welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه327

 

الأمر الثالث:

حكم المنافع قبل الردّ

لو كان للعين المبتاعة منفعة فإمّا أن تكون مستوفاة أو غير مستوفاة، فلنقدم البحث في القسم الأوّل:

فنقول فإن استوفاها المشتري قبل الردّ، كان عليه عوضها على المشهور وربما يستظهر من كلام ابن إدريس في السرائر انّ المقبوض بالعقد الفاسد بمنزلة المغصوب عند أصحابنا(1)، أنّ الحكم إجماعي لانّ وجوب العوض في منافع المغصوب أمر اتفاقي والظاهر من ابن حمزة هو عدم الضمان.(2)

احتج للقول بالضمان بوجوه:

1. عموم «على اليد ما أخذت» فإنّ عمومها يشمل المنافع المستوفاة أيضاً، وقبض المنفعة بقبض العين، فتدخل المنفعة في ضمان المستأجر.

وأورد عليه بانّ قبض المنافع وإن كان بقبض العين، لكن دخولها في الحديث ممنوع، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«حتّى تؤديه» فإنّ المتبادر ردّ ما أخذه بعينه،


1 . السرائر:2/285.

2 . الوسيلة:255، كتاب البيع.


صفحه328

وهو ينطبق على العين دون المنفعة لأنّ المنفعة لا يمكن ردّها بعينها بل ردّ ما يردّ العين.

2. ما رواه أبو ذر عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: وحرمة مال المسلم كحرمة دمه(1)، والظاهر من هذه الجملة هو «أنّ مال المسلم محترم» ، ومعنى الحرمة ردّه بعينه إذا أمكن أو بما يقابله وينوب عنه. وقد مرّ انّ المنفعة تعدّ مالاً.

وأورد عليه بأنّ الظاهر منه هو الحكم التكليفي، بمعنى أنّه لا يجوز إتلاف مال المؤمن بغير إذنه كما لا تجوز إراقة دمه.(2)

3. ما دلّ على عدم حلية مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه، روى الكليني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): انّ رسول اللّه وقف بمنى حين قضى مناسكها في حجة الوداع فقال: «فان دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا... إلى أن قال: ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فانّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه».(3)

وكيفية الدلالة ، على الضمان على نحو ما ذكرناه في الحديث السابق.

4. قاعدة لا ضرر: فانّ تشريع جواز الاستيفاء بلا عوض ضرر على المالك.


1 . الوسائل:8، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث9.

2 . مصباح الفقاهة:2/324.

3 . الوسائل:19 ، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.


صفحه329

فإن قلت: انّ إيجاب ضمان ما استوفى من المنافع لا يُعدّ ضرراً إذا كان المورد من قبيل الإجارة، فلو استأجر بيتاً ثم بان فساد العقد بعد سنة فيأخذ المسمى ويدفع كراء المثل، فلا ضرر قطعاً.

وامّا إذا ابتاع بيتاً ودفع الثمن وسكن فيه سنة، ثم بان فساد العقد فإيجاب ضمان ما استوفى من المنافع يُعدّ ضرراً ولا يجبره استلام مجرد الثمن، كما هو واضح، مع أنّ البائع ربما ينتفع من الثمن خلال هذه المدّة.

قلت: كما أنّه يجب على المشتري ضمان ما استوفاه من منافع البيت، يجب على البائع ردُّ ما استوفاه من منافع الثمن خلال هذه المدّة، لانّ الثمن ملك المشتري فلو اتجر به البائع فانّما اتجر بمال الغير، فيكون أشبه بالمضاربة بمال الغير فضولة، ولو انتفع فإنّما انتفع بمال الغير فصحة ما ابتاع به تتوقف على إجازة المشتري.

نعم لو لم ينتفع بالثمن، دخل المورد في المنافع غير المستوفاة وسيوافيك الكلام فيها. فضمان المنافع المستوفاة لا يختص بالمبيع بل يعم الثمن أيضاً.

ثمّ إنّه أجيب عن هذه المناقشات بما لا حاجة إلى ذكره هنا.

والّذي ينبغي أن يقال: انّ الفقيه في المقام في غنى عن إقامة الدليل على الضمان بهذه الوجوه الأربعة مع ما فيها من المناقشات والردود فإنّ دليل الضمان هنا أوضح من أن يستدل عليه بهذه الوجوه، وهو وجود السيرة القطعية العقلائية الممضاة عند عامة الشعوب وهو أنّ استيفاء مال الغير لا


صفحه330

يذهب هدراً وأنّ حرمة المال أمر فطري، اللّهمّ إلاّ إذا أهدر المالك كرامة ماله وإذن للآخرين استيفاء أمواله ومنافعها.

وربّما يستدل على الضمان بقاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن، قال السيد الخوئي: وهي بهذه الكيفية وإن لم تُذكر في رواية خاصة ولكنّها قاعدة كلية متصيّدة من الموارد الخاصّة الّتي نقطع بعدم وجود الخصوصية لتلك الموارد وعليه فتكون تلك القاعدة متبعة في كلّ مورد تمس الحاجة إليه والموارد الّتي أخذت منها هذه القاعدة هي الرهن والعارية والمضاربة والإجارة والوديعة وغير ذلك من الموارد المناسبة لها فإنّه قد وردت فيها الاخبار الكثيرة الدالة على أنّ إتلاف مال الغير موجب للضمان وقد استفاد منها الفقهاء رضوان اللّه عليهم قاعدة كلية أعني بها قاعدة «من أتلف مال غيره فهو له ضامن».(1)

يلاحظ عليه: انّ هنا سببين مستقلين:

1. اتلاف مال الغير.

2. استيفاء منافع مال الغير.

فكلّ منهما سبب للضمان فالإتلاف عبارة عن حيلولة القابض بين المالك وماله فيضيع عليه ماله، وأمّا المقام فليس هناك حيلولة بل يقوم القابض باستيفاء منافع العين الّتي بيده، وعلى ذلك فلا وجه للاستدلال بقاعدة «من أتلف» على المورد، وها نحن نذكر بعض هذه الروايات الّتي


1 . مصباح الفقاهة:2/385ـ 386.


صفحه331

أشار إليها المقرر في الهامش.

روى إسحاق بن عمار قال سألت أبا إبراهيم(عليه السلام) عن الرجل يرهن الرجل بمائة درهم وهو يسوي ثلاثمائة فيهلك، أعلى الرجل أن يرد على صاحبه مائتي درهم؟، قال: «نعم لأنّه أخذ رهنا فيه فضل وضيّعه».(1)

إنّ التعليل في الرواية من أدلة القاعدة وأنّك ترى أنّه من موارد اضاعة المال على صاحبه لا استيفاء منافعه. إلى غير ذلك من الروايات الّتي وردت في الهامش.

نظرية ابن حمزة وعدم ضمان المنافع المستوفاة

ثمّ إنّ الظاهر من ابن حمزة في «الوسيلة» ـ كما مرّ ـ عدم ضمان المنافع المستوفاة في البيع الفاسد، مستنداً إلى النبوي المعروف: «الخراج بالضمان»، روى أحمد في مسنده عن عروة عن عائشة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)انّه قال: «الخراج بالضمان».(2)

وما رواه أحمد فإنّما هو جزء من حديث روته عائشة، إذ من البعيد أن يتكلم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إرتجالاً ويقول:«الخراج بالضمان» ما لم تكن هناك قضية يتوقف حلُّها على بيان ذلك الحكم.

وقد روى البيهقي في «باب المشتري يجد بما اشتراه عيباً وقد استغله زماناً»، عن مخلد بن خفاف قال: ابتعت غلاماً فاستغللته ثم ظهر منه عيب


1 . الوسائل:13، الباب 7 من أبواب الرهن، الحديث2.

2 . مسند أحمد:6/249.


صفحه332

فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضى لي بردّه وقضى عليّ بردّ غلّته، فاتيت عروة فاخبرته فقال: أروح إليه العشية فأُخبره انّ عائشة أخبرتني انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قضى في مثل هذا، انّ الخراج بالضمان، فعجلّت إلى عمر فاخبرته ما اخبرني عروة عن عائشة عن رسول اللّه فقال عمر فما أيسر من قضاء قضيته، اللّه يعلم أنّي لم أرد فيه إلاّ الحقّ، فبلغتني فيه سُنّة عن رسول اللّه فأردّ قضاء عمر وأنفّذ سنة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الّذي قضى به عليّ.

ثم قال: وبهذا المعنى رواه مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة إنّ رجلاً اشترى غلاماً في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبه عيب لم يعلم به فاستغله ثم علم العيب فرده فخاصمه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال يا رسول اللّه انّه استغله منذ زمان فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الغلة بالضمان.(1)

كيفية الاستدلال: انّ المنافع للمشتري في مقابل ضمانه لمال المالك بالثمن الّذي دفعه إليه، وهذا يعمّ العقد الصحيح والفاسد، ومن المنافع يعمّ المستوفاة وغيرها، فكأنّ الرواية بمنزلة بيان أنّ المشتري ينتفع بالمبيع في مقابل انتفاع البائع بالثمن فهذا يقابل بهذا.

يلاحظ عليه: أنّ اللام في الضمان وإن كانت للجنس فتعم بظاهره الأقسام الثلاثة:

أ. المقبوض غصباً.


1 . السنن الكبرى للبيهقي:5/322، كتاب البيع.


صفحه333

ب. المقبوض بالعقد الفاسد.

ج. المقبوض بالعقد الصحيح.

إلاّ أنّه لا يمكن الأخذ بالعموم.

أمّا الأوّل فلأنّه باطل لضرورة الفقه إذ لو عمّه يكون معنى ذلك أنّ كلّ من اغتصب مال الغير وانتفع به مدّة مديدة لا يضمن المنافع المستوفاة في مقابل ضمانه للعين المغصوبة وهذا هو الّذي قضى به أبو حنيفة(1) وقد وصفه الإمام الصادق(عليه السلام) بقوله: «بمثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركاتها»(2)، فهذا الاحتمال باطل جدّاً.

بقي الاحتمال الثاني والثالث الّذي نعبّر عنه بالضمان المعاوضي سواء كان العقد صحيحاً أم كان فاسداً لكن مورد الرواية قرينة على أنّ المراد بالضمان هو الضمان المعاملي الصحيح، بأن يكون المشتري مالكاً شرعاً للمبيع ويستغله، ففي هذا المورد تكون الغلة في مقابل الثمن الّذي دفعه إليه فاللام في الضمان تشير إلى هذا النوع من الضمان.

وأمّا الضمان المعاوضي الّذي لم يمضه الشارع ولم تحصل الملكية للمشتري فعموم الرواية بالنسبة إليه مورد تأمل، خصوصاً على ما قلنا من أنّ غرض الرواية أنّ انتفاع المشتري بالمال في مقابل انتفاع البائع بالثمن فيكون هذا مقابل هذا، وهذا يختص بما إذا كان هناك معاملة صحيحة وملكية محققة.


1 . المغني:5/400; المبسوط للسرخسي:11/54ـ57.

2 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب الإجارة، الحديث1. وهي صحيحة أبي ولاّد الحناط الّتي تاتي في الأمر السابع من هذا الفصل.


صفحه334

ويشهد على ما ذكرنا من التفسير لفيف من الروايات نذكر أحدها:

روى إسحاق بن عمّار قال حدثني من سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام)وقد سأله رجل وأنا عنده فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع دار فجاء إلى أخيه فقال: ابيعك داري هذه وتكون لك أحبّ إليّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي ان أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليّ، فقال: «لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه».

قلت: فانّها كانت غلّة كثيرة فأخذ الغلّة لمن تكون الغلّة؟ فقال: «الغلّة للمشتري ألا ترى انّه لو احترقت لكانت من ماله»؟(1)

ترى أنّ الإمام حكم بأنّ الغلّة للمشتري في مقابل ضمانه للعين حيث لو احترقت لكان من ماله.

لاحظ بعض ما ورد في هذا المعنى فإنّ الجميع يشير إلى ما ذكرنا من معنى الرواية.(2)

وبذلك يعلم أنّ الاحتمالات الكثيرة حول الحديث كما احتمله السيد الخوئي اطناب غير لازم.(3)


1 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الخيار، الحديث1.

2 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الخيار، الحديث3، والجزء 13 ، الباب5 من أبواب الرهن، الحديث6.

3 . مصباح الفقاهة:2/387ـ 388.


صفحه335

 

نقوض قاعدة «الخراج بالضمان»

قد أُورد على قاعدة «الخراج بالضمان» عدة نقوض ناشئة من عدم الوقوف على حقيقتها، حسب ما فسّرناه آنفاً، وهي كما يلي:

1. النقض بالعارية، فإنّ الخراج ـ أي المنفعة ـ للمستعير مع أنّه غير ضامن.

2. تلف المبيع قبل القبض فإنّ الخراج بين العقد والقبض للمشتري كاللبن والصوف، إلاّ أنّ الضمان على البائع.

3. الخراج بعد القبض إذا اشترط الضمان على البائع إلى مدة، فإنّ الخراج للمشتري والضمان على البائع، لو قلنا بصحة هذا الشرط.

والجواب عن الجميع أنّ الضمان هناك كناية عن الملكية والتعليل في لسان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ورد بأمر فطري إرتكازي، وقد قلنا في محلّه انّ التعليل في لسان الشرع يجب أن يكون بحكم عقلي بديهي أو قريب منه، أو بأمر فطري. إذا عرفت ذلك فمعنى الحديث النبوي انّ مالكية الخراج أي المنافع المشروعة تابع لمالكية العين، فالمشتري بما أنّه مالك للعين سواء أقبضها أم لم يقبض فالمنافع له. وبعبارة أُخرى: من عليه الغرم فله الغُنم وبذلك تبيّن جواب جميع النقوض.

أمّا النقض الأوّل فإنّ المستعير إنّما يتلقى المنافع من المعير، فالمعير مالك والمنافع له أوّلاً وبالذات، ويصدق في حقّه أنّ الخراج بالضمان. وامّا


صفحه336

المستعير فإنّما يملك المنافع بإذنه ولكن المنافع بالذات للمالك.

كما يندفع النقضين الثاني والثالث، فالمنافع للمشتري قبل القبض وبعد القبض في مقابل كونه مالكاً للعين وليس المراد من الضمان هنا الضمان المصطلح حتّى يقال بأنّ البائع ضامن والمنافع للمشتري بل الضمان كناية عن الملكية، فالمنافع للمشتري لكونه مالكاً.

حكم المنافع غير المستوفاة

قد عرفت انّ الروايات الشريفة والسيرة العقلائية قائمة على ضمان المنافع المستوفاة، وانّ مال المسلم لا يذهب هدراً، و انّ مقتضى حرمة المال هو ضمانه، إنّما الكلام في المنافع غير المستوفاة، فقد استقصى الشيخ الأعظم الأقوال وهي خمسة:

الأوّل: الضمان; قال الشيخ: وكأنّه للأكثر، وقال في مكان آخر: وهو المشهور.

الثاني: عدم الضمان وهو المحكي عن إيضاح فخر المحقّقين، (وقوّاه السيد المحقّق الخوئي).

الثالث: الضمان إلاّ مع علم البائع، وقد حكي عن بعض الحواشي على الشرائع.

الرابع: التوقف في صورة علم البائع، واستظهره صاحب جامع المقاصد، والسيد العميد من عبارة العلاّمة في القواعد.


صفحه337

الخامس: التوقف مطلقاً، حكي عن الدروس والتنقيح والمسالك وهو محتمل قواعد العلاّمة.

هذه هي الأقوال الّتي جمعها الشيخ في المتاجر.(1) وقال الشيخ انّ التوقف أقرب إلى الانصاف، ثمّ قال: القول بالضمان لا يخلو عن قوة.والأقوى هو القول الثاني.

وذلك بالبيان التالي:

انّ هناك فرقاً بين الاستيلاء على مال الغير عنفاً وغصباً، وبين اقباض المالك العين للغير وقبضه بتصور أنّ العقد صحيح.

أمّا الأوّل فيمكن أن يقال انّ المال المغصوب بالقهر والعدوان مضمون على الغاصب بجميع خصوصياته وشؤونه، ومن جملة الشؤون المنافع سواء استوفاها أم لم يستوفها فيجب على الغاصب ردّ العين المغصوبة على المالك بجميع منافعها حتّى الفائتة بغير استيفاء.

وأمّا الثاني أي المقبوض باختيار المالك وإذنه فالذي تقتضيه حرمة المال ضمان المنافع المستوفاة برد قيمتها لجريان السيرة العقلائية على الضمان إذ لا وجه لأن ينتفع بمال الغير بلا عوض إلاّ إذا أذن إذناً جديداً، وأمّا غير المستوفاة فبما أنّ نسبة الدافع والقابض بالنسبة إلى فوت المنافع سيّان فلا وجه للحكم على القابض بالخروج عن المنافع الفائتة غير المستوفاة بل يُعدّ ذلك عرفاً، ظلماً وقولاً بالزور، إذ ليس له دور في فوت المنافع إلاّ نفس الدور الّذي للدافع.


1 . المتاجر:104ـ 105.


صفحه338

وحصيلة الكلام أنّ الضمان ـ بمعنى الاسم المصدري(1) ـ كون المضمون في ذمة الضامن وعهدته ـ كما هو الحال في الغصب، والمقبوض بالسوم، أو الإتلاف ـ يجب أن يكون للضامن فيه دور مستقل، وأمّا إذا لم يكن له ذلك فإلزامه بالضمان لا يناسب قاعدة العدل و الانصاف، ولم نجد دليلاً صالحاً للضمان، وإليك دراسة أدلة القول بالضمان:

1. قاعدة «على اليد»

استُدّل بقاعدة «على اليد» بضمان المنافع غير المستوفاة بالبيان السابق في ضمان المنافع المستوفاة، وهو أنّ الاستيلاء على العين استيلاء
على المنافع وأخذها أخذ بها، بل العين رمز للمنافع فلولاها لم يكن للعين قيمة.

يلاحظ عليه: بما مرّ من القدر المتيقن من الرواية ـ بشهادة رجوع الضمير في قوله «يؤديه» إلى الموصول ـ هو ضمان العين لا المنافع ولا صلة لها بالمنافع، مستوفاة كانت أو لا، نعم هو ضامن للأولى بدليل آخر.

2. قاعدة الاحترام

لا شكّ أنّ مال المسلم محترم كحرمة دمه، ودلّ عليه الروايات التالية:

أ. ما قاله رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة حجة الوداع: «دماؤكم وأموالكم


1 . المراد من الاسم المصدري هو كون الخسارة عليه سواء تعهد أم لا، في مقابل الضمان المصدري الّذي تكون الخسارة عليه لتعهده عرفاً وشرعاً.


صفحه339

عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركهم هذا وفي بلدكم هذا».(1)

ب. قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطباً لأبي ذر وفيه: «وحرمة ماله كحرمة دمه».(2)

ج. ما روي عن صاحب الدار(عج) قوله: لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه.(3)

وجه الاستدلال: هو انّ المنافع ـ كما مرّ ـ مال فلا تحل لأحد بغير إذنه، والمفروض انتفاء إذن المالك وعدم الإذن الشرعي.

يلاحظ على الاستدلال: بعد تسليم أنّ هذه الروايات بصدد بيان الحكم الوضعي ـ كما مرّ ـ إنّما يطلق المال على الموجود بالفعل أو الموجود بالقوة إذا خرج إلى عالم الوجود، وأمّا الباقي في عالم القوة الّتي هي أشبه بعالم العدم فالروايات لا تشمله أبداً.

3. قاعدة نفي الضرر

ربما يتصور أنّ الحكم بعدم ضمان القابض ـ في المقام ـ للمنافع غير المستوفاة ضرر على المالك.

يلاحظ عليه: بأنّ مفاد الحديث ـ كما حققناه في محله ـ نفي الضرر المسبّب من الناس إلى بعضهم، فهذا النوع من الضرر ـ كضرر سمرة على


1 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.

2 . الوسائل:8، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث3.

3 . الوسائل:7، الباب3 من أبواب الأنفال، الحديث7.


صفحه340

صاحب البستان ـ منفي، ولكنّ الضرر في المقام ليس نابعاً من جانب القابض بل مستند إلى الدافع ثم القابض.

4. قاعدة: «من أتلف»

وقد استدل بها السيد الطباطبائي وقال: الضمان هو الأقوى، بمعنى أنّ حالها حال العين لقاعدة الاتلاف فإنّ الاستيلاء على العين ومنع المالك عن الانتفاع بها تفويت لمنافعها ويصدق عليه الإتلاف عرفاً، ولذا يحكم بالضمان لها في الغصب.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه خلط بين يد المشتري الآخذ للعين بإذن البائع المستولي عليه حديثاً وبقاءً بطيبة نفس المالك، وبين الغاصب المستولي على العين عدواناً وقهراً، فما ذكره يتم في الثاني دون الأوّل.

5. الإجماع

وقد استظهره الشيخ الأنصاري عن كتاب السرائر، بيان ذلك: أنّ صاحب السرائر أفتى في باب الإجارة بضمان منافع المغصوب الفائتة.(2)وفي الوقت نفسه أفتى بأنّ البيع الفاسد عند أصحابنا بمنزلة الشيء المغصوب إلاّ في ارتفاع الإثم عن إمساكه.(3)


1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:96.

2 . السرائر:2/285.

3 . المتاجر:105.


صفحه341

يلاحظ عليه: انّ الإجماع المنقول ليس بحجة، خصوصاً في هذه المسألة الّتي نعلم قطعاً بعدم ورود نص فيها وصل إليهم ولم يصل إلينا، فمن المظنون أنّهم اعتمدوا على الوجوه الّتي درسناها وأثبتنا ضعفها. فالأقوى كما ذكرنا عدم الضمان.


صفحه342

 

الأمر الرابع:

ضمان المثلي بالمثل

تحليل هذه القاعدة يتوقف على دراسة أمرين:

الأوّل: ما هو الميزان في كون التالف مثلياً أو قيمياً، وهذا بحث صغروي .

الثاني: ضمان المثلي بالمثل وضمان القيمي بالقيمة وهو بحث كبروي. وقد أطال الشيخ(رحمه الله) الكلام في الصغرى وأوجز في الكبرى ولو أوجز في كليهما لكان أفضل.

فلنقدم البحث أوّلاً في الصغرى ثم في الكبرى.

اعلم أنّ هذه القاعدة لم ترد في رواية، وإنّما وقعت موقع الإجماع، في كلام الفقهاء، كما سيوافيك.

وقد عرّف المثلي والقيمي بتعاريف ربّما ناهز عددها العشرة أو أكثر، كما أورده صاحب الجواهر(1)، غير أنّ الفقهاء بتعاريفهم تلك أرادوا أن يشرحوا ما هو المرتكز في العرف، لأنّ العرف بفطرته يعرف ما هو المثلي والقيمي ويميّز بينهما بلا حاجة إلى هذه التعاريف، ولذلك لو أرجعنا القضاء في ذلك إلى العرف لكان أفضل فما حكم العرف بأنّه مثلي فيضمن بالمثل


1 . جواهر الكلام: 37 / 90.


صفحه343

وما حكم بأنّه قيمي فبالقيمة. وبالرغم من ذلك لا بأس بذكر بعض التعاريف:

الأوّل: المثلي: هو ما تتساوى قيمة أجزائه، وزاد بعضهم بالتمثيل بالحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب والأدهان. وبما أنّه ربّما لا تتساوى قيمة أجزاء نوع الحنطة فسّره بعضهم بتساوي قيمة أجزاء الصنف من النوع منه، وبما أنّه لا تتساوى قيمة أجزاء صنف واحد من النوع فسّره بعضهم بالأشخاص من الصنف.(1)

وبذلك تعرف أنّ القيمي هو الّذي يقابل المثلي أي الّذي لا تتساوى قيمة أجزائه.

فإن قلت: هذا يوجب أن لا يكون الدرهم الواحد مثلياً إذ لو انكسر نصفين نقصت قيمة مثله عن نصف قيمة المجموع.

قلت: النقض غير وارد لأنّ المراد هو نوع الدرهم أو صنفه أو شخصه الصحيح. ولذلك تساوي قيمة درهم واحد قيمة نصف الدرهمين.

فإن قلت: إن أُريد تساوي الأجزاء من صنف واحد من حيث القيمة تساوياً حقيقياً فقلّما يتفق ذلك لأنّ أشخاص ذلك الصنف لا تكاد تتساوى في القيمة لتفاوتها بالخصوصيات الموجبة لزيادة الرغبة ونقصانها، وإن أريد تقارب أجزاء ذلك الصنف من حيث القيمة وإن لم تتساو حقيقة تحقق ذلك في أكثر القيميات مثلاً فإنّ لنوع الأمة أصنافاً متقاربة في الصفات الموجبة لتساوي القيمة، وبهذا الاعتبار يصح السلم فيها. حتّى أنّ الرطب والفواكه من


1 . جواهر الكلام:37/89.


صفحه344

القيميات مع أنّ نوع كلّ منهما مشتمل على أصناف متقاربة في القيمة بل متساوية عرفاً.

قلت: قد مرّ أنّ المحور في التساوي هو تساوي أجزاء الشخص لا النوع ولا الصنف.

ولعل هذا التعريف هو أفضل التعاريف وأتقنها وهو المشهور، وهناك تعاريف أُخرى نتلوها عليك.

الثاني: المثلي ما تماثلت أجزاؤه وتقاربت صفاته، وهذا هو المحكي عن التحرير.(1)

الثالث: المثلي: المتساوي الأجزاء والمنفعة، المتقارب الصفات، وعليه الشهيدان في الدروس والروضة.(2)

الرابع: ما تساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية، وهو المحكيّ عن غاية المراد.(3)

الخامس: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن.

السادس: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن وجواز بيعه سلماً.

السابع: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن، وجاز بيعه سلماً، وبيع بعضه ببعض.


1 . تحرير الأحكام: 4 / 529 ، كتاب الغصب.

2 . الدروس الشرعية:3/113، الدرس 219; الروضة البهية: 7 / 36.

3 . غاية المراد: 135.


صفحه345

وقد حكيت التعاريف الثلاثة الأخيرة عن فقهاء السنة.(1)

إلاّ أنّ كلّ هذه التعاريف لا تحلّ العُقدة ـ لو لم تزد في الطين بلة ـ والأولى الرجوع إلى العرف، فما رآه مثلياً فهو مثلي وما رآه قيمياً فهو قيمي، والتعاريف الّتي ذكرنا أتت في خدمة العرف وبيان مرتكزه، إلاّ أنّ الّذي يجب أن نركز عليه أنّ كثيراً من القيميات صارت في أعصارنا مثليات، فقد كان الحيوان والثوب أمراً قيمياً لقلة العثور على حيوان يشبه الآخر تماماً كالغنم، وهكذا الثوب الّذي كان ينسج بالآلآت اليدوية.

ولكن بعد النهضة الصناعية أصبح كثيرٌ من القيميات أُموراً مثليّة، فإنّ مصانع النسيج تخرج إلى الأسواق كلّ يوم آلاف الأمتار من القماش وكلّ منها مثل للآخر أو صنفه أو شخصه.

وكذلك في حقول الدواجن فإنّها تنتج الطيور بوزن واحد ومواصفات متشابهة. ولذلك لا عتب على الإيجاز في التعريف وارجاع الصغرى إلى العرف، إنّما الكلام في الكبرى.

دراسة كبرى القاعدة

أمّا الكبرى فهي مركبة من شيئين:

أ. ضمان المثلي بالمثل.

2. ضمان القيمي بالقيمة.


1 . جواهر الكلام:37/90.


صفحه346

ونخص المقام بالبحث عن الأمر الأوّل، ونحيل البحث عن الأمر الثاني إلى محله.

ضمان المثلي بالمثل

المشهور هو ضمان المثلي بالمثل وقد استدل عليه بوجوه:

الأوّل: الاستدلال بالكتاب العزيز

قال سبحانه:(الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).(1)

و(الشَّهرُ الْحَرامُ) عبارة عن أشهر رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرم الحرام، سميت بذلك لحرمة القتال فيها.

فقوله:(الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرام) أي من استحل دمكم أيها المسلمون في هذا الشهر فاستحلوا أنتم دمه فيه.

وقوله: (وَالْحُرُماتُ قِصَاصٌ) أي مَن ينتهك حرمات اللّه يقتص منه ويعامل بمثل فعله، وهذا أصل عام يقطع كل عذر يتذرع به من ينتهك الحرمات، فمن استباح دماء الناس وأموالهم واعراضهم استبيح منه ما استباح هو منهم.


1 . البقرة:194.


صفحه347

وقوله: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) بيان لكيفية القصاص، وهو أن تكون العقوبة مماثلة لجناية المعتدي دون زيادة أو نقصان.

هذا هو معنى الآية، إنّما الكلام في الموصول الوارد في قوله: (بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) ففيه وجهان:

الأوّل: المماثلة في جنس الاعتداء بأن تكون مصدرية غير زمانية، فيكون معنى الآية: اعتدوا عليه بمثل اعتدائه عليكم، فإذن تختص الآية بالاعتداء بالأفعال، ويكون معنى الآية: إنّه إن أتلف أموالكم فلكم أيضاً إتلاف أمواله، وعلى هذا فلا دلالة للآية على الضمان، بل تدل على جواز الإتلاف.

ولعل هذا هو المتيقن لورود الآية في ثنايا آيات الجهاد مع المشركين، فالآية ترخص للمسلمين الاعتداء على المشركين اعتداءً مماثلاً لاعتدائهم حتّى لا يخرجوا عن حدود العدل. وأين هي من الدلالة على ضمان المثلي بالمثلي، مع أنّ الآية تركز على الأفعال، دون الأعيان.

الثاني: المماثلة في المعتدى به بأن تكون «ما» موصولة ويكون المراد بها المعتدى به، فيكون المعنى: فاعتدوا عليه بمثل الشيء الّذي اعتدى به عليكم. فيكون المراد من الموصول الأعيان الخارجية من النقد والعرض. فيصير الاعتداء كناية عن اشتغال ذمة المعتدي بالمثل، ولكن سُمّي هذا اعتداءً مجاراةً لفعل المعتدي.


صفحه348

 

الثاني: الاستدلال بالسنّة

قد ورد في غير واحدة من الروايات من أنّه إذا اقترض الخبز أو الجوز يجوز ردّ مثله وإن اختلف في الكبر والصغر، منها:

1. روى الصدوق عن الصباح بن سيابة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انّا نستقرض الخبز من الجيران ونردّ أصغر منه أو أكبر، فقال(عليه السلام): «نحن نستقرض الجوز الستين والسبعين عدداً فيكون فيه الكبيرة والصغيرة فلا بأس».(1)

2. روى إسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): استقرض الرغيف من الجيران ونأخذ كبيراً ونعطي صغيراً ونأخذ صغيراً ونعطي كبيراً؟ فقال: «لا بأس».(2)

يلاحظ عليه: انّ الروايتين بصدد بيان عدم لزوم الربا بمناسبة الصغر والكبر، لا بصدد بيان ضمان المثلي بالمثل بل تدلان على أنّ ضمانه به كان أمراً فطرياً ارتكازياً.

الثالث: الإجماع

قال صاحب الجواهر: إنّ ضمان المثلي بالمثل من قطعيات الفقه كما يومي إليه أخذه مسلماً في سائر أبوابه. ففي «جامع المقاصد» الإجماع عليه ،


1 . الوسائل:13، الباب21 من أبواب الدين والقرض، الحديث1.

2 . نفس المصدر: الحديث2.


صفحه349

بل في «غاية المراد» أطبق الأصحاب على ضمان المثلي بالمثل.(1)

والظاهر انّ الدليل الوحيد هو الإرتكاز، وليس الإجماع كاشفاً عن الدليل بل إجماعهم لأجل وجود السيرة العقلائية على ضمان المثلي بالمثل، وذلك لقضاء العرف على أنّه إذا لم يتمكن من ردّ العين يرجع إلى الأقرب من التالف وهو المثل.

ويمكن أن يوجه الارتكاز بما ذكره المحقّق النائيني بقوله: انّ مقتضى النبوي انّ كلّ ما دخل تحت اليد يجب على الضامن ردّه، فمادامت العين موجودة تدخل بخصوصياتها النوعية والشخصية والمالية تحت الضمان، وإذا تلفت لابدّ من ردّ عوضها، فإذا لم يتمكن من ردّ الخصوصية الشخصية تبقى النوعية والمالية في ضمان الشخص.(2)

ويقول المحقّق الاصفهاني: نعم إذا دخلت العين في العهدة فقد دخلت بجميع شؤونها فيها، فإذا تلفت فقد تلفت بجميع شؤونها وحيثياتها، ومن أحكام عهدة العين التالفة شرعاً وعرفاً أداء بدلها بطبيعتها المماثلة وبماليتها، إذا أمكنتا، وبالأخيرة إذا لم يمكن.(3)

ولعلّ ما ذكره كان توضيحاً لما هو المرتكز، والظاهر عدم الحاجة إلى هذه الإطالة، ويكفي في ذلك انّ كيفية الضمان أمر عقلائي لا يختص بدائرة الشرع ولا بالمسلمين، وحكم العقلاء في أبواب الغصب وفي إتلاف الأمين


1 . جواهر الكلام :37 / 85.

2 . منية الطالب:135.

3 . تعليقة المحقّق الإصفهاني:79.


صفحه350

أو الإتلاف من دون يد، هو ضمان المثليات بالمثل، فلا تجد تخلفاً عن ذلك من غير فرق بين باب الغرامات والضمانات.

إذا شُكّ في كون شيء مثلياً أو قيمياً

إذا شك في كون شيء مثلياً أو قيمياً ـ ولعلّ هذا الفرض قليل أو نادر ـ وإن كان الظاهر من الفقهاء أنّه شائع حيث اختلفوا في أنّ الذهب والفضة المسكوكين مثليان كما عليه الفقهاء، أو قيميان كما عليه الشيخ في المبسوط(1)، كما اختلفوا في الحديد والنحاس والرصاص، وكذلك اختلفوا في الرطب والعنب والزبيب والتمر.(2)

والمستفاد من الكلمات هو الضمان بالمثل، وسيأتي من الشيخ استثناء مورد من هذه الضابطة.

واستدل على الضابطة بأنّ كلّ ما أجمعوا على كونه قيمياً يؤخذ به، وأمّا في موارد الشك فيجب الرجوع إلى المثل، لأنّ مقتضى عموم الآية والأخبار وجوب المثل في جميع الموارد خرج منه ما أجمعوا على كونه قيمياً، إلاّ أنّ القيمي مردد مفهوماً بين الأقل والأكثر، ويقتصر في التخصيص على القدر المعلوم وهو ما أُجمع على كونه قيمياً، فيبقى المشكوك تحت العموم.(3)

توضيح ذلك: أنّه إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم الفساق


1 . المبسوط:3/60.

2 . المبسوط:3/99; مختلف الشيعة:6/135.

3 . المتاجر:106.


صفحه351

من العلماء، فصار مفهوم الفاسق مجملاً مردداً بين كونه مرتكب الكبيرة أو أعم منه ومرتكب الصغيرة، فيقتصر في تخصيص العام بالأقل المتيقّن وهو الكبيرة ويرجع في الصغيرة إلى العام.

يلاحظ على الاستدلال: بانّ ما ذكره صحيح فيما إذا كان المخصص دائراً بين الأقل والأكثر مفهوماً كما في المثال المذكور لا مصداقاً كما هو الحال في المثال التالي: إذا قال: لا تكرم الفساق، وتردد الفاسق بين التسعة والعشرة مصداقاً ففي هذا المقام لا يتمسك بالعموم في الفرد الزائد على التسعة. ونظيره المقام فإنّ القيمي معلوم مفهوماً، إنّما الإشكال في المصداق كالأمثلة الّتي تقدمت.

وربما يرجع في نفس المسألة (إذا شك في كون شيء مثلياً أو قيمياً) إلى القرعة تارة وإلى حكم الحاكم أُخرى، ولكن الرجوع ضعيف لأنّ موردهما الشبهة الموضوعية، كما إذا تردد الغنم الموطوء بين مائة رأس. لا مثل المقام حيث إنّ الشك تعلق بالحكم الكلي وهو: إذا دار الشيء بين كونه مثلياً أو قيمياً فماذا يكون حكمه الشرعي؟

والأولى أن يستدلّ على الرجوع بالمثل بالوجهين التاليين:

1. إنّ اللازم أوّلاً ردّ نفس العين بجميع خصوصياتها النوعية والصنفية والشخصية والمالية. فإن تلفت العين ولم يتمكن من المحافظة على الخصوصيات الشخصية يجب المحافظة على الخصوصيات النوعية والصنفية والمالية، وإن لم يتمكن من المحافظة على الخصوصيات يجب


صفحه352

المحافظة على المالية، ويترتب على ذلك انّه لو تمكن من ردّ المثل لا تصل النوبة إلى القيمة.

2. انّ الاشتغال اليقيني بردّ مال الغير يقتضي ردّ المثل، إذ معه يحصل اليقين بالخروج عن الاشتغال دون القيمة.

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري استثنى منها مورداً وقال:«وما شك في كونه قيمياً أو مثليّاً ملحقا بالمثلي مع عدم اختلاف قيمتي المدفوع والتالف ومع الاختلاف(نقصان المثل عن التالف من حيث القيمة نقصاناً فاحشاً) أُلحِقَ بالقيمي.

قلت: لعلّ وجهه ان المقام يكون من قبيل دوران الأمر بين المتباينين حيث إنّ الواجب مردد بين الخروج عن الذمة بالدرهم والدينار وبين الخروج عنها بالمثل. ومقتضى تحصيل البراءة اليقينية هو دفع القيمة.

وإنّي أرى أنّ الإطناب في المقام غير مطلوب إذ قلّما يتفق للعرف الشك في كون شيء مثلياً أو قيمياً، ولو كان الشك غير عزيز في الأعصار السابقة ولكن الحضارة الصناعية تجاوزت عن هذه المسألة.


صفحه353

 

الأمر الخامس:

إذا لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل

قال العلاّمة في القواعد: لو لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل ففي وجوب الشراء تردد.(1)

أقول : للمسألة صورتان:

الأُولى: إذا كان ارتفاع القيمة لأجل ارتفاع السوق وذلك لكثرة الرغبات والطلبات، فصارت قيمة المثل أكثر من قيمة التالف يوم تلفه، وبعبارة أُخرى: إنّ ارتفاع القيمة لم يكن لعزّة وجوده وقلة حصوله بل الوجود غير عزيز ولكن القيمة مرتفعة لأجل زيادة الطلب.

الثانية: إذا كان ارتفاع القيمة لعزة الوجود وفقده، إلاّ عند من يعطيه بأزيد ممّا يرغب فيه الناس حتّى مع وصف الإعواز بحيث يُعدّ بذل ما يُريد مالكه بإزائه ضرراً عرفاً.

أمّا الصورة الأُولى: فلا إشكال في وجوب شراء المثل وإبراء الذمّة وذلك لوجوب ردّ مال الناس إليهم من غير فرق بين عدم ارتفاع القيمة أو ارتفاعها، ولا يُعدّ ذلك إضراراً من الناس بالنسبة إلى الدافع.


1 . قواعد الأحكام:2/227.


صفحه354

أضف إلى ذلك أنّ الحكم بالضمان ورد في مورد الضرر، فلا يرتفع بدليل نفي الضرر.

وامّا الصورة الثانية: فقد تردد فيها الشيخ بادئ الأمر وقال: فيمكن التردد فيها لأنّ الموجود بأكثر من ثمن المثل كالمعدوم، كالرقبة في الكفارة والهدي في الحج، لكنّه(قدس سره) قال بوجوب الشراء بنفس الدليل المذكور في الصورة الأُولى، ويريد بذلك عموم النص والفتوى.

ولكن المساعدة مع ما ذكره الشيخ مشكلة، لحكومة قاعدة نفي الضرر على العمومات.

وإن شئت قلت: انّ عزة الوجود إلاّ عند من لا يبيع إلاّ بأزيد من ثمن المثل حتّى في حال الغلاء والقحط، تُلحقُ المورد بالمعدوم، فينتقل إلى القيمة لعدم شمول إطلاقات الأدلة لهذا النوع من المثل، اللّهم إلاّ إذا كانت الزيادة قليلة يتسامح فيها الناس عادة، فيجب عليه شراء المثل.

نعم لو أقدم بنفسه وحده ـ كما في الغاصب ـ كان لما ذُكر وجه، وامّا في مسألتنا ففي صورة الجهل ليس المشتري مُقْدماً على الضرر.


صفحه355

 

الأمر السادس:

لو تعذر المثل في المثلّي

لو تعذر المثل في المثلي، بمعنى انّ المثل كان موجوداً فلم يغرمه حتّى فُقد أو كان مفقوداً حين التلف، ففي المقام أُمور:

1. وجوب دفع القيمة مع المطالبة

إذا فقد المثلُ فهل يجب على القابض دفع القيمة أو لا؟ فهنا صورتان:

أ. أن يطالب المالك بحقه من القابض فيجب دفع القيمة.

ووجهه واضح، لأنّ منع المالك من المطالبة ظلم، ومن جانب آخر إلزام الضامن بالمثل منفيٌّ بالتعذر، فوجبت القيمة جمعاً بين الحقّين.

ب. أن لا يطالب بحقه ويصبر إلى العثور على المثل، فعندئذ لا دليل على سقوط حقه عن المثل، ولم يكن للقابض إجباره بالقيمة.

وبذلك يُعلم أن من أطلق الحكم بالقيمة عند تعذر المثل لعله أراد صورة المطالبة.


صفحه356

 

2. ما هو المعتبر في قيمة المثل المتعذر

هنا عدّة احتمالات نذكر منها ما يلي:

أ. قيمة يوم الأخذ.

ب. قيمة يوم التلف.

ج. قيمة يوم الدفع.

د. أعلى القيم من زمان الأخذ إلى زمان الدفع.

هـ. أعلى القيم من زمان التلف إلى زمان الأداء.

وقد ذكر العلاّمة بعض هذه الاحتمالات في القواعد، قال: ففي القيمة المعتبرة، احتمالات:

أ. أقصى قيمته من يوم الغصب إلى التلف.

ب. أقصى قيمته من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز.

ج. أقصى القيم من وقت الغصب إلى الإعواز.

د. أقصى القيم من وقت الغصب إلى وقت دفع القيمة.

هـ. القيمة يوم الإقباض(يوم الدفع).(1)

والاحتمال الأخير هو المشهور.


1 . قواعد الأحكام:2/227ـ 228، ولاحظ: جامع المقاصد:6/253ـ 254.


صفحه357

قال الشيخ: المشهور انّ العبرة في قيمة المثل المتعذر، بقيمته يوم الدفع، وهو الأقوى.

وذلك لأنّ القابض بغير حق شرعي لفساد العقد مسؤول بالنسبة إلى ما أخذ وهو على عهدته لا بمعنى أنّ العين الشخصية في ذمته حتّى يقال انّ العين الخارجية ظرفه الخارج والذمة ظرف للكليات. بل بمعنى أنّ القابض بأخذ مال الغير صار مسؤولاً بالنسبة لما أخذ فما لم يخرج عن العهدة والمسؤولية، فهو مسؤول عن العين لا عن مثلها ولا قيمتها، وإنّما يحصل الانقلاب لأجل الإعواز بالتراضي بالعوض، فتقوّم العين ـ على فرض وجودها ـ وتدفع قيمتها إلى البائع. وهذا عبارة أُخرى عن ضمان قيمة المثل يوم الدفع.

وبذلك يُعلم وجود المسامحة في عبارة الشيخ حيث قال: المعتبر في قيمته المثل المتعذر بقيمته يوم الدفع لأنّ المثل ثابت في الذمة إلى ذلك الزمان فلا دليل على سقوطه بتعذره، كما لا يسقط الدين بتعذر أدائه.(1)

وجه المسامحة: انّ الصحيح هو أن يقول: إنّ العين ثابتة في الذمة إلى ذلك الزمان... إلى آخر ما ذكره.

وبذلك يُعلم حال سائر الاحتمالات وضعفها، لأنّ أكثرها مبنيّة على انقلاب المثلي إلى القيمة يوم الإعواز أو يوم التلف أو يوم أدائها، وقد عرفت انّ المسؤولية بالنسبة إلى العين باقية إلى يوم التلف ولا أثر لارتفاع القيمة أو نزولها بين الدفع وقبض العوض.


1 . المتاجر:107.


صفحه358

وقد أطال الشيخ الكلام بذكر الاحتمالات المتقدمة وما يصلح دليلاً عليها ولكن الجميع احتمالات ضعيفة مبنية على أصل غير صحيح وهو تبدل المسؤولية من العين إلى غيرها.

فإن قيل: إنّ الضمان لابدّ وأن ينتقل إلى القيمة عند إعواز المثل وإلاّ لم ينتقل إلى المثل أيضاً عند تلف العين الشخصية.

قلت: قد عرفت أنّ الثابت في الذمة ـ بمعنى مسؤولية الإنسان تجاه المالك ـ هو نفس العين من غير فرق بين المثلي والقيمي، فما ذكره في ذيل كلامه: «وإلاّ لم ينتقل إلى المثل أيضاً عند تلف العين الشخصية» غير صحيح. إذ لا ينتقل إلى المثل عند التلف بل الثابت في الذمة مطلقاً هو العين إلى زمان الخروج عن العهدة.

3. تعذر المثل من أوّل الأمر

ثمّ أنّ الظاهر من كلام العلاّمة في «القواعد» أنّ موضوع المسألة هو ما إذا لم يتعذر المثل حين التلف وإنّما فُقد بعده، حيث قال: لو تلف المثلي في يد الغاصب ـ و المثل موجود فلم يغرمه حتّى فقد ـ. ولكن الظاهر عدم الفرق، لما عرفت من أنّ المسؤولية بالنسبة إلى العين تبقى إلى حين الخروج عن الذمة، فوجود المثل حين التلف وعدمه لا يؤثر فيما ذكرنا.

نعم يمكن أن يتوهم على القول بانقلاب ضمان العين إلى المثل عند التلف.


صفحه359

4. ما هو المناط في التعذر والإعواز

حُكي عن العلاّمة أنّه قال: إنّ المراد بإعواز المثل أن لا يوجد في البلد ولا حوله، وزاد في المسالك قوله: ممّا يُنقل عادة منه إليه، وعن جامع المقاصد: انّه يرجع فيه إلى العرف. ويظهر من الشيخ قول رابع وهو وجوب تحصيل المثل وإن توقف تحصيله على مؤونة كثيرة.

ولكن الظاهر ما ذكره الاعلام الذين تعرّفت على كلامهم، فإنّ سيرة العقلاء جرت في الإعواز وعدمه، وهو وجود المثل وعدمه في البلد وأطرافه، وأمّا البلد النائي أو البلاد النائية الّتي يتوقف تحصيل المثل منها على مؤونة كثيرة فهو ضرر على المشتري.

5. معرفة قيمة المثل

إذا فرضنا إعواز المثل فهل الملاك في التعرف على قيمته، فرض وجوده ولو في غاية العزّة كالفاكهة في أوّل زمانها أو آخره، أو فرض وجوده في غاية الوفرة؟ أو لا هذا ولا ذاك، بل المتوسط بين الفرضين، كما هو الحال في أكثر الموارد وهو الأقوى.

وربما يقال أنّه يقدر وجوده حتّى على نحو العزة، لأنّ المفروض أنّ الثابت في الذمة هو المثل، والقيمة هي قيمته بلا زيادة.

يلاحظ عليه: بأنّ قيمة المثل إذا كانت مختلفة فلماذا تعيّنت قيمة ذلك المثل؟ ـ أضف إلى ذلك ـ أنّه يستلزم الضرر على المشتري من جانب البائع


صفحه360

إذ من المعلوم انّه ترتفع قيمة المثل عند عزة الوجود إلى أضعاف قيمته عند الوفرة. ثم إنّ ما ذكرنا أنّ الملاك هو الزمان المتوسط بين العزة والوفرة لا ينافي ما ذكرنا من كون القابض مسؤولاً عن العين، لكن كيفية الخروج عن العهدة إنّما هو بلحاظ الشيء في وقت لا نادر ولا وافر.

6. سقوط العين عن المالية

لو سقط المثل عن المالية بالمرّة كالماء على الشاطئ إذا أتلفه في المفازة، والثلج في الشتاء إذا أتلفه في الصيف، فلا مناص من دفع القيمة، إنّما الكلام في تعيين قيمته فلا يمكن أن يقال تجب عليه قيمة يوم الدفع، لخروجه عن المالية، ولعل العرف يساعد على قيمة اليوم الّذي سقط فيه المثل عن المالية.

7. إذا تمكن من المثل بعد تعذره

لو دفع القيمة في المثلي المتعذر مثله، ثم تمكن من المثل، فهل يعود المثل إلى ذمته أو لا؟ وجهان:

1. لا يعود المثل إلى ذمته لأنّ المثل كان ديناً في الذمة، سقط بأداء عوضه مع التراضي فلا يعود، كما لا يعود لو تراضيا بعوضه مع وجود المثل.

2. يعود، لانّ المثل بتعذره النازل منزلة التلف صار قيمياً، لا مطلقاً فلذلك يحتمل وجوب المثل عند وجوده لأنّ القيمة حينئذ بدل الحيلولة عن المثل وحكمه حكم المبدل عند انتفاء الحيلولة.


صفحه361

يلاحظ عليه: انّ الظاهر هو الأوّل وذلك لما عرفت من أنّ الثابت في الذمة في المثلي والقيمي هو العين مطلقاً، غير انّ الطرفين يتفقان على سقوط ما في الذمة بالمثلي تارة إذا كان أقرب إلى العين، وبالقيمة ـ تارة أُخرى ـ فإذا كان المثلي متعذراً. فالاتفاق على السقوط نوع تعاهد من الطرفين على الإبراء مطلقاً سواء وجد المثل بعد أم لم يوجد.

وتصور أنّ دفع القيمة كبدل الحيلولة فإذا تمكّن من ردّ العين، يجب ردّها، بعيد عن أذهان العرف، لأنّ في دفع بدل الحيلولة نوع توقيت لما أخذ، كما إذا جعل الخشب المغصوب جزءاً للسفينة وهي في البحر، فما يأخذه من القيمة يكون بدل الحيلولة إلى أن تصل السفينة إلى الساحل ويأخذ خشبته وهذا بخلاف المقام، فإنّ المتبادر هو انتهاء الأمر بينهما بأخذ القيمة، وإنهاء المخاصمة بأخذها.

Website Security Test