welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الوسيط في أُصول الفقه / ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الوسيط في أُصول الفقه / ج 2

الوسيط
في
أُصول الفقه

كتاب يبحث عن الأدلة اللفظية والعقلية بين الأيجاز والأطناب

الجزء الثاني

تأليف

العلامة الفقيه
الشيخ جعفر السبحاني

كتاب دراسي اُعد لطلبة الحوزة العلمية / السنة الخامسة

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)


(4)


(5)

مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي عجزت العقول عن كنه معرفته، وقصرت الألباب عن الإحاطة بكماله، والصّلاة والسّلام على أفضل خليقته وأشرف بريّته أبي القاسم المصطفى محمّد ـ الّذي بعثه بالحقّ ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته، ومن طاعة الشيطان إلى طاعته ـ، وعلى آله الطيّبين الطّاهرين الذين هم موضع سرّه، وعيبة علمه، وموئلُ حُكْمِه، وكهوف كتبه، وجبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائصه.

أمّا بعد، فإنّ خلود الشريعة وبقاءها على مرّ الزمان ومسايرتها للحضارات الإنسانية، واستغناءها عن كلّ تشريع، رهن أمرين:

الأوّل: احتواء التشريع على مادة حيوية خلاّقة للتفاصيل، بحيث يتمكّن علماءالأُمّة من استنباط كلّ حكم يحتاج إليه المجتمع البشري في كلّ عصر من الأعصار.

الثاني: فتح باب الاجتهاد وعدم إيصاده، ليقوم الفقهاء بدورهم في استنباط الأحكام التي تنسجم مع تطور الحياة ومواكبة العصر.


(6)

ومن مفاخر الشيعة الإمامية هو عدم ايصاد باب الاجتهاد منذ رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى يومنا هذا، فلذلك صار هذا سبباً لحفظ غضاضة الفقه وطراوته عندهم.

وممّا لا شكّ فيه انّ أُصول الفقه يحظى بأهمية كبيرة في استنباط الأحكام الشرعية، ففي ظلّ قواعده يُتاح للمجتهد أن يُبدي رأيه في كافة الحوادث والمستجدّات.

ولقد قام بالتأليف حول هذه المهمة واحد بعد واحدمن أُولي البصائر، وكابر بعد كابر من الأعاظم والفطاحل، فللّه درّ عصابة ألّفوا فأسّسوا، وصنّفوا فأفادوا،وقد كانت كتبهم محور الدراسة جيلاً بعد جيل.

غير انّ لكلّ عصر لغتَه، ولكلّ مجتمع حاجتَه، هذا وذاك ، ممّا يُلزم أساتذة الحوزة والمشرفين على المناهج الدراسية بإعادة النظر في ما أُلّف وصار محوراً للدراسة، لكي يُنتفع بنقاط قوته ويضاف إليه مسائل جديدة تلبّي حاجات عصره، حتى يكون التأليف كحلقة متسلسلة من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق.

وهذا، ما قمت به بفضل من اللّه خلال تدريسي لأُصول الفقه أزيد من خمسين سنة فجاء متمثّلاً في هذه الكتب:

1. «الموجز » أعددته للمبتدئين في علم الأُصول في جزء واحد.

2. «الوسيط» أعددته لمن أراد الخوض في علم الأُصول في جزأين بعد انّ كوّن فكرة عامّة عن المسائل الأُصوليةِ عبر دراسته لكتاب «الموجز».

وأمّا المرحلة النهائية فقد ألقيت محاضرات لدورات متتابعة حتى انتهى بنا الأمر إلى الدورة الخامسة ـ كلّ ذلك بفضل منه سبحانه ـ فجاءت خلاصتها في كتابين:


(7)

1. «المحصول»طبع في أربعة أجزاء.

2. «إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول»طبع منه إلى الآن جزءان.

وانبرى بعض الفضلاء من حضار بحوثي «حفظهم اللّه» إلى كتابتها وتدوينها.

والتمس من طالع« الوسيط» بكلا جزأيه أن يرشدني إلى مواضع الخلل فيه «فانّ أحبّ إخواني من أهدى إليَّ عيوبي».

كما أرجو من اللّه سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

17رمضان المبارك1421هـ


(8)


(9)

المقصد السادس

في الحجج والأمارات

1. العقل

2. الإجماع

3. الكتاب

4. السنّة

5. الإجماع المنقول بخبر الواحد

6. الشهرة الفتوائية

7. قول اللغوي


(10)


(11)

تمهيد

يعلم الفقيه أنّ بينه و بين ربّه حججاً معتبرة تقطع العذر وتُنجّز الواقع، غير انّه لايعلم في بدء الأمر خصوصياتها ومعالمها، فيبعثه العقل إلى التعرّف عليها بالتفصيل عن كثب، وهي عند الشيعة الإمامية أربعة: الكتاب، السنّة، الإجماع، والعقل التي يدور عليها رحى الفقه والاستنباط، وأمّا سائر الأمارات فهي غير معتبرة عندنا وإن كانت معتبرة عند الآخرين.

إذا كانت الحجج منحصرة عندنا في الأدلّة الأربعة كان اللازم على الأُصوليّين المتأخّرين الذين أفاضوا القول في علم الأُصول أن يعقدوا لكلّ منها فصلاً خاصاً ليتعرّف عليه المبتدئ ويقف على معالمه وحدوده، ولكنّهم لم يقوموا بهذه المهمة.

ومع ذلك كلّه لم تفتهم الإشارةُ إليها في ثنايا بحوثهم حيث أدرجوا البحث عن الكتاب في مبحث حجّية الظواهر على الإطلاق، والبحث عن السنّة في مبحث حجّية خبر الواحد، كما أدغموا البحث عن الإجماع محصَّلاً كان أو منقولاً في مبحث الإجماع المنقول، والبحث عن حجّية العقل في مبحث القطع. ولكن مرّوا عليها مروراً خاطفاً دون التركيز عليها. ولأجل الأهميّة التي تمتعت بها الأدلّة الأربعة عقدنا لكلّ واحد عنواناً خاصاً متميزاً عن غيره ومع ذلك فلصيانة المنهج السائد في الكتب الأُصولية عقدنا الفصول كالتالي:

العقل، الإجماع المحصّل، الكتاب، والسنّة.

وإن كان الأنسب تقدّم الكتاب والسنّة على الآخرين.


(12)

الأدلّة الأربعة

1
العقل أحد مصادر التشريع

انّ العقل أحد الحجج الأربع الذّي اتّفق أصحابنا إلاّ قليلاً منهم على حجّيته في مجال استنباط الحكم الشرعي، ثمّ إنّ البحث عن حجّية حكم العقل يقع في مقامين:

الأوّل: حجّية حكم العقل بما انّه من مصاديق القطع.

الثاني: كشفه عن حكم الشارع.

أمّا الأوّل فالبحث فيه من فروع البحث عن حجّية القطع مطلقاً(1) وانّ حجّيته ذاتية. وهذا هو الذي بسط الأُصوليون الكلام فيه في رسالة القطع وبحثوا عن حجّيته بحثاً مُسْهباً.

وأمّا الثاني فيرجع فيه البحث إلى وجود الملازمة بين حكمي العقل والشرع وعدمه وهذا هو الذي اختصروا الكلام فيه غالباً(2). دون أن يعقدوا له فصلاً مستقلاً، ولأجل مزيد ايضاح، نفرد لكل بحثاً مستقلاً في ضمن مقامين:


1. سواء أكان مصدره العقل أو غيره .
2. إلاّ المحقّق القمي في قوانينه وصاحب الفصول في فصوله .


(13)

المقام الأوّل

في أحكام القطع وأقسامه

وفيه أُمور:

الأمّر الاوّل

في حجّية القطع

لا شكّ في وجوب متابعة القطع و العمل على وفقه مادام موجوداً، لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و هو حجّة عقلية، و ليس حجّة منطقية أو أُصولية، ولإيضاح الحال نذكر أقسام الحجّة، فنقول: إنّ الحجّة على أقسام:

1. الحجّة العقلية.

2. الحجّة المنطقية.

3. الحجّة الأُصولية.

أمّا الأُولى، فهي عبارة عمّا يحتج به المولى على العبد و بالعكس، و بعبارة أُخرى ما يكون قاطعاً للعذر إذا أصاب و معذِّراً إذا أخطأ، و القطع بهذا المعنى حجّة ، حيث يستقل به العقل و يبعث القاطعَ إلى العمل وفْقَه و يُحذّره عن المخالفة، و ما هذا شأنه، فهو حجّة بالذات، غنيّ عن جعل الحجّية له.

وبهذا يمتاز القطع عن الظن، فإنّ العقل لا يستقلُّ بالعمل على وفق الظن ولا يحذِّر عن المخالفة لعدم انكشاف الواقع لدى الظن، فلا يكون حجّة إلاّ إذا أُفيضت له الحجّية من قِبَلِ المولى، بخلاف القطع فانّ العقل مستقل بالعمل على


(14)

وفقه والتحذير عن مخالفته لانكشاف الواقع، و إلى هذا يرجع قول القائل بأنّ حجّية القطع ذاتية دون الظن فإنّها عرضية.

وبذلك يتبيّن أنّ للقطع ثلاث خصائص:

1. كاشفيته عن الواقع و لو عند القاطع.

2. منجّزيته عند الإصابة للحكم الواقعي بحيث لو أطاع يُثاب ولو عصييعاقَب.

3. معذِّريته عند عدم الإصابة، فيُعذَّر القاطع إذا أخطأ في قطعه و بان خلافه.

وأمّا الثانية، فهي عبارة عن كون الحدّ الوسط في القياس المنطقي علّة لثبوت الأكبر للأصغر أو معلولاً لثبوته له، فيوصف بالحجّة المنطقية، كالتغيّر الذي هو علّة لثبوت الحدوث للعالم.

يقال : العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث.

والقطع بهذا المعنى ليس حجّة، لأنّه ليس علّة لثبوت الحكم للموضوع ولامعلولاً له، لأنّ الحكم تابع لموضوعه، فإن كان الموضوع موجوداً يثبت له الحكم سواء أكان هنا قطع أم لا، وإن لم يكن موجوداً فلا يثبت له، فليس للقطع دور في ثبوت الحكم و لذلك يُعدُّ تنظيم القياس بتوسيط القطع باطلاً، مثل قولك: هذا مقطوع الخمرية، و كلّ مقطوع الخمرية حرام فهذا حرام، و ذلك لكذب الكبرى، فليس الحرام إلاّنفس الخمر لا خصوص مقطوع الخمرية.

وأمّا الثالثة، فهي عبارة عمّا لا يستقل العقل بالاحتجاج به غير أنّ الشارع أو الموالي العرفيّة يعتبرونه حجّة في باب الأحكام و الموضوعات لمصالح، فتكون حجّيته عرضيّة مجعولة كخبر الثقة، و من المعلوم أنّ القطع غنيّ عن إفاضة


(15)

الحجّية عليه، و ذلك لاستقلال العقل بكونه حجّة في مقام الاحتجاج و معه لا حاجة إلى جعل الحجّية له.

أضف إليه انّ جعل الحجّية للقطع يتم إمّا بدليل قطعي، أو بدليل ظنّي.

وعلى الأوّل يُنقل الكلام إلى ذلك الدليل القطعي، و يقال: ما هو الدليل على حجّيته؟ و هكذا فيتسلسل.

و على الثاني يلزم أن يكون القطع أسوأ حالاً من الظن، و لذلك يجب أن ينتهي الأمر في باب الحجج إلى ما هو حجّة بالذات، أعني: القطع، و قد تبيّن في محله «أنّ كلّ ما هو بالعرض لابد و أن ينتهي إلى ما بالذات».

وبذلك يعلم أنّه ليس للشارع الأمرُ المولويّ بالعمل بالقطع لسبق العقل بذلك، كما ليس له المنع عن العمل بالقطع، فلو قطع إنسان بكون مائع خمراً لا يصحّ النهي عن العمل به، لاستلزامه كون الناهي مناقضاً في كلامه في نظر القاطع، و في الواقع إذا أصاب قطعه للواقع.


(16)

الأمر الثاني

تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي

إذا كان الحكم مترتباً على الواقع بلا مدخلية للعلم و القطع فيه، كترتّبالحرمة على ذاتالخمر و القمار فيكونالقطع بهما طريقيّاً ، ولا دور للقطع حينئذسوى تنجيز الواقع، و إلاّ ـ فمع قطع النظر عن التنجيز ـ فالخمر و القمار حرام سواء أكان هناك قطع أم لا، غاية الأمر يكون الجهل عذراً للمرتكب كما يكون العلم منجزاً للواقع.

وأمّا إذا أُخذ القطع في موضوع الحكم الشرعي بحيث يكون الواقع بقيد القطع موضوعاً للحكم، فيعبّر عنه بالقطع الموضوعي، وهذا كما إذا افترضنا أنّ الشارع حرّم الخمر بقيد القطع بالخمريّة بحيث لولاه لما كان الخمر محكوماً بالحرمة، وهذا التقسيم جار في الظنّ أيضاً، و لقد وردت في الشريعة المقدسة موارد أخذ القطع وحده أو الظن كذلك موضوعاً للحكم، نظير:

1. الحكم بالصحّة، فإنّه مترتّب على الإحراز القطعي للركعتين في الثنائية وللركعات في الثلاثية من الصلوات و للأُوليين في الرباعية، بحيث لولاه لما كانت محكومة بها.

2. الحكم بوجوب التمام لمن يسلك طريقاً مخطوراً محرزاً بالقطع أو الظن.

3. الحكم بوجوب التيمّم لمن أحرز بالقطع أو الظن كون استعمال الماء مضرّاً.


(17)

4. الحكم بوجوب التعجيل بالصلاة لمن أحرز ضيق الوقت بكلا الطريقين.

فلو انكشف الخلاف، و أنّ الطريق لم يكن مخطوراً، ولا الماء مضرَّاً، ولا الوقت ضيّقاً لما ضرَّ بالعمل، لأنّ كشف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى متعلّق القطع لا بالنسبة إلى الموضوع المترتب عليه الحكم.

ثمّ إنّه ليس للشارع أيّ تصرف في القطع الطريقي فهو حجّة مطلقاً من أيّ سبب حصل، لانّ الحكم مترتب على الموضوع بما هوهو وليس للقطع دور سوى كونه كاشفاً عن الواقع، فإذا قطع به، انكشف له الواقع وثبت وجود الموضوع، فيترتب عليه حينئذ حكمه، ويحكم العقل بلزوم العمل به من غير فرق بين حصوله بالأسباب العادية أو غيرها فليس للشارع تجويز العمل بالقطع الحاصل من سبب والنهي عن القطع الحاصل من سبب آخر.

و أمّا القطع المأخوذ في الموضوع فبما أنّ لكلّ مقنّن، التصرفَ في موضوع حكمه بالسعة والضيق، فللشارع أيضاًحقُّ التصرف فيه، فتارة تقتضي المصلحة اتخاذ مطلق القطع في الموضوع سواء أحصلت من الأسباب العادية أم من غيرها، و أُخرى تقتضي جعل قسم منه في الموضوع كالحاصل من الأسباب العادية، و عدم الاعتداد بالقطع الحاصل من غيرها .


(18)

الأمر الثالث

تقسيم القطع الموضوعي إلى طريقي ووصفي

ثمّ إنّ القطع الموضوعي ينقسم إلى قسمين:

1. موضوعي طريقي.

2. موضوعي وصفي.

توضيح ذلك: انّ القطع من الصفات النفسية ذات الإضافة، فله إضافة إلى القاطع (النفس المدرِكة) وإضافة إلى المقطوع به(المعلوم بالذات والصورة المعلومة في الذهن)، فتارة يؤخذ في الموضوع بما أنّ له وصف الطريقية والمرآتية فيطلق عليه القطع الموضوعي الطريقي، أي أُخذ في الموضوع بما انّ له وصف الحكاية، و أُخرى يؤخذ في الموضوع بما أنّه وصف نفساني كسائر الصفات مثل الحسد والبخل والإرادة والكراهة، فيطلق عليه القطع الموضوعي الوصفي، أي المأخوذ في الموضوع لا بما أنّه حاك عن شيء وراءه بل بما أنّه وصف للنفس المدركة.

لنفترض انّك تريد شراء مرآة من السوق، فتارة تلاحظها بما أنّها حاكية عن الصور التي تعكسها، وأُخرى تلاحظها بما أنّها صُنعت بشكل جميل مثير للإعجاب مع قطع النظر عن محاكاتها للصور.

فالقطع الموضوعي الطريقي أشبه بملاحظة المرآة بما أنّها حاكية، كما أنّ القطع الموضوعي الوصفي أشبه بملاحظة المرآة بما لها من شكل جميل ككونها مربعة أو مستطيلة وغيرهما من الأوصاف.

وأمّا ما هو الأثر الشرعي لهذا التقسيم فموكول إلى دراسات عليا.


(19)

الأمر الرابع

الموافقة الالتزامية

لا شكّ أنّ المطلوب في الأُصول الدينيّة و الأُمور الاعتقادية هو التسليم القلبي و الاعتقاد بها جزماً، إنّما الكلام في الأحكام الشرعية التي ثبتت و تنجّزت بالقطع أو بالحجّة الشرعية، فهل هناك تكليفان؟

أحدهماالالتزام بأنّه حكم اللّه قلباً وجناناً .

ثانيهما الامتثال عملاً وخارجاً.

فهل لكلّ، امتثال و عصيان، فلو التزم قلباً و خالف عملاً فقد عصى عملاً; كما أنّه لو وافق عملاً وخالف جناناً والتزاماً فقد ترك الفريضة القلبية، فيؤاخذ عليه؟

أو أنّ هناك تكليفاً واحداً، و هو لزوم امتثال الأحكام الفرعية في مقام العمل وإن لم يلتزم بها قلباً و جناناً، و هذا كمواراة الميّت فتكفي وإن لم يلتزم قلباً بأنّها حكم اللّه الشرعي؟

فليعلم أنّ البحث في غير الأحكام التعبدية، فإنّ الامتثال فيها رهن الإتيان بها للّه سبحانه أو لامتثال أمره أو غير ذلك ممّا لا ينفك الامتثال عن الالتزام والتسليم بأنّه حكمه سبحانه، فينحصر البحث عن وجوب الموافقة الالتزامية وعدمه في الأحكام التوصلية.

ذهب المحقّق الخراساني إلى القول الثاني، باعتبار أنّ الوجدان الحاكم في باب الإطاعة والعصيان خير شاهد على عدم صحّة عقوبة العبد الممتثل لأمر


(20)

المولى و إن لم يلتزم بحكمه.

وربّما يقال: إنّ الالتزام ـ مع العلم بأنّ الحكم للّه ـ أمر قهري، فكيف يمكن أن يواري المسلمُ الميّتَ مع العلم بأنّه سبحانه أمر به و لا يلتزم بأنّها حكم اللّه، فعدم عقد القلب على وجوبه أو على ضدّه أمر ممتنع و بذلك يُصبح النزاع غير مفيد.

وعلى هذا، فالعلم بالحكم يلازم التسليم بأنّه حكم اللّه.(1)

ولكن الظاهر عدم الملازمة بين العلم والتسليم، فربّ عالم بالحق، غير مسلِّم قلباً، فإنّ الإنسان كثيراً ما يعلم بأهلية المنصوب من قبل من له النصب، لكنّه لا ينقاد له قلبه ولا يسلّمه باطناً، وإن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته خوفاً من سوطه وسطوته، وهكذا كان حال كثير من الكفّار بالنسبة إلى نبيّنا، حيث إنّهم كانوا عالمين بنبوّته كما نطق به القرآن، ومع ذلك لم يكونوا منقادين له قلباً ولا مقرّين باطناً، ولو كان ملاك الإيمان الحقيقي نفس العلم التصديقي لزم أن يكونوا له مؤمنين حقيقة.(2)

والذي يدلّ على أنّ بين العلم والتسليم مرحلة أو مراحل قوله سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) .(3)

قيل: نزلت في الزبير ورجل من الأنصار خاصمه إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في شراج(4) من الحرّة كانا يسقيان بها النخل كلاهما، فقال النبي للزبير: «اسق ثمّ أرسل إلى


1. لاحظ تهذيب الأُصول: 2/46 .
2. نهاية الدراية:2/26.
3. النساء:65.
4. مسيل الماء من الحرّة إلى السهل، و«الحرّة»: الأرض ذات الحجارة.


(21)

جارك»، فغضب الأنصاري وقال: يا رسول اللّه لئن كان ابن عمتك....(1)

فإنّ خطاب الأنصاري للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كشف عن عدم تسليمه لقضائه وإن لم يخالف عملاً، وبذلك يعلم أنّ المراد من الجحد في قوله سبحانه: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتها أَنْفسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً) .(2) هو الجحد القلبي وعدم التسليم لمقتضى البرهان، لا الجحد اللفظي; فالفراعنة أمام البيّنات التي أتى بها موسى كانوا:

1. عالمين بنبوة موسى وهارونعليمها السَّلام (اسْتَيْقَنَتْها أَنْفسُهُمْ ).

2. لكن غير مسلِّمين قلباً، مستكبرين جناناً(وَجَحَدُوا بِها).

ثمرة البحث

تظهر الثمرة في موارد العلم الإجمالي، فلو علم بنجاسة أحد الإناءين، فهل يجري الأصل العملي، كأصل الطهارة في كلّ منهما باعتبار كون كلّواحد منهما مشكوك الطهارة والنجاسة أو لا؟

فثمة موانع عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي.منها: وجوب الموافقة الالتزامية، فلو قلنا به، لمنع عن جريان الأُصول، فإنّ الالتزام بوجود نجس بين الإناءين، لا يجتمع مع الحكم بطهارة كلّواحد منهما، فمن قال بوجوب الموافقة الالتزامية لايصح له القول بجواز جريان الأصل في أطراف المعلوم إجمالاً، و أمّا من نفاه فهو في فسحة عن خصوص هذا المانع، و أمّا الموانع الأُخر فنبحث عنها في مبحث الاحتياط والاشتغال إن شاء اللّه.


1. مجمع البيان:2/69.
2. النمل:14.


(22)

المقام الثاني

كشف العقل عن حكم الشرع

إنّ العقل ـ كما مرّ ـ أحد الحجج الأربع الّذي اتّفق أصحابنا إلاّ قليلاً منهم على حجّيته في مجال استنباط الحكم الشرعي، غير انّ اللازم هو تحرير محلّ النزاع و تبيين إطار البحث، فإنّ عدم تحريره أوقع الكثير لا سيما الأخباريّين في الخلط والاشتباه، فنقول:

إنّ عدّالعقل من مصادر التشريع وأحد الأدلّة الأربعة يتصوّر على أنحاء ثلاثة:

الأوّل: إذا استقلّ العقل بحسن فعل بما هو فعل صادر عن الفاعل المختار أو قبحه، وتجرّد في قضائه عن كلّ شيء إلاّ النظر إلى نفس الفعل فهل يكون حكم العقل كاشفاً عن حكم الشرع، وهذا نظير استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، وحسنه معه، فهل يستكشف منه انّ حكم الشرع كذلك؟

وهكذا إذا أمر المولى بشيء و استقل العقل بوجود الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته أووجوب الشيء وحرمة ضدّه، أو امتناع اجتماع الأمر والنهي على شيء واحد بعنوانين، أو جوازه إلى غير ذلك من أنواع الملازمات، فهل يكشف حكم العقل عن حكم الشرع؟

وبذلك يظهر انّ الموضوع للحسن والقبح هو نفس الفعل بما انّه صادر عن فاعل مختار، سواء أكان الفاعل واجباً أم ممكناً، وسواء أترتب عليه المصالح أو


(23)

المفاسد أو لا، وسواء أكان مؤمِّناً للأغراض العقلائية وعدمها، فالموضوع للحكم بالحسن أو القبح أو الملازمة أو ما أشبه ذلك هو ذات الفعل دون سائر الأُمور الجانبية.

الثاني: إذا أدرك الفقيه مصالح ومفاسد في الفعل، فهل يمكن أن يتخذ وقوفَه على أحدهما ذريعة إلى استكشاف الحكم الشرعي في الوجوب أو الحرمة بحيث يكون علم الفقيه بالمصالح والمفاسد من مصادر التشريع الإسلامي؟

وبعبارة أُخرى: إذا كان الموضوع ممّا لا نصّ فيه ولكن أدرك الفقيه بعقله، وجودَ مصلحة فيه و لم يَرد من الشارع أمر بالأخذ ولا بالرفض، فهل يصحّ تشريع الحكم على وفقها؟ وهذا هو الذي يسمّى بالمصالح المرسلة أو الاستصلاح في فقه أهل السنّة لا سيما المالكية، فكلّ مصلحة لم يرد فيها نصّ يدعو إلى اعتبارها أو عدم اعتبارها ولكن في اعتبارها نفع أو دفع ضرر فهل يتخذ دليلاً على الحكم الشرعي أو لا؟

الثالث: تنقيح مناطات الأحكام وملاكاتها بالسبر والتقسيم بأن يُحصر الأوصاف التي توجد في واقعة الحكم وتصلح لأن تكون العلّة، واحدة منها ويختبرها وصفاً وصفاً على ضوء الشروط الواجب توفّرها في العلة، وبواسطة هذا الاختبار تُستبعد الأوصاف التي لا يصحّ أن تكون علة، ويستبقى ما يصحّ أن يكون علّة ، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة ثمّ يتبعه التشريع، وهذا ما يسمّى في الفقه الشيعي الإمامي بتنقيح المناط و استنباط العلّة.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ محطّالنزاع بين الأُصوليّين والأخباريّين من أصحابنا هو المعنى الأوّل. وسنرجع إليه بعد استيفاء البحث في الأخيرين فنقول:


(24)

أمّا المعنى الثاني والثالث فلم يقل به أحد من أصحابنا إلاّ الشاذّ النادر منهم، وذلك لأنّ كون الفعل ذا مصلحة أو مفسدة عند الفقيه لا يكشف عن الحكم الشرعي لقصور العقل عن الإحاطة بالمصالح والمفاسد الواقعية، فربما يُدرك المصلحة والمفسدة ويَغفل عن موانعهما، فإدراك العقل المصالح والمفاسد لا يكون دليلاً على أنّها ملاكات تامة لتشريع الحكم على وفقها.

وهكذا المعنى الثالث، فإنّ الخوض في تنقيح مناطات الأحكام عن طريق السبر والتقسيم من الخطر بمكان، إذ انّى نعلم أنّ ما أدركه مناطاً للحكم هو المناط له، فانّ العقل قاصر عن إدراك المناطات القطعية.

ثمّ لو افترضنا انّه أصاب في كشف المناط، فمن أين علم أنّه تمام المناط ولعلها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضم إليه في الواقع ولم يصل الفقيه إليه؟

ولأجل ذلك رفض أصحابنا قاعدة الاستصلاح والمصالح المرسلة وهكذا استنباط العلّة عن طريق القياس، بمعنى السبر والتقسيم.

نعم يستثنى من المعنى الثاني، المصالح والمفاسد العامة التي أطبق العقلاء عامة على صلاحها أو فسادها على نحو صار من الضروريات، وهذا كتعاطي المخدّرات التي أطبق العقلاء على ضررها; ومثله التلقيح الوقائي عند ظهور الأمراض السارية كالحُدري، والحصبة وغيرهما ،فقد أصبح من الأُمور التي لا يتردّد في صلاحيتها ذوو الاختصاص.

ولشيخنا المظفرقدَّس سرَّه كلام يشير إلى خروج المعنيين عن محط النزاع، بنصّ واحد لا بأس بنقله:

«لا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعية، فإذا أدرك العقل المصلحة في شيء أو المفسدة في آخر، ولم يكن إدراكه مستنداً إلى


(25)

المصلحة أو المفسدة العامّتين اللّتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء، فانّه ـ أعني: العقل ـ لا سبيل له إلى الحكم بأنّ هذا المدرَك، يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل، إذ يحتمل انّ ما هو مناط الحكم عند الشارع، غير ما أدركه العقل مناطاً، أو أنّ هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل، وإن كان ماأدرك مقتضياً لحكم الشارع».(1)

فخرجنا بالنتائج التالية:

أوّلاً: انّ حكم العقل بشيء يكشف عن كون الحكم عند الشرع كذلك شريطة أن يكون العقل قاطعاً ويكون المدرَك حكماً عاماً. وذلك لما عرفت من انّ المدرك حكم عام لا يختصّ بفرد دون فرد، والشرع وغير الشرع فيه سيان، كما هو الحال في الأمثلة المتقدمة.

ثانياً: إذا أدرك العقل وجود المصلحة أو المفسدة في الأفعال إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدرات، ففي مثله يكون حكم العقل ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي. دونما لا يكون كذلك كادراك فرد أو فردين وجود المصلحة الملزِمة.

ثالثاً: استكشاف ملاكات الأحكام و استنباطها بالسبر و التقسيم، ثمّ استكشاف حكم الشرع على وفقه أمر محظور، لعدم إحاطة العقل بمصالح الأحكام و مفاسدها، وسوف يوافيك عند البحث عن سائر مصادر الفقه عدم العبرة بالاستصلاح الذي عكف عليه مذهب المالكية.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الكلام يقع في المعنى الأوّل في موردين:

الأوّل: إمكان استقلال العقل بدرك حسن الشيء أو قبحه أو دركه الملازمة


1. أُصول الفقه:1/239ـ 240.


(26)

بين الوجوبين.

الثاني: إذا استقلّ العقل بما ذكر فهل يكشف عن كونه كذلك عند الشرع.

أمّا الأوّل، فالعدلية متّفقة على إمكانه ، وهو من الأحكام البديهية للعقل ضرورة انّ كلّ إنسان يجد في نفسه حسن العدل وقبح الظلم، وإذا عرض الأمرين على وجدانه يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل وتنفّراً عن الظلم وهكذا سائر الأفعال التي تعد من مشتقات الأمرين.

يقول العلاّمة الحلّي: «إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء وقبح بعضها من دون نظر إلى شرع، فإنّ كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان ويمدح عليه وبقبح الإساءة والظلم ويذم عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشكّ وليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع».(1)

إنّ حكم الإنسان بحسن العدل وقبح الظلم ليس بأدون من الجزم بحاجة الممكن إلى العلّة، أو انّ الأشياء المساوية لشيء متساوية، فإذا أمكن الجزم بالأمرين الأخيرين فليكن الأمر الأوّل كذلك.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

وأمّا الأمر الثاني ـ أعني: الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ـ فهو ثابت أيضاً، لأنّ الموضوع للحسن والقبح هو نفس الفعل بغضِّ النظر عن فاعل خاص، بل مع غض النظر عمّا يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، فإذا كان هذا هو الموضوع فما وقف عليها العقل بفطرته ووجدانه يعمّ فعل الواجب والممكن.

وبعبارة أُخرى: انّ ما يدركه العقل في الحكمة العملية مثل ما يدركه في الحكمة النظرية، فكما انّ ما يدركه لا يختص بالمدرِك بل يعمه وغيره، فهكذا الحال في الحكمة العملية، مثلاً: إذا أدرك العقل بفضل البرهان الهندسي بانّ زوايا


1. كشف المراد مع تعليقتنا: 59 نشرالمؤسسة الإمامالصادق ـ عليه السَّلام ـ .


(27)

المثلث تساوي قائمتين فقد أدرك أمراً واقعياً لا يختص بالمدرك لانّ التساوي من آثار طبيعة المثلث، فهكذا إذا أدرك حسن شيء أو قبحه والفرق بين الحكمتين انّ المعلوم في النظرية من شأنه أن يعلم كما انّ المعلوم في العملية من شأنه أن يعمل به.

فإن قلت: كيف يمكن الاعتماد على حكم العقل وجعله دليلاً على الحكم الشرعي مع أنّه قامت الأدلّة على لزوم العمل بحكم تتوسط الحجّة في تبليغه وبيانه ولا عبرة بالحكم الواصل من غير تبليغ الحجّة؟ وتدلّ على ذلك الأحاديث التالية:

1. صحيح زرارة «فلو انّ رجلاً صام نهاره، وقام ليله، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه ثواب ولا كان من أهل الإيمان».(1)

2. قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من دان بغير سماع ألزمه اللّه التيه يوم القيامة».(2)

3.وقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «كلّما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل».(3) إلى غير ذلك من الروايات.(4)

قلت أوّلاً: انّ الروايات ناظرة إلى المُعْرضين عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ والمستهدين بغيرهم على وجه كان جميع أعمالهم بدلالة سواهم، وأمّا من أناخ مطيّته على عتبة أبوابهم في كلّ أمر كبير وصغير، ومع ذلك اعتمد على العقل في مجالات خاصة فالروايات منصرفة عنه جداً.


1. الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.
2. الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14و18.
3. الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14و18.
4. الكافي:1/13ـ16، باب العقل والجهل.


(28)

وبعبارة أُخرى: كما للآيات أسباب وشأن نزول، فهكذا الروايات لها أسباب صدور فهي تعبِّـر عن سيرة قضاة العامة وفقهائهم كأبي حنيفة وابن شبرمة وأضرابهم الذين أعرضوا عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ولم ينيخوا مطاياهم على أبواب أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ فيخاطبهم الإمام بما في هذه الروايات.

وأمّا فقهاء الشيعة الذين رجعوا في كلّ واقعة إلى الكتاب والسنّة وتمسّكوا بالثقلين فلا تعمّهم، والمورد (صدورها في مورد فقهاء العامة) وإن لم يكن مخصصاً لكن يمكن إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى المماثل والمشابه لا المباين، وتمسّك أصحابنا بالعقل في مجالات خاصة لا يعدُّ إعراضاً عنهم بخلاف غيرهم.

وثانياً: إذا كان العقل أحد الحجج ـ كما في صحيح هشام ـ فيكون الحكم المستكشف ممّا وصل إلى المكلّف بتبليغ الحجّة أيضاً.

روى هشام عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة; فالظاهرة الرسل والأنبياء والأئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول».(1)

وهناك كلام للمحقّق القمي نتبرّك بذكره ختاماً للبحث، قال:

«إنّ انحصار الطاعة والمخالفة في موافقة الخطاب اللفظي ومخالفته، دعوى بلا دليل، بل هما موافقة طلب الشارع ومخالفته وإن كان الطلب بلسان العقل، ونظير ذلك أنّ اللّه تعالى إذا كلّف نبيّه بواسطة إلهام من دون نزول وحي من جبرئيل ـ عليه السَّلام ـ وإتيان كلام، وامتثله النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيقال إنّه أطاع اللّه جزماً، والعقل فينا نظير الإلهام فيه.


1. لاحظ الكافي:1/60، باب الرد إلى الكتاب والسنة، الحديث 6; وأيضاً ص 56 باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث7.


(29)

ثمّ يقول: إنّ من يدّعي حكم العقل بوجوب ردّ الوديعة وحرمة الظلم يدّعي القطع بأنّ اللّه تعالى خاطبه بذلك بلسان العقل، فكيف يجوز العمل بالظن بخطاب اللّه تعالى وتكليفه، ولا يجوز العمل مع اليقين به؟ فإن كان ولا بدّ من المناقشة، فليكتف في منع حصول هذا القطع من جهة العقل وانّه لا يمكن ذلك».(1)

ثمرات البحث

إذا قلنا بالحسن والقبح العقليّين والملازمة بين الحكمين تترتب عليه ثمرات أُصولية نذكر منها ما يلي:

1. البراءة من التكليف لقبح العقاب بلا بيان.

2. لزوم تحصيلالبرائة اليقينيّة عند العلم الإجمالي وتردّد المكلّف به بين أمرين لأجل حكم العقل بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

3. الإتيان بالمأمور به مجز عن الإعادة والقضاء لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال.

4. وجوب تقديم الأهم على المهم إذا دار الأمر بينهما لقبح العكس.

وأمّا الثمرات الفقهية المترتّبة على القول بالملازمة العقلية فيستنتج منها الأحكام التالية:

1. وجوب المقدّمة على القول بحكم العقل بالملازمة بين الوجوبين.

2. حرمة ضد الواجب على القول بحكم العقل بالملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدّه.


1. القوانين: 2/2ـ3.


(30)

3. بطلان العبادة على القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي وتقديم النهي عن الأمر.

4. صحّة العبادة على القول بالامتناع وتقديم جانب الأمر.

5. صحّة العبادة على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي.

6. فساد العبادة إذا تعلّق النهي بنفس العبادة سواء كان المنهي نفسها أو جزئها أو شرطها أو أوصافها.

7. فساد المعاملة إذا تعلّق النهي بالثمن أو المثمن للملازمة بين النهي وفسادها.

8. انتفاء الحكم (الجزاء) مع انتفاء الشرط إذا كان علة منحصرة.