welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : معالم الدين في فقه آل ياسين*
نویسنده :شمس الدين محمد بن شجاع القطان الحلّي*

معالم الدين في فقه آل ياسين

صفحه 1

إشراف

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

معالم الدين

في

فقه آل ياسين

دورة فقهية كاملة على وفق مذهب الإمامية

تأليف

الفقيه البارع

شمس الدين محمد بن شجاع القطان الحلّي

(كان حياً عام 832 هـ )

الجزء الأوّل

تحقيق

الشيخ إبراهيم البهادري


صفحه 2

قطان حلى، محمد بن شجاع، ـ 832؟ق

         معالم الدين في فقه آل ياسين : دورة فقهية كاملة على وفق مذهب الإمامية / تأليف شمس الدين ابن قطان الحلي ; إشراف جعفر السبحاني ; تحقيق إبراهيم البهادري. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1423 ق. = 1381

      ج .

ISBN : 964 - 357 - 049 - 5

كتابنامه به صورت زيرنويس .

1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 9 ق. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، مشرف . ب. بهادرى، ابراهيم، 1325 ـ ، مصحح. ج. موسسه الامام الصادق عليه السلام. د . عنوان .

6 م6 ق/ 5/182BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … معالم الدين في فقه آل ياسين / الجزء الأوّل

المؤلــف:   … شمس الدين محمد بن شجاع القطان الحلّي

إشــراف:   … آية الله جعفر السبحاني

المحقّـق:   … الشيخ إبراهيم البهادري

الطبعــة:   … الأُولى ـ 1424 هـ

المطبعـة:   … مطبعة مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الكمّيّـة:   … 1500 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

صف وإخراج :   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) / محسن البطاط


صفحه 3

بسم الله الرحمن الرحيم

(سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ )

الصافات : 130 .


صفحه 4

صفحه 5

مقدّمة بقلم سماحة آية الله جعفر السبحاني

بسم الله الرحمن الرحيم

المسائل الخلافيّة

و

دورها في الاستنباط

الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على أفضل خليقته وأشرف بريّته أبي القاسم محمد وعلى خلفائه المبشّرين المعصومين، الموصوفين بكل جميل، ما تعاقب جيل بعد جيل.

أمّا بعد; فإنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة الّتي أعظم الله بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وَصْمة محاباة أهل الكتابين، المؤدِّية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتّى اتّضحت الآراء وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق


صفحه 6

بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف. (1)

إنّ القرآن الكريم يُشيد بالوحدة، واتّفاق الكلمة والاعتصام بالعروة الوثقى، ورفض التشتّت والتفرّق، ويندِّد بالاختلاف والفرقة، يقول سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا)(2).

فهذا المقطع من الآية الكريمة بإيجازها يتكفّل بيان أمرين:

1 ـ يأمر بتوحيد الكلمة والاعتصام بحبل الله .

2 ـ يزجر عن التفرّق والتشتّت.

وهذان الأمران من الوضوح بمرتبة لا يختلف فيهما اثنان.

ومع الاعتراف بذلك كلّه فاختلاف الكلمة إنّما يضرّ إذا كان صادراً عن ميول وأهواء، فهذا هو الّذي نزل الكتاب بذمّه في غير واحدة من آياته، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيء)(3) ، ويقول: (وَ لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)(4)، فهؤلاء اختلفوا بعدما تمّت عليهم الحجة وبانت لهم الحقيقة، فهذا النوع من الاختلاف آية الأنانية أمام الخضوع للحقائق الراهنة.

وأمّا إذا كان الاختلاف موضوعياً نابعاً عن حب تحرّي الحقيقة وكشف


1 . إبانة المختار لشيخ الشريعة الاصبهاني، نقله عن بعض الأعاظم: 10 .

2 . آل عمران: 103 .

3 . الأنعام : 159 .

4 . آل عمران : 105 .


صفحه 7

الواقع، فهذا أمر ممدوح، وأساس للوصول إلى الحقائق المستورة، وإرساء لقواعد العلم ودعائمه .

إنّ الاختلاف بين الفقهاء أشبه بالخلاف الّذي وقع بين نبيّين كريمين: داود وسليمان ـ على نبينا وآله وعليهما السلام ـ في واقعة واحدة حكاها سبحانه في كتابه العزيز وقال: (وَ دَاوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيَْمانَ وَ كُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً)(1) .

وكما آتى سبحانه لكلّ منهما حكماً وعلماً، فقد آتى لكلّ فقيه ربّاني فهماً وعلماً، يدفعه روح البحث العلمي إلى إجراء المزيد من الدقّة والفحص في الأدلّة المتوفّرة بين يديه، بُغية الوصول إلى الواقع، وهذا العمل بطبيعته يورث الاختلاف وتعدّد الآراء.

ولأجل ذلك نجم الاختلاف في الشريعة بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)واتّسعت شقّته في القرن الثاني والثالث .

وقد اهتمّ كثير من العلماء منذ وقت مبكِّر بالمسائل الخلافية وصنّفوا فيها كتباً متوفّرة، جمعوا فيها آراء الفقهاء في مسائل خلافية إلى أن عادت معرفة العلم بالخلافيات علماً برأسه وأساساً لصحّة الاجتهاد، حتّى قيل: إنّ معرفة الأقوال في المسألة نصف الاستنباط. وإليك فيما يلي أسماء بعض الكتب الّتي أُلّفت في الخلافيات، فمن السنَّة :

1 ـ «الموطّأ» للإمام مالك (المتوفّى 179 هـ) يذكر فيه أقوال الفقهاء السابقين في مختلف أبوابه .


1 . الأنبياء: 78 ـ 79 .


صفحه 8

2 ـ كتاب «الأُمّ» الّذي جمع فيه البويطي ثم الربيع المرادي أقوال الإمام الشافعي، وقد ضمَّ فصولاً عديدة في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، واختلاف أبي حنيفة والأوزاعي، واختلاف الشافعي مع محمد بن الحسن.

3 ـ «مسائل إسحاق الكوسج» قد تضمنت اختلاف الإمام أحمد مع معاصريه كابن راهويه وغيره .

4 ـ «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي (202 ـ 294 هـ) المطبوع بتحقيق الدكتور محمد طاهر حكيم، ط عام 1420 هـ .

5 ـ «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام أبي بكر محمد بن المنذر النيسابوري الشافعي (المتوفّى 309 هـ).

6 ـ «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310 هـ) .

ذكر في كتابه اختلاف مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي حنيفة مع أبي يوسف ومحمد بن الحسن ثم أبي ثور، وذكر بعض فقهاء الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى المائة الثالثة، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، وحكي انّه سئل عن سبب ذلك؟ فقال: لم يكن أحمد فقيهاً وانّما كان محدِّثاً.

وقد لعب بالكتاب طوارق الحدثان ولم يبق منه إلاّ القليل يبتدأ بكتاب المدبّر فالبيوع والصرف والسلم والمزارعة والمساقاة والغصب والضمان، والمطبوع من الكتاب مجلد واحد يشتمل عليها .

7 ـ «اختلاف العلماء» تأليف الإمام أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي (المتوفّى 321 هـ) واختصره الإمام أبو بكر أحمد بن علي


صفحه 9

الجصّاص الحنفي (المتوفّى 370 هـ) ونشره الدكتور محمد صغير حسن .

8 ـ «اختلاف الفقهاء» تأليف محمد بن محمد الباهلي الشافعي (المتوفّى 321 هـ).

9 ـ «الخلافيات» للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (384 ـ 458 هـ) ناقش فيه أدلّة الحنفية وانتصر لمذهب الشافعية. وطبعت بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان.

10 ـ «اختلاف العلماء» تأليف أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي الوزير (المتوفّى 555 هـ).

هذه عشرة كاملة ذكرناها لإيقاف القارئ على أهمية معرفة الخلافيات وعناية الفقهاء بها. هذا مالدى السنّة وأمّا الشيعة فهي بدورها قد اهتمّت بهذا العلم أيضاً منذ عصر مبكِّر وألّفت فيه كتباً، نذكر منها ما يلي:

1 ـ كتاب «الاختلاف» لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي (130 ـ 207 هـ) ذكر ابن النديم: انه كان يتشيّع، حسن المذهب، يلزم التقية، وقال: وكتاب «الاختلاف» يحتوي على اختلاف أهل المدينة والكوفة في الشفعة والصدقة والعمرى والرقبى والوديعة والعارية والبضاعة والمضاربة والغصب والسرقة والحدود والشهادات، وعلى نسق كتب الفقه ما يبقى .

2 ـ «اختلاف الفقهاء» للقاضي أبي حنيفة نعمان بن أحمد المصري المغربي (المتوفّى 363 هـ) نقله ابن خلّكان عن ابن زولان في كتابه «أخبار مصر»، قال: إنّه ينتصر فيه لأهل البيت(عليهم السلام)وعبّر عنه في «كشف الظنون» باختلاف أُصول المذاهب .


صفحه 10

3 ـ «مسائل الخلاف في الفقه» للشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) ذكره الشيخ الطوسي في «الفهرست». وقد أحال المصنّف إليها في كتاب «الناصريات» .

4 ـ «مسائل الناصريات» ألّفه الشريف المرتضى وفاءً لجده الناصر على الرغم من اختلاف المذهب بينهما، ويتجلّى فيه روح التفاهم والتسالم بين عالمين إماميّ وزيديّ، وهو لا يقتصر على المسائل الخلافية بين الإمامية والزيدية، بل يحوي جلّ الخلافات الفقهية على مستوى المذاهب .

5 ـ «الخلاف في الأحكام» لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460 هـ) ويقال له «مسائل الخلاف» وهو مرتّب على ترتيب كتب الفقه، وقد صرح فيه بأنّه ألّفه بعد كتاب «التهذيب» و «الاستبصار» وناظر فيه المخالفين جميعاً، وقد طبع مراراً .

6 ـ «المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف» تأليف أمين الإسلام فضل بن الحسن الطبرسي (471 ـ 548 هـ) وقد لخّص به كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي ونشر في ثلاثة أجزاء، وأثبت هو في ذلك الكتاب انّ الخلاف بين الشيعة والسنّة في المسائل الفقهية ليس على نحو التباين، بل كثيراً ما يوافق الشيعة مذهباً ويخالف مذهباً آخر، وهذا هو الأمر السائد في معظم المسائل الفقهية.

7 ـ «خلاف المذاهب الخمسة في الفقه» للشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلّي (647 ـ 707 هـ) صاحب كتاب الرجال المشهور برجال ابن داود.


صفحه 11

8 ـ «تذكرة الفقهاء» للعلاّمة حسن بن المطهر (648 ـ 726 هـ) والكتاب مشحون بنقل أدلّة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وقد طبع قديماً ويطبع حالياً طبعة جديدة محقّقة من قبل مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)حيث صدر منه أكثر من 12 جزءاً.

9 ـ «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» للعلاّمة الحلي وهو أفضل ما أُلّف في الفقه المقارَن نقلاً وتحقيقاً، يذكر آراء العلماء برحابة صدر ويناقش فيها، والكتاب من حسنات الدهر. وقد طبع قديماً وحديثا.

10 ـ «مختلف الشيعة» له أيضاً وهو يختص ببيان اختلافات الشيعة في المسائل الفقهية، وقد طبع طبعات عديدة محقّقة .(1)

هذا بعض ما يمكن أن يذكر في المقام، ولعلّك تلمس بما ذكرناه اهتمام العلماء بالخلافيات، وجدير بالذكر انّ الخلاف بين العلماء كان مرافقاً في الغالب برعاية أدب الخلاف وصحيح الحوار.

***

هذا البحث الموجز أوقفك على وجود الاختلاف في المسائل الفقهية في عصر الصحابة والتابعين والفقهاء إلى يومنا هذا، إلاّ أنّ الكلام في أسباب الاختلاف ودوافعه، فهناك أمران :

الأوّل: ما هو الحافز لاختلاف فقهاء السنّة أنفسهم بينهم حتّى أُفردت


1 . لاحظ في الوقوف على أسماء هذه الكتب وميزاتها كشف الظنون: 1 / 64، مادة اختلاف; الذريعة: 1 / 360، مادة اختلاف و 7 / 236، مادة خلاف ; مقدّمة كتاب اختلاف الفقهاء للمروزي والخلافيات للإمام البيهقي واختلاف الفقهاء لأبي جعفر الطبري وغيرها .


صفحه 12

كتب كثيرة ـ كما مرّت ـ لبيان اختلاف أئمة المذاهب السائدة أو البائدة؟!

الثاني: ما هو سبب الاختلاف بين الفقهين: الإماميّ والسنّيّ؟

أمّا الأوّل فلا نحوم حوله ونتركه عسى ان نستوفي حقّه في مجال آخر ، وانّما المهم في المقام بيان سبب الاختلاف بين الفقه السنّيّ والفقه الشيعيّ، مع أنّهما صنوان من أصل واحد يصدران عن الكتاب والسنّة، ومع ذلك نرى بين الفقهين اختلافاً واضحاً.

إنّ هناك أسباباً للاختلاف في الفتاوى والآراء لا يمكن استقصاؤها في هذا التقديم، وانّما نذكر في المقام، العناصر الّتي تركت تأثيراً كبيراً على اتّساع الهوّة بين الفقهين:

1 ـ الاختلاف في ثبوت السنّة :

اتّفقت الأُمّة الإسلامية على حجّية السنّة وانّها مصدر ثان للتشريع بعد الذكر الحكيم، لكن الكلام في شرائط ثبوت السنّة النبوية.

فالشيعة الإمامية اعتبروا وثاقة الراوي في عامّة سلسلة السند من دون فرق بين الصحابي والتابعي ومن تلاهم. فلا يأخذون بحديث إلاّ إذا أُحرزت وثاقة الرواة جميعهم بلا استثناء.

وأمّا السنّة فقد اعتبروا إحراز الوثاقة في سلسلة السند إلاّ في الصحابة، لبنائهم على عدالة كل صحابي، سواء عُرف أم لم يعرف، وُثّق أم لم يوثّق، صدر منه ما يخالف الكتاب والسنّة أم لم يصدر، فالكلّ عدول مطهّرون وفي غنى عن التوثيق والتعديل، فعند ذلك يظهر الاختلاف في ثبوت السنّة.


صفحه 13

فتكون النسبة بين النظرين عموماً وخصوصاً مطلقاً، فالسنّة الثابتة عند الشيعيّ ثابتة أيضاً عند السنّيّ دون العكس.

2 ـ الاختلاف في حجية العقل :

إنّ العقل أحد الحجج الأربع الّذي اتفق فقهاء الشيعة على حجيته في موارد خاصة، والاستدلال بالعقل يتم بأحد طرق ثلاثة:

أ ـ الاستقراء .

ب ـ التمثيل .

ج ـ القياس المنطقي.

فالاستقراء التام، أعني: تتبّع عامّة الموارد، غير المورد الّذي يريد إقامة الدليل عليه، حجة عند أكثر فقهاء السنّة أو جميعهم، وأمّا الناقص فلم يعتبروه إلاّ القليل منهم.

وأمّا التمثيل الّذي هو عبارة عن القياس الأُصولي، فأصحاب المذاهب الأربعة مجمعون على حجيّته خلافاً للشيعة والظاهرية حيث حرّموا العمل بالقياس .

إنّما الكلام في القياس المنطقي وهو الاحتجاج بحكم العقل في الحقل الّذي للعقل فيه إدراك وحكم، فهو حجة عند الشيعة الإمامية القائلين بالحسن والقبح العقليين دون الأشاعرة ـ نفاة التحسين والتقبيح العقليّين ـ وتنحصر حجية القول في مجال الاستنباط في مجالين :

الأوّل: إذا استقلّ العقل بحسن شيء أو قبحه مع قطع النظر عن كل


صفحه 14

شيء يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، فالشيعة على أنّه حجّة في كشف حكم الشارع عليه بالوجوب والحرمة، وهذا ما يعبّر عنه بالمستقلاّت العقلية.

الثاني: إذا كانت إحدى المقدّمتين عقلية، والأُخرى شرعية كما في باب الملازمات العقلية ، فإنّ العقل يحكم بثبوت التلازم بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، وانّ طالب الشيء طالب لمقدّماته أيضاً، أو يحكم بثبوت التلازم بين الأمر بالشيء وحرمة أضداده، ويكشف عن أنّ حكم الشرع في كلا الموردين أيضاً كذلك.

ومن الواضح انّه لا يمكن التوصّل بهذا الحكم الكلّي، أي وجوب الوضوء إلاّ بعد تنصيص الشارع بوجوب الصلاة وتوقّفها عليه، فيقال ـ إذا أُريد ترتيب القياس وأخذ النتيجة ـ : الوضوء ممّا يتوقّف عليه الواجب (الصلاة)، وهذه مقدّمة شرعية، وكلّ ما يتوقّف عليه الواجب فهو واجب عقلاً، وهذه مقدّمة عقلية، فينتج: الوضوء واجب عقلاً. وهذا ما يعبّر عنه بغير المستقلاّت العقلية. نعم يعلم وجوب الوضوء شرعاً بالملازمة بين حكمي العقل والشرع.

ومن عجيب الأمر انّ الفقه السنّي يعمل بالاستقراء والقياس وكلاهما دليلان ظنّيان ولا يأخذ بالقياس المنطقي ـ الّذي هو دليل قطعي ـ إلاّ في فترات يسيرة.

3 ـ أحاديث العترة الطاهرة :

إن العترة الطاهرة ـ بتنصيص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ قرناء الكتاب وأعداله حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا». والحديث متواتر أو متضافر رواه الفريقان. أخرجه مسلم في صحيحه والترمذي


صفحه 15

في سننه وأحمد في مسنده إلى غير ذلك من المصادر المتوفّرة. (1)

فعلى ذلك قولهم حجة قاطعة مصون من الخطأ كالكتاب العزيز بحكم انّهما عِدْلان وصنوان.

والحديث يركِّز على أنّ المرجع العلمي بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الكتاب والعترة، وانّ قول العترة قول الرسول وكلامه، وبقولهم تحفظ السنّة عبر القرون، غير أنّ أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم تلقّوا روايات أهل البيت فتاوى خاصة لهم، فلم يعتبروها حجّة شرعية على الجميع، وهذا النوع من التفسير لأحاديثهم مخالف لحديث الثقلين أوّلاً وكلامهم ثانياً، فإنّهم يعتبرون كل ما يروون، سنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يرويه كابر عن كابر إلى أن يصل إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

هذا هو النجاشي ينقل في ترجمة محمد بن عذافر الصيرفي عن أبيه قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر(عليه السلام)، فجعل يسأله، وكان أبو جعفر (عليه السلام)له مكرِماً، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «يا بني قم فأخْرِج كتاب عليّ (عليه السلام)» فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «هذا خط عليّ (عليه السلام)وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)» وأقبل على الحكم، وقال: «يا أبا محمد اذهب أنت وسلمة بن كهيل وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل (عليه السلام)».(2)

فإذا كانت هذه مكانة أقوال أئمة أهل البيت فلا حجّة للسنّيّ في الإعراض


1 . لاحظ صحيح مسلم: 7 / 122 و 123، باب فضائل علي ; سنن الترمذي: 2 / 308 ; مستدرك الصحيحين: 3 / 109 و 148 ; مسند أحمد: 3 / 17 و 26 و 4 / 371 و 5 / 181 ; الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 2 ; حلية الأولياء: 1 / 355 و 9 / 64 ; كنز العمال: 1 / 47 و 96 .

2 . رجال النجاشي: 1 / 262 ، الترجمة 967 .


صفحه 16

عن أحاديثهم والالتجاء إلى قواعد، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وفتحها وقول الصحابي إلى غير ذلك من القواعد الّتي ألجأهم إلى تأسيسها وإرسائها قلّة النصوص النبويّة في الشريعة والأحكام الفرعية.

ولكنّهم لو رجعوا فيما لم يرد فيه نصّ في الكتاب والسنّة النبويّة إلى أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، لاستغنوا عن إرساء هذه القواعد والعمل بالظنون الّتي لا تغني من الحق شيئاً.

ففي هذه النقطة بالذات تتّسع الشقّة بين الفقهين، فقهاء الشيعة يعملون بكلا الثقلين، ولكن فقهاء السنّة يعملون بالكتاب دون الثقل الآخر ويعتبرون مكانه قواعد ظنيّة اخترعت لأجل إعواز النصوص، وقد كان لقلّة النصوص بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)دور في توسيع الشقّة بين الصحابة، حتّى أنّ بعض المتوّرعين من الصحابة ينهون عن السؤال عمّا ليس في الكتاب والسنّة .

روى الدارمي في سننه عن ابن عمر وقد جاءه رجل فسأله عن شيء، فقال له: ولا تسأل عمّا لم يكن .

وقال القاسم: إنّكم تسألون عن أشياء ما كنّا نسأل عنها، وتنقرون عن أشياء ما كنّا ننقر عنها، تسألون عن أشياء ما أدري ما هي؟! ولو علمناها ما حلّ لنا أن نكتمها.

وقال عبادة بن يسر الكندي: أدركت أقواماً ما كانوا يشدّدون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم.(1)


1 . سنن الدارمي: 1 / 49 و 50 .


صفحه 17

ولكن التورّع عن الإجابة كان لبعض الصحابة دون الأكثرية، فجماهيرهم إذا لم يجدوا جمعوا رؤساء الناس فاستشاروهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قُضي به، وعلى ذلك جرى الخلفاء بعد الرسول .(1)

يقول عبد الله بن مسعود: من عرض له منكم قضاء فليقضينّ بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فليقضينّ بما قضى به نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يقض به الصالحون فيلجتهد برأيه، فإن لم يحسن فليقم ولا يستحي. (2)

وفي الحقيقة انّ الفقه المبنيّ على هذه الموازين غير المستندة إلى الكتاب والسنّة أشبه بالفقه الوضعي، لأنّه من نتائج الفكر وضرب الآراء بعضها على بعض.

وقد كان عمر بن الخطاب ـ ومن جاء بعده ـ واقفاً على قيمة هذا النوع من الرأي ، فقد روي أنّ رجلاً لقاه، فقال عمر بن الخطاب له: ما صنعت ؟

قال: قضى عليّ وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما يمنعك والأمر اليك؟ قال: لو كنت أردّك إلى كتاب الله أو إلى سنّة نبيّه لفعلت، ولكنّي أردّك إلى رأي، والرأي مشترك، فلم ينقض ما قال عليّ وزيد.(3)


1 . اعلام الموقعين: 1 / 62 .

2 . اعلام الموقعين: 1 / 62 ـ 63 .

3 . اعلام الموقعين: 1 / 65 .


صفحه 18

4 ـ الاختلاف فيما هو المرجع عند عدم النصّ :

هذا هو السبب الرابع لوجود الاختلاف بين الفقهين، فالمرجع عند عدم النصّ في الفقه الشيعي، عبارة عن القواعد العامّة السارية في عامّة أبواب الفقه على نظام خاصّ .

1 ـ البراءة فيما إذا كان الشك في أصل التكليف، كما إذا شك المجتهد في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو حرمة شيء من المأكولات والملبوسات، فالمرجع بعد التفحّص في الكتاب والسنّة وعدم العثور على الدليل هو أصل البراءة من الوجوب والحرمة .

لقوله سبحانه: (وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(1)، والرسول كناية عن البيان، وبهذا المضمون آيات أُخرى.

ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون...». (2)

2 ـ الاحتياط والاشتغال فيما إذا كان الشك في المكلّف به مع العلم بالتكليف، كما إذا شك في أنّ الواجب هو القصر أو التمام، فالواجب عندئذ هو الجمع بينهما أخذاً بحكم العقل، وهو انّ الاشتغال اليقيني بالواجب يقتضي البراءة اليقينية، وهو لا يحصل إلاّ بالجمع بين الصلاتين.

ونظير ذلك إذا شك في القبلة في الصحراء مع عدم الأمارة المورثة للاطمئنان فيصلّي إلى جهات أربع.


1 . الإسراء: 15 .

2 . الوسائل: 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1 .


صفحه 19

3 ـ التخيير: ومجراه عبارة عمّا إذا دار حكم الموضوع بين الوجوب والحرمة، فبما انّ الاحتياط غير ممكن فيحكم العقل بالتخيير.

هذا كلّه فيما إذا لم يكن للحكم أو الموضوع حالة سابقة وإلاّ فتصل النوبة إلى الأصل الرابع، أعني:

4 ـ الاستصحاب: وهو الأخذ بالحالة السابقة موضوعاً وحكماً، والدليل عليه قول الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تنقضوا اليقين بالشك» إلى غيره من الأحاديث.

نعم ربّما يتمسّك ببعض هذه الأُصول فقهاء السنّة، ولكنّهم لم يبيّنوا مجاريها وشروطها ومراتبها على النحو المقرر في الفقه الشيعي .

وأمّا المرجع فيما لا نص فيه عند أهل السنّة فهو القواعد الّتي أشرنا إليها في الأمر الثالث، فهم يعملون بالقواعد التالية على اختلاف بينهم في حجية البعض.

كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع أو فتح الذرائع وقول الصحابي ونظائرها، غير أنّ إثبات حجّية هذه الأُصول والقواعد دونه خرط القتاد، فمعظم الفقه السنّي يستنبط من أمثال تلك القواعد، فلو كان لها مثل هذا الشأن لورد النص عليها في الكتاب والسنّة، مع أنّك لاترى فيهما دليلاً واضحاً على حجّية هذه الأُصول وانّما ألجأهم إلى تأسيسها إعواز النصوص ورفض العقل في المجالين الماضيين خصوصاً الأوّل منهما، والأدلّة الّتي زعموها قائمة على حجية هذه الأُصول ليست إلاّ انطباعات لهم من الكتاب والسنّة دون أن يكون الكتاب و السنّة مشيرين إليها .


صفحه 20

هذه إلمامة عابرة لبيان ميزات الفقه الإمامي وأسباب الاختلاف مع نظيره السنّي .

ومع ذلك فإنّ وجود الشقّة بين الفقهين لم يكن مانعاً عن موافقة المذهب الشيعيّ لأحد المذاهب الفقهيّة غالباً، إلاّ في نوادر الأُمور وشواذّها، كالعول والتعصيب والإيصاء بالوارث .

هذا وقد سمعتُ من الفقيه المعاصر الدكتور وهبة الزحيلي عندما حلَّ ضيفاً علينا في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ودار الحديث بين الفقهين، فقال: إنّ الخلاف بين الفقهين ليس بأكثر من وجود الخلاف بين فقهاء السنّة أنفسهم، بل الاختلاف في الأوّل أقلّ من الثاني. وهذا قول من ألّف دورة فقهيّة وألمّ بالأقوال والآراء.


صفحه 21

السيرة الذاتية لابن قطان الحلّي:

الحلّة الفيحاء مدينة كبيرة تقع بين الكوفة وبغداد، بناها سيف الدولة الأسدي لمّا نزل بها في محرم سنة 495 هـ ، فبنى بها المساكن الجليلة والدور الفاخرة، وتأنّق أصحابه في مثل ذلك، فصارت ملجأً، وقد قصدها التجّار فصارت أفخر بلاد العراق وأحسنها مدة حياة سيف الدولة، فلمّا قتل بقيت على عمارتها. (1)

وقد بخس الحموي حق المؤسّس أو لم تسنح له الفرصة لأداء حقّه، فلم يذكر عنه إلاّ شيئاً طفيفاً، مع أنّ لهذا الأمير، المساعي المشكورة والأيادي البيض في تأسيس الحلّة الفيحاء وجعلها مقر إمارته وعاصمة ملكه، وإنشائه المعاهد العلمية فيها حتّى أصبحت محط رجال العلماء ودار هجرة الأُدباء بعدما كانت قاعدة إمارة آبائه بلدة النيل، وكانت له رغبة باقتناء الكتب، فألّف خزانة كتب قيّمة.

فإذا كان هذا حال الأمير فبه يعرف حال الرعايا، فلم تزل تربة الحلّة تربة خصبة تُربّي العلماء والأُدباء والشعراء في أحضانها، وكفى فخراً لها انّ الفقيه البارع محمد بن إدريس (المتوفّى 598 هـ) صاحب السرائر، ونجم الدين أبا القاسم جعفر بن الحسن المعروف بالمحقّق الحلي (المتوفّى 676 هـ)، وابن أُخته نابغة الآفاق الإمام حسن بن المطهر الحلّي (المتوفّى 726 هـ)، وعشرات من أمثالهم من أبنائها.


1 . معجم البلدان: 2، مادة حلة .


صفحه 22

وقد كانت مركزاً فكرياً وثقافياً في أكثر القرون، لاسيّما القرنين السابع والثامن، فقد كانت البلدة في أوائل القرن الثامن وأواخر السابع تحتضن أكثر من 440 مجتهداً. (1)

يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في مقدّمته على كتاب «البابليات» تأليف الشيخ محمد علي اليعقوبي :

وقد ساعد الحلّيّين على هذه العبقرية ولطف القريحة والأريحيّة، طيب التربة ولطافة الهواء وعذوبة الماء، ومن هنا شاع نعتها بالحلّة الفيحاء، ونبغ منها العشرات بل المئات من أساطين علماء الإمامية ودعائم هذا المذهب الحق، ناهيك بابن إدريس والمحقّق وأُسرته الكرام بني سعيد، وابن عمه يحيى بن سعيد صاحب الأشباه والنظائر، وآل طاووس، وآل المطهر كالعلاّمة وأبيه سديد الدين وولده فخر المحقّقين، انّ كثيراً من أمثال هؤلاء الأماثل من مشايخ الإجازة. (2)

ففي هذه التربة المباركة نبغ الفقيه البارع محمد بن شجاع الأنصاري المعروف بشمس الدين بن القطّان الحلّيّ (الّذي كان حياً عام 832 هـ) واشتغل بالفقه والحديث، وروى عن الفقيهين:

1 ـ المقداد عبد الله الأسدي السيوري الحلي (المتوفّى 826 هـ).

يقول العلاّمة بحر العلوم: وقد تكرّر ذكره في الإجازات .

ففي إجازة الشهيد الثاني للشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي والد


1 . رياض العلماء: 1 / 361 .

2 . البابليات: هـ ، المقدمة بقلم الشيخ كاشف الغطاء .


صفحه 23

الشيخ البهائي: وعن الشيخ شمس الدين بن داود، عن السيد الأجل المحقّق السيد علي دقماق الحسيني، عن الشيخ الفاضل المحقّق شمس الدين محمد بن شجاع القطّان، عن الشيخ المحقّق أبي عبد الله المقداد بن عبد الله السيوري الحلّيّ الأسديّ، عن الشهيد.

ثم قال: رأيته أيضاً في إجازة الشيخ شمس الدين محمد الشهير بـ «ابن المؤذن» شيخ الشهيد الثاني وابن عم الشهيد الأوّل، قال: وأجزت له أن يروي عنّي جميع كتب أصحابي الماضين، عن السيد علي بن دقماق، عن شيخه الشيخ محمد بن شجاع القطّان، عن شيخه أبي عبدالله المقداد .(1)

2 ـ زين الدين علي بن الحسن الاسترآبادي (المتوفّى حدود 837 هـ) من كبار علماء الإمامية، روى عنه شيخنا المترجم في كتابه «نهج العرفان» .(2)

ويروي عنه السيد علي بن محمد بن دقماق الحسيني (المتوفّى 840 هـ)، كما مرّ ذكره في الإجازات .

الإطراء عليه في كتب التراجم:

والحق انّ التاريخ بخس حقّ الرجل مع انّا راجعنا أكثر من خمسة عشر مصدراً لم نظفر له بترجمة وافية. ونذكر ما قيل في حقّه .

قال الشيخ الحر العاملي في «أمل الآمل»: الشيخ شمس الدين محمد بن شجاع القطّان فاضل صالح، يروي عن المقداد بن عبد الله السيوري .(3)


1 . رجال السيد بحر العلوم المعروف بالفوائد الرجالية: 3 / 278 ـ 279 .

2 . كما في الذريعة: 24 / 422، رقم الترجمة 2209 .

3 . أمل الآمل: 2 / 275، رقم الترجمة 811 .


صفحه 24

وبنفس هذا التعبير ذكره في «الرياض».(1)

والمحدّث القمّيّ في «الفوائد الرضوية» .(2)

والسيد الخوئي في «معجم رجال الحديث».(3) وباختلاف يسير في الكنى والألقاب .(4)

آثاره العلمية:

قد ترك شيخنا المترجم آثاراً فقهية وأخلاقية عسى أن يقيّض المولى سبحانه أصحابَ الهمم العالية للتفحّص عنها في المكتبات ونشرها في الملأ العلمي مرفّقاً بالتحقيق .

1 ـ نهج العرفان في أحكام الإيمان: فرغ من تصنيفه 819 هـ ، وفرغ من تبييضه سنة 831 هـ . ذكره شيخنا الطهراني في «الذريعة» ووصفه بقوله: رتّب الكتاب على قاعدتين وخاتمة، فالقاعدة الأُولى في الإيمان، وفيها كُتُب، أوّلها كتاب الإيمان، وفيه أبواب أوّلها حقيقة الإيمان، ورواياته عن الكليني والصدوق والطوسي بالاسانيد المتصلة إلى الشهيد. يقول في أوّله: «يقول الفقير إلى الله محمد بن شجاع الأنصاري مصنّف الكتاب عفا الله عنه: إنّ هذا الحديث أبلغ ما سمع في هذا الباب. وذكر في آخره انّه فرغ من تصنيفه في 19 شعبان من


1 . رياض العلماء: 5 / 108 .

2 . الفوائد الرضوية: 538 .

3 . معجم رجال الحديث: 16 / 176، برقم 10941 .

4 . الكنى والألقاب: 3 / 70 .


صفحه 25

شهور سنة 819 هـ ، والنسخة موجودة في الخزانة الغروية بخط المؤلف .(1)

2 ـ المقنعة في آداب الحج: قال الأفندي التبريزي في «الرياض»: رأيته في أردبيل بخط الشيخ زين الدين علي بن الحسن بن علالة المجاز من أُستاذه الفاضل المقداد في سنة 822 هـ ، وفي آخر الكتاب: هذا آخر كلام المصنّف دامت فضائله، حرّره العبد علي بن حسن بن علالة في يوم الأحد الحادي عشر من شعبان سنة 822 هـ .(2)

3 ـ معالم الدين في فقه آل ياسين: رتّبه على أربعة أقسام تبعاً لمن تقدّم عليه من كبار الفقهاء، كالمحقق الحلّيّ في «الشرائع» وغيره، وإليك الإلمام بهذه الأقسام على وجه موجز :

الأوّل: في العبادات: ابتدأ بكتاب الطهارة وأنهاه بكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

الثاني: في العقود: ابتدأ بكتاب الصلح وختمه بكتاب النكاح .

الثالث: في الإيقاعات: ابتدأ بكتاب الطلاق وختمه بكتاب الكفّارات.

الرابع: في الأحكام: ابتدأ بكتاب المواريث وختمه بكتاب الديات.

ويعدّ الكتاب دورة فقهية كاملة، جرّد المؤلّف فيه الفتاوى عن ذكر الروايات واستعراض الأقوال غالباً، وكرّس جهوده في الإشارة إلى عامّة مسائل الباب حتّى لا يفوته فرع مذكور في الكتب الفقهية المتداولة، وقد سار على ضوء كتاب «القواعد» للعلاّمة الحلي و «الدروس» للشهيد الأوّل غالباً، و «الشرائع»


1 . الذريعة: 24 / 422، مادة نهج .

2 . الذريعة: 22 / 124 .


صفحه 26

للمحقّق الحلّيّ، و «التنقيح الرائع» لأُستاذه الفاضل المقداد في بعض الأحيان.

وقد كان الكتاب موضع اهتمام كبار الفقهاء حتّى أنّ الشيخ الأنصاري نقل آراء المؤلف في كتاب «المكاسب» (1)، ورسالة المواسعة والمضايقة (2) .

وأكثر ما أفتى به موافق للمشهور، إلاّ أنّه خالف في بعض الموارد، نذكر منها ما يلي:

1 ـ أفتى بأنّ الحدث بين الصلاة وصلاة الاحتياط لا يبطل، فعليه الإتيان بصلاة الاحتياط بعد تحصيل الطهارة.

2 ـ لو كان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً أو بالعكس، فلو لم يصلِّ أوّل الوقت وصلّى آخره، فهو مخيّر بين الإتمام والقصر.

وبذلك يعلم صحّة ما قاله العلاّمة بحر العلوم في حق الكتاب من أنّه قد يغرب في بعض التفاريع، قال (قدس سره):

وجدت في ظهر نسخة لهذا الكتاب: بلغ مقابلة من أوّله إلى آخره مع النسخة الّتي قرئت على مصنّفه، وفيه خطّه طاب ثراه، وهو محمد بن شجاع الأنصاري الحلّيّ، ويظهر من تتبع الكتاب فضيلة المصنّف، وهو على طريقة الفاضلين  المحقّق الحلّيّ والعلاّمة الحلّيّ في أُصول المسائل، لكنّه قد يغرب في التفاريع، والّذي أرى صحة النقل عنه. (3)

ومن غرائب الكلام ما ذكره إسماعيل باشا في «إيضاح المكنون» في


1 . المكاسب المحرّمة: مسألة بيع كلب الماشية : 55 .

2 . رسالة المواسعة والمضايقة: 25، ضمن الرسائل الفقهية للشيخ الأنصاري المطبوعة .

3 . رجال السيد بحر العلوم: 3 / 280 .


صفحه 27

الذيل على كشف الظنون حيث قال : معالم الدين في آل ياسين لشمس الدين محمد بن شجاع القطّان الحلّيّ الشيعي من تلاميذ المفيد!!(1)

فأين المؤلّف الّذي كان حيّاً عام 832 هـ من الشيخ المفيد الّذي توفّي عام 413 هـ ؟! ولعلّ «المفيد» مصّحف «المقداد»، مضافا إلى أنّه وصف الكتاب بأنّه «في آل ياسين» والصحيح في فقه آل ياسين.

هذا ولشيخنا المترجم تراجم موجزة في كتب التراجم والفهارس ـ وراء ما مرّ ذكره ـ (2).

منهجيّة التحقيق:

قد تقدّم في وصف الكتاب انّه جرّد الفتاوى عن ذكر الروايات واستعراض الأقوال، ولذلك ركّز محقّق الكتاب العلاّمة الحجّة الشيخ إبراهيم البهادري المراغي (حفظه الله) جهوده الحثيثة على تقويم النصِّ وتمييز الصحيح عن السقيم، وتعيين مقاطع العبارات، وتقدير كلمة أو جملة بين المعقوفتين يقتضيها سياق العبارة، والاستعانة لتسهيل فهم مقاصد الكتاب بنقل عبارات الفقهاء في الهامش، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي تيسِّر فهم مقاصد الكتاب.

هذا وقد اعتمد في تصحيح الكتاب وتحقيقه على نسخ ثلاث، هي :


1 . إيضاح المكنون: 4 / 503 .

2 . تنقيح المقال في علم الرجال: 3 / 131 برقم 10846 ; إيضاح المكنون: 2 / 694 ; أعيان الشيعة: 9 / 363 ; طبقات أعلام الشيعة: 4 / 118 ; معجم المؤلفين: 10 / 64 ; فهرست نسخه هاى خطى: 1 / 414 برقم 399 ; ريحانة الأدب: 8 / 157 ; فرهنگ بزرگان: 4 / 5 ; معجم دهخدا: 2 / 340 .


صفحه 28

1 ـ نسخة مكتبة آية الله الگلپايگاني المسجّلة برقم 14330 ، فهي تشتمل على 262 ورقـة وكل ورقة عـلى 19 سطـراً، ورمـز إليهـا المـحقّق بـ «أ» .

2 ـ نسخة مكتبة آية الله المرعشي المسجّلة برقم 399 في فهرس المخطوطات وقد سقطت من أوّلها ورقة فهي تشتمل على 198 ورقة، وكل ورقة على 18 سطراً، ورمز إليها المحقّق بـ «ب» .

3 ـ نسخة ا لمكتبة الرضويّة في مشهد، المسجّلة برقم 781، وتشتمل على 335 ورقة وكلّ ورقة على 18 سطراً، وهي بخط الناسخ محمد بن عراد الحسيني، ولم يذكر تاريخ نسخها، وهي ناقصة من أوّلها. ولكنّها أدقّ النسخ وأضبطها. ورمز إليها المحقِّق بـ «ج» .

ولم يقتصر المحقّق في تقويم النصّ على هذه النسخ، بل راجع الكتب الّتي سار المصنّف على ضوئها حين التأليف فميّز الصحيح من السقيم على ضوء عباراتها، كما أنّه استعان بها في توضيح العبارات المغلقة.

فهاك نسخة صحيحة تامّة، هي حصيلة جهود محقّق صرف جلّ عمره في إحياء التراث الإسلامي ونشر فضائل أئمّة أهل البيت: وآثار الفقهاء، وقد صدر له لحدّ الآن تحقيق الكتب التالية:

1 ـ الاحتجاج: لشيخنا أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في جزءين .

2 ـ إصباح الشيعة: للفقيه الأقدم قطب الدين البيهقي الكيدري .

3 ـ إشارة السبق: تأليف الشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل، المعروف بالحلبي.


صفحه 29

4 ـ جواهر الفقه: للقاضي ابن البراج.

5 ـ الرسائل الاعتقادية: للشيخ الطوسي.

6 ـ عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): لابن البطريق الحلّي في جزءين.

7 ـ غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع: لابن زهرة الحلبي في جزءين.

8 ـ المسائل الميّافارقية: للسيد الشريف المرتضى .

9 ـ تحرير الأحكام: للعلاّمة الحلّي في خمسة أجزاء، سادسها الفهارس العامّة للكتاب .

مضافا إلى هذا الكتاب الماثل بين يديك والّذي يزفّه الطبع إلى القرّاء الكرام .

ونحن بدورنا نبارك له هذه الخدمات الّتي قدّمها إلى المكتبة الإسلامية، ونرجو له من الله سبحانه مزيداً من التوفيق ودوام الصحّة .

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

19 ربيع الثاني عام 1423 هـ