشير إلى الإشكال الثاني وقال في آخر كلامه:


1 . الدروس الشرعية: 1 / 220 .

2 . ذكرى الشيعة: 3 / 161 .

3 . مسالك الأفهام: 1 / 308 .


صفحه103

ولم أقف في ذلك على رواية من طرق الأصحاب، والمسألة محل تردّد، ولا ريب أنّ الوقوف في جهة الإمام أولى وأحوط .(1)

وأمّا الشيخ الأكبر كاشف الغطاء فلم يهتم بالإشكال الثاني وإنّما
اهتم بالاشكال الأوّل وقال: وحول الكعبة يصح الدوران في الصف
ومقابلة الوجوهِ الوجهَ بشرط أن تكون الفاصلة من جانب المأمومين أوسع .(2) وسيأتي حدّ الفاصل اللازم بين الإمام والكعبة، وبينها وبين المأموم فانتظر.

إلى غير ذلك من الكلمات للمتأخرين والمعاصرين وربّما نمرّ على كلماتهم عند الاستدلال على حكم المسألة.

الرابع: ما هو الأصل في المسألة

إنّ الأصل في المقام هو الفساد إلاّ أن يدل دليل على خلافه، وذلك لأنّ العبادات أُمور توقيفية لا دور للعقلاء فيها، فإذا شُك في امتثال الأمر بالفرد الخاص فالأصل هو الفساد .

وإن شئت قلت: إنّ مشروعية العبادات أمر توقيفي فما عُلم كونه مشروعاً فهو مشروع، وما شُك في مشروعيته فهو ممنوع وإن كان في الواقع مشروعاً، وهذا كإتيان الصلاة مع قبض اليد اليسرى في اليمنى، حيث إنّ للصلاة فردين ومصداقين: أحدهما إتيان الصلاة بالسدل والآخر بالقبض،


1 . مدارك الأحكام: 4 / 332 .

2 . كشف الغطاء: 1 / 265 .


صفحه104

فالشك في جواز القبض كاف في كونه بدعة مبطلة للصلاة. وهذا هو الأصل في المقام.

وربّما يقرر بأنّ الأصل في المقام هوالصحة، وهو أنّ صلاة الجماعة ترجع في حقيقتها إلى أنّها هي عدل للواجب التخييري، لا أنّها من مسقطات وجوب الصلاة، فإذاً يدور الأمر بين كون الواجب هو الفرادى ومطلق الجماعة وبين كون الواجب هو الفرادى والجماعة المقيّدة بأنّها بغير الاستدارة، ومقتضى الأصل هو البراءة عن هذا التقييد (1).

يلاحظ عليه: أنّ المأمور به هو طبيعة الصلاة والصلاة جماعة وفرادى من مصاديق هذا الواجب، والتخيير بين المصداقين عقلي لا شرعي، وعلى هذا فيكون مرجع الشك إلى سقوط الطبيعة بالفرد الخاص والأصل خلافه، فإنّ قاعدة الاشتغال محكمة حتّى يثبت الامتثال. وبالجملة إذا كانت للطبيعة المأمور بها مصاديق مختلفة ويقطع بحصول الامتثال ببعض المصاديق ويُشك في حصوله بالبعض الآخر يكون المقام محكوماً بالاشتغال، لأنّه قبيل الشك في السقوط فلو أمر المولى بتطهير النجس بالماء وشك في صحة التطهير بماء الكبريت فالاشتغال محكم ما لم يكن هنا إطلاق لفظي حاكم على الأصل .

وقد صرح بما ذكرنا السيد الحكيم (قدس سره)بتعبير آخر حيث قال:


1 . مجلة فقه أهل البيت(عليهم السلام)، العدد (44)ص (94)، وقد استظهره صاحب المقال من كلام السيد الخوئي في مسألة اشتراط التأخّر وعدم كفاية المساواة الحقيقية وقال: وهو يجري في مقامنا بالنحوالمذكور.


صفحه105

تارة يكون الشك في صحة الجماعة حدوثاً وأُخرى يكون بقاءً، فإن كان الأوّل فالمرجع أصالة عدم انعقاد الجماعة، لأنّ انعقادها إنّما يكون بجعل الإمامة للإمام من المأموم في ظرف اجتماع الشرائط، فإذا شُكّ في شرطية شيء مفقود أو مانعية شيء موجود ـ للإمام أو المأموم أو الائتمام ـ فقد شُك في الانعقاد الملازم للشك في حصول الإمامة للإمام والمأمومية للمأموم، والأصل العدم في جميع ذلك، وبعبارة أُخرى الشك في المقام في ترتب الأثر على الجعل المذكور ومقتضى الأصل عدمه.(1)

وربّما يتصور أنّ الأصل العملي محكوم بالإطلاقات الواردة في صلاة الجماعة، وذلك لأنّ مقتضى الإطلاقات الواردة في صلاة الجماعة عدم اشتراط شيء من تأخّر المأموم عن الإمام أو عدم تقدّمه عليه، غاية الأمر خرج منها ما إذا لم تكن الصلاة إلاّ على جهة واحدة وعلى خط مستقيم فيشترط فيه التأخر، أو عدم التقدم، وأمّا إذا أمكنت الصلاة استدارة وعلى جميع الجهات فالإطلاقات الواردة في باب الجماعة محكمة لا يشترط فيها شيء لا عدم التقدّم ولا عدم التأخّر.

يلاحظ عليه: بأنّه ماذا يريد من الإطلاقات في المقام، فهل يريد ما ورد في التأكيد على استحبابها في الفريضة، الّذي عقد لها الحر العاملي ـ في الوسائل ـ باباً تحت عنوان: «باب تأكد استحبابها في الفرائض»، ومن المعلوم أنّها ليست في مقام البيان لشرائط الجماعة، فإنّ الروايات الواردة في الحث


1 . مستمسك العروة: 7 / 217 .


صفحه106

على الجماعة كلها نظير قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «من سمع النداء ولم يجبه من غير علّة فلا صلاة له».(1)

أو أنّه يريد ما ورد: «أنّ أقل ما تنعقد به الجماعة اثنان» كقول زرارة في حديث قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الرجلان يكونان جماعة؟ فقال (عليه السلام): «نعم، ويقوم الرجل عن يمين الإمام».(2)

وبالجملة هذه الروايات ونظائرها ناظرة إلى تشريع الجماعة واستحبابها المؤكّد، ولا نظر لبيان الشرائط والأجزاء حتّى يتمسك به في مورد الشك على نفي الجزئية.

فخرجنا بالأمرين التاليين:

1. أنّ الأصل الأوّلي هو الفساد، لأنّه من قبيل الشك في الامتثال، أو الشك في انعقاد الجماعة.

2. أنّ الأصل غير محكوم بالإطلاقات، إذ ليس هنا إطلاق حاكم على الأصل ويلزم الرجوع إلى أدلّة الشروط في المقام، وإليك البيان.

قد سبق أنّ الإشكال في المقام يدور على أمرين:

أ. إشكال تقدّم المأموم على الإمام في بعض الصور.

ب. مواجهة المأموم مع الإمام في بعض الأحايين.

وإليك دراستهما.


1 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.

2 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .


صفحه107

 

الأوّل: شرطية عدم تقدّم المأموم على الإمام

قال المحقّق: ولا يجوز أن يقف المأموم قدّام الإمام. (1) واستُدل عليه بعدم الخلاف بين الأصحاب، وظاهر «المعتبر» الإجماع عليه من غير فرق بين الابتداء والاستدامة كما هو صريح معقد بعضها اقتصاراً في العبادة التوقيفية على ما علم ثبوته من فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة(عليهم السلام)والصحابة والتابعين وتابعي التابعين وسيرة سائر فرق المسلمين في جميع الأعصار والأمصار بعد قصور الإطلاقات المساقة لغيره عن تناول مثل ذلك .(2)

وظاهر كلامه كظاهر كلام الآخرين أنّه ليس هناك دليل لفظي يدل على عدم جواز تقدم المأموم على الإمام، ولو كان فإنّما هو إشارات وتلميحات، غير أنّ معقد الإجماع يعمّ عامّة الحالات سواء أكان في المسجد الحرام أم غيره.

ولا يمكن أن يقال: إنّ الإجماع دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقّن وهوما إذا صلّوا على جهة واحدة.

بل يمكن أن يستظهر ذلك من كلمة الإمام بأنّه إمام يقتدى به في الأقوال والأفعال، ولازم ذلك عدم كون المأموم متقدماً على الإمام. ولذلك نرى أنّه ورد في الروايات أنّ الإمام قد سُئل عن رجل أمّ قوماً فصلى بهم


1 . شرائع الإسلام : 1 / 123 .

2 . جواهر الكلام : 13 / 221 .


صفحه108

ركعة ثم مات؟ قال (عليه السلام): «يقدّمون رجلاً آخر فيعتد بالركعة ويطرحون الميت خلفهم ويغتسل مَنْ مسه» .(1)

وعلى كل تقدير لا يمكن أن نشك في شرطية عدم تقدّم المأموم على الإمام في حال من الأحوال وفي مسجد دون مسجد وإن كان عدم جواز مساواة الإمام والمأموم موضع تأمل ونقاش.

إذا علمت ذلك فالمهم هو تبيين مدار التقدّم وملاكه.

فلو كان الملاك في التقدّم والتأخّر هو عدم أقربية المأموم إلى الكعبة من الإمام، بل يكونان متساويين أو يكون المأموم أبعد من الكعبة من الإمام، فلازم ذلك صحة الصلاة استدارة بشرط أن تكون الدائرة الّتي وقف عليها الإمام غير الدائرة الّتي يقف عليها المأموم وتكون الدائرة الثانية أبعد من الدائرة الأُولى حتّى تكون المسافة بين المأموم والكعبة أكثر من المسافة بين الإمام والكعبة في عامّة الحالات.

وذلك لأنّ الكعبة لمّا كانت مربعة تقريبا (2) فلو دارت عليها دائرة، فخطوط هذه الدائرة بالإضافة إلى الكعبة ليست متساوية، بل ما يحاذي منها الزوايا أقرب ممّا يحاذي الأضلاع بطبيعة الحال، لفرض كون الكعبة على شكل المربع المستطيل فالخط المقابل للضلع أبعد من الكعبة بالنسبة إلى الخط المقابل للزاوية بالضرورة كما في الرسم المرفق.


1 . الوسائل: 5، الباب 43 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

2 . إذ ان أضلاعها غير متساوية.


صفحه109

الكعبة المشرفة

وعلى ذلك فيجب أن تكون الدائرة الّتي يقف عليها المأمومون أكبر من الدائرة الّتي قام عليها الإمام، أي أبعد عن الكعبة في جميع النقاط، وإلاّ فمجرد كون الفاصل المكاني بين المأموم والكعبة أكبر منه بين الإمام والكعبة، لا يكفي ـ كما هو الظاهر من الكلمات الماضية ـ مالم يكن الفصل على حّد يكون الفصل أكبر في عامة الحالات، وهذا كما في الرسم التالي.

الكعبة المشرفة

*

*

*

*

موقف الإمام

موقف المأمومين

فإن الشرط ـ أعني: عدم تقدم المأموم ـ محفوظ في جميع الحالات.

وبذلك يعلم أنّ مجرّد كون المأموم خلفاً أو جانباً بحسب الدائرة


صفحه110

البركاليّة، لا يلازم عدم أقربيّته إلى الكعبة من الإمام، ضرورة زيادة جوانب الكعبة بل لابد أن تكون الدائرة الّتي وقف عليها المأموم أوسع من الدائرة الّتي وقف عليها الإمام على نحو يكون الإمام أقرب إلى الكعبة من المأموم في عامة الحالات كما هو ظاهر في الرسم المتقدّم .

وأمّا لو كان الميزان في التقدم هو نفس موقف الإمام مع قطع النظر عن الأقربية والأبعدية بالنسبة إلى الكعبة، فحينئذ لو وقف المأمومون على نفس الدائرة الّتي وقف عليها الإمام لصدق عدم التقدم، وهذا واضح، مثلاً: لو أمر الضابط الجنود أن يقفوا بشكل دائري، فوقفوا على خط دائري جنباً إلى جنب، فيصدق عدم تقدّم أحدهم على الآخرين.

وإلى ما ذكرنا يشير صاحب الجواهر بقوله: بإمكان دعوى صدق الخلْف أو الجانب، إذ هما بالنسبة إلى كل واحد بحسبه ولو بملاحظة الدائرة البركالية .(1)

والمتبادر من معاقد الاجماعات والإشارات الواردة في الروايات أنّ الميزان عدم تقدّم المأموم على موقف الإمام من دون لحاظ الجهة الّتي يتّجهان لها.

وبعبارة أُخرى: الملاك في تحقّق هذا الشرط موقف كل من الإمام والمأموم في غير المسجد الحرام باتفاق الفقهاء، فلابد أن يكون هو نفس الملاك في المسجد الحرام أيضاً، وإلاّ يجب أن يلتزم بأحد أمرين:


1 . لاحظ جواهر الكلام : 13 / 230 .


صفحه111

1. أن يكون الملاك في غير المسجد الحرام هو موقف الإمام والمأموم، وأمّا في المسجد الحرام فالملاك هو الكعبة بأن لا يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام.

2. مراعاة كلا الأمرين.

والأوّل أمر غريب لعدم الدليل على التفريق بين المسجد الحرام وسائر الأمكنة، والثاني موافق للاحتياط ولكن ليس لاعتبار الجمع دليل صالح.

وبذلك يظهر أنّ مشكلة تقدّم المأموم على الإمام في الصلاة الاستدارية إمّا غير متحقّق مطلقاً إذا قلنا بأنّ الميزان هو ملاحظة موقف الإمام، وإمّا غير متحقّق في بعض الدوائر ومتحقّق في البعض الآخر.

الثاني: إشكال المواجهة

الإشكال الثاني في المسألة هو لزوم المواجهة بأن يكون المأموم مواجهاً للإمام دون أن يكون في جنبه أو خلفه، وتظهر المواجهة بوضوح في النصف الثاني من الدائرة، مع أنّه أمر غير معهود، ولذلك اشترط بعض القائلين بالجواز بكون استقبال الإمام والمأمومين إلى جهة واحدة. إذ لو قيل بالجواز مطلقاً يلزم جواز الجماعة في داخل الكعبة على التعاكس بأن يكون وجه كل منهما إلى الآخر وهو ممّا لا مجال للالتزام به .(1)

والحق أنّ هذا الاشكال يستحق التأمّل، وما دلّ على جواز إقامة الصلاة


1 . مستمسك العروة: 7 / 248 .


صفحه112

جماعة منصرف إلى الفرد الشائع ، وأما هذا الفرد النادر فإطلاق الأدلة على فرض وجوده منصرفة عنه.

فإن قلت: إنّ الشكل الهندسي للمسجد الحرام كان دائرياً منذ أن بنيت الكعبة من قبل نبي الله إبراهيم (عليه السلام)، لأنّ الطواف بالبيت العتيق ـ الّذي نادى به الله عزوجل على لسان إبراهيم الخليل في قوله: (وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)(1) ـ يشهد لذلك، أوليس ذلك قرينة على جواز الصلاة بالجماعة استدارة وإن استلزم في بعض الحالات مواجهة المأموم للإمام؟

قلت: لاشك أنّ المطاف يكون دائرياً وأمّا كون المسجد في عصر النبي إبراهيم (عليه السلام)بني على شكل دائرة فلم يدل عليه دليل. وعلى فرض كونه كذلك لا يكون دليلاً على جواز الصلاة جماعة بالاستدارة.

إلى هنا تمت دراسة الاشكالين المذكورين في كلام الفقهاء وهناك إشكال ثالث.

الثالث: وجود الحائل بين الإمام والمأموم

من شروط صحة الجماعة أن لايكون بين الإمام والمأموم حائل يمنع عن مشاهدته، قال المحقّق: لاتصحّ مع حائل بين الإمام والمأموم يمنع المشاهدة، وقال صاحب «الجواهر»: الظاهر أنّه إجماعي كما في «الذخيرة» بل هو كذلك في صريح «الخلاف» و «المنتهى» و «المدارك».

ويدل عليه صحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام): إن صلّى قوم وبينهم وبين


1 . الحج: 29 .


صفحه113

الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الّذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة، فإن كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة، إلاّ من كان من حيال الباب، قال: وقال: هذه المقاصير لم تكن في زمان أحد من الناس وإنّما أحدثها الجبارون، ليست لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة مَنْ فيها صلاة».(1)

ووجه الإشكال: أنّ الكعبة المشرفة تحول بين الإمام وكثير من المأمومين الذين يصلّون في النصف الثاني من الدائرة بحيث إنّهم لا يرونه.

ويمكن أن يقال: إنّه لا يشترط مشاهدة جميع المأمومين الإمام، بل يكفي مشاهدة من يشاهده من المأمومين وإن تعددت الوسائط .(2)

فإذا وقف المأموم في نصف الدائرة الثانية فهو وإن كان لا يشاهد الإمام لأنّ الكعبة تحول بينهما إلاّ أنّه يشاهد الإمام بوسائط ولايقاس المقام بصلاة الإمام بالمقصورة، فإنّ مقصورة المسجد كانت بشكل يحجز عن دخول الغير ولم يكن الإمام مشاهداً مطلقاً وإنّما يطلع المأمومون على أحواله من الركوع والسجود بواسطة تكبير المكبرين.

أضف إلى ذلك انصراف ما دلّ على عدم وجود الحائل عن هذا النوع من الحائل الّذي اقتضته طبيعة صلاة الجماعة في ذلك المكان.

إلى هنا درسنا الإشكالات الثلاثة في المقام، وقد عرفت أنّ الإشكال


1 . الوسائل: 5، الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

2 . جواهر الكلام: 13 / 159 .


صفحه114

الثاني أقوى من الأوّل والأخير، فالاقتصار في إقامة الصلاة جماعة على نحو الاستدارة على ما لا يوجد فيه أحد الموانع الثلاثة هو الأحوط.

***

الاستدلال على الصحة بالسيرة

إنّ قسماً من الفقهاء استدلّوا على الصحة بالسيرة وفي مقدّمتهم الشهيد الأوّل في «الذكرى» حيث قال: ولو استداروا صحّ للإجماع عليه عملاً في كل الأعصار السالفة.(1)

وقد أُيدت السيرة بأنّ أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في عام الفتح بلغوا عشرة آلاف أو أكثر، فكيف يمكن لهم الصلاة فيه بنحو الخط المستقيم ؟

بل بلغ عدد المرافقين في حجة الوداع إلى مائة ألف .

وهذه السيرة الّتي لم يعترض عليها أئمة الشيعة (سلام الله عليهم اجمعين) خير دليل على كونها أمراً مقبولاً عندهم.(2)

يلاحظ عليه: أنّ كل ما ذكروه حول هذه السيرة نابع عن عدم الوقوف على وقت بدء الصلاة بهذه الكيفية، وقد عرفت أنّ أوّل من أدارها هو خالد بن عبدالله القسري، وأنّ السبب للاستدارة هو ضيق المكان على الناس في صلاة التراويح ولم يكن هذا الملاك موجوداً في الصلوات اليومية.


1 . الذكرى: 162 .

2 . المحقّق الاصفهاني: صلاة الجماعة: 136 .


صفحه115

وأمّا عدم سعة المسجد الحرام للآلاف المؤلفة فهو أمر صحيح لكنّه ليس دليلاً على إقامة الصلاة في المسجد الحرام، بل ربّما أقامها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خارج المسجد، خصوصاً أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أقام خارج مكة يوم فتحها وقد سُئل عن السبب؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا منزلاً (في مكة).(1)

وحقيقة الكلام: أنّ المسجد الحرام لم يكن بهذه السعة ولم يكن أيضاً كافياً حتّى ولو أقاموا الصلاة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)استدارة، وهذا ابن الجوزي يصف لنا بناء المسجد الحرام ويقول: إنّ المسجد الحرام كان صغيراً ولم يكن عليه جدار إنّما كانت الدور محدقة به، وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية فضاق على الناس المسجد فاشترى عمر بن الخطاب دوراً فهدمها، ثم أحاط عليه جداراً قصيراً، ثم وسع المسجد عثمان بن عفان واشترى من قوم، ثم زاد ابن الزبير في المسجد واشترى دوراً وأدخلها فيه، وأول مَنْ نقل إليه أساطين الرخام وسقفه بالساج المزخرف الوليد بن عبدالملك ثم زاد المنصور في شقه الشامي ثم زاد المهدي، وكانت الكعبة في جانب فأحب أن تكون وسطاً فاشترى من الناس الدور ووسطها، ثم توالت الزيادات فيه إلى يومنا هذا .(2)

تم الكلام في مسألة الصلاة جماعة بالاستدارة


1 . صحيح البخاري: 5 / 92، باب غزوة الفتح ; صحيح مسلم: 4 / 108، باب جواز الإقامة في مكة.

2 . مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن، لأبي الفرج ابن الجوزي: 1 / 358 .


صفحه116

صفحه117

الرسالة الثالثة

في شرطية وحدة الافق

وعدمها


صفحه118

صفحه119

   

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وآله الطاهرين.

اما بعد فهذه رسالة عملتها في شرطية وحدة الافق وعدمها الّتي كثر فيها البحث والنقاش في أيامنا هذه وحقيقة المسألة انّه إذا ثبتت رؤية الهلال في بلد ولم تثبت في بلد آخر فهل تكفي رؤيته في ذلك البلد بالنسبة إلى البلد الآخر الّذي لم ير فيه الهلال أو لا. فنقول:

اتّفقت كلمتهم على عدم اعتبار الرؤية في نفس البلد، بل تكفي الرؤية في خارجه، وقد استفاضت الروايات في ذلك.(1)

كما اتّفقت كلمتهم على كفاية الرؤية في بلد آخر إذا كان متحداً معه في الأُفق، كما إذا كانا متحدين في المطالع.

ومثل الثاني ما إذا كانا مختلفين في المطالع لكن الثبوت في بلد يكون مستلزماً للثبوت في البلد الآخر بالأولوية، مثلاً إذا رُئي الهلال في البلد الشرقي فيكون حجّة بالنسبة إلى البلد الغربي، لأنّ حركة القمر من الشرق إلى الغرب، فإذا رُئي في الشرق يكون دليلاً على تولّد الهلال تولّداً شرعياً قابلاً


1 . لاحظ الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث 10 و 13، وغيرهما.


صفحه120

للرؤية عند الغروب في المشرق قبل وصوله إلى المغرب.

فهذه الموارد الثلاثة لا يطرأ عليها الاختلاف، إنّما الكلام فيما إذا اختلف الأُفق وشوهد الهلال في البلاد الغربية فهل يكفي ذلك للبلاد الشرقية أو لا؟

والفقهاء في هذه المسألة على طوائف ثلاث:

الأُولى: مَنْ لم يتعرض للمسألة ولم يصرِّح بالفرق أو بعدم الفرق بين البلاد المتقاربة والمتباعدة.

الثانية: مَنْ صرّح بالمسألة وفرّق بين المتباعد والمتقارب، وهم الأكثر.

الثالثة: مَنْ لم يفرّق بينهما، و عطف المتباعد على المتقارب.

ولا حاجة لذكر أسماء الطائفة الأُولى، وإنّما المهم هو الإيعاز إلى أسماء الطائفتين.

من اشترط وحدة الأُفق

قد ذهب لفيف من القدماء إلى شرطية التقارب بين البلدين.

1. أوّل من نبَّه على ذلك هو شيخ الطائفة الطوسي(385ـ460هـ) حيث قال : علامة شهر رمضان رؤية الهلال أو قيام البيّنة ـ إلى أن قال: ـ و متى لم يُر الهلال في البلد ورُئي خارج البلد، على ما بيّناه وجب العمل به إذا كان البلدان التي رُئي فيها متقاربة بحيث لو كانت السماء مصحية والموانع مرتفعة، لرُئي في ذلك البلد أيضاً، لاتّفاق عروضها وتقاربها ، مثل بغداد وواسط والكوفة


صفحه121

وتكريت والموصل، فأمّا إذا بعدت البلاد مثل بغداد وخراسان، وبغداد ومصر، فإنّ لكلّ بلد حكمَ نفسه.(1)

ولم يتعرض في كتابيه الآخرين: النهاية،(2) ولا الخلاف للمسألة.(2)

2. قال ابن حمزة (المتوفّى حوالي 550 هـ): وإذا رُئي في بلد ولم ير في آخر، فإن كانا متقاربين لزم الصوم أهلهما معاً، وإن كانا متباعدين، مثل بغداد و مصر أو بلاد خراسان، لم يلزم أهل الآخر.(4)

3. وقال المحقّق(602ـ676هـ): وإذا رُئي الهلال في البلاد المتقاربة كالكوفة وبغداد، وجب الصوم على ساكنيهما أجمع، دون المتباعدة، كالعراق وخراسان.(3)

وقال في المعتبر نفس ذلك القول وذكر فتوى ابن عباس، فقال: وقد أفتى بذلك عبد اللّه بن عباس.(4) وستوافيك فتوى ابن عباس في «التذكرة».

4. وقال العلاّمة (648ـ726هـ)في «التذكرة»: إذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، ولم يره أهل بلد آخر، فإن تقاربت البلدان كبغداد والكوفة، كان حكمهما واحداً: يجب الصوم عليهما معاً، وكذا الإفطار; وإن تباعدتا كبغداد وخراسان والحجاز والعراق، فلكلّ بلد حكمُ نفسه، قال الشيخ (رحمه الله)(5) : و هو المعتمد.


1 . المبسوط:1/267 ـ 268.   2 . النهاية: 150.

2 . الخلاف: 1/391،المسألة 8 .   4 . الوسيلة:141.

3 . شرائع الإسلام:1/200.

4 . المعتبر:2/689.

5 . المبسوط : 1/268.


صفحه122

وبه قال أبو حنيفة، وهو قول بعض الشافعية، ومذهب القاسم وسالم و إسحاق(1) ; لما رواه كُرَيب من أنّ أُمّ الفضل بنت الحارث بَعثتهُ إلى معاوية بالشام، قال: قدمت الشام فقضيت بها حاجتي واستهلّ عليّ رمضان، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثمّ قدمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد اللّه بن عباس وذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة; فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية; فقال: لكنّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدّة أو نراه; فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) .(2)

ولأنّ البُلدان المتباعدة تختلف في الرؤية باختلاف المطالع والأرض كرة، فجاز أن ُيرى الهلال في بلد ولا يظهر في آخر; لأنّ حَدَبَة(3) الأرض مانعة من رؤيته، وقد رصد ذلك أهل المعرفة، وشوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب القريبة لمن جدّفي السير نحو المشرق وبالعكس.

وقال بعض الشافعية: حكم البلاد كلّها واحد، متى رُئي الهلال في بلد و حكم بأنّه أوّل الشهر، كان ذلك الحكم ماضياً في جميع أقطار الأرض، سواء تباعدت البلاد أو تقاربت، اختلفت مطالعها أو لا ـ و به قال أحمد بن حنبل


1 . فتح العزيز: 6 / 271 ـ 272; المهذب للشيرازي:1/168; المجموع: 6 / 273 و 274; حلية العلماء: 3 / 180; المغني:3/10; الشرح الكبير:3/7.

2 . صحيح مسلم:2/765 برقم 1087; سنن الترمذي:3/76ـ 77 برقم693; سنن أبي داود: 2 / 299 ـ 300 برقم2332; سنن النسائي:4/131; سنن الدارقطني:2/171 برقم21; سنن البيهقي:4/251.

3 . الحَدَبَة: ما أشرف من الأرض وغلظ وارتفع. لسان العرب:1/301.


صفحه123

والليث بن سعد(1)، وبعض علمائنا ـ لأنّه يوم من شهر رمضان في بعض البلاد للرؤية، وفي الباقي بالشهادة، فيجب صومه; لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) .(2)

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«فرض اللّه صوم شهر رمضان».(3) وقد ثبت أنّ هذا اليوم منه.

ولأنّ الدَّين يحلّ به، ويقع به النذر المعلّق عليه.

ولقول الصادق (عليه السلام): «فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه».(4)

وقال (عليه السلام)، فيمن صام تسعة وعشرين، قال: «إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنّهم صاموا ثلاثين على رؤية، قضى يوماً».(5)

ولأنّ الأرض مسطّحة، فإذا رئي في بعض البلاد عرفنا أنّ المانع في غيره شيء عارض; لأنّ الهلال ليس بمحل الرؤية.

ونمنع كونه يوماً من رمضان في حقّ الجميع; فإنّه المتنازع، ولا نسلّم التعبّد بمثل هذه الشهادة; فإنّه أوّل المسألة.

وقول الصادق (عليه السلام) محمول على البلد المقارب لبلد الرؤية; جمعاً بين الأدلّة.(6)


1 . فتح العزيز:6/272; المجموع:6/273و274; حلية العلماء:3 برقم181; المغني:3/10; الشرح الكبير:3/7.

2 . البقرة:185.

3 . صحيح البخاري:3/31; سنن النسائي:4/121; سنن البيهقي:4/201 نقلاً بالمعنى.

4 . التهذيب:4/157ـ 158 برقم 439; الاستبصار:2/64 برقم 206.

5 . التهذيب:4/158 برقم 443.   6 . التذكرة:6/124.


صفحه124

5. وقال في «المنتهى»: إن رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على جميع الناس سواء تباعدت البلاد أو تقاربت. وبه قال أحمد والليث بن سعد و بعض أصحاب الشافعي، ثمّ ذكر تفصيل الشيخ بين البلاد المتباعدة، ثمّ أخذ بردّها، فخرج بالنتيجة التالية:

ان علم طلوعه في بعض الصفائح وعدم طلوعه في بعضها المتباعد منه لكروية الأرض لم يتساو حكماهما، أمّا بدون ذلك فالتساوي هو الحقّ.(1)

وعلى هذا فما ربما يعدّ العلاّمة في المنتهى من القائلين بعدم الفرق بين البعيد والقريب إنّما يصحّ حسب ابتداء كلامه، وأمّا بالنسبة إلى النتيجة التي وصل إليها فإنّما سوّى بين القريب والبعيد إذا لم يُعلم اختلاف مطالعهما، وإلاّ فالحكم هو الفرق بين القريب والبعيد.

6. كما أنّه (قدس سره) مشى في «القواعد» على غرار «التذكرة»، وقال: وحكم البلاد المتقاربة واحد بخلاف المتباعدة، فلو سافر إلى موضع بعيد لم يُر الهلال فيه ليلة الثلاثين تابعهم; ولو أصبح معيّداً وسار به المركب إلى موضع بعيد لم ير فيه الهلال لقرب الدرج، ففي وجوب الإمساك نظر، ولو رأى هلال رمضان ثمّ سار إلى موضع لم ير فيه، فالأقرب وجوب الصوم يوم واحد وثلاثين.

وبالعكس يفطر يوم التاسع والعشرين.(2)

أقول: ما ذكره في الفرعين، هو الذي يُلزم به القائلون باشتراط وحدة


1 . منتهى المطلب: 2/593.

2 . قواعد الأحكام:1 / 387.


صفحه125

الأُفق حيث يورد عليهم بأنّ لازم اشتراط وحدة الأُفق صوم واحد وثلاثين يوماً في فرض وثمان وعشرين في فرض آخر.

أمّا الأوّل ففيما إذا كان الشهر تاماً في القريب و البعيد رُئي الهلال في الأوّل دون الثاني، وصام ثلاثين يوماً في القريب، وسار إلى البلد الآخر بعده، فلو وجبت عليه المتابعة يلزم أن يصوم ذلك اليوم ،لأنّه هو اليوم الآخر من شهر رمضان في ذلك القطر فيلزم أن يصوم واحداً وثلاثين.

بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الرؤية في القريب حجّة على البعيد، فيجب على الجميع الإفطار في ذلك اليوم، من غير فرق بين بلد رُئي فيه الهلال و ما لم ير فيه.

وأمّا الثاني ففيما إذا كان الشهر غير تام في القريب والبعيد: فلو رُئي في بلده متأخراً وفي البلد البعيد متقدماً، فصام في بلده ثماني وعشرين يوماً ثمّ سار به إلى البلد الآخر، فلو وجبت المتابعة يجب أن يفطر التاسع والعشرين، لكونه في ذلك القطر يوم الفطر وكلاهما لا يلتزم به الفقيه.

7. وقال الشهيد الأوّل(734ـ786هـ): يصام رمضان برؤية هلاله وإن انفرد... والبلاد المتقاربة كالبصرة وبغداد متّحدة لا كبغداد ومصر، قاله الشيخ; ويحتمل ثبوت الهلال في البلاد المغربية برؤيته في البلاد المشرقية وإن تباعدت، للقطع بالرؤية عند عدم المانع.(1)

ولا يخفى انّ ما استثناه ليس مخالفاً للقول بشرطية وحدة الأُفق لما


1 . الدروس الشرعية:1/284ـ 285.


صفحه126

سيوافيك من أنّ هذه (الرؤية في الشرق حجّة على الغرب) خارج عن محط البحث، للملازمة بين الرؤيتين.

8. وقال الشهيد الثاني (911ـ966هـ): وإذا رُئي في البلاد المتقاربة، كالكوفة وبغداد، وجب الصوم على ساكنيهما أجمع دون المتباعدة، قال: المراد انّه إذا رُئي في أحد البلاد المتقاربة ولم ير في الباقي وجب الصوم على الجميع; بخلاف المتباعدة، فانّ لكلّ واحدة منها حكم نفسها.(1)

9. وقال المقدس الأردبيلي(المتوفّى993هـ) عند قول المحقّق: «والمتقاربة كبغداد و الكوفة متحدة بخلاف المتباعدة».

قال: ووجهه ظاهر بعد الفرض، لأنّه إذا نظر و ما رأى في هذا البلد و رأى في بلد آخر يصدق عليه أنّه ما رأى فيفطر، لصدق الأدلة المفيدة أنّه ليس من الشهر في هذا البلد، فلا تنفع الرؤية في بلد آخر لأهل هذا البلد، ولا يستلزم الصدق.

مع أنّه علم بالفرض من مخالفة المطالع، عدمَ استلزام إمكان الرؤية هنا، بل قد يكون ممتنعاً.

فقول المصنِّف في «المنتهى» بعدم الفرق بعد الرؤية في بلد ما، في إيجاب الصوم والإفطار بين المتقاربة والمتباعدة بدليل ثبوته بالرؤية في بلد، وبالشهود في آخر بعيد لما مرّ، ولأنّ الظاهر انّ المراد بمن شهد الشهر أنّهم رأوا في البلد الذي هم فيه كما هو المتبادر.(2)


1 . مسالك الأفهام :2/52

2 . مجمع الفائدة و البرهان:5/295.


صفحه127

10. وقال صاحب «المدارك» (المتوفّى911هـ): المراد انّه إذا رُئي الهلال في إحدى البلاد المتقاربة، وهي التي لم تختلف مطالعها ولم يُر في الباقي، وجب الصوم على جميع من في تلك البلاد، بخلاف المتباعدة، فهي ما علم اختلاف مطالعها، فانّ الصوم يلزم من رأى دون من لم ير.(1)

إلى هنا تبيّن انّه لم يفت أحد إلى نهاية الألف سنة من الإمامية باتحاد حكم المتباعد والمتقارب إلاّالعلاّمة في «المنتهى»، وقد عرفت أنّه عدل عمّا ذكره في صدر كلامه إلى شيء آخر، وهو وحدة البلاد في الحكم إذا لم يعلم اختلاف مطالعهما.

نعم احتمل الشهيد الأوّل احتمالاً متساوياً، وقد عرفت أنّ مورده خارج عن محط البحث.

و أمّا بعد الألف، فربما نرى بعض من يرجِّح ذلك القول، و على رأسهم المحدِّث الكاشاني وتبعه الشيخ يوسف البحراني وغيرهم، وإليك بعض نصوصهم.

من لم يشترط وحدة الأُفق

قال المحدّث الكاشاني(1007ـ1091هـ) في «الوافي» بعد نقل جملة من الأخبار الدالة على القضاء بشهادة أهل بلد آخر: أنّما قال(عليه السلام) :«فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه»، لأنّه إذا رآه واحد في البلد رآه ألف كما مرّ. والظاهر انّه لا فرق بين أن يكون ذلك البلد المشهود برؤيته فيه من البلاد القريبة من هذا


1 . مدارك الاحكام:6/171.


صفحه128

البلد أو البعيدة منه، لأنّ بناء التكليف على الرؤية لا على جواز الرؤية، ولعدم انضباط القرب والبعد لجمهور الناس، ولإطلاق اللفظ، فما اشتهر بين متأخري أصحابنا ـ من الفرق ثمّ اختلافهم في تفسير القرب والبعد بالاجتهاد ـ لا وجه له.(1) وسيوافيك انّ المناط هو جواز الرؤية.

وقال المحدّث البحراني (المتوفّى1186هـ): قد صرّح جملة من الأصحاب بأنّ حكم البلاد المتقاربة كبغداد والكوفة واحد، فإذا رُئي الهلال في أحدهما وجب الصوم على ساكنيهما، أمّا لو كانت متباعدة كبغداد وخراسان والعراق والحجاز، فانّ لكلّ بلد حكم نفسها. وهذا الفرق عندهم مبني على كروية الأرض وأمّا مع القول بعدمها فالتساوي هو الحقّ.(2)

الظاهر تصحيح النزاع على القول بكرويتها، وإن كان على القول بكونها مسطحة غير صحيح كما سيوافيك.

وقد تبعهما النراقي في «المستند»، وقال: الحقّ كفاية الرؤية في أحد البلدين للبلد الآخر مطلقاً سواء أكان البلدان متقاربين أو متباعدين كثيراً، لأنّ اختلاف حكمهما موقوف على العلم بأمرين لا يحصل العلم بهما البتة.(3)

وقال في الجواهر(1200ـ1266هـ): إن علم طلوعه في بعض الأصقاع وعدم طلوعه في بعضها للتباعد عنه لكروية الأرض لم يتساو أحكامهما.

ثمّ قال: ويمكن أن لا يكون كذلك ضرورة عدم اتفاق العلم بذلك


1 . الحدائق الناضرة:13/268، نقلاً عن الوافي للمحدث الكاشاني.

2 . الحدائق الناضرة:13/263.

3 . مستند الشيعة:10/424.


صفحه129

عادة، فالوجوب حينئذ على الجميع مطلقاً قوي.(1)

ولا يخفى انّ ما ذكره صاحب الجواهر من عدم حصول العلم بعدم التساوي في المطالع صار بمنزلة الأُمور البديهية في هذه الأزمان حسب
تقدم وسائل الاتصال وتطورها . وقد أيّد ذلك القول بعض مراجع
العصر كالسيد الحكيم في مستمسكه واختاره السيد الخوئي في «منهاج الصالحين» في إطار خاص، وهو أن تكون ليلة واحدة ليلة للبلدين وإن كانت أوّل ليلة لأحدهما، وآخر ليلة للآخر المنطبق ـ طبعاًـ على النصف من الكرة الأرضية دون النصف الآخر الذي تشرق عليه الشمس عند ما تغرب عندنا بداهة انّ الآن نهار عندهم فلا معنى للحكم بأنّه أوّل ليلة من الشهر بالنسبة إليهم.(2)

هذا هو تاريخ المسألة وسيرها في الأعصار، وقد علمت أنّ القول باتحاد القريب والبعيد في الحكم كان شاذاً في العشر الأُولى من القرون وإنّما خرج عن الشذوذ بعد فتوى المحدّث الكاشاني والمحدّث البحراني وصاحب المستند، إلى ان اختاره السيد الخوئي قولاً في إطار خاص كما عرفت.

وقبل الخوض في أدلّة القولين نقدّم أُموراً تلقي المزيد من الضوء على المسألة.

الأوّل: قال علماء الفلك: إنّ القمر يدور حول نفسه، وحول الأرض في


1 . الجواهر: 16/360ـ 361.

2 . مستند العروة:2/119.


صفحه130

نفس الوقت وتبدأ كلتا الدورتين معاً، وتنتهيان معاً و مدتهما شهر كامل من شهور الأرض.

الثاني: قال علماء الفلك: إنّ حركة القمر حول الأرض معقّدة، وانّ الفترة الزمنية بين اقترانين( أي اقتران القمر بالشمس مرّة بعد مرة) ليست على نمط واحد، بل هي تختلف من شهر إلى شهر، وهي تتراوح من 29 يوماً و 19 ساعة إلى 29 يوماً و 5 ساعات. وهي مدة غير قليلة من الاختلاف غير انّهم حدّدوها بيوم أو يومين من أيام المحاق.

الثالث: انّ دورة القمر حول الأرض لا يمكن أن تقلَّ عن 29 يوماً، وقد أجمع الفقهاء على ذلك، ومن ثم لا ترى أيّاً منهم يوصل الشهر القمري إلى 28 يوماً.

الرابع: ماذا يراد من وحدة الأُفق أو اختلافه؟ فانّ الأُفق ليس إلاّ المحل الذي ترى فيه السماء كأنّها منطبقة على الأرض في نهاية مدّ البصر وهي مسافة قد لا تزيد في الأرض المنبسطة على كيلومترين ونصف أو ثلاثة، فإذاً فالأُفق كدائرة حول الناظر لا يزيد قطرها على ستة كيلومترات، وهي منطقة صغيرة . بحيث يمكن تقسيم الكرة الأرضية إلى آلاف مثلها، و من المعلوم انّ المراد غير هذا.

والمراد وحدة البلدين في الطلوع والغروب، فإذا كانا تحت خطّ واحد من نصف النهار فهما متّحدان في الأُفق.

ثمّ إنّ القمر بما انّه يتحرك من الشرق إلى الغرب، على خلاف الأرض


صفحه131

فإنّها تسير من الغرب إلى الشرق، فإذا رُئي الهلال في بقعة دلّ على أنّ الهلال تولّد في هذه البقعة، فعندئذ لا يكون دليلاً على ولادته في الآفاق الشرقية، لإمكان أن لا يخرج القمر من المحاق في سيره من المشرق إلى هذه البقعة، ولكنّه يكون دليلاً على وجود الهلال في الآفاق الغربية عند الغروب بحيث لو اُستهل ولم يكن هناك مانع لرُئي قطعاً كما سيوافيك.

الخامس: كيفية تكوّن الهلال؟

إنّ القمر في نفسه جرم مظلم وإنّما يكتسب النور من الشمس نتيجة مواجهته لها، فنصف منه مستنير دائماً، والنصف الآخر مظلم كذلك، غير انّ النصف المستنير لا يستبين لدينا على الدوام، بل يختلف زيادة ونقصاً حسب اختلاف سير القمر.

فانّه لدى طلوعه عن الأُفق من نقطة المشرق مقارناً لغروب الشمس بفاصل يسير في الليلة الرابعة عشرة من كلّ شهر بل الخامسة عشرة فيما لو كان الشهر تاماً يكون تمام النصف منه المتجه نحوَ الغرب مستنيراً حينئذ لمواجهته الكاملة مع النيّر الأعظم، وهذا ما يطلق عليه مقابلة القمر مع الشمس، كما أنّ النصف الآخر المتجه نحو الشرق مظلم.

ثمّ إنّ هذا النور يأخذ في قوس النزول في الليالي المقبلة، وتقلُّ سعته شيئاً فشيئاً حسب اختلاف سير القمر إلى أن ينتهي في أواخر الشهر إلى نقطة المغرب بحيث يكون نصفه المنير مواجهاً للشمس. وهذا ما يطلق عليه مقارنة النيرين. ويكون المواجه لنا هو تمام النصف الآخر المظلم. وهذا هو


صفحه132

الذي يعبِّر عنه بتحت الشعاع أو المحاق، فلا يرى منه أي جزء، لأنّ الطرف المستنير غير مواجه لنا لا كلاً كما في الليلة الرابعة عشرة، ولا بعضاً كما في الليالي السابقة عليها أو اللاحقة.

ثمّ يخرج شيئاً فشيئاً عن تحت الشعاع ويظهر مقدار منه من ناحية الشرق و يرى بصورة ضوء عريض هلاليّ ضعيف، وهذا هو معنى تكوّن الهلال و تولّده، فمتى كان جزء منه قابلاً للرؤية ولو بنحو الموجبة الجزئية، فقد انتهى به الشهر القديم، وكان مبدأً لشهر قمري جديد.

إذاً فتكوّن الهلال عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلاً للرؤية ولو في الجملة.

السادس: الشهر القمري يفترق عن الشهر الطبيعي، ولكنّ الثاني ربما لا يشكّل بداية الشهر الشرعي، ما لم يتكون الهلال بصورة قابلة للرؤية عند الغروب، ولذا يتأخر الشهر الشرعي عن الشهر الطبيعي باستمرار، لاستحالة أن يتولّد الهلال من أوّل أمره عريضاً قابلاً للرؤية.

وبعبارة أُخرى: انّ القمر إذا بدأ بالخروج من مقارنة النيّر الأعظم متحركاً إلى جانب الغرب يتحقّق الشهر الطبيعي أو الفلكي، ومع ذلك لا يرى في السماء عند الغروب إلاّ إذا انتهت حركته إلى درجة تؤهله للرؤية، ويذكر الفلكيون انّ القمر إذا وصل إلى الدرجة السادسة من دائرة حركته يكون صالحاً للرؤية بالعين المجردة، ولذلك ربما يتوقف على تأخر ليلة كاملة من ولادته الطبيعية.


صفحه133

السابع: انّ القمر يبدأ بحركته من الشرق إلى الغرب، ويخرج من
مقارنة النير الأعظم متوجهاً إلى جانبه شيئاً فشيئاً إلى أن يتولد الهلال القابل للرؤية عند الغروب، فإذا رُئي يكون دليلاً على إمكان رؤيته في الآفاق الغربية، لأن ّ سير القمر يكون باتجاهها وإذا وصل إليها ربما تكون النور فيه قد ازداد.

ولذلك ربما يقال: إنّ الرؤية في الآفاق الشرقية دليل على إمكان رؤيته في الآفاق الغربية، بل ربما تكون رؤية الهلال فيها أكثر وضوحاً من الآفاق الشرقية، وهذا بخلاف العكس، فإذا رُئي في الآفاق الغربية لا يكون دليلاً على إمكان رؤيته في الآفاق الشرقية عند الغروب فيها، لإمكان تولّد الهلال القابل للرؤية بعد تجاوزه الآفاق الشرقية .

الثامن: إذا خرج القمر عن المحاق وتكوّن الهلال الشرعي على وجه صار قابلاً للرؤية لأوّل وهلة في أُفق خاص بحيث لم يكن هناك أي هلال قبلها. فعندئذ تكون نسبة الآفاق إلى ذلك الأُفق مختلفة حسب اختلافها في طول البلد.

فالآفاق الواقعة غرب ذلك الأُفق بين آخر نهارها أو وسط نهارها أو أوائل فجرها، كما أنّ الآفاق الشرقية غطها الليل فهي بين وسط الليل أو آخره.

فما هو المنهج المتبع للتعرف على بداية الشهر القمري؟

هناك احتمالات:

1. أن يكون ثبوت الشهر أمراً مطلقاً لا نسبياً بمعنى أنّ تكوّن الهلال


صفحه134

وصيرورته قابلاً للرؤية في نقطة من نقاط العالم، يكون سبباً لثبوت الشهر الشرعي في جميع العالم.

وبعبارة أُخرى: خروج القمر عن المحاق وقت الغروب في نقطة، يعد بداية الشهر القمري لعامة الآفاق.

2. أن يكون ثبوت الشهر في نقطة من نقاط العالم سبباً لثبوت الشهر الشرعي في الآفاق التي تشترك مع هذا الأُفق في جزء من الليل وإن كان ساعة واحدة من غير فرق بين الآفاق الغربية والشرقية، وعلى هذا يكون ثبوت الشهر أمراً نسبياً لكن في دائرة كبيرة ويشارك هذا الوجه مع الوجه الأوّل في أنّ خروج القمر عن تحت الشعاع في نقطة وقت الغروب، يكون بداية الشهر الشرعي في البلاد التي تشارك بلد الرؤية في جزء من الليل.

3. أن يكون إمكان الرؤية الذي هو أوّل الولادة الشرعية للهلال سبباً لكونه شهراً شرعياً للنقاط التي يُرى فيها الهلال عند غروبهم إذا لم يكن هناك مانع، كما هو الحال في الآفاق الغربية بالنسبة إلى الأُفق الذي رُئي فيه الهلال، ولكن لا يتّسم الزمان بالشهر الشرعي إلاّبعد غروب الشمس في كلّ أُفق على نحو يمكن للإنسان رؤية الهلال إذا لم تكن موانع وعوائق.

أمّا الاحتمال الأوّل فهذا مما لا يمكن الالتزام به، إذ معنى ذلك أن نلتزم ببدء الشهر فيه من ثلث الليل ونصفه ويكون ذاك بداية الشهر الشرعي في تلك الآفاق .

والثاني هو خيرة المحقّق الخوئي كما سيوافيك، و هو أخف إشكالاً


صفحه135

من الأوّل، وهو يشارك الأوّل في الإشكال في بعض النقاط.

وأمّا الثالث وهو نقيّ عن الإشكال، إنّما الكلام في ما يستفاده من الروايات.

التاسع: انّ الصوم والإفطار وإن علّق على الرؤية في كثير من الروايات، لكنّ الرؤية طريق إلى العلم بخروج القمر عن المحاق، ويدلّ على ذلك أُمور:

1. إقامة البيّنة مقام الرؤية، وهذا دليل على أنّ الرؤية مأخوذة بنحو الكاشفية، فلو كشفت عن الهلال حجّة شرعية ـ أُخرى ـ تقوم مقامها.

2. عدّ الثلاثين من أوّل يوم رُئي فيه الهلال حيث يحكم بخروج الشهر السابق ودخول اللاحق.

3. وجوب قضاء صوم يوم الشك إذا أفطر لعدم ثبوت الهلال ثمّ ثبت ولادة الهلال في ليلة ذلك اليوم.

4. إذا رُئي الهلال في ليلة التاسع والعشرين من صومه انكشف انّه أفطر في شهر رمضان يوماً.

5. إذا صام بنية آخر شعبان فتبيّن انّه من رمضان، فقد صحّ صومه. وهذه الفروع كلّها منصوصة، وقد أفتى على ضوئها العلماء، وهذا يكشف عن كون الرؤية أخذت طريقاً لوجود الهلال في الأُفق وقت المغرب.

العاشر: قد عرفت أنّ الموضوع هو الرؤية، فهل هي منصرفة إلى العين العادية أو يعمّها والعين ذات البصر الحاد، وعلى كلّ تقدير فهل الموضوع هو


صفحه136

الرؤية بالعين المجردة أو يعمّ الرؤية بالعين المسلحة المستندة إلى النظارات القوية؟

المشهور هو الأوّل، فلا تكفي الرؤية بعين ذات البصر الحاد كما لا تكفي الرؤية بالآلات الرصدية، و ما هذا إلاّ للانصراف.

نعم لا بأس بالاستعانة بالنظارات لتعييين المحل، ثمّ النظر
بالعين المجردة، فإذا كان قابلاً للرؤية و لو بالاستعانة بتلك الآلات في
تحقيق المقدمات كفى وثبت الهلال.(1) ولكن يمكن التفريق بين الرؤية بالعين ذات البصر الحاد، فإذا افترضنا في بلد يوجد فيها ثقتان لهما حدة البصر فرأيا الهلال بالعين المجرّدة، وشهدا عند الحاكم فهل عليهما أن يصوما أو لا؟

وعلى الفرض الأوّل هل تقبل شهادتهما عند الحاكم أو ترد؟

لا أظن أن يلتزم الفقيه بعدم وجوب الصوم عليهما، كيف و هو على خلاف النص.

1. روى علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، أله أن يصوم؟ قال: «إذا لم يشك فليفطر وإلاّفليصم مع الناس».(2)

2. روى علي بن جعفر في كتابه عن أخيه، قال: سألته عمّن يرى هلال


1 . مستند العروة الوثقى:2/117ـ 119.

2 . الوسائل: 7، الباب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.


صفحه137

شهر رمضان وحده لا يبصره غيره أله أن يصوم؟ فقال: «إذا لم يشك فيه فليصم وحده وإلاّ يصوم مع الناس إذا صاموا».(1)

وإنّما الكلام في الثاني، فهل للحاكم أن يرد شهادتهما مع علمه بوثاقتهما وعدم كون المورد مظنة الخطأ، لأنّه إنّما يكون كذلك إذا كان الجوّ صحواً وادّعى رجلان الرؤية ولم يكونا من ذوي البصر الحاد، ويؤيد ذلك انّهما لو ادّعيا الرؤية و رُئي الهلال في ليلة التاسع والعشرين فليس للحاكم إلاّ الحكم بالإفطار والأخذ بقولهما.

إنّما الكلام في الرؤية بالآلات الرصدية، فالظاهر انصراف النص عنه، وقد عرفت الفرق بين الولادة الطبيعية للهلال والولادة الشرعية ، وانّ الثاني إنّما يتم إذا خرج القمر عن مقارنة الشمس بست درجات، فما تُريه النظارات فإنّما يثبت الهلال الطبيعي لا الهلال الشرعي، وإن شئت قلت: الشهر الطبيعي لا الشهر القمري.

إذا عرفت هذه الأُمور فلنرجع إلى بيان أدلّة القولين، فنقول:

تحليل نظرية اشتراط وحدة الأُفق

إذا وقفت على هذه الأُمور فلندخل في صلب الموضوع ونقدم دليل من قال باشتراط وحدة الأُفق، فقد استدلوا أو يمكن الاستدلال على ذلك بالوجهين التاليين:


1 . الوسائل: 7، الباب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 2.


صفحه138

 

الأوّل: خروج القمر عن المحاق كشروق الشمس

إنّ خروج القمر عن تحت الشعاع أشبه بشروق الشمس وغروبها ، فكما انّ لكلّ أُفق مشرقاً ومغرباً حسب اختلاف البلدان حيث إنّ الأرض بمقتضى كرويتها وحركتها الوضعية يكون النصف منها مواجهاً للشمس دائماً والنصف الآخر غير مواجه، ويعبَّر عن الأوّل بقوس النهار و عن الثاني بقوس الليل، وهذان القوسان في حركة وانتقال دائماً حسب حركة الأرض حول نفسها، ولذلك يكون هناك مشارق و مغارب حسب اختلاف درجاتها.

وهكذا الهلال وخروج القمر عن تحت الشعاع، فانّه يختلف حسب اختلاف الآفاق، فربما يخرج القمر من بقعة عنه ويُرى الجزء القليل من وجهه المضاء، دون بقعة أُخرى، ويظهر ذلك بوضوح إذا علمنا انّ القمر يسير من الشرق إلى الغرب، فلو رئي في بلد دل على خروجه عنه في ذلك الوقت، لا يكشف ذلك عن خروجه عنه في البلد الواقع في شرقه، إذ لعلّ القمر ـ وقت غروب الشمس عنه ـ كان في المحاق.

هذا هو الاستدلال المعروف وقد يؤاخذ عليه بالتالي:

وجود الفرق بين شروق الشمس وغروبها وطلوع الهلال، لأنّه يتحقّق في كلّ آن شروق في نقطة من الأرض وغروب في نقطة أُخرى مقابلة لها، وذلك لأنّ هذه الحالات إنّما تنتزع من كيفية اتجاه الكرة الأرضية مع الشمس، فهي نسبة قائمة بين الأرض والشمس، وبما انّ الأرض لا تزال في


صفحه139

تبدّل و انتقال، فتختلف تلك النسب حسب اختلاف جهة الأرض مع الشمس، وهذا بخلاف الهلال فانّه إنّما يتولد ويتكون من كيفية نسبة القمر إلى الشمس من دون مدخل لوجود الكرة الأرضية في ذلك بوجه، بحيث لو فرضنا خلوّ الفضاء عنها رأساً لكان القمر متشكلاً بشتى أشكاله من هلاله إلى بدره وبالعكس كما نشاهدها الآن.

وبعبارة أُخرى: انّ الهلال عبارة عن خروجه من تحت الشعاع بمقدار يكون قابلاً للرؤية ولو في الجملة، وهذا كما ترى أمر واقعي وجداني
لا يختلف فيه بلد عن بلد ولا صقع عن صقع، لأنّه كما عرفت نسبة بين
القمر والشمس لا بينه وبين الأرض، فلا تأثير لاختلاف بقاعها في
حدوث هذه الظاهرة الكونية في جو الفضاء، وعلى هذا يكون حدوثها، بداية شهر قمري لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها وإن لم ير الهلال في بعض مناطقها لمانع خارجي من شعاع الشمس أو كُرويّة الأرض.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ الشروق نسبة قائمة بين الشمس والأرض بخلاف خروج القمر من المحاق فانّها نسبة بين الشمس والقمر، غير تام.

وذلك لعدم التفاوت بينهما حيث إنّ وجه القمر المقابل للشمس، مستنير أبداً والوجه المخالف مظلم كذلك، ولا يتصور في الجانب المستنير


1 . مستند العروة:2/117.


صفحه140

الهلال ولا التربيع ولا التثليث ولا البدر إلاّ بالإضافة إلى الأرض وفرض الناظر فيه، ففي حالة المقارنة يكون وجه القمر المظلم إلى الأرض، والوجه المستنير كلّه إلى الشمس وإذا بدأ بالخروج عن المحاق يبدو نور عريض حول القمر بالنسبة إلى الأرض والناظر المفروض فيه ثمّ لم يلبث يتحرك حتى يصل إلى التربيع بحيث يكون نصف الوجه المقابل مستنيراً ونصفه في ظلمة إلى أن يصل إلى التثليث والبدر.

فلو لم يكن هناك أرض ولا ناظر مفروض بحيث جرد النظر إلى الشمس و القمر، فلا يتحقق فيه تلك الحالات الأربع: الهلال، التربيع ، التثليث، والبدر، بل ليس هناك إلاّ حالة واحدة وهي كون نصف منه مظلم ونصف منه مستنير ، ويدلّ على ذلك انّه لو فرض ناظر يرى القمر في كوكب آخر غير الأرض لما يراه هلالاً .

فاتضّحت بذلك صحّة قياس بزوغ القمر ببزوغ الشمس، فكما أنّ هناك مشارق ومغارب فهناك أيضاً بزوغات للقمر حسب اختلاف المناطق.

الثاني: الميقات هو وجود الهلال عند الغروب

إنّ المستفاد من الأدلّة هو الاحتمال الثالث في تحقّق الشهر الشرعي، قال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالحَجّ وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) .(1)


1 . البقرة:189.


صفحه141

سأل الناس عن أحوال الأهلّة في زيادتها ونقصانها ووجه الحكمة فأمر للهُ رسولَهُ(صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يقول لهم بأنّ وجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه ما يتعلّق بمصالح دينهم ودنياهم، لأنّ الهلال لو كان مدوّراً أبداً مثل الشمس لم يمكن التوقيت به فهي مواقيت للناس في دنياهم وعبادتهم.

فجعل المقياس هو الهلال وليس الهلال إلاّرؤية خيط عريض وقت الغروب، ولذلك سمّي الهلال هلالاً، لأنّه حين يُرى يهلُّ الناس بذكره.

فالميقات ليس تكوّن الهلال في وقت من الأوقات وخروجه عن المحاق مطلقاً، بل تكوّنه ورؤيته عند الغروب، وهذا القيد هو المهمّ في هذا الاستدلال، والمتبادر من الآية بحكم كونها خطاباً لعامّة الناس في أقطار الأرض وأيّ جزء منها، هو انّ ميقات كلّ إنسان هو هلاله وقت غروب الشمس عن أراضيه، وعلى ذلك فلا تكون الرؤية في بقعة من البقاع دليلاً على دخول الشهر في جميع الآفاق أو الآفاق التي تشارك معها في جزء من الليل، إذ لو التزمنا بذلك يلزم أن يكون بدء الشهر فيه هلاله المتحقّق في ثلث الليل أو نصفه مع أنّ الميقات هو هلاله وقت الغروب في أراضيه.

وإن شئت قلت: الهلال المتكوّن لدى الغروب حدوثاً أو بقاء كما في الآفاق الغربية. ولو قلنا بأنّ الرؤية في الآفاق الشرقية حجة على الآفاق الغربية ليس معناه انّ اللحظة التي رُئي فيها الهلال في الأُفق الشرقي هو ابتداء الشهر القمري للمناطق الغربية في تلك اللحظة، بل يبتدأ الشهر الشرعي بغروب الشمس فيها في تلك المناطق.


صفحه142

 

كلام لبعض المحقّقين حول الآية

ثمّ إنّ بعض المحقّقين ذكر في تفسير الآية ما يلي: «الهلال عنوان للقمر في حالة خاصة له وهي الخروج من تحت شعاع الشمس، فالقمر في حالته هذه علامة للناس، وهذه الحالة وحدها لم يعتبر فيها أن تكون مرئية للناس وإنّما الخروج من تحت شعاع الشمس تمام ماهيتها فلم تتقيد بالرؤية ولا بحالة من حالات الأرض مثل أن تتقيد برؤية هذا البلد أو غيره أو تتقيد بأن يرى الهلال مثلاً خلال عشر دقائق بعد الغروب أونحوه وهذا تمام ملاك الهلال.(1)

يلاحظ عليه: أنّه سبحانه جعل الهلال ميقاتاً للناس وليس الهلال مجرّد خروج القمر عن مقارنة الشمس أو عن تحت الشعاع أو ما شئت فعبر، بل خروجه عنها عند الغروب، فلو خرج القمر عنها عند الظهر أو قبل ساعات من الغروب عنها، لم يتحقّق الشهر الشرعي بل يكون منوطاً بخروجه عنها حدوثاً أو بقاءً عند الغروب على نحو يكون «الخروج عند الغروب» بكلا النحوين محقِّقاً لمعنى الهلال، وهذا النوع من الزمان جعل مبدأً للشهر الشرعي، لا قبله، ولا بعده.

وعلى هذا فلو رُئي الهلال في العراق ولم يُر في الصين الّتي تبعد عنه


1 . مجلة فقه أهل البيت، العدد11ـ12 ، مقالة المحقّق الشيخ الخزعلي: حول رؤية الهلال :198.


صفحه143

بست ساعات، ويكون غروب العراق منتصف ليل الصين، فهل ياترى أنّ الآية تشمل تلك المناطق الشرقية ويخاطبهم بدخول الشهر الشرعي وهم في آناء الليل مع أنّ الآية تدقّ مسامعهم بأنّ الميقات هو ا لهلال المتبادر منها هلال أُفقهم؟

وبعبارة أُخرى: المتبادر انّ الميقات هو هلال كلّ منطقة لأهلها عند غروب الشمس عن أراضيهم.

فما ذكره ذلك المحقّق تبعاً للسيد المحقّق الخوئي(قدس سره) حول الهلال وانّه عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلاً للرؤية ولو في الجملة صحيح، لكنّه ليس تمام الموضوع لابتداء الشهر الشرعي، بل يجب أن ينضم إليه، كلمة «عند الغروب» وهذا القيد كالمقوّم لما يفهم من لفظ الهلال الذي وقع موضوعاً للحكم وميقاتاً للناس. ومن المعلوم انّه متحقّق في بلد الرؤية حدوثاً، ولما يليه من الآفاق الغربية بقاء، دون الآفاق الشرقية له، فلم يتكون فيه لا حدوثاً ولا بقاء وقد سار القمر فيها وهو تحت الشعاع والمحاق عند غروب الشمس عن آفاقهم. وبذلك يظهر النظر في بقية كلامه، حيث قال:

المدار هو العلم، والرؤية طريق العلم خصوصاً وقد قورنت في الروايات بهذه الكلمة لا بالرأي والتظنّي. فنستفيد انّ الأئمّة (عليهم السلام) أكدوا على أن لا يستند الناس إلى الآراء الحدسية والظنون الفاشلة، بل إلى الرؤية المؤدّية إلى العلم، فإذا لم يكن الهلال مقيّداً بقيد سوى كونه هلالاً ولم تكن الرؤية إلاّ


صفحه144

طريقاً للعلم به، فإن علمت به وأنا في الساعة الرابعة من الليل ، أفلا يصدق انّ القمر خرج الآن من تحت الشعاع وانّ هذا الليل الذي قد غشينا ليل رُئي فيه الهلال و علم فيه بخروج القمر من تحت الشعاع وقد أخذ القمر في بداية شهر جديد؟

أو لست أنا الآن في شهر جديد وقد علمت علماً يقيناً غير ذي شك بأنّ الهلال قد أخذ في طريق ما سخّر له، وهذا لعمري من الوضوح بمكان.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الرؤية طريق للعلم أمر صحيح وقد أشار إلى برهانه، إنّما الكلام في قوله « انا إذا كنت في الساعة الرابعة من الليل في الآفاق الشرقية وعلمت أنّ القمر خرج الآن عن تحت الشعاع من الآفاق الغربية، أفلا يصدق انّه خرج عن تحت الشعاع في هذا الآن» وذلك لأنّ المعلوم ليس تمام الموضوع ولذا لو علمنا به قبل الغروب، لا يحكم على ذلك الوقت بداية الشهر الجديد، بل هو جزء الموضوع ويجب أن ينضم إليه قيد آخر، وهو خروج القمر عن تحت الشعاع وقت الغروب حتى يكون بداية الشهر الجديد، وهو طبعاً يتضيق ببلد الرؤية وما يليه من الآفاق الغربية لا الشرقية.

والقول بأنّ الخروج عن تحت الشعاع في غرب ما، يعدّ هلالاً، للبلاد التي لم يخرج فيه عنه وقت الغروب، أمر لا يلائم ظاهر الآية ولا يصار إليه إلاّ بدليل صريح.


1 . مجلة فقه أهل البيت، العدد 11 ـ 12 مقالة: حول رؤية الهلال للشيخ الخزعلي:199.


صفحه145

 

أدلّة القائلين بعدم شرطية وحدة الأُفق

استدلّ القائلون بعدم شرطية الوحدة بوجوه نقلية نأتي بها:

الأوّل: إطلاق أدلّة البيّنة

إنّ مقتضى إطلاقات نصوص البيّنة الواردة في رؤية الهلال ليوم الشكّ في رمضان أو شوال وأنّه في الأوّل يقضي يوماً لو أفطر، هو عدم الفرق بين ما إذا كانت الرؤية في بلد الصائم أو غيره المتحد معه في الأُفق أو المختلف. ودعوى الانصراف إلى أهل البلد كما ترى سيما مع التصريح في بعضها بأنّ الشاهدين يدخلان المصر و يخرجان كما تقدّم(1)، فهي طبعاً تشمل الشهادة الحاملة من غير البلد على إطلاقها.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ما ادّعاه من الإطلاق صحيح حيث يعم بلد الرؤية وغيرها، وأمّا إطلاقه بالنسبة إلى المتحد في الأُفق أو المختلف بعيد جداً خصوصاً بالنسبة إلى الوسائط النقلية.

مثلاً قوله (عليه السلام)في صحيحة منصور بن حازم: «صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته وإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنّهما رأياه فأقضه»(3) ناظر


1 . الوسائل: 7، الباب 11 من أحكام شهر رمضان، الحديث 10. لاحظ نصوص البيّنة الباب5، الحديث4، 9 والباب 6، الحديث 1، 2.

2 . مستند العروة:2/120.

3 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 8.


صفحه146

إلى شاهدين مرضيين رأيا الهلال إمّا في نفس البلد أو في بلد يقاربه على وجه يكون بينهما مسافة يوم، ومن المعلوم أنّ الإنسان في الأدوار السابقة حسب وسائط النقل المتاحة آنذاك لا يقطع في يوم واحد أكثر من 60 كيلومتراً، ومن المعلوم انّ هذا المقدار في الفاصل المكاني لا يؤثر في وحدة الأُفق، بل نفترض انّ الفاصل المكاني بين البلدين حوالي الخمسمائة كيلومتراً وهي منطقة واحدة في ثبوت الهلال على وجه الأرض وليست منطقتين.

فانّ هذا ونظائره منصرف إلى البلاد التي كان يقطعها الإنسان في يوم أو يومين أو مثل ذلك لا يخرج البلدين من وحدة الأُفق.

الثاني: النصوص الخاصة

وقد استدلّ بنصوص خاصة، منها:

1. صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال فيمن صام تسعة وعشرين، قال: «إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنّهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً».(1)

2. صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن هلال شهر رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ قال: «لا تصم إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه».(2)


1 . الوسائل: 7، الباب5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث13.

2 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث9.


صفحه147

3. صحيحة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: «لا تصمه إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه».(1)

4. صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال: «لا تقضه إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر، وقال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلاّ أن يقضي أهل الأمصار، فإن فعلوا فصمه».(2)

هذه الروايات دلّت بمقتضى إطلاقها على أنّ الرؤية والثبوت في مصر كافية لسائر البلاد ولم يقيد بوحدة الأُفق.

أقول: إنّ الاستدلال بهذه الإطلاقات مع العلم بأنّ الوسائل النقلية المتاحة آنذاك كانت محدودة جداً، فالمسافر الذي ينقل الخبر يأتي من بلد إلى بلد تكون المسافة بينهما خمسين كيلومتراً أو قريباً منه، وهذا المقدار من المسافة بل أكثر منها بكثير كما عرفت لا تؤثر في وحدة الأُفق، وقلّما يتفق أن يخرج إنسان من مصر ويدخل بغداد حاملاً خبر الهلال، ويكون قوله حجّة لأهل بغداد التي تقع في الجانب الشرقي بالنسبة إلى مصر، وإن كنت في شك فلاحظ حديث الخزّاز حيث يقول:«وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر».(3)


1 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث3.

2 . الوسائل: 7، الباب12 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.

3 . الوسائل: 7، الباب 11. من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث10.


صفحه148

فانّ الخبر ظاهر في أنّ البيّنة رأت الهلال قبل يوم ودخلت مصر بعد يوم و من المعلوم انّ مثل هذا لا يصدق على المسافات الشاسعة.

ومنه يعلم انّ الاستدلال بصحيحة أبي بصير التي جاء فيها: «إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر» في غير محله. فإنّ قوله «من جميع أهل الصلاة» ناظر إلى عمومية الحكم لجميع المسلمين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم لا على اختلاف بلادهم في الآفاق.

كما أنّ المراد من قوله:«أهل الأمصار» في نفس الصحيحة هي الأمصار المتقاربة التي كان الرجل يقطع بينها حسب الوسائط النقلية المتوفرة في يوم أو يومين ويحمل خبر الرؤية.

***

الثالث: صحيحة عيسى بن عبيد

روى محمد بن عيسى بن عبيد قال: كتب إليه أبو عمر(1): أخبرني يا مولاي انّه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علّة فيفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا: إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتى يختلف القرص على أهل الأمصار، فيكون صومهم خلاف صومنا، و فطرهم خلاف فطرنا؟


1 . أبو عمر الحذاء من أصحاب الإمام الهادي(عليه السلام).


صفحه149

فوقع (عليه السلام): «لا تصومنّ الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته».(1)

وجه الاستدلال: انّ السائل سأل عن قول أهل الحساب برؤية الهلال في الأندلس وافريقية، فأجاب (عليه السلام) بأنّه لا صوم مع الشك ولم يُجب بأنّ الرؤية في البلاد البعيدة لا تكفي.

يلاحظ عليه: أنّ البلد الراوي عنه واقع في غرب العراق الذي كان الإمام والراوي يقطنان فيه، وقد عرفت أنّ ثبوت الهلال فيه، لا يكون على وجود الهلال في سماء البلد الشرقي عند الغروب ، إذ من المحتمل جداً عدم تكونه عند غروب الشمس عنه. وعندئذ كان لإرشاد الراوي إلى الحكم الواقعي (عدم الملازمة بين الرؤيتين) طريقان:

الأوّل: أن يشير الإمام إلى عدم الملازمة بين الرؤيتين، لاختلاف البلدين في الأُفق، وانّ الرؤية في الآفاق الغربية لا تكون دليلاً على كون الهلال وولادته في الآفاق الشرقية، وبشرح حقيقة ذلك الأمر .

الثاني: أن يثير احتمال تطرّق الخطأ في حساب المنجّمين، خصوصاً انّ السماء كانت في العراق صافية ولم يره أحد، وهذا ما يؤيد وجود الخطأ في حسابهم. وقد اختار الإمام هذا الجواب لسهولته وقال: إنّ الصوم والإفطار مبنيّان على اليقين دون الشك، وسكوت الإمام عن الجواب الأوّل لا يكون دليلاً على عدم اعتبار وحدة الأُفق، إذ من المحتمل أن لا تكون الظروف مساعدة لإلقاء هذا النوع من الجواب.


1 . الوسائل: 7 ، الباب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.


صفحه150

وربما يعضد هذا القول بالدعاء المأثور في صلاة العيد :«أسألك بحقّ هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً».

فإنّه يعلم منه بوضوح انّ يوماً واحداً شخصياً يشار إليه بكلمة (هذا) هو عيد لجميع المسلمين المتشتتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها لا لخصوص بلد دون آخر.

وهكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر وانّها خير من ألف شهر وفيها يفرق كلّ أمر حكيم، فانّها ظاهرة في أنّها ليلة واحدة معينة ذات أحكام خاصة لكافة الناس وجميع أهل العالم، لا انّ لكلّ صقع وبقعة ليلة خاصة مغايرة لبقعة أُخرى من بقاع الأرض.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا محيص من تعدّد يوم العيد وليلة القدر على القول بكرويّة الأرض، و القائل بعدم اشتراط وحدة الأُفق قد خصَّ الحجّية بالأقطار التي تشترك في الليل ولو في جزء يسير منه، ولا يشمل النصف الآخر للكرة الذي لا يشارك تلك البقعة في ليلها، فيتعدّد يوم العيد سواء أقلنا باشتراط وحدة الأُفق أو لا، كما أنّ ليلة القدر تتعدّد حسب كرويّة الأرض.

وبذلك يظهر عدم صحّة ما أفاده صاحب الحدائق حيث قال: إنّ كلّ يوم من أيام الأُسبوع وكلّ شهر من شهور السنة أزمنة معينة معلومة نفس أمرية، كالأخبار الدالة على فضل يوم الجمعة، وما ورد في أيّام الأعياد من الأعمال، وما ورد في يوم الغدير ونحوه من الأيام الشريفة و ما ورد في شهر


1 . مستند العروة:2/122.


صفحه151

رمضان من الفضل والأعمال، فإنّ ذلك كلّه ظاهر في أنّها عبارة عن أزمان معينة نفس أمرية.(1)

فإنّ ما ذكره مبني على كون الأرض مسطحة كما اعترف بذلك، و أمّا على القول بكرويّة الأرض فتتعدد ليالي القدر وأيّام الجمعة وأيّام رمضان على كلا القولين، نعم لا يخرج عن مقدار 24 ساعة.


1 . الحدائق:13/267.


صفحه152

صفحه153

الرسالة الرابعة

مَنْ لم يمرّ بميقات ولا بما يحاذيه


صفحه154

صفحه155

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .

أمّا بعد; فهذه رسالة وضعتها لبيان حكم مَنْ لا يمرّ بميقات ولا بما يحاذيه محاذاةً قريبة، كأكثر الحجّاج الوافدين من بلادهم النازلين في جدّة، حيث ان جدّة أو بعض مناطقها تحاذي الجُحفة ولكن محاذاة بعيدة، فما حكم مَنْ لا يمر بميقات ولا بما يحاذيه؟

اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ الآفاقي (النائي) يجب عليه الإحرام لعمرته من أحد المواقيت الخمسة الّتي وقّتها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمن يمرّ بها (1)، أو ممّا يحاذيها محاذاة عرفيّة، كما إذا كان الحد الفاصل بين الميقات ومهلّه، بضع كيلومترات.

أخرج الكليني بسند صحيح عن عبدالله بن سنان الثقة عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال: «من أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحجّ، ثمّ بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الّذي يأخذونه، فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء» .(2)


1 . الوسائل: 8، الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث، 2 و 3 وغيرهما.

2 . الوسائل: 8، الباب 7 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .


صفحه156

ولعلّ الحدّ الفاصل بين المدينة ومسجد الشجرة يوم ذاك، كان ستة أميال، فلذلك أمر الإمام (عليه السلام)بالإحرام بعد الابتعاد عن المدينة، مقدار ستة أميال، ليكون المهلّ محاذياً للمسجد.

إنّما الكلام إذا ورد عن طريق لا يمرّ بالميقات، ولا بما يحاذيه محاذاة عرفية، فيقع الكلام في مهلِّه.

فإن قلنا بعدم تصور طريق لا يمر بالميقات (1) ولا يكون محاذياً لواحد منها بحجة أنّ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب، وقلنا بكفاية مطلق المحاذاة، وإن كانت عن مسافة بعيدة فيحرم ممّا يحاذي أحد المواقيت.

وأمّا لو قلنا بإمكان طريق لا يمرّ بميقات ولا بما يحاذيه محاذاةً عرفية، عن مسافة قريبة، كما هو الحال في مدينة «جدة» فإنّها ليست بميقات، كما هو واضح، ولا تحاذي أحد المواقيت كالجحفة، محاذاة عرفية (2)، فيقع الكلام فيما هو الواجب على الوافدين إلى جدة جوّاً أو بحرّاً.

والمسألة معنونة في كلمات الفريقين، وهي ذات قوانين منذ عهد بعيد، وإليك البيان:


1 . قال المحقّق النراقي: وقد اختلفوا في حكم من سلك طريقاً لا يحاذي شيئاً من المواقيت، وهو خلاف لا فائدة فيه، إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب (المستند: 11 / 283)، وتبعه صاحب «العروة الوثقى» في مبحث المواقيت، والتصديق العلمي يحتاج إلى دراسة ميدانية، وأنّى لنا هذه.

2 . وأمّا المحاذاة عن مسافة بعيدة، والّتي نسميها محاذاة غير عرفية، فالظاهر من الخرائط الجغرافية أنّ المطار الحديث للحجاج وميناء جدّة ، ومقدّم الجسر الكبير تحاذي الجحفة، فإنّ الخط الممتد من الجحفة إلى جدّة يمرّ على هذه الأمكنة أو على مقربة منها.


صفحه157

 

الآراء في المسألة

قال الغزالي في «الوجيز»: ولو حاذى ميقاتاً، فميقاته عند المحاذاة، إذ المقصود مقدار البعد عن مكة، وإن جاء من ناحية لم يحاذ ميقاتاً ولا مرّ به، أحرم من مرحلتين فانّه أقلّ المواقيت وهو «ذات عرق».

وقال الرافعي في شرحه:لو جاء من ناحية لا يحاذي في طريقها ميقاتاً ولا يمرّ به، فعليه أن يحرم إذا لم يبق بينه و بين مكة إلاّ مرحلتان، إذ ليس شيء من المواقيت أقلّ مسافة من هذا القدر.

ثمّ علّق على قول الغزالي في المتن: «فإنّه أقلّ المواقيت وهو ذات عرق» إنّما كان يحسب أن لو كانت ذات عرق أقلّ مسافة من كلّ ما سواها من المواقيت لكن قد مرّ انّ ذات عرق مع يلملم وقرن، متساوية في المسافة.(1)

وقال محيي الدين النووي: وأمّا إذا أتى من ناحية ولم يمرّ بميقات ولا حاذاه، فقال أصحابنا: لزمه أن يُحرم على مرحلتين من مكة اعتباراً بفعل عمر في توقيته ذات عرق.(2)

والظاهر أنّ فقهاء السنّة على قول واحد، وهو الإحرام على مرحلتين من مكة، تمسّكاً بما فعله عمر حيث جعل ذات عرق ميقاتاً، لأنّه على مرحلتين من مكة، مثل قرن المنازل ويلملم.


1 . فتح العزيز في شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير للرافعي:7/85ـ88، دار الفكر.

2 . المجموع:7/203 وهو شرح للمهذب للشيرازي.


صفحه158

ولكن الثابت عندنا أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على كون «ذات عرق» ميقاتاً.(1) وما ذكره الغزالي من الوجه: من أنّ المقصود الابتعاد بمقدار المرحلتين أو أزيد، فيكفي الإحرام من هذا المقدار من البعد، استحسان لا دليل عليه، ولا ينفي لزوم العود إلى الميقات، ولا لزوم الإحرام من مقدار أبعد المواقيت إذا لم يجاوزه ولم يكن محاذياً.

أضف إلى ذلك: انّ ما دلّ على الابتعاد بهذا المقدار من المسافة، إنّما دلّ إذا أحرم من الميقات، لا مطلقاً وإن لم يمرّ على ميقات.

وأمّا فقهاؤنا فلهم قولان:

1. الإحرام من مرحلتين من مكة

إذا سلك طريقاً لا يمرّ فيه على هذه المواقيت ولا يكون محاذياً فقد اختار ابن الجنيد ما حكيناه عن فقهاء السنة في أنّه يحرم من مكة بقدر أقرب المواقيت إليها فيحرم منه.(2)

وذكر الشهيد الثاني في وجهه: انّ هذه المسافة لا يجوز لأحد قطعها إلاّ محرماً من أيّ جهة دخل، وإنّما الاختلاف يقع في ما زاد عليها، فهي قدر متفق عليه.(3) وفي «المدارك»(4) قريب ممّا ذكره جدّه في «المسالك».

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الوجه لا يكون مبرّراً على الإحرام من تلك


1 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب المواقيت، الحديث2.

2 . المختلف:4/43.

3 . المسالك:2/216.

4 . المدارك: 7 / 223 ـ 224.


صفحه159

المسافة، إذ لقائل أن يقول: لماذا لا يرجع إلى الميقات، وقد عرفت أنّ ما ذكره من أنّه لا يجوز قطع هذه المسافة بلا إحرام إنّما هو فيما إذا أحرم من الميقات لا مطلقاً، فلا دليل على لزوم الإحرام في قطع المرحلتين إذا أحرم من غير المواقيت المنصوصة، كما سيأتي.

2. الإحرام من أدنى الحل

وهناك وجه آخر، وهو الإحرام من أدنى الحل، من غير فرق بين الجعرانة، أو الحديبية، أو التنعيم، وإن كان الثالث أقرب إلى مكة، فقد ذكره العلاّمة في عدّة من كتبه، والشهيد الثاني في «المسالك»، واستحسنه في «المدارك». وإليك بعض الكلمات:

1. قال العلاّمة في «القواعد»:ولو لم يؤدّ إلى المحاذاة فالأقرب إنشاء الإحرام من أدنى الحلّ، ويحتمل مساواة أقرب المواقيت.(1)

2. وقال فخر المحقّقين معلّقاً على قول والده في «القواعد»: وجه القرب أنّه ميقات للمضطرين، كالناسي، وهذا الّذي حجّ على طريق لا يؤدي إلى ميقات ولا إلى محاذاته، منهم(المضطرون) لتعذر الميقات، وهو الأقوى عندي.

ووجه الثاني: أنّ الاعتبار بالمحاذاة إنّما هو المساواة.(2)

3. وقال في «التذكرة»: ولو مرّ على طريق لم يحاذ ميقاتاً ولا جاز به، قال بعض الجمهور: يحرم من مرحلتين، فإنّه أقلّ المواقيت وهو ذات عرق.


1 . القواعد:1/417.   

2 . الإيضاح:1/284.


صفحه160

ويحتمل أن يحرم من أدنى الحلّ.(1)

4. وقال في «التحرير»: ولو مرّ على طريق لا يحاذي ميقاتاً، فالأقرب الإحرام من أدنى الحلّ.(2)

5. وقال الشهيد الثاني في «المسالك»: موضع الخلاف ما لو لم يحاذ ميقاتاً فإنّه يحرم عند محاذاته ـ إلى أن قال: ـ والوجه الآخر أن يحرم من أدنى الحلّ عملاً بأصالة البراءة من الزائد.(3)

6. وقال في «المدارك»: واستقرب العلاّمة في القواعد، وولده في الشرح: وجوب الإحرام من أدنى الحل. وهو حسن، لأصالة البراءة من وجوب الزائد.

وقولهم: إنّ هذه المسافة لا يجوز قطعها إلاّ محرماً، في موضع المنع، لأنّ ذلك إنّما ثبت مع المرور على الميقات لا مطلقاً، بل لولا ورود الرواية بوجوب الإحرام من محاذاة الميقات (يشير إلى صحيحة عبد اللّه بن سنان الواردة في القريب لا البعيد) لأمكن المناقشة فيه بمثل ما ذكرناه.(4)

7. وقال في «الرياض»: ولو لم يحاذ شيئاً منها، قيل يحرم من مساواة أقربها، إلى مكة، وهو مرحلتان تقريباً، لأنّ هذه المسافة لا يجوز لأحد قطعها إلاّ محرماً، وقيل: من أدنى الحل، لأصالة البراءة من وجوب الزائد.(5)


1 . التذكرة:7/204.   2 .

2 . تحرير الأحكام:1/565.

3 . المسالك:2/216ـ217.

4 . المدارك:7/224.

5 . رياض المسائل:6/195.


صفحه161

8. قال النراقي: ولو فرض إمكان (سلوك طريق لا يحاذي شيئاً من المواقيت)، فالمختار الإحرام من أدنى الحلّ، لأصالة البراءة عن الزائد.(1)

9. وأنكر في «الجواهر» فرض المسألة وقال: فمن التأمّل في ما ذكرناه سقوط فرض ما ذكر من أنّه لو سلك طريقاً لم يكن فيه محاذاة لميقات من المواقيت، وإن كان قد عرفت أنّ فيه الاحتمالين بل القولين: الإحرام من مقدار أقرب المواقيت أو من أدنى الحلّ.(2)

10. وقد كانت المسألة ذات قولين إلى أن أفتى السيد الحكيم بتعين الإحرام من أدنى الحلّ، وعلى ذلك طبّق عمله عند تشرّفه بالحجّ.

وقد نبّه بذلك نجله الشهيد السيد محمد باقر الحكيم في شرح والده ـ عند ذكر بعض فتاواه الحديثة ـ وقال: ومنها:

الفتوى بكفاية الإحرام من حدود الحرم وأدنى الحل للحجاج الذين يأتون من الآفاق، ممّن لا يمرّون في طريقهم بأحد المواقيت الخمسة المعروفة، أو ما يحاذيها محاذاة عرفية، كالحجاج الذين يأتون إلى جدة بالطائرات، وكذلك صحّة الإحرام من هذا الموقع للمعتمر بالعمرة المفردة.

حيث كان يستفيد من روايات المواقيت أنّها مختصّة بمن يمرّ عليها أو يحاذيها محاذاة عرفية، وهي المحاذاة الّتي يمرّ فيها الحاج قريباً من الميقات في حالة استقباله لمكة، وبدون ذلك فلا تكون هذه محاذاة ولا مروراً


1 . مستند الشيعة:11/189.

2 . الجواهر:18/118.


صفحه162

بالميقات، وبالتالي فيمكنهم أن يحرموا من أدنى الحلّ.

ومع قطع النظر عن صحّة هذا الاستنباط وعدمه فإنّ ذلك موكول للأبحاث الفقهية، ولكن المهم هو الشجاعة والجرأة الأدبية لهذه الفتوى والّذي عالج بها مشكلة حقيقية يعاني منها الحجاج استناداً لفهمه من النصوص.(1)

تعيّن القول الثاني

إنّ الّذي يحثّ الفقيه على الخوض في هذه المسألة هو أنّها ممّا يُبتلى به من قبل الكثير من الحجاج، حيث إنّ الذين يقصدون الحجّ من بلدان بعيدة على أقسام:

1. قسم منهم ينزلون مطار المدينة المنورة ويحرمون من ذي الحليفة، وهذا من أفضل وجوه الحجّ.

2. قسم آخر ينزلون مطار جدّة ويذهبون إلى المدينة شوقاً إلى زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويحرمون من ذي الحليفة أيضاً.

3. قسم منهم ينزلون مطار الجحفة ويحرمون منها.

إنّما الكلام في القسم الأخير.

4. من ينزل مطار جدّة ولا يتمكّن من الذهاب إلى المدينة ويشق عليه الذهاب إلى الجحفة إمّا لضيق الوقت أو لا يريده طلباً للراحة.


1 . دليل الناسك:67ـ68.


صفحه163

فالقسم الرابع هو أكثر ما يبتلي الحجاج به، فأمام هؤلاء الطرق التالية:

1. إلزامهم بالذهاب إلى أحد المواقيت، كالجحفة أو قرن المنازل أو غيرهما.

2. الإحرام من مرحلتين من مكة.

3. الإحرام من أدنى الحلّ.

أمّا الأوّل: فلا دليل على الإلزام، فإنّ ما ورد من الروايات من أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ووقّت لأهل الشام الجحفة، ووقّت لأهل نجد العقيق، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقّت لأهل اليمن يلملم.(1)

كلّ ذلك راجع إلى من كان من أهل هذه المواقيت أو كان ممّن يجتازها، وأمّا من سلك طريقاً لا يؤدي إلى أحد هذه المواقيت فلا يوجد أيّ دليل على إلزامه بالعود إلى المواقيت.

وأمّا الثاني: وهو الإحرام من مرحلتين من مكة بحجة أنّه لا يجوز لأحد أن يجتازها بلا إحرام، فقد مرّ فيه الإشكال بأنّه راجع لمن حضر أحد هذه المواقيت فلا يجوز له قطع المرحلتين على الأقلّ بلا إحرام، وأمّا من ليس من أهلها ولا مجتازاً فلا دليل على أنّها ميقات له .

فتعيّن هنا الطريق الثالث: ويشهد له ـ مضافاً إلى كونه المحتمل الذي ليس وراءه احتمال آخر ـ الأُمور التالية:


1 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب المواقيت، الحديث3 وغيره.


صفحه164

1. انّ أدنى الحلّ ميقات العمرة المفردة، للقارن والمفرد ولكلّ من يقوم بعمرة مفردة.

2. انّها ميقات من نسي الإحرام أو جهل بحكمه، فإنّه يحرم من أدنى الحلّ، فإن تعذر فمن مكانه. ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مرّ على الوقت الّذي يحرم الناس منه فنسي أو جهل فلم يحرم حتّى أتى مكة، فخاف إن رجع إلى الوقت أن يفوته الحجّ؟ فقال: «يخرج من الحرم ويحرم ويجزيه ذلك».(1)

3. انّها ميقات المقيم بمكة ما لم تمض عليه سنتان، فإنّه يخرج إلى أحد المواقيت إذا لزمه التمتع، ومع التعذّر إلى أدنى الحلّ.

وهذه الوجوه وما يقاربها تشرف الفقيه على أنّه يكفي الإحرام من أدنى الحلّ بلا حاجة إلى العود إلى المواقيت.

ويجب أن نذكر أنّ هناك مشكلة أُخرى تتعلّق بمسألة وجوب ترك التظليل ليلاً كالنهار عند جماعة من الفقهاء، خصوصاً إذا كانت الليلة مطيرة ، أو ذات رياح شديدة، فقد ذكروا ترك التظليل من تروك الإحرام، هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ السيارات المكشوفة غير متوفرة، والمتوفر منها بسبب قدمها واستهلاكها فهي خطرة على حياة الحجاج، حينما يستقلونها من المدينة إلى مكة.فانّ ركوبها وإن كان يسهّل الأمر من جهة ترك التظليل، لكنه لا يخلو من خطر كما جربناه بأُمّ أعيننا، عام 1410هـ حينما تعطّل كابح


1 . الوسائل:8، الباب14 من أبواب المواقيت، الحديث2.


صفحه165

السيارة التي كنّا نستقلها وكان جانبا الطريق منخفضين كثيراً والسيارة تسير بسرعة كبيرة، فأنجانا اللّه سبحانه من هذا الخطر بمنّه وقدرته.

وهذا بخلاف ما لو جاز لهم الإحرام من أدنى الحلّ، حيث إنّ المسافة بين الحديبية أو التنعيم ومكة قريبة جدّاً، فيمكن اتّخاذ سيارات مكشوفة تسير هذه المسافة القصيرة.

والأفضل حسب الظروف الحاليّة الإحرام من الحديبية لمن يصلها عبر أحد الطريقين القديم أو الجديد، حيث تتوفر فيها الحمامات بوفرة لجميع الحجاج نساءً ورجالاً، وهذا ما شاهدته بأُمّ عيني في سفري الأخير لأداء العمرة المفردة عام 1424هـ .

دراسة فتوى السيد الخوئي(قدس سره)

ثمّ إنّ السيد الخوئي ـ رضوان اللّه عليه ـ أفتى في الموضوع بالأُمور التالية:

1 . لزوم الذهاب إلى أحد المواقيت مع الإمكان .

2. ينذر الإحرام من بلده أو من الطريق قبل الوصول إلى جدّة بمقدار معتد به، ولو في الظاهر فيُحرم من محل نذره.

3. الذهاب إلى (رابغ ) الذي هو في طريق المدينة والإحرام منه بنذر باعتبار أنّه قبل الجحفة التي هي أحد المواقيت.

4. إذا لم يمكن المضي إلى أحد المواقيت ولم يحرم قبل ذلك بنذر،


صفحه166

لزمه الإحرام من جدّة بالنذر ثمّ يجدد إحرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه.(1)

يلاحظ على ما أفاده بأُمور:

أوّلاً: انّ لزوم الذهاب إلى أحد المواقيت مع الإمكان، بلا ملزم، لما مرّ من أنّ الروايات الدالّة على لـزوم الإحـرام من المواقيت التي وقّتها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ناظرة إلى مـن كان من أهل هذه المواقيت أو كان ممّن يجتازها، وأمّا مـن سلك طريقاً لا يؤدّي إلى أحـدها فـلا دليل على لزوم الذهاب إلى المواقيت.

ثانياً: انّ نذر الإحرام من بلده أو من الطريق قبل الوصول إلى جدة بمقدار معتد به أو في الطائرة، وإن كان يحل مشكلة الإحرام، لكن يبقى الإشكال في الاستظلال بعده بسقف الطائرة، ونحوها إذا كان الطيران في النهار أو في الليالي الممطرة أو ذات الرياح العاصفة .

وجه الإشكال: انّ حقيقة الإحرام عبارة عن العزم على ترك المحرمات، فكيف يجتمع ذلك العزم الجدي، مع العلم بنقضه في الطريق أو قبل ركوب الطائرة، ونحو ذلك، وهذه مشكلة يجب التخلّص منها على نحو لا يصادم حقيقة الإحرام الذي هو أمر قلبي قائم بالعزم والنية .

أضف إلى ذلك: انّ هذا الاقتراح ، لا ينفك عن وجوب الفدية عليه وهو تكليف زائد وتحميل عليه، وهو رهن الدليل.

ثالثاً: انّه إذا تمكن من الذهاب إلى (رابغ) يتمكن غالباً من الذهاب إلى


1 . المعتمد: 3 / 324 .


صفحه167

الجحفة، فإنّهـا بمقربة من (رابغ)، والطريق معبّد ذلول، والمسافة قليلة جداً.

رابعاً: إذا لم يمكن المضي إلى أحد المواقيت ولم يحرم قبل ذلك بنذر، فقـد أفتـى بلـزوم الإحرام من جدّة بالنذر، ثمّ يجدد إحرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه، ولم يعلم وجهه، لأنّ المورد خارج عن مصب روايات النذر، لأنّ مورد رواياته(1) هو نذر الإحرام قبل الميقات، ثمّ اجتيازه والمرور به. وأين هو من المفروض، وهو نذر الإحرام قبل الدخول في الحرم ثمّ الدخول فيه محرماً ، وقد ثبت في محله انّه لا يمكن تحليل الحرام ـ تكليفاً أو وصفاً ـ بالنذر واليمين والعهد، والإحرام قبل الميقات، أو بعده حرام تكليفاً وباطل وضعاً، خرجت منه صورة واحدة، وهو نذره قبل الميقات ثمّ المرور به محرماً، والصور الأُخرى باقية تحت المنع.

والحمد للّه الذي بنعمته تتمّ الصالحات


1 . الوسائل:8، الباب12 من أبواب المواقيت، الحديث 1ـ3.


صفحه168

صفحه169

الرسالة الخامسة

توسعة المسعى


صفحه170

صفحه171

لمّا وصلت الأخبار بأنّ الحكومة السعودية بصدد توسعة المسعى من الجانب الشرقي كتبنا هذه الرسالة لبيان حكمها، فنقول قال الله سبحانه: (إِنَّ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهمِاَ وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)(1).

***

السعي أحد أركان العمرة والحج فعلى المعتمر أو الحاج إذا فرغا من الطواف إتيان المسعى والسعي فيه على سبعة أشواط مبتدئاً من الصفا ومختتماً بالمروة.

إنّ الصفا والمروة جبلان معروفان، فالصفا جزء من جبل أبي قبيس، والمروة جزء من جبل قيقعان .(2)

وقد خصّ الله سبحانه المبدأ والمنتهى بعلامتين طبيعيتين غير متغيرتين عبر العصور والقرون لكي لا يطرأ التغيير على تلك الفريضة، من جهة المبدأ والمنتهى .

ذكر القاضي محمد بن أحمد بن علي الحسني الفاسي أنّ طول المسعى (أربعمائة وخمسة أمتار) وعرضه (في بعض المواضع عشرة أمتار


1 . البقرة: 158 .

2 . تهذيب النووي على ما نقله في الجواهر: 19 / 421 .


صفحه172

وفي البعض الآخر اثنا عشر متراً (1))، هذا ما ذكره الفاسي (المتوفّى 832 هـ) حسب ما نقله عنه رفعت پاشا في كتابه «مرآة الحرمين» والّذي زار مكة بين عام 1318 ـ 1321 هـ مرة بعد أُخرى. وأمّا في الوقت الحاضر فإنّ عرضه يبلغ 20 متراً ويبلغ طوله من الداخل 5,394 متراً، وأمّا ارتفاع الطبقة الأُولى فهو 12 متراً والطبقة الثانية 9 أمتار، ولعل الاختلاف في العرض نشأ بسبب إزالة المحلات والبيوت الّتي كانت موجودة على الجانب الشرقي للمسعى، والّتي كنت قد شاهدتها مقفلة أيام موسم الحج عند تشرفنا بزيارة بيت الله الحرام عام 1375 هـ .

لاشك أنّه لم يطرأ على المسعى أيّ تطور في جانب الطول لما عرفت من أنّ الجبلين الشامخين ثابتين في مكانهما، إنّما الكلام في جانب العرض فهل المسعى في عصر الرسول كان محدوداً بهذا العرض المعيّن، أو كان أوسع من الموجود حالياً؟

وهذا ما يطلب لنفسه التتبع الواسع وجمع القرآئن على دعم أحد الاحتمالين، خصوصاً أنّ الحجاج في كثرة وازدياد. فتسهيل الأمر من جانب وبيان الحكم الشرعي من جانب آخر يستدعيان البحث والتتبع والتحقيق في ذلك.

فلنذكر ما وقفنا عليه من خصوصيات المسعى في العصور السابقة، فهذا هو أبو الوليد محمد بن عبدالله بن أحمد الأزرقي (المتوفّى بعد عام


1 . مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا: 1 / 321. نقلاً عن شفاء الغرام للفاسي، وهذا التقدير هو ما ذكره الفاسي مقيساً بالذراع ثم حُوّل إلى الأمتار باعتبار طول الذراع 49 سنتيمتراً .


صفحه173

223 هـ) يشرح لنا كيفية المسعى في ذلك العصر:

1. ذُرِع ما بين الركن الأسود إلى الصفا فصار 262 ذراعاً و 18 اصبعاً.

2. ذُرِع ما بين المقام إلى باب المسجد الّذي يخرج منه إلى الصفا فكان 5,164 ذراعاً.

3. وذُرِع ما بين باب المسجد الّذي يخرج منه إلى الصفا إلى وسط الصفا، فكان 5 ,112 ذراعاً.

4. وذُرِع ما بين العلم الّذي على باب المسجد إلى المروة فكان 5,500 ذراعاً.

5. وذُرِع ما بين الصفا والمروة فكان 5,766 ذراعاً.

6. وذُرِع ما بين العلم الّذي على باب المسجد إلى العلم الّذي بحذائه على باب دار العباس بن عبدالمطلب وبينهما عرض المسعى فكان 5, 35 ذراعاً.(1)

وفي حاشية البجيرمي ما يقرب ممّا ذكره الأزرقي فقد جاء فيها: وقدر المسافة بين الصفا والمروة بذراع الآدمّي 777 ذراعاً. وكان عرض المسعى 35 ذراعاً فأدخلوا بعضه في المسجد (2) .

وهذان القولان لا يختلفان إلاّ في نصف الذراع في طول المسعى وعرضه كما هو واضح .


1 . أخبار مكة: 2 / 119 .

2 . حاشية البجيرمي: 2 / 127 .


صفحه174

ويظهر من كلمات المؤرخين أنّه حصل التغيير في أيام المهدي العباسي عام 160 هـ فقد قال القطبي: أمّا المكان الّذي يُسعى فيه الآن فلا يتحقق أنّه بعض من المسعى الّذي سعى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أو غيره، وقد حوّل عن محله كما ذكره الثقات .(1)

وقال صاحب الجواهر: حكى جماعة من المؤرخين حصول التغيير في المسعى في أيام المهدي العباسي وأيام الجراكسة على وجه يقتضي دخول المسعى في المسجد الحرام، وأنّ هذا الموجود الآن مسعى مستجدّ، ومن هنا أشكل الحال على بعض الناس باعتبار عدم إجزاء السعي في غير الوادي الّذي سعى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّه أُشكل عليه إلحاق أحكام المسجد لما دخل منه فيه.

ولكن العمل المستمر من سائر الناس في جميع هذه الأعصار يقتضي خلافه، ويمكن أن يكون المسعى عريضاً قد أدخلوا بعضه وأبقوا بعضه كما أشار إليه في الدروس .(2)

وحاصل هذه الكلمات أنّ التضييق قد حصل في جهة المسجد لا في الجهة الأُخرى بمعنى أنّ الساعي إذا وقف على الصفا متجهاً إلى المروة فإنّ المسجد الحرام يقع على يساره وأمّا الجانب الشرقي فعلى يمينه، فالتغيير الّذي طرأ فإنّما طرأ على جانبه الأيسر فدخل جزء من المسعى في المسجد. وأمّا الجانب الآخر فلم يُعلم حدوث أي تغيير فيه.


1 . تاريخ القطبي: 99 .   

2 . الجواهر: 19 / 422.


صفحه175

وبذلك يعلم مفاد ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام)حيث قال: ثم انحدر ماشياً وعليك السكينة والوقار حتّى تأتي المنارة، وهي طرف المسعى، فاسع ملأ فروجك، وقل: بسم الله والله أكبر، وصلّى الله على محمد وآله» وقل: «اللهم اغفر وارحم واعف عمّا تعلم إنّك أنت الأعز الأكرم» حتّى تبلغ المنارة الأُخرى، قال: وكان المسعى أوسع ممّا هو اليوم، ولكن الناس ضيّقوه .(1)

وقد نقله العلاّمة في التذكرة (2)، وفي المنتهى (3)، والبحراني (4)وصاحب الرياض (5) إلاّ أنّهم لم يعلّقوا على الحديث بشيء إلاّ البحراني الّذي قال: إنّ المفهوم من الأخبار أنّ الأمر أوسع من ذلك، فإنّ السعي على الإبل الّذي دلت عليه الأخبار، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يسعى على ناقته لا يتفق فيه هذا التضييق، من جعل عقبه يلصقه بالصفا في الابتداء وأصابعه يلصقها بالصفا موضع العقب بعد العود، فضلاً عن ركوب الدرج، بل يكفي فيه الأمر العرفي، فإنّه يصدق بالقرب من الصفا والمروة.(6)

وبما أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)قد عاصر الدولتين وتوفّي (عام 148 هـ) أي في عصر المنصور قبل أن يتسنّم المهدي ملك بني العباس، وكان التغيير قد


1 . الوسائل: 9، الباب 6 من أبواب السعي، الحديث 1 .

2 . التذكرة: 8 / 135 .

3 . منتهى المطلب: 10 / 411 .

4 . الحدائق: 16 / 271 .

5 . رياض المسائل: 7 / 94 .

6 . الحدائق: 16 / 265. ولاحظ الرياض: 7 / 94 .


صفحه176

حصل أيضاً قبل عام 160 هـ ، فهذا يعرب عن أنّ الناس قد بنوا أبنية طول المسعى الملاصق بالمسجد فضيقوا المسعى كما أشار إليه الإمام الصادق (عليه السلام). وقام المهدي العباسي بتهديم البيوت وجعل أرضها جزء من المسجد الحرام.

ويظهر من الأزرقي أنّ المساحة بين المسجد والمسعى قد بنيت فيها دور لبعض المكيين .

قال: وللعباس بن عبد المطلب أيضاً الدار الّتي بين الصفا والمروة الّتي بيد ولد موسى بن عيسى الّتي إلى جنب الدار الّتي بيد جعفر بن سليمان ودار العباس هي الدار المنقوشة الّتي عندها العلم الّذي يسعى منه من جاء من المروة إلى الصفا...، ثم إنّه يقول: ولهم أيضاً دار أُم هاني بنت أبي طالب الّتي كانت عند الحناطين عند المنارة فدخلت في المسجد الحرام حين وسعه المهدي في الهدم الآخر سنة سبع وستين ومائة. (1)

وهذا يدل على أنّ التوسعة الّتي حصلت في عهد المهدي كانت من جانب المسجد وأنّه هدم البيوت الّتي كانت مبنية على أرض المسعى .

***

وقد بلغتنا الأخبار بأنّ السعوديين بصدد توسعة المسعى بإحداث مسيرين متحاذيين ذهاباً وإياباً، ويظهر ممّا نشره المشرفون على التوسعة أنّها مبنية على أن يكون القديم للآتي من المروة إلى الصفا ويكون الجديد للنازل


1 . أخبار مكة: 2 / 233 ـ 234، ولاحظ بقية الصفحات .


صفحه177

من الصفا ذاهباً إلى المروة. وتقع التوسعة في الجانب الشرقي للمسعى لا في جانب المسجد.

وشكل الجبلين الموجود حاليّاً ربما يلازم كون المسعى الجديد خارجاً عن التحديد بما بين الصفا والمروة .

ومع ذلك كله فهناك قرائن تدل على أنّ المسعى كان أوسع حتّى من الجانب الآخر الّذي يقابل المسجد وهذه القرائن عبارة عن:

1. انّ الصفا جزء من جبل أبي قبيس كما أنّ المروة جزء من جبل قعيقعان فمن البعيد أن يكون طول الجبل وامتداده حوالي 20 متراً من غير فرق بين الصفا والمروة وهذا يدل على أنّ الامتداد الحالي ليس هو كما في السابق لحصول الحفريات على جانبيه.

2. توجد حالياً بقايا من جبل المروة خارج المسعى في الجانب الشرقي وهذا يدل على امتداده سابقاً ولكنّه حفر لإيجاد الطريق .

3. يظهر من الحاكم في ترجمة الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي قوله: إنّ دار الأرقم ـ وهي الدار الّتي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يدعو الناس فيها إلى الإسلام، وأسلم فيها قوم كثيرون ـ أنّ داره كانت على الصفا وتصدق بها الأرقم على ولده، فقرأت نسخة صدقة الأرقم بداره: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى الأرقم في ربعه ما حاز الصفا أنّها صدقة بمكانها من الحرم لا تباع ولا تورث».

إلى أن قال الحاكم: فلم تزل هذه الدار صدقة قائمة، فيها ولده يسكنون


صفحه178

ويؤجرون ويأخذون عليها حتّى كان زمن أبي جعفر. قال محمد بن عمر: فأخبرني أبي عن يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم قال: إنّي لأعلم اليوم الّذي وقع في نفس أبي جعفر انّه يسعى بين الصفا والمروة في حجة حجّها ونحن على ظهر الدار فيمر تحتنا لو شئت أن آخذ قلنسوته لأخذتها وانّه لينظر إلينا من حين يهبط الوادي حتّى يصعد إلى الصفا».(1)

وهذه الوثيقة التاريخية تدفعنا إلى القول: إنّ المسعى من الجانب الشرقي كان أوسع ممّا عليه الآن.

4. انّ دار الأرقم صارت في السنوات السالفة مكاناً لما يسمّى «دار الحديث المكّي» ولو بذلت جهود لسؤال المسنّين والمعمّرين الذين شاهدوا دار الحديث قبل التوسعة وحدّدوا مقدار الفاصلة بين هذا المكان وبين المسعى الحالي لكان ذلك دليلاً على الموضوع.

هذا وقد نشر المشرفون على التوسعة مخططاً أوضحوا فيه أن دار الأرقم بن أبي الأرقم «دار الحديث» كما ورد في المصادر التاريخية كانت تقع في المسعى وهي الآن تبعد عن المسعى الحالي مقدار 18,21 متراً، وبما أنّ مشروع التوسعة الجديدة يمتد إلى شرق المسعى مسافة 20 متراً، فيكون هذا الامتداد واقعاً ضمن المسعى الواقعي.(2)

وهذا الّذي يعاني منه العلماء والمحقّقون اليوم هو أحد النتائج السلبية الّتي سببها هدم الآثار التاريخية المتعلقة بعصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وصدر الإسلام،


1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 502 ـ 503 .

2 . لاحظ الخارطة في نهاية .


صفحه179

والّذي تعرضت له أغلب من المعالم الإسلامية في مكة والمدينة المنورة.

ولو كانت التوسعة مقرونة بحفظ معالم الإسلام وآثاره لما ضاع علينا معرفة حدود المشاعر الإسلامية.

5. يحتفظ المشرفون على التوسعة الجديدة بصورة فتوغرافية قديمة لمنطقة الصفا والّتي تظهر ـ كما يقولون ـ أنّ هناك امتداداً شرقياً لجبل الصفا كان موجوداً قبل أعمال الهدم وأثناء عملية الإزالة وبعد الإزالة.

6. ما ذكرنا من الدراسة يؤيد امتداد جبل الصفا حوالي 20 متراً إلى الشرق، إنّما الكلام في امتداد جبل المروة بهذا المقدار ولم نقف على ما يؤيد امتداد جبل المروة هذا المقدار، حتّى أنّ الباحثين في السعودية صرّحوا بذلك وقالوا: لم يوضح المسح التاريخي للصور الامتداد الشرقي لجبل المروة وإن أثبتت أحاديث كبار السن والمعمرين من سكان المنطقة وجود امتداد شرقي لسفح جبل المروة يقدر بحوالي 40 متراً بنيت عليه البيوت إلى شارع «المَدعى» الموجود جزء منه حالياً.

7. بالاعتماد على المسح الجيولوجي لمنطقة جبل المروة ثبت أنّ امتداد الجبل يستمر إلى مسافة 31 متراً، وهذا ما أشار إليه المشرفون في تقريرهم حيث قالوا: إنّ هناك ردميات من البطحاء تظهر في القطاعات المرفقة. كما نجد امتداد الجبل السطحي الموضح في الخريطة الجيولوجية المرفقة يقارب (31 متراً) شرقاً، وهو ما تم تأكيد وجوده من نتائج الحفر.

8. أكدت الدراسات التاريخية والجغرافية والجيولوجية الّتي قامت بها


صفحه180

اللجان المشرفة على توسعة المسعى أنّ هناك امتداداً سطحياً لجبل المروة بما لا يقل يقيناً عن 25 متراً من الناحية الشرقية، وهذا ما ثبت بعد دراسة عينات الصخور الّتي أُخذت من الناحية الشرقية لجبل المروة والّتي ظهرت مشابهتها لصخور المروة.

وقال الدكتور عبدالوهاب إبراهيم أبو سليمان ـ أحد علماء مكة المكرمة الّذي تلقينا أكثر معلومات هذا البحث عن طريقه ـ في رسالته إليّ: والّذي عاصرته من هذا المشعر بعد التوسعة السعودية للمسعى والحرم الشريف وقبل ذلك، أنّ الصفا امتداد لجبل أبي قبيس من الناحية الشمالية الشرقية، وكان هذا الامتداد ظاهراً متصلاً، تعاقب عليه التطور لتخطيط مكة المكرمة فقد كان الجبل الّذي يمتد منه الصفا ظاهراً، وطريقاً مرتفعاً تمر منه السيارات، هو الطريق الوحيد في تلك الجهة الّذي يربط شمال مكة بجنوبها، ومشعر الصفا في جزء منخفض منه.

ثم قال: وأُلفت نظر سماحتكم إلى الصورة رقم 193، ص 344 من الجزء الخامس من كتاب «التاريخ القويم» ـ وعسى أن يكون ضمن مكتبة الحوزة العامرة ـ لمشاهدة واقع هذا الامتداد قبل الإحداثات الأخيرة.

أمّا المروة فكما جاء في «التاريخ القويم» (5 / 353): «المروة في الشمال الشرقي للمسجد الحرام وهي منتهى السعي من أصل جبل قيقعان...».

وقد ظهرت في الكتاب الآنف الذكر صورة المؤلف (رحمه الله) في المروة عند


صفحه181

هدمها وهي بالفعل امتداد للجبل المذكور. ولعل سماحتكم شاهد جزءاً ممّا تبقى من الجبلين في الصفا والمروة، فكلاهما امتداد للجبل حذاءه.

هذه معلومات ووثائق حول الموضوع أضعها في متناول المحقّقين حتّى تكون نواة للبحث والدراسة الموّسعة، وليست الدراسة دليلاً على الإفتاء وإنّما هي خطوة متواضعة للغرض المنشود إلى أن ينكشف الحال أكثر من ذلك .


صفحه182

الخارطة


صفحه183

الرسالة السادسة

استظلال المحرم في الليل


صفحه184

صفحه185

   

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .

أمّا بعد ; فهذه رسالة وضعتها لحكم المسألة المبتلى بها في زماننا هذا، وهي حكم استظلال المُحرم في الليل، فنقول:

   

استظلال المحرم في الليل

لا شكّ أنّ الاستظلال من محظورات الإحرام، إنّما الكلام في: أنّ الممنوع هو ما كان له فعلية الاستظلال، أو أنّ الممنوع هو ما له شأنية الاستظلال، وإن لم يكن كذلك بالفعل كالسفر بالسيارة ليلاً أو في النهار الغائم؟

وبعبارة أُخرى: هل المانع عن الستر هو فوت الضحى، أو أنّ المانع هو التستر عن السماء وإن لم تكن هناك شمس؟

وأشار إلى الوجهين الشهيد في «الدروس» قال: هل التحريم في الظلّ لفوات الضحى أو لمكان الستر؟ فيه نظر لقوله(عليه السلام): «إضحَ لمن أحرمت له»، والفائدة فيمن جلس في المحمل بارزاً للشمس وفيمن تظلّل به، وليس


صفحه186

فيه.(1) أي تظهر الفائدة في موردين:

1. إذا جلس في المحمل بإزاء الشمس، فلو كان الموضوع هو الضحى لما كان عليه شيء، ولو كان الموضوع هو الستر، ارتكب حراماً لاستتاره بالمحمل.

2. إذا تظلل بالمحمل وليس فيه، فلو كان الموضوع هو الستر ليس عليه شيء، لكونه خارج المحمل، ولو كان الموضوع هو التعرّض للشمس ارتكب المحظور.

ثمّ إنّه لم يرد في رواية حكم التستر بالليل، ولم يسأل عنه سائل ولم يتعرض له الفقهاء إلاّ في الآونة الأخيرة، بعد توفّر المواصلات الحديثة كالطائرات والسيارات الناقلة للزائر ليلاً إلى مكة، أو من عرفات إلى المشعر، فهل يكون السكوت وعدم التعرض في الروايات وكلمات الأصحاب دليلاً على اختصاص الحرمة بالنهار، أو يكون دليلاً على كون النهار والليل في المقام سيّان؟ تظهر الحال بالإمعان في الروايات.

اعلم أنّ الروايات الواردة في المقام على طوائف خمس:

الأُولى: النهي عن التظليل و الاستظلال.

الثانية: الأمر بالإضحاء والتعرض للشمس والنهي عن الاستتار عنها، وإليه يرجع ما ورد من النهي عن الاستتار من الشمس بثوب وغيره.

الثالثة: ما دلّ على استثناء المريض و من به علّة.


1 . الدروس:1/378.


صفحه187

الرابعة: النهي عن ركوب القبة والكنيسة.

الخامسة: النهي عن التستر عن المطر.

وإليك دراسة الطوائف الخمس:

الأُولى: النهي عن التظليل و الاستظلال

وقد وردت الكلمتان في كثير من الروايات. فنقول: إنّ الظل وإن كان في الأصل هو ستر شيء لشيء كما عليه ابن فارس في مقاييسه حيث قال: «ظل» أصل واحد يدلّ على ستر شيء لشيء، وهو الّذي يسمّى «الظل»، وكلمات الباب عائدة إليه.(1)

لكن المتبادر ممّا ورد في القرآن الكريم هو السواد الحاصل في الجهة المخالفة للشمس، وكأنّ اللفظ انتقل من معناه المطلق إلى قسم خاص، وهو الاستتار من الشمس.

يقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً).(2)

ويقول سبحانه:(فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ).(3)

و يقول سبحانه:(وَدانيةً عَلَيْهِم ظِلالُها وَذلّلت قُطُوفها تَذليلاً).(4)

يلاحظ عليه: أنّ الظَّل بفتح الظاء ـ كما في المنجد ـ بمعنى الثبات والدوام، يقال: ظَلَّ يَظِل ظَلاّ يفعل كذا: دام. وعليه الآيتان التاليتان:


1 . مقاييس اللغة: 3 / 461، مادة «ظل».

2 . الفرقان:45.  

3 . القصص:24.

4 . الإنسان:14.


صفحه188

يقول سبحانه: (قالوا نعبد أصناماً فنظَّلُ لها عاكفينَ)(1) ، فإنّ معناها أن نقيم على عبادتها مداومين(2)، وما في الجلالين ـ في تفسير الآية ـ (من قوله: نقيم نهاراً على عبادتها) غير واضح، ويؤيده قوله سبحانه: ( إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ َرَواكِدَ عَلى ظَهْرِه إِنَّ في ذلكَ لآيات لِكُلِّ صَبّار شَكُور).(3) أي إن
يشأ اللّه أن يسكن الريح فتبقى السفن واقفة راكدة على ظهر الماء لا يبرحن عن المكان.(4) ومن المعلوم أنّ عدم مجيء الريح لا يختص بالنهار، بل يعمّ النهار والليل.

وقد فسره السيوطي في الجلالين بمثل ما ذكرنا وقال: يصرن رواكد ثوابت لا تجري.

وأمّا الظِّل ـ بالكسر ـ فهو بمعنى الفيء غالباً لا دائماً بشهادة قوله: (وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَة وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكمْ تَتَّقُون).(5)

أي قلعنا الجبل من أصله فرفعناه فوق بني إسرائيل كأنّه سقيفة، فظنوا أنّه واقع بهم فهو ليس بمعنى الفيء، بل بمعنى الشيء الذي لو وقع عليهم لقتلهم.

وفي اللغة أيضاً شواهد على وجود هذا المعنى بين أهل اللغة ، ففي لسان العرب: الظِلّ ما سترك من فوق، وظلال البحر: أمواجه، لأنّها تُرْفَع فتظل


1 . الشعراء:71.  

2 . مجمع البيان:3/196.

3 . الشورى:33.

4 . مجمع البيان:5/32.

5 . الأعراف:171.


صفحه189

السفينة ومن فيها، والمظلة: بيوت الأخبية، وكل ما أكنّك قد أظلّك. وقوله: فتظل السفينة أي تسترها، لا أنّها تفيئها.

وفي الروايات ما يشهد على ذلك، حيث استعمل في الاستتار عن المطر، ففي رواية علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه عن المحرم هل يظلل على نفسه إذا آذته الشمس أو المطر أو كان مريضاً أم لا.(1)

و سيوافيك نقل هذه الروايات في الطائفة الرابعة، فتفسير هذا النوع من الاستعمال، عن طريق القول بالمجاز غير تام، بشهادة عدم الحاجة إلى العناية ولحاظ العلاقة فيه، فالاستدلال بهذه الطائفة على اختصاص الحرمة بالاستظلال عن الشمس، مشكل بعد تنوّع الاستعمال.

الثانية: الأمر بالاضحاء أو التعرض بالضحى

قد وردت روايات تعرب عن أنّ الواجب على المحرم هو التعرّض للشمس وانّه بنفسه مطلوب، وإليك ما يدلّ على ذلك من الروايات:

1. صحيح عبد اللّه بن المغيرة عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام) في حديث، قلت: فإنْ مرضتُ؟ قال: «ظلّل وكفّر ـ ثمّ قال: ـ أما علمت أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: ما من حاج يضحى ملبّياً حتّى تغيب الشمس إلاّ غابت ذنوبه معها».(2)

فقوله: «ما من حاج يضحى ملبياً حتّى تغيب الشمس» فإنّ المناط هو التعرّض للشمس والبروز لها، إذ لو كان الممنوع هو مطلق التظليل ـ ولو


1 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.

2 . الوسائل:9، الباب64 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.


صفحه190

شأناً ـ و الركوب في كلّ ماله شأنية التستر، لما كان للتعليل بلزوم التعرّض للشمس وجه.

2. صحيحه الآخر، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الظلال للمحرم؟ فقال:«إضحَ لمن أحرمت له». قلت: إنّي محرور وإنّ الحرّ يشتد عليّ؟ فقال:«أما علمت أنّ الشمس تغرب بذنوب المحرمين (المجرمين خ ل)».(1)

قال ابن الأثير في «النهاية»: ضاحت الشمس أي برزت، ومنه حديث «ابن عمر» عندما رأى محرماً قد استظلّ فقال: إضحَ لمن أحرمت له: أي اظهر واعتزل الكِنَّ والظلَ.(2)

والرواية بصدرها، أعني قوله: «إضحَ لمن أحرمت له» وذيلها، دليل على أنّ الواجب هو البروز للشمس، ولذلك نُهي عن الاستظلال لأجل فواته عنده.

3. رواية عثمان بن عيسى الكلابي قال: قلت لأبي الحسن الأوّل(عليه السلام): إنّ علي بن شهاب يشكو رأسه و البرد الشديد ويريد أن يحرم؟ فقال:«إن كان كما زعم فليظلّل، وأمّا أنت فاضحَ لمن أحرمت له».(3)

فقوله: «وأمّا أنت فاضح لمن أحرمت له» دليل على أنّ المطلوب هو الإضحاء و التعرّض للشمس، وأنّ المراد من قوله(عليه السلام): «فليظلل» هو التظليل في النهار (وان كان لغاية دفع البرد الشديد) لا مطلق التظليل ولو في الليل


1 . الوسائل:9، الباب64 من أبواب تروك الإحرام، الحديث11.

2 . النهاية:3/77.

3 . الوسائل:9، الباب64 من أبواب تروك الإحرام، الحديث13.


صفحه191

لتلك الغاية ، وإلاّ لبطلت المقابلة بين الراوي وعلي بن شهاب، فإنّ المتبادر هو أنّ الوقت الذي يجب عليه الإضحاء، يجوز له فيه التظليل، وبما أنّ الأوّل محدّد بالنهار فيكون التالي كذلك، فيدلّ الجميع على أنّ المطلوب هو الإضحاء، والممنوع هو الاستتار عن الشمس، وفي الوقت نفسه أُجيز ذلك للمريض.

4. صحيح سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال: سألته عن المحرم يظلل على نفسه؟ فقال:«أمِنْ علّة؟» فقلت: يؤذيه حرّ الشمس وهو محرم. فقال:«هي علّة، يظلل ويفدي».(1)

فالرواية تدلّ على أنّ الواجب هو الظهور للشمس وعدم الاستتار عنها. وبما أنّ حرّ الشمس كان يؤذي مَن به علّة، أمر الإمام بالتظليل أي الاستتار عن الشمس بشيء. فالمحور منعاً هو الشمس وضوؤها وحرارتها، وجوازاً استتارها، فيجوز التستر في اليوم الغائم، لولا الإجماع على خلافه.

5. رواية المعلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا يستتر المحرم من الشمس بثوب، ولا بأس بأن يستتر بعضه ببعض».(2)

6. رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا بأس بأن يضع المحرم ذراعه على وجهه من حرّ الشمس، ولا بأس أن يستر بعض جسده ببعض».(3)


1 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب بقيّة كفّارات الإحرام، الحديث4.

2 . الوسائل:9، الباب67 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

3 . الوسائل:9، الباب67 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.


صفحه192

والروايتان ظاهرتان في أنّ الموضوع هو لزوم البروز للشمس، فإذا برز للشمس فلا بأس بأن يستر بعض جسده ببعض.

7. رواية عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول لأبي وشكا إليه حرّ الشمس وهو محرم وهو يتأذّى به، فقال: ترى أن أستتر بطرف ثوبي؟ فقال: «لا بأس بذلك».(1)

إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على أنّ الغاية من المنع عن الستر هي فوت الضحاء والبروز للشمس، فتدلّ على حرمة الستر عند وجود الشمس لمنافاة الستر عندئذ مع الضحاء، وأمّا الستر في الليل فالضحاء منتف لكن بانتفاء موضوعه.

هذه الروايات تؤيّد الوجه الأوّل (فعلّية الاستظلال لا شأنّيته، وإنّ المحظور فوت الضحاء لا الستر عن السماء)،وعلى ضوء ذلك يجب البروز للشمس نهاراً ويجوز السفر بالسيارات غير المكشوفة ليلاً، بل ـ لولا الإجماع ـ في النهار الغائم أيضاً.

ومع ذلك كلّه فالاعتماد على هذه الطائفة في تجويز الاستظلال بالليل مشكل، إذ الاستدلال مبنيّ على أنّ البروز إلى الشمس هو الغاية الوحيدة من النهي عن الاستظلال، إذ لا مانع من أن تكون هناك غاية أُخرى لا تختص بالنهار وهي التعرض للحوادث الجويّة من المطر و البرد، والعجاج وغيرها. والجامع بين الغايات، هو عدم التستر مطلقاً، ليكون معرضاً لكلّ ما يطرأ عليه من حرّ الشمس وبرد الجوّ وعجاج الرياح وامطار السماء، والتعرض


1 . الوسائل:9، الباب67 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.


صفحه193

لخصوص الشمس لكونه مورداً للسؤال، فتدبّر.

إلى هنا تمّ إيراد ما يمكن به الاستدلال على اختصاص حرمة الاستظلال بالنهار وعدم عمومها للّيل، بل النهار الغائم. وإليك ما يمكن أن يكون دليلاً لسعة الحرمة وعمومها لعامّة الأحوال.

الثالثة: استثناء المريض و من به علّة

وردت روايات تدلّ على جواز التستر للمريض ومن به علّة، نظير:

1. عن إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن المحرم يظلّل عليه وهو محرم؟

قال: «لا، إلاّ مريض أو من به علّة والّذي لا يطيق الشمس».(1)

2. عن محمد بن منصور، عنه(عليه السلام)قال:سألته عن الظلال للمحرم؟ فقال: «لا يظلّل إلاّ من علّة أو مرض».(2)

وجه الاستدلال على عمومية حرمة التستر، هو إنّه قد استثني فيها طوائف ثلاث:

1. المريض.

2. من به علّة.

3. من تؤذيه الشمس.


1 . الوسائل:9، الباب67 من أبواب تروك الإحرام ، الحديث7.

2 . الوسائل:9، الباب64، من أبواب تروك الإحرام، الحديث8.


صفحه194

والترخيص للطائفة الثالثة وإن كان يختص بالنهار، لكنّه في الطائفتين الأُوليين يعمّ الليل أيضاً فيجوز لهما التستر مطلقاً. وإطلاق المستثنى دليل على إطلاق المستثنى منه، وانّ الموضوع مطلق التستر مادام محرماً ليلاً ونهاراً استثني منه ما استثني .

يلاحظ عليه: أنّ إطلاق المستثنى فرع ثبوت الإطلاق في المستثنى منه، إذ من المحتمل أن تكون حرمة التستر مختصّة بالنهار ويستثنى منها الطوائف الثلاث في ذلك الظرف، وأمّا التستر في الليل، فلم يكن داخلاً في المستثنى منه حتّى يحتاج إلى الاستثناء، وجواز التستر فيه من باب الحليّة الذاتية، لا الاستثناء من الحرمة.

الرابعة: النهي عن ركوب القبة

وهذه الروايات بظاهرها و إطلاقها تؤيد الوجه الثاني من أنّ المحظور هو الاستظلال الأعمّ من الفعلية والشأنية، وكأنّ الملاك هو المستورية عن السماء، نظير:

أ. رواية محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألته عن المحرم يركب القبة؟ فقال:«لا» قلت: فالمرأة المحرمة؟ قال: «نعم».(1)

ب. رواية الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المُحرم يركب في القبة؟ قال: «ما يعجبني إلاّ أن يكون مريضاً» قلت: فالنساء؟ قال:«نعم».(2)


1 . الوسائل:9، الباب64 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

2 . الوسائل:9، الباب64 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.


صفحه195

ج. رواية الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المحرم يركب في القبة؟ قال: «ما يعجبني ذلك، إلاّ أن يكون مريضاً».(1)

والتعبير «ما يعجبني» لأجل رعاية حال المخالف، لأنّ الجواز هو المشهور بين السنّة، ولذلك عبّر الإمام(عليه السلام) بقوله:«ما يعجبني»، وإلاّ فالحكم الواقعي عنده هو الحرمة.

د. رواية هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المحرم يركب في الكنيسة؟ فقال (عليه السلام):«لا، وهو للنساء جائز».(2)

الروايات الثلاث الأُولى تمنع عن ركوب القُبّة والرابعة عن ركوب الكنيسة، وهي كما مرّ سابقاً ـ شيء يغرز في المحمل أو الرحل و يلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ويستتر ـ فهي بظاهرها دالّة على أنّ الممنوع هو المستورية لا فوات الضحى.

ومع ذلك فيها احتمالان:

1. أنّ الملاك لمنع ركوب القبة، هو فوت الضحاء، وانّ إطلاقات الروايات راجعة إلى هذه الصورة.

2. أنّ الملاك المانع هو الستر وأنّ المنع عن ركوبها هو فوت الستر، وأنّ الأمر بالضحاء لأجل الابتعادعن الستر، كما هو ظاهر رواية هشام (الرواية الرابعة).


1 . الوسائل:9، الباب64 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.

2 . الوسائل:9، الباب64 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.


صفحه196

وحصيلة الكلام: أنّه يجب إرجاع أحد الملاكين إلى الآخر. أمّا الأخذ بملاك الاضحاء وإرجاع النهي عن ركوب القبة ـ لكونه مفوّتاً له ـ إليه ، وأمّا الأخذ بإطلاق حرمة ركوب القبة، وانّ الملاك هو التستر عن السماء وأنّ الأمر بالاضحاء لأجل الابتعاد عن التستر، ولا يحتمل أن يكون في المقام عنوانان مستقلان خلافاً لبعض الأساطين على ما في تقريرات بحثه حيث احتمل أنّ المحرم عنوانان مستقلاّن.

أحدهما: الاستتار من الشمس بإيجاد ما يظلّل به.

ثانيهما: التظليل بالقبة والهودج والكنيسة وما يضاهيها في الليل والنهار الغائم، وبين العنوانين عموم من وجه يجتمعان فيما إذا ركب القبة مع شروق الشمس، ويصدق الأوّل دون الثاني فيما إذا استتر بالثوب أو الشمسية في النهار المشرق، وبالعكس فيما إذا ركب القبة في الليل وفي اليوم الغائم.(1)

وجهه: أنّه خلاف ما فهمه المشهور من الروايات من وحدة الملاك، ولا محيص من إرجاع أحدهما إلى الآخر .

ويمكن أن يقال بإرجاع هذه الطائفة (ركوب القبة)، إلى الملاك الأوّل، وانّ المنع عن ركوبها لأجل كونه مفوّتاً للضحاء، وذلك للوجه التالي.

إنّ الأخذ بالإطلاق فرع أن يكون المتعارف هو سير القوافل ليلاً ونهاراً، وعندئذ يصحّ التمسّك بإطلاق هذه الروايات.

وأمّا لو كان الرائج في الأزمنة السابقة هو السير نهاراً، فيكون القدر


1 . كتاب الحج:2/539.


صفحه197

المتيقّن هو المنع عن ركوب المحامل والكنائس في النهار. والّذي يدلّ على أنّ الرائج هو سير القوافل في النهار دون الليل، أُمور:

أ. فقد الطرق المعبّدة في تلك العصور، فلأجل التحرّز عن الضلال في الصحاري، كانوا يسيرون في النهار دون الليل، إلاّ شيئاً يسيراً أحياناً في أوّل الليل أو آخره قريباً من الفجر.

ب. التجنّب عن السباع والضواري لاختفائهن في أكنانهنّ في النهار دون الليل.

ج. الروايات الواردة في أبواب صلاة المسافر في مقدار السفر، نذكر منها ما يلي:

1. روى الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) أنّه سمعه يقول:«إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقلّ من ذلك ولا أكثر، لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة والقوافل والأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم».(1)

2. روى الصدوق:«وقد سافر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذي خشب، وهو مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان».(2)

3. وعن سماعة قال: سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال:«في مسيرة يوم، وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ».(3)


1 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة المسافر ، الحديث1.

2 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة المسافر ، الحديث4.

3 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة المسافر ، الحديث8.


صفحه198

4. روى أبو بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): في كم يقصّر الرجل؟ قال:«في بياض يوم أو بريدين».(1)

إلى غير ذلك من الروايات، وحمل اليوم فيها على اليوم والليلة خلاف الظاهر، وخلاف صريح لقوله(عليه السلام): «بياض يوم».

وعلى ضوء ذلك يشكل التمسّك بإطلاق ما ورد من النهي عن ركوب القبة والكنيسة للقول بحرمة ركوبهما في الليل. وكأنّ السيرة المستمرة في تلك الأعصار قرينة حاليّة تمنع عن انعقاد الإطلاق فيما دلّ على المنع من ركوب القبّة، هذا و للنظر فيما ذكر مجال:

أوّلاً: أنّ تخصيص سير القوافل بالنهار، وإقامتهم باللّيل خلاف ما يظهر من الذكر الحكيم حيث إنّه سبحانه يخبر بأنّ السائرين في الليل يهتدون بالنجوم في البرّ والبحر، قال سبحانه: (وَهُوَ الّذي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ وَالْبَحْر)(2) ، ولولا وجود السير في الليل في الجزيرة العربيّة وغيرها، لما أخبر سبحانه عن استهداء القوم بالنجوم ليلاً.

وثانياً: ولو صحّ ما ذكر فإنّما يصحّ في الطرق البعيدة والمسافات غير المعبّدة، إذ كانت القوافل تسير في النهار وتقيم في الليل، وأمّا في الطرق القصيرة والمسافات القريبة، ـ كما هو الحال في أكثر المواقيت بالنسبة إلى الحرم المكي ـ فالليل والنهار فيها سواء بالنسبة إلى القوافل، وقد مرّ في الجزء الثاني من كتابنا الحج في الشريعة الإسلامية الغرّاء عند البحث عن


1 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة المسافر ، الحديث11.

2 . الأنعام:97.


صفحه199

المواقيت أنّ الفاصل المكاني بين الحرم وقرن المنازل، هو 75 كيلومتراً، وبينه و بين يلملم 100كيلومتر، وبينه و بين الجحفة 87كيلومتراً، وقريب منه بينه وبين ذات عِرْق، فقلة المسافة من جانب، و تردد القوافل بينها عبر السنة من جانب آخر صارا سبباً لصيرورة الطريق معبّداً، واضح المعالم، بعيداً عن الضواري و السباع فيحلو السفر في الليل كالنهار.

وأمّا الروايات فهي محمولة على المسافات البعيدة، والطرق الوعرة، أو على أنّ تحديد المسافة ببياض يوم أوضح وأبين من تحدده بالليل.

وثالثاً: ولو سلّمنا سير القوافل بالنهار فلا محيص من السير بالليل عند الإفاضة من عرفات إلى المشعر، فإنّ السير كلّه يتحقّق بالليل، فيكون إطلاق النهي عن ركوب القبة شاملاً لهذه الحالة بلا إشكال، ومع عدم القول بالفصل بينه و بين السير من الميقات يتم القول بحرمة الاستظلال ليلاً.

والحاصل: أنّ هذه الطائفة من الروايات أصحّ ما يمكن به الاستدلال على سعة الحظر وعمومه لليل والنهار، وإنكار إطلاقها مع أنّ الافاضة من عرفات إلى المشعر تتحقق بالليل، لا وجه له.

الخامسة: ما تنهى عن التستر عن المطر

وهذه الطائفة بظاهرها تدلّ على أنّ الواجب هو عدم التستر عن السماء; لحرمة التستر عن المطر، في عرض حرمة التستر عن الشمس، وذلك كالروايات التالية:


صفحه200

1. رواية علي بن محمد (القاساني المعروف) قال: كتبت إليه عن المحرم هل يظلل على نفسه إذا آذته الشمس أو المطر أو كان مريضاً أم لا؟ فإن ظلّل هل يجب عليه الفداء؟ فكتب(عليه السلام) :«يظلل على نفسه ويهريق دماً إن شاء اللّه».(1)

2. رواية محمد بن إسماعيل قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الظل للمحرم من أذى مطر أو شمس؟ فقال: «أرى أن يفديه بشاة ويذبحها بمنى».(2)

3. رواية إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا(عليه السلام): المحرم يظلّل على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضرّان به؟ قال: «نعم». قلت: كم الفداء؟ قال(عليه السلام): «شاة».(3)

4. صحيح محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا(عليه السلام) قال: سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس ـ وأنا أسمع ـ؟ فأمره «أن يفدي شاة، ويذبحها بمنى».(4) و هو غير ما مرّ برقم 2، لأنّ السائل فيما مرّ هو نفس محمد بن إسماعيل، و أمّا المقام فالسائل غيره وهو يسمع.

وهذه الروايات تعرب عن أنّ الغاية من التظليل هو النهي عن التستر عن الشمس وبعض الطوارئ الجويّة كالمطر.


1 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب بقية كفّارات الإحرام ، الحديث1.

2 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب بقية كفّارات الإحرام ، الحديث 3.

3 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب بقية كفّارات الإحرام ، الحديث 5.

4 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب بقية كفّارات الإحرام ، الحديث 6.


صفحه201

فإذا كان الواجب هو التعرّض للمطر فلا فرق بين النهار والليل، فلو كان الليل ممطراً يحرم الاستظلال بأيّ شيء حصل، سواء أكان بالمحمل أو السيارة أو الطائرة.

والنسبة بين نزول المطر ووجود الشمس في السماء هي نسبة العموم والخصوص من وجه، فربما يكون مطر ولا شمس، كالليل الممطر، وربّما يكون شمس ولا مطر، كالنهار الصحو، وربّما يجتمعان وعندئذ وجه لإرجاع حرمة التستر إلى المطر إلى خصوص النهار.

5. ويؤيّد استقلال المطر في المانعية ما رواه في «الاحتجاج» عن محمد بن عبداللّه بن جعفر الحميري أنّه سأل صاحب الزمان (عجل اللّه فرجه الشريف) عن المحرم يستظل من المطر بنطع أو غيره حذراً على ثيابه وما في محمله أن يبتلّ فهل يجوز ذلك؟ فوافاه الجواب:«إذا فعل ذلك في المحمل في طريقه فعليه دم» .(1)

هذا فلو أغمضنا عن الإطلاق الموجود في الروايات الناهية عن ركوب القبة يمكن أن يقال المحظور هو الأمران على وجه القضية المانعة الخلو وهما:

1. الشمس.

2. المطر.

فيجوز ركوب السيارة أو الطائرة في الليل إذا كان الجو هادئاً ولم تكن


1 . الوسائل:9، الباب67 من أبواب تروك الإحرام، الحديث7.


صفحه202

السماء ممطرة، وفي غير هذه الصور يحرم ذلك فلو ركب فعليه الكفّارة.

ولو ركب السيارة ولكنّه واجه في أثناء سفره المطر، فيتوقف حتى يتحسن الجو وينقطع المطر، وليس عليه شيء، لأنّه ليس سائراً بل واقفاً، وعند ذلك يستمرّ في المسير. ولكن الإغماض عن إطلاق ما ينهى عن ركوب القبة ممّا لا وجه له.

والحقّ: انّ الطائفتين الأخيرتين من الروايات (أعني: النهي عن ركوب القبة على وجه الإطلاق والذي يعمّ ركوبها الإفاضة من عرفات إلى المشعر، والنهي عن التستر من المطر الذي ربما يكون عنوانا مشيراً إلى الحالات الجوية من البرد القارص و العواصف الترابيّة) ممّا يصدان الفقيه عن الإفتاء بجواز الاستظلال في الليل من دون ضرورة.

وما ربما يقال من التستر بالقبة وأمثالها في الأسفار كان للتوقّي عن حرارة الشمس، وأمّا في الليل فكانت السيرة على رفع الستر، لترويح النفس والتعرض للجو المفتوح، فغير تام، لأنّ الجو في الليل حتى في فصل الصيف في تلك المناطق الحارة ربّما يكون بارداً مزعجاً جداً، وربّما يكون مرفقاً بالعجاج، وقد جربناه في أسفارنا فيحتاج إلى التستر بشيء.

فالإنصاف أنّ الإفتاء بجواز الستر ليلاً، أمر مشكل، والأحوط هو عدم ركوب السيارات غير المكشوفة إلاّ عند الضرورة كما هو الحال في هذه الأعصار، مع أنّ ركوب السيارات المكشوفة محاط بالأخطار، لقدمها وعدم استعمالها إلاّ في موسم الحج الذي يجعلها غير صالحة، وربّما يؤدي ركوبها إلى عواقب غير حميدة.


صفحه203

الرسالة السابعة

المفاهيم العامّة في المعاملات


صفحه204

صفحه205

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وسيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد:

فهذه رسالة وجيزة كفيلة بإيضاح بعض المفاهيم الّتي تتردد كثيراً على ألسن الفقهاء في أبواب المعاملات، وتستعمل بشكل واسع، أعني بها ما يلي:

1. المال.      2. الملك.

3. الحق.      4. الحكم.

5. أقسام الحق وأحكامه.

6. العقد والعهد.

وهذه الرسالة بالإضافة إلى إيضاح مفاهيم هذه الألفاظ تشتمل على مباحث وفوائد لا غنى للطالب عنها.

ومنه تعالى نستمد العون وعليه نتوكل في الأُمور كلها.

ويقع الكلام في فروع:


صفحه206

   

1

في تعريف المال

إنّ المال ـ المبحوث عنه في أبواب المتاجر والمأخوذ في تعريف البيع على ما سيأتي ـ : عبارة عمّا يرغب فيه العقلاء، ويُبذل بإزائه الثمن، وله ندرة نسبية.

فبالقيد الأوّل خرج كل منفور لا يرغب فيه، كالحشرات ونفايات البيت.

وبالقيد الثاني خرجت حبّة أو حبات من الحنطة فهي تُعدّ ملكاً ولا تُعدّ مالاً، إذ لا يبذل بازائها الثمن.

وبالقيد الثالث خرج المبذول كالهواء والماء على شاطئ النهر .

وعلى هذا فلا يختص المال بالأعيان، بل يعم الأعمال والمنافع، لانطباق التعريف عليهما فهما ممّا يبذل الثمن بازائهما.

فإن قلت: إنّ المنافع ليست مالاً لكونها معدومة .

قلت: إنّ العين تُعدّ عند العرف وجوداً جمعياً للمنافع، ومشيرة إليها، وكيف لا تكون المنافع مالاً مع أنّ مالية الأشياء عند العقلاء باعتبار منافعها، فنفس المنفعة أولى بأن تكون مالاً ويبذل بازائها الثمن.

ويشهد على ما ذكرنا ـ عدم اختصاص المال بالأعيان ـ صحة جعل ما


صفحه207

في الذمم المعتبرة ثمناً للبيع إذا باع نسيئة، أو مثمناً كما إذا باع سلماً. فوصف ما في الذمة المعدوم مالاً دليل على عدم اختصاصه بالأعيان.

فكما يشمل المال المنافع يعم الحقوق أيضاً كحق الشرب من النهر والعين، وحق العبور حيث إنّ كلاًّ منهما أمر مرغوب فيه، يبذل بازائه الثمن .

منابع المالية

إنّ مالية الشيء تارة تستند إلى قابليته الذاتية للانتفاع به، نظير ما خلق الله سبحانه من الطيبات النباتية والحيوانية الّتي تسدّ حاجات الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية.

وأُخرى تستند إلى وجوده الصناعي كالبيت والأواني وكل مصنوع ينتفع به الإنسان ويبذل بازائه الثمن.

وثالثة تستند إلى اعتبار عقلائي أو عقد اجتماعي على كونه مالاً كالأوراق النقدية.

وقد كانت الأوراق النقدية يوم ظهورها للعالم تُعدّ وثائق من الدولة على أنّها تتعهد بمنح حاملها شيئاً من النقود الفضية أو الذهبية . إلاّ أنّها صارت بمرور السنين ذات قيمة ومالية مستقلّة وخرجت عن كونها وثيقة .

وأمّا الأسهم الّتي شاع بيعها وشراؤها في هذه الأيّام فالظاهر أنّها ملك مشاع لأصحاب السهام في أموال الشركة.


صفحه208

 

2

في تعريف الملك

الملك في اللغة: هو الاحتواء والإحراز، يقال: ملك الشيء: احتواه، قادراً على التصرف فيه، وهو إضافة اعتبارية بين الشخص وما احتواه، وإليك بيانها.

إنّ في واقع الملكية أقوالاً أو احتمالات نشير إليها مع ما فيها:

الأوّل: أنّها من مقولة الإضافة القائمة بين المالك والملك فهي أمر تكويني كسائر الإضافات كالأُبوة القائمة بين الأب والابن، وهذا هو الظاهر من صدر المتألهين في أسفاره حيث قال: فإنّ هذا (الملك) من مقولة المضاف لا غير .(1)

وهو الظاهر ـ أيضاً ـ من الشيخ الأنصاري حيث قال: إنّها نسبة بين المالك والمملوك (2)، فلو أراد من النسبة الإضافة الحقيقية فتكون الملكية أمراً تكوينياً، وإن أراد نسبة اعتبارية فتتحد مع المختار الآتي بيانه.

الثاني: انّها من مقولة الجدة، وهي الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء


1 . الأسفار: 4 / 223، وقد أراد من (الملك) الملكية، لا ذات الشيء.

2 . المتاجر: 79، ط. تبريز .


صفحه209

بشيء كالتعمم والتقمّص. وقد نقل هذا القول السيد الطباطبائي اليزدي في تعليقته عن بعضهم .(1)

وذكره صدر المتألهين بصورة احتمال، قال ـ بعد تعريف الجدة ـ : وقد يعبّر عن الملك بمقولة «له»، فمنه طبيعي ككون القوى للنفس، ومنه اعتبار خارجي ككون الفرس لزيد. (2)

أقول: إنّ الملكية ـ سواء أقلنا بأنّها من مقولة الإضافة أم من مقولة الجدة ـ على هذين القولين عرض لا محالة، وهو لا ينفك عن موضوع يعرضه، وعندئذ نسأل ما هو موضوع ذلك العرض أي الملكية؟ فهل الموضوع هو المملوك فينتقض بالمملوك في الذمة فهو ملك وليس موجوداً في الخارج كالدين وبيع السلم؟

أو أنّ الموضوع هو المالك فينتقض بما إذا كان المالك هو الجهة كالمسجد والمدرسة وعامة الجهات الحقوقية؟

فإن قلت: هب أنّها ليست من المقولات العشر الارسطوئية، فلماذا لا تكون من الصفات الحقيقية الّتي لا تحتاج إلى محل كامتناع شريك الباري وإمكان الإنسان، وإن لم يكن إنسان في الخارج فلتكن الملكية صفة حقيقية من سنخ الامتناع والإمكان؟

قلت: ما ذكرته غير صحيح في المنزّل عليه فكيف يصحّ في المنزَّل؟


1 . تعليقة السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي على المتاجر: 58 .

2 . الأسفار: 4 / 223 .


صفحه210

أما الأوّل كيف يكون الامتناع والإمكان من الصفات الحقيقية والحال أنّ امتناع الشيء أمر عدمي، كما أنّ الإمكان ـ بمعنى سلب الضرورتين عن الماهية سلباً تحصيلياً ـ عدمي، والعدم بطلان محض حتّى المضاف منه إلى الملكة، والجمل المتشكلة من هذه المفردات إخبار عن البطلان المحض، فقولنا: «شريك الباري ممتنع» أي لا واقعية له، فالإخبار أمر وجودي والمخبر به بطلان محض .

يقول المحقّق السبزواري:

لا ميز في الأعدام من حيث العدم *** وهو لها اذاً بوهم يرتسم

كذاك في الأعدام لا عليّة *** وان بها فاهوا فتقريبية(1)

وأمّا الإخبار عنه كما في قولهم: «المعدوم المطلق لا يمكن الإخبار عنه» فقد أجاب عنه أهل الفن في محله.

فإذا كان هذا حال المشبه به فكيف حال المشبه (الملكية).

والّذي يدلّك على أنّها ليست من الأُمور الحقيقية اختلاف الشرع والعرف في حصول الملكية بالإنشاء فيما إذا كان المبيع خمراً أو خنزيراً فالشرع ينفيها والعرف يثبتها وهذا أوضح دليل على أنّها ليست أمراً حقيقياً،


1 . شرح المنظومة: 42 .


صفحه211

وإلاّ لم يختلفا في المُنشأ مع وجود السبب التام له.

الثالث: انّ الملكية من الأُمور الانتزاعية وقد اختلفوا في منشأ انتزاعها إلى أقوال:

أ. إنّ المنشأ هو العقد أو المعاطاة مثلاً، فإنّ كلاًّ منهما أمر خارجي يصح منه انتزاع الملك.

ب. انّها منتزعة من الأحكام التكليفية كجواز التصرف بالنقل وغيره، نظراً إلى أنّ الملكية بمعنى السلطنة، فمعنى جواز التقلب فيه بأي وجه هو أنّ زمام أمره بيده، ولا نعني بالسلطنة الوضعية إلاّ ذلك.

ج. ان تمكّن الشخص من بيع العين ونقلها بأنواعه وتقليبها وتقلبها شرعاً أو قانوناً، منشأ لانتزاع الملكية شرعاً، فقدرته خارجاً على العين بأنواع التصرفات شرعاً، منشأ انتزاع الملكية لا مجرد جواز التصرف شرعاً.(1)

والفرق بينه وبين الثاني واضح، فإنّ المنشأ في الثاني هو الأحكام الشرعية أو العرفية وفي الثالث هو السلطنة والقدرة التكوينية على التصرف والتقلب.

هذه الوجوه الثلاثة نقلها المحقّق الاصفهاني في تعليقته على المتاجر، (2) وناقش في الجميع.

والّذي يمكن أن يقال: إنّ الأوّل، غير تام ضرورة أنّ الملكية أوسع من


1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني على المتاجر: 5 ـ 6 .

2 . نفس المصدر .


صفحه212

العقد والمعاطاة، فمن حاز شيئاً من البحر أو غيره يرى نفسه مالكاً له من دون أن يكون هناك عقد أو معاطاة.

وأمّا الثاني ـ أعني: كونها منتزعة من الاحكام التكليفية ـ فكالأوّل، لأنّ الأحكام التكليفية تابعة لاعتبار الملكية، فالملكية موضوع لها لا أنّها منشأ انتزاع لها، أضف إلى ذلك أنّ الملكية تكون معتبرة مع المنع عن التصرف وهذا كالمفلس فهو مالك لما تحت يده، ولكنّه لا يجوز له التصرف، كما أنّ الصبي مالك لما ورثه مع أنّه لا يجوز له التصرف، ونحو ذلك .

وأمّا الثالث ـ أعني: تمكن الشخص من بيع العين ونقلها شرعاً أو قانوناً منشأ لانتزاع الملكية ـ فيرد عليه ان كون السلطة المذكورة منشأ للانتزاع ليس أولى من القول بأنّها سبب لانتقال المعتبر إلى اعتبار الإضافة بين المسلط والمسلط عليه، فكونها سبباً للانتقال غير كونها منشأ للانتزاع، كما أنّ وجود الزوجين تكويناً يكون سبباً لانتقال الإنسان إلى اعتبار الزوجية بين الرجل والمرأة.

الرابع: أنّ الملكية من الأُمور الاعتبارية العقلائية، لأنّ العقلاء في حياتهم الاجتماعية لا محيص لهم من اعتبار أُمور بينهم ذات آثار اجتماعية حتّى تدور عليها رحى الحياة، وليست الملكية فريدة في بابها، بل الأُمور الاعتبارية العقلائية أكثر فأكثر، وربّما تزيد حسب تكامل الحياة وتقدم الحضارة.

إلاّ أنّ المهم هو أن نقف على ما هو السبب لانتقال الإنسان إلى ذلك الأمر الاعتباري وتثبيته في المجتمع. والّذي يمكن أن يقال هو أنّ الأُمور


صفحه213

الاعتبارية كلها استنساخ للأُمور التكوينية فالعقل العملي للإنسان ينتقل من ملاحظة الأُمور التكوينية إلى الأُمور الاعتبارية على نحو يكون المعتبر كالمستنسخ من التكوين، والفرد الاعتباري منبثقاً من الأمر التكويني.

ولنذكر مثالاً في المقام: إن الرأس في الإنسان يدير مجموع البدن والأعضاء فيأمر اليد بالقبض والبسط، والقدم بالمشي والوقوف، والعين بالغمض والفتح، إلى غير ذلك من الأعمال الّتي تصدر من الإنسان برئاسة الرأس الّذي يحتوي على المخ والعقل الإنساني حسب الظاهر، هذا هو حال الفرد من الإنسان .

وأمّا المجتمع الصغير أو الكبير فبما أنّه يتشكّل من طبقات مختلفة، متعدّدة الأهواء فلابد ـ في جعلهم كتلة واحدة تصب جهودهم في مصب واحد ـ لهم من وجود شخص نافذ الكلمة مطاع القول ، وهذا هو الّذي يطلق عليه الرئيس، فاعتبار ذلك الشخص رئيساً اعتبار عقلائي مستنسخ من رئاسة الرأس لجسد الإنسان، وهذا هو الّذي عبّرنا عنه بأنّ الأُمور الاعتبارية كلها أو أكثرها نوع استنساخ للأُمور التكوينية .

ولنذكر مثالاً آخر: يرى الإنسان في عالم التكوين زوجين كالعينين والأُذنين واليدين والرجلين وكل يعين الآخر فيما خلقا له، فهذه زوجية تكوينية مخلوقة لله سبحانه، ومنها تنبثق الزوجية الاعتبارية بين رجل وامرأة بينهما بعد المشرقين من حيث الثقافة واللغة واللون، ولكن كل يجذب الآخر ويشاركه معه فيما يحتاج إليه في الحياة، فيعتبران زوجين اعتباراً كالأُذنين تكويناً.


صفحه214

إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة الّتي كشف عن حقيقتها سيدنا العلاّمة الطباطبائي في بحوثه الفلسفية (1).

إذا عرفت هذين المثالين فقس عليهما الملكية الاعتبارية المستنسخة من الملكية التكوينية، فالإنسان حسب التكوين يملك كل واحد من أعضاء جسده وكيفية أعماله ويضيفه إلى نفسه فيقول هذه يدي، وهذه رجلي، وهذه عيني إلى غير ذلك من الأعضاء، بل ربّما يترقى حتّى ينسب أعماله الناشئة بواسطة هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول: هذه حسنتي وهذه جنايتي.

كل ذلك إضافة تكوينية مندمجة في خلق الإنسان وفطرته إلاّ أنّه ربّما تنتقل من هذه الإضافة التكوينية إلى إضافة اعتبارية لغاية اجتماعية، وهو أنّه إذا حاز شيئاً من البحر أو جنى شيئاً من الغابة يرى نفسه أولى به من غيره، فيعتبر نفسه مالكاً وما بيده مملوكاً، والنسبة الدائرة بين المالك والمملوك ملكية اعتبارية.

ومهما اتسعت دائرة الحضارة اتسعت دائرة الاعتبار كما سيوافيك بيانه.

   

هذا هو واقع الملكية ومَن عبّر عنها بالإضافة بين المالك والمملوك فهو يريد إضافة اعتبارية تحكي الإضافة التكوينية.

ومن جعلها من مقولة الجدة ـ أي الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء، وفي المقام إحاطة المالك بالمملوك ـ فعليه أن يجعلها جدة اعتبارية تعكس جدة تكوينية.


1 . راجع الجزء الثاني من «أُصول الفلسفة».


صفحه215

ومَنْ جعلها من الأُمور الانتزاعية فالصحيح أن يعبر عنها بالاعتبارية، لأنّ للأُمور الانتزاعية مناشئ خارجية هي من مراتب الوجود كتخلق الولد من ماء الوالد فينتزع منه الابوة والبنوة وغيرهما. وأمّا المقام فليست للملكية مناشئ خارجية، نعم ربّما يكون العمل الخارجي كحيازة الشيء من البحر سبباً للانتقال إلى اعتبار تلك الإضافة.

أسباب اعتبار الملكية

إنّ لاعتبار الملكية أسباباً ومناشئ نشير إليها:

الأوّل: الحيازة

وهي أُم المملكات، مثلاً إذا ذهب إنسان إلى البحر وصاد سمكة فأحاط بها إحاطة ليست لغيره، يرى نفسه أولى بها من غيره كما يراه العقلاء كذلك، قال الإمام علي (عليه السلام) لعبد الله بن زمعة: «إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ» (1)، فاصطياد السمك نوع احتواء له، ويصير الاحتواء سبباً لاعتبار نسبة بين المحرز وما أحرزه، ويعبّر عن تلك النسبة بالملكية، وعن الطرفين بالمالكية والمملوكية، وتصير مبدأ لآثار كثيرة منها جواز بيعه وشرائه ـ بمعنى تبديل طرفي الإضافة في جانبي البائع والمشتري.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 232 .


صفحه216

فالمبيع المنسوب إلى البائع، يكون منسوباً إلى المشتري على عكس الثمن.

الثاني: العمل

لاشك أنّ للعمل تأثيراً في زيادة القيمة ومرغوبية المادة، فإذا صنع الخشب سريراً أو الطين كوزاً فالعمل هذا يوجد في المادة المملوكة هيئة خاصة مفيدة في الحياة، فهو يملك المادة بالحيازة والهيئة بالعمل.

وربّما يقال بأنّ الهيئة تملك تبعاً للمادة. وملكية الهيئة تندك في ملكية المادة، ولا تُرى ـ عرفاً ـ ملكية خاصة للهيئة.

أقول: ما ذُكر صحيح لو كانت ملكية الإنسان للهيئة في عرض ملكيته للمادة، وأمّا إذا كانت ملكيته لها في طول ملكيته للمادة فهو أمر صحيح عقلائي.

نعم لمّا كانت الهيئة أمراً غير منفك عن المادة يلاحظ الجميع ـ تسامحاً ـ ملكاً واحداً، وإلاّ فالهيئة شيء والمادة شيء آخر .

ويشهد على ذلك بعض أُمور:

1. إن المزارع يقسم الانتاج مع المالك بنسبة معينة، فالمالك يملك نصيبه من الزراعة بتبع المادة (الأرض)، ولكن المزارع يملك نتيجة عمله .

2. إنّ المضارب يقسّم الربح مع مالك رأس المال بنسبة معيّنة، فالمالك يملك نصيبه من الربح بتبع رأس المال، والمضارب يملك نتيجة عمله.


صفحه217

3. إنّ الرجل إذا باع أرضاً على رجل آخر ولكن كان العقد فاسداً والمشتري جاهلاً بالفساد، فعمل بالأرض بالإصلاح وقطع الأعشاب وإعدادها للزراعة. فإذا تبيّن الفساد فالبائع يرد المسمّى على المشتري مع قيمة الأعمال الّتي قام بها المشتري بإذن منه، خضوعاً لقاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)، وهذا يدل على أنّ العمل من المملكات. غاية الأمر إذا كانت المادة ملكاً لنفس العامل يتراءى المجموع ملكاً واحداً ولكنهما عند التحليل يتراءى كلٌ ملكاً في طول الآخر .

الثالث: نماء المملوك

إذا كان الأصل ملكاً لإنسان فنماؤه ونتاجه يكون ملكاً له، وذلك كاللبن وولد الشاة وغيرهما.

الرابع: الإرث

إن الإرث من عوامل التمليك، فإذا مات الوالد يرثه أولاده حسب المقررات الشرعية، عند الملتزمين بها، أو حسب المقررات الوضعية عند غير المتشرعة.

الخامس: العقود والإيقاعات

وهي من المملكات على اختلافها وبها يختلف طرفي الإضافة فالبائع يملك الثمن والمشتري يملك المثمن وتتبادل الإضافات، ويدخل فيها الهبة، أو الإيصاء بناءً على أنّه من العقود والوقف بناءً على أنّه من الإيقاعات.

السادس: الإضرار بالنفس والنفيس

من الأسباب المملكة الإضرار بالنفس والأطراف (الأعضاء) والأموال


صفحه218

والمنافع والحقوق فيدخل فيه الغرامات والديات الّتي يتملكها الإنسان في مقابل الجرائم.

اتساع دائرة الملكية الاعتبارية حسب تطور الحضارة

كلّما اتّسعت الحضارة اتّسعت دائرة الاعتبار، وهذا الاتّساع تارة في جانب المالك وأُخرى في جانب المملوك.

أمّا الأوّل: فيظهر في مالكية الجهة فإنّ المالك فيها ليس شخصاً خاصاً بل الجهة الخاصة القائمة بالأشخاص عبر القرون، كمالكية الفقراء للزكاة، ومالكية مقام الإمامة للحقوق الواجبة.

روى أبو علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنا نؤتى بالشيء فيقال هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)فكيف نصنع؟ فقال (عليه السلام): «ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيّه».(1) فقوله: «بسبب الإمامة» إشارة إلى أنّ المالك الحقيقي للحقوق الشرعية هو منصب الإمامة المتمثل يومذاك في الإمام الهادي (عليه السلام).

فقد كان عنوان المالك قائماً بالفرد الحقيقي ولكن الحضارة وسّعت ذلك إلى حد صارت العناوين والجهات القائمة بالأشخاص عبر القرون، ربما تعدّ مالكة حقيقة أيضاً .

وقد يعبّر عن مالكية الجهة بمالكية المؤسسات والجمعيات والشركات، والهدف من تشريع هذه الشخصيات الحقوقية هو أنّ أهدافها وأغراضها ومصارفها تختلف عن الهدف والغرض والمصرف الشخصي


1 . الوسائل: 6 ، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .


صفحه219

لأي فرد حتّى الأفراد القائمين بها.

نعم الشركة العادية بين شخصين لا تعتبر شخصية حقوقية وليس لها ذمة ولا متملكات وإنّما المتملك هم الأشخاص الذين أسّسوا الشركة العادية.

وأمّا الشركات الحقوقية فلها ذمم ومتملكات على نحو لو أفلست الشركة فليس للديّان حق إلاّ في أموال الشركة، فلو كان لأصحاب الشركة أموال في غيرها لا تتعلق بها ديون الديّان.

أمّا الثاني ـ أي الاتساع في جانب المملوك ـ : فهو نظير ما ربما يقع ما في الذمة ـ المعدوم ـ طرفاً للإضافة الاعتبارية، كما في بيع السلم. والمصحح لذلك أي كون العدم طرفاً للإضافة الاعتبارية استطاعة المُسلف من تسليم ما تعهد به في الوقت المقرر. ومن هذا القبيل منح الامتياز وبيعه في موارد مختلفة، فمن ألّف كتاباً وأفنى فيه عمره وأبلى فيه قدراته، نراه يسمح لغيره ، بطبعه ونشره في مقابل مبلغ معيّن، ويمنع غيرَه من طبعه ونشره.

ما هي النسبة بين المال والملك؟

إنّ النسبة بين المال والملك عموم وخصوص من وجه .

فملاك الأوّل رغبة الناس إلى الشيء.

وملاك الثاني الاحتواء ووقوع الشيء في حيازته واختصاصه به.

وعلى ضوء ذلك فقد يقع الشيء في حيازة الإنسان ولا يعدّ مالاً، لعدم وجود الرغبة فيه كالحبة من الحنطة، وربما تتعلق الرغبة بالشيء ولا يُعدّ ملكاً كحق الشفعة والتحجير، وقد يجتمعان وهو متوفر.


صفحه220

 

3

في الفرق بين الملك والحق

الحق إن أُخذ مبدأً فهو بمعنى الثبوت، وان أُخذ وصفاً فهو بمعنى الثابت، وبهذا المعنى أُطلق على الله سبحانه، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ)(1)، فهو سبحانه حق بأفضل أنواع الثبوت، وجودٌ صِرفٌ لا يخالطه العدم ولا العدمي.

وأمّا في مصطلح الفقهاء ففي تفسير الحق أقوال:

الأوّل: الحق مرتبة ضعيفة من الملك

الحق مرتبة ضعيفة من الملك وهذا ما نُسب إلى المشهور، والجامع بينهما أنّ كلاًّ منهما إضافة بين المالك ومتعلّقهما، وهذه الإضافة لو كانت من حيث نفسها ومن حيث متعلّقها تامة بأن تكون قابلة لأنحاء التقلبات تسمّى ملكاً، ولو كانت ضعيفة إمّا لقصور نفس الإضافة ـ كحق المرتهن بالنسبة إلى العين المرهونة ـ وإمّا لقصور في متعلقه فتسمى حقاً وذلك كما في الأمثلة التالية:

1. حق الخيار بناءً على تعلقه بالعقد غير القابل لما عدا الفسخ والإجازة.


1 . الحج: 62 .


صفحه221

2. حق الاختصاص بالنسبة إلى الخمر القابل للتخليل .

وعلى هذا فلو لم يكن المجعول الشرعي مستتبعاً للإضافة فليس إلاّ حكماً كالأحكام التكليفية الخمسة، وتسميته بالحق إنّما هو بلحاظ معناه اللغوي (1) .

فإن قلت: إنّ مقتضى كون الشيء من مقولة الملك جواز عامة التصرفات فيه، مع أنّه لا يجوز لذي الحق إلاّ التصرف المحدود.

قلت: إنّ الاختلاف رهن قوة الإضافة وضعفها، فلو كانت الإضافة تامة تستتبع جواز عامة التصرفات، ولو كانت ضعيفة يقتصر بالمقدار الميسور منها.

فإن قلت: ربّما يكون عمل الحر متعلقَ الحق كما في حق الفسخ والإمضاء فإنّ الفسخ والإمضاء عمل لنفس ذي الحق، وفي الوقت نفسه متعلق للحق، مع أنّ عمل الحر لا يملك، إذ لا يتصور أن يكون الإنسان مالكاً لمشيه وأكله وشربه، لأنّ مالكيته لعمله تكوينية، غنية عن اعتبار الملكية.

قلت: صحيح انّ عمل الحر لا يملك، لأنّ مالكية الإنسان لعمله أمر تكويني غني عن الملكية الاعتبارية وإنّما تتصور الملكية بالنسبة إلى الأعيان والأشياء الخارجة عن وجود الإنسان، وأمّا ما هو داخل في وجوده وهو مالك له تكويناً، فإنّ اعتبار الملكية في هذه الموارد أمر لغو لا يحوم حوله العقلاء.

وأمّا الفسخ والإمضاء فلهما جهتان:


1 . منية الطالب: 1 / 41 .


صفحه222

الأُولى: انّ الفسخ والإمضاء بما انّ كلاًّ منهما عمل خارجي وفعل تكويني صادر من الإنسان كسائر الأعمال، وهما بهذا الوصف كسائر الأفعال التكوينية لا يخضعان للتملك الاعتباري لغنائهما عنه بوجود الملكية التكوينية .

الثانية: انّ الفسخ والإمضاء ـ بمعنى حل العقد وتثبيته ـ من الأُمور الاعتبارية، حيث لاحلّ حقيقة، ولا حكماً واقعاً. إلاّ في ظرف الاعتبار، وقد اعتبر العقلاء، قول المالك: «فسخت» أو «رضيت»، إنشاء وإيجاداً في عالم الاعتبار لهذين المفهومين، فهما بهذا المعنى ـ بما أنهما من الأُمور الاعتبارية ـ قابلان للتملّك، ويقعان متعلقين للحق.(1)

فإن قلت: ربّما يضاف الحق إلى شيء لم يكن له اعتبار الملك شرعاً، كحق الاختصاص بالخمر الّتي كانت خلاًّ قبل ذلك. وكحق الأولوية في الأرض المحجّرة الّتي لا تملك بالإحياء، على المشهور.

قلت: لا نسلم عدم الملكية في هذين الموردين بالمعنى الضعيف، فالملكية الناقصة موجودة وإن لم تكن التامة منها موجودة.

هذا توضيح القول الأوّل الّذي هو خيرة المحقّق النائيني (رحمه الله)، ويُنسب إلى المشهور.


1 . المناقشة والإجابة للمحقّق الاصفهاني لكن بتوضيح منا. لاحظ التعليقة على المتاجر : 10، ولا يخلو كلامه من تعقيد.


صفحه223

 

الثاني: الحق من مقولة السلطنة

إنّ الملك من مقولة والحق من مقولة أُخرى، ولا وجه لجعل أحدهما من مقولة واحدة.

أمّا الملك فهو اعتبار بين المالك والمملوك بما انّه واجد له، وفي حيطته وتصرفه، إمّا تصرفاً تكوينياً أو قانونياً.

وأمّا الحق فهو اعتبار بين ذي الحق ومتعلقه بما أنّ له سلطنة في الإعمال وعدمه.

ولنذكر لذلك أمثلة :

1. حق القصاص، كما في قوله سبحانه: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً)(1).

فقد أعطى الله سبحانه للولي سلطنة وضعية وصلاحية قانونية لإجراء القصاص وعدمه بالعفو عن الجاني.

2. حق الشفعة، فقد أعطت الشريعة المقدسة للشريك صلاحية قانونية لضمّ حصة الشريك الآخر إلى حصته بنفس القيمة.

3. حق الخيار، بمعنى السلطنة على اختيار الفسخ أو الإمضاء، بمعنى انّه فوّض لذي الخيار أحد الأمرين، فله السلطنة في انتخاب أحدهما.

وعلى ضوء ذلك فكل مورد كان للإنسان سلطنة على الشيء ـ إنساناً


1 . الإسراء: 33 .


صفحه224

كان أو عيناً خارجية أو عملاً ـ فهو من مقولة الحق.

وهذه النظرية هي الّتي اختارها الشيخ حيث فسّر الحق بأنّه عبارة عن السلطنة مقابلاً للملك.(1)

فإن قلت: إنّ هناك ما يُعد من الحقوق وليس فيها سلطنة لذي الحق على مورده، كولاية الجدّ والأب على الصغير، وحق الأولوية في من سبق إلى المسجد أو الأمكنة الأُخرى الموقوفة، وكذلك حق أولوية الإحياء في مورد التحجير. فمن سبق إلى مكان في المسجد أو الأراضي المتسعة من الموقوفات فلا شبهة في أنّه لا يملك المسبوق إليه بوجه من الوجوه.(2)

قلت: إنّ ما ذكر من الأمثلة يصلح لئن يكون نقضاً للقول الأوّل حيث عدّ الحق من مراتب الملك وليس في هذه المواضع شيء منه ولو ضعيفاً، ولكنه لا يُعد نقضاً للقول الثاني وانّ السلطنة يختلف اعتبارها حسب اختلاف المتعلق، فلا مانع من القول: إنّ للجد والأب سلطاناً على أموال المولّى عليه ونكاحه في إطار خاص، كما أنّ للسابق إلى المساجد والموقوفات سلطاناً على ما حازه ولو سلطنة مؤقتة، وكما هو الحال في مَن كان له خلّ فصار خمراً فله سلطنة عليه في حفظه لكي يعود خلاًّ.

وعلى كل تقدير فالقول الثاني أظهر من القول الأوّل لأنّه أنسب لمفهوم الحق والملك. وسيوافيك في نهاية الكلام في الفرع الرابع ـ وهو الفرق بين الحكم والحق ـ أنّ بعض ما عدّ من الحقوق من مقولة الأحكام فانتظر.


1 . المتاجر: 79.

2 . كتاب البيع للسيد الأُستاذ (قدس سره): 1 / 40 ـ 43، بتلخيص منّا.


صفحه225

 

القول الثالث: الحقوق ليست اعتبارات مختلفة

ذهب المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) إلى أنّ للحق الّذي يقابل الحكم اعتبارات مختلفة في الموارد المتشتتة، حيث قال: ويمكن أن يقال ـ وإن لم أجد من وافق عليه صريحاً ـ إنّ الحق مصداق في كل مورد لاعتبار مخصوص له آثار خاصّة:

1. فحق الولاية ليس إلاّ اعتبار ولاية الحاكم والأب والجد، ومن أحكام نفس هذا الاعتبار جواز تصرّفه في مال المولّى عليه تكليفاً ووضعاً ولا حاجة إلى اعتبار آخر، فإضافة الحق إلى الولاية بيانية (أي الحق الّذي هو الولاية) كذلك حق التولية وحق النظارة.

2. بل كذلك حق الرهانة فإنّه ليس إلاّ اعتبار كون العين وثيقة شرعاً، وأثره جواز الاستيفاء ببيعها عند الامتناع من الوفاء.

3. وحق التحجير أي المسبب عنه ليس إلاّ اعتبار كونه أولى بالأرض من دون لزوم اعتبار آخر.

4. وحق الاختصاص في الخمر ليس إلاّ نفس اعتبار اختصاصه به في قبال الآخر دون اعتبار ملك أو سلطنة له، وأثر الأولوية والاختصاص عدم جواز مزاحمة الغير .(1)

أقول: الظاهر أنّ هنا اعتباراً واحداً لا اعتبارات مختلفة وليس


1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني: 10 ـ 11 .


صفحه226

هو السلطنة وإنّما الاختلاف في متعلقها، فلو أراد من طرح هذه الأمثلة
نفي الملك في مواردها فهو صحيح، وأمّا لو حاول نفي السلطنة فهو غير
تام.

أمّا ولاية الحاكم والأب والجد فلهما سلطنة على أموال المولّى عليه لكن في إطار مصلحته، وجواز تصرفهم في ماله من شؤون وجود السلطنة لهم عليها اعتباراً ووضعاً، كما مرّ آنفاً.

وكذلك حق الرهانة فإنّ للمرتهن سلطاناً على العين لجواز استيفاء حقه ببيعها عند الامتناع عن الوفاء، ونظيره حق التحجير فإنّ له سلطة على ما حُجّر ليست لغيره إذا فرض هناك تشاحّ.

وعلى كل تقدير فلامانع من ارجاع الاعتبار في هذه الموارد إلى السلطة الاعتبارية وإن شئت قلت السلطة الوضعية. نعم كل مورد يفقد السلطة الوضعية بل كان اعتباراً محضاً لغاية وأثر خاص فهوليس من الحق المصطلح، بل هو حق بالمعنى اللغويّ أو عطف إلى الحق المصطلح طرداً للباب.(1)

والّذي يدلّك على اعتبار مفهوم السلطنة في مفهوم الحق، هو أنّ الحق تقوم بأمرين: ذي الحق ومَن عليه الحق، فلا يتصور الحق المصطلح إلاّ إذا كان هناك مَن عليه الحق، بخلاف الملك فهو إضافة قائمة بالمالك والمملوك عليه، ولا يتوقف على تصور المملوك عليه.


1 . سيوافيك الكلام في هذه الموارد في نهاية الفرع الرابع.


صفحه227

وما ربّما يقال: بأنّ الملك أيضاً قد فرض في حيثيته التعليلية وجود المملوك عليه فلو لم يكن في العالم إلاّ شخص واحد يتصرف في كل الأموال كما يشاء، لم يكن نكتة لفرض مالكيته لها .(1)

مدفوع بوجود الفرق بين «مَن عليه الحق»، و «مَن في مقابله الملك »، فالحق إضافة قائمة بين ذي الحق ومَن على ضرره الحق، بخلاف الملك فهو قائم بين المالك والمملوك لا في مقابل الآخرين وبحرمانهم عنه، فتدبر.

وبذلك يعلم أنّ إضافة الحق إلى التحجير والحضانة باعتبار وجود أطماع في البين، يسبّب ثبوت الحق لواحد من المتشاحين وحرمان الآخرين عنه.

الرابع: الحق غير الملك والسلطنة

لمّا ذهب المحقّق الاصفهاني إلى أنّ الحق في كل مورد مصداق لاعتبار مخصوص، له آثار خاصّة وعدّ منها: حق الولاية، وحق التولية، والنظارة، والرهانة، والاختصاص ; أشكل عليه سيدنا الأُستاذ (قدس سره)بالقول: بأنّ الاعتبار في الحقوق ليس مختلفاً وإنّما الاختلاف في المتعلقات، ثم ذهب إلى أنّ الحق غير الملك والسلطنة. واستدل على ذلك بالأُمور التالية:

1. لا شك انّ الحق حسب فهم العرف وفي موارد لا يعتبر فيها الملك ولا السلطنة، فلو سبق إلى مكان في المسجد فلا شبهة أنّه لا يملك المكان


1 . فقه العقود: 1 / 121 .


صفحه228

المسبوق إليه بوجه من الوجوه .

2. إذا انتقل حق التحجير إلى الصغير أو كان (حق التحجير) للمحجور عليه بسفه وغيره، فلا شبهة في عدم اعتبار السلطنة لهم لدى العقلاء بالنسبة إلى بعضهم، كالصغير غير المميز والمجنون فالسلطنة فيها لوليه القانوني أو الشرعي.

3. تعتبر السلطنة في بعض الموارد ولا يعتبر الحق ولا الملك، كسلطنة الناس على نفوسهم فإنّها عقلائية، فكما أنّ الإنسان مسلّط على أمواله مسلّط على نفسه .

4. يعتبر في الحق أحياناً الأداء كالدين دون الملك، فيقال: أدى دينه، وأمّا الملك فلا يصح فيه الأداء كما لا يصح في السلطنة، فلا يقال: أدّى ملكه، كما لا يقال: أدّى سلطنته أو سلطانه .(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما استدل به على أنّ الحق ليس من مقولة الملك، فهو صحيح مقبول، إنّما الكلام فيما استدل به على نفي أنّ الحق من مقولة السلطنة، فإنّه منظور فيه لأُمور:

أمّا أوّلاً: فلأنّ من سبق إلى مكان في المسجد له سلطنة مؤقتة وليس لأحد من المؤمنين مزاحمته، نعم ليس هناك كما أفاده (قدس سره).

ثانياً: أنّه إذا انتقل حق التحجير للمحجور عليه بسفه وغيره فله السلطنة إنشاءً لا فعلاً .

وإن شئت قلت: إنّ سلطنة الولي سلطنة المحجور وما قاله (قدس سره)(في ردّ


1 . كتاب البيع: 1 / 40 ـ 43، بتلخيص منا.


صفحه229

هذا الفرض بأنّ القاصر مسلوب السلطنة لا مفوضها وللوصي والقيّم والجدّ والأب والحاكم سلطنة مستقلة عليه وعليها، وليس حالهم حال الوكيل) غير تام، وذلك للفرق بين سلطنة الولي على أموال المحجور وسلطنته على أمواله نفسه، فهل هما على نسق واحد، أو أنّ بين السلطنتين فرق؟ وهذا يدل على أنّ الولي يتصرف في مال المولّى عليه نيابة ولاية عنه لا استقلالاً.

ثالثاً: أنّ ما أفاده من عدم الملازمة بين السلطنة والحق حيث إنّ للناس سلطنة على نفوسهم ولا يعتبر فيها الحق وإن كان صحيحاً، لكنّه ليس دليلاً على مدّعاه من أنّ السلطنة غير الحق، لأنّ السلطنة الموجودة في النفوس، سلطنة تكوينية نابعة عن اختيار الإنسان وعدم صدق الحق عليها، لا يضر في المقام، لأنّ الملازمة بين السلطنة الاعتبارية الوضعية وبين الحق، لا بين السلطنة التكوينية والحق فتدبر.

رابعاً: أنّ ما استشهد به أخيراً من أنّ السلطنة لا يقال فيها: أدى سلطنته ولكن يقال: أدّى دينه فهو أيضاً كسوابقه. وذلك لأنّه إذا كان الحق معادلاً للسلطنة لا يلزم استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر، وهذا هو لفظ «مولى» بمعنى «أولى» إذ يصح أن يقال: «هذا أولى من فلان» ولا يصح أن يقال: «هذا مولى من فلان».

وإن شئت قلت: إنّ اتحاد المعنى والترادف بين الألفاظ إنّما يقع في جوهريات المعاني لا عوارضها الحادثة من أنحاء التركيب وتصاريف الألفاظ وصيغها، فلا بأس أن يصح أن يقال: أدّيت حقّه ولا يصح أن يقال: أدّيت سلطنته.


صفحه230

   

4

في الفرق بين الحكم والحق

الحكم: عبارة عن مجعول شرعي على موضوع، زمامه بيد الشارع، وأمر وضعه ورفعه إليه.

أمّا الحق فهو مجعول شرعي جُعل لصاحبه على نحو يكون زمامه بيده، فله الأخذ به، وله العفو، وله الإسقاط.

وإن شئت قلت: الحق سلطنة مجعولة، زمامها بيد ذي الحق، فله الاختيار على الإعمال والإسقاط; بخلاف الحكم فإنّ رفعه ووضعه بيد الشارع.

نعم كلٌ من الحكم والحق مجعولان شرعيان لكن الجاعل وضعه على قسمين، تارةً وضعه وجعل زمام المجعول بيده فيسمى حكماً، وأُخرى وضعه وجعل زمامه بيد ذي الحق.

   

وبعبارة أوضح: أنّ الحكم تكليفاً كان أو وضعاً ، متعلق بفعل الإنسان من حيث المنع عنه أو الرخصة فيه، أو ترتب الأثر عليه. فجعل الرخصة ـ مثلاً ـ حكم، والشخص مورده ومحله، وفعله موضوعه. وهو لا يسقط بالإسقاط، ولا ينقل بالنواقل ـ بالبديهة ـ لأنّ أمر الحكم بيد الحاكم لا بيد المحكوم عليه.


صفحه231

نعم، الأحكام الخمسة المجعولة على فعل المكلف كلها من قبيل الحكم، كما أنّ الأحكام الوضعية من الطهارة والنجاسة والميراث وغيرها أحكام وضعية شرعية وهذا مما لا شك فيه.

نظرية وحدة الحق والحكم

ذهب المحقّق الخوئي (رحمه الله) إلى وحدة الحق والحكم، وقال في توضيحها: إنّ المجعولات الشرعية على أقسام ستة:

1. التكليف الإلزامي، كالواجبات والمحرمات.

2. التكليف غير الإلزامي، كالمستحبات والمكروهات.

3. الوضعي اللزومي الّذي يقبل الانفساخ، كالبيع والإجارة.

4. الوضعي اللزومي الّذي لا يقبل الانفساخ، كالزواج فإنه لا ينفسخ إلاّ في موارد.

5. الوضعي الترخيصي الّذي يقبل الإسقاط، كحق الشفعة.

6. الوضعي الترخيصي الّذي لا يقبل الإسقاط، كالجواز في الهبة.

وهذه الأُمور الاعتبارية وإن اختلفت من حيث الآثار ولكنّها تشترك في أنّ قوامها بالاعتبار المحض فلاوجه لتقسيم المجعول الشرعي إلى الحق والحكم .(1)

ثم إنّه (قدس سره)أكمل ما رامه بالبيان التالي فقال: فاعطف نظرك هل ترى فارقاً


1 . مصباح الفقاهة: 2 / 54.


صفحه232

بين جواز قتل المشرك الّذي يسمّى حكماً شرعياً وبين سلطنة وليّ الدم على قتل القاتل الّذي يسمّى حقاً شرعيّاً لقبوله الإسقاط؟ (1).

وقال في تقرير آخر:

وممّا يشهد لما ذكرنا من أنّ الحق هو الحكم بعينه أنّا لا نرى فرقاً بين الجواز الحكمي غير القابل للإسقاط في جواز قتل الكافر تكليفاً وبين الجواز الحقّي في جواز قتل الجاني قصاصاً. وهكذا لا فرق في جواز رجوع الواهب وضعاً وجواز رجوع مَنْ له الخيار في البيع مع أنّ الأوّل حكمي والثاني حقّي.(2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ كون الحكم والحق قائمين بالاعتبار المحض
لا يكون سبباً لوحدة المعتبَر، وإلاّ يلزم أن تكون الأقسام الستة قسماً
واحداً.

ثانياً: أنّ الحق والحكم وإن كانا من المجعولات الشرعية لكن تختلف كيفية الجعل والاعتبار، فتارة يجعل زمامه بيد الجاعل كجواز قتل الكافر حيث إنّه لا يسقط باسقاط المكلّف ، وأُخرى يجعل زمامه بيد مَنْ ينتفع به على نحو يكون إسقاطه وعدمه بيده ، ومع هذا الفرق الجوهري بين الاعتبارين كيف نجعلهما من مقولة واحدة؟

   

وثالثاً: أنّ الاختلاف في الآثار يدل على اختلاف الموضوع اعتباراً ولحاظاً، فلو كانا من سنخ واحد لكان اللازم هو الوحدة في الآثار.


1 . مصباح الفقاهة: 2 / 46 .

2 . المحاضرات: 2 / 21 .


صفحه233

5

أقسام الحق وأحكامه

إنّ طبيعة الحق تقتضي أن يكون قابلاً للإسقاط، إذ كيف يعدّ حقاً ينتفع به ذو الحق ومع ذلك لا يجوز له الإسقاط؟! والجمع بين الحق وعدم جواز الإسقاط كأنّه جمع بين النقيضين .

ومن البحوث اللازمة التعرّف على أقسام الحق وأحكامه، فإنّه حسب الظاهر من المشهور على أقسام:

1. ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل.

2. ما يقبل النقل الاختياري وما لا يقبل .

3. ما يقبل التوارث وما لا يقبل .

قال السيد الطباطبائي عرّف الحق بقوله: الحق نوع من السلطنة على شيء متعلق بعين كحق التحجير وحق الرهانة، وحق الغرماء في تركة الميّت، أو غيرها كحق الخيار المتعلق بالعقد، أو على شخص كحق القصاص وحق الحضانة وحق القسم، ونحو ذلك. (1) ومع ذلك عدّ من أقسام الحق ما لا يقبل الإسقاط ولا النقل .

اعترض عليه المحقق النائيني بأنّ ما أفاده السيد (قدس سره)في حاشيته على


1 . تعليقة الطباطبائي في المتاجر: 1 / 55 .


صفحه234

المتن من تقسيم الحقوق أوّلاً إلى ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل، لا وجه له، فإنّ كون الشيء حقاً وغير قابل للإسقاط لا يُعقل .(1)

وسيوافيك القضاء بين العلمين فانتظر، وتحقيق الحق يقتضي الكلام في الأقسام الثلاثة:

   

الأوّل: ما يقبل الإسقاط وعدمه

قد ذكر المحقّقون لما يقبل الإسقاط وما لا يقبل ضوابط ثلاث ندرسها واحدة بعد الأُخرى:

الأُولى: مراجعة الدليل للتعرّف على ما يقبل الإسقاط وعدمه

لمّا ذهب السيد الخوئي(رحمه الله) إلى عدم وجود الفرق الجوهري بين الحق والحكم وانّ كلا الأمرين من سنخ الحكم، اختار عدم ترتب الأثر على التفريق بينهما وتسمية أحدهما حقاً والآخر حكماً بعد كونهما شيئاً واحداً .

وأمّا التفريق بين ما يجوز إسقاطه وبين ما لا يجوز فليس من آثار كون الأوّل حقاً والثاني حكماً لما عرفت من عدم الفرق بين الحق والحكم، فللتعرف على ما يجوز إسقاطه عمّا لا يجوز، على مبناه لابدّ من مراجعة الأدلّة في شأن ذلك الحكم. فإن دلّ على جواز إسقاطه أو عدم جوازه فنتبع الدليل. ومثل ذلك معرفة ما يجوز نقله أو إرثه عمّا لا يجوز، فالمرجع في معرفة كل ذلك لسان الدليل لا كونه حقاً أو كونه حكماً.


1 . منية الطالب: 1 / 42 .


صفحه235

هذا وقد عرفت عدم تمامية هذا المبنى وانّ الحق والحكم متميزان بواقعهما فإن كان زمام الأمر بيد المكلف فهو حق، وإن كان بيد الشارع فهو حكم. ومن المعلوم أنّ الحكم الشرعي غير قابل للإسقاط ولا النقل ولا الإرث إلاّ إذا كان هناك دليل.

الثانية: التفريق بين صالح ذي الحق وصالح من عليه الحق

ذكر المحقّق الاصفهاني ضابطة للتفريق بين الأمرين وقال: التحقيق أنّ قبول كل حق للسقوط وعدمه يتبع دليل ذلك الحكم ومناسبة الحكم وموضوعه والمصالح والحِكم المقتضية لذلك الحكم، فمثل حق الولاية للحاكم والوصاية للوصي لخصوصية كونه حاكماً شرعياً وله هذا المنصب، وأنّ الوصي لوحظت فيه خصوصية في نظر الموصي فلذا عيّنه للوصاية دون غيره. فإنّ التخصيص بلا مخصص محال من العاقل (الملتفت) وعندئذ فنقله إلى غيره غير معقول لفقد الخصوصية، أو لوجود هذا الاعتبار له بنفسه من دون حاجة إلى النقل، كحاكم آخر مثلاً.

وحيث إنّ هذا الاعتبار لمكان رعاية حال المولّى عليه والموصي لا لرعاية نفس الولي والوصي فلا يناسبه السقوط بالإسقاط.

وهذا بخلاف سائر الحقوق كحق الخيار وحق الشفعة فإنّ مصلحة الإرفاق بالبائع أو بالمشتري أو بهما معاً أوجب لهم اعتبار السلطنة على فسخ البيع وإمضائه رعاية لذي الحق لا لمن عليه الحق فله إسقاطه، وكذا الشفعة فإن تضرر الشريك ببيعه حصة شريكه ممن لا يلائمه أحياناً أوجب جعل


صفحه236

حق التملك من المشتري بالعوض كما في بعض الروايات المتكفلة لحكمة التشريع. فمع تكلفه للضرر (تحمله له) أو لعدم التضرر من باب الاتفاق صحّ له إسقاط حقّه .(1)

وحاصل هذه الضابطة التفريق بين الحق المجعول لصالح من عليه الحق، والحق المجعول لصالح ذي الحق، فلا يجوز إسقاط الأوّل بخلاف الثاني.

وبذلك تقف على القضاء الصحيح بين العلمين، فالحق مع السيد الطباطبائي اليزدي حيث عرفت تقسيم الحق إلى ما يقبل وما لا يقبل، وأمّا كلام المحقّق النائيني فما ذكره صحيح في القسم الثاني ـ أعني: المجعول لصالح ذي الحق ـ إذ لا معنى لكون شيء حقاً للشخص ومع ذلك لا يصلح للإسقاط. وأمّا القسم الأوّل، فقد عرفت عدم صلاحيته للإسقاط ولا منافاة بينه وبين كونه حقاً، إذا لم يشرع لصالح ذي الحق، بل شرع لصالح من عليه الحق، أعني: المولّى عليه.

هذا ويمكن أن يقال: بأنّ ما شرع لصالح المولّى عليه سواء كان أمراً عاماً كالمجتمع بالنسبة إلى ولاية الحاكم، أو خاصاً كولاية الجد بالنسبة إلى الأولاد، أشبه بالحكم الشرعي وتسميته حقاً إنّما هو بالمعنى اللغوي، وسيأتي تفصيله في الضابطة الثالثة.


1 . تعليقة المحقق الاصفهاني على المتاجر: 12.


صفحه237

 

الثالثة: التفريق بين الحق العام والحق الخاص

وهذه الضابطة مبنيّة على تقسيم الحق إلى حقّ عام، وحق خاصّ. والمراد من الأوّل هو الحق المجعول لصالح المجتمع أو طائفة خاصة منهم، كما أنّ المراد من الثاني هو الحق المجعول لصالح شخص خاص والّذي يعبّر عنه بذي الحق، فالأوّل غير قابل للإسقاط، إذ ليست الغاية من جعله حفظ مصالحه، حتّى يُسقطه، بل الغاية حفظ المصالح العامّة. ولك أن تعبّر عن مثله بالحكم الشرعي الإلزامي، أو الحق العام، ولا مشاحة في الاصطلاح.

ومن هذا القسم (الحق العام) الأُمور التالية:

1. ولاية الحاكم على القُصّر والغُيّب.

2. حق التولية المجعول من الواقف للمتولي على الوقف.

3. حق الوصاية المجعول من الوصي لشخص معيّن على أطفاله أو على التصرف في ثلث ماله ونحو ذلك، ممّا يكون من شؤون ولايته على الأطفال وسلطنته على نفسه أو ماله فيجعله للوصي من بعده. فالجميع لا يصح نقله ولا إسقاطه ولا توارثه.

الحق العام ليس حقّاً اصطلاحياً بل حكم شرعي

إنّ الظاهر أنّ الحق العام من قبيل الحق بالمعنى الأعم، أي ما هو المجعول شرعاً وليس من الحق المصطلح المفسّر بالسلطنة فعدم جواز


صفحه238

إسقاطه لأجل كونه حكماً شرعياً، لا لكونه حقاً لكن غير جائز الإسقاط. وإليك تحليل الأمثلة الثلاثة:

1. إنّ معنى مسؤولية الحاكم وجوب قيامه ـ الّذي هو حكم شرعي ـ برعاية مصالح القاصرين والغائبين في أموالهم ومصالح المسلمين في أُمورهم. وبما أنّ الغاية المتوخاة من الولاية لا تتحقق إلاّ بوجوب القبول ممّن عليهم الولاية فيجب على المُولّى عليهم طاعة الحاكم وامتثال أوامره. فهذا النوع من الولاية أشبه بالحكم الشرعي الإلزامي، وفي الوقت نفسه من الحقوق العامة.

2. إنّ حق التولية ليس إلاّ مسؤولية ملقاة على عاتق المتولي في العين الموقوفة، ومعنى مسؤوليته هو وجوب قيامه بأعمال يحافظ بهاعليها من التلف والاندثار، وان تُصرف منافعها فيما وقفت له. ولو عُيّن للمتولي في صيغة الوقف شيئاً من الحقوق المالية فإنّما هو أُجرة مقابل الأعمال الّتي يقوم بها.

وبهذا يكون حكماً شرعياً ومن مقولة الحق بالمعنى العام.

3. حق الوصاية إن أُريد به أنّ للموصي حقاً على الوصي بمعنى أن يتخذه وصيّاً لنفسه، فهذا ليس حقاً بل حكماً شرعياً بمعنى أنّه يجوز له أن يتخذ الغير وصياً.

وإن أُريد به أنّه حق للوصي بمعنى أنّه يجوز له الردّ في حال الحياة وعدمه بعد الموت، فهذا أيضاً يرجع إلى الحكم الشرعي بمعنى أنّه يجوز


صفحه239

للوصي القبول والرد معاً في حال الحياة دون الموت. وإن لم يرد فهو حكم شرعي لا لصالح الوصي بل لمصلحة الميت وأولاده.

وبذلك يظهر أنّ الولايات على إطلاقها وشعبها من قبيل الأحكام الشرعية، فلو أُطلق عليه (حق) فهو بالمعنى العام، أي بمعنى ما ثبت شرعاً لا من الحق بالمعنى الأخصّ الّذي هو من مراتب الملك القابل للإسقاط، أو من مقولة السلطنة.

وأمّا الحق الخاص فهو عبارة عمّا يجعله الشارع أو العرف شخصاً ذا حظ ونصيب ينتفع به بنوع من الانتفاع ويصح له رد الحق وإسقاطه، وهذا كحق الشفعة والتحجير والقسم وغيرها، ولو صحّ تعجب المحقق النائيني فإنّما يصح في هذا القسم. إذ فرض كون شيء حقاً مع القول بعدم جواز إسقاطه كأنّه جمع بين المتقابلين.

فإن قلت: إنّ الخمس والزكاة المتعلقين بمال الغير يُعدّان حقاً لأربابهما ومستحقيهما، وهما من الحقوق بالمعنى الأخص حيث ينتفع أربابهما بهما مع أنّه لا يجوز إسقاط هذا الحق عمّن عليه، فكيف يقال أنّ الحق الخاص وعدم جواز الإسقاط أشبه بالجمع بين المتقابلين، فالخمس والزكاة من الحقوق الخاصّة ولا يجوز لصاحب الحق إسقاطهما.

قلت: إنّ الزكاة والخمس من الحقوق الشرعية، وأمّا عدم جواز إسقاطها فلأجل مانع في جانب ذي الحق وهو أنّ الحقوق الشرعية ليست حقاً قائماً بشخص الفقير الّذي يريد الإسقاط وإنّما هو حق للجهة القائمة به وبغيره من المستحقين، ولذلك لا يصحّ له إسقاط الحق، إذ أنّه ليس نائباً ولا وكيلاً عن


صفحه240

عامة الفقراء حتّى يصحّ له الإسقاط، قال سبحانه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقَابِ وَ الْغَارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(1)، فقوله سبحانه: (لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ) إشارة إلى أنّ المالك الحقيقي ـ ولو شأناً ـ هو عنوان الفقر والمسكنة وإلى غير ذلك من العناوين، وليس هو متمثلاً في شخص واحد معيّن حتّى يسقط الحق بإسقاطه.(2)

الثاني: ما يجوز نقله وعدمه

قد عرفت الضابطة لما يجوز إسقاطه ولما لا يجوز، فيقع الكلام في


1 . التوبة: 60 .

2 . واعلم انّه اختلفت آراء الفقهاء في كيفية تعلق الزكاة و الخمس بالمال، وربما ناهز عدد هذه الآراء العشرة.

والمختار عندنا أنّ فريضة الزكاة متعلقة بالعين لا بالذمة ولكن تعلقها بها ليس بنحو الملك الفعلي في العين، لا بنحو الشركة الحقيقية الّتي يعبّر عنها بالإشاعة ولا بنحو الكلي في المعيّن وإنّما هو حقّ مالي معيّن فرضه الله تعالى على المالك متعلق بما له المعيّن، فهوحقّ متعلق بماليّة النصاب لا ملكاً للمستحق في العين ـ لا بنحو الإشاعة ولا بنحو الكلّي في المعيّن ـ ولذلك فهو مخيّر بين أدائه من نفس المال أو من ماله الآخر. وبالتالي هو ملك للمستحق لكن شأناً لا فعلاً.

وإن أردنا أن نمثل له بمثال نستطيع أن نقول: إنّ تعلق الخمس والزكاة بالنصاب أشبه بإرث الزوجة من الأبنية والنخيل والأشجار فإنّه حق متعلق بماليتها، ولذلك يجب على الوارث دفع القيمة للزوجة، نعم لو أمكن دفعها من العين كما في الأشجار والنخيل جاز.

نعم فرق بين تعلق الزكاة والخمس بالنصاب وتعلق إرث الزوجة بغير الأرض وهو أنّ الزوجة مالكة بالفعل بالنسبة إلى الأعيان، لأنّ إرثها من المنقول بنحو الملك الفعلي فيكون إرثها من غير المنقول كذلك، وأمّا الزكاة والخمس فليسا ملكاً فعلياً بل ملكاً شأنياً.


صفحه241

بيان الضابطة في ما يجوز نقله إلى الغير وما لا يجوز، فنقول: إنّ الضابطة في ذلك هو التعرف على أنّ العنوان المأخوذ في موضوع الحكم عنوان مقوّم أو عنوان معرّف. فعلى الأوّل لا يجوز نقله وعلى الثاني يجوز .

توضيح ذلك: انّه ربما يستفاد من الأدلة أنّ العنوان المأخوذ في لسان الدليل مقوّم للحكم وعلّة له، وعندئذ لا يجوز نقله إلى الغير، ولنذكر على ذلك أمثلة :

1. حق الشفعة فالذي يمكن أن يتضرر أحياناً هو الشريك دون غيره فلا معنى لنقله إلى غيره بعد ما لم يكن شريكاً له.

2. حق الرهانة فإنّ كون العين وثيقة لغير الدائن غير معقول، فنقله إلى غيره غير معقول إلاّ بتبع نقل دينه إلى غيره وعندئذ ينقل حق الرهانة أيضاً تبعاً.

3. حق القَسْم فإن نقله من زوجة إلى أُخرى صحيح لاتّصافها بذلك العنوان وصحة استفادتها من الحق، وأمّا إلى إمرأة أُخرى ليست زوجة له، فغير معقول.

كل ذلك يتبع كون العنوان مقوّماً ودخيلاً في الحكم، والحكم دائراً مداره، يوجد بوجوده وينعدم بانعدامه.

وأمّا إذا افترضنا أنّ العنوان معرّف وعنوان مشيرٌ إلى موضوع أعم فيجوز فيه النقل، وهذا كحق التحجير فإنّه ليس فيه شيء من هذه الموانع فيصح نقله إلى غيره في مقابل الثمن.


صفحه242

وحصيلة الكلام: إنّه إذا كان الموضوع هو العلّة التامة للحكم فلا يقبل النقل إلاّ إذا كان مثلها موجوداً في المنقول إليه، وأمّا إذا كان مشيراً إلى ما هو الموضوع، غير مقوم للحكم فيجوز نقله إلى غيره.

الثالث: ما يورث وما لا يورث

ماذكرنا من الضابطة في جواز النقل وعدمه هي نفسها في جواز الإرث وعدمه. فلو كان العنوان مقوّماً فمعناه أنّ الحق قائم بالشخص فلا ينتقل إلى غيره، وهذا كحق القسم فإنّه حق للزوجة بما هي زوجة فإذا ماتت لا يتصور أن يقوم الوارث مقام الزوجة في هذا الحق، ولا تعقل استفادته من هذا الحق. وهذا بخلاف حق التحجير فقد عرفت أنّ العنوان معرّف ومشير فيرثه الوارث كما يرث أمواله وسائر حقوقه.

وحصيلة الكلام: أنّه لابد من ملاحظة دليل كل حق وما يحتف به من القرائن من الوجوه والمصالح والمناسبات .(1)

فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الميزان في الإسقاط وعدمه كون الحكم موضوعاً لصالح ذي الحق أو لأمر آخر فيجوز إسقاطه في الأوّل دون الثاني.

وأمّا الميزان في كون الشيء قابلاً للنقل أو الإرث فلو كان العنوان مقوّماً فلا ينقل ولا يورث. وأمّا لو كان مشيراً فينقل ويورث .

نعم للسيد الأُستاذ (قدس سره)مناقشات في بعض الأمثلة والظاهر عدم تماميتها فلاحظ .(2)


1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني: 12

2 . كتاب البيع: 1 / 48 .


صفحه243

 

إذا شُك في قبول الحق للإسقاط

إذا شك في كون الشيء قابلاً للإسقاط والنقل وعدمه، نظير: حق الرجوع في العدة، وحق النفقة في الأقارب، وحق الفسخ بالعيوب في النكاح. فله صورتان:

الأُولى: أن يكون منشأ الشك احتمال كونه حكماً، لا حقّاً، فالشك يرجع إلى وجود الموضوع (الحق) وعدمه ومع الشك في الموضوع لا يمكن أن يتمسك بالعمومات كعمومات الصلح والبيع وغيرهما، وذلك لأنّ الشك في الموضوع، إنّما هو بمعنى هل هناك موضوع للعمومات أو لا؟

وعندئذ فالمرجع هو الأُصول العملية ومقتضاها هو عدم سقوطه باسقاط بقائه أخذاً باستصحاب بقاء ما كان قبل الإسقاط، وعلى هذا فلو شك في كون شيء حقاً أو حكماً فلا يجوز إسقاطه ولا نقله. نعم لا يثبت باستصحاب بقائه كون المشكوك حكماً، لأنّه بالنسبة إليه أصل مثبت.

الثانية: إذا كان منشأ الشك ـ مع القطع بكونه حقاً ـ احتمال كونه سنخَ حق، له الإباء عن الإسقاط والنقل كحق الولاية الّتي عرفت إباءها عن الإسقاط على القول بكونه حقاً، فذهب المحقّق الاصفهاني إلى جواز التمسك في هذه الصورة بإطلاق دليل الصلح على سقوطه ونقله، أو بعموم أدلة الإرث لانتقاله (1).


1 . تعليقة الاصفهاني على المتاجر: 12 .


صفحه244

يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين الصورتين وأنّ الشك يرجع إلى الشبهة المصداقية في كلا المقامين.

أمّا الأوّل: فقد عرفت وجهه في كلامه.

وأمّا الثاني: فلأنّه خرج ما لا يقبل النقل والإرث عن تحت عمومات الصلح والبيع، فإذا شككنا في جواز نقله وعدمه يرجع الشك إلى أنّ المورد باق تحت العموم إذا كان قابلاً للنقل، أو خارجاً عنه إذا لم يكن قابلاً للنقل، ومعه يكون التمسك بإطلاقات أدلّة الصلح والبيع من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص.

ثم إنّه (قدس سره)التفت إلى هذا الإشكال وأجاب عنه بقوله: إنّ الحق القابل، والحق غير القابل عنوانان انتزاعيان من الحق الداخل تحت العموم والخارج عنه، لا أنّ العام (1) معنون بعنوان القابل، والمخصص معنون بعنوان غير القابل .(2)

يلاحظ عليه: إنّ كون القابل وغير القابل من العناوين الانتزاعية لا يصحح التمسك بالعام، وذلك لأنّا نعلم أنّ عدةً من الحقوق داخلة تحت العام، وأنّ قسماً منها خارجٌ عنه وداخلٌ تحت المخصص، ففي هذه الحالة نشك في أنّ هذا الحق هل هو من الحقوق الباقية تحت العام أو الخارجة عنه، وفي مثله لا يجوز التمسك بالعام.


1 . في المصدر: (لأن العام) والصحيح ما أثبتناه.

2 . تعليقة الاصفهاني على المتاجر: 12 .


صفحه245

ولو صحّ ما ذكره صحّ التمسك في الشبهات المصداقية للمخصص في عامة الموارد، مثلاً إذا قال المولى: أكرم العالم، ثم قال: لا تكرم الفاسق من العلماء، وشككنا في حال زيد العالم هل هو فاسق أم لا؟ فيمكن أن يقال: إنّ الفاسق وغير الفاسق عنوانان انتزاعيان من الفرد الداخل تحت العموم والخارج عنه لا أن العام معنون بعنوان غير الفاسق والمخصص معنون بعنوان الفاسق وهو كما ترى.

وبذلك يعلم أنّ تعجب المحقق النائيني من السيد الطباطبائي في غير محله، إذ لا ملازمة بين الحق والإسقاط لما عرفت من أن الملاك هو كون العنوان مقوّماً أو معرّفاً.

كما ظهر عدم تمامية ما اشتهر بينهم، أنّ لكل ذي حق إسقاط حقّه، إذ لم يرد في آية أو رواية أو معقد إجماع معتبر، فليتأمل.

نعم هنا صورة ثالثة لا بأس فيها بالتمسك بالعمومات، وهي ما إذا أُحرزت قابلية الحق للنقل والانتقال عُرفاً وعلم أنّه ليس من سنخ الحقوق الآبية عنها، لكن نشك في وجود المنع التعبدي فيها.

ففي هذه الصورة يجوز التمسك بالعمومات لإثبات صحة النقل بالعقد كالصلح نحو قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلح جائز بين المسلمين»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما ترك الميّت من حق فلوارثه»، فلو قام بالنقل أو مات صاحب الحق والحال هذه


1 . المائدة: 1 .   


صفحه246

يحكم بصحة النقل وصحة الانتقال ببركة هذه العمومات، إذا وقع النقل بالعقد أو الصلح أو جعل شرطاً في المعاملة، وما ذلك إلاّ لأنّ قابلية الحق للنقل والانتقال عند العرف، تكون طريقاً صحيحاً إلى كونه كذلك عند الشرع.

ولذلك يصح التمسك بهذه العمومات عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للبيع وغيره، وذلك لأنّ البيع الصحيح عند العرف طريق إلى البيع الصحيح عند الشرع، فإذا حكم العرف بكونه مصداقاً للبيع، يُحرز به كونه مصداقاً له عند الشرع فيشمله قوله: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(1)، ونظيره المقام فإذا كان الحق قابلاً للنقل والانتقال عند العرف نستكشف به كونه كذلك عند الشرع فتشمله العمومات.

فإن قلت: إنّ التمسك بالعمومات عند الشك في المنع التعبدي أشبه بالتمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية، فإذا ورد: أكرم العلماء، وخُصِّص بقوله: لا تكرم العالم الفاسق، وشك في فسق عالم وعدالته لا يمكن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص، وهكذا المقام إذ نعلم وجود المنع التعبدي من النقل في بعض الحقوق يكون المورد شبهة مصداقية للمخصص.

قلت: ما ذكرت إنّما يصح إذا لم يكن هناك طريقٌ إلى معرفة الحق القابل للانتقال عند الشرع عمّا لا يقبل، وأمّا مع وجود الطريق، أعني: كونه قابلاً لهما عندالعرف نستكشف أنّه فرد باق تحت العام وليس من مصاديق المخصص.


1 . البقرة: 275 .


صفحه247

تنبيه

ربّما عُدّت الأُمور التالية من الحقوق الخاصّة، أعني:

1. حق الأُبوّة.

2. حق الاستمتاع بالزوجة.

3. حق الجار على جاره.

4. حق المؤمن على أخيه.

والظاهر أنّ الأُمور المذكورة من أقسام الحكم الشرعي وليست من الحقوق، وإليك دراستها.

أما الأوّل ـ أعني: حق الأُبوة ـ : فالظاهر أنّه يرجع إلى وجوب الطاعة
أو حرمة العقوق وسخط الأبوين، فهو حكم شرعي إلزامي على الولد
بالنسبة إلى والديه ثبت ـ بدليل خاص ـ احتراماً لهما وجزاءً على إحسانهما إليه.

فلو وجبت على الولد الطاعة وجب على الوالد الإحسان إلى أولاده الصغار، فيجوز له التصرف في ماله إذا كان فيه مصلحة للولد.

وفي إزاء الخدمات الّتي يقدمها الوالد إلى الولد أجاز الشارع للولي أن يأكل من مال ولده من غير إسراف.

روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لرجل: «أنت ومالك لأبيك»، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): «ما أُحب أن يأخذ من مال


صفحه248

ابنه إلاّ ما احتاج إليه ممّا لابد منه، إنّ الله لا يحب الفساد».(1)

فالجميع في جانب الولد والوالد حكم شرعي وإن كان يتراءى أنّه من أقسام الحقوق، ولا بأس بتسميته بالحق بالمعنى العام لا الحق بالمعنى الخاص الّذي وقفت على معناه.

وأمّا الثاني ـ أعني: حق الاستمتاع بالزوجة: ـ فهو أيضاً حكم شرعي على الزوجة أن لا تمتنع عند إرادة الزوج لها إذا كان الزوج قائماً بحقوقها.

وأمّا الثالث والرابع ـ أعني: حق الجار على جاره، وحق المؤمن على أخيه ـ : فكلها من الأحكام وليست من الحقوق بمعنى الملك الضعيف، وأمّا ما ورد في الروايات من وجوب الاستحلال إذا اغتاب مؤمناً فإنّما هو لأجل المحافظة على مقام الأُخوّة، لا لثبوت حق مملوك له عليه.


1 . الوسائل: 12، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 2 .


صفحه249

 

في الحقوق المستحدثة

1. حق الاختراع

شاع في أيامنا هذه حقٌ يسمّى بحق الابتكار أو الاختراع، وهذا ما أحدثه التقدم الصناعي في عصرنا الحاضر.

وحاصله: أنّه يقوم أحد الباحثين باختراع جهاز أو آلة أو تأليف كتاب، يبذل في سبيل ذلك جهوداً مادية ومعنوية مضنية، وبذلك يقدّم شيئاً ينتفع به المجتمع انتفاعاً بالغاً، لم يكن له مثيل في السابق.

ثم إنّ هذا العمل يسجّل في سجّل الاختراعات والابتكارات باسمه، ويمنع الآخرين من تقليده، وانتاج مثله أو طبعه ونشره على نفس النسخة أو بنضد وترتيب آخر .

وهذا النوع من الابتكار قد اعترف به علماء الحقوق في الغرب والشرق، والغاية من الاعتراف بهذا الحق وإقراره هو تشجيع المؤلفين والمخترعين والمبتكرين للاستمرار بعملهم وتأليفهم، لطمأنتهم بأنّه لا يتمكن أحدٌ لاقتباس عملهم وإنّما تكون الفائدة منحصرة بصاحب الابتكار.

إنّما الكلام في مشروعية ذلك في الفقه الإسلامي، ويمكن التطرق إلى ذلك بالوجهين التاليين :


صفحه250

 

الأوّل: كون هذا الحق ارتكازياً

لا شك أنّ من قرأ حياة المخترعين والمبتكرين وشاهد جهود المؤلفين في أنّهم ربّما يوصلون ليلهم بنهارهم في طريق ما ينشدونه من العمل وربّما لا يعرفون الأكل والشرب إلاّ القليل الّذي يمدّ حياتهم، فعند ذلك يحكم بأنّ لهم حقاً في منع الغير عن اقتباسه وتقليده وصنع مثله. وهذا النوع من الحق أمر عرفي لم يردع عنه الشارع.

فإن قلت: الحقوق الّتي لم يردع عنها الشارع عبارة عن الحقوق الّتي كانت موجودة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فإذا لم يُردع عنها يُحكم بمشروعيتها.

وأمّا هذا النوع من الحق فقد مرّ أنّه وليد التقدم الصناعي الّذي مكن التجار والعمال من استغلال جهود السابقين بسبب الأجهزة والآلات الّتي اخترعت حديثاً، فعدم الردع أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

قلت: إنّ المصداق وإن كان حديثاً غير موجود في عصر الرسالة، لكن الكبرى الكلية المرتكزة ليست أمراً حديثاً، وهو أنّ المرتكز في ذهن كل إنسان أنّه إذا حاز شيئاً أو حفر بئراً أو غرس شجراً أو أحيا أرضاً فالجهود المبذولة في طريق ذلك لا تذهب سدى بل تثمر وتكون نتائجها له، وهذا أمر ارتكازي لم يردع عنه الشارع، ولذلك نرى أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام)قال لعبدالله بن زمعة: «إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ،


صفحه251

وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ» .(1)

فعندئذ نقول: ما هو الفرق بين جني الثمرة من البستان أو إحياء الأرض، وبين بذل الجهود المضنية لابتكار جهاز للنسخ والطبع أو تأليف كتاب كرس مؤلفه عمره في جمعه وتصنيفه؟ فالعرف يتلقّى الكل من نسيج واحد.

وبذلك يعلم أنّ الحقوق الاجتماعية أو الفردية الحادثة في الأعصار الأخيرة إذا اعترف بها العقلاء في عيشهم وحياتهم فهو أمر ماض عند الشرع، لما عرفت من أنّ الاعتراف بالحقوق ليس أمراً تعبدياً بل ارتكازياً له جذور في فطرة الإنسان، ومعه لا فرق بين الحق الحديث أو القديم.

والّذي يدلك على عدم الفرق هو أنّ الفقهاء سوّوا في تملك ما حازه الصياد بواسطة الأسباب القديمة كشبكة الصيد الصغيرة وبين آلات الصيد الحديثة كالسفن الكبيرة الّتي تخترق البحار والمحيطات وتنشر شباك صيدها الواسعة والمتطورة وتصطاد السمك من هنا وهناك.

كما لم يفرقوا في إحياء الأرض بين أداة قديمة كالمعول والمسحاة وبين إحيائها بالجرافة وسائر المكائن الزراعية الحديثة.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 232 .


صفحه252

 

الثاني: كون الاقتباس ظلماً

لاشك أنّ الظلم قبيح عقلاً وحرام شرعاً، وحقيقة الظلم هو التعدي على حقوق الآخرين وأموالهم وأعراضهم وكل ما يمت لهم بصلة. وقد اعترفت العدلية بالتحسين والتقبيح العقليين، ومن أوضح أمثلتهما قبح الظلم وحسن العدل اللّذين لا يشك أحدٌ من أصحاب الفطرة السليمة في قبح الأوّل وحسن الآخر. هذه هي الكبرى الّتي أصفق العدليون على هذا الحكم فيهما.

نعم أنكرت الأشاعرةُ قسم العقليينَ منهما ولكنّهم اعترفوا بالشرعيين. وأنّ الشارع قبّح الظلم وحسّن العدل.

وعلى كلّ تقدير فلا كلام في الكبرى، وإنّما المهم في الصغرى فنقول: إنّ تشخيص المصاديق بيد العرف دائماً أو غالباً. ولا شك أنّ تسويغ الآخرين حق الاقتباس والتقليد لعمل المبتكرين والمخترعين والمؤلفين بلا إذن منهم يُعدّ ظلماً لحقهم وتضييعاً لجهودهم .

فنفترض أنّ أحد دور النشر أعطت مبلغاً كبيراً لأحد الخطاطين لكتابة المصحف الكريم ثم استخدم أصحاب الاختصاص في ضبط إعرابه وحركاته، وعلامات الوقف إلى غير ذلك، ثم عُقدت اتفاقية مع أصحاب المطابع لطبعه وتجليده وعرضه إلى السوق، فمنذ أن ظهرت عدة نسخ منه بادر أحد الانتهازيين لتصويره وطبعه ونشره بقيمة أرخص منها أو بمثلها. فلا


صفحه253

شك أنّ من له طبع سليم يقبّح عمل الثاني ويؤنبه ويصفه بالتعدي والعدوان على حقوق الآخرين.

وكان سيدنا الأُستاذ في بعض بحوثه لا يعترف بهذا الحق، وقد بقي على هذا الرأي إلى أُخريات حياته (قدس سره).

2. حق السرقفلية

شاع في زماننا حق باسم «السرقفلية» وحقيقته أنّه إذا استأجر رجل حانوتاً أو محلاً للتجارة وانتهت مدة الإجارة، فلو حاول المالك إخراجه فالمستأجر يطالب بالسرقفلية وانّه لايترك المحل إلاّ بأخذ مبلغ خاص يتفاوت باختلاف الأماكن.

أو يؤجره المحل من مستأجر آخر ويأخذ منه ذلك المبلغ إمّا بإذن المالك أو بلا إذنه، والقانون الوضعي نطق بأنّه لا يتركه إلى الغير إلاّ بإذن المالك.

وعلى كل تقدير فقد صار هذا الحق أمراً دارجاً أكب عليه عامة المستأجرين من متدينيهم وغيرهم.

فهل أنّ هذا الحق له مبدأ شرعي أو لا؟

إنّ مقتضى القواعد أنّه إذا انتهت مدة الإجارة فعلى المستأجر ترك ما استأجره بلا طلب عوض. إنّما الكلام في إمكانية تصوير نوع حق للمستأجر عند تركه للمحل أو دفعه إلى شخص آخر ؟

يمكن القول بوجود حق للمستأجر في صور خمس هي:

الأُولى: لو اشترط المستأجر على صاحب الدار في ضمن عقد الإجارة


صفحه254

بأنّه لا يترك هذا الحانوت إلاّ إذا أخذ من المالك ما هو المرسوم في تسليم هذه المحلات، سواء دفع هو مبلغاً للمالك باسم السرقفلية أم لا .

الثانية: تلك الصورة ولكن دفع إلى المالك مبلغاً باسم السرقفلية وبالتالي تملك ذلك الحق، فيجوز له ان لا يترك المحل إلاّ بعد أخذ ما هو المرسوم في تسليمه .

الثالثة: إذا اشترط على المؤجر في ضمن عقد الاجازة بأنّ له حق ايجار المحل من شخص آخر عند انتهاء الإجارة ثم إنّه يؤجره منه ويشترط عليه ان يعطيه مبلغاً إضافة إلى الأُجرة الّتي يدفعها إلى المالك.

الرابعة: يشترط على المالك إيجاره للغير قبل انتهاء مدة الإجارة ثم إنّه يؤجره من شخص آخر بنفس المبلغ ولكن يشترط على المستأجر الثاني دفع مبلغ عند الإيجار، مقابل فسخ المدة المتبقية من وقت الإجارة.

الخامسة: لو كان الخان أو الحانوت غير معروف بين الناس إلاّ أن المستأجر بذل جهوداً حتّى عرفه الناس إلى حدّ أصبح يتقاطرون عليه في عامّة الأوقات بحيث خرج المحل عن كونه غير معروف وصار محلاً مرغوباً، فعندما تنتهي الإجارة فللمستأجر أن يطلب من المؤجر حقاً مقابل القيمة الإضافية الّتي أوجدها المستأجر في هذا المكان على وجه لو حلّ شخصٌ آخر محله لانتفع من جهوده السابقة بعدما لم يكن لهذا المحل تلك السمعة، وهذا يُعدّ حقاً اقتصادياً عقلائياً فله أن يطلب عليه مبلغاً في مقابل ما اكتسبه من قيمة إضافية، لا بعنوان السرقفلية.

وبأحد هذه الوجوه يمكن تصحيح السرقفلية الرائجة في أعصارنا هذه.


صفحه255

 

6

العقد والعهد

من الألفاظ الرائجة في لسان الفقهاء لفضتي العقد والعهد، انطلاقاً من قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)(1).

وقوله سبحانه: (وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ)(2).

فلذلك نستوضح معنى العهد والعقد في اللغة أوًلاً، والكتاب ثانياً، ومصطلح الفقهاء ثالثاً.

العقد نقيض الحلّ

العقد في اللغة نقيض الحلّ، وقد ذاع وشاع قولهم: أهل الحل والعقد. وفي اللسان: العقد نقيض الحَلّ، وقالوا للرجل إذا لم يكن عنده غناء: فلان لا يعقد الحبل، أي أنّه يعجز عن هذا على هوانه وخفته، والعُقد جمع عقدة .(3)وتفسيره بالشدّ غير صحيح لأنّه عبارة عن توثيق العقد يقال: شدّ العقدة قوّاها وأوثقها. (4)


1 . المائدة: 1 .  

2 . الإسراء: 34 .

3 . لسان العرب: 2 / 296، مادة «عقد».

4 . لاحظ المنجد: مادة «شدّ».


صفحه256

وأمّا قوله سبحانه: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ)(1) فتعقيد الايمان مقابل للغوها كما يقول «لا والله وبلى والله»(2) بلا التزام. وهذا ما لا يجب حفظه بخلاف ما لو عقدّ الايمان. والجملة كناية عن المبالغة في العقد الّذي يناسب معنى الشد، فلو صحّ تفسير العقد بالشد فإنّما يصحّ في المضاعف لا مطلقاً .

العقد في الكتاب

اختلفت كلمتهم فيما هو المراد منه في الآية المباركة، فقد ذكر الطبرسي أقوالاً:

أ. المراد بها العهود الّتي كان أهل الجاهلية قد عاهد بعضهم بعضاً فيها على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على مَنْ حاول ظلمهم أو بغاهم سوءاً.

ب. العقود الّتي أخذ الله سبحانه على عباده بالإيمان به وطاعته في ما أحل لهم (الطيبات) أو حرّم عليهم (الخبائث)، (كلاهما مرويان عن ابن عباس).

ج. العقود الّتي يتعاهدها الناس بينهم ويأخذها المرء على نفسه كعقد النكاح والبيع (نقله عن ابن زيد).

د. أنّ ذلك أمر من الله لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)وما جاء به من عند الله سبحانه.


1 . المائدة: 89 .

2 . تفسير جوامع الجامع للطبرسي: 1 / 528 .


صفحه257

ثم قال: وأقوى هذه الأقوال قول ابن عباس (القول الثاني): إنّ المراد بها عقود الله الّتي أوجبها على العباد بالحلال والحرام والفرائض والحدود.

ثم قال: ويدخل في ذلك جميع الأقوال الأُخر، فيجب الوفاء بجميع ذلك.(1)

يلاحظ على بعض هذه الأقوال:

أمّا على الأوّل: فلأنّه لا وجه لتخصيص العقود الّتي عقدها المسلمون في عصر الجاهلية.

كما يلاحظ على الرابع بأنّه خلاف ظاهر الآية، لأنّ الخطاب للمؤمنين لا لأهل الكتاب.

فبقي القولان: الثاني الّذي هو أعم من الثالث، فقد رجّح الطبرسي الثاني على الثالث وجعله أقوى الأقوال لسعة مفهومه ومضمونه.

ولكن يمكن أن يقال بِرجحان القول الثالث على الثاني، بوجهين:

1. أن اللام في قوله (بِالْعُقُودِ) عوض عن المضاف إليه كأنّه قال: «أوفوا بعقودكم» فيختص بالعقود الّتي يعقدها المؤمنون بعضهم مع بعض كالبيع والإجارة والنكاح وغير ذلك.

ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)(2).


1 . مجمع البيان: 2 / 151 ـ 152 .

2 . البقرة: 237 .


صفحه258

وقوله: (وَ لاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)(1).

2. استدلال الفقهاء عبر القرون بالآية على لزوم الوفاء بالعقود الدارجة بين الناس كالنكاح والبيع والاجارة، فالاستدلال بالآية على العقود الّتي يعقدها الناس بعضهم مع بعض أوفق بمضمون الآية.

العقد في مصطلح الفقهاء

وقد عُرّف العقد ببعض التعاريف نذكر منها:

1. قال المحقّق الاصفهاني: العقد في اصطلاح الفقهاء ارتباط أحد القرارين بالآخر من الموجب والقابل .(2)

2. وعرّفه السيد الخوئي بقوله: شدّ أحد الالتزامين وعقده بالآخر.

يلاحظ عليهما أوّلاً: بأنّهما يشملان القسم الصحيح والفاسد، ولا يختصان بالصحيح، كما أنّ الأولى تبديل «الشدّ» بالوصل لما مرّ...

ولو أنّهما أضافا إلى هذين التعريفين جملة «على وجه مؤثر» لاختص التعريف بالصحيح ولا يعم الفاسد.

ولذلك عرفه بعضهم بالنحو التالي:

ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله .(3)


1 . البقرة: 235 .

2 . تعليقة الطباطبائي على المتاجر: 35.

3 . الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد: 1 / الفقرة 132 .


صفحه259

ثانياً: أنّ التعريف الثاني يعرف العقد بارتباط أحد القرارين بالآخر ولم يشر إلى السبب الّذي يربط بينهما. فلو أُضيفت إلى التعريف جملة «بالإيجاب والقبول» ونحوها من الأسباب الفعلية لكان التعريف أوضح وأتم.

ثم إنّ المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي واضحة جداً لما قلنا من أنّ العقد في اللغة هو نقيض الحلّ، فإذا حصل ربط بين الحبلين يقال عقدهما، ويقال: عَقَد الخيط جعل فيه عقدة. وكأنّ الإيجاب والقبول بمنزلة حبلين منفصلين فيتصلان بالعقدة التي يعبر عنها في اللغة الفارسية بـ «گره». غير أنّ العقد بين الحبلين تكويني وخارجي ولكنّه بين الإيجاب والقبول اعتباري .

وبذلك يظهر أنّ تفسير العقد بالعهد أو بالشدّ تفسير غير صحيح، والعقد غير العهد كما سيوافيك بيانه، كما أنّ «الشدّ» وصف للعقد فإنّ العقد تارة يكون ضعيفاً وتارة يكون شديداً .

هذا كله حول العقد، وبما أنّ العقد ربّما يفسر بالعهد نذكر شيئاً حوله .

تفسير العهد

الظاهر أنّ العهد غير العقد، إذ الأوّل عبارة عن جعل شيء في الذمة وتقبله، سواء أكان الجاعل هو نفس المتعهد كما في النذر، مثل قوله: عاهدت الله أن أفعل كذا، قال سبحانه: (وَ مِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ)(1); أو كان الجعل من غيره كما في قوله تعالى: (وعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ


1 . التوبة: 75 .


صفحه260

وَ إِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ)(1).

فإذن العقد غير العهد، نعم ربّما يستعار العقد للالتزام والعهد لأجل الأثر الموجود في العقد، أعني: الإبرام وعدم الانفصال، فما ربّما يقال من أنّ العقد هو العهد أو العهد المشدد، ناشئٌ من خلط المعنى اللغوي بالمعنى الاستعاري المجازي .

تقسيم العقد إلى إذني وعهدي

قسم المحقّق النائيني (رحمه الله)العقد إلى قسمين أسماهما بالإذني والعهدي، فقال: أمّا العقود الإذنية فتسمى عقوداً لأنّها ترتبط بشخصين لا أنّ فيها عهداً وعقداً، فقوله عزّ من قائل: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لا يشمل هذه العقود، لخروجها عنه تخصّصاً.

وبالجملة ما كان قوامه بالإذن ومجرد رضا ولي الأمر ومالكه لا
يكون فيه عهدٌ والتزام، وهذه كالوديعة والعارية بناء على أن يكون مفادها الإباحة المجانية .

ثم قال: قد يكون العقد مركباً من عهدي وإذني باعتبار مدلوله المطابقي والالتزامي كالإجارة فإنّها تدخل من جهة تمليك المنفعة بالعوض في العهدية، ومن جهة تصرف المستأجر في العين في باب الأمانات المالكية الّتي ترجع جميع العقود الإذنية إليها.(2)


1 . البقرة: 125 .

2 . منية الطالب: 1 / 33، طبعة النجف الأشرف.


صفحه261

يلاحظ عليه أوّلاً: بما عرفت من أنّ اعتبار العقد غير اعتبار العهد، والعقد ربط قرار بقرار آخر، وأمّا العهد فهو جعل شيء في الذمة وتقبله سواء كان الجاعل نفس المتعهد أو غيره، فتقسيم العقد إلى إذني وعهدي تقسيم غير تامّ، إذ ليس في العقد شيء من العهد، نعم ربّما يمكن استعارة العقد للعهد، بجامع أن كلا الأمرين فيهما شدّ لا ينفصم بسهولة.

نعم روى العياشي في تفسيره عن ابن سنان، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن قول الله عزوجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: «العهود».(1)فعلى هذا يختص العقد بالعهد.

ولكن الرواية ضعيفة بالإرسال، حيث حذف مستنسخ تفسير العياشي سند عامة رواياته إلى الراوي، فلايحتج به، ولو صحّ تفسير العقود بالعهود يلزم سدّ باب الاستدلال بالآية في أبواب المعاملات، وهو على خلاف المشهور بين الفقهاء.

وثانياً: أنّ العقد كما عرفت عبارة عن وصل الحبلين أحدهما بالآخر واستعير لربط أحد القرارين بالقرار الآخر. وبما أنّ العقود الاذنية يكفي فيها العلم بالإذن بالتصرف فليس هناك قرار موصول بقرار آخر إلاّ إذا كان هناك إيجاب وقبول فيصدق عندئذ العقد.

وثالثاً: أنّ تسمية الإجارة بالعقد المركب من العهد باعتبار تمليك المنفعة، ومن الإذن باعتبار كون العين أمانة مالكية، تحليل غير تام، لما حقّق


1 . تفسير العياشي: 1 / 289 .


صفحه262

في محله أنّ الإجارة ليست من قبيل تمليك المنفعة، بشهادة أنّه لا يقال: ملّكت منفعة الدار، بل هي عبارة عن تسليم العين للمستأجر في مقابل الأُجرة مدة معينة لغاية الانتفاع بمنافعها، سواء انتفع أم لا، فكون العين أمانة مالكية للانتفاع، لازم تسليم العين لغاية الانتفاع، فليس جزءاً لمدلول العقد.


صفحه263

الرسالة الثامنة

أحكام المقبوض بالعقد الفاسد


صفحه264

صفحه265

   

أحكام المقبوض بالعقد الفاسد

1. ضمان المقبوض بالعقد الفاسد وعدمه.

2. وجوب الرد إلى المالك.

3. حكم المنافع المستوفاة وغيرها.

4. ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة.

5. إذا لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من قيمته.

6. تعذّر المثل في المثلي.

7. قيمة التالف ومناط تقييمه.

8. حكم بدل الحيلولة.

هذه هي عناوين الموضوعات المطروحة في هذا البحث، وقد ركّز الشيخ الأنصاري على الأمر الأوّل أكثر من غيره، وأشار إلى قاعدتين تدوران ـ كثيراً ـ على ألسن الفقهاء أعني:

1. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

2. ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

ونحن نقتفي إثر الشيخ في هذه المواضيع، وإليك الكلام في الأمر الأوّل.


صفحه266

 

الأمر الأوّل

ضمان المقبوض بالعقد الفاسد وعدمه

اشتهر في ألسن الفقهاء انّ المشتري لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد، لم يملكه وكان مضموناً عليه.

وقد رتبوا على العقد الفاسد أمرين:

1. عدم التملك.

2. الضمان.

أمّا الأوّل فلأنّه مقتضى فساد العقد.

وأمّا الضمان بمعنى كون تلفه عليه (المشتري) فهو من مصاديق القاعدتين المعروفتين:

أ. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

ب. ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

فالضمان في المقبوض بالبيع الفاسد من مصاديق القاعدة الأُولى، فإذا قام الدليل على الكبرى (ما يضمن بصحيحه) يظهر حكم هذا الفرع، أعني المبتاع بالعقد الفاسد، ظهورَ حكمِ الصغرى عند ظهور حكم الكبرى. فالتركيز في هذه المسألة إنّما هو على الضمان في الأصل وعدمه في العكس،


صفحه267

وأمّا عدم التملك فهو من القضايا الّتي قياساتها معها.

وأمّا جواز التصرف فهو مبني على بقاء إذنه فيه حتّى مع العلم بفساد العقد إذ ربما لا يرضى به لو وقف على فساده.

ثمّ الظاهر أنّ القاعدتين لم تردا في رواية ولم تقعا معقد إجماع، وإنّما اصطادهما الفقهاء من الموارد المختلفة الّتي افتوا فيها بالضمان تارة وبعدمه أُخرى، فصار الاستقراء في تلك المواضع أحد الأدلة على القاعدتين. وكان الأولى على الشيخ الخوض في مدرك القاعدتين، إلاّ أنّه ـ لايضاح مفاد القاعدتين ـ قدّم أُموراً قبل ذلك، ونحن نقتفيه:

الأوّل: الاختلاف في التعبير والمفاد متقارب

انّ الفقهاء عبّروا عن القاعدة بتعبيرين:

1. كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

2. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

فالمفاد والمقصود فيهما متقارب. ولعل التعبير بالعبارة الثانية لقصد تعميمها للإيقاعات المشتملة على التعهد والضمان، مثلاً لو بذلت الزوجة مالاً للزوج ليخلعها ويُخلِّصها عن ربقة الزوجية، فخلعها على ما بذلت، ولكن كان الخلع فاسداً لعدم اجتماع شروط صحته، فيضمن الزوج لها ما بذلته له لكونها لم تبذله مجاناً بل عوضاً عن خلاص نفسها عن تلك الربقة، وكذا الكلام في الجعالة في صورة فسادها حيث إنّ العامل لم يَبذِلْ عملَه تبرّعاً


صفحه268

وإنّما بذله بإزاء الجُعل، فيضمن الجاعل له ما استوفاه من عمله بدفع أُجرة مثله.

وعلى كلّ تقدير فالتعبيران: كلّ عقد يضمن... أو: ما يضمن بصحيحه... الخ، أفضل من قولهم: «انّ من أسباب الضمان، القبض بالعقد الفاسد»، فانّ القبض بالعقد الفاسد لا يوجب الضمان على الإطلاق بل يوجب الضمان فيما إذا كان التسليطُ في مقابل العوض، لا ما إذا كان بالمجّان، كالعارية الفاسدة والهبة الفاسدة.

الثاني: ما هو المراد من «الموصول» في قولهم: ما يضمن...

ذكر الشيخ في تفسير «الموصول» ـ بعد تفسيره بالعقد ـ احتمالات:

أ. أن يكون المراد به نوع العقد فإذا كان موجباً للضمان في صحيحه فهو يوجب الضمان في فاسده، وهذا كالبيع والإجارة ، فالبيع يقتضي بنوعه الضمان، وهكذا الإجارة دون الصلح بما هوهو فانّه لا يفيد إلاّ فائدة الهبة غير المعوضة.

يلاحظ عليه: انّه لو كان المراد ما ذكر من كون الملاك، ملاحظة نوع العقد، يلزم اختصاص القاعدة بالبيع والإجارة، بخلاف ما إذا كان المراد هو الصنف فتعم أكثر العقود، نظير الصلح إذا اشتمل على العوض، والهبة المعوضة، والعارية المضمونة كالذهب والفضة.

ب. أن يكون المراد به صنف العقد لجواز أن لا يكون نوع العقد مقتضياً للضمان ولكن كان بعض أصنافه مقتضياً له، وهذا ـ كما مرّ ـ كالهبة


صفحه269

فهي بنوعها لا تقتضي الضمان بخلاف الهبة المعوضة الّتي هي صنف من مطلق الهبة، ونظيرها العارية فإنّ عقد العارية لا يوجب الضمان، بخلاف عارية الذهب والفضة، ففي صحيحه الضمان فيتبعه الفاسد. وهكذا الصلح فانّ نوعه لا يوجب الضمان بخلاف صنفه كما إذا اشتمل على الصنف.

ج. أن يكون المراد به شخص العقد بمعنى أنّ كلّ شخص من العقود يضمن به لو كان صحيحاً فيضمن به إذا كان فاسداً، وعلى هذا لا ضمان فيما إذا باع بلا ثمن أو استأجر بلا أُجرة لأنّ شخص هذا العقد ـ لو فرض صحيحاً ـ لم يكن فيه ضمان لا بالثمن ولا بالمثل ولا القيمة، لافتراض أنّه باع بلا ثمن واستأجر بلا أُجرة. فهكذا إذا كان فاسداً.

واعترض عليه الشيخ بقوله: انّ الموضوع هو العقد الّذي وجد له بالفعل فردان: فرد صحيح وفرد فاسد لا ما يفرض تارة صحيحاً وأُخرى فاسداً، فالمتعين بمقتضى هذه القاعدة الضمان فيما إذا باع بلا ثمن لانّ البيع الصحيح يضمن به. نعم ما ذكره بعضهم من التعليل لهذه القاعدة ـ بانّه أقدم على العين مضمونة عليه ـ لا يجري في هذا الفرع لكن الكلام في معنى القاعدة لا في مدركها.(1)

أقول: قد عرفت انّ القاعدة لم ترد في نص ولم ينعقد عليها إجماع معتبر، وإنّما هي قاعدة مخرجة ومستفادة من الأدلّة. وعلى هذا يجب اخضاع مفاد القاعدة لمدركها لا تفسيرها بما هي هي مع قطع النظر عن مدركها.

أمّا الأصل فلما سيوافيك من أنّها مخرجة من أدلّة احترام مال المسلم


1 . المتاجر:102.


صفحه270

وعمله، المختص بصورة عدم اقدام مالكه على اسقاطه والتبرع به، مضافاً إلى قاعدة «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»، و امّا العكس فهو مخرج من أدلّة التسليطات المجانية وامانة اليد .

وعلى ضوء ذلك فالضمان وعدمه تابع لمدرك القاعدة، ومن الواضح انّ البائع بلا ثمن لم يحتفظ بكرامة ماله وأقدم على البيع مجاناً، فالمورد عند ذلك داخل في عكس القاعدة لا في أصلها.

وبذلك يتضح انّ الحكم بالضمان وعدمه، تابع لمدرك القاعدة وينبغي اخضاع القاعدة له، فيكون المراد: من الموصول شخص العقد، لا نوعه ولا صنفه.

كما انّ الهبة المشروط فيها العوض، والعارية المشروط فيها الضمان إذا كانتا فاسدتين يحكم فيهما بالضمان، لقاعدة الإقدام، وحفظ كرامة المال، فعندئذ تدخلان في الأصل لا في العكس. وبذلك يتضح الفرق بين كون الميزان، هو النوع، أو الميزان هو شخص العقد، فعلى الأوّل يضمن فيما إذا باع بلا ثمن، ولا يضمن في المثالين الأخيرين أخذاً بحكم النوع. وعلى الثاني لا يضمن في الأوّل، ويضمن في الأخيرين.

ثمّ إنّ هنا احتمالاً آخر وهو انّ انشاء البيع بلا ثمن والإجارة بلا أُجرة، مصداقان للهبة والعارية الصحيحتين بناء على صحة انشاء عقد بلفظ آخر مع نصب قرينة للمراد، وعلى هذا فعدم الضمان فيهما واضح.

وربّما يفسر الموصول في «ما يضمن» و«ما لا يضمن»، بالمقبوض،


صفحه271

فالموصول كناية عنه أو ما بحكمه كالاستيفاء للعمل، لأنّ القبض وما بحكمه هو الموجب للضمان، وأمّا العقد فهو سبب لما يترتب عليه من القبض، وتفسير الموصول بالسبب القريب أولى من تفسيره بالبعيد(العقد)، على انّ سببية العقد تتم في العقد الصحيح، وأمّا الفاسد فلا تأثير له في الضمان أصلاً، بل المؤثر هو القبض.(1)

يلاحظ عليه: إنّ الموصول أعني: «ما يضمن» من المبهمات، تفسره صلته أي قوله: «بصحيحه» و «بفاسده»، والموصوف بهما هو العقد لا المقبوض باعتبار القبض.

وامّا العقد الفاسد، فهو وإن لم يكن سبباً تامّاً للضمان، لكنه سبب ناقص لأنّه المنشأ للقبض.

الثالث: مصبّ القاعدة

إنّ مورد القاعدة هو ما إذا تلف المبيع أو غيره بالعلل السماوية وشبهها دون أن يكون للمشتري دخلٌ في التلف، وأمّا الاتلاف فهو خارج عن مصبّها إذ هو يوجب الضمان مطلقاً سواء كان في صحيحه ضمان أم لا، فإذا أتلف المستعير العارية، أو المستأجر العين المستأجرة، يثبت الضمان، وإن لم يكن في صحيح العارية والإجارة ضمان.


1 . بلغة الفقيه:1/68.


صفحه272

 

الرابع: ما هو المراد من الضمان

الضمان مصدر ضمن الشيء بمعنى تعهّد به، روى الحسين بن كثير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) انّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام فقال: «لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة وليس يضمن الإمام صلاة الذين يئم من خلفه إنّما يضمن القراءة»،(1) والمعنى انّ الإمام يتعهد بها، وعليه فالمراد من الضمان هنا تعهد الإنسان بمال شخص آخر، ولازم ذلك أن تكون خسارته من ماله، فكون الخسارة من ماله لازم تعهده بالنسبة إلى المال، ولذلك يقال في العرف: انّا متعهد بالنسبة لما آخذ، ثم يرتب عليه: فلو تلف فالدرك عليَّ. فما فسّر به الشيخ الضمان وقال هو «كون درك المضمون، عليه بمعنى كون خسارته ودركه(2) في ماله الأصلي فإذا تلف وقع نقصان فيه لوجوب تداركه عنه»(3)، فهو لازم المعنى عرفاً لا نفسه.

ثمّ إنّ التعهد بالنسبة إلى المال المأخوذ على وجهين: إمّا ضمانه بعوض واقعي، أو بعوض جعلي، امّا الجعلي فهو ما اتفقوا عليه من الثمن عند الصحة، وامّا الواقعي فهو تداركه بالمثل إذا كان مثلياً وبالقيمة إذا كان قيمياً. وهذا أمر عرفي اتفق عليه العقلاء حيث يُلزمون المستولي على مال الغير بخروجه عما علا عليه برّد عينه عند بقائه، ومثله أو قيمته عند تلفه ولا يحتاج مثل ذلك إلى دليل سوى ما هو المرتكز عند العقلاء.


1 . الوسائل: 5، الباب30 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1و 3و 4.

2 . الدّرك: اللحاق والتبعة، يقال: «ما لحقك من دَرَك فعليَّ خَلاصُه». المنجد.

3 . المتاجر:102.


صفحه273

وبذلك يعلم انّ العقد الفاسد مساو للصحيح في أصل تحقق الضمان ولكنّهما يختلفان في المضمون وما هو في العهدة، فانّه في الصحيح هو المسمى في العقد، وفي الفاسد هو المثل أو القيمة وأُجرة المثل في الإجارة ونحوها، ومعنى القاعدة: ما يضمن بصحيحه بالمسمى، يضمن بفاسده بالمثل أو القيمة، وهذا الاختلاف لازم صحة العقد وفساده.

فإن قلت: لو كان الضمان في الصحيح بالعوض الجعلي وفي الفاسد بالعوض الواقعي من المثل والقيمة يلزم اختلاف معنى الضمان بين قوله: ما يضمن بصحيحه... الخ، وقوله: يضمن بفاسده، حيث إنّ الضمان في الأوّل بالمسمّى، وفي الثاني: بالمثل والقيمة، وهو خلاف الظاهر.

قلت: انّ الضمان في كلا المكانين استعمل بمعنى واحد وهو التعهد ولزوم الخروج عن التعهد، وإنّما الاختلاف في كيفية الخروج ، ففيما إذا كان العقد صحيحاً يتعيّن التدارك بالعوض الجعلي، لاتفاقهما عليه وإمضاء الشارع له.

وامّا إذا كان العقد فاسداً فيمتنع الخروج بالعوض الجعلي لافتراض أنّ الشارع لم يمضه ولم يجزه، فيتعين التدارك بالمثل أو القيمة، لانّهما أقرب الأشياء إلى التالف.

وبذلك يعلم انّ اللازم للدراسة هو تفسير الضمان فيما إذا كان العقد فاسداً وانّه هل هو بالمثل أو القيمة أو غيرهما لا ما إذا صحّ العقد لكفاية الأدلّة الدالة على صحة العقد في إثبات كيفية الضمان وهو دفع المسمى، وامّا إذا دلّ


صفحه274

الدليل على فساد العقد فهذا هو اللازم للبحث والدراسة حتّى ندرس كيفية الخروج من العهدة.

الخامس: ما هو المراد من «الباء» في «بصحيحه»

إنّ معنى «الباء» في قوله: «بصحيحه...» يحتمل أحد الوجهين:

الأوّل: السببية المطلقة الشاملة للناقصة والتامّة، فإنّ العقد قد لا يوجب الضمان إلاّ بعد القبض، كما في السلم والصرف، بل مطلق البيع حيث إنّ البيع قبل القبض مضمون على البائع، بمعنى أنّ دركه عليه وتداركه بردّ الثمن. فلا يضمن المشتري إلاّ بعد قبضه للقاعدة المسلمة: كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.

وربما يقال: انّ هذا يتم في العقد الصحيح، حيث إنّه مع القبض سبب تام للضمان. وامّا العقد الفاسد، فسبب الضمان هو القبض لا العقد.

فقد أجاب عنه الشيخ بوجهين:

1. إنّ العقد هو المنشأ للقبض على وجه الضمان الّذي هو سبب للضمان.

2. انّه سبب الحكم بالضمان بشرط القبض.(1)

توضيحه: انّ الدليل على الضمان في العقد الفاسد، امّا قاعدة «على اليد» فيكون العقد منشأ للسبب لانّ تسلطه على العين لأجل العقد فيكون أشبه بسبب السبب.


1 . المتاجر:102.


صفحه275

أو يكون قاعدة الاقدام، فيكون العقد جزء العلة للضمان لانّه أقدم على العقد والقبض معاً.

الثاني: الظرفية نحو قوله تعالى:(نَجَّيْناهُمْ بِسَحَر)(1) وقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْر)(2) فيكون المراد: انّ ما يضمن في مورد الصحيح للعقد، يضمن كذلك في مورد الفاسد.

السادس: مقتضى اطلاق الكلمات

إنّ مقتضى إطلاق الكلمات، عدم الفرق في الفاسد بين كون الفساد من جهة نفس العقد أو فوات ما يعتبر في المتعاقدين منهما أو أحدهما، أو في العوضين، وسواء كان المتعاقدان عالمين بالفساد أم جاهلين أم أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.

إذا عرفت ذلك فلنذكر أدلة القاعدتين; أصلها وعكسها.

أصل القاعدة ودليلها

قد عرفت انّ للقاعدة أصلاً إيجابياً وهو: ما يضمن بصحيحه، يضمن بفاسده، وعكسا سلبياً: ما لا يضمن بصحيحه، لا يضمن بفاسده، والمهم في المقام هو التأكيد على الضمان في العقد الفاسد، وامّا الضمان عند الصحة بالمسمى ـ كما مرّ ـ فهو أمر لا يحتاج إلى دليل، فكلّ ما سنذكره من الأدلة يُقصد به الضمان عند فساد العقد، وإليك الأدلة:


1 . القمر:34.

2 . آل عمران:123.


صفحه276

 

الأوّل: قاعدة الاحترام

جرت السيرة العقلائية على احترام أموال المالك (إذا ملك قانوناً) ومنافعها حتّى الاعمال الّتي لها قيمة في السوق، وهذه السيرة نابعة من الاعتراف بمالكية الشخص، فكلّ من ثبتت مالكيته للشيء فلملكه حرمة واحترام عند الناس والعقلاء في جميع الأعصار، ولم يردّه الشارع لأنّ رحى الحياة تدور على هذه القاعدة، بل أمضاها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بتعابير مختلفة منها:

1. قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة الوداع: «وان حرمة ماله كحرمة دمه».(1)

2. وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يصلح ذهاب حق أحد».(2)

3. وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».(3)

والظاهر أنّ الشارع لم يكن بصدد تأسيس قاعدة وإنّما كان بصدد التأكيد على هذه السيرة غير أنّه خصّ القاعدة بمال المؤمن دون الكافر المحارب.

وحرمة المال مفهوم عرفي لا يحتاج إلى التفسير، إذ يتبادر منه عند العقلاء حرمة التصرف فيه بلا إذنه فيجب عليه رده إلى مالكه، وإن تلف يجب عليه أداء غرامته فإن كان مثلياً فبالمثل وإن كان قيمياً فبالقيمة.


1 . الوسائل: 8 ، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث12.

2 . الوسائل: 18، الباب40 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث1.

3 . جامع أحاديث الشيعة:18/530، وسيوافيك سائر مصادره.


صفحه277

وبذلك يعلم ضعف ما ربما يقال «من أنّ حرمة المال بمعنى حرمة مزاحمته(ووجوب دفعه إلى المالك) فهي معلّقة على وجود الموضوع أي العين فإذا تلف فلا موضوع لحرمة المزاحمة»، وذلك لانّ عدم الضمان عند التلف لا يجتمع مع حرمة المال، فإنّ المتبادر من حرمته هو عدم الإضرار بمال المؤمن، ويتحقق ذلك إمّا بدفع العين أو بدفع البدل، فالإلزام بدفع العين دون البدل عند التلف لا ينسجم مع الحرمة.

وبذلك يعلم انّه إذا سلّط الغيرَ على ماله من دون عوض، فقد هتك هو بنفسه حرمة ماله واهدر كرامته، فلو تلف لا يكون له ضمان فالتمليكات المجانية كالهبة والعارية وغيرهما، لا ضمان فيها على الآخذ في عامة الحالات، سواء أكانت العين باقية أم تالفة. وسيوافيك بيانه عند البحث في عكس القاعدة.

وعلى ضوء ذلك فلو كان العقد صحيحاً فحرمة ماله هو تملكه للثمن بدل العين، وامّا إذا افترضنا فساد العقد، فمن جانب أنّ البائع لا يملك الثمن لافتراض فساد المعاملة، ومن جانب آخر انّ لماله حرمة وكرامة، فالجمع بينهما يتحقّق بتداركه بالمثل إذا كان مثلياً أو بالقيمة إذا كان قيمياً.

فإن قلت: إنّ المتعاقدين تواطئا على تحديد حرمة المال بالمسمّى، فإذا لم يسلّم المسمى للبائع فلا تعهد للمشتري بالنسبة إلى العين عندئذ.

قلت: انّ غاية ما يقتضي فساد العقد هو سقوط المسمّى لا سقوط احترام ماله.


صفحه278

فبذلك يظهر أنّ هذه القاعدة من أوضح الأدلة على الضمان بالمسمّى عند الصحة، وبغيره عند الفساد.

فنتيجة حرمة المال هو صيانة البائع عن توجه الضرر إليه في عامة الحالات سواء أكان العقد صحيحاً أم فاسداً.

انّ قاعدة الاحترام أعمّ من حديث «على اليد» الآتي على القول باختصاص الثاني بالأعيان، بخلاف الأوّل فإنّه يعمّ الأعمال ويكون عمل الأجير بالإجارة الفاسدة مضموناً على المستأجر بأُجرة المثل كما هو مضمون بالمسمّى في الاجارة الصحيحة.

الثاني: قاعدة الإقدام

وقد اشتهر الاستدلال على الضمان بالمسمّى عند الصحة وبغيره عند الفساد بقاعدة الاقدام، وأوّل من تمسك بها من الأصحاب هو الشيخ الطوسي حيث إنّه علل الضمان في غير موضع من العقود الفاسدة، بما معناه من أنّه دخل على أن يكون المال مضموناً عليه، وإليك بعض ما وقفنا عليه في المبسوط:

1. قال في فصل تفريق الصفقة: وإن تلفت في يده كان عليه أكثر ما كانت قيمته من وقت القبض إلى وقت التلف، وفي الناس من قال لا يضمن بقيمته يوم التلف. وإنّما وجب الضمان عليه لأنّه أخذ الشيء بعوض وإذا لم يسلم العوض المسمّى وجب عوض المثل لما تلف في يده سواء أتلفت جملته أم تلف بعض أجزائه.(1)


1 . المبسوط:2/149.


صفحه279

2. وقال في كتاب الغصب: فإن كان المبيع قائماً ردّه، وإن كان تالفاً ردّ بدله، إن كان له مثل و إلاّ قيمته، لأنّ البائع دخل على أن يسلم له الثمن المسمّى في مقابلة ملكه، فإذا لم يسلم له المسمّى اقتضى الرجوع إلى عين ماله، فإذا هلكت كان له بدلها.(1)

وحاصله انّ قبض المال مقدماً على ضمانه بعوض واقعي أو جعلي موجبٌ للضمان، وهذا المعنى يشمل القبوض بالعقود الفاسدة الّتي تضمن بصحيحها.

الشيخ الأنصاري وقاعدة الاقدام

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري ردّ القاعدة أوّلاً ثم أورد نقوضاً عليها، ثانياً .

أمّا الرد فقال: هذا الوجه لا يخلو عن تأمل لأنّهما إنّما أقدما وتراضيا وتواطئا بالعقد الفاسد على ضمان خاص لا الضمان بالمثل والقيمة، والمفروض عدم إمضاء الشارع لذلك الضمان الخاص. ومطلق الضمان لا يبقى بعد انتفاء الخصوصية حتّى يتقوّم بخصوصية أُخرى، فالضمان بالمثل أو القيمة إن ثبت فحكم شرعي تابع لدليله، وليس ممّا أقدم عليه المتبايعان.

وبعبارة أُخرى: ما أقدما عليه بالعقد الفاسد، هو الضمان بالمسمّى، وهو لم يثبت لهما وما هو ثابت من العوض بالمثل أو القيمة لم يقدما عليه.

وامّا النقض فقال: إنّ بين قاعدة الإقدام والضمان من النسب عموماً وخصوصاً من وجه.


1 . المبسوط:3/65 .


صفحه280

إذ قد يكون الإقدام موجوداً ولا ضمان، كما في التلف قبل القبض.

وقد لا يكون إقدام في العقد الفاسد مع تحقق الضمان، كما إذا شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري، وكما إذا قال: بعتك بلا ثمن وآجرتك بلا أُجرة.(1)

والجميع منظور فيه:

أمّا الردّ; فلأنّ كلّ من يقدم على البيع والشراء منهما يتفق على أن لا يكون خروج المبيع والثمن عن ملكه محاباة وبلا عوض، وهذا أمر ارتكازي عندهما، غاية الأمر بما أنّهما كانا يتصوران صحة البيع فإذا لم يسلّم له المسمّى فالارتكاز السابق باق على حالته فلا يُترك المشتري إذا تلف المبيع في يده مع عدم تسليم المسمى. فبقاء الضمان بوجه مطلق لا يحتاج إلى خصوصية.

وأمّا النقوض:

امّا الأوّل: ففيما إذا تلف في يد البائع فعدم الضمان لأجل أنّ الاقدام كان مشروطاً بالقبض والمفروض عدمه، فيحكم على البيع بالانفساخ، وإن شئت قلت: انّ المشتري تعهد بالضمان بشرط تسليم المبيع لا مطلقاً.

وأمّا الثاني: أعني ما ذكره من تحقق الضمان مع عدم الإقدام ففيه :

أوّلاً: انّ الضمان مقترن بالاقدام بشهادة انّه أخذ المبيع في مقابل الثمن، فالتزامه به عبارة أُخرى عن انّه أقدم مع العوض، لا مجاناً وبلا شيء ولما كان


1 . المتاجر:103.


صفحه281

مقتضى ذلك هو الخروج عن العهدة عند التلف أيضاً ـ بدفع المثل أو القيمة ـ نقل ذلك ـ بعد تحمل الضمان ـ إلى البائع، ومعنى ذلك انّه ضمن في كلتا الحالتين، غير انّه نقله في الحالة الثانية إلى البائع.

ثانياً: ماذا يريد الشيخ من قوله: «مع تحقق الضمان»؟ فهل يريد ضمان المشتري كما هو ظاهر كلامه، فهو على خلاف الشرط إذا قلنا بصحة الشرط ولو قلنا ببطلانه فهو يوجب بطلان العقد، فلا يكون موضوع للضمان، وان اراد ضمان البائع، فعلى زعمه، لا يكون من جانب المشتري ضمان ولا اقدام، لا التفريق بينهما.

وأمّا الثالث: أعني وجود الضمان مع عدم الاقدام كما إذا باع بلا ثمن فقد مرّ أنّه هبة بلسان البيع، فلا ضمان هنا كما لا إقدام.

وبذلك تعلم تمامية قاعدة الإقدام، وعليه فيحكم بالضمان في المقبوض بالعقد الفاسد، أخذاً بما اتفق عليه المتبايعان بان لا يتم خروج المبيع أو الثمن إلاّ بالعوض، فإذا لم يسلّم له العوض يؤخذ بما اتفقا عليه من الأصل، أعني اتفاقهما على عدم خروجهما إلاّ بالعوض.

ثمّ إنّ للسيد الخوئي هنا كلاماً مبسوطاً وحاصله أنّ سبب الضمان هو اليد والاستيلاء على مال الغير غاية الأمر أنّ التسليط المجاني مانع عن تأثير الاستيلاء في الضمان، وقاعدة الاقدام رافعة لهذا المانع حيث إنّ الطرفين اتفقا على أن لا يكون التسليط بالمجان.(1)


1 . مصباح الفقاهة:2/350، بتلخيص وتوضيح منّا.


صفحه282

نعم في شمول كلّ من قاعدتي الاحترام والاقدام لعامة صور التلف مشكل، فإنّ لتلف العين صوراً نشير إليها:

1. إذا فرّط المشتري في حفظ العين وكان العقد فاسداً.

2. ما تلف بسبب خارج عن الاختيار من غير تفريط لكنه لو لم يكن عنده لما تلف، كما إذا سرقه سارق من بيته مع سائر أمواله، بلا تفريط منه.

3. إذا ما تلف بأمر سماوي خاصّ، كما إذا كان الحيوان مريضاً وتلف بيده على نحو لو كان تحت يد البائع لتلف كذلك.

4. ما إذا تلف بأمر سماوي عام، كمّا إذا رجّت الأرض أو أصابه سيلٌ، اتلف أموال عامة الناس ومنها المبيع.

والّذي يمكن أن يقال هو أنّ قاعدة الاحترام أو الاقدام تشمل الوجهين الأوّلين على نحو يكون وقوع المال في يد المشتري مؤثراً في التلف وامّا الشق الثالث والرابع أعني ما إذا كان التلف بسبب على نحو لو كان المبيع في يد البائع أيضاً لعمه التلف، فالقول بالضمان هنا عند التلف خارج عن مقتضى قاعدتي الاحترام والاقدام.

فلو ثبت إجماع أو إطلاق دليل (قاعدة على اليد) فيمكن القول بالضمان فيه أيضاً، وإلاّ فالقول بعدم الضمان أشبه.

الدليل الثالث: قاعدة نفي الضرر

انّ الحكم بعدم ضمان المأخوذ بالعقد الفاسد ضرر على البائع. وقد


صفحه283

أورد عليه بأنّ قاعدة لا ضرر متكفلة لنفي الأحكام الضررية ولا تثبت حكماً إيجابياً كالضمان.

يلاحظ عليه: بأنّ ما اشتهر من أنّ القاعدة لا تثبت حكماً إيجابياً لا يوافق مورد الرواية فانّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر سمرة بقوله: «استأذن يا سمرة» فالأمر بالاستئذان حكم إيجابي نابع عن قوله: «لا ضرر ولا ضرار»، وعلى ضوء ما ذكرنا انّ «لا ضرر» تارة تنفي الحكم الناشئ منه الضرر وأُخرى تثبت الحكم دفعاً للضرر.

ومن المعلوم أنّ ترك المشتري بلا ضمان عند التلف والحكم بعدم ضمانه عنده أمر ضرري يكون منفياً بقاعدة لا ضرر، وأمّا كيفية الخروج عن الضرر فهو موكول إلى العرف ولا تتكفله القاعدة.

ثمّ إنّه ربّما يقال بأنّ الواجب في المأخوذ بالبيع الفاسد كون المبيع مضموناً بأقل الأمرين من المسمّى والمثل، فلو كان المثل أقل من المسمّى لم يضمن الزائد لأنّ سبب ضمان الزيادة هو العقد وقد كان باطلاً، ولو كان المسمّى هو الأقل فسبب ضمان المثل ـ و هي اليد ـ وإن كان موجوداً ولكن الّذي يمنع عن ضمان الزيادة إهدار صاحب المال لماله بمقدار الزيادة برضاه بالمبادلة بما هو أقل.

يلاحظ عليه: نحن نختار أنّ المسمّى هو الأقل وسبب ضمان المثل هو اليد، لكن ادّعاء أنّ المالك أهدر من ماله بمقدار الزيادة مدفوع بأنّه إنّما أهدر على فرض صحة المعاملة حيث رضي بالمبادلة بما هو الأقل دون صورة فساد المعاملة، وعلى كلّ تقدير فقد استولى على مال الغير فيجب عليه ردّه


صفحه284

إن كان موجوداً وإلاّ فبدله وهو ليس إلاّ المثل أو القيمة.

نعم لو كان المبنى هو قاعدة الإقدام يجب أن لا تكون قيمة المثل أكثر من المسمى، لأنّه لم يقدم إلاّ بالضمان المحدّد، ولذلك ذهب بعضهم إلى أنّ المشتري ضامن للأقل من المسمى أو القيمة.

الدليل الرابع: روايات الأمة المسروقة

استدل على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد بالروايات المستفيضة على ضمان الأمة المسروقة، وقد استدل بها الشيخ وقال: ويدل على الحكم المذكور أيضاً قوله في الأمة المبتاعة ـ إذا وجدت مسروقة بعد أن أولدها المشتري ـ : «أنّه يأخذ الجارية صاحبُها ويأخذ الرجل ولده بالقيمة»، فإنّ ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماءً لم يستوفه المشتري، يستلزم ضمان الأصل بطريق أولى، فليس استيلادها من قبيل اتلاف النماء بل من قبيل إحداث نماء غير قابل للملك فهو كالتالف لا كالمتلَف.(1)

وسيوافيك وجه الاستدلال بها للمقام.

هذا كلام الشيخ وامّا أنّه هل هو من مقولة التلف أو الإتلاف فهو رهن دراسة الروايات بأجمعها:

1. روى الشيخ بسند موثق عن صفوان عن معاوية بن حكيم(2) عن محمد بن أبي عمير عن جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل


1 . المتاجر:101. 

2 . فطحي ثقة.


صفحه285

يشتري الجارية من السوق فيولّدها ثم يجيء مستحق الجارية (مالكها) قال: يأخذ الجارية المستحق ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد الّتي أخذت منه.(1)

والسند لا غبار عليه، ومعاوية بن حكيم وإن كان فطحياً ولكنه ثقة جليل، والشاهد في ضمان المنفعة التالفة حيث إنّ الولد انعقد حرّاً، فصارت كالتالفة.

2. ويظهر من رواية أُخرى أنّ في السند إرسالاً حيث روى الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل اشترى جارية فأولدها فوجدت الجارية مسروقة؟ قال: يأخذ الجاريةَ صاحبُها ويأخذ الرجلُ ولده بقيمته.(2)

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري يُصرّ في المقام على أنّ استيلادها ليس من قبيل إتلاف النماء بل من قبيل احداث انمائها غير قابل للملك فهو كالتالف لا كالمتلف، فما وجه هذا الاصرار؟ حيث يقول: انّ ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماءً لم يستوفه المشتري يستلزم ضمان الأصل بطريق أولى، فليس استيلادها من قبيل إتلاف النماء بل من قبيل إحداث إنمائها غير قابل للملك فهو كالتالف لا المتلف.(3)

ولعل وجهه انّ محل البحث في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن


1 . الوسائل: 14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث4.

2 . نفس المصدر: الحديث3.

3 . المتاجر:101.


صفحه286

بفاسده إنّما هو ضمان اليد دون ضمان الإتلاف، وإلاّ لما كان هناك داع لدفع الدخل المقدّر ببيان انّ حرية الولد من قبيل التلف لا من قبيل الإتلاف.

ويؤيد ما ذُكر (انّ محط البحث عند الشيخ هو ضمان اليد لا ضمان الإتلاف) أنّه خصّص في عكس القاعدة في مسألة ضمان منافع العين بالمنافع غير المستوفاة قائلاً بأنّ استيفاء المنافع يوجب الضمان بلا شك.

هذا هو نظر الشيخ.

وقد أورد على الشيخ بأنّه من قبيل الإتلاف ضرورة أنّ النطفة وإن كانت من الرجل إلاّ أنّها كانت متكوّنة بدم الأُمّ وكان تكوّنها حيواناً بالقوى المودعة في الرحم، فكان صيرورتها حيواناً من قبل الأُمّ، وقد أتلفها الرجل على الأب.(1)

يلاحظ عليه: انّ ما ذكره تدقيق فلسفي غير مطروح للعرف، ولو صحّ ما ذُكر لوجب على الرجل إعطاء قيمة نطفة المرأة والدم التالف وقيمة القوى المودعة لا قيمة الولد.

ومنه يظهر عدم صحة ما أفاده المحقّق الإيرواني حيث قال: إنّ المشتري استوفى منفعة الرحم باشغاله بمائه ولا أقل من أنّه قد أتلف منفعته على المالك بذلك فإنّه كان مستعداً لانماء نطفة الرق فسلب عنه ذلك بإشغاله بنطفته.(2)


1 . (كذا في النسخة والظاهر على المالك) تعليقة الإصفهاني:1/75.ولعلّه تبع في التعبير خبر زرارة الآتي.

2 . تعليقة المحقّق الإيرواني:1/93.


صفحه287

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه تدقيق فلسفي ـ أنّه لو صحّ ما ذكر يجب عليه جبران أشغال الرحم بنطفته، لا قيمة الولد.

هذا ما ذكره القوم ولكن الرجوع إلى سائر الروايات الواردة في هذا الموضوع يثبت أنّ قيمة الولد كان عوضاً عن المنافع المختلفة المستوفاة.

3. روى الكليني بسند كالصحيح(1) عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يشتري الجارية من السوق ويولدها ثم يجيء الرجل فيقيم البيّنة على أنّها جاريته لم تُبَع ولم تُهَب؟ فقال(عليه السلام): ان يرد إليه جاريته ويعوّضه بما انتفع. قال: كأنّ معناه قيمة الولد.(2) والظاهر انّ التفسير من زرارة.

4. خبر زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل أشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه فولدت منه أولاداً ثم إنّ أباها(3) يزعم أنّها له وأقام على ذلك البيّنة؟ قال: يقبض ولده ويدفع إليه الجارية ويعوضه


1 . أقول: رواه في الكافي بالسند التالي:

عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي عبد اللّه الفرّاء عن حريز عن زرارة. الكافي:5/216برقم 13.

ورواه في التهذيب بالسند التالي:

أحمد بن محمد عن أبي عبد اللّه الفرّاء عن حريز عن زرارة. التهذيب7/64برقم 276.

والظاهر أنّ مراده من أحمد بن محمد هو أحمد بن محمد بن عيسى، والشيخ أخذ الرواية من كتابه. ولذلك حذف قول الكليني «عدّة من أصحابنا» فالسندان متحدان ومعتبران. وأبو عبد اللّه الفراء من مشايخ ابن أبي عمير فيكون ثقة، ولذا قلنا: كالصحيح.

وبذلك يظهر أنّ صدر السند المذكور للرواية في الوسائل لا ينطبق على المصدرين.

2 . الوسائل:14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث2.

3 . وربما يتصور أنّ الصحيح صاحبها ولكن فسّره العلاّمة المجلسي في شرح التهذيب بقوله: أي ادّعى انّها ابنته حرّة الأصل أو اشترى ابنته وعتقت عليه.


صفحه288

في قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها.(1)

فلو كان التفسير في الحديث الثالث من الراوي لدلّ على أنّه فهم أنّ قيمة الولد عوض المنافع المستوفاة.

والحديث الرابع ينص على ضمان ما أصاب من لبنها وخدمتها.

وبما أنّ الروايتين الأُوليين لم تنصّا إلاّ على ضمان قيمة الولد ولم يذكر فيهما شيء من قيمة اللبن والخدمة، يمكن أن يقال أنّ قيمة الولد عوض عن كلّ ما انتفع به المشتري من الأُمّة من الانتفاعات الجنسية والخدمة في البيت ورضاع الولد، وبما أنّ تقييم كلّ ذلك كان أمراً غير ميسور قامت قيمة الولد مقامه.

وعلى ما ذكرنا فالاستدلال بها على المقام مشكل. لانّ المنفعة المستوفاة مضمونة قطعاً والكلام في غير المستوفاة حتّى يكون دليلاً على ضمان العين التالفة بلا تفريط ولا تسبيب عن المشتري. وعلى ضوء ما ذكرنا فالروايات الواردة في الإماء المشتراة لا تصلح للاستدلال على المقام.

الدليل الخامس: قاعدة على اليد

«قاعدة على اليد» غير «قاعدة اليد»، فالثانية آية الملكية لقوله(عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق.(2)

والأولى دليل الضمان، وهي حديث نبوي رواه قتادة عن الحسن البصري عن سمرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه».


1 . نفس المصدر، الحديث4.

2 . الوسائل: 18 ، الباب2 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث2.


صفحه289

يقول البيهقي ثم ّ انّ الحسن نسي حديثه فقال: هو أمينك لا ضمان عليه.(1)

ورواه الترمذي عن الحسن عن سمرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، قال قتادة ثم نسي الحسن فقال فهو: أمينك لا ضمان عليه، يعني العارية.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرهم إلى هذا، وقالوا: يَضمن صاحب العارية، وهو قول الشافعي وأحمد.

وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم: ليس على صاحب العارية ضمان إلاّ أن يخالف، وهو قول الثوري وأهل الكوفة، وبه قال إسحاق.(2)

ورواه أبو داود بسنده عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»، ثمّ إنّ الحسن نسي وقال: هو أمينك لا ضمان عليه.(3)

أقول: يقع الكلام تارة في سند الحديث وأُخرى في دلالته، امّا السند فساقط جدّاً ولا نتكلم إلاّ عما ورد في حق سمرة بن جندب بن هلال الفزاري.


1 . سنن البيهقي:6/90، باب العارية مضمونة.

2 . سنن الترمذي:3/566، الباب39 ، باب ما جاء في أنّ العارية مؤداة.

3 . سنن أبي داود، باب في تضمين العارية ، الحديث رقم 3561.


صفحه290

فقد عرّفه الذهبي في تاريخه وقال: له صحبة ورواية وشرف، ولي امرة الكوفة والبصرة خلافة لزياد، وكان شديداً على الخوارج وقَتَل منهم جماعة، فكان الحسن وابن سيرين يشينان عليه.(1)

هذا ما يذكره الذهبي في بدأ ترجمته، ولكنه يذكر في حقه ما يدلّ على فسقه، حيث قال: عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة في ذلك: إنّي كنت أنا وهو وأبو هريرة في بيت فجاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: آخركم موتاً في النار، فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة.(2)

وروي عن ابن طاووس وغيره قال النبي لأبي هريرة وسمرة بن جندب وآخر: «آخركم موتاً في النار» فمات الرجل قبلهما، فكان إذا أراد الرجل أن يُغيض أبا هريرة، يقول: مات سمرة، فيُغشى عليه ويصعق، فمات قبل سمرة.

ثمّ قال: وقتل سمرة بشراً كثيراً. ونقل عن عامر بن أبي عامر، قال: كنّا في مجلس يونس بن عبيد فقالوا: ما في الأرض بقعة نشفت من الدم مثل ما نشفت هذه ـ يعنون دار الإمارة ـ قُتِل بها سبعون ألفاً فسألت يونس، فقال: نعم من بين قتيل وقطيع، قيل من فعل ذلك؟ فقال: «زياد وابنه وسمرة».


1 . تاريخ الإسلام، الجزء الخاص بحوادث عهد معاوية، ص 231، وجدنا العبارة «يثنيان» و هو تصحيف، والصحيح ما ذكرناه، بقرينة ما سيمّر عليك ممّا أورده الطبري في تاريخه. وما ذكره نفس الذهبي.

2 . سير أعلام النبلاء:3/183ـ 185. ومعنى ذلك ان سمرة آخر من مات منهم.


صفحه291

ثمّ نقل عن أبي بكر البيهقي انّه قال: نرجو له بصحبته.(1)

وذكر ابن الأثير ما نقلناه عن الذهبي وقال: سكن البصرة وكان زياد يستخلفه عليها إذا صار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا صار إلى البصرة، فكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر، إلى آخر ما ذكر.(2)

روى الطبري في حوادث سنة 50هـ، قال: عن محمد بن سليم قال: سألت أنس بن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.

وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.(3)

ونقل ابن أبي الحديد عن أُستاذه أبي جعفر انّه قال: وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي انّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب(عليه السلام): (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ).(4)


1 . سير أعلام النبلاء:3/183ـ 185. قوله: بقعة نشفت من الدم: شربت الدم، يقال: نشف الثوبُ العرقَ: شرَبه.

2 . أُسد الغابة:2/354.

3 . تاريخ الطبري:3/176.

4 . البقرة:204ـ 205.


صفحه292

وانّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى:(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ)(1) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك.(2)

هذا هو حال السند، فكيف يمكن أن يُحتجّ به، وربّما يقال بأنّ ضعف السند منجبر بعمل الأصحاب، لكن الظاهر انّ عمل الأصحاب بها لم يكن اعتماداً على الرواية، بل كان احتجاجاً على الآخرين فقد اعتمد عليه الشيخ في كتاب «الخلاف» في غير واحد من الأبواب، احتجاجاً على المخالف لا دليلاً على نظره ورأيه، مثلاً:

قال في كتاب«الغصب»: إذا غصب شيئاً ثم غيّره عن صفته الّتي هو عليها لم يملكه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا غيّر الغصب تغييراً أزال به الاسم والمنفعة المقصودة، بفعله ملكه. ثم استدل وقال: دليلنا: أنّه ثبت أنّ هذا الشيء قبل التغيير، كان ملكه فمن ادّعى أنّه زال ملكه بعد التغيير فعليه الدلالة.

ثمّ قال (الشيخ): وروى قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي».(3) فالظاهر أنّه بصدد الاحتجاج على أبي حنيفة لا أنّه يستند إلى نفس الرواية.(4)


1 . البقرة:207.  

2 . شرح نهج البلاغة:4/73.

3 . الخلاف:3/407، المسألة 20.

4 . ولاحظ أيضاً المسألة 22 من كتاب الغصب.


صفحه293

وعلى ذلك فالاعتماد على الحديث بعمل الأصحاب أمر غير تام.

ومع ذلك فاتقان الحديث ربّما يؤيد صدوره عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد كان سيدنا الأُستاذ(قدس سره) يعتمد عليه في درسه الشريف، لأجل اتقان اللفظ والمضمون. واللّه العالم.

هذا كلّه حول السند وأمّا الدلالة، فربما يخدش فيها بأنّ الرواية لا تدل على الحكم الوضعي بمعنى الضمان، لأنّ كلمة «على» ظاهرة في الحكم التكليفي فلا تدل على الضمان.

وأجاب عنه الشيخ الأنصاري بأنّ هذا الظهور إنّما هو إذا أُسند الظرف إلى فعل من أفعال المكلفين، كما إذا قال: عليه صلاة. لا إلى مال من الأموال كما يقال عليه دين فإنّ لفظة «على» حينئذ لمجرد الاستقرار في العهدة، عيناً كان أو ديناً. ومن هنا كان المتجه صحة الاستدلال به على ضمان الصغير بل المجنون إذا لم تكن يدهما ضعيفة لعدم التمييز والشعور.(1)

أقول: لو صحّ السند فالدلالة على الضمان أوضح من أن تخفى، وذلك لأنّ لفظة «يد» تطلق فيراد منها تارة الجارحة بما هي جارحة، كما قال سبحانه:(السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزاءً بِمَا كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ).(2)

وأُخرى تطلق وتستعمل في الجارحة لكن كناية عن الشخص القادر كقوله سبحانه: (فَسُبْحَانَ الّذِي بِيَدْهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).(3)

وثالثة تطلق وتستعمل في الجارحة لكن كناية عن الشخص بما له من


1 . المتاجر:101.

2 . المائدة:38.   

3 . يس:83.


صفحه294

الاستعلاء على الشيء كما في المقام.

وعند ذلك يكون الظرف خبراً للموصول أعني «ما أخذت» ويراد بالظرف (على اليد) الشخص المستعلي، فيكون معنى الرواية: في عهدة الشخص المستعلي ما أخذ حتّى يفرغ ويخرج عن العهدة، وهذا هو نفس الضمان الّذي نحن بصدد إثباته.

والغاية في الرواية وإن كان هو أداء ما استعلى عليه وإرجاعه إلى صاحبه لكن التفاهم عرفاً من الأداء هو المعنى العام، فإن كان موجوداً فيؤديه بعينه وإن كان تالفاً فبما يقوم مقامه عند العرف، فلو كان مثلياً فبالمثل ولو كان قيمياً فبالقيمة.

وبذلك يسقط ، ما ربّما يقال من أنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية هو ردّ العين الموجودة فإذا انتفى فلا موضوع للرد. وذلك لانّه ليس المراد من الاستعلاء هو الاستعلاء الخارجي على العين حتّى يدور مداره، بل الاستعلاء على الشيء كناية عن الاستعلاء على ماليته، فالذي أخذه وإن كان هو العين لكن العين إنّما تكون مطلوبة للناس بما أنّ لها مالية، فإذا استعلى على شيء له مالية فيجب عليه الخروج عن ذلك التعهد، والخروج عند العرف عبارة عن ما ذكرنا من ردّ العين عند وجودها وردّ ما يقوم مقامها عند عدمها.

ومن هنا يمكن استفادة كلا الحكمين من الحديث; الوضعي بالدلالة المطابقية، والتكليفي بالدلالة الالتزامية، فإنّ كون الشيء على العهدة لا أثر لاعتباره إلاّ أن يكون له أثر شرعي.


صفحه295

 

في شمول القاعدة للمنافع والأعمال

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري أورد على دلالة الحديث بأنّ مورده مختص بالأعيان فلا يشمل المنافع والأعمال المضمونة في الإجارة الفاسدة.

ثم أجاب بأنّه يمكن أن يستدل على الضمان فيها بقواعد أُخرى نظير احترام مال المسلم، وأدلة نفي الضرر فلابدّ من أداء عوضه لقاعدتي الاحترام ونفي الضرر.(1)

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن الإشكال بأنّ مورده وإن كان مختصّاً بالأعيان إلاّ أنّ قضية كونها مضمونة، هي ضمان منافعها، فضمان المنافع في الإجارة الفاسدة إنّما يكون بتبع ضمان العين المستأجرة، وبالجملة قضية ضمان اليد ضمان المنافع في ما كانت العين مضمونة بها، فاختصاص مورده بالأعيان لا يوجب اختصاص الضمان بها.(2)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره خارج عن مورد البحث فإنّ مورد النقض عبارة عن الإجارة الفاسدة والعين فيها غير مضمونة، فكيف تكون المنافع مضمونة بتبعها؟

والأولى أن يقال أنّ الأخذ والردّ أشبه بالمتضايفين فلو أمكن الأخذ لأمكن الردّ أيضاً، ولا شكّ انّ المنافع مأخوذة بأخذ العين فتكون مردودة بردّها.


1 . المتاجر:103.   

2 . تعليقة المحقّق الخراساني:18.


صفحه296

حكم المسابقة الفاسدة

بقي الكلام في ضمان بعض الأعمال المضمونة الّتي لا يرجع نفعها إلى الضامن، ولم تقع بأمره، كالسبق في المسابقة الفاسدة، فهل يُضمن للسابق، لا بالمسمّى بل بأُجرة المثل.

ربما حُكي عن الشيخ الطوسي(1) والمحقّق(2) عدم استحقاق السابق أُجرة المثل قائلين: بأنّ عمل العامل لم يعد نفعه إلى الآخر ولم يقع بأمره أيضاً، فاحترام الأموال الّتي منها الاعمال لا يقضي بضمان الشخص له ووجوب عوضه عليه، لأنّه ليس كالمستوفى له، ولذا كانت شرعيته على خلاف القاعدة حيث إنّه بذل مال في مقابل عمل لا ينفع الباذل.(3)

توضيحه: أنّ مناط الضمان أحد أُمور ثلاثة:

أ. الاستيلاء على أموال الناس وإن لم ينتفع بها.

ب. استيفاء المنافع.

ج. الأمر بعمل محترم مع صدوره من المأمور في الخارج، سواء أوَصَلَ نفع ذلك العمل إلى الآمر أم لم يصل إليه.

وهذا البيان لا بأس به وإن كان لا يخلو عن تأمل كما سيأتي.

ويظهر من المحقّق الخوئي انّ المسابقة صحيحة كانت أم فاسدة من


1 . المبسوط:2/302.

2 . شرائع الإسلام:2/240.

3 . المتاجر:103.


صفحه297

مصاديق القمار لأنّه أكل المال بالباطل، غير أنّه قد خرجت منها المسابقة الصحيحة لمصالح خاصة وأمّا غيرها فهو باق على حرمته.(1)

أقول: الظاهر أنّ الاستدلال غير تام لانّ المسابقة لو كانت من مصاديق القمار لكانت من مصاديق الفحشاء، واللّه لا يأمر بها.

قال سبحانه حاكياً عن المشركين حيث كانوا يعللون ويوجهون أعمالهم السيئة بقولهم:

(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).(2)

وعلى هذا فالمسابقة ليست من مقولة القمار، والقمار عبارة عن أكل المال بالباطل وهو عمل لا يعود على المجتمع بالنفع ولا ينتفع به إلاّ المقامر، وهذا بخلاف المقام فإنّ في تشريع المسابقة والرمي تعبئة عسكرية تضفي على المجاهدين القوة والقدرة وتكون تجسيداً لقوله سبحانه:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ).(3)

فينحصر الاستدلال بما مرّ من أنّ وجه الضمان أحد الأُمور الثلاثة والكلّ غير موجود.

ولكن يمكن أن يقال: أنّ هناك أمراً ضمنيّاً من أحد المتسابقين بالنسبة


1 . مصباح الفقاهة:2/353.

2 . الأعراف:28.

3 . الأنفال:60.


صفحه298

إلى الآخر كأنّه يقول: إرم فإن كنت فائزاً فمني لك كذا، وهكذا الآخر، هذا فيما إذا كان عقد الترامي بين شخصين، وربما يكون الآمر غير المتسابقين كالنوادي والمؤسسات الّتي تعقد هذه المسابقات في ميادين وحلبات السباق الخاصّة، فتكون هي الآمرة والباذلة.

علم الدافع وجهله

الصور المتصورة من ضرب علم وجهل كلّ من الدافع والآخذ، أربعة:

1 . أن يكونا عالمين.

2. أن يكونا جاهلين.

3. أن يكون الدافع عالماً والآخذ جاهلاً.

4. أن يكون الدافع جاهلاً والآخذ عالماً.

فالظاهر من الشيخ وغيره هو الضمان في جميع الصور أخذاً بإطلاق دليل «على اليد»، والسيرة العقلائية القائمة على ضمان اليد مع الإقدام.

وربما يناقش في الضمان في موردين:

1. إذا كانا عالمين فإن علم كلّ من الدافع والآخذ بفساد العقد يدخل الموضوع تحت التسليط المجاني، فالدافع سلّط الآخذ على المال بغير عوض شرعي، وهكذا الآخذ، فلو كان هناك تلف فلا يضمنه الآخذ، لكون التسليط مع اعتقاد الفساد كان بالمجّان.

وفصّل المحقق النائيني بين الحكم التكليفي أعني حرمة التصرف


صفحه299

ووجوب الردّ، والحكم الوضعي أعني الضمان فقال بالأوّل دون الثاني قائلاً بانّه:فرق بين الرضا الحاصل من باب أنّه ملك للقابض للجهل بالفساد أو للبناء على الصحة تشريعاً (عند العلم بالفساد) أو لا هذا ولا ذاك بل مجرد البناء المعاملي ولو عصياناً، كما في بناء الغاصب والمقامر ونحوهما على البيع، وبين الرضا الحاصل من باب أنّه ملك للآذن، وما يوجد في المقبوض بالعقد الفاسد هو الأوّل، والمفروض أنّ الشارع لم يرتب عليه الأثر فالأقوى بالنسبة إلى الحكم التكليفي هو حرمة التصرف ووجوب الرد فوراً.(1)

أقول: الظاهر هو العكس وانّه يجوز التصرف ولا يجب الردّ لكنّه لو تلف يكون ضامناً وذلك; أمّا الأوّل فلأنّ المورد داخل تحت قوله: «أو للبناء على الصحة تشريعاً»، وإن شئت قلت: وجود رضا بتصرف المأذون في ملك الآذن مطلقاً سواء أصحت المعاملة عند الشرع أم لا.

وأمّا الحكم الوضعي فالميزان في الضمان هو تسليط الآخر على ماله مع العوض سواء أقرّ بتسليطه الشارع أم لا، وكون العقد فاسداً لا يلازم أنّ الرجل سلّط الغير على ماله بلا عوض، بل ربما يكون غير متشرع وكان يتعامل معاملة القوانين الوضعية القائلة بالصحة.

2. إذا كان الدافع عالماً والآخذ جاهلاً، فتأتي هنا مشكلة الغرور، حيث إنّ الجاهل أقدم على المعاملة بتصور أنّ الضمان بالمسمى ، فلو كانت قيمة المثل أكثر من المسمّى بأضعاف، يعدّ تسليط الدافع العالم بالفساد للآخذ على المال إغراءً منه للآخذ. وعلى هذا فلو قلنا بالضمان فإنّما يضمن


1 . منية الطالب:1/116.


صفحه300

بالمسمى وإن كان أقل من قيمة المثل.

يلاحظ عليه: بأنّ الغرور إنّما يصدق إذا كان من الدافع تمهيد لدعوة الآخذ على المعاملة ـ كما ربما يتفق ـ ولكن المفروض انّه لم يكن هناك أي تمهيد من الدافع، وإنّما تبايعا على نسق سائر المعاملات الصحيحة، ومجرد علم الدافع وسكوته لا يستلزم الغرور بمعنى الخدعة.

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري(رحمه الله) ذكر النقوض الواردة على عكس القاعدة فانهاها إلى خمسة ولم يذكر النقوض الواردة على الأصل فما يمكن أن يورد به على الأصل الإيجابي بالنقض بالبيع من السفيه المحجر عليه لو تلف المبيع في يده مع كون القبض بإذن البائع، فقد حكموا بفساد البيع وعدم تعلق الضمان بالسفيه وإن فُكّ حَجْره.

قال العلاّمة في القواعد: فإن اشترى بعد الحجر فهو بحجره باطل. ويسترد البائع سلعته إن وجدها، وإلاّ فهي ضائعة إن قبضها بإذنه، عالماً كان البائع أو جاهلاً.(1)

أقول: الظاهر التفصيل بين علم الدافع بسفه القابض وجهله، ففي الأول لا يضمن السفيه إن تلف لأنّ الدافع هو الذي سلط على ماله من لا يجوز تسليطه على أمواله، فكيف على مال الغير، يقول سبحانه:(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاء أَموالكُمُ الّتي جعَل اللّه لَكُم قياماً)(2).

بخلاف ما إذا كان جاهلاً ولم يكن في المورد مظنة السفه حتى لا


1 . قواعد الأحكام: 2 / 137 .

2 . النساء: 5.


صفحه301

يكون مقصراً في الاختبار فالظاهر ضمانه إذا كان البيع باذن الولي فلا مناص من القول بضمان السفيه بعد فك حجره.

عكس القاعدة

ما تقدم كان حول القاعدة الإيجابية وأمّا السلبية أعني«ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» فدليلها انّ الصحيح من العقد إذا لم يقتض الضمان مع إمضاء الشارع له، فالفاسد الّذي هو بمنزلة العدم لا يؤثر في الضمان، لأنّ سبب الضمان أحد أمرين:

1. إقدام المتعاملين على الضمان، والمفروض عدمه، وإلاّ لضمن بصحيحه.

2. حكم الشارع بالضمان بواسطة هذه المعاملة الفاسدة، والمفروض أنّها لا تؤثر شيئاً.

فعلى هذا فلو وهب شيئاً بعقد فاسد لا يضمنه المتهب، لأنّه لا ضمان عند الصحة، لافتراض انّ الواهب لم يحفظ حرمة ماله، وأهدر كرامته فيكون في صورة الفساد كذلك لاتحاد المناط.

وبعبارة أُخرى: انّ الأدلة الدالة على الضمان عند الصحة لا تشمل المقام إذ هي عبارة عن الأُمور التالية:

1. حرمة مال المسلم.

2. إقدامه على أن يكون ماله مضموناً.


صفحه302

3. كون عدم الضمان موجباً للضرر.

4. الإجماع على الضمان.

والكلّ غير جار في المقام، لأنّه هو الّذي سلّط الغير على ماله مجّاناً فهدر حرمة ماله وكرامته وأقدم على المعاملة بلا ضمان وبلا عوض. ولو تضرّر فالضرر نابع من جانبه لا من جانب الآخذ. وليس في المقام إجماع على الضمان لو لم يكن على خلافه.

ثمّ إنّ الشيخ استدل على عدم الضمان ـ وراء ما ذكر ـ بالأولوية.

وحاصلها: أنّ الرهن لا يضمن بصحيحه فكيف يضمن بفاسده .

وجه الأولوية : أنّ الصحيح إذا كان مفيداً للضمان أمكن أن يقال: إنّ الضمان من مقتضيات الصحيح، فلا يجري في الفاسد لكونه لغواً غير مؤثر على ما سبق تقريبه: من أنّه أقدم على ضمان خاص والشارع لم يمضه فيرتفع أصل الضمان.(1)

وهذا بخلاف ما إذا كان عدم الضمان من مقتضيات الصحيح فيكون عدم الضمان من مقتضيات الفاسد بوجه أولى.

ولكنّه عدل عنه وقال: أنّه يجوز أن تكون صحة الرهن والإجازة المستلزمة لتسلط المرتهن والمؤجر على العين شرعاً مؤثرة في رفع الضمان بخلاف الفاسد الّذي لا يوجب تسلطاً لهما على العين فلا أولوية.
وتبعه المحقّق النائيني وقال: بأنّ المالك في القبض الصحيح إذا سلّط القابض


1 . المتاجر:104.


صفحه303

على ماله مجّاناً، تخرج يده عن عموم «على اليد...» إمّا تخصّصاً، أو تخصيصاً، وملاكه في الفاسد بعينه هو الملاك في الصحيح ، ولا أولويّة لأحدهما.(1)

والأولى أن يستدل على عكس القاعدة بعدم جريان أدلة الضمان كما أوضحناه.

إشكال وإجابة

أمّا الإشكال فهو انّ الفاسد وإن لم يكن له دخل في الضمان إلاّ أنّ مقتضى عموم «على اليد» هو الضمان، خرج منه المقبوض بصحاح العقود الّتي تكون مواردها غير مضمونة على القابض وبقي الباقي.

وامّا الجواب فيمكن أن يقال بأنّه لا إطلاق لقاعدة «على اليد» في الصور الّتي يسلّط المالكُ الغير على ماله بلا عوض ويُهدر حرمة ماله وكرامته، وذلك بالاستظهار من متن الحديث حيث إنّه يركز على الضمان فيما إذا أخذ ما يجب على الآخذ ردّه، وهو ينحصر في المقبوض غصباً والمقبوض بالعقد الفاسد الّذي لا يرضى المالك بخروج العين عن ملكه بلا عوض. وأمّا فيما أخذ ما لا يجب عليه ردّه كما إذا استأمنه عليه أو ملكه بلا عوض ففي هذه الموارد لا يجب على الآخذ الردّ ما لم يطلب المالك ملكه، فالحديث منصرف عن هذه الصور.

وإن شئت قلت: انّ لحن الحديث، لحن توبيخيّ، ويدلّ على بقاء


1 . منية الطالب:1/122.


صفحه304

العين في يد القابض ممّا لا يرضى صاحبها فيناسب اليد العدوانية أو ما يقرب منها أعني ما لا يرضى صاحب العين خروجها عن ملكه إلاّ بعوض يملأ مكانها، ولا عموم للحديث لغير هذين الموردين.

والّذي يؤيد عدم العموم، انّ للحديث شأن صدور، ومن البعيد صدوره عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ارتجالاً بلا تقدم سؤال أو نظيره، ومثل هذا الاحتمال القوي يسلب الاعتماد على إطلاق الحديث حتّى يستدل به على المقام.

ثمّ إنّ الشيخ أجاب عن الإشكال بما حاصله:

انّ عموم ما دلّ على أنّ «مَن لم يُضمّنه المالك فهو ليس بضامن» دليل على عدم الضمان في هذه العقود صحيحها وفاسدها، هذا إجمال الجواب.

ولكنّه قسّم العقود الفاسدة غير المضمونة إلى قسمين:

1. ما لا يكون فيه تمليك، كما إذا دفعه إليه للانتفاع به كالعارية، أو الإجارة، أو استأمنه عليه لحفظه كما في الأمانة أو دفعه إليه لاستيفاء حقه أو العمل فيه بلا أُجرة كالخيّاط المتبرع، أو معها كما في الصانع غير المتبرع.

2. ما دفعه إليه تمليكاً بلا عوض كما في الهبة.

أمّا القسم الأوّل فقد استدل على عدم الضمان فيه بعموم ما دلّ على أنّ «من استأمنه المالك على ملكه فهو غير ضامن» بل ليس لك أن تتهمه.

وأمّا الثاني فقد استدل على خروجها من عموم اليد بفحوى خروج مورد الاستئمان، فإنّ استئمان المالك لغيره على ملكه إذا اقتضى عدم ضمانه له، اقتضى التسليطُ المطلق عليه مجاناً عدم ضمانه بطريق أولى، ثم قال:


صفحه305

والتقييد بالمجانية لخروج الهبة المعوضّة.(1)

ثمّ إنّه لم يأت بدليل على العموم الّذي ادعاه من أنّ «من استأمنه المالك على ملكه فهو غير ضامن».

ولعلَّ نظره(رحمه الله) إلى الروايات التالية:

1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان، وقال: ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن».(2)

2. عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) قال سمعته يقول: لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت أو سرقت أو ضاعت إذا كان المستعير مأموناً».(3)

3. ما رواه غياث عن إبراهيم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)أُتي بصاحب حمّام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمّنه، وقال: إنّما هو أمين.(4)

***


1 . المتاجر:104.

2 . الوسائل:13، الباب1 من كتاب العارية، الحديث 6و 10.

3 . نفس المصدر، الحديث 10 .

4 . الوسائل:13، الباب 28 من أبواب الإجارة، الحديث1.


صفحه306

 

نقوض القاعدة

ثمّ إنّه أوردت نقوض على عكس القاعدة وحاول المحققون دفعها عنها مع انّ عكس القاعدة كأصلها لم يرد في آية ولا رواية فلا مانع من أن ينتقض في بعض الموارد.

نعم الّذي نُركز على كليته وعدم ورود النقض عليه هو أنّ ملاك عدم الضمان عبارة عن كون قرار المتعاملين على عدم الضمان أو لم تكن هناك يد و هذا هو الذي لا يقبل النقض، وإليك دراسة بعض النقوض:

النقض الأوّل: النقض بضمان العين المستأجرة بالعقد الفاسد

انّ العين المستأجرة بالعقد الصحيح لا تضمن، ولكنها مضمونة بالعقد الفاسد ـ عند بعضهم ـ وإن اختار البعض الآخر منهم خلاف ذلك.

قال المحقّق الثاني: وهل العين مضمونة بالاستيفاء؟ يلوح من كلامهم العدم، والّذي ينساق إليه النظر كونها مضمونة، لأنّ التصرف في العين غير جائز(1) فهو بغير حق، فيكون ـ في حال التصرف ـ استيلاؤه عليها بغير حق، وذلك معنى الغصب.

ثمّ إنّه(قدس سره) اختار عدم الضمان وقال: أنّه دخل معه على عدم الضمان بهذا


1 . واقعاً وظاهراً في المستأجر العالم بالفساد، وواقعاً وحده في المستأجر الجاهل به.


صفحه307

الاستيلاء وإن لم يكن مستحقاً(1)، والأصل براءة الذمة من الضمان، فلا تكون العين بذلك مضمونة إنّما يضمن المنفعة خاصة، ولولا ذلك لكان المرتهن ضامناً في فساد الرهن، لأنّ استيلاءه بغير حق، وهو باطل.(2)

ويظهر من المحقّق الأردبيلي القول بالضمان، في العالم بالفساد، فقد قال:

ثمّ إنّ الظاهر أنّ العالم كالغاصب، لا يجوز له التصرف، ولا يستحق شيئاً لما مرّ من أنّ الإذن إنّما علم بالعقد لاعتقاد أنّه صحيح ويلزم الطرف الآخر ما يلزمه، وقد بطل وهو عالم بالفرض فيبقى أصل المنع على حاله، كما قيل في البيع الباطل، بل يفهم من كلامهم الضمان مع الجهل أيضاً.(3)

هذه هي كلمات الأصحاب، فلو قلنا بالضمان يلزم النقض.

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري حاول إخراج المورد ـ ضمان العين في الإجارة الفاسدةـ عن عكس القاعدة بوجهين:

الأوّل: إنّ المراد بالمضمون مورد القاعدة، وموردها في الإجارة، المنفعة، فالعين ترجع في حكمها إلى القواعد وحيث كانت في صحيح الإجارة أمانة مأذوناً فيها شرعاً ومن طرف المالك، لم يكن فيها ضمان، وأمّا في فاسدها فدفع الموجر للعين إنّما هو للبناء على استحقاق المستأجر لها لحق الانتفاع فيه والمفروض عدم الاستحقاق فيده عليه يد عدوان لا ضمان،


1 . لفساد العقد.  

2 . جامع المقاصد:6/216.

3 . مجمع الفائدة:10/50.


صفحه308

(فخروج العين عن القاعدة خروج موضوعي ومن باب التخصص) لانّ مبنى عدم الضمان ما إذا كان المستأجر مستحقاً لحق الانتفاع والمفروض عدمه، فالتصرف في العين المستأجرة بالإجارة الفاسدة خارج عن القاعدة موضوعاً.

الثاني: إنّ التصرف في العين المستأجرة وإن كان داخلاً تحت القاعدة لكنّها خصّصت بقاعدة «على اليد».

ثمّ اختار عدم الضمان، قال: والأقوى عدم الضمان فالقاعدة المذكورة غير مخصصة بالعين المستأجرة ولا متخصصة.(1)

فقوله: غير مخصصة إشارة إلى الوجه الثاني، وقوله: ولا متخصصة، إشارة إلى الوجه الأوّل، فلو قدّم الثاني على الأوّل لكان أفضل.

أقول: هذان الوجهان ضعيفان.

أمّا الأوّل: إنّ ما ذكره من أنّ معقد الإجارة هو المنفعة والعين يرجع في حكمها إلى القواعد على خلاف الارتكاز، فإنّ حقيقة الإجارة هو تسليم العين للانتفاع، فالانتفاع غاية وتسليم العين معقد الإجارة، وعلى هذا فلا فرق بين العقد الصحيح والعقد الفاسد، بشهادة أنّ المالك عند الإيجار يقول: آجرتك الدار أو الدابة ولا يقول: آجرتك منفعة الدار، أو غير ذلك.

وأمّا الوجه الثاني: من وجود التعارض بين عكس القاعدة وقاعدة على اليد، فهو أيضاً مدفوع بأنّ لحن قاعدة «على اليد» لحن زجري وهو يناسب الغاصب، ولا يعم من أخذ العين برضا المالك ثم ظهر فساد العقد. فوصف


1 . المتاجر:103.


صفحه309

يده بانّها يد عدوان كما ترى، فتأمل.

نعم ما اختاره الشيخ أخيراً هو الأقوى، وعليه سيرة العقلاء، فلو تلفت الدابة أو عطلت السيارة بلا تفريط من المستأجر ولا إفراط بل كان التلف والعطل نتيجة كثرة الانتفاع بهما إذ لكلّ موجود طبيعي أو صناعي استعداد بقاء محدّد لا يتجاوزعنه، فلا يضمن المستأجر أبداً، ولو حُكم بالضمان لعُدَّ حكماً خارجاً عن موازين العدل من غير فرق بين كون العقد صحيحاً أو فاسداً.

النقض الثاني: استعارة المحرم الصيد

قال الشيخ: يشكل اطراد القاعدة في موارد :

منها: الصيد الّذي استعاره المحرم من المحل بناءً على فساد العارية فإنّهم حكموا بضمان المحرم له بالقيمة مع أنّ صحيح العارية لا يُضمن به.

ثمّ إنّه(قدس سره) وجّه ضمانه ـ بعد البناء على انّه يجب على المحرم إرساله وأداء قيمته ـ أنّ المستقر عليه قهراً بعد العارية (لأجل وجوب الارسال) هي القيمة لا العين فوجوب دفع القيمة ثابت قبل التلف بسبب وجوب الإتلاف الّذي هو سبب لضمان ملك الغير في كلّ عقد لا بسبب التلف.(1)

يلاحظ عليه بوجهين:

1. كان عليه أن يُحرِّر موضع النقض وهو أنّه عبارة عمّا إذا كان المحلّ


1 . المتاجر:103.


صفحه310

مالكاً وجازت له الإعارة، كما إذا ملك الصيد في خارج الحرم وأمّا لو ملكه داخل الحرم فالمحل والمحرم سواء، لا يملكان الصيد بل يجب عليهما إرساله، وعلى ضوء ما ذكرنا فموضع النقض ما إذا استعار المحرم الصيد من المحل خارج الحرم .

2. لو فرضنا أنّه يجب عليه الإرسال لكن وجوب الإرسال لا يُعدّ إتلافاً ما لم يُرسل فلا يصحّ إدخال المورد تحت الإتلاف حتّى يكون خارجاً عن مورد القاعدة لأنّ موردها التلف.

3. انّ الوارد في الأدلة هو حرمة الإمساك لا وجوب الإرسال، وانتقال الحرمة لا يتوقف على الإرسال بل يتحقق برده إلى صاحبه .

وسنذكر ما يدلّ على الحكم الشرعي وهو حرمة الامساك:

1. روى الصدوق في الفقيه بسنده عن علي بن رئاب عن بكير بن أعين قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل أصاب ضبياً فأدخله الحرم فمات الضبي في الحرم فقال: إن كان حين أدخله خلّى سبيله فلا شيء عليه، وإن كان أمسكه حتّى مات فعليه الفداء.(1)

2.روى الكليني عن أبي محبوب مثله إلاّ أنّه قال: «من أصاب طيراً في الحل فاشتراه فأدخله الحرم» ثم قال في آخره: «وإن كان أمسكه حتّى مات عنده في الحرم فعليه الفداء».(2)


1 . الوسائل:9، الباب36 من أبواب كفارات الصيد، الحديث3.

2 . نفس المصدر: ذيل الحديث 3.


صفحه311

وعدم تقيّد الموضوع بالمحرم غير ضار لأنّه إذا ثبت الحكم في غيره ثبت في المحرم بطريق أولى.

نعم: لو كان الصيد بيد المالك فمرجع حرمة الإمساك إلى وجوب الإرسال، وأمّا إذا كان بيد المستعير فالتخلص من الحرمة يكون بأحد وجهين:

1. الرد إلى المالك، ولا ضمان معه.

2. الإرسال، وهو يلازم الضمان.

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ استعارة المحرم الصيد، لا يلازم الضمان كما هو مفاد النقض، بل إذا ارسله.

وبذلك يظهر أنّ التطويل حول المسألة غير لازم.

ثمّ إنّ السيد المحقّق الكوهكمري(رحمه الله) أشار إلى بعض ما ذكرناه وقال:

أوّلاً: انّه لا دليل على فساد العارية لأنّ الثابت من الأدلة، هو حرمة أخذ الصيد للمحرم وهي لا تلازم الفساد.

ثانياً: لم يدل دليل على وجوب الإرسال فإنّ الثابت حسب الأدلة، هو حرمة الإمساك، وهو كما يحصل بإرسال الصيد كذلك يحصل برده إلى مالكه، فلا وجه للقول بالضمان مطلقاً، بل إذا أرسله، لا ما إذا ردّه.

ولذلك لم يذكر المحقّق سوى حرمة الإمساك وقال: لا يجوز للمحرم أن يستعير من محلّ صيداً لأنّه ليس له إمساكه فلو أمسكه ضمن (1).(2)


1 . شرائع الإسلام: 4 / 172 .

2 . من افاضات الأُستاذ السيد الكوهكمري، كما في مذكراتي.


صفحه312

النقض الثالث: المنافع غير المستوفاة في البيع الفاسد(1)

إنّ المنافع غير المستوفاة غير مضمونة في البيع الصحيح، لانّ الثمن في مقابل العين فقط وليس شيء منه في مقابل منافعها مع أنّها مضمونة في البيع الفاسد، فيجب على المشتري ـ بعد استرداد الثمن ـ دفع شيء في مقابل المنافع وإن لم يستوفها.قال الشيخ: ويُشكل اطراد القاعدة أيضاً في البيع فاسداً بالنسبة إلى المنافع الّتي لم يستوفها فإنّ هذه المنافع غير مضمونة في العقد الصحيح مع أنّها مضمونة في العقد الفاسد، ثم أجاب بقوله: إلاّ أن يقال : إنّ ضمان العين يستتبع ضمان المنافع في العقد الصحيح والفاسد.

وحاصل كلامه: انّ المشتري يضمن العين استقلالاً والمنافع تبعاً في مقابل الثمن فهو في مقابل الأمرين ولتكن كذلك مضمونة في الفاسد، وعندئذ يكون المورد داخلاً في الأصل لا العكس لكن كيفية الضمان مختلفة، فالضمان في الصحيح بالثمن وفي الفاسد بالقيمة، بعد ردّ الثمن.

ثمّ إنّه(قدس سره) تنظّر فيما ذكره في قوله: وفيه نظر لأنّ نفس المنفعة غير مضمونة بشيء في العقد الصحيح لأنّ الثمن إنّما هو بإزاء العين دون المنافع.(2)


1 . سيأتي من الشيخ الأنصاري في الأمر الثالث من الأُمور المترتبة على المقبوض بالعقد الفاسد، البحث عن المنافع المستوفاة وغيرها، والغرض هنا في جواب النقض هو تصوير انّ المنافع في البيع الصحيح مضمونة، فلا نقض لاتحاد حكم الصحيح والفاسد في الضمان وامّا بيان حكم المنافع في البيع الفاسد، فهو موكول إلى ذلك الأمر: فتدبر حتّى لا يتصور انّ البحث مستدرك.

2 . المتاجر:103.


صفحه313

وقد أجاب السيد الطباطبائي عنه بقوله: إنّ المنافع وإن لم تكن مقابلة بالمال ] في العقد الصحيح [إلاّ أنّها ملحوظة في القيمة وزيادة الثمن وهذا المقدار يكفي في صدق كونها مضمونة.(1)

أقول: الحق مع الشيخ في كلامه الأخير فإنّ المشتري إنّما يضمن شيئاً واحداً وهو المبيع، والمنافع مندكّة فيه، ولا يطلق عرفاً أنّ المشتري ضمن شيئين: العين والمنفعة؟ نعم للمنافع والقابلية تأثير في ارتفاع القيمة ونقصانها، ومع ذلك ليس لها ضمان، وراء ضمان المبيع. فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ المنافع غير مضمونة في البيع الصحيح. وأمّا الفاسد فالظاهر عدم الضمان أيضاً، وذلك لأنّ المالك والمشتري مشتركان في تفويت المنفعة، حيث سلّط البائع المشتري على المبيع وهو استولى عليه بإذن منه فكلاهما معاً سبب واحد لفوت المنافع فلا وجه لضمان ما لم يستوفها، وبذلك يظهر الفرق بين المورد والغاصب فالغاصب ضامن لما استوفاه لأجل الإتلاف، وغير المستوفاة لأجل كونه مفوتاً للمنفعة على مالك العين كما إذا أقفل
دار المالك أو حبس فرسه العامل وغير ذلك. بخلاف المشتري فهو غير مفوّت .

وما ذكرناه هو مقتضى حكم العقل الفطري في المقام ويساعده العرف حيث إنّه بعدما تبين فساد المعاملة فإن استوفى المنافع فيضمن لأجل الاستيفاء واحترام مال المؤمن وإن لم يستوف فيأخذ المسمى ويدفع المبيع إلى صاحبه.


1 . تعليقة السيد الطباطبائي:95.


صفحه314

فتلخص انّ النقض غير وارد. أمّا لوجود الضمان في الصحيح والفاسد معاً كما عليه الشيخ في أوّل كلامه والسيد الطباطبائي فيكون المورد من مصاديق الأصل، أو لعدم الضمان في كليهما كما هو المختار وعلى كلّ تقدير فليس هنا أي تفاوت بين صحيح العقد وفاسده.

النقض الرابع: النقض بحمل المبيع في العقد الفاسد

حكى الشيخ في المتاجر عن الطوسي في المبسوط، والمحقّق في الشرائع، والعلاّمة في التحرير، بأنّ الحمل في المبيع الفاسد مضمون على المشتري مع أنّه غير مضمون عليه في البيع الصحيح بناءً على أنّه للبائع.(1)

قال المحقّق: وإذا باع الحامل فالولد للبائع على الأظهر إلاّ أن يشترط المشتري.(2) وامّا انّه غير مضمون على المشتري فلكونه أمانة مالكية بيده في العقد الصحيح، مع انّه مضمون في العقد الفاسد.

يلاحظ عليه: بأنّ بيع الحامل بالعقد الصحيح تارة يكون الحمل جزء المبيع وأُخرى خارجاً عنه فعلى الأوّل يضمنه المشتري بالثمن الّذي يدفعه إلى البائع فالثمن ليس للأم وحدها بل لها مع مالها من الولد، فكيف يقال بأنّ الحمل غير مضمون على المشتري في العقد الصحيح؟

فإذا كان مضموناً على المشتري في مقابل المسمّى في الصحيح فليكن كذلك في العقد الفاسد فهو داخل في أصل القاعدة، أعني ما يضمن بصحيحه


1 . المتاجر:103. 

2 . الشرائع:2/51.


صفحه315

يضمن بفاسده لا في عكسها، وعندئذ فلا نقض للقاعدة. غاية الأمر تختلف كيفية الضمان ففي الصحيح الضمان بالثمن المأخوذ وفي الفاسد بعد استرداد الثمن، بردّ قيمة الحمل.

وأمّا إذا لم يكن الحمل جزءاً للمبيع فالحمل عند المشتري أمانة مالكية إذا كان العقد صحيحاً فلا يضمن إلاّ بالإفراط والتفريط.

وأمّا إذا كان بالعقد الفاسد الّذي هو محط النقض فنقول:

انّ الحمل ـ بما انّه لم يكن داخلاً في المبيع ـ كما هو المفروض، فهو أمانة مالكية أيضاً عند المشتري كما هو الحال في العقد الصحيح، وذلك لانّه لما لم يكن جزء المبيع، ولا من متعلقاته، بل من مقارناته، فيكون حكمه، في العقد الفاسد، كحكمه في العقد الصحيح فلا يضمن إلاّ بالتفريط، فقد أخذه بإذن المالك، فيكون أمانة.

فإن قلت: انّ الإذن من المالك في البيع الفاسد، من جهة اعتقاد كونه مستحقاً عليه، والإذن مقيّد بجهة الاستحقاق والمقيد ينتفي بانتفاء جهة تقييده.(1)

قلت: انّ اعتقاده بالاستحقاق حيثية تعليلية وليس جهة تقييدية، وبعبارة أُخرى هو من الدواعي لا من المشخصات للموضوع، وتخلفه لا يخرجه عن كونه أميناً، نظير ما قالوا في الاقتداء بإمام بزعم انّه زيد ثم تبيّن خلافه، فلو اقتدى به بما انّه زيد على أنّه لو لم يكن هو لم يقتد به، بطلت صلاته و امّا لو


1 . الجواهر:22/259، بتصرف في اللفظ.


صفحه316

اقتدى بإمام حاضر، لكن بزعم انّه زيد و صار داعياً للاقتداء على نحو لو لم يكن زيداً لاقتدى به، صحت صلاته.

النقض الخامس: النقض بالشركة الفاسدة

لا يجوز التصرف في الشركة الفاسدة فأخذ المال المشترك حينئذ موجب للضمان مع أنّ التصرف في الشركة الصحيحة لا يوجب الضمان، فانتقضت القاعدة: ما لا يضمن بصحيحه، لا يضمن بفاسده.

والظاهر عدم صحة النقض لوجهين:

1. لا يكفي عقد الشركة في جواز التصرف في المال المشترك الّذي تعاقدا على استرباحه مطلقاً، بل لا محيص في جواز التصرف من إذن خاص في التصرف، والعقد الصحيح والفاسد على نمط واحد فإن كان التصرف بإذن الشريك فلا ضمان مطلقاً، صحيحاً كان أو فاسداً، وإن كان بلا إذنه فهو مضمون في كلتا الصورتين، فعقد الشركة تارة يكون داخلاً في الأصل (إذا كان بلا إذن) وفي العكس (إذا كان مع الإذن).

2. انّ الكلام في التلف لا في الإتلاف.

هذا تمام الكلام في عكس القاعدة وتحليل النقوض الواردة، حسب ما ذكره الشيخ، ولا يخفى أنّ كلامه في هذا المقام غير منسجم من جهتين:

أوّلاً: قدّم البحث في نقوض القاعدة ثم بحث عن دليل العكس وكان الأولى تقديم الدليل على النقوض.


صفحه317

ثانياً : ذكر مسألة ضمان العين المستأجرة في الفاسد وعدم ضمانها في الصحيح قبل بيان النقوض، مع أنّها من مصاديقها. غير أنّ الشيخ لما كان غارقاً في التفكير والتحقيق غفل عن تنظيم المطالب على نحو يناسب الكتاب الدراسي.

رحم اللّه علماءنا الماضين وحفظ الباقين منهم.

وهناك نقوض أُخرى لم يتعرض لها الشيخ، ونحن نذكر بعضها:

النقض السادس: ضمان العامل في المضاربة الفاسدة

إذا كان رأس المال في المضاربة بمقدار يعجز العامل عن التجارة به وكان قادراً على التجارة ببعضه واشترط المالك مباشرته في العمل بلا استعانة بالغير، تكون المضاربة عندئذ باطلة حيث إنّه يشترط في العامل أن يكون قادراً على العمل بمال القراض، فمع عجزه تبطل مضاربته، فلو اتجر ببعض المال وربح يكون الربح للمالك ولا نصيب للعامل فيه.

نعم له أُجرة مثل عمله مع جهله بالبطلان، ولو تضرر يكون ضامناً مع أنّه (العامل) غير ضامن في باب المضاربة، فانتقض العكس أي ما لا يضمن بصحيحه ـ في باب القراض ـ يضمن بفاسده.

يلاحظ عليه أوّلاً: المنع من فساد القراض، وذلك لأنّ المعاملة على مجموع رأس المال بالتجارة فيه واسترباحه، وإن كانت واحدة، لكنّها لدى التحليل معاملة على كلّ جزء منه يمكن التجارة به واسترباحه بحصة من ربحه، وفسادها بالنسبة إلى ما كان غير قادر على التجارة به، لا يقتضي الفساد


صفحه318

بالنسبة إلى ما كان قادراً فيه من العمل، فيصح ويستحق الحصة من ربحه. ولو تضرّر فالضرر على المالك.

وثانياً: سلمنا فساد المضاربة لكن موضوع الضمان في القاعدة هو تلف المال، وامّا المقام فهو من قبيل الإتلاف حيث إنّه اتجر وخسر فالحكم بالضمان لا يكون نقضاً للقاعدة.

النقض السابع: استعارة العين المغصوبة

إذا استعار الرجلُ العين المغصوبة من الغاصب وتلفت في يده فيكون ضامناً، مع أنّ العارية ليس فيها ضمان، فانتقضت القاعدة، أعني: «ما لا يضمن بصحيحه ـ أي العارية ـ لكن يضمن هنا بفساده» وعلى ذلك فللمالك الرجوع على أيّ منهما شاء من غير فرق بين كون العين تالفة في يد المستعير أو في يد المُعير لقاعدة تعاقب الأيدي.

يلاحظ عليه: أنّ القاعدة (عدم ضمان العارية) مختصة بالعين المستعارة من المالك لا المستعارة من الغاصب.

فإنّ كلاًّ من المعير والمستعير ضامن، فإن كان المستعير عالماً بالغصب فلا يرجع فيما غرمه للمالك إلى المعير الغاصب، وإن كان جاهلاً فلو رجع المالك على الغاصب المعير بقيمة العين التالفة عند المستعير فلا يرجع بما غرمه للمالك على المستعير المفروض كونه مغروراً من قبله.

وأمّا لو رجع المالك إلى المستعير فهو يرجع إلى الغاصب لأنّ المغرور يرجع فيما غرمه على من غرّه كما في الحديث النبوي.


صفحه319

 

الأمر الثاني:

وجوب الردّ إلى المالك فوراً(1)

من أحكام المقبوض بالعقد الفاسد، وجوب ردّه إلى المالك فوراً وهو من آثار عدم تملك المقبوض بالعقد الفاسد.

قال الشيخ: من الأُمور المتفرعة على عدم تملك المقبوض بالبيع الفاسد وجوب ردّه فوراً إلى المالك، والظاهر انّه ممّا لا خلاف فيه على تقدير عدم جواز التصرف فيه كما يلوح من مجمع الفائدة(2) وقد افترض الشيخ المبنى أمراً مسلماً غنيّاً عن النقاش، ومع ذلك فلندرسه:

حرمة التصرف في المقبوض

يحرم التصرف فيه لانّ التصرف في مال الغير بلا إذنه حرام بلا إشكال.

روى صاحب الوسائل عن صاحب الدار (عليه السلام) في حديث طويل حيث جاء فيه: فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه.(3)

فإن قلت: إنّ تمليك المبيع للمشتري يتضمن الإذن في التصرف أيضاً،


1 . كان الأمر الأوّل هو ضمان المقبوض وعدمه.

2 . المتاجر:104.

3 . الوسائل:7، الباب3 من أبواب الأنفال، الحديث7، نقلاً عن كتاب «كمال الدين» للشيخ الصدوق.


صفحه320

فيكون التصرف مقروناً بالإذن.

قلت: إنّ بقاء الإذن فرع تحقق التمليك والمفروض فساد العقد الملازم لفساد مضمونه، الملازم لانتفاء التمليك فكيف يبقى الإذن مع انتفاء التمليك؟

نعم لو كان البائع عالماً بالفساد ومع ذلك أقدم على البيع يجوز للمشتري التصرف فيه لعدم تقيّد الإذن بالملكية الشرعية لكونه غير مبال بحكم الشرع، بل انّ تمام همّه كونه بيعاً عنده.

وقد أشار إلى ما ذكرنا من التفصيل ـ بين علم الدافع بالفساد وجهله به ـ السيد الطباطبائي في تعليقته بقوله: لا ينبغي الإشكال في عدم جواز التصرف فيه مع جهل الدافع وأمّا مع علمه فيمكن الإشكال فيه ـ وإن كان باقياً على ملكه ـ وذلك للإذن فيه في ضمن التمليك.(1)

وقد أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ الدافع إنّما جوّز التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد من حيث كونه ملكاً للقابض لا على وجه الإطلاق ولما لم تحصل الملكية للقابض ولا أنّ المالك قد أذن له إذناً جديداً حرم على القابض التصرف فيه وضعاً وتكليفاً.(2)

يلاحظ عليه: إنّ الإذن في التصرف لم يكن مقيّداً بالملكية الشرعية حتّى ينتفي بانتفائها، بل كان مقيّداً بالملكية العرفية لكونه غير مبال بحكم الشرع فيكون الإذن باقياً ببقائها، والعجب انّ السيد الطباطبائي قد أشار إلى نفس الإشكال (الّذي أورده السيد الخوئي) ودفعه، وقال: ودعوى انّ الإذن


1 . تعليقة السيد الطباطبائي:95. 

2 . مصباح الفقاهة:2/370.


صفحه321

مقيّد بالملكية وهي غير حاصلة، مدفوعة بأنّ القيد ليس إلاّ الملكية في اعتبار البائع وهي حاصلة إذ المفروض انّه أنشأها وبنى على كون المشتري مالكاً وقد قبل هو أيضاً، نعم لو كان مقيّداً بالملكية الشرعية صحّ دعوى عدم حصول القيد، لكنّه ليس كذلك.(1)

وبذلك يظهر أيضاً عدم ورود ما أفاده السيد الأُستاذ حيث قال: إنّ هذا الإذن إمّا يتعلق بالمبيع قبل نقله فهو خلاف المفروض، وإمّا أن يتعلق به بعده فلا يعقل الجدّ إليه، لأنّه إذن في تصرف المشتري في ماله وهو لا يمكن جدّه ولا أثر لإذنه وطيب نفسه في تصرف صاحب المال (المشتري) في ماله إذا تخلف عن الواقع وكان مال نفسه.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: انّ الإذن في التصرف يتعلق بالمبيع لا قبل النقل ولا بعده، بل يتعلق به حين النقل بالعقد الفاسد حيث إنّ التمليك يتضمن الإذن في التصرف في ماله.

ثانياً: إنّ ما لا يتصور الجد(فيه) لو كان البائع متشرعاً وحاول إنشاء الملكية الشرعية; وأمّا إذا كان غير مبال به فيتمشى الجدّ في إنشاء الملكية العرفية، والمفروض انّ المشتري أيضاً قد قبلها، وأظن انّ تفصيل السيد الطباطبائي جدير بالقبول، وانّ مناقشة العلمين غير تامة.

إذا تبيّن المبنى وانّ التصرف غير جائز عند جهل البائع يقع الكلام في وجوب الردّ .


1 . تعليقة السيد الطباطبائي:95.  

2 . كتاب البيع:1/458.


صفحه322

استدل على وجوب الردّ(1) بوجوه:

الأوّل: انّ الامساك من مصاديق التصرف في مال الغير

إنّ الإمساك من مصاديق التصرف فإذا حرم الإمساك وجب ضدّه وهو الردّ وهذا هو خلاصة الاستدلال، وإليك التفصيل.

قال الشيخ: ويدلّ عليه انّ الإمساك آناً ما تصرف في مال الغير بغير إذنه فلا يجوز لقوله(عج): «لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره إلاّ بإذنه».(2)

ولو نوقش في كون الإمساك تصرفاً كفى عموم قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يحل مال امرئ مسلم لأخيه إلاّ عن طيب نفسه»(3)، حيث يدل على تحريم جميع الأفعال المتعلقة به الّتي منها كونه في يده.(4)

وقد سبق أنّ مبنى وجوب الرد هو حرمة التصرف وقد حاول الشيخ أن يثبت أنّ الإمساك تصرف في مال الغير فإذا حرم الإمساك وجب الرد أخذاً بالقاعدة المعروفة أنّه إذا حرم أحد الضدين ـ اللذين لا ثالث لهما ـ وجب الضد الآخر. مثلاً إذا حرمت الحركة وجب السكون.

إنّ الشيخ يرى انّ النبوي أوضح دلالة على حرمة التصرف من التوقيع حيث إنّ الموضوع في التوقيع هو التصرف في مال الغير فلأحد أن يمنع كون


1 . فيما إذا كان البائع جاهلاً بالفساد وإلاّ فقد مرّ جواز التصرف في المبيع ومعه لا يجب الردّ.

2 . مرّ مصدره وما ذكره الشيخ لا يتفق مع ما في المصدر.

3 . الوسائل 19، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3; الكافي:7/273.

4 . المتاجر:104.


صفحه323

الإمساك مصداقاً للتصرف، وامّا النبوي فالموضوع فيه «مال امرئ» و هو يعم عامة الشؤون لمال الغير الّتي منها الإمساك.

والعجب أنّ المحقّق الخراساني عكس الأمر حيث قال: إنّ المناقشة في عموم مثل «لا يحل» (النبوي) لغير التصرفات (الإمساك) أوضح(1)، ولم يعلم وجه الأوضحية .

أقول: يرد على الاستدلال :

أوّلا: إنّ مفاد الحديثين واضح وكلاهما يهدفان إلى حرمة التصرفات الخارجية، ويقول انّ المحرم هو التصرفات في كلا الحديثين والإمساك ليس منها.

وثانياً: ما أشار إليه المحقّق الخراساني في تعليقته وهو: أنّ حرمة أحد الضدين إنّما تلازم وجوب الضد الآخر إذا كانا من قبيل الضدين اللذين لا ثالث لهما. وأمّا المقام فهناك أمر ثالث وهو إذا حرم التصرف فالتخلص عنه يكون بأحد الأمرين; الرد أو التخلية بينه وبين مالكه، فلا يجب على هذا القول إلاّ أحدهما لا خصوص الرد.(2)

فتبين أنّ الروايتين لا تنهضان لإثبات وجوب الردّ لوجهين:

1. انّ الإمساك لا يُعد تصرفاً. والروايتان ناظرتان إلى التصرفات الخارجية.

2. انّ التخلص من التصرف لا يختص بالردّ بل تكفي التخلية.


1 . تعليقة المحقّق الخراساني:19.  

2 . تعليقة المحقّق الخراساني:19.


صفحه324

 

الثاني: عموم: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»

انّ الحديث وإن لم يكن متعرضاً للحكم التكليفي بالدلالة المطابقية إلاّ أنّه متعرض له بالدلالة الإلتزامية، فإنّ استقرار الضمان على عهدة القابض ملازم لوجوب الردّ لأنّه لا أثر لاستقرار الضمان على العهدة إلاّ وجوب ردّ العين مادامت باقية وردّ المثل أو القيمة لو كانت تالفة.(1)و المفروض أنّها باقية.

يلاحظ عليه: انّه يكفي في استقرار الضمان على العهدة وجوب أحد الأمرين; الردّ أو التخلية بين المال والمالك.

إلى هنا تبين عدم نهوض الدليلين لوجوب الردّ ولندرس الدليل الثالث.

الثالث: الاستدلال بما ينصّ على وجوب الردّ

استدل المحقّق الإصفهاني(2) بما ورد في الأخبار من وجوب ردّ كلّ مال وقع في يد الغير إلى صاحبه نظير:

1. ما رواه الشيخ بسنده عن أحمد بن محمد بن أبي النصر قال سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) عن الرجل يصيد الطير الّذي يسوي دراهم كثيرة، وهو مستوي الجناحين، وهو يعرف صاحبه، أيحل له إمساكه؟ فقال: «إذا عرف


1 . منية الطالب:131.

2 . تعليقة المحقّق الإصفهاني:86.


صفحه325

صاحبه ردّه عليه، وإن لم يكن يعرفه، وملك جناحه فهو له، وإن جاءك طالب لا تتّهمه ردّه عليه».(1)

2. ما رواه الصدوق باسناده عن زرعة عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ـ في حديث ـ انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه».(2)

ويرد على الاستدلال بالرواية الأُولى :

أوّلاً : أنّ الطير ـ في الرواية ـ مقبوض بغير إذن مالكه فأشبه أن يكون بالغصب وقد ورد في مرسلة حماد بن عيسى عن العبد الصالح(عليه السلام)وفيها: «وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب لانّ الغصب كلّه مردود»(3)، وهذا بخلاف المقبوض بالبيع الفاسد فإنّه مقبوض بإذنه فلو وجب الردّ في الأوّل لما دلّ على وجوبه في الثاني.

وثانياً: احتمال انّ المراد من الردّ هو رفع اليد عنه وتمكين مالكه منه، لا خصوص إيصاله إليه.

ويرد على الثانية بعدم تمامية دلالته لأنّ الحديث منصرف إلى انحاء التصرفات الخارجية، والإمساك لا يُعدّ تصرفاً خصوصاً إذا كان مسبوقاً بالإذن، والقابض مستعداً للرد إذا طالبه المالك بذلك.


1 . الوسائل:17، الباب15 من أبواب اللقطة، الحديث1. قوله «مستوي الجناحين»: أي غير مقطوعهما فان القطع دليل على سبق الملكيّة فيجب التعريف .

2 . الوسائل:3، الباب3 من أبواب مكان المصلي، الحديث 1.

3 . الوسائل:6، الباب1 من أبواب الأنفال، الحديث4.


صفحه326

فلو صحّ الاستدلال بهما فليصح الاستدلال بما دلّ على وجوب أداء الأمانات إلى أهلها. مع عدم صحة الاستدلال بها لأنّ مورد الآيتين(1) هو الأمانة، وأين هي من المقبوض بالبيع الفاسد؟ فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه يجب عليه أحد الأمرين: الردّ أو التخلية.

مؤونة الردّ أو التخلية

قدّ ظهر انّ الأموال المنقولة يكفي فيها التخلية كغير المنقولة، بمعنى كفاية تمكين الطرف من التسلط على ماله، لكن ربما يتوقف تمكن البائع من التسلط على ماله على مؤونة، فهناك صور:

1. إذا نقله القابض إلى بلد آخر والمالك في بلد القبض فمؤونة النقل على القابض.

2. إذا نقله القابض إلى بلد آخر والمالك في البلد المنقول إليه فلو توقف إيصالها إلى مكان يتمكن البائع من التسلط عليها فمؤونة ذلك على المشتري.

3. إذاكان المبيع في بلد القبض سواء أكان البائع في نفس البلد أو في بلد آخر فليس على المشتري إلاّ إيصالها إلى مكان يتمكن البائع من التسلط عليها، فلو توقف هذا الأمر على مؤونة فهو على عهدة المشتري، وأمّا الزائد فلا.


1 . تلاحظ: البقرة: 283، والنساء:58.


صفحه327

 

الأمر الثالث:

حكم المنافع قبل الردّ

لو كان للعين المبتاعة منفعة فإمّا أن تكون مستوفاة أو غير مستوفاة، فلنقدم البحث في القسم الأوّل:

فنقول فإن استوفاها المشتري قبل الردّ، كان عليه عوضها على المشهور وربما يستظهر من كلام ابن إدريس في السرائر انّ المقبوض بالعقد الفاسد بمنزلة المغصوب عند أصحابنا(1)، أنّ الحكم إجماعي لانّ وجوب العوض في منافع المغصوب أمر اتفاقي والظاهر من ابن حمزة هو عدم الضمان.(2)

احتج للقول بالضمان بوجوه:

1. عموم «على اليد ما أخذت» فإنّ عمومها يشمل المنافع المستوفاة أيضاً، وقبض المنفعة بقبض العين، فتدخل المنفعة في ضمان المستأجر.

وأورد عليه بانّ قبض المنافع وإن كان بقبض العين، لكن دخولها في الحديث ممنوع، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«حتّى تؤديه» فإنّ المتبادر ردّ ما أخذه بعينه،


1 . السرائر:2/285.

2 . الوسيلة:255، كتاب البيع.


صفحه328

وهو ينطبق على العين دون المنفعة لأنّ المنفعة لا يمكن ردّها بعينها بل ردّ ما يردّ العين.

2. ما رواه أبو ذر عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: وحرمة مال المسلم كحرمة دمه(1)، والظاهر من هذه الجملة هو «أنّ مال المسلم محترم» ، ومعنى الحرمة ردّه بعينه إذا أمكن أو بما يقابله وينوب عنه. وقد مرّ انّ المنفعة تعدّ مالاً.

وأورد عليه بأنّ الظاهر منه هو الحكم التكليفي، بمعنى أنّه لا يجوز إتلاف مال المؤمن بغير إذنه كما لا تجوز إراقة دمه.(2)

3. ما دلّ على عدم حلية مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه، روى الكليني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): انّ رسول اللّه وقف بمنى حين قضى مناسكها في حجة الوداع فقال: «فان دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا... إلى أن قال: ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فانّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه».(3)

وكيفية الدلالة ، على الضمان على نحو ما ذكرناه في الحديث السابق.

4. قاعدة لا ضرر: فانّ تشريع جواز الاستيفاء بلا عوض ضرر على المالك.


1 . الوسائل:8، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث9.

2 . مصباح الفقاهة:2/324.

3 . الوسائل:19 ، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.


صفحه329

فإن قلت: انّ إيجاب ضمان ما استوفى من المنافع لا يُعدّ ضرراً إذا كان المورد من قبيل الإجارة، فلو استأجر بيتاً ثم بان فساد العقد بعد سنة فيأخذ المسمى ويدفع كراء المثل، فلا ضرر قطعاً.

وامّا إذا ابتاع بيتاً ودفع الثمن وسكن فيه سنة، ثم بان فساد العقد فإيجاب ضمان ما استوفى من المنافع يُعدّ ضرراً ولا يجبره استلام مجرد الثمن، كما هو واضح، مع أنّ البائع ربما ينتفع من الثمن خلال هذه المدّة.

قلت: كما أنّه يجب على المشتري ضمان ما استوفاه من منافع البيت، يجب على البائع ردُّ ما استوفاه من منافع الثمن خلال هذه المدّة، لانّ الثمن ملك المشتري فلو اتجر به البائع فانّما اتجر بمال الغير، فيكون أشبه بالمضاربة بمال الغير فضولة، ولو انتفع فإنّما انتفع بمال الغير فصحة ما ابتاع به تتوقف على إجازة المشتري.

نعم لو لم ينتفع بالثمن، دخل المورد في المنافع غير المستوفاة وسيوافيك الكلام فيها. فضمان المنافع المستوفاة لا يختص بالمبيع بل يعم الثمن أيضاً.

ثمّ إنّه أجيب عن هذه المناقشات بما لا حاجة إلى ذكره هنا.

والّذي ينبغي أن يقال: انّ الفقيه في المقام في غنى عن إقامة الدليل على الضمان بهذه الوجوه الأربعة مع ما فيها من المناقشات والردود فإنّ دليل الضمان هنا أوضح من أن يستدل عليه بهذه الوجوه، وهو وجود السيرة القطعية العقلائية الممضاة عند عامة الشعوب وهو أنّ استيفاء مال الغير لا


صفحه330

يذهب هدراً وأنّ حرمة المال أمر فطري، اللّهمّ إلاّ إذا أهدر المالك كرامة ماله وإذن للآخرين استيفاء أمواله ومنافعها.

وربّما يستدل على الضمان بقاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن، قال السيد الخوئي: وهي بهذه الكيفية وإن لم تُذكر في رواية خاصة ولكنّها قاعدة كلية متصيّدة من الموارد الخاصّة الّتي نقطع بعدم وجود الخصوصية لتلك الموارد وعليه فتكون تلك القاعدة متبعة في كلّ مورد تمس الحاجة إليه والموارد الّتي أخذت منها هذه القاعدة هي الرهن والعارية والمضاربة والإجارة والوديعة وغير ذلك من الموارد المناسبة لها فإنّه قد وردت فيها الاخبار الكثيرة الدالة على أنّ إتلاف مال الغير موجب للضمان وقد استفاد منها الفقهاء رضوان اللّه عليهم قاعدة كلية أعني بها قاعدة «من أتلف مال غيره فهو له ضامن».(1)

يلاحظ عليه: انّ هنا سببين مستقلين:

1. اتلاف مال الغير.

2. استيفاء منافع مال الغير.

فكلّ منهما سبب للضمان فالإتلاف عبارة عن حيلولة القابض بين المالك وماله فيضيع عليه ماله، وأمّا المقام فليس هناك حيلولة بل يقوم القابض باستيفاء منافع العين الّتي بيده، وعلى ذلك فلا وجه للاستدلال بقاعدة «من أتلف» على المورد، وها نحن نذكر بعض هذه الروايات الّتي


1 . مصباح الفقاهة:2/385ـ 386.


صفحه331

أشار إليها المقرر في الهامش.

روى إسحاق بن عمار قال سألت أبا إبراهيم(عليه السلام) عن الرجل يرهن الرجل بمائة درهم وهو يسوي ثلاثمائة فيهلك، أعلى الرجل أن يرد على صاحبه مائتي درهم؟، قال: «نعم لأنّه أخذ رهنا فيه فضل وضيّعه».(1)

إنّ التعليل في الرواية من أدلة القاعدة وأنّك ترى أنّه من موارد اضاعة المال على صاحبه لا استيفاء منافعه. إلى غير ذلك من الروايات الّتي وردت في الهامش.

نظرية ابن حمزة وعدم ضمان المنافع المستوفاة

ثمّ إنّ الظاهر من ابن حمزة في «الوسيلة» ـ كما مرّ ـ عدم ضمان المنافع المستوفاة في البيع الفاسد، مستنداً إلى النبوي المعروف: «الخراج بالضمان»، روى أحمد في مسنده عن عروة عن عائشة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)انّه قال: «الخراج بالضمان».(2)

وما رواه أحمد فإنّما هو جزء من حديث روته عائشة، إذ من البعيد أن يتكلم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إرتجالاً ويقول:«الخراج بالضمان» ما لم تكن هناك قضية يتوقف حلُّها على بيان ذلك الحكم.

وقد روى البيهقي في «باب المشتري يجد بما اشتراه عيباً وقد استغله زماناً»، عن مخلد بن خفاف قال: ابتعت غلاماً فاستغللته ثم ظهر منه عيب


1 . الوسائل:13، الباب 7 من أبواب الرهن، الحديث2.

2 . مسند أحمد:6/249.


صفحه332

فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضى لي بردّه وقضى عليّ بردّ غلّته، فاتيت عروة فاخبرته فقال: أروح إليه العشية فأُخبره انّ عائشة أخبرتني انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قضى في مثل هذا، انّ الخراج بالضمان، فعجلّت إلى عمر فاخبرته ما اخبرني عروة عن عائشة عن رسول اللّه فقال عمر فما أيسر من قضاء قضيته، اللّه يعلم أنّي لم أرد فيه إلاّ الحقّ، فبلغتني فيه سُنّة عن رسول اللّه فأردّ قضاء عمر وأنفّذ سنة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الّذي قضى به عليّ.

ثم قال: وبهذا المعنى رواه مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة إنّ رجلاً اشترى غلاماً في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبه عيب لم يعلم به فاستغله ثم علم العيب فرده فخاصمه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال يا رسول اللّه انّه استغله منذ زمان فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الغلة بالضمان.(1)

كيفية الاستدلال: انّ المنافع للمشتري في مقابل ضمانه لمال المالك بالثمن الّذي دفعه إليه، وهذا يعمّ العقد الصحيح والفاسد، ومن المنافع يعمّ المستوفاة وغيرها، فكأنّ الرواية بمنزلة بيان أنّ المشتري ينتفع بالمبيع في مقابل انتفاع البائع بالثمن فهذا يقابل بهذا.

يلاحظ عليه: أنّ اللام في الضمان وإن كانت للجنس فتعم بظاهره الأقسام الثلاثة:

أ. المقبوض غصباً.


1 . السنن الكبرى للبيهقي:5/322، كتاب البيع.


صفحه333

ب. المقبوض بالعقد الفاسد.

ج. المقبوض بالعقد الصحيح.

إلاّ أنّه لا يمكن الأخذ بالعموم.

أمّا الأوّل فلأنّه باطل لضرورة الفقه إذ لو عمّه يكون معنى ذلك أنّ كلّ من اغتصب مال الغير وانتفع به مدّة مديدة لا يضمن المنافع المستوفاة في مقابل ضمانه للعين المغصوبة وهذا هو الّذي قضى به أبو حنيفة(1) وقد وصفه الإمام الصادق(عليه السلام) بقوله: «بمثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركاتها»(2)، فهذا الاحتمال باطل جدّاً.

بقي الاحتمال الثاني والثالث الّذي نعبّر عنه بالضمان المعاوضي سواء كان العقد صحيحاً أم كان فاسداً لكن مورد الرواية قرينة على أنّ المراد بالضمان هو الضمان المعاملي الصحيح، بأن يكون المشتري مالكاً شرعاً للمبيع ويستغله، ففي هذا المورد تكون الغلة في مقابل الثمن الّذي دفعه إليه فاللام في الضمان تشير إلى هذا النوع من الضمان.

وأمّا الضمان المعاوضي الّذي لم يمضه الشارع ولم تحصل الملكية للمشتري فعموم الرواية بالنسبة إليه مورد تأمل، خصوصاً على ما قلنا من أنّ غرض الرواية أنّ انتفاع المشتري بالمال في مقابل انتفاع البائع بالثمن فيكون هذا مقابل هذا، وهذا يختص بما إذا كان هناك معاملة صحيحة وملكية محققة.


1 . المغني:5/400; المبسوط للسرخسي:11/54ـ57.

2 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب الإجارة، الحديث1. وهي صحيحة أبي ولاّد الحناط الّتي تاتي في الأمر السابع من هذا الفصل.


صفحه334

ويشهد على ما ذكرنا من التفسير لفيف من الروايات نذكر أحدها:

روى إسحاق بن عمّار قال حدثني من سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام)وقد سأله رجل وأنا عنده فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع دار فجاء إلى أخيه فقال: ابيعك داري هذه وتكون لك أحبّ إليّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي ان أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليّ، فقال: «لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه».

قلت: فانّها كانت غلّة كثيرة فأخذ الغلّة لمن تكون الغلّة؟ فقال: «الغلّة للمشتري ألا ترى انّه لو احترقت لكانت من ماله»؟(1)

ترى أنّ الإمام حكم بأنّ الغلّة للمشتري في مقابل ضمانه للعين حيث لو احترقت لكان من ماله.

لاحظ بعض ما ورد في هذا المعنى فإنّ الجميع يشير إلى ما ذكرنا من معنى الرواية.(2)

وبذلك يعلم أنّ الاحتمالات الكثيرة حول الحديث كما احتمله السيد الخوئي اطناب غير لازم.(3)


1 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الخيار، الحديث1.

2 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الخيار، الحديث3، والجزء 13 ، الباب5 من أبواب الرهن، الحديث6.

3 . مصباح الفقاهة:2/387ـ 388.


صفحه335

 

نقوض قاعدة «الخراج بالضمان»

قد أُورد على قاعدة «الخراج بالضمان» عدة نقوض ناشئة من عدم الوقوف على حقيقتها، حسب ما فسّرناه آنفاً، وهي كما يلي:

1. النقض بالعارية، فإنّ الخراج ـ أي المنفعة ـ للمستعير مع أنّه غير ضامن.

2. تلف المبيع قبل القبض فإنّ الخراج بين العقد والقبض للمشتري كاللبن والصوف، إلاّ أنّ الضمان على البائع.

3. الخراج بعد القبض إذا اشترط الضمان على البائع إلى مدة، فإنّ الخراج للمشتري والضمان على البائع، لو قلنا بصحة هذا الشرط.

والجواب عن الجميع أنّ الضمان هناك كناية عن الملكية والتعليل في لسان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ورد بأمر فطري إرتكازي، وقد قلنا في محلّه انّ التعليل في لسان الشرع يجب أن يكون بحكم عقلي بديهي أو قريب منه، أو بأمر فطري. إذا عرفت ذلك فمعنى الحديث النبوي انّ مالكية الخراج أي المنافع المشروعة تابع لمالكية العين، فالمشتري بما أنّه مالك للعين سواء أقبضها أم لم يقبض فالمنافع له. وبعبارة أُخرى: من عليه الغرم فله الغُنم وبذلك تبيّن جواب جميع النقوض.

أمّا النقض الأوّل فإنّ المستعير إنّما يتلقى المنافع من المعير، فالمعير مالك والمنافع له أوّلاً وبالذات، ويصدق في حقّه أنّ الخراج بالضمان. وامّا


صفحه336

المستعير فإنّما يملك المنافع بإذنه ولكن المنافع بالذات للمالك.

كما يندفع النقضين الثاني والثالث، فالمنافع للمشتري قبل القبض وبعد القبض في مقابل كونه مالكاً للعين وليس المراد من الضمان هنا الضمان المصطلح حتّى يقال بأنّ البائع ضامن والمنافع للمشتري بل الضمان كناية عن الملكية، فالمنافع للمشتري لكونه مالكاً.

حكم المنافع غير المستوفاة

قد عرفت انّ الروايات الشريفة والسيرة العقلائية قائمة على ضمان المنافع المستوفاة، وانّ مال المسلم لا يذهب هدراً، و انّ مقتضى حرمة المال هو ضمانه، إنّما الكلام في المنافع غير المستوفاة، فقد استقصى الشيخ الأعظم الأقوال وهي خمسة:

الأوّل: الضمان; قال الشيخ: وكأنّه للأكثر، وقال في مكان آخر: وهو المشهور.

الثاني: عدم الضمان وهو المحكي عن إيضاح فخر المحقّقين، (وقوّاه السيد المحقّق الخوئي).

الثالث: الضمان إلاّ مع علم البائع، وقد حكي عن بعض الحواشي على الشرائع.

الرابع: التوقف في صورة علم البائع، واستظهره صاحب جامع المقاصد، والسيد العميد من عبارة العلاّمة في القواعد.


صفحه337

الخامس: التوقف مطلقاً، حكي عن الدروس والتنقيح والمسالك وهو محتمل قواعد العلاّمة.

هذه هي الأقوال الّتي جمعها الشيخ في المتاجر.(1) وقال الشيخ انّ التوقف أقرب إلى الانصاف، ثمّ قال: القول بالضمان لا يخلو عن قوة.والأقوى هو القول الثاني.

وذلك بالبيان التالي:

انّ هناك فرقاً بين الاستيلاء على مال الغير عنفاً وغصباً، وبين اقباض المالك العين للغير وقبضه بتصور أنّ العقد صحيح.

أمّا الأوّل فيمكن أن يقال انّ المال المغصوب بالقهر والعدوان مضمون على الغاصب بجميع خصوصياته وشؤونه، ومن جملة الشؤون المنافع سواء استوفاها أم لم يستوفها فيجب على الغاصب ردّ العين المغصوبة على المالك بجميع منافعها حتّى الفائتة بغير استيفاء.

وأمّا الثاني أي المقبوض باختيار المالك وإذنه فالذي تقتضيه حرمة المال ضمان المنافع المستوفاة برد قيمتها لجريان السيرة العقلائية على الضمان إذ لا وجه لأن ينتفع بمال الغير بلا عوض إلاّ إذا أذن إذناً جديداً، وأمّا غير المستوفاة فبما أنّ نسبة الدافع والقابض بالنسبة إلى فوت المنافع سيّان فلا وجه للحكم على القابض بالخروج عن المنافع الفائتة غير المستوفاة بل يُعدّ ذلك عرفاً، ظلماً وقولاً بالزور، إذ ليس له دور في فوت المنافع إلاّ نفس الدور الّذي للدافع.


1 . المتاجر:104ـ 105.


صفحه338

وحصيلة الكلام أنّ الضمان ـ بمعنى الاسم المصدري(1) ـ كون المضمون في ذمة الضامن وعهدته ـ كما هو الحال في الغصب، والمقبوض بالسوم، أو الإتلاف ـ يجب أن يكون للضامن فيه دور مستقل، وأمّا إذا لم يكن له ذلك فإلزامه بالضمان لا يناسب قاعدة العدل و الانصاف، ولم نجد دليلاً صالحاً للضمان، وإليك دراسة أدلة القول بالضمان:

1. قاعدة «على اليد»

استُدّل بقاعدة «على اليد» بضمان المنافع غير المستوفاة بالبيان السابق في ضمان المنافع المستوفاة، وهو أنّ الاستيلاء على العين استيلاء
على المنافع وأخذها أخذ بها، بل العين رمز للمنافع فلولاها لم يكن للعين قيمة.

يلاحظ عليه: بما مرّ من القدر المتيقن من الرواية ـ بشهادة رجوع الضمير في قوله «يؤديه» إلى الموصول ـ هو ضمان العين لا المنافع ولا صلة لها بالمنافع، مستوفاة كانت أو لا، نعم هو ضامن للأولى بدليل آخر.

2. قاعدة الاحترام

لا شكّ أنّ مال المسلم محترم كحرمة دمه، ودلّ عليه الروايات التالية:

أ. ما قاله رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة حجة الوداع: «دماؤكم وأموالكم


1 . المراد من الاسم المصدري هو كون الخسارة عليه سواء تعهد أم لا، في مقابل الضمان المصدري الّذي تكون الخسارة عليه لتعهده عرفاً وشرعاً.


صفحه339

عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركهم هذا وفي بلدكم هذا».(1)

ب. قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطباً لأبي ذر وفيه: «وحرمة ماله كحرمة دمه».(2)

ج. ما روي عن صاحب الدار(عج) قوله: لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه.(3)

وجه الاستدلال: هو انّ المنافع ـ كما مرّ ـ مال فلا تحل لأحد بغير إذنه، والمفروض انتفاء إذن المالك وعدم الإذن الشرعي.

يلاحظ على الاستدلال: بعد تسليم أنّ هذه الروايات بصدد بيان الحكم الوضعي ـ كما مرّ ـ إنّما يطلق المال على الموجود بالفعل أو الموجود بالقوة إذا خرج إلى عالم الوجود، وأمّا الباقي في عالم القوة الّتي هي أشبه بعالم العدم فالروايات لا تشمله أبداً.

3. قاعدة نفي الضرر

ربما يتصور أنّ الحكم بعدم ضمان القابض ـ في المقام ـ للمنافع غير المستوفاة ضرر على المالك.

يلاحظ عليه: بأنّ مفاد الحديث ـ كما حققناه في محله ـ نفي الضرر المسبّب من الناس إلى بعضهم، فهذا النوع من الضرر ـ كضرر سمرة على


1 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.

2 . الوسائل:8، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث3.

3 . الوسائل:7، الباب3 من أبواب الأنفال، الحديث7.


صفحه340

صاحب البستان ـ منفي، ولكنّ الضرر في المقام ليس نابعاً من جانب القابض بل مستند إلى الدافع ثم القابض.

4. قاعدة: «من أتلف»

وقد استدل بها السيد الطباطبائي وقال: الضمان هو الأقوى، بمعنى أنّ حالها حال العين لقاعدة الاتلاف فإنّ الاستيلاء على العين ومنع المالك عن الانتفاع بها تفويت لمنافعها ويصدق عليه الإتلاف عرفاً، ولذا يحكم بالضمان لها في الغصب.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه خلط بين يد المشتري الآخذ للعين بإذن البائع المستولي عليه حديثاً وبقاءً بطيبة نفس المالك، وبين الغاصب المستولي على العين عدواناً وقهراً، فما ذكره يتم في الثاني دون الأوّل.

5. الإجماع

وقد استظهره الشيخ الأنصاري عن كتاب السرائر، بيان ذلك: أنّ صاحب السرائر أفتى في باب الإجارة بضمان منافع المغصوب الفائتة.(2)وفي الوقت نفسه أفتى بأنّ البيع الفاسد عند أصحابنا بمنزلة الشيء المغصوب إلاّ في ارتفاع الإثم عن إمساكه.(3)


1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:96.

2 . السرائر:2/285.

3 . المتاجر:105.


صفحه341

يلاحظ عليه: انّ الإجماع المنقول ليس بحجة، خصوصاً في هذه المسألة الّتي نعلم قطعاً بعدم ورود نص فيها وصل إليهم ولم يصل إلينا، فمن المظنون أنّهم اعتمدوا على الوجوه الّتي درسناها وأثبتنا ضعفها. فالأقوى كما ذكرنا عدم الضمان.


صفحه342

 

الأمر الرابع:

ضمان المثلي بالمثل

تحليل هذه القاعدة يتوقف على دراسة أمرين:

الأوّل: ما هو الميزان في كون التالف مثلياً أو قيمياً، وهذا بحث صغروي .

الثاني: ضمان المثلي بالمثل وضمان القيمي بالقيمة وهو بحث كبروي. وقد أطال الشيخ(رحمه الله) الكلام في الصغرى وأوجز في الكبرى ولو أوجز في كليهما لكان أفضل.

فلنقدم البحث أوّلاً في الصغرى ثم في الكبرى.

اعلم أنّ هذه القاعدة لم ترد في رواية، وإنّما وقعت موقع الإجماع، في كلام الفقهاء، كما سيوافيك.

وقد عرّف المثلي والقيمي بتعاريف ربّما ناهز عددها العشرة أو أكثر، كما أورده صاحب الجواهر(1)، غير أنّ الفقهاء بتعاريفهم تلك أرادوا أن يشرحوا ما هو المرتكز في العرف، لأنّ العرف بفطرته يعرف ما هو المثلي والقيمي ويميّز بينهما بلا حاجة إلى هذه التعاريف، ولذلك لو أرجعنا القضاء في ذلك إلى العرف لكان أفضل فما حكم العرف بأنّه مثلي فيضمن بالمثل


1 . جواهر الكلام: 37 / 90.


صفحه343

وما حكم بأنّه قيمي فبالقيمة. وبالرغم من ذلك لا بأس بذكر بعض التعاريف:

الأوّل: المثلي: هو ما تتساوى قيمة أجزائه، وزاد بعضهم بالتمثيل بالحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب والأدهان. وبما أنّه ربّما لا تتساوى قيمة أجزاء نوع الحنطة فسّره بعضهم بتساوي قيمة أجزاء الصنف من النوع منه، وبما أنّه لا تتساوى قيمة أجزاء صنف واحد من النوع فسّره بعضهم بالأشخاص من الصنف.(1)

وبذلك تعرف أنّ القيمي هو الّذي يقابل المثلي أي الّذي لا تتساوى قيمة أجزائه.

فإن قلت: هذا يوجب أن لا يكون الدرهم الواحد مثلياً إذ لو انكسر نصفين نقصت قيمة مثله عن نصف قيمة المجموع.

قلت: النقض غير وارد لأنّ المراد هو نوع الدرهم أو صنفه أو شخصه الصحيح. ولذلك تساوي قيمة درهم واحد قيمة نصف الدرهمين.

فإن قلت: إن أُريد تساوي الأجزاء من صنف واحد من حيث القيمة تساوياً حقيقياً فقلّما يتفق ذلك لأنّ أشخاص ذلك الصنف لا تكاد تتساوى في القيمة لتفاوتها بالخصوصيات الموجبة لزيادة الرغبة ونقصانها، وإن أريد تقارب أجزاء ذلك الصنف من حيث القيمة وإن لم تتساو حقيقة تحقق ذلك في أكثر القيميات مثلاً فإنّ لنوع الأمة أصنافاً متقاربة في الصفات الموجبة لتساوي القيمة، وبهذا الاعتبار يصح السلم فيها. حتّى أنّ الرطب والفواكه من


1 . جواهر الكلام:37/89.


صفحه344

القيميات مع أنّ نوع كلّ منهما مشتمل على أصناف متقاربة في القيمة بل متساوية عرفاً.

قلت: قد مرّ أنّ المحور في التساوي هو تساوي أجزاء الشخص لا النوع ولا الصنف.

ولعل هذا التعريف هو أفضل التعاريف وأتقنها وهو المشهور، وهناك تعاريف أُخرى نتلوها عليك.

الثاني: المثلي ما تماثلت أجزاؤه وتقاربت صفاته، وهذا هو المحكي عن التحرير.(1)

الثالث: المثلي: المتساوي الأجزاء والمنفعة، المتقارب الصفات، وعليه الشهيدان في الدروس والروضة.(2)

الرابع: ما تساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية، وهو المحكيّ عن غاية المراد.(3)

الخامس: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن.

السادس: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن وجواز بيعه سلماً.

السابع: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن، وجاز بيعه سلماً، وبيع بعضه ببعض.


1 . تحرير الأحكام: 4 / 529 ، كتاب الغصب.

2 . الدروس الشرعية:3/113، الدرس 219; الروضة البهية: 7 / 36.

3 . غاية المراد: 135.


صفحه345

وقد حكيت التعاريف الثلاثة الأخيرة عن فقهاء السنة.(1)

إلاّ أنّ كلّ هذه التعاريف لا تحلّ العُقدة ـ لو لم تزد في الطين بلة ـ والأولى الرجوع إلى العرف، فما رآه مثلياً فهو مثلي وما رآه قيمياً فهو قيمي، والتعاريف الّتي ذكرنا أتت في خدمة العرف وبيان مرتكزه، إلاّ أنّ الّذي يجب أن نركز عليه أنّ كثيراً من القيميات صارت في أعصارنا مثليات، فقد كان الحيوان والثوب أمراً قيمياً لقلة العثور على حيوان يشبه الآخر تماماً كالغنم، وهكذا الثوب الّذي كان ينسج بالآلآت اليدوية.

ولكن بعد النهضة الصناعية أصبح كثيرٌ من القيميات أُموراً مثليّة، فإنّ مصانع النسيج تخرج إلى الأسواق كلّ يوم آلاف الأمتار من القماش وكلّ منها مثل للآخر أو صنفه أو شخصه.

وكذلك في حقول الدواجن فإنّها تنتج الطيور بوزن واحد ومواصفات متشابهة. ولذلك لا عتب على الإيجاز في التعريف وارجاع الصغرى إلى العرف، إنّما الكلام في الكبرى.

دراسة كبرى القاعدة

أمّا الكبرى فهي مركبة من شيئين:

أ. ضمان المثلي بالمثل.

2. ضمان القيمي بالقيمة.


1 . جواهر الكلام:37/90.


صفحه346

ونخص المقام بالبحث عن الأمر الأوّل، ونحيل البحث عن الأمر الثاني إلى محله.

ضمان المثلي بالمثل

المشهور هو ضمان المثلي بالمثل وقد استدل عليه بوجوه:

الأوّل: الاستدلال بالكتاب العزيز

قال سبحانه:(الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).(1)

و(الشَّهرُ الْحَرامُ) عبارة عن أشهر رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرم الحرام، سميت بذلك لحرمة القتال فيها.

فقوله:(الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرام) أي من استحل دمكم أيها المسلمون في هذا الشهر فاستحلوا أنتم دمه فيه.

وقوله: (وَالْحُرُماتُ قِصَاصٌ) أي مَن ينتهك حرمات اللّه يقتص منه ويعامل بمثل فعله، وهذا أصل عام يقطع كل عذر يتذرع به من ينتهك الحرمات، فمن استباح دماء الناس وأموالهم واعراضهم استبيح منه ما استباح هو منهم.


1 . البقرة:194.


صفحه347

وقوله: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) بيان لكيفية القصاص، وهو أن تكون العقوبة مماثلة لجناية المعتدي دون زيادة أو نقصان.

هذا هو معنى الآية، إنّما الكلام في الموصول الوارد في قوله: (بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) ففيه وجهان:

الأوّل: المماثلة في جنس الاعتداء بأن تكون مصدرية غير زمانية، فيكون معنى الآية: اعتدوا عليه بمثل اعتدائه عليكم، فإذن تختص الآية بالاعتداء بالأفعال، ويكون معنى الآية: إنّه إن أتلف أموالكم فلكم أيضاً إتلاف أمواله، وعلى هذا فلا دلالة للآية على الضمان، بل تدل على جواز الإتلاف.

ولعل هذا هو المتيقن لورود الآية في ثنايا آيات الجهاد مع المشركين، فالآية ترخص للمسلمين الاعتداء على المشركين اعتداءً مماثلاً لاعتدائهم حتّى لا يخرجوا عن حدود العدل. وأين هي من الدلالة على ضمان المثلي بالمثلي، مع أنّ الآية تركز على الأفعال، دون الأعيان.

الثاني: المماثلة في المعتدى به بأن تكون «ما» موصولة ويكون المراد بها المعتدى به، فيكون المعنى: فاعتدوا عليه بمثل الشيء الّذي اعتدى به عليكم. فيكون المراد من الموصول الأعيان الخارجية من النقد والعرض. فيصير الاعتداء كناية عن اشتغال ذمة المعتدي بالمثل، ولكن سُمّي هذا اعتداءً مجاراةً لفعل المعتدي.


صفحه348

 

الثاني: الاستدلال بالسنّة

قد ورد في غير واحدة من الروايات من أنّه إذا اقترض الخبز أو الجوز يجوز ردّ مثله وإن اختلف في الكبر والصغر، منها:

1. روى الصدوق عن الصباح بن سيابة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انّا نستقرض الخبز من الجيران ونردّ أصغر منه أو أكبر، فقال(عليه السلام): «نحن نستقرض الجوز الستين والسبعين عدداً فيكون فيه الكبيرة والصغيرة فلا بأس».(1)

2. روى إسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): استقرض الرغيف من الجيران ونأخذ كبيراً ونعطي صغيراً ونأخذ صغيراً ونعطي كبيراً؟ فقال: «لا بأس».(2)

يلاحظ عليه: انّ الروايتين بصدد بيان عدم لزوم الربا بمناسبة الصغر والكبر، لا بصدد بيان ضمان المثلي بالمثل بل تدلان على أنّ ضمانه به كان أمراً فطرياً ارتكازياً.

الثالث: الإجماع

قال صاحب الجواهر: إنّ ضمان المثلي بالمثل من قطعيات الفقه كما يومي إليه أخذه مسلماً في سائر أبوابه. ففي «جامع المقاصد» الإجماع عليه ،


1 . الوسائل:13، الباب21 من أبواب الدين والقرض، الحديث1.

2 . نفس المصدر: الحديث2.


صفحه349

بل في «غاية المراد» أطبق الأصحاب على ضمان المثلي بالمثل.(1)

والظاهر انّ الدليل الوحيد هو الإرتكاز، وليس الإجماع كاشفاً عن الدليل بل إجماعهم لأجل وجود السيرة العقلائية على ضمان المثلي بالمثل، وذلك لقضاء العرف على أنّه إذا لم يتمكن من ردّ العين يرجع إلى الأقرب من التالف وهو المثل.

ويمكن أن يوجه الارتكاز بما ذكره المحقّق النائيني بقوله: انّ مقتضى النبوي انّ كلّ ما دخل تحت اليد يجب على الضامن ردّه، فمادامت العين موجودة تدخل بخصوصياتها النوعية والشخصية والمالية تحت الضمان، وإذا تلفت لابدّ من ردّ عوضها، فإذا لم يتمكن من ردّ الخصوصية الشخصية تبقى النوعية والمالية في ضمان الشخص.(2)

ويقول المحقّق الاصفهاني: نعم إذا دخلت العين في العهدة فقد دخلت بجميع شؤونها فيها، فإذا تلفت فقد تلفت بجميع شؤونها وحيثياتها، ومن أحكام عهدة العين التالفة شرعاً وعرفاً أداء بدلها بطبيعتها المماثلة وبماليتها، إذا أمكنتا، وبالأخيرة إذا لم يمكن.(3)

ولعلّ ما ذكره كان توضيحاً لما هو المرتكز، والظاهر عدم الحاجة إلى هذه الإطالة، ويكفي في ذلك انّ كيفية الضمان أمر عقلائي لا يختص بدائرة الشرع ولا بالمسلمين، وحكم العقلاء في أبواب الغصب وفي إتلاف الأمين


1 . جواهر الكلام :37 / 85.

2 . منية الطالب:135.

3 . تعليقة المحقّق الإصفهاني:79.


صفحه350

أو الإتلاف من دون يد، هو ضمان المثليات بالمثل، فلا تجد تخلفاً عن ذلك من غير فرق بين باب الغرامات والضمانات.

إذا شُكّ في كون شيء مثلياً أو قيمياً

إذا شك في كون شيء مثلياً أو قيمياً ـ ولعلّ هذا الفرض قليل أو نادر ـ وإن كان الظاهر من الفقهاء أنّه شائع حيث اختلفوا في أنّ الذهب والفضة المسكوكين مثليان كما عليه الفقهاء، أو قيميان كما عليه الشيخ في المبسوط(1)، كما اختلفوا في الحديد والنحاس والرصاص، وكذلك اختلفوا في الرطب والعنب والزبيب والتمر.(2)

والمستفاد من الكلمات هو الضمان بالمثل، وسيأتي من الشيخ استثناء مورد من هذه الضابطة.

واستدل على الضابطة بأنّ كلّ ما أجمعوا على كونه قيمياً يؤخذ به، وأمّا في موارد الشك فيجب الرجوع إلى المثل، لأنّ مقتضى عموم الآية والأخبار وجوب المثل في جميع الموارد خرج منه ما أجمعوا على كونه قيمياً، إلاّ أنّ القيمي مردد مفهوماً بين الأقل والأكثر، ويقتصر في التخصيص على القدر المعلوم وهو ما أُجمع على كونه قيمياً، فيبقى المشكوك تحت العموم.(3)

توضيح ذلك: أنّه إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم الفساق


1 . المبسوط:3/60.

2 . المبسوط:3/99; مختلف الشيعة:6/135.

3 . المتاجر:106.


صفحه351

من العلماء، فصار مفهوم الفاسق مجملاً مردداً بين كونه مرتكب الكبيرة أو أعم منه ومرتكب الصغيرة، فيقتصر في تخصيص العام بالأقل المتيقّن وهو الكبيرة ويرجع في الصغيرة إلى العام.

يلاحظ على الاستدلال: بانّ ما ذكره صحيح فيما إذا كان المخصص دائراً بين الأقل والأكثر مفهوماً كما في المثال المذكور لا مصداقاً كما هو الحال في المثال التالي: إذا قال: لا تكرم الفساق، وتردد الفاسق بين التسعة والعشرة مصداقاً ففي هذا المقام لا يتمسك بالعموم في الفرد الزائد على التسعة. ونظيره المقام فإنّ القيمي معلوم مفهوماً، إنّما الإشكال في المصداق كالأمثلة الّتي تقدمت.

وربما يرجع في نفس المسألة (إذا شك في كون شيء مثلياً أو قيمياً) إلى القرعة تارة وإلى حكم الحاكم أُخرى، ولكن الرجوع ضعيف لأنّ موردهما الشبهة الموضوعية، كما إذا تردد الغنم الموطوء بين مائة رأس. لا مثل المقام حيث إنّ الشك تعلق بالحكم الكلي وهو: إذا دار الشيء بين كونه مثلياً أو قيمياً فماذا يكون حكمه الشرعي؟

والأولى أن يستدلّ على الرجوع بالمثل بالوجهين التاليين:

1. إنّ اللازم أوّلاً ردّ نفس العين بجميع خصوصياتها النوعية والصنفية والشخصية والمالية. فإن تلفت العين ولم يتمكن من المحافظة على الخصوصيات الشخصية يجب المحافظة على الخصوصيات النوعية والصنفية والمالية، وإن لم يتمكن من المحافظة على الخصوصيات يجب


صفحه352

المحافظة على المالية، ويترتب على ذلك انّه لو تمكن من ردّ المثل لا تصل النوبة إلى القيمة.

2. انّ الاشتغال اليقيني بردّ مال الغير يقتضي ردّ المثل، إذ معه يحصل اليقين بالخروج عن الاشتغال دون القيمة.

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري استثنى منها مورداً وقال:«وما شك في كونه قيمياً أو مثليّاً ملحقا بالمثلي مع عدم اختلاف قيمتي المدفوع والتالف ومع الاختلاف(نقصان المثل عن التالف من حيث القيمة نقصاناً فاحشاً) أُلحِقَ بالقيمي.

قلت: لعلّ وجهه ان المقام يكون من قبيل دوران الأمر بين المتباينين حيث إنّ الواجب مردد بين الخروج عن الذمة بالدرهم والدينار وبين الخروج عنها بالمثل. ومقتضى تحصيل البراءة اليقينية هو دفع القيمة.

وإنّي أرى أنّ الإطناب في المقام غير مطلوب إذ قلّما يتفق للعرف الشك في كون شيء مثلياً أو قيمياً، ولو كان الشك غير عزيز في الأعصار السابقة ولكن الحضارة الصناعية تجاوزت عن هذه المسألة.


صفحه353

 

الأمر الخامس:

إذا لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل

قال العلاّمة في القواعد: لو لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل ففي وجوب الشراء تردد.(1)

أقول : للمسألة صورتان:

الأُولى: إذا كان ارتفاع القيمة لأجل ارتفاع السوق وذلك لكثرة الرغبات والطلبات، فصارت قيمة المثل أكثر من قيمة التالف يوم تلفه، وبعبارة أُخرى: إنّ ارتفاع القيمة لم يكن لعزّة وجوده وقلة حصوله بل الوجود غير عزيز ولكن القيمة مرتفعة لأجل زيادة الطلب.

الثانية: إذا كان ارتفاع القيمة لعزة الوجود وفقده، إلاّ عند من يعطيه بأزيد ممّا يرغب فيه الناس حتّى مع وصف الإعواز بحيث يُعدّ بذل ما يُريد مالكه بإزائه ضرراً عرفاً.

أمّا الصورة الأُولى: فلا إشكال في وجوب شراء المثل وإبراء الذمّة وذلك لوجوب ردّ مال الناس إليهم من غير فرق بين عدم ارتفاع القيمة أو ارتفاعها، ولا يُعدّ ذلك إضراراً من الناس بالنسبة إلى الدافع.


1 . قواعد الأحكام:2/227.


صفحه354

أضف إلى ذلك أنّ الحكم بالضمان ورد في مورد الضرر، فلا يرتفع بدليل نفي الضرر.

وامّا الصورة الثانية: فقد تردد فيها الشيخ بادئ الأمر وقال: فيمكن التردد فيها لأنّ الموجود بأكثر من ثمن المثل كالمعدوم، كالرقبة في الكفارة والهدي في الحج، لكنّه(قدس سره) قال بوجوب الشراء بنفس الدليل المذكور في الصورة الأُولى، ويريد بذلك عموم النص والفتوى.

ولكن المساعدة مع ما ذكره الشيخ مشكلة، لحكومة قاعدة نفي الضرر على العمومات.

وإن شئت قلت: انّ عزة الوجود إلاّ عند من لا يبيع إلاّ بأزيد من ثمن المثل حتّى في حال الغلاء والقحط، تُلحقُ المورد بالمعدوم، فينتقل إلى القيمة لعدم شمول إطلاقات الأدلة لهذا النوع من المثل، اللّهم إلاّ إذا كانت الزيادة قليلة يتسامح فيها الناس عادة، فيجب عليه شراء المثل.

نعم لو أقدم بنفسه وحده ـ كما في الغاصب ـ كان لما ذُكر وجه، وامّا في مسألتنا ففي صورة الجهل ليس المشتري مُقْدماً على الضرر.


صفحه355

 

الأمر السادس:

لو تعذر المثل في المثلّي

لو تعذر المثل في المثلي، بمعنى انّ المثل كان موجوداً فلم يغرمه حتّى فُقد أو كان مفقوداً حين التلف، ففي المقام أُمور:

1. وجوب دفع القيمة مع المطالبة

إذا فقد المثلُ فهل يجب على القابض دفع القيمة أو لا؟ فهنا صورتان:

أ. أن يطالب المالك بحقه من القابض فيجب دفع القيمة.

ووجهه واضح، لأنّ منع المالك من المطالبة ظلم، ومن جانب آخر إلزام الضامن بالمثل منفيٌّ بالتعذر، فوجبت القيمة جمعاً بين الحقّين.

ب. أن لا يطالب بحقه ويصبر إلى العثور على المثل، فعندئذ لا دليل على سقوط حقه عن المثل، ولم يكن للقابض إجباره بالقيمة.

وبذلك يُعلم أن من أطلق الحكم بالقيمة عند تعذر المثل لعله أراد صورة المطالبة.


صفحه356

 

2. ما هو المعتبر في قيمة المثل المتعذر

هنا عدّة احتمالات نذكر منها ما يلي:

أ. قيمة يوم الأخذ.

ب. قيمة يوم التلف.

ج. قيمة يوم الدفع.

د. أعلى القيم من زمان الأخذ إلى زمان الدفع.

هـ. أعلى القيم من زمان التلف إلى زمان الأداء.

وقد ذكر العلاّمة بعض هذه الاحتمالات في القواعد، قال: ففي القيمة المعتبرة، احتمالات:

أ. أقصى قيمته من يوم الغصب إلى التلف.

ب. أقصى قيمته من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز.

ج. أقصى القيم من وقت الغصب إلى الإعواز.

د. أقصى القيم من وقت الغصب إلى وقت دفع القيمة.

هـ. القيمة يوم الإقباض(يوم الدفع).(1)

والاحتمال الأخير هو المشهور.


1 . قواعد الأحكام:2/227ـ 228، ولاحظ: جامع المقاصد:6/253ـ 254.


صفحه357

قال الشيخ: المشهور انّ العبرة في قيمة المثل المتعذر، بقيمته يوم الدفع، وهو الأقوى.

وذلك لأنّ القابض بغير حق شرعي لفساد العقد مسؤول بالنسبة إلى ما أخذ وهو على عهدته لا بمعنى أنّ العين الشخصية في ذمته حتّى يقال انّ العين الخارجية ظرفه الخارج والذمة ظرف للكليات. بل بمعنى أنّ القابض بأخذ مال الغير صار مسؤولاً بالنسبة لما أخذ فما لم يخرج عن العهدة والمسؤولية، فهو مسؤول عن العين لا عن مثلها ولا قيمتها، وإنّما يحصل الانقلاب لأجل الإعواز بالتراضي بالعوض، فتقوّم العين ـ على فرض وجودها ـ وتدفع قيمتها إلى البائع. وهذا عبارة أُخرى عن ضمان قيمة المثل يوم الدفع.

وبذلك يُعلم وجود المسامحة في عبارة الشيخ حيث قال: المعتبر في قيمته المثل المتعذر بقيمته يوم الدفع لأنّ المثل ثابت في الذمة إلى ذلك الزمان فلا دليل على سقوطه بتعذره، كما لا يسقط الدين بتعذر أدائه.(1)

وجه المسامحة: انّ الصحيح هو أن يقول: إنّ العين ثابتة في الذمة إلى ذلك الزمان... إلى آخر ما ذكره.

وبذلك يُعلم حال سائر الاحتمالات وضعفها، لأنّ أكثرها مبنيّة على انقلاب المثلي إلى القيمة يوم الإعواز أو يوم التلف أو يوم أدائها، وقد عرفت انّ المسؤولية بالنسبة إلى العين باقية إلى يوم التلف ولا أثر لارتفاع القيمة أو نزولها بين الدفع وقبض العوض.


1 . المتاجر:107.


صفحه358

وقد أطال الشيخ الكلام بذكر الاحتمالات المتقدمة وما يصلح دليلاً عليها ولكن الجميع احتمالات ضعيفة مبنية على أصل غير صحيح وهو تبدل المسؤولية من العين إلى غيرها.

فإن قيل: إنّ الضمان لابدّ وأن ينتقل إلى القيمة عند إعواز المثل وإلاّ لم ينتقل إلى المثل أيضاً عند تلف العين الشخصية.

قلت: قد عرفت أنّ الثابت في الذمة ـ بمعنى مسؤولية الإنسان تجاه المالك ـ هو نفس العين من غير فرق بين المثلي والقيمي، فما ذكره في ذيل كلامه: «وإلاّ لم ينتقل إلى المثل أيضاً عند تلف العين الشخصية» غير صحيح. إذ لا ينتقل إلى المثل عند التلف بل الثابت في الذمة مطلقاً هو العين إلى زمان الخروج عن العهدة.

3. تعذر المثل من أوّل الأمر

ثمّ أنّ الظاهر من كلام العلاّمة في «القواعد» أنّ موضوع المسألة هو ما إذا لم يتعذر المثل حين التلف وإنّما فُقد بعده، حيث قال: لو تلف المثلي في يد الغاصب ـ و المثل موجود فلم يغرمه حتّى فقد ـ. ولكن الظاهر عدم الفرق، لما عرفت من أنّ المسؤولية بالنسبة إلى العين تبقى إلى حين الخروج عن الذمة، فوجود المثل حين التلف وعدمه لا يؤثر فيما ذكرنا.

نعم يمكن أن يتوهم على القول بانقلاب ضمان العين إلى المثل عند التلف.


صفحه359

4. ما هو المناط في التعذر والإعواز

حُكي عن العلاّمة أنّه قال: إنّ المراد بإعواز المثل أن لا يوجد في البلد ولا حوله، وزاد في المسالك قوله: ممّا يُنقل عادة منه إليه، وعن جامع المقاصد: انّه يرجع فيه إلى العرف. ويظهر من الشيخ قول رابع وهو وجوب تحصيل المثل وإن توقف تحصيله على مؤونة كثيرة.

ولكن الظاهر ما ذكره الاعلام الذين تعرّفت على كلامهم، فإنّ سيرة العقلاء جرت في الإعواز وعدمه، وهو وجود المثل وعدمه في البلد وأطرافه، وأمّا البلد النائي أو البلاد النائية الّتي يتوقف تحصيل المثل منها على مؤونة كثيرة فهو ضرر على المشتري.

5. معرفة قيمة المثل

إذا فرضنا إعواز المثل فهل الملاك في التعرف على قيمته، فرض وجوده ولو في غاية العزّة كالفاكهة في أوّل زمانها أو آخره، أو فرض وجوده في غاية الوفرة؟ أو لا هذا ولا ذاك، بل المتوسط بين الفرضين، كما هو الحال في أكثر الموارد وهو الأقوى.

وربما يقال أنّه يقدر وجوده حتّى على نحو العزة، لأنّ المفروض أنّ الثابت في الذمة هو المثل، والقيمة هي قيمته بلا زيادة.

يلاحظ عليه: بأنّ قيمة المثل إذا كانت مختلفة فلماذا تعيّنت قيمة ذلك المثل؟ ـ أضف إلى ذلك ـ أنّه يستلزم الضرر على المشتري من جانب البائع


صفحه360

إذ من المعلوم انّه ترتفع قيمة المثل عند عزة الوجود إلى أضعاف قيمته عند الوفرة. ثم إنّ ما ذكرنا أنّ الملاك هو الزمان المتوسط بين العزة والوفرة لا ينافي ما ذكرنا من كون القابض مسؤولاً عن العين، لكن كيفية الخروج عن العهدة إنّما هو بلحاظ الشيء في وقت لا نادر ولا وافر.

6. سقوط العين عن المالية

لو سقط المثل عن المالية بالمرّة كالماء على الشاطئ إذا أتلفه في المفازة، والثلج في الشتاء إذا أتلفه في الصيف، فلا مناص من دفع القيمة، إنّما الكلام في تعيين قيمته فلا يمكن أن يقال تجب عليه قيمة يوم الدفع، لخروجه عن المالية، ولعل العرف يساعد على قيمة اليوم الّذي سقط فيه المثل عن المالية.

7. إذا تمكن من المثل بعد تعذره

لو دفع القيمة في المثلي المتعذر مثله، ثم تمكن من المثل، فهل يعود المثل إلى ذمته أو لا؟ وجهان:

1. لا يعود المثل إلى ذمته لأنّ المثل كان ديناً في الذمة، سقط بأداء عوضه مع التراضي فلا يعود، كما لا يعود لو تراضيا بعوضه مع وجود المثل.

2. يعود، لانّ المثل بتعذره النازل منزلة التلف صار قيمياً، لا مطلقاً فلذلك يحتمل وجوب المثل عند وجوده لأنّ القيمة حينئذ بدل الحيلولة عن المثل وحكمه حكم المبدل عند انتفاء الحيلولة.


صفحه361

يلاحظ عليه: انّ الظاهر هو الأوّل وذلك لما عرفت من أنّ الثابت في الذمة في المثلي والقيمي هو العين مطلقاً، غير انّ الطرفين يتفقان على سقوط ما في الذمة بالمثلي تارة إذا كان أقرب إلى العين، وبالقيمة ـ تارة أُخرى ـ فإذا كان المثلي متعذراً. فالاتفاق على السقوط نوع تعاهد من الطرفين على الإبراء مطلقاً سواء وجد المثل بعد أم لم يوجد.

وتصور أنّ دفع القيمة كبدل الحيلولة فإذا تمكّن من ردّ العين، يجب ردّها، بعيد عن أذهان العرف، لأنّ في دفع بدل الحيلولة نوع توقيت لما أخذ، كما إذا جعل الخشب المغصوب جزءاً للسفينة وهي في البحر، فما يأخذه من القيمة يكون بدل الحيلولة إلى أن تصل السفينة إلى الساحل ويأخذ خشبته وهذا بخلاف المقام، فإنّ المتبادر هو انتهاء الأمر بينهما بأخذ القيمة، وإنهاء المخاصمة بأخذها.


صفحه362

 

الأمر السابع:

لو كان التالف المبيع بالعقد الفاسد، قيمياً

إذا كان التالف المبيع بالعقد الفاسد قيمياً فهناك بحوث ستة:

البحث الأوّل: ضمان التالف القيمي بالقيمة

اتفق الفقهاء ـ إلاّ من شذ ـ على أنّ التالف القيمي يُضمن بالقيمة، وتدل عليه الاخبار الكثيرة المتفرقة في كثير من القيميات، هذا ما ذكره الشيخ ولم يذكر من الروايات شيئاً، ويمكن أن يستدل عليه ببعض الروايات الواردة في تقويم العبد المشترك إذا باع أحد الشريكين حصته حيث تقوّم الحصة الأُخرى على من باعه، نظير:

1. روى محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «من كان شريكاً في عبد أو أمة قليلاً أو كثيراً فاعتق حصته وله سعة فليشتره من صاحبه فيعتقه كله، وإن لم تكن له سعة من مال نُظر في قيمته يوم اعتق منه ما اُعتق ثم يسعى العبد بحساب ما بقي حتّى يُعتق»(1)، والرواية صحيحة لا حسنة، فإنّ إبراهيم بن هاشم من أعلى الثقات وإن لم يوصف بكونه ثقة.

2. روى السكوني قال: سُئل أمير المؤمنين(عليه السلام) عن سُفرة وجدت في


1 . الوسائل:16، الباب18 من أبواب العتق. الحديث3، ولاحظ بقية الأحاديث في هذا الباب.


صفحه363

الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وبيضها وجبنها وفيها سكين فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «يقوّم ما فيها ويؤكل لأنّه يفسد وليس له بقاء فإن جاء طالبها غرموا له الثمن». قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال: «هم في سعة حتّى يعلموا».(1)

امّا إذا لم يكن للتالف مثل فلا شك أنّه يُضمن بالقيمة للارتكاز المسلّم بين العقلاء، وقد مرّ أنّ كيفية الخروج عن الضمان أمر عقلائي.

إنّما الكلام فيما إذا كان قيمياً لكن وُجد له المثل، فهل يجب على الضامن دفع المثل كما فيمن أتلف عبداً من شخص باعه عبداً موصوفاً بصفات ذلك العبد بعينه كما مثل به الشيخ، ويمكن التمثيل بما لو كان له فرسان توأمان باعهما لشخص آخر بعقدين أحدهما فاسد و الآخر صحيح، وقد تلف المأخوذ بالعقد الفاسد، فهل يجب عليه دفع الفرس الآخر الّذي عنده مع كون الفرس قيمياً؟ وهل يجوز للمضمون له رفض القيمة وطلب المثل أو لا؟

الظاهر يجب على القابض دفع المثل كما يجوز للمالك طلبه ورفض القيمة وذلك لما عرفت من انّ الثابت في الذمة هو نفس العين التالفة المضمونة بصفات نوعها وصنفها وشخصها وماليتها، فإذا لم يتمكن من تدارك الصفات ـ بأجمعها ـ تبقى المالية في ذمته وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ بقوله: لأنّ خصوصيات الحقائق قد تقصد،(2) مضافاً إلى أنّ العرف يساعد على ذلك.


1 . الوسائل:2، الباب50 من أبواب النجاسات، الحديث11.  

2 . المتاجر:109، طبعة تبريز.


صفحه364

ويؤيد ذلك ما رواه البيهقي في المقام.

روى البيهقي عن أنس أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أُمّهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت (بعض نسائه) بيده فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول والقصعة حتّى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة.

وفي رواية أُخرى عن عائشة: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية بعثتْ إلى رسول اللّه باناء فيه طعام فضربته بيدي فكسرته، فقلت يا رسول اللّه: ما كفارة هذا؟ قال: «إناء مكان إناء وطعام مكان طعام».(1)

وجه الاستدلال بأنّ الأواني من قبيل القيميات مع أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دفع قصعة صحيحة مكان المكسورة، وهذا يشهد على أنّه إذا كان للقيمي مِثلٌ يقدّم المثل على القيمة، ولذلك نرى أنّ صاحب الجواهر يقول في كتاب القرض: الانصاف عدم خلو القول به من قوة.(2)

والظاهر أنّ الحكم لا يختص بكتاب القرض بل يعم عامة الضمانات.

وجهه انّ أبواب الضمانات والغرامات من الأُمور العرفية، وكيفية الخروج منها ترجع إليهم، وليس للشارع فيها طريقة خاصة، فطريقته هي طريقة العقلاء، وقد مرّ أنّ العرف يساعد على جواز مطالبة المضمون له المثلَ الموجودَ من الضامن.


1 . السنن الكبرى:6/96.

2 . جواهر الكلام:25/20.


صفحه365

 

البحث الثاني: ما هو الملاك في تعيين القيمة؟

قد عرفت انّه إذا لم يكن للقيمي مثل فلا طريق إلى الخروج عن الضمان إلاّ بأداء القيمة، إنّما المهم هو بيان ما هو الملاك لتعيين هذه القيمة، فهناك احتمالات وقد مرت عند البحث في تعذر المثل، فهل الملاك هو قيمة يوم الضمان أو يوم التلف أو يوم المطالبة أو يوم الأداء، أو أعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف، أو أعلاها من يوم القبض إلى يوم الأداء، أو أعلاها من يوم التلف إلى يوم الأداء، وجوه واحتمالات.

أمّا الاحتمالات الثلاثة الأخيرة ـ أعني أعلى القيم ـ فساقطة جدّاً لما عرفت من أنّ المضمون هو نفس العين إلى يوم الأداء فلا وجه بتعيّن أعلى القيم بصوره الثلاثة، إذ ليست القيمة مضمونة حتّى يضمن أعلاها، فبقي الكلام في الاحتمالات الأربعة الأُول: يوم الأداء ، يوم الضمان، يوم التلف، ويوم المطالبة. والأوّل مقتضى القاعدة، والثاني هو المستظهر من صحيحة أبي ولاّد، والثالث والرابع مبنيان على انقلاب العين إلى القيمة في أحد ذينك اليومين، والأَولى دراسة المسألة في مقامين:

الأوّل: مقتضى القاعدة.

الثاني: مقتضى صحيحة أبي ولاّد .

ثم نعرّج إلى القول باعلى القيم.


صفحه366

 

1. مقتضى القاعدة: قيمة يوم الأداء

فنقول: إنّ مقتضى القاعدة كما في المثلي المتعذر مثله، هو تعيّن يوم الأداء، وذلك لما عرفت من أنّ المرتكز في الأذهان أنّ المشتري ضامن للعين فهو مسؤول بالنسبة إليها ومتعهد بها إلى اليوم الّذي يتّفق فيه الطرفان على كيفية الخروج بدفع القيمة وهو يوم الأداء، ففي هذه الصورة لا يجد البائع مناصاً من أن يغض النظر عن الصفات النوعية والصنفية والشخصية ويقتصر على المالية، وعندئذ يحصل التراضي بحلول القيمة محل العين، وتدارك الخسارة المالية بالقيمة، فمقتضى كون العين بماليتها على عهدة المشتري تعيّن قيمة يوم الأداء.

ثمّ إنّي بعدما ذكرت ذلك وقفت على كلام للسيد الأُستاذ (قدس سره) ـ لا في المقام ـ حيث يستدل على أنّ الملاك يوم الأداء بقوله:

إنّ العين في المضمونات على العهدة، إمّا بشخصيتها ، أو بمطلق خصوصياتها، أو بخصوصياتها الدخيلة في الغرامات، أو قلنا بأنّ المثل على العهدة حتّى في القيميات، لما قلنا بأنّ العهدة إذا اشتغلت بالعين أو المثل لابدّ من الخروج عنها وهو بأداء قيمة يوم الأداء، فإنّها نحو أداء لهما، وأمّا أداء قيمة الأيام السالفة أو المستقبلة فلا يُعدّ أداءً إذا نقصت القيمة عن يوم الأداء، وأداءً وزيادةً إذا زادت.(1)

وقد سبقه إلى اختيار تلك النظرية فقيه عصره السيد الطباطبائي في


1 . كتاب البيع:1/593.


صفحه367

تعليقته على المتاجر وقال: انّ نفس العين باقية في الذمة والعهدة، وبحسب الخروج عن عهدتها، لكن لما لم يمكن ردّ نفسها، وجب دفع عوضها وبدلها فهي بنفسها باقية في العهدة إلى حين الأداء، واعطاء البدل إنّما هو من باب الوفاء، كما إذا كان له عليه منّ من الحنطة ولم يمكنه أداؤه فإنّ الذمة مشغولة بالحنطة حتّى حين التعذر، ودفع البدل من باب الوفاء بغير الجنس ولا ينتقل إلى البدل من حين التعذر.(1)

هذا هو مقتضى القاعدة الأوّلية فإن دلّ شيء على خلافه نأخذ به وإلاّ فهو المحكّم.

2. مقتضى صحيحة أبي ولاّد

وقد استُدّل على انّ الواجب هو قيمة يوم الضمان بصحيحة أبي ولاّد الحنّاط، وإليك نصّها بطولها، قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي، فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل، فتوجهت نحو النيل، فلمّا أتيت النيل خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى بغداد، فاتبعته وظفرت به، وفرغت ممّا بيني وبينه، ورجعنا إلى الكوفة.

وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فأخبرت صاحب البغل بعذري، وأردت أن أتحلّل منه ممّا صنعت وأرضيه، فبذلت له خمسة عشر درهماً، فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصّة، وأخبره الرجل.


1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:96.


صفحه368

فقال لي: وما صنعت بالبغل؟

فقلت: قد دفعته إليه سليماً.

قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً.

قال: فما تريد من الرجل؟

فقال: أُريد كراء بغلي، فقد حبسه عليّ خمسة عشر يوماً.

فقال: ما أرى لك حقّاً; لأنّه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة، فخالف وركبه إلى النيل، وإلى بغداد، فضمن قيمة البغل، وسقط الكراء، فلمّا ردّ البغل سليماً وقبضتَه لم يلزمه الكراء.

قال: فخرجنا من عنده، وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحلّلت منه، فحججت تلك السنة، فأخبرت أبا عبد اللّه(عليه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة.

فقال(عليه السلام): «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركتها».

قال: فقلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): فما ترى أنت؟

فقال: «أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفّيه إيّاه».

قال فقلت: جعلت فداك، قد علفته بدراهم، فلي عليه علفه؟


صفحه369

فقال: «لا; لأنّك غاصب».

قال فقلت: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟

قال: «نعم، قيمة بغل يوم خالفته».

قلت: فإن أصاب البغل كسر، أو دبر، أو غمز؟

فقال: «عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه».

فقلت: من يعرف ذلك؟

قال: «أنت وهو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا فيلزمك».

فقلت: إنّي كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحلّلني.

فقال: «إنّما رضي بها وحلّلك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم، ولكن إرجع إليه فأخبره بما أفتيتك به، فإن جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك».

قال أبو ولاّد: فلمّا انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري، فأخبرته بما أفتاني به أبو عبد اللّه، وقلت له: ما شئت حتّى أعطيكه؟

فقال: قد حبّبت إليّ جعفر بن محمّد(عليه السلام)، ووقع في قلبي له التفضيل، وأنت في حلّ، وإن أحببت أن أردّ عليك الذي أخذته منك، فعلت.(1)


1 . الوسائل:13، الباب 7 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث1.


صفحه370

 

توضيح مفاد الصحيحة

إنّ صحيحة أبي ولاّد ـ قبل الخوض في الاستدلال بها ـ تحتاج إلى دراستها سنداً ومتناً ، فنقول: أمّا السند فلا غبار عليه لأنّ كلّ من ورد في السند ثقة بلا كلام وامّا أبو ولاّد فهو حفص بن سالم الثقة، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن(عليهما السلام)، وربما يشك في وثاقته بأنّه خالف ما اتفق عليه كما ورد في الرواية.

لكن هذا العمل وإن كان على خلاف الاتفاق إلاّ أنّه من المحتمل كان عالماً برضا المالك إذا دفع له أُجرة التأخير.

ثمّ إن استرضاءه صاحب البغل مع أنّ القاضي قضى لصالحه دليل على احتياطه وتقواه، كما أنّ سؤاله الإمام الصادق(عليه السلام) عن المسألة ورجوعه إلى صاحب البغل ليوقفه على فتوى الإمام الصادق (عليه السلام)كاشف عن كون الرجل متقياً محتاطاً.

هذا كلّه حول السند، وأمّا المتن، فلابدّ من النظر فيه من جهات:

الأُولى: إنّ البغل جاء منكّراً في موردين حسب نقل صاحب الوسائل ومرآة العقول كما يلي:

أ. أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل.

ب. نعم قيمة بغل يوم خالفته.

ولكن نقل في سائر الموارد معرّفاً.


صفحه371

وأمّا الكافي(1) والوافي(2) والتهذيب(3) فقد نقلوا الجميع معرّفاً باللام.

الثانية: تفسير مفردات الرواية.

النيل: نهر بمصر ونهر بالكوفة، وحكى الأزهري قال: رأيت في سواد الكوفة قرية يقال لها النيل.(4)

العطب: هو الموت، وامّا النفق فلعلّه عطف تفسير، فيكون المراد هو الموت والهلاك، وربما يفسّر بالكسر وهو غير جيد لأنّه سأل عنه مستقلاً بقوله: فإن أصاب البغل كسرٌ، وبذلك يعلم أنّ الصحيح: ونفق مكان (أو نفق).

الدبر: ـ بالفتح ـ الجراحة تحدث من الرحل وغيره.

الغمز: يقال غمزت الدابة مالت من رجلها.

الثالثة: إنّ فتوى أبي حنيفة على براءة الغاصب مبنية على تفسير الحديث النبوي «الخراج بالضمان» بمطلق الضمان ولو كان غاصباً، وقد عرفت أنّ المراد من الضمان هناك هو الملك لا الضمان المصطلح، فمن ملك شيئاً فخراجه له ـ لماذا؟ ـ لأجل ما دفع من الثمن، «فمن عليه الغرم فله الغنم»، ولا صلة للحديث بضمان الغاصب واستغلاله.

والظاهر انّ أبا حنيفة حمل «الضمان» في الحديث على الضمان بمعنى الاسم المصدري أي كون المال في العهدة، وأنّ مطلق دخول الشيء في


1 . الكافي:5/290.

2 . الوافي:10/26.

3 . التهذيب:7/215 برقم 943.

4 . لسان العرب: 11 / 686، مادة «نيل».


صفحه372

العهدة مقتض لاستحقاق منافعه، ويكون معنى الحديث: إنّ ما يحصل من العين من النماء والمنفعة بدل لضمان العين وإن كان الضمان بغير اختيار واقدام بل بحكم الشارع بمقتضى شمول حديث «على اليد» ولكن الظاهر انّ الضمان بمعناه المصدري وهو التعهد الاختياري، وإن شئت قلت: الضمان المعاوضي فإنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي ملكية المنافع والنماء بدلاً عن الضمان المعاوضي ببذل العوض، فإنّ الغرض المهم للمتعهد بذلك، كون المنافع والنماء له مجاناً. والحديث يختص بالضمان المعاوضي ولا صلة له بالضمان غير الاختياري إذ لا مناسبة بين كون المنافع له وكون العين في العهدة من غير اختيار.(1)

إذا علمت ذلك، فإنّ موضع الاستدلال في الرواية، هو المقاطع الثلاثة التالية:

1. «نعم قيمة بغل يوم خالفته».

2. «عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده عليه».

3. «يشهدون أنّ قيمة البغل حين أكتري كذا وكذا فيلزمك».

فظاهر العبارة الأُولى انّ الملاك قيمة يوم المخالفة.

وظاهر العبارة الثانية انّ الملاك في تعيين الأرش قيمة يوم الردّ على المالك.

وظاهر العبارة الثالثة انّ الملاك عند الاختلاف قيمة يوم الاكتراء.


1 . بلغة الفقيه:1/74.


صفحه373

فالجمع بين هذه المضامين الثلاثة أمر يحتاج إلى التدقيق، وقد أفاض الفقهاء المتأخرون الكلام في تبيين مفاد الصحيحة.

الفقرة الأُولى والملاك يوم الضمان

فلنرجع إلى دراسة الفقرة الأُولى: أعني قوله: «نعم قيمة بغل يوم خالفته» فقد ذكر الشيخ في تعلق الظرف ـ أعني قوله: «يوم خالفته» ـ وجوهاً ثلاثة:

الأوّل: جعل اليوم قيداً للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل، بمعنى انّ لفظ «القيمة»لما كان جامداً غير قابل لتعلق الظرف به فإذا أُضيف إلى البغل، يوجد فيه شائبة الحدثية فيخرج عن كونه جامداً. فيكون معناه أنّ الثابت في ذمتك هو قيمة المغصوب (بغل) يوم المخالفة.

الثاني: جعل «اليوم » قيداً للقيمة باعتبار إضافة القيمة إليه ثانياً بعد
ما أُضيف إلى البغل أوّلاً، فيكون معنى العبارة: «قيمة بغل قيمة يوم
المخالفة».

ولا يخفى بُعده إذ المضاف إلى شيء لا يضاف إلى شيء آخر.

وعلى كلّ تقدير: فالاستدلال على انّ الملاك هو قيمة يوم المخالفة مبني على كون الظرف أعني «يوم خالفته» متعلقاً بالقيمة بأحد الوجهين.

الثالث: تعلق الظرف (يوم) بقوله: «نعم» القائم مقام قوله(عليه السلام): «يلزمك». حيث قال السائل: قلت أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال:


صفحه374

«نعم، يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل»، وعلى هذا فإنّما يدلّ على ضمان يوم المخالفة، بقيمة البغل.

وامّا انّه يضمن قيمة ذلك اليوم فلا يدلّ عليه. وبعبارة أُخرى الإمام بصدد بيان انّ الغاصب يضمن ما حدث يوم المخالفة ولا يضمن ما حدث قبله.

وضعّفه الشيخ بقوله: إنّ غرض السائل هو العلم بما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة، والتفسير المزبور لا يكفي جواباً له وإنّما يدلّ على ما هو عالم به من أنّ زمان المخالفة زمان حدوث الضمان.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد ما ذكره الشيخ كان اللازم أن يقول: فماذا يلزمني؟ مع أنّه قال: أليس يلزمني؟ وهذا يدلّ على أنّ السؤال عن أصل الضمان وعدمه.

هذه هي الوجوه الثلاثة في بيان متعلق الظرف. والمهمّ تبيين متعلق الظرف، أعني «يوم خالفته».

فنقول: إنّ لفظة «البغل» إمّا أن تكون محلاة باللام أو منونة، فندرس مضمون الجملة على كلا الاحتمالين.

أمّا على الاحتمال الأوّل: فالاستدلال مبني على أنّ السؤال عمّا يلزمه بعد ما علم أنّ عليه الضمان فقال الإمام: «قيمة البغل يوم خالفته»، ولكن الظاهر ـ كما سيظهر ـ أنّ السؤال عن أصل الضمان لا عما يلزمه.

توضيحه: أنّه لما ألزمه الإمام بدفع كراء البغل من النيل إلى بغداد ومنها


صفحه375

إلى الكوفة طرح أبو ولاّد أمرين، ليدفع بهما وجوب دفع الكراء من هذه المواضع المختلفة هما:

1. أنّه علّفه فله عليه علفه، فأجاب الإمام بالردّ فقال ليس لك، لأنّك غاصب، وهذا يدلّ على أنّ العلف في تلك الأيام كان على الموجر لا على المستأجر. لكنّه لما صار غاصباً كان التعليف عليه.

2. ما تلقاه من أبي حنيفة من سقوط الكراء في مقابل ضمان البغل أي وجود الملازمة بين ضمان البغل وعدم الكراء ولذلك قال: أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني قيمة البغل؟ فهذه الجملة إشارة إلى ما اختلج في ذهنه: كيف يجب عليّ الكراء مع كوني ضامناً للبغل.

فأجابه الإمام: نعم يلزمك الضمان يوم الاستيلاء على مال الغير قيمة البغل ولا منافاة بين الضمان ووجوب الكراء. وقد اخطأ أبو حنيفة حيث حسب المنافاة بين الضمان والكراء، فعلى هذا فالسؤال والجواب مركزان على الضمان وعدمه فالسائل لأجل تأثره بقول أبي حنيفة: «الضمان بالخراج»، يرجّح عدمه، والإمام يحكم بالضمان بمجرد الاستيلاء على مال الغير، وعلى هذا فذكر «يوم خالفته» بيان لمبدأ الضمان. فكأنّه قال: يلزمك يوم المخالفة ضمان البغل.

والّذي يدلّ على ما ذكرنا، هو انّ الجواب يجب أن يكون مطابقاً للسؤال فالسؤال كان عن أصل الضمان لا عما يلزم عليه أعني قيمة يوم المخالفة، نعم ربّما يُشعر بأنّ المدار قيمة يوم المخالفة ببيان انّه إذا قيل:


صفحه376

يضمن يوم المخالفة، قيمة البغل، ينصرف الذهن إلى انّه ضامن قيمة ذلك اليوم ولكنّه إشعار وليس بدلالة.

وعلى هذا فمدار البحث والمذاكرة على حدوث الضمان يوم المخالفة وعدمه لا على ما يلزمه يوم المخالفة، وبعبارة أُخرى: انّ الرواية بصدد بيان انّ مبدأ الضمان هو يوم المخالفة لا قبله، لأنّه كان أميناً قبلها وصار خائناً بالمخالفة فمن ذلك الزمان عليه ضمان البغل إذا عطب أو إذا نقص.

نعم النقصان السابق ـ عيناً وقيمة ـ غير مضمون لأنّه لم يكن غاصباً وإنّما المضمون منه هو بعد المخالفة.

وبذلك يُعلم أنّ الوجه الثالث الّذي استبعده الشيخ ليس ببعيد وهو أن يقال: انّ قوله نعم بمنزلة يلزمك، والمعنى يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل، وامّا ما يلزمه من القيم المختلفة فليس مطروحاً للسائل والإمام.

ولو فرضنا دلالة الرواية على انّ الملاك هو قيمة البغل يوم المخالفة فلعلّ الأمر به لأجل ثبات الاسعار يوم ذاك، فإذا استأجر بغل الغير وسافر به مدة خمسة عشر يوماً يكون قيمة البغل يوم المخالفة نفس قيمته يوم الأداء، وأمّا عدول الإمام عن قيمة يوم الأداء إلى قيمة يوم المخالفة لبيان انّ الاحداث المتقدمة الواردة على البغل قبل يوم المخالفة غير مضمونة، لانّ الرجل لم يكن غاصباً.

وأمّا على الاحتمال الثاني أعني كون البغل مجرداً عن اللام ومحلّى بالتنوين، فلعلّ الوجه في تنكيره هو أنّ البغل ربّما يكون يوم الضمان سميناً


صفحه377

جامعاً لصفات تزيد معها الرغبة فيه، بخلاف يوم الردّ فربّما يصير هزيلاً غير مرغوب فيه. لأجل زيادة الركوب فذكر الإمام كلمة البغل منكراً إشارة إلى ذلك.

وعلى أي حال فالظرف متعلق بالفعل المستفاد من قوله:«نعم»، وهو أنّه يلزمه الضمان يوم المخالفة قيمة بغل كذا وكذا، حتّى تكون هذه الصفات ملحوظة عند الضمان.

وهناك احتمال ثالث وهو تجريد الظرف عن اللام والتنوين وإضافته إلى مابعده بصورة تتابع الاضافات أي قيمة بغل يوم خالفته، وهو وإن كان وارداً في اللغة الفصيحة كقوله سبحانه:(مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوح وَعاد وَثَمُودَ)(1)ولكنّه بعيد في هذه الجملة.

فقد ظهر من ذلك أنّ الرواية ساكتة عمّا هو الملاك في القيمة والمرجع هو القاعدة الّتي اسّسناها لو لم يدل دليل على خلافها.

الفقرة الثانية قيمة يوم الردّ

وقد يستدل بقوله: «عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه عليه»

ففيه اختلفوا في متعلق الظرف أعني قوله : « يوم تردّه » وربما يقال
انّه متعلق بـ « عليك » وأُخرى بانّه متعلق بـ «قيمة» وثالثة بأنّه متعلق
بـ«العيب».


1 . غافر:31.


صفحه378

وقد استدل القائل بأنّ الملاك قيمة يوم الرد بهذه الفقرة جاعلاً الظرف متعلقاً بقوله «قيمة».

والمراد من الردّ إمّا رد البغل أو رد الأرش، ولكن الظاهر أنّ الظرف (يوم تردّه) متعلق بقوله (عليك) الّذي يتضمن معنى الفعل، فيكون المراد من هذه الجملة نفس المراد من الجملة السابقة، وكأنّه يقول: يلزمك يوم تردّه قيمة ما بين الصحة والعيب.

وأمّا ما هو الملاك في تعيين ما به التفاوت فالجملة ساكتة عنه فهو راجع إلى قضاء العرف.

نعم هذه الفقرة لا تخلو عن إشعار بأنّ الملاك قيمة يوم الردّ ببيان انّه إذا قيل: يضمن يوم الردّ قيمة ما بين الصحة والعيب، ينصرف الذهن إلى قيمة يوم الردّ، لكنّه اشعار ليس بدلالة.

فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه لا تعارض بين الفقرتين وانّهما تتكفلان ببيان أصل الضمان لا ما هو الملاك وانّ الظرف فيهما ليس قيداً للقيمة بل لقوله «نعم» في الفقرة الأُولى، ولقوله «عليك» في الفقرة الثانية.

 

الفقرة الثالثة: قيمة يوم الاكتراء

لما حكم الإمام (عليه السلام)بأنّه يجب عليه ردّ قيمة ما بين الصحة والعيب سأله أبو ولاّد عمن يعرف ذلك التفاوت، فقال الإمام(عليه السلام): «أنت وهو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك».


صفحه379

أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين أكتُري كذا وكذا فيلزمك.

فمقتضى توجه اليمين إلى صاحب البغل في الجملة الأُولى أن يكون منكراً والمستأجر مدعياً فعلى صاحب البغل اليمين باعتبار كون موقفه هو الإنكار، أو ردّ اليمين على صاحب البغل هذا حسب الفقرة الأُولى.

وامّا حسب الفقرة الثانية من أنّ له إقامة الشهود والبيّنة فهو مدع لا منكر، فكيف اجتمع في شخص واحد الوصفان: الإنكار والادعاء؟

والجواب: أنّ الإشكال مبني على أنّ المشار إليه في لفظة«ذلك» في قوله: «فمن يعرف ذلك» هو قيمة البغل وعندئذ يطرح السؤال كيف يتصور أن يكون شخص واحد منكراً ومدعياً، وامّا لو قلنا بأنّ مرجع الإشارة هو تفاوت ما بين الصحيح والمعيب فعند ذلك يمكن أن يقال الموضوع في الفقرتين مختلف لا واحد، بيان ذلك:

إنّ الفقرة الأُولى أعني: «إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين...» راجعة إلى قيمة البغل المعيوب الموجود بين أيديهما.

فالمستأجر يدّعي زيادة قيمة المعيب، وانّه يساوي ثلاثين والمالك يدعي أنّه بسبب العيب انخفضت قيمته وانّه يساوي عشرين بعد اتفاقهم على أن قيمة الصحيح هو الخمسون فلو صحّ قول المالك يكون ما به التفاوت هو ثلاثون ولو صحّ قول المستأجر يكون ما به التفاوت هو عشرون، وعلى هذا فالمالك منكر لموافقة قوله: «الأصل»، والمستأجر مدع، فاليمين


صفحه380

على المالك فإن رده على المستأجر فعليه اليمين.

وأمّا الفقرة الثانية ـ أعني قوله: «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل يوم اكتري كذا وكذا» ـ راجعة إلى اختلافهم في قيمة البغل الصحيح بعد اتفاقهم على قيمة البغل المعيوب، وأنّه عشرون، فالمالك يدّعي زيادة القيمة، والمستأجر ينكرها، يكون صاحب البغل مدّعياً فيجب عليه إقامة الشهود على أنّه يوم اكتري كان يساوي خمسين درهماً، بينما المستأجر يكون منكراً للزيادة، وانّه يساوي أربعين، ومن المعلوم إذا كانت قيمة الصحيح مرتفعة يكون الأرش كثيراً. مثلاً إذا اتّفقا على أنّ المعيب يساوي عشرين، واختلفوا في الصحيح عندما اكتراه فالمالك على أنّه كان يساوي خمسين فالتفاوت بين الصحيح والمعيب ثلاثون، والمستأجر يدّعي أنّه يوم اكتري يساوي أربعين فالتفاوت يساوي عشرين.

إلى هنا خرجنا بأنّه لا دلالة للصحيحة على ما هو الملاك في القيمة فالمرجع هو القاعدة العامّة.

القول الثالث: ضمان أعلى القيم

قد عرفت مفاد الصحيحة وأنّها غير ناظرة إلى ما هو الملاك في تعيين القيمة، وأنّ المرجع هو القاعدة الأوّلية، أعني: ضمان قيمة يوم الدفع. ثمّ إنّ بعضهم ذهب إلى الضمان بأعلى القيم من حين الغصب إلى يوم التلف بوجوه، أنهاها الشيخ الأنصاري(1) إلى خمسة، وأضاف إليها المحقّق


1 . المتاجر:111.


صفحه381

الخوئي(1) وجهين آخرين، والوجوه متقاربة نقتصر بذكر ما ذكره الشيخ وهي:

الوجه الأوّل: ما استظهره الشهيد الثاني في «الروضة البهية» عن صحيحة أبي ولاّد إذ قال: ويمكن أن يستفاد من صحيح أبي ولاّد اعتبار الأكثر منه إلى يوم التلف، وهو قوي عملاً بالخبر الصحيح، وإلاّ لكان القول بقيمته يوم التلف مطلقاً، أقوى.(2)

وقال الشيخ بعد نقل هذا القول ـ عن الشهيد الثاني ـ : ولم يعلم لذلك وجه صحيح، ولم أظفر بمن وجه دلالتها على هذا المطلب.(3)

ويمكن توجيهه بأنّ الإمام(عليه السلام) قال أوّلاً:«نعم قيمة بغل يوم خالفته». ثم قال(عليه السلام) ثانياً:«عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه»، فاعتبر يوم الغصب ويوم الرد معاً، ويستفاد منه أنّ الاعتبار بالأعلى من يوم الغصب إلى يوم الرد.

وذكر المحقّق الخوئي توجيهاً آخر فقال: إنّ المغصوب مضمون على الغاصب بقيمة يوم المخالفة، والمراد بيوم المخالفة إنّما هو طبيعيّ يوم المخالفة الّذي يصدق على كلّ يوم من أيام الغصب لا اليوم الخاص.(4)

ولا يخفى ضعف التوجيهين:


1 . مصباح الفقاهة:1/447ـ 452.

2 . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:7/43ـ 44.

3 . المتاجر:111.

4 . مصباح الفقاهة:2/448.


صفحه382

أمّا التوجيه الأوّل: فلأنّ الموضوع في الفقرة الأُولى هو موت الدابة، وفي الفقرة الثانية ورود النقص عليها، فانتزاع قاعدة كلية من الفقرتين مبني على وحدة الموضوع في الحكم مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الملاك في موت الدابة هو قيمة يوم المخالفة، وفي ورود النقص عليها هو قيمة يوم الردّ.

أمّا التوجيه الثاني: فلأنّ المتبادر من يوم المخالفة هو اليوم الخاص لا طبيعي المخالفة وبعبارة أُخرى: المراد من اليوم هو اليوم المشخّص، لا مطلق اليوم حتّى يصدق على طبيعيّه.

الوجه الثاني: ما نقله الشيخ بقوله: «إنّ العين مضمونة في جميع تلك الأزمنة الّتي منها زمان ارتفاع قيمته».

ولمّا كان هذا الكلام إدعاءً مجرداً عن الدليل حاول الشيخ أن يوجّهه فقال ـ في كلام مفصّل ـ ما هذا ملخصه: إنّ للعين في كلّ زمان من أزمنة تفاوت قيمتها، مرتبة من المالية أُزيلت يد المالك منها وانقطعت سلطنته عنها، فإن رُدّت العين فلا مال سواها يضمن، وإن تلفت استقرت عليا تلك المراتب لدخول الأدنى تحت الأعلى، نظير ما لو فرض للعين منافع متفاوتة متضادة حيث إنّه يُضمن الأعلى منها.

وبعبارة أُخرى: أنّ كلّ زمان من أزمنة الغصب قد أُزيلت يد المالك من العين على حسب ماليته ففي زمان، أزيلت عن مقدار درهم، وفي آخر عن درهمين، وفي ثالث عن ثلاثة وإذا استمرت الإزالة إلى زمان التلف وجبت غرامة أكثرها.(1)


1 . المتاجر:111، بتلخيص.


صفحه383

يلاحظ عليه: بأنّ مجرد إزالة يد المالك عن أعلى القيم إنّما يوجب الضمان إذا تلفت العين والقيمة هي أعلاها، وأمّا لو انخفضت القيمة بعد وصولها إلى أعلاها ثم تلفت فلا دليل على ضمان القيمة العليا الّتي أزيلت عنها يد المالك بشهادة أنّه لو ردّت العين بعد الانخفاض لما كان عليه ضمان بالنسبة إلى القيمة العليا الّتي أزيلت عنها يده.

وبعبارة أُخرى: المدّعى عام والدليل خاص بصورة واحدة وهي إذا ارتفعت قيمة العين وتلفت في نفس الزمان لا مطلقاً حتّى لو انخفضت القيمة بعد ارتفاعها ثم تلفت العين، فعندئذ لا يضمن ارتفاع القيمة بشهادة انّه لو ردّت العين بعد الانخفاض لما ضمن ارتفاع القيمة.

الوجه الثالث: التمسّك بقاعدة الاشتغال وأنّ ذمة القابض مشغولة بحق المالك ولا تحصل البراءة إلاّ بدفع أعلى القيّم.

يلاحظ عليه: بأنّ المقام من قبيل الأقل والأكثر الاستقلاليين حيث يدور الأمر بين اشتغال ذمته بالأقل أو الأكثر، فتجري البراءة عن الأكثر.

الوجه الرابع: ما ذكره الشيخ من استصحاب الضمان المستفاد من حديث «على اليد...» .

يلاحظ عليه: بأنّه إن أُريد استصحاب ضمانه بالعين فلازمه دفع قيمة يوم الرد، على انّه لا حاجة للاستصحاب بعد دلالة القاعدة الأولية عليه.

وإن أراد اشتغال الذمة بالقيمة بعد التلف فهو مردد بين الأقل والأكثر.

ثمّ إنّ هذه الوجوه العقلية لو تمّت في حدّ نفسها لكنّها مخالفة


صفحه384

لصحيحة أبي ولاّد إذا قلنا بدلالتها على أنّ الميزان هو قيمة يوم المخالفة، أو مخالفة للقاعدة الأوّلية الّتي أسسناها.

البحث الثالث: ارتفاع القيمة حسب الأمكنة

قد عرفت حكم ارتفاع القيمة بحسب الأزمنة وانّ القابض لا يضمن سوى قيمة يوم الأداء. فعلى هذا لو كانت قيمة التالف يوم الردّ مختلفة حسب الأمكنة، مثلاً إذا كانت في محل الضمان بعشرة، وفي محل التلف بعشرين، وفي مكان المطالبة بثلاثين، قال الشيخ: فالظاهر اعتبار محل التلف لأنّ مالية الشيء تختلف حسب الأماكن وتداركه حسب ماليته في المكان الّذي تلفت فيه.(1)

أقول: قد مرّ نظير البحث في المثلي حيث قال الشيخ: ثمّ إنّ لا فرق في جواز مطالبة المالك بالمثل بين كونه في مكان التلف أو غيره ولا بين كون قيمته في مكان المطالبة أزيد من قيمته في مكان التلف أم لا، لعموم الناس مسلطون على أموالهم.(2)

وعلى هذا فبين كلامي الشيخ اختلاف واضح.والظاهر أنّ له المطالبة في أي مكان شاء وذلك لانّ الناس مسلطون على أموالهم فلهم طلب العين إذا أمكن ردّها وإلاّ فمطالبة القيمة في أي مكان، اللّهمّ إلاّ إذا كان ردّ العين أو القيمة في مكان المطالبة أمراً حرجياً وإضراراً بالنسبة إلى القابض كما إذا


1 . المتاجر:111.

2 . المتاجر:107.


صفحه385

طلب إبله التالفة في البلاد الصناعية الّتي قلّما يتفق فيها وجود أمثال هذه الدواب.

البحث الرابع: إذا زادت القيمة لزيادة في العين

قال الشيخ: انّ جميع ما ذكرنا من الخلاف إنّما هو في ارتفاع القيمة السوقية الناشئة من تفاوت رغبة الناس، وأمّا إذا كان حاصلاً من زيادة في العين فالظاهر ـ كما قيل ـ عدم الخلاف في ضمان أعلى القيم. وفي الحقيقة ليست قيم التالف مختلفة وإنّما زيادتها لأجل الزيادة العينية الحاصلة فيه النازلة منزلة الجزء الفائت.

وقال في الجواهر: إذا استند نقصان القيمة إلى حدوث نقص في العين، ثم تلفت، فإنّ الأعلى مضمون إجماعاً.(1)

أقول: انّ الزيادات الحاصلة في العين تارة تكون منفصلة وأُخرى متصلة.

أمّا الأُولى فهي خارجة عن مصب البحث وإنّ حكمها حكم العين ويجب ردّ عينها، وإلاّ فإن تلفت يجب المثل أو القيمة، إنّما الكلام في الثانية، كما إذا سمنت الدابة في فترة من الزمان ثم هزلت وتلفت، فهل هي مضمونة أو لا؟ فمقتضى القول بأنّ العين مضمونة بصفاتها النوعية والصنفية والشخصية ضمان الصفات الّتي لها دخل في قيمة التالف، فتقدّر العين وهي موصوفة بتلك الأوصاف و تقوّم حين الردّ، وتردُّ قيمتها إلى البائع.


1 . جواهر الكلام :37/107.


صفحه386

ومع ذلك ففي كونها مضمونة مطلقاً، موضع تأمل وإنّما تكون مضمونة إذا كانت موجودة من أوّل الأمر، أو حدثت وكانت باقية إلى ان تلفت، وامّا الأوصاف الّتي تحدث في بعض الفصول حسب طبيعتها وتزول في البعض الآخر، فالقول بضمانها مشكل لعدم دور للقابض فيها.

البحث الخامس: في انخفاض القيمة السوقية

لو انخفت القيمة السوقية للعين القيمية وكانت العين يوم أتلفها غالية وفي يوم أداء القيمة أصبحت رخيصة فهل عليه ضمان القيمة المنخفضة أو لا؟

مقتضى القواعد عدم الضمان لما عرفت من أنّ العين مضمونة بعينها على القابض وإنّما ينتقل إلى القيمة يوم الدفع فيكون المتعين قيمة ذلك اليوم، وإن كانت القيمة منخفضة ولا يُعدّ ذلك ضرراً لأنّ المضمون له بإمكانه أن يشتري به نظير ما تلف عند القابض.

واستدل السيد الخوئي على عدم الضمان بأنّ انكسار القيمة العرفية لا يضمن وإلاّ للزم تضمين التاجر المستورد لبضاعة، الكاسر بذلك، قيمة البضاعة الموجودة لدى تاجر آخر.(1)

يلاحظ عليه: بالفرق بين المثال والممثل فإنّ الناس في مورد المثال احرار في التجارة، والتجارة نوع تسابق في اكتساب الربح وهذا بخلاف المورد، فإنّ القابض ضامن لمالية المقبوض عند القبض والمفروض


1 . المحاضرات:2/190.


صفحه387

انكسارها عند الأداء، فتأتي هناك شبهة ضمان انكسار القيمة السوقية.

البحث السادس: ضمان انكسار القوة الشرائية

إذا باع الدراهم بعملة أُخرى ثم تبيّن فساد البيع فيجب على القابض دفع ما أخذه من الدراهم فإذا كانت الدراهم عند المعاملة لها قيمة عالية وعند الردّ انخفضت قيمتها، فهل يجب على القابض ضمان انكسار القيمة الشرائية للنقد أو لا؟

وهذا البحث ممّا لم يتطرق إليه الفقهاء الأقدمون لأنّ العملة السابقة كانت درهماً أو ديناراً وهي كانت ثابتة غالباً، ولم يتعرض اقتصادهم
إلى التضخّم ، غير أنّ هذه المسألة ممّا يبتلي بها الناس في أبواب مختلفة
منها:

1. باب القرض، إذا اقرض شخص شخصاً بالعملة الورقية الرائجة وكانت لها قوة شرائية معيّنة ـ مثلاً عشرين مثقال ذهب خالص ـ ولكنّها عند الردّ تنخفض قيمتها وتساوي (مثلاً 18 مثقالاً). فهل يجب عليه ضمان انكسار القيمة الشرائية بحجة أنّ رأس المال عبارة عن القوة الشرائية وهي كانت عشرين مثقالاً يوم الإقراض وأصبحت 18مثقالاً يوم الدفع، فلا يشمله: (فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).(1)

2. باب المهور، إذا تزوج على ألف تومان بالنقد الرائج حينئذاك وكانت


1 . البقرة:279.


صفحه388

قوة شرائها يومذاك تعادل30 مثقالاً ذهباً ولكنّها في هذه الأيام تساوي أقل من ذلك فهل يجب على الزوج أن يدفع ما يكون في قوة الشراء مساوياً مع ما أمهرها .

3. باب الغرامات: إذا أتلف شيئاً من العملة الرائجة وكانت لها قوة شرائية معيّنة، وبعد التلف أصبحت لها قوة شرائية أقل، فهل يجب على المتلف ضمان الفرق أو لا؟ إلى غير ذلك من الأبواب.

الظاهر ـ و اللّه العالم ـ وجوب الضمان وجبر الانكسار بشهادة أنّ الناس في كلّ الأبواب يتماكسون في قلة العملة وكثرتها، وما هذا إلاّ لأنّ للكثرة قوة شراء ليست للقلة، كما أنّهم يتماكسون في المهور بين القليل والكثير. أضف إلى ذلك أنّ الإغماض على خلاف قاعدة العدل والانصاف.

وأمّا القرض فلا يجب على المقترض ضمان انكسار القيمة، وذلك لأنّ المقرض قد أهدر كرامة ماله بالنسبة إلى إنكسار القيمة، بإقراض ماله ـ مع علمه ـ بإنّ العملة النقديّة في الأحوال الحاضرة تترقى وترتفع تارة وتنخفض وتُكسر أُخرى، ومع ذلك أقرض ماله مدة سنة فإذا أخذ ما اقرض من العملة النقدية، فقد أخذ رأس ماله.


صفحه389

 

الأمر الثامن:

حكم بدل الحيلولة

إذا كانت العين المقبوضة بالعقد الفاسد، موجودة فلابدّ من ردّها إلى المالك إذا أمكن الردّ بسهولة.

وإذا كانت تالفة فلابدّ من الخروج عن العهدة; بدفع المثل أو القيمة.

إنّما الكلام إذا كانت العين موجودة غير تالفة لكن يتعذر ردّها في وقت قصير، كما لو غرقت، وتوقف اخراجها من البحر على عمليات تستغرق وقتاً كثيراً فهل يضمن بدل الحيلولة بدفع قيمته حتّى يتّجر بها إلى أن يخرجه من البحر ونظيره اللوح المغصوب في السفينة إذا خيف من نزعه غرق مال لغير الغاصب، فهل تجب على الضامن دفع القيمة إلى أن يبلغ الساحل وقد حال القابض بين المالك وسلطنته على العين وبعبارة أُخرى: الملكية والمالية للعين محفوظة وإنّما الزائل تسلط المالك على العين فلو وجب البدل، فهو بدل للحيلولة بينه وبين سلطة المالك على المال .

مورد بدل الحيلولة

وقبل دراسة أدلّة المسألة نشير إلى الموارد الّتي ربما يتصور كونها من مصاديقها:


صفحه390

1. إذا حال القابض بين المالك وسلطنته وعلم عدم تمكن القابض على ارجاعها.

2. تلك الصورة ولكن يتمكن بعد سنين ملحقة عرفاً لعدم التمكن.

3. يظن أو يعلم بتمكن القابض من الارجاع بعد مدة ربما يستحسن الصبر من المالك، للعثور على العين.

4. يتمكن من الارجاع في زمان قصير جداً، ضمن يوم أو يومين أو اسبوع.

فالأوّل والثاني، يلحقان بالتالف فالعين فيها في نظر العقلاء تالفة أو كحكم التالف فلا محيص من دفع المثل أو القيمة.

كما انّ الزام القابض بالبدل في الصورة الرابعة مذموم عند العرف، فتعين أن يكون مورده، هو الصورة الثالثة.

وعلى أي حال فقد استدل لوجوب دفع البدل بوجوه:

الأوّل: ما روى محمد بن يحيى عن محمد بن الحسن قال كتبت إلى أبي محمد(عليه السلام): رجل دفع إلى رجل وديعة، وأمره أن يضعها في منزله أو لم يأمره، فوضعها في منزل جاره فضاعت، هل يجب عليه إذا خالف أمره وأخرجها عن ملكه؟ فوقع(عليه السلام): «هو ضامن لها إن شاء اللّه».(1)

يلاحظ عليه: انّ الرواية ناظرة إلى ما لا يرجى العثور عليه، الذي مرّ في


1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب أحكام الوديعة، الحديث1.


صفحه391

صدر البحث انّه ملحق بالتالف فأين هي من المقام. وقس عليه سائر ما استدل به من الروايات في هذا الباب.

الوجه الثاني: تسلط الناس على أموالهم التي فرض كونها في عهدتهم فيقتضي جوازَ مطالبة الخروج عن عهدتها عند تعذرها، نظير ما تقدم في تسلطه على مطالبة القيمة للمثل المتعذر في المثلي.(1)

يلاحظ عليه: ـ مع غض النظر عن سند الحديث ـ انّ القاعدة تدلّ على انّ الناس مسلطون على أموالهم بالبيع واللبس والسكنى والهبة وغير ذلك وبعبارة أُخرى: ليس لغير المالك منع المالك عن التصرف في ماله. وأمّا أنّه إذا تلفت العين فصار الغير مسؤولاً عن المُتْلَف فايجاب بدل الحيلولة إلى أن يخرج عن العهدة بانقاذ ما غرق في البحر بالأدوات فهو ممّا لا بدل عليه الحديث.

وحصيلة الكلام أنّه لا ملازمة بين تسلط الناس على أموالهم وطلب البدل، وما جاء في آخر الكلام من قياس بدل الحيلولة على طلب القيمة عند تعذّر المثل في المثلي فقياس مع الفارق، فإنّ القابض في المقيس عليه مسؤول عن العين بصفاتها النوعية والصنفية والشخصية والمالية، فإذا لم يتمكن من الأُولى تتعين المرحلة الثانية وهكذا. وأمّا وجوب ردّ البدل إلى أن يدفع العين فلا يقاس عليه.

الوجه الثالث: قاعدة «من أتلف مال الغير فهو له ضامن»، فالغاصب قد


1 . المتاجر:112.


صفحه392

أتلف سلطنته على العين ـ لافتراض بقاء العين ـ فهو لها ضامن، ولا يخرج عن العهدة إلاّ ببدل الحيلولة.

يلاحظ عليه: انّ مورد القاعدة هو إتلاف العين، لا إتلاف السلطنة مع بقاءها.

الوجه الرابع: قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».

وجه الاستدلال: انّ مفاد الحديث كما يظهر من مورده ـ هو عدم جواز إضرار بعض الناس على بعض، فهذا النوع من الإضرار ليس مشروعاً في الإسلام، ومن المعلوم انّ الحيلولة بين المالك والعين المملوكة مدة طويلة لا قصيرة ـ يُعدّ إضراراً ـ من الناس إلى المالك فمعنى عدم جوازه هو لزوم قيام الضارّ بعمل يسد هذا الضرر ومن طرقه دفع بدل الحيلولة.

فإن قلت: إنّ قاعدة «لا ضرر» تنفي الحكم الضرري ولا تثبت مكان النفي حكماً شرعياً يُسد به الضرر.

قلت: ما اشتهر بين المتأخرين من أنّ القاعدة نافية وليست بمثبتة مخالف لما ورد في موردها فإنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر سمرة بالاستئذان وقال:«استأذن يا سمرة» وليس مصدر هذا الحكم إلاّ قاعدة «لا ضرر» كما هو ظاهر سياق الحديث.

الوجه الخامس: حرمة مال المؤمن الّتي مرّ دليلها نقلاً وعقلاً، فحرمة مال المؤمن من جانب وعدم تمكن القابض من ردّ العين من فوره يقتضي الجمع بين الحقين وهو جبر الخسارة ببدل الحيلولة بحيث يتصرف فيه كأنّه


صفحه393

مالك. نعم وجوب الحيلولة، حكم تكليفي لا وضعي.

الوجه السادس: الاستدلال ببناء العقلاء ومرتكزاتهم في نظائر هذه الموارد فإذا حال الإنسان بين المالك وماله بسبب من الأسباب ولم يتمكن من رفع الحيلولة إلاّ بعد مضيّ فترة يتضرر بها المالك فمرتكزهم هو دفع بدل يقوم مكان الملك الواقعي إلى أن يتمكن القابض على رد المال إلى صاحبه هذا هو مرتكز العقلاء ولم يردع الشارع عنه فهو حجة تغنينا عن الوجوه الخمسة التي عرفت النقاش في كثير منها.

بقيت هنا أُمور:

1. الزام الضامن، المالك بأخذ البدل

لا شكّ أنّه إذا تلفت العين يجوز إجبار الضامن المالكَ على قبول البدل، إنّما الكلام إذا لم يكن تالفاً بل ضاع أو غرق ويظن أو يرجى تمكنه من ردّها إلى المالك فهل حكم البدل (بدل الحيلولة) هنا كحكم المبدل فيما إذا تلفت العين حتّى يجوز للضامن إجبار المالك على قبول البدل، أو لا؟ الظاهر هو الثاني وذلك لأنّ تجويز طلب البدل من باب الامتنان للمالك على الضامن، فهو حقّ له لا للضامن عليه، فله أن يطلب البدلَ من الضامن وليس للضامن حق عليه حتّى يجبره على قبول البدل. ولذلك لو صبر المالك إلى أن يُعثر على العين لم يكن للضامن الاجبارُ بأخذ البدل.


صفحه394

 

2. هل البدل المبذول ملك لصاحب العين

إذا دفع الضامنُ البدلَ إلى المالك إلى أن يعثر على العين فهل المبذول له يملك البدل وفي الوقت نفسه مالك للعين المضاع أو المغرقة أو لا؟ قال المحقّق: «ويملكه المغصوب منه ولا يملك الغاصب العين المغصوبة ولو عادت كان لكلّ منهما الرجوع».(1)

قال في الجواهر في شرح عبارة المحقّق: كما صرح بذلك كلّه غير واحد من أساطين الأصحاب كالشيخ وابن إدريس والفاضل والشهيد والكركي، بل في المسالك نسبته إليهم مشعراً بالاتفاق عليه بل في محكي الخلاف والغنية نفي الخلاف عن ملك المغصوب منه البدل المزبور بل ظاهرهما على ما قيل بين المسلمين.(2)

و أورد عليه الشهيد الثاني وقال: ولا يخلو من إشكال من حيث اجتماع العوض والمعوض على ملك المالك من غير دليل واضح ولو قيل بحصول الملك لكلّ منهما متزلزلاً أو توقف ملك المغصوب منه للبدل على اليأس من العين وإن جاز له التصرف فيه، كان وجهاً في المسألة.(3)

وحاصل الإشكال: انّ مالكية المالك للبدل وعدم مالكية الغاصب


1 . الشرائع:3/241.

2 . جواهر الكلام:37/130.

3 . مسالك الافهام:12/201.


صفحه395

للمبدل يستلزم اجتماع العوض والمعوض في شخص واحد، وتخلص عنه الشهيد الثاني بوجهين:

أ. حصول الملك لكلّ منهما متزلزلاً. فالغاصب يملك العين والمالك البدل متزلزلا.

ب. عدم تملك المالك البدل إلاّ عند اليأس من العين.

أقول: لا ينبغي الإشكال في بقاء العين المضمونة على ملك مالكها فلا وجه للاحتمال الأوّل، إنّما الكلام في البدل المبذول. فإن قلنا بانّه يقتصر على التصرفات غير المتوقفة على الملك فهو، وامّا لو قلنا بالعموم حتّى المتوقفة على الملك فلا محيص من القول بالملكية لكن ملكية مؤقتة مادامت سلطنته منقطعة، ولا بأس بالجمع بين البدل والمبدل بهذا النوع من الملكية. فلو تلفت العين استقرّ ملك المالك على الغرامة. ولو تمكّن من الردّ وردّها عاد البدل إلى الغارم كما سيوافيك تفصيله. نعم لو قلنا بالملكية المؤبدة وعدم رجوعها إلى الضامن حتّى بعد العثور على العين ودفعها إلى المالك لزم الإشكال.

3. لو فاتت بعض المنافع

انّ بقاء العين على ملك مالكها إنّما هو مع فوت معظم الانتفاعات وأمّا لو لم يفت إلاّ بعض ما ليس به قوام المالية فهل هذا الموضع من موارد إيجاب التدارك بالعدل فيملك العين والبدل معاً بالنحو المذكور، الظاهر لا، وانّ المورد، من موارد إيجاب المثل أو القيمة وفاقاً للشيخ حيث قال «لو ورد


صفحه396

دليل على وجوب غرامة قيمة، حينئذ، لم يبعد كشف ذلك عن انتقال العين إلى الغارم مثلاً:

لو وطأ الغاصبُ الحيوانَ الّذي يُركب، فلا يخرج عن المالية وإنّما يجب نفيه عن البلد وبيعه في بلد آخر لكن هذا لا يُعدّ فواتاً لما به قوام المالية، ولذلك ورد في الدابة الموطوءة من الزام الواطئ بأخذ الدابة واعطاء ثمنها.

روى سَدير عن أبي جعفر(عليه السلام) في الرجل يأتي البهيمة؟ قال: يُحدّ دون الحد، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لأنّه أفسدها عليه، وتذبح وتحرق وتدفن إن كانت ممّا يؤكل لحمه. وإن كانت ممّا يركب ظهره أغرم وجلد دون الحد وأخرجها من المدينة الّتي فعل بها فيها إلى بلاد أُخرى حيث لا تعرف فيبيعها فيها كي لا يعيّر بها صاحبها.(1)

4. إذا خرجت عن المالية مع بقائها على الملكية

كان محور البحث، انقطاع السلطنة عن العين مع بقائها على ماليّتها السابقة.

أمّا لو خرجت عن المالية (عن التقويم حسب تعبير الشيخ) مع بقائها على صفة الملكية فقد اختار الشيخ وجوب كمال القيمة، مع بقاء العين على ملك المالك، لأنّ القيمة عوض الأوصاف والاجزاء الّتي خرجت العين


1 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب نكاح البهائم، الحديث4، وسَدير بن حكيم من رجال الباقر والصادق(عليهما السلام) .


صفحه397

لفواتها عن التقويم لا عوض العين نفسها كما في الرطوبة الباقية بعد الوضوء بالمغصوب ـ جهلاً بالموضوع ـ فانّ بقائها على ملكها لا ينافي وجوب الغرامة لفوات معظم الانتفاعات به فلا يجوز المسحُ بها إلاّ بإذن المالك(1)، ثم استشهد بكلام العلاّمة في القواعد بانّه لو خاط ثوبه بخيوط مغصوبة (وطلبها المالك) وجب نزعها، فإن خيف تلفها لضعفها فالقيمة.(2)

وحاصل كلامه انّ السلطنة المطلقة على البدل، بدل عن السلطنة المنقطعة عن العين وليس بدلاً عن ملكية العين، فلا غرو في أن تكون الرطوبة والخيوط ملكاً للمالك وهذا معنى بدل الحيلولة.

يلاحظ عليه: انّ الماء والخيوط وما أشبههما يُعدّان عندئذ من المتلفات مثل التلف الحقيقي فيكون هناك معاوضة قهرية بين البدل والمبدل. فلو طلب كمال القيمة ومع ذلك لم يُجز المسح بالرطوبة أو طلب الخيوط المقطعة، يُعد عمله هذا على خلاف العدل والانصاف.

وأمّا لو غصب خل الغير، وصار خمراً عند الغاصب فهل يجب رد العين مع القيمة استصحاباً لحق الأولوية الثابتة للمالك قبل الغصب حيث إنّ الخل لو صار خمراً عنده لكان هو أولى به من غيره فيستصحب إلى ما صار خمراً عند الغاصب، أو لا يجب الرد؟ ذهب الشيخ إلى الأوّل، مؤيداً بانّه لو عادت خلاً، ثانياً ردت إلى المالك بلا خلاف ظاهر.


1 . المتاجر:112.

2 . قواعد الأحكام:2/235، وفي ما نقله الشيخ عن القواعد تصحيف وما أثبتناه وهو الصحيح. ولعلّه من الناسخ لا الشيخ نفسه.


صفحه398

أقول: يؤيد قول الشيخ وجود الفرق بين المثالين والخمر فإنّ الرطوبة الباقية تعد تالفة وهكذا الخيوط، وهذا بخلاف الخمر فانّه قابل للتخليل فلا مانع من بقاء حق الأولوية والاختصاص، غاية الأمر إذا قوّم، فإنّما يقوّم بعنوان الخل الّذي صار خمراً وهو قابل لئن يكون خلاً. وعندئذ تكون القيمة انقص من الخل الّذي اريق وتلف، وعندئذ لا يلزم الجمع بين العوض والمعوض.

5. حكم نماء البدل والمبدل

لما كان الغرض المهم، هو الانتفاع بالبدل، فتكون عامة نماءات البدل له، إنّما الكلام في نماء المبدل فالتالف منه غير مضمون لأنّ الغاية من دفع البدل تدارك المنافع غير المستوفاة، وأمّا غير التالف كنتاج الغنم فمقتضى القاعدة انّه ملك المالك، لمّا عرفت من عدم خروجه عن ملكه.

6. ارتفاع القيمة بعد الدفع

إذا ارتفعت قيمة العين بعد دفع البدل فهل يضمن الغارم ذلك الارتفاع أو لا، اختار الشيخ عدم الضمان قائلاً بأنّ مقتضى صدق الغرامة على المدفوع، خروج الغارم عن عهدة العين وضمانها، فلا يضمن ارتفاع قيمة العين سواء كان للسوق أو للزيادة المتصلة أو المنفصلة كالثمرة، ولا يضمن منافعها.(1) ثم إنّه حكى الضمان عن التذكرة والتوقف عن جامع المقاصد.


1 . المتاجر:113.


صفحه399

وما اختاره الشيخ هو الأقوى، لانّ الغرض الأقصى هو الخروج عن العهدة والضمان مادام لم يردّ العين. فالقول بضمان الارتفاع بعد الدفع وقبل ردّ العين مناقض للغرض المنشود من دفع البدل. وربّما يقال بالتفصيل بين كونه «بدلاً عن العين أو السلطنة المنقطعة، فعلى الأوّل لا يضمن لبقاء العين بخلاف الثاني»لانقطاع السلطنة. وبما أنّ الشيخ يقول بالثاني، فلازم كلامه، ضمان الارتفاع مع انّه لم يقل به هنا.

7. وجوب الردّ عند التمكن

لا شكّ في وجوب رد العين بعد التمكن منه وجوباً تكليفياً، لبقاء المبدل في ملكه، «وعلى اليد ردُّ ما أخذت حتّى تؤدّي»، وان توقف على المؤونة كما كانت الحال كذلك قبل دفع البدل. واستصحاب سقوط وجوب الردّ حين التعذر، غير تام لانّ سقوطه حين التعذر كان للتعذر العقلي وقد انقلب الموضوع. نعم للغاصب حبس العين حتّى يردّ البدل أخذاً بحكم البدلية، خلافاً لصاحب الجواهر حيث قال بعدم جواز الحبس لضرورة عدم المعاوضة الّتي مقتضاها ذلك في المقام، وإن كانت هي معاوضة معنوية فليست هي إلاّ نحو من كانت عنده عين، لمن له عنده كذلك.(1)

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقام وما قاسه عليه، حيث لا مقابلة ولا بدلية هناك، بخلاف المقام فانّ البدل يحكي عن معناه وانّه عوض ذاك.


1 . الجواهر:37/132.


صفحه400

 

8. حكم بدل الحيلولة عند التمكن من الردّ

إذا تمكن من الردّ، فهل تخرج الغرامة عن ملك المالك وتعود إلى ملك الغارم فيضمن القابض العين من يوم التمكن ضماناً جديداً، بمثله أو قيمته يوم حدوث الضمان أو يوم التلف أو أعلى القيم، أو تبقى على ملك مالك العين وتكون العين مضمونة بها لا بشيء آخر في ذمّة الغاصب، فلو تلفت استقر بالتلف ملك المالك على الغرامة فلا يحدث بالتمكن سوى حكم تكليف بالردّ.

الظاهر هو الثاني كما عليه الشيخ لأنّ المفروض كونه بدلاً حتّى يردّ، لا أنّه بدل حتّى يتمكن من الردّ ، مضافاً إلى استصحاب كون العين مضمونة بالغرامة وعدم طروء ما يزيل ملكيته عنها.

بلغ الكلام إلى هنا عشية يوم الثلاثاء تاسع

رجب المرجب من شهور عام 1428هـ

في مدينة قم المحمية في جوار

الحضرة الفاطمية عليها

آلاف التحية.


صفحه401

الرسالة التاسعة

بيع العربون تعريفه

صوره وأحكامه


صفحه402

صفحه403

بيع العربون تعريفه، صوره وأحكامه

العربون ـ بفتحتين ـ كحَلَزون، والعُرْبون، كعصفور، والعُربان ـ بالضم ـ لغة فيه على وزن قُربان.

وأمّا العَربان ـ بالفتح ـ فلحن لم تتكلم به العرب .

يقع الكلام في تعريفه أوّلاً، والأقوال فيه ثانياً، وصوره ثالثاً .وإليك دراسة الكل واحداً بعد الآخر.

1. تعريف بيع العربون

قال ابن الأثير: العربون هو أن يشتري السلعة ويدفع إلى صاحبها شيئاً على أنّه إن أمضى البيع حُسب من الثمن، وإن لم يمض البيع كان لصاحب السلعة ولم يرتجعه المشتري.(1)

قال العلاّمة: إنّ له (العربون) تفسيرين:

الأوّل: أن يشتري سلعة من غيره ويدفع إليه دراهم على أنّه إن أخذ السلعة فهي من الثمن، وإلاّ فهي إلى المدفوع إليه مجاناً.

الثاني: أن يدفع دراهم إلى صانع ليعمل له ما يريد من صياغة خاتم، أو خرز خف، أو نسج ثوب، أو خياطة، أو غير ذلك على أنّه إن رضيه، فالمدفوع


1 . النهاية:2/202.


صفحه404

من الثمن، وإلاّ لم يستردّه منه، وهما متقاربان.(1)

وقال في التحرير: بيع العربون هو أن يدفع بعض الثمن على أنّه إن أخذ السلعة احتسبه من الثمن، وإلاّ كان للبائع.(2)

وقال في التذكرة: وهو أن يشتري السلعة فيدفع درهماً أو ديناراً على أنّه إن أخذ السلعة كان المدفوع من الثمن، وإن لم يدفع الثمن وردّ السلعة لم يسترجع ذلك المدفوع.(3)

وجاء في الموسوعة الكويتية أنّ العربون هو أن يشتري السلعة ويدفع إلى البائع درهماً أو أكثر على أنّه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فهو للبائع.(4)

وربما يفسّر العربون بوجهين آخرين هما:

1. أن يكون مبلغاً من الثمن يُدفع إلى البائع أو الموجر مثلاً كي يكون لكلّ واحد من المتعاملين حق التراجع على أن يُخسر مقداره، أيٌّ من المتعاملين الذي سيتراجع عمّا بنيا عليه من المعاملة.وعلى هذا لا يختص العربون بالمشتري بل يعم المتبايعين.

2. أن يكون دفعه شروعاً في تنفيذ المعاملة فهو مجرد أداء جزء من الثمن تأكيداً للعقد والبت فيه.


1 . نهاية الإحكام في معرفة الأحكام:2/523.

2 . تحرير الأحكام:2/355.

3 . تذكرة الفقهاء :12/174.

4 . الموسوعة الكويتية: 9 /93، باب بيع العربون.


صفحه405

والأوّل ـ عدم اختصاصه بالمشتري ـ هو الرائج في زماننا ولعلّ الرائج في العصور السابقة كان غير هذا، وكان مختصاً بالمشتري.

وأمّا الثاني : فهو تأكيد للبيع من دون أن يُخسَر شيء عند الرجوع إلاّ إذا امتنع البائع من القبول إلاّ بإخسار شيء ممّا أخذ فيدخل في بيع العربون.

2. أقوال الفقهاء

تباينت كلمات الفقهاء في جواز العربون وعدمه، فالحنفية والمالكية والشافعية وأبو الخطاب من الحنابلة يرون أنّه لا يصحّ ، ومذهب الحنابلة الجواز.

وأمّا أصحابنا فالمعروف عندهم هو المنع، غير أنّ ابن الجنيد ذهب إلى الجواز، كما نقله العلاّمة في المختلف.(1)

قال: قال ابن الجنيد: العربون من جملة الثمن، ولو شرط المشتري على البائع أنّه إن جاء بالثمن ـ فهو ـ و إلاّ فالعربون له، كان ذلك عوضاً عما منعه ذلك من النفع، وهو التصرف في سلعته. فالعربون عنده عوض عما يمنعه من التصرف في ماله.

3. صور المسألة

إنّ للمسألة أربعة صور:

إنّ المخسر به تارة يكون جزءاً من الثمن وأُخرى خارجاً عنه، وعلى


1 . مختلف الشيعة:5/317.


صفحه406

كلا التقديرين فقد يكون العقد مشروطاً بالإخسار عند التراجع وأُخرى يكون مطلقاً وإليك دراسة الصور:

إذا كان العربون عند العقد جزءاً من الثمن

إذا كان الإخسار متعلقاً بجزء من الثمن بمعنى انّ المشتري دفع العربون بما أنّه جزءاً من الثمن، وقبله البائع بهذا العنوان، وأمّا الإخسار عند الفسخ فتارة يكون مذكوراً في نفس العقد ويكون العقد مشروطاً به بمعنى انّه إن فسخ المشتري العقد، فالعربون للبائع وأُخرى يكون العقد مطلقاً، لكن الفسخ يكون مشروطاً بتملك هذا الجزء من الثمن، والظاهر عدم الجواز في كلتا الصورتين .

واستدل له بوجوه:

1. ذات التملك مغاير لواقع الفسخ

إنّ الفسخ عبارة عن رجوع كلّ من العوضين إلى الحالة السابقة قبل البيع، فيرجع المبيع ملكاً للبائع والثمن ملكاً للمشتري، ومعنى ذلك عدم التصرف في كلّ منهما، فالإخسار بجزء من الثمن سواء أكان مذكوراً في العقد أم لا يكون منافياً لمفهوم الفسخ .

2. حرمة الفسخ بوضيعة

روى الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل اشترى ثوباً (ولم


صفحه407

يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه)(1) ثمّ ردّه على صاحبه فأبى أن يقيله (2) إلاّ بوضيعة، قال: «لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة، فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل مازاد».

والمراد من قوله: «ولم يشترط على صاحبه شيئاً» عدم شرط خيار الفسخ ولأجل ذلك امتنع البائع من قبوله إلاّ بوضيعة، وإلاّ فلو كان للمشتري خيار الفسخ لما كان عليه الامتناع ولما صحّ له طلب الوضيعة. والرواية بإطلاقها تشمل كلتا الصورتين إذا تعلق الإخسار بجزء من الثمن، سواء أكان العقد مشروطاً به أم لا.

وذلك لأنّ الرواية تدلّ على أنّ الفسخ يجب أن يكون بردّ عامّة الثمن إلى المشتري والمبيع إلى البائع، وهي وإن لم ترد في مورد العربون لكن يمكن الاستدلال بها عليه، لأنّ المفروض أنّه تمّ العقد وصار ما سوى العربون على ذمة المشتري فإذا لم يسترجع ما دفعه باسم العربون فمعناه أنّه فسخ العقد وسقط ما في ذمته ورجع المبيع إلى ملك المشتري شرعاً وقانوناً فصار الفسخ بوضيعة، وقد تضمنت الرواية على أنّ الفسخ يجب أن يكون برد الكل لا البعض.

وهذان الوجهان لا بأس بهما.


1 . مابين القوسين لم يرد في التهذيب ولكنه مذكور في الوسائل وهو يكشف عن كون نسخة صاحب الوسائل مشتملة عليه.

2 . في الكافي:«فأبى أن يقبله» .


صفحه408

 

3. الأصل بقاء الملك على المشتري

وهو ما استدل به العلاّمة وقال: الأصل بقاء الملك على المشتري فلا ينتقل منه إلاّ بوجه شرعي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المفروض، فإنّ المفروض عبارة عمّا إذا اشترى المشتري المبيع ونجز البيع، غير أنّه لم يدفع إليه إلاّ جزء من الثمن، واشترط عليه أنّه إذا لم يراجع يكون ما دفعه للبائع وإذا رجع ونفّذ البيع يكون ما دفع جزء من الثمن، فعلى كلّ تقدير فما دفعه خرج عن ملك المشتري ودخل في ملك البائع. نعم يصح ذلك في بعض صور المسألة التي مرّ ذكرها فهو ما إذا دفع مبلغاً كمنع البائع من بيع المبيع حتى يسلم له كلّ المبلغ.

4. كونه بمنزلة الخيار المجهول

قال العلاّمة: انّه بمنزلة الخيار المجهول لأنّه شرط له ردّ المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح كما لو قال ولي الخيار: متى شئت رددت سلعة ومعها درهم .(2)

يلاحظ عليه: بأنّه لا يتم فيما إذا حدّد المشتري وقت الخيار. نعم لو لم يحدده يدخل في الشرط المجهول.


1 . نهاية الإحكام:2/523; الحدائق الناضرة:20/99.

2 . نهاية الإحكام:2/523.


صفحه409

 

5. نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عنه

روى أهل السنة عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: نهى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيع العربان.(1)

يلاحظ عليه : أنّه ضعيف، إذ في سنده حبيب كاتب الإمام مالك وهو ضعيف لا يُحتجّ به. ورواه الدارقطني والخطيب عن مالك عن عمرو بن حرث عن عمرو بن شعيب وفي اسنادهما الهيثم بن يمان وضعفّه الازدي، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن زيد بن أسلم وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف.(2)

دليل القائل بالصحة مطلقاً

استدل القائل بالصحة بوجهين:

الأوّل: أنّ ذلك عوض عمّا منعه ذلك من النفع، قال ابن الجنيد: العربون من جملة الثمن، ولو شرط المشتري على البائع أنّه جزء من الثمن فهو، و إلاّ فالعربون له كان ذلك عوضاً عمّا منعه من النفع، وهو التصرف في سلعته.(3)

يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك دفع الثمن كلّه عند عدم التراجع وراء


1 . سنن أبي داود:3/767.

2 . نيل الأوطار:5/250ـ 251; التلخيص: 3 / 17.

3 . مختلف الشيعة:5/317ـ318.


صفحه410

ما دفعه أولاً، وذلك لأنّ المفروض أنّ العربون بمنزلة بدل الحيلولة حيث
إنّ المشتري حال بين البائع ومبيعه يوماً أو يومين، مع أنّ القائل بالصحة
يقول يُحسب العربون من الثمن.

الثاني: قوله: (صلى الله عليه وآله وسلم) «المؤمنون عند شروطهم».

يلاحظ عليه: بما حقق في محلّه انّ المراد من الشروط هو الشروط السابقة، وشرط العربون إمّا حرام، أو مشكوك الجواز وفي مثله لا يتمسك به، لأنّه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية .

إذا لم يكن العربون جزءاً من الثمن

إذا تعلّق الإخسار والوضيعة بأخذ شيء من المشتري أو البائع لأجل الفسخ، لا بدفع جزء من الثمن بل الثمن يسلّم إلى المشتري بكماله لكن المشتري يشترط عليه ان يدفع له شيئاً من ماله وهو على قسمين: تارة يكون ذلك مذكوراً في العقد أو لا، فمقتضى القاعدة صحته، وذلك لأنّ البيع لما كان لازماً على الطرفين فللآخر أن يمتنع من الفسخ إلاّ بأخذ شيء خارج عن الثمن والمثمن، إذ ليس هذا مخالفاً لمفهوم الفسخ، إذ المفهوم أنّ الإخسار يتعلق بشيء خارج عن الثمن والمثمن كأن يقول:هب لي شيئاً حتى أقيله لك أو أقبل الفسخ، فيعمه قوله: «المؤمنون عند شروطهم».

وبذلك يظهر ضعف ما ربما يقال من أنّ الأصل بقاء الملك على المشتري فلا ينتقل منه إلاّ بوجه شرعي، وذلك لما عرفت من شمول


صفحه411

قوله:«المؤمنون عند شروطهم» و ليس هناك ما يمنع عن جوازه.

نظير ذلك إذا صار مستعداً لشراء المبيع من المشتري بسعر أقل لأجل نزول السوق وقلة الرغبة، فلا مانع منه حسب القواعد.

فإن قلت: روى أحمد بن أبي عبد اللّه (البرقي) عن أبيه (محمد بن خالد) عن وهب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: لا يجوز العربون إلاّ أن يكون نقداً من الثمن».(1) والرواية تمنع العربون مطلقاً سواء أكان جزءاً من الثمن أم كان شيئاً خارجاً عنه .

يلاحظ عليه: أنّ الرواية ضعيفة سنداً، ومجملة دلالة.

أمّا السند: فلأنّها يرويها وهب بن وهب المعروف بأبي البختري، وهو ضعيف جدّاً.

قال النجاشي: وهب بن وهب بن عبداللّه أبي البختري روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، وكان كذّاباً. وقال الطوسي في الفهرست: عاميّ المذهب ضعيف. وعن الكشي عن ابن شاذان انّه قال فيه: أكذب البرية.

وأمّا الدلالة: فلعلّه ناظر إلى ما إذا كان العربون جزءاً من الثمن، والمراد أنّ بيع العربون لا يجوز إلاّ إذا كان جزء من الثمن من دون أن يخسر من الثمن شيء سواء قال البيع أم لا وعلى هذا لا صلة له بما فرضنا من تعلق الإخسار بشيء خارج عن الثمن والمثمن ومن غير فرق بأن يطلب البائع من المشتري شيئاً خارجاً عن الثمن والمثمن أو بالعكس .


1 . الكافي: 5 / 233، باب العربون، الحديث 1 .


صفحه412

فإن قلت: كيف يصحّ مع أنّه شرط للبائع شيئاً بغير عوض كما لو شرطه لأجنبي؟

قلت: كيف يكون بغير عوض، والعوض هو فسخ البيع المنجّز القطعي وقياسه بالشرط للأجنبي قياس مع الفارق، فإنّ الأجنبي، أجنبي بالنسبة إلى البيع فهو منه لا في حل ولا مرتحل، بخلاف البائع فهو يقوم بعمل ربما يكون غير مرغوب إليه فيستعد لذلك، بأخذ شيء من المشتري حتى يقيله.

فإن قلت: ما تقول فيما لو دفع إليه قبل البيع وقال: لاتبع هذه السلعة لغيري، فإن لم اشترها منك فهي لك ثم اشتراها بعقد مبتدئ وحسب الدرهم من الثمن.

قلت: هذه الصورة خامسة لا صلة لها بالعربون والظاهر صحته أمّا إذا اشتراها بعد ذلك بعقد مبتدئ وحسب الدرهم من الثمن فواضح، لأنّ البيع خلا من الشرط المبطل، وأمّا إذا لم يشتر السلعة فالاستحقاق مبنيّ على لزوم العمل بالاتفاقيات الابتدائية وكونها من مصاديق: «المؤمنون عند شروطهم» أي: عند التزاماتهم، سواء أكان التزاماً ابتدائياً أو ضمن التزام آخر أو وجوب الوفاء بالوعد، كما دلّ عليه ظاهر الكتاب العزيز ويدلّ عليه بعض الأخبار.(1)


1 . الحدائق الناضرة:20/99..


صفحه413

الرسالة العاشرة

ولاية الأب والجدّ

على البكر الرشيدة

ولاية الأب والجدّ على البكر الرشيدة   


صفحه414

صفحه415

هذه المسألة كما قال الشهيد في المسالك من المهمّات والإفتاء فيها من المشكلات لأجل اختلاف الروايات واضطرابها.

لا شكّ في ثبوت الولاية على الأُنثى إن كانت صغيرة، أو كبيرة غير رشيدة، كما أنّه لاشكّ في سقوطها عن الثيّب الرشيدة، إلاّ ما شذّ عن الحسن بن أبي عقيل، من بقاء الولاية وهو قول شاذ.

إنّما الاختلاف في البكر الرشيدة، فأقوال الأصحاب فيها مضطربة.

قال الشيخ في «الخلاف»: البكر إذا كانت كبيرة، فالظاهر من الروايات، أنّ للأب والجدّ أن يجبراها على النكاح ويستحبّ لهما أن يستأذناها، وإذنها صماتها فإن لم تفعل فلاحاجة بهما إليه وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق وقال قوم من أصحابنا: ليس لوليها إجبارها على النكاح كالثيّب الكبيرة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي والثوري، فاعتبر أبو حنيفة الصغر والكبر وفرّق بينهما، واعتبر الشافعي الثيبوبة والبكارة.(1)

وقال ابن رشد في «بداية المجتهد»: واختلفوا في البكر البالغة فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: للأب فقط أن يجبرها على النكاح، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي، وأبو ثور وجماعة:لابدّ من اعتبار رضاها،


1 . الخلاف: كتاب النكاح، المسألة 10.


صفحه416

ووافقهم مالك في البكر على أحد القولين عنه.(1)

وقال ابن قدامة في «المغني»: وأمّا البكر البالغة العاقلة فعن أحمد روايتان:

إحداهما: له إجبارها على النكاح وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة، هذا مذهب مالك، وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق.

والثانية: ليس له ذلك. واختارها أبو بكر، وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وأبي عبيدة، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، لما روى أبو هريرة، أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لاتنكح الأيّم حتى تُستأمر، ولاتنكح البكر حتى تُستأذن» فقالوا يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت».

وروى أبو داود، وابن ماجة عن ابن عباس: أنّ جارية بكر أتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فذكرت أنّ أباها زوّجها وهي كارهة فخيّرها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ولأنّها جائزة التصرّف في مالها فلم يجز إجبارها كالثيّب.(2)

وأمّا أقوال أصحابنا فتناهز السبعة، أو الثمانية:

أحدها: استمرار الولاية عليها، نقله شيخنا الشهيد في شرح نكت الإرشاد، عن الشيخ في أكثر كتبه والصدوق، وابن أبي عقيل، ونقله أيضاً عن ظاهر القاضي.

ثانيها: وهو المشهور بين المتأخّرين، استقلالها بالعقد دونهما مطلقاً.


1 . بداية المجتهد: 2/5، كتاب النكاح.

2 . المغني: 6/516.


صفحه417

ونقل عن الشيخ في التبيان، والمرتضى ، والشيخ المفيد في أحكام النساء، وابن الجنيد وسلاّر، وابن إدريس، وهو مذهب المحقّق والعلاّمة.

ثالثها: استمرار الولاية عليها في الدائم دون المنقطع. وهو مذهب الشيخ في كتابي الأخبار.

رابعها: عكسه وهو ثبوت الولاية عليها في المنقطع دون الدائم. ولم يعلم قائله، ونقله المحقّق في الشرائع.

خامسها: التشريك بينها وبين الولي. وهو منقول عن أبي الصلاح، والشيخ المفيد في المقنعة، وهو خيرة الشيخ الحرّ العاملي في الوسائل. هذه هي الأقوال المشهورة بينهم.

وهناك أقوال غير مشهورة ، إليك بيانها:

سادسها: التشريك في الولاية بين المرأة وأبيها خاصة دون غيره من الأولياء.

سابعها: ثبوت الولاية لكلّ من الأب والبنت، والأفضل لهما الاستئذان من الآخر.

ثامنها: ما اختاره كاشف الغطاء في حاشيته على تبصرة المتعلّمين، وهو استقلال البنت البالغة الرشيدة وإن كان الأحوط تحصيل إذن الولي، ولكن لو تشاحّا قدّم رضاها إلاّ أن تختار ما فيه هتك شرف الوليّ، فيجوز له منعها منه حينئذ، لا إجبارها أو إكراهها على غيره ممّن يريد.

ولعلّ هناك أقوال أُخر لم نقف عليها.


صفحه418

إذا عرفت موقف المسألة بين فقهاء الفريقين، فالقول بالتشريك ـ أي القول الخامس ـ هو الأظهر سنداً ودلالةً واحتياطاً، وهو خيرة أبي الصلاح الحلبي.(1)

ولنذكر دليل المختار، أقول: تدلّ عليه صحيحتان:

الأُولى: صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):«تستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلاّ بأمرها».(2) والمراد من غيرها هو الثيّب، كما أنّ المراد من البكر، هي البالغة الرشيدة لا الصغيرة لأنّها لاتستأمر وليست في مظنّة الاستئمار وحمل الاستئمار في مورد البكر على من ليس لها وليّ من الأب والجدّ خلاف الظاهر، لأنّ توقف تزويج غير الوليّ على الاستئمار ليس أمراً مخفياًحتّى يحتاج إلى البيان، إذ من المعلوم أنّه ليس لغير الوليّ تزويجها بلا إذن ولا استئمار، وإن كان ذلك الغير أخاً أو أُمّاً أو عمّـاً المعدودين من الأولياء عرفاً.

والحاصل: أنّ حملها على الصغيرة تفسير بعيد، كما أنّ حملها على خصوص من لا وليّ لها شرعي مثله. وهذه الرواية لا غبار في دلالتها كما لا غبار في سندها، والعبّاس الوارد في السند هو العبّاس بن معروف وهو قمي ثقة يروي عن صفوان وهو من مشايخ أحمد بن محمّد بن خالد.

الثانية: موثقة صفوان، قال: استشار عبد الرحمن، موسى بن جعفر (عليهما السلام)في تزويج ابنته لابن أخيه فقال: «افعل ويكون ذلك برضاها، فإنّ لها في


1 . الكافي في الفقه:293.

2 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.


صفحه419

نفسها نصيباً» واستشار خالد بن داود، موسى بن جعفر (عليهما السلام)في تزويج ابنته علي بن جعفر، فقال: «افعل ويكون ذلك برضاها، فإنّ لها في نفسها حظّاً».(1)ورواها الشيخ باسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وسنده إليه مصحّح في الفهرست والمشيخة.

والرواية وإن كانت مطلقة من حيث البكر والثيّب ولكن الثيّب خارجة عنها، لأنّها مستبدة بفعلها ولا مورد للتشريك فيها، فتكون الرواية محمولة على البكر البالغة.ويشعر بذلك: معتبرة الفضل بن عبد الملك ،عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إنّ الجدّ إذا زوّج ابنة ابنه وكان أبوها حيّاً وكان الجدّ مرضياً جاز» قلنا: فإن هوى أبو الجارية هوىً وهوى الجدّ هوىً، وهما سواء في العدل والرضا؟ قال: «أحبّ إليّ أن ترضى بقول الجدّ».(2)

وجه الدلالة: أنّ قوله «أحبّ إليّ أن ترضى» يعرب عن اشتراط رضاها في الجملة فاقترح الإمام عليه أنّ رضاها بقول الجدّ أحبّ إليه، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ اعتبار رضاها لأجل كونها مخيّرة في قبول أحد الزوجين ولو لم يكن هناك تشاح لتعيّن عليها قبول الواحد، وفي سند الرواية محمّد بن زياد، وهو واقفي ثقة عن الحسن بن محمّد بن سماعة عن عمّه جعفر بن سماعة، والكلّ من الواقفة الثقاة.

وأمّا الفضل بن عبد الملك وهو أبو العبّاس البقباق فهو كوفي ثقة،


1 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.


صفحه420

فالرواية معتبرة. هذا ما يمكن الاستدلال به على هذا القول، فإذا عرفته نرجع إلى دراسة سائر الأقوال واحداً بعد الآخر.

القول الأوّل: استمرار الولاية عليها

استدل لهذا القول بروايات صحيحة صريحة، لايمكن الخدش في سندها ودلالتها، إذا صحّت جهة الصدور ولكن اشتهار القول بمضمونها بين فقهاء العامّة يصدّنا عن الأخذ به وإن صحّت سنداً، وهي على قسمين صريح في المطلوب و غير صريح قابل للحمل. وإليك ما يدلّ على الحكم بصراحة.

الأُولى: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يزوّج ابنته بغير إذنها ؟قال: «نعم ليس يكون للولد أمر إلاّ أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك فتلك لا يجوز نكاحها إلاّ أن تستأمر».(1) وهي صريحة في المطلوب.

الثانية: معتبرة الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لاتستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوّجها، هو أنظر لها، وأمّا الثيّب فإنّها تستأذن، وإن كانت بين أبويها، إذا أرادا أن يزوّجاها».(2)

الثالثة: خبر عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):«لا تستأمر الجارية في ذلك إذا كانت بين أبويها، فإذا كانت ثيّباً فهي أولى بنفسها».(3)


1 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 8.

2 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.

3 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 13.


صفحه421

الرابعة: ما في ذيل معتبرة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر؟ فقال: الجدّ أولى بذلك مالم يكن مضاراً إن لم يكن الأب زوّجها قبله ويجوز عليها تزويج الأب والجدّ. (1)

الخامسة: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما قال:«لاتستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس لها مع الأب أمر وقال: يستأمرها كلّ أحد ما عدا الأب».(2)

والجارية وإن كانت مطلقة تشمل الثيّب والبكر، والصغيرة والكبيرة لكن الثيّب خرج بالدليل لوجوب استئمارها ، والصغيرة خارجة عن
الرواية إذ لامعنى لاستئمارها في قوله: «يستأمرها كلّ أحد» فتبقى البالغة الرشيدة.

السادسة: ما رواه أحمد بن عيسى بن محمّد في نوادره بسند صحيح، عن عبد اللّه بن أبي يعفور في حديث، قال: «والجارية يستأمرها كلّ أحد إلاّ أبوها».(3)

وهذه الروايات صريحة في هذا القول، ونافية لجميع الأقوال إلاّ القول السابع، وهو استقلال كلّ منهما في التزويج فانّ أقصى ما فيها أنّ الأب مستقلٌّ في التزويج إذا قدم عليه قبل البنت وليس لها معه أمر، وأمّا إذا كانت البنت


1 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.

3 . المستدرك: ج14، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 3.


صفحه422

مُقْدِمَة قبله فالروايات ساكتة عنه. وهناك روايات أُخرى ليست صريحة في هذا القول، وإليك دراستها:

الأُولى: صحيحة عبد اللّه بن الصلت، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجارية الصغيرة يزوّجها أبوها، لها أمر إذا بلغت؟قال: «لاليس لها مع أبيها أمر». قال: سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر؟ قال: «ليس لها مع أبيها أمر مالم تكبر (تثيب خ ل)». (1) وهي صريحة في البكر البالغة والصحيح تثيب مكان «تكبر»، لأنّ السؤال عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء وهي تكون كبيرة قطعاً فلايصحّ أن يقال: مالم تكبر ، أضف إلى ذلك ورود هذا القيد في بعض الروايات الآتية ذكرها. والرواية قابلة للحمل على نفي الاستقلال.

الثانية: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر ؟فقال:«ليس لها مع أبيها أمر مالم تُثَيّب».(2)والحديث ليس نصاً في المطلوب لاحتمال كون المراد من الأمر الاستقلال كالثيّب في المسألة.

الثالثة: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في المرأة الثيّب تخطب إلى نفسها قال: «هي أملك بنفسها تولّي أمرها من شاءت إذا كان كفؤاً بعد أن تكون قد نكحت رجلاً قبله».(3)


1 . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج14، الباب 3من أبواب عقد النكاح، الحديث 11.

3 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.


صفحه423

وأمّا كونها غير صريحة في هذا القول فإنّ الدلالة بالمفهوم لا بالمنطوق أوّلاً، وأنّها لاتنفي التشريك ثانياً، لأنّ كون غيرالثيّب غير مالكة لنفسها يتصوّر بوجهين: استقلال الأب، أو التشريك بين الأب والبنت.

الرابعة: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الجارية يزوّجها أبوها بغير رضاً منها؟ قال: «ليس لها مع أبيها أمر إذا أنكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة». (1)

والرواية ليست صريحة في البالغة الرشيدة فيحتمل كونها واردة في الصغيرة، ولو كانت مطلقة شاملة للبالغة الرشيدة فهي تقيّد بما دلّ على استقلالها أو تشريكها مع الوليّ.

الخامسة: صحيحة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لاتنكح ذوات الآباء من الأبكار إلاّ بإذن آبائهنّ».(2) والرواية لاتنفي نظرية التشريك فليست صريحة في هذا القول.

السادسة: مرسلة ابن بكير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«لابأس أن تزوّج المرأة نفسها إذا كانت ثيّباً بغير إذن أبيها إذا كان لابأس بما صنعت».(3)

وجه عدم الصراحة: أنّ دلالتها بالمفهوم أوّلاً، وأنّها لاتنفي نظرية التشريك ثانياً.

السابعة: خبر سعيد بن إسماعيل، عن أبيه، قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن


1 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 7.

2 . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث5.

3 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 14.


صفحه424

رجل تزوّج ببكر، أو ثيّب لايعلم أبوها ولا أحد من قراباتها ولكن تجعل المرأة وكيلاً فيزوّجها من غير علمهم؟ قال: «لايكون ذا».(1)

يلاحظ على الاستدلال: أنّ عدم الصحّة في الثيّب خلاف المتفق عليه أوّلاً، وأنّها لاتنفي نظرية التشريك ثانياً.

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه ولابنه أيضاً أن يزوّجها» فقلت: فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً؟ فقال:«الجدّ أولى بنكاحها».(2)

والرواية ليست في مقام بيان اعتبار عدم رضاها ولعلّها كانت راضية بكلا الزواجين فعند ذلك يقدّم نكاح الجدّ على الأب، فدلالتها على استبداد كلّ من الجدّ والأب ضعيفة.

ومنها: معتبرة الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا زوّج الرجل ابنه فذاك إلى ابنه وإذا زوّج الرجل الابنة جاز».(3)

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الرواية ليست صريحة في البلوغ مع الرشد ولعلّها تهدف إلى تزويج الصغير والصغيرة، ولو فرض لها الإطلاق بالنسبة إلى البالغة فتخرج بما دلّ على استقلالها أو لزوم تشريكها مع الأب فالابن الصغير له الخيار دون الابنة الصغيرة. والكلام في البالغة لا الصغيرة.


1 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 15.

2 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.

3 . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.


صفحه425

ومنها: صحيحة زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لاينقض النكاح إلاّ الأب».(1)

وروى مثله في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام).(2)

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الرواية تنفي استقلال البنت ، لانظرية التشريك وما في الحدائق، من أنّها لو كانت شريكة لما انحصر النقض في الأب مدفوع بأنّ الحصر نسبي في مقابل الأُمّ، وليس بمطلق حتّى يعمّ نفس البنت فلايجوز لها النقض إذا عقد الأب.

ومنها: خبر إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر وإذا كانت قد تزوّجت لم يزوّجها إلاّ برضا منها».(3)

يلاحظ على الاستدلال: ـ مع أنّ إبراهيم بن ميمون لم يوثّق ـ أنّ الجارية أعم من الصغيرة والكبيرة فلو دلّ دليل على استقلال الباكرة الرشيدة أو لزوم التشريك بينها وبين الوليّ، يقيّد إطلاقها.

وحاصل البحث في القسم الثاني من الروايات أنّها بين ما لاتنفي نظرية التشريك وما ليست بصريحة في البكر البالغة، بل أقصاها أنّ إطلاقها يعمّ الصغيرة والكبيرة البالغة فلو تمّت أدلّة استقلال الكبيرة أو اعتبار رضاها تخصص هذه الروايات بها.


1 . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 5.

3 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.


صفحه426

إلى هنا وقفت على أدلّة القول الأوّل، ولكنّها ـ مع تماميتها سنداً ودلالة ـ لايمكن الإفتاء بمضمونها لجهات:

الأُولى: أنّ مضمونها مخالف للكتاب والسنّة حيث إنّ الكتاب يعتبر في التجارة رضا المالك بها، ويقول: (إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراض) فكيف لايعتبر رضا البنت في نكاحها بعد ما كبرت وبلغت مبلغ النساء.

وأمّا السنّة، فقد تضافر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «رفع عن أُمّتي ما استكرهوا عليه» وقد وراه الصدوق بسند صحيح في باب التسع من كتاب الخصال.(1)

الثانية: كونها موافقة لفتوى مشاهير العامة، وقد عرفت أنّ مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق ذهبوا إليه. نعم ذكر في الحدائق ما هذا نصّه: إنّ مذهب العامة في الصدر الأوّل كانت على وجه يعسر ضبطه وتتعذّر الإحاطة به لما ذكره علماء الفريقين من أنّ مدار مذهبهم في الأعصار السابقة على من نصبه خلفاء الجور للقضاء، فترفع إليه الفتوى في جميع الأقطار، ولهذا قيل إنّ المعتمد في زمن هارون الرشيد على فتاوى أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة قالوا قد استقضاه الرشيد واعتنى به حتّى لم يُقَلّد في بلاد العراق والشام ومصر إلاّ من أشار إليه أبويوسف، وفي زمن المأمون على يحيى بن أكثم القاضي، وفي زمن المعتصم على أحمد بن أبي داود القاضي وهكذا.


1 . الخصال: 417 ح9، باب التسع.


صفحه427

والأئمّة الأربعة المشهورون الآن لم يكونوا في الزمن السابق إلاّ كغيرهم من المجتهدين الذين ليس لهم مزيد ذكر ولامذهب منتشر، والاجتماع على هؤلاء الأربعة إنّما وقع في حدود سنة خمس وستين وستمائة باصطلاح خليفة ذلك الوقت واستمرت إلى الآن وحينئذ فكيف يمكن الترجيح بالتقية والحال هذه.(1)

أقول: ما ذكره وإن كان متيناً في حدّ نفسه إلاّ أنّ القول باستقلال الأب كان رأي ابن أبي ليلى الذي تولّى القضاء بالكوفة وأقام حاكماً ثلاثاً وثلاثين سنة، وليَ لبني أُميّة ثمّ لبني العبّاس وتوفّي سنة (148هـ .ق) بالكوفة وهو باق على القضاء وكانت ولادته عام (74 هـ. ق)، فجعل أبو جعفر المنصور ابن أخيه مكانه، وعلى ذلك فيحتمل جدّاً صدور هذه الروايات تقية لكونه رأي ابن أبي ليلى وله مع محمّد بن مسلم الثقفي قصّة (2) ويظهر من إرجاع الإمام الصادق (عليه السلام) أبا كهمس إلى ابن أبي ليلى، أنّه كان القاضي المعروف في عصر الإمام الصادق (عليه السلام).(3)

أضف إلى ذلك، أنّ فتوى مالك أو الشافعي لم تكن فتوى ارتجالية مختصة بهما بل كان لفتواهما جذوراً بين التابعين بل الصحابة، فلا يضرّ عدم كون مالك أو الشافعي مرجعين للفتيا في عصر الإمام الصادق (عليه السلام). باحتمال التقية في الروايات المطابقة لفتاواهما.


1 . الحدائق:3/226.

2 . الكافي:5/215 ح 12، باب من يشتري الرقيق.

3 . روضات الجنات: 7/252ـ255.


صفحه428

 

القول الثاني: استبدادها بالتزويج

وقد استدلّ عليه ببعض الآيات التي لا دلالة لها أصلاً، منها قوله سبحانه: (فَإذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبيرٌ ) .(1)

ومنها: قوله سبحانه:(فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَِحلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوجاً غَيْره) .(2)

ومنها: قوله سبحانه:(فَإنْ طَلّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقيما حُدُودَ اللّهِ) .(3)

ومنها: قوله سبحانه: (وَ إِذا طَلّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) .(4)

أمّا الآية الأُولى فهي ناظرة إلى المتوفّى عنها زوجها وهي تكون غالباً مدخولة فليس إطلاقها في مقام البيان حتّى يعمّ غير المدخولة ويستفادَ منها استقلالها، مع أنّها لاتنفي شرطية إذن الأب، أضف إلى ذلك أنّ كلمة «بالمعروف» يخدش الإطلاق لأنّه من المحتمل أن يكون إذن الأب، من المعروف.

ويظهر ممّا ذكرنا عدم تمامية الاستدلال بسائر الآيات.


1 . البقرة: 234 .   

2 . البقرة: 230 .

3 . البقرة: 230 .  

4 . البقرة: 232.


صفحه429

وربّما يستدل بالروايات العامية وقد ذكرنا بعضها في صدر البحث.

منها: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): « الأيِّم أحقّ بنفسها من وليّها»(1) فقد استدل به على استقلالها ولكنّه لايخالف التشريك أخذاً بمفاد صيغة التفضيل، فلأجل ذلك لايصحّ عقد الوليّ إلاّ بإذنها.

منها قوله: «البكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها»(2). وهي لاتنافي التشريك بل تدلّ عليه.

ومنها:ما ورد من أنّ جارية بكراً جاءت إليه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: إنّ أبي زوّجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته وأنا له كارهة فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «اجيزي ما صنع أبوك»! فقالت: لارغبة لي فيما صنع إليّ! قال: «فاذهبي فانكحي من شئتِ» . فقالت: لارغبة لي عمّا صنع أبي، ولكنّي أردت أن أُعلم النساء أن ليس للآباء في أُمور بناتهم شيء.(3)

والحديث ظاهر في استقلالها، لكن يمكن حمله على التشريك حملاً بعيداً.

وقد استدل عليه بروايات مروية عن طرقنا أسدّها (صحيحة الفضلاء) الفضل بن يسار ومحمّد بن مسلم وزرارة وبريد بن معاوية كلّهم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولّى عليها تزويجها بغير ولي جائز».(4)


1 . صحيح مسلم: 4 / 141، باب تزويج الأب البكر.

2. صحيح مسلم: 4 / 141، باب تزويج الأب البكر.

3 . سنن ابن ماجة: 1 / 602، الحديث 1874 .

4 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.


صفحه430

كيفية الاستدلال هو أنّ الملاك