welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه295

 

في شمول القاعدة للمنافع والأعمال

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري أورد على دلالة الحديث بأنّ مورده مختص بالأعيان فلا يشمل المنافع والأعمال المضمونة في الإجارة الفاسدة.

ثم أجاب بأنّه يمكن أن يستدل على الضمان فيها بقواعد أُخرى نظير احترام مال المسلم، وأدلة نفي الضرر فلابدّ من أداء عوضه لقاعدتي الاحترام ونفي الضرر.(1)

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن الإشكال بأنّ مورده وإن كان مختصّاً بالأعيان إلاّ أنّ قضية كونها مضمونة، هي ضمان منافعها، فضمان المنافع في الإجارة الفاسدة إنّما يكون بتبع ضمان العين المستأجرة، وبالجملة قضية ضمان اليد ضمان المنافع في ما كانت العين مضمونة بها، فاختصاص مورده بالأعيان لا يوجب اختصاص الضمان بها.(2)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره خارج عن مورد البحث فإنّ مورد النقض عبارة عن الإجارة الفاسدة والعين فيها غير مضمونة، فكيف تكون المنافع مضمونة بتبعها؟

والأولى أن يقال أنّ الأخذ والردّ أشبه بالمتضايفين فلو أمكن الأخذ لأمكن الردّ أيضاً، ولا شكّ انّ المنافع مأخوذة بأخذ العين فتكون مردودة بردّها.


1 . المتاجر:103.   

2 . تعليقة المحقّق الخراساني:18.


صفحه296

حكم المسابقة الفاسدة

بقي الكلام في ضمان بعض الأعمال المضمونة الّتي لا يرجع نفعها إلى الضامن، ولم تقع بأمره، كالسبق في المسابقة الفاسدة، فهل يُضمن للسابق، لا بالمسمّى بل بأُجرة المثل.

ربما حُكي عن الشيخ الطوسي(1) والمحقّق(2) عدم استحقاق السابق أُجرة المثل قائلين: بأنّ عمل العامل لم يعد نفعه إلى الآخر ولم يقع بأمره أيضاً، فاحترام الأموال الّتي منها الاعمال لا يقضي بضمان الشخص له ووجوب عوضه عليه، لأنّه ليس كالمستوفى له، ولذا كانت شرعيته على خلاف القاعدة حيث إنّه بذل مال في مقابل عمل لا ينفع الباذل.(3)

توضيحه: أنّ مناط الضمان أحد أُمور ثلاثة:

أ. الاستيلاء على أموال الناس وإن لم ينتفع بها.

ب. استيفاء المنافع.

ج. الأمر بعمل محترم مع صدوره من المأمور في الخارج، سواء أوَصَلَ نفع ذلك العمل إلى الآمر أم لم يصل إليه.

وهذا البيان لا بأس به وإن كان لا يخلو عن تأمل كما سيأتي.

ويظهر من المحقّق الخوئي انّ المسابقة صحيحة كانت أم فاسدة من


1 . المبسوط:2/302.

2 . شرائع الإسلام:2/240.

3 . المتاجر:103.


صفحه297

مصاديق القمار لأنّه أكل المال بالباطل، غير أنّه قد خرجت منها المسابقة الصحيحة لمصالح خاصة وأمّا غيرها فهو باق على حرمته.(1)

أقول: الظاهر أنّ الاستدلال غير تام لانّ المسابقة لو كانت من مصاديق القمار لكانت من مصاديق الفحشاء، واللّه لا يأمر بها.

قال سبحانه حاكياً عن المشركين حيث كانوا يعللون ويوجهون أعمالهم السيئة بقولهم:

(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).(2)

وعلى هذا فالمسابقة ليست من مقولة القمار، والقمار عبارة عن أكل المال بالباطل وهو عمل لا يعود على المجتمع بالنفع ولا ينتفع به إلاّ المقامر، وهذا بخلاف المقام فإنّ في تشريع المسابقة والرمي تعبئة عسكرية تضفي على المجاهدين القوة والقدرة وتكون تجسيداً لقوله سبحانه:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ).(3)

فينحصر الاستدلال بما مرّ من أنّ وجه الضمان أحد الأُمور الثلاثة والكلّ غير موجود.

ولكن يمكن أن يقال: أنّ هناك أمراً ضمنيّاً من أحد المتسابقين بالنسبة


1 . مصباح الفقاهة:2/353.

2 . الأعراف:28.

3 . الأنفال:60.


صفحه298

إلى الآخر كأنّه يقول: إرم فإن كنت فائزاً فمني لك كذا، وهكذا الآخر، هذا فيما إذا كان عقد الترامي بين شخصين، وربما يكون الآمر غير المتسابقين كالنوادي والمؤسسات الّتي تعقد هذه المسابقات في ميادين وحلبات السباق الخاصّة، فتكون هي الآمرة والباذلة.

علم الدافع وجهله

الصور المتصورة من ضرب علم وجهل كلّ من الدافع والآخذ، أربعة:

1 . أن يكونا عالمين.

2. أن يكونا جاهلين.

3. أن يكون الدافع عالماً والآخذ جاهلاً.

4. أن يكون الدافع جاهلاً والآخذ عالماً.

فالظاهر من الشيخ وغيره هو الضمان في جميع الصور أخذاً بإطلاق دليل «على اليد»، والسيرة العقلائية القائمة على ضمان اليد مع الإقدام.

وربما يناقش في الضمان في موردين:

1. إذا كانا عالمين فإن علم كلّ من الدافع والآخذ بفساد العقد يدخل الموضوع تحت التسليط المجاني، فالدافع سلّط الآخذ على المال بغير عوض شرعي، وهكذا الآخذ، فلو كان هناك تلف فلا يضمنه الآخذ، لكون التسليط مع اعتقاد الفساد كان بالمجّان.

وفصّل المحقق النائيني بين الحكم التكليفي أعني حرمة التصرف


صفحه299

ووجوب الردّ، والحكم الوضعي أعني الضمان فقال بالأوّل دون الثاني قائلاً بانّه:فرق بين الرضا الحاصل من باب أنّه ملك للقابض للجهل بالفساد أو للبناء على الصحة تشريعاً (عند العلم بالفساد) أو لا هذا ولا ذاك بل مجرد البناء المعاملي ولو عصياناً، كما في بناء الغاصب والمقامر ونحوهما على البيع، وبين الرضا الحاصل من باب أنّه ملك للآذن، وما يوجد في المقبوض بالعقد الفاسد هو الأوّل، والمفروض أنّ الشارع لم يرتب عليه الأثر فالأقوى بالنسبة إلى الحكم التكليفي هو حرمة التصرف ووجوب الرد فوراً.(1)

أقول: الظاهر هو العكس وانّه يجوز التصرف ولا يجب الردّ لكنّه لو تلف يكون ضامناً وذلك; أمّا الأوّل فلأنّ المورد داخل تحت قوله: «أو للبناء على الصحة تشريعاً»، وإن شئت قلت: وجود رضا بتصرف المأذون في ملك الآذن مطلقاً سواء أصحت المعاملة عند الشرع أم لا.

وأمّا الحكم الوضعي فالميزان في الضمان هو تسليط الآخر على ماله مع العوض سواء أقرّ بتسليطه الشارع أم لا، وكون العقد فاسداً لا يلازم أنّ الرجل سلّط الغير على ماله بلا عوض، بل ربما يكون غير متشرع وكان يتعامل معاملة القوانين الوضعية القائلة بالصحة.

2. إذا كان الدافع عالماً والآخذ جاهلاً، فتأتي هنا مشكلة الغرور، حيث إنّ الجاهل أقدم على المعاملة بتصور أنّ الضمان بالمسمى ، فلو كانت قيمة المثل أكثر من المسمّى بأضعاف، يعدّ تسليط الدافع العالم بالفساد للآخذ على المال إغراءً منه للآخذ. وعلى هذا فلو قلنا بالضمان فإنّما يضمن


1 . منية الطالب:1/116.


صفحه300

بالمسمى وإن كان أقل من قيمة المثل.

يلاحظ عليه: بأنّ الغرور إنّما يصدق إذا كان من الدافع تمهيد لدعوة الآخذ على المعاملة ـ كما ربما يتفق ـ ولكن المفروض انّه لم يكن هناك أي تمهيد من الدافع، وإنّما تبايعا على نسق سائر المعاملات الصحيحة، ومجرد علم الدافع وسكوته لا يستلزم الغرور بمعنى الخدعة.

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري(رحمه الله) ذكر النقوض الواردة على عكس القاعدة فانهاها إلى خمسة ولم يذكر النقوض الواردة على الأصل فما يمكن أن يورد به على الأصل الإيجابي بالنقض بالبيع من السفيه المحجر عليه لو تلف المبيع في يده مع كون القبض بإذن البائع، فقد حكموا بفساد البيع وعدم تعلق الضمان بالسفيه وإن فُكّ حَجْره.

قال العلاّمة في القواعد: فإن اشترى بعد الحجر فهو بحجره باطل. ويسترد البائع سلعته إن وجدها، وإلاّ فهي ضائعة إن قبضها بإذنه، عالماً كان البائع أو جاهلاً.(1)

أقول: الظاهر التفصيل بين علم الدافع بسفه القابض وجهله، ففي الأول لا يضمن السفيه إن تلف لأنّ الدافع هو الذي سلط على ماله من لا يجوز تسليطه على أمواله، فكيف على مال الغير، يقول سبحانه:(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاء أَموالكُمُ الّتي جعَل اللّه لَكُم قياماً)(2).

بخلاف ما إذا كان جاهلاً ولم يكن في المورد مظنة السفه حتى لا


1 . قواعد الأحكام: 2 / 137 .

2 . النساء: 5.


صفحه301

يكون مقصراً في الاختبار فالظاهر ضمانه إذا كان البيع باذن الولي فلا مناص من القول بضمان السفيه بعد فك حجره.

عكس القاعدة

ما تقدم كان حول القاعدة الإيجابية وأمّا السلبية أعني«ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» فدليلها انّ الصحيح من العقد إذا لم يقتض الضمان مع إمضاء الشارع له، فالفاسد الّذي هو بمنزلة العدم لا يؤثر في الضمان، لأنّ سبب الضمان أحد أمرين:

1. إقدام المتعاملين على الضمان، والمفروض عدمه، وإلاّ لضمن بصحيحه.

2. حكم الشارع بالضمان بواسطة هذه المعاملة الفاسدة، والمفروض أنّها لا تؤثر شيئاً.

فعلى هذا فلو وهب شيئاً بعقد فاسد لا يضمنه المتهب، لأنّه لا ضمان عند الصحة، لافتراض انّ الواهب لم يحفظ حرمة ماله، وأهدر كرامته فيكون في صورة الفساد كذلك لاتحاد المناط.

وبعبارة أُخرى: انّ الأدلة الدالة على الضمان عند الصحة لا تشمل المقام إذ هي عبارة عن الأُمور التالية:

1. حرمة مال المسلم.

2. إقدامه على أن يكون ماله مضموناً.


صفحه302

3. كون عدم الضمان موجباً للضرر.

4. الإجماع على الضمان.

والكلّ غير جار في المقام، لأنّه هو الّذي سلّط الغير على ماله مجّاناً فهدر حرمة ماله وكرامته وأقدم على المعاملة بلا ضمان وبلا عوض. ولو تضرّر فالضرر نابع من جانبه لا من جانب الآخذ. وليس في المقام إجماع على الضمان لو لم يكن على خلافه.

ثمّ إنّ الشيخ استدل على عدم الضمان ـ وراء ما ذكر ـ بالأولوية.

وحاصلها: أنّ الرهن لا يضمن بصحيحه فكيف يضمن بفاسده .

وجه الأولوية : أنّ الصحيح إذا كان مفيداً للضمان أمكن أن يقال: إنّ الضمان من مقتضيات الصحيح، فلا يجري في الفاسد لكونه لغواً غير مؤثر على ما سبق تقريبه: من أنّه أقدم على ضمان خاص والشارع لم يمضه فيرتفع أصل الضمان.(1)

وهذا بخلاف ما إذا كان عدم الضمان من مقتضيات الصحيح فيكون عدم الضمان من مقتضيات الفاسد بوجه أولى.

ولكنّه عدل عنه وقال: أنّه يجوز أن تكون صحة الرهن والإجازة المستلزمة لتسلط المرتهن والمؤجر على العين شرعاً مؤثرة في رفع الضمان بخلاف الفاسد الّذي لا يوجب تسلطاً لهما على العين فلا أولوية.
وتبعه المحقّق النائيني وقال: بأنّ المالك في القبض الصحيح إذا سلّط القابض


1 . المتاجر:104.


صفحه303

على ماله مجّاناً، تخرج يده عن عموم «على اليد...» إمّا تخصّصاً، أو تخصيصاً، وملاكه في الفاسد بعينه هو الملاك في الصحيح ، ولا أولويّة لأحدهما.(1)

والأولى أن يستدل على عكس القاعدة بعدم جريان أدلة الضمان كما أوضحناه.

إشكال وإجابة

أمّا الإشكال فهو انّ الفاسد وإن لم يكن له دخل في الضمان إلاّ أنّ مقتضى عموم «على اليد» هو الضمان، خرج منه المقبوض بصحاح العقود الّتي تكون مواردها غير مضمونة على القابض وبقي الباقي.

وامّا الجواب فيمكن أن يقال بأنّه لا إطلاق لقاعدة «على اليد» في الصور الّتي يسلّط المالكُ الغير على ماله بلا عوض ويُهدر حرمة ماله وكرامته، وذلك بالاستظهار من متن الحديث حيث إنّه يركز على الضمان فيما إذا أخذ ما يجب على الآخذ ردّه، وهو ينحصر في المقبوض غصباً والمقبوض بالعقد الفاسد الّذي لا يرضى المالك بخروج العين عن ملكه بلا عوض. وأمّا فيما أخذ ما لا يجب عليه ردّه كما إذا استأمنه عليه أو ملكه بلا عوض ففي هذه الموارد لا يجب على الآخذ الردّ ما لم يطلب المالك ملكه، فالحديث منصرف عن هذه الصور.

وإن شئت قلت: انّ لحن الحديث، لحن توبيخيّ، ويدلّ على بقاء


1 . منية الطالب:1/122.


صفحه304

العين في يد القابض ممّا لا يرضى صاحبها فيناسب اليد العدوانية أو ما يقرب منها أعني ما لا يرضى صاحب العين خروجها عن ملكه إلاّ بعوض يملأ مكانها، ولا عموم للحديث لغير هذين الموردين.

والّذي يؤيد عدم العموم، انّ للحديث شأن صدور، ومن البعيد صدوره عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ارتجالاً بلا تقدم سؤال أو نظيره، ومثل هذا الاحتمال القوي يسلب الاعتماد على إطلاق الحديث حتّى يستدل به على المقام.

ثمّ إنّ الشيخ أجاب عن الإشكال بما حاصله:

انّ عموم ما دلّ على أنّ «مَن لم يُضمّنه المالك فهو ليس بضامن» دليل على عدم الضمان في هذه العقود صحيحها وفاسدها، هذا إجمال الجواب.

ولكنّه قسّم العقود الفاسدة غير المضمونة إلى قسمين:

1. ما لا يكون فيه تمليك، كما إذا دفعه إليه للانتفاع به كالعارية، أو الإجارة، أو استأمنه عليه لحفظه كما في الأمانة أو دفعه إليه لاستيفاء حقه أو العمل فيه بلا أُجرة كالخيّاط المتبرع، أو معها كما في الصانع غير المتبرع.

2. ما دفعه إليه تمليكاً بلا عوض كما في الهبة.

أمّا القسم الأوّل فقد استدل على عدم الضمان فيه بعموم ما دلّ على أنّ «من استأمنه المالك على ملكه فهو غير ضامن» بل ليس لك أن تتهمه.

وأمّا الثاني فقد استدل على خروجها من عموم اليد بفحوى خروج مورد الاستئمان، فإنّ استئمان المالك لغيره على ملكه إذا اقتضى عدم ضمانه له، اقتضى التسليطُ المطلق عليه مجاناً عدم ضمانه بطريق أولى، ثم قال:


صفحه305

والتقييد بالمجانية لخروج الهبة المعوضّة.(1)

ثمّ إنّه لم يأت بدليل على العموم الّذي ادعاه من أنّ «من استأمنه المالك على ملكه فهو غير ضامن».

ولعلَّ نظره(رحمه الله) إلى الروايات التالية:

1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان، وقال: ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن».(2)

2. عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) قال سمعته يقول: لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت أو سرقت أو ضاعت إذا كان المستعير مأموناً».(3)

3. ما رواه غياث عن إبراهيم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)أُتي بصاحب حمّام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمّنه، وقال: إنّما هو أمين.(4)

***


1 . المتاجر:104.

2 . الوسائل:13، الباب1 من كتاب العارية، الحديث 6و 10.

3 . نفس المصدر، الحديث 10 .

4 . الوسائل:13، الباب 28 من أبواب الإجارة، الحديث1.


صفحه306

 

نقوض القاعدة

ثمّ إنّه أوردت نقوض على عكس القاعدة وحاول المحققون دفعها عنها مع انّ عكس القاعدة كأصلها لم يرد في آية ولا رواية فلا مانع من أن ينتقض في بعض الموارد.

نعم الّذي نُركز على كليته وعدم ورود النقض عليه هو أنّ ملاك عدم الضمان عبارة عن كون قرار المتعاملين على عدم الضمان أو لم تكن هناك يد و هذا هو الذي لا يقبل النقض، وإليك دراسة بعض النقوض:

النقض الأوّل: النقض بضمان العين المستأجرة بالعقد الفاسد

انّ العين المستأجرة بالعقد الصحيح لا تضمن، ولكنها مضمونة بالعقد الفاسد ـ عند بعضهم ـ وإن اختار البعض الآخر منهم خلاف ذلك.

قال المحقّق الثاني: وهل العين مضمونة بالاستيفاء؟ يلوح من كلامهم العدم، والّذي ينساق إليه النظر كونها مضمونة، لأنّ التصرف في العين غير جائز(1) فهو بغير حق، فيكون ـ في حال التصرف ـ استيلاؤه عليها بغير حق، وذلك معنى الغصب.

ثمّ إنّه(قدس سره) اختار عدم الضمان وقال: أنّه دخل معه على عدم الضمان بهذا


1 . واقعاً وظاهراً في المستأجر العالم بالفساد، وواقعاً وحده في المستأجر الجاهل به.


صفحه307

الاستيلاء وإن لم يكن مستحقاً(1)، والأصل براءة الذمة من الضمان، فلا تكون العين بذلك مضمونة إنّما يضمن المنفعة خاصة، ولولا ذلك لكان المرتهن ضامناً في فساد الرهن، لأنّ استيلاءه بغير حق، وهو باطل.(2)

ويظهر من المحقّق الأردبيلي القول بالضمان، في العالم بالفساد، فقد قال:

ثمّ إنّ الظاهر أنّ العالم كالغاصب، لا يجوز له التصرف، ولا يستحق شيئاً لما مرّ من أنّ الإذن إنّما علم بالعقد لاعتقاد أنّه صحيح ويلزم الطرف الآخر ما يلزمه، وقد بطل وهو عالم بالفرض فيبقى أصل المنع على حاله، كما قيل في البيع الباطل، بل يفهم من كلامهم الضمان مع الجهل أيضاً.(3)

هذه هي كلمات الأصحاب، فلو قلنا بالضمان يلزم النقض.

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري حاول إخراج المورد ـ ضمان العين في الإجارة الفاسدةـ عن عكس القاعدة بوجهين:

الأوّل: إنّ المراد بالمضمون مورد القاعدة، وموردها في الإجارة، المنفعة، فالعين ترجع في حكمها إلى القواعد وحيث كانت في صحيح الإجارة أمانة مأذوناً فيها شرعاً ومن طرف المالك، لم يكن فيها ضمان، وأمّا في فاسدها فدفع الموجر للعين إنّما هو للبناء على استحقاق المستأجر لها لحق الانتفاع فيه والمفروض عدم الاستحقاق فيده عليه يد عدوان لا ضمان،


1 . لفساد العقد.  

2 . جامع المقاصد:6/216.

3 . مجمع الفائدة:10/50.


صفحه308

(فخروج العين عن القاعدة خروج موضوعي ومن باب التخصص) لانّ مبنى عدم الضمان ما إذا كان المستأجر مستحقاً لحق الانتفاع والمفروض عدمه، فالتصرف في العين المستأجرة بالإجارة الفاسدة خارج عن القاعدة موضوعاً.

الثاني: إنّ التصرف في العين المستأجرة وإن كان داخلاً تحت القاعدة لكنّها خصّصت بقاعدة «على اليد».

ثمّ اختار عدم الضمان، قال: والأقوى عدم الضمان فالقاعدة المذكورة غير مخصصة بالعين المستأجرة ولا متخصصة.(1)

فقوله: غير مخصصة إشارة إلى الوجه الثاني، وقوله: ولا متخصصة، إشارة إلى الوجه الأوّل، فلو قدّم الثاني على الأوّل لكان أفضل.

أقول: هذان الوجهان ضعيفان.

أمّا الأوّل: إنّ ما ذكره من أنّ معقد الإجارة هو المنفعة والعين يرجع في حكمها إلى القواعد على خلاف الارتكاز، فإنّ حقيقة الإجارة هو تسليم العين للانتفاع، فالانتفاع غاية وتسليم العين معقد الإجارة، وعلى هذا فلا فرق بين العقد الصحيح والعقد الفاسد، بشهادة أنّ المالك عند الإيجار يقول: آجرتك الدار أو الدابة ولا يقول: آجرتك منفعة الدار، أو غير ذلك.

وأمّا الوجه الثاني: من وجود التعارض بين عكس القاعدة وقاعدة على اليد، فهو أيضاً مدفوع بأنّ لحن قاعدة «على اليد» لحن زجري وهو يناسب الغاصب، ولا يعم من أخذ العين برضا المالك ثم ظهر فساد العقد. فوصف


1 . المتاجر:103.


صفحه309

يده بانّها يد عدوان كما ترى، فتأمل.

نعم ما اختاره الشيخ أخيراً هو الأقوى، وعليه سيرة العقلاء، فلو تلفت الدابة أو عطلت السيارة بلا تفريط من المستأجر ولا إفراط بل كان التلف والعطل نتيجة كثرة الانتفاع بهما إذ لكلّ موجود طبيعي أو صناعي استعداد بقاء محدّد لا يتجاوزعنه، فلا يضمن المستأجر أبداً، ولو حُكم بالضمان لعُدَّ حكماً خارجاً عن موازين العدل من غير فرق بين كون العقد صحيحاً أو فاسداً.

النقض الثاني: استعارة المحرم الصيد

قال الشيخ: يشكل اطراد القاعدة في موارد :

منها: الصيد الّذي استعاره المحرم من المحل بناءً على فساد العارية فإنّهم حكموا بضمان المحرم له بالقيمة مع أنّ صحيح العارية لا يُضمن به.

ثمّ إنّه(قدس سره) وجّه ضمانه ـ بعد البناء على انّه يجب على المحرم إرساله وأداء قيمته ـ أنّ المستقر عليه قهراً بعد العارية (لأجل وجوب الارسال) هي القيمة لا العين فوجوب دفع القيمة ثابت قبل التلف بسبب وجوب الإتلاف الّذي هو سبب لضمان ملك الغير في كلّ عقد لا بسبب التلف.(1)

يلاحظ عليه بوجهين:

1. كان عليه أن يُحرِّر موضع النقض وهو أنّه عبارة عمّا إذا كان المحلّ


1 . المتاجر:103.


صفحه310

مالكاً وجازت له الإعارة، كما إذا ملك الصيد في خارج الحرم وأمّا لو ملكه داخل الحرم فالمحل والمحرم سواء، لا يملكان الصيد بل يجب عليهما إرساله، وعلى ضوء ما ذكرنا فموضع النقض ما إذا استعار المحرم الصيد من المحل خارج الحرم .

2. لو فرضنا أنّه يجب عليه الإرسال لكن وجوب الإرسال لا يُعدّ إتلافاً ما لم يُرسل فلا يصحّ إدخال المورد تحت الإتلاف حتّى يكون خارجاً عن مورد القاعدة لأنّ موردها التلف.

3. انّ الوارد في الأدلة هو حرمة الإمساك لا وجوب الإرسال، وانتقال الحرمة لا يتوقف على الإرسال بل يتحقق برده إلى صاحبه .

وسنذكر ما يدلّ على الحكم الشرعي وهو حرمة الامساك:

1. روى الصدوق في الفقيه بسنده عن علي بن رئاب عن بكير بن أعين قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل أصاب ضبياً فأدخله الحرم فمات الضبي في الحرم فقال: إن كان حين أدخله خلّى سبيله فلا شيء عليه، وإن كان أمسكه حتّى مات فعليه الفداء.(1)

2.روى الكليني عن أبي محبوب مثله إلاّ أنّه قال: «من أصاب طيراً في الحل فاشتراه فأدخله الحرم» ثم قال في آخره: «وإن كان أمسكه حتّى مات عنده في الحرم فعليه الفداء».(2)


1 . الوسائل:9، الباب36 من أبواب كفارات الصيد، الحديث3.

2 . نفس المصدر: ذيل الحديث 3.


صفحه311

وعدم تقيّد الموضوع بالمحرم غير ضار لأنّه إذا ثبت الحكم في غيره ثبت في المحرم بطريق أولى.

نعم: لو كان الصيد بيد المالك فمرجع حرمة الإمساك إلى وجوب الإرسال، وأمّا إذا كان بيد المستعير فالتخلص من الحرمة يكون بأحد وجهين:

1. الرد إلى المالك، ولا ضمان معه.

2. الإرسال، وهو يلازم الضمان.

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ استعارة المحرم الصيد، لا يلازم الضمان كما هو مفاد النقض، بل إذا ارسله.

وبذلك يظهر أنّ التطويل حول المسألة غير لازم.

ثمّ إنّ السيد المحقّق الكوهكمري(رحمه الله) أشار إلى بعض ما ذكرناه وقال:

أوّلاً: انّه لا دليل على فساد العارية لأنّ الثابت من الأدلة، هو حرمة أخذ الصيد للمحرم وهي لا تلازم الفساد.

ثانياً: لم يدل دليل على وجوب الإرسال فإنّ الثابت حسب الأدلة، هو حرمة الإمساك، وهو كما يحصل بإرسال الصيد كذلك يحصل برده إلى مالكه، فلا وجه للقول بالضمان مطلقاً، بل إذا أرسله، لا ما إذا ردّه.

ولذلك لم يذكر المحقّق سوى حرمة الإمساك وقال: لا يجوز للمحرم أن يستعير من محلّ صيداً لأنّه ليس له إمساكه فلو أمسكه ضمن (1).(2)


1 . شرائع الإسلام: 4 / 172 .

2 . من افاضات الأُستاذ السيد الكوهكمري، كما في مذكراتي.


صفحه312

النقض الثالث: المنافع غير المستوفاة في البيع الفاسد(1)

إنّ المنافع غير المستوفاة غير مضمونة في البيع الصحيح، لانّ الثمن في مقابل العين فقط وليس شيء منه في مقابل منافعها مع أنّها مضمونة في البيع الفاسد، فيجب على المشتري ـ بعد استرداد الثمن ـ دفع شيء في مقابل المنافع وإن لم يستوفها.قال الشيخ: ويُشكل اطراد القاعدة أيضاً في البيع فاسداً بالنسبة إلى المنافع الّتي لم يستوفها فإنّ هذه المنافع غير مضمونة في العقد الصحيح مع أنّها مضمونة في العقد الفاسد، ثم أجاب بقوله: إلاّ أن يقال : إنّ ضمان العين يستتبع ضمان المنافع في العقد الصحيح والفاسد.

وحاصل كلامه: انّ المشتري يضمن العين استقلالاً والمنافع تبعاً في مقابل الثمن فهو في مقابل الأمرين ولتكن كذلك مضمونة في الفاسد، وعندئذ يكون المورد داخلاً في الأصل لا العكس لكن كيفية الضمان مختلفة، فالضمان في الصحيح بالثمن وفي الفاسد بالقيمة، بعد ردّ الثمن.

ثمّ إنّه(قدس سره) تنظّر فيما ذكره في قوله: وفيه نظر لأنّ نفس المنفعة غير مضمونة بشيء في العقد الصحيح لأنّ الثمن إنّما هو بإزاء العين دون المنافع.(2)


1 . سيأتي من الشيخ الأنصاري في الأمر الثالث من الأُمور المترتبة على المقبوض بالعقد الفاسد، البحث عن المنافع المستوفاة وغيرها، والغرض هنا في جواب النقض هو تصوير انّ المنافع في البيع الصحيح مضمونة، فلا نقض لاتحاد حكم الصحيح والفاسد في الضمان وامّا بيان حكم المنافع في البيع الفاسد، فهو موكول إلى ذلك الأمر: فتدبر حتّى لا يتصور انّ البحث مستدرك.

2 . المتاجر:103.


صفحه313

وقد أجاب السيد الطباطبائي عنه بقوله: إنّ المنافع وإن لم تكن مقابلة بالمال ] في العقد الصحيح [إلاّ أنّها ملحوظة في القيمة وزيادة الثمن وهذا المقدار يكفي في صدق كونها مضمونة.(1)

أقول: الحق مع الشيخ في كلامه الأخير فإنّ المشتري إنّما يضمن شيئاً واحداً وهو المبيع، والمنافع مندكّة فيه، ولا يطلق عرفاً أنّ المشتري ضمن شيئين: العين والمنفعة؟ نعم للمنافع والقابلية تأثير في ارتفاع القيمة ونقصانها، ومع ذلك ليس لها ضمان، وراء ضمان المبيع. فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ المنافع غير مضمونة في البيع الصحيح. وأمّا الفاسد فالظاهر عدم الضمان أيضاً، وذلك لأنّ المالك والمشتري مشتركان في تفويت المنفعة، حيث سلّط البائع المشتري على المبيع وهو استولى عليه بإذن منه فكلاهما معاً سبب واحد لفوت المنافع فلا وجه لضمان ما لم يستوفها، وبذلك يظهر الفرق بين المورد والغاصب فالغاصب ضامن لما استوفاه لأجل الإتلاف، وغير المستوفاة لأجل كونه مفوتاً للمنفعة على مالك العين كما إذا أقفل
دار المالك أو حبس فرسه العامل وغير ذلك. بخلاف المشتري فهو غير مفوّت .

وما ذكرناه هو مقتضى حكم العقل الفطري في المقام ويساعده العرف حيث إنّه بعدما تبين فساد المعاملة فإن استوفى المنافع فيضمن لأجل الاستيفاء واحترام مال المؤمن وإن لم يستوف فيأخذ المسمى ويدفع المبيع إلى صاحبه.


1 . تعليقة السيد الطباطبائي:95.


صفحه314

فتلخص انّ النقض غير وارد. أمّا لوجود الضمان في الصحيح والفاسد معاً كما عليه الشيخ في أوّل كلامه والسيد الطباطبائي فيكون المورد من مصاديق الأصل، أو لعدم الضمان في كليهما كما هو المختار وعلى كلّ تقدير فليس هنا أي تفاوت بين صحيح العقد وفاسده.

النقض الرابع: النقض بحمل المبيع في العقد الفاسد

حكى الشيخ في المتاجر عن الطوسي في المبسوط، والمحقّق في الشرائع، والعلاّمة في التحرير، بأنّ الحمل في المبيع الفاسد مضمون على المشتري مع أنّه غير مضمون عليه في البيع الصحيح بناءً على أنّه للبائع.(1)

قال المحقّق: وإذا باع الحامل فالولد للبائع على الأظهر إلاّ أن يشترط المشتري.(2) وامّا انّه غير مضمون على المشتري فلكونه أمانة مالكية بيده في العقد الصحيح، مع انّه مضمون في العقد الفاسد.

يلاحظ عليه: بأنّ بيع الحامل بالعقد الصحيح تارة يكون الحمل جزء المبيع وأُخرى خارجاً عنه فعلى الأوّل يضمنه المشتري بالثمن الّذي يدفعه إلى البائع فالثمن ليس للأم وحدها بل لها مع مالها من الولد، فكيف يقال بأنّ الحمل غير مضمون على المشتري في العقد الصحيح؟

فإذا كان مضموناً على المشتري في مقابل المسمّى في الصحيح فليكن كذلك في العقد الفاسد فهو داخل في أصل القاعدة، أعني ما يضمن بصحيحه


1 . المتاجر:103. 

2 . الشرائع:2/51.


صفحه315

يضمن بفاسده لا في عكسها، وعندئذ فلا نقض للقاعدة. غاية الأمر تختلف كيفية الضمان ففي الصحيح الضمان بالثمن المأخوذ وفي الفاسد بعد استرداد الثمن، بردّ قيمة الحمل.

وأمّا إذا لم يكن الحمل جزءاً للمبيع فالحمل عند المشتري أمانة مالكية إذا كان العقد صحيحاً فلا يضمن إلاّ بالإفراط والتفريط.

وأمّا إذا كان بالعقد الفاسد الّذي هو محط النقض فنقول:

انّ الحمل ـ بما انّه لم يكن داخلاً في المبيع ـ كما هو المفروض، فهو أمانة مالكية أيضاً عند المشتري كما هو الحال في العقد الصحيح، وذلك لانّه لما لم يكن جزء المبيع، ولا من متعلقاته، بل من مقارناته، فيكون حكمه، في العقد الفاسد، كحكمه في العقد الصحيح فلا يضمن إلاّ بالتفريط، فقد أخذه بإذن المالك، فيكون أمانة.

فإن قلت: انّ الإذن من المالك في البيع الفاسد، من جهة اعتقاد كونه مستحقاً عليه، والإذن مقيّد بجهة الاستحقاق والمقيد ينتفي بانتفاء جهة تقييده.(1)

قلت: انّ اعتقاده بالاستحقاق حيثية تعليلية وليس جهة تقييدية، وبعبارة أُخرى هو من الدواعي لا من المشخصات للموضوع، وتخلفه لا يخرجه عن كونه أميناً، نظير ما قالوا في الاقتداء بإمام بزعم انّه زيد ثم تبيّن خلافه، فلو اقتدى به بما انّه زيد على أنّه لو لم يكن هو لم يقتد به، بطلت صلاته و امّا لو


1 . الجواهر:22/259، بتصرف في اللفظ.


صفحه316

اقتدى بإمام حاضر، لكن بزعم انّه زيد و صار داعياً للاقتداء على نحو لو لم يكن زيداً لاقتدى به، صحت صلاته.

النقض الخامس: النقض بالشركة الفاسدة

لا يجوز التصرف في الشركة الفاسدة فأخذ المال المشترك حينئذ موجب للضمان مع أنّ التصرف في الشركة الصحيحة لا يوجب الضمان، فانتقضت القاعدة: ما لا يضمن بصحيحه، لا يضمن بفاسده.

والظاهر عدم صحة النقض لوجهين:

1. لا يكفي عقد الشركة في جواز التصرف في المال المشترك الّذي تعاقدا على استرباحه مطلقاً، بل لا محيص في جواز التصرف من إذن خاص في التصرف، والعقد الصحيح والفاسد على نمط واحد فإن كان التصرف بإذن الشريك فلا ضمان مطلقاً، صحيحاً كان أو فاسداً، وإن كان بلا إذنه فهو مضمون في كلتا الصورتين، فعقد الشركة تارة يكون داخلاً في الأصل (إذا كان بلا إذن) وفي العكس (إذا كان مع الإذن).

2. انّ الكلام في التلف لا في الإتلاف.

هذا تمام الكلام في عكس القاعدة وتحليل النقوض الواردة، حسب ما ذكره الشيخ، ولا يخفى أنّ كلامه في هذا المقام غير منسجم من جهتين:

أوّلاً: قدّم البحث في نقوض القاعدة ثم بحث عن دليل العكس وكان الأولى تقديم الدليل على النقوض.


صفحه317

ثانياً : ذكر مسألة ضمان العين المستأجرة في الفاسد وعدم ضمانها في الصحيح قبل بيان النقوض، مع أنّها من مصاديقها. غير أنّ الشيخ لما كان غارقاً في التفكير والتحقيق غفل عن تنظيم المطالب على نحو يناسب الكتاب الدراسي.

رحم اللّه علماءنا الماضين وحفظ الباقين منهم.

وهناك نقوض أُخرى لم يتعرض لها الشيخ، ونحن نذكر بعضها:

النقض السادس: ضمان العامل في المضاربة الفاسدة

إذا كان رأس المال في المضاربة بمقدار يعجز العامل عن التجارة به وكان قادراً على التجارة ببعضه واشترط المالك مباشرته في العمل بلا استعانة بالغير، تكون المضاربة عندئذ باطلة حيث إنّه يشترط في العامل أن يكون قادراً على العمل بمال القراض، فمع عجزه تبطل مضاربته، فلو اتجر ببعض المال وربح يكون الربح للمالك ولا نصيب للعامل فيه.

نعم له أُجرة مثل عمله مع جهله بالبطلان، ولو تضرر يكون ضامناً مع أنّه (العامل) غير ضامن في باب المضاربة، فانتقض العكس أي ما لا يضمن بصحيحه ـ في باب القراض ـ يضمن بفاسده.

يلاحظ عليه أوّلاً: المنع من فساد القراض، وذلك لأنّ المعاملة على مجموع رأس المال بالتجارة فيه واسترباحه، وإن كانت واحدة، لكنّها لدى التحليل معاملة على كلّ جزء منه يمكن التجارة به واسترباحه بحصة من ربحه، وفسادها بالنسبة إلى ما كان غير قادر على التجارة به، لا يقتضي الفساد


صفحه318

بالنسبة إلى ما كان قادراً فيه من العمل، فيصح ويستحق الحصة من ربحه. ولو تضرّر فالضرر على المالك.

وثانياً: سلمنا فساد المضاربة لكن موضوع الضمان في القاعدة هو تلف المال، وامّا المقام فهو من قبيل الإتلاف حيث إنّه اتجر وخسر فالحكم بالضمان لا يكون نقضاً للقاعدة.

النقض السابع: استعارة العين المغصوبة

إذا استعار الرجلُ العين المغصوبة من الغاصب وتلفت في يده فيكون ضامناً، مع أنّ العارية ليس فيها ضمان، فانتقضت القاعدة، أعني: «ما لا يضمن بصحيحه ـ أي العارية ـ لكن يضمن هنا بفساده» وعلى ذلك فللمالك الرجوع على أيّ منهما شاء من غير فرق بين كون العين تالفة في يد المستعير أو في يد المُعير لقاعدة تعاقب الأيدي.

يلاحظ عليه: أنّ القاعدة (عدم ضمان العارية) مختصة بالعين المستعارة من المالك لا المستعارة من الغاصب.

فإنّ كلاًّ من المعير والمستعير ضامن، فإن كان المستعير عالماً بالغصب فلا يرجع فيما غرمه للمالك إلى المعير الغاصب، وإن كان جاهلاً فلو رجع المالك على الغاصب المعير بقيمة العين التالفة عند المستعير فلا يرجع بما غرمه للمالك على المستعير المفروض كونه مغروراً من قبله.

وأمّا لو رجع المالك إلى المستعير فهو يرجع إلى الغاصب لأنّ المغرور يرجع فيما غرمه على من غرّه كما في الحديث النبوي.


صفحه319

 

الأمر الثاني:

وجوب الردّ إلى المالك فوراً(1)

من أحكام المقبوض بالعقد الفاسد، وجوب ردّه إلى المالك فوراً وهو من آثار عدم تملك المقبوض بالعقد الفاسد.

قال الشيخ: من الأُمور المتفرعة على عدم تملك المقبوض بالبيع الفاسد وجوب ردّه فوراً إلى المالك، والظاهر انّه ممّا لا خلاف فيه على تقدير عدم جواز التصرف فيه كما يلوح من مجمع الفائدة(2) وقد افترض الشيخ المبنى أمراً مسلماً غنيّاً عن النقاش، ومع ذلك فلندرسه:

حرمة التصرف في المقبوض

يحرم التصرف فيه لانّ التصرف في مال الغير بلا إذنه حرام بلا إشكال.

روى صاحب الوسائل عن صاحب الدار (عليه السلام) في حديث طويل حيث جاء فيه: فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه.(3)

فإن قلت: إنّ تمليك المبيع للمشتري يتضمن الإذن في التصرف أيضاً،


1 . كان الأمر الأوّل هو ضمان المقبوض وعدمه.

2 . المتاجر:104.

3 . الوسائل:7، الباب3 من أبواب الأنفال، الحديث7، نقلاً عن كتاب «كمال الدين» للشيخ الصدوق.


صفحه320

فيكون التصرف مقروناً بالإذن.

قلت: إنّ بقاء الإذن فرع تحقق التمليك والمفروض فساد العقد الملازم لفساد مضمونه، الملازم لانتفاء التمليك فكيف يبقى الإذن مع انتفاء التمليك؟

نعم لو كان البائع عالماً بالفساد ومع ذلك أقدم على البيع يجوز للمشتري التصرف فيه لعدم تقيّد الإذن بالملكية الشرعية لكونه غير مبال بحكم الشرع، بل انّ تمام همّه كونه بيعاً عنده.

وقد أشار إلى ما ذكرنا من التفصيل ـ بين علم الدافع بالفساد وجهله به ـ السيد الطباطبائي في تعليقته بقوله: لا ينبغي الإشكال في عدم جواز التصرف فيه مع جهل الدافع وأمّا مع علمه فيمكن الإشكال فيه ـ وإن كان باقياً على ملكه ـ وذلك للإذن فيه في ضمن التمليك.(1)

وقد أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ الدافع إنّما جوّز التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد من حيث كونه ملكاً للقابض لا على وجه الإطلاق ولما لم تحصل الملكية للقابض ولا أنّ المالك قد أذن له إذناً جديداً حرم على القابض التصرف فيه وضعاً وتكليفاً.(2)

يلاحظ عليه: إنّ الإذن في التصرف لم يكن مقيّداً بالملكية الشرعية حتّى ينتفي بانتفائها، بل كان مقيّداً بالملكية العرفية لكونه غير مبال بحكم الشرع فيكون الإذن باقياً ببقائها، والعجب انّ السيد الطباطبائي قد أشار إلى نفس الإشكال (الّذي أورده السيد الخوئي) ودفعه، وقال: ودعوى انّ الإذن


1 . تعليقة السيد الطباطبائي:95. 

2 . مصباح الفقاهة:2/370.


صفحه321

مقيّد بالملكية وهي غير حاصلة، مدفوعة بأنّ القيد ليس إلاّ الملكية في اعتبار البائع وهي حاصلة إذ المفروض انّه أنشأها وبنى على كون المشتري مالكاً وقد قبل هو أيضاً، نعم لو كان مقيّداً بالملكية الشرعية صحّ دعوى عدم حصول القيد، لكنّه ليس كذلك.(1)

وبذلك يظهر أيضاً عدم ورود ما أفاده السيد الأُستاذ حيث قال: إنّ هذا الإذن إمّا يتعلق بالمبيع قبل نقله فهو خلاف المفروض، وإمّا أن يتعلق به بعده فلا يعقل الجدّ إليه، لأنّه إذن في تصرف المشتري في ماله وهو لا يمكن جدّه ولا أثر لإذنه وطيب نفسه في تصرف صاحب المال (المشتري) في ماله إذا تخلف عن الواقع وكان مال نفسه.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: انّ الإذن في التصرف يتعلق بالمبيع لا قبل النقل ولا بعده، بل يتعلق به حين النقل بالعقد الفاسد حيث إنّ التمليك يتضمن الإذن في التصرف في ماله.

ثانياً: إنّ ما لا يتصور الجد(فيه) لو كان البائع متشرعاً وحاول إنشاء الملكية الشرعية; وأمّا إذا كان غير مبال به فيتمشى الجدّ في إنشاء الملكية العرفية، والمفروض انّ المشتري أيضاً قد قبلها، وأظن انّ تفصيل السيد الطباطبائي جدير بالقبول، وانّ مناقشة العلمين غير تامة.

إذا تبيّن المبنى وانّ التصرف غير جائز عند جهل البائع يقع الكلام في وجوب الردّ .


1 . تعليقة السيد الطباطبائي:95.  

2 . كتاب البيع:1/458.


صفحه322

استدل على وجوب الردّ(1) بوجوه:

الأوّل: انّ الامساك من مصاديق التصرف في مال الغير

إنّ الإمساك من مصاديق التصرف فإذا حرم الإمساك وجب ضدّه وهو الردّ وهذا هو خلاصة الاستدلال، وإليك التفصيل.

قال الشيخ: ويدلّ عليه انّ الإمساك آناً ما تصرف في مال الغير بغير إذنه فلا يجوز لقوله(عج): «لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره إلاّ بإذنه».(2)

ولو نوقش في كون الإمساك تصرفاً كفى عموم قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يحل مال امرئ مسلم لأخيه إلاّ عن طيب نفسه»(3)، حيث يدل على تحريم جميع الأفعال المتعلقة به الّتي منها كونه في يده.(4)

وقد سبق أنّ مبنى وجوب الرد هو حرمة التصرف وقد حاول الشيخ أن يثبت أنّ الإمساك تصرف في مال الغير فإذا حرم الإمساك وجب الرد أخذاً بالقاعدة المعروفة أنّه إذا حرم أحد الضدين ـ اللذين لا ثالث لهما ـ وجب الضد الآخر. مثلاً إذا حرمت الحركة وجب السكون.

إنّ الشيخ يرى انّ النبوي أوضح دلالة على حرمة التصرف من التوقيع حيث إنّ الموضوع في التوقيع هو التصرف في مال الغير فلأحد أن يمنع كون


1 . فيما إذا كان البائع جاهلاً بالفساد وإلاّ فقد مرّ جواز التصرف في المبيع ومعه لا يجب الردّ.

2 . مرّ مصدره وما ذكره الشيخ لا يتفق مع ما في المصدر.

3 . الوسائل 19، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3; الكافي:7/273.

4 . المتاجر:104.


صفحه323

الإمساك مصداقاً للتصرف، وامّا النبوي فالموضوع فيه «مال امرئ» و هو يعم عامة الشؤون لمال الغير الّتي منها الإمساك.

والعجب أنّ المحقّق الخراساني عكس الأمر حيث قال: إنّ المناقشة في عموم مثل «لا يحل» (النبوي) لغير التصرفات (الإمساك) أوضح(1)، ولم يعلم وجه الأوضحية .

أقول: يرد على الاستدلال :

أوّلا: إنّ مفاد الحديثين واضح وكلاهما يهدفان إلى حرمة التصرفات الخارجية، ويقول انّ المحرم هو التصرفات في كلا الحديثين والإمساك ليس منها.

وثانياً: ما أشار إليه المحقّق الخراساني في تعليقته وهو: أنّ حرمة أحد الضدين إنّما تلازم وجوب الضد الآخر إذا كانا من قبيل الضدين اللذين لا ثالث لهما. وأمّا المقام فهناك أمر ثالث وهو إذا حرم التصرف فالتخلص عنه يكون بأحد الأمرين; الرد أو التخلية بينه وبين مالكه، فلا يجب على هذا القول إلاّ أحدهما لا خصوص الرد.(2)

فتبين أنّ الروايتين لا تنهضان لإثبات وجوب الردّ لوجهين:

1. انّ الإمساك لا يُعد تصرفاً. والروايتان ناظرتان إلى التصرفات الخارجية.

2. انّ التخلص من التصرف لا يختص بالردّ بل تكفي التخلية.


1 . تعليقة المحقّق الخراساني:19.  

2 . تعليقة المحقّق الخراساني:19.


صفحه324

 

الثاني: عموم: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»

انّ الحديث وإن لم يكن متعرضاً للحكم التكليفي بالدلالة المطابقية إلاّ أنّه متعرض له بالدلالة الإلتزامية، فإنّ استقرار الضمان على عهدة القابض ملازم لوجوب الردّ لأنّه لا أثر لاستقرار الضمان على العهدة إلاّ وجوب ردّ العين مادامت باقية وردّ المثل أو القيمة لو كانت تالفة.(1)و المفروض أنّها باقية.

يلاحظ عليه: انّه يكفي في استقرار الضمان على العهدة وجوب أحد الأمرين; الردّ أو التخلية بين المال والمالك.

إلى هنا تبين عدم نهوض الدليلين لوجوب الردّ ولندرس الدليل الثالث.

الثالث: الاستدلال بما ينصّ على وجوب الردّ

استدل المحقّق الإصفهاني(2) بما ورد في الأخبار من وجوب ردّ كلّ مال وقع في يد الغير إلى صاحبه نظير:

1. ما رواه الشيخ بسنده عن أحمد بن محمد بن أبي النصر قال سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) عن الرجل يصيد الطير الّذي يسوي دراهم كثيرة، وهو مستوي الجناحين، وهو يعرف صاحبه، أيحل له إمساكه؟ فقال: «إذا عرف


1 . منية الطالب:131.

2 . تعليقة المحقّق الإصفهاني:86.


صفحه325

صاحبه ردّه عليه، وإن لم يكن يعرفه، وملك جناحه فهو له، وإن جاءك طالب لا تتّهمه ردّه عليه».(1)

2. ما رواه الصدوق باسناده عن زرعة عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ـ في حديث ـ انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه».(2)

ويرد على الاستدلال بالرواية الأُولى :

أوّلاً : أنّ الطير ـ في الرواية ـ مقبوض بغير إذن مالكه فأشبه أن يكون بالغصب وقد ورد في مرسلة حماد بن عيسى عن العبد الصالح(عليه السلام)وفيها: «وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب لانّ الغصب كلّه مردود»(3)، وهذا بخلاف المقبوض بالبيع الفاسد فإنّه مقبوض بإذنه فلو وجب الردّ في الأوّل لما دلّ على وجوبه في الثاني.

وثانياً: احتمال انّ المراد من الردّ هو رفع اليد عنه وتمكين مالكه منه، لا خصوص إيصاله إليه.

ويرد على الثانية بعدم تمامية دلالته لأنّ الحديث منصرف إلى انحاء التصرفات الخارجية، والإمساك لا يُعدّ تصرفاً خصوصاً إذا كان مسبوقاً بالإذن، والقابض مستعداً للرد إذا طالبه المالك بذلك.


1 . الوسائل:17، الباب15 من أبواب اللقطة، الحديث1. قوله «مستوي الجناحين»: أي غير مقطوعهما فان القطع دليل على سبق الملكيّة فيجب التعريف .

2 . الوسائل:3، الباب3 من أبواب مكان المصلي، الحديث 1.

3 . الوسائل:6، الباب1 من أبواب الأنفال، الحديث4.


صفحه326

فلو صحّ الاستدلال بهما فليصح الاستدلال بما دلّ على وجوب أداء الأمانات إلى أهلها. مع عدم صحة الاستدلال بها لأنّ مورد الآيتين(1) هو الأمانة، وأين هي من المقبوض بالبيع الفاسد؟ فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه يجب عليه أحد الأمرين: الردّ أو التخلية.

مؤونة الردّ أو التخلية

قدّ ظهر انّ الأموال المنقولة يكفي فيها التخلية كغير المنقولة، بمعنى كفاية تمكين الطرف من التسلط على ماله، لكن ربما يتوقف تمكن البائع من التسلط على ماله على مؤونة، فهناك صور:

1. إذا نقله القابض إلى بلد آخر والمالك في بلد القبض فمؤونة النقل على القابض.

2. إذا نقله القابض إلى بلد آخر والمالك في البلد المنقول إليه فلو توقف إيصالها إلى مكان يتمكن البائع من التسلط عليها فمؤونة ذلك على المشتري.

3. إذاكان المبيع في بلد القبض سواء أكان البائع في نفس البلد أو في بلد آخر فليس على المشتري إلاّ إيصالها إلى مكان يتمكن البائع من التسلط عليها، فلو توقف هذا الأمر على مؤونة فهو على عهدة المشتري، وأمّا الزائد فلا.


1 . تلاحظ: البقرة: 283، والنساء:58.

Website Security Test