welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية - ج1*
نویسنده :علاّمة الحلّي*

تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية - ج1

صفحه 1

تحرير الأحكام الشرعية

على مذهب الإمامية


صفحه 2

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مّنْهُمْ طَآئفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)

التوبة: 122


صفحه 3

إشراف

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

تحرير الأحكام الشرعيّة

على مذهب الإمامية

موسوعةٌ فقهية كاملة مشحونة بالتخريج والتفريع

للإمام جمال الدين أبي منصور الحسن بن

يوسف بن المطهّر

المعروف بالعلاّمة الحلّي

(648 ـ 726 هـ )

الجزء الأول

تحقيق

الشيخ إبراهيم البهادري


صفحه 4

هوية الكتاب

اسم الكتاب:   … تحرير الأحكام الشرعيّة / الجزء الأوّل

المؤلف:   … العلاّمة الحلّي

إشراف:   … آية الله جعفر السبحاني

المحقّق:   … الشيخ إبراهيم البهادري

الطبعة:   … الأُولى ـ 1420 هـ

المطبعة:   … اعتماد ـ قم

الكمّيّة:   … 1500 نسخة

الناشر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

حقوق الطبع محفوظة للمحقّق

5 ـ 66 ـ 6243 ـ 964: شابك

ISBN : 964 - 6243 - 66 - 5

توزيع: مكتبة التوحيد

إيران ـ قم ; ساحة الشهداء

هاتف: 743151 ـ 925152

E-MAIL: emamsadegh_int@aalulbayt.org


صفحه 5

بقلم: آية الله جعفر السبحاني

مع العلاّمة الحلّي

في موسوعاته الفقهية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على سوابغ النعم وضوافي الآلاء، حمدَ معترف بالقصور عن إدراك أقلّ مراتب الثناء، وصلّى الله على محمد عبده ورسوله، أفضل الأنبياء وأكرم الأصفياء وعلى آله السادة النجباء.

أمّا بعد:

فإنّ الإمام الهمام علاّمة العلماء، وأُستاذ الفقهاء، جمال الدين أبا منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر غني عن التعريف والإطراء، فقد سارت بذكره الركبان في حياته ، فعطّروا كتبهم بذكره الجميل، وسطّرتْ أقلامهم له أنصع الصفحات.

وبما انّي بصدد التقديم لواحد من كتبه الفقهية، ممّا جاد به يراعه نقتصر في ترجمته على ذكر لمحة خاطفة عن حياته وسيرته، ثم نعطف عنان القلم إلى


صفحه 6

الإشادة بما هو المقصود بالذات من هذا التقديم ، فنقول :

ولد (قدس سره)في شهر رمضان سنة 648 هـ في بيت عريق في العلم والتقوى ، أخذ عن والده الفقيه المتكلم سديد الدين يوسف بن المطّهر، وعن خاله شيخ الإمامية المحققّ الحلّي (602 ـ 676 هـ ) الّذي كان له بمنزلة الأب الشفيق، فحظا باهتمامه ورعايته، وأخذ عنه الفقه والأُصول وسائر علوم الشريعة، ولازم الفيلسوف نصير الدين الطوسي (597 ـ 673 هـ) واشتغل عليه في العلوم العقلية ومهر فيها، وقد برع وتقدّم في العلوم الإسلامية في مقتبل عمره على العلماء الفحول، وفرغ من تصنيفاته الحكمية والكلامية قبل أن يكمل له 26 سنة.

يعرّفه معاصره ابن داود الحلّي، ويقول: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، وصاحب التحقيق والتدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول والمنقول(1).

وعرّفه ابن حجر في لسان الميزان بقوله : عالم الشيعة وإمامهم ومصنّفهم، وكان آية في الذكاء وكان مشتهر الذكر، حسن الأخلاق(2).

إلى غير ذلك من كلمات الإطراء في حقه التي لا مجال لذكر معشارها، ولنعطف عنان القلم إلى ما نحن بصدد بيانه:

قد قدمّتُ منذ زمن ليس ببعيد مقدّمة لأحد كتبه الكلامية ألا وهو كتاب "نهاية المرام في علم الكلام". وحينما سرحت النظر فيه ازداد إعجابي به، فأدركت انّي أمام بحر لجيٍّ بعيد الأغوار، لا يدرك ساحله، كيف ، وهو في الكلام فارس


1 . رجال ابن داود : 119 برقم 461 .

2 . لسان الميزان : 2 / 17 برقم 1295 .


صفحه 7

حلبته، وخبير خباياه وعويصات مسائله، وحلاّل عقده وغوامضه، فقد أورد في كل مسألة آراء الأوائل والملّيين والإسلاميين من الأشاعرة والمعتزلة والإمامية وسائر الفرق وقارن بين المناهج الكلامية وحسم الموقف برأيه الصائب وعقله الثاقب، وقد تبلورت في هذا الكتاب شخصيته الكلامية وعقليته الفلسفية، فالكتاب عديم النظير بين سائر الموسوعات الكلامية في تبويب المواضيع ومقارنة الآراء ، والقضاء الحاسم بينها، وعدم الحياد عن جادة الحق، وانصاف الخصم من نفسه وقد طبع وانتشر(1) في ثلاثة أجزاء ضخام.

وأمّا في الفقه واستنباط الأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيلية فواسطة عقده ومرتكز لوائه، وهو ـ بحق ـ مّمن لا يقف على ساحله أو يكتفي بظاهره، بل خاض غماره واقتحم لجته فسبر أغواره ووقف على حقيقته .

وها نحن الآن بصدد التقديم لكتاب فقهي له (قدس سره)وهو كتاب "تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية" الّذي يصفه المؤلف في خلاصته بأنّه حسن جيد استخرجنا فيه فروعاً لم نسبق إليها مع اختصاره . وقد حققّ الكتاب بتحقيق رائع يجاوب روح العصر، وهو على عتبة النشر.

والكتاب واحد من مؤلفاته الكثيرة في الفقه، إذ له وراء ذلك موسوعات فقهية وكتب جامعة لعامة أبواب الفقه ، منها:

1. تبصرة المتعلمين في أحكام الدين.

2. إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان.

3. قواعد الأحكام في مسائل الحلال والحرام.


1 . نشرته مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)في قم المشرّفة.


صفحه 8

4. مختلف الشيعة في أحكام الشريعة .

5. تذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء، وذكر قواعد الفقهاء.

6. منتهى المطلب في تحقيق المذهب .

7. نهاية الأحكام في معرفة الاحكام .

إلى غير ذلك من الكتب أو الرسائل الفقهية التي خلَّفها مضافاً إلى ما ألّفه في مجال أُصول الفقه بين مقتضب كتهذيب الأُصول، إلى مسهب كنهاية الوصول إلى علم الأُصول .

ومن تمعّن في هذه الكتب يجد أمامه دورات فقهية وموسوعات ضخمة قلّما يتفق لأحد أن يقوم ببعضها.

وثمة سؤال يطرح نفسه، وهو لماذا قام العلاّمة بهذا العبء الثقيل وألّف كتباً فقهية مختلفة المنحى والمنهج أسفر عن اختلاف فتاواه وآرائه في كتاب بعد كتاب، فما هو السر وراء ذلك؟

والإجابة على هذا رهن الوقوف على الغايات التي كانت وراء تأليف تلك الكتب.

فقد تكرر منه تأليف تلو تأليف في علم واحد لأجل غايات مختلفة، وإليك دراسة هذه الكتب على وجه الإيجاز، لتعلم الغايات المتوخاة منها ، وربما يعرب أسماؤها عن الغرض المطلوب.

الأوّل: تبصرة المتعلمين :

هذا الكتاب دورة فقهية كاملة موجزة بدون شرح واستدلال طرح فيها


صفحه 9

العلاّمة آراءه الفقهية وفتاواه في جميع الأبواب .

يقول في مقدمته : وضعناها لإرشاد المبتدئين وإفادة الطالبين مستمدين من الله المعونة والتوفيق، فانّه أكرم المعطين، وأجود المسؤولين، ونبدأ بالأهم فالأهم.

والكتاب لوجازته وسلاسة ألفاظه صار موضع اهتمام الفقهاء منذ عصر مؤلفه إلى يومنا هذا وتولَّوه بالشرح والتعليق، وقد كان في سالف الزمان كتاباً دراسياً، وذكر شيخنا المجيز في الذريعة ما يقارب 35 شرحاً وتعليقاً عليه، ومن أحسن الشروح إيضاحاً شرح استاذنا الكبير الشيخ محمد علي التبريزي المعروف بالمدرس، وقد طبع الجزء الأوّل منه والجزء الثاني لم ير النور، عسى الله أن يُشحذ الهمم بغية نشر الباقي .

الثاني : إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان :

وهي دورة فقهية كاملة غير استدلالية للفقه الإمامي من الطهارة إلى الديات، ويعد من الكتب الفقهية المعتمد عليها .

يعرفه مؤلفه في خلاصته بأنّه حسن الترتيب (1).

وقال شيخنا الطهراني: هو من أجل كتب الفقه وأعظمها عند الشيعة، ولذلك تلقّاها علماؤهم بالشرح والتعليق عبر القرون من عصر مؤلفه إلى يومنا هذا، وقد أحصى مجموع مسائله في خمس عشرة ألف مسألة، فرغ منه سنة 676 هـ أو 696.(2)

والكتاب بالنسبة إلى ما سبقه أشبه بالمفصل إلى المجمل، فقد بسط القول


1 . كما في أمل الأمل : 2 / 84 ، ولم ترد هذه الكلمة في الخلاصة المطبوعة .

2 . الذريعة : 13 / 73 و 1 / 510 .


صفحه 10

فيه أكثر مما ورد في الأوّل، ألّف الأوّل للمتعلمين المبتدئين ثم ألّف هذا لمن ارتقى مرتبة من العلم.

وقد ذكر شيخنا الطهراني في موسوعته أسماء 36 شرحاً وتعليقة على الكتاب(1)، وأنهاها محققّ كتاب إرشاد الأذهان في تقديمه إلى 51 شرحاً وتعليقة(2).

الثالث: قواعد الأحكام في مسائل الحلال والحرام :

وهو من الكتب المتداولة المشهورة، وقد ذكر فيه من القواعد ما يناهز 660 قاعدة في الفقه، لخص فيه فتاواه وبيّن قواعد الأحكام، ألّفه بالتماس ولده فخر المحققين، وفرغ منه عام 693 هـ أو 692 هـ (3).

وذكره في خلاصته باسمه ولم يصفه بشيء. لكن وصفه في أوّله بقوله: هذا قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام لخصت فيه لب الفتاوى خاصة، وبيّنت فيه قواعد أحكام خاصة، إجابة لالتماس أحب الناس إليَّ وأعزّهم عليَّ، وهو الولد العزيز محمد الّذي أرجو من الله طول عمره بعدي وأن يوسدني في لحدي(4).

وفي آخر الكتاب وصية قيّمة للعلاّمة يوصي بها ولده بقوله:

اعلم يا بني أعانك الله تعالى على طاعته... قد لخّصت لك في هذا الكتاب لب فتاوى الأحكام، وبيّنت لك قواعد شرائع الإسلام بألفاظ مختصرة وعبارات محرّرة، وأوضحت لك فيه نهج الرشاد وطريق السداد، وذلك بعد ان بلغت من


1 . الذريعة : 1 / 510 برقم 2509 .

2 . إرشاد الأذهان : 185 ـ 193 ، قسم المقدمة .

3 . الذريعة : 17 / 176 برقم 930 .

4 . قواعد الأحكام : 2 .


صفحه 11

العمر، الخمسين ودخلت في عشرة الستين، وقد حكم سيد البرايا بأنّها مبدأ اعتراك المنايا...(1).

وبما انّ العلاّمة من مواليد عام 648 هـ ، فقد بلغ الخمسين عام 698 هـ، وتجاوز عنه عام 699 أو 700 هـ ، وبذلك يعلم ان ما ذكره شيخنا المجيز من انّه ألّف القواعد عام 693 أو 692 هـ ليس بتام.

ومما يجدر ذكره هو ان براعة العلاّمة ونبوغه لَمْ يتلخّص في الفقه والأُصول والكلام، بل تعدّاها إلى علوم أُخرى، كالرياضيات العالية التي تتجلّى مقدرته فيها بوضوح في كتابه هذا، وأخص بالذكر «كتاب الوقوف والعطايا ، المطلب الثالث في الأحكام المتعلقة في الحساب»، فقد نجح إلى حد كبير في حل غوامض المسائل الرياضية الجبرية المعقدة.

واستغرقت بحوثه الرياضية أكثر من 50 صفحة بالقطع الرحلي .

وإذا عطفت النظر إلى كتاب الفرائض، فترى نظير تلك البحوث فيها.

فسبحان الله معطي المواهب ومفيض النعم .

ليس من الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد

الرابع: مختلف الشيعة في أحكام الشريعة:

ذكره في الخلاصة وقال: ذكرنا فيه خلاف علمائنا خاصة وحجة كل شخص والترجيح لما يصير إليه (2) .


1 . قواعد الأحكام : 2 / 346 .

2 . الخلاصة : 45 .


صفحه 12

وقال في مقدمته: إنّي لما وقفت على كتب أصحابنا المتقدمين رضوان الله عليهم، ومقالات علمائنا السابقين في علم الفقه وجدت بينهم خلافاً في مسائل كثيرة متعددة، فأحببت إيراد تلك المسائل في دستور يحتوي على ما وصل إلينا من اختلافهم في الأحكام الشرعية، والمسائل الفقهية دون ما اتفقوا عليه، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الكبير المسمى بـ "منتهى المطلب في تحقيق المذهب " فانه مجمع بين مسائل الخلاف والوفاق.

ومن محاسن ذلك الكتاب انه إذا لم يجد للمخالف دليلاً يحاول ان يلتمس دليلاً له.

قال : ثم ان عثرنا في كل مسألة على دليل لصاحبها نقلناه وإلاّ حصَّلناه بالتفكّر وأثبتناه ، ثم حكمنا بينهم على طريقة الإنصاف، متجنبي البغي والاعتساف ووسمنا كتابنا هذا بمختلف الشيعة (1).

والكتاب دورة فقهية استدلالية من الطهارة إلى الديات، ومن مزاياه انّه حفظ آثار علمائنا السابقين، أمثال: ابن الجنيد، وابن أبي عقيل، والصدوق الأوّل وغيرهم ولولاه لاندثرت آثارهم.

وقد شرع في تأليفه قبل سنة 699 هـ ، وانتهى منه في الخامس عشر من ذي القعدة في ثمان وسبعمائة، أي قبل وفاته بثمانية عشر سنة.

ومن فوائد هذا الكتاب العلم بالمسائل الخلافية وتميزها عن المجمع عليها، فربما يدعى الإجماع في مسألة، ولها مخالف أو مخالفان يعلم من الرجوع إلى ذلك الكتاب.


1 . مختلف الشيعة : 1 / 173 .


صفحه 13

الخامس: تذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء و ذكر قواعد الفقهاء:

وهي موسوعة فقهية استدلالية كبيرة يذكر فيها أقوال الفقهاء من الشيعة والسنة، ويذكر دليل كل قول ويناقشه، وربما يحاول ان يذكر للمخالف دليلاً من جانبه ثم يجيب عنه، وهو تراث علمي قيم.

وإليك بعض ميزاته

أ ـ أثبت في تأليفه هذا انّ الفقه الإمامي الذي يرفض العمل بالقياس والاستحسان قادر على الإجابة على المسائل الفقهية عامة مستمداً من الأدلّة الأربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل.

يقول العلاّمة في مقدمة الكتاب: وقد عزمنا على تلخيص فتاوى العلماء وذكر قواعد الفقهاء على أحق الطرائق وأوثقها برهاناً وأصدق الأقاويل وأوضحها بياناً، وهي طريقة الإمامية الآخذين دينهم من الوحي والعلم الرباني، لا بالرأي والقياس، ولا باجتهاد الناس، على سبيل الإيجاز والاختصار وترك الإطالة والإكثار.

ب ـ انّه يقارن الأقوال بعضها ببعض ويحاكم بينها باسلوب متين، ويشير إلى ذلك في مقدمة الكتاب بقوله : أشرنا في كل مسألة إلى الخلاف، واعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الإنصاف .(1)

ج ـ انّه أُلّف بصورة الفقه المقارن، والمراد منه جمع الآراء الفقهية المختلفة وتقييمها والموازنة بينها بالتماس أدلّتها وترجيح بعضها على بعض، وهذا هو


1 . التذكرة : 1 / 3 و 4 .


صفحه 14

المسمّى عند القدماء بعلم الخلاف.

فالمؤلف في هذا الصدد يجعل نفسه مسؤولاً عن فحص جميع الأدلّة والقضاء بينها واختيار أتقنها وأوثقها بالقواعد وهو ليس أمراً سهلاً، وللفقه المقارن فوائد جمة يذكرها السيد محمد تقي الحكيم حيث يقول :

أ ـ محاولة البلوغ إلى واقع الفقه الإسلامي من أيسر طرقه وأسلمها، وهي لا تتضح عادة إلاّ بعد عرض مختلف وجهات النظر فيها وتقييمها على أساس موضوعي .

ب ـ العمل على تطوير الدراسات الفقهية والأُصولية والاستفادة من نتائج التلاقح الفكري في أوسع نطاق لتحقيق هذا الهدف.

ج ـ ثماره في إشاعة الروح الرياضية بين الباحثين، ومحاولة القضاء على مختلف النزعات العاطفية وإبعادها عن مجالات البحث العلمي.

د ـ تقريب شقة الخلاف بين المسلمين، والحد من تأثير العوامل المفرّقة التي كان من أهمها وأقواها جهل علماء بعض المذاهب بأُسس وركائز البعض الآخر، ممّا ترك المجال مفتوحاً أمام تسرّب الدعوات المغرضة في تشويه مفاهيم بعضهم والتقوّل عليهم بما لا يؤمنون به .(1)

والموجود بين أيدينا من الكتاب ينتهي إلى أواخر كتاب النكاح، إلاّ أنّ ثمة شواهد تشير إلى أنّ المؤلف انتهى في كتابته إلى أكثر من ذلك:

أوّلاً: إنّ ولده فخر المحقّقين يقول في كتابه "إيضاح الفوائد في شرح القواعد"


1 . الأُصول العامة للفقه المقارن : 10 .


صفحه 15

في آخر شرحه لإرث الزوج: قد حقّق والدي هذه المسألة وأقوالها وأدلّتها في كتاب التذكرة(1).

وثانياً : انّه فرغ من كتاب النكاح سنة 720 هـ بالحلة ، فقد عاش بعده حوالي ست سنين، ومن البعيد ان يهمل إنهاء ذلك الكتاب الّذي يعد من ثمرات عمره اليانعة(2).

وفي الختام أود أن أُشير إلى ما جاء في مجلة رسالة الإسلام لدار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة حول هذا الكتاب والإشادة به حيث يقول :

من ذخائر الفكر الإسلامي كتاب تذكرة الفقهاء للشيخ العلاّمة الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلّي، هذا كتاب من أنفس كتب الفقه الاستدلالي المقارن، وقد جرت عادة المؤلّفين في الفقه المقارن من علماء السنة أن يعرضوا للمذاهب الأربعة متحدّثين عن آراء علمائها، وعن أدلّتهم دون أن يخرجوا عن نطاقها فيعرضوا للمذاهب الأُخرى لا سيما مذهب الشيعة الإمامية.

وقد أوحى ذلك إلى كثير من طلاب العلم وأساتذة الفقه بمعنى فيه ظلم كثير للفقه الإمامي، وهو ان هذا الفقه ليس كفقه السنة استيعاباً واستنباطاً ودقة نظر، وانّه لا يستند إلى أدلّة يمكن مناقشتها ومقارنتها.

ولما اتسع نطاق الفقه المقارن في كلية الشريعة وأصبح حتماً على الأساتذة والطلاب ان يعرفوا رأي الإمامية في مسائل المقارنة وان يوازنوا بين أدلّتهم وأدلّة غيرهم من أهل المذاهب الفقهية، كانوا يجدون كثيراً من الصعوبات في الرجوع


1 . إيضاح الفوائد : 4 / 242 .

2 . لاحظ الذريعة : 4 / 43 .


صفحه 16

إلى مصادر هذا الفقه الإمامي، وإذا عثروا على مرجع من هذه المراجع وجدوه مطبوعاً طبعاً حجرياً على نحو غير مألوف عندنا في مصر، فلم يستطيعوا الإفادة منه على الوجه الذي ينبغي.

إلى أن قال: وكنت أعرف كتاب تذكرة الفقهاء للشيخ الحلّي وهو المعروف بالشيخ العلاّمة، وله مؤلّفات كثيرة غير هذا المؤلّف، ولكن تذكرة الفقهاء بين أيدينا، ولكنه رهين محبسين : محبس من عدم معرفة علماء السنة به وعدم اطّلاعهم عليه إلاّ قليلاً منهم، ومحبس من هذه الطبعة الحجرية الضيقة التي تجعله بعيداً عن متناول الذين يهتمون بالفقه ودراسته وأُصوله المحررة.

ولذلك تمنيت لو انّ هذا الكتاب طبع طبعة حديثة حتّى يمكن لعلماء الأزهر وغيرهم أن يقرؤه، اذاً لوجدوا فيه علماً غزيراً، وخيراً كثيراً، ولاستطاعوا ان يملأوا جو المقارنة الفقهية بما يذكره من آراء وأدلة، ولعرفوا انّ هناك فقهاً لا يقل في مستواه العلمي والفكري عن فقههم، ولما بقي في بعضهم أثر من الرغبة عن هذا الفقه استهانة به أو تعصباً عليه.

ثم إنّ صاحب المقال أخذ شيئاً من كتاب النكاح فطبعه في آخر مقاله، يبلغ عدد صفحاته قرابة 31 صفحة، وبذلك حاول أن يُلفت نظر الفقهاء في الأزهر وغيره إلى هذا الكتاب الثمين وما فيه من مادة فقهية قلّما يتفق في غيره(1).

ونحن نزفّ البشرى إلى صاحب المقال ، وهي انّ الكتاب قد طبع طبعة أنيقة رشيقة محققة مع تخريج مصادر الروايات والأقوال بشكل مثير للإعجاب ، وقد قام بهذا العبء الثقيل مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، وقد خرج منه


1 . مجلة رسالة اسلام : العدد 51 و 52 ، المؤرخة عام 1382 هـ .


صفحه 17

لحد الآن ثمانية أجزاء والباقي قيد الطبع.

والحق انّ أغلب التراث الفقهي للشيعة الإمامية رهين محبسين: عدم اطّلاع علماء السنة عليه، ورداءة طبعه بل لم يزل الكثير منها مخبوءاً لم ير النور.

السادس : منتهى المطلب في تحقيق المذهب :

وهو كتاب ضخم يتسم بطابعين: "الاستدلال" و "المقارنة" وهو نظير "التذكرة" ولكن اوسع وأشمل منه، ولذلك يصفه العلاّمة في بعض الموارد بقوله ينتهي بانتهاء عمرنا.

ويصفه في الخلاصة: بقوله: لم يعمل مثله، ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه، رجحنا ما نعتقده، بعد إبطال حجج من خالفنا فيه، يتم ان شاء الله تعالى عملنا منه إلى هذا التاريخ، وهو شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وستمائة سبع مجلدات(1).

ويصفه في مقدمة الكتاب بقوله : أحببنا أن نكتب دستوراً في هذا الفن (الفقه) يحتوي على مقاصده، ويشتمل على فوائده على وجه الإيجاز والاختصار، مجتنبين الإطالة والإكثار مع ذكر الخلاف الواقع بين أصحابنا ، والإشارة إلى مذاهب المخالفين المشهورين ، مع ذكر ما يمكن ان يكون حجة لكل فريق على وجه التحقيق، وقد وسمناه بـ "منتهى المطلب في تحقيق المذهب " ونرجو من لطف الله تعالى أن يكون هذا الكتاب بعد التوفيق لإكماله أنفع من غيره(2).

وعلى ضوء ذلك فقد حاز العلاّمة الحلّي قصب السبق على غيره في تطوير


1 . الخلاصة : 45 .

2 . منتهى المطلب : 4 .


صفحه 18

الفقه المقارن ، فتارة ألّف كتاباً لبيان الخلافات في الفقه الإمامي وقارن الأقوال بعضها ببعض مثل المختلف، وأُخرى لبيان الخلافات بين المذاهب الإسلامية سنّية وشيعية، بين مقتضب كالتذكرة، ومسهب كالمنتهى .

وهذا النوع من الفقه المقارن من خصائصه ولم يسبقه أحد قبله.

نعم، قام غير واحد من مشايخ الشيعة بتصنيف كتب في الفقه المقارن على النمط الثاني كالانتصار للسيد المرتضى ( 355 ـ 436 هـ ) والخلاف للشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) والكتاب يعدّ من ذخائر التراث الفقهي الإسلامي، وقد طبع في جزءين كبيرين بالطبعة الحجرية ينتهي الجزء الأوّل إلى آخر الصلاة، والجزء الثاني إلى آخر الحج.

وقال في إجازته للسيد مهنا بن سنان بن عبد الوهاب الإمامي المدني قاضي المدينة المتوفّى عام 754 هـ ، قال : كتاب منتهى المطلب خرج منه العبادات سبع مجلدات(1).

إنّه (قدس سره)يشير إلى الفرق بين التذكرة والمنتهى في نهاية كتاب تحرير الأحكام الذي سيأتي الكلام فيه.

يقول في نهاية هذا الكتاب: « هذا آخر ما أفدناه في هذا الكتاب، وهو قيّم يعرض طالبَ التوسط في هذا الفن، ومن أراد الإطالة فعليه بكتابنا الموسوم بـ"تذكرة الفقهاء" الجامع لأُصول المسائل وفروعها مع إشارة وجيزة إلى وجوهها وذكر الخلاف الواقع بين العلماء وإيراد ما بلغنا من كلام الفضلاء.


1 . أجوبة المسائل المهنائية : 155 ; البحار: 104 / 147 .


صفحه 19

ومن أراد الغاية وقصد النهاية فعليه بكتابنا الموسوم بـ " منتهى المطلب في تحقيق المذهب" والله الموفق للصواب منه المبدأ وإليه المعاد" (1).

وقد قام بتحقيقه وإخراجه في حلة قشيبة قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية بمشهد الرضا (عليه السلام)وخرج منه إلى الآن خمسة أجزاء.

السابع: نهاية الإحكام في معرفة الأحكام:

كتاب يحتوي على جلّ المسائل الفرعية الفقهية مع الإشارة إلى الدلائل بعبارة موجزة.

يعرّفه العلاّمة في مقدمة الكتاب بقوله: لخصت فيه فتاوى الإمامية على وجه الإيجاز وأشرت فيه إلى العلل مع حذف الإطالة والإكثار.

وخرج منه كتاب: الطهارة، الصلاة، الزكاة ،البيع إلى آخر الصرف .

وقد فرغ من كتاب الصلاة في شهر شعبان من شهور سنة 705 هـ.

وقد طبع في جزئين بتحقيق السيد مهدي الرجائي (حفظه الله) وهو ممّن وقف عمره في إحياء التراث ونشر مآثر الشيعة.

والفرق بينها وبين التحرير طفيف جداً، فالإشارة إلى الدليل فيه أكثر من التحرير لكن الثاني يفوق عليه بجودة الترتيب والتخريج. واشتماله على تمام الكتب الفقهيّة.


1 . تحرير الأحكام : 2 / 281 ـ الطبعة الحجريّة ـ .


صفحه 20

الثامن: تحرير الأحكام:

وها نحن الآن بصدد استعراض كتاب فقهي آخر وهو كتاب تحرير الأحكام الشرعية إلى مذهب الامامية.

وقد عرّفه العلاّمة في مقدمة الكتاب بقوله: جمعنا فيه معظم المسائل الفقهية وأوردنا فيه أكثر المطالب الشرعية الفرعية من غير تطويل بذكر حجة ودليل، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الموسوم بـ "منتهى المطلب في تحقيق المذهب" فانّه قد شمل المسائل أُصولها وفروعها وذكر الخلاف الواقع بين المسلمين إلاّ ماشذ ، واستدلال كل فريق على مذهبه مع تصحيح الحق وإبطال الباطل وانّما اقتصرنا في هذا الكتاب على مجرد الفتاوى لا غير(1).

وعرّفه في الخلاصة بقوله: حسن جيد، استخرجنا فيه فروعاً لم نسبق إليها مع اختصاره (2).

وقال شيخنا المجيز: اقتصر فيه على مجرد الفتوى وترك الاستدلال، لكنه استوعب الفروع والجزئيات حتّى أنّه أُحصيت مسائله فبلغت أربعين ألف مسألة(3) رتّبها على ترتيب كتب الفقه في أربع قواعد: العبادات، والمعاملات، والإيقاعات، والأحكام; بادياً بمقدمة ذات مباحث في معنى الفقه وفضله وآدابه ومعرفته وعدم كتمانه. ثم ذكر النسخ الموجودة منه في المكتبات .(4)


1 . تحرير الأحكام : 1 / 2 .

2 . الخلاصة: 45 برقم 52 .

3 . ولعل المراد هي الفروع لا المسائل، لان الأُولى تقارب هذا المقدار دون الثانية.

4 . الذريعة : 3 / 378 .


صفحه 21

عصر التخريج والتفريع :

لقد تألّق نجم المذاهب الأربعة منذ منتصف القرن الرابع، فسرت روح التقليد للأئمة الأربعة سرياناً عاماً اشترك فيه العلماء وجمهور الناس.

لقد تلقّى الجمهور تلك المذاهب تراثاً إسلامياً بلغ من القداسة كأنّها وحي من الله لا يمكن النقاش فيها ولا يجوز الخروج عن إطارها، فأصبحت نصوص الأئمة الأربعة كالوحي المنزل يجب استفراغ الوسع في فهم كلامهم ومؤدّى لفظهم، وقد خلّف ذلك مضاعفات حالت دون تكامل الفقه، منها:

أ ـ نشوء روح التقليد بين فقهاء تلك الأعصار والتعصّب لمذهب الأسلاف.

ب ـ كثرة التخريج والتفريع والترجيح بين فقهاء المذاهب ، فانّهم بدل أن يبذلوا جهودهم في فهم الكتاب والسنّة، انصبت جهودهم في استنباط الفروع من الأُصول الثابتة عند أئمة المذاهب ، ولأجل ذلك كثر التأليف والتصنيف في هذه العصور وأكثرها يحمل طابع التخريج والتفريع.

انّ باب الاجتهاد وان اقفل في هذه الفترة لكن نشط الاجتهاد في إطار مذهب معين. فلذلك بدأ التخريج والتفريع في مسائل كثيرة فلم يكن لأئمتهم فيها نص، وبذلك ألفت كتب في هذا المضمار، أي استنتاج الفروع من الأُصول وما لا نص فيه من أئمتهم عما فيه نص منهم.

وهذا نوع من الاجتهاد المحدّد بمذهب خاص، وقد نشأ العلاّمة في هذه الأجواء التي تطلب لنفسها التخريج والتفريع، فشمّر عن ساعد الجد وألّف كتاب "تحرير الأحكام الشرعيّة" لتلك الغاية، ولو صح ما نقله شيخنا المجيز عن بلوغ


صفحه 22

مسائله إلى أربعين ألف، فقد تحمل عبئاً ثقيلاً في جمع تلك الفروع في الأبواب الفقهية المختلفة وعرضها على الأدلّة واستخراج حكمها منها وليست تلك المحاولة جديدة من نوعها، فقد سبقه فيها الشيخ الطوسي بتأليفه كتاب " المبسوط" وكانت الغاية من تأليفه هو الإجابة على الفروع التي لا نص فيها مستخرجاً أحكامها مما نص فيه ، يقول:

فإنّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقّة والمنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإمامية ويستنزرونه وينسبونهم إلى قلّة الفروع وقلّة المسائل، وانّ من ينفي القياس والاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل ولا التفريع على الأُصول، لأنّ جلَّ ذلك مأخوذ من هذين الطريقين.

ثم ردَّ على وجهة النظر تلك بقوله : إنّ جلَّ ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا ومنصوص عليه تلويحاً عن أئمتنا الذين قولهم في الحجة يجري مجرى قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إمّا خصوصاً أو عموماً أو تصريحاً أو تلويحاً(1).

والتخريج في الفقه الإمامي يختلف عن التخريج في فقه المذاهب الأربعة، فإنّ التخريج هناك على ضوء النصوص الموروثة عن أئمتهم التي لا تتجاوز عن كونها فتاوى فقهية لهم مستنبطة غالباً من الأساليب الظنية.

وأمّا التخريج في الفقه الإمامي فهو تابع لضوابط معينة، إذ يستخرج حكم الفروع من الأُصول المنصوصة إمّا خصوصاً أو عموماً أو تصريحاً أو تلويحاً كما صرّح به الشيخ .

فالاجتهاد عند السنّة في هذا المجال، اجتهاد شخصي في فهم كلام إمام


1 . المبسوط : 1 / 2 .


صفحه 23

المذهب، ولكن الاجتهاد في الفقه الإمامي اجتهاد في فهم النصوص الشرعية الواردة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وآله المعصومين الذين تجري أقوالهم مجرى قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لحديث الثقلين.

هذه هي الكتب الفقهية الثمانية المعروفة للعلاّمة الحلّي المنتشرة على نطاق واسع، وله كتب فقهية أُخرى غير مشهورة، وانّ قسماً منها لم ير النور.

مشكلة الاختلاف في آرائه:

من استعرض فتاوى العلاّمة الحلّي في كتبه الفقهية ربما يقف على آراء مختلفة له في مسألة واحدة في مختلف الكتب، وقد أثارت هذه المسألة العديد من التساؤلات.

فربما يفسر اختلاف فتاواه بحرصه على التأليف واستعجاله في التصنيف، وانّه كان يكتب كل ما يرتسم في ذهنه بلا مراجعة إلى أقواله المتقدمة، أو انّه كان لا يفحص في الأحاديث والأدلّة حق الفحص. فبدا له التجدّد في الرأي والتلوّن في الاجتهاد(1).

وقريب منه ما ذكره المحدّث البحراني في لؤلؤة البحرين (2).

وربما يجاب عن الإشكال :

بأنّ فتاوى العلاّمة كانت في متناول فقهاء عصره الذين بلغ عددهم في الحلّة إلى 440 مجتهداً (3).


1 . لاحظ تنقيح المقال : 1 / 315 ، نقله عن السماهيجي .

2 . لؤلؤة البحرين : 226 .

3 . رياض العلماء: 1 / 361 ، قال: ومن الغرائب ما نقل انّه كان في الحلّة في عصر العلاّمة أو غيره 400 مجتهدا وأربعين .


صفحه 24

فقد كانت تنهال عليه مناقشات العلماء والمجتهدين فيما أفتى به وذهب إليه فكان(رضي الله عنه) ينظر فيها ويبحثها معهم، فإن لم يقتنع بها ردّها، وإن رآها سديدة قبلها برحابة صدر، وغيّر فتواه(1).

وهذا النوع من الدفاع وإن كان صحيحاً إجمالاً ولا يختص هذا بالعلاّمة وعصره، فانّ تغيير الفتاوى لأجل مناقشات المعاصرين ليس أمراً جديداً، لكن تبرير هذا النوع من الاختلاف الشاسع عن هذا الطريق غير كاف، إذ لو كان هذا هو السبب الرئيسي لأشار إليه العلاّمة في طيات كتبه، وانّه رجع عمّا كان يراه فيما سبق لأجل هذه المناقشة، ولكن صياغة كتبه تأبى عن ذلك التبرير فيجب التماس وجه آخر.

وهو انّ العلاّمة الحلّي قد عاش في عصر ازدهرت فيه عملية التخريج والتفريع، وكانت له صلة وثيقة بفقهاء كلا الفريقين طوال ستين سنة، وكان ذا ذكاء خارق وذهن ثاقب، وآية في الدقة والتحقيق، فمثل هذا الفقيه الذي هو في خضمِّ الاحتكاكات الفقهية من جانب وكثرة أسفاره ولقائه بعلماء كلا الفريقين أتاح له الفرصة في خلق أفكار فقهية جديدة حسب ما يوحي إليه فهمه الخلاق، وليس هذا بعزيز.

فهذا هو محمد بن إدريس الشافعي (150 ـ 204 هـ ) قد خلف فتاوى قديمة وفتاوى جديدة، فلما غادر من الحجاز إلى العراق ومكث فيه سنين طوال كانت له آراء، فلما هبط مصر بدت له فتاوى أُخرى غير تلك الفتاوى القديمة، وصارت معروفة بالفتاوى الجديدة.

فمثير هذه الشبه انطلق من جمود فكري وعدم معرفة كاملة بواقع الفقه ، ولو


1 . إرشاد الأذهان : 160، قسم المقدمة .


صفحه 25

كان من فرسان هذه الحلبة لسهل له هذا الأمر ولم ينقم على العلاّمة كثرة فتاواه.

إلى هنا تم ما كنّا نرمي إليه من التقديم :

وقد آن لنا تثمين جهود محققّ الكتاب اعني العلاّمة «الشيخ إبراهيم البهادري» على ما بذله من جهود مضنية في تقويم نص الكتاب واستخراج مراجع الأقوال ومصادر الروايات بأمانة ودقة كما هو دأبه في تحقيقاته السابقة التي أثرى بها المكتبة الإسلامية من خلال إحياء التراث الإسلامي، وقد صدر له تحقيق الكتب التالية:

1 . الاحتجاج: لشيخنا أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي.

2 . إصباح الشيعة: للفقيه الأقدم قطب الدين البيهقي الكيدري .

3 . إشارة السبق: تأليف الشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل، المعروف بالحلبي .

4 . جواهر الفقه: للقاضي ابن البراج .

5 . الرسائل الاعتقادية: للشيخ الطوسي .

6 . عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار علي بن أبي طالب(عليه السلام): لإبن البطريق.

7 . غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع: لإبن زهرة الحلبي في جزءين.

8 . المسائل الميافارقية: للسيد الشريف المرتضى .

مضافا إلى هذا الكتاب الماثل بين يديك والذي يزفّه الطبع إلى القرّاء


صفحه 26

الكرام، والكتاب بإذنه سبحانه يخرج في ستةِ أجزاء، ويأتي في نهاية الجزء السادس فهرس الآيات والروايات والأعلام والأماكن... وها نحن نحيل عنان القلم إلى المحقّق كي يوضح لنا منهجية التحقيق وكيفيته .

منهج التحقيق:

1. قد قمنا بتقويم النص وتصحيحه بمقابلة الكتاب على نسختين: إحداهما مطبوعة، والأُخرى مخطوطة.

أمّا المطبوعة فهي النسخة الرائجة التي طبعت عام 1314 هـ ق في جزءين وطبعت في مجلد واحد، وهي نسخة كاملة ورمزنا إليها بحرف «أ».

وأمّا المخطوطة فهي النسخة الموجودة في مكتبة السيد المرعشي العامة والظاهر انّ النسخة استنسخت عن خط المؤلف كما استظهره المحقّق السيد الاشكوري (حفظه الله). وحكى الكاتب في الصفحة الأُولى إجازة العلاّمة لجمال الدين مظفر بن منصور المخلص الأنباري.

تقع النسخة في 431 صفحة في 29 سطراً، طولها 23 سم وعرضها 15سم. وهي نسخة كاملة مصححة . ورمزنا إليها بحرف «ب». وأثبتنا ما هو الصحيح ولم نذكر من اختلاف النسختين إلاّ المهمّ. وقد سجّلت خصوصيات النسخة في فهرس المكتبة.

2 .لم نقتصر في تقويم النص على النسختين، بل رجعنا إلى التذكرة والمنتهى للمؤلّف، فإنّ مادة الكتاب تستقي من هذين الكتابين في أكثر المواضع، كما رجعنا


صفحه 27

إلى الخلاف والمبسوط للشيخ الطوسي، وإلى المغني لابن قدامة وغيرها .

3 . تخريج الآيات والروايات والأقوال المنقولة من المصادر الأصلية .

4 . تفسير اللغات المشكلة وإيضاح المراد من العبارة فيما احتاج إليه .

5 . تبديل الترتيب الأبجدي للمسائل التي وضعها المؤلف بالترتيب العددي لسهولته ، وهذا النوع من التصرف قد حدت الضرورة إليه لأجل عدم استيناس الجيل الحاضر به .

كما لا يفوتني أن أُعبر عن شكري وامتناني الجزيل إلى سماحة آية الله جعفر السبحاني لما هيّأ لي من أسباب التحقيق كما هو دأبه مع أكثر المحققين في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، وقد أشرف على عملي وتحقيقي وأفادني في هذا المضمار.

هذا كلام محققنا، فهاك نسخة صحيحة لا تجد فيها امتاً ولا عوجاً، وهي حصيلة جهود سنين طوال .

فها نحن نثمن الجهود التي بذلها شيخنا المحقّق في إحياء هذا السفر الجليل الذي كان رهين محبس رداءة الطبعة التي كانت تعيق مطالعته ومدارسته في أحيان كثيرة، فحيا الله شيخنا المحقّق وبيّاه وجعله خادماً لفقه آل البيت (عليهم السلام)طيلة عمره، وجزاه الله في الدنيا والآخرة خير الجزاء وأدام عمره بفضل منه .

جعفر السبحاني

فم المشرَّفة


صفحه 28

صفحه 29

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المتقدّس بكماله عن مشابهة المخلوقات، المتنزّه بعلوّه عن مشاركة الممكنات، القادر على إيجاد الموجودات، العالم بكل المعلومات، المتفرّد بوجوب الوجود في ذاته، المتوحّد بالاستغناء عن غيره في ماهيّته وصفاته، المنعم على عباده بإرسال الأنبياء لتعليم الشرائع والأديان، المكمّل إنعامه بالتكليف الباقي ببقاء نوع الإنسان، ليرتقي بطاعته إلى أعلى الدرجات، ولينال بامتثال أوامره ما أعدّ له من الحسنات.

وصلّى الله على أشرف البشر محمد المشفع في يوم المحشر(1)، وعلى آله الأبرار، صلاة تتعاقب عليهم تعاقب الأعصار.

أمّا بعد: فانّ هذا الكتاب الموسوم بـِ"تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية "، قد جمعنا فيه معظم المسائل الفقهيّة، وأوردنا فيه أكثر المطالب


1 . في «ب»: في المحشر .


صفحه 30

التكليفية الشرعيّة الفرعيّة، من غير تطويل بذكر حجّة ودليل، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الموسوم بِـ"منتهى المطلب في تحقيق المذهب" فانّه قد شمل المسائل أُصولها وفروعها، وذكر الخلاف الواقع بين المسلمين ـ إلاّ ما شذّ ـ واستدلال كل فريق على مذهبه مع تصحيح الحقّ وإبطال الباطل.

وانّما اقتصرنا في هذا الكتاب على مجرّد الفتاوى لا غير، مستعينين بالله تعالى فانّه الموفّق لكلّ خير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ورتّبناه على مقدمة وقواعد.

Website Security Test