welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل فقهية - ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج1

صفحه263

الرسالة الثامنة

أحكام المقبوض بالعقد الفاسد


صفحه264

صفحه265

   

أحكام المقبوض بالعقد الفاسد

1. ضمان المقبوض بالعقد الفاسد وعدمه.

2. وجوب الرد إلى المالك.

3. حكم المنافع المستوفاة وغيرها.

4. ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة.

5. إذا لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من قيمته.

6. تعذّر المثل في المثلي.

7. قيمة التالف ومناط تقييمه.

8. حكم بدل الحيلولة.

هذه هي عناوين الموضوعات المطروحة في هذا البحث، وقد ركّز الشيخ الأنصاري على الأمر الأوّل أكثر من غيره، وأشار إلى قاعدتين تدوران ـ كثيراً ـ على ألسن الفقهاء أعني:

1. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

2. ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

ونحن نقتفي إثر الشيخ في هذه المواضيع، وإليك الكلام في الأمر الأوّل.


صفحه266

 

الأمر الأوّل

ضمان المقبوض بالعقد الفاسد وعدمه

اشتهر في ألسن الفقهاء انّ المشتري لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد، لم يملكه وكان مضموناً عليه.

وقد رتبوا على العقد الفاسد أمرين:

1. عدم التملك.

2. الضمان.

أمّا الأوّل فلأنّه مقتضى فساد العقد.

وأمّا الضمان بمعنى كون تلفه عليه (المشتري) فهو من مصاديق القاعدتين المعروفتين:

أ. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

ب. ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

فالضمان في المقبوض بالبيع الفاسد من مصاديق القاعدة الأُولى، فإذا قام الدليل على الكبرى (ما يضمن بصحيحه) يظهر حكم هذا الفرع، أعني المبتاع بالعقد الفاسد، ظهورَ حكمِ الصغرى عند ظهور حكم الكبرى. فالتركيز في هذه المسألة إنّما هو على الضمان في الأصل وعدمه في العكس،


صفحه267

وأمّا عدم التملك فهو من القضايا الّتي قياساتها معها.

وأمّا جواز التصرف فهو مبني على بقاء إذنه فيه حتّى مع العلم بفساد العقد إذ ربما لا يرضى به لو وقف على فساده.

ثمّ الظاهر أنّ القاعدتين لم تردا في رواية ولم تقعا معقد إجماع، وإنّما اصطادهما الفقهاء من الموارد المختلفة الّتي افتوا فيها بالضمان تارة وبعدمه أُخرى، فصار الاستقراء في تلك المواضع أحد الأدلة على القاعدتين. وكان الأولى على الشيخ الخوض في مدرك القاعدتين، إلاّ أنّه ـ لايضاح مفاد القاعدتين ـ قدّم أُموراً قبل ذلك، ونحن نقتفيه:

الأوّل: الاختلاف في التعبير والمفاد متقارب

انّ الفقهاء عبّروا عن القاعدة بتعبيرين:

1. كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

2. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

فالمفاد والمقصود فيهما متقارب. ولعل التعبير بالعبارة الثانية لقصد تعميمها للإيقاعات المشتملة على التعهد والضمان، مثلاً لو بذلت الزوجة مالاً للزوج ليخلعها ويُخلِّصها عن ربقة الزوجية، فخلعها على ما بذلت، ولكن كان الخلع فاسداً لعدم اجتماع شروط صحته، فيضمن الزوج لها ما بذلته له لكونها لم تبذله مجاناً بل عوضاً عن خلاص نفسها عن تلك الربقة، وكذا الكلام في الجعالة في صورة فسادها حيث إنّ العامل لم يَبذِلْ عملَه تبرّعاً


صفحه268

وإنّما بذله بإزاء الجُعل، فيضمن الجاعل له ما استوفاه من عمله بدفع أُجرة مثله.

وعلى كلّ تقدير فالتعبيران: كلّ عقد يضمن... أو: ما يضمن بصحيحه... الخ، أفضل من قولهم: «انّ من أسباب الضمان، القبض بالعقد الفاسد»، فانّ القبض بالعقد الفاسد لا يوجب الضمان على الإطلاق بل يوجب الضمان فيما إذا كان التسليطُ في مقابل العوض، لا ما إذا كان بالمجّان، كالعارية الفاسدة والهبة الفاسدة.

الثاني: ما هو المراد من «الموصول» في قولهم: ما يضمن...

ذكر الشيخ في تفسير «الموصول» ـ بعد تفسيره بالعقد ـ احتمالات:

أ. أن يكون المراد به نوع العقد فإذا كان موجباً للضمان في صحيحه فهو يوجب الضمان في فاسده، وهذا كالبيع والإجارة ، فالبيع يقتضي بنوعه الضمان، وهكذا الإجارة دون الصلح بما هوهو فانّه لا يفيد إلاّ فائدة الهبة غير المعوضة.

يلاحظ عليه: انّه لو كان المراد ما ذكر من كون الملاك، ملاحظة نوع العقد، يلزم اختصاص القاعدة بالبيع والإجارة، بخلاف ما إذا كان المراد هو الصنف فتعم أكثر العقود، نظير الصلح إذا اشتمل على العوض، والهبة المعوضة، والعارية المضمونة كالذهب والفضة.

ب. أن يكون المراد به صنف العقد لجواز أن لا يكون نوع العقد مقتضياً للضمان ولكن كان بعض أصنافه مقتضياً له، وهذا ـ كما مرّ ـ كالهبة


صفحه269

فهي بنوعها لا تقتضي الضمان بخلاف الهبة المعوضة الّتي هي صنف من مطلق الهبة، ونظيرها العارية فإنّ عقد العارية لا يوجب الضمان، بخلاف عارية الذهب والفضة، ففي صحيحه الضمان فيتبعه الفاسد. وهكذا الصلح فانّ نوعه لا يوجب الضمان بخلاف صنفه كما إذا اشتمل على الصنف.

ج. أن يكون المراد به شخص العقد بمعنى أنّ كلّ شخص من العقود يضمن به لو كان صحيحاً فيضمن به إذا كان فاسداً، وعلى هذا لا ضمان فيما إذا باع بلا ثمن أو استأجر بلا أُجرة لأنّ شخص هذا العقد ـ لو فرض صحيحاً ـ لم يكن فيه ضمان لا بالثمن ولا بالمثل ولا القيمة، لافتراض أنّه باع بلا ثمن واستأجر بلا أُجرة. فهكذا إذا كان فاسداً.

واعترض عليه الشيخ بقوله: انّ الموضوع هو العقد الّذي وجد له بالفعل فردان: فرد صحيح وفرد فاسد لا ما يفرض تارة صحيحاً وأُخرى فاسداً، فالمتعين بمقتضى هذه القاعدة الضمان فيما إذا باع بلا ثمن لانّ البيع الصحيح يضمن به. نعم ما ذكره بعضهم من التعليل لهذه القاعدة ـ بانّه أقدم على العين مضمونة عليه ـ لا يجري في هذا الفرع لكن الكلام في معنى القاعدة لا في مدركها.(1)

أقول: قد عرفت انّ القاعدة لم ترد في نص ولم ينعقد عليها إجماع معتبر، وإنّما هي قاعدة مخرجة ومستفادة من الأدلّة. وعلى هذا يجب اخضاع مفاد القاعدة لمدركها لا تفسيرها بما هي هي مع قطع النظر عن مدركها.

أمّا الأصل فلما سيوافيك من أنّها مخرجة من أدلّة احترام مال المسلم


1 . المتاجر:102.


صفحه270

وعمله، المختص بصورة عدم اقدام مالكه على اسقاطه والتبرع به، مضافاً إلى قاعدة «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»، و امّا العكس فهو مخرج من أدلّة التسليطات المجانية وامانة اليد .

وعلى ضوء ذلك فالضمان وعدمه تابع لمدرك القاعدة، ومن الواضح انّ البائع بلا ثمن لم يحتفظ بكرامة ماله وأقدم على البيع مجاناً، فالمورد عند ذلك داخل في عكس القاعدة لا في أصلها.

وبذلك يتضح انّ الحكم بالضمان وعدمه، تابع لمدرك القاعدة وينبغي اخضاع القاعدة له، فيكون المراد: من الموصول شخص العقد، لا نوعه ولا صنفه.

كما انّ الهبة المشروط فيها العوض، والعارية المشروط فيها الضمان إذا كانتا فاسدتين يحكم فيهما بالضمان، لقاعدة الإقدام، وحفظ كرامة المال، فعندئذ تدخلان في الأصل لا في العكس. وبذلك يتضح الفرق بين كون الميزان، هو النوع، أو الميزان هو شخص العقد، فعلى الأوّل يضمن فيما إذا باع بلا ثمن، ولا يضمن في المثالين الأخيرين أخذاً بحكم النوع. وعلى الثاني لا يضمن في الأوّل، ويضمن في الأخيرين.

ثمّ إنّ هنا احتمالاً آخر وهو انّ انشاء البيع بلا ثمن والإجارة بلا أُجرة، مصداقان للهبة والعارية الصحيحتين بناء على صحة انشاء عقد بلفظ آخر مع نصب قرينة للمراد، وعلى هذا فعدم الضمان فيهما واضح.

وربّما يفسر الموصول في «ما يضمن» و«ما لا يضمن»، بالمقبوض،


صفحه271

فالموصول كناية عنه أو ما بحكمه كالاستيفاء للعمل، لأنّ القبض وما بحكمه هو الموجب للضمان، وأمّا العقد فهو سبب لما يترتب عليه من القبض، وتفسير الموصول بالسبب القريب أولى من تفسيره بالبعيد(العقد)، على انّ سببية العقد تتم في العقد الصحيح، وأمّا الفاسد فلا تأثير له في الضمان أصلاً، بل المؤثر هو القبض.(1)

يلاحظ عليه: إنّ الموصول أعني: «ما يضمن» من المبهمات، تفسره صلته أي قوله: «بصحيحه» و «بفاسده»، والموصوف بهما هو العقد لا المقبوض باعتبار القبض.

وامّا العقد الفاسد، فهو وإن لم يكن سبباً تامّاً للضمان، لكنه سبب ناقص لأنّه المنشأ للقبض.

الثالث: مصبّ القاعدة

إنّ مورد القاعدة هو ما إذا تلف المبيع أو غيره بالعلل السماوية وشبهها دون أن يكون للمشتري دخلٌ في التلف، وأمّا الاتلاف فهو خارج عن مصبّها إذ هو يوجب الضمان مطلقاً سواء كان في صحيحه ضمان أم لا، فإذا أتلف المستعير العارية، أو المستأجر العين المستأجرة، يثبت الضمان، وإن لم يكن في صحيح العارية والإجارة ضمان.


1 . بلغة الفقيه:1/68.


صفحه272

 

الرابع: ما هو المراد من الضمان

الضمان مصدر ضمن الشيء بمعنى تعهّد به، روى الحسين بن كثير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) انّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام فقال: «لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة وليس يضمن الإمام صلاة الذين يئم من خلفه إنّما يضمن القراءة»،(1) والمعنى انّ الإمام يتعهد بها، وعليه فالمراد من الضمان هنا تعهد الإنسان بمال شخص آخر، ولازم ذلك أن تكون خسارته من ماله، فكون الخسارة من ماله لازم تعهده بالنسبة إلى المال، ولذلك يقال في العرف: انّا متعهد بالنسبة لما آخذ، ثم يرتب عليه: فلو تلف فالدرك عليَّ. فما فسّر به الشيخ الضمان وقال هو «كون درك المضمون، عليه بمعنى كون خسارته ودركه(2) في ماله الأصلي فإذا تلف وقع نقصان فيه لوجوب تداركه عنه»(3)، فهو لازم المعنى عرفاً لا نفسه.

ثمّ إنّ التعهد بالنسبة إلى المال المأخوذ على وجهين: إمّا ضمانه بعوض واقعي، أو بعوض جعلي، امّا الجعلي فهو ما اتفقوا عليه من الثمن عند الصحة، وامّا الواقعي فهو تداركه بالمثل إذا كان مثلياً وبالقيمة إذا كان قيمياً. وهذا أمر عرفي اتفق عليه العقلاء حيث يُلزمون المستولي على مال الغير بخروجه عما علا عليه برّد عينه عند بقائه، ومثله أو قيمته عند تلفه ولا يحتاج مثل ذلك إلى دليل سوى ما هو المرتكز عند العقلاء.


1 . الوسائل: 5، الباب30 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1و 3و 4.

2 . الدّرك: اللحاق والتبعة، يقال: «ما لحقك من دَرَك فعليَّ خَلاصُه». المنجد.

3 . المتاجر:102.


صفحه273

وبذلك يعلم انّ العقد الفاسد مساو للصحيح في أصل تحقق الضمان ولكنّهما يختلفان في المضمون وما هو في العهدة، فانّه في الصحيح هو المسمى في العقد، وفي الفاسد هو المثل أو القيمة وأُجرة المثل في الإجارة ونحوها، ومعنى القاعدة: ما يضمن بصحيحه بالمسمى، يضمن بفاسده بالمثل أو القيمة، وهذا الاختلاف لازم صحة العقد وفساده.

فإن قلت: لو كان الضمان في الصحيح بالعوض الجعلي وفي الفاسد بالعوض الواقعي من المثل والقيمة يلزم اختلاف معنى الضمان بين قوله: ما يضمن بصحيحه... الخ، وقوله: يضمن بفاسده، حيث إنّ الضمان في الأوّل بالمسمّى، وفي الثاني: بالمثل والقيمة، وهو خلاف الظاهر.

قلت: انّ الضمان في كلا المكانين استعمل بمعنى واحد وهو التعهد ولزوم الخروج عن التعهد، وإنّما الاختلاف في كيفية الخروج ، ففيما إذا كان العقد صحيحاً يتعيّن التدارك بالعوض الجعلي، لاتفاقهما عليه وإمضاء الشارع له.

وامّا إذا كان العقد فاسداً فيمتنع الخروج بالعوض الجعلي لافتراض أنّ الشارع لم يمضه ولم يجزه، فيتعين التدارك بالمثل أو القيمة، لانّهما أقرب الأشياء إلى التالف.

وبذلك يعلم انّ اللازم للدراسة هو تفسير الضمان فيما إذا كان العقد فاسداً وانّه هل هو بالمثل أو القيمة أو غيرهما لا ما إذا صحّ العقد لكفاية الأدلّة الدالة على صحة العقد في إثبات كيفية الضمان وهو دفع المسمى، وامّا إذا دلّ


صفحه274

الدليل على فساد العقد فهذا هو اللازم للبحث والدراسة حتّى ندرس كيفية الخروج من العهدة.

الخامس: ما هو المراد من «الباء» في «بصحيحه»

إنّ معنى «الباء» في قوله: «بصحيحه...» يحتمل أحد الوجهين:

الأوّل: السببية المطلقة الشاملة للناقصة والتامّة، فإنّ العقد قد لا يوجب الضمان إلاّ بعد القبض، كما في السلم والصرف، بل مطلق البيع حيث إنّ البيع قبل القبض مضمون على البائع، بمعنى أنّ دركه عليه وتداركه بردّ الثمن. فلا يضمن المشتري إلاّ بعد قبضه للقاعدة المسلمة: كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.

وربما يقال: انّ هذا يتم في العقد الصحيح، حيث إنّه مع القبض سبب تام للضمان. وامّا العقد الفاسد، فسبب الضمان هو القبض لا العقد.

فقد أجاب عنه الشيخ بوجهين:

1. إنّ العقد هو المنشأ للقبض على وجه الضمان الّذي هو سبب للضمان.

2. انّه سبب الحكم بالضمان بشرط القبض.(1)

توضيحه: انّ الدليل على الضمان في العقد الفاسد، امّا قاعدة «على اليد» فيكون العقد منشأ للسبب لانّ تسلطه على العين لأجل العقد فيكون أشبه بسبب السبب.


1 . المتاجر:102.


صفحه275

أو يكون قاعدة الاقدام، فيكون العقد جزء العلة للضمان لانّه أقدم على العقد والقبض معاً.

الثاني: الظرفية نحو قوله تعالى:(نَجَّيْناهُمْ بِسَحَر)(1) وقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْر)(2) فيكون المراد: انّ ما يضمن في مورد الصحيح للعقد، يضمن كذلك في مورد الفاسد.

السادس: مقتضى اطلاق الكلمات

إنّ مقتضى إطلاق الكلمات، عدم الفرق في الفاسد بين كون الفساد من جهة نفس العقد أو فوات ما يعتبر في المتعاقدين منهما أو أحدهما، أو في العوضين، وسواء كان المتعاقدان عالمين بالفساد أم جاهلين أم أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.

إذا عرفت ذلك فلنذكر أدلة القاعدتين; أصلها وعكسها.

أصل القاعدة ودليلها

قد عرفت انّ للقاعدة أصلاً إيجابياً وهو: ما يضمن بصحيحه، يضمن بفاسده، وعكسا سلبياً: ما لا يضمن بصحيحه، لا يضمن بفاسده، والمهم في المقام هو التأكيد على الضمان في العقد الفاسد، وامّا الضمان عند الصحة بالمسمى ـ كما مرّ ـ فهو أمر لا يحتاج إلى دليل، فكلّ ما سنذكره من الأدلة يُقصد به الضمان عند فساد العقد، وإليك الأدلة:


1 . القمر:34.

2 . آل عمران:123.


صفحه276

 

الأوّل: قاعدة الاحترام

جرت السيرة العقلائية على احترام أموال المالك (إذا ملك قانوناً) ومنافعها حتّى الاعمال الّتي لها قيمة في السوق، وهذه السيرة نابعة من الاعتراف بمالكية الشخص، فكلّ من ثبتت مالكيته للشيء فلملكه حرمة واحترام عند الناس والعقلاء في جميع الأعصار، ولم يردّه الشارع لأنّ رحى الحياة تدور على هذه القاعدة، بل أمضاها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بتعابير مختلفة منها:

1. قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة الوداع: «وان حرمة ماله كحرمة دمه».(1)

2. وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يصلح ذهاب حق أحد».(2)

3. وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».(3)

والظاهر أنّ الشارع لم يكن بصدد تأسيس قاعدة وإنّما كان بصدد التأكيد على هذه السيرة غير أنّه خصّ القاعدة بمال المؤمن دون الكافر المحارب.

وحرمة المال مفهوم عرفي لا يحتاج إلى التفسير، إذ يتبادر منه عند العقلاء حرمة التصرف فيه بلا إذنه فيجب عليه رده إلى مالكه، وإن تلف يجب عليه أداء غرامته فإن كان مثلياً فبالمثل وإن كان قيمياً فبالقيمة.


1 . الوسائل: 8 ، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث12.

2 . الوسائل: 18، الباب40 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث1.

3 . جامع أحاديث الشيعة:18/530، وسيوافيك سائر مصادره.


صفحه277

وبذلك يعلم ضعف ما ربما يقال «من أنّ حرمة المال بمعنى حرمة مزاحمته(ووجوب دفعه إلى المالك) فهي معلّقة على وجود الموضوع أي العين فإذا تلف فلا موضوع لحرمة المزاحمة»، وذلك لانّ عدم الضمان عند التلف لا يجتمع مع حرمة المال، فإنّ المتبادر من حرمته هو عدم الإضرار بمال المؤمن، ويتحقق ذلك إمّا بدفع العين أو بدفع البدل، فالإلزام بدفع العين دون البدل عند التلف لا ينسجم مع الحرمة.

وبذلك يعلم انّه إذا سلّط الغيرَ على ماله من دون عوض، فقد هتك هو بنفسه حرمة ماله واهدر كرامته، فلو تلف لا يكون له ضمان فالتمليكات المجانية كالهبة والعارية وغيرهما، لا ضمان فيها على الآخذ في عامة الحالات، سواء أكانت العين باقية أم تالفة. وسيوافيك بيانه عند البحث في عكس القاعدة.

وعلى ضوء ذلك فلو كان العقد صحيحاً فحرمة ماله هو تملكه للثمن بدل العين، وامّا إذا افترضنا فساد العقد، فمن جانب أنّ البائع لا يملك الثمن لافتراض فساد المعاملة، ومن جانب آخر انّ لماله حرمة وكرامة، فالجمع بينهما يتحقّق بتداركه بالمثل إذا كان مثلياً أو بالقيمة إذا كان قيمياً.

فإن قلت: إنّ المتعاقدين تواطئا على تحديد حرمة المال بالمسمّى، فإذا لم يسلّم المسمى للبائع فلا تعهد للمشتري بالنسبة إلى العين عندئذ.

قلت: انّ غاية ما يقتضي فساد العقد هو سقوط المسمّى لا سقوط احترام ماله.


صفحه278

فبذلك يظهر أنّ هذه القاعدة من أوضح الأدلة على الضمان بالمسمّى عند الصحة، وبغيره عند الفساد.

فنتيجة حرمة المال هو صيانة البائع عن توجه الضرر إليه في عامة الحالات سواء أكان العقد صحيحاً أم فاسداً.

انّ قاعدة الاحترام أعمّ من حديث «على اليد» الآتي على القول باختصاص الثاني بالأعيان، بخلاف الأوّل فإنّه يعمّ الأعمال ويكون عمل الأجير بالإجارة الفاسدة مضموناً على المستأجر بأُجرة المثل كما هو مضمون بالمسمّى في الاجارة الصحيحة.

الثاني: قاعدة الإقدام

وقد اشتهر الاستدلال على الضمان بالمسمّى عند الصحة وبغيره عند الفساد بقاعدة الاقدام، وأوّل من تمسك بها من الأصحاب هو الشيخ الطوسي حيث إنّه علل الضمان في غير موضع من العقود الفاسدة، بما معناه من أنّه دخل على أن يكون المال مضموناً عليه، وإليك بعض ما وقفنا عليه في المبسوط:

1. قال في فصل تفريق الصفقة: وإن تلفت في يده كان عليه أكثر ما كانت قيمته من وقت القبض إلى وقت التلف، وفي الناس من قال لا يضمن بقيمته يوم التلف. وإنّما وجب الضمان عليه لأنّه أخذ الشيء بعوض وإذا لم يسلم العوض المسمّى وجب عوض المثل لما تلف في يده سواء أتلفت جملته أم تلف بعض أجزائه.(1)


1 . المبسوط:2/149.


صفحه279

2. وقال في كتاب الغصب: فإن كان المبيع قائماً ردّه، وإن كان تالفاً ردّ بدله، إن كان له مثل و إلاّ قيمته، لأنّ البائع دخل على أن يسلم له الثمن المسمّى في مقابلة ملكه، فإذا لم يسلم له المسمّى اقتضى الرجوع إلى عين ماله، فإذا هلكت كان له بدلها.(1)

وحاصله انّ قبض المال مقدماً على ضمانه بعوض واقعي أو جعلي موجبٌ للضمان، وهذا المعنى يشمل القبوض بالعقود الفاسدة الّتي تضمن بصحيحها.

الشيخ الأنصاري وقاعدة الاقدام

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري ردّ القاعدة أوّلاً ثم أورد نقوضاً عليها، ثانياً .

أمّا الرد فقال: هذا الوجه لا يخلو عن تأمل لأنّهما إنّما أقدما وتراضيا وتواطئا بالعقد الفاسد على ضمان خاص لا الضمان بالمثل والقيمة، والمفروض عدم إمضاء الشارع لذلك الضمان الخاص. ومطلق الضمان لا يبقى بعد انتفاء الخصوصية حتّى يتقوّم بخصوصية أُخرى، فالضمان بالمثل أو القيمة إن ثبت فحكم شرعي تابع لدليله، وليس ممّا أقدم عليه المتبايعان.

وبعبارة أُخرى: ما أقدما عليه بالعقد الفاسد، هو الضمان بالمسمّى، وهو لم يثبت لهما وما هو ثابت من العوض بالمثل أو القيمة لم يقدما عليه.

وامّا النقض فقال: إنّ بين قاعدة الإقدام والضمان من النسب عموماً وخصوصاً من وجه.


1 . المبسوط:3/65 .


صفحه280

إذ قد يكون الإقدام موجوداً ولا ضمان، كما في التلف قبل القبض.

وقد لا يكون إقدام في العقد الفاسد مع تحقق الضمان، كما إذا شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري، وكما إذا قال: بعتك بلا ثمن وآجرتك بلا أُجرة.(1)

والجميع منظور فيه:

أمّا الردّ; فلأنّ كلّ من يقدم على البيع والشراء منهما يتفق على أن لا يكون خروج المبيع والثمن عن ملكه محاباة وبلا عوض، وهذا أمر ارتكازي عندهما، غاية الأمر بما أنّهما كانا يتصوران صحة البيع فإذا لم يسلّم له المسمّى فالارتكاز السابق باق على حالته فلا يُترك المشتري إذا تلف المبيع في يده مع عدم تسليم المسمى. فبقاء الضمان بوجه مطلق لا يحتاج إلى خصوصية.

وأمّا النقوض:

امّا الأوّل: ففيما إذا تلف في يد البائع فعدم الضمان لأجل أنّ الاقدام كان مشروطاً بالقبض والمفروض عدمه، فيحكم على البيع بالانفساخ، وإن شئت قلت: انّ المشتري تعهد بالضمان بشرط تسليم المبيع لا مطلقاً.

وأمّا الثاني: أعني ما ذكره من تحقق الضمان مع عدم الإقدام ففيه :

أوّلاً: انّ الضمان مقترن بالاقدام بشهادة انّه أخذ المبيع في مقابل الثمن، فالتزامه به عبارة أُخرى عن انّه أقدم مع العوض، لا مجاناً وبلا شيء ولما كان


1 . المتاجر:103.


صفحه281

مقتضى ذلك هو الخروج عن العهدة عند التلف أيضاً ـ بدفع المثل أو القيمة ـ نقل ذلك ـ بعد تحمل الضمان ـ إلى البائع، ومعنى ذلك انّه ضمن في كلتا الحالتين، غير انّه نقله في الحالة الثانية إلى البائع.

ثانياً: ماذا يريد الشيخ من قوله: «مع تحقق الضمان»؟ فهل يريد ضمان المشتري كما هو ظاهر كلامه، فهو على خلاف الشرط إذا قلنا بصحة الشرط ولو قلنا ببطلانه فهو يوجب بطلان العقد، فلا يكون موضوع للضمان، وان اراد ضمان البائع، فعلى زعمه، لا يكون من جانب المشتري ضمان ولا اقدام، لا التفريق بينهما.

وأمّا الثالث: أعني وجود الضمان مع عدم الاقدام كما إذا باع بلا ثمن فقد مرّ أنّه هبة بلسان البيع، فلا ضمان هنا كما لا إقدام.

وبذلك تعلم تمامية قاعدة الإقدام، وعليه فيحكم بالضمان في المقبوض بالعقد الفاسد، أخذاً بما اتفق عليه المتبايعان بان لا يتم خروج المبيع أو الثمن إلاّ بالعوض، فإذا لم يسلّم له العوض يؤخذ بما اتفقا عليه من الأصل، أعني اتفاقهما على عدم خروجهما إلاّ بالعوض.

ثمّ إنّ للسيد الخوئي هنا كلاماً مبسوطاً وحاصله أنّ سبب الضمان هو اليد والاستيلاء على مال الغير غاية الأمر أنّ التسليط المجاني مانع عن تأثير الاستيلاء في الضمان، وقاعدة الاقدام رافعة لهذا المانع حيث إنّ الطرفين اتفقا على أن لا يكون التسليط بالمجان.(1)


1 . مصباح الفقاهة:2/350، بتلخيص وتوضيح منّا.


صفحه282

نعم في شمول كلّ من قاعدتي الاحترام والاقدام لعامة صور التلف مشكل، فإنّ لتلف العين صوراً نشير إليها:

1. إذا فرّط المشتري في حفظ العين وكان العقد فاسداً.

2. ما تلف بسبب خارج عن الاختيار من غير تفريط لكنه لو لم يكن عنده لما تلف، كما إذا سرقه سارق من بيته مع سائر أمواله، بلا تفريط منه.

3. إذا ما تلف بأمر سماوي خاصّ، كما إذا كان الحيوان مريضاً وتلف بيده على نحو لو كان تحت يد البائع لتلف كذلك.

4. ما إذا تلف بأمر سماوي عام، كمّا إذا رجّت الأرض أو أصابه سيلٌ، اتلف أموال عامة الناس ومنها المبيع.

والّذي يمكن أن يقال هو أنّ قاعدة الاحترام أو الاقدام تشمل الوجهين الأوّلين على نحو يكون وقوع المال في يد المشتري مؤثراً في التلف وامّا الشق الثالث والرابع أعني ما إذا كان التلف بسبب على نحو لو كان المبيع في يد البائع أيضاً لعمه التلف، فالقول بالضمان هنا عند التلف خارج عن مقتضى قاعدتي الاحترام والاقدام.

فلو ثبت إجماع أو إطلاق دليل (قاعدة على اليد) فيمكن القول بالضمان فيه أيضاً، وإلاّ فالقول بعدم الضمان أشبه.

الدليل الثالث: قاعدة نفي الضرر

انّ الحكم بعدم ضمان المأخوذ بالعقد الفاسد ضرر على البائع. وقد


صفحه283

أورد عليه بأنّ قاعدة لا ضرر متكفلة لنفي الأحكام الضررية ولا تثبت حكماً إيجابياً كالضمان.

يلاحظ عليه: بأنّ ما اشتهر من أنّ القاعدة لا تثبت حكماً إيجابياً لا يوافق مورد الرواية فانّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر سمرة بقوله: «استأذن يا سمرة» فالأمر بالاستئذان حكم إيجابي نابع عن قوله: «لا ضرر ولا ضرار»، وعلى ضوء ما ذكرنا انّ «لا ضرر» تارة تنفي الحكم الناشئ منه الضرر وأُخرى تثبت الحكم دفعاً للضرر.

ومن المعلوم أنّ ترك المشتري بلا ضمان عند التلف والحكم بعدم ضمانه عنده أمر ضرري يكون منفياً بقاعدة لا ضرر، وأمّا كيفية الخروج عن الضرر فهو موكول إلى العرف ولا تتكفله القاعدة.

ثمّ إنّه ربّما يقال بأنّ الواجب في المأخوذ بالبيع الفاسد كون المبيع مضموناً بأقل الأمرين من المسمّى والمثل، فلو كان المثل أقل من المسمّى لم يضمن الزائد لأنّ سبب ضمان الزيادة هو العقد وقد كان باطلاً، ولو كان المسمّى هو الأقل فسبب ضمان المثل ـ و هي اليد ـ وإن كان موجوداً ولكن الّذي يمنع عن ضمان الزيادة إهدار صاحب المال لماله بمقدار الزيادة برضاه بالمبادلة بما هو أقل.

يلاحظ عليه: نحن نختار أنّ المسمّى هو الأقل وسبب ضمان المثل هو اليد، لكن ادّعاء أنّ المالك أهدر من ماله بمقدار الزيادة مدفوع بأنّه إنّما أهدر على فرض صحة المعاملة حيث رضي بالمبادلة بما هو الأقل دون صورة فساد المعاملة، وعلى كلّ تقدير فقد استولى على مال الغير فيجب عليه ردّه


صفحه284

إن كان موجوداً وإلاّ فبدله وهو ليس إلاّ المثل أو القيمة.

نعم لو كان المبنى هو قاعدة الإقدام يجب أن لا تكون قيمة المثل أكثر من المسمى، لأنّه لم يقدم إلاّ بالضمان المحدّد، ولذلك ذهب بعضهم إلى أنّ المشتري ضامن للأقل من المسمى أو القيمة.

الدليل الرابع: روايات الأمة المسروقة

استدل على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد بالروايات المستفيضة على ضمان الأمة المسروقة، وقد استدل بها الشيخ وقال: ويدل على الحكم المذكور أيضاً قوله في الأمة المبتاعة ـ إذا وجدت مسروقة بعد أن أولدها المشتري ـ : «أنّه يأخذ الجارية صاحبُها ويأخذ الرجل ولده بالقيمة»، فإنّ ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماءً لم يستوفه المشتري، يستلزم ضمان الأصل بطريق أولى، فليس استيلادها من قبيل اتلاف النماء بل من قبيل إحداث نماء غير قابل للملك فهو كالتالف لا كالمتلَف.(1)

وسيوافيك وجه الاستدلال بها للمقام.

هذا كلام الشيخ وامّا أنّه هل هو من مقولة التلف أو الإتلاف فهو رهن دراسة الروايات بأجمعها:

1. روى الشيخ بسند موثق عن صفوان عن معاوية بن حكيم(2) عن محمد بن أبي عمير عن جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل


1 . المتاجر:101. 

2 . فطحي ثقة.


صفحه285

يشتري الجارية من السوق فيولّدها ثم يجيء مستحق الجارية (مالكها) قال: يأخذ الجارية المستحق ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد الّتي أخذت منه.(1)

والسند لا غبار عليه، ومعاوية بن حكيم وإن كان فطحياً ولكنه ثقة جليل، والشاهد في ضمان المنفعة التالفة حيث إنّ الولد انعقد حرّاً، فصارت كالتالفة.

2. ويظهر من رواية أُخرى أنّ في السند إرسالاً حيث روى الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل اشترى جارية فأولدها فوجدت الجارية مسروقة؟ قال: يأخذ الجاريةَ صاحبُها ويأخذ الرجلُ ولده بقيمته.(2)

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري يُصرّ في المقام على أنّ استيلادها ليس من قبيل إتلاف النماء بل من قبيل احداث انمائها غير قابل للملك فهو كالتالف لا كالمتلف، فما وجه هذا الاصرار؟ حيث يقول: انّ ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماءً لم يستوفه المشتري يستلزم ضمان الأصل بطريق أولى، فليس استيلادها من قبيل إتلاف النماء بل من قبيل إحداث إنمائها غير قابل للملك فهو كالتالف لا المتلف.(3)

ولعل وجهه انّ محل البحث في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن


1 . الوسائل: 14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث4.

2 . نفس المصدر: الحديث3.

3 . المتاجر:101.


صفحه286

بفاسده إنّما هو ضمان اليد دون ضمان الإتلاف، وإلاّ لما كان هناك داع لدفع الدخل المقدّر ببيان انّ حرية الولد من قبيل التلف لا من قبيل الإتلاف.

ويؤيد ما ذُكر (انّ محط البحث عند الشيخ هو ضمان اليد لا ضمان الإتلاف) أنّه خصّص في عكس القاعدة في مسألة ضمان منافع العين بالمنافع غير المستوفاة قائلاً بأنّ استيفاء المنافع يوجب الضمان بلا شك.

هذا هو نظر الشيخ.

وقد أورد على الشيخ بأنّه من قبيل الإتلاف ضرورة أنّ النطفة وإن كانت من الرجل إلاّ أنّها كانت متكوّنة بدم الأُمّ وكان تكوّنها حيواناً بالقوى المودعة في الرحم، فكان صيرورتها حيواناً من قبل الأُمّ، وقد أتلفها الرجل على الأب.(1)

يلاحظ عليه: انّ ما ذكره تدقيق فلسفي غير مطروح للعرف، ولو صحّ ما ذُكر لوجب على الرجل إعطاء قيمة نطفة المرأة والدم التالف وقيمة القوى المودعة لا قيمة الولد.

ومنه يظهر عدم صحة ما أفاده المحقّق الإيرواني حيث قال: إنّ المشتري استوفى منفعة الرحم باشغاله بمائه ولا أقل من أنّه قد أتلف منفعته على المالك بذلك فإنّه كان مستعداً لانماء نطفة الرق فسلب عنه ذلك بإشغاله بنطفته.(2)


1 . (كذا في النسخة والظاهر على المالك) تعليقة الإصفهاني:1/75.ولعلّه تبع في التعبير خبر زرارة الآتي.

2 . تعليقة المحقّق الإيرواني:1/93.


صفحه287

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه تدقيق فلسفي ـ أنّه لو صحّ ما ذكر يجب عليه جبران أشغال الرحم بنطفته، لا قيمة الولد.

هذا ما ذكره القوم ولكن الرجوع إلى سائر الروايات الواردة في هذا الموضوع يثبت أنّ قيمة الولد كان عوضاً عن المنافع المختلفة المستوفاة.

3. روى الكليني بسند كالصحيح(1) عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يشتري الجارية من السوق ويولدها ثم يجيء الرجل فيقيم البيّنة على أنّها جاريته لم تُبَع ولم تُهَب؟ فقال(عليه السلام): ان يرد إليه جاريته ويعوّضه بما انتفع. قال: كأنّ معناه قيمة الولد.(2) والظاهر انّ التفسير من زرارة.

4. خبر زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل أشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه فولدت منه أولاداً ثم إنّ أباها(3) يزعم أنّها له وأقام على ذلك البيّنة؟ قال: يقبض ولده ويدفع إليه الجارية ويعوضه


1 . أقول: رواه في الكافي بالسند التالي:

عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي عبد اللّه الفرّاء عن حريز عن زرارة. الكافي:5/216برقم 13.

ورواه في التهذيب بالسند التالي:

أحمد بن محمد عن أبي عبد اللّه الفرّاء عن حريز عن زرارة. التهذيب7/64برقم 276.

والظاهر أنّ مراده من أحمد بن محمد هو أحمد بن محمد بن عيسى، والشيخ أخذ الرواية من كتابه. ولذلك حذف قول الكليني «عدّة من أصحابنا» فالسندان متحدان ومعتبران. وأبو عبد اللّه الفراء من مشايخ ابن أبي عمير فيكون ثقة، ولذا قلنا: كالصحيح.

وبذلك يظهر أنّ صدر السند المذكور للرواية في الوسائل لا ينطبق على المصدرين.

2 . الوسائل:14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث2.

3 . وربما يتصور أنّ الصحيح صاحبها ولكن فسّره العلاّمة المجلسي في شرح التهذيب بقوله: أي ادّعى انّها ابنته حرّة الأصل أو اشترى ابنته وعتقت عليه.


صفحه288

في قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها.(1)

فلو كان التفسير في الحديث الثالث من الراوي لدلّ على أنّه فهم أنّ قيمة الولد عوض المنافع المستوفاة.

والحديث الرابع ينص على ضمان ما أصاب من لبنها وخدمتها.

وبما أنّ الروايتين الأُوليين لم تنصّا إلاّ على ضمان قيمة الولد ولم يذكر فيهما شيء من قيمة اللبن والخدمة، يمكن أن يقال أنّ قيمة الولد عوض عن كلّ ما انتفع به المشتري من الأُمّة من الانتفاعات الجنسية والخدمة في البيت ورضاع الولد، وبما أنّ تقييم كلّ ذلك كان أمراً غير ميسور قامت قيمة الولد مقامه.

وعلى ما ذكرنا فالاستدلال بها على المقام مشكل. لانّ المنفعة المستوفاة مضمونة قطعاً والكلام في غير المستوفاة حتّى يكون دليلاً على ضمان العين التالفة بلا تفريط ولا تسبيب عن المشتري. وعلى ضوء ما ذكرنا فالروايات الواردة في الإماء المشتراة لا تصلح للاستدلال على المقام.

الدليل الخامس: قاعدة على اليد

«قاعدة على اليد» غير «قاعدة اليد»، فالثانية آية الملكية لقوله(عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق.(2)

والأولى دليل الضمان، وهي حديث نبوي رواه قتادة عن الحسن البصري عن سمرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه».


1 . نفس المصدر، الحديث4.

2 . الوسائل: 18 ، الباب2 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث2.


صفحه289

يقول البيهقي ثم ّ انّ الحسن نسي حديثه فقال: هو أمينك لا ضمان عليه.(1)

ورواه الترمذي عن الحسن عن سمرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، قال قتادة ثم نسي الحسن فقال فهو: أمينك لا ضمان عليه، يعني العارية.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرهم إلى هذا، وقالوا: يَضمن صاحب العارية، وهو قول الشافعي وأحمد.

وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم: ليس على صاحب العارية ضمان إلاّ أن يخالف، وهو قول الثوري وأهل الكوفة، وبه قال إسحاق.(2)

ورواه أبو داود بسنده عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»، ثمّ إنّ الحسن نسي وقال: هو أمينك لا ضمان عليه.(3)

أقول: يقع الكلام تارة في سند الحديث وأُخرى في دلالته، امّا السند فساقط جدّاً ولا نتكلم إلاّ عما ورد في حق سمرة بن جندب بن هلال الفزاري.


1 . سنن البيهقي:6/90، باب العارية مضمونة.

2 . سنن الترمذي:3/566، الباب39 ، باب ما جاء في أنّ العارية مؤداة.

3 . سنن أبي داود، باب في تضمين العارية ، الحديث رقم 3561.


صفحه290

فقد عرّفه الذهبي في تاريخه وقال: له صحبة ورواية وشرف، ولي امرة الكوفة والبصرة خلافة لزياد، وكان شديداً على الخوارج وقَتَل منهم جماعة، فكان الحسن وابن سيرين يشينان عليه.(1)

هذا ما يذكره الذهبي في بدأ ترجمته، ولكنه يذكر في حقه ما يدلّ على فسقه، حيث قال: عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة في ذلك: إنّي كنت أنا وهو وأبو هريرة في بيت فجاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: آخركم موتاً في النار، فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة.(2)

وروي عن ابن طاووس وغيره قال النبي لأبي هريرة وسمرة بن جندب وآخر: «آخركم موتاً في النار» فمات الرجل قبلهما، فكان إذا أراد الرجل أن يُغيض أبا هريرة، يقول: مات سمرة، فيُغشى عليه ويصعق، فمات قبل سمرة.

ثمّ قال: وقتل سمرة بشراً كثيراً. ونقل عن عامر بن أبي عامر، قال: كنّا في مجلس يونس بن عبيد فقالوا: ما في الأرض بقعة نشفت من الدم مثل ما نشفت هذه ـ يعنون دار الإمارة ـ قُتِل بها سبعون ألفاً فسألت يونس، فقال: نعم من بين قتيل وقطيع، قيل من فعل ذلك؟ فقال: «زياد وابنه وسمرة».


1 . تاريخ الإسلام، الجزء الخاص بحوادث عهد معاوية، ص 231، وجدنا العبارة «يثنيان» و هو تصحيف، والصحيح ما ذكرناه، بقرينة ما سيمّر عليك ممّا أورده الطبري في تاريخه. وما ذكره نفس الذهبي.

2 . سير أعلام النبلاء:3/183ـ 185. ومعنى ذلك ان سمرة آخر من مات منهم.


صفحه291

ثمّ نقل عن أبي بكر البيهقي انّه قال: نرجو له بصحبته.(1)

وذكر ابن الأثير ما نقلناه عن الذهبي وقال: سكن البصرة وكان زياد يستخلفه عليها إذا صار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا صار إلى البصرة، فكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر، إلى آخر ما ذكر.(2)

روى الطبري في حوادث سنة 50هـ، قال: عن محمد بن سليم قال: سألت أنس بن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.

وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.(3)

ونقل ابن أبي الحديد عن أُستاذه أبي جعفر انّه قال: وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي انّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب(عليه السلام): (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ).(4)


1 . سير أعلام النبلاء:3/183ـ 185. قوله: بقعة نشفت من الدم: شربت الدم، يقال: نشف الثوبُ العرقَ: شرَبه.

2 . أُسد الغابة:2/354.

3 . تاريخ الطبري:3/176.

4 . البقرة:204ـ 205.


صفحه292

وانّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى:(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ)(1) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك.(2)

هذا هو حال السند، فكيف يمكن أن يُحتجّ به، وربّما يقال بأنّ ضعف السند منجبر بعمل الأصحاب، لكن الظاهر انّ عمل الأصحاب بها لم يكن اعتماداً على الرواية، بل كان احتجاجاً على الآخرين فقد اعتمد عليه الشيخ في كتاب «الخلاف» في غير واحد من الأبواب، احتجاجاً على المخالف لا دليلاً على نظره ورأيه، مثلاً:

قال في كتاب«الغصب»: إذا غصب شيئاً ثم غيّره عن صفته الّتي هو عليها لم يملكه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا غيّر الغصب تغييراً أزال به الاسم والمنفعة المقصودة، بفعله ملكه. ثم استدل وقال: دليلنا: أنّه ثبت أنّ هذا الشيء قبل التغيير، كان ملكه فمن ادّعى أنّه زال ملكه بعد التغيير فعليه الدلالة.

ثمّ قال (الشيخ): وروى قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي».(3) فالظاهر أنّه بصدد الاحتجاج على أبي حنيفة لا أنّه يستند إلى نفس الرواية.(4)


1 . البقرة:207.  

2 . شرح نهج البلاغة:4/73.

3 . الخلاف:3/407، المسألة 20.

4 . ولاحظ أيضاً المسألة 22 من كتاب الغصب.


صفحه293

وعلى ذلك فالاعتماد على الحديث بعمل الأصحاب أمر غير تام.

ومع ذلك فاتقان الحديث ربّما يؤيد صدوره عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد كان سيدنا الأُستاذ(قدس سره) يعتمد عليه في درسه الشريف، لأجل اتقان اللفظ والمضمون. واللّه العالم.

هذا كلّه حول السند وأمّا الدلالة، فربما يخدش فيها بأنّ الرواية لا تدل على الحكم الوضعي بمعنى الضمان، لأنّ كلمة «على» ظاهرة في الحكم التكليفي فلا تدل على الضمان.

وأجاب عنه الشيخ الأنصاري بأنّ هذا الظهور إنّما هو إذا أُسند الظرف إلى فعل من أفعال المكلفين، كما إذا قال: عليه صلاة. لا إلى مال من الأموال كما يقال عليه دين فإنّ لفظة «على» حينئذ لمجرد الاستقرار في العهدة، عيناً كان أو ديناً. ومن هنا كان المتجه صحة الاستدلال به على ضمان الصغير بل المجنون إذا لم تكن يدهما ضعيفة لعدم التمييز والشعور.(1)

أقول: لو صحّ السند فالدلالة على الضمان أوضح من أن تخفى، وذلك لأنّ لفظة «يد» تطلق فيراد منها تارة الجارحة بما هي جارحة، كما قال سبحانه:(السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزاءً بِمَا كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ).(2)

وأُخرى تطلق وتستعمل في الجارحة لكن كناية عن الشخص القادر كقوله سبحانه: (فَسُبْحَانَ الّذِي بِيَدْهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).(3)

وثالثة تطلق وتستعمل في الجارحة لكن كناية عن الشخص بما له من


1 . المتاجر:101.

2 . المائدة:38.   

3 . يس:83.


صفحه294

الاستعلاء على الشيء كما في المقام.

وعند ذلك يكون الظرف خبراً للموصول أعني «ما أخذت» ويراد بالظرف (على اليد) الشخص المستعلي، فيكون معنى الرواية: في عهدة الشخص المستعلي ما أخذ حتّى يفرغ ويخرج عن العهدة، وهذا هو نفس الضمان الّذي نحن بصدد إثباته.

والغاية في الرواية وإن كان هو أداء ما استعلى عليه وإرجاعه إلى صاحبه لكن التفاهم عرفاً من الأداء هو المعنى العام، فإن كان موجوداً فيؤديه بعينه وإن كان تالفاً فبما يقوم مقامه عند العرف، فلو كان مثلياً فبالمثل ولو كان قيمياً فبالقيمة.

وبذلك يسقط ، ما ربّما يقال من أنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية هو ردّ العين الموجودة فإذا انتفى فلا موضوع للرد. وذلك لانّه ليس المراد من الاستعلاء هو الاستعلاء الخارجي على العين حتّى يدور مداره، بل الاستعلاء على الشيء كناية عن الاستعلاء على ماليته، فالذي أخذه وإن كان هو العين لكن العين إنّما تكون مطلوبة للناس بما أنّ لها مالية، فإذا استعلى على شيء له مالية فيجب عليه الخروج عن ذلك التعهد، والخروج عند العرف عبارة عن ما ذكرنا من ردّ العين عند وجودها وردّ ما يقوم مقامها عند عدمها.

ومن هنا يمكن استفادة كلا الحكمين من الحديث; الوضعي بالدلالة المطابقية، والتكليفي بالدلالة الالتزامية، فإنّ كون الشيء على العهدة لا أثر لاعتباره إلاّ أن يكون له أثر شرعي.

Website Security Test