welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه441

الرسالة الحادي عشرة

رضاع الكبير


صفحه442

صفحه443

يجب على كلّ مؤمن بالله وكتابه العزيز ورسوله الكريم، أن يصون سنّة نبيه عمّا يشينها ويسيء إليها قطعاً، فإنّ السنّة هي مصدر التشريع الثاني بعد القرآن المجيد، فلو عزي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ما يضاد كتاب الله سبحانه، أو سنّته المتضافرة، أو ما يخالف حكم العقل الحصيف، أو ما لا ينسجم مع قضاء الفطرة السليمة، فردّه ورفضه ـ تنزيهاً لساحته (صلى الله عليه وآله وسلم)عن الأوهام ـ أولى وأفضل من قبوله وفرض صدقه ومحاولة تأويله وتصحيحه بأنواع الوجوه.

وقد ألّفنا في سالف الزمان كتاباً أسميناه بـ «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» ذكرنا فيه روايات أربعين صحابياً ربّما تخالف كتاب الله أو السنّة النبوية أو ما اتفق عليه المسلمون أو ما قضى به العقل الحصيف، وكان الغرض من تأليفه إراءة نموذج من تمحيص السنّة على ضوء الضوابط الّتي شرحناها في الكتاب.

إنّ المحدّثين قد كرّسوا أكثر جهودهم لتمييز أسانيد الأحاديث من حيث الصحة والضعف، وألّفوا في هذا المجال كتباً كثيرة، وخرجوا بنتائج باهرة، ولكنّهم لم يبذلوا في مجال دراسة المتون وعرضها على الضوابط القطعية ما يستحق من جهود ، ولو أنّهم قاموا بهذا العبء الثقيل لما أفتى الدكتور عزّت عطية ـ عميد كلية الحديث في الأزهر الشريف ـ بفتواه


صفحه444

المناقضة للأُصول المسلّمة عند المسلمين والّتي أثارت جدلاً عنيفاً في وسائل الإعلام ، حيث اعتمد الدكتور على حديث مذكور في أحد الصحيحين، وإليك دراسة الفتوى من جذورها.

***

الرضاع بعد الحولين

اتّفق الفقهاء إلاّ من شذّ على أنّ الرضاع يوجب الحرمة إذا وقع في ما دون الحولين من عمر الرضيع. قال ابن رشد: اتّفقوا على أنّ الرضاع يحرّم في الحولين، واختلفوا في رضاع الكبير .

فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وكافّة الفقهاء: لا يحرّم رضاع الكبير، وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنّه يحرّم وهو مذهب عائشة، ومذهب الجمهور هو مذهب ابن مسعود، وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وسائر أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).(1)

وقال الشيخ الطوسي: الرضاع إنّما ينشر الحرمة إذا كان المولود صغيراً، وأمّا إن كان كبيراً فلو ارتضع المدّة الطويلة لم ينشر الحرمة، وبه قال عمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وهو قول جميع الفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك وغيرهم، وقالت عائشة: رضاع الكبير يحرّم كما يحرّم رضاع الصغير، وبه قال أهل الظاهر.(2)


1 . بداية المجتهد: 4 / 265 .

2 . الخلاف: 5 / 98، المسألة 4 من كتاب الرضاع .


صفحه445

نعم ربّما يظهر منهم الخلاف في بعض المواضع، مثلاً قال الشافعي: إن وقع أربع رضعات في الحولين وخامسة بعدهما لم ينشر الحرمة، وبه قال أبو يوسف ومحمد (ابن الحسن الشيباني) وعن مالك روايات، المشهور منها حولان وشهر، فهو يقول: المدّة خمسة وعشرون شهراً، فخالف الباقين في شهرين، وقال أبو حنيفة: المدّة حولان ونصف: ثلاثون شهراً، وقال زفر: ثلاثة أحوال، ستة وثلاثون شهراً.(1)

واختلافهم في رضاع من جاوز الحولين بشهر أو شهور لا يضرّ اتفاقهم على عدم نشره الحرمة في الكبير المراهق أو دونه.

فالمتتبع لأقوال الفقهاء في مسألة الرضاع يذعن باتّفاقهم على أنّ الرضاع إنّما ينشر الحرمة إذا كان الرضيع صغيراً على نحو يؤثر الرضاع في شدّ عظمه وإنبات لحمه، ويعدّ اللبن له غذاءً يغني من جوعه. وأمّا إذا كبر وصار في سنٍّ (صبياً كان أو شاباً أو كهلاً)، بحيث لا يؤثر الرضاع في جوعه ولا في شبعه، فلا ينشر الحرمة.

وبعبارة أُخرى: الرضاع المحرِّم عبارة عن الرضاع الّذي يستغني به الرضيع عن الطعام في زمن خاص من حياته، وأمّا الكبير فالرضاع لا يشبعه ولا يسدَّ جوعته ولا يشدّ عظمَه ولا ينبت لحمَه، ولذلك تضافر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنّه لا رضاع بعد فطام».

قال ابن حجر في شرح الحديث النبوي: «فإنّما الرضاعة من المجاعة»:


1 . الخلاف: 5 / 99، المسألة 5 من كتاب الرضاع; الجامع للقرطبي: 3 / 162 و 5 / 109 .


صفحه446

«أي الرضاعة الّتي تثبت بها الحرمة، وتحلّ بها الخلوة هي حيث يكون الرضيع طفلاً لسدّ اللبن جوعته، لأنّ معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت بذلك لحمه فيصير كجزء من المرضعة فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنّه قال: لا رضاعة معتبرة إلاّ المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة، كقوله تعالى: (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوع). ومن شواهده حديث ابن مسعود: «لا رضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم». أخرجه أبو داود مرفوعاً وموقوفاً، وحديث أُمّ سلمة: «لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام». أخرجه الترمذي وصحّحه .(1)

وقال القرطبي في قوله: «فإنّما الرضاعة من المجاعة» تثبيت قاعدة كلية صريحة في اعتبار الرضاع في الزمن الّذي يستغني به الرضيع عن الطعام باللبن ويُعتضد بقوله تعالى: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)(2)، فإنّه يدلّ على أنّ هذه المدّة أقصى مدّة الرضاع المحتاج إليه عادة، المعتبر شرعاً.

ويشير العلمان: القرطبي وابن حجر إلى ما رواه البخاري عن مسروق، قال: قالت عائشة: دخل عليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله إنّه أخي من الرضاعة، قالت: فقال: «انظرن من اخوانكن من الرضاعة، فإنّما الرضاعة من المجاعة».(3)


1 . فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 9 / 146، في شرح الحديث رقم 5102 .

2 . البقرة: 233 .

3 . صحيح البخاري، برقم 5102، باب إنّما الرضاعة من المجاعة; ورقم 2647، من كتاب الشهادات ; صحيح مسلم، برقم 1455. (وفيه : انظرن اخوتكنّ) .


صفحه447

قال ابن حجر في شرح قوله: «انظرن من اخوانكن من الرضاعة» والمعنى: تأمّلن ما وقع من ذلك فهل هو رضاع صحيح بشرطه: من وقوعه في زمن الرضاعة، ومقدار الارتضاع فان الحكم الّذي ينشأ من الرضاع إنّما يكون إذا وقع الرضاع المشترط. قال المهلّب: انظرن ما سبب هذه الأخوّة فإنّ حرمة الرضاع إنّما هي في الصغر حتّى تسدّ الرضاعةُ المجاعةَ، وقال أبو عبيد: معناه إن الّذي جاع كان طعامه الّذي يشبعه، اللبن من الرضاع لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع.(1)

والحديث في الصحيحين يدلّ على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أتمّ الحجة على أُمّهات المؤمنين وعامة المسلمين بأنّ الرضاع المحرّم ليس بلا قيد ولا شرط، وإنّما هو مشروط بشروط أهمّها ارتضاع اللبن في صغر السنّ، الّذي يكون فيه اللبن هو الغذاء الرئيسي له .

وعلى ضوء ذلك تتضح قيمة الفتوى الّتي أفتى بها الدكتور عزت عطية، وهي أنّه يجوز للمرأة العاملة في الوظائف المختلطة أن ترضع زميلها في العمل حتّى تحرم عليه، وذلك لدفع حرج الخلوة.

ولمّا انتشر كلامه عبْر برنامج تلفزيوني مفتوح أوجد ضجّة في الأوساط العلمية والحقوقية، وصُبّت عليه القارعات، حتّى قال بعضهم: كيف يقول مسلم بهذا القول فضلاً عن عالم أو دكتور شرعي، ثم لو سلمنا أنّ الرضاع يؤثر في الكبير فكيف ترضعه هذه الزميلة هل تكشف عورتها المغلّظة لأجل ذلك؟! ومن يبيح لها هذا؟! ثم لو قلنا: إنّها تخرج الحليب من


1 . فتح الباري: 9 / 148 .


صفحه448

صدرها ثم تعطيه إياه فكيف يمكن أن نتأكد أنّ هذا الحليب منها لعلّها أتت به من الدكان، ثم إنّ الرضعة لابدّ أن تكون مشبعة فكم هي الكمية الّتي تشبع الكبير؟! وأي صدر يستطيع أن يروي الكبير حتّى يشبعه؟! ثم لابد أن تكون هذه الرضعات خمساً، فإذا كانت المرأة بكراً فكيف تأتي بالحليب؟ وإن كانت زوجة هل يأذن لها زوجها بذلك؟ وإن إذن فهل يجوز أن يؤخذ الحليب بهذه الكمية للزميل؟ ويحرم منه الرضيع؟ إلى أن قال: وأي دين هذا وأي تجاوز للثوابت هذا؟.(1)

وقال الدكتور سعد العنزي: إن هذه الفتوى بعيدة عن الواقع والشرع واعتبرها مفسدة كبيرة جدّاً وفهماً خاطئاً للنصوص الشرعية المتعلّقة بالرضاعة، موضّحاً أنّ القصد الأساسي للرضاعة هو الصغير وليس الكبير لإشباع الصغير وإنبات لحمه وعظمه وتنشئته وهو ما يتحقّق للصغير دون الكبير.(2)

وقال الدكتور بسام الشطي: إنّ الرضاع حكم تشريعي موجود في الإسلام، وقال: إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): بيّن أنّ الرضاع جاء لحماية الطفل الصغير دون السنتين لحاجته خلال هذه الفترة لحليب يقوي عظامه، لما كانوا يعانون من فقر وجوع مشيراً إلى أنّ حكم الرضاعة ينطبق على الطفل ومن يرضع معه دون السنتين، ولا يدخل في ذلك الكبار في السن.


1 . موقع منتدى القرآن الكريم في الكويت نقلاً عن الدكتور زين أُستاذ الشريعة والدراسات الإسلامية .

2 . نفس المصدر .


صفحه449

إلى غير ذلك من الكلمات المتشابهة تعدّ كلها ردّاً على الدكتور عزت عطية حتّى انتهى الأمر في مصر إلى احتدام جدل بين علماء الدين في مصر ونواب في البرلمان بعد فتوى الدكتور عزّت رئيس قسم الحديث بجامعة الازهر .

وقال عضو مجلس الشعب عن كتلة الإخوان المسلمين صبري خلف الله: إنّ نحو 50 نائباً في البرلمان تدارسوا هذا الموضوع مساء الأربعاء وأعربوا عن قلقهم من انتشار هذه الفتوى إعلامياً، واقترح بعضهم تقديم طلبات إحاطة لكنّهم اتّفقوا على إرجاء ذلك وإعطاء فرصة للأزهر والأعلام لوقف الخوض في الموضوع الّذي أثار حالة من اللغط الشديد في الشارع المصري خصوصاً في أماكن العمل التي تضم موظفين وموظفات وعندها قد يمتنعون عن طلبات الإحاطة منعاً لحدوث زوبعة برلمانية قد تساهم في تضخيم المسألة وتضر بالإسلام.(1)

مصدر فتوى الدكتور

كل ما ذكره الدكاترة صحيح لا غبار عليه ولكن كان عليهم إعذار الدكتور عزّت في فتواه الّتي أوجدت الضجة بين علماء الدين والحقوقيين، فإنّه ـ سامحه الله ـ ما أفتى بلا دليل وإنّما اعتمد في فتواه على أصحّ الكتب وأمتنها كصحيح مسلم .

حيث روى مسلم في صحيحه عن القاسم عن عائشة أنّ سالماً مولى


1 . العربية نت، بقلم فراج إسماعيل .


صفحه450

أبي حذيفة، كان مع أبي حذيفة، وأهله في بيتهم فأتت (تعني ابنة سهيل زوجة أبي حذيفة) النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: إنّ سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا وإنّه يدخل علينا وإنّي أظنّ أنّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً، فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الّذي في نفس أبي حذيفة، فرجعت، فقالت: إنّي أرضعته فذهب الّذي في نفس أبي حذيفة.

وروى أيضاً عن زينب بنت أبي سلمة تقول: سمعت أُمّ سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تقول لعائشة: والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة، فقالت: لمَ؟ قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: يا رسول الله والله إنّي لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، قالت: فقال رسول الله، أرضعيه، فقالت: إنّه ذو لحية، فقال: أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة.(1)

فإذا كان هذا مصدر فتوى الدكتور، فلا لوم عليه إذا أفتى وفق أصحّ الكتب وأتقنها .

نقد الحديث

إنّ حديث إرضاع الكبير مهما تواصلت أسانيده وتضافر نقلها في الصحيحين وغيرهما لا يمكن تصديقه وعزوه إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لما فيه من المعضلات والعويصات وذلك:

أوّلاً: أنّ سهلة زوجة أبي حذيفة ـ حسب ما في الرواية ـ استشعرت


1 . صحيح مسلم، برقم 1453، باب رضاعة الكبير.


صفحه451

بفطرتها أنّ الرضاع المحرم أو المجوز للخلوة هو إرضاع الصغير لا الكبير الملتحي ولذلك قالت للنبي: «إنّه ذو لحية» وفي نقل آخر: «وهو رجل كبير» أفيصح بعد هذا أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بإرضاعه قائلاً: «أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة»؟!

ثانياً: أنّ الإرضاع المحرم عبارة عن التقام الثدي ومصه خمس رضعات كاملات أو عشرة كذلك، والثدي من العورات المغلظة الّتي تثير الشاب وتُهيّج شهوته، فهل يعقل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يأمر بالفحشاء: (قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(1) .

إنّ العلماء اختلفوا في اتخاذ الحلال ذريعة إلى الحرام، فمنهم من أوجب سدها، ومنهم من جوزها قائلاً بفتح الذرائع، ولكن المورد على عكس ذلك وهو اتخاذ الأمر الحرام أي لمس ثدي المرأة ذريعة لجواز الخلوة. ولم يقل به أحد .

ثالثاً: كيف يعقل أن يناقض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله لعائشة ـ عندما رأى حضور رجل عندها «فإنّما الرضاعة من المجاعة» بقوله الآخر مخاطباً زوجة أبي حذيفة: «ارضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة».

إنّ هذه الوجوه الثلاثة وغيرها ممّا يظهر لمن درس الموضوع بدقة وامعان تثبت بوضوح انّ إرضاع الكبير لا يؤثر لا في حرمة النكاح ولا في حلّية الخلوة، وانّ قصة سهلة زوجة أبي حذيفة وإرضاعها سالماً ـ وقد شبّ


1 . الأعراف: 28 .


صفحه452

وكبر ـ موضوعة ليست لها مسحة من الحق ولا لمسة من الصدق.

هذا، وقد روى مالك في موطئه وغيره عن أُمهات المؤمنين، أنّ إجازة النبي كانت رخصة خاصة في رضاعة سالم حيث قال: وأبى سائر أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يدخل عليهنّ بتلك الرضاعة أحد من الناس، وقلن: والله ما نرى الّذي أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سهلة بنت سهيل إلاّ رخصة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في رضاعة سالم وحده. لا والله لايدخل علينا بهذه الرضاعة أحدٌ.(1)

أقول: إنّ ما عُزي إلى أُمهات المؤمنين كأصل القصة مورد شك وترديد، إذ كيف خفي عليهن أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليس مشرِّعاً ولا محلّلاً لما حرمه الله وإنّما هو صادع بالشرع مبين للحلال والحرام دون أن يتصرف فيما أنزله الله عليه؟ وكيف يأمر سهلة بكشف عورتها المغلظة لإرضاع الكبير لغاية أمر مباح وهو حلية الخلوة؟

فرفض القصة من أصلها والعذر الّذي نقل عنهن، أولى وأفضل من قبولها وتوجيهها بأنّه رخصة خاصة.

نعم عزي إلى عائشة أنّها كانت تأمر أُختها أُمّ كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أخيها أن يرضعن من أحببت أن يدخل عليها من الرجال..(2)

ولكن صيانة كرامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأزواجه، تصدّنا عن الخضوع لهذه الرواية وتصديقها، وقد سمعت عن زوجها (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «الرضاعة من


1 و 2. موطأ مالك: 2 / 605 ـ 606، باب ما جاء في الرضاعة من الكبير. ويأتي نحوه في سنن ابن ماجة: 1 / 625، باب رضاعة الكبير; سنن النسائي: 6 / 104، باب رضاع الكبير; سنن البيهقي: 7 / 459، باب رضاع الكبير.


صفحه453

المجاعة» وشاهدت أثر الغضب في وجهه عندما رأى حضور رجل عندها دون أن تكتسب الرضاعة شروطها الّتي منها وقوع الرضاع في أيام الصغر.

إنّني أدعو مرة أُخرى إلى دراسة متون الروايات دراسة موضوعية معمّقة، لنبذ ما اشتملت عليه السُّنّة من روايات تعارض السنّة القطعية، وتسيء إلى كرامة الدين الحنيف ونبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذا السبيل أولى وأفضل من الخضوع لها بحجة ورودها في الصحاح المعتبرة.


صفحه454

صفحه455

حكم السمك إذا مات في الشبكة   

الرسالة الثانية عشرة

حكم السمك

إذا مات في الشبكة


صفحه456

صفحه457

سألني بعض السادة من الأفاضل (1) العظام ـ حفظهم الله ورعاهم ـ عن حكم السمك الّذي مات في الشبكة وهي في الماء، وأنّ المسألة ممّا يبتلى بها في إيران وخارجها خصوصاً في البلاد الغربية حيث إنّ الاسماك الّتي تباع في الأسواق غير معلومة أنّها ماتت خارج الماء أو ماتت في الشبكة داخل الماء .

أقول: في المقام مسائل ثلاث:

1. السمك الطافي، وهو المأخوذ من الماء ميتاً أو يلقيه البحر كذلك، وهو حرام بلا إشكال .

روى الشيخ في «التهذيب» بسند صحيح عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: وسألته عمّا يؤخذ من السمك طافياً على الماء، أو يلقيه البحر ميتاً، آكله؟ قال: «لا». (2)

2. إذا صِيدَ السمك حيّاً ثم جُعل في شيء وأُعيد إلى الماء فيموت فيه، وهو حرام كما سيوافيك دليله.

3. إذا دخل السمك الحيُّ في الشبكة ومات فيها قبل إخراجه من
الماء. وهذه هي مسألتنا، وهي معنونة في كتب القدماء والمتأخّرين فقد


1 . العلاّمة الحجة السيد علي قاضي عسكر دامت إفاضاته .

2 . الوسائل: 24، الباب 33 من أبواب الذبائح، الحديث 3، ولاحظ الحديث 4 و 5 وغيرهما.


صفحه458

ذهب الشيخ في النهاية (1)، وابن حمزة في الوسيلة (2)، والحلي في
السرائر (3) من القدماء، وصاحب الرياض(4) وصاحب الجواهر (5) من المتأخّرين إلى الحرمة، فقالوا بحرمة ما مات في الماء ولو في الآلة.

وذهب ابن أبي عقيل (6)، والسبزواري في الكفاية (7)، والمحقّق الأردبيلي(8) إلى الحلّية وقالوا مقتضى أخبار الشبكة والحظيرة حلّية ما مات فيها ولو في الماء أيضاً. والقولان ناشئان من اختلاف الأخبار.

وممّن ذهب إلى الحلّية من المتأخّرين السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره)قال: إذا وضعت شبكة في الماء فدخل فيها السمك ثم أخرجها من الماء ووجد ما فيها ميتاً كلّه أو بعضه، فالظاهر حلّيته .(9)

وأمّا السيد الأُستاذ (قدس سره)فالأحوط عنده هو الحرمة ، قال:

لو نصب شبكة أو صنع حظيرة في الماء لاصطياد السمك فكلّ ما وقع واحتبس فيهما ملكه، فإن أخرج ما فيهما من الماء حياً حلّ بلا إشكال، وكذا لو نضب الماء وغار ولو بسبب جزره فمات فيهما بعد نضوبه، وأمّا لو مات في الماء فهل هو حلال أم لا؟ قولان أشهرهما وأحوطهما الثاني، بل لا يخلو


1 . النهاية: 579 . 

2 . الوسيلة: 355 .

3 . السرائر: 3 / 90 .

4 . الرياض: 2 / 278 .

5 . الجواهر: 36 / 168 ـ 170.   

6 . المختلف: 8 / 263 .

7 . كفاية الأحكام: 248 .

8 . مجمع الفائدة: 11 / 144 .

9 . منهاج الصالحين: 2 / 333 .


صفحه459

من قوة، ولو أخرج الشبكة من الماء فوجد بعض ما فيها أو كله ميتاً ولم يعلم أنّه قد مات في الماء أو بعد خروجه فالأحوط الاجتناب عنه .(1)

أدلّة القائلين بالحرمة

استدلّ على القول بالحرمة بروايات صحاح وهي:

1. ما رواه الشيخ في «التهذيب» بسند صحيح عن ابن مسكان، عن عبد المؤمن (2) قال: أمرت رجلاً أن يسأل لي أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل صاد سمكاً وهن أحياء ثم أخرجهن بعدما مات بعضهن؟ فقال: «فلا تأكله فإنّه مات فيما كانت فيه حياته». (3)

2. صحيحة عبد الرحمن بن سيابة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن السمك يُصاد ثم يجعل في شيء ثم يعاد في الماء فيموت فيه؟ فقال: «لا تأكله لأنّه مات في الّذي فيه حياته» .(4)

والروايتان تشتركان في العلّة المنصوصة في التحريم وهو قوله: «لأنّه مات في الماء، الّذي فيه حياته».

3. صحيحة أبي أيوب الخزاز: انّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل اصطاد


1 . تحرير الوسيلة: 2 / 144 .

2 . عبد المؤمن مشترك بين جماعة ثقة وغيرها، فإن روى عنه ابن مسكان فهو عبدالمؤمن ابن القاسم الثقة، وبما أنّ الرواي عنه هنا هو عبدالله بن مسكان فإذن هو الثقة فتكون الرواية صحيحة وان عبر عنها في الجواهر بالخبر (الجواهر: 36 / 168).

3 . الوسائل: 24، الباب 35 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

4 . الوسائل: 24، الباب 33 من أبواب الذبائح، الحديث 2 .


صفحه460

سمكة فربطها بخيط، وأرسلها إلى الماء فماتت فيه أتؤكل، فقال (عليه السلام): «لا» .(1)

4. ويؤيد الحرمة إطلاق ما دلّ على حرمة ما مات من السمك في الماء من دون تقييد بصورة عدم الأخذ والإخراج.

أقول: لا غبار في دلالة الصحيحة الأُولى على المقصود، وأمّا الصحيحتان الثانية والثالثة، فموردهما هو المسألة الثانية الّتي أوعزنا إليها في صدر البحث، أعني: السمك الّذي صيد حيّاً ثم أُطلق ثم مات فأُخرج ميتاً،(2)وأين هو ممّا نحن فيه حيث كان حيّاً في الماء ومات في الشبكة لدى الخروج الأوّل .

وأمّا الاستدلال بإطلاق ما دلّ على حرمة ما مات من السمك في الماء من دون تقييد بصورة عدم الأخذ والإخراج، فإنّما يحتج به إذا لم يكن دليل في المقام على حلية ما مات في الشبكة عند الإخراج.

وما ربما يقال من دلالة فحوى ما دلّ على حرمة ما صيد حيّاً ثم أُعيد في الماء فمات فيه، (3) غير تام، إذ لا أولوية في المقام حتّى يكون من باب القياس الأولوي، فلا ملازمة بينهما في الحرمة.

فتعيّن أنّ الدليل الوحيد هو صحيحة عبدالمؤمن، وسيوافيك الكلام فيها.


1 . نفس المصدر: الحديث 1 .

2 . كما يفعله بعض الصيادين للاحتفاظ بما اصطاده أوّل النهار إلى آخره لئلاّ يتطرّق إليه الفساد .

3 . مستند الشيعة: 15 / 464 .


صفحه461

أدلّة القائلين بالحلّية

استدلّ القائلون بالحلية بصحاح من الروايات :

1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل نصب شبكة في الماء ثم رجع إلى بيته، وتركها منصوبة، فأتاها بعد ذلك وقد وقع فيها سمك فيموتن، فقال: «ما عملت يده فلا بأس بأكل ما وقع فيها». (1)

2. ما رواه الحلبي قال: سألته (عليه السلام)عن الحظيرة من القصب تجعل في الماء للحيتان، فيدخل فيها الحيتان، فيموت بعضها فيها؟ فقال (عليه السلام): «لا بأس به، ان تلك الحظيرة إنّما جعلت ليصاد بها» .(2)

والروايتان صحيحتان، والتعليل الوارد فيهما كأنّه يشير إلى أنّ الموت في الحظيرة أو الشبكة المنصوبة غير الموت في الماء.

3. موثقة مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سمعت أبي (عليه السلام)يقول: «إذا ضرب صاحب الشبكة بالشبكة، فما أصاب فيها من حي أوميت فهو حلال، ما خلا ما ليس له قشر، ولا يؤكل الطافي من السمك» .(3)

4. صحيحة عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الحظيرة من القصب تجعل للحيتان في الماء فيدخلها الحيتان فيموت بعضها فيها؟


1 . الوسائل: 24، الباب 35 من أبواب الذبائح، الحديث 2 .

2 . الوسائل: 24، الباب 35 من أبواب الذبائح، الحديث 3.

3 . الوسائل: 24، الباب 35 من أبواب الذبائح، الحديث 4.


صفحه462

قال (عليه السلام): «لا بأس ».(1)

5. ما رواه عبدالله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)قال: سألته عن الصيد نحبسه، فيموت في مصيدته، أيحل أكله؟ قال: «إذا كان محبوساً فكله، فلا بأس». (2)

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الترجيح مع القول بالحلّية لوجوه:

1. قلّة ما يدلّ على الحرمة، وقد عرفت أنّ الدليل الوحيد هو صحيحة عبد المؤمن، وأمّا غيرها فيتعلّق بمسألة أُخرى، أعني: ما إذا صيد حيّاً ثم جعل في شيء وأدخل في الماء ثم مات فيه .

وفي مقابله كثرة ما دل على الحلية وفيها صحاح وغيرها.

2. قوة دلالة الروايات الدالة على الحلية مع ذكرها للعلّة. وعلى ذلك فيمكن أن تحمل صحيحة عبد المؤمن على التنزيه والكراهة، كما هو الرائج في الجمع بين ما يدلّ على المنع وما يدلّ على الترخيص.

3. كثرة الابتلاء بالمسألة إذ قلّما يتّفق في الشباك الكبيرة خروج جميع الأسماك حيةً، فربّما يوجد بينها أسماك ميتة نتيجة الضغط الشديد، فلو كان الحكم الشرعي هو الحرمة يجب أن تتضافر عليه الروايات.

وأمّا ترجيح دليل الحرمة باشتهار الحرمة بين القدماء فغير تام، فإنّ من أفتى بالحرمة من القدماء هو الشيخ وتبعه ابن حمزة والحلي فقط وخالفهم


1 . نفس المصدر: الحديث 5 .

2 . نفس المصدر: الحديث 6 .


صفحه463

ابن أبي عقيل، وأين هو من الشهرة بين القدماء؟! وقد عرفت اشتهار القول بالحلّية بين المتأخّرين. وعلى فرض التسليم فهي معارضة لما هو المشهور بين أصحاب الأئمة(عليهم السلام)كمحمد بن مسلم والحلبي وعبد الله بن سنان وغيرهم الذين هم بطانة علوم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)حسب ما روي عنهم كما عرفت.

فالقول بالحلّية هو الظاهر من الروايات وهو الأقوى .

Website Security Test