welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه362

 

الأمر السابع:

لو كان التالف المبيع بالعقد الفاسد، قيمياً

إذا كان التالف المبيع بالعقد الفاسد قيمياً فهناك بحوث ستة:

البحث الأوّل: ضمان التالف القيمي بالقيمة

اتفق الفقهاء ـ إلاّ من شذ ـ على أنّ التالف القيمي يُضمن بالقيمة، وتدل عليه الاخبار الكثيرة المتفرقة في كثير من القيميات، هذا ما ذكره الشيخ ولم يذكر من الروايات شيئاً، ويمكن أن يستدل عليه ببعض الروايات الواردة في تقويم العبد المشترك إذا باع أحد الشريكين حصته حيث تقوّم الحصة الأُخرى على من باعه، نظير:

1. روى محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «من كان شريكاً في عبد أو أمة قليلاً أو كثيراً فاعتق حصته وله سعة فليشتره من صاحبه فيعتقه كله، وإن لم تكن له سعة من مال نُظر في قيمته يوم اعتق منه ما اُعتق ثم يسعى العبد بحساب ما بقي حتّى يُعتق»(1)، والرواية صحيحة لا حسنة، فإنّ إبراهيم بن هاشم من أعلى الثقات وإن لم يوصف بكونه ثقة.

2. روى السكوني قال: سُئل أمير المؤمنين(عليه السلام) عن سُفرة وجدت في


1 . الوسائل:16، الباب18 من أبواب العتق. الحديث3، ولاحظ بقية الأحاديث في هذا الباب.


صفحه363

الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وبيضها وجبنها وفيها سكين فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «يقوّم ما فيها ويؤكل لأنّه يفسد وليس له بقاء فإن جاء طالبها غرموا له الثمن». قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال: «هم في سعة حتّى يعلموا».(1)

امّا إذا لم يكن للتالف مثل فلا شك أنّه يُضمن بالقيمة للارتكاز المسلّم بين العقلاء، وقد مرّ أنّ كيفية الخروج عن الضمان أمر عقلائي.

إنّما الكلام فيما إذا كان قيمياً لكن وُجد له المثل، فهل يجب على الضامن دفع المثل كما فيمن أتلف عبداً من شخص باعه عبداً موصوفاً بصفات ذلك العبد بعينه كما مثل به الشيخ، ويمكن التمثيل بما لو كان له فرسان توأمان باعهما لشخص آخر بعقدين أحدهما فاسد و الآخر صحيح، وقد تلف المأخوذ بالعقد الفاسد، فهل يجب عليه دفع الفرس الآخر الّذي عنده مع كون الفرس قيمياً؟ وهل يجوز للمضمون له رفض القيمة وطلب المثل أو لا؟

الظاهر يجب على القابض دفع المثل كما يجوز للمالك طلبه ورفض القيمة وذلك لما عرفت من انّ الثابت في الذمة هو نفس العين التالفة المضمونة بصفات نوعها وصنفها وشخصها وماليتها، فإذا لم يتمكن من تدارك الصفات ـ بأجمعها ـ تبقى المالية في ذمته وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ بقوله: لأنّ خصوصيات الحقائق قد تقصد،(2) مضافاً إلى أنّ العرف يساعد على ذلك.


1 . الوسائل:2، الباب50 من أبواب النجاسات، الحديث11.  

2 . المتاجر:109، طبعة تبريز.


صفحه364

ويؤيد ذلك ما رواه البيهقي في المقام.

روى البيهقي عن أنس أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أُمّهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت (بعض نسائه) بيده فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول والقصعة حتّى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة.

وفي رواية أُخرى عن عائشة: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية بعثتْ إلى رسول اللّه باناء فيه طعام فضربته بيدي فكسرته، فقلت يا رسول اللّه: ما كفارة هذا؟ قال: «إناء مكان إناء وطعام مكان طعام».(1)

وجه الاستدلال بأنّ الأواني من قبيل القيميات مع أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دفع قصعة صحيحة مكان المكسورة، وهذا يشهد على أنّه إذا كان للقيمي مِثلٌ يقدّم المثل على القيمة، ولذلك نرى أنّ صاحب الجواهر يقول في كتاب القرض: الانصاف عدم خلو القول به من قوة.(2)

والظاهر أنّ الحكم لا يختص بكتاب القرض بل يعم عامة الضمانات.

وجهه انّ أبواب الضمانات والغرامات من الأُمور العرفية، وكيفية الخروج منها ترجع إليهم، وليس للشارع فيها طريقة خاصة، فطريقته هي طريقة العقلاء، وقد مرّ أنّ العرف يساعد على جواز مطالبة المضمون له المثلَ الموجودَ من الضامن.


1 . السنن الكبرى:6/96.

2 . جواهر الكلام:25/20.


صفحه365

 

البحث الثاني: ما هو الملاك في تعيين القيمة؟

قد عرفت انّه إذا لم يكن للقيمي مثل فلا طريق إلى الخروج عن الضمان إلاّ بأداء القيمة، إنّما المهم هو بيان ما هو الملاك لتعيين هذه القيمة، فهناك احتمالات وقد مرت عند البحث في تعذر المثل، فهل الملاك هو قيمة يوم الضمان أو يوم التلف أو يوم المطالبة أو يوم الأداء، أو أعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف، أو أعلاها من يوم القبض إلى يوم الأداء، أو أعلاها من يوم التلف إلى يوم الأداء، وجوه واحتمالات.

أمّا الاحتمالات الثلاثة الأخيرة ـ أعني أعلى القيم ـ فساقطة جدّاً لما عرفت من أنّ المضمون هو نفس العين إلى يوم الأداء فلا وجه بتعيّن أعلى القيم بصوره الثلاثة، إذ ليست القيمة مضمونة حتّى يضمن أعلاها، فبقي الكلام في الاحتمالات الأربعة الأُول: يوم الأداء ، يوم الضمان، يوم التلف، ويوم المطالبة. والأوّل مقتضى القاعدة، والثاني هو المستظهر من صحيحة أبي ولاّد، والثالث والرابع مبنيان على انقلاب العين إلى القيمة في أحد ذينك اليومين، والأَولى دراسة المسألة في مقامين:

الأوّل: مقتضى القاعدة.

الثاني: مقتضى صحيحة أبي ولاّد .

ثم نعرّج إلى القول باعلى القيم.


صفحه366

 

1. مقتضى القاعدة: قيمة يوم الأداء

فنقول: إنّ مقتضى القاعدة كما في المثلي المتعذر مثله، هو تعيّن يوم الأداء، وذلك لما عرفت من أنّ المرتكز في الأذهان أنّ المشتري ضامن للعين فهو مسؤول بالنسبة إليها ومتعهد بها إلى اليوم الّذي يتّفق فيه الطرفان على كيفية الخروج بدفع القيمة وهو يوم الأداء، ففي هذه الصورة لا يجد البائع مناصاً من أن يغض النظر عن الصفات النوعية والصنفية والشخصية ويقتصر على المالية، وعندئذ يحصل التراضي بحلول القيمة محل العين، وتدارك الخسارة المالية بالقيمة، فمقتضى كون العين بماليتها على عهدة المشتري تعيّن قيمة يوم الأداء.

ثمّ إنّي بعدما ذكرت ذلك وقفت على كلام للسيد الأُستاذ (قدس سره) ـ لا في المقام ـ حيث يستدل على أنّ الملاك يوم الأداء بقوله:

إنّ العين في المضمونات على العهدة، إمّا بشخصيتها ، أو بمطلق خصوصياتها، أو بخصوصياتها الدخيلة في الغرامات، أو قلنا بأنّ المثل على العهدة حتّى في القيميات، لما قلنا بأنّ العهدة إذا اشتغلت بالعين أو المثل لابدّ من الخروج عنها وهو بأداء قيمة يوم الأداء، فإنّها نحو أداء لهما، وأمّا أداء قيمة الأيام السالفة أو المستقبلة فلا يُعدّ أداءً إذا نقصت القيمة عن يوم الأداء، وأداءً وزيادةً إذا زادت.(1)

وقد سبقه إلى اختيار تلك النظرية فقيه عصره السيد الطباطبائي في


1 . كتاب البيع:1/593.


صفحه367

تعليقته على المتاجر وقال: انّ نفس العين باقية في الذمة والعهدة، وبحسب الخروج عن عهدتها، لكن لما لم يمكن ردّ نفسها، وجب دفع عوضها وبدلها فهي بنفسها باقية في العهدة إلى حين الأداء، واعطاء البدل إنّما هو من باب الوفاء، كما إذا كان له عليه منّ من الحنطة ولم يمكنه أداؤه فإنّ الذمة مشغولة بالحنطة حتّى حين التعذر، ودفع البدل من باب الوفاء بغير الجنس ولا ينتقل إلى البدل من حين التعذر.(1)

هذا هو مقتضى القاعدة الأوّلية فإن دلّ شيء على خلافه نأخذ به وإلاّ فهو المحكّم.

2. مقتضى صحيحة أبي ولاّد

وقد استُدّل على انّ الواجب هو قيمة يوم الضمان بصحيحة أبي ولاّد الحنّاط، وإليك نصّها بطولها، قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي، فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل، فتوجهت نحو النيل، فلمّا أتيت النيل خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى بغداد، فاتبعته وظفرت به، وفرغت ممّا بيني وبينه، ورجعنا إلى الكوفة.

وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فأخبرت صاحب البغل بعذري، وأردت أن أتحلّل منه ممّا صنعت وأرضيه، فبذلت له خمسة عشر درهماً، فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصّة، وأخبره الرجل.


1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:96.


صفحه368

فقال لي: وما صنعت بالبغل؟

فقلت: قد دفعته إليه سليماً.

قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً.

قال: فما تريد من الرجل؟

فقال: أُريد كراء بغلي، فقد حبسه عليّ خمسة عشر يوماً.

فقال: ما أرى لك حقّاً; لأنّه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة، فخالف وركبه إلى النيل، وإلى بغداد، فضمن قيمة البغل، وسقط الكراء، فلمّا ردّ البغل سليماً وقبضتَه لم يلزمه الكراء.

قال: فخرجنا من عنده، وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحلّلت منه، فحججت تلك السنة، فأخبرت أبا عبد اللّه(عليه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة.

فقال(عليه السلام): «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركتها».

قال: فقلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): فما ترى أنت؟

فقال: «أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفّيه إيّاه».

قال فقلت: جعلت فداك، قد علفته بدراهم، فلي عليه علفه؟


صفحه369

فقال: «لا; لأنّك غاصب».

قال فقلت: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟

قال: «نعم، قيمة بغل يوم خالفته».

قلت: فإن أصاب البغل كسر، أو دبر، أو غمز؟

فقال: «عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه».

فقلت: من يعرف ذلك؟

قال: «أنت وهو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا فيلزمك».

فقلت: إنّي كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحلّلني.

فقال: «إنّما رضي بها وحلّلك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم، ولكن إرجع إليه فأخبره بما أفتيتك به، فإن جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك».

قال أبو ولاّد: فلمّا انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري، فأخبرته بما أفتاني به أبو عبد اللّه، وقلت له: ما شئت حتّى أعطيكه؟

فقال: قد حبّبت إليّ جعفر بن محمّد(عليه السلام)، ووقع في قلبي له التفضيل، وأنت في حلّ، وإن أحببت أن أردّ عليك الذي أخذته منك، فعلت.(1)


1 . الوسائل:13، الباب 7 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث1.


صفحه370

 

توضيح مفاد الصحيحة

إنّ صحيحة أبي ولاّد ـ قبل الخوض في الاستدلال بها ـ تحتاج إلى دراستها سنداً ومتناً ، فنقول: أمّا السند فلا غبار عليه لأنّ كلّ من ورد في السند ثقة بلا كلام وامّا أبو ولاّد فهو حفص بن سالم الثقة، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن(عليهما السلام)، وربما يشك في وثاقته بأنّه خالف ما اتفق عليه كما ورد في الرواية.

لكن هذا العمل وإن كان على خلاف الاتفاق إلاّ أنّه من المحتمل كان عالماً برضا المالك إذا دفع له أُجرة التأخير.

ثمّ إن استرضاءه صاحب البغل مع أنّ القاضي قضى لصالحه دليل على احتياطه وتقواه، كما أنّ سؤاله الإمام الصادق(عليه السلام) عن المسألة ورجوعه إلى صاحب البغل ليوقفه على فتوى الإمام الصادق (عليه السلام)كاشف عن كون الرجل متقياً محتاطاً.

هذا كلّه حول السند، وأمّا المتن، فلابدّ من النظر فيه من جهات:

الأُولى: إنّ البغل جاء منكّراً في موردين حسب نقل صاحب الوسائل ومرآة العقول كما يلي:

أ. أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل.

ب. نعم قيمة بغل يوم خالفته.

ولكن نقل في سائر الموارد معرّفاً.


صفحه371

وأمّا الكافي(1) والوافي(2) والتهذيب(3) فقد نقلوا الجميع معرّفاً باللام.

الثانية: تفسير مفردات الرواية.

النيل: نهر بمصر ونهر بالكوفة، وحكى الأزهري قال: رأيت في سواد الكوفة قرية يقال لها النيل.(4)

العطب: هو الموت، وامّا النفق فلعلّه عطف تفسير، فيكون المراد هو الموت والهلاك، وربما يفسّر بالكسر وهو غير جيد لأنّه سأل عنه مستقلاً بقوله: فإن أصاب البغل كسرٌ، وبذلك يعلم أنّ الصحيح: ونفق مكان (أو نفق).

الدبر: ـ بالفتح ـ الجراحة تحدث من الرحل وغيره.

الغمز: يقال غمزت الدابة مالت من رجلها.

الثالثة: إنّ فتوى أبي حنيفة على براءة الغاصب مبنية على تفسير الحديث النبوي «الخراج بالضمان» بمطلق الضمان ولو كان غاصباً، وقد عرفت أنّ المراد من الضمان هناك هو الملك لا الضمان المصطلح، فمن ملك شيئاً فخراجه له ـ لماذا؟ ـ لأجل ما دفع من الثمن، «فمن عليه الغرم فله الغنم»، ولا صلة للحديث بضمان الغاصب واستغلاله.

والظاهر انّ أبا حنيفة حمل «الضمان» في الحديث على الضمان بمعنى الاسم المصدري أي كون المال في العهدة، وأنّ مطلق دخول الشيء في


1 . الكافي:5/290.

2 . الوافي:10/26.

3 . التهذيب:7/215 برقم 943.

4 . لسان العرب: 11 / 686، مادة «نيل».


صفحه372

العهدة مقتض لاستحقاق منافعه، ويكون معنى الحديث: إنّ ما يحصل من العين من النماء والمنفعة بدل لضمان العين وإن كان الضمان بغير اختيار واقدام بل بحكم الشارع بمقتضى شمول حديث «على اليد» ولكن الظاهر انّ الضمان بمعناه المصدري وهو التعهد الاختياري، وإن شئت قلت: الضمان المعاوضي فإنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي ملكية المنافع والنماء بدلاً عن الضمان المعاوضي ببذل العوض، فإنّ الغرض المهم للمتعهد بذلك، كون المنافع والنماء له مجاناً. والحديث يختص بالضمان المعاوضي ولا صلة له بالضمان غير الاختياري إذ لا مناسبة بين كون المنافع له وكون العين في العهدة من غير اختيار.(1)

إذا علمت ذلك، فإنّ موضع الاستدلال في الرواية، هو المقاطع الثلاثة التالية:

1. «نعم قيمة بغل يوم خالفته».

2. «عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده عليه».

3. «يشهدون أنّ قيمة البغل حين أكتري كذا وكذا فيلزمك».

فظاهر العبارة الأُولى انّ الملاك قيمة يوم المخالفة.

وظاهر العبارة الثانية انّ الملاك في تعيين الأرش قيمة يوم الردّ على المالك.

وظاهر العبارة الثالثة انّ الملاك عند الاختلاف قيمة يوم الاكتراء.


1 . بلغة الفقيه:1/74.


صفحه373

فالجمع بين هذه المضامين الثلاثة أمر يحتاج إلى التدقيق، وقد أفاض الفقهاء المتأخرون الكلام في تبيين مفاد الصحيحة.

الفقرة الأُولى والملاك يوم الضمان

فلنرجع إلى دراسة الفقرة الأُولى: أعني قوله: «نعم قيمة بغل يوم خالفته» فقد ذكر الشيخ في تعلق الظرف ـ أعني قوله: «يوم خالفته» ـ وجوهاً ثلاثة:

الأوّل: جعل اليوم قيداً للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل، بمعنى انّ لفظ «القيمة»لما كان جامداً غير قابل لتعلق الظرف به فإذا أُضيف إلى البغل، يوجد فيه شائبة الحدثية فيخرج عن كونه جامداً. فيكون معناه أنّ الثابت في ذمتك هو قيمة المغصوب (بغل) يوم المخالفة.

الثاني: جعل «اليوم » قيداً للقيمة باعتبار إضافة القيمة إليه ثانياً بعد
ما أُضيف إلى البغل أوّلاً، فيكون معنى العبارة: «قيمة بغل قيمة يوم
المخالفة».

ولا يخفى بُعده إذ المضاف إلى شيء لا يضاف إلى شيء آخر.

وعلى كلّ تقدير: فالاستدلال على انّ الملاك هو قيمة يوم المخالفة مبني على كون الظرف أعني «يوم خالفته» متعلقاً بالقيمة بأحد الوجهين.

الثالث: تعلق الظرف (يوم) بقوله: «نعم» القائم مقام قوله(عليه السلام): «يلزمك». حيث قال السائل: قلت أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال:


صفحه374

«نعم، يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل»، وعلى هذا فإنّما يدلّ على ضمان يوم المخالفة، بقيمة البغل.

وامّا انّه يضمن قيمة ذلك اليوم فلا يدلّ عليه. وبعبارة أُخرى الإمام بصدد بيان انّ الغاصب يضمن ما حدث يوم المخالفة ولا يضمن ما حدث قبله.

وضعّفه الشيخ بقوله: إنّ غرض السائل هو العلم بما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة، والتفسير المزبور لا يكفي جواباً له وإنّما يدلّ على ما هو عالم به من أنّ زمان المخالفة زمان حدوث الضمان.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد ما ذكره الشيخ كان اللازم أن يقول: فماذا يلزمني؟ مع أنّه قال: أليس يلزمني؟ وهذا يدلّ على أنّ السؤال عن أصل الضمان وعدمه.

هذه هي الوجوه الثلاثة في بيان متعلق الظرف. والمهمّ تبيين متعلق الظرف، أعني «يوم خالفته».

فنقول: إنّ لفظة «البغل» إمّا أن تكون محلاة باللام أو منونة، فندرس مضمون الجملة على كلا الاحتمالين.

أمّا على الاحتمال الأوّل: فالاستدلال مبني على أنّ السؤال عمّا يلزمه بعد ما علم أنّ عليه الضمان فقال الإمام: «قيمة البغل يوم خالفته»، ولكن الظاهر ـ كما سيظهر ـ أنّ السؤال عن أصل الضمان لا عما يلزمه.

توضيحه: أنّه لما ألزمه الإمام بدفع كراء البغل من النيل إلى بغداد ومنها


صفحه375

إلى الكوفة طرح أبو ولاّد أمرين، ليدفع بهما وجوب دفع الكراء من هذه المواضع المختلفة هما:

1. أنّه علّفه فله عليه علفه، فأجاب الإمام بالردّ فقال ليس لك، لأنّك غاصب، وهذا يدلّ على أنّ العلف في تلك الأيام كان على الموجر لا على المستأجر. لكنّه لما صار غاصباً كان التعليف عليه.

2. ما تلقاه من أبي حنيفة من سقوط الكراء في مقابل ضمان البغل أي وجود الملازمة بين ضمان البغل وعدم الكراء ولذلك قال: أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني قيمة البغل؟ فهذه الجملة إشارة إلى ما اختلج في ذهنه: كيف يجب عليّ الكراء مع كوني ضامناً للبغل.

فأجابه الإمام: نعم يلزمك الضمان يوم الاستيلاء على مال الغير قيمة البغل ولا منافاة بين الضمان ووجوب الكراء. وقد اخطأ أبو حنيفة حيث حسب المنافاة بين الضمان والكراء، فعلى هذا فالسؤال والجواب مركزان على الضمان وعدمه فالسائل لأجل تأثره بقول أبي حنيفة: «الضمان بالخراج»، يرجّح عدمه، والإمام يحكم بالضمان بمجرد الاستيلاء على مال الغير، وعلى هذا فذكر «يوم خالفته» بيان لمبدأ الضمان. فكأنّه قال: يلزمك يوم المخالفة ضمان البغل.

والّذي يدلّ على ما ذكرنا، هو انّ الجواب يجب أن يكون مطابقاً للسؤال فالسؤال كان عن أصل الضمان لا عما يلزم عليه أعني قيمة يوم المخالفة، نعم ربّما يُشعر بأنّ المدار قيمة يوم المخالفة ببيان انّه إذا قيل:


صفحه376

يضمن يوم المخالفة، قيمة البغل، ينصرف الذهن إلى انّه ضامن قيمة ذلك اليوم ولكنّه إشعار وليس بدلالة.

وعلى هذا فمدار البحث والمذاكرة على حدوث الضمان يوم المخالفة وعدمه لا على ما يلزمه يوم المخالفة، وبعبارة أُخرى: انّ الرواية بصدد بيان انّ مبدأ الضمان هو يوم المخالفة لا قبله، لأنّه كان أميناً قبلها وصار خائناً بالمخالفة فمن ذلك الزمان عليه ضمان البغل إذا عطب أو إذا نقص.

نعم النقصان السابق ـ عيناً وقيمة ـ غير مضمون لأنّه لم يكن غاصباً وإنّما المضمون منه هو بعد المخالفة.

وبذلك يُعلم أنّ الوجه الثالث الّذي استبعده الشيخ ليس ببعيد وهو أن يقال: انّ قوله نعم بمنزلة يلزمك، والمعنى يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل، وامّا ما يلزمه من القيم المختلفة فليس مطروحاً للسائل والإمام.

ولو فرضنا دلالة الرواية على انّ الملاك هو قيمة البغل يوم المخالفة فلعلّ الأمر به لأجل ثبات الاسعار يوم ذاك، فإذا استأجر بغل الغير وسافر به مدة خمسة عشر يوماً يكون قيمة البغل يوم المخالفة نفس قيمته يوم الأداء، وأمّا عدول الإمام عن قيمة يوم الأداء إلى قيمة يوم المخالفة لبيان انّ الاحداث المتقدمة الواردة على البغل قبل يوم المخالفة غير مضمونة، لانّ الرجل لم يكن غاصباً.

وأمّا على الاحتمال الثاني أعني كون البغل مجرداً عن اللام ومحلّى بالتنوين، فلعلّ الوجه في تنكيره هو أنّ البغل ربّما يكون يوم الضمان سميناً


صفحه377

جامعاً لصفات تزيد معها الرغبة فيه، بخلاف يوم الردّ فربّما يصير هزيلاً غير مرغوب فيه. لأجل زيادة الركوب فذكر الإمام كلمة البغل منكراً إشارة إلى ذلك.

وعلى أي حال فالظرف متعلق بالفعل المستفاد من قوله:«نعم»، وهو أنّه يلزمه الضمان يوم المخالفة قيمة بغل كذا وكذا، حتّى تكون هذه الصفات ملحوظة عند الضمان.

وهناك احتمال ثالث وهو تجريد الظرف عن اللام والتنوين وإضافته إلى مابعده بصورة تتابع الاضافات أي قيمة بغل يوم خالفته، وهو وإن كان وارداً في اللغة الفصيحة كقوله سبحانه:(مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوح وَعاد وَثَمُودَ)(1)ولكنّه بعيد في هذه الجملة.

فقد ظهر من ذلك أنّ الرواية ساكتة عمّا هو الملاك في القيمة والمرجع هو القاعدة الّتي اسّسناها لو لم يدل دليل على خلافها.

الفقرة الثانية قيمة يوم الردّ

وقد يستدل بقوله: «عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه عليه»

ففيه اختلفوا في متعلق الظرف أعني قوله : « يوم تردّه » وربما يقال
انّه متعلق بـ « عليك » وأُخرى بانّه متعلق بـ «قيمة» وثالثة بأنّه متعلق
بـ«العيب».


1 . غافر:31.


صفحه378

وقد استدل القائل بأنّ الملاك قيمة يوم الرد بهذه الفقرة جاعلاً الظرف متعلقاً بقوله «قيمة».

والمراد من الردّ إمّا رد البغل أو رد الأرش، ولكن الظاهر أنّ الظرف (يوم تردّه) متعلق بقوله (عليك) الّذي يتضمن معنى الفعل، فيكون المراد من هذه الجملة نفس المراد من الجملة السابقة، وكأنّه يقول: يلزمك يوم تردّه قيمة ما بين الصحة والعيب.

وأمّا ما هو الملاك في تعيين ما به التفاوت فالجملة ساكتة عنه فهو راجع إلى قضاء العرف.

نعم هذه الفقرة لا تخلو عن إشعار بأنّ الملاك قيمة يوم الردّ ببيان انّه إذا قيل: يضمن يوم الردّ قيمة ما بين الصحة والعيب، ينصرف الذهن إلى قيمة يوم الردّ، لكنّه اشعار ليس بدلالة.

فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه لا تعارض بين الفقرتين وانّهما تتكفلان ببيان أصل الضمان لا ما هو الملاك وانّ الظرف فيهما ليس قيداً للقيمة بل لقوله «نعم» في الفقرة الأُولى، ولقوله «عليك» في الفقرة الثانية.

 

الفقرة الثالثة: قيمة يوم الاكتراء

لما حكم الإمام (عليه السلام)بأنّه يجب عليه ردّ قيمة ما بين الصحة والعيب سأله أبو ولاّد عمن يعرف ذلك التفاوت، فقال الإمام(عليه السلام): «أنت وهو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك».


صفحه379

أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين أكتُري كذا وكذا فيلزمك.

فمقتضى توجه اليمين إلى صاحب البغل في الجملة الأُولى أن يكون منكراً والمستأجر مدعياً فعلى صاحب البغل اليمين باعتبار كون موقفه هو الإنكار، أو ردّ اليمين على صاحب البغل هذا حسب الفقرة الأُولى.

وامّا حسب الفقرة الثانية من أنّ له إقامة الشهود والبيّنة فهو مدع لا منكر، فكيف اجتمع في شخص واحد الوصفان: الإنكار والادعاء؟

والجواب: أنّ الإشكال مبني على أنّ المشار إليه في لفظة«ذلك» في قوله: «فمن يعرف ذلك» هو قيمة البغل وعندئذ يطرح السؤال كيف يتصور أن يكون شخص واحد منكراً ومدعياً، وامّا لو قلنا بأنّ مرجع الإشارة هو تفاوت ما بين الصحيح والمعيب فعند ذلك يمكن أن يقال الموضوع في الفقرتين مختلف لا واحد، بيان ذلك:

إنّ الفقرة الأُولى أعني: «إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين...» راجعة إلى قيمة البغل المعيوب الموجود بين أيديهما.

فالمستأجر يدّعي زيادة قيمة المعيب، وانّه يساوي ثلاثين والمالك يدعي أنّه بسبب العيب انخفضت قيمته وانّه يساوي عشرين بعد اتفاقهم على أن قيمة الصحيح هو الخمسون فلو صحّ قول المالك يكون ما به التفاوت هو ثلاثون ولو صحّ قول المستأجر يكون ما به التفاوت هو عشرون، وعلى هذا فالمالك منكر لموافقة قوله: «الأصل»، والمستأجر مدع، فاليمين


صفحه380

على المالك فإن رده على المستأجر فعليه اليمين.

وأمّا الفقرة الثانية ـ أعني قوله: «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل يوم اكتري كذا وكذا» ـ راجعة إلى اختلافهم في قيمة البغل الصحيح بعد اتفاقهم على قيمة البغل المعيوب، وأنّه عشرون، فالمالك يدّعي زيادة القيمة، والمستأجر ينكرها، يكون صاحب البغل مدّعياً فيجب عليه إقامة الشهود على أنّه يوم اكتري كان يساوي خمسين درهماً، بينما المستأجر يكون منكراً للزيادة، وانّه يساوي أربعين، ومن المعلوم إذا كانت قيمة الصحيح مرتفعة يكون الأرش كثيراً. مثلاً إذا اتّفقا على أنّ المعيب يساوي عشرين، واختلفوا في الصحيح عندما اكتراه فالمالك على أنّه كان يساوي خمسين فالتفاوت بين الصحيح والمعيب ثلاثون، والمستأجر يدّعي أنّه يوم اكتري يساوي أربعين فالتفاوت يساوي عشرين.

إلى هنا خرجنا بأنّه لا دلالة للصحيحة على ما هو الملاك في القيمة فالمرجع هو القاعدة العامّة.

القول الثالث: ضمان أعلى القيم

قد عرفت مفاد الصحيحة وأنّها غير ناظرة إلى ما هو الملاك في تعيين القيمة، وأنّ المرجع هو القاعدة الأوّلية، أعني: ضمان قيمة يوم الدفع. ثمّ إنّ بعضهم ذهب إلى الضمان بأعلى القيم من حين الغصب إلى يوم التلف بوجوه، أنهاها الشيخ الأنصاري(1) إلى خمسة، وأضاف إليها المحقّق


1 . المتاجر:111.


صفحه381

الخوئي(1) وجهين آخرين، والوجوه متقاربة نقتصر بذكر ما ذكره الشيخ وهي:

الوجه الأوّل: ما استظهره الشهيد الثاني في «الروضة البهية» عن صحيحة أبي ولاّد إذ قال: ويمكن أن يستفاد من صحيح أبي ولاّد اعتبار الأكثر منه إلى يوم التلف، وهو قوي عملاً بالخبر الصحيح، وإلاّ لكان القول بقيمته يوم التلف مطلقاً، أقوى.(2)

وقال الشيخ بعد نقل هذا القول ـ عن الشهيد الثاني ـ : ولم يعلم لذلك وجه صحيح، ولم أظفر بمن وجه دلالتها على هذا المطلب.(3)

ويمكن توجيهه بأنّ الإمام(عليه السلام) قال أوّلاً:«نعم قيمة بغل يوم خالفته». ثم قال(عليه السلام) ثانياً:«عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه»، فاعتبر يوم الغصب ويوم الرد معاً، ويستفاد منه أنّ الاعتبار بالأعلى من يوم الغصب إلى يوم الرد.

وذكر المحقّق الخوئي توجيهاً آخر فقال: إنّ المغصوب مضمون على الغاصب بقيمة يوم المخالفة، والمراد بيوم المخالفة إنّما هو طبيعيّ يوم المخالفة الّذي يصدق على كلّ يوم من أيام الغصب لا اليوم الخاص.(4)

ولا يخفى ضعف التوجيهين:


1 . مصباح الفقاهة:1/447ـ 452.

2 . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:7/43ـ 44.

3 . المتاجر:111.

4 . مصباح الفقاهة:2/448.


صفحه382

أمّا التوجيه الأوّل: فلأنّ الموضوع في الفقرة الأُولى هو موت الدابة، وفي الفقرة الثانية ورود النقص عليها، فانتزاع قاعدة كلية من الفقرتين مبني على وحدة الموضوع في الحكم مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الملاك في موت الدابة هو قيمة يوم المخالفة، وفي ورود النقص عليها هو قيمة يوم الردّ.

أمّا التوجيه الثاني: فلأنّ المتبادر من يوم المخالفة هو اليوم الخاص لا طبيعي المخالفة وبعبارة أُخرى: المراد من اليوم هو اليوم المشخّص، لا مطلق اليوم حتّى يصدق على طبيعيّه.

الوجه الثاني: ما نقله الشيخ بقوله: «إنّ العين مضمونة في جميع تلك الأزمنة الّتي منها زمان ارتفاع قيمته».

ولمّا كان هذا الكلام إدعاءً مجرداً عن الدليل حاول الشيخ أن يوجّهه فقال ـ في كلام مفصّل ـ ما هذا ملخصه: إنّ للعين في كلّ زمان من أزمنة تفاوت قيمتها، مرتبة من المالية أُزيلت يد المالك منها وانقطعت سلطنته عنها، فإن رُدّت العين فلا مال سواها يضمن، وإن تلفت استقرت عليا تلك المراتب لدخول الأدنى تحت الأعلى، نظير ما لو فرض للعين منافع متفاوتة متضادة حيث إنّه يُضمن الأعلى منها.

وبعبارة أُخرى: أنّ كلّ زمان من أزمنة الغصب قد أُزيلت يد المالك من العين على حسب ماليته ففي زمان، أزيلت عن مقدار درهم، وفي آخر عن درهمين، وفي ثالث عن ثلاثة وإذا استمرت الإزالة إلى زمان التلف وجبت غرامة أكثرها.(1)


1 . المتاجر:111، بتلخيص.


صفحه383

يلاحظ عليه: بأنّ مجرد إزالة يد المالك عن أعلى القيم إنّما يوجب الضمان إذا تلفت العين والقيمة هي أعلاها، وأمّا لو انخفضت القيمة بعد وصولها إلى أعلاها ثم تلفت فلا دليل على ضمان القيمة العليا الّتي أزيلت عنها يد المالك بشهادة أنّه لو ردّت العين بعد الانخفاض لما كان عليه ضمان بالنسبة إلى القيمة العليا الّتي أزيلت عنها يده.

وبعبارة أُخرى: المدّعى عام والدليل خاص بصورة واحدة وهي إذا ارتفعت قيمة العين وتلفت في نفس الزمان لا مطلقاً حتّى لو انخفضت القيمة بعد ارتفاعها ثم تلفت العين، فعندئذ لا يضمن ارتفاع القيمة بشهادة انّه لو ردّت العين بعد الانخفاض لما ضمن ارتفاع القيمة.

الوجه الثالث: التمسّك بقاعدة الاشتغال وأنّ ذمة القابض مشغولة بحق المالك ولا تحصل البراءة إلاّ بدفع أعلى القيّم.

يلاحظ عليه: بأنّ المقام من قبيل الأقل والأكثر الاستقلاليين حيث يدور الأمر بين اشتغال ذمته بالأقل أو الأكثر، فتجري البراءة عن الأكثر.

الوجه الرابع: ما ذكره الشيخ من استصحاب الضمان المستفاد من حديث «على اليد...» .

يلاحظ عليه: بأنّه إن أُريد استصحاب ضمانه بالعين فلازمه دفع قيمة يوم الرد، على انّه لا حاجة للاستصحاب بعد دلالة القاعدة الأولية عليه.

وإن أراد اشتغال الذمة بالقيمة بعد التلف فهو مردد بين الأقل والأكثر.

ثمّ إنّ هذه الوجوه العقلية لو تمّت في حدّ نفسها لكنّها مخالفة


صفحه384

لصحيحة أبي ولاّد إذا قلنا بدلالتها على أنّ الميزان هو قيمة يوم المخالفة، أو مخالفة للقاعدة الأوّلية الّتي أسسناها.

البحث الثالث: ارتفاع القيمة حسب الأمكنة

قد عرفت حكم ارتفاع القيمة بحسب الأزمنة وانّ القابض لا يضمن سوى قيمة يوم الأداء. فعلى هذا لو كانت قيمة التالف يوم الردّ مختلفة حسب الأمكنة، مثلاً إذا كانت في محل الضمان بعشرة، وفي محل التلف بعشرين، وفي مكان المطالبة بثلاثين، قال الشيخ: فالظاهر اعتبار محل التلف لأنّ مالية الشيء تختلف حسب الأماكن وتداركه حسب ماليته في المكان الّذي تلفت فيه.(1)

أقول: قد مرّ نظير البحث في المثلي حيث قال الشيخ: ثمّ إنّ لا فرق في جواز مطالبة المالك بالمثل بين كونه في مكان التلف أو غيره ولا بين كون قيمته في مكان المطالبة أزيد من قيمته في مكان التلف أم لا، لعموم الناس مسلطون على أموالهم.(2)

وعلى هذا فبين كلامي الشيخ اختلاف واضح.والظاهر أنّ له المطالبة في أي مكان شاء وذلك لانّ الناس مسلطون على أموالهم فلهم طلب العين إذا أمكن ردّها وإلاّ فمطالبة القيمة في أي مكان، اللّهمّ إلاّ إذا كان ردّ العين أو القيمة في مكان المطالبة أمراً حرجياً وإضراراً بالنسبة إلى القابض كما إذا


1 . المتاجر:111.

2 . المتاجر:107.


صفحه385

طلب إبله التالفة في البلاد الصناعية الّتي قلّما يتفق فيها وجود أمثال هذه الدواب.

البحث الرابع: إذا زادت القيمة لزيادة في العين

قال الشيخ: انّ جميع ما ذكرنا من الخلاف إنّما هو في ارتفاع القيمة السوقية الناشئة من تفاوت رغبة الناس، وأمّا إذا كان حاصلاً من زيادة في العين فالظاهر ـ كما قيل ـ عدم الخلاف في ضمان أعلى القيم. وفي الحقيقة ليست قيم التالف مختلفة وإنّما زيادتها لأجل الزيادة العينية الحاصلة فيه النازلة منزلة الجزء الفائت.

وقال في الجواهر: إذا استند نقصان القيمة إلى حدوث نقص في العين، ثم تلفت، فإنّ الأعلى مضمون إجماعاً.(1)

أقول: انّ الزيادات الحاصلة في العين تارة تكون منفصلة وأُخرى متصلة.

أمّا الأُولى فهي خارجة عن مصب البحث وإنّ حكمها حكم العين ويجب ردّ عينها، وإلاّ فإن تلفت يجب المثل أو القيمة، إنّما الكلام في الثانية، كما إذا سمنت الدابة في فترة من الزمان ثم هزلت وتلفت، فهل هي مضمونة أو لا؟ فمقتضى القول بأنّ العين مضمونة بصفاتها النوعية والصنفية والشخصية ضمان الصفات الّتي لها دخل في قيمة التالف، فتقدّر العين وهي موصوفة بتلك الأوصاف و تقوّم حين الردّ، وتردُّ قيمتها إلى البائع.


1 . جواهر الكلام :37/107.


صفحه386

ومع ذلك ففي كونها مضمونة مطلقاً، موضع تأمل وإنّما تكون مضمونة إذا كانت موجودة من أوّل الأمر، أو حدثت وكانت باقية إلى ان تلفت، وامّا الأوصاف الّتي تحدث في بعض الفصول حسب طبيعتها وتزول في البعض الآخر، فالقول بضمانها مشكل لعدم دور للقابض فيها.

البحث الخامس: في انخفاض القيمة السوقية

لو انخفت القيمة السوقية للعين القيمية وكانت العين يوم أتلفها غالية وفي يوم أداء القيمة أصبحت رخيصة فهل عليه ضمان القيمة المنخفضة أو لا؟

مقتضى القواعد عدم الضمان لما عرفت من أنّ العين مضمونة بعينها على القابض وإنّما ينتقل إلى القيمة يوم الدفع فيكون المتعين قيمة ذلك اليوم، وإن كانت القيمة منخفضة ولا يُعدّ ذلك ضرراً لأنّ المضمون له بإمكانه أن يشتري به نظير ما تلف عند القابض.

واستدل السيد الخوئي على عدم الضمان بأنّ انكسار القيمة العرفية لا يضمن وإلاّ للزم تضمين التاجر المستورد لبضاعة، الكاسر بذلك، قيمة البضاعة الموجودة لدى تاجر آخر.(1)

يلاحظ عليه: بالفرق بين المثال والممثل فإنّ الناس في مورد المثال احرار في التجارة، والتجارة نوع تسابق في اكتساب الربح وهذا بخلاف المورد، فإنّ القابض ضامن لمالية المقبوض عند القبض والمفروض


1 . المحاضرات:2/190.


صفحه387

انكسارها عند الأداء، فتأتي هناك شبهة ضمان انكسار القيمة السوقية.

البحث السادس: ضمان انكسار القوة الشرائية

إذا باع الدراهم بعملة أُخرى ثم تبيّن فساد البيع فيجب على القابض دفع ما أخذه من الدراهم فإذا كانت الدراهم عند المعاملة لها قيمة عالية وعند الردّ انخفضت قيمتها، فهل يجب على القابض ضمان انكسار القيمة الشرائية للنقد أو لا؟

وهذا البحث ممّا لم يتطرق إليه الفقهاء الأقدمون لأنّ العملة السابقة كانت درهماً أو ديناراً وهي كانت ثابتة غالباً، ولم يتعرض اقتصادهم
إلى التضخّم ، غير أنّ هذه المسألة ممّا يبتلي بها الناس في أبواب مختلفة
منها:

1. باب القرض، إذا اقرض شخص شخصاً بالعملة الورقية الرائجة وكانت لها قوة شرائية معيّنة ـ مثلاً عشرين مثقال ذهب خالص ـ ولكنّها عند الردّ تنخفض قيمتها وتساوي (مثلاً 18 مثقالاً). فهل يجب عليه ضمان انكسار القيمة الشرائية بحجة أنّ رأس المال عبارة عن القوة الشرائية وهي كانت عشرين مثقالاً يوم الإقراض وأصبحت 18مثقالاً يوم الدفع، فلا يشمله: (فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).(1)

2. باب المهور، إذا تزوج على ألف تومان بالنقد الرائج حينئذاك وكانت


1 . البقرة:279.


صفحه388

قوة شرائها يومذاك تعادل30 مثقالاً ذهباً ولكنّها في هذه الأيام تساوي أقل من ذلك فهل يجب على الزوج أن يدفع ما يكون في قوة الشراء مساوياً مع ما أمهرها .

3. باب الغرامات: إذا أتلف شيئاً من العملة الرائجة وكانت لها قوة شرائية معيّنة، وبعد التلف أصبحت لها قوة شرائية أقل، فهل يجب على المتلف ضمان الفرق أو لا؟ إلى غير ذلك من الأبواب.

الظاهر ـ و اللّه العالم ـ وجوب الضمان وجبر الانكسار بشهادة أنّ الناس في كلّ الأبواب يتماكسون في قلة العملة وكثرتها، وما هذا إلاّ لأنّ للكثرة قوة شراء ليست للقلة، كما أنّهم يتماكسون في المهور بين القليل والكثير. أضف إلى ذلك أنّ الإغماض على خلاف قاعدة العدل والانصاف.

وأمّا القرض فلا يجب على المقترض ضمان انكسار القيمة، وذلك لأنّ المقرض قد أهدر كرامة ماله بالنسبة إلى إنكسار القيمة، بإقراض ماله ـ مع علمه ـ بإنّ العملة النقديّة في الأحوال الحاضرة تترقى وترتفع تارة وتنخفض وتُكسر أُخرى، ومع ذلك أقرض ماله مدة سنة فإذا أخذ ما اقرض من العملة النقدية، فقد أخذ رأس ماله.


صفحه389

 

الأمر الثامن:

حكم بدل الحيلولة

إذا كانت العين المقبوضة بالعقد الفاسد، موجودة فلابدّ من ردّها إلى المالك إذا أمكن الردّ بسهولة.

وإذا كانت تالفة فلابدّ من الخروج عن العهدة; بدفع المثل أو القيمة.

إنّما الكلام إذا كانت العين موجودة غير تالفة لكن يتعذر ردّها في وقت قصير، كما لو غرقت، وتوقف اخراجها من البحر على عمليات تستغرق وقتاً كثيراً فهل يضمن بدل الحيلولة بدفع قيمته حتّى يتّجر بها إلى أن يخرجه من البحر ونظيره اللوح المغصوب في السفينة إذا خيف من نزعه غرق مال لغير الغاصب، فهل تجب على الضامن دفع القيمة إلى أن يبلغ الساحل وقد حال القابض بين المالك وسلطنته على العين وبعبارة أُخرى: الملكية والمالية للعين محفوظة وإنّما الزائل تسلط المالك على العين فلو وجب البدل، فهو بدل للحيلولة بينه وبين سلطة المالك على المال .

مورد بدل الحيلولة

وقبل دراسة أدلّة المسألة نشير إلى الموارد الّتي ربما يتصور كونها من مصاديقها:


صفحه390

1. إذا حال القابض بين المالك وسلطنته وعلم عدم تمكن القابض على ارجاعها.

2. تلك الصورة ولكن يتمكن بعد سنين ملحقة عرفاً لعدم التمكن.

3. يظن أو يعلم بتمكن القابض من الارجاع بعد مدة ربما يستحسن الصبر من المالك، للعثور على العين.

4. يتمكن من الارجاع في زمان قصير جداً، ضمن يوم أو يومين أو اسبوع.

فالأوّل والثاني، يلحقان بالتالف فالعين فيها في نظر العقلاء تالفة أو كحكم التالف فلا محيص من دفع المثل أو القيمة.

كما انّ الزام القابض بالبدل في الصورة الرابعة مذموم عند العرف، فتعين أن يكون مورده، هو الصورة الثالثة.

وعلى أي حال فقد استدل لوجوب دفع البدل بوجوه:

الأوّل: ما روى محمد بن يحيى عن محمد بن الحسن قال كتبت إلى أبي محمد(عليه السلام): رجل دفع إلى رجل وديعة، وأمره أن يضعها في منزله أو لم يأمره، فوضعها في منزل جاره فضاعت، هل يجب عليه إذا خالف أمره وأخرجها عن ملكه؟ فوقع(عليه السلام): «هو ضامن لها إن شاء اللّه».(1)

يلاحظ عليه: انّ الرواية ناظرة إلى ما لا يرجى العثور عليه، الذي مرّ في


1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب أحكام الوديعة، الحديث1.


صفحه391

صدر البحث انّه ملحق بالتالف فأين هي من المقام. وقس عليه سائر ما استدل به من الروايات في هذا الباب.

الوجه الثاني: تسلط الناس على أموالهم التي فرض كونها في عهدتهم فيقتضي جوازَ مطالبة الخروج عن عهدتها عند تعذرها، نظير ما تقدم في تسلطه على مطالبة القيمة للمثل المتعذر في المثلي.(1)

يلاحظ عليه: ـ مع غض النظر عن سند الحديث ـ انّ القاعدة تدلّ على انّ الناس مسلطون على أموالهم بالبيع واللبس والسكنى والهبة وغير ذلك وبعبارة أُخرى: ليس لغير المالك منع المالك عن التصرف في ماله. وأمّا أنّه إذا تلفت العين فصار الغير مسؤولاً عن المُتْلَف فايجاب بدل الحيلولة إلى أن يخرج عن العهدة بانقاذ ما غرق في البحر بالأدوات فهو ممّا لا بدل عليه الحديث.

وحصيلة الكلام أنّه لا ملازمة بين تسلط الناس على أموالهم وطلب البدل، وما جاء في آخر الكلام من قياس بدل الحيلولة على طلب القيمة عند تعذّر المثل في المثلي فقياس مع الفارق، فإنّ القابض في المقيس عليه مسؤول عن العين بصفاتها النوعية والصنفية والشخصية والمالية، فإذا لم يتمكن من الأُولى تتعين المرحلة الثانية وهكذا. وأمّا وجوب ردّ البدل إلى أن يدفع العين فلا يقاس عليه.

الوجه الثالث: قاعدة «من أتلف مال الغير فهو له ضامن»، فالغاصب قد


1 . المتاجر:112.


صفحه392

أتلف سلطنته على العين ـ لافتراض بقاء العين ـ فهو لها ضامن، ولا يخرج عن العهدة إلاّ ببدل الحيلولة.

يلاحظ عليه: انّ مورد القاعدة هو إتلاف العين، لا إتلاف السلطنة مع بقاءها.

الوجه الرابع: قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».

وجه الاستدلال: انّ مفاد الحديث كما يظهر من مورده ـ هو عدم جواز إضرار بعض الناس على بعض، فهذا النوع من الإضرار ليس مشروعاً في الإسلام، ومن المعلوم انّ الحيلولة بين المالك والعين المملوكة مدة طويلة لا قصيرة ـ يُعدّ إضراراً ـ من الناس إلى المالك فمعنى عدم جوازه هو لزوم قيام الضارّ بعمل يسد هذا الضرر ومن طرقه دفع بدل الحيلولة.

فإن قلت: إنّ قاعدة «لا ضرر» تنفي الحكم الضرري ولا تثبت مكان النفي حكماً شرعياً يُسد به الضرر.

قلت: ما اشتهر بين المتأخرين من أنّ القاعدة نافية وليست بمثبتة مخالف لما ورد في موردها فإنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر سمرة بالاستئذان وقال:«استأذن يا سمرة» وليس مصدر هذا الحكم إلاّ قاعدة «لا ضرر» كما هو ظاهر سياق الحديث.

الوجه الخامس: حرمة مال المؤمن الّتي مرّ دليلها نقلاً وعقلاً، فحرمة مال المؤمن من جانب وعدم تمكن القابض من ردّ العين من فوره يقتضي الجمع بين الحقين وهو جبر الخسارة ببدل الحيلولة بحيث يتصرف فيه كأنّه


صفحه393

مالك. نعم وجوب الحيلولة، حكم تكليفي لا وضعي.

الوجه السادس: الاستدلال ببناء العقلاء ومرتكزاتهم في نظائر هذه الموارد فإذا حال الإنسان بين المالك وماله بسبب من الأسباب ولم يتمكن من رفع الحيلولة إلاّ بعد مضيّ فترة يتضرر بها المالك فمرتكزهم هو دفع بدل يقوم مكان الملك الواقعي إلى أن يتمكن القابض على رد المال إلى صاحبه هذا هو مرتكز العقلاء ولم يردع الشارع عنه فهو حجة تغنينا عن الوجوه الخمسة التي عرفت النقاش في كثير منها.

بقيت هنا أُمور:

1. الزام الضامن، المالك بأخذ البدل

لا شكّ أنّه إذا تلفت العين يجوز إجبار الضامن المالكَ على قبول البدل، إنّما الكلام إذا لم يكن تالفاً بل ضاع أو غرق ويظن أو يرجى تمكنه من ردّها إلى المالك فهل حكم البدل (بدل الحيلولة) هنا كحكم المبدل فيما إذا تلفت العين حتّى يجوز للضامن إجبار المالك على قبول البدل، أو لا؟ الظاهر هو الثاني وذلك لأنّ تجويز طلب البدل من باب الامتنان للمالك على الضامن، فهو حقّ له لا للضامن عليه، فله أن يطلب البدلَ من الضامن وليس للضامن حق عليه حتّى يجبره على قبول البدل. ولذلك لو صبر المالك إلى أن يُعثر على العين لم يكن للضامن الاجبارُ بأخذ البدل.


صفحه394

 

2. هل البدل المبذول ملك لصاحب العين

إذا دفع الضامنُ البدلَ إلى المالك إلى أن يعثر على العين فهل المبذول له يملك البدل وفي الوقت نفسه مالك للعين المضاع أو المغرقة أو لا؟ قال المحقّق: «ويملكه المغصوب منه ولا يملك الغاصب العين المغصوبة ولو عادت كان لكلّ منهما الرجوع».(1)

قال في الجواهر في شرح عبارة المحقّق: كما صرح بذلك كلّه غير واحد من أساطين الأصحاب كالشيخ وابن إدريس والفاضل والشهيد والكركي، بل في المسالك نسبته إليهم مشعراً بالاتفاق عليه بل في محكي الخلاف والغنية نفي الخلاف عن ملك المغصوب منه البدل المزبور بل ظاهرهما على ما قيل بين المسلمين.(2)

و أورد عليه الشهيد الثاني وقال: ولا يخلو من إشكال من حيث اجتماع العوض والمعوض على ملك المالك من غير دليل واضح ولو قيل بحصول الملك لكلّ منهما متزلزلاً أو توقف ملك المغصوب منه للبدل على اليأس من العين وإن جاز له التصرف فيه، كان وجهاً في المسألة.(3)

وحاصل الإشكال: انّ مالكية المالك للبدل وعدم مالكية الغاصب


1 . الشرائع:3/241.

2 . جواهر الكلام:37/130.

3 . مسالك الافهام:12/201.


صفحه395

للمبدل يستلزم اجتماع العوض والمعوض في شخص واحد، وتخلص عنه الشهيد الثاني بوجهين:

أ. حصول الملك لكلّ منهما متزلزلاً. فالغاصب يملك العين والمالك البدل متزلزلا.

ب. عدم تملك المالك البدل إلاّ عند اليأس من العين.

أقول: لا ينبغي الإشكال في بقاء العين المضمونة على ملك مالكها فلا وجه للاحتمال الأوّل، إنّما الكلام في البدل المبذول. فإن قلنا بانّه يقتصر على التصرفات غير المتوقفة على الملك فهو، وامّا لو قلنا بالعموم حتّى المتوقفة على الملك فلا محيص من القول بالملكية لكن ملكية مؤقتة مادامت سلطنته منقطعة، ولا بأس بالجمع بين البدل والمبدل بهذا النوع من الملكية. فلو تلفت العين استقرّ ملك المالك على الغرامة. ولو تمكّن من الردّ وردّها عاد البدل إلى الغارم كما سيوافيك تفصيله. نعم لو قلنا بالملكية المؤبدة وعدم رجوعها إلى الضامن حتّى بعد العثور على العين ودفعها إلى المالك لزم الإشكال.

3. لو فاتت بعض المنافع

انّ بقاء العين على ملك مالكها إنّما هو مع فوت معظم الانتفاعات وأمّا لو لم يفت إلاّ بعض ما ليس به قوام المالية فهل هذا الموضع من موارد إيجاب التدارك بالعدل فيملك العين والبدل معاً بالنحو المذكور، الظاهر لا، وانّ المورد، من موارد إيجاب المثل أو القيمة وفاقاً للشيخ حيث قال «لو ورد


صفحه396

دليل على وجوب غرامة قيمة، حينئذ، لم يبعد كشف ذلك عن انتقال العين إلى الغارم مثلاً:

لو وطأ الغاصبُ الحيوانَ الّذي يُركب، فلا يخرج عن المالية وإنّما يجب نفيه عن البلد وبيعه في بلد آخر لكن هذا لا يُعدّ فواتاً لما به قوام المالية، ولذلك ورد في الدابة الموطوءة من الزام الواطئ بأخذ الدابة واعطاء ثمنها.

روى سَدير عن أبي جعفر(عليه السلام) في الرجل يأتي البهيمة؟ قال: يُحدّ دون الحد، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لأنّه أفسدها عليه، وتذبح وتحرق وتدفن إن كانت ممّا يؤكل لحمه. وإن كانت ممّا يركب ظهره أغرم وجلد دون الحد وأخرجها من المدينة الّتي فعل بها فيها إلى بلاد أُخرى حيث لا تعرف فيبيعها فيها كي لا يعيّر بها صاحبها.(1)

4. إذا خرجت عن المالية مع بقائها على الملكية

كان محور البحث، انقطاع السلطنة عن العين مع بقائها على ماليّتها السابقة.

أمّا لو خرجت عن المالية (عن التقويم حسب تعبير الشيخ) مع بقائها على صفة الملكية فقد اختار الشيخ وجوب كمال القيمة، مع بقاء العين على ملك المالك، لأنّ القيمة عوض الأوصاف والاجزاء الّتي خرجت العين


1 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب نكاح البهائم، الحديث4، وسَدير بن حكيم من رجال الباقر والصادق(عليهما السلام) .


صفحه397

لفواتها عن التقويم لا عوض العين نفسها كما في الرطوبة الباقية بعد الوضوء بالمغصوب ـ جهلاً بالموضوع ـ فانّ بقائها على ملكها لا ينافي وجوب الغرامة لفوات معظم الانتفاعات به فلا يجوز المسحُ بها إلاّ بإذن المالك(1)، ثم استشهد بكلام العلاّمة في القواعد بانّه لو خاط ثوبه بخيوط مغصوبة (وطلبها المالك) وجب نزعها، فإن خيف تلفها لضعفها فالقيمة.(2)

وحاصل كلامه انّ السلطنة المطلقة على البدل، بدل عن السلطنة المنقطعة عن العين وليس بدلاً عن ملكية العين، فلا غرو في أن تكون الرطوبة والخيوط ملكاً للمالك وهذا معنى بدل الحيلولة.

يلاحظ عليه: انّ الماء والخيوط وما أشبههما يُعدّان عندئذ من المتلفات مثل التلف الحقيقي فيكون هناك معاوضة قهرية بين البدل والمبدل. فلو طلب كمال القيمة ومع ذلك لم يُجز المسح بالرطوبة أو طلب الخيوط المقطعة، يُعد عمله هذا على خلاف العدل والانصاف.

وأمّا لو غصب خل الغير، وصار خمراً عند الغاصب فهل يجب رد العين مع القيمة استصحاباً لحق الأولوية الثابتة للمالك قبل الغصب حيث إنّ الخل لو صار خمراً عنده لكان هو أولى به من غيره فيستصحب إلى ما صار خمراً عند الغاصب، أو لا يجب الرد؟ ذهب الشيخ إلى الأوّل، مؤيداً بانّه لو عادت خلاً، ثانياً ردت إلى المالك بلا خلاف ظاهر.


1 . المتاجر:112.

2 . قواعد الأحكام:2/235، وفي ما نقله الشيخ عن القواعد تصحيف وما أثبتناه وهو الصحيح. ولعلّه من الناسخ لا الشيخ نفسه.


صفحه398

أقول: يؤيد قول الشيخ وجود الفرق بين المثالين والخمر فإنّ الرطوبة الباقية تعد تالفة وهكذا الخيوط، وهذا بخلاف الخمر فانّه قابل للتخليل فلا مانع من بقاء حق الأولوية والاختصاص، غاية الأمر إذا قوّم، فإنّما يقوّم بعنوان الخل الّذي صار خمراً وهو قابل لئن يكون خلاً. وعندئذ تكون القيمة انقص من الخل الّذي اريق وتلف، وعندئذ لا يلزم الجمع بين العوض والمعوض.

5. حكم نماء البدل والمبدل

لما كان الغرض المهم، هو الانتفاع بالبدل، فتكون عامة نماءات البدل له، إنّما الكلام في نماء المبدل فالتالف منه غير مضمون لأنّ الغاية من دفع البدل تدارك المنافع غير المستوفاة، وأمّا غير التالف كنتاج الغنم فمقتضى القاعدة انّه ملك المالك، لمّا عرفت من عدم خروجه عن ملكه.

6. ارتفاع القيمة بعد الدفع

إذا ارتفعت قيمة العين بعد دفع البدل فهل يضمن الغارم ذلك الارتفاع أو لا، اختار الشيخ عدم الضمان قائلاً بأنّ مقتضى صدق الغرامة على المدفوع، خروج الغارم عن عهدة العين وضمانها، فلا يضمن ارتفاع قيمة العين سواء كان للسوق أو للزيادة المتصلة أو المنفصلة كالثمرة، ولا يضمن منافعها.(1) ثم إنّه حكى الضمان عن التذكرة والتوقف عن جامع المقاصد.


1 . المتاجر:113.


صفحه399

وما اختاره الشيخ هو الأقوى، لانّ الغرض الأقصى هو الخروج عن العهدة والضمان مادام لم يردّ العين. فالقول بضمان الارتفاع بعد الدفع وقبل ردّ العين مناقض للغرض المنشود من دفع البدل. وربّما يقال بالتفصيل بين كونه «بدلاً عن العين أو السلطنة المنقطعة، فعلى الأوّل لا يضمن لبقاء العين بخلاف الثاني»لانقطاع السلطنة. وبما أنّ الشيخ يقول بالثاني، فلازم كلامه، ضمان الارتفاع مع انّه لم يقل به هنا.

7. وجوب الردّ عند التمكن

لا شكّ في وجوب رد العين بعد التمكن منه وجوباً تكليفياً، لبقاء المبدل في ملكه، «وعلى اليد ردُّ ما أخذت حتّى تؤدّي»، وان توقف على المؤونة كما كانت الحال كذلك قبل دفع البدل. واستصحاب سقوط وجوب الردّ حين التعذر، غير تام لانّ سقوطه حين التعذر كان للتعذر العقلي وقد انقلب الموضوع. نعم للغاصب حبس العين حتّى يردّ البدل أخذاً بحكم البدلية، خلافاً لصاحب الجواهر حيث قال بعدم جواز الحبس لضرورة عدم المعاوضة الّتي مقتضاها ذلك في المقام، وإن كانت هي معاوضة معنوية فليست هي إلاّ نحو من كانت عنده عين، لمن له عنده كذلك.(1)

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقام وما قاسه عليه، حيث لا مقابلة ولا بدلية هناك، بخلاف المقام فانّ البدل يحكي عن معناه وانّه عوض ذاك.


1 . الجواهر:37/132.


صفحه400

 

8. حكم بدل الحيلولة عند التمكن من الردّ

إذا تمكن من الردّ، فهل تخرج الغرامة عن ملك المالك وتعود إلى ملك الغارم فيضمن القابض العين من يوم التمكن ضماناً جديداً، بمثله أو قيمته يوم حدوث الضمان أو يوم التلف أو أعلى القيم، أو تبقى على ملك مالك العين وتكون العين مضمونة بها لا بشيء آخر في ذمّة الغاصب، فلو تلفت استقر بالتلف ملك المالك على الغرامة فلا يحدث بالتمكن سوى حكم تكليف بالردّ.

الظاهر هو الثاني كما عليه الشيخ لأنّ المفروض كونه بدلاً حتّى يردّ، لا أنّه بدل حتّى يتمكن من الردّ ، مضافاً إلى استصحاب كون العين مضمونة بالغرامة وعدم طروء ما يزيل ملكيته عنها.

بلغ الكلام إلى هنا عشية يوم الثلاثاء تاسع

رجب المرجب من شهور عام 1428هـ

في مدينة قم المحمية في جوار

الحضرة الفاطمية عليها

آلاف التحية.

Website Security Test