welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام- الجزء الخامس*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام- الجزء الخامس

صفحه 1

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام

ج 5


صفحه 2

صفحه 3

تقديم وإشراف

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام

للحكيم المتألّه والمتكلم البارع

عبد الرّزاق اللاّهيجي

(... ـ 1072 هـ )

الجزء الخامس

تحقيق

الشّيخ أكبر أسدعلي زاده


صفحه 4

اسم الكتاب:   … شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

الجزء:   … الجزء الخامس

المؤلــف:   … عبد الرّزاق اللاّهيجي

تقديم وإشــراف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني

المحقّـق:   … أكبر أسد علي زاده

الطبعــة:   … الأُولى ـ 1430 هـ

المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

الكمّيّـة:   … 1000 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

توزيع: مكتبة التوحيد

ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء

هاتف: 7745457 ـ 2925152

البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :

العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :


صفحه 5

بسم الله الرحمن الرحيم

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )

النحل: 125


صفحه 6

صفحه 7

مقدمة المشرف: آية الله العظمى جعفر السبحاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي نطقت الكائنات بعظائم قدرته وسعة علمه، وسجد له من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وسبح له كلّ شيء .

والصلاة والسلام على اشرف بريّته وأفضل رسله محمّد الذي صار قلبه منزلاً للوحي ومهبطاً لكلامه وعلى آله الذين هم عيبة علمه وخلفاؤه وأئمة الدين صلاة دائمة لا غاية لها ولا نهاية.

أمّا بعد: فهذا هو الجزء الخامس من كتاب «شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام» للحكيم المتألّه الشيخ عبدالرّزاق اللاهيجي، الذي يزفه الطبع الى القراء الكرام، والكتاب موسوعة كلامية شيعية لا تجد لها نظيراً في من عَبر وغَبَر.

ولكنه (قدس سره)لما انتهى بحثه الى كونه سبحانه متكلّماً جفّ قلمه ولم


صفحه 8

يستوف الكلام في هذا المقام كما لم يواصل شرح الكتاب إلى آخره.

فهذا ما حداني إلى استيفاء البحث في كلامه سبحانه وتعالى، وتبيين ما يراد من «الكلام النفسي» عند «الاشاعرة» والذي وصفه المحقق الطوسي بأنّه غير معقول، وأردفناه بالبحث عن «خلق القرآن» وحدوثه الذي أوجد ضجة في عصر المأمون ومن بعده فذهب المحدثون وعلى رأسهم أحمد بن حنبل إلى كون القرآن غير مخلوق، كما ذهب الآخرون إلى كونه مخلوقاً وحادثاً، وسيوافيك موقف أهل البيت(عليهم السلام)من هذه المسألة .

واعلم أن البحث في قدم القرآن وحدوثه قد تم طرحه من قبل النصارى العاملين في داخل البلاط العباسي حتى يستنتجوا من القول بقدم القرآن قدم المسيح عيسى بن مريم بحجة أن الكل كلمة الله. والمغترّون بكلامهم من المحدثين أصروا على قدم القرآن من غير وعي باستغلال الخصم هذا البحث لاثبات آرائه الباطلة.

وأخيراً نشكر ولدنا الفاضل الشيخ جعفر السعيدي اللاهيجي ـ حفظه الله ـ لما أتحفنا بصور المخطوطات لهذا الكتاب التي انتفعنا بها، فشكراً له ثم شكراً.

كما نشكر الشيخ الفاضل أكبر أسد علي زاده حيث تحمّل الجهد الكبير في تحقيق الكتاب والتعليق عليه، فشكر الله له هذا الجهد الجليل ووفقه لكل خير.

والحمد لله رب العالمين


صفحه 9

الكلام النفسي وما يراد به

أجمع المسلمون تبعاً للكتاب والسنّة على كونه سبحانه متكلّماً، ويبدو أنّ البحث في كلامه سبحانه أوّل مسألة طرحت على بساط المناقشات في تاريخ علم الكلام، وإن لم يكن ذلك أمراً قطعياً بل ثبت خلافه، وقد شغلت تلك المسألة بال العلماء والمفكّرين الإسلاميين في عصر الخلفاء، وحدثت بسببه مشاجرات، بل مصادمات دامية ذكرها التاريخ وسجل تفاصيلها، وخاصة في قضية ما يسمّى بـ«محنة خلق القرآن» وكان الخلفاء هم الذين يروّجون البحث عن هذه المسألة ونظائرها حتّى ينصرف المفكّرون عن نقد أفعالهم وانحرافاتهم، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إنّ الفتوحات الإسلامية أوجبت الاختلاط بين المسلمين وغيرهم، وصار ذلك مبدأً لاحتكاك الثقافتين ـ الإسلامية والأجنبية ـ و في هذا الجو المشحون بتضارب الأفكار، طرحت مسألة تكلُّمِه سبحانه في الأوساط الإسلامية، وأوجدت ضجة كبيرة في المجامع العلمية، خصوصاً في عصر المأمون و من بعده، وأُريقت في هذا السبيل دماء الأبرياء، ولما لم تكن هذه المسألة مطروحة في العصور السابقة بين المسلمين تضاربت الأقوال فيها إلى حدّ صارت بعض الأقوال والنظريات موهونة جدّاً كما سيوافيك.


صفحه 10

ثمّ إنّ الاختلاف في كلامه سبحانه واقع في موضعين:

الأوّل: ما هو حقيقة كلامه سبحانه؟ وهل هو من صفات ذاته كالعلم والقدرة والحياة، أو من صفات فعله كالإحياء والإماتة والخلق والرزق إلى غير ذلك من الصفات الفعلية؟

الثاني: هل هو قديم أوحادث، أو هل هو غير مخلوق أو مخلوق؟ والاختلاف في هذا المقام من نتائج الاختلاف في الموضع الأوّل. ونحن نطرح رأي الأشاعرة في كلا المقامين.

ما هو حقيقة كلامه؟

إنّ في حقيقة كلامه آراء مختلفة نذكرها إجمالاً أوّلاً، ونركز على البحث عن رأي الأشاعرة ثانياً.

1. نظرية المعتزلة

قالت المعتزلة في تعريف كلامه تعالى:

إنّ كلامه سبحانه أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها سبحانه في غيره، كاللوح المحفوظ، أو جبرائيل، أو النبي، فمعنى كونه متكلّماً كونه موجداً للكلام، وليس من شرط الفاعل أن يحل عليه الفعل.(1)


1 . شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، المتوفّى عام 415هـ .


صفحه 11

2. نظرية الحكماء

إنّ كلامه سبحانه لا ينحصر فيما ذكره، بل مجموع العالم الإمكاني كلام الله سبحانه، يتكلّم به، بإيجاده وإنشائه، فيظهر المكنون من كمال أسمائه وصفاته.(1)

فعلى تينك النظريتين، يكون تكلّمه سبحانه من أوصاف فعله، لا من صفات ذاته، خلافاً للنظريتين الآتيتين.

3. نظرية الحنابلة

كلامه حرف وصوت يقومان بذاته، وأنّه قديم، وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلاً: إنّ الجلد والغلاف قديمان.(2)

4. نظرية الأشاعرة

إنّ مسلك الأشاعرة هو مسلك الحنابلة، لكن بصورة معدّلة نزيهة عمّا لا يقبله العقل السليم. فذهب أبو الحسن الأشعري إلى كونه من صفات الذات، لا بالمعنى السخيف الذي تتبنّاه الحنابلة، بل بمعنى آخر، وهو القول بالكلام النفسي القائم بذات المتكلّم.

وهذه النظرية مع اشتهارها من الشيخ أبي الحسن الأشعري، لم نجدها في «الإبانة» و«اللمع» وإنّما ركّز فيهما على البحث عن المسألة الثانية، وهي


1 . شرح المنظومة: 179، وللحكماء نظرية أُخرى في كلامه سبحانه تطلب من محلها.

2 . المواقف: 293.


صفحه 12

أنّ كلامه سبحانه غير مخلوق، ولم يبحث عن حقيقة كلامه، ومع ذلك فقد نقلها عنه الشهرستاني وقال: وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية، وبذات المتكلّم، وليس بحروف ولا أصوات، وإنّما هو القول الذي يجده القائل في نفسه ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلاماً حقيقياً تردد، أهو على سبيل الحقيقة أم على طريق المجاز؟ و إن كان على طريق الحقيقة فإطلا ق اسم الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك.(1)

وقال الآمدي: ذهب أهل الحقّ من الإسلاميين إلى كون الباري تعالى متكلّماً بكلام قديم أزلي نفساني، أحدي الذات، ليس بحروف ولا أصوات وهو ـ مع ذلك ـ ينقسم بانقسام المتعلقات، مغاير للعلم والإرادة وغير ذلك من الصفات.(2)

وقال العضدي: ـ بعد نقل نظرية المعتزلة ـ و هذا لا ننكره،لكنّا نثبت أمراً وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس، ونزعم أنّه غير العبارات، إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام، بل قد يدلّ عليه بالإشارة والكتابة كما يدلّ عليه بالعبارة ـ إلى أن قال ـ : وإنّه غير العلم، إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه بل هو يعلم خلافه أو يشكّ فيه، وغير الإرادة، لأنّه قد يأمر بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا، فإذا هو صفة ثالثة غير العلم والإرادة، قائمة بالنفس، ثمّ نزعم أنّه قديم لامتناع قيام الحوادث بذاته


1 . نهاية الإقدام:320.

2 . غاية المرام: 88.


صفحه 13

تعالى ـ إلى أن قال ـ: الأدلّة الدالّة على حدوث الألفاظ إنّما تفيدهم بالنسبة إلى الحنابلة، وأمّا بالنسبة إلينا فيكون نصّاً للدّليل في غير محلّ النزاع. وأمّا ما دلّ على حدوث القرآن مطلقاً، فحيث يمكن حمله على حدوث الألفاظ، لا يكون لهم فيه حجّة علينا، ولا يجدي عليهم إلاّ أن يبرهنوا على عدم المعنى الزائد على العلم والإرادة.(1)

فقد أحسن العضدي وأنصف. وستوافيك البرهنة على أنّ ما يسمونه كلاماً نفسياً أمر صحيح، لكنّه ليس خارجاً عن إطار العلم والإرادة، وليس وصفاً ثالثاً وراءهما.

ثمّ إنّ الشهرستاني قد قام بتبيين المقصود من الكلام النفساني في كلام مبسوط. وبما أنّ الكلام النفسي قد أحاط به الإجمال والإبهام، فنأتي بنصّ كلامه، وإن كان لايخلو عن تعقيد في الإنشاء، حتّى يتبيّن المقصود منه قال:

العاقل إذا راجع نفسه وطالع ذهنه وجد من نفسه كلاماً وقولاً يجول في قلبه، تارةً إخباراً عن أُمور رآها على هيئة وجودها أو سمعها من مبتداها إلى منتهاها على وفق ثبوتها، وتارةً حديثاً مع نفسه بأمر ونهي ووعد ووعيد لأشخاص على تقدير وجودهم ومشاهدتهم، ثمّ يعبّر عن تلك الأحاديث وقت المشاهدة، وتارةً نطقاً عقلياً إمّا بجزم القول أنّ الحقّ والصدق كذا، وإمّا بترديد الفكر أنّه هل يجوز أن يكون الشيء كذا أو يستحيل أو يجب، إلى غير ذلك من الأفكار حتّى أنّ كلّ صانع يحدث نفسه أوّلاً بالغرض الذي


1 . المواقف:294.


صفحه 14

توجهت إليه صنعته، ثمّ تنطق نفسه في حال الفعل محادثة مع الآلات والأدوات والمواد والعناصر، ومن أنكر أمثال هذه المعاني فقد جحد الضرورة، وباهَتَ العقل، وأنكر الأوائل التي في ذهن الإنسان، وسبيله سبيل السوفسطائية، كيف وإنكاره ذلك ممّا لم يدر في قلبه ولا جال في ذهنه، ثمّ لم يعبّر عنه بالإنكار ولا أشار إليه بالإقرار، فوجد أنّ المعنى معلوم بالضرورة وإنّما الشكّ في أنّه هو العلم بنفسه أو الإرادة والتقدير والتفكير والتصوير والتدبير، والتمييز بينه و بين العلم هين، إذ العلم تبين محض تابع للمعلوم على ما هو به، وليس فيه إخبار ولا اقتضاء وطلب، ولا استفهام ولا دعاء ولا نداء، وهي أقسام معلومة وقضايا معقولةوراء التبيين،والتمييز بينه و بين الإرادة أسهل وأهون، فإنّ الإرادة قصد إلى تخصيص الفعل ببعض الجائزات (الممكنات) ولا قصد في هذه القضايا ولا تخصيص، وأمّا التقدير والتفكير والتدبير فكلّ ذلك عبارات عن حديث النفس، وهو الذي يعنى به من النطق النفساني، ومن العجب أنّ الإنسان يجوز أن يخلو ذهنه عن كلّ معنى ولا يجد نفسه قط خالياًعن حديث النفس حتى في النوم فإنّه في الحقيقة يرى في منامه أشياء وتحدّث نفسه بالأشياء ولربما يطاوعه لسانه وهو في منامه حتّى يتكلّم وينطق متابعة لنفسه فيما يحدث وينطق.(1)

نرى أنّ ما ذكره الآمدي الذي نقلناه آنفاً في تفسير الكلام النفسي وارد في كلمات المتأخّرين عنه، كالفاضل القوشجي والفضل بن روزبهان، وإليك نصوصهما:


1 . نهاية الإقدام: 321ـ 322.


صفحه 15

1. قال الفاضل القوشجي في «شرح التجريد»: إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك، يجد في نفسه معاني يعبر عنها، نسمّيها بالكلام الحسي، والمعنى الذي يجده ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلّم حصوله في نفس السامع على موجبه، هو الذي نسمّيه الكلام.(1)

2. وقال الفضل في «نهج الحق»: إنّ الكلام عندهم لفظ مشترك يطلقونه على المؤلف من الحروف المسموعة، وتارة يطلقونه على المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ، ويقولون هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته، ولابدّ من إثبات هذا الكلام، فإنّ العرف لا يفهمون من الكلام إلاّ المؤلّف من الحروف والأصوات فنقول:

ليرجع الشخص إلى نفسه أنّه إذا أراد التكلّم بالكلام فهل يفهم من ذاته أنّه يزور ويرتب معاني فيعزم على التكلّم بها، كما أنّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فإنّه يرتب في نفسه معاني وأشياء ويقول في نفسه سأتكلم بهذا. فالمنصف يجد من نفسه هذا ألبتة. فهذا هو الكلام النفسي. ثمّ نقول ـ على طريقة الدليل ـ إنّ الألفاظ التي نتكلّم بها مدلولات قائمة بالنفس، فنقول لهذه المدلولات: هي الكلام النفسي.(2)


1 . شرح التجريد للقوشجي: 420.

2 . نهج الحق المطبوع ضمن دلائل الصدق: 1/146، ط النجف.


صفحه 16

حصيلة البحث

دلّت النصوص المذكورة عن أقطاب الأشاعرة على أنّ في مورد كل كلام صادر من أيّ متكلم ـ خالقاً كان أو مخلوقاً ـ وراء العلم في الجمل الخبرية، ووراء الإرادة والكراهة في الجمل الإنشائية، معاني قائمة بنفس المتكلّم، وهو الكلام النفسي، يتبع حدوثه وقدمه، حدوث المتكلّم وقدمه.

وما ذكروا في توضيحه حقّ لا ينكره أحد، إنّما الكلام في إثبات مغايرته للعلم في الجمل الخبرية، وللإرادة في الجمل الإنشائية، وهو غير ثابت، بل الثابت خلافه، وإنّ المعاني التي تدور في خلد المتكلّم ليست إلاّ تصور المعاني المفردة أو المركبة أو الإذعان بالنسبة، فيرجع الكلام النفسي في الجمل الخبرية إلى التصورات والتصديقات، فأي شيء هنا وراء العلم حتى نسمّيه بالكلام النفسي، كما أنّه عندما يرتب المتكلّم المعاني الإنشائية، فلا يرتب إلاّ إرادته وكراهته أو ما يكون مقدمة لهما، كتصور الشيء والتصديق بالفائدة، فيرجع الكلام النفسي في الإنشاء إلى الإرادة والكراهة، فأيّ شيء هنا غيرهما حتّى نسمّيه بالكلام النفسي، وعند ذلك لا يكون التكلّم وصفاً وراء العلم في الإخبار، ووراءه مع الإرادة في الإنشاء، مع أنَّ الأشاعرة يصرون على إثبات وصف ذاتي باسم التكلّم وراء العلم والإرادة، ولأجل ذلك يقولون: كونه متكلّماً بالذات، غير كونه عالماً ومريداً بالذات.

والأولى أن نستعرض ما استدلّوا به على أنّ الكلام النفسي وراء العلم، فإليك بيانه:


صفحه 17

الأوّل: أنّ الكلام النفسي غير العلم، لأنّ الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه، فالإخبار عن الشيء غير العلم به. قال السيد الشريف في «شرح المواقف»: والكلام النفسي في الإخبار معنى قائم بالنفس لا يتغير بتغير العبارات، وهو غير العلم، إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه، بل يعلم خلافه، أو يشكّ فيه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المراد من رجوع كلّ ما في الذهن في ظرف الإخبار إلى العلم، هو الرجوع إلى العلم الجامع بين التصور والتصديق. فالمخبر الشاك أو العالم بالخلاف يتصور الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية ثمّ يخبر، فما في ذهنه من هذه التصوّرات الثلاثة لا يخرج عن إطار العلم، وهو التصوّر.

نعم، ليس في ذهنه الشق الآخر من العلم وهو التصديق. ومنشأ الاشتباه هو تفسير العلم بالتصديق فقط، فزعموا أنّه غير موجود عند الإخبار في ذهن المخبر الشاك أو العالم بالخلاف، والغفلة عن أنّ عدم وجود العلم بمعنى التصديق لا يدلّ على عدم وجود القسم الآخر من العلم وهو التصوّر.

الثاني: ما استدلوا به في مجال الإنشاء قائلين بأنّه يوجد في ظرف الإنشاء شيء غير الإرادة والكراهة، وهو الكلام النفسي، لأنّه قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أو لا، فالمقصود هو الاختبار دون الإتيان.(2)


1 . شرح المواقف:2/94.

2 . شرح المواقف:2/94.


صفحه 18

يلاحظ عليه أوّلاً: إنّ الأوامر الاختبارية على قسمين:

قسم تتعلّق الإرادة فيه بنفس المقدّمة ولا تتعلّق بنفس الفعل، كما في أمره سبحانه الخليل بذبح إسماعيل. ولأجل ذلك لما أتى الخليل بالمقدّمات نودي ( أن قد صدّقت الرؤيا).

وقسم تتعلّق الإرادة فيه بالمقدّمة وذيلها، غاية الأمر، أنّ الداعي إلى الأمر مصلحة مترتبة على نفس القيام بالفعل، لا على ذات الفعل، كما إذا أمر الأمير أحد وزرائه في الملأ العام بإحضار الماء لتفهيم الحاضرين بأنّه مطيع غير متمرد. وفي هذه الحالة ـ كالحالة السابقة ـ لا يخلو المقام عن إرادة، غاية الأمر، أنّ القسم الأوّل تتعلّق الإرادة فيه بالمقدّمة فقط، وهنا بالمقدّمة مع ذيلها. فلا يصحّ قولهم إنّه لا توجد الإرادة في الأوامر الاختبارية.

وثانياً: الظاهر أنّ المستدل تصور أنّ إرادة الآمر تتعلّق بفعل الغير، أي المأمور، فلأجل ذلك حكم بأنّه لا إرادة متعلّقة بفعل الغير في الأوامر الامتحانية، ويستنتج أنّ فيها شيئاً غير الإرادة، ربما يسمّى بالطلب (في مقابل الإرادة) عندهم أو بالكلام النفسي، ولكن الحقّ غير ذلك، فإنّ إرادة الآمر لا تتعلّق بفعل الغير مطلقاً، لأنّ فعله خارج عن إطار اختيار الأمر، وما هو كذلك لا يقع متعلّقاً للإرادة، فلأجل ذلك ما اشتهر من «تعلّق إرادة الآمر والناهي بفعل المأمور به» كلام صوري، إذ هي لا تتعلّق إلاّ بالفعل الاختياري، وليس فعل الغير من أفعال الأمر الاختيارية، فلا محيص من القول بأنّ إرادة الآمر متعلّقة بفعل نفسه وهو الأمر والنهي.


صفحه 19

وإن شئت قلت: إنشاء البعث إلى الفعل أو الزجر عنه، والكلّ واقع في إطار اختيار الآمر ويعدّان من أفعاله الاختيارية.

نعم، الغاية من البعث والزجر هي انبعاث المأمور إلى ما بعث إليه، أو انتهاؤه عمّا زجر عنه، لعلم المكلّف المأمور بأنّ في التخلّف مضاعفات دنيوية أو أُخروية.

وعلى ذلك يكون تعلّق إرادة الآمر في الأوامر الجدية والاختيارية على وزان واحد، وهو تعلّق إرادته ببعث المأمور وزجره، لا فعل المأمور ولا انزجاره، فإنّه غاية للآمر لا مراد له، فالقائل خلط بين متعلّق الإرادة، وما هو غاية الأمر والنهي.

وباختصار: إنّ فعل الغير لمّا كان خارجاً عن اختيار الآمر لا تتعلّق به الإرادة.

وربما يبدو في الذهن أن يعترض على ما ذكرنا بأنّ الآمر إذا كان إنساناً لا تتعلّق إرادته بفعل الغير لخروجه عن اختياره، وأمّا الواجب سبحانه فهو آمر قاهر، وإرادته نافذة في كلّ شيء: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِوَالأَرْض إِلاّ آتي الرَّحْمن عَبْداً).(1)

ولكن الإجابة عن هذا الاعتراض واضحة، فإنّ المقصود من الإرادة هنا هو الإرادة التشريعية، وأمّا الإرادة التكوينية القاهرة على العباد المخرجة لهم عن وصف الاختيار، الجاعلة لهم كآلة بلا إرادة، فهي خارجة عن مورد


1 . مريم:93.


صفحه 20

البحث، قال سبحانه: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً) (1)، فهذه الآية تعرب عن عدم تعلّق مشيئته سبحانه بإيمان من في الأرض، ولكن من جانب آخر تعلّقت مشيئته بإيمان كلّ مكلّف واع، قال سبحانه: (وَاللّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبيلَ)(2)، فقوله«الحق» عام، كما أنّ هدايته السبيل عامة مثله لكلّ الناس.

وقال سبحانه: (يُريدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مَنْ قَبْلِكُمْ)(3)، إلى غير ذلك من الآيات الناصّة على عموم هدايته التشريعية.

الثالث: إنّ العصاة والكفّار مكلّفون بما كلّف به أهل الطاعة والإيمان بنصّ القرآن الكريم، والتكليف عليهم لا يكون ناشئاً من إرادة الله سبحانه وإلاّ لزم تفكيك إرادته عن مراده، ولابدّ أن يكون هناك منشأ آخر للتكليف وهو الذي نسمّيه بالكلام النفسي تارة، وبالطلب أُخرى. فيستنتج من ذلك أنّه يوجد في الإنشاء شيء غير الإرادة.

وقد أجابت عنه المعتزلة بأنّ إرادته سبحانه لو تعلّقت بفعل نفسه فلا تنفك عن المراد، وأمّا إذا تعلّقت بفعل الغير فبما أنّها تعلّقت بالفعل الاختياري الصادر من العبد عن حرية واختيار، فلا محالة يكون الفعل مسبوقاً باختيار العبد، فإن أراد واختار العبد يتحقّق الفعل، وإن لم يرد فلا يتحقّق.


1 . يونس:99.

2 . الأحزاب:4.

3 . النساء:26.


صفحه 21

والأولى في الجواب أن يقول: إنّ المستدل خلط بين الإرادة التكوينية المتعلّقة بالإيجاد مباشرة أو تسبيباً، فإنّ إرادته في ذلك المجال لا تنفك عن المراد، قال سبحانه (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(1)، وبين الإرادة التشريعية المتجلّية بصورة التقنين في القرآن والحديث فإنّها تتعلّق بنفس إنشائه وبعثه، وجعله الداعي للانبعاث والانزجار، والمراد فيها (الإنشاء والبعث) غير متخلّف عن الإرادة، وأمّا فعل الغير، أي انبعاث العبد وانتهاؤه فهو من غايات الإرادة التقنينية لا من متعلّقاتها، فتخلّفهما عن الإرادة التقنينية لا يكون نقضاً للقاعدة، أي امتناع تخلف مراده سبحانه عن إرادته، لما عرفت من أنّ فعل الغير ليس متعلّقاً لإرادته في ذلك المجال.

الرابع: ما ذكره «الفضل بن روزبهان» من أنّ كلّ عاقل يعلم أنّ المتكلّم من قامت به صفة التكلّم، ولو كان معنى كونه سبحانه متكلّماً هو خلقه الكلام فلا يقال لخالق الكلام متكلّم، كما لا يقال لخالق الذوق إنّه ذائق.(2)

يلاحظ عليه: أنّ قيام المبدأ بالفاعل ليس قسماً واحداً وهو القسم الحلولي، بل له أقسام، فإنّ القيام منه ما هو صدوري كالقتل والضرب في القاتل والضارب، ومنه حلولي كالعلم والقدرة في العالم والقادر، والتكلّم كالضرب ليس من المبادئ الحلولية في الفاعل، بل من المبادئ الصدورية، فلأجل أنّه سبحانه موجد الكلام يطلق عليه أنّه متكلّم وِزانَ إطلاق الرزّاق عليه سبحانه. بل ربما يصحّ الإطلاق وإن لم يكن المبدأ قائماً بالفاعل أبداً لا


1 . يس:82.

2 . دلائل الصدق:1/147، طبعة النجف الأشرف.


صفحه 22

صدورياً ولا حلولياً، بل يكفي نوع ملابسة بالمبدأ، كالتمّار واللبان لبائع التمر واللبن، وأمّا عدم إطلاق الذائق على خالق الذوق فلأجل أنّ صدق المشتقات بإحدى أنواع القيام ليس قياسياً حتى يطلق عليه سبحانه الذائق والشام بسبب إيجاده الذوق والشم، وربما احترز الإلهيون عن توصيفه بهما لأجل الابتعاد عمّا يوهم التجسيم ولوازمه.

الخامس: أنّ لفظ الكلام كما يطلق على الكلام اللفظي، يطلق على الموجود في النفس. قال سبحانه: (وأَسِرُّوا قَولَكُمْ أوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ).(1)

يلاحظ عليه: أنّ إطلاق«القول» على الموجود في الضمير من باب العناية والمشاكلة، فإنّ «القول» من التقوّل باللسان، فلا يطلق على الموجود في الذهن الذي لا واقعية له، إلاّ الصورة العلمية، إلاّ من باب العناية.


1 . الملك:13.


صفحه 23

حصيلة البحث

إنّ الأشاعرة زعموا أنّ في ذهن المتكلّم في الجملة الخبرية والإنشائية وراء التصورات والتصديقات في الأُولى، ووراء الإرادة والكراهة في الثانية، شيئاً يسمّونه بالكلام النفسي، وربما خصّوا لفظ «الطلب» بالكلام النفسي في القسم الإنشائي; وبذلك صحّحوا كونه سبحانه متكلماً، ككونه عالماً وقادراً، وأنّ الكلّ من الصفات الذاتية.

ولكن البحث والتحليل ـ كما مرّ عليك ـ أوقفنا على خلاف ما ذهبوا إليه، لما عرفت من أنّه ليس وراء العلم في الجمل الخبرية، ولا وراء الإرادة والكراهة في الجمل الإنشائية، شيء نسمّيه كلاماً نفسياً، كما عرفت أنّ الطلب أيضاً هو نفس الإرادة.

وبذلك نقف على أنّ ما يقوله المحقّق الطوسي من أنّ «النفسانية غير معقولة»(1) أمر متين لا غبار عليه.

إلى هنا تمّ بيان النظريات الثلاث للمعتزلة والحكماء والأشاعرة.

وبه تمّ الكلام في المقام الأوّل. وحان أوان البحث في المقام الثاني وهوحدوث كلامه أو قدمه.


1 . كشف المراد: 178، ط صيدا.


صفحه 24

كلام الله غير مخلوق أو قديم

لقد شاع في أواخر القرن الثاني، كون كلام الله غير مخلوق وقد اعتنقه أهل الحديث وفي مقدمهم إمام الحنابلة، وتحمل في طريق عقيدته هذه ألوان التعذيب، وقد اعتنقوا هذه الفكرة مع الاعتراف بأنّه لم يرد فيها نصّ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا جاء من الصحابة فيها كلام.

وقد تسربت تلك العقيدة مثل القول بالتشبيه والتجسيم إلى المسلمين من اليهودية والنصرانية، حيث قال اليهود بقدم التوراة(1) والنصرانية بقدم الكلمة (المسيح).

يقول أبو زهرة: كثر القول حول القرآن الكريم في كونه مخلوقاً أو غير مخلوق، وقد عمل على إثارة هذه المسألة، النصارى الذين كانوا في حاشية البيت الأموي وعلى رأسهم يوحنا الدمشقي، الذ ي كان يبث بين علماء النصارى في البلاد الإسلامية طرق المناظرات التي تشكّك المسلمين في دينهم، وينشر بين المسلمين الأكاذيب عن نبيّهم، مثل زعمه عشق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لزينب بنت جحش، فقد جاء في القرآن أنّ عيسى بن مريم كلمته ألقاها إلى مريم، فكان يبث بين المسلمين أنّ كلمة الله قديمة، فيسألهم أكلمته قديمة أم لا؟ فإن قالوا: لا...فقد قالوا: إنّ كلامه مخلوق(2)، وإن قالوا:


1 . اليهودية: ص 222 تأليف أحمد شلبي كما في بحوث مع السلفيين: 153.

2 . يراد أنّه مختلق و مزور.


صفحه 25

قديمة... ادّعى أنّ عيسى قديم.(1)

وعلى ذلك وجد من قال إنّ القرآن مخلوق، ليرد كيد هؤلاء، فقال ذلك الجعد بن درهم، وقاله الجهم بن صفوان، وقالته المعتزلة واعتنق ذلك الرأي المأمون.

وقد أعلن في سنة 212، أنّ المذهب الحقّ هو أنّ القرآن مخلوق، وأخذ يدعو لذلك في مجلس مناظراته، وأدلى في ذلك بما يراه حججاً قاطعة في هذا الموضوع، وقد ترك المناقشة حرة، والناس أحراراً فيما يقولون.

ولكن في سنة 218 وهي السنة التي توفّي فيها، بدا له أن يدعو الناس بقوة السلطان إلى اعتناق هذه الفكرة، ومن الغريب أنّه ابتدأ بهذا وهو خارج بغداد، وقد خرج مجاهداً فكتب هذه الكتب وهو بمدينة الرقة، وأخذ يرسل الكتب لحمل الناس على اعتناق عقيدة أنّ القرآن مخلوق، إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم، وقد جاء في بعض كتبه:وأعلمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيمن قلده واستحفظه من أُمور رعيته بمن لا يوثق بدينه، وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة، فمرهم بنصّ من يحضرهم


1 . «ولا شكّ أنّ ذلك تلبيس، لأنّ معنى كلمة الله، أنّ الله خلقه بكلمة منه، كما نصّ على ذلك في آيات أُخرى، لا أنّه هو ذات كلمة الله». هذا ما أفاده أبو زهرة في تعليقته على كتابه. والحقّ أنّ المسيح كلمة الله نفسها، وليس المسيح وحده كذلك، بل الموجودات الإمكانية كلّها كلامه تعالى. قال سبحانه: (وَلو أنّ ما فِي الأَرض مِنْ شَجَرة أَقلام وَالبَحر يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَة أَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلمات الله) (لقمان:27).


صفحه 26

من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر بأنّه مخلوق محدث.(1)

وقد سارع نائبه ببغداد إلى تنفيذ ما أمر به، لكنّه تجاوز الحدّ السلبي إلى الحدّ الإيجابي فأحضر المحدثين والفقهاء فسألهم عن عقيدتهم حول القرآن، وأعلن الكلّ عن اعتناق ما كتبه المأمون سوى أربعة، فأصرّوا على عدم كون القرآن مخلوقاً وهم:«أحمد بن حنبل»، و«محمد بن نوح»، و«القواريري»، و«سجادة» فشدوا بالوثاق. لكن الكلّ رجعوا عن عقيدتهم إلاّ اثنان وهما: ابن نوح وأحمد بن حنبل، فسيقا إلى طرطوس ليلتقيا بالمأمون، ومات الأوّل في الطريق، وبقي أحمد، وبينا هم في الطريق مات المأمون وترك وصية بها من بعده أن يؤخذ بسيرته في خلق القرآن، وقد تولى الحكم المعتصم ثمّ الواثق فكانا على سيرة المأمون في مسألة خلق القرآن.(2)

ولمّا تولّى المتوكّل الحكم انقلب الأمر وصارت الظروف مناسبة لصالح المحدثين، وفي هذا الجو أعلن إمام الحنابلة عقيدته في القرآن بالقول بعدم كونه مخلوقاً.

وقال محقّق كتاب«الأُصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار: الحديث في القرآن وكلام الله من أهمّ المشاكل التي عرضت لمفكري الإسلام. وقد أثارت ضجة كبيرة في صفوف العلماء والعامة، وارتبطت بها محنة كبيرة تعرف بمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وكان شعار النظريتين المتنازعتين «هل


1 . تاريخ الطبري: 7/196، والرسالة مبسوطة.

2 . تاريخ المذاهب الإسلامية: 294ـ 296 بتلخيص.


صفحه 27

القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟». فتزعم المعتزلة جهة المنادين بخلق القرآن واستجلبوا لصفهم خليفة من أعظم الخلفاء وهو المأمون، ووزيراً من أعظم وزراء بني العباس هو أحمد بن أبي دؤاد، وذهب ضحية الخلاف كثيرون، وثبت القائلون بأنّه غير مخلوق على رأيهم وليس لهم من أُمور الحكم بشيء. وتراجع القائلون بخلق القرآن تحت ضغط الناس، وخرج أحمد بن حنبل من المحنة ظافراً يضرب به المثل في الثبات على العقيدة، كما سجل المعتزلة بموقفهم ومحاولتهم أخذ الناس بالعنف على القول برأيهم أسوأ مثال على التدخل في الحرية الفكرية، مع أنّهم روّادها الأوائل.(1)

أقول: وليس هذا أوّل قارورة كسرت في الإسلام، وكم في تاريخ خلفاء الإسلام من ضغط وعنف وتدخل في الحرية الفكرية!!

هؤلاء هم شيعة أهل البيت عاشوا قروناً بين إخوانهم المسلمين تحت ستار التقية خوفاً على نفوسهم ودمائهم وأموالهم.

وعلى أي تقدير فقد قال المحقّق المزبور: إنّ أوّل من تفوّه بقدم القرآن هو عبد الله بن كلاب، لأنّ السلف كانوا يتحرجون من وصف القرآن بأنّه قديم و قالوا فقط غير مخلوق، لكن المعتزلة زادوا بأنّ كلام الله مخلوق محدث، وميز الأشعري متابعاً لابن كلاب بين الكلام النفسي الأزلي القديم، والكلام المتعلّق بالأمر والنهي والخبر وهو حادث.(2)

وأمّا ابن تيمية ففرّق بين كونه غير مخلوق وكونه قديماً وقال: وكما لم


1 . الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 527.

2 . الأُصول الخمسة: 528.


صفحه 28

يقل أحد من السلف إنّه (أي كلام الله) مخلوق، لم يقل أحد منهم إنّه قديم، ولم يقل واحداً من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمّة الأربعة ولا غيرهم... وأوّل من عرف أنّه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب.(1)

والظاهر الواضح أنّ القول بأنّ السلف القائلين بعدم خلق القرآن، لا يقولون بقدم القرآن، والتفريق بين عدم الخلق والقدم لا يعدو عن أن يكون كذباً وغير صحيح.

فأوّلاً: إنّ ابن الجوزي يصرّح بأنّ الأئمّة المعتمد عليهم قالوا إنّ القرآن كلام الله قديم.(2)

وثانياً: إنّ معنى كون شيء غير مخلوق هو أنّه قديم، إذ لو فرض كونه غير قديم مع كونه غير مخلوق ، فلابدّ و أن يكون قد حدث ووجد من العدم بنفسه، وهو واضح البطلان، قال سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء) (3).(4)

ولأجل إيضاح الحال نأتي بما جاء به أحمد بن حنبل وأبو الحسن الأشعري في ذلك المجال.

قال أحمد بن حنبل: والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله عزّوجلّ


1 . مجموعة الرسائل: 3 / 20.

2 . المنتظم في ترجمة الأشعري: 6 / 332.

3 . الطور: 35.

4 . بحوث مع أهل السنّة والسلفية: 158.


صفحه 29

ووقف، ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل. ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهمي، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم.

وكلّم الله موسى تكليماً، من الله، سمع موسى يقيناً، وناوله التوراة من يده، ولم يزل الله متكلماً عالماً، تبارك الله أحسن الخالقين.(1)

وقال أبو الحسن الأشعري: ونقول إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر.(2)

وقد نقل عن إمام الحنابلة أنّه قيل له: هاهنا قوم يقولون: القرآن لا مخلوق ولا غير مخلوق. فقال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم فإن لم تقولوا: ليس بمخلوق فقولوا مخلوق. فقال أحمد: هؤلاء قوم سوء، فقيل له: ما تقول؟ قال: الذي اعتقد وأذهب إليه ولا أشك فيه أنّ القرآن غير مخلوق. ثمّ قال: سبحان الله، ومن شكّ في هذا؟(3)

هذا ما لدى المحدثين والحنابلة والأشاعرة. وأمّا المعتزلة: فيقول القاضي عبد الجبار: أمّا مذهبنا في ذلك: أنّ القرآن كلام الله تعالى ووحيه وهو مخلوق حدث، أنزله الله على نبيّه ليكون علماً ودالاً على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام، لنرجع إليه في الحلال والحرام واستوجب منّا بذلك الحمد والشكر، وإذاً هو الذي نسمعه اليوم و نتلوه، وإن لم يكن محدثاً من


1 . كتاب السنة: 49.

2 . الإبانة: 21. ولاحظ مقالات الإسلاميين: 321.

3 . الإبانة: 69، وقد ذكر في: ص 76 أسماء المحدثين القائلين بأنّ القرآن غير مخلوق.


صفحه 30

جهة الله تعالى فهو مضاف إليه على الحقيقة، كما يضاف ما ننشده اليوم من قصيدة امرئ القيس على الحقيقة، وإن لم يكن امرؤ القيس محدثاً لها الآن.(1)

وقبل الخوض في تحليل المسألة نقدّم أُموراً:

1. إذا كانت مسألة خلق القرآن أو قدمه بمثابة أوجدت طائفتين يكفّر كلّ منهما عقيدة الآخر، فإمام الحنابلة يقول: إنّ من زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر. وقالت المعتزلة: إنّ القول بكون القرآن غير مخلوق أو قديم، شرك بالله سبحانه، فيجب تحليلها على ضوء العقل والكتاب والسنة بعيداً عن كلّ هياج ولغط. وممّا لا شكّ فيه أنّ المسألة قد طرحت في أجواء خاصة، عزّ فيها التفاهم وساد عليها التناكر، وإلاّ فلا معنى لمسلم يؤمن بالله ورسوله، وكتابه وسنته، التنازع في أمر تزعم إحدى الطائفتين أنّه ملاك الكفر وأنّ التوحيد في خلافه، وتزعم الطائفة الأُخرى عكس ذلك.

ولو كانت مسألة خلق القرآن بهذه المثابة لكان على الوحي، التصريح بأحد القولين، ورفع الستار عن وجه الحقيقة، مع أنّا نرى أنّه ليس في الشريعة الإسلامية نصّ في المسألة، وإنّما طرحت في أوائل القرن الثاني. نعم، استدلت الأشاعرة ببعض الآيات، غير أنّ دلالتها خفية، لا يقف عليها ـ على فرض الدلالة ـ إلاّ الأوحدي. وما يعد ملاك التوحيد والشرك يجب أن يرد فيه نصّ لا يقبل التأويل، ويقف عليه كلّ حاضر وباد...


1 . شرح الأُصول الخمسة: 258.


صفحه 31

2. قد عرفت أنّ بعض السلف كانوا يتحرّجون من وصف القرآن بأنّه قديم، وقالوا فقط إنّه غير مخلوق. ثمّ إنّ القائلين بهذا القول تدرّجوا فيه ووصفوا كلام الله بأنه قديم، ومن المعلوم أنّ توصيف شيء بأنّه غير مخلوق أو قديم ممّا لا يتجرّأ عليه العارف، لأنّ هذين الوصفين من خصائص ذاته سبحانه، فلو كان كلامه سبحانه غير ذاته فكيف يمكن أن يتصف بكونه غير مخلوق، أو كونه قديماً. ولو فرضنا صحّة تلك العقيدة التي لا ينالها إلاّ الأوحدي في علم الكلام، فكيف يمكن أن تكون هذه المسألة الغامضة ممّا يجب الاعتقاد به على كلّ مسلم، مع أنّ الإنسان البسيط بل الفاضل لا يقدر أن يحلل ويدرك كون شيء غير الله سبحانه، وفي الوقت نفسه غير مخلوق.

إنّ سهولة العقيدة ويسر التكليف من سمات الشريعة الإسلامية وبهما تفارق سائر المذاهب السائدة على العالم، مع أنّ تصديق كون كلامه تعالى ـ و هو غير ذاته ـ غير مخلوق أو قديم، شيء يعسر فهمه على الخاصة، فكيف على العامة.

3. إنّ الظاهر من أهل الحديث هو قدم القرآن المقروء، الأمر الذي تنكره البداهة والعقل ونفس القرآن. وقد صارت تلك العقيدة بمنزلة من البطلان حتى تحامل عليها الشيخ محمد عبده إذ قال: «والقائل بقدم القرآن المقروء أشنع حالاً وأضلّ اعتقاداً عن كلّ ملّة جاء القرآن نفسه بتضليلها والدعوة إلى مخالفتها».(1)


1 . رسالة التوحيد، الطبعة الأُولى وقد حذف نحو صفحة من الرسالة في الطبعات اللاحقة لاحظ: ص 49 من طبعة مكتبة الثقافة العربية.


صفحه 32

ولمّا رأى ابن تيمية الذي يظن نفسه مروّجاً لعقيدة أهل الحديث، أنّها عقيدة تافهة، صرح بحدوث القرآن المقروء وحدوث قوله تعالى: (يا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ) و (يا أَيُّهَا المُدَّثِّر)وقوله: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتي تُجادِلُكَ في زَوْجِها)... إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على حدوث النداء والسمع من حينه لا من الأزل.(1)

والعجب أنّه استدلّ بدليل المعتزلة على حدوث القرآن المقروء، وقال : إنّ ترتيب حروف الكلمات والجمل يستلزم الحدوث آنَ تحقُّقِ كلمة «بسم الله»، يتوقف على حدوث الباء وانعدامها، ثمّ حدوث السين كذلك إلى آخر الكلمة، فالحدوث والانعدام ذاتي لمفردات الحروف لا ينفك عنها، وذلك حتى يمكن أن توجد كلمة، فإذاً كيف يمكن أن يكون مثل هذا قديماً أزلياً مع الله تعالى؟!

4. لمّا كانت فكرة عدم خلق القرآن أو القول بقدمه شعار أهل الحديث وسمتهم، ومن جانب آخر كان القول بقدم القرآن المقروء والملفوظ شيئاً لا يقبله العقل السليم، جاءت الأشاعرة بنظرية جديدة أصلحوا بها القول بعدم خلق القرآن وقدمه، والتجأوا إلى أنّ المراد من كلام الله ليس هو القرآن المقروء بل الكلام النفسي، وقد عرفت مدى صحّة القول بالكلام النفسي. وليس هذا أوّل مورد تقوم الأشاعرة فيه بإصلاح عقيدة أهل الحديث بشكل يقبله العقل، وعلى كلّ تقدير فالقول بقدم الكلام النفسي ليس بمنزلة القول بقدم القرآن المقروء.


1 . مجموعة الرسائل الكبرى: 3/97.


صفحه 33

5. كيف يكون القول بخلق القرآن وحدوثه ملاكاً للكفر مع أنّه سبحانه يصفه بأنّه محدث أي أمر جديد. قال سبحانه: (اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ* ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحَدَث إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون)(1). والمراد من الذكر هو القرآن الكريم لقوله سبحانه: (إِنّا نَحْنُ نَزّلْنا الذِّكْر وَإِنّا لَهُ لَحافِظُون)(2). وقال سبحانه: (وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لَكَ وَلِقَومِك) .(3)

والمراد من «محدث» هو الجديد، وهو وصف للذكر، ومعنى كونه جديداً أنّه أتاهم بعد الإنجيل. كما أنّ الإنجيل جديد لأنّه أتاهم بعد التوراة. وكذلك بعض سور القرآن وآياته «ذكرجديد» أتاهم بعد بعض. وليس المراد كونه محدثاً من حيث نزوله، بل المراد كونه محدثاً بذاته بشهادة أنّه وصف لـ «ذكر» فالذكر ـ بذاته وشؤونه ـ محدث، فلا معنى لإرجاع الوصف إلى النزول، بعد كونه محدثاً بالذات.

وكيف يمكن القول بقدم القرآن مع أنّه سبحانه يقول في حقّه: (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبنَّ بِالَّذي أَوحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكيلاً)(4). فهل يصحّ توصيف القديم بالإذهاب والإعدام؟

6. العجب أنّ محط النزاع لم يحدد بشكل واضح يقدر الإنسان معه على القضاء فيه، فهاهنا احتمالات نطرحها على بساط البحث


1 . الأنبياء:1ـ2.

2 . الحجر:9.

3 . الزخرف:44.

4 . الإسراء:86.


صفحه 34

ونطلب حكمها من العقل والقرآن:

أ. الألفاظ والجمل الفصيحة البليغة التي عجز الإنسان في جميع القرون عن الإتيان بمثلها، وقد جاء بها أمين الوحي إلى النبي الأكرم وقرأها الرسول فتلقتها الأسماع وحرّرتها الأقلام على الصحف المطهرة.

ب. المعاني السامية والمفاهيم الرفيعة في مجالات التكوين والتشريع والحوادث والأخلاق والأدب أو غيرها.

ج. ذاته سبحانه وصفاته من العلم والقدرة والحياة التي بحث عنها القرآن وأشار إليها بألفاظه وجمله.

د. علمه سبحانه بكلّ ما ورد في القرآن الكريم.

هـ . الكلام النفسي القائم بذاته.

و. كون القرآن ليس مخلوقاً للبشر «وما هو قول البشر».

وهذه المحتملات لا تختص بالقرآن الكريم بل تطَّرد في جميع الصحف السماوية النازلة إلى أنبيائه ورسله، وإليك بيان حكمها من حيث الحدوث والقدم:

أمّا الأوّل: فلا أظن إنساناً يملك شيئاً من الدرك والعقل يعتقد بكونه غير مخلوق أو كونه قديماً، كيف وهو شيء من الأشياء، وموجود من الموجودات، ممكن غير واجب. فإذا كان غير مخلوق وجب أن يكون واجباً بالذات، وهو نفس الشرك بالله سبحانه. حتى لو فرض أنّه سبحانه


صفحه 35

تكلم بهذه الألفاظ والجمل، فلا يخرج تكلمه عن كونه فعله، فهل يمكن أن يقال إنّ فعله غير مخلوق أو قديم؟

وأمّا الثاني: فهو قريب من الأوّل في البداهة، فإنّ القرآن يشتمل ـ و كذا سائر الصحف ـ على الحوادث المحقّقة في زمن النبي من محاجّة أهل الكتاب والمشركين وما جرى في غزواته وحروبه من الحوادث المؤلمة أوالمسرّة، فهل يمكن أن نقول بأنّ الحادثة التي يحكيها قوله سبحانه: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَول الَّتي تُجادِلُكَ في زَوجِها وَتَشْتَكي إِلَى اللّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحاوُركُما إِنَّ اللّهَ سَميعٌ بَصيرٌ)(1)، قديمة؟

وقد أخبر الله تبارك و تعالى في القرآن والصحف السماوية عمّا جرى على أنبيائه من الحوادث، وما جرى على سائر الأُمم من ألوان العذاب، كما أخبر عمّا جرى في التكوين من الخلق والتدبير، فهذه الحقائق واردة في القرآن الكريم، حادثة بلا شك لا قديمة.

وأمّا الثالث: فلا شكّ أنّ ذاته وصفاته من العلم والقدرة والحياة وكلّ ما يرجع إليها كشهادته أنّه لاإله إلاّ هو، قديم بلا إشكال، وليس بمخلوق بالبداهة، ولكنّه لا يختصّ بالقرآن، بل كلّما يتكلّم به البشر ويشير به إلى هذه الحقائق. فحقائقه المشار إليها بالألفاظ والأصوات قديمة، وفي الوقت نفسه ما يشير به من الكلام والجمل، حادث.

وأمّا الرابع: أي علمه سبحانه بما جاء في هذه الكتب وما ليس فيها ـ


1 . المجادلة:1.


صفحه 36

فلا شكّ أنّه قديم بنفس ذاته، ولم يقل أحد من المتكلّمين الإلهيين ـ إلاّ من شذّ من الكرامية ـ بحدوث علمه.

وأمّا الخامس: أعني كونه سبحانه متكلماً بكلام قديم أزلي نفساني ليس بحروف ولا أصوات، مغاير للعلم والإرادة ـ فقد عرفت أنّ ما أسماه الشيخ الأشعري بكلام نفسي لا يخرج عن إطار العلم والإرادة، ولا شكّ أنّ علمه وإرادته البسيطة قديمان.

وأمّا السّادس: أعني كون الهدف من نفي كونه غير مخلوق القرآن غير مخلوق للبشر، وفي الوقت نفسه هو مخلوق لله سبحانه، فهذا أمر لا ينكره مسلم، فإنّ القرآن مخلوق لله سبحانه، والناس بأجمعهم لا يقدرون على مثله قال سبحانه: (قُلْ لَئِنِ اجَتَمَعتِ الإِنْس وَالجِنّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهيراً).(1)

وقد نقل سبحانه عن بعض المشركين الألداء أنّ القرآن قول البشر وقال: (فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَر* إنْ هذا إِلاّ قَولُ الْبَشَر) ـ ثمّ أوعده بقوله: ـ (سَأُصليه سَقَر* وَما أَدْراكَ ما سَقَر* لا تُبْقي ولا تَذرَ).(2)

وهذا التحليل يعرب عن أنّ المسألة كانت مطروحة في أجواء مشوّشة اختلط فيها الحابل بالنابل، ولم يكن محط البحث محرراً على وجه الوضوح حتى يعرف المثبت عن المنفي، ويمخّض الحقّ من الباطل، ومع هذا التشويش في تحرير محل النزاع، نرى أهل الحديث والأشاعرة يستدلّون


1 . الإسراء: 88 .

2 . المدثّر: 24 ـ 28.


صفحه 37

بآيات وغيرها على قدم كلامه، وكونه غير مخلوق، وإليك هذه الأدلة واحداً بعد واحد:

أدلّة الأشاعرة على كون القرآن غير مخلوق

استدلّ الأشعري على قدم القرآن بوجوه:

الأوّل: قوله سبحانه: (إِنَّما قُولُنا لِشيء إِذا أرْدناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون).(1)

قال الأشعري: وممّا يدلّ من كتاب الله على أنّ كلامه غير مخلوق قوله عزّوجلّ: (إِنَّما قُولُنا لِشيء إِذا أَرْدناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون). فلوكان القرآن مخلوقاً لوجب أن يكن مقولاً له: «كن فيكون». ولو كان الله عزّوجلّ قائلاً للقول «كن» لكان القول قولاً، وهذا يوجب أحد أمرين:

إمّا أن يؤول الأمر إلى أنّ قول الله غير مخلوق.

أو يكون كلّ قول واقعاً بقول لا إلى غاية، وذلك محال، وإذا استحال ذلك، صحّ وثبت أنّ لله عزّ وجلّ قولاً غير مخلوق.(2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاستدلال مبني على كون الأمر بالكون في الآية ونظائرها أمراً لفظياً مؤلّفاً من الحروف والأصوات، وأنّه سبحانه كالسلطان الآمر، فكما أنّه يتوسل عند أمر وزرائه وأعوانه باللفظ فهكذا سبحانه يتوسل


1 . النحل:40 .

2 . الإبانة: 52 ـ 53.


صفحه 38

عند خلق السماوات والأرض باللفظ والقول، فيخاطب المعدوم المطلق بلفظة «كن».

ولا شكّ أنّ هذا الاحتمال باطل جدّاً، إذ لا معنى لخطاب المعدوم. وما يقال في تصحيحه بأنّ المعدوم معلوم لله تعالى ـ فهو يعلم الشيء قبل وجوده، وأنّه سيوجد في وقت كذا ـ غير مفيد، لأنّ العلم بالشيء لا يصحح الخطاب الجدي، وإنّما المراد من الأمر في الآية كما فهمه جمهور المسلمين، هو الأمر التكويني المعبر به عن تعلّق الإرادة القطعية بإيجاد الشيء، والمقصود من الآية: إنّ تعلّق إرادته سبحانه بشيء يستعقب وجوده، ولا يأبى عنه الشيء، وأنّ ما قضاه من الأُمور وأراد كونه، فإنّه يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء. وبذلك تقف على الفرق بين الأمر التكليفي التشريعي الوارد في الكتاب والسنّة، والأمر التكويني، فالأوّل يخاطب به الإنسان العاقل القابل للتكليف ولا يخاطب به غيره فضلاً عن المعدوم، وهذا بخلاف الأمر التكويني فإنّه رمز إلى تعلّق الإرادة القطعية بإيجاد المعدوم.

وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يفسر الأمر التكويني بقوله: «يقول لمن أراد كونه، كن، فيكون لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه، أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».(1)


1 . نهج البلاغة: الخطبة 186.


صفحه 39

وثانياً: نحن نختار الشق الثاني، ولا يلزم التسلسل، ونلتزم بأنّ هنا قولاً سابقاً على القرآن هو غير مخلوق، أوجد به سبحانه مجموع القرآن وأحدثه، حتّى كلمة «كن» الواردة في تلك الآية ونظائرها، فتكون النتيجة حدوث القرآن وجميع الكتب السماوية وجميع كلمه وكلامه إلاّ قولاً واحداً سابقاً على الجميع، فينقطع التسلسل بالالتزام بعدم مخلوقية لفظ واحد، فتدبر.

وثالثاً: كيف يمكن أن تكون كلمة «كن» الواردة في الآية وأمثالها قديمة، مع أنّها إخبار عن المستقبل فتكون حادثة. يقول سبحانه مخبراً عن المستقبل: ( إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) و لأجل ذلك التجأ المتأخرون من الأشاعرة إلى أنّ لفظ «كن» حادث، والقديم هو المعنى الأزلي النفساني.(1)

***

الثاني: قوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَيَطْلُبُهُ حَثيثاً والشَّمْسَ وَالْقَمَرَوَالنُّجُومَ مُسَخَّرات بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ الْعالَمينَ).(2)

قال الأشعري: «فالخلق» جميع ما خلق داخل فيه، ولما قال «الأمر» ذكر


1 . دلائل الصدق حاكياً عن ابن روزبهان الأشعري: 1/153.

2 . الأعراف:54.


صفحه 40

أمراً غير جميع الخلق. فدلّ ما وصفناه على أنّ الله غير مخلوق. وأمّا أمر الله فهو كلامه.

وباختصار: انّه سبحانه أبان الأمر من الخلق، وأمر الله كلامه، وهذا يوجب أن يكون كلام الله غير مخلوق.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على أنّ «الأمر» في الآية بمعنى كلام الله، وهو غير ثابت، بل القرينة تدلّ على أنّ المراد منه غير ذلك، كيف وقد قال سبحانه في نفس الآية: (والنُّجُوم مُسَخَّرات بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الخَلْق وَالأَمْر)والمراد من اللفظين واحد، والأوّل قرينة على الثاني. وهدف الآية هو أنّ الخلق بمعنى الإيجاد وتدبير الموجد كلاهما من الله سبحانه، وليس شأنه سبحانه خلق العالم والأشياء ثمّ الانصراف عنها وتفويض تدبيره إلى غيره، حتّى يكون الخلق منه، والتدبير على وجه الاستقلال من غيره، بل الكلّ من جانبه سبحانه.

وباختصار: المراد من الخلق هو إيجاد ذوات الأشياء، والمراد من الأمر، النظام السائد عليها: فكأنّ الخلق يتعلّق بذواتها، والأمر بالأوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها. وتدلّ على ذلك بعض الآيات التي يذكر فيها «تدبير الأمر» بعد الخلق.

يقول سبحانه: (إِنَّ رَبّكُمُ الله الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِه).(2)


1 . الإبانة:51ـ 52.

2 . يونس: 3 .


صفحه 41

وقال تعالى: (اللّهُ الَّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَونها ثُمَّ اسْتَوى عَلى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) .(1)

فليس المراد من الأمر ما يقابل النهي، بل المراد الشؤون الراجعة إلى التكوين، فيكون المقصود إنّ الإيجاد أوّلاً، والتصرف والتدبير ثانياً، منه سبحانه، فهو الخالق المالك لا شريك له في الخلق والإيجاد، ولا في الإرادة والتدبير.

وفي الختام نضيف أنّه سبحانه يصف الروح بكونه من مقولة الأمر ويقول: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)(2) فهل الأشعري يسمح لمسلم أن يعتقد بكون الروح (بأيّ وجه فسر) المسؤول عنه في الآية غير مخلوق؟!

***

الثالث: قوله سبحانه:(إِنْ هذا إِلاّ قَولُ الْبَشَرِ). (3)

قال الأشعري: فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فقد جعله قولاً للبشر، وهذا ما أنكره الله على المشركين.(4)

يلاحظ عليه: أنّ من يقول بأنّ القرآن مخلوق لا يريد إلاّ كونه مخلوقاً لله سبحانه. فالله سبحانه خلقه وأوحى به إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونزّله عليه نجوماً


1 . الرعد: 2.

2 . الإسراء: 85 .

3 . المدثر: 25.

4 . الإبانة:56.


صفحه 42

في مدة ثلاث وعشرين سنة، وجعله فوق قدرة البشر، فلن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

نعم، كون القرآن مخلوقاً لله سبحانه لا ينافي أن يكون ما يقرأه الإنسان مخلوقاً له، لبداهة أنّ الحروف والأصوات التي ينطق بها الناس مخلوقة لهم، وهذا كمعلّقة امرئ القيس وغيرها، فأصلها مخلوق لنفس الشاعر، لكن المقروء مثال له، ومخلوق للقارئ.

والعجب أنّ الأشعري ومن قبله ومن بعده لم ينقّحوا موضع النزاع، فزعموا أنّه إذا قيل «القرآن مخلوق» فإنّما يراد منه كون القرآن مصنوعاً للبشر، مع أنّ الضرورة قاضية بخلافه، فكيف يمكن لمسلم يعتنق القرآن ويقرأ هتاف الباري سبحانه فيه:(نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالْحَقِّ)(1) أن يتفوّه بأنّ القرآن مخلوق للبشر. بل المسلمون جميعاً يقولون في القرآن نفس ما قاله سبحانه في حقّه، غير أنّ المقروء على ألسنتهم مخلوق لأنفسهم، فيكون مثال ما نزّله سبحانه مخلوقاً للإنسان. وكون المثال مخلوقاً ليس دليلاً على أنّ الممثَّل مخلوق لهم. والناس بأجمعهم عاجزون عن إيجاد مثل القرآن، ولكنّهم قادرون على إيجاد مثاله، فلاحظ وتدبّر.

وبذلك تقف على أنّ أكثر ما استدلّ به الأشعري في كتاب «الإبانة» غير تام من جهة الدلالة، ولا نطيل المقام بإيراده ونقده، وفيما ذكرنا كفاية.

بقيت هنا نكتة ننبه عليها وهي: أنّ المعروف من إمام الحنابلة أنّه ما


1 . آل عمران:3.


صفحه 43

كان يرى الخوض في المسائل التي لم يخض فيها السلف الصالح، لأنّه ما كان يرى علماً إلاّ علم السلف. فما يخوضون فيه يخوض فيه، وما لا يخوضون فيه من أُمور الدين يراه ابتداعاً يجب الإعراض عنه. وهذه مسألة لم يتكلم فيها السلف فلا يتكلّم فيها. والمبتدعون هم الذين يتكلمون، وعلى هذا ، كان عليه أن يسير وراءهم،وكان من واجبه حسب أُصوله، التوقّف وعدم النبس في هذا الموضوع ببنت شفة. نعم، نقل عنه ما يوافق التوقف ـ رغم ما نقلناه عنه من خلافه ـ وأنّه قال: من زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي، ومن زعم أنّه غير مخلوق فهو مبتدع.

ويرى المحقّقون أنّ إمام الحنابلة كان في أوليات حياته يرى البحث حول القرآن ـ بأنّه مخلوق أو غير مخلوق ـ بدعة، ولكنّه بعد ما زالت المحنة وطلب منه الخليفة العباسي المتوكل، المؤيد له، الإدلاء برأيه، اختار كون القرآن ليس بمخلوق. ومع ذلك لم يؤثر عنه أنّه قال إنّه قديم.(1)

موقف أهل البيت (عليهم السلام)

إنّ تاريخ البحث وما جرى على الفريقين من المحن، يشهد بأنّ التشدد فيه لم يكن بهدف إحقاق الحقّ وإزاحة الشكوك. بل استغلت كلّ طائفة تلك المسألة للتنكيل بخصومها. فلأجل ذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) منعوا أصحابهم عن الخوض في تلك المسألة، فقد سأل الريان بن الصلت، الإمام الرضا (عليه السلام) وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: «كلام الله لا


1 . تاريخ المذاهب الإسلامية: 300.


صفحه 44

تتجاوزوه ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوا».

وروى علي بن سالم، عن أبيه قال: سألت الصادق جعفر بن محمد فقلت له: يابن رسول الله ما تقول في القرآن؟ فقال: «هو كلام الله، وقول الله، وكتاب الله، ووحي الله، وتنزيله، وهو الكتاب العزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل حكيم حميد».

وحدّث سليمان بن جعفر الجعفري قال: «قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهم السلام): يابن رسول الله، ما تقول في القرآن؟ فقد اختلف فيه من قبلنا، فقال قوم: إنّه مخلوق، وقال قوم: إنّه غير مخلوق؟ فقال (عليه السلام): «أمّا إنّي لا أقول في ذلك ما يقولون، ولكنّي أقول إنّه كلام الله».

فإنّا نرى أنّ الإمام (عليه السلام) يبتعد عن الخوض في تلك المسألة لمّا رأى أنّ الخوض فيها ليس لصالح الإسلام، وأنّ الاكتفاء بأنّه كلام الله أحسم لمادة الخلاف. ولكنّهم(عليهم السلام)عندما أحسّوا بسلامة الموقف، وهدوء الأجواء أدلوا برأيهم في الموضوع، وصرّحوا بأنّ الخالق هو الله، وغيره مخلوق، والقرآن ليس نفسه سبحانه، وإلاّ يلزم اتحاد المنزل(بالكسر) والمنزل، فهو غيره، فيكون لا محالة مخلوقاً.

فقد روى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني قال: كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا(عليهم السلام)إلى بعض شيعته ببغداد: «بسم الله الرّحمن الرّحيم، عصمنا الله وإيّاك من الفتنة، فإن يفعل فقد أعظم بها نعمة، وإن لا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، ويتكلّف المجيب ما ليس


صفحه 45

عليه، وليس الخالق إلاّ الله عزّوجلّ، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين، جعلنا الله وإيّاك من الّذين يخشون ربّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون».(1)

في الروايات المروية إشارة إلى المحنة التي نقلها المؤرّخون، فقد كان أحمد بن أبي دؤاد في عصر المأمون كتب إلى الولاة في العواصم الإسلامية أن يختبروا الفقهاء والمحدّثين في مسألة خلق القرآن، وفرض عليهم أن يعاقبوا كلّ من لا يرى رأي المعتزلة في هذه المسألة. وجاء المعتصم والواثق فطبقا سيرته وسياسته مع خصوم المعتزلة، وبلغت المحنة أشدّها على المحدثين، وبقي أحمد بن حنبل ثمانية عشر شهراً تحت العذاب فلم يتراجع عن رأيه. ولماجاء المتوكل العباسي نصر مذهب الحنابلة وأقصى خصومهم، فعند ذلك أحس المحدّثون بالفرج، وأحاطت المحنة بأُولئك الذين كانوا بالأمس القريب يفرضون آراءهم بقوة السلطان.

فهل يمكن عدّ مثل هذا الجدال جدالاً إسلامياً، وقرآنياً، لمعرفة الحقيقة وتبيينها، أو أنّه كان وراءه شيء آخر؟! والله العالم بالحقائق وضمائر القلوب.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

25 رمضان 1429 هـ

4 / 7 / 1387 ش


1 . توحيد الصدوق، باب القرآن ما هو، الأحاديث: 2و 3و 4و 5.


صفحه 46

صفحه 47

المقصد الثّالث

في إثبات الصّانع تعالى

و

صفاته وآثاره


صفحه 48

صفحه 49

 

توضيح للمقصد

قال: المقصد الثّالث في إثبات الصانع تعالى وصفاته وآثاره، وفيه فصول.

أقول: إنّ هذا المقصد في إثبات الصانع ; أي في إثبات أنّ للعالم صانعاً واجب الوجود. والصّانع هو الفاعل بالعلم والإرادة. وقد غلب على صانع العالم وهو الواجب الوجود تعالى. وإنّما عدل منه إليه للإشارة إلى أنّه إنّما يمكن الاستدلال عليه تعالى من سبيل النظر في معلولاته الّتي هي مصنوعاته على طريقة الإنّ الّتي إنّما تفيد وجود العلّة من حيث هي علّة وصانع، لا من حيث ذاتها، دون الِلمّ الّذي هو الاستدلال من العلّة على المعلول، حيث لا علّة له تعالى لا لصيرورة المسألة حينئذ ضروريّة، إذ ما وجب وجوده ; فهو موجودٌ بالضّرورة. وذلك لأنّ المسألة ليست هي أنّ الواجب الوجود موجود، بل هي أنّ من الموجود ما هو واجب وجوده، وهي راجعة إلى أنّ لهذا العنوان فرداً ولهذا المفروض حقيقة.

و في بيان صفاته ممّا يجوز عليه ولا يجوز، بمعنى كونه تعالى مصداقاً لها لا بمعنى اتّصافه تعالى بها كما ستعلم.

وفي بيان آثاره; أي أفعاله ممّا يصحّ منه ولا يصحّ، بمعنى أنّ أي فعل يصحّ ويحسن منه تعالى، وأيّ فعل يقبح ولا يصحّ عليه. فهما معطوفان على إثبات الصّانع.

وفيه; أي في هذا المقصد فصول ثلاثة:


صفحه 50

 


صفحه 51

 

الفصل الأوّل

في اثبات وجوده تعالى (1)

قال: الأوّل: في وجوده الموجود إن كان واجباً فهو المطلوب، وإلاّ استلزمه لاستحالة الدّور والتّسلسل .

أقول: إنّ هذا الفصل (في وجوده;) أي في وجوده من حيث هو واجب الوجود لا من حيث هو صانع، لأنّ صانعيته تعالى ـ أعني: كونه فاعلاً بالاختيار ـ تثبت في الفصل الثّاني.

وأيضاً الطريقة الّتي اختارها في هذا المطلب إنّما يفيد وجوده تعالى من حيث هو واجب الوجود.


1 . لاحظ لمزيد الاطلاع: إلهيّات الشّفاء: 2 / 327 ـ 331 ; والمبدأ والمعاد لابن سينا: 34 ـ 38 ; ومعالم أُصول الدين لفخر الرّازي: 44 ـ 46 ; والمباحث المشرقية: 1 / 448 ـ 451 ; والنجاة في المنطق والإلهيات: 2 / 89 وما بعدها; وإرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 176 ـ 182 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 158 ـ 159 ; مفتاح الباب لابن المخدوم: 79 ـ 97 ; والنافع يوم الحشر في شرح باب الحادي عشر: 5 ـ 9 ; ورسالة اثبات الواجب القديمة والجديدة للمحقّق الدّواني (في ضمن كتاب سبع مسائل): 69 ـ 124 ; وجامع الأفكار وناقد الأنظار للنراقي: 1 / 60 ـ 141 ; والمبدأ والمعاد لصدر المتألهين: 107 ـ 166 ; والاسفار: 6 / 11 ـ 47 ; ومعارج الفهم في شرح النظم للعلاّمة الحلّي: 201 ـ 234 ; الغنية في أُصول الدين: 64 ـ 71 ; وأسئلة نجم الدين الكاتبي عن المعالم لفخر الدين الرّازي: 37 ـ 44 .


صفحه 52

 

مناهج العلماء في إثبات وجوده تعالى

اعلم: أنّ المناهج المشهورة في إثبات الواجب ثلاثة:

 

المنهج الأوّل

منهج جمهور المتكلميّن

وهو النظر في الموجود من حيث هو حادث على ما هو مذهبهم من أنّ علّة الافتقار إنّما هي الحدوث فقط أو الإمكان مع حدوث شطراً أو شرطاً فيحتاج كلّ حادث إلى مُحدِث، ويجب الانتهاء إلى محدث غير حادث دفعاً للدّور أو التسلسل.

وهذا المنهج قاصر عن إفادة المطلوب ـ أعني: إثبات واجب الوجود لذاته ـ لجواز أن يكون ذلك المُحدِث الغير الحادث ممكناً قديماً فلا يفتقر إلى علّة، فينقطع التسلسل على هذا التقدير ولا يثبت واجب الوجود لذاته، لكن المتكلّمين لا يفرقون بين الواجب الوجود لذاته والقديم، فإنّ القديم عندهم لا يفتقر في وجوده إلى غيره، فيكون وجوده من ذاته.


صفحه 53

 

المنهج الثّاني

منهج الحكماء الطبيعيّين

وهو النظر في الموجود من حيث هو متحرّك ومتغيّر على ما هو موضوع صناعتهم. وذلك ببيان أنّ الجسم لا يتحرّك بنفسه، بل لابدّ له من محرّك غيرِ جسميّتهِ كطبيعة أو إرادة أو قاسر، على ما مرّ في مباحث الأعراض.(1)

وهذا المحرّك إذا كان متحرّكاً لابدّ له من محرّك آخر وينتهي بالآخرة إلى السماويات، والمحرّكات السماوّية لابدّ من انتهائها إلى محرّك غير متحرّك بوجه من الوجوهِ دفعاً للدّور أو التّسلسل، فيكون تحريكه على سبيل التشويق، كتحريك المعشوق للعاشق وهو مشوّقٌ (2) للكلّ ـ أعني: للنفس الكلّية المتعلّقة للفلك الأعظم ـ ويشوّق (3) جميع المحرّكات السماوّية أيضاً، لاشتراكها في التحريك الدّوري، ولكلّ منها مشوّق (4) آخر على حدة أيضاً بحسب اختلاف حركاتها جهة سرعة وبطوأ ; لكنّه دون الأوّل، فالمشوّق (5) الأوّل هو مبدأ الكلّ، والمبدأ الأوّل وعلّة العلل، وهو الواجب الوجود لذاته، وسائرُ المشوقات (6) مستندةٌ إليه فائضةٌ عنه، وهي


1 . لاحظ : الجزء الرابع من هذا الكتاب: المبحث الرابع من المطلب السّادس.

2 . في د: «متشوّق».

3 . في د : «يتَشوّق».

4 . في د: «متشوق».

5 . في د : «فالمتشوّق».

6 . في د: «متشوّقات».


صفحه 54

المسمّاة بالجواهر المفارقة والعقول المجرّدة .

وهذا المنهج، هو الّذي سلكه الفيلسوف الأعظم أرسطاطاليس في كتابيه الكلّيين: أحدهما كتاب "سماع الطبيعي"(1)، والآخر كتاب "ما بعد الطبيعة"(2) على ما ذكره الشّيخ في كتاب "المبدأ والمعاد"(3). وذكر أنّه هو الطريق المشهور عند الفلاسفة في إثبات المبدأ الأوّل الواجب الوجود تعالى شأنه.

وأنت خبير: بابتناء هذا المنهج بالآخرة على اعتبار الإمكان.

والمصنّف في "شرح الإشارات "أشار إلى ذلك حيث قال: «والحكماء الطبيعيّون أيضاً يستدلّون بوجود الحركة على محرّك، وبامتناع اتّصال المحرّكات لا إلى نهاية على وجود محرّك أوّل غير متحرك. ثمّ يستدلّون من ذلك على وجود مبدأ أوّل».(4) انتهى.

فقوله (5): ثمّ «يستدلّون» إلى آخره، إشارة إلى ما ذكرناه.

واعلم: أنّ لهم(6) طُرقاً أُخر غير النظر في الحركة:

منها: النظر في الجسم من حيث تركّبه من الهيولى والصّورة، فإنّ كلَّ


1 . لاحظ : سماع الطبيعي: الكتاب الثّامن / الفصل السابع والثّامن.

2 . انظر: ما بعد الطبيعة: 480 ـ 482 / الفصل السابع من الكتاب الثّاني عشر.

3 . لاحظ : المبدأ والمعاد: 34 .

4 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 66 .

5 . أي قول المصنّف (رحمه الله) في شرح الإشارات.

6 . أي على الحكماء الطبيعيّين .


صفحه 55

مؤلَّف محتاجٌ إلى مؤلِّف لا محالة، فإن كان واجباً فهو المطلوب، وإن كان ممكناً، وجب الانتهاء إلى الواجب، دفعاً للدّور والتسلسل .

ومنها: النظر فيه من حيث اشتراك الأجسام في الجسميّة واختصاص كل منهما بما يختصّ به، وذلك الاختصاص لابدّ له من علّة، لامتناع الترجّح بلا مرجّح، ويجب أن تكون غير الجسمّية المشتركة، فإمّا أن تكون واجبة الوجود وهو المطلوب، وإن كانت ممكنة وجب الانتهاء إلى واجب الوجود.

ومنها: النظر في النفس الناطقة فإنّها حادثة ـ لما مرّ ـ فهي ممكنة ويحتاج إلى علّة، ويجب الانتهاء بالآخرة إلى واجب الوجود كما عرفت.

 

المنهج الثّالث

منهج الحكماء الإلهيين

وهو النظر في الموجود من حيث هو موجود مع قطع النظر عن كونه حادثاً أو قديماً، متحرّكاً أو غير متحرّك. إلى غير ذلك على ما هو موضوع العلم الإلهي .

وبهذا المنهج هو الّذي سلكه رئيس فلاسفة الإسلام في كتبه سيّما في "الإشارات"(1)، وفي كتاب " المبدأ والمعاد(2)".

وقد صرّح الحكيم أبو الوليد محمّد بن رشد الأندلسي في كتاب "ردّ


1 . لاحظ : الإشارات والتنبيهات: 266 ـ 269 .

2 . انظر : المبدأ والمعاد: 22 و 34 و 38 .


صفحه 56

التهافت": «بأنّ أوّل من سلك هذا المنهج من الفلاسفة، ابن سينا، على أنّه طريق خير من طريق القدماء، لأنّه زعم أنّه من جوهر الموجود، وأنّ طرق القوم من أعراض تابعة للمبدأ الأوّل»(1). هذا كلام أبو الوليد.

وقال الشيخ في رسالة "الفصول لإثبات المبدأ الأوّل "بهذه العبارة: «الطبيعيّون توسلوا إلى إثبات المحرّك الأوّل بما بيّنوا من وجوب قوّة غير جسمانّية وغير متناهية تحرّك الفلك وارتقوا إليه من الطبيعة.

والإلهيّون سلكوا غير هذا المسلك وتوصّلوا إلى إثباته من وجوب الوجود وأنّه يجب أن يكون واحد لا يتكثّر، وأنّ الموجودات صادرة عنه، وأنّ حركة الفلك تتحرّك تشوقاً إليه وطلباً للتشبه به في الكمال ولا يجوز أن يكون كماله بحيث لا يتخصّص به ولا أن يكون فوق كماله كمال، فإنّه لو أمكن ذلك لكان الّذي له ذلك الكمال الاعلى أوّلاً»(2). انتهى.

منهج المصنّف (رحمه الله) في إثبات وجوده تعالى

والمصنّف (قدس سره)اختار منهج الإلهيّين فقال: (الموجود: إن كان واجباً فهو المطلوب، وإلاّ استلزمه لاستحالة الدور والتسلسل).


1 . نقل باختلاف العبارة، الصحيح في المصدر هو: «أنّ هذه الطريقة لم تسلكها القدماء، وإنّما أوّل من سلكها فيما وصلنا ابن سينا وقد قال: إنّها أشرف من طريقة القدماء. وذلك أنّ القدماء إنّما صاروا إلى إثبات موجود ليس بجسم هو مبدأ للكلّ من أُمور متأخرة وهي الحركة والزّمان. وهذه الطريقة تفضي إليه فيما زعم; أعني: إلى إثبات مبدأ بالصفة الّتي أثبتها القدماء من النظر في طبيعة الموجود بما هو موجود». لاحظ: تهافت التهافت لابن رشد: 237 / المسألة العاشرة.

2 . لم نعثر على مصدره.


صفحه 57

وقد حاذى كلام الشيخ في كتاب "المبدأ والمعاد " حيث قال: «لاشك إنّ كلّ وجود أو كلّ موجود فإمّا واجب الوجود، وإمّا ممكن الوجود. فإنّ كان واجباً، فقد صحّ وجود واجب وهو المطلوب، وإن كان ممكناً فإنّا نبيّن أنّ الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود. انتهى»(1).

 

تمهيد أُمور

واعلم: أنّ تقرير هذا الدليل يستدعي تمهيد أُمور على سبيل التذكير، فإنّ أكثرها قد بيّنت في مواضعها في ما مرّ من الكتاب:


1 . المبدأ والمعاد: 22 .


صفحه 58

 

الأمر الأوّل

في بيان انحصار الموجود إلى الواجب والممكن

الأوّل: أنّ الموجود منحصر في الواجب والممكن، لأنّه إذا اعتبر من حيث ذاته بلا اعتبار شيء آخر، فإمّا أن يجب له الوجود وهو الواجب، أو لا يجب له الوجود وهو كذلك(1). وظاهر أنّه لا يجب له العدم حيث فرض موجوداً، وهو الممكن.

قال في "الإشارات": «كلّ موجود إذا التُفِت إليه من حيث ذاته ـ من غير التفات إلى غيره ـ فإمّا أن يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه، أو لا يجب .(2) فإن وجب فهو الحقُّ الأوّل بذاته الواجب وجوده من ذاته.(3)

وإن لم يجب لم يجز أن يقال: «إنّه ممتنع بذاته» بعدما فرض موجوداً. بلى إن قُرن باعتبار ذاته شرطٌ مثلُ شرط «عدم علّته» صار ممتنعاً، أو مثل شرط «وجود علّته» صار واجباً; وإن لم يُقرن بها شرط ـ لا حصول علّته ولا عدمُها ـ بقي له في ذاته الأمر الثّالث ـ وهو الإمكان ـ فيكون باعتبار ذاته الشيء الّذي لا يجب ولا يمتنع.

فكلّ موجود إمّا واجب الوجود بذاته، وإمّا ممكن الوجود بذاته».(4) انتهى.


1 . أي بلا اعتبار شيء آخر.

2 . في المصدر: «أو لا يكون».

3 . في المصدر: «من ذاته، وهو القيّوم».

4 . الإشارات والتنبيهات: 264 ـ 266 .


صفحه 59

وقال مثل ذلك في سائر كتبه، فإذا كان الشيخ قد عيّن المعنى المراد من الواجب والممكن،(1) فلا معنى للقدح في مسلكه بإجمال لفظي الممكن والواجب كما فعله الغزّالي في "التهافت"، (2) أو باشتراك اسم الممكن باعتبار كونه للممكن الحادث حقيقيّاً وللممكن القديم غير حقيقيّ، فيكون قسمته الموجود إلى الممكن والواجب غير حاصرة، وأنّ القسمة المعروفة بالطبع للموجودات إنّما هي إلى الممكن الحقيقيّ والضروري كما فعله ابن رشد.(3)


1 . في كتاب «المبدأ والمعاد» كما مرّ قريباً.

2 . لاحظ : تهافت الفلاسفة: 104 .

3 . لاحظ : تهافت التّهافت لابن رشد: 236 .


صفحه 60

 

الأمر الثّاني

في بيان أنّ الممكن في ترجيحه يحتاج إلى علّة

الثّاني: أنّ الممكن لا بترجّح له وجود أو عدم بحسب ذاته، بل يحتاج في كلّ منهما إلى علّة، لتساوي نسبتهما إليهما، وامتناع ترجّح أحد المتساويين من غير مرجّح، وذلك لبطلان الأولويّة الذاتيّة. على ما مرّ في مباحث «الأُمور العامّة».(1) ولا ينبغي أن تخلى هذا الموضع أيضاً منه. فنقول: لو ترجّح للممكن أحد طرفيه كالوجود مثلاً لذاته من غير وجوب بأن يكن الوجود أولى له لذاته مع جواز عدمه أيضاً وإن كان على سبيل المرجوحيّة، كان لنا أن نأخذ أولويّة الوجود مع الموضوع ونردّد بين وجوده وعدمه، بأن نقول: الممكن الأولى لوجود ; هل يساوي وجوده مع عدمه أو يكون الوجود له أولى لكن بأولويّة أُخرى؟ ضرورة أنّ الأولويّة الأُولى مأخوذة مع الموضوع، فهي مشتركة بين الحالين.

بيان ذلك: أنّ الممكن الّذي وجوده أولى، إذا فرضنا وقوعه بمجرّد هذه الأولويّة، فلا يجوز أن يكون وقوع عدمه بدلاً عن الوجود لو فرضناه ممتنعاً، وإلاّ لكانت الأولويّة وجوباً، بل يجب أن يكون وقوع العدم بدلاً عن الوجود أيضاً جايزاً مع أولويّة وجوده. فإذا جاز وقوع عدمه ومع ذلك لم يقع ووقع وجوده. فإذا جاز وقوع عدمه ومع ذلك لم يقع ووقع وجوده، فإن


1 . لاحظ : الجزء الأوّل من هذا الكتاب، المسألة الثّالثة والعشرون.


صفحه 61

كان بلا مرجّح، وأولويّة كان ذلك ترجّحاً لأحد المتساويين بلا مرجّح، وإن كان ذلك بسبب أولويّة ورجحان فلا يجوز أن يكون هذه الأولويّة هي الأولويّة المفروضة أوّلاً، لكونها مشتركة بين حال الوجود وحال العدم، بل يجب أن يكون أولويّة أُخرى، وحينئذ أخذنا هذه الأولويّة الثّانية أيضاً مع الموضوع وردّدنا بين وجوده وعدمه، وهكذا إلى ما لا نهاية لها لكونها من الاعتباريّات، ثُمّ نأخذ جميع تلك الأولويّات الغير المتناهية مع الموضوع ونردّد، فلابدّ من اختيار تساوي وجوده مع عدمه ضرورة أنّه الأولويّة خارجة من الأولويّات الغير المتناهية، فيلزم ترجيح أحد المتساويين من غير مرجّح وهو محال بالبديهة. وهذه طريقة في نفي الأولويّة الذاتيّة، بل الأولويّة مطلقة دقيقة لطيفة قليلة المؤنة جدّاً، قد تفردنا بها بفضل الله ومنّه وسلكناها في كتابنا الموسوم بـ "گوهر مراد(1)".

وجه آخر: لو كان وجوده مثلاً راجحاً على عدمه بالنظر إلى ذاته ; لكان عدمه ممتنعاً بالنظر لذاته، لأنّ رجحان أحد الطرفين يستلزم مرجوحّية الطرف المقابل ومرجوحيّته يستلزم امتناعه، لأنّ ترجّح أحد المتساويين إذا كان ممتنعاً كان ترجّح المرجوح أولى بالامتناع، لأنّ المرجوح أضعف من المساوي .

على ما قال الإمام في كتاب "الأربعين "،(2) فرجحان الوجود نظراً إلى


1 . لاحظ : گوهرمراد: 207 ـ 211 / الفصل الثّالث من الباب الأوّل من المقالة الثّانية.

2 . لاحظ: الأربعين في أُصول الدين: 52 ـ 53 و 67 و 178 ـ 179.


صفحه 62

الذّات يستلزم امتناع العدم بالنظر إليها، وهو يستلزم وجوب الوجود، هذا خلف مع أنّه المطلوب.

وجه ثالث: وهو أنّ ذلك الممكن المفروض وجوده بمجرّد الرّجحان إن كان علّة لوجود نفسه لزم تقدّمه على نفسه، وإن لم يكن علّة لنفسه كان موجوداً بلا سبب، وهوجايز العدم لإمكانه، فيلزم جواز انعدام الموجود من غير سبب يقتضيه .

كما قال الفارابي: «لو حصل سلسلة الوجود بلا وجوب ويكون مبدأها ممكناً حاصلاً بنفسه، لزم إمّا إيجاد الشيء بنفسه وذلك فاحش، وإمّا صحّة عدمه لنفسه وهذا أفحش»(1).

وتحقيقه على ما قيل :إنّه على تقدير وجوده بالرّجحان يكون متّصفاً بالوجود ولا يكون عينه فيكون الذّات منشأ رجحان الاتّصاف ولا معنى للعلّة إلاّ ما يترجّح المعلول به، فيكون علّة للاتّصاف نفسه بالوجود. ولمّا فرض عدم بلوغه حدّ الوجوب يجوز عدمه مع بقاء الرّجحان، وإلاّ لكان بالغاً حدّ الوجوب، وقد فرض عدم بلوغه إليه هذا خلف.


1 . على ما نقله صدر المتألهين. لاحظ : الأسفار:6 / 37. قال صدرالمتألهين في توضيح عبارة الفارابي: ومعناه أنّ هذا الممكن إن أفاد وجوب الوجود وامتناع العدم لزم كون الشّيء علّة لنفسه، مقتضياً له، وهوباطل لاستلزامه تقدّم الشّيء على نفسه، وإن لم يفد الوجوب ولم يمنع العدم، فيلزم صحة عدمه بنفسه، وهو أفحش بطلاناً، وذلك لأنَّ المحذور الأوّل لازم هنا أيضاً من كون الشّيء سبباً لنفسه بأيّ وجه كان، مع محذور آخر وهو أنّه إذا صحّ له ورود العدم بعد الوجود، فكيف صار موجوداً ابتداء حيث إنّ عروض العدم له ابتداءً أولى من عروضه بعد الوجود، فكان وجوده ـ بلا سبب موجب له ـ ممتنع الحصول .


صفحه 63

 

الأمر الثّالث

في أنّ الممكن في حصوله وبقائه مفتقر إلى علّة

الثّالث: أنّه كما أنّ الممكن مفتقر في حصول الوجود له إلى علّة كذلك مفتقر في بقاء الوجود وثباته له إلى علّة، وذلك لأنّ الممكن لو صار بمجرّد حصول الوجود له واجباً لكان بحصول العدم له ممتنعاً، وهو لا يخلو عن أحدهما فلا يكون ممكناً هذا خلف.

بل الإمكان ـ على ما مرّ في الأُمور العامّة ـ (1) لازم لماهيّة الممكن، فلا ينفكّ الممكن عنه في حال وجوداً وعدماً فما دام الإمكان ثابتاً له كانت الحاجة إلى العلّة الثّابتة له، فلو فرض ممكن قديم كان مع دوام وجوده، بل مع ضروريّته دائم الافتقار إلى علّة.

قال الشيخ في كتاب "المبدأ والمعاد ": «كلّ حادث فله علّةٌ في حدوثه، وعلّةٌ في ثباته، ثمّ يمكن أن يكونا ذاتاً واحدة، مثل القالب في تشكيله للماء(2) ويمكن أن يكون ذلك شيئين(3) مثل صورة الصنميّة، فإنّ مُحدثَها الصانعُ، ومُثْبِتَها يبوسةُ جوهر العنصر المتخذة منه.

ثمّ قال: ولا يجوز أنّ يكون الحادثُ ثابتَ الوجود بعد حدوثه بذاته


1 . لاحظ : الجزء الأوّل من هذا الكتاب: المسألة الرّابعة والعشرون.

2 . في المصدر: «في تشكيل الماء».

3 . في المصدر: «ويمكن أن تكونا شيئين».


صفحه 64

حتّى يكونَ إذا حدث فهو واجب أن يوجد ويثبت لا بعلّة في الوجود والثبات. فإنّا نعلم أن ثباته ووجوده ليس واجباً بنفسه، فمحالٌ أن يصير واجباً بالحدوث الّذي ليس واجباً بنفسه، ولا ثابتاً بنفسه .

ثمّ قال: واعلم: أنّ ما أكسبه الوجودُ وجوباً أكسبه العدمُ امتناعاً، ومحال أن يكون حال العدم ممكناً ثمّ يوجد حال الوجود واجباً. بل الشيء في نفسه ممكنٌ ويعدم ويوجد. وأيّ الشرطين اشترط عليه دوامه صار مع شرط دوامه ضروريّاً لا ممكناً ولم يتناقص; فإنّ الإمكانَ باعتبارِ ذاته، والوجوب و(1)الامتناعَ باعتبارِ شرط لاحق به.

فإذا كانت الصورة كذلك فليس للممكن في نفسه وجودٌ واجبٌ بغير اشتراط ألبتة، بل ما دام ذاتهُ تلك الذاتَ لم تكن واجبةَ الوجودِ بالذاتِ، بل بالغير وبالشرط، فلم يزل متعلّق الوجود بالغير. وكلّ ما احتيج فيه إلى غير وشرط، فهو محتاج إلى سبب. فقد بان أنّ ثباتَ الحادث ووجوده بعد الحدوث بسبب يمدّ وجودَه، وأنّ وجوده بنفسه غيرُ واجب»(2).


1 . في المصدر: «أو» بدل «واو» .

2 . المبدأ والمعاد: 24 / 26 .


صفحه 65

 

الأمر الرّابع

في عدم جواز حصول الوجود

للممكن على سبيل التسلسل

الرّابع: أنّ الوجود لا يمكن أن يحصل للممكن على سبيل التسلسل بأن يكون له علّة ولعلّته علّة وهكذا إلى ما لا نهاية له من غير أن ينتهي إلى علّة واجبة لذاته.

وقد مرّ بيان ذلك في مبحث «إبطال التسلسل»(1) من مباحث «العلّة والمعلول» بطرق عديدة وبراهين قويمة. ونذكر هاهنا منها البرهان الّذي اخترعه المصنّف، وتقريره يتوقّف على مقدّمات ثلاث :

أحدها: هي أنّ الشّيء ما لم يجب وجوده لا يمكن أن يصير موجوداً، وإلاّ لزم الترجيح من غير مرجّح، كما ظهر من إبطال الأولويّة مطلقاً .

والثّانية: أنّ الوجود لا يجب للشّيء ما لم يمتنع عليه جميع أنحاء عدمه، وهذا ظاهر جدّاً لا يحتاج إلى بيان.

والثّالثة: أنّ مجمع الممكنات سواء كانت متناهية أو غير متناهية في حكم ممكن واحد في جواز طريان الإنعدام عليه، وهذا أيضاً قريب من البديهي.


1 . لاحظ : الجزء الثّاني من هذا الكتاب: للمسألة الثّالثة من الفصل الثّالث.


صفحه 66

وبعد تمهيد هذه المقدمات نقول: كلّ واحد من آحاد سلسلة الممكنات لا يمكن أن يصير موجوداً إلاّ بأن يجب وجوده عن علّة موجودة واجبة وجودها: إمّا بالذّات، وإمّا بالغير وإلاّ ـ أعني: إن لم يكن واجبة وجودها لا بالذّات ولا بالغير ـ لم تكن موجودة بحكم المقدمة الأُولى .

لكن الواجب بالغير المستند إلى الواجب بالذّات لا يمكن أن يصير سبباً لوجود وجود معلوله، لأنّ وجود المعلول إنّما يجب بأن ينسدّ عليه جميع أنحاء عدمه بحكم المقدمة الثّانية، ومن أنحاء عدم المعلول عدم علّته. وهذا النحو من العدم غير ممتنع على المعلول المستند إلى العلل الممكنة الغير المستندة إلى الواجب لذاته وإن فرضت غير متناهية بحكم المقدمة الثّالثة، فيجوز عدم المعلول مع إنعدام جميع علله الغير المتناهية، فلا يمكن أن يصير وجوده واجباً، فلا يمكن أن يصير موجوداً، لكن قد فرضنا وجوده، فوجب أن يستند إلى علله الغير المتناهية، فرضنا إلى علّة واجبة الوجود لذاتها، وإذا وجب استناد جميع العلل الغير المتناهية إلى علّة واجبة لذاتها تكون هي طرفاً لسلسلة العلل لا محالة لاستناد جميع السلسلة إليها وعدم استنادها إلى علّة أصلاً، فيصير السلسلة ذات طرف، فتصير متناهية، وقد فرضناها غير متناهية، هذا خلف .


صفحه 67

 

الأمر الخامس

في عدم امكان حصول الوجود

للممكن على سبيل الدّور

الخامس: أنّه لا يمكن حصول الوجود للممكن على سبيل الدّور، بأن يكون ممكن معلولاً لممكن آخر وهو للأوّل، أو يكون هو أيضاً معلولاً لممكن آخر وهو لآخر وهكذا، إلاّ أنّه ينتهي بالآخرة إلى الأوّل، وذلك لما ذكرنا في بيان بطلان التسلسل (1) من جواز إنعدام جميع المعلولات الممكنة معاً، بل ذلك في المتناهية أظهر ولما يلزم من تقدم الشيء على نفسه وهو محال بالضرورة، هذا.

وبعد تذكر هذه الأُمور نقول: لاشكّ في وجود موجود، فإذا نظرنا إليه من حيث هو موجود وقطعنا النظر عن جميع الخصوصيّات يحتمل أن يكون ذلك الموجود واجب الوجود ; كما يمكن أن يكون ممكن الوجود، وذلك لاشتراك الوجود معنى بين الواجب والممكن ; كما مرّ في أوائل الكتاب. (2) فإن كان ذلك الموجود المقطوع النظر عن الخصوصيات واجب الوجود ثبت المطلوب وإن لم يكن واجباً ; بل كان ممكناً لانحصار


1 . لاحظ : الجزء الثاني من هذا الكتاب: المسألة الثّالثة من الفصل الثّالث.

2 . انظر: الجزء الأوّل من هذا الكتاب: المسألة الثّانية.


صفحه 68

الموجود فيهما استلزم وجود ذلك الموجود الممكن وجود الواجب لذاته، لأنّ ذلك الممكن لا يمكن أن يوجد بنفسه، بل يحتاج في وجوده إلى علّة موجودة يترجّح بها وجوده، فإن كانت واجبة ثبت المطلوب، وإن كانت ممكنة احتاجت إلى علّة أيضاً موجودة، وهكذا فإن رجعت الحاجة في شيء من المراتب إلى الممكن الأوّل أو إلى شيء من المراتب السابقة عليه فيلزم الدّور وإن لم يرجع ; بل ذهبت إلى غير النّهاية لزم التسلسل، وكلاهما محالان، فلابدّ أن ينتهي الحاجة في شيء من المراتب إلى علّة واجبة الوجود لذاتها دفعاً للدّور والتسلسل .

فظهر أنّه إن لم يكن ذلك الموجود الغير المشكوك فيه المفروض واجب الوجود، استلزم لا محالة وجود واجب الوجود، وهو المطلوب.

 

أوثق المناهج في إثبات وجوده تعالى

واعلم: أنّ هذا المنهج ـ أعني منهج الإلهيّين ـ هو أوثق المناهج وأقواها وأتمّها وأهداها، وأقلّها مؤنة وأكثرها معونة، ويشبه أن يكون طريق الصديقين الّذين هم يستشهدون بالحقّ لا عليه، لكونه نظراً في الوجود، وهو عين حقيقته تعالى فيغني غناء البراهين اللّميّة، ويمكن الوصول به إلى معرفته تعالى وإن لم ينظر إلى موجود بالفعل بعدما فرض إمكان وجوده.

قال الشيخ في كتاب " المبدأ والمعاد "بعد الفراغ من تقرير هذا المنهج: «إنّا أثبتنا الواجب الوجود لا من جهة أفعاله ولا من جهة حركته، فلم يكن القياس دليلاً. ولا أيضاً كان برهاناً محضاً. فالأوّلُ ليس عليه برهانٌ


صفحه 69

محضٌ،(1) بل كان قياساً شبيهاً بالبرهانِ، لأنّه استدلالٌ من حالِ الوجودِ أنّه يقتضي واجباً، وأنّ ذلك الواجب كيف يجبُ أن يكون؟

ولا يمكنُ أن يكونَ من وجوه القياساتِ الموصلة إلى إثبات العلّة الأُولى وتعريف صفاتِه شيءٌ أوثقَ وأشبه بالبرهان من هذا الطريق (2)، فإنّه وإن لم يفعل شيئاً ولم يظهر منه أثر (3)، يمكنُ بهذا القياس أن يُثبت بعد أن يُوضعَ إمكانُ وجود مّا كيف كان. انتهى»(4).

وقال في "الإشارات ": «تأمَّلْ كيف لم يَحتجْ بياننا لثبوت المبدأ الأوّل ووحدانيّته وبراءته عن الصمات إلى تأمُّل لغير نفس الوجود؟ ولم يَحتجُ إلى اعتبار من خَلْقه وفِعْله، وإن كان ذلك دليلاً عليه؟ لكنّ هذا الباب أوثق وأشرف .

قال: وإلى مثل هذا أُشير في الكتاب الإلهي (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)الآية. وهذا حكمٌ لقوم، ثمّ يقول: (أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءْ شَهِيدٌ)(5) وهذا حكم الصّدِّيقين الّذين يَستَشهدون به لا عليه»(6). انتهى كلام " الإشارات" .


1 . لأنّه لا سبب له .

2 . في المصدر: «من هذا البرهان».

3 . في المصدر: «أمر».

4 . المبدأ والمعاد: 33 ـ 34 .

5 . فصّلت: 53 .

6 . الإشارات والتنبيهات: 276.


صفحه 70

ثمّ إنّ وجه كون هذا الطريق أشبه بالبرهان أي اللّمي هو ما أشار إليه من أنّه وإن لم يفعل شيئاً ولم يظهر منه أثر يمكن بهذا القياس أن يثبت، وذلك لأنّ القياسات الانيّة إنّما يكون من الأفعال والآثار بخلاف اللّميّة. فهذا الطريق لكونه لا من جهة الآثار يشبه اللّم، ومن جهة أنّه ليس من العلّة ليس به .

وأيضاً قالوا: من القياسات الانيّة ما هو أقرب إلى اللّم، بل كاد أن يكون في مرتبته في الوثوق وهو ما يكون من اللّوازم المنتزعة من حاق الملزوم وحقيقته من غير اعتبار أمر آخر على ما صرّح به الشيخ في "الحكمة المشرقيّة ".

وهذا الطريق من النظر في طبيعة الوجود المنتزعة من ذاته تعالى بلا اعتبار أمر زائد على ذاته كذلك.

وقد يقال: إنّ هذا الطريق لمّي دون سائر الطُرق، إذ هو استدلال بحال مفهوم الوجود على أنّ بعض الموجود واجب لا على ذات الواجب في نفسه ; وكون طبيعة الوجود مشتملاً على فرد هو الواجب لذاته حال من أحوال تلك الطّبيعة، فالاستدلال في الحقيقة بحال من أحوال تلك الطّبيعة على حال أُخرى لها معلولة للأُولى، فإنّ كون طبيعة الوجود مشتملاً على فرد ممكن هو الّذي أوجب اشتماله على الفرد الواجب.

وبعبارة أُخرى: ليس الاستدلال على وجود الواجب في نفسه، بل على انتسابه إلى هذا المفهوم وثبوته له على نحو ما ذكره الشيخ في


صفحه 71

الاستدلال بوجود المؤلف من وجود ذي المؤلف على ما مرّ في الأُمور العامّة، فوجود الواجب في نفسه علّة لغيره مطلقاً ووجوده الرابطي ـ أعني: انتسابه إلى هذا المفهوم ـ معلول له، وقد يكون الشيء في نفسه علّة لشيء وفي وجوده عند شيء آخرَ معلولاً له ولا محذور في ذلك.

وأمّا كون هذا الطريق أخصر وأقلّ مؤنة من سائر الطرق، فظاهر حيث لا يحتاج إلى النظر في حدوث الخلق وحركة، ولا إلى وجود ممكن بالفعل كما عرفت.

واعلم: أنّه يمكن أن يقرّر هذا الدليل على الوجه الّذي قرّرنا به إبطال التسلسل بأن نقول: وهكذا فسواء رجعت الحاجة إلى الممكن الأوّل أو ذهبت إلى غير النهاية لا يمكن أن يجب بذلك وجود الممكن الأوّل وإنّما يجب لو انسدّ عليه جميع أنحاء العدم وهو غير ممكن مع انحصار الموجودات في الممكنات، فلابدّ من الواجب الوجود لذاته ليستند إليه وجوب الواجبات بالغير من الممكنات ، وهو المطلوب، وحينئذ لا توقّف لهذا الدّليل على إبطال الدّور والتسلسل، وإن لزم منه إبطالهما. وعلى هذا ; يزداد قلّة المؤنة جدّاً، ولا يمكن حمل كلام المصنّف على هذا الوجه لمكان قوله: «لاستحالة الدّور والتسلسل» ولو كان مراده ذلك لقال وإلاّ استلزمه وان دار أو تسلسل .

والعجب منه (قدس سره)أنّه مع تفرده بتفطن هذا الوجه في إبطال التسلسل على ما مرّ سابقاً، كيف غفل عن ذلك. ومن الدلائل الّتي لا يبتني على إبطال


صفحه 72

التسلسل ما ذكره بعض الأعلام (1) حيث قال: «على تقدير كون الموجودات منحصرة في الممكنات يلزم الدّور، إذ تحقّق موجود مّا يتوقّف على هذا التقدير على إيجاد مّا، لأنّ وجود الممكنات إنّما يتحقّق بالإيجاد، وتحقّق إيجاد مّا يتوقّف أيضاً على موجود مّا(2)، لأنّ الشيء ما لم يُوجَد لم يُوجِد.(3) انتهى كلامه»(4).

وتوجيهه على ما حقّقه بعض الأعاظم(5): «أنّ طبيعة الموجود على تقدير انحصار الموجود في الممكن يكون ممكنة محتاجة إلى طبيعة الإيجاد، وهي لكونها طبيعةً ناعتيّةً يتوقّف على طبيعة الموجود، فيلزم الدّور»(6).

فإن قلت: طبيعة الموجود وإن كانت واحدة في نفسها متعدّدة في نفس الأمر لتحقّقها في ضمن الأفراد فحاجتها ليست حاجة واحدة ; بل متكثّرة حسب تكثّر الأفراد، فيجوز كونها محتاجة في ضمن فرد محتاجاً إليها في


1 . وهو صدر المتألهين.

2 . قال السبزواري في تعليقاته على الأسفار: المراد بموجود مّا: إمّا الفرد المنتشر من الموجود، وإمّا الطبيعة منه، وإمّا كلّ فرد منه، وإمّا مجموع الآحاد بالأسر، وإمّا المجموع من حيث المجموع، فهذه خمسة احتمالات. لاحظ : الأسفار: 6 / 38 .

3 . قال المعلم الثّالث: فالمقصود من قوله: «الشّيء مالم يوجد لم يوجد» أنّه مالم يتّصف بطبيعة الوجود لم يتّصف بطبيعة الإيجاد. لاحظ : الحاشية على حاشية شرح تجريد الاعتقاد للخفري (= ضمن مصنّفات ميرداماد): 1 / 554 .

4 . الأسفار: 6 / 37 ـ 38 .

5 . وهو المعلم الثالث.

6 . لاحظ : الحاشية على حاشية شرح تجريد الاعتقاد للخفري (= ضمن مصنفات ميرداماد): 554 .


صفحه 73

ضمن فرد آخر. وكذا القول في طبيعة الإيجاد، فاللاّزم على هذا التقدير هو التّسلسل لا الدّور.

قلت: طبيعة الموجود المتحقّقة في ضمن جميع الأفراد أيضاً ممكنة محتاجة إلى الإيجاد، فإذا كانت طبيعة الإيجاد المتحقّقة في ضمن جميع الأفراد أيضاً لكونها طبيعة ناعتية محتاجة إلى طبيعة الموجود يلزم الدّور لا محالة، فتدبّر.

وما ذكره (1) أيضاً: أنْ ليس للموجود المطلق ـ من حيث هو موجود ـ مبدأ وإلاّ لزم تقدّم الشّيء على نفسه.

وبعبارة أُخرى: مجموع الموجودات ـ من حيث هو موجود ـ (2) ليس له مبدأ بالذّات .(3)

وبعبارة أُخرى: مجموع الموجودات ـ من حيث هو موجودٌ ـ يمتنع أن يصير لا شيئاً محضاً ومجموع الممكنات ليس يمتنع أن تصير لا شيئاً محضاً، وبذلك ثبت وجود الواجب بالذّات.(4)

ومعناه على ما مرّ من جواز الإنعدام على الممكنات بأسرها، فإنّه حينئذ على تقدير انحصار الموجود في الممكن يكون للموجود المطلق أو لمجموع الموجودات مبدأ موجود لا محالة. فهذا المبدأ من حيث إنّه واحد


1 . أي ما ذكره بعض الأعلام أيضاً.

2 . كما في المصدر.

3 . وبذلك يثبت وجود واجب للوجود.

4 . لاحظ : الأسفار: 6 / 38 .


صفحه 74

من الموجودات داخل في المجموع، ومن حيث إنّه علّة للمجموع يكون علّة لنفسه أيضاً، فيلزم تقدّم الشيء على نفسه.

وأمّا إذا لم ينحصر الموجود في الممكن، فلا يلزم أن يكون لمجموع الموجودات مبدأ ليلزم تقدّمه على نفسه .

وكذا على العبارة الثّالثة نقول: لو جاز طريان العدم على مجموع الموجودات وصيرورته لا شيئاً محضاً لكان ذلك من جهة عدم علّته ; فكان داخلاً في عدم المجموع ومتقدّماً على عدم المجموع، فكان متقدّماً على نفسه ويظهر منه تقدّم علّة المجموع أيضاً على نفسها ويمكن أن يجعل هذا وجهاً على حدة بأن يقال: لو جاز إنعدم مجموع الموجودات وكونه لا شيئاً محضاً لامتنع أن يتحقّق موجود من الموجودات لعدم انسداد جميع أنحاء العدم عليه، وذلك بخلاف مجموع الممكنات، فإنّه في حكم ممكن واحد، ولا يلزم من جواز الإنعدام عليه إلاّ امتناع تحقّق موجود مّا من جهة الممكنات لا مطلقاً لجواز تحقّقه من جهة موجود واجب الوجود، فليتدبرّ.

ومنها ما قيل: إنّ موجِدَ جميع الموجودات الممكنات الصّرفة وجب أن تكون خارجاً عنه بالضرورة، والموجود الخارج عنه إنّما يكون واجباً بالذّات.

وما قيل: إنّه لابدّ لجميع الممكنات الصّرفة من علّة له بالذّات وعلى الإطلاق والعلّة بهذه الصّفة علّة لجميع أجزائه، فلا يجوز أن يكون شيء من أجزائه علّة له، وإلاّ لكان علّة لنفسه ولعلله، ومبناهما على كون كلّ مجموع


صفحه 75

حقيقيّ موجوداً على حدة مع قطع النظر عن الهيئة الاجتماعيّة العارضة له، وقد ادّعوا الضّرورة فيه.

ولا يرد عليه: أنّه لو لزم من وجود اثنين وجود ثالث لزم من وجود اثنين وجود أُمور غير متناهية، لأنّ الرّابع الّذي هو معروض وصف الثّلاثة اعتباريّ محض. كيف، وهوحاصل من اعتبار جزئيّة كلّ واحد من الاثنين المفروضين أو لا وجزئيّة المجموع المركّب منهما، فلو تحقّق في الخارج لزم اعتبار كلّ واحد من الاثنين فيه مرّتين، وهو محال بالضّرورة .

ومنها ما قيل: إنّه لا يمكن أن يكون ممكن مّا من الممكنات منشأ لوجوب الممكنات، ولا لامتناع طريان العدم عليها بالكليّة، وهذا بالحقيقة هو الدّليل الّذي اخترعه المصنّف.

وما قيل: إنّه لو لم يتحقّق الواجب لم يتحقّق شيء من الممكنات، إذ لا شيء من الممكنات مستقل بنفسه لا في الوجود ولا في الإيجاد، وإذ لا وجود ولا إيجاد فلا موجود لا بذاته ولا بغيره.

وهذا أيضاً كسابقه في الرجوع إلى الدّليل المخترع ومبناهما على ما مرّ من كون جميع الممكنات في حكم ممكن واحد في جواز الانعدام وامتناع انسداد جميع أنحاء العدم عليه من ذاته هذا.


صفحه 76


صفحه 77

 

الفصل الثّاني

 

من الفصول الثّلاثة

 

في صفاته تعالى

وفي هذا الفصل مسائل :


صفحه 78


صفحه 79

 

 

المسألة الأُولى

في أنّه تعالى قادر مختار (1)

بمعنى أنّه يتمكّن من الفعل والترك، بمعنى أنّه تعالى بحيث قد يتخلّف عنه الفعل.

وفيها فروع:


1 . لاحظ لمزيد الإطلاع: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: المسألة الأُولى من الفصل الثاني من المقصد الثّالث ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: 140 ـ 148 ; ورسالة اثبات الواجب الجديد (= ضمن سبع رسائل) للمحقّق الدّواني: 152 ـ 155 ; والحاشية على الهيّات الشرح الجديد للتجريد للمحقّق الأردبيلي: 39 ـ 55 ; والبراهين القاطعة: 2 / 45 ـ 113 ; وشرح المقاصد: 4 / 96 ـ 109 ; والمسائل الخمسون في أُصول الدين: 51 ـ 52 ; ومفتاح الباب لابن المخدوم: 99 ـ 108 ; وارشاد الطالبين: 182 ـ 194 ; وجامع الأفكار وناقد الانظار: 1 / 151 ـ 477 ; والاسفار: 6 / 307 ـ 324 ; الإيضاح في أُصول الدين لابن الزاغوني: 140 ـ 141 و 357 ـ 406 ; وعصرة المنجود في علم الكلام: 72 ـ 73 ; والتعليق في علم الكلام: 45 ـ 47 ; وأسئلة الكاتبي عن المعالم لفخر الرازي: 57 ـ 65 ; والملخّص في أُصول الدّين للشريف المرتضى: 1 / 73 ـ 82 ; ومعارج الفهم في شرح النظم: 234 ـ 274 ; وكشف الحقائق المحمديّة للدشتكي: 907 ـ 914 ; تعليقات على إلهيّات شرح تجريد للخفري: 99 ـ 114 .


صفحه 80

 

الفرع الأوّل

في معنى القدرة

لمّا فرغ من البحث عن الدلالة على وجوب الصانع تعالى شرع في الاستدلال على صفاته تعالى وابتدأ بالقدرة .

فإنّ القدرة بهذا المعنى ـ أي بمعنى أنّه تعالى يتمكّن من الفعل والترك ـ هو المتنازع فيه بين المتكلّمين والحكماء .

وأمّا القدرة بمعنى كونه بحيث يصحّ منه فعل العالم وتركه بالنظر إلى ذاته تعالى أو بمعنى كونه بحيث إنّ شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل فمتّفق عليه بين الفريقين.

تفسير معنى القدرة

بيان ذلك: أنّ القدرة في الأصل هو أن يكون الحيوان بحيث يصدر عنه الفعل إذا شاء ولا يصدر إذا لم يشاء ويلزمه صحّة الصّدور واللاّصدور، وضدّ هذا المعنى العجز، ولما كان هذا المعنى صفة كمال للموجود بخلاف ضدّه، فإنّه صفة نقص لا محالة، والعقل يحكم بوجوب اتصاف الواجب بأشرف طرفي النقيض .

واتّفق العقلاء كافّةً بوجوب الحكم بكونه تعالى قادراً دون أن يكون


صفحه 81

عاجزاً، ولكن المتكلّمين أوجبُوا وقوع كلّ من المشيّة وعدم المشيّة والصّدور واللاّصدور في نفس الأمر، كما هو في الأصل، بخلاف الحكماء، فإنّهم لم يوجبُوا ذلك، ولا شك أنّ ذلك أمرٌ زائدٌ على مفهوم الشرطية، فالحكماء حكموا بكونه تعالى قادراً مع اعتقادهم قِدَم الفعل، لأنّه صادق عليه أنّه لو لم يشأ لم يفعل.

 

معنى القدرة عند الفلاسفة والمتكلمين

قال الشّيخ في "إلهيات الشفاء (1)": «فإنّها يظنّ أنّها لا تكون موجودة إلاّ لما من شأنه أن يفعل، ومن شأنه أن لا يفعل. فإن كان من شأنه أن يفعل فقط فلا يرون أنّ له قدرة، وهذا ليس بصادق. فإنّه إن كان هذا الشيء الّذي يفعل فقط يفعل من غير أن يشاء ويريد، فذلك ليس قدرة ولا قوّة بهذا المعنى; وإن كان يفعل بإرادة واختيار إلاّ أنّه دائم الإرادة لا يتغيّر إرادته، فإنّه يفعل بقدرة. وذلك لأنّ حدّ القدرة الّذي يؤثّرون هؤلاء أن يحدوها به موجود هاهنا. وذلك لأنّ هذا يصحّ عنه أن يفعل إذا شاء وأن لا يفعل إذا لم يشاء، وكلا هذين شرطيان، أي أنّه إذا شاء فعل، وإذا لم يشأ لم يفعل. وإنّما هما داخلان في تحديد القدرة على ما هو شرطيان، وليس من صدق الشرطي أن يكون هناك استثناء بوجه من الوجوه، أو صدق حمليّ، فإنّه ليس إذا صدق قولنا: إذا لم يشأ لم يفعل، يلزم أن يصدق، لكنّه لا يشاء وقتاً


1 . في د: قال الشيخ في إلهيّات الشّفاء بعد عدّ معاني لفظ القوّة الّتي جملتها القدرة بهذه العبارة: وقد يشكل في هذه الجملة أمر القوّة الّتي بمعنى القدرة فإنّها...».


صفحه 82

مّا ; وإذا كذب أنّه لا يشاء ألبتّة، يوجب ذلك كذب قولنا: وإذا لم يشأ لم يفعل. فإنّ هذا يقتضي أنّه لو كان لا يشاء لما كان يفعل، كما أنّه إذا يشاء فيفعل .

وإذا صحّ أنّه إذا شاء فعل، صحّ أنّه إذا فعل فقد شاء، أي إذا فعل فعل من حيث هو قادر. فيصحّ أنّه إذا لم يشأ لم يفعل، وإذا لم يفعل لم يشأ. وليس في هذا أنّه يلزم أن لا يشاء وقتاً مّا. وهذا بين لمن عرف المنطق»(1). انتهى كلام "الشفاء".

وقال في رسالته في "إثبات المبدأ الأوّل " بهذه العبارة: «الله تعالى كان في خلق هذا العالم مختاراً، فإنّه إن لم نقل أنّه كان مختاراً كان ذلك منه من غير رضى به. وليس المختار إذا اختار الصّلاح ففعله يلزمه أنّ يختار مقابله أيضاً فيفعله. وإذا لم يفعل مقابله لم يكن مختاراً، بل الاختيار يكون بحسب الدّواعي وذاته دعاء إلى الصّلاح فاختاره.

وقال أيضاً: واعلم، أنّ القدرة هو أن يكون الفعل متعلّقاً بمشيّة من دون أن نعتبر معها شيئاً آخر، والقدرة فيه تعالى عند علمه، فإنّه إذا علم فتمثل، فقد وجب وجود الشيء، وفينا عند المبدأ الأوّل المحرّك وهي القوّة المحرّكة، والقوّة العاقلة وهي فيه تعالى خالية عن الإمكان، وهي صدور الفعل عنه بإرادة، فحسب من غير أن يعتبر معها وجوب استثناء أحد الجزأين، لا أنّه أراد ولا أنّه لم يرد، وليس هو مثل القدرة فينا. فإنّ القدرة فينا


1 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 172 ـ 173 .


صفحه 83

هي بعينها القوّة، وهي في الأوّل تعالى الفعل فقط، وهي بعينها إرادته وعلمه، والإرادة فيه لم تكن لغرض ألبتة غير ذاته، وفينا تابعة لأغراض مختلفة فلذلك تختلف، وإرادة الشيء فينا غير تحصيله، فإنّ إرادة الشيء بالحقيقة تصوّره مع موافقته لمتصوّره، وإذا تصوّر لنا معنى ثمّ أردنا تحصيله كان تصوّره لنا نفس إرادتنا، لكنّا نريد بعد ذلك تحصيله، والجمهور غافلون عن ذلك.

ثمّ قال: المشهور أنّ القادر مَن هو بإرادته إذا شاء فعل، وإذا لم يشأ لم يفعل، لا من يريد فيفعل أو لا يريد فلا يفعل دائماً، وان هاهنا أشياء يقرّ بها أنّ الخالق لا يريدها قطّ ولا يفعلها ; وهو مع ذلك قادر على فعلها، مثل الظلم، فالشرط إذن فيها القضيّة الشرطيّة، والشرطيّة لا يتعلّق صحّتها بأن يكون جزاؤها صادقين، فإنّه قد يصحّ أن يكون جزاؤها كاذبين، فليس يلزم إذن من قولنا: إذا شاء فعل ; أنّه شاء حتّى يصحّ هذه القضيّة. والقدرة لا محالة يتعلّق بالمشيئة ويستحيل في الأوّل تعالى أن يكون بالإمكان، فهو إذا فعل فقد شاء وإذا لم يفعل، فإنّه لم يشأ» . انتهى كلام الشيخ.

وقال الإمام في كتاب "الأربعين": «اعلم، أنّ القادر هو الّذي يصحّ منه الفعل والترك، بحسب الدّواعي المختلفة. مثاله: أنّ الإنسان إن شاء أن يمشي قدر عليه،(1) وأمّا تأثير النّار في التسخن (2) فليس كذلك، لأنّ ظهور


1 . وإن شاء أن لا يمشي قدر عليه.

2 . في المصدر: «في التسخين».


صفحه 84

التسخين من النّار، غير موقوف على إرادتها ودائبها،(1) بل هو أمرٌ لازم لذاتها»(2).

وقال شارح المقاصد: «المشهور أنّ القادر هو الّذي إن شاء فعل، وإن شاء ترك. ومعناه: أنّه يتمكّن من الفعل والترك ; أي يصحّ كلّ منهما فيه بحسب الدّواعي المختلفة. وهذا لا ينافي لزوم الفعل عنه عندخلوص الدّواعي بحيث لا يصحّ عدم وقوعه ولا يستلزم عدم الفرق بينه وبين الموجب، لأنّه الّذي يجب عنه الفعل نظراً إلى نفسه، بحيث لا يتمكّن من الترك أصلاً، ولا يصدق أنّه إن شاء ترك كالشمس في الإشراق، والنّار في الإحراق .

وذكر أيضاً: أن لا خلاف عند الفلاسفة في كونه تعالى قادراً، لكن بمعنى لا ينافي الإيجاب (3)، فإنّ القادر هو الّذي يصحّ أن يصدر عنه الفعل وأن لا يصدر، وهذه الصحة هي القدرة، وإنّما يترجّح أحد الطرفين على الآخر بانضياف وجود الإرادة (4)وعدمها إلى القدرة، وعند اجتماعهما يجب حصول الفعل، ولكون إرادته تعالى علماً خاصاً، وكون علمه وقدرته أزليّين غير زائدين على الذات ; كان العالم قديماً، والصانع موجباً»(5). انتهى.


1 . في المصدر: «على إرادته وداعيته».

2 . الأربعين في أُصول الدين: 1 / 174 .

3 . في المصدر: «المراد بالقدرة هاهنا القادريّة، أي كونه قادراً، ولا خلاف للمعتزلة في ذلك، وكذا للفلاسفة، لكن بمعنى لا ينافي الإيجاب على ما قيل: إنّ القادر الخ».

4 . في المصدر: «أو عدمها».

5 . شرح المقاصد: 4 / 89 و 109 .


صفحه 85

فالنزاع إذن ليس في معنى القدرة الّذي هو المفهوم الشرطي بل في وجوب وقوع مفهوم المقدّم وعدم وجوبه.

قال شارح المواقف: «وأمّا كونه تعالى قادراً بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، فهو متّفق عليه بين الفريقين إلاّ أنّ الحكماء ذهبوا إلى أنّ مشيّة(1) الفعل الّذي هو الفيض الوجودي (2) لازمة لذاته كلزوم العلم وسائر الصّفات الكماليّة، فيستحيل الانفكاك بينهما، فمقدّم الشّرطية الأُولى واجب صدقه، ومقدّم الثّانية ممتنع الصدق، وكلتا الشرطيتين صادقتان في حقّه سبحانه. انتهى»(3).

وقال بعض أفاضل المتأخّرين من أصحابنا (رضوان الله تعالى عليه): «الّذي علم من مقالات الفريقين اتفاقهما على القول بالاخيتار، لأنّ كلاًّ منهما يقول: إنّه تعالى فاعل مع الشعور بما يصدر عنه ولا يكون فاعلاً بالطبيعة، بل الظاهر أنّ اختلافهم إنّما هو في كيفيّة صدور الأثر عنه تعالى. فعند الفلاسفة إنّما هو على سبيل المقارنة وعدم جواز التّأخير، لكونه فاعلاً بالاستقلال، فلا يتوقّف صدور الفعل عنه على شيء مغاير لذاته سوى القابل، وهو متحقّق دائماً وأزلاً، إذ الإمكان متحقّق دائماً ; وإلاّ لزم الانقلاب. والماهيّة القابلة لفيض الوجود متحقّق في علمه تعالى، فالفعل حينئذ غير مسبوق بشيء سوى العلّة، لعدم تصوّر شيء هناك غيرها، لا وقت ولا شرط


1 . في المصدر: «مشيئة».

2 . في المصدر وفي د: «والجود».

3 . شرح المواقف: 8 / 49 ـ 50 .


صفحه 86

ولا حال (1): إذ العدم المحض لا يوصف بشيء من ذلك، فتعيّن الوجود. وعند المتكلّمين أنّ الدّاعي شرط تحقّق التأثّير فيتوّقف تأثير المؤثّر عليه، فعند وجوده يتعيّن الوجود، وقبل وجوده لا يتعيّن، والدّاعي لا يكون متوجّهاً إلى موجود، بل إلى معدوم يتجدّد بتجدّد الدّاعي، فيجب أن يكون الفعل مسبوقاً بالعدم.

وهذا الكلام ظاهر ; لكنّه إنّما يتمّ على تقدير تجدّد الدّاعي. كما هو مذهب جماعة من المتكلّمين. فأمّا على القول بقدمه فمشكل ; خصوصاً على القول بأنّ الفاعل التامّ لا يتخلّف أثره عنه. كما هو المشهور من مذهب المحقّقين منهم: كأبي الحسين(2) وأتباعه، فإنّهم لا يفرّقون بين العلل الإيجابيّة وبين المختار، وحينئذ لا يتحقّق العدم بين الفاعل والفعل، فوجوب الملازمة كما على القول الأوّل الّذي قرّره الفلاسفة.

نعم، على القول بعدم وجوب الأثر عند وجود المؤثّر التّام ـ كما هو مذهب فريق من المتكلّمين ـ يتحقّق الفرق ويتمّ القول بسبق العدم على التّأثير»(3). انتهى كلامه مع أدنى تلخيص.


1 . في د: «ولا حال دون حال».

2 . هو عبدالرحيم بن محمّد بن عثمان، أبو الحسين ابن الخياط المتوفى (300 هـ) .

3 . لم نعثر على مصدره.


صفحه 87

 

الفرع الثّاني

في معنى الإيجاب والاختيار

قال: وجود العالم بعد عدمِهِ ينفي الإيجاب .

أقول: ثمّ إنّ المعنى المقابل للقدرة هو المراد من الإيجاب وهو في المعنى المتّفق عليه يتحقّق، بأن لا يكون للفاعل مشيئة أصلاً كالنّار في الإحراق، أو بأن يكون له مشيئة لكنّه لم يتمكّن من أن يفعل على وفق إرادته كالمرتعش في تحريك يده مثلاً، وفي المعنى المختلف فيه يتحقّق بأن يريد الفاعل الفعل دائماً، ويفعله دائماً، أولا يريده دائماً ; فلا يفعله دائماً.

فالواجب تعالى موجب عند الحكماء بالمعنى الأخير ومختار بالمعنى المقابل له عند المتكلّمين.

وأمّا بالمعنى الأوّل ; فليس بموجب عند أحد، والعجز الّذي هو ضدّ القدرة إنّما هو ضد للقدرة بالمعنى المتّفق عليه فقط، إذ لم يتعارف أن يقال للفاعل الّذي يفعل دائماً أنّه عاجز عن الفعل، ولو أُريد أنّه عاجز عن إمساك نفسه عن الفعل .

فإن أُريد أنّه عاجز عن الإمساك مع مشيئة الإمساك، فخارج عمّا نحن فيه، إذا المفروض أنّه لو لم يشأ لم يفعل .


صفحه 88

وإن أُريد أنّه عاجز عن الإمساك مع مشيئة الفعل، فذلك الإطلاق خطأ أَلبتة، إذ هذا المعنى ممّا يحقّق القدرة ويؤكّدها، فكيف يصدق عليه ضدّها؟ وهذا ما يقال: إنّ الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار، بل يحقّقه. وسيأتي في مسألة «الجبر والاختيار» ما يوضح هذا المقام.

فظهر أنّه لا شناعة على الحكماء في إطلاقهم الإيجاب عليه تعالى زائداً على ما لزمتهم من القول بقدم العالم، بل النزاع في الاختيار والإيجاب بالآخرة راجع إلى النزاع في الحدوث والقدم، هذا.

واحتجّ المتكلّمون على اختيار الصانع ونفي الإيجاب عنه بما أشار إليه المصنّف بقوله: (وجود العالم): أي بجميع أجزائه بمعنى جميع ما سوى الله (بعد عدمه); أي كونه حادثاً مسبوقاً بالعدم الواقعي سبقاً ذاتيّاً في عرف المتكلّمين على ما مرّ في مبحث «أقسام السبق»(1) من الأُمور العامة و «حدوث العالم» (2) بهذا المعنى، وإن لم يثبت في ما مرّ من الكتاب، بل الثابت فيه إنّما هو حدوث الأجسام وأعراضه فقط، لكنّه ممّا أجمع عليه المتكلّمون.

واستدلّوا عليه على ما أورده الإمام في كتاب " الأربعين " بما حاصله: «أنّ جميع ما سوى الله تعالى ممكن لا محالة لدليل التوحيد وأنّ كلّ ممكن يجب أن يكون محدثاً، لأن كلّ ممكن مفتقر إلى مؤثر في ترجيح وجوده على عدمه لا محالة، فهذا الافتقار إلى المؤثر لا يمكن أن يكون حال وجوده


1 . لاحظ : الجزء الأوّل من هذا الكتاب: المسألة السّادسة والعشرون.

2 . انظر: الجزء الثّالث من هذا الكتاب: المسألة السّادسة من الفصل الثّالث .


صفحه 89

الممكن بصفة البقاء، لأن التأثير في الموجود وإيجاده حال كونه موجوداً تحصيل للحاصل، وهومحال بالبديهة فيجب أن يكون هذا الافتقار إلى المؤثر: إمّا حال عدم الممكن وإمّا حال حدوث وجوده وابتدائه. وعلى التقديرين يلزم أن يكون الممكن مسبوقاً بالعدم وهو المراد من الحدوث فثبت أنّ كلّ ممكن فهو حادث وهو المطلوب»(1).

وأنت خبير: بضعف هذا الاستدلال لما عرفت في «الأُمور العامّة» (2) من أنّ تأثير المؤثّر في الممكن من حيث هو هو لا من حيث هو موجود ولامن حيث هو معدوم، كيف؟ ولو أنّ تأثيره فيه حال عدمه لزم اجتماع النّقيضين، كما يلزم من تأثيره فيه حال وجوده تحصيل الحاصل، وهو لا يخلو عن أحدهما. ولهذا لم يقول المصنّف(قدس سره)على هذا الدليل، ولم يذكره في ما مرّ .

ينفي الإيجاب; أي كون الواجب الوجود الصّانع له فاعلاً موجُباً بالمعنى المتنازع فيه ـ أعني: كونه بحيث لم يتخلّف عنه الفعل ـ وذلك لأنّه لو كان موجَباً بهذا المعنى يلزم أن يكون العالم قديماً، إذ لو كان حادثاً لكان متخلّفاً عنه بالضرورة، وهو خلاف المفروض، لكنّه حادث بإجماع المتكلّمين، كما مرّ آنفاً، فلا يكون الصّانع موجباً وهو المطلوب.

هذا إذا بنى الكلام على حدوث العالم بمعنى جميع ما سوى الله.

وأمّا لو بنى على حدوث العالم الجسماني على ما هو الظاهر من


1 . انظر: الأربعين في أُصول الدين: 1 / 52 ـ 53.

2 . لاحظ : الجزء الأوّل من هذا الكتاب: المسألة الخامسة والثّلاثون.


صفحه 90

مذهب المصنّف بقوله في بيان الملازمة، إذ لو كان حادثاً لتوقّف على أمر حادث لئلاّ يلزم التخلّف عن الموجَب التامّ المستلزم للتّرجيح من غير مرجّح، وذلك الحادث أيضاً يتوقّف على حادث آخر، وهكذا فيلزم التسلسل في الحوادث مجتمعة أو متعاقبة. وكلاهما محال عند المتكلّمين، على أنّ في صورة الاجتماع يلزم المتخلّف أيضاً، وإنّما احتيج إلى هذا الاستدلال حينئذ، لأنّ إثبات حدوث العالم بجميع أجزائه بالبرهان العقلي، لما لم يتيسّر، ولم يتعرّض له في هذا الكتاب كما عرفت لم يكن لنا غنيّ في نفي الإيجاب عن التعرّض لبطلان التسلسل في الشروط والمعدّات.

قال شارح المقاصد: «والأصل المعوّل عليه في باب إثبات قادريّة الباري تعالى أنّه صانع قديم له صنع حادث، وصدور الحادث عن القديم إنّما يتصوّر بطريق القدرة دون الإيجاب، وإلاّ يلزم تخلّف المعلول عن تمام علّته، حيث وجدت في الأزل العلّة دون المعلول، ولا يتمّ هذا إلاّ بعد إثبات أنّ شيئاً من الحوادث يستند إلى الباري تعالى بلا واسطة، وذلك بأن يبيّن أنّه قديم بذاته وصفاته. وأنّ العالم حادث بجميع أجزائه على ما قرّره المتكلمون. أو يبيّن امتناع أن يكون موجباً بالذات (1)، ويكون في سلسلة معلولاته قديم مختار يستند إليه الحوادث، وهذا ممّا وافقنا عليه الخصم، أو يكون حركة سرمديّة يكون جزئيّاتها الحادثة شروطاً ومعدّات في حدوث الحوادث على ما زعمت الفلاسفة.

وقد تبيّن في بحث «إبطال التسلسل» بيان حدوث الحوادث


1 . كما في المصدر.


صفحه 91

واستحالة ما لا نهاية لها مجتمعة كانت أو متعاقبة. وفي بحث «حدوث العالم» بيان استحالة أزليّة الحركة. انتهى »(1).

وقال صاحب المواقف: «واعلم، أنّ هذا الاستدلال إنّما يتمّ بأحد طريقين:

الأوّل: أن يبيّن حدوث ما سوى الله تعالى وصفاته، وأنّه لا يجوز قيام حوادث متعاقبة لا نهاية لها بذاته.

والثاني: أن يبيّن في الحادث اليومي أنّه لا يستند إلى حادث مسبوق بآخر لا إلى نهاية محفوظاً بحركة دائمة. وأنت بعد إحاطتك بما تقدّم من المباحث خليق بأن يسهل عليك ذلك. انتهى »(2).

فإن قيل (3): هذا الاستدلال لا يمكن إجراؤه من قبل المصنّف القائل بامتناع الترجيح بلا مرجح، إذ على تقدير هذا الإجراء يمكن أن يعارض بأنّ تأثيره تعالى في العالم لو لم يكن بالإيجاب لزم التوقّف على أمر، حادث بل قد يقال: إنّ العالم قديم وإلاّ لتوقّف على أمر حادث إلى آخر ما قيل في الاستدلال.

أُجيب: بأنّ المعارضة مندفعة عن المصنّف إذ له أن يمنع لزوم الترجيح بلا مرجّح، لجواز كون المرجح علم الفاعل بالأصلح.


1 . شرح المقاصد: 4 / 89 ـ 90 .

2 . المواقف في علم الكلام: 281 .

3 . تعرّض له فخرالدين محمد السمّاكيّ الاسترآبادي في حاشيته على إلهيّات تجريد العقائد للقوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد مع حاشية فخر الدين: 311 / المقصد الثالث.


صفحه 92

واعلم: أنّ هاهنا نزاعاً آخر وهو أنّه: هل يجب من الله تعالى بالعلم والإرادة شيء بحيث يمتنع تخلّفه بعد تعلّقهما به عنه تعالى أم لا ؟(1)

فالحكماء والمحقّقون من المتكلّمين كالمصنّف على الأوّل، لما مرّ من أن الشيء ما لم يجب لم يوجد، لامتناع التّرجيح بلا مرجح.

والأشعري ومن تبعه في تجويز الترجيح بلا مرجّح على الثّاني، فعندهم يجوز أن يقع الترك بدلاً عن الفعل في وقت عزم فيه على الفعل ويمتنع عند غيرهم ذلك.

والفرق في ذلك بين الحكماء وبين المصنّف وأضرابه هو أنّ عند الحكماء قد تعلّق إرادة الباري تعالى بإيجاد العالم في الأزل، فوجب وجوده فيه بالإرادة القديمة الّتي هي عين ذاته تعالى فيمتنع وقوع الترك بالنظر إلى ذلك التعلّق وإن جاز مع قطع النظر عنه .

وعند المصنّف وغيره قد تعلّقت الإرادة الذاتيّة والعلم بالأصلح بإيجاد العالم في وقت معيّن، وبعد تعلقّها فيه يمتنع التخلّف. وهذا أيضاً ممّا يؤكد ما ذكرنا من التشنيع على الحكماء، فتدبّر.


1 . لاحظ لمزيد الاطلاع: الهيّات الشّفاء: 1 / 172 ـ 173 ; والتعليقات: 15 ـ 16 ; وشرح المواقف: 8 / 49 ـ 51 ; والمطالب العالية للعلم الإلهي: 3 / 77 ـ 81 ; وشرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 132 ـ 134 ; وحاشية الخفريّة على إلهيّات شرح التجريد: 100 ـ 102 .


صفحه 93

 

الفرع الثّالث

في جواب عن اعتراضات النافين لقدرة الله (1)

قال: والواسطة غير معقولة .

ويمكن عروض الوجوب والإمكان للأثر باعتبارين.

ويمكن اجتماع القدرة على المستقبل مع العدم في الحال .

وانتفاء الفعل ليس فعل الضدّ.

أقول: لمّا فرغ المصنّف من الاستدلال على مطلوبه شرع في جواب عن الإشكالات النافين لقدرة الله تعالى مع وجه الملخّص .

الأوّل: (والواسطة غير معقولة) (2)

هذا جواب عن سؤال: هو أنّ حدوث العالم لا يدلّ إلاّ على أنّ المؤثّر فيه بلا واسطة يكون مختاراً لا مطلقاً، فيجوز أن يكون الواجب تعالى


1 . راجع لمزيد التحقيق: كشف المراد: المسألة الأُولى من الفصل الثّاني من المقصد الثّالث; والبراهين القاطعة: 2 / 77 ـ 106 ; والحاشية على إلهيّات الشرح الجديد للتجريد: 43 ـ 53 ; وشرح المقاصد: 4 / 94 ـ 100 ; وشرح المواقف: 8 / 49 ـ 52 ; وشرح تجريد العقائد: 310 ـ 311 .

2 . أي أنّ الواسطة بين الباري والعالم غير معقولة، إذ الواسطة إمّا مجرّد وإمّا ماديّ وكلاهما مستحيل. أمّا المجرّد فقد تقدّم عدمه، إذ لو كان الصادر الأوّل مجرّداً لم يعقل وجود ماديّ أبداً، وأمّا الماديّ فلأنّه لا يعقل قدمه إذ هو متغيّر والمتغيّر غير قديم، لاحظ: القول السّديد في شرح التجريد: 275 .


صفحه 94

مؤثّراً في العالم بواسطة ممكن صادر عنه بالإيجاب مؤثّر في العالم بالاختيار، فلا يثبت بذلك اختياره تعالى.

وتقرير الجواب على ما قرّره الشّارحون(1): هو أنّ تلك الواسطة أيضاً يكون من العالم، لأنّ المراد به جميع ما سوى الله وتوسّطها بين نفسها وبينه تعالى غير معقول.

وهذا التقرير غير مناسب من قِبَلِ المصنّف; حيث لم يبيّن إلاّ حدوث الأجسام وأعراضها ونفوسها وجوَّز وجود الجواهر المجرّدة العقليّة، حيث قال في ما سبق «وأمّا العقل، فلم يثبت دليل على امتناعه»(2) فيجوز أن يكون الواسطة من تلك الجواهر.

وأمّا ما قيل(3): من أنّ المصنّف لم يُجوّز قدم المجرّد، بل وجوده. وأنّ قوله في ما سبق: «ولا قديم سوى الله تعالى»(4)يدلّ على حدوثه على تقدير وجوده، فضعيف. إذ تجويز وجوده يستلزم تجويز قدمه، إذ كما لم يثبت امتناع وجوده لم يثبت امتناع قدمه على تقدير وجوده أيضاً.

ومعنى قوله: «لا قديم سوى الله» ; أي لا قديم ثابتاً كما مرّ هناك.

فالصّواب أن يقرّر هذا الجواب: بأنّ صدور العالم الحادث عن


1 . لاحظ: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد; وشرح تجريد العقائد للقوشجي; وتشييد القواعد في شرح تجريد العقائد للإصفهاني: الورقة 1366 و 1367، مخطوط .

2 . لاحظ: الجزء الثّالث من هذا الكتاب: المسألة الأُولى من الفصل الرّابع .

3 . القائل هو الشارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 310.

4 . لاحظ : الجزء الأوّل من هذا الكتاب: المسألة الثّامنة والثّلاثون.


صفحه 95

الواسطة، إنّما يجوز بإرادة حادثة غير مستندة إلى الواجب الموجَب بالفرض، لأنّ استناد الحادث إلى القديم الموجَب لا يمكن إلاّ بحركة أزليّة، وهي منتفية، لحدوث العالم الجسماني.(1)

وهذا ـ أعني: حدوث الإرادة من غير استناد إلى الواجب ـ غير معقول، لكونه حدوثاً بلا سبب، أو بأسباب مسلسلة، وكلاهما محالان.

فهذا الكلام من المصنّف من تتمّة الاستدلال، فإنّه لمّا لم يثبت عنده حدوث سوى العالم الجسماني كان البيان متوقّفاً على إبطال التّسلسل في الشروط، وعلى نفي قديم من الممكنات مجرّد يكون تأثيره في العالم الجسماني بالاختيار من غير استناد إلى الواجب معاً، إذ مع جواز التسلسل المذكور أو بطلانه، وجواز واسطة بالصّفة المذكورة ; لا يمتنع استناد الحادث إلى الموجَب، لكن الأوّل ـ أعني: بطلان التسلسل مطلقاً ـ قد مرّ، فأشار هاهنا إلى نفي الواسطة المذكورة أيضاً ليتمّ الاستدلال على نفي الإيجاب. وهذا هو تحقيق هذا المقام.


1 . قال المحقّق الخفري: «معنى قول المصنّف ـ والواسطة غير معقولة ـ أنّ الواسطة في ايجاد العالم الجسماني ممّا يفيد البرهان العقلي الدالّ على أنَّ إيجاد الجواهر والأعراض المفارقة لذات الموجد ممّا هو مختصّ بالمبدأ الأوّل، وهذا لا ينافي كون حركات العباد صادرة عنها». لاحظ : حاشية الخفريّة على إلهيّات شرح التجريد: 104 .

وقال المحقّق الأردبيلي: «فيحتمل أن يكون معنا قوله (قدس سره) ـ والواسطة غير معقولة ـ أي الواسطة بين الواجب والحادث ـ بمعنى أنّه لا يمكن استناد الحادث إليه ـ غير معقولة لكونه منه ولو بالإمكان وذلك كاف. أو القول بأنّه قد يكون موجباً بالنسبة إلى غير الحادث مختاراً بالنسبة إليه، وهو واسطة بين قول الحكيم والمتكلم، فهو أيضاً غير معقولة، لأنّه إمّا قادرٌ أو موجَب. لاحظ: الحاشية على إلهيات الشرح الجديد للتجريد: 46 .


صفحه 96

ثمّ إنّ الإمام الرازي أجاب عن هذا السؤال في "المحصّل "بأن قال: «أمّا هذه الواسطة فقد أجمع المسلمون على إبطالها»(1).

والمصنّف أورد عليه في "النقد": «أنّ شيخكم الأشعري ومن وافقه يزعمون أنّ الله تعالى ذات لا توجب دوام وجودها واستمراره، بل يحتاج في ذلك إلى ذات تفيد دوام وجوده لا بها، ويسمّون تلك الذات صفة، وهذا تصريح منهم بأنّ ذاته تعالى ممكنة ليست دائمة بذاتها. فإمّا أن يكون صاحبكم وأتباعه خالفوا إجماع المسلمين أو يكون السؤال وارداً. انتهى»(2).

ويمكن أن يقال: إنّ المراد هو الإجماع على بطلان هذه الواسطة بصفة كونه واسطة فلا يرد ذلك، فتدبّر. لكن الكلام في انعقاد هذا الإجماع.

والتحقيق: أنّ كون الصّانع بمعنى المتفرد بالتدبير في العالم منحصراً في الله تعالى، مجمع عليه بين المسلمين، بل هو من ضروريات الدّين، بل لا خلاف لأحد من العقلاء من الفلاسفة وغيرهم في ذلك والحكماء القائلون بالجواهر المفارقة المدبّرة في العالم يجعلونها مقهورة تحت تدبير الله تعالى ولا يجعلونها مستقلة بالتدبير والتصرف في هذا العالم.

ولعلّ هذا مراد شارح المقاصد من قوله: «والخصم يوافقنا في ذلك»(3) كما نقلنا عنه آنفاً.


1 . محصل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 122 .

2 . نقل بالمعنى. لاحظ : نقد المحصل: 275 .

3 . لاحظ : شرح المقاصد: 4 / 90 .


صفحه 97

وهذا هو أحد احتمالي كلام المصنّف، بمعنى أنّ القول بالواسطة المستقلة في التدبير في العالم الجسماني غير معقول; أي لم يذهب إليه أحد من العقلاء، وإن كان مآل هذا الاحتمال والاحتمال الأوّل الّذي وجّهت به كلام المصنّف واحداً عند التحقيق .

وقد يوجد عبارة المصنّف بتوجيهات بعيدة:

منها: أنّه ردٌّ لما قد يقال: إنّ الواجب تعالى واسطة بين الموجَب والمختار; لأنّ المراد بالإيجاب هو ما نعلمه من الطبائع، وهو منفيّ عنه تعالى لا محالة، وبالاختيار ما نعلمه من الحيوان، وهو أيضاً منفيّ عنه تعالى; لأنّ اختيار الحيوان ممكن واختيارُه تعالى يجب أن يكون واجباً، فهو واسطة بين الموجب الّذي نفهمه وبين المختار الّذي نفهمه.

وتقرير الرّد أنّه لا معنى للواسطة بين الموجَب والمختار ; فإنّ (1) المختار ما يكون فاعلاً بالاختيار، سواء كان اختياره واجباً أو ممكناً، ألا ترى أنّ سائر صفاته تعالى ليست كصفاتنا، ولا يلزم ثبوت الواسطة، فكذا الاختيار.

ومنها: أنّ حاصل الكلام هو أنّه لمّا ثبت حدوث العالم، انتفى الإيجاب، وَلمّا انتفى الإيجاب ثبت الاختيار; إذ لا واسطة بين الإيجاب والاختيار، فإذا انتفى أحدهما ثبت الآخر، وذلك لأنّ موجد الشيء إمّا أن يمكن تخلّف أثره عنه وهو المختار، أو لا وهو الموجَب، ولا واسطة بين النفي والإثبات.


1 . في د : «إذ المختار».


صفحه 98

ومنها: أنّه ردّ لما التزمه الأشاعرةَ من أنّه تعالى موجب في بعض ما يصدر عنه، وهو صفاته ومختار في البعض الآخر وهو أفعاله، فيكون واسطة بين الموجَب مطلقاً والمختار مطلقاً، ولا خفاء في كونه غير معقول .

الثّاني: (ويمكن عروض الوجوب والإمكان للأثر باعتبارين)

هذا جواب عن دليل نافي القدرة .

وتقريره: أنّ تحقّق القدرة ـ أعني: تساوي الفعل والترك ـ يقتضي إمكان الأثر بالنسبة إلى المؤثّر، لكنّه إن استجمع شرائط التأثير كان الأثر واجباً وإلاّكان ممتنعاً، فلا يتحقّق إمكان الأثر ; لمنافاته الوجوب والامتناع، فلا يتحقّق القدرة.

وتقرير الجواب: أنّا لا نسلّم منافاة الإمكان للوجوب أو الامتناع لكونهما باعتبارين: أحدهما: باعتبار القدرة فقط . وثانيهما: باعتبار سائر الشرائط كالإرادة.

كما أنّه يصح اجتماع الوجوب الغيري مع الإمكان الذّاتي في المعلول عند القائل: بأنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد. كما هو الحقّ على ما مرّ سابقاً، لكون أحدهما باعتبار ماهيّته والآخر باعتبار علّته .


صفحه 99

 

الثّالث: (ويمكن اجتماع القدرة على المستقبل مع العدم في الحال )(1).

هذا جواب عن دليل آخر.

تقريره: أنّ القدرة بمعنى التمكّن من الفعل والترك إمّا حال وجود الأثر، فلا يتمكّن من الترك، لكون الوجود واجباً حينئذ، وإمّا حال عدمه، فلا يتمكّن من الفعل، لكون العدم واجباً ولا يخلو الأثر عن حال الوجود والعدم، فإذا لم يمكن تحقّق القدرة في أحدهما لم يمكن أصلاً، وهو المطلوب.

وتقرير الجواب: أنّ التمكّن إنّما هو في حال العدم ; لكن من الفعل لا في هذا الحال، بل في ثاني الحال الّذي هومستقبل بالنسبة إليه، فلا منافاة. وكذا القول في التمكّن من الترك، فإنّه في حال الوجود ; لكن من الترك في ثاني الحال من غير منافاة.(2)


1 . في بعض النسخ: «واجتماعُ القدرة على المستقبل مع العدم».

2 . قال العلاّمة الخفري: وليعلم أنّ المتكلّمين اختلفوا في أن القدرة على الفعل; أي القدرة الحادثة قبله أو حين وجوده، فذهب الأشعريّة إلى أنّها مع الفعل والمعتزلة إلى أنّها قبل الفعل; واستدلّ من قال بتقدّمها بوجهين: الأوّل: منهما أنّه لو لم يتحقّق قبل الفعل لكان تكليف الكافر بالإيمان تكليف غير القادر، وتكليف غير القادر وإن كان جائزاً عند الأشاعرة لكنّه غير واقع بالإتّفاق كما قال الله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا). البقرة: 286 .

الثّاني: منهما أنّ القدرة يلزمها كونها محتاجاً إليها في الفعل، والفعل عند الحصول لا يحتاج إلى القدرة. لاحظ : الحاشية الخفريّة: 108 .


صفحه 100

وذكر المصنّف في " نقد المحصّل" (1): أنّ هذا الجواب لا يصحّ من قِبَل الأشعري، لأنّ القدرة عنده مع الفعل لا قبله، بل هذا الجواب إنّما هو جواب أصحابنا القائلين بتقدّم القدرة على الفعل.

ثمّ قال: لكن فيه إشكالان:

أحدهما: أن يقال: إنّ التمكّن أمر إضافيّ، والأُمور الإضافيّة تستدعي(2) تحقّق المضافين، فلا يجوز ثبوت التمكّن الآنَ مع أنّ أحد المضافين ليس بمتحقّق الآنَ.

والجواب عنه: أنّا لا نسلّم أنّ هذا من الإضافات الّتي يمتنع تحقّقها إلاّعند تحقّق المضافين، ولِمَ لا يجوز أن يكون التمكّن كالعلم، فإنّه لا يفتقر إلى تحقّق المضافين، ولذلك يعلم واحدٌ منّا ما يقطع بأنّه لا تحقّق له، وكالإرادة ; فإنّ الواحد منّا يريد ما لا يتحقّق بعدُ مع أنّ العلم لا يعقل إلاّ بين عالم ومعلوم، والإرادةَ إلاّ بين مريد ومراد؟ وهذا يدلّ على أنّ الإضافة المفتقرة إلى تحقّق المضافين نوع آخَر أخصُّ من هذا النوع، وهو ما كان من باب الفوقيّة والتحتيّة، وكون الشيء يميناًوشمالاً ونحو ذلك .

والإشكال الثّاني: أن يقال: إذا أجزتم حصول التمكّن الآنَ لا من أمر يقع الآنَ بل من أمر يقع في ثاني الحال، فأجيزوا سبْقَ العلّة على معلولها بالزمان، لأنّ كليهما يشتركان في أنّ كلّ واحد منهما مؤثر وفاعل.

والجواب: أنّ هذا قياس بجامع المشترك وهو المؤثّريّة، وهو غير


1 . لاحظ : نقد المحصل: 274 ـ 277 .

2 . في د: «أمر إضافي، والإضافة تستلزم».


صفحه 101

مفيد، لجواز أن تكون خصوصيّة الإيجاب فارقةً بين الموضعين هذا، فتأمل.

فإن قيل: الأولى أن يجاب عن هذا الدليل بما أجاب به عن الدليل الأوّل; فإنّ وجوب وجود الأثر بالإرادة في حال الوجود لا ينافي إمكان الترك بالنظر إلى ذات القادر; فإنّ التمكّن من الفعل والتّرك إنّما يكون بالنظر إلى ذات القادر من حيث هو قادر، وهذا يتحقّق في كلتا حالتي الوجود والعدم.

وأمّا جواب المصنّف: فيرد عليه أنّ ثاني الحال لا يخلو عن وجود الفعل وعدمه، فيعود السؤال على التقديرين، فلا تتحقّق القدرة على المستقبل، ويحتاج إلى الجواب المذكور.

قلنا: الدّليل الأوّل كان باعتبار منافاة الوجوب مع الإمكان بمعنى التساوي في الطَّرفين، فيكفي في دفعه كونهما باعتبارين .

وأمّا السؤال الثّاني: فهو باعتبار منافاة الوجوب مع الإمكان الوقوعيّ; فإنّ التمكّن بنفسه تضّمن الإمكان الوقوعي، ولا تندفع هذه المنافاة بكونهما من اعتبارين ; فإنّ اجتماع النقيضين ـ أعني: الوقوع واللاّوقوع ـ لا يمكن أن يتصحّح بحيثيّتين تعليليّتين .

وأمّا على ثاني الحال لا يخلو عن وجود الفعل وعدمه فغير ضائر; لأنّ شيئاً منهما ليس بمتعيّن في الحال لا بالنظر إلى القدرة ـ وهو ظاهر ـ ولا بحسب الإرادة ; لإمكان تغيّرها في ثاني الحال، فيمكن تحقّق التمكّن في الحال من كلّ منهما في ثاني الحال .


صفحه 102

 

الرّابع: (وانتفاء الفعل ليس فعلَ الضّد(1))

جواب عن ثالث (2).

تقريره: أنّ القادر على وجود الشّيء يكون قادراً على عدمه أيضاً، لكنّ القدرة على العدم باطلة، لأنّه نفيٌ محض لا يصلح أثراً للمؤثّر، ولأنّه في الأصل أزليّ ولا شيء من الأزليّ بمتعلّق للقدرة بالمعنى المتنازع فيه.

وتقرير الجواب: أنّ متعلّق القدرة هو انتفاء الفعل، وهو يتحقّق بأن لا يفعل الفعل، لا بأن يفعل العدم والنفي.

وتفصيله: أنّ المستدلّ إن أراد بقوله: «إنّ القادر على وجود الشيء قادر على عدمه أيضاً» أنّه قادر على فعل العدم، فهو ممنوعٌ، ومفهوم القدرة لا يستلزمه. وإن أراد أنّه قادر على أن لا يفعل فهو مسلّم، وبطلان اللاّزم ممنوعٌ; لأنّ انتفاء الفعل لا يستلزم فعل الضّد حتّى يبطل بالوجهين، والعدم الأزلي مقدور بهذا المعنى، أي بأن لا يفعل الفعل، فيستمرّ العدم، أو يفعلَه فيزول.

وأيضاً العدم لا يصلح أثراً للوجود، لكنّه أثر للعدم بمعنى الاستتباع ;


1 . يعني أنّ القادر هو الّذي يصحّ منه أن يفعل وأن لا يفعل، وعدم الفعل ليس فعلاً للعدم. هذا ما افاده المحقّق الخوانساري.

وقال المحقّق الأردبيلي: حاصله أنّا لا نسلم أنّ العدم لم يكن أثراً، فإنَّ عدم المعلول مستند إلى عدم العلّة، فالعدم أثر كالوجود. لاحظ : الحاشية على حاشية الخفري للخوانساري: 16 ; والحاشية على إلهيّات الشرح الجديد للأردبيلي: 51 .

2 . بل جواب عن رابع.


صفحه 103

فإنّ عدم المعلول يترتّب على عدم العلّة على ما مرّ سابقاً، وهاهنا عدم الفعل مترتّب على عدم المشيّة، فهو أثر للقدرة بهذا المعنى.

هذا، وأورد على الدليل أنّه إذا لم يكن العدم أثراً للغير، يلزم أن يكون عدم الحوادث لذواتها، فيلزم امتناعها حالَ عدمها وانقلابها حالَ وجودها، وأن لا ينعدم شيء من الموجودات الممكنة ; لاستحالة انعدامها بالذّات بالضّرورة، وبالغير أيضاً ; لما ذكرنا. وأن يكون الممكن القديم واجب الوجود لذاته، إذ لا يجوز عدمها بالغير لما ذكره ولا بالذّات لكونه ممكناً، فيلزم تعدّد الواجب على الحكماء. وقد يدفع هذا الأخير بأنّ عدم جواز العدم عليها ليس نظراً إلى ذواتها، بل لكون العدم غير صالح للتأثير وهو خارج عن ماهيات الممكنات، فلا يلزم وجوبها بالذّات، ويمكن بذلك دفع الأوّل أيضاً كما لا يخفى.

واعلم: أنّ أصل هذا الدليل شبهة حكاها الإمام في "المحصّل "ولم يُجب عنها ومحصولها: أنّ قول المتكلّمين: «القادر هو الّذي يجب أن يكون متردّداً بين الفعل والترك، إنّما يصحّ لو كان الفعل والترك مقدورين له، لكنّ الترك محال أن يكون مقدوراً; لأنّ الترك عدم، والعدم نفي محض ، ولا فرق بين قولنا: لم يؤثّر أثراً(1)، وبين قولنا: أثّر فيه تأثيراً عدميّا. ولأنّ قولنا: «ما أوجد» معناهُ أنّه بقى على العدم الأصلي، وإذا كان العدم الحالي هو العدم الّذي كان، (2) استحال اسناده إلى القادر; لأنّ تحصيل الحاصل


1 . في المصدر: «لم يكن مؤثراً».

2 . في المصدر: «فإذا كان العدم الحالي عين ما كان».


صفحه 104

محال. فثبت أنّ الترك غير مقدور، وإذا كان كذلك استحال أن يقال: القادر هو الّذي يكون متردّداً بين الفعل والترك»(1).

وأجاب عنها المصنّف في "النقد "بأن قال: لِمَ لا يجوز أن يكون في الوجود حقيقة متمكّنة من أن يفعل الفعل في الثّاني، ومن أن لا يفعله في الثّاني؟

فأمّا الإشكال الأوّل وهو قوله: «لا فرق بين قولنا: لم يؤثّر، وبين قولنا: أثر» فليس بلازم، لأنّ بينهما فرقاً معقولاً كالفرق بين قولنا: لم يعلم، وبين قولنا: علم لا فإنّما نعلم بالضرورة العدمَ المقيّدَ والعدم المطلق، وكلاهما عدم، وليس مفهوم قولنا: لا يعلم هو مفهوم قولنا: علم العدم; لأنّ قولنا: لا يعلم قضيّة صادقة على الجماد والمعدوم وكلِّ ما لا يَعلم، وقولنا: يعلم العدمَ لا يصدق على ذلك.

وكذلك يُعقل الفرق بين قولنا: لا يجب، وبين قولنا: يجب لا، فإنّ الجسم لا يجب وجوده وهو قضيّة صادقة، ولا تصدق الأُخرى، وهي قولنا: يجب لا وجوده; لأنّه لو وجب «لا وجوده» لما وُجدت الأجسام.

وأمّا الإشكال الثّاني وهو قوله: «إنّ قولنا: ما أُوِجد معناه أنّه بقي على العدم الأصليّ». فالجواب عنه: أنّ هذا الكلام إمّا أن يفرض في الباري تعالى، أوفينا .

فإن فرض في الباري تعالى، فإمّا أن يفرض فيه قبل أن خلق العالم


1 . محصل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: 120 .


صفحه 105

والزمان، أو بعد أن خلق العالم والزمان، فإن فُرض قبل الخلق، فليس قبل خلق العالم أمر يستمرّ ويتصرّم أوّلاً فأوّلاً ليصدق عليه أنّه كاستمرار بقاء الجسم ودوامه، فكما أنّ الاستمرار الوجوديّ لا يتعلّق به القدرة، فكذلك الاستمرار العدميّ، فقد بطل على هذا الفرض ما ابتني عليه الإشكال .

وإن فُرض الكلام فينا، أو في الباري تعالى بعد خلق العالم والزمان، فالجواب: أنّ العدم مستمرّ بحسب استمرار الزمان حالاً فحالاً، ونحن لا نقول: إنّه متمكّن من العدم الحالي، كما لا نقول في طرف الوجود: إنّه متمكّن من الوجود الحالي، بل كما قلنا في طرف الوجود: إنّه متمكّنٌ الآن من الإيجاب في الثّاني، كذلك نقول في طرف العدم: أنّه الآن متمكّنٌ من أن لا يوجد في الثّاني، وعدم الفعل في الثّاني ليس هو العدمَ الحاصلَ للآنَ ليلزم من قولنا: «إنّه متمكّنٌ منه» أن نقول بتحصيل الحاصل، بل هو عدمٌ غيرُ العدم الحالي، فقد بان أنّ الإشكال مندفع على كلا الفرضين، هذا.

ثمّ إنّ الإمام حكى شبهة أُخرى، محصولها: «أنّ الباري تعالى لو كان قادراً لكانت قادريّته: إمّا أن تكون أزليّة، أو لا يكون .

والأوّل محال: لأن التمكّن من التأثير يستدعي صحّة الأثر لكن لا صحّة في الأزل، لأنّ الأزل عبارة عن نفي الأوليّة، والحادث ما يكون مسبوقاً بغيره، والجمع بينهما محال .

والثّاني أيضاً محال: لأنّ قادريّته إذا لم تكن أزليّة، كانت حادثة، فافتقرت إلى مؤثّر، فإن كان المؤثّر مختاراً، عاد البحث كما كان. وإن كان


صفحه 106

موجَباً، كان المبدأ الأوّل موجَباً».(1)

وأجاب عنها الناقد البارع(قدس سره)(2): بأنّ هذه الشبهة مبنيّة على توهّم كون الأزل حالة معيّنة منفصلة عن الحالة الأُخرى المسمّاة «لا يزال»، وهذا توهّم فاسد ; فإنّه ليس الأزل حالةً معيّنةً يمتنع فيها الفعل، و «لا يزال» حالةً أُخرى يصحّ فيها الفعل، والمعقول من الأزل انتفاء الأوّلية فقط، وإذا كان كذلك، فمعنى قولنا: إنّ الباري سبحانه لم يزل قادراً ـ إن توهّمنا العدمَ مستمرّاً قبل العالم ـ أنّه لا حالٌ من الأحوال في ما مضى إلاّ ويصدّق عليه فيها أنّه قادر على أن يفعل، وهذه القضيّة لا يناقضها قولنا: العالم مستحيل أن يكون قديماً; لأنّه لا منافاة بين قولنا: الحادث الّذي له كون زمانيّ يجوز تقديم حدوثه على وقت حدوثه، ولا يقف هذا التقديم على المحكوم بجوازه على أوّل ينقطع هذا الحكم عنده، ويقال: إنّه قبل هذا الأوّل بلحظة لا يجوز حدوثه فيه، وبين قولنا: الحادث الّذي له كون زمانيّ يستحيل أن يكون قديماً، لأنّه لو كان قديماً، لاجتمع له أنّه قديم، وأنّ له كوناً زمانيّاً، وذلك متناقض.

وإنّما قلنا: إنّه لا منافاة بين القولين; لأنّهما قد صدقا معاً، فلو كان بينهما منافاة لم يصدقا، فقد بان أنّه لا مناقضة ولا منافاة بين قولنا: لم يزل الباري تعالى قادراً، وبين قولنا: الحادث لا يصحّ أن يكون قديماً .

وإن بنى الكلام على بطلان توهّم كون العدم قبل العالم مستمرّاً، كان


1 . محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 121 .

2 . يعني المحقّق الطوسي (قدس سره).


صفحه 107

الجواب من الشبهة أسهلَ; لأنّه يكون معنى قولنا: الباري تعالى لم يزل قادراً أنّ من لوازم ذاته المقدّسة صحّةَ أن يفعل، ومضمونُ قولنا: «صحة أن يفعل» أن يُحدِث، ولا يلزم من قولنا: هذه الذّات لها لازم ـ وهو صحّة أن يُحدِث ـ أن يكون لها لازم آخَرُ، وهوأن يَخلق القديم; لأنّ القديم لا يُخلَق.

فإذا قيل لنا: هذا قادريّتهُ أزليّة أم لا؟

قلنا للسائل: أتعني أنّ ذاته من لوازمها ـ الّتي لا تنفكّ كما لا تنفكّ الثّلاثة عن الفرديّة ـ أن يتمكّن من أن يفعل، أم تعني به أنّ من لوازمها أن تجمع بين الشيء ونقيضه ؟

فإن قال: سألتكم عن الثّاني.

قيل له: الجوابُ لا; إذ ليس من لوازمها أمر يستحيل عقلاً، فليس معنى قولنا: إنّها لم تزل قادرةً أنّها تتمكّن من جعل ما لا يتصوّر أن يكون قديماً .

وإن قال: سألتكم عن الأوّل.

قيل له: نعم، هي ذات من لوازمها صحّة أن يفعل، لكن لا يصدق مسمّى أن يفعل إلاّ مع الحدوث، فإذن هي مستلزمة لأمر لا يعقل إلاّ مع الحدوث، فلا يلزم أن يستلزم أمراً غير ذلك يناقض الحدوث. انتهى.(1)


1 . كلام المصنّف (رحمه الله) في نقد المحصل الّذي نقله الشارح المحقّق عنه بشيء من التصرّف. لاحظ : نقد المحصل: 274 ـ 277.


صفحه 108

 

الفرع الرّابع

في عموم قدرته تعالى

قال: وعموميّة العلّة تستلزم عموميّة الصّفة.

أقول: ولمّا ثبت قادريّته تعالى أشار إلى إثبات أنّ قدرته تعالى شاملة لجميع الممكنات، فقال: (وعموميّة العلة); أي علّة المقدورية وهي الإمكان; لأنّه علّة للحاجة إلى المؤثّر وهو إما موجَب أو قادر، ويجب انتهاء كلّ منهما إلى المؤثّر القادر، على ما مرّ، فكلّ ممكن فهو ممكن الصدور عن المؤثّر القادر الّذي ينتهي إليه كلّ مؤثّر من حيث هو قادر ـ أعني: نظراً إلى مجرّد قدرته ـ وإن كان قديماً يمتنع نظراً إلى إرادته وعلمه بنظام الخير وهو ـ أعني: الإمكان ـ عامّ للممكنات، فعموميّته (تستلزم عموميّة الصّفة)(1)، أي المقدورية بالمعنى المذكور، فجميع الممكنات مقدورة له تعالى (2)


1 . يعني إنّ الله تعالى قادر على كلّ ممكن خاصّ لم يجب وجوده ولم يمتنع مثل شريكه. والدليل عليه أنّه ثبت أنَّ الله تعالى قادر على ممكنّ ما، وعلّة قابليّة كونه مقدوراً له تعالى حدوثه وعدم كونه قديماً، أو إمكانه معه، لا الإمكان فقط، وذات الواجَب كان علّة لكونه قادراً عليه لا غير. ولا شك في وجود ذلك بالنسبة إلى كلّ ممكن. لاحظ : الحاشية على إلهيّات الشرح الجديد للأردبيلي: 53 .

2 . أنّ قدرة الله تعالى شاملة بجميع الممكنات لأنّ علّة المقدوريّة عامّة في جميع الممكنات فالقدرة عامّة في جميعها. أمّا أنّ علّة المقدوريّة عامّة فلأنّ علّتها الإمكان، وهو وصف مشترك بين جميع الممكنات، فيكون جميع الممكنات مقدوراً لله. انظر: الحاشية على حاشية الخفري للخوانساري: 17 .


صفحه 109

بالمعنى المذكور وهو المطلوب.

واستُدلّ على عموم قدرته في المشهور ـ على ما في " المواقف"(1) وشرحه ـ: «بأنّ المقتضي للقدرة هو الذّات ; لوجوب استناد صفاته إلى ذاته، والمصحّح للمقدوريّة هو الإمكان; لأنّ الوجوب والامتناع يُحيلان المقدوريّة، ونسبة الذات إلى جميع الممكنات على السواء، فإذا ثبت قدرته على بعضها تثبت على كلّها، وذلك بناءً على أنّ المعدوم ليس بشيء، وإنّما هو نفي محض لا امتياز فيه أصلاً، ولا تخصيص، فلا يتصوّر اختلاف في نسبة الذات إلى المعدومات بوجه من الوجوه خلافاً للمعتزلة، وعلى أنّ المعدوم لا مادّة له ولا صورة خلافاً للحكماء، وإلاّ لم يمتنع اختصاص البعض بمقدوريّته تعالى دون بعض كما يقوله الخصم.

فعلى قاعدة الاعتزال (2) جاز أن يكون خصوصيّة بعض المعدومات الثابتة المتميّزة مانعةً عن تعلّق القدرة به.

وعلى قانون الحكمة (3) جاز أن تستعدّ المادّة لحدوثِ ممكن دون آخَر.

وعلى التقديرين لا تكون نسبة الذات إلى جميع الممكنات على السواء .


1 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 283 .

2 . أي المعتزلة.

3 . أي الحكماء.


صفحه 110

ولابدّ أيضاً من تجانس الأجسام، لتركبّها من الجواهر الفردة المتماثلة الحقيقة ليكون اختصاصها ببعض الأعراض لإرادة الفاعل المختار; إذ مع تخالفها جاز أن يكون ذلك الاختصاص لذواتها، فلا قدرة على إيجاد بعض آخَرَ فيها»(1).

وهذا الاستدلال ضعيفٌ; لأنّ نفي شيئيّة المعدوم في الخارج لا يستلزم نفي التمايز عن المعدومات مطلقاً; ضرورة أنّ لمفهوم العدم أفراداً متمايزة عند العقل يختصّ كلّ منها بأحكام مخصوصة صادقة في نفس الأمر ; فإنّ عدم العلّة موجب لعدم المعلول من غير عكس، وعدمَ الشرط مناف لوجود المشروط، وعدمَ المشروط لا ينافي وجود الشرط إلى غير ذلك، على ما مرّ في مباحث «الأُمور العامّة»(2).

وأيضاً لإمكان مجال المناقشة على قواعد الحكماء، فالأولى هو التمّسك بالنصوص الدالّة على شمول قدرته تعالى عامّة، كقوله تعالى: (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)(3) وأمثال ذلك. كذا في " شرح المقاصد "(4).

ثمّ إنّ الشارح العلامة (رحمه الله)حمل كلام المصنّف هاهنا على اختيار مذهب الأشاعرة والإشارة إلى الاستدلال المذكور فقال: «يريد بيان أنّه تعالى قادر


1 . شرح المواقف: 8 / 60 .

2 . لاحظ : الجزء الأوّل من هذا الكتاب: المسألة الأُولى من الفصل الأوّل.

3 . البقرة: 284 ; آل عمران: 29 و 189 ; المائدة: 19 و 40 ; الأنفال: 41 ; التوبة: 39 ; الحشر: 6 .

4 . انظر: شرح المقاصد: 4 / 101 .


صفحه 111

على كلّ مقدور وهو مذهب الأشاعرة، وخالف أكثر النّاس (1) في ذلك. ثمّ ذكر مقالاتهم.

ثمّ قال: وهذه المقالات كلّها باطلة، لأنّ المقتضي لتعلّق القدرة بالمقدور إنّما هو الإمكان; إذ مع الوجوب والامتناع لا تعلّق، والإمكان مساو في الجميع، فثبت الحكم وهو صحّة التعلّق.

وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: «وعموميّة العلّة» أي الإمكان «تستلزِمُ عموميّةَ الصّفة» أي القدرة. انتهى»(2).

وأنا أقول: إنّ هاهنا مقامين:

أحدهما: أنّ الله تعالى قادر على كلّ ممكن سواءٌ تعلّق به القدرة فوُجد، أم لا فلم يُوجَد، أو وُجد بقدرةِ مخلوق .


1 . وهي الفلاسفة، قالوا: إنّ الله قادر على شيء واحد، لأنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد. والمجوس ذهبوا إلى أنّ الخير من الله والشرّ من الشّيطان، لأن الله تعالى خير محض وفاعل الشرّ شرير.

والثنويّة إلى أنّ الخير من النّور والشرّ من الظلمة.

والنظام (وهو أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار بن هاني البصري المعتزلي المتوفّى 231 هـ . ق) إلى أنّ الله لا يقدر على القبيح، لأنّه يدلّ على الجهل أو الحاجة.

والبلخي (وهو أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن محمود البلخي المعروف بالكعبي المتوفّى 317 أو 319 هـ . ق) إلى أنّ الله لا يقدر على مثل مقدور العبد لأنّه إمّا طاعة أو سفه.

والجبّائيان (وهما أبو علي محمد بن عبدالوهاب الجبّائي المتوفّى 303 هـ . ق وابنه أبو هاشم عبدالسّلام الجبّائي المتوفّى 321 هـ . ق. وهما من مشايخ المعتزلة) إلى أنّه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد، وإلاّ لزم اجتماع الوجود والعدم على تقدير أن يريد الله إحداثه والعبد عدمه.

2 . كشف المراد: المسألة الأُولى من الفصل الثّاني من المقصد الثّالث.


صفحه 112

وهذا هو الّذي حملنا كلام المصنّف عليه .

والقول بعموم القدرة بهذا المعنى غير مختصّ بالأشاعرة، بل أكثر الملّيين قائلون به كما ستعلم عن قريب.

والثاني: أنّه تعالى قادر على كلّ مقدور. وهذا أخصُّ من الأوّل ; لجواز أن يكون من الممكن ما ليس بموجود فضلاً عن أن يكون مقدوراً لقادر.

وهذا المقام الثاني قد يفسَّر بأنّ كلّ ما يوجد من الممكنات فهو معلول له تعالى بالذات، أو بالواسطة، وهذا ممّا لا نزاع لأحد فيه من القائلين بوحدة الواجب، وإنّما الخلاف في كيفيّة الاستناد ووجود الوسائط وتفاصيلها، وأنّ كلّ ممكن إلى أيّ ممكن يستند حتّى ينتهي إلى الواجب .

وقد يفسَّر بأنّ ما سوى الله تعالى من الموجودات واقع بقدرته وإرادته ابتداءً، وهذا هو مذهب الأشاعرة. وظاهر أنّ ذلك ليس بمختار عند المصنّف، فلا وجه لحمل كلام المصنّف على مذهب الأشاعرة.

والشارح القديم(1) أيضاً حمل كلام المصنّف على الاستدلال المشهور بحمل العلّة على المصحّح لا الموجب، ولذلك علّل كون علّة المقدوريّة هو الإمكان بأنّ الوجوب والامتناع يُحيلان المقدوريّة .

وكذا العلاّمة حيث علّله بأنّ مع الوجوب والامتناع لا تعلّق.(2)


1 . لاحظ : تسديد القواعد في شرح تجريد العقائد: الورقة 1368، مخطوطة.

2 . والإمكان ثابت في الجميع، فثبت الحكم وهو صحّة التعلّق. لاحظ : كشف المراد: المسألة الأُولى من الفصل الثّاني من المقصد الثّالث .


صفحه 113

وأمّا نحن، فإنّا حملنا العلّة على الموجب ; لما ذكرنا من ضعف الدليل المذكور، كيف؟ ومجرّد وجود المقتضي والمصحّح غير كاف بدون وجود الشرط وعدم المانع، فيجوز اختصاص بعض الممكنات بشرط لتعلّق القدرة، أو بمانع عنه.

وأمّا الشارح القوشجي(1) فهو أيضاً حمل العلّة على الموجب كما حملنا عليه، لكن لم يتفطّن لوجه الاستدلال .

فأورد عليه: أنا لا نسلّم أنّ الإمكان هو علّة المقدوريّة، بل هو علّة الحاجة إلى المؤثّر. والمؤثّر إمّا موجَب أو قادر، هذا.

واعلم: أنّ المنكرين لعموم قدرته تعالى في المقام الأوّل طوائف:

فمنهم الثنويّة القائلون (2) بأنّ للعالم إلهين: نور هو مبدأ الخيرات، وظلمةً هو مبدأ الشرور، وكذا المجوس القائلون بأنّ مبدأ الخيرات هو «يَزْدان» ومبدأ الشرور هو «أهْرِمَنْ» .

وحاصل شبهتهم: أنّ في العالم خيرات وشروراً، فلو كان مبدأ الخير والشرّ واحداً، لزم كون الواحد خيّراً وشرّيراً، وهو محال.

والجواب ـ على ما في كتب القوم ـ هو منع اللزوم إن أُريد بالخيّر مَن


1 . انظر: شرح تجريد العقائد: 311.

2 . لاحظ لمزيد الاطلاع: مناهج اليقين: 222 ـ 223 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: 90 ; ونقد المحصل: 300 ; وشرح المواقف: 8 / 62 ـ 63 ; وشرح المقاصد: 4 / 102 ; والحاشية على حاشية الخفري على شرح التّجريد للخوانساري: 18 ; واشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت: 269 ـ 270 .


صفحه 114

غلب خيره، وبالشرِّير مَن غلب شرّه، ومنعُ استحالة اللاّزم إن أُريد خالق الخير وخالق الشرّ في الجملة، غاية الأمر أنّه لا يصحّ إطلاق الشرّير عليه تعالى ; لظهوره في من غلب شرّه، أو لعدم التوقيف من الشرع.

وهذا الجواب لا يحسم مادّة الشبهة; إذ لهم أن يقرّروها بأنّ الله تعالى صِرْف الوجود ومحض الخيريّة، فيمتنع أن يصدر عنه الشرّ الّذي مناطه ليس إلاّ العدمَ على ما تقرّر في موضعه، سواء كان الشرّ غالباً أو مغلوباً; لامتناع صدور العدم وفَيَضانه من الوجود.

بل حق الجواب أن يقال: إنّ الشرور الذاتيّة ـ أعني: الأعدام بما هي أعدام ـ لا تستدعي علّة موجودة، بل علّتها عدم الوجود كما تقرّر في محلّه.

وأمّا الّتي هي شرور بالعرض ـ كمصادفة النّار للثوب والقاطع للعضو ـ فهي من حيث كونها شروراً صادرةٌ عن المبدأ الموجود الّذي هو صرف الوجود بالعرض لا بالذّات، والمحال هو صدور الشرّ عن الخير المحض بالذّات لا بالعرض. هذا.

ونقل عن أرِسطو (1) في دفع شبهة الثنويّه: أنّ الأشياء على خمسة احتمالات: ما لا خير فيه، وما لا شرّ فيه، وما يتساويان فيه، وما خيره غالب، وما شره غالب. وذات الواجب بالذات لمّا لم يمكن أن يصير مبدأ للشر وجب أن لا يصدر عنه إلاّ قسمان من هذه الأقسام، أي ما لا شريّة فيه، وما


1 . لاحظ : القبسات: 433 ـ 434 ; والحاشية الخفريّة على إلهيّات شرح تجريد الجديد: 113 ـ 114 ; والأسفار: 7 / 68 ـ 70 .


صفحه 115

خيريّته غالبة; لأنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرّ كثير، وأنّه قد تفاخر بذلك .

وتحقيقه ما ذكرنا، وإلاّ لو رد عليه أنّ صدور الشرّ عن الخير المحض إذا كان ممتنعاً فسواء في ذلك قليله وكثيره. وأمّا إذا قلنا بامتناع الصدور بالذات دون بالعرض، فيتفاوت القليل والكثير في ذلك; لامتناع أن يكون ما بالعرض زائداً على ما بالذات، أو مساوياً له، فليتدبّر .

ثمّ إنّ المذكور في " حكمة الإشراق وشرحه": «أنّ القول بالنور والظلمة كان طريقةَ أهل الإشراق من حكماء الفرس(1)، وهو رمز على الوجوب والإمكان، لا أنّ المبدأ الأوّل اثنان: أحدهما نور، والآخر ظلمة; لأنّ هذا لا يقوله عاقل فضلاً عن فضلاء فارس الخائضين غمراتِ العلوم الحقيقيّة، ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في مدحهم: لو كان الدّينُ بالثُّريَّا لتناولتهُ رجالٌ من فارسَ.(2)

وأنّ هذا الّذي يقوله حكماء الفرس ليس قاعدةَ كفرة المجوس القائلين بظاهر النور والظلمة، وأنّهما مبدآنِ أوّلانِ; لأنّهم مشركون لا موحّدون. وليس أيضاً الخادماني البابِلي (3) الّذي كان نصرانيَّ الدين،


1 . مثل جاماسب، وفرشاد وشتر وبوزرجمهر ومن قبلهم. لاحظ : جامع الأفكار وناقد الأنظار: 1 / 475 .

2 . ورد هذا الحديث في عباراة شتى ومنها عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو كان الِعلمُ منوُطاً بالثُّريَّا لَتناوَلَتْهُ رِجالُ من فارس. قرب الإسناد: 1 / 2 وفي حديث: لَو كانَ الإيمانُ مُعلَّقاً بِالثّريّا لناله رجالٌ من فارس: فقه القرآن: 1 / 371 ; وفي حديث أُخرى: لو كان الإيمان منوطاً بالثُّريَّا لتناوَلَهُ رجالٌ من فارس. بحار الأنوار: 22 / 52، الباب 37، الحديث 5.

3 . وهم المانوية أصحاب ماني الحكيم البابلي الّذي ظهر في زمان سابور بن أردشير بن بابك، وذلك بعد عصر عيسى (عليه السلام). لاحظ: جامع الأفكار وناقد الأنظار: 1 / 454 ـ 455 .


صفحه 116

مجوس الطين، وإليه تنسب الثنويّة القائلون بإلهين: أحدهما إله الخير وخالقه، والآخر إله الشر وخالقه، هذا»(1).

ومنهم في المشهور(2): الفلاسفة القائلون بامتناع أن يصدر عن الواحد إلاّ الواحد.(3) وقد مرّ في مباحث «الأُمور العامّة»(4)، وأمّا ما قيل إنّهم أنكروا أصل القدرة، (5) فلا معنى لعدّهم من منكري عمومها، ففساده ظاهر ممّا مرّ، إلاّ أن يكون مراده أنّهم منكرون للقدرة بالمعنى المتنازع فيه، فليتأمل.

وإنّما قلنا: «في المشهور» لأنّ التحقيق أنّ الحكماء وإن قالوا بالوسائط، لكن لا مؤثّر عندهم في الحقيقة إلاّ الله، والوسائط ليست إلاّ جهات الصدور والتأثير، لا مؤثّرةٌ بالاستقلال.

وناهيك في ذلك كلام بهمنيار في " التحصيل" حيث قال: «فإن سألت الحقّ فلا يصح أن يكون علّة الوجود إلاّ ما هو بريء من كلّ الوجه من معنى ما بالقوة، وهذا هو صفة الأوّل تعالى لا غير; إذ لو كان مفيداً لوجود ما فيه


1 . لاحظ : حكمة الإشراق: 11 ; وشرح حكمة الإشراق للقطب: 18 ـ 19 ; وشرح حكمة الإشراق للشهرزوري: 22 ـ 24 .

2 . أي المشهور بين المتكلّمين. انظر لمزيد الاطلاع: محصل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 119 ; ونقد المحصل: 269 ; ومناهج اليقين: 162 ; وإرشاد الطالبين: 187 ; والحاشية على حاشية الخفري للخوانساري: 17 .

3 . لاحظ : معارج الفهم في شرح النظم: 242 ـ 247 ; وارشاد الطالبين: 187 ـ 188 ; ومفتاح الباب: 105.

4 . لاحظ : الجزء الثاني من هذا الكتاب: الحكم الثالث من المسألة الثالثة من الفصل الثالث.

5 . هو ظاهر كلام بعض المتكلمين. لاحظ : المحصل: 119 ; ونقد المحصل: 269 ; وإرشاد الطالبين: 182 ; وشرح المواقف: 8 / 49; وشرح المقاصد: 4 / 96 .


صفحه 117

معنى ما بالقوّة سواء كان عقلاً أو جسماً كان للعدم شركة في إفادة الوجود، وكان لما بالقوّة شركة في إخراج الشيء من القوّة إلى الفعل. انتهى»(1).

وتحقيقه: أنّ كلّ ممكن زوجٌ تركيبيّ مشتمل على ما بالقوّة ولو بحسب الذات فقط، وهو الّذي له من جهة ذاته، وعلى ما بالفعل، وهو الّذي له من جهة مبدئه الحقيقي، فما يصدر عنه إنّما يصدر عن الجهة الّتي هي له من المبدأ، لا من الجهة الّتي هي من ذاته; فإنّ ما له من ذاته ليس إلاّ العدمَ والقوّةَ، فلو صدر عنه من هذه الجهة شيء لزم كون العدم والقوّةِ مؤثّراً في الوجود والفعليّة. هذا.

ومنهم: النظّام وأتباعه(2) القائلون: بأنّه لا يقدر على خلق القبايح لإفضائه إلى الجهل والسفه تعالى عن ذلك.

ومنهم القائل (3): بأنّه لا يقدر على ما علم أنّه لا يقع ; لاستحالة وقوعه، وكذا ما علم أنّه يقع ; لوجوبه.

ومنهم الكعبي (4) وأتباعه القائلون بأنّه لا يقدر على مثل مقدور العبد


1 . التحصيل: 521 ـ 522 .

2 . لاحظ : مناهج اليقين: 162 ; وأنوار الملكوت: 89 ; ومعارج الفهم في شرح النظم: 247 ـ 250 ; ومفتاح الباب: 106 و 107 ; وشرح المواقف: 8 / 63 ; وشرح المقاصد: 4 / 182 .

3 . القائل هو عبّاد بن سليمان الصيمري من أكابر متكلّمي المعتزلة على ما في انوار الملكوت في شرح الياقوت: 90 ; وارشاد الطالبين: 190 .

4 . لاحظ : مناهج اليقين: 163 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: 91 ; ومعارج الفهم في شرح النظم: 254 ; وكشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 174 ; وارشاد الطالبين: 191 ـ 192 ; ومفتاح الباب: 105 .


صفحه 118

حتّى لو حرّك جوهراً إلى حيّز وحركّه العبد إلى ذلك الحيّز، ثمّ تتماثل الحركتان; وذلك لأنّ فعل العبد إمّا عبث أو سفه أو طاعة، بخلاف فعل الربّ.

ومنهم الجبّائيّان (1) وأتباعهما القائلون بأنّه لا يقدر على مقدور العبد، وإلاّ لزم إمكانُ وقوع الفعل والترك معاً في وقت واحد إذا اختلفتا فيهما، وإمكانُ وقوع واحد بمؤثّرين مستقلّين إذا اتّفقا في أحدهما.

والجواب عن الكلّ ـ بعد شبهة الثنويّة والمجوس وتحقيق مذهب الحكماء ـ هو أنّ شيئاً ممّا تمسّكتم به ـ على تقدير تمامه ـ لا يدلّ على امتناع الصدور نظراً إلى مجرّد القدرة كما هو المطلوب على ما مرّ، غاية ما في ذلك إنّما هوامتناع الصدور لمانع، فلا ينافي إمكانه من حيث هو هذا.

وأمّا منكر عموم القدرة في المقام الثّاني بحسب التفسير الثّاني بعد الثنويه والمجوس، فالمعتزلة القائلون باستناد أفعال العباد إليهم، والحكماء القائلون بوجوب الوسائط في صدور وجود الكثير عنه تعالى.


1 . انظر: معارج الفهم في شرح النظم: 255 ; والنافع يوم الحشر: 11 ـ 12 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: 88 ; وشرح المواقف: 8 / 64; وشرح المقاصد: 4 / 102 .


صفحه 119

 

المسألة الثانية

في علمه تعالى

وفيها فروع:

الفرع الأوّل

في إثبات علمه تعالى

قال: والإحكام والتجرّد واستناد كلّ شيء إليه دلائل العلم، والأخير عامّ.

أقول: اتّفق جمهور العقلاء في أنّه تعالى عالم بذاته وبما سواه من معلولاته فأشار بقوله: (والإحكام (1) والتجرّد (2)، واستناد كلّ شيء إليه دلائل العلم). إلى دليلين مشهورين:


1 . أي إحكام أفعال الواجب تعالى ـ وهو بأن تكون خاليةً عن وجود الخلل والنقصان، وتشتمل على حِكَمَ ومصالح ـ تدلّ على تقدّم علمه تعالى بالأفعال، ثمّ بواسطته تدلّ على علمه تعالى بذاته. لاحظ : حاشية الخفري على إلهيات شرح التجريد: 115 .

2 . أي تجرّد الواجب ـ وهو على المشهور كونه غير جسم وغير جسماني، وعلى التحقيق كونه غير محتاج إلى الارتباط بالغير، بل كونه محض الوجود الحقيقي المنزّه عن الماهيّة والأعراض ـ يدلّ على علمه تعالى بذاته أوّلاً وبواسطته يدلّ على علمه تعالى بأفعاله. وفي هذا الدليل سرٌّ تأمّل فيه إن كنت ذا الشوق، فإنّه لا يظهر إلاّ لأهل التألّه والذوق. هذا ما أفاده المحقّق الخوانساري في حاشيته على حاشية الخفري: 43 .


صفحه 120

أوّلهما: في المشهور للمتكلمين، وهو يدلّ على ثبوت علمه تعالى بأفعاله أوّلاً، وبواسطته على ثبوت علمه بذاته. وإنّما قلنا: في المشهور; لأنّ الحكماء أيضاً يستدلون به كما ستعلم.

وثانيهما: للحكماء وهو بالعكس من الأوّل، أعني: أنّه يدلّ على ثبوت علمه بذاته أوّلاً، وبواسطته على ثبوت علمه بمعلولاته.

 

مسلك المتكلمين في إثبات علمه تعالى

أمّا الأوّل: فتقريره أنّ أفعاله تعالى محكمة متقنة، وكلّ من كان فعله محكماً متقناً، فهو عالم.

أمّا الكبرى فبديهيّة بعد الاستقراء والاختبار; فإنّ من رأى خطوطاً مليحةً، أو سمع ألفاظاً فصيحةً تبنئ عن معان دقيقة وأغراض صحيحة، لم يشكّ في أنّها صادرة عن علم ورويّة لا محالة.

فإن قيل (1): كيف يمكن ادّعاء الضرورة في الكبرى وقد أُسند جَمْع من الحكماء العقلاء عجائِبَ خلقة الحيوان وتكوّن تفاصيل الأعضاء إلى قوّة عديمة الشعور سمّوها المصوِّرةَ؟ !

قلنا: خَفاء الضروري على بعض العقلاء جايز، على أنّهم لم يجعلوا المصوِّرة مستقلّةً في ذلك، بل هم معترفون بكونها مسخَّرةً تحت إرادة صانع خبير ـ جلّت صنعته ـ كما صرّح به الشيخ في مواضعَ من " الشفاء "(2)


1 . تعرّض له شارح المقاصد وأجاب عنه. لاحظ : شرح المقاصد: 4 / 111 .

2 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 48 / الفصل العاشر إلى الخامس عشر من المقالة الأُولى ; وإلهيّات الشّفاء: 2 / 283 / الفصل الرابع والخامس من المقالة السادسة.


صفحه 121

وساير كتبه (1)، وقد مرّ في «مبحث القوى»(2) وفي مبحث «إثبات الغايات للطبيعيات»(3). هذا.

وأمّا الصغرى فلما في خلق الأفلاك والعناصر وأنواع الحيوان والنبات والمعادن على انتظام أو اتّساق من عجائب الصنع وغرائب التدبير وآثار الإتقان والإحكام بحيث تَحار فيها العقولُ والأفهام، ولا تفي بتفاصيلها الدفاتر والأقلام على ما يشهد به (4) علم الهيئة، والتشريح، وعلم الآثار العلويّة والسُفلية، وعلم الحيوان والنبات .

وإلى جميع ذلك أُشير في قوله تعالى: (إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ)(5) فكيف إذا رقي إلى عالم الروحانيّات والمجرّدات النفسيّة والعقليّة مع أنّ الإنسان لم يُؤتَ من العلم إلاّ قليلاً، ولم يجد إلى كثير منه سبيلاً.

ناهيك في ذلك قول أفضل البشر بعد سيّدهم في خطبة من خطب "نهج البلاغة": «وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَنَصِفُهُ


1 . كالإشارات والتنبيهات: 295 وما بعدها والنمط السادس; والتعليقات: 8 ـ 18 .

2 . لاحظ : الجزء الثّاني من هذا الكتاب: الحكم السّابع من المسألة الرابعة من الفصل الثّالث .

3 . لاحظ : الجزء الثّاني من هذا الكتاب: المبحث الثّالث من المسألة السادسة من الفصل الثّالث.

4 . في د: «بذلك».

5 . البقرة: 164 .


صفحه 122

مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَتْ سَواترُ(1) الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ.

فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ، وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَواءِ سَمَاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً، وَسَمْعُهُ وَالِهاً، وَفِكْرُهُ حَائِراً».هذا.(2)

فإن قيل (3): إن أُريد بالإحكام حسن الصنعة، أو مطابقة المنفعة من جميع الوجوه، فلا نسلّم أنّ المخلوقات كذلك .

أمّا مطابقة المنفعة فلكثرة ما نشاهد في العالم من الآفات.

وأمّا حسن الصنعة فلأنّا لا ندري أنّ تركيب السماوات والكواكب وأبدان الحيوانات على وجه أحسنَ ممّا عليه (4) الآنَ ممكن، أم لا؟ وإن أُريد من بعض الوجوه، فلا نسلّم دلالته على العلم; فإنّ فعل النائم والساهي، بل الجماد قد يستحسن وينفع من بعض الوجوه، وإن أريد شيء آخَرُ، فلابدّ من بيانه .

قلنا: المراد به حسن الصنعة ومطابقة المنفعة غالباً وعلى سبيل الكثرة دون الندرة، وما نحن بصدده كذلك; إذ لا ريب في أنّ ترتيب السماوات


1 . في المصدر: «ستور».

2 . نهج البلاغة: الخطبة 160 .

3 . تعرّض له صاحب المواقف وشارحه وأجابا عنه. لاحظ: شرح المواقف: 8 / 65 ـ 66 .

4 . في د: «ممّا هي عليه».


صفحه 123

والعناصر والكواكب سيّما الشمس والقمر، ومسيرهما في فلكيهما على وجه يقربان تارة ويبعدان أُخرى، فيتعلّق بذلك الحرُّ والبرد ورطوبة الهواء ويبوسته وكثرة الأنداء والأمطار وشدّة الحرّ والإنضاج للثّمار (1) وتربية النّبات وصلاح الأمزجة، ترتيب مطابق للمنفعة، مستحسن الصّفة (2) غالباً.

وكذلك القول في أعضاء الحيوان وما ذكره الأطبّاء فيها وفي مواضعها من الحِكم اللّطيفة، فإذا عنى بالأحكام مجموع الأُمور الثّلاثة، فلا يرد فعل السّاهي والنائم; لكونه نادراً جدّاً.

وكذلك الحركات الصّادرة من الجمادات إمّا أن لا تكونَ كثيرة، مستحسنة (3)، وإن كانت مستحسنة لم تكن مطابقة للمنفعة. كذا في "نقد المحصل "(4).

 

كلام الحكماء في حكمته تعالى

ولابدّ أن نذكر هاهنا شيئاً ممّا ذكره الحكماء في بيان حكمته تعالى في ترتيب هذا النظام المشاهَد، وأنّه في غاية الإتقان ونهاية الإحكام .

قال الشيخ في كتاب "المبدأ والمعاد": «ولمّا كان علم الأوّل بنظام الخير في الوجود علماً لا نقص فيه، وكان ذلك العلمُ سبباً لوجود ما هو علمٌ


1 . في د : «وإنضاج الثمار».

2 . في د: «الصنعة».

3 . لاحظ : نقد المحصل: 279 ـ 280 .

4 . لاحظ : نقد المحصل: 279 ـ 280 .


صفحه 124

به، حصل الكلّ في غاية الإتقان، لا يمكنُ أن يكون الخير إلاّ ما (1) هو عليه، ولا شيء ممّا يمكنُ أن يكون له (2) إلاّ وقد كان له .

فكلّ شيء من الكلّ على جوهره الّذي ينبغي له، فإن كان فاعلاً فعلى فعله الّذي ينبغي.(3) وإن كان منفعلاً فعلى انفعاله الّذي ينبغي، وإن كان مكانيّاً فعلى مكانه الّذي ينبغي. وإذا كان الخير فيه هو أن يكون منفعلاً قابلاً للأضداد، فقوّته مقسومة (4)بين الضدّين على البدل، (5) إذا كان أحدهما بالفعل فهو الآخَر بالقوّة، والّذي بالقوّة حقٌّ أن يصير بالفعل مرّةً. ولكلّ ذلك أسباب مُعِدّةٌ. وما عرض له من ذلك أن يزول عن كماله بالقسر، فإنّ فيه قوّةً تردّهُ إلى الكمال، وجَعلت الأُسطقسّات قابلةً للقسر حتّى يمكن فيها المزاجُ، ويمكنَ بقاءُ الكائنات منها بالنّوع; فإنّ ما أمكن بقاؤه بالعدد أُعطِيَ السببَ المستبقي له على ذلك. وكانت القسمةُ المعطيّةُ (6) توجبُ باقيات بالعدد وباقيات بالنوع. فوُفّي الكلّ وجودَه. ورُتّبَتِ الأُسطقسّاتُ مراتبها، فأُسكن النّار منها أعلى المواضع وفي مجاورة الفلك. ولولا ذلك لكان مكانها في موضع آخَرَ، وعند الفلك مكانُ جِرْم آخَرَ تلزمه السخونةُ; لشدّة الحركة، فتضاعف الحارُّ بالفعل ويقلبان (7) سائر الأسطقسّات، فيزول العدل .


1 . في المصدر: «يكونَ الخيرُ فيه إلاّ على ما هو».

2 . في المصدر: «أن يكون للكلّ إلاّ».

3 . قوله: «فإن كان فاعلاً فعلى فعله الّذي ينبغي» غير موجود في المصدر.

4 . في المصدر: «فمدتّهُ مقوّمةٌ».

5 . في المصدر: «على العدل».

6 . في المصدر: «القسمة المعقليّة».

7 . في د: «بغليان». كما في المصدر.


صفحه 125

ولمّا كان يجب أن يغلب في الكائنات ـ الّتي تبقى بالنوع ـ الجوهر(1) اليابس والصلب، ومكانُ كلّ كائن حيث يكون الغالب عليه، وجب أن تكون الأرض أكثرَ (2) بالكمّ في الحيوان والنبات، ومع ذلك فقد كان يجب أن يكون مكانها أبعدَ من الحركات السماويّة; فإنّ تلك الحركةَ إذا بلغت بتأثير الأجساد غيَّرتها أو (3) أفسدتها .

فُوضعتِ الأرضُ في أبعد المواضع عن الفلك، وذلك هو الوسط. وإذا كان الماء يتلو الأرضَ في هذا المعنى وكان مكاناً أيضاً لكثير من المكانّيات(4)، وكان مشاركَ الأرض في الصورة الباردة، جُعل الماء يتلو الأرض. ثمّ الهواءُ لهذا السبب ; ولأنّه يشارك النّار في الطبيعة.

ولمّا كانت الكواكبُ أكثرُ (5) تأثيرها بوساطة الشعاع النافذ عنها وخصوصاً الشمس والقمر وكانت هي المدبّرةُ لما في هذا العالم، جُعل ما فوق الأرض من الأُسطقسّات مُشفّاً لينفذ فيها الشعاع ، وجُعلت الأرضُ ملوّنةً بالغُبرة ليثبت عليها الشعاع. ولم يُحِط بها الماء فتستقرّ عليها الكائنات.

والسبب الطبيعيّ في ذلك يُبسُ الأرض وحفظُها للشكل الغريبِ إذا استحال منه أو إليه، فلا يبقى مستديراً، بل مُضرَّساً، ويميل الماء إلى الغور من أجزائه .


1 . في المصدر: «تبقى بها الأنواع عناية الجوهر».

2 . في المصدر: «أكبر».

3 . في المصدر: «وأفسدتها».

4 . في المصدر: «الكائنات».

5 . في المصدر: «أكبر».


صفحه 126

والأجرام السماويّة لم تُخلق (1) بجميع أجزائها مشفّاً (2) وإلاّ لتشابه فعلُها في الأمكنة والأزمنة، ولا بجميع أجزائها كثيفةً،(3) وإلاّ لما نفذ عنها الشعاعُ، بل خُلق فيها كواكبُ، ثمّ لم يجعل (4) الكواكبُ ساكنةً، ولاأفرط(5) فعلها في موضع بعينه، ففسد ذلك الموضع، ولم يؤثّر في موضع آخَرَ، ففسد ذلك أيضاً، بل جُعلت متحرّكةً لينتقل التأثيرُ من موضع إلى آخَرَ، ولا يبقى في موضع واحد فيفسد.

ولو كانت الحركة الّتي نرى لها غيرَ سريعة، لفعلت من الإفراط والتفريط (6) ما يفعل السكونُ، ولو كانت حركتها الحقيقة (7) تلك السريعة بعينها، للزمت دائرةً واحدةً، وأفرط فعلها هناك ولم يبلغ سائر النواحي، بل جُعِلَت هذه الحركةُ فيها تابعةً لحركة مشتملة على الكلّ، ولها في نفسها حركةٌ بطيئةٌ تميل بها إلى نواحي العالم جنوباً وشمالاً.

ولولا أنّ للشمس مثلَ هذه الحركة لم يكن شتاءٌ ولا صيفٌ ولا فصولٌ، فخولف بين منطقتي الحركتين، وجُعلت الأُولى سريعةً وهذه بطيئةً، فالشمس تميلُ إلى الجنوب شتاءً ليستولي على الأرض الشماليّة البردُ،


1 . في المصدر: «لم يكن كلُّها».

2 . في د: «مضيئة».

3 . في المصدر: «مشفَةً».

4 . في المصدر: «لم يترك».

5 . في د: «وإلاّ أفرط». كما في المصدر.

6 . في المصدر: «والتقصير».

7 . في د: «الحقيقيّة». كما في المصدر.


صفحه 127

ويختص (1) الرطوبات في باطن الأرض.

وتميل إلى الشمال بعد ذلك صيفاً لتستولي الحرارةُ على ظاهر الأرض، وتُستعمل الرطوبات في تغذية النبات والحيوان. وإذا جفّ باطن الأرض يكون البردُ قد جاء والشمسُ مالت فتارةً تُحيل (2) الأرضُ غذاءً، وتارةً تُعِدّ.(3)

ولمّا كان القمر يفعلُ شبيه ما يفعل الشمس من التسخين والتحليل إذا كان مستديراً (4) قويَّ النور، جُعل مجراه في تبدّره مخالفاً لمجرى الشمس. فالشمسُ تكون في الشتاء جنوبيّةً والبدرُ شماليّاً، لئلاّ يُعدَمَ السببان المسخّنان معاً.

ولمّا كانت الشمسُ صيفاً على سمت رؤوس أهل المعمورة، جُعِلَ أوجُها هناك، لئلاّ يجتمعَ قربُ الميل وقربُ المسافة معاً، ويشتدّ التأثير.

ولمّا كانت الشمس شتاءً بعيدةً عن سمت الرؤوس، جُعِلت حضيضُها هناك، لئلاّ يجتمع بُعدُ الميل وبُعدُ المسافة فينقطعَ التأثيرُ .

وكانت الشمس دون هذا القُرب، أو فوق هذا البُعد، لما استوى تأثيرها الّذي يكون عنها الآنَ .

وكذلك يجب أن يُعتقد في كلّ كوكب وفي كلّ شيء، ويُعلمَ أنّه


1 . في المصدر: «وتحقن».

2 . في المصدر: «يمتلى».

3 . في المصدر: «تغذو».

4 . في د: «تتبدّر»، وفي المصدر: «متبدّرأ».


صفحه 128

بحيث ينبغي أن يكون عليه»(1). انتهى كلامَ الشيخ .

 

توضيح بيان الحكماء في حكمته تعالى

قوله: «وكذلك يجب ان يعتقد الخ» معناه أنّه لمّا دلّ التدبير ـ المعلومُ لها في البعض ـ على علم الفاعل تعالى وأنّ هذا التدبير مسبّب عن علم كامل، دلّ ذلك على التدبير في سائر أفعاله تعالى وإن لم نعلمه، فليتدبر.

فظهر أنّ الاستدلال بهذا الوجه غير مختصّ بالمتكلّمين، بل هو أحرى بالحكماء; لأنّ وجوه الإحكام والإتقان من التدابير الكلّيّة والمنافع الجزئيّة إنّما ظهرت بحسن سعيهم وشدّة اعتنائهم كما لا يخفى على المتدرّب في علومهم الطبيعيّة والرياضيّة، فثبت علمه تعالى بأفعاله، وأنّها صادرة عنه عالماً بمصالحها ومنافعها.

فإن قيل (2): دليلكم منقوض بما قد يصدر عن الحيوانات العُجم من الأفعال المحكمة، المتقنة في ترتيب مساكنها وتدبير معايشها، كما لكثير من الوحوش والطيور، على ما هو في الكتب مسطور، وفيما بين الناس مشهور.

وكفى في ذلك ما يفعل النَّحل من البيوت المسدَّسات المتساوية بلا مِسطرة ولا فرجار، واختيارها للمسدّس الّذي هو أوسعُ من المثلّث والمربّع والمخمَّس، ولا يقع بين المسدّسات فُرَج كما يقع بين المدوَّرات وما سواها


1 . المبدأ والمعاد لابن سينا: 88 ـ 90 .

2 . تعرّض له شارح المقاصد والشارح القوشجي وأجابا عنه. لاحظ: شرح المقاصد: 4 / 112 ; شرح تجريد العقائد: 312 .


صفحه 129

من المضلّعات، وهذا لا يعرفه إلاّ الحُذّاق من أهل الهَندَسة.

وكذلك العنكبوت ينسج تلك البيوت، وتجعل لها سَدىً ولُحْمَةً على تناسب هَنْدَسي بلا آلة مع أنّها ليست من أُولى العلم.

قلنا: لا نسلّم أنّها ليست من ذوي العلم مطلقاً، لجواز أن يكون فيها قدر ما يهتدي إلى ذلك بأن يخلقها الله تعالى عالمة بذلك أو يلهمها هذا العلم حين ذلك الفعل.

قال الشيخ في " طبيعيات الشفاء" : «من الواجب أن يبحث الباحث، ويتأمّل أنّ الوهم ـ الّذي لم يصحبه العقل حالَ توهّمه ـ كيف ينال المعانيَ الّتي في المحسوسات عندما ينال الحسّ صورتَها من غير أن يكون شيء من تلك المعاني يُحَس؟(1)

فنقول: إنّ ذلك للوهم من وجوه: من ذلك الإلهاماتُ الفائضة على الكلّ من الرحمة الإلهيّة، مثل حال الطفل ساعةَ يُولَد في تعلّقه بالثّدي، ومثل حال الطفل إذا أَقِل وأُقيم، فيكاد يسقط من مبادرته إلى أن يتعلّق ويعتصم بشيء لغريزة (2) جعلها فيه الإلهامُ الإلهيّ، وإذا تُعرِّض لحدقته بالقذى، بادر، فأطبق جفنه (3) قبل فهم ما يَعرض له، وما ينبغي أن يفعل بحسبه كأنّه غريزة لنفسه لا اختبار معه. وكذلك للحيوانات إلهامات غريزيّة.

والسبب في ذلك مناسبات موجودة بين هذه الأنفس ومبادئها هي


1 . من غير أن يكون كثير منها ممّا ينفع ويضرّ في تلك الحال.

2 . في المصدر: «أن يتعلّق بمستمسك لغريزة في النفس».

3 . في المصدر: «جفنيه».


صفحه 130

دائمة لا تنقطع غيرُ المناسبات الّتي يتّفق أن تكون مرّة وأن لا تكون، كاستعمال العقل، وكخاطر الصّواب ; فإنّ الأُمور كلّها من هناك.

وهذه الإلهامات يقف بها الوهمُ على المعاني المخالطة للمحسوسات في ما يضرّ وينفع، فيكون الذئب يحذره كلُّ شاة وإن لم تره قطّ ولا أصابتها منه نكبة، وتحذر الأسدَ حيوانات كثيرة، وجوارحُ الطير يحذرها سائر الطير ويشنع عليها الطير الضعاف من غير تجربة، فهذا قسم»(1). ثمّ ذكر الأقسام الأُخَرَ، وفيما ذكرناه كفاية.

وعند الإشراقين: أنّ لكلّ نوع من الجسمانيّات: البسائطِ والمركّبات عقلاً مجرّداً مدبّراً له ذا عناية به، يعتني (2) بشأنه، حافظاً إيّاه، ويسمّون تلك العقول أربابَ الطلسمات. والطلسم عندهم عبارة عن النوع الجسمانيّ فكلّ من تلك العقول ربّ لطلسم، أي مرّبي إيّاه يربّي (3) كِلَّ فرد منه ويوصله إلى كماله، ويلهمه ويهديه إلى مصالحه. (4)

وشيخ الإشراق يأوّل ما ذهب إليه أفلاطون ومَن سبقه من الفلاسفة كهرمس(5) وفيثاغورس(6) وأنباذقلس(7) من القول فالمُثُل إلى ذلك.(8)


1 . طبيعيّات الشّفا: 2 / كتاب النفس 162 ـ 163 / الفصل الثّالث من المقالة الرّابعة من الفنَّ السّادس .

2 . في د: «معتنياً» .

3 . في د: «أي مربّاً إيّاه يربّا».

4 . لاحظ : حكمة الإشراق: 143 و 145 .

5 . لاحظ ترجمتهم في الجزء الأوّل والثّالث من هذا الكتاب ص 522 و 519 و 529 .

6 . لاحظ ترجمتهم في الجزء الأوّل والثّالث من هذا الكتاب ص 522 و 519 و 529 .

7 . لاحظ ترجمتهم في الجزء الأوّل والثّالث من هذا الكتاب ص 522 و 519 و 529 .

8 . انظر: حكمة الإشراق: 156 .


صفحه 131

وبالجملة فهذا السؤال ممّا يؤكّد أحكام أفعاله تعالى وإتقانَها، وتحقُّقَوجه الاستدلال بهما على كمال علمه وتدبيره وعنايته تعالى بالمخلوقات، كما لا يخفى.

وأمّا إيراد هذا السؤال على سبيل المنع على الكبرى، فخارج عن القانون ; لادّعائه الضرورة فيها كما مرّ. وإذا ثبت علمه تعالى بأفعاله، دلّ على علمه بذاته أيضاً; لأنّ كلّ من علم شيئاً يمكن (1) أن يعلم أنّه يعلمه، وهذا ضروري، وكلّ ما هو ممكن في حقّه تعالى فهو واجب له ; لبراءته عن القوّة والإمكان الخاصّ، فهو يعلم ذاته بالفعل دائماً، وهو المطلوب.

قال الشيخ في "الإشارات": «إنّك تعلم أنّ كلّ شيء يَعقل شيئاً فإنّه يَعقل بالقوّة القريبة من الفعل أنّه يعقله، وذلك عَقْل منه لذاته; فكلّ ما يعقل شيئاً فله أن يَعقل ذاته »(2).

واعترض عليه الإمام: «بأنّ العقول المفارقة ليس فيها شيء بالقوّة، فهي إنّما تعقل بالفعل، فكان الواجب أن يقول: فإنّه يمكن أن يعقله بالإمكان العام.

وأجاب عنه المصنّف: بأنّ الإمكان العامّ يقع على الإمكانات البعيدة حتّى على دائم العدم من غير ضرورة، ولذلك لم يعبّر به الشيخ عن المقصود في هذا الموضع، وعبّر بالقوّة القريبة الّتي هي العقل بالفعل، وهو الّذي يقتضي أن يكون للعاقل أن يلاحظ معقوله متى شاء.


1 . في د: «فله».

2 . الإشارات والتنبيهات: 250.


صفحه 132

فالمراد أنّ كلّ شيء يعقل شيئاً فله أن يعقل بالفعل متى شاء أنّ ذاته عاقلة لذلك الشيء; وذلك لأنّ تعقّله لذلك الشيء هو حصول ذلك الشيء له . وتعقُّلَه لكون ذاته عاقلة لذلك الشيء هو حصول ذلك الحصول له. ولا شكّ أنّ حصول الشيء لشيء لا ينفكّ عن حصول ذلك الحصول له إذا اعتبر معتبر. فتعقل الشيء يشتمل على تعقّل صدور التعقّل من المتعقّل(1) بالقوّة القريبة، فالمشتمل على القوّة القريبة هو التعقل لا المتعقّل، وكون المتعقّل بحيث يجب أن يكون له بالفعل ما يكون لغيره بالقوّة بسبب يرجع إلى ذاته لا ينافي ذلك. هذا»(2).

 

مسلك آخر للمتكلمين في اثبات علمه تعالى

وللمتكلمين طريق آخَرُ في إثبات علمه تعالى، وهو أنّه تعالى فاعل بالقصد والاختيار ـ كما مرّ ـ ولا يتصوّر ذلك إلاّ مع العلم بالمقصود .

ويرد عليه منع استدعاء صدور الفعل الاختياريّ العلمَ بالمقصود، مستنداً بصدوره عن الحيوانات العُجْم مع خلوّها عن العلم .

وادّعاء الضرورة فيه لا يخلو عن إشكال ; لمكان فعل النائم والسّاهي، ولا فرق بين القليل والكثير في ذلك; إذ لو امتنع صدور الكثير بلا علم، امتنع صدور الواحد ; لامتناع تحقّق المشروط بدون تحقّق الشرط .

فدعوى "المواقف "(3) ضرورة الفرق غير مسموعة، والمفروض أنّه


1 . في المصدر: «صدور ذلك التعقّل بالقوّة القريبة».

2 . لاحظ : شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 382 ـ 383 .

3 . انظر: المواقف في علم الكلام: 286 .


صفحه 133

لا دخل للإتقان في هذا الدليل، فقول "شارح المواقف" في توجيهه (1) أيضاً ـ من أنّها تجوز صدور قليل من المتقَن عن قادر غير عالم، ولا تجوز صدور كثيره عنه (2) ـ مبنيّ على الخلط، كما لا يخفى.

وقال شارح المقاصد:

«إنّ المحققين من المتكلّمين على أنّ طريقة القدرة والاختيار أوكدُ. وأوثقُ من طريقة الإتقان والإحكام; لأنّ عليها سؤالاً صعباً، وهو أنّه لِمَ لا يجوز أن يوجب البارئ تعالى موجوداً تُستند إليه تلك الأفعال المتقَنة المحكمة، ويكون العلم والقدرة ؟

ودفعه: بأنّ إيجاد مثل ذلك الموجود، وإيجادَ العلم والقدرة فيه يكون أيضاً فعلاً محكماً، بل أحكمُ، فيكون فاعله عالماً لا يتمّ إلاّ ببيان أنّه قادر مختار; إذ الإيجاب بالذّات من غير قصد لايدلّ على العلم، فيرجع طريق الإتقان إلى طريق القدرة، مع أنّه كاف في إثبات المطلوب»(3).

وفيه نظر.

ومنهم من يتمسّك في إثبات علمه تعالى بالأدّلة السمعيّة من الكتاب والسنّة والإجماع وليس بذلك; إذ تصديق الرسل (4) يتوقّف على التصديق بالعلم والقدرة.


1 . أي في توجيه كلام صاحب المواقف.

2 . راجع: شرح المواقف: 8 / 67 .

3 . شرح المقاصد: 4 / 112.

4 . في د: «تصديق الرّسل والكتب».


صفحه 134

وما قيل(1): من أنّه إذا ثبت صدق الرسل بالمعجزات، حصل العلم بكلّ ما أخبروا به وإن لم يخطر بالبال كون المرسِل عالماً، ففيه: أنّ دلالة المعجزة على صدق الرسل يتوقّف لامحالة على أن يكون المرسل عالماً قادراً; فإنّ طلبَ المعجزة ليس إلاّ طلب تصديق المرسَل من المرسِل،(2) فلابدّ من كونه عالماً بالطلب وقادراً على التصديق.

نعم، يصحّ ذلك التمسك في صفة الكلام من غير لزوم دور ; فإنّ صدق الرسول لا يتوقّف على كون المرسل متكلّماً ; لصحة الإرسال من غير تكلّم، بل بأن ينصب ما يدلّ على المراد.

وقد يقال: لعلّ تمسّكهم بالأدلّة السمعيّة إنّما هو في عموم العلم وشموله لجميع الموجودات، كلّيّة كانت أو جزئيّة، فلا يلزم الدّور، فتأمّل.

 

مسلك الحكماء في إثبات علمه تعالى

وأمّا الثّاني من الدّليلين على علمه بذاته وبما سواه ـ وهو المختص بالحكماء ـ فتقريره: أنّه تعالى مجرّد عن المادّة وغواشيها ; لأن ملابسة الغواشي الماديّة نقص وحاجة، وهي ممتنعة عليه تعالى وكلّ مجرّد عاقل لذاته لما مرّ في «مبحث التعقّل من مسألة العلم من مباحث الأعراض»(3) مستقصي .


1 . القائل هو شارح المقاصد. لاحظ : شرح المقاصد: 4 / 113 .

2 . في د: «تصديق الرسول من المرسل».

3 . لاحظ : الجزء الرّابع من هذا الكتاب: ص 169، المسألة الأُولى من المطلب الخامس من المبحث الثّاني.


صفحه 135

ونقول هاهنا: إنّ حقيقة التعقّل إنّما هو حصول المجرّد للمجرّد، سواء كان بقيامه به ـ كما في تعقّل النفس الناطقة لمعقولاتها ـ أو بنحو آخَرَ كما في إدراكها لذاتها، وكلّ مجرّد قائمٌ بذاته ; فإنّ ذاته حاصلة لذاته، غيرُ فاقدة إيّاها بالضرورة، فذاته ـ من حيث إنّها يصدق عليها أنّها مجرّدة حاصلة لمجرّد ـ هي معقولة، ومن حيث إنّها مجرّد قد حصل له مجرّد هي عاقلة، فكلّ مجرّد عاقل لذاته، ومعقول لذاته.

قال الشيخ في التعليقات: «إذا قلت: إنّي أعقل الشيء، فالمعنى أنّ أثراً منه موجود في ذاتي، فيكون لذلك الأثر وجود، ولذاتي وجود. فلو كان وجود ذلك الأثر لا في غيره، بل فيه، لكان أيضاً يدرك ذاته، كما أنّه لو كان وجوده لغيره وأدركه الغير. انتهى»(1).

وإذا ثبت هذا ثبت أنّه تعالى عاقل لذاته وعالم بها. ثمّ إنّه تعالى علّة لجميع ما سواه ; لكون جميع ما سوى الله تعالى ممكنات; لبرهان التوحيد ـ على ما سيأتي ـ ولوجوب انتهاء الحاجة في الممكنات إلى واجب الوجود كما مرّ. والعلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول. والمراد بها أنّ العلم التامّ بالعلّة ـ أي العلم بجميع جهاتها واعتباراتها اللاّزمة لها ـ يستلزم العلم بما يلزمها ويجب بها على ما حقّقناه فيما مرّ في مسألة العلم .

وقد يقال: الحكم بكون الفاعل العالم بذاته عالماً بما صدر عنه بديهيّ، كما قال تعالى: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(2) هذا، فثبت كونه


1 . التعليقات: 90 / كيفية التعقل والإدراك.

2 . الملك: 14 .


صفحه 136

تعالى عالماً بذاته وبجميع ما سواه من معلولاته اللاّزمة له بأيّة جهة كانت، وهو المطلوب .

وهذا الدليل كما يدلّ على ثبوت علمه تعالى بالموجودات دلّ على شمول علمه تعالى بجميع الموجودات أيضاً كلّيّةً كانت أو جزئيّة .

لا يقال: المعلوم بعلّته إنّما هو ماهيّة كذا، مع كونها معلّلةً بكذا، وكلّ منهما كلّي، وتقييد الكلّيّ بالكلّيّ لا يفيد الجزئيّة، فلا يدلّ هذا الدليل على علمه بالجزئيّات، بل الكلّيّات فقط.

لأنّا نقول: العلم بماهيّة العلّة كما يدلّ على العلم بماهيّة المعلوم، كذلك العلم بخصوصيّة العلّة يدلّ على العلم بخصوصيّة المعلول، وهو تعالى عالم بخصوصيّة ذاته، وجميعُ الموجودات بماهيّاتها وخصوصيّاتها مستندة إليه .

قال في النمط السّابع من "الإشارات ": «واجب الوجود يجب أن يَعقل ذاتَه بذاته ـ على ما حقِّق، ـ ويَعقل ما بعده من حيث هو علّة له،(1) ومن وجوده يعلم سائر الأشياء من حيث وجوبها ودخولها (2) في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولاً وعرضاً»(3).

وقال المصنّف في شرحه: «أشار إلى إحاطته تعالى بجميع


1 . في د: «لما بعده». كما في المصدر.

2 . كلمة «دخولها» ساقطة في د وفي المصدر .

3 . الإشارات والتنبيهات: 328 .


صفحه 137

الموجودات.(1) فذكر أنّه يعقل ذاته بذاته، لكونه عاقلاً لذاته معقولاً لذاته على ما تحقّق في النمط الرابع، ويعقل ما بعده يعني المعلول الأوّل من حيث هو علّة لما بعده. والعلم التامّ بالعلّة التامّة يقتضي العلم بالمعلول; فإنّ العلم بالعلّة التامّة لا يتمّ من غير العلم بكونها مستلزمةً لجميع ما يلزمها لذاتها. وهذا العلم يتضمّن العلم بلوازمها الّتي منها معلولاتها الواجبة بوجوبها، ويعقل سائر الأشياء الّتي بعد المعلول الأوّل من حيث وقوعها في سلسلة المعلوليّة النازلة من عنده إمّا طولاً كسلسلة المعلولات المترتّبة المنتهية إليه تعالى في ذلك الترتيب، أو عرضاً كسلسلة الحوادث الّتي لا تنتهي في ذلك الترتيب إليه تعالى لكنّها تنتهي إليه تعالى ، من جهة كون الجميع ممكنةً محتاجة إليه، وهو احتياج عرضي يتساوى جميع آحاد السلسلة فيه بالنسبة إليه تعالى. انتهى»(2).

وإلى هذا أشار بقوله: (والأخير عامّ) (3) بخلاف الدليل الأوّل ; فإنّه يدلّ على علمه تعالى بما عُلم الإتقان فيه ممّا عُلم أنّه من معلولاته.


1 . وذلك لأنّه عالم بذاته وذاته علّةٌ لجميع الموجودات والعلم بالعلّة يقتضي العلم بالمعلول. لأنّ العلم التامّ بالعلّة هو العلم بها من جميع الوجوه، ومن تلك الوجوه كونها مستلزمةً للوازم; وذلك يتضمّن العلم باللّوازم. فيكون الله تعالى عالماً بجميع الأشياء لأنّها معلولةٌ لازمةٌ له إمّا طولاً كالمعلولات المترتّبة المنتهية إليه، وإمّا عرضاً كسلسلة الحوادث. هذا ما أفاده صاحب المحاكمات. لاحظ: المحاكمات بين شرحي الإشارات: 392 .

2 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 299 ـ 301 .

3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 138

 

تنبيه

واعلم: أنّ المشهور في كتب المتأخرين تقرير هذا الدليل على أنّه دليلان:

الأوّل: أنّه تعالى مجرّد، وكلّ مجرّد فهو عاقل لذاته ولغيره من المعقولات، كما مرّ في «مبحث التعقّل»(1) .

والثّاني: أنّه عاقل لذاته، ـ لما مرّ ـ وذاته علّة لما سواه، والعلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول كما مرّ.

والشارحون أيضاً حملوا كلام المصنّف على ذلك .(2)

والأوجَهُ ما ذكرنا كما لا يخفى على من تتبّعَ كتب الشيخ سيّما "الإشارات" تتبّعَ فحص وإتقان.

وظاهر كلام المصنّف وإن كان يوهم التثليث لكنّ الأظهر عند التدبّر خلافه; إذ ليس مجرّد استناد الكلّ إليه دليلَ العلم، بل بعد الضمّ إلى الدليل الدالّ على علمه بذاته، ولذلك حمل بعضهم (3) قوله: «والأخير عامّ» على أنّ المراد أنّه دليل لعموم العلم .


1 . لاحظ : الجزء الرّابع من هذا الكتاب: ص 169، المسألة الأُولى من المطلب الخامس من المبحث الثّاني .

2 . انظر: كشف المراد: المسألة الثالثة من الفصل الثّاني من المقصد الثّالث; وتسديد القواعد في شرح تجريد العقائد: الورقة 1369، مخطوطة ; وشرح تجريد العقائد: 312 ـ 313.

3 . ومنهم العلاّمة الحلّي (رحمه الله) في كشف المراد.


صفحه 139

والأولى ـ على تقدير التثليث ـ أن يحمل قوله: «واسناد كلّ شيء إليه» على أحد دليلين آخَرين دالّين على أصل العلم وعمومه، على ما (1) ذكرهما بعض الأعلام(2):

«أحدهما: أنّه تعالى لمّا كان مبدأً لجميع الموجودات الّتي منها العلماء مطلقاً، والعلماء بذواتهم بلا شبهة، كان عالماً بذاته لا محالة; لوجوب كون العلّة أكملَ وأشرفَ من المعلول، ثمّ من كونه تعالى عالماً بذاته ومبدأً لجميع الموجودات يعلم كونه عالماً لجميع الموجودات .

والثاني: أنّه تعالى لمّا كان مبدأً لجميع الموجودات الّتي منها الصور العلميّة، كان مبدأً لفيضان العلوم على العلماء فكان عالماً بالضرورة، إذ فيّاض العلوم ومُلْهِمها، أولى بأن يكون عالماً، ثمّ من كونه عالماً مطلقاً يعلم كونه عالماً بذاته، ومن كونه عالماً بذاته ومبدأً لجميع الموجودات ثبت كونُه عالماً بجميع الموجودات».(3)


1 . في د: جملة «على ما» ساقطة.

2 . ومنهم المحقّق الخفري.

3 . نقل باختلاف يسير. لاحظ : حاشية الخفري على إلهيّات شرح تجريد العقائد: 116 .


صفحه 140

 

الفرع الثّاني

في أدّلة المنكرين لعلمه تعالى والجواب عنها

قال: والتغايرُ اعتباريٌّ.

ولا يستدعي العلمُ صوراً مغايرة للمعلومات عنده، لأنّ نسبة الحصول إليه أشدُّ من نسبة الصور المعقولة لنا.

أقول: ولمّا أثبت كونه تعالى عالماً بذاته وبما سواه أراد أن يجيب عن أدّلة المنكرين لعلمه تعالى، وهم فرقتان من الأوائل :

الفرقة الأُولى: من نفي علمه تعالى مطلقاً متمسّكاً بأنّ العلم إمّا إضافة محضة، أو صفة ذاتُ إضافة، على ما مرّ في «مسألة العلم».

وعلى التقديرين يستدعي نسبةً بين العالم والمعلوم، والنسبة تستدعي المغايرة بين الطرفين، فلا يمكن تحقّقها حيث لا مغايرة أصلاً، فلا يمكن أن يَعلم ذاتَه، وإذا امتنع علمه بذاته، امتنع علمه بما سواه; لأنّ علمه بغيره يستلزم علمه بذاته على ما مرّ.

والجواب منع استدعاء النسبة العلميّة المتغايرةَ الحقيقيّة، بل المغايرةُ الاعتباريّة كافية فيها كما في علمنا بذواتنا. وإلى هذاأشار بقوله: (والتغاير اعتباريّ).


صفحه 141

وتحقيق ذلك في " الشفاء " حيث قال: «واجب الوجود عقلٌ محضٌ، لأنّه ذات مفارِقَة للمادّة من كلّ وجه. وقد عرفت أنّ السبب في أن لا يَعقل الشيء هو المادة وعلايقها لا وجودُه. وأمّا الوجود الصوريّ، فهو الوجود العقليّ وهو الوجود الّذي إذا تقرّر في شيء صار للشيء به عقل، والّذي يحتمل نيله هو عقل بالقوّة، والّذي ناله الفعل بعد القوّة هو العقل بالفعل على سبيل الاستكمال، والّذي هو له ذاته هو عقل بذاته .

ولذلك (1) هو معقول محض; لأنّ المانع للشيء أن يكون معقولاً هو أن يكون في مادّة وعلائقها، وهو المانع عن أن يكون عقلاً. وقد تبيّن لك هذا، فالبريء من المادّة والعلائق، المتحقّقُ بالوجود المفارق هو معقول لذاته; ولأنّه عقل بذاته وهو أيضاً معقول بذاته، فهو معقولُ ذاتِه، فذاته عقل وعاقل ومعقول، لا أنّ هناك أشياءَ متكثّرةً; وذلك لأنّه بما هو هويّة مجرّدة عقل، وبما يعتبر له أنّه هويّته المجرّدة لذاته، فهو معقول لذاته، وبما يعتبر له أنّ ذاته له هويّة مجرّدة، وهو عاقلُ ذاتِه; فإنّ المعقول هو الّذي ماهيّته المجرّدة لشيء، والعاقلَ هو الّذي له ماهيّة مجرّدة لشيء، وليس من شرط هذا الشيء، أن يكون هو أوآخَرَ بل شيء مطلقاً والشيء مطلقاً أعمُّ مِن هو أو غيره .

فالأوّل باعتبارك أنّ له ماهيّة مجرّدة لشيء هو عاقل، وباعتبارك أنّ ماهيّته المجرّدة لشيء هو معقول، وهذا الشيء هو ذاته، فهو عاقل بأنّ له


1 . في المصدر: «وكذلك».


صفحه 142

الماهيّة المجرّدةَ الّتي لشيء هو ذاته، ومعقول بأنّ ماهيّته المجرّدة هي لشيء هو ذاته .

وكلّ من تفكّر قليلاً علم أنّ العاقل يقتضي شيئاً معقولاً، وهذا الاقتضاء لا يتضمّن أنّ ذلك الشيء هو أوآخَرُ.

ثمّ قال: فقد فهمت أنّ نفس كونه معقولاً وعاقلاً لا يوجب أن يكون اثنين في الذات، ولا اثنين في الاعتبار أيضاً ; فإنّه ليس تحصل الأمرين إلاّ اعتبارَ أنّ ماهيّته (1) مجرّدة لذاته، وأنّه ماهيّة مجرّدة وأنّها لها وهاهنا تقديم وتأخير في ترتيب المعاني والفرض المحصّل شيء واحد بلا قسمة فقد بان ان كونه عاقلاً ومعقولاً لا يوجب فيه كثرةً ألبتة. انتهى»(2).

الفرقة الثّانية: مَن ينفي علمه بغيره مع كونه عالماً بذاته، متمسّكاً بأنّ العلم صورة مساوية للمعلوم ومرتسمة في العالِم كما مرّ في " مسألة العلم" فصور الأشياء المختلفة مختلفة على ما مرّ هناك أيضاً، فيلزم بحسب كثرةُ المعلومات كثرة الصور في الذات الأحديّة وكونُها قابلة لتلك الصور وفاعلة لها ; لوجوب استنادها إليها لامتناع أن يكون تعالى محتاجاً في ماهو كمال له إلى غيره.

قال المصنّف في " شرح رسالة العلم ": «إنّ هذين المذهبين مذكوران(3) في كتب المذاهب والآراء منقولان عن القدماء»(4).


1 . في د: «ماهيّة مجرّدة». كما في المصدر.

2 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 356 ـ 358 / الفصل السّادس من المقالة الثّامنة.

3 . في المصدر: «إنّ هذان المذهبان».

4 . شرح مسألة العلم: 27 .


صفحه 143

والجواب يستدعي تمهيد مقدّمة، هي أنّ العلم على قسمين: حصوليّ وحضوريّ; لأنّ العلم عبارة عن حصول المعلوم لما من شأنّه أن يكون عالماً، وهو المجرّد القائم بذاته، وذلك الحصول قد يكون بارتسام صورة المعلوم في العالم حيث لا حضور لذاته لديه، كما في علمنا بما سوى ذواتنا وقوانا والصّور المرتسمة (1) فينا .

وقد يكون بحضوره بنفس ذاته عند العالم من غير حاجة إلى ارتسام  صورته فيه وقيامها به، وذلك كما للمعلول عند العلّة ; فإنّ حصوله عندها لا يتوقّف على ارتسام صورته فيها، بل يكفي فيه حضوره بنفس ذاته لديها; إذ لا انفكاك بين ذات العلّة وذوات المعلولات (2) في الوجود، فحيثما وجدت العلّة وجد المعلول معها غيرَ منفكّ عنها.

وهذا معنى حصوله لها، فإذا كانت العلّة مجرّداً قائماً بذاته، (3) فهي لا محالة عالمة بمعلولاتها، كما أنّها عالمة بذاتها ; لكونها غيرَ فاقدة إيّاه كما أنّها غير فاقدة لذاته. وما مرّ في «مسألة العلم» كان من أحكام العلم الحصوليّ; لكونه من الكيفيّات النفسانيّة، (و)(4) البحث هناك كان منها دون العلم الحضوري، وإذا ثبت ذلك ثبت أنّه (لا يستدعي العلم صوراً مغايرة للمعلومات عنده تعالى) مرتسمةً فيه ; لكونه تعالى علّة لذوات المعلومات


1 . في د: «والصور الحالة».

2 . في د: «ذوات المعلول».

3 . في د: «مجرّدة قائمةً بذاتها».

4 . في د: «فإذا» و «وأو» في قوله: «والبحث» من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 144

غيرَ فاقدة إيّاها، فيكفي في علمه تعالى بها حضور ذواتها لديه وحصولُها عنده، (لأنّ نسبة الحصول) أي حصولِ المعلومات المعلولة له تعالى في كونه حصولاً (إليه) تعالى (أشدُّ من نسبة حصول الصّور المعقولة لنا) الحاصلةِ في أنفسنا إلينا ; لكون تلك المعلومات معلولةً له تعالى وصادرة عنه بدون مشاركة من غيره، وكون هذه الصور صادرة عنّا ومعلولة لنا بمشاركة من غيرنا ; لكون أنفسنا قابلةً لها فقط .

وأمّا العلّة الفاعلة لها المفيضة إيّاها، فهي خارجة عن أنفسنا لا محالة، فحصول الصور لنا حصول للقابل وهو بالإمكان، وحصول المعلومات له تعالى حصول للفاعل المستقلّ وذلك بالوجوب، ولاشكّ في كون الوجوب أشدَّ من الإمكان، فإذا كان الحصول هو حقيقةَ العلم، وكان حصول المعقولات لنا علماً، كان حصول المعلومات له تعالى علماً بالطريق الأولى.

فثبت أنّ علمه تعالى بالأشياء لا يتوقّف على ارتسام صورها فيه ليلزم التكثّر في ذاته الأحديّة، وكونُها فاعلةً وقابلةً.


صفحه 145

 

الفرع الثّالث

في كيفيّة علمه تعالى بالأشياء

واعلم: أنّ هذا الكلام من المصنّف ـ مع كونه جواباً عن الدليل المذكور ـ إشارة إلى ما هو مختاره في كيفيّة علمه تعالى بالأشياء ; فإنّ للحكماء فيها اختلافاً. ولا بأس بأن نفصّل المقام ونبسّطَ في الكلام ونأتيَ بمُرّ الحقّ في هذا المرام، فنقول:

مذهب الحكماء في كيفية علمه تعالى بالأشياء

اختلفت الحكماء في كيفية علمه تعالى بالأشياء إلى خمسة مذاهب:

الأوّل: مذهب انكسيما يس الملطيّ(1)

وهو أنّ علمه تعالى بالأشياء إنّما هوبصور زائدة على الأشياء مطابقة لها قائمة بذاته تعالى.


1 . انكسيمايس ـ أو ـ انكسيماس (= Anaximenes) المتوفي (524 ق. م) وهو ثالث وآخر فلاسفة مدرسة ملطيّة بدأها طاليس وواصلها تلميذه انكسمندر واختتمها انكسيمانس. لاحظ: الموسوعة الفلسفية: 72 ; والفهرست: 346 .


صفحه 146

الثّاني: مذهب ثالس الملطيّ(1)

وهو أنّ علمه تعالى بالأشياء زائدة عليها مطابقة لها قائمة بذات المعلول الأوّل لا بذاته تعالى .

كما نَقل عنه في كتاب " الملل والنحل " أنّه قال: «إنّ القول الّذي لا مردّ له هو أنّ المبدِع ولا شيء مبدَع، فأبدع الّذي أبدع ولا صورة له عنده في الذات; لأنّ قبل الإبداع إنّما هو فقط، وإذ كان هو فقط، فليس يقال حينئذ جهة، وجهة ; حتّى يكون هو صورةً، أو حيث وحيث، حتّى يكون هو، ذا صورة. والوحدة الخالصة تنافي هذين الوجهين .

وهو (2) يؤيَّس (3) ما ليس بأيس (4)، وإذا كان هو مؤيِّسَ الأيسات (5) ـ فالتأييس لا من شيء متقاوم ـ فمؤيّس الأشياء لا يحتاج أن يكون عنده صورة .(6)

ثمّ قال: وأيضاً فلو كانت الصورة عنده، أكانت مطابقةً للموجود الخارج، أم غيرَ مطابقة؟. فإن كانت مطابقة فلتتعدّدْ الصورة تعدُّدَ(7)


1 . هو فيلسوف رياضي يوناني المتوفي (548 ق. م) وهو أوّل من تفلسف في الملطيّة.

2 . أي الإبداع.

3 . في المصدر: «تأييس».

4 . أي إيجاد ما ليس بموجود.

5 . في المصدر: «الأيسيات».

6 . الأيس بالأيسية ; وإلاّ فقد لزمه ـ إن كانت الصورة عنده ـ أن يكون منفرداً عن الصورة الّتي عنده; فيكون هو وصورة. لاحظ المصدر.

7 . في المصدر: «بعدد».


صفحه 147

الموجودات، وليكن (1) كلّيّاتها مطابقةً للكلّيّات، وجزئيّاتها مطابقةً للجزئيّات، وتتغير (2) بتغيّرها كما يتكثّر بتكثرها، وكلّ ذلك محال; لأنّه ينافي الوحدة الخالصة. وإن لم تطابق الوجودَ الخارج فليست إذن صورةً عنه، بل إنّما هو شيء آخَرُ .

ثمّ قال: لكنّه أبدع العنصر الّذي فيه صور الموجودات والمعلومات كلّها، وانبعث من كلّ صورة موجودٌ في العالم على المثال الّذي في العنصر الأوّل، فمحلّ الصورة (3) ومنبع الموجودات هو ذات العنصر.

وما من موجود في العالم العقليّ والعالم الحسّي إلاّ وفي ذات العنصر صورةٌ له ومثال عنه .

قال: ومن كمال الأوّل الحقّ أنّه أبدع مثل هذا العنصر، فما يتصوّره العامّة في ذاته تعالى أنّ فيها الصّورَ ـ يعني صور المعلومات ـ فهو في مُبدَعه، ويتعالى بوحدانيّته(4) وهويّته عن أن يوصف بما يوصَف مبدعه(5). انتهى»(6).


1 . في د: «ولتكُن». كما في المصدر .

2 . في د وفي المصدر : «ولتتَغيّر».

3 . في د وفي المصدر : «الصور».

4 . في المصدر: «ويتعالى الأوّل الحقّ بوحدانيّته».

5 . في المصدر: «بما يوصف به مبدعه».

6 . الملل والنحل للشهرستاني: 2 / 62 ـ 63 .


صفحه 148

 

الثّالث: المذهب المنسوب إلى أفلاطون(1)

وهو أنّ تلك الصور قائمة بذاتها .

وقد اتّفقوا على بطلانها; إذ لا معنى لكون الصّور العلميّة قائمةً بذواتها لا في محلّ ولا في موضوع; لأنّها موجودات ظلّيّة لا عينيّة.

وقد بالغ الشيخ في " الشفاء "في إبطال المُثُل والتعليميّات (2) بما لا مزيد عليه، بل أوجب أكثرُهم تأويلَها، وأحسنُ التوجيهات أنّها عبارة عن أرباب الطلسمات وهي الجواهر العقليّة العَرَضيّة المدبّرة كلّ منها لنوع من الأنواع المادّيّة الجسمانيّة المسمّاة عندهم بالطلسمات.(3)

وهذه المذاهب الثّلاثة مشتركة في كون علمه تعالى بالأشياء بصورها المطابقة لها، وهذا العلم المسمّى بالعلم الحضوريّ،(4) والأوّل منها بالحصوليّ.


1 . أفلاطون بن أرسطن بن أرسطوقليس المتوفي (347 ق. م) وهو آخر المتقدمين الأوائل الأساطين، معروف بالتوحيد والحكمة. وقد أخذ العلم من سقراط وطيماوس، والغريبين: «غريب أثينية» و «غريب التاطس» ; وضم إليه «العلوم الطبيعيّة» و «الرّياضيّة». وتلمذ له مثل: أرسطوطاليس وطيماوس وثاوفرسطيس. ومن مؤلفاته: كتاب الجمهوريّة، والمحاورات والشرائع. لاحظ: الملل والنحل للشهرستاني: 2 / 84 .

2 . لاحظ : إلهيّات الشّفاء: 2 / 317 ـ 328 / الفصل الثّالث من المقالة السّابعة.

3 . انظر: حكمة الإشراق: 143 ـ 145 .

4 . في د: «بالعلم الصوريّ».


صفحه 149

الرّابع: مذهب فرفويوس (1) ومن تبعه من المشائين

وهو القول باتّحاده تعالى مع المعقولات، بناءً على مذهبهم من القول باتّحاد العاقل والمعقول،(2) على ما مرّ في «مسألة العلم من الأعراض(3)» مستقصى .

الخامس: مذهب صاحب الإشراق

وهو القول بالعلم الحضوري الاشراقي(4)، وقد استفاده بزعمه في خلوته الذوقيّة عن روحانيّة أرسطاطاليس.

كلام شيخ الإشراق في التلويحات

قال في " التلويحات ":

«كنت زماناً شديدَ الاشتغال، كثيرَ الفكر والرياضة، وكان يصعب عليَّ مسألةُ العلم، وما ذكر في الكتب لم يتنقّح لي، فوقعتْ ليلةً من اليالي خلسةٌ في شبه نوم لي فإذا أنّا بلذّة غاشية، وبرقة لامعة، ونور شعشعانيّ مع تمثّل شيخ إنسانيّ، فرأيته فإذا هو غياث النفوس وإمام الحكمة، المعلم الأوّل على


1 . هو الحكيم فرفوريوس الصوري المتوفى (305 ق. م). لاحظ ترجمته في الجزء الرّابع من هذا الكتاب: ص 175 .

2 . لاحظ : الإشارات والتنبيهات: 326 .

3 . انظر: الجزء الرّابع من هذا الكتاب: ص 175 / الفرع الثالث من المسألة الأُولى من المطلب الخامس.

4 . وهو مختار المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 150

هيئة أعجبتني، وأُبَّهَة أدهشتني، فتلقّاني بالترحيب والتسليم حتّى زالت دهشتي، وتبدّلت بالأُنس وحشتي، فشكوت إليه من صعوبة هذه المسألة.

فقال لي: أرجع إلى نفسك تنحلّ لك.

فقلت: وكيف ؟

قال: إنّك تدرك (1) لنفسك، فإدراكك لذاتك بذاتك، أو غيرها؟ فيكون لك إذن قوّة أُخرى، أو ذات تدرك ذاتك، والكلام عائد وظاهرٌ استحالته، وإذا أدركت ذاتك بذاتك، بأعتبار أثر في ذاتك(2)؟ فقلت: بلى.

قال: فإن لم يطابق الأثر ذاتك فليس صورتها فما أدركتها؟

فقلت: فالأثر صورة ذاتيّ.

قال: صورتك لنفسك مطلقة أو متخصّصة بصفات أُخرى؟ فاخترت الثّاني.

فقال: كلّ صورة في النفس هي كليّة وإن تركّبت أيضاً من كلّيات كثيرة فهي لا تمنع الشركةَ لنفسها، وإن فرض منعها تلك فلمانع آخَرَ، وأنت تدرك ذاتك وهي مانعة للشركة بذاتها، فليس هذا الإدراك بالصورة.

فقلت: أُدرك مفهوم أنا.

فقال: مفهوم أنا من حيث هو مفهوم أنا لا يمنع وقوعَ الشركة فيه، وقد علمت أنّ الجزئيّ ـ من حيث هو جزئيّ لا غيرُ ـ كلّيٌّ و «هذا» و «أنا» و


1 . في المصدر: «مدرك».

2 . في المصدر: «باعتبار أثر لذاتك في ذاتك».


صفحه 151

«نحن» و «هو» لها معان كلّيّةٌ من حيث مفهوماتها المجرّدة دون إشارة جزئيّة.

فقلت: فكيف إذن؟

قال: فلمّا لم يكن علمك بذاتك بقوّة عن ذاتك، فإنّك تعلم أنّك أنت المدرك لذاتك لا غير، ولا بأثر غير مطابق، ولا بأثر مطابق، فذاتك هي العقل والعاقل والمعقول.

فقلت: زدني.

فقال: ألست تدرك بدنك الّذي تتصرّف فيه إدراكاً مستمراً لا تغيب عنه؟

فقلت: بلى.

قال: أبحصول (1) صورة شخصيّة في ذاتك وقد عرفت استحالته؟

فقلت: لا، بل على أخذ صفات كلّيّة.

قال: وأنت تحرّك بدنك الخاصّ، وتعرفه بدناً خاصّاً جزئيّاً، وما أخذتَ من الصورة نفسِها لا يمنع وقوع الشركة فيها، فليس إدراكك لها إدراكاً لبدنك الّذي لا يتصوّر أن يكون مفهومه لغيره .

ثمّ إنّك قرأتَ من كتبنا أنّ النفس تتفكّر باستخدام المفكّرة وهي تفصلُ وتركّب الجزئيّات وتُرتّب الحدود الوسطى ؟


1 . في د: «الحصول». وفي المصدر: «أ لِحصول».


صفحه 152

والمتخيّلةُ لا سبيل لها إلى الكلّيّات; لأنّها جزئيّة .

فإن لم يكن للنفس اطّلاع على الجزئيّات، فكيف تركّب مقدّماتها؟

وكيف تنزع الكلّيّات من الجزئيّات ؟

وفي أيّ شيء تستعمل المتفكّرةَ؟

وكيف تأخذ الخيال؟

وماذا يفيدّ تفصيل المتخيّلة؟

وكيف تستعدّ بالفكر للعلم بالنتيجة؟

ثمّ المخيّلة جزئيّة كيف تدرك نفسها والصورة المأخوذة عنها في النفس كليّة؟

وأنت تعلم بتخيّلك ووهمك الشخصين الموجودين ودريت أنّ الوهم ينكرها؟(1)

قلت: فأرشدني جزاك اللهُ عن زمرة أهل العلم خير الجزاء.

قال: وإذا دريتَ أنّها تدرك لا بأثر يطابق ولا بصورة، فاعلم أنّ التعقّل حضور الشيء للذّات المجرّدة عن المادّة.

وإن شئتَ قلت: عدم غيبته عنها، وهذا أتمُّ; لأنّه يعمّ إدراك الشيء لذاته وغيره ; إذ الشيء لا يَحضر لنفسه ولكن لا يغيب عنها. أمّا النفس، فهي مجرّدة غير غائبة عن ذاتها، بقدر تجرّدها أدركت ذاتها وما غاب عنها، إذا لم


1 . في المصدر: «متخيّلتك ووهمك الشخصيّتين الموجودتين ودريت أنّ وهم ينكرهما».


صفحه 153

يكن لها استحضار عينه كالسماء والأرض ونحوهما، فاستحضرت صورته.

أمّا الجزئيّات ففي قوى حاضرة لها. وأمّا الكلّيّات ففي ذاتها ; إذ من المدركات صورة كلّيّة لا تنطبع في الأجرام، والمدرَك هو نفس الصورة الحاضرة لا ما خرج عن التصور.

وإن قيل للخارج: إنّه مدرَك فذلك بقصد ثان، وذاتها غير غائبة عن ذاتها، ولابدنُها جملةً مّا، ولا قوى لبدنها جملةً مّا، وكان الخيال (1) غير غائب عنها، فكذلك الصور الخياليّة، فتدركها النفس لحضورها لا لتمثّلها في ذات النفس، ولو كان تجرّدها أكثرَ، لكان الإدراك بذاتها أكثرَ وأشدَّ، ولو كان تسلّطها على البدن أشدَّ كان حضور قواها وأجزاءها لها أشدَّ.

ثمّ قال لي: أعلم، أنّ العلم كمال للموجود (2) من حيث مفهومه، ولا يوجب تكثّراً، فيجب للواجب وجودُه، لأنّه كمال للموجود (3) من حيث هو موجود(4) ولا يوجب تكثّراً، فلا يمتنع، والممكنُ العامّ على واجب الوجود يجب له ; إذ لا يمكن بالإمكان الخاصّ شيء عليه، فيوجبَ فيه جهةً إمكانيّة، فيتكثَّرَ .(5)

ثمّ قال: فواجب الوجود ذاته مجرّدة عن المادّة وهو الوجود البَحْت


1 . في المصدر: «وكما أنّ الخيال».

2 . في د: «للوجود» كما في المصدر.

3 . في د: «للوجود... وجود».

4 . في د: «للوجود... وجود».

5 . قوله: «لأنّه كمال للموجود من حيث هو موجود ـ إلى ـ فيوجبَ فيه جهةُ إمكانيّة فيتكثَّر» لم ترد في المصدر.


صفحه 154

والأشياء حاضرة له على إضافة مبدئيّة تسلطيّة; لأنّ الكلّ لازم ذاته، فلا تغيب عنه ذاته، ولا لازمُ ذاته، وعدمُ غيبته عن ذاته أو لوازمه مع التجرّد عن المادّة هو إدراكه كما قرّرناه في النفس .

ورجع الحاصل في العلم كلّه إلى عدم غيبة الشيء عن المجرّد عن المادّة صورةً كانت أو غيرَها، فالإضافة جائزة في حقّه تعالى، وكذلك السّلوب، ولا يُخلّ بوحدانيّته تكثّرُ أسمائه بهذه السّلوب والإضافات، ولو كان لنا على غير بدننا سلطنة كما على بدننا، أدركناه كإدراك البدن كما سبق من غير حاجة إلى صورة، فتعيّن من هذا أنّه بكلّ شيء محيط، وإدراك أعداد الوجود هونفس الحضور له والتسلّط من غير صورة ومثال. ثمّ قال لي: كفاك في العلم هذا»(1). انتهى كلام "التلويحات".

كلام شيخ الإشراق في حكمة الإشراق

وقال في " حكمة الإشراق ":

كما (2) تبيّن ـ يعني على قاعدة الإشراق ـ أنّ الإبصار ليس من شرطه انطباعُ شَبح أو خروجُ شيء، بل يكفي عدم الحجاب بين الباصرة والمُبصَر، فنور الأنوار ظاهر لذاته على ما سبق بيانه في كلّ مجرّد وغيرُه ظاهر له، فـ (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَ لاَ فِي الأَرْضِ )(3)، إذ لا يحجبه


1 . التلويحات: 70 ـ 73 .

2 . في د: «لمّا تبيّن». كما في المصدر.

3 . سبأ: 3 .


صفحه 155

شيء عن شيء ; فعلمه وبصره واحد.

وقال أيضاً: علمه بذاته هو كونه نوراً لذاته وظاهراً لذاته، وعلمه بالأشياء كونها ظاهرة له إمّا بأنفسها أو بمتعلّقاتها الّتي هو مواضع الشعور المستمرّ للمدبّرات العلويّة. وذلك ـ أي علمه بالأشياء ـ إضافة ـ لكونه عبارة عن ظهور الأشياء له ـ وعدم الحجاب سلبيّ. والّذي يدلّ على أنّ هذا القدر ـ أي ظهورَ الأشياء له ـ كاف في علمه بها هو أنّ الإبصار إنّما كان بمجرّد إضافة ظهور الشيء للمبصِر مع عدم الحجاب، فإضافته تعالى إلى كلّ ظاهر له، إبصارٌ وإدراك له، وتعدّد الإضافات العقليّة ـ الّتي له إلى الأشياء الكثيرة ـ لا يوجب تكثّراً في ذاته»(1). انتهى كلام " حكمة الإشراق".

كلام المصنّف في بيان مذهبه المختار

ومختار المصنّف هو هذا المذهب (2) كما أشرنا إليه.

كلام المصنّف في شرح رسالة العلم

قال في " شرح رسالة العلم ": «والحقّ أنّه ليس من شرط كلّ إدراك أن يكون بصورة ذهنيّة، وذلك لأنّ ذات العاقل إنّما تَعقل نفسه بعين صورته الّتي بها هي هي .

وأيضاً بالمدرك للصورة الذهنيّة إنّما يدركها بعين تلك الصورة لا


1 . حكمة الإشراق: 150 و 152 .

2 . أي المذهب الخامس، مذهب صاحب الإشراق .


صفحه 156

بصورة أُخرى، وإلاّ لتسلسل، ولزم مع ذلك أن يجتمع في المحلّ الواحد صور متساوية في الماهيّة مختلفة بالعدد فقط، وذلك محال .

فاذن إنّما يحتاج في الإدراك إلى صورة المدرَك. أمّا الاحتياج إلى صورة ذهنيّة، فقد يكون لكون المدرك (1) غير حاضر عند المدرك. وعدم الحضور (2) يكون إمّا لكون المدرَك غيرَ موجود أصلاً، أو لكونه غيرَ موجود عند المدرك، أي يكون بحيث لا يصل إليه الإدراك ألبتّة، وذلك إنّما يكون بسبب شيء من الموانع العائدة إمّا إلى المدرك نفسه، أو آلة الإدراك، أو إليهما جميعاً.

ثمّ قال: وإدراك الأوّل تعالى: إمّا لذاته، فيكون بعين ذاته لا غير، ويتّحد هناك المدرك والمدرك والإدراك، ولا تتعدّد إلاّ بالاعتبارات الّتي تستعملها العقول .

وإمّا لمعلولاته القريبة فيكون بأعيان ذوات تلك المعلولات; إذ لا يتصوّر هناك عدم حضور بالمعاني المذكورة أصلاً، وتتّحد هناك المدرَكات والإدراكات، ولا يتعدّدان إلاّ بالاعتبار، ويغايرهما المدرِك.

وإمّا لمعلولاته البعيدة كالماديّات والمعدومات الّتي من شأنها إمكانُ أن توجد في وقت، أو يتعلّقَ بموجود، فيكون بارتسام صورها المعقولة في المعلولات القريبة الّتي هي المدرَكات لها أوّلاً وبالذّات، وكذلك إلى أن ينتهي إلى إدراك المحسوسات بارتسامها في آلات مدركها، وذلك لأنّ


1 . في د: «فقد يكون حيث يكون المدرك». كذا في المصدر.

2 . في المصدر: «وعدم الحصول».


صفحه 157

الموجود في الحاضر حاضر، والمدرِك للحاضر مدرك لما يحضر معه، فإذن (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ)(1)، فيكون ذوات معلولاته مرتسمةً بجميع الصّور، وهي الّتي يعبَّر عنها تارةً بالكتاب المبين، وتارةً باللّوح المحفوظ، ويسمّيها الحكماء بالعقول الفعّالة، ولا يلزم على هذا التقدير شيء من المحالات المذكورة والمذاهب الشنيعة»(2). انتهى كلامه. وستعلم تلك المحالات والشنايع عن قريب.

كلام المصنّف في شرح الإشارات

وقال في " شرح الإشارات" : «العاقل كما لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته الّتي بها هو هو، فلا يحتاج أيضاً في إدراك ما يصدر عن ذاته لذاته إلى صورة غير صورة ذلك الصادر، الّتي بها هو هو، واعتبر من نفسك أنّك تعقل شيئاً بصورة تتصوّرها، أو تستحضرها فهي صادرة عنك لا بانفرادك مطلقاً، بل بمشاركة مّا من غيرك. ومع ذلك فأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها، بل كما تعقل ذلك الشيء بها كذلك تعقّلها أيضاً بنفسها من غير أن تتضاعف الصورة فيك، بل إنّما (3) يتضاعف اعتباراتك (4) المتعلّقة


1 . سبأ: 3 .

2 . شرح مسألة العلم: 28 ـ 29 .

3 . في د: «ربّما».

4 . في المصدر: «من غير أن تتضاعف اعتباراتك». جملة: «الصورة فيك بل إنّما يتضاعف» ساقطة عنه.


صفحه 158

بذاتك وبتلك الصورة على سبيل التركيب. وإذا كان حالك مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك هذه الحالَ، فما ظنّك بحال العاقل مع ما يصدر عنه لذاته من غير مداخلة غيره فيه ؟

ولا تظنّنّ أنّ كونك محلاًّ لتلك الصورة شرط في تعقّلك إيّاها، فإنّك تعقل ذاتك مع أنّك لست بمحلّ لها، بل إنّما كان كونك محلاًّ لتلك الصورة شرطاً في حصول تلك الصورة لك، الّذي هو شرط في تعقّلك إيّاها، فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخَرَ غيرِ الحلول فيك، حصل التعقّل من غير حلول فيك. ومعلوم أنّ حصول الشيء لفاعله في كونه حصولاً لغيره ليس دون حصول الشيء لقابله. فإذن المعلولات الذاتيّة للعاقل الفاعل لذاته حاصلة له من غير أن تحلّ فيه، فهو عاقل إيّاها من غير أن تكون هي حالّة فيه.

ثمّ قال: قد علمت أنّ الأوّل عاقل لذاته من غير تغاير بين ذاته وبين عقله لذاته في الوجود إلاّ في اعتبار المعتبرين على ما مرّ، حكمتَ أنّ عقله لذاته علّة لعقله لمعلوله الأوّل، فإذن حكمتَ بكون العلّتين ـ أعني: ذاتَه وعقلَه لذاته ـ شيئاً واحداً في الوجود من غير تغاير يقتضي كونَ أحدهما مبايناً للأوّل، والثّاني متقرّراً فيه، فكما حكمت بكون التغاير في العلّتين اعتباريّاً محضاً، فالحكم بكونه في المعلولين كذلك، فإذن وجود المعلول الأوّل هو نفس تعقّل الأوّل إيّاه من غير احتياج إلى صورة مستأنفة تحلّ ذاتَ الأوّل، تعالى عن ذلك.


صفحه 159

ثمّ لمّا كانت الجواهر العقليّة تعقل ما ليس بمعلولات لها بحصول صورها (1) فيها وهي تعقل الأوّل الواجب، ولا موجود إلاّ وهو معلول للأوّل الواجب كانت جميع صور الموجودات الكلّيّة والجزئيّة على ما عليه الوجود حاصلةً فيها، والأوّل الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور لا بصور غيرها، بل بأعيان تلك الجواهر والصور وكذلك الوجود على ما هو عليه. فإذن (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة) من غير لزوم محال من المحالات المذكورة»(2). انتهى كلام "شرح الاشارات".

وفيه وجوه من البحث: فإنّ قياس الوجود الصادر المباين فليس بهذه المثابة، وكذا (3) قياس الصادر عن العاقل لذاته في عدم الحاجة إلى صورة زائدة، على العاقل لذاته في ذلك قياس مع الفارق; فإنّ العاقل إنّما لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة زائدة ; لمكان الاتّحاد. وأمّا الصادر المباين، فليس بهذه المثابة، وكذا قياس الصادر عن العاقل بالاستقلال على الصورة الحاصلة في النفس بالمشاركة; فإنّ الصورة الحاصلة إنّما لا تحتاج إلى صورة أُخرى; لأنّ الحصول هناك متحقّق بالقيام، وهو كاف في العلم، بخلاف الصادر المباين .

والحاصل: أنّ الحصول الّذي يكفي في تحقّق العلم ـ على ما هو المسلّم ـ إنّما هو الحصول المتحقّق في ضمن الاتّحاد والقيام، وأمّا كفاية


1 . في المصدر: «بحصول صور فيها».

2 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 304 ـ 307 .

3 . في د: جملة «قياس الوجود الصادر المباين فليس بهذه المثابة وكذا» ساقطة.


صفحه 160

مطلق الحصول على أيّ نحو كان في ذلك فممنوع، وعلى من يدّعيه الإثباتُ. وسيأتي ما يتّضح به حقيقة ذلك.

وممّا ذكرنا يظهر ما في قوله: «ولا تظنّنّ إلى آخره» أيضاً إلى غير ذلك.

مذهب الفارابي وابن سينا في كيفيّة علمه تعالى بالأشياء

وأمّا مذهب انكسيمايس، فهو من فلاسفة الإسلام مختارُ معلّمهم أبو نصر ورئيسهم ابن سينا، وهو مختار أرسطو، بل أفلاطون أيضاً، كما صرّح به الفارابي في كتاب "الجمع بين الرأيين" وأوّل كلامه في «المُثُل» إلى ذلك.(1)

كلام الشيخ الرئيس

في بيان مذهبه المختار

أمّا الشيخ الرئيس، فقال في "إلهيات الشفاء" في فصل نسبة المعقولات إليه تعالى لبيان كون علمه تعالى بالأشياء بصورها العقلية لا بأعيانها الخارجيّة بهذه العبارة:

«ولا تُظَنّ أنّ الإضافة العقليّة إليها إضافة إليها كيف وُجدت، وإلاّ لكان كلّ مبدأ صورة في مادّة ـ من شأن تلك الصورة أن تُعقل بتدبير مّا من تجريد وغيره ـ يكون هو عقلاً بالفعل، بل هذه الإضافة له إليها ـ وهي بحال ـ معقولةٌ. ولو كانت من حيث وجودها في الأعيان، لكان إنّما يعقل ما يوجَد


1 . لاحظ : الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطوطاليس: 65 / برقم 16 .


صفحه 161

في كلّ وقت ولا يعقل المعدوم منها في الأعيان إلى أن يوجَد، فيكون لا يعقل من نفسه أنّه مبدأ ذلك الشيء وعلى ترتيب إلاّ عندما يصير مبدأ، فلا يعقل ذاته; لأنّ ذاته من شأنها أن يفيض عنها كلُّ وجود، وإدراكها من حيث شأنها أنّها كذا موجب لإدراك (1) الآخر وإن لم يوجد، فيكون العالَّم الربّوبي محيطاً بالوجود الحاصل، والممكنُ يكون لذاته إضافةٌ إليها من حيث هي معقولة لا من حيث لها وجود في الأعيان»(2).

ثمّ أشار إلى اختيار كون علمه تعالى بالأشياء بالصور الحاصلة في ذاته ; حيث قال ما ملخّصه: «فبقى لك النظر في حال وجودها معقولةً أنّها تكون موجودةً في ذات الأوّل على أنّها أجزاء ذاته، أو على أنّها كاللّوازم الّتي تلحقه، أو يكون لها وجود مفارق لذاته وذات غيره، أو من حيث هي موجودة في عقل أو نفس، إذا عقل الأوّل هذه الصور ارتسمت في أيّها كان، فيكون ذلك العقل، أو النفس كالموضوعة لتلك الصور المعقولةً وتكون معقولة له على أنّها إضافية (3)، ومعقولة للأوّل على أنّها عنه، ويعقل الأوّل من ذاته أنّه مبدأ لها.

فإن جعلتَ هذه المعقولات أجزاءَ ذاته، عرض التكثّر في ذاته تعالى، وإن جعلتَها لواحق ذاته، عرض لذاته أن لا يكون من جهتها واجب الوجود; لملاصقته ممكنَ الوجود.


1 . في المصدر: «يوجب إدراك».

2 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 364 / الفصل السابع من المقالة الثّامنة.

3 . في المصدر: «أنّها فيه». كذلك في د .


صفحه 162

وإن جعلتَها أُموراً مفارقة لكلّ ذات، عرضت الصور الأفلاطونيّة، وإن جعلتَها موجودةً في عقل مّا أو نفس مّا، عرض أنّه لَما كانت تلك الأشياء المرتسمة في ذات الشيء من معلولات الأوّل، فتدخل في جملةِ ما الأوّلُ يعقل ذاتَه مبدأً له، فيكون صدورها عنه لا على أنّه إذا عقله خيراً وُجد; لأنّها نفس عقله للخير، أو يتسلسل الأمر ; لأنّه يحتاج أن يعقل أنّها عُقلت وكذلك إلى ما لا نهاية له، وذلك محال، وهي نفس عقله للخير. فإذا قلنا: لما عقلها: وُجدت ولم يكن معها عقل آخرُ ولم يكن وجودها إلاّ أنّها تعقّلات، فإنّا نكون كانّا قلنا: لأنّه عَقَلها عَقَلها، أو لأنّها وُجدت عنه وُجدت عنه، فينبغي أن تجتهد جهدَك في التخلّص عن هذه الشبهة، وتتحفّظ أن لا يتكثّر ذاته، ولا نبالي بَأن تكون ذاته مأخوذةً مع إضافة مّا ممكنةَ الوجود ; فإنّها من حيث هي علّةٌ لوجود زيد ليست بواجبة الوجود، بل من حيث ذاتها، وتعلمَ أنّ العالَم الربّوبيّ عظيم جدّاً انتهى»(1).

فقوله: «ولا نبالي » صريح في اختيار هذا الشقّ. وأمّا بيان عدم المبالاة بلزوم كون ذاته تعالى من هذه الجهة ممكنةَ الوجود، فسيأتي، فتأمّل ليظهر لك أنّ ما قيل نظراً إلى هذا الكلام ـ من أنّ الشيخ في " الشفاء" متحيّر شاكّ في أمر هذه الصور ـ توهّمٌ محض.

وقال أيضاً: «اعلم: أنّ المعنى المعقول قد يؤخذ من الشيء الموجود، كما عرض أن أخذ(2) من الفلك بالرصد والحسّ صورتَه المعقولة، وقد تكون الصورة المعقولة غيرَ مأخوذة من الموجودة، بل بالعكس، كما أنّا


1 . إلهيّات الشفاء: 2 / 364 ـ 366 .

2 . في د: «أخذنا» كما في المصدر.


صفحه 163

نعقل صورة بنائيّة نخترعها، ثمّ يكون تلك الصورة المعقولة محرّكة لأعضائنا إلى أن نوجدها، فلا تكون وُجدت، فَعقَلناها، ولكن عَقَلناها فوُجدت، ونسبة الكلّ إلى العقل الأوّل الواجب الوجود هو هذا; فإنّه يعقل ذاتَه وما يوجبه ذاتُه، ويعلم من ذاته كيفيّةَ كون الخير في الكلّ، وتتبع صورة (1) المعقولة صورةَ الموجودات على النظام المعقول عنده، لا أنّها (2) تابعة اتّباعَ الضوء للمضيء والإسخانِ للحارّ، بل هو عالم بكيفيّة نظام الحيز في الوجود، وأنّه عنه، وعالم بأنّ هذه العالميّةَ يفيض عنها الوجودُ على الترتيب الّذي يعقله خيراً أو نظاماً .

ثمّ قال: ولا تُظَنَّ أَنّه لو كانت للمعقولات عنده صور وكثرة، كانت كثرة الصور الّتي تعقلها أجزاءً لذاته، وكيف؟ وهي تكون بعد ذاته; لأنّ عقله لذاتُه ذاته، ومنه يعقل كلَّ ما بعده; فعقله لذاته علّةُ عقله ما بعد ذاته ; فعقله ما بعد ذاته معلول عقله لذاته، على أنّ المعقولات والصورَ ـ الّتي بعد ذاته ـ إنّما هي معقولة له على نحو المعقولات العقليّة لا النفسانيّة، وإنّما له إليها إضافة المبدأ الّذي يكون عنه لا فيه، بل إضافات على الترتيب بعضُها قبل بعض، وإن كانت معاً لا بتقدّم وتأخَّر (3) في الزمان، فلا يكون هناك انتقال في المعقولات»(4).


1 . في المصدر: «فتتبع صورته».

2 . في المصدر: «لا على أنّها».

3 . في المصدر: «لا تتقدّم ولا تتأخّر».

4 . إلهيّات الشفاء: 2 / 363 ـ 364 .


صفحه 164

كلامه في التعليقات

وقال في " التّعليقات":

«تعليق: الأوّل يعرف كلّ شيء من ذاته، لا على أن تكون الموجوادت علّةَ لعلمه، بل علمه علّة لها مثل أن يكون البنّاء يُبدِع في الذّهن صورة بيت، فيَبنيه على ما هو في الذّهن، فلولا تلك الصورة المصوَّرة من البيت في الذهن، لم يكن للبيت وجود (1)، فلم تكن صورة البيت علّةً لعلم البنّاء، بل الأمر بالعكس (2)، وما كان بخلاف ذلك فإنّه كالسماء الّتي هي علّة لعلمنا بها ; فإنّ وجودها علّة لعلمنا بها. وقياس الموجودات إلى علّتها (3) كقياس الموجودات الّتي نستنبطها بأفكارنا، ثمّ نوجدها; فإنّ الصور الموجودة من خارج علّتُها الصورُ المبدَعة في أذهاننا، ولكنّ الباري لم يكن يحتاج إلى استعمال آلة وإصلاح مادّة، بل كما يتصوّر يجب وجود الشيء بحسب التصوّر .(4)

وأمّا نحن، فنحتاج ـ مع التصوّر ـ إلى استعمال آلات، ونحتاج إلى شوق إلى تحصيل ذلك المتصوّر وطلب لتحصيلها. فالأوّل غنيٌّ عن كلّ هذا.

تعليق: شَبِّهْ طاعة الموادّ والموجودات لتصوّره سبحانه بأن نتصوّر


1 . في المصدر: «وجوده».

2 . في المصدر: «لعلم البناء به. وما كان بخلاف الخ» .

3 . في المصدر: «إلى علمه».

4 . في المصدر: «بل كما نتصور نحن وجود الشيء بحسب التصوّر».


صفحه 165

شيئاً، فإذا حصل منّا الإجماع لطلبه، انبعث القوّة الّتي في العضلات إلى تحريك تلك الآلات من دون استعمال آلة أُخرى في تحريك تلك الآلات. وهذا معنى قوله جل وعلا (كُنْ فَيَكُونُ)(1).(2)

تعليق: «العلم هو حصول صور المعلومات في النفس، وليس نعني به أنّ تلك الذوات تتحصل في النفس، بل آثار منها ورسوم. وصور الموجودات مرتسمة في الباري ; (3) إذ هي معلولات، وعلمه بها سبب وجودها»(4).

وقال في " رسالة منسوبة إليه ": «اعلم: أنّ المعلوم ليس هوالصورةَ الموجودة في الخارج وجوداً عينيّاً; لأنّه لو كان كذلك لكان كلّ موجود وجوداً عينيّاً معلوماً لنا، ولكنّا لا نعلم المعدوم: لكنّا نحكم عليه حكماً تصديقيّاً، كما نحكم على الخلاء بأنّه غير موجود، فلو لم يكن متصوّراً لنا، لم نحكم عليه بشيء .

وأيضاً لو كان المعدوم غير متصوّر، لم يتحقّق الكذب في الأقوال; لأنّ قولنا: هذا الكلام كذب، معناه أنّه ليس له في الوجود الخارجيّ مطابقٌ، فلو كان كلّ متصوّر في الذّهن معبَّر عنه بعبارة أمراً موجوداً في الأعيان، لما كان لقولنا: هذا الكلام كذب، معنى، بل كانت الأقوال


1 . البقرة: 117 ; آل عمران: 47 و 59 ; الأنعام: 73 ; النحل: 40 ; مريم: 35 ; يس: 83 ; غافر: 68 .

2 . التعليقات: 232.

3 . في المصدر: «في ذات الباري».

4 . التّعليقات: 95 .


صفحه 166

كلّها صادقةً، إذ لها مطابَقٌ في الوجود الخارجيّ .

فقد تبيّن بياناً واضحاً أنّ المعلوم ليس هو الموجودَ في الأعيان، بل ذلك معلوم بالضرورة. والقول في المحسوس أيضاً هكذا. ولا أيضاً أثر يحصل من حصول المعلوم في الاذهان، بل هو نفس حصوله في الأذهان.

والدليل عليه أنّه لو كان أثراً يحصل منه لم يَخْلُ الأمر: إمّا أن يكون لهذاالأثر حصول بنفسه أو لا; فإن كان الثّاني لم يحصل العلم ألبتّة، بل كان الذهن كما كان قبل حصول صورة المعلوم. وإن كان الأوّل فأيّ فرق بين الحصول الأوّل والثّاني؟ فإن لم يكن العلم هو حصول الصورة الأُولى، بل أثر يحصل منه (1) ولهذا الأثر أيضاً حصول، فيجب أن لا يكون العلم هو نفسَ حصول الصورة الثّانية ويتسلسل (2)، فبقي أنّ العلم هوحصول الصورة المعلومة وهومثال مطابقٌ للأمر الموجود دون الذهن. وهذا أمر مطّرد في العلم القديم والعلوم الحادثة.

ثمّ قال: واعلم: أنّ العلم ينقسم قسمين:

أحدهما: ما هو حادث من وجود الشيء، مثل علمنا بالفلك.

وثانيهما: علم حادث منه وجود الشيء، مثل علم الباني بالبِناء قبل


1 . في د: جملة «لهذا الأثر حصول بنفسه أولا; فإن كان الثّاني لم يحصل العلم ألبتّة، بل كان الذهن كما كان قبل حصول صورة المعلوم. وإن كان الأوّل فأيّ فرق بين الحصول الأوّل والثّاني؟ فإن لم يكن العلم هو حصول الصورة الأُولى، بل أثر يحصل منه» ساقطة.

2 . في د: «حصول الصورة الثانية كما لم يكن نفس حصول الصورة الأُولى، بل هو أثر يحصل من حصول الصورة الثّانية ويتسلسل».


صفحه 167

وجود البناء. وعلمُ الباري تعالى من قبيل القسم الثّاني; لانّه متقدّم على وجود المعلولات.

وقد قلنا: إنّ العلم هو نفس مثل المعلومات وصورها لا أثر يحصل منها، وإذا كان كذلك فصور المعلومات حاصلة عنده قبل أن أبدعها وأوجدها; إذ لمّا ثبت تقدّمها على المعلومات، ولم تكن هي نفس الموجودات الخارجيّة، ولم يجز أن يكون في موضوع مفارق لذات الباري عزّ اسمه; لأنّه يحتاج إلى سبب لكونه في ذات ذلك الشيء، فإن كان السبب ذات الباري تعالى، كان ذلك المسبّب ـ الّذي هو صورة تلك الموجودات ـ قبل كونه في ذلك الموضوع موجوداً; إذ قلنا: إنّ مثل ذلك العلم متقدّم على ذوات الموجودات الخارجية، فإن كان ذلك العلم المتقدّم عليه في موضوع مفارق أيضاً لذات الباري، كان الكلام باقياً، وهكذا إلى غير النهاية، فيتسلسل الأمر .

ويلزم التسلسل من وجه آخَرَ أيضاً، وهو أنّ العلم المتقدّم على كون هذه الصور في موضوع هو وجود تلك الصور، فيلزم أن يكون عُلم فعُلم، أو وُجد فوُجد، وهذا محال; لأنّه يؤدّي إلى أن لا يكون الشيء معلوماً ألبتّة وأمّا أن يكون صور تلك الأشياء أجزاء ذاته تعالى وهذا يؤدّي إلى تكثّر في ذات الأحد الحقّ، تعالى عن ذلك .

فلم يبق قسم إلاّ أن يكون لوزامَ الذات; إذ لمّا ثبت وجود تلك الصور وتقدُّمها، وثبت أنّها غير الموجودات الخارجيّة وغير موجودة في موضوع


صفحه 168

آخَرَ، وبطل أن تكون موجودة مفارقة للموجودات الخارجيّة وللموضوع الآخر ولذات الباري عزّ اسمه، فتكون في صقع من الربوبيّة على ما عُنى من المُثُل الافلاطونيّة المزيَّفة في موضعها وثبت أنّها ليست عينَ الذات الأحد الحقّ، بل هي غيره، فبقي أنّه لازم الذات ; إذ بطل سائر الأقسام، فلابدّ من تعيين هذا الباقي.

وأنت إن لم تدرك حقيقة هذا فلا بأس، لأنّ حظو العلم أضيقُ من أن يكون له إلى مثل ذلك الجناب العالي مَطمح النظر لاسيّما في دار الغربة، فلا تلتمس من نفسك شيئاً عجز عنه الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون». انتهى ملخّصاً.(1)

كلامه في الإشارات

وقال في " الإشارات" ما محصوله:

«إن إدراك الشيء مطلقاً ـ سواء كان بآلة أو لا (2) ـ هو أن تكون حقيقته متمِثّلةً عند المدرِك، حاضرة عندما به الإدراك، سواء كان ذاتَه أو آلتَه، فإن كان تلك الحقيقةُ نفسَ حقيقة الشيء الخارج عن المدرِك وآلتِه كان حقيقةَ ما لا وجود له بالفعل في الأعيان ـ مثل كثير من الأشكال الهندسيّة، بل كثير ممّا لا يمكن وجوده من الأُمور الفرضيّة ـ غير متحقّقة أصلاً، فيمتنع تعلّق الإدراك بها، هذا خلف، فبقي أن يكون مثال حقيقة مرتسماً في ذات المدرك


1 . لم نعثر على مصدره.

2 . في د: «أو بغير آلة».


صفحه 169

و (1) آلته غير مباين لهما»(2).

وقال أيضاً ـ بعد إبطال اتّحاد العاقل مع المعقول على ما مرّ في مسألة العلم ـ : «فيظهر لك من هذا أنّ كلّ ما يَعقل فإنّه ذات موجودة تتقرّر فيها الجلايا العقليّة تقرُّرَ شيء في شيء آخَرَ»(3).

ثمّ قال: ولعلّك تقول: «إن كانت المعقولاتُ لا تتّحد بالعاقل ولا بعضُها مع بعض، ثمّ قد سلَّمتَ أنّ واجب الوجود يَعقل كلَّ شيء، فليس واحد حقاً، بل هناك كثرة.

فنقول: إنّه لمّا كان يعقل ذاتَه بذاته، ثمّ يلزم قيّوميّتَه عقلاً بذاته لذاته أن يعقل الكثرة، جاءت الكثرة لازمةً متأخّرة، لا داخلةً في الذات مقوّمةً، وجاءت أيضاً على ترتيب. وكثرةُ اللّوازم من الذات ـ مباينَةً اوغير مباينة ـ لا تثلم الوحدة. والأوّل تَعرض له كثرةُ لوازمَ إضافيّة أو غير إضافيّة وكثرةُ سُلوب، وبسبب ذلك كثرت أسماء، لكن لا تأثير لذلك في وحدانيّة ذاته. انتهى»(4).

والمراد من الترتيب ما بيّنه في "التعليقات " حيث قال: «الأوّل هو سبب في لزوم المعلومات له ووجوبها عنه، لكن على ترتيب وهو ترتيب السّبب والمُسَبَّب; فإنّه مُسبِّب الأسباب (5) وهو سبب معلوماته، فيكون


1 . في د: «أو آلته».

2 . لاحظ: الإشارات والتنبيهات: 237 .

3 . الإشارات والتنبيهات: 327 .

4 . الإشارات والتنبيهات: 329 .

5 . في المصدر: «مسبّب الأسباب».


صفحه 170

بعض الشيء مقدّماً علمية (1) له على بعض، فيكون بوجه مّا علّةً، لأنّ عرف الأوّل معلولها وبالحقيقة فإنّه علّة كلّ معلوم وسببٌ لأن عُلم كلُّ شيء .

مثال ذلك أنّه علّة، لأنْ عُرف العقل الأوّل، ثمّ إنّ العقل الأوّل هو علّة، لأنّه (2) عرف لازم العقل الأوّل فهو وإن كان سبباً، لأن عرف الأوّل ولوازمها، فيوجبه (3) مّا صار العقل الأوّل علّة لأنْ عَرف لوازمَ العقل الأوّل(4). انتهى»(5).

ردّ المصنّف على الشيخ الرئيس

ثم إنّ المصنّف في " شرح الإشارات " ردّ على الشيخ، فقال: «لا شكّ في أنّ القول بتقرّير لوازم الأوّل في ذاته تعالى قول بكون الشيء قابلاً وفاعلاً معاً، وقول بكون الأوّل موصوفاً بصفات غير إضافيّة ولا سلبيّة، وقول بكونه محلاًّ لمعلولاته الممكنة المتكثّرة، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، وقول بأنّ معلوله الأوّل غير مباين لذاته، وبأنّه تعالى لا يوجد شيئاً ممّا يباينه بذاته، بل بتوسّط الأُمور الحالّة فيه، إلى غير ذلك ممّا يخالف الظاهرَ من مذاهب الحكماء والقدماءُ القائلون بنفي العلم عنه تعالى. وأفلاطون القائل بقيام الصور المعقولة بذاته،(6) والمشاؤون القائلون باتّحاد العاقل والمعقول إنّما


1 . في المصدر: «متقدّماً علميّتُه».

2 . في المصدر: «لأنْ».

3 . في المصدر: «ولوازمه، فبوجه».

4 . في المصدر: «لأن عرف الأوّل لوازم ذلك العقل الأوّل».

5 . التعليقات: 183 .

6 . في د: «بذاتها» كما في المصدر.


صفحه 171

ارتكبوا تلك المحالاتِ حذراً من إلتزام هذه المعاني. انتهى»(1).

كلام الشارح في ردّ كلام المصنّف على الشيخ

أقول ـ وبالله التوفيق ـ : قد حقّقنا في ما مرّ من " مباحث العلّة والمعلول"(2) أنّ المراد من القبول في قولهم: الواحد لا يكون فاعلاً وقابلاً، هو القبول الانفعاليّ ـ أعني: القبول من الغير ـ فإنّ القابل هذا القبول من الغير يجب أن يتعرّى في حدّ ذاته عن المقبول، والفاعل لا يمكن أن يتعرّى في حدّ ذاته عن المفعول ; ضرورةَ أنّ المفعول فائض عنه وصادر عنه ويمتنع فَيَضان الشيء عن العاري عن ذلك الشيء، وكذا يمتنع قبول الشيء من الغير ما لا يتعرّى في حدّ ذاته عنه.

وهذا معنى قولهم في الاستدلال على هذا المطلب: أنّ نسبة الفاعل إلى المفعول بالوجوب، ونسبةَ القابل إلى مقبوله بالإمكان، فلو اجتمعا في شيء واحد، لزم اجتماع الوجوب والإمكان في شيء واحد من جهة واحدة.

وأمّا قبول الشيء المقبولَ عن نفسه، فلا يستدعي تعرّيه عنه في حدّ ذاته، بل يمتنع ذلك فيه، فلا ينافي كونه مفعولاً لذلك الشيء كما هو مقبول له.

وهذا معنى قول الشيخ: إنّ عاقليّته تعالى لهذه المعقولات إنّما هو


1 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 304 .

2 . لاحظ : الجزء الثّاني من هذا الكتاب: الحكم الثّاني من المسألة الرابعة من الفصل الثّالث.


صفحه 172

لكونها صادراً عنه لا لكونها حاصلة فيه،(1) وذلك لأنّ المتبادر من الحصول في الشيء هو أن يكون حاصلاً فيه من غيره لا من ذاته.

قال في "الشفا " في فصل سابق على الفصل المذكور: وليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء، وإلاّ فذاته إمّا متقوّمة بما يعقل، فيكون تقوّمها بالأشياء، وإمّا عارضة لها أن تعقل، فلا تكون واجبةَ الوجود من كلّ وجه، وهذا محال. ويكون لولا أُمور من خارج لم يكن هو بحال يكون له حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره، فيكون لغيره فيه تأثير. والأُصول السابقة تُبطل هذا وما أشبهه»(2).

كلامه في التعليقات أيضاً

وقال في "التعليقات ": «تعليق: نفسُ تعقّله لذاته نفس وجود هذه الأشياء عنه. ونَفْسُ وجودِ هذه الأشياء نفس معقوليتها له على أنّها عنه.

تعليق: هو يعقل الأشياء لا على أنّها تحصل في ذاته كما نعقلها نحن، بل على أنّها تصدر عن ذاته وأن ذاته سببٌ لها»(3).

تعليق: «إن وَرَد على ذات الباري شيء من خارج يكون ثمَّةَ (4) انفعال ويكون هناك قابل له; لأنّه يكون بَعدما لم يكن. وكلّ ما يفرض أنّه (5) يكون


1 . انظر: التعليقات: 217 ; وإلهيات الشفاء: 2 / 364 ـ 365 / الفصل السابع من المقالة الثّامنة.

2 . إلهيّات الشفاء: 2 / 358 ـ 359 / الفصل السادس من المقالة الثامنة.

3 . التعليقات: 184 .

4 . في المصدر: «ثمَّ».

5 . في المصدر: «أن».


صفحه 173

له بعدما لم يكن فإنّه يكون ممكناً فيه، فبطل (1) أن يكون واجبَ الوجود، فيؤدّي ذلك إلى تغير في ذاته و(2) تأثير شيء من خارج فيه، فإذن يعقل كلّ شيء من ذاته»(3).

تعليق: «هذه الموجودات من لوازم ذاته، ولوازمه فيه بمعنى أنّها تصدر عنه لا أن تصدر عن غيره فيه فله قبول انفعال(4). وقولنا فيه يعتبر على وجهين: أحدهما أن يكون عن غيره فيه، والآخر أن يكون فيه لا عن غيره، بل فيه من حيث يصدر عنه»(5).

تعليق: «الأوّل (6) يعقل الأشياء والصّور على أنّه مبدأ لتلك الصّور الموجودة المعقولة فإنّها فائضة عنه مجرّدة غاية التجريد ليس فيه اختلاف صور مترتبة متخالفة، بل يعقلها بسيطاً ومعاً لا باختلاف ترتيب وليس يعقلها من خارج.

وكما أن وجود الأوّل مغاير لوجود الموجودات بأسرها فكذلك تَعقُّله مباين لتعقّل الموجودات. وكذلك جميع أحواله فلا تقاس حال من أحواله إلى ما سواه. فهكذا يجب أن يعقل حتّى يسلم من التشبيه، تعالى عن ذلك»(7).


1 . في المصدر: «فيبطل».

2 . في د: «أوَ».

3 . التعليقات: 139 .

4 . في المصدر: «فيكون ثمّ قابل وانفعال».

5 . التعليقات: 142 .

6 . في د: «الأوّل تعالى يعقل».

7 . المصدر السابق: 144 .


صفحه 174

تعليق: «إضافة الباري إلى هذه المعقولات إضافة محضة(1) معقولة، لا إضافةُ المادّة إلى الصّورة ـ أي القابل ـ أو وجود الصورة في المادّة، بل الإضافة له إليها وهي معقولة لا من حيث هي موجودة; لأنّه يعقلها من ذاته لا من خارج، ويعقل من ذاته أنّه مبدأ لها، وإن كان يعقّلها من حيث هي موجودة يكون إمّا أن يكون لا يعقل ذاتَه ويكون يدرِك الشيء عند وجوده، أو لا يكون مبدأً لها، وهذا محال; فإنّه يعقل ذاتَه وإدراكُه لها من حيثُ من شأنها أن يفيض عنهاكلّ موجود. وهذا الإدراك للذّات يوجب الإدراك للأمر اللاّزم لذاته، وهو صدور المعقولات عنه»(2).

تعليقٌ: «القابل يعتبر فيه وجهان: أحدهما أن يكون يقبل شيئاً من خارج فيكون ثمّةَ انفعال في هيولى تقبل ذلك الشيء الخارج. وقابلٌ (3) من ذاته لما هو في ذاته لا من خارج، لا يكون ثمَّةَ انفعال، فإن كان هذا الوجه الثّاني صحيحاً، فجائز أن يقال على الباري»(4).

تعليقٌ: «وجوده تعالى مباين لسائر الوجودات، وتعقّله مباين لسائر التعقّلات; فإنّه يعقله على أنّه عنه»(5).(6)

تعليقٌ: «اللاّزم ما يلزم الشيء، لأنّه هو ولا يقوّم الشيءَ، واللّوازم كلّها


1 . في المصدر: «مخصّصة» .

2 . التعليقات: 149 .

3 . هذا هو الوجه الثّاني.

4 . التعليقات: 149 .

5 . في د: «على أنَّه عنه، وتعقُّلُ غير على أنّه فيه».

6 . لاحظ : المصدر السابق: 144.


صفحه 175

على هذا، أي تلزم ملزومَها; لأنّه هو »(1).

تعليقٌ: «لوازم الأوّل تكون صادرة عنه، لا حاصلةً فيه، فلذلك لا تتكثّر بها; لأنّه مبدأها فلا ترد عليه من خارج. ومعنى اللّزوم أن يلزم شيء(2) شيئاً بلا واسطة. ولوازم الأوّل لمّا كان هو مبدؤها كانت لازمةً له صادرة عنه، لا لازمةً له من غيره حاصلةً فيه. وصفاته لازمة لذاته على أنّها صادرة عنه، لا على أنّها حاصلة فيه; فلذلك لا يتكثّر بها فهو موجبها. فتلك اللّوازم وتلك الصّفات تلزم ذاته لأنّه هو ـ أي هو سببها ـ لا شيء آخر، واللّوازم الّتي تلزم غيره لا تلزمه لأنّه هو، (3) فاللّوازم كلّها حقيقتها أنّها تلزم الشيء لأنّه هو ».(4)

تعليقٌ: «لازم الأوّل لا يجوز إلاّ أن يكون واحداً بسيطاً; فإنّه لا يلزم عن الواحد إلاّ الواحد. ثمّ اللاّزم الآخَر يكون لازم لازمه.(5) ثمّ يكون الأمر على ذلك، وتكون كثرة اللّوازم (6) على هذا الوجه»(7).

تعليق: «واجب الوجود لا يصحّ أن تكون فيه كثرة حتّى يكون ذاته


1 . المصدر السابق: 217 .

2 . في المصدر: «ومعنى اللاّزم أن يلزم شيء عن شيء بلا واسطة شيء، أو يلزم شيء شيئاً بلا واسطة شيء، أو يلزم شيء الخ».

3 . بل قد يكون بوساطة شيء آخر ولازم آخر. وإذا لم يكن بوساطة شيء كان لازماً له لأنّه هو .

4 . التعليقات: 217 ـ 218 .

5 . وكذلك اللاّزم الثّالث يكون لازم لازمه.

6 . في المصدر: «اللّوازم للأوّل».

7 . التعليقات: 218 .


صفحه 176

مجتمعةً من أجزاء، مثل بدن الإنسان، أو من أجزاء كلُّ واحد منها قائم بذاته، كأجزاء البيت من الخشب والطين، ولا من أجزاء كلُّ واحد منها غير قائم بذاته، كالمادّة والصورة للأجسام الطبيعيّة ; فإنّه لو كان ذاته متعلّقاً بالأجزاء لكان وجوب وجوده (1) يتعلّق بأسباب، وكلّ وجود يتعلّق وجوبه بأسباب لا يكون واجب الوجود بذاته.(2)

ولا يصحّ أيضاً أن يكون فيها صفات مختلفة ; فإنّه لو كانت تلك الصّفات أجزاءً لذاته، كان الحكم فيها ما ذُكر.

وإن كانت تلك الصّفات عارضةً لذاته، كان وجود تلك الصّفات: إمّا عن سبب من خارج، ويكون واجب الوجود قابلاً له، ولا يصحّ أن يكون واجب الوجود بذاته قابلاً لشيء، فإنّ القبول لما فيه معنى ما بالقوّة .

وإمّا أن تكون تلك العوارض توجد فيه عن ذاته، فيكون إذن قابلاً كما هو فاعل. اللّهم إلاّ أن يكون تلك الصّفات والعوارض لوازمَ ذاته; فإنّه حينئذ لا تكون ذاته موضوعة لتلك الصّفات، لأنّ تلك الصّفات موجودة فيه، بل لأنّها لازمة له، لأنّه هو .(3)

وفرقٌ بين أن يوصف جسم بأنّه أبيضُ، لأنّ البياض توجد فيه من خارج، وبين أن يوصف بأنّه أبيضُ، لأنّ البياض من لوازمه، وإنّما وُجد فيه


1 . في المصدر: «لكان وجوب وجوده لا بذاته».

2 . قوله: «يتعلّق بأسباب، وكلّ وجود يتعلّق وجوبه بأسباب لا يكون واجب الوجود بذاته». ليس في المصدر.

3 . في المصدر: «بل لأنّه هو».


صفحه 177

لأنّه هو، لو كان نحو (1) ذلك في الجسم. وإذا أخذت حقيقةَ الأوّل على هذا الوجه، ولوازمَه على هذه الجهة، يستمرّ (2)هذا المعنى فيه، وهو أنّه لا كثرة فيه، وليس هناك قابل وفاعل، بل هو ـ من حيث هو ـ قابل فاعل.

وهذا الحكم مطّرد في جميع البسائط ; فإنّ حقائقها هي أنّه تلزم عنها اللّوازم، وفي ذواتها (3) تلك اللّوازم على أنّها ـ من حيث هي ـ قابلة فاعلة ; فإنّ البسيط عنه وفيه شيء واحد; إذ لا كثرة فيه، ولا يصحّ فيه غير ذلك. والمركّب يكون ماعنه غير ما فيه; إذ هناك كثرة، وثَمَة (4) وحدة. وحقيقته أنّه يلزمه ذلك، فيكون عنه وفيه شيئاً واحداً، وكلّ اللّوازم هذا حكمها; فإنّ الوحدةَ في الأوّل هي عنه وفيه لأنّها من لوازمها، والوحدة في غيره واردة عليه من خارج، فهي «فيه» لا «عنه» وهو هناك قابل، وفي الأوّل القابل والفاعل شيء واحد .(5)

تعليقٌ: «النفس الإنسانيّة لا يصحّ أن تكون فاعلة للمعقولات ; لأنّها قابلة لها، بعد أن لم تكن، ومثل ذلك يجب أن يسبقه معنى ما بالقوّة، فأمّا الشيء الّذي حقيقته أنّه تلزمه المعقولات،(6) فلا يجب أن يكون فيه معنى ما بالقوّة.


1 . في المصدر: «يجوز».

2 . في د: «استمرّ» كما في المصدر.

3 . في المصدر: «في ذاتها».

4 . في د: «وثَمَّ» كما في المصدر.

5 . التعليقات: 218 ـ 219 .

6 . في المصدر: «معنى ما بالقوّة، وفيها استعداد فأمّا الشيء الّذي حقيقته أن تلزمه المعقولات دائماً».


صفحه 178

ولمّا(1) كانت النفس الإنسانيّة تعقل(2) المعقولات بعد أن لم تكن تعقل(3)، كان فيها معنى ما بالقوّة».(4)

تعليقٌ: «الّذي يعقل(5) المعقولات لا يصحّ أن يكون فاعلاً للمعقولات، لأنّه لا يصحّ أن يكون شيء واحد فاعلاً وقابلاً بعد أن لم يكن فاعلاً وقابلاً، لأنّه يسبقه معنى ما بالقوّة»(6). انتهى كلام " التّعليقات" .

كلام بهمنيار في التحصيل

وقال تلميذه بهمنيار في "التحصيل": وإذا كان واجب الوجود يعقل ذاتَه فيعقل أيضاً لوازمَ ذاته، وإلاّ ليس يعقل ذاته بالتمام. واللّوازمُ الّتي معقولاته وإن كانت أعراضاً موجودة فيه، فليس ممّا يتّصف بها أو ينفعل عنها; فإنّ كونه واجبَ الوجود هو بعينه كونُه مبدأً للوازمه، أي معقولاته، بل ما صدر عنه إنّما يصدر عنه بعد وجوده عنه وجوداً تامّاً; وإنّما يمتنع أن يكون ذاته محلاًّ لإعراض تنفعل عنها، أو يستكمل بها، ويتّصف بها، بل كماله في أنّه بحيث يصدر عنه هذه اللوازم لا في أنّها توجد له، فإذا وصف بأنّه يعقل هذه الأُمور فإنّه يوصف به، لأنّها تصدر عنه هذه لا لأنّه محلّها


1 . في المصدر: «لو».

2 . في المصدر: «تفعل... أن لم تفعل».

3 . في المصدر: «تفعل... أن لم تفعل».

4 . التعليقات: 219 .

5 . في المصدر: «لا يقبل».

6 . المصدر السابق: 220 .


صفحه 179

ولوازم ذاته هي صور معقولاته لا على أنّ تلك الصّور تصدر عنه فيتعلّقها، بل نفس تلك الصور ـ لكونها مجرّدةً عن الموادّ ـ يفيض عنه وهي معقولة فنفس وجودها عنه نفس معقوليتها فمعقولاته اذن فعليّة»(1). انتهى كلام "التحصيل".

كلام الشارح في دفع الوجوه الأخيرة الّتي أوردها المصنّف على الشيخ

فبهذا التحقيق اندفع الأوّل والثّاني من تلك المفاسد.

وأمّا الثّالث منها ـ وهو كونه محلاًّ لمعلولاته المتكثّرة ـ فينحلّ إلى ثلاثة مفاسد:

أحدها: كونه محلاًّ. وهذا أيضاً قد اندفع به ; إذ لا فرق بينه وبين كونه قابلاً.

وثانيها: كونه محلاًّ للكثرة من حيث هي كثرة. وهذا مندفع بكون تلك الكثرة على الترتيب.

وثالثها: كونه محلاًّ للمعلول من حيث هو معلول، لأنّ الظاهر من مذاهب الحكماء هو اتفاقهم على امتناع كونه تعالى محلاًّ لشيء من معلولاته.

وهذا مع الوجهين الباقيين من تلك المفاسد مندفعة، بأنّه على تقدير


1 . التحصيل: 574 .


صفحه 180

التسليم، فالمراد من المعلول وكذا من الإيجاد ما يكون بحسب الوجود العينيّ، فلا ينافي كونَه محلاًّ لمعلوله بحسب الوجود العقليّ، ولا كونَه غير مباين له، ولا كونَه غيرَ موجِد لشيء من معلولاته بحسب الوجود الخارجيّ إلاّ بتوسّط ما هو حالّ فيه معلول له بحسب الوجود العقليّ.

وقد يجاب أيضاً عن لزوم كون المعلول الأوّل غيرَ مباين لذاته تعالى: بأنّه إن أراد بعدم المباينة قيامَ صورته بذاته تعالى، فهو عين محلّ النزاع .

وإن أراد به كون صورته عينَ ذاته تعالى ـ بناءً على أنّ صدور كلّ معلول إذا كان بتوسّط صورته السابقة عليه، فلو لم يكن صورة المعلول الأوّل عينَ الواجب، لزم التسلسل ـ فجوابه أنّ هذه الصورة نفسُ وجودها عنه نفسُ عقله لها، فهي من حيث هي موجودة معقولة، ومن حيث هي معقولة موجودة، فنفس إيجاده تعالى إيّاها عين علمه تعالى بها، وكلّ إيجاد لا يكون نفسَ العلم يحتاج إلى علم سابق.

وأمّا إذا كان الإيجاد والعلم واحداً وكانت الصورة العلميّة نفسَ الموجود، فلا يحتاج إلى علم سابق ; فإنّ الإيجاد يجب أن يكون من علم، ولا يجب أن يكون العلم أيضاً من علم هذا.

وينبغي أن يُعلم أنّ بناء العلم الحصولي على وجوب كون هذه الموجودات عن علم متعلِّق بهذا النظام والترتيب الواقعَيْن على أكمل وجوه الخيريّة وأتمّها، وامتناعِ صدور مثل ذلك النظام لا عن علم به، بل بمحضِ اتّفاق أو طبع.


صفحه 181

وهذا العلم يجب أن يكون متقدّماً على الصدور متعلّقاً بتفاصيل النظام، فلا يجوز كونه عينَ تلك الأشياء ولا كونُه إجماليّاً كما سيأتي. فثبت وجوب كون هذا النظام معقولاً له تعالى سابقاً على صدور الأشياء وسبباً له .

وهذا معنى قول الشيخ: «إنّ هذه العالميَّةَ يفيض عنها الوجودُ على الترتيب الّذي يعقله خيراً ونظاماً. (1) وأنّ الأشياء لمّا عقلت هكذا وجدت لا أنّها وجدت ثمّ عقلت. وهذا هو مرادهم من العناية.(2)

كلام الشيخ في بيان وجوب وجود العناية من العلل العالية في العلل السافلة

قال في "الإشارات ": «فالعناية هو إحاطة علم الأوّل بالكلّ، وبالواجب أن يكون عليه الكلُّ حتّى يكون على أحسن النظام; ولأنّ (3) ذلك واجب عنه وعن إحاطته به، فيكون الموجود وفْقَ المعلوم على أحسن النظام، من غير انبعاث قصد وطلب من الأوّل الحقّ.

فَعِلْمُ الأوّل بكيفيّة الصواب في ترتيب وجود الكلّ، منبعٌ لفَيَضان الخير في الكلّ»(4).

وقال في كتاب "المبدأ والمعاد ": «وأمّا وجودُ العناية من العلل العالية


1 . لاحظ : إلهيات الشفاء: 2 / 363 / الفصل السابع من المقالة الثّامنة.

2 . انظر: التعليقات: 192 ; وإلهيات الشفاء: 2 / 415 / الفصل السّادس من المقالة التّاسعة.

3 . في د: «بأنّ» كما في المصدر.

4 . الإشارات والتنبيهات: 332 .


صفحه 182

في العلل السافلة، فهي أنّ كلّ علّة عالية فإنّها تَعقَل نظام الخير الّذي يجب أن يكون عنه في كلّ ما يكون، فيتبعُ معقولَه وجودُ ذلك النظام.

وليس يمكننا أن ننكر التدبير في أعضاء الحيوان والنبات، والزينة(1) الطبيعيّة، ولا يمكننا أن نجعل القُوى العاليةَ بحيث تعمد تكوُّنَ هذه(2) المفاسداتُ أو ما دونها، فقد بيّنا هذا .

بل الوجهُ المتخلّص عن الباطل (3) أنّ كلَّ واحد منها تعقل ذاته، وهو تعقّله مبدأَ النظام الّذي يجب أن يكون عنه، وذلك صورة ذاته، فيجوز أن يكون ذلك بالكلّيّة للمبدأ الأوّل.

وأمّا الجزئيّات والتغاير فلا يجوز أن تُنسب إليه .

فإذا كان كذلك، فإنّ تعقّل كلّ واحد منها لصورة نظام الخير ـ الّذي يمكن أن يكون عنه ـ مبدأٌ لوجود ما يوجَد عنه على نظمه. فالصورُ المعقولةُ عند المبدأ مبدأٌ للصور الموجودة للثّواني.

ويُشبِهُ أن يكون أفلاطون يعني بالصور هذه الصورَ، ولكن ظاهر كلامه منتقضٌ فاسدٌ، قد فرغ الفيلسوف من بيانه في عدّة كتب. وإذا كانت كذلك، كانت عناية الله مشتملةً على الجميع. انتهى»(4).


1 . في المصدر: «الرتبة».

2 . في المصدر: «القُوى العاليةَ عشيقَةً بعمل يتكوّن عنها هذه الخ».

3 . في المصدر: «المُخلّصُ عن الباطلَين».

4 . المبدأ والمعاد لابن سينا: 84 ـ 85 .


صفحه 183

كلام الشارح في بيان أنّ وجود العناية ممّا لابدّ منه في وجود الموجودات

فظهر أنّ وجود العناية ممّا لابدّ منه في وجود الموجودات، وهو لا يكون إلاّ بتقدّم العلم الصّوري بها عليها، فأمّا وجوب كون هذه الصور المعقولة قائمةً بذاته تعالى، فإنّما لزم لاستحالة سائر الاحتمالات، على ما مرّ في ما نقلناه عن الشيخفي " رسالة منسوبة إليه". وأيضاً يكون مناط المعقوليّة ـ على ما هو المعلوم المتحقّق ـ إمّا العينيّةَ أو القيامَ بالعاقل.

وأمّا كفاية مطلق الحضور والحصول في التعقّل، فغير معلوم ; بل في محلّ المنع; فإنّ كون حصول المعلول للعلّة أشدَّ من حصول المقبول للقابل في كونه حصولاً لا للغير ممنوع وإن كان الربط آكدَ .

وكونُ الأوّل بالوجوب والثّاني بالإمكان لا يقتضي إلاّ ذلك، وما(1) هذا إلاّ كما يقال: نسبة السواد إلى فاعله بالوجوب وإلى قابله بالإمكان والنسبة الثّابتة منشأ للاتصاف أولى.

وهذا ممّا لايمكن للعقل تصديقه، كيف؟ والعلم بالشيء يقتضي نسبة مخصوصة، فلا يُجدي تحقّقَ نسبة أُخرى وإن كانت آكدَ من الأُولى على ما قيل.

على تقدير تسليم كفايته في مطلق التعقّل، فلا يكفي في ما نحن بصدده; لما عرف من وجوب تقدّم هذا التعقّل على الوجود، فظهر ضعف


1 . في د: «هل». كما في المصدر.


صفحه 184

مختار صاحب الإشراق في علمه تعالى. (1)

وهذا وارد على مذهب ثالس أيضاً; فإنّه إذا كان حضور المعلولات بذواتها للعاقل غيرَ كافية في كونها معقولات، كان قيام صورها بما لا يكفي حضوره بذاته في كونه معقولاً كذلك، كما لا يخفى .

ويرد عليه أيضاً، صحّة كون زيد عالماً بالأشياء بصور قائمة بذهن عمرو إلاّ أن يكون محلّ تلك المعقولات مرتبطةً به تعالى ارتباطَ الآلة بذي الآلة، وذلك شنيع.

وأيضاً أن يكون صدور ذلك العقل الّذي هو محلّ لتلك الصّور من غير علم، فلا يصدق في شأنه أنّه لمّا عقل خيراً وُجد كما مرّ في كلام الشيخ.

فأحرى المذاهب بالقبول هو مختار الشيخ لسلامته عن المفاسد المذكورة إلى الآن كما عرفت.

كلام الشارح في بيان أنّ وجوب كون صفاته الكماليّة عين ذاته تعالى، غير مناف مع قول الشيخ

وأمّا وجوب كون صفاته الكماليّة عينَ ذاته تعالى، فلا ينافيه أيضاً; لأنّ الشيخ قد صرّح غيرَ مرّة بأنّ كماله ومجده تعالى ليس بهذه الصور، بل بأن يفيض عنه تلك الصورُ معقولةً.

قال في " الشفاء " في صدر فصل نسبة المعقولات إليه تعالى:


1 . لاحظ : حكمة الإشراق: 150 ; والأسفار الأربعة: 6 / 230 .


صفحه 185

«ثمّ يجب لنا أن نعلم أنّه إذا قيل للأوّل: عقْل، قيل على المعنى البسيط الّذي عرفتهَ في كتاب " النفس " وأنّه ليس فيه اختلاف صور مترتّبة متخالفة كما يكون في النفس، فهو كذلك يعقل الأشياءَ دفعةً واحدةً من غير أن يتكثّر بها في جوهره، أو يُتصوّر في حقيقة ذاته بصورها، بل تفيض عنه صورها معقولةً، وهو أولى بأن يكون عقلاً من تلك الصور الفائضة عن عقليّته، لأنّه يعقَّل ذاتَه وأنّها مبدأ كلّ شيء فيعقل من ذاته كلّ شيء»(1).

وقال في " التعليقات ":

تعليقٌ: «ليس علوّ الأوّل ومجده هو تعقّله للأشياءَ، بل علوّه ومجده بأن تفيض عنه الأشياء معقولةً، فيكون بالحقيقة علوّه ومجده(2) بحيث يَخلق، لا بأنّ الأشياء خلقه، فعلوّه ومجده إذن بذاته لا بلوازمه الّتي هي المعقولات»(3).

وقال في " رسالة الفصول" :

«فصل: ليس على الأوّل ومجده بأن يعقَّل الأشياء بل بأن يفيض عند الأشياء معقولة فيكون بالحقيقة علوّه ومجده بذاته لا بلوازمه الّتي هي المعقولات. وكذلك الأمر في الخلق ; فإنّ علوّه ومجده بأنّه بحيث يخَلق لا بأنّ الأشياء خلقها، فعلوّه ومجده إذن بذاته»(4).


1 . إلهيات الشفاء: 2 / 362 ـ 363 / الفصل السابع من المقالة الثّامنة.

2 . في المصدر: «ومجده بذاته لا بلوازمه الّتي هي المعقولات وكذلك الأمر في الخالق، فإنّ علوه ومجده بأنّه حيث يخلق، لا بأنّ الأشياء خلقه، فعلوّه ومجده إذن بذاته».

3 . التعليقات: 210 .

4 . لاحظ: التعليقات: 210 .


صفحه 186

وقال التلميذ في "التحصيل ":

«وليس مجده بحيث يحصل له تلك المعقولاتُ، بل مجده بحيث يصدر عنه تلك المعلومات وليس هو عالماً، لأنّ له تلك الصّورَ، بل هو عالم بمعنى أنّه يصدر عنه تلك الصور. انتهى»(1).

وهذا هو ما قاله المصنّف في "شرح الرسالة":

«كما أنّ الكاتب يطلق على من يتمكن من الكتابة ـ سواء كان مباشراً للكتابة أو لم يكن ـ وعلى مَن باشرها حالَ المباشرة باعتبارين. كذلك العالم يطلق على من يتمكّن أن يعلم ـ سواء كان في حال استحضار المعلومات أو لم يكن ـ وعلى مَن يكون مستحضراً لها، حال الاستحضار باعتبارين. (2) والعالم الّذي يكون علمه ذاتيّاً فهو بالاعتبار الأوّل، كأنّه(3) بذلك الاعتبار لا يحتاج في كونه عالماً إلى شيء غير ذاته. انتهى»(4).

كيفيّة تصوّر المعقولات

واعلم: أنّ هذا العقل البسيط هو الّذي سمّاه المتأخرون العلم الإجمالي.

وبيانه ما قاله الشيخ في " كتاب النفس من طبيعيات الشفاء " حيث قال:


1 . التحصيل: 575 .

2 . فوقوع اسم العلم على الأمر الأوّل يكون بالاعتبار الأوّل، وعلى الأمر الثّاني بالاعتبار الثّاني.

3 . في المصدر: «لأنّه».

4 . شرح مسألة العلم: 28 .


صفحه 187

«تصوّر المعقولات على وجوه ثلاثة:

أحدها: التصوّر الّذي يكون في النفس مفصّلاً منظّماً، وربّما كان ذلك التفصيل والنظام غير واجب، بل يصحّ أن يغيَّر، مثاله: أنّك إذا فصّلت في نفسك معانيَ الألفاظ الّتي يدلّ عليها قولك: «كلّ إنسان حيوان» وجدتَ كلّ معنى منها كلّيّاً لا يتصوّر إلاّ في جوهر غير بدنيّ، ووجدتَ لتصوّرها فيه تقديماً وتأخيراً، فإن غيّرتَ ذلك ـ حتّى كان ترتيب المعاني المتصوَّرةِ في الترتيبَ المحاذيَ لقولك: «الحيوانُ محمول على كلّ إنسان» ـ لم تشكّ أنّ هذا الترتيب من حيث هو ترتيبُ معان كلّيّة لم يترتّب إلاّ في جوهر غيرِ بدنيّ وإن كان أيضاً يترتّب من وجه مّا في الخيال، فمن حيث المسموع لا من حيث المعقول، وكان الترتيبان مختلفين، والمعقول الصّرف منه واحد.

والثّاني: أن يكون قد حصل التصور واكتسب لكنّ النفس مُعرِضة عنه فليست تلتفت إلى ذلك المعقول، بل قد انتقلت عنه مثلاً إلى معقول آخرَ; فإنّه ليس في وسع أنفسنا أن نعقل الأشياء معاً دفعة واحدة.

ونوع آخَرُ من التصوّر وهومثل ما يكون عندك من مسألة تُسأل عنها ممّا علمتَه أو ممّا هو قريبٌ أن تعلمَه، فحضركَ جوابها في الوقت، وأنت متيقّن بأنّك تُجيب عنها ممّا علمته من غير أن يكون هناك تفصيل ألبتَّةَ، بل إنّما تأخذ في التفصيل والترتيب في نفسك مع أخذكِ في الجواب الصادر عن يقين منكَ بالعلم به قبل التفصيل والترتيب. فيكون الفرق بين التصوّر الأوّل والثّاني ظاهراً .


صفحه 188

فإنّ الأوّلَ كأنَّه شيء قد أخرجتَه من الخزانة وأنت تستعمله.

والثّانيَ كأنّه شيء لك مخزون متى شئت استعملته.

والثّالث يخالف الأوّل: بأنّه ليس شيئاً مرتّباً في الفكر ألبتَّةَ، بل هو مبدأ لذلك مع مقارنته لليقين. ويخالف الثانّي بأنّه لا يكون شيئاً معرضاً عنه، بل منظور إليه نظراً مّا بالفعل يقيناً ; إذ يتخصّص معه النسبة إلى بعض ما هو كالمخزون.

فإن قال قائل: إنّ ذلك علم أيضاً بالقوّة ولكن قوّة قريبة من الفعل، فذلك باطل ; لأنّه لصاحبه يقيناً بالفعل حاصلاً لا يحتاج إلى تحصيله بقوّة بعيدة أو قريبة. فذلك اليقين. إمّا لأنّه متيقّن أنّ هذا حاصل عنده إذا شاء علمه، فيكون تيقّنه بالفعل بأنّ هذا حاصل بالفعل تيقّناً به بالفعل; فإنّ الحصولَ حصول لشيء، فيكون هذا الشيء الّذي يسير إليه (1) حاصلاً بالفعل; لأنّه من المحال أن يتيقّن أنّ المجهول بالفعل معلوم عنده مخزون، فهو بهذا النوع البسيط معلوم عنده، ثمّ يريد أن يجعله معلوماً بنوع آخَرَ.

ومن العجايب أن هذا المجيب حين يأخذ في تعليم غيره تفصيل ما هجس في نفسه دفعةً يكون مع ما علّمه يتعلّم العلم بالوجه الثاني، فيترتّب تلك الصور فيه مع ترتّب ألفاظه.

فأحد هذين هو العلم الفكري الّذي إنّما يستكمل تمامَ الاستكمال إذا ترتّب وتركّب. والثّاني هو العلم البسيط الّذي ليس من شأنه أن يكون له في


1 . في المصدر: «نشير إليه» .


صفحه 189

نفسه صورة بعد صورة لكن هو واحدٌ عنه تفيض الصور في قابل الصور، فذلك علمُ فاعل للشيء الّذي تسمّيه علماً فكريّاً ومبدأ له، وذلك هو القوّة العقليّة المطلقة من النفس المشاكلة للعقول الفعّالة. وأمّا التفصيل، فهو للنفس من حيث هو نفس، فما لم يكن له ذلك، لم يكن له علم نفسانيّ. انتهى»(1).

التفاوت بين المعلوم بالعلم الاجمالي البسيط والتفصيلي

ثمّ اعلم: أنّه قد ظهر من هذا البيان أنّ التفاوت بين المعلوم بالعلم الإجماليّ البسيط، وبين المعلوم بالعلم التفصيليّ ليس إلاّ في نحو الإدراك لا في نفس المدرَك; فإنّ المعلوم بالحالة الثالثة المسمّاة بالعلم الإجماليّ هو أنّ جميع ماله مدخل في الجواب عن هذه المسألة حاصل لي، وهذه صورةٌ علميّة واحدة مطابقة لجملة المقدّمات الّتي لها مدخل في الجواب من حيث الجملة، وليست صورة كلّ واحدة من تلك المقدّمات ملحوظة بهذه الملاحظة، فإذا أخذ في الجواب والاستنباط يحصل كلّ مقدّمة بصورتها المخصوصة المطابقة إيّاها بخصوصها، فيترتّب في النفس تلك المقدّماتُ ويتكثّر تلك الصّورُ، فيحصل الحالة الأُولى المسمّاة بالعلم التفصيليّ الفكريّ، فالمعلوم بكلتا الحالتين ليس إلاّ ما هو جواب عن المسألة لكن في إحداهما بصورة واحدة، وفي الأُخرى بصورة متكثّرة.


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / 213 ـ 215، كتاب النفس، الفصل السادس من المقالة الخامسة من الفنّ السادس.


صفحه 190

ونظير ذلك في التصوّرات تصوّر المحدود كالإنسان ; فإنّه يكون بصورة واحدة، وتصوّر الحدّ كالحيوان الناطق ; فإنّه بصور متعدّدة. فالأوّل علم إجماليّ بحقيقة الإنسان. والثّاني علم تفصيليّ بها. والمعلوم في كلا الحالتين ليس إلاّ حقيقة الإنسان.

يدلّ على ذلك صريحاً قول الشيخ: «وكان الترتيبان مختلفين، والمعقول الصّرف واحد».(1) هذا فما أبعدَ عن الحقّ مَن زعم أنّ العلم الإجماليّ بهذا المعنى حالة متوسّطة بين الفعل المحض الّذي هو العلم بالمعلومات مفصّلةً، مميّزةً بعضُها عن بعض، وبين القوّة المحضة الّتي هي حالة اختزان المعقولات وحصول الأمر المسمّى بالملكة ; فإنّه علم بجملة مخصوصة من معلومات متعدّدة من حيث الجملة، ومبدأ التفاصيل علوم متعلّقة بخصوصيّات تلك المعلومات، فهو بالفعل من حيث إنّه علم بجملة تلك المعلومات وبالقوّة من حيث العلم بخصوصيّات تلك المعلومات; وذلك لأنّه ليس في المثال قوّة من حيث كونه علماً بحقيقة الجواب، بل من حيث إنّ هذه الصورة الواحدة قابلة للتحليل إلى صور كثيرة كلّ واحدة من هذه الصورة الواحدة وتلك الصورة الكثيرة نحوٌ على حِدَة من العلم بحقيقة الجواب. والعالِم بالجواب بالنحو الأوّل ليس قابلاً للعلم به بالنحو الآخَر; فإنّ أحدهما للقوّة العقليّة الصرفة، والآخَرَ للقوّة النفسانيّة، فليُتفطّن.


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النفس / 214 .


صفحه 191

 

في بيان معنى كونه تعالى عقلاً بسيطاً بالأشياء

فإذا عرفت ما ذكرناه فمعنى كونه تعالى عقلاً بسيطاً بالأشياء هو كون ذاته تعالى نفس العلم بالموجودات بلا تكثّر صور في ذاته، وهذا يمكن أن يكون مرادَ من قال باتّحاد العاقل والمعقول، فالاتّحاد معقول في علمه تعالى بالأشياء.

وبالجملة: في كلّ عقل مفارق بالقياس إلى معقولاته، وغيرُ معقول في عقلنا الأوّل تعالى وبالمبادئ المفارقة ومعلولاتها. وهذا ما وعدناك سابقاً في «مبحث إبطال الاتّحاد»،(1) من «مسألة العلم». وأمّا أنّه كيف يمكن ذلك ـ أعني: كون ذاته تعالى علماً بالأشياء المستلزمَ، لمطابقتها إيّاها ـ فسيأتي منّا بيانه إن شاء الله .

والشيخ أيضاً غير غافل عن ذلك ـ أعني: عن اتحاد العاقل والمعقول بالمعنى المذكور ـ بل صرّح به في "التعلقيات "حيث قال:

تعليقٌ: «لا محالة أنّه تعالى يعقل ذاته، ويعقلها مبدأً للموجودات، فالموجودات معقولات وهي غير خارجة عن ذاته; لأنّ ذاته مبدأ لها، فهو العاقل والمعقول. ويصحّ هذا الحكم فيه، ولا يصحّ في ما سواه ; فإنّ ما سواه يعقل ما هو خارج عن ذاته .

تعليقٌ: كلّ ما يعقل عن ذاته فإنّه هو العقل والعاقل والمعقول. وهذا الحكم لا يصحّ إلاّ في الأوّل.


1 . لاحظ الجزء الرابع من هذا الكتاب: ص 174 / الفرع الثالث من المسألة الأُولى من المطلب الخامس.


صفحه 192

وأمّا ما يقال ـ إنّا إذا عقلنا شيئاً فإنّا نصير ذلك المعقولَ ـ فهو محال ; فإنّه يلزم أن تكون إذا عقلنا الباري نتحد معه ونكون هو. فهذا الحكم لا يصحّ إلاّ في الأوّل ; فإنّه يعقل ذاته، وذاتُه مبدأ المعقولات، فهو يعقل الأشياء من ذاته، فكلّ شيء حاصل له حاضرٌ عنده، معقولٌ له بالفعل»(1).

وقال في "المبدأ والمعاد": «وليس كون الكلّ عنه عن سبيل الطبع، بأن يكونَ وجودُ الكلّ عنه لا بمعرفة ولا رضىً منه، وكيف يصحّ هذا وهو عقلٌ محض يعقل ذاته؟ فيجب أن يعقل أنّه يلزم وجودُ الكلّ عنه، لأنّه لا يعقل ذاته إلاّ عقلاً محضاً ومبدأً أوّلاً. ويعقلُ وجودَ الكلّ عنه على أنّه مبدأه، هو ذاته لا غير ذاته; فإنّ العقل والعاقل والمعقول فيه واحد، وذاته راضية لا محالة بما عليه ذاته. ولكن تعقُّله الأوّلُ وبالذات أنّه يَعقّلُ ذاتَه الّتي هي لذاتها مبدأ نظام الخير في الوجود، فهو عاقل لنظام الخير في الوجود كيف ينبغي أن يكون، لا عقلاً خارجاً عن القوّة إلى الفعل، ولا عقلاً منتقلاً من معقول إلى معقول; فإنّ ذاته بريئة عمّا بالقوّة من كلّ وجه، على ما أوضحنا قبلُ، بل عقلاً واحداً معاً، ويلزم ما يعقله من نظام الخير في الوجود أنّه كيف يمكنه وكيف يكون وجود الكلّ على مقتضى معقوله ; فإنّ الحقيقة المعقولة عنده هو بعينها ـ على ما علمت ـ علم وقدرة وإرادة .

وأمّا نحن، فنحتاج في تنفيذ ما نتصوّره إلى قصد وإلى حركة وإلى إرادة، وهذا لا يحسن فيه، ولا يصحّ ; لبراءته عن الاثنينيّة. انتهى»(2).


1 . التعليقات: 191 .

2 . المبدأ والمعاد: 75 ـ 76 .


صفحه 193

فالشيخ مع تفطّنه لذلك ذهب إلى القول بالعلم الصوري ; تحقيقاً لأمر العناية وتحصيلاً للعلم الّذي هو سبب النظام ومقدّم عليه; فإنّ العلم بالنظام وأمر العناية إنّما يتمّ بالعلم التفصيليّ، ولا يكفي الإجماليّ فقط، وأيضاً فرار من الشناعة الواردة على القدماء في نفيهم علمه تعالى بما سوى ذاته، كما شنّع الغزالي في كتاب "التهافت" على الفلاسفة بذلك وقال: «إنّ جميعهم قائلون به إلاّ ابن سينا»(1).

وصدّقه الحكيم ابن رشد في ذلك لكن قال: إنّ مرادهم أنّه لا يعلم ما هو خارج عن ذاته، وأنّهم لا يقولون: إنّه يعلم غير ذاته لئلاّ يتوهّم أنّه يعلمه من خارج ذاته، وأنّ ابن سينا أراد الجمع بين القول بأنّه لا يعلم غيرَ ذاته، وأنّه يعلم الأشياء كلّها بأنّه يعلمها من ذاته لا من خارج ذاته.(2)

كلام الفارابي في كيفيّة علمه تعالى بذاته وبما سواه

وأمّا المعلم الثّاني: فقال في كتاب "الجمع بين الرأيين" ما ملخّصه: «إنّه لمّا كان الباري ـ جلّ جلاله ـ بإنّيّته وذاته مبايناً لجميع ما سواه، وذلك بمعنىً أشرفَ وأفضلَ وأعلى بحيث لا يناسبه شيء في إنّيّته ولا يشاكله ولا يشبهه حقيقةً ولا مجازاً، ثمّ مع ذلك لم يكن بدٌّ من وصفه وإطلاق اللّفظ فيه من هذه الألفاظ المتواطئة عليه ; فإنّ الواجب الضروريّ أن يُعلم أنّ مع كلّ لفظة نقولها في شيء من أوصافه معنىً لذاته بعيدُ من المعنى الّذي نتصوّره من


1 . لاحظ : تهافت الفلاسفة: 124 .

2 . انظر: تهافت التّهافت: 198 .


صفحه 194

تلك اللّفظة أشرف وأعلى حتّى إذا قلنا: إنّه موجود، علمنا مع ذلك أنّ وجوده ليس كوجود سائر ما هو دونه. وإذا قلنا: «حيّ» علمنا أنّه حيّ بمعنىً أشرفَ ممّا نعلمه من الحيّ الّذي هو دونه، وكذلك الأمر في سائرها .

فحينئذ نقول: لمّا كان الله تعالى حيّاً مريداً (1) لهذا العالم بجميع ما فيه، فواجب أن يكون عنده صُور ما يريد إيجاده في ذاته، ولو لم يكن للموجودات صُور وآثار في ذات المُوجِد الحيّ، (2) فما الّذي كان يوجده؟ وعلى أيّ مثال ينحو بما يفعله ويُبدعه؟ أما علمت أنّ من نفى هذا المعنى عن الفاعل الحيّ المريد، لزمه القول (3) بأنّ ما يوجِده إنّما يوجده جزافاً (4) وعلى غير قصد، ولا ينحو نحوَ غرض مقصود بإرادته، وهذا من أشنع الشناعات»(5).

كلامه في فصوص الحكمة

وقال في " فصوصه ":

«فصٌّ: واجب الوجود لا موضوع له ولا عوارض له وهو ظاهر» (6). يعني أنّه ظاهر بذاته على ذاته، والمراد إثبات كونه عالماً بذاته ; لكونه مجرّداً.


1 . في المصدر: «مُوجداً».

2 . في المصدر: «الحيّ المريد».

3 . في المصدر: «لزمه أن يقول».

4 . في المصدر: «جزافاً وتنحساً».

5 . الجمع بين رأيي الحكيمين: 67 ـ 68 .

6 . فصول الحكمة (ضمن شرح الغازاني): 55، الفصّ 9 .


صفحه 195

ثمّ قال: فص:ّ «واجب الوجود مبدأ كلّ فيض، وهو ظاهر بذاته على ذاته (1) فله الكلّ من حيث لا كثرة فيه، فهو ـ من حيث هو ظاهر ـ فهو ينال الكلّ من ذاته، فعِلمُه بالكلّ بعد ذاته وعلمه بذاته ويتّحد الكلّ بلا نسبة إلى ذاته، فهو الكلّ في وحدة»(2).

فصٌّ: «علمه الأوّل لذاته لا ينقسم ـ لأنّه عين ذاته ـ وعلمه الثّاني (3) عن ذاته إذا تكثّر لم تكن الكثرة في ذاته، بل يعد ذاته; (4)(وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة إِلاَّ يَعْلَمُهَا )(5).(6)

فصٌّ: «كلّ ما عُرف سببُه من حيث يوجبه فقد عُرف، وإذا رتّبت الأسباب، فقد انتهت أواخرَها إلى الجزئيّات (7) فكلّ كلّي وجزئيّ ظاهرٌ عن ظاهريّته الأُولى، ولكن ليس يظهر له شيء منها عن ذواتها داخلةً في الزمان والآنِ; بل عن ذاته، والترتيبُ الّذي عنده شخصاً فشخصاً بغير نهاية، فعالِم(8) علمه بالأشياء بذاته هو الكلّ الثّاني»(9). انتهى ما أردنا منه.

فقوله: «هو الكلّ الثّاني» إشارة إلى اعتبار الإجماليّ الّذي هو عين ذاته،


1 . في المصدر: «على ذاته بذاته» .

2 . فصوص الحكمة (ضمن شرح الغازاني): 55، الفصّ 10 .

3 . وهو علمه بباقي المعلومات.

4 . لأنّ الكثرة في الصفة; ولا شكّ أنّها بعد الذّات. لاحظ شرح الغازاني.

5 . الأنعام: 59 .

6 . فصوص الحكمة (ضمن شرح الغازاني): 56 ـ 57، الفصّ 13.

7 . في المصدر: «إلى الجزئيّات الشخصيّة».

8 . أي فهو عالِم.

9 . فصوص الحكمة (ضمن شرح الغازاني): 56، الفص 12.


صفحه 196

وهو المراد من ظاهريّته الأُولى.

وقال أيضاً:

فصٌّ: «لا يجوز أن يقال: إنّ الحق الأوّل يدرك الأُمور المبدعة عن قدرته من جهة تلك الأُمور كما ندرك الأشياء المحسوسة من جهة حضورها وتأثيرها فينا، فتكونَ هي الأسبابَ لعالميّة الحقّ، بل يجب أن يُعلم أنّه يدرك الأشياء من ذاته تقدّست; لأنّه إذا لحظ ذاته لحظ القدرة المستقلّة، فلحظ من القدرة المقدورَ، فلحظ الكلَّ، فيكون بذاته سبب علمه بغيره .

ثمّ قال: ليس علمه بذاته مفارقاً لذاته، بل هو ذاته، وعلمه بالكلّ صفة لذاته ليست هي ذاته، بل لازمة لذاته، وفيها الكثرة الغير المتناهية، (1) فلا كثرة في الذات، بل بعد الذات ; فإنّ الصفة بعد الذات لا بزمان، بل بترتيب الوجود، لكن تلك الكثرة ترتقي به كذا بطول شرحه. (2)

والترتيب يجمع الكثرةَ في نظام، فالنظام وحدةٌ مّا، وإذا اعتُبر الحقّ ذاتاً وصفاتاً كان الكلّ في وحدة، فإذا(3) كان كلُّ كلٍّ متمثّلاً في قدرته وعلمه، ومنهما يحصل حقيقة الكلّ متقررةً(4)، ثم يكتسي الموادّ، فهو كلّ


1 . بسبب كثرة المعلومات الغير المتناهية وبحسب مقابلة القوّة والقدرة الغير المتناهية; فلا كثرة في الذّات. الخ.

2 . في المصدر: «ترتيب ترتقي به إلى الذات يطول شرحه».

3 . في المصدر: «فإذن».

4 . في المصدر: «مفرزة».


صفحه 197

الكلي من حيث صفاته، وقد اشتملت عليها أحديّة ذاته. انتهى»(1).

في بيان معنى أنّ كثرة الصور كثرة بعد الذّات

فإن قلت: ما معنى قول الفارابي وكذا قول الشيخ الرئيس: «إنّ كثرة الصّور كثرة بعد الذات» وظاهرُ كون العرض متأخّراً عن الموضوع؟

وأيضاً فأيّ فائدة لكون الصور بعد الذات إذا تأدت كثرتها إلى كثرة الذات; فإنّ الظاهر أنّ المقصود من هذا الكلام هو دفع مفسدة لزوم الكثرة في الذات باعتبار اجتماع جهتي الفعل والقبول أو اجتماع جهات القبول أو جهات الصدور ؟

قلت: معناه أنّ كثرة تلك الصور وقيامها بالذات إنّما هو بعد كمال الذات وتمامها ; لما مرّ من أنّ كماله تعالى ليس بتلك الصّور، بل بأن يفيض عنه تلك الصور ; وذلك لوجوب كون العلّة غيرَ عادية في حدّ ذاتها عن المعلول، وإلاّ لامتنع الإفاضة بخلاف سائر الصور والأعراض; فإنّ قيامها بمَحالّها ليس بعد كمال محالّها; لكون محالّها مستكملةً لا محالة بها، فيكون في ذات تلك المَحالّ قوّةُ القبول لها، فلو كان صدورها أيضاً عن محالّها، لزم تحقّق الكثرة في ذوات تلك المَحالّ لا محالة .

ومن هذا التحقيق ظهر أنّ كثرة صور معقولاته تعالى ليست ككثرة الصّور في النفس ـ أعني: التفصيل الّذي لا يكون إلاّ للنفس ـ ليرد أنّ هذا


1 . فصوص الحكمة: 79 ـ 81، الفصّ 62 و 63 .


صفحه 198

التفصيل لا يكون لما ليس له نفس، كما مرّ في كلام الشيخ، فكيف حكموا بكونه ثابتاً له تعالى ولو بعد ذاته؟! وذلك لأنّ كثرة معقولاته تعالى ليست كثرةً متجدّدة زمانيّة فكرّية ليلزم من ثبوتها لشيء ثبوت النفس له. والتفصيل ـ الّذي قد مرّ في كلام الشيخ أنّه لا يكون إلاّ لما له نفس ـ إنّما هو الكثرة التفصيليّة الفكريّة.

وبالجملة، قابل العلم التفصيليّ الفكريّ ـ الّذي لابدّ أن يفيض عن الغير ـ لا يكون إلاّ النفسَ من حيث هي نفس.

وأمّا قبول التفصيل الفائض عن ذات العاقل، فلا يستلزم وجود النفس، بل يكون من شأن العقل ـ من حيث هو عقل ـ قبول ذلك، وهذا هو القبول بمعنى مطلق الموصوفية لا القبول المستدعي للانفعال بخلاف القبول الّذي ليس إلاّ للنفس، فليتدبّر.


صفحه 199

 

زيادة بسط في المقال

لمزيد تحقيق الحال

ثمّ ينبغي لنا أن نزيد في بسط الكلام ليظهر أنّ الفلاسفة من أيّ جهة يقولون: إنّه تعالى لا يعلم غيره؟ ومن أيّ جهة يقولون(1): إنّه تعالى عالم بجميع الموجودات .

كلام ابن رشد في علمه تعالى بجميع الموجوادت

فنقول: قال أبو الوليد محمّد بن رشد الأندلسي في كتاب " جامع الفلسفة(2)" ـ بعد ذكر المبادئ المفارقة ووجوبِ انتهائها إلى مبدأ أوّلَ وأنّ كلاًّ منها عاقل لذاته ـ فلننظر هل يمكن في واحد واحد منها أن يعقل شيئاً خارجاً من ذاته أم لا ؟

فنقول: إنّه قد تبيّن في كتاب "النفس "(3) أنّ المعقول كمالُ العاقل وصورتُه، فمتى أنزلنا واحداً منها أن يعقل غيره، فإنّما يعقله على أنّه يستكمل به، فذلك الغير متقدّم عليه وسبب في وجوده .


1 . في د: «ومن أيّ جهة يجب أن يقال».

2 . وهو مجموعة رسائل وكلّ رسالة مستقلّة عن الأُخرى وهي: السماع الطبيعي، السماء والعالم، الكون والفساد، الآثار العلويّة، النفس وما بعد الطبيعة. وكلام ابن رشد منقول عن رسالة ما بعد الطبيعة، وهذه الرسائل تسمّى «الجوامع الفلسفيّة» أو «الرسائل الرشديّة» .

3 . لاحظ : رسالة النفس: 90 ـ 102.


صفحه 200

فمن البيّن أنّه ليس يمكن أن يتصوّر العلّة منها معلولَها، وإلاّ أمكن أن يعود العلّة معلولةً ويستكملَ الأشرف بالأقلّ شرفاً، وذلك محال .

ومن هاهنا يظهر ـ كلّ الظهور ـ أنّه إن وُضع لها مبدأ أوَّل ليس بمعلول الشيء ـ على ما تبيّن في ما سلف أنّه لا يَتصوّر إلاّ ذاته، وليس يتصوّر معلولاتِه وليس هذا شيء يخصّ المبدأ الأوّل منها، بل ذلك شيء يعمّ جميعها حتّى عقول الأجرام السماويّة ـ فإنّا لا نرى أنّها تتصوّر الأشياء الّتي دونها، (1) فإنّه لو كان لذلك لاستكمل الأشرف بالأخسّ(2)، وإذا كان الأمر على هذا، فكلّ واحد من هذه المبادئ وإن كان واحداً ـ بمعنى أنّ العاقل والمعقول فيه واحد ـ فهي في ذلك متفاضلة، وأحقّها بالوحدانيّة هو الأوّل البسيط، ثمّ الّذي يليه.

وبالجملة: فكلّ ما احتاج في تصوّر ذاته إلى مباد (3) أكثر، فهو أقلُّ بساطةً وفيه كثرة مّا وبالعكس، فكلّ ما احتاج في تصوّر ذاته إلى مباد أقلّ فهو أكثرُ بساطةً، حتّى أنّ البسيط الأوّل بالتحقيق إنّما هو الّذي لا يحتاج في تصوّر ذاته إلى شيء من خارج.

فهذا هو الّذي أدّى إليه القول من أمر تصوّر هذه المبادئ. إلاّ أنّه قد يلحق ذلك شَناعاتٌ كثيرة:

أحدها: أن تكون هذه المبادئ جاهلةً بالأشياء الّتي هي لها مباد،


1 . في المصدر: «دونها على نحو وجودها».

2 . وكانت تصوراته كائنة فاسدة كالحال في المعقولات الإنسانيّة.

3 . في د وفي المصدر: «إلى مبادئ».


صفحه 201

فيكون صدورها عنها كما تصدر الأشياء الطبيعيّة بعضُها عن بعض، مثل الإحراق الصادر عن النار، والتبريدِ عن الثلج، فلا يكون صدورها من جهة العلم. ومحال أن يصدر عن العالم ـ من جهة ما هو عالم ـ شيء لا يعلمه.

وإلى هذا أشار بقوله جل وعلا: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(1) .

وأيضاً فإنّ الجهل نقص، والشيء الّذي في غاية الفضيلة ليس يمكن أن يوجد فيه نقص، فهذا أقوى الشكوك الّتي تلحق هذا الموضعَ ونحن نحلّها .

فنقول: إنّه لمّا كان الفاعل إنّما يعطي المفعول شبيهَ ما في جوهره، وكان المفعول يلزم فيه أن يكون غيراً. وثانياً بالعدد وجب ضرورةً أحد أمرين:

إمّا أن يكون مغايراً له بالهيولي وذلك لازم متى كان المعقول هو الفاعل بالنوع من غير تفاضل بينهما بالصورة.

وإمّا أن تكون المغايرة الّتي بينهما في التفاضل في النوع الواحد، وذلك بأن يكون الفاعل في ذلك النوع أشرفَ من المفعول. فإنّ المفعول ليس يمكن فيه أن يكون فيه أن يكون أشرفَ من الفاعل بالذات ; إذا(2) كانت ماهيّته إنّما يحصل عن الفاعل، وإذا كان ذلك كذلك فهذه المبادئ الّتي


1 . الملك: 14 .

2 . في د وفي المصدر: «إذ كانت».


صفحه 202

ليست في هيولي إنّما يغاير فيها الفاعل المفعول والعلّة المعلول بالتفاضل في الشرف في النوع الواحد لا باختلاف النوعيّة .

ولمّا كان العقل الّذي بالفعل منّا ليس شيئاً أكثرَ من تصوّر الترتيب والنظام الموجود في هذا العالم، وفي جزء جزء منه، ومعرفةِ شيء شيء ممّا فيه بأسبابه البعيدة والقريبة حتّى العالم بأسره، وجب ضرورةً أن لا تكون العقل الفاعلُ لهذا العقل منّا غيرَ تصوّر هذه الأشياء. ولذلك ما قيل: إنّ العقل الفاعل يعقل الأشياء الّتي هنا (1) لكن يجب أن يكون تعقل هذه الأشياء بجهة أشرفَ، وإلاّ لم تكن بيننا وبينه فرق، (2) ولقصور العقل الّذي فينا احتاج في عقله إلى الحواسّ. ولذلك متى عَدِمْنا حاسّةً ما، عدمنا معقولَها.

كذلك متى تعذّر علينا حسّ شيء مّا، فاتنا معقولُه، ولم يكن (3) حصوله لنا إلاّ على جهة الشهرة.

وكذلك يمكن أن تكون هاهنا أشياءُ مجهولةُ الأسباب بالإضافة إلينا هي موجودة في ذات العقل الفعّال، وبهذه الجهة أمكن إعطاء أسباب الرؤيا وغير ذلك من الإندادات الآتية وإنّما كان هذا القصور لنا لمكان الهيولي .

وكذلك يلزم أيضاً أن لا يكون معقول العقل الفاعل للعقل الفعّال شيئاً أكثرَ من معقول العقل الفعّال ; إذا(4) كان وإيّاه واحداً بالنوع، إلاّ أن يكون


1 . في المصدر: «هاهنا».

2 . في المصدر: «لم تكن هاهنا مغايرة منه. وكيف لا وقد تبيّن، أنّ العقل منّا الّذي بالفعل كائن فاسد لتشبثه بالهيولى ومعقوله وهو أزلي في غير هيولى، ولقصور العقل الخ».

3 . في المصدر: «ثم يمكن».

4 . في المصدر: «إذ».


صفحه 203

بجهة أشرفَ. وهكذا الأمر حتّى يكون المبدأ الأوّل يقعل الوجود بجهة أشرف من جميع الجهات الّتي يمكن أن تتفاضل فيها العقول البريئة عن المادّة; إذا كان (1) معقوله (2) ليس هو غيرَ المعقولات الإنسانيّة بالنوع فضلاً عن سائر معقولات سائر المفارقات وإن كان مبائناً بالشرف جدّاً للعقل الإنساني، وأقربُ شيء من جوهره هو العقل الّذي يليه، ثمّ هكذا على الترتيب إلى العقل الإنساني .

ولو كان ما يعقل المعلول من هذه المبادئ من علّته ما يعقل (3) العلّة من ذاتها، لم يكن هنالك (4) مغايرة بين العلّة والمعلول، ولما كان (5) كثرة لهذه الأُمور المفارقة أصلاً.

فقد ظهر من هذا القول إنّه على أيّ جهة يمكن أن يقال: إنّها تعقل الأشياء كلَّها ; فإنّ الأمر في ذلك واحد في جميعها حتّى في عقول الأجرام السماويّة، وعلى أيّ جهة يقال فيها: إنّها ليست تعقل ما دونها، وانحلّت بهذه الشكوكُ المتقدّمة ; فإنّها بهذه الجهة يقال (6): عالمة بالشيء الّذي صدر عنها; إذ كان ما يصدر عن العالم بما هو عالم يلزم ضرورةً ـ كما قلنا ـ أن يكون معلوماً، وإلاّ كان صدوره كصدور الأشياء الطبيعيّة بعضها عن بعض .


1 . في د: «إذ لو كان».

2 . في المصدر: «إذ كان ضرورة معقولة».

3 . في المصدر: «من علّته هو هو بعينه ما تعمل».

4 . في د: «هناك».

5 . في د وفي المصدر: «ولا كانت».

6 . في د وفي المصدر: «يقال إنّها».


صفحه 204

وبهذا القول تمسّك القائلون بأنّ الله يعلم الأشياء. وبالقول الثّاني تمسّك القائلون بأنّه لا يعلم ما دونه. وذلك أنّهم لم يشعروا باشتراك اسم العلم، فأخذوه على أنّه يدلّ على معنى واحد، فلزمهم عن ذلك قولان متناقضان على جهة ما يلزم في الأقاويل الّتي تؤخذ أخذاً مهملاً.

كذلك الشبهة(1) الّتي قيلت في ما سلف تنحلّ بهذا، وذلك أنّه ليس النقص في أن نعرف الشيء بمعرفة أتمَّ ولا نعرفَه بمعرفة أنقصَ، وإنّما النقص في خلاف هذا ; فإنّ من فاته أن يبصر الشيء بصراً رديّاً وقد أبصره بصراً تامّاً ليس ذلك نقصاً في حقّه .

وهذا الّذي قلناه هو الظاهر من مذهب أرسطو وأصحابه أو اللاّزم من مذهبهم. فقد تبيّن من هذا القول كيف تعقل هذه المبادئُ ذواتِها وما هو خارج عن ذواتها»(2). انتهى كلامه في "الجامع "مع أدنى تلخيص.

وقال في كتاب "ردّ التهافت": «ولمّا كانت معقولات الأشياء هي حقائق الأشياء، وكان العقل ليس شيئاً أكثرَ من إدراك المعقولات، كان العقل منا هو المعقول بعينه من جهة ما هو معقول، ولم يكن هناك مغايرة بين العقل والمعقول إلاّ من جهة أنّ المعقولات هي معقولاتُ أشياءَ ليست في طبيعتها عقلاً، وإنّما تصير عقلاً بتجريد العقل صورَها من الموادّ، ومن قِبَل هذا لم يكن العقل منّا هو المعقولَ من جميع الجهات، فان أُلقي شيء في غير مادّة


1 . في د وفي المصدر: «الشنعة».

2 . رسالة ما بعد الطبيعة: 153 ـ 158 .


صفحه 205

فإنّ العقل منه هو المعقول من جميع الجهات وهو عقل المعقولات ولابدّ ; لأنّ العقل ليس شيئاً هو أكثرُ من إدراك نظام الأشياء الموجودة وترتيبها، ولكنّه يجب في ما هو عقل مفارق أن لا يستند في عقل الأشياء الموجودة وترتيبها، (1) إلى الأشياء الموجودة، ويتأخّرَ معقوله عنها; لأنّ كلّ عقل هو بهذه الصّفة فهو تابع للنظام الموجود في الموجودات، ومستكمل به، وهو ضرورةً يقصر في ما يعقله من الأشياء، ولذلك كان العقل منّا مقصّراً عمّا تقتضيه طبائع الموجودات من الترتيب والنظام الموجود فيها، فإن كانت طبائع الموجودات (2) جاريةً على حكم العقل، وكان هذا العقل منّا مقصّراً عن إدراك طبائع الموجودات، فواجب أن يكون هاهنا علم بنظام وترتيب هو السبب في النظام والترتيب والحكمة الموجودة في موجود موجود، واجب أن يكون هذا العقل للنظام الّذي منه هو السبّبَ في هذا النظام الّذي في الموجودات، وأن يكون إدراكه لا يتّصف بالكلّيّة فضلاً عن الجزئيّة; لأنّ الكلّيّات معقولات تابعة للموجودات ومتأخّرة عنها، وذلك العقلُ الموجوداتُ تابعة له، فهو عاقل ضرورةً تعقله (3) من ذاته النظامَ والترتيب الموجود في الموجودات لا بعقله شيئاً خارجاً عن ذاته، لأنّه كان يكون معلولاً عن الموجود الّذي يعقله لا علّةً له وكان يكون مقصّراً .


1 . متعلّق على قوله: «لا يستند».

2 . قوله: «من الترتيب والنظام الموجود فيها، فإن كانت طبائع الموجودات» لا يوجد في المصدر.

3 . في د: «بعقله». وفي المصدر: «ضرورة للموجود بعقله».


صفحه 206

وإذا فهمت هذا مذهب القوم فهمتَ أنّ معرفة الأشياء بعلم كلّيّ هو علم ناقص; لأنّه علم لها بالقوّة، وأنّ العقل المفارق لا يعقل إلاّ ذاتَه، وأنّه يعقل ذاته يعقل جميع الموجودات ; إذ كان عقله ليس شيئاً أكثرَ من النظام والترتيب الّذي في جميع الموجودات، فإذا نزلتَ أنّ العقل الّذي هناك شبيه بعقل الإنسان، لحقت تلك الشكوكُ المذكورة ; فإنّ العقل الّذي فينا هو الّذي يلحقه التعدّد والكثرة، وأمّا ذلك العقل فلا يلحقه شيء من ذلك، وذلك أنّه بريء عن الكثرة اللاّحقة لهذه المعقولات، وليس يُتصوّر فيه مغايرة بين المدرك والمدرك، وأمّا العقل الّذي فينا فإدراكه ذاتَ الشيء غير إدراكه أنّه مبدأ للشيء، وكذلك إدراكه غيرَه غيرُ إدراكه ذاته بوجه مّا. ولكن فيه شبه من ذلك العقل، وذلك العقل هو الّذي أفاده ذلك الشبه .

بيان ذلك: أنّ العقل إنّما صار هو المعقول من جهة ما هو معقول; لأنّ هاهنا عقلاً هو المعقول من جميع الجهات، وذلك أنّ كلّ ما وُجدت فيه صفةٌ ناقصة فهي موجودة له من قِبَل موجود فيه تلك الصفةُ كاملةً.

مثال ذلك: أنّ ما وُجدت فيه حرارة ناقصةً فهي موجودة له من قِبَل شيء هو حارّ بحرارة كاملة، وكذلك ما وُجد حيّاً بحياة ناقصة فهي موجودة له من قبل حيّ بحياة كاملة، فكذلك ما وجد عاقلاً بعقل ناقص فهو موجود له من قِبَل شيء هو عاقل بعقل كامل، وكذلك كلّ ما وجد له فعل عقلي كاملٌ فهو موجود له من قِبَل عقل كامل، فإن كانت جميع أفعال الموجودات


صفحه 207

أفعالاً عقليّة كاملة (1) وليست ذواتِ عقول، فهاهنا عقل من قبله صارت أفعال الموجودات أفعالاً عقليّة.

ومن لم يفهم هذا المعنى من ضعفاء الحكماء هو الّذي يطلب هل المبدأ الأوّل يعقل ذاته أو يعقل شيئاً خارجاً عن ذاته؟ فإن وضع أنّه يعقل شيئاً خارجاً عن ذاته لزمه أن يستكمل بغيره، وإن وضع أنّه لا يعقل شيئاً خارجاً عن ذاته لزمه أن يكون جاهلاً بالموجودات.

والعجب من هؤلاء القوم أنّهم نزّهوا الصفات الموجودةَ في الباري تعالى وفي المخلوقات عن النقائص الّتي لحقتها في المخلوقات، وجعلوا العقل الّذي فينا شبيهاً بالعقل الّذي فيه، وهو أحقّ شيء بالتنزيه»(2).

ثمّ قال: «ليس يمتنع في العلم الأوّل أن يوجد فيه مع الاتّحاد تفصيلٌ بالمعلومات ; فإنّه لم يمتنع عند الفلاسفة أن يكون يعلم غيره وذاته علماً مفترقاً من جهة أن يكون هناك علوم كثيرة .

وإنّما امتنع عندهم أنّ العقل يستكمل بالمعقول المعلول عنه، فلو عَقَل غيره على جهة ما نعقله نحن لكان عقله معلولاً عن الموجود المعقول لا علّةً له، وقد قام البرهان على أنّه علّة للموجود، والكثرةُ الّتي نفى الفلاسفةُ هو أن يكون عالماً لا بنفسه، بل بعلم زائد على ذاته، وليس يلزم من نفي هذه الكثرة عنه تعالى نفي كثرة المعلومات .


1 . في المصدر: «كاملة حكميّة» .

2 . تهافت التّهافت: 193 ـ 195 .


صفحه 208

لكنّ الحقّ في ذلك أنّه ليس تعدّد المعلومات في العلم الأزليّ كتعدّدها في العلم الإنسانيّ،(1) وذلك أنّه تعدّد ليس شأن العقل منّا إدراكَه(2)، ولذلك أصدق ما قال القوم: إنّ للعقول حدّاً تقف عنده ولا تتعدّاه وهو العجز عن التكييف الّذي في ذلك العلم .

وإنّما امتنع عندنا إدراك ما لا نهاية له بالفعل; لأنّ المعلومات عندنا منفصلة بعضُها عن بعض، فأمّا إن وُجد هاهنا علم تتّحد فيه المعلومات، فالمتناهية وغير المتناهية في حقّه سواء.

هذا كلّه ممّا يزعم القوم أنّه ممّا قام البرهان عليه عندهم، وإذا لم نفهم نحن من الكثرة في العلم إلاّ هذه الكثرةَ وهي منتفية عنه، فعلمه واحد، لكن تكيّف هذا المعنى وتصوّره بالحقيقة ممتنع على العقل الإنسانيّ; لأنّه لو أدرك الإنسان هذا المعنى، لكان عقله هو عقل الباري تعالى، وذلك مستحيل.

ولمّا كان العلم بالشخص عندنا هو العلم بالفعل، علمنا أنّ علمه هو أشبه بالعلم الشخصيّ منه بالعلم الكلّي وإن كان لا كليّاً ولا شخصيّاً.


1 . وذلك أنّه يلحقها في العلم الإنساني تعدد من وجهين: أحدهما من جهة الخيالات، وهذا يشبه التعدّد المكاني، والتعدّد الثّاني، تعدّدها في أنفسها في العقل منّا; أعني: التعدّد الّذي يلحق الجنس الأوّل، كأنّك قلت: الموجود بانقسامه إلى جميع الأنواع الداخلة تحته، فإنّ العقل منّا هو واحد من جهة الأمر الكلّي المحيط بجميع الأنواع الموجودة في العالم، وهو يتعدّد بتعدُّد الأنواع. وهو تبين أنّه إذا نزهنا العلم الأزلي عن معنى الكلّي أنّه يرتفع هذا التعدّد ويبقى هنالك تعدّد الخ .

2 . إلاّ لو كان العلم منّا هو هو بعينه ذلك العلم الأزلي وذلك مستحيل.


صفحه 209

ومن فهم هذا فهم معنى قوله تعالى: (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ)(1) وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى»(2).

وقال أيضاً: «القوم نفوا(3) أن يعرف غيرَه من الجهة الّتي بها ذلك الغير أخسّ وجوداً ; لئلاّ يرجع المعلول علّةً، والأشرفُ وجوداً أخسّ وجوداً ; لأنّ العلم هو المعلوم، ولم ينفوه من جهة أنّه يعرف ذلك الغير بعلم أشرف وجوداً من العلم الّذي نعلم نحن به الغير، بل واجب أن نعلمه من هذه الجهة ; لأنّها الجهة الّتي من قِبَلها وجود الغير عنه.

وبالجملة، لئلاّ يُشبه علمُه علمَنا الّذي في غاية المخالفة له.

فابن سينا إنّما رام أن يجمع بين القول بأنّه لا يعلم إلاّ ذاته، ويعلم سائر الموجودات بعلم أشرفَ ممّا يعلمها به الإنسانُ; إذ كان ذلك العلم هو ذاتَه، وذلك بيّن من قوله: «إنّ علمه بنفسه بغيره، بل بجميع الأشياء هو ذاته». وإن كان لم يشرح هذا المعنى كما شرحناه، وهو قول جميع الفلاسفة أو اللاّزمُ عن قوله جميعهم »(4).

ثمّ قال في موضع آخَرَ: «الكلام في علم الباري تعالى بذاته وبغيره ممّا يحرَّم على طريق الجدل في حال المناظرة فضلاً عن أن يُثبَت في كتاب.


1 . سبأ: 3 .

2 . تهافت التّهافت: 196 ـ 197 .

3 . في المصدر: «إنّ القوم إنّما نفوا».

4 . تهافت التّهافت: 197 ـ 198 .


صفحه 210

فإنّه لا تنتهي أفهام الجمهور الى مثل هذه الدقائق، وإذا خِيض معهم في هذا بطل معنى الإلهيّة عندهم ; فلذلك كان الخوض في هذا العلم محرَّماً عليهم ; إذ كان الكافي(1) في سعادتهم أن يفهموا من ذلك ما أطاقته(2) أفهامهم، ولذلك لم يقتصر الشرع ـ الّذي قصده الأوّل تعليم الجمهور في تفهيم هذه الأشياء في الباري تعالى ـ بوجودها في الإنسان كما قال سبحانه و تعالى: (لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَ لاَ يُغْني عَنْكَ شَيْئاً)(3)، بل واضطرّ إلى تفهيم معاني في الباري بتمثيلها بالجوارح الإنسانيّة مثل قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ)(4) وقوله: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)(5)فهذه المسألة هي خاصّة بالعلماء الرّاسخين الّذين أطلعهم الله على الحقائق.

ولذلك لا يجب أن تُثْبَت في كتاب إلاّ في الموضوعة على الطريق البرهانيّ، وهي الّتي من شأنها أن تُقرأ على ترتيب، وبعد تحصيل آخرَ(6) يضيق على أكثر النّاس النظرٌ فيها على النحو البرهانيّ إذا كان ذا فطرة فائقة مع قلّة وجود تلك الفطرة في النّاس .

فالكلام في هذه الأشياء مع الجمهور هو بمنزلة مَن يسقي السمومَ


1 . في المصدر: «المكافيء».

2 . في المصدر: «ما أطلقته».

3 . مريم: 42 .

4 . يس: 71 .

5 . ص: 75 .

6 . في المصدر: «علوم آخر».


صفحه 211

أبدان كثير من الحيوانات الّتي تلك الأشياء سموم لها، فإنّ السموم إنّما هي أُمور مضافة ; فإنّه قد يكون سمّاً في حقّ حيوان شيءٌ هو غذاء في حقّ حيوان آخر، فهكذا الأمر في الآراء مع الإنسان» (1).(2)

ثمّ قال: «ولكن إذا تعدّى الشرير الجاهل فسقى السمَّ مَن هو في حقّه سمّ على أنّه غذاء، فقد ينبغي على الطبيب أن يجتهد بضاعة في شفائه، ولذلك استخيرنا نحن التكلّمَ في مثل هذا الكتاب، وإلاّ فما كنّا نرى أنّ ذلك يجوز لنا، بل هو أكبر المعاصي، أو من أكبر الفساد في الأرض، وعقاب المفسدين معلوم بالشريعة. وإذا لم يكن بدّ من الكلام في هذه المسألة، فلنقل في ذلك بحسب ما تبلغه قوّة الكلام في هذا الموضع .

فنقول:

إنّ القوم لمّا نظروا إلى جميع المدركات، وجدوا أنّها صنفان:

صنف مدرك بالحواسّ، وهي أجسامٌ قائمة بذواتها، مشار إليها، وأعراض مشار إليها في تلك الأجسام.

وصنفٌ مدرك بالعقل، وهي ماهيّات تلك الأُمور المحسوسة وطبائعها، أعني: الجواهر والأعراض.

فلمّا تميّزت لهم الأُمور المعقولة من الأُمور المحسوسة، وتبيّن لهم أنّ في المحسوسات طبيعتين: إحداهما قوّة، والأُخرى فعل، نظروا أيُّ


1 . أي قد يكون رأي هو سمّ في حق نوع من النّاس وغذاء في حقّ نوع آخر.

2 . تهافت التّهافت: 203 .


صفحه 212

الطبيعتين هي المتقدّمة للأُخرى، فوجدوا أنّ العقل متقدّم على القوّة ; لكون الفاعل متقدّماً على المفعول، ونظروا في العلل والمعلولات أيضاً فأفضى بهم الأمرُ إلى علّة أُولى هي بالفعل السبب الأوّل لجميع العلل. فلزم أن تكون فعلاً محضاً، وإلاّ تكون فيها قوّة أصلاً; لأنّه لو كان فيها قوّة، لكانت معلولةً من جهة وعلّةً من جهة، فلم تكن أولى .

ولمّا كان كلّ مركّب من صفة وموصوف فيه قوّة وفعل، وجب عندهم ألا يكون الأوّل مركّباً من صفة وموصوف .

ولمّا كان كل بريء من القوّة عندهم عقلاً وجب أن يكون الأوّل عندهم عقلاً .

فهذه هي طريقة القوم بجملة. فإن كنت من أهل الفطرة المعدَّة لقبول العلوم وكنت من أهل البنيّات(1) وأهل الفراغ، ففَرْضُك أن تنظر في كتب القوم وعلومهم لتقف على ما في علومهم (2) من حقّ أو ضدّه، وإن كنت ممّن نقصك واحد من هذه الثّلاث ففرضك (3) أن تفرغ في ذلك إلى ظاهر الشرع ولا تنظر إلى هذه العقائد المحدثة في الإسلام ; فإنّك إن كنت من أهلها لم تكن من أهل اليقين .(4)

فهذا هو الّذي حرّك القوم أن يعتقدوا أنّ هذه الذات ـ الّتي وجدوا أنّها


1 . في د وفي المصدر: «الثَبات».

2 . في المصدر: «في كتبهم».

3 . في المصدر: «فعرضتك».

4 . ولا من أهل الشرع.


صفحه 213

مبدأ لعالم ـ بسيطة، وأنّها علم وعقل .

ولمّا رأوا أنّ النظام الموجود هاهنا في العالم وأجزائه هو صادر عن علم متقدّم عليه، قضوا أنّ هذا العقل والعلم هو مبدأ العالم الّذي أفاده أن يكون موجوداً، وأن يكون معقولاً»(1).

وقال أيضاً في موضع آخر: «والمحققون من الفلاسفة لا يصفون علمه تعالى بالموجودات لا بكلّي ولا بجزئيّ. وذلك أنّ العلم الّذي في هذه الأُمور لازمة له هوعقل منفعل ومعلول. والعقل الأوّل هو فعل محض وعلّة، فلا يقاس علمه على العلم الإنسانيّ. فمن جهة ما لا يعقل غيرَه من حيث هو ذاته غير ما هو (2) علم منفعل (3)، ومن جهة ما يعقل الغير من حيث هو ذاته هو علمٌ فاعل.

وتلخيص مذهبهم: أنّهم لمّا وقفوا بالبراهين على أنّه لا يعقل إلاّ ذاتَه، فذاته عقل ضرورةٌ. ولمّا كان العقل بما هو عقل إنّما يتعلّق بالموجود لا بالمعدوم، وقد قام البرهان على أنّه لا موجود إلاّ هذه الموجودات الّتي نعقلها نحن، فلابدّ أن يتعلّق علمه (4) بها (5). وإذا وجب أن يتعلّق بهذه الموجودات: فإمّا أن يتعلُّق بها على نحو تعلّق علمنا بها ، وإمّا أن يتعلّق بها


1 . تهافت التّهافت: 203 ـ 206 .

2 . في د: «من حيث هو غير هو».

3 . في المصدر: «من حيث هو غير هو، علم غير منفعل».

4 . في المصدر: «عقله».

5 . إذ كان لا يمكن أن يتعلّق بالعدم ولا هنا صنف آخر من الموجودات يتعلّق بها.


صفحه 214

على وجه أشرف من جهة تعلّق علمنا بها. وتعلُّقُ علمه بها على نحو تعلّق علمنا بها مستحيل، فوجب أن يكون تعلّق علمه بها على نحو أشرف ووجود أتمَّ لها من النحو(1) الّذي تعلّق علمنا بها. لأنّ العلم الصادق هو الّذي يطابق الموجودَ، فإن كان علمه أشرف من علمنا، فعلم الله سبحانه يتعلّق بالموجود بجهة أشرفَ من الجهة الّتي يتعلّق علمنا به .

فللموجود إذن وجودان: وجود أشرف، ووجود أخسُّ.

والوجود الأشرف: هو علّة لوجود الأخسّ. وهذا معنى قول القدماء: إنّ الباري تعالى هو الموجودات كلُّها، وهو المنعم بها والفاعل لها. ولذلك قال رؤساء الصوفيّة: لا هو إلاّ هو، ولكنّ هذا كلّه هو من علم الراسخين في العلم، ولا يجب أن يُكتب هذا ولا أن يكلَّف النّاس اعتقاد هذا، ولذلك ليس هو من التعليم الشرعي، ومن أثبته في غير موضعه فقد ظلم، كما أنّ من كتمه أهله فقد ظلم. فأمّا أنّ الشيء الواحد له أطوار من الوجود، فذلك معلوم من النفس»(2). انتهى ما أردنا من كلماته الّتي التقطناها من مواضع متفرقة; لكونها متلائمةً بحسب المرام، وملائمةً جدّاً للمقام.


1 . في المصدر: «من الوجود».

2 . تهافت التهافت: 260 ـ 261 .


صفحه 215

 

الفرع الرّابع

في مباحث متعلّقة بالمقام

إنّ في هذا الفرع مباحثَ متعلّقة بالمقام، ممّا يزيد الاطّلاع عليها في توضيح المرام:

المبحث الأوّل

في اعتراض الرّازي على ما ذهب إليه الحكماء والجواب عنه

«اعترض الإمام الرّازي في "المباحث المشرقية" على الحكماء ـ حيث ذهبوا إلى أنّ علوم المجرّدات بذواتهم هي نفسُ ذواتهم ـ بأنّه لو كان كذلك، لكان (1) من عَقَلها عقلها عاقلةً لذواتهم. وليس كذلك ; إذ إثبات كونها عاقلةً لذواتها يحتاج إلى تجشّم إقامة برهان; وبيانُ إثبات علمها غيرُ بيان إثبات وجودها. وكذا ليس مَن أثبت وجود الباري أثبت علمه بذاته، بل يلزمه إقامة حجّة أُخرى له »(2).

وأجاب عنه أُستاذنا صدر المتألهين (قدس سره)في كتابه الموسوم "بالمبدأ


1 . في المبدأ والمعاد لصدر المتألهين: «بذاوتهم لاتزيد على ذواتهم، بأنّ الأشياء الّتي تعقل ذواتها لو كان عقلها لذواتها غير زائدة على ذواتها. لكان الخ».

2 . هذه العبارة على ما نقله صدر المتألهين في كتاب المبدأ والمعاد: 186 .


صفحه 216

والمعاد": «بأنّ معقولية الشيء عبارة عن وجوده لشيء له فعليّة الوجود والاستقلال، أي كونُه غيرَ قائم بشيء آخَرَ، فالجوهر المفارق لمّا كان بحسب الوجود العينيّ غيرَ موجود لشيء آخَرَ بل موجوداً لذاته، كان معقولاً لذاته، وإذا حصلت ماهيّته في عقل آخَرَ، صارت بهذا الاعتبار موجوداً(1) لشيء آخَرَ وجوداً ذهنيّاً لا لذاته، فلا جرم صارت معقولةً لذلك الشيء الآخر لا لذاته. وإذا لم تكن ذاته بهذا الاعتبار ـ أي باعتبار وجودها في ذلك العاقل ـ عاقلةً لذاتها، فكيف يعقلها ذلك العاقل عاقلةً لذاتها بهذا الاعتبار؟!

ومحصّل القول: إنّ عالميّة الجواهر المجرّدة لذاتها عينُ وجودها(2) لا عين ماهيّتها (3). فلا يلزم من ذلك أنّ مَن عَقَل ماهيّتها عقلها عاقلةً لذواتها، إلاّ في ما يكون وجوده عينَ ماهيّته كالواجب تعالى. لكن لمّا استحال ارتسام حقيقته تعالى في ذهن من الأذهان بالكنه، (4) لا يلزم من تعقّلنا له بوجه تعقّلنا أنّه عقل ذاته، (5) بل نحتاج إلى استيناف بيان وبرهان»(6).

واعترض بعضهم أيضاً: بأنّا نعلم بالضرورة أنّ كون الشيء عالماً تنكشف له المعلومات حالٌ خارجيّ مغاير لنفس حقيقة الأشياء، فلا يكون نفس حقيقة العالم وحدَها مصداقاً لصدق العالم في علم الشيء بنفسه; فإنّ


1 . أي عين وجودها الحاصل له في الخارج.

2 . في المصدر: «موجودة».

3 . في المصدر: «لا عين ماهيّتها في نفسها ولا عين وجودها في شيء آخر».

4 . في المصدر: «بالكليّة، بل بوجه من الوجوه ككونه واجب الوجود بحسب المفهوم العامّ».

5 . في د جملة: «عقله لذاته» بدل لقوله: «أنّه عقل ذاته».

6 . المبدأ والمعاد: 186 ـ 187 .


صفحه 217

كلّ شيء في نفسه هو هو، فلو تغيّر عمّا هو عليه في نفسه لاحتاج إلى مصداق آخَرَ وراء ذاته، فلابدّ في كون الشيء عالماً بنفسه ـ مثلاً ـ من أمر آخَرَ غيرِ نفس ذاته يكون مصداقاً لعالميّته، فلا يكون العلم بالشيء نفسَ حصول ذلك الشيء فقط.

وأُجيب: بأنّ كون الشيء عالماً حالاً خارجياً في علم الشيء بنفسه ممنوع، فيجوز أن يكون نفس حقيقة الشيء مصداقاً لكونه عالماً بنفسه من غير أن يحتاج إلى مصداق مغاير لنفسه، لأنّ صدق المفهومات المتغايرة على ذات واحدة لا يستدعي تغاير المصداقات، إلاّ إذا استلزم ذلك الصدقُ تغيّراً خارجيّاً في الذات، والتغيّرُ الخارجيّ في ما نحن فيه ـ وهو علم الشيء بنفسه ـ ممنوع.

ولو سلّم فإنّما يسلّم في علم الشيء بغيره بعد ما لم يكن في حدّ ذاته كذلك.


صفحه 218

 

المبحث الثّاني

في أنّ المعتبر في كون الشيء

معقولاً تجرّده عن المادة

قد اتّفقوا الحكماء على أنّ المعتبر في كون الشيء معقولاً تجرّدُه عن المادّة فقط، وفي كونه عاقلاً تجرّده عن المادّة وكونُه قائماً بذاته معاً; لأنّ ما لا يكون قائماً بذاته يكون حاصلاً لغيره لا حاصلاً لنفسه، وما لا يكون حاصلاً لنفسه فكيف يكون شيء آخَرَ حاصلاً له؟! وحقيقة العلم إنّما هو حصول شيء لشيء كما مرّ غيرَ مرّة، فلا يجوز كون شيء من الصور والأعراض عاقلاً، ولا يلزم كون المادّة ـ لكونها قائمةً بذاتها ـ عاقلةً; لأنّ مرادهم من القائم بذاته أن يكون موجوداً بالفعل وقائماً بذاته، ووجود المادّة في حدّ ذاتها ليس بالفعل، بل بالقوّة; فإنّ فعليّة المادّة إنّما هو بالصورة المقيمة لها لا بذاتها.

وما قيل ـ من أنّه لو كان حقيقة العلم هو الحصول، لكان كلّ جماد عالماً; إذ ما من جماد إلاّ وقد حصل ماهيّته له، والمعلوم من كلّ شيء إنّما هو ماهيّته ـ فمندفع بأنّ الصور الجماديّة لمّا كانت قائمةً بموادّها فماهيّاتها كانت حاصلةً لموادّها، لا لأنفسها على ما مرّ.

وأيضاً ما هو شرط في المعقوليّة ـ أعني: التجرّد عن المادّة ـ مفقود في الصور الجماديّة ; لكونها مقارنةً لموادّها.


صفحه 219

 

المبحث الثّالث

في حقيقة العلم

قد تلخّص من تضاعيف ما ذكرنا أنّ حقيقة العلم هي حصول مجرّد لمجرّد قائم بذاته، وذلك الحصول يتصوّر على انحاء ثلاثة:

أحدها: حصول الشيء بنفس ذاته العينيّة لشيء مستقلّ في الوجود بالفعل قائم بذاته حصولاً حقيقيّاً كحصول المعلول بحسب وجوده العينيّ لعلّته.

وثانيها: أن يكون ذلك الحصول حصولاً حكميّاً لا حقيقيّاً، كحصول ذات المجرّد لنفس ذاته ولا شكّ في كونه حكمياً راجعاً إلى كون ذات المجرّد غيرَ فاقدة لذاتها.

وهذان القسمان هما المراد (1) بالعلم الحضوريّ، وبهذا الاعتبار قيل: العلم هو حضور شيء لمجرّد، أو عدم غيبة شيء عن مجرّد .

وثالثها: حصول شيء بصورته وماهيّته ـ لا بنفس حقيقته العينيّة ـ لمجرّد قائم بذاته، وهذا هو المسمّى بالعلم الحصوليّ المفسَّر بحصول صورة الشيء في العقل.

ولاشك عند الحكماء والمحقّقين في كفاية كلّ واحد من النحوين


1 . والأصحّ «المراد ان».


صفحه 220

الأخيرين من الحصول لتحقّق العلم، ولذلك اتّفقوا على أنّ علم العاقل بذاته إنّما هو عين ذاته، وأنّ علمه لغيره هو بحصول صورته في العقل.

وأمّا أنّه هل يكفي النحو الأوّل من الحصول أيضاً لتحقّق العلم؟ فلم يشتهر من الفلاسفة قبل صاحب الإشراق ما يدلّ على ذلك، بل هو أوّل من صرّح به.(1) وتبعه المصنّف (2) وجماعة من المتأخّرين، ومنعه جماعة أُخرى منهم.(3)

وقد مرّ في كلام الشيخ ما يدلّ على المنع. ومرّ أيضاً بعض ما قيل على ذلك من أنّ كون الحصول للفاعل آكدَ من الحصول للقابل لا يدلّ على كون الحصول الآكد علماً; لجواز أن يكون تحقّق العلم موقوفاً على القيام أو الاتّحاد، بل الحقّ أنّ حصول المعلول إنّما هو حصول لنفسه إذا كان قائماً بذاته، أو لمحلّه إذا كان قائماً بالمحلّ، وليس حصولاً للعلة إلاّ على نحو من التجوّز .

وما الفرق في ذلك بين حصول المعلول للعلّة وبين حصول العلّة للمعلول؟ فلو كان حصول المعلول للعلّة علماً لكان حصول العلّة للمعلول أيضاً علماً، ولَكنّا عالمين بعللنا بالعلم الحضوريّ، وليس الأمر كذلك، فتأمل.


1 . لاحظ : حكمة الإشراق: 150 ـ 152 .

2 . لاحظ : شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 299 ـ 311 ; وشرح مسألة العلم: 22 ـ 31 .

3 . انظر: الأسفار: 6 / 230 ـ 263 / الفصل الثّامن إلى الفصل الثّاني عشر; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 166 ـ 168 .


صفحه 221

وأيضاً لو كان مثل ذلك الحصول ـ أعني: حصول المعلول للعلّة ـ كافياً في العلم، لكان اعتبار القيام بذاته في العاقل ضائعاً; ضرورةَ أنّ معلول الصورة المادّيّة حاصل للصورة لا لمادّتها، وإنّما يكون الحصول للصورة حصولاً لمادّتها إذا كان الحصول في ضمن القيام لا مطلقاً، فيلزم كون الصور الطبيعيّة عاقلةً لآثارها الصادرة عنها ; لكون الربط ـ الّذي اكتفوا به في العاقليّة ـ حاصلاً بينهما.

وأيضاً يلزم بمثل ذلك كونُ الصور المادّيّة عاقلةً لذاتها.


صفحه 222

المبحث الرّابع

في بيان قول بعض مقلّدة صاحب الإشراق والجواب عنه

قال بعضٌ مقلّدة صاحب الإشراق: «حقيقة العلم مساوق للحصول والوجود مطلقاً، فكلّ موجود يكون معلوماً وعالماً إلاّ أن يمنع عن ذلك مانع كالحصول لغيره، فإن اعتبر بما هو ظاهر منكشف متميز ذو نسبة إلى أمر صالح لأن يكون هذا الشيء ظاهراً له، منكشفاً عنده، متميّزاً لديه، كان بهذا الاعتبار معلوماً، وذلك الشيء المنسوب إليه عالماً .

وإن لم يعتبر بهذا الوجه واعتبر بنسبة أُخرى أو بغير نسبة كان موجوداً، فالوجود والحصول والعلم متّحدان بالذات، متغايران بالاعتبار ; لأنّ العلم هو حصول (1) أحد الأمرين الموجودين للآخر بوجه التميّز والانكشاف، ولابدّ من أن تتحقّق بينهما علاقة ذاتيّة بحسب الوجود والحصول، فيكون كلّ أمرين بينهما علاقة الحصول وربط وتعلّق من جهة الحصول عالماً بصاحبه أو لا لمانع، وإذا لم يتحقّق بين أمرين علاقة ذاتيّة كذلك لا يكون أحدهما عالماً بصاحبه أصلاً، فكلّ شيء مستقلّ في الوجود عالمٌ بنفسه; إذ لا علاقة آكدُ من الاتّحاد، وكلّ علّة مستقلّة في الوجود عالمة بمعلولها، وكلّ معلول كذلك عالم بعلّته إذا لم يكن المعلول جسمانيّاً، والعلّة


1 . في د: «فإنّ العلم هو الحصول بوجه التميّز. ثمّ إنّه من البيّن أنّ كلّ واحد من الموجودات ليس كذلك، فلابدّ في حصول الخ».


صفحه 223

مجرّدةً، فإنّ الجسمانيّ لا يتمكّن من أن يعلم المجرّد .

فظهر وتبيّن أنّ العلم إنّما بعلاقة ذاتيّة وجوديّة بين أمرين مستلزمة لحصول أحدهما للآخر وانكشافه لديه وامتيازِه عنده، وتلك العلاقة الذاتيّة الوجوديّة قد تكون بين ذات المعلوم بحسب وجوده العينيّ وذات العالم كما في العلم الحضوريّ بأنواعه، وقد يكون بين صورة المعلوم وذات العالم كما في العلم الحصوليّ المتحقّق بحصول صورة الشيء في نفس ذات العالم أو في آلته حصولاً ذهنيّاً، فالمعلوم الخارجيّ في هذه الصورة يكون معلوماً بالعرض ; فإنّ العلاقة الوجوديّة المستلزمة للعلم في الحقيقة إنّما هي بين العالم والصورة بخلاف المعلوم بالعلم الحضوريّ بحسب وجوده العينيّ; إذ المعلوم بالذات حينئذ هو نفس ذات الأمر العينيّ لتحقّق العلاقة الوجوديّة بين نفس ذات ذلك الأمر العينيّ والعالم به، فالعلم الحضوريّ أتمُّ أفراد العلم وأكملها. ومن ذهب إلى أنّ العلم بالغير منحصر في الحصوليّ لا غير، فقد أخطأ وأنكر أتمَّ أفراد العلم وأكملَها.

ثمّ قال: ولا يخفى على الخبير أنّه ممّا حقّقناه ـ من أنّ منشأ تحقّق العلم بين الأمرين إنّما هو علاقة ذاتيّة بينهما بحسب الوجود والحصول ـ يتّضح أنّ الأمر القائم بغيره لا يحصل له نفسُه ولا غيرُه أصلاً، فلا يكون عالماً بنفسه ولا بغيره أيضاً وضوحاً تاماً بحيث لا يبقى فيه ريب لمنصف. انتهى»(1).


1 . انتهى كلام البعض.


صفحه 224

وأقول ـ بعد ما مرّ من وجوه ما يرد على العلم الحضوريّ ـ : إنّه لا يخفى أنّ ما ادّعاه من مساوقة الوجود والعلم دعوىً من غير بيّنة، ولم يتّضح ذلك ممّا ادّعى اتّضاحَها به.

نعم، بين العلم وبين الحصول والوجود ممن له صلاحيّة العلم مساوقةٌ لا مطلقاً.

وما ذكره ـ من العلاقة الذاتيّة بين موجودين ـ إن كانت سبباً لحصول أحدهما للآخر، كانت موجبة للعلم، لكنّ الكلام في أنّ العلاقة الذاتيّة الّتي بين العلّة والمعلول هل هي موجبة لحصول أحدهما للآخر، أم لا؟

وقد عرفت أنّها ليست موجبةً لذلك ; ومع تسليم ذلك كلّه فدعوى كون العلم الحضوريّ أتمَّ أفراد العلم وأكملها إنّما تتمّ لو كان العلم الحصوليّ بحصول الشبح والمثال، لا بحصول الحقائق أنفسها على ما هو مذهب المحقّقين بأجمعهم; فإنّه على تقدير حصول الحقائق بأنفسها يكون المعلوم والمنكشف بالذات في العلم الحصوليّ هو حقائق الاشياء وماهيّاتها وفي العلم الحضوريّ هو هويّات الأشياء وأنّيّاتها، وكيف يصحّ القول بأنّ العلم بهويّات الأشياء أتمُّ من العلم بماهيّاتها سيّما في الأُمور الجسمانيّة المحفوفة بالغواشي المادّيّة؟! هل هذا إلاّ مثل أن يقال: إنّ الإبصار أتمُّ من العلم، وأنّ الحسّ أكمل في باب الإدراك من العقل؟ ومن يجتري على أمثال ذلك ؟

نعم، كثيراً ما يمثَّل العلم بالبصر، والمعقول بالمحسوس لكن للعقول العامّيّة الوهمانيّة والمدارك الجمهوريّة الهيولانيّة، ولذلك قد شاعت الأمثال


صفحه 225

في الكلام الإلهي وكلمات الأنبياء بل الحكماء أيضاً حيث كان المقصود تفهيمَ الجمهور. وأمّا في ما نحن بصدده فالخَطب أعظمُ من ذلك; ولذلك لم يقع التكليف بمعرفة كيفيّة علمه تعالى .

وأيضاً حينئذ ـ أعني: حين كون الحاصل في الذّهن من الأشياء هو حقائق الأشياء ـ فالمعلوم بالذّات هو حقيقة الشيء الخارجيّ، وليس المعلوم بالعرض إلاّ خصوصَ الفرد الخارجيّ من حيث هو فرد، فما ذكره لبيان كون العلم الحضوريّ أتمَّ من الحصوليّ لا يدلّ على ذلك، هذا.

ثمّ إنّ هذا البعض اعترض على ما نقلنا من الشيخ في "رسالة منسوبة إليه "«من أنّ المعلوم لو كان هو الصورة العينيّة لكان كلّ موجود ـ وجوداً عينيّاً ـ معلوماً لنا، ولَكُنّا لا نعلم المعدوم: بأنّ هذا كلام في نهاية الضعف ; فإنّه لايلزم من جواز كون الموجود الخارجيّ معلوماً في الجملة أن يكون كلّ موجود خارجيّ معلوماً لكلّ أحد; لجواز أن يكون معلوميّة الموجود(1)مشروطاً بشرط لا يتحقّق في كلّ موجود خارجيّ بالنسبة إلى كلّ واحد.

وأيضاً لا يلزم من معلوميّة الموجود الخارجيّ انحصارُ المعلوم فيه حتّى يقال لو كان الموجود الخارجيّ معلوماً، لَكُنّا لا نعلم المعدوم.

بل الحقّ الحقيق بالتصديق أنّ العلم بالشيء عبارة عن حصول ذلك الشيء لمن له صلاحيّة العالميّة وحصول شيء لشيء قد يكون بصورته في ذلك في العلم الحصوليّ، وقد يكون بذاته وذلك في العلم الحضوريّ،


1 . في د: «معلوميّته».


صفحه 226

وليس كلّ موجود خارجيّ حاصلاً بذاته لكلّ أحد، بل إنّما يحصل الموجود العينيّ بذاته لأمر تحقّق بينهما علاقة وجوديّة مستلزمة لحصوله له كالعلّيّة والمعلول»(1). هذا كلامه .

وأقول: مراد الشيخ هو أنّ من المعلوم المتحقّق أنّ العلم بالشيء إنّما يتحقّق بأن يحصل أثر من ذلك الشيء في العالم، فالعلم هو ذلك الاثر الحاصل في العالم لا الموجود في الخارج، وإلاّ ـ أعني: إن لم يكن الأثر الحاصل هو العلمَ، بل الموجود في الخارج ـ لزمه أن لا يحصل لنا علم بالمعدوم.

وأيضاً لو كان وجود الشيء في الخارج في العلم كافياً من دون أثر يحصل منه في العالم، لزم أن يكون كلّ واحد عالماً بكلّ موجود يكون موجوداً معه وفي زمانه ; إذ نسبته إلى كلّ موجود كذلك على السواء فيما له مدخل في العلم.

وما ذكره المعترض من علاقة العلّيّة والمعلوليّة لا دخل لها في العلم أصلاً; إذ ليست هي ممّا توجب حصول أحدهما للآخر حقيقةً; لما عرفت ممّا ذكرناه في المبحث السابق، بل تلك العلاقة ممّا يوجب المعيّة في الوجود فقط في الحقيقة، فلو كانت معيّة شيء مع شيء في الوجود حصولاً لأحدهما عند الآخر، لكان كلّ موجود حاصلاً لكلّ موجود يكون موجوداً معه وفي زمانه وكان معلوماً له. هكذا يجب أن يُفهم كلام الأعلام، والله تعالى ذو الفضل والإنعام.


1 . لم نعثر على مصدره.


صفحه 227

 

المبحث الخامس

في بيان أنّ النفس تدرك الجزئيّات بالقوّة المتخيّلة

الظاهر ـ بل المتحقّق ـ أنّ النفس الناطقة تدرك بدنها الجزئيّ وسائر آلاتها الجزئيّة بالقوّة المتخيّلة، وكذا المتخيّلة تدرك نفسها، ولا يلزم اجتماع المثلين في محلّها; لأنّ الصور المتخيّلة، بل الحسّيّة مطلقاً إنّما هي أشباح وأمثلة للجزئيّات، وليست حقائقَ لها ; فإنّ إدراك الحقائق شأن العقل لا الحسّ.

وبالجملة، فهذا الاحتمال قادح من كون علم النفس بهذه الأُمور بالمشاهدة الحضوريّة وجعل ذلك طريقاً إلى العلم الحضوريّ للواجب بأعيان الموجودات على ما نقله صاحب الإشراق في خلسته عن إمام المشائين،(1) وهذا دليل على عدم الاعتماد على مجرد الكشف الّذي يدّعيه أرباب المشاهدات إلاّ ما ساعده البرهان وفي ذلك غنىً عن ارتكاب تلك المخاطرات.

وبما ذكرنا ظهر ضعف ما زعمه الإشراقيون من كون سائر الحيوانات ذوات النفس مجرّدة (2) بناءً على أنّ مدار إدراك الشيء لنفسه على التجرّد،


1 . انظر: التلويحات: 70 ـ 74 .

2 . لاحظ : حكمة الإشراق: 203 ـ 207 ; والأسفار: 8 / 42 ـ 52 و 230 ـ 241 .


صفحه 228

وأنّها مدركة لانفسها، وذلك لأنّ إدراك الشيء لنفسه ـ إذا كان بنفسه لا بحصول صورة ـ يستلزم التجرّد، ولعلّ نفوس الحيوانات يدركون أنفسهم على التجرّد وأنّها مدركة لانفسها، وذلك لأنّ إدراك الشيء لنفسه على التجرّد وأنّها مدركة لانفسها بحصول صورها في محل تلك النفوس كالمتخيّلة.

قال الشيخ في "التعليقات" : «نفوس الحيوانات غير الإنسان ليست مجرّدةً، وهي لا تعقل ذواتها; فإنّها لو أدركت ذواتها فإنّما تدركها بقوّتها الوهميّة، فلا تكون معقولةً. والوهم لها بمنزلة العقل من الإنسان. انتهى»(1).


1 . التعليقات: 95.


صفحه 229

 

المبحث السّادس

في ردّ ما ذهب إليه صاحب الإشراق

نفى صاحب الإشراق (1) العلم المقدّم على الإيجادات كلّها مطلقاً، فأبطل العناية رأسا; زعماً أنّ قبل كون الموجودات أو وجودها ذهناً خارجاً كيف يُتصوّر تحقّق العلم بها؟! فإنّ العلم بها لا يتصوّر بدون وجودها ذهناً أو خارجاً ; ضرورةَ عدم تمايز المعدومات الصرفة، ولا يمكن وجود الموجودات قبل وجودها، أمّا خارجاً، فظاهر. وأمّا ذهناً فللزوم الكثرة في ذاته تعالى، فليس للواجب علم فِعليّ أصلاً. تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، وذلك قادح في كون فعله تعالى اختياريّاً ; إذ لابدّ في الفعل الاختياريّ من مسبوقيّته بالعلم ولا يكفي مجرّد مقارنته للعلم .

وما قيل: إنّ الفعل الإراديّ غير منفكّ عن العلم بالمراد ; وأمّا وجوب السّبق، فممنوع بل هو مثل ما يدّعي المتكلّمون أنّ الإرادة يجب أن تكون سابقة على المراد سبقاً زمانياً وانّه غير مسلم منهم غاية الأمر انّ وجوب السّبق الذاتيّ في الإرادة مسلّم دون العلم، بل مقارنة الشعور والعلم للفعل الناشئةُ من نفس ذات الفاعل كافية في كونه إراديّاً. ففيه تأمّل، ومع ذلك يرد عليه ما يأتي .


1 . لاحظ : حكمة الإشراق: 150 ـ 153 .


صفحه 230

وكذا ما قيل: إنّ وجود المعلول في الخارج وإن كان عينَ العلم بالذّات، لكنّه يغايره بالاعتبار، فهو من حيث إنّه علمٌ متقدّم وسبب له من حيث كونه وجوداً في الخارج .

ففيه أنّ المغايرة الاعتباريّة إنّما تتحقّق وتؤثّر حيث يعتبرها العقل ويتمايز المتغايران فيه فحيث لا عقل ولا ذهن، فلا أثر لها أصلاً.

ويرد عليهم أيضاً عدم كون صفة العلم عين ذاته تعالى: «وما قيل في توجيه كون صفاته تعالى عينَ ذاته، إنّ الصّفة هاهنا بمعنى الخارج المحمول كالعالم والقادر والمريد وحينئذ فلا امتناع في كون العالم عينَ ذاته وإن كان العلم زائداً عليه، فمشترك بين الواجب وغيره ; (1) فإنّ صفات جميع الأشياء عين ذاته بهذا المعنى (2)» (3) على ما ذكره المحقّق الدواني .

وقد يدفع هذه الشناعة عنهم بأنّ العلم الفعليّ له صورتان:

أحدهما: أن يكون العلم من أسباب وجود المعلوم بالذات، وهو الظاهر المشهور.

وثانيهما: أن يكون ذات العالم سبباً لوجود المعلوم بالذات كما في الصورة المخترعة للعالم ; فإنّ نفس وجودها عنه نفس معلوميّتها، وذات الواجب بالنسبة إلى أعيان الموجودات من هذا القبيل، فكما أنّ العالم يعلم


1 . في المصدر: «بمعنى المحمول كالعالم والقادر والمدير وهي عين ذاته، مدفوع: بأنّ صحّة الحمل مشترك بين الواجب تعالى وغيره، الخ».

2 . في د وفي المصدر: «بهذا الوجه».

3 . رسالة إثبات الواجب الجديدة (ضمن سبع رسائل): 149 ـ 150 .


صفحه 231

الصور الذهنيّة باختراعها، يعلم الواجب العينيّ الخارجيّ بإيجاده، والعلم بالصورة حصولاً وبالعين حضوراً كلاهما فعليّ، ولا يلزم الإيجاب بناء على كون مقارنة الشعور كافياً في الفعل الاختياري على ما مرّ .

وفيه: أنّه على تقدير التسليم يلزم أن لا يكون صدور الموجودات عنه تعالى على نحو العناية والتدبير، إذ لا يصدق حينئذ أنّها لمّا عُلمت خيراً وُجدت، بل لمّا عُلمت عُلمت، أو لمّا وُجدت وُجدتْ والتغاير الاعتباريّ بين المعلومة والوجود قد عرفت أنّه لا جدوى له هاهنا، وفساد هذا اللاّزم ليس بأقلّ من مفسدة الإيجاب، بل هو عينها عند التحقيق، كما لا يخفى على الخبير .

ولا يلزم ذلك في صدور الصور العلميّة عنه تعالى; لأنّه نفس تعقّله الخير وعلمه به، ولا يجب كون العلم مسبوقاً بالعلم، ولا كونُ التدبير مسبوقاً بالتدبير، بل يجب كون الوجود مسبوقاً بالعلم والتدبير .

على أنّ القائل بالصور العلميّة الحاصلة في ذاته تعالى قائل بالعلم الإجماليّ البسيط الّذي هوعين ذاته تعالى، وتلك الصور إنّما هي تفصيل له، فتكون مسبوقة به، فليتدبر .

ثمّ إنّه ـ أعني: صاحب الإشراق ـ بعد إبطال العناية جعل النظام المشاهد في عالم الإجسام لازماً عن النظام الواقع فيما بين المفارقات العقليّة الطوليّة والعرضيّة، وأضوائها المنعكسة عن بعضها إلى بعض، وجعل ذلك بدلاً عن العناية في سببيّة النظام، صرّح بذلك في "حكمة الإشراق"(1).


1 . لاحظ: حكمة الإشراق: 152 ـ 155 .


صفحه 232

وأنت خبير: بأنّ ذلك النظام الواقع هي المجرّدات أيضاً لابدّ له من سبب وإلا ليتسلسل، فلابدّ من الانتهاء إلى علمه تعالى بنظام الكل أو صدور ذلك النظام عن طبع وإيجاب، ولابد من كون هذا العلم عينَ ذاته تعالى أو قائماً بذاته من غير لزوم مفسدة الكثرة، على ما عرفت مفصّلاً.

وأمّا المصنّف (قدس سره)فلم ينسج على منواله في نفي العلم المتقدّم على الإيجاد، بل أثبت العلم الإجماليّ; حيث قال في "شرح رسالة العلم": «كما أنّ الكاتب يُطلق على من يتمكّن من الكتابة، سواء كان مباشراً للكتابة أو لم يكن، وعلى من يباشرها حالَ المباشرة باعتبارين ; كذلك العلم يطلق على من يتمكّن من أن يعلم، سواء كان في حال استحضار العلوم (1) أو لم يكن، وعلى من يكون مستحضراً له حال الاستحضار باعتبارين .(2) والعالِم الّذي يكون علمه ذاتيّاً، فهو بالاعتبار الأوّل; لأنّه بذلك الاعتبار لا يحتاج في كونه عالماً إلى شيء غير ذاته والعلم بهذا الاعتبار شيء واحد. انتهى »(3).

لكنّ العلم الإجماليّ بهذا المعنى ـ أعني: التمكّن من الاستحضار ـ إنّما هو الحالة الثانية لا الثّالثة وهو ليس بجيّد; لمقارنة القوّة، فتدبّر.


1 . في د: «المعلوم».

2 . فوقوع اسم العلم على الأمر الأوّل يكون بالاعتبار الأوّل، وعلى الأمر الثّاني بالاعتبار الثّاني .

3 . شرح مسألة العلم: 28 .


صفحه 233

 

المبحث السابع:

في ردّ قول جماعة ظنّوا أنّ نسبة جميع الأزمنة إليه تعالى كآن واحد كنسبة جميع الأمكنة إليه كآن واحد

قد ظن جماعة كالمحقّق الدواني في بعض رسائله (1) وصاحب القبسات (2) وغيرهما (3) : أنّ نسبة جميع الأزمنة إليه تعالى كآن واحداً، كما أنّ نسبة جميع الأمكنة إليه كآن واحداً بمعنى أنّ أعيان الموجودات الزمانيّة ـ قديمةً أو حادثةً ـ حاضرةٌ عنده تعالى دفعةً واحدة بلا اختلاف في القبليّة والمعيّة والبعديّة والمُضيّ والحال والاستقبال ; لكونه تعالى بريئاً عن الوقوع في شيء من الأزمنة كبراءته عن الوقوع في شيء من الأمكنة، بل هومحيط بقاطبة الزمانيّات والمكانيّات إحاطةً واحدة، وإنّما ذلك الاختلاف لها بقياس بعضها إلى بعض وفيما بينها، لا بالقياس إلى الحضور عنده تعالى والمعية عنه، ومثّلوا ذلك بخيط مختلف الأجزاء بالسُود والبيض ; فإنّه إذا نظر إليه الإنسان مثلاً يلاحظ مجموع تلك الأجزاء المختلفة الألوان دفعةً واحدة، ويرى الجزء الأسود في موضعه والأبيضَ في موضعه كليهما معاً


1 . لاحظ : رسالة إثبات الواجب الجديدة: 150 ـ 152 .

2 . انظر: القبسات: 117 ـ 120 .

3 . لاحظ : الأسفار: 2 / 50 ـ 52 و 3 / 407 ـ 417 ; الملل والنحل: 1 / 48 ; وشرح المنظومة قسم الفلسفة: 203 .


صفحه 234

وفي آن واحد، بخلاف الحيوان الضيّق الحدقة كالنملة ; فإنّه يرى كلّ جزء يوصل إليه(1) في آن وصوله إليه، ولا يرى الجزء الّذي بعده أو قبله في هذا الآن بل في آن هو بعد ذلك الآن أو قبله، وهذا الظنّ لعلّه متوهَّم من كلام المصنّف في "شرح رسالة العلم" على ما ننقله في بيان كيفيّة علمه تعالى بالجزئيّات المتغيّرة وسنبيّن حقيقة الأمر فيه .(2)

وهو منظور فيه; لأنّ نسبة الزمانيّات إلى الزمان لا يجب أن يكون بانطباق فقط، وإلاّ لم يكن الأجسام ـ الّتي في زمانين (3) ولا يعرض لها التغيّر ـ زمانيّةً، بل تلك النسبة إنّما هي المعيّة في الوجود، سواء كانت منطبقةً أو غير منطبقةً، فهو تعالى وإن لم يكن واقعاً في الزمان لكنّه مع الزمان معيّةً وجوديّةً.

واختلافُ نسبة الزمان إلى ما مع الزمان على وجهين:

أحدهما: بالتغيّر في ذات ذلك الشيء الّذي مع الزمان، كما هو في الأشياء المختلفة (4) الوجود ببعض الأزمان كالحادث اليومي مثلاً ; فإنّه في اليوم ; لكونه معه في الوجود، لا في الأمس والغد ; لفقدانه فيهما.

وثانيهما: بالتغيّر في الزمان دون ما مع الزمان كالفلك ; فإنّه اليومي في اليوم، لكونه معه في الوجود دون الغد; لفقدانه.


1 . في د: «يصل إليه».

2 . لاحظ: شرح مسألة العلم: 38 ـ 41.

3 . في د: «في زمان».

4 . في د: «المختصّة».


صفحه 235

والوجه الأوّل; وإن لم تتصوّر نسبته إلى الله تعالى ; لكن لاخَفاء في تحقّق الوجه الثّاني بالنظر إليه ; فإنّه في اليوم مثلاً ; لكونه معه في الوجود دون الأمس والغد; لفقدانهما لا لفقدانه تعالى عن ذلك فيتصوّر بالنظر الماضي والحالُ والاستقبال بهذا الوجه، إذ اليومُ مثلاً حال بالنظر إليه ; لكونه معه في الوجود حاضراً عنده.

أو لأمس ماض نظراً إليه; لفقدانه اليومَ مع تحقّقه قبل ذلك.

والغد مستقبل نظراً إليه ; لفقدانه اليومَ مع كونه سيكون، فالأزمنة الثّلاثة وإن لم تتصوّر بالنظر إليه بالمعنى المختصّ بالحوادث ولكنّها ـ بمعنى أنّ الحال هو الزمان الحاضر الّذي هو معه بالفعل. فالماضي هو الزمان المتقدّم على ذلك الزمان بالنظر إليه. والمستقبل هو الزمان المتأخّر عنه بالنظر إليه ـ متحقّقة بلا شبهة ; فإنّ تحقّق الماضي والمستقبل بالنظر إلى شيء لا يقتضي كون ذلك الشيء مفقوداً في الماضي والمستقبل مطلقاً على ما مرّ. كذا قال سيد المدققين(1) وغيره.

وهذا مأخوذ من كلام المصنّف في "نقد المحصل" حيث قال ما ملخّصه: إنّ القضيّة الّتي يدّعى استحالتها ـ وهي كون الله تعالى زمانيّاً ـ تفسَّر على وجهين:

أحدهما: أن يكون الله تعالى زمانياً بمعنى أنّه متغيّراً ويقبل التغيّر.


1 . انظر: كشف الحقائق المحمديّة: 882 ـ 884 .


صفحه 236

والثّاني: أن يكون وجوده في أيّ حال فُرض مقارناً لوجود جزء من الزمان .

وعلى هذا الوجه الثّاني لا استحالة في كون الباري تعالى زمانيّاً، وأيّ استحالة في أن يكون سبقه على هذا الجزء في الزّمان، بمعنى أنّه قارن وجوده وجودَ جزء آخَرَ من الزمان لم يكن هذا الجزء متحقّقاً حيث تحقّق ذلك الجزء؟

فإن قيل: هل يطلق على الباري تعالى أنّ الزمان ظرف له ووعاء كما يطلق على عدم هذا الحادث أنّ الزمان السابق على وجوده ظرف له ووعاؤه؟

قيل: قول القائل: «إنّ عدم هذا الحادث وقع في زمان سابق على وجوده» من باب المجاز الّذي دعا إليه ضيق العبارة، وليس هناك ظرف ومظروف على الحقيقة، وليس الزمان أمراً يتحقّق فيه معنى الاشتمال والاحتواء ليمكن أن يكون ظرفاً ولاسيّما والحادث إنّما يحدث في آن، والآنُ عند الأكثر (1) غير منقسم، فهو أبعدُ عن معنى الظرفيّة.

والمراد من قولنا: «إنّ عدم هذا الحادث وقع في زمان سابق على زمان وجوده» أنّه صدق على عدم هذا الحادث أنّه متحقّق حين صدَق على زمان سابق على وجوده أنّه متحقّق ولم يكن زمان الوجود المشار إليه حينئذ متحقّقاً، ومثل هذا التفسير لا يستحيل إطلاقه على الباري تعالى فإنّه يصدق


1 . في د: «الأكثرين».


صفحه 237

عليه أنّه متحقّق حين صدَق على جزء مخصوص من الزمان أنّه متحقّق. انتهى ».(1)

وأيضاً: قياس الأزمنة على الأمكنة مع الفارق ; لتَقَضِيَ أحدهما وقرار الآخَر وحضورُ الأمر التدريجي دفعةً ـ ولو عند من لا يتغيّر أصلاً ـ واضح البطلان، وكيف يمكن حضور المعدوم؟! فالتمثّل المذكور غير مطابق للمتمثَّل له إلاّ إذا كان أجزاء الخيط المذكور تدريجيةً، ومع ذلك تكون حاضرة(2) عند الشخص الإنسانيّ دفعة وغيرَ حاضرة عند النملة، ولا ريب أنّها إذا فُرضت تدريجيّةً لا تكون حاضرة دفعة عند الشخص الإنساني أيضاً.

والحاصل: أنّه لمّا كان امتناع الإدراك في المثال المذكور ناشئاً من جانب العالم ; لضعف قوّته، فحيث لا ضعف أمكن الإدراك. وامتناعُ الإدراك في الزمان ليس من جانب العالم ليختلف القويّ والضعيف في ذلك، بل من جانب المعلوم; لأنّه ينعدم شيئاً فشيئاً، والمعدوم غير قابل للحضور، فلا محال لا يختلف القويّ والضعيف في ذلك.

ويتفرّع على ذلك أنّه لو كان ما ظنّوه حقّاً، لما احتيج إلى الفرق بين المعلومات القريبة والبعيدة في تعلّق العلم الحضوريّ بها بكون العلم بالقريبة بذواتها وبالبعيدة بصورها القائمة بالقريبة; لكون الجميع على


1 . نقد المحصل: 250 ـ 252 .

2 . في د: «حاضرة دفعة».


صفحه 238

السواء في الحضور بالقياس إليه تعالى.

لكن كلام " شرح رسالة العلم " (1) و "شرح الإشارات" (2) صريح في الفرق بين القبيلين، وكذا كلام " حكمة الإشراق "(3) لكن كلام "التلويحات "ـ أعني: قوله: وإدراك أعداد الوجود نفس الحضور له والتسلّط من غير صورة ومثال (4) ـ ممّا يوهم الابتناء على الظن المذكور.

والمراد أنّه كذلك عند وجود تلك الأعداد في أوقات وجوداتها وإن كانت قبل أوقات وجوداتها معلومةً بصورها المرتسمة في المدبّرات الفلكيّة، كما دلّ عليه كلامه في " حكمة الإشراق (5)" على ما نقلنا، فتفصيل مذهبهم أنّ علمه تعالى بمعلولاته القديمة ـ سواء كانت مجرّدة أو مادّيّة ـ إنّما هو بحضور ذواتها عنده تعالى أزلاً وأبداً، وبمعلوماته الحادثة بحضور ذواتها عنده في أوقات وجودها، وأمّا قبل أوقات وجودها، بصورها الحاصلة في المعلولات القديمة ; فإنّ الحاصل في الحاضر عند الشيء حاضرٌ عنده أيضاً. هذا هو المصرّح به في كتبهم، كما لا يخفى على من تتبّعها .

ثمّ إنّه يمكن أن يتصوّر هذا المظنون على وجهين:


1 . لاحظ: شرح مسألة العلم: 28 ـ 29 .

2 . انظر: شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 304 ـ 305 .

3 . لاحظ: حكمة الإشراق: 150 ـ 152 .

4 . لاحظ : التلويحات: 73 .

5 . انظر: حكمة الإشراق: 150 ـ 152 .


صفحه 239

أحدهما: أن يكون القدماء بالنسبة إليه تعالى كالحوادث في تخلّل الانفكاك بينهما وإن كان بلا تصوّر.(1)

وثانيهما: أن يكون الحوادث كالقدماء في عدم الانفكاك .

وإلى الأوّل نظر صاحب القبسات(2)، وبنى عليه حدوثَ العالم وسمّاه حدوثاً دهريّاً .

وبالنظر إلى الثّاني قيل عليهم: إنّه لو كان كذلك، لزم قِدَم الحوادث. وليس شيء منهما بشيء ; لكون كلّ منهما منقدحاً بالآخَر، كما لا يخفى على المتدبّر.


1 . في د: «بلا تقدّر».

2 . لاحظ: القبسات: 3 وما بعدها.


صفحه 240

 

المبحث الثّامن

في بيان امتناع حضور المادّي من حيث

هو مادّي عند المجرّد

الحضور حقيقةً إنّما يتحقّق لمادّي عند مادّي، فلو كان لهذا المادّي الثّاني ارتباطٌ بمجرّد ارتباطَ الآلة بذي الآلة يتحقّق الحضور بالنسبة إلى ذلك المجرّد أيضاً .

وأمّا حضور المادّي عند المجرّد المتبرّئ عن الآلة ممّا يتنفّر منه العقل الصريح فضلاً عن أن يتحقّقه.

وإذا عرفت هذا عرفت معنى ما نقلناه عن الشيخ من قوله: «ولا تظنّ أنّ الإضافة العقليّة إليها إضافة إليها كيف وُجدت، وإلاّ لكان كلّ مبدأ صورة في مادّة ـ من شأن تلك الصورة لمن يعقل بتدبير مّا من تجريد وغيره ـ يكون هو عقلاً بالفعل، بل هذه الإضافة إليها وهي ـ بحال ـ معقولةٌ» .(1)

وأمّا قوله بعد ذلك: «ولو كانت من حيث وجودها في الأعيان لكان إنّما يعقل ما يوجد في كلّ وقت، ولا يعقل المعدوم منها في الأعيان، إلى آخره». فهو دليلٌ آخر على امتناع كون الصور المادّيّة ـ من حيث هي مادّيّة ـ معقولةً له تعالى، مبنيٌّ على تحقّق المُضيّ والحال والاستقبال بالنسبة إليه


1 . إلهيّات الشفاء: 2 / 364 / الفصل السابع من المقالة الثّامنة.


صفحه 241

تعالى على الوجه الّذي قد مرّ آنفاً، فهذا الكلام المنقول من " الشفا "مع المنقول من " الرسالة المنسوبة إليه " (1) على ما وجّهناه مشتمل على أربع دلائلَ على عدم تحقّق العلم الحضوريّ، فتعيّن العلم الحصوليّ; لامتناع الأقسام الأُخر بالاتّفاق.

وقد يستدلّ على العلم الحصوليّ بأنّ ذاته تعالى علّة للأشياء وهو عالم بذاته، والعلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول; فيجب تحقّق العلم بالأشياء في الأزل، والعلم لا معنى له إلاّ انكشاف المعلوم: إمّا بذاته، وإمّا بصورته بالضرورة والاتّفاق. ولا يمكن تحقّق ذوات الأشياء في الأزل، وإلاّ لزم قِدَم الحوادث، فتعيّن تحقّق صورها فيه، ولا يمكن قيامها بذواتها ولا بموجود آخَرَ; لما مرّ غير مرّة، فتعيّن قيامها بذاته تعالى، وهو المطلوب.

ويمكن أن يستدلّ بأنّ العلم صفةُ كمال لا محالة فهو صفة حقيقة ; إذ لا كمال له تعالى بالإضافات، فيجب أن يكون عينَ ذاته تعالى أو قائمةً بذاته من ذاته ; لامتناع أن يكون ما هو كمال له تعالى ثابتاً له من خارج، لكنّ العلم التفصيليّ بالأشياء يمتنع كونه عينَ ذاته تعالى، فتعيّن كونه قائماً بذاته من ذاته، فيجب أن يكون صور زائدةً على ذوات الأشياء قائمةً بذاته تعالى ; لكون العلم الحضوريّ عينَ ذوات الأشياء المباينة لذاته تعالى، ويجب أيضاً كونها متقدّمة على ذوات الأشياء; لأنّ العلم المتأخّر عن ذوات الأشياء يكون مستفاداً منها كعلمنا بالأشياء، فيلزم كون ما هو كمال له تعالى مستفاداً


1 . لم نعثر عليها.


صفحه 242

من خارج، فتعيّن كون علمه بالأشياء فعليّاً متقدّماً على ذوات الأشياء قائماً بذاته تعالى من ذاته، وهو المطلوب.

فإن قلت: قد مرّ أنّ كماله ومجده تعالى ليس تلك الصور، بل بأن يفيض عنه تلك الصورة، فكماله ومجده إذن بذاته لا بأمر زائد على ذاته، فكيف حكمت بكون تلك الصور كمالاً له تعالى؟!

قلت: لا ريب في كون تلك الصور ـ لكونها علماً ـ كمالاً له تعالى، لكنّ المراد ممّا مرّ أنّ تلك الصور لمّا كانت فائضة عن ذاته تعالى، كان كماله تعالى في الحقيقة بذاته لا بأمر زائد على ذاته، بخلاف ما لو كانت مستفادةً من خارج (1) ; فإنّه حينئذ يلزم أن يكون كماله بغيره لا بذاته .

ومن هاهنا ظهر ـ ظهوراً بيّناً ـ معنى كون ذاته تعالى موضوعةً لتلك الصور، ومتّصفةً بتلك اللّوازم ; لكون تلك الصور واللوازم صادرةً عنه تعالى، لا لكونها حاصلةً فيه على ما مرّ في كلام الشيخ غير مرّة.


1 . في د: «من غيره» .


صفحه 243

 

المبحث التاسع

في ردّ نقض صاحب المطارحات

على القائلين بالعلم الحصولي

ناقض صاحب المطارحات القائلين بالعلم الحصولي (1) بما حاصله: أنّ القول بارتسام الصور في ذاته تعالى على الترتيب العلّيّ يستلزم أن يكون تعالى منفعلاً عن الصورة الأُولى ; لكونها علّة لاستكمال ذاته تعالى بحصول الصورة الثّانية.

وأمّا أنّ تلك الصور كمالات له تعالى، فلأنّ الصوّر ـ لكونها ممكنات لا محالة ـ يكون حصولها له تعالى بالقوّة لا بالفعل نظراً إلى ذواتها، فلذاته تعالى قوّة الاتّصاف بها باعتبار ذواتها الممكنة، ولا ريب في أنّ كون ذاته تعالى بالقوّة ـ من أيّ جهة كانت ـ نقصٌ، وزوال تلك القوّة إنّما يحصل بوجود تلك الصور بالفعل في ذاته تعالى، فوجودها كمال له تعالى، ومزيل النقص مكمِّل، فكلّ صورة سابقة من تلك الصور تكون مكمِّلة لذاته تعالى بحصول الصورة اللاّحقة على ما يقتضيه الترتيب العلّيّ(2).


1 . هذا مذهب جمهور المشائين القائلين بأنّ علمه تعالى حصوليٌّ ارتساميٌّ. يعني أنّ صور الأشياء مرتسمةٌ في ذاته تعالى. لاحظ: جامع الأفكار وناقد الانظار: 2 / 113 ; والأسفار: 6 / 180 .

2 . المطارحات: 477 ـ 489 .


صفحه 244

ودفعه أُستاذنا (قدس سره)(1) أمّا أوّلاً: فبجريان دليله في صورة صدور الموجودات عنه تعالى فينتقض به.

وأمّا ثانياً: فبأنّ فعليّة تلك الصورة إنّما هي من جهة المبدأ ووجوبها مترتّب على وجوبه، وليس هناك فَقْدٌ ولا قوّة أصلاً، ولا لتلك الصور إمكان من الجهة المنسوبة إليه تعالى، وإنّما يلزم الانفعال لو كان فَيَضان تلك الصور على ذاته من غيره تعالى وليس كذلك، هذا.

وممّا اعتمد عليه أُستاذنا (قدس سره)في كتاب "المبدأ والمعاد " في ردّ مذهب الشيخ ـ بعد تزييفه ما أورده المصنّف وغيرُه عليه ـ هو أنّه يلزم على هذا المذهب صدور الكثير عن الواحد الحقيقي .

بيانه: أنّ صورة العقل الأوّل تكون حينئذ واسطة في صدور العقل الأوّل وفي صدوره صورة العقل الثّاني معاً عن الواجب تعالى، فيكون قد صدر عن الواحد بواسطة أمر واحد ـ هو صورة العقل الأوّل ـ أمران، هما: ذات العقل الأوّل، وصورة العقل الثّاني.

ولا يجوز أن يقال: إنّ ذات العقل الأوّل إنّما صدرت عن الواجب من حيث ذاته لا بوساطة الصورة، وصدرت صورة العقل الثّاني عنه بوساطة الصورة، فلا يلزم صدور الاثنين عن الواحد من جهة واحدة، بل من جهتين; وذلك لأنّه يلزم أن لا يكون علم الواجب بالعقل الأوّل علماً فعليّاً، وهو خلاف مذهبه، وقادح فيما لأجله ذهب إلى العلم الحصوليّ.


1 . لاحظ : المبدأ والمعاد: 200 ـ 201 .


صفحه 245

وعندي أنّ ذلك ضعيف، لأنّ صدور صورة العقل الثّاني ليس بوساطة صورة العقل الأوّل، بل بوساطة ذات العقل الأوّل; فإنّ وجود العقل الأوّل لمّا كان من لوازمه وجودُ العقل الثّاني، والعلمُ بالعلّة والملزوم مستلزم للعلم بالمعلول واللاّزم صار العلم بالعقل الأوّل ـ أعني: صورته ـ مستلزماً للعلم بالعقل الثّاني ، أعني: بصورته ـ وإنّما يلزم كون صدور صورة العقل الثّاني بوساطة صورة العقل الأوّل لو كان وجود العقل الثّاني من لوازم صورة العقل الأوّل، وليس كذلك، بل هو من لوازم وجود العقل الأوّل.

وهذا معنى كلام الشيخ في "التعليقات " حيث نقلناه سابقاً لبيان ترتيب السبب والمسبّب من قوله:

«مثال ذلك: أنّه تعالى علّة; لأنّ عرف العقل الأوّل، ثم إنّ العقل الأوّل هوعلّة لأنّ عرف لوازم العقل الأوّل فهو تعالى وإن كان سبباً ; لأنّ عرف العقل الأوّل ولوازمه، فيوجه ما صار العقل الأوّل علّة لأنْ عرف لوازم العقل الأوّل. انتهى»(1).

وممّا اعتمد عليه أيضاً استاذنا (قدس سره): «أنّه لو كان علمه تعالى بالأشياء بحصول صورها فيه لم يَخْلُ(2): إمّا أن تكون تلك اللّوازم لوازمَ ذهنيّةً له أو خارجيّةً، أو لوازمَ له مع قطع النظر عن الوجودين. لا سبيل إلى الأوّل والثّالث; إذ لا يتصوّر للواجب إلاّ نحو واحد من الوجود، وهو الوجود الخارجيّ الّذي هو عين ذاته تعالى ; واللّوازم الخارجيّة لا تكون إلاّ حقائق


1 . التعليقات: 183 .

2 . في المصدر: «صورها في ذاته تعالى، فلا يخلو:».


صفحه 246

خارجيّةً لا صوراً علميّة ذهنيّةً (1)، وذلك خلاف ما فرضناه، لأنّ الصور العلميّة تكون جواهرها جواهراً ذهنيّةً (2)وأعراضها أعراضاً ذهنيّة (3) وإن كان الكلّ ممّا يعرض لها في الخارج مفهومُ العرض كما سلف تحقيقه»(4).

وهذا أيضاً ضعيف; لأنّ انقسام اللاّزم إلى الأقسام الثّلاثة إنّما يصحّ حيث يكون للملزوم ماهيّة غير الوجود، والواجب الوجود تعالى ليس له ماهيّة سوى الوجود، على ما مرّ في الأُمور العامّة، لكن يشبه أن يكون حكم معقولاته تعالى حكم اللّوازم الذهنيّة، لأنّها إنّما تلزم من حيث عقله تعالى لذاته لا مطلقاً، وعقله لذاته وإن كان عينَ ذاته لكنّ الاعتبار مختلف، فهو باعتبار عقله لذاته يلزمه أن يعقل الأشياء ; لكون ذاته علّة للأشياء، والعلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول، فذوات الأشياء تلزمه باعتبار ذاته، ومعقولات الأشياء تلزمه باعتبار عقله لذاته .

وعلى هذا تكون جواهر تلك المعقولات جواهرَ ذهنيّة وأعراضها أعراضاً ذهنيّة وإن كان الكلّ ممّا يصدق عليه مفهوم العرض بحسب الخارج بلا إشكال.


1 . في المصدر: «لا ذهنية كما لا يخفى».

2 . في المصدر: «لأنّ الجواهر الحاصلة في ذاته تعالى على الفرض المذكور تكون جواهر ذهنيّة».

3 . في المصدر: «وكذا الأعراض الحاصلة فيه تعالى».

4 . المبدأ المعاد: 205.


صفحه 247

 

المبحث العاشر:

في كيفيّة علمه تعالى بالأشياء قبل الإيجاد

وفيه مذاهب:

المذهب الأوّل: زعم جماعة في كيفيّة العلم قبل الإيجاد أنّ ذاته تعالى علم تفصيلي ببعض الموجودات وهو المعلول الأوّل، وعلم إجماليّ لسائرها.(1)

وبيّن ذلك بعضهم (2) بما محصّله: أنّ العلم بمعنى مابه الانكشاف لا يجب أن يكون حقيقةُ المعلوم مساوياً له في الماهيّة، بل قد يكون كما مرّ في علم الشيء بالكنه، وقد لا يكون كما في علم الشيء بالوجه.

وما يقال: ـ إنّ حضور غير حقيقة الشيء أو حصولَه لا يفيد العلم به، والمعلوم في الحقيقة في المعلوم بالوجه إنّما هو كنه الوجه ـ لا ذي الوجه، فإن أُريد أنّ ذي الوجه ليس معلوماً أصلاً فممنوع والسند ظاهر . وإن أُريد أنّه ليس معلوماً بالكنه فممنوع، ولا يضرّنا، ولا يلزم في صورة العلم بالمعدوم تعلّق العلم بالمعدوم الصرف ; فإنّ المعدوم الصرف هو الّذي لا يكون بحقيقته ولا بما ينكشف به حاصلاً للعالم.


1 . لاحظ : الأسفار: 6 / 181 و 245 وما بعدها; وجامع الأفكار وناقد الانظار: 2 / 156 .

2 . ومنهم الأمير نظام الدين أحمد الدشتكي الشيرازي المتوفى (1015 هـ) أحد فلاسفة الإمامية ومتكلميهم. لاحظ: معجم طبقات المتكلمين: 3 / 382 ـ 383 .


صفحه 248

ثمّ إنّ العلم الفعليّ ما يكون سبباً لوجود المعلوم ومقدّماً عليه بالذّات أو بالطبع سواء أكان علماً بوجهه أو بكنهه; فإنّ كون العلم مقدّماً على المعلوم وسبباً لوجوده لا يقتضي أن يكون علماً بالكنه حقيقة، فالعلم بمعنى ما به الانكشافُ عبارة عن أمر حاصل عند العالم، وله مناسبة مخصوصة إلى المعلوم، بسببها يتميّز وينكشف ذلك المعلوم عند من حصل له ذلك الأمر، سواء كان مساوياً له في المرتبة (1) أو لا .

ولا ريب أنّ للعلّة مناسبة مخصوصة مع المعلول، بها يصدر عنها ذلك المعلول المعيَّن دون غيره، فيجوز أن تكون نفس ذات العلّة المناسبة للمعلول المقتضية إيّاه المعينة له ما به انكشافه فيكون نفس ذات العلّة علماً بالمعلول، فلا يبعد أن يكون علمه تعالى بذاته علماً تفصيليّاً بمعلوله الأوّل، واجماليّاً لسائر معلولاته البعيدة بأن يعلم معلوله الأوّل قبل إيجاده علماً تفصيلياً بنفس ذاته المقدّسة، ويعلمَ المعلول الثّانيَ كذلك بنفس ذات المعلول الأوّل، وهكذا ولا يجب أن يكون علمه الفعلي التفصيليّ بجميع الموجودات في مرتبة واحدة، بل ذلك ممتنع ; لامتناع أن يعلم بأمر واحد بسيط معلومات متكثّرةً بخصوصيّاتها، ممتازةً بعضُها عن بعض.

وعلى هذا وإن لزم احتياج الواجب في العلم التفصيليّ بأكثر الموجودات إلى معلولاتها المغايرة لذاته، وكونُه في مرتبة الذات غيرَ عالم بحقائق الممكنات بالذات، بل تجدّد علمه بها بعد مرتبة الذّات، لكن احتياجه في علمه التفصيليّ إلى غيره غير ممتنع; فإنّ كماله الذاتيّ إنّما هو


1 . في د: «في الماهيّة».


صفحه 249

في العلم الإجماليّ الّذي هو عين ذاته، والتغيّرُ في علمه إذا لم يكن بحسب الزمان، بل بحسب الذّات فلا دليل على امتناعه، بل قد صرّحوا بأنّ علمه بذاته علّة لعلمه بمعلولاته، وهذا تغيّر وتجدّد بحسب الذات. انتهى»(1).

ولا يخفى ما فيه; لأنّ الوجه بحسب كونه محمولاً على ذي الوجه متّحداً معه بوجه مّا; فإنّ وجه الإنسان هو الضاحك ـ مثلاً ـ لا الضحكُ، وليس العلّة مع معلولها الخارج عنها، المباين لها كذلك. إلى غير ذلك على ما يظهر بالتأمّل.

المذهب الثّاني: واكتفى بعضهم (2) بكونه إجماليّاً فقط ـ من قبيل الحالة الثّالثة من الحالات الثّلاثة المذكورة في كتاب "النفس "ـ قال:

«فأمّا أن يكون من قبيل الحالة الأُولى فهو محال; لأنّ العلم المفصّل هو العلم الإنسانيّ الّذي لا يجتمع اثنان منه في النفس في حالة واحدة، بل يضادّ واحداً واحد(3); فإنّ العلم نقش في النفس، وكما لا يتصوّر أن يكون في شمعة نقشان وشكلان في حالة واحدة، لا يتصوّر أن يكون في النفس علمان مفصَّلان حاضران في حالة واحدة، بل يتعاقب على القريب بحيث لا يدرَك تعاقبها للطف الزمان، أو يصير المعلومات الكثيرة بجملة كالشيء الواحد، فيكون للنفس منها حالة واحدة نسبتها إلى كلّ الصور واحدة، ويكون ذلك كالنقش الواحد.


1 . انتهى كلام الدشتكي.

2 . نسب إلى أكثر المتأخرين. لاحظ : الأسفار: 6 / 181 و 238 ـ 241 .

3 . في د: «واحد واحداً».


صفحه 250

فهذا التفصيل والانتقال لا يكون إلاّ للإنسان، فإنّ فرض وجودها مفصّلاً في حقّه تعالى كانت علوماً متعدّدة بلا نهاية واقتضى كثرةً ثُمّ كانت متناقضات; لأنّ الاشتغال بواحد يمنع من آخر.

فإذن فيه معنى كون الأوّل عالماً أنّه على حالة بسيطة نسبتها إلى سائر المعلومات واحدة، فمعنى عالميّة(1) مبدأيّته لفيضان التفاصيل منه في غيره، فعلمه هو المبدأ الخلاّق لتفاصيل العلوم في ذوات الملائكة والإنس، فهو عالم بهذا الاعتبار، وهذا أشرفُ من التفصيل; لأنّ المفصَّل لا يزيد على واحد ولابدّ ان يتناهى، وهذا نسبته إلى ما يتناهى وإلى ما لا يتناهى واحدة.

ومثاله: أن نفرض مَلِكاً معه مفاتيحُ خزائن أموال الأرض وهو يستغني عنها، فلا ينتفع بذهب ولا فضّة ولا يأخذه ولكن يُفيضه على الخلق، فكلّ مَن له ذهب يكون منه أخذه، وبواسطة مفتاحه وصل إليه، فكذلك الأوّل تعالى عنده مفاتح علم الغيب يُفيض العلمَ بالغيب والشهادة على الكلّ، فكما يستحيل أن لا يسمَّى المَلِك الّذي بيده المفاتيحُ غنيّاً، يستحيل أن لا يسمّى الّذي عنده مفاتح العلم عالماً، فالفقير الّذي يأخذ منه دنانيرَ معدودةً يسمّى غنيّاً باعتبار أنّ الدنانير في يده ; والمَلِك باعتبار أنّ الدنانير من يده وبإفاضته ومنه يَفيض الغِنى على الكلّ كيف لا يسمّى غنيّاً؟! فكذلك حال العلم. انتهى»(2).

واعتُرض عليه: بأنّه لو انحصر علمه في الإجماليّ، لزم أن لا يعلم إلاّ


1 . في د: «عالميّته».

2 . لم نعثر على مصدره.


صفحه 251

ذاته بخصوصها ولا يعلم الموجودات بخصوصياتها ولايمتاز في نظره بعضها عن بعض .

وفساده أظهر من أن يذكر.

ولزم أيضاً أن لا يصدر عنه موجود بالعلم; إذ العلم الإجماليّ ـ كما صرّح به ـ هو نسبته إلى جميع الموجودات على السويّة، فلا يصدر عنه معلول دون آخَرَ، وإلاّ لزم الترجيح بلا مرجّح. وعدمُ صدور الموجودات عنه بالعلم مناف لكون علمه تعالى فعليّاً.(1)

وبأنّه يجوز أن يعلم الواجب جميع الموجودات بعلوم كثيرة لكن بالتفات واحد، فلا يشغله شأن عن شأن.(2)

المذهب الثّالث ومنهم (3) من قال: إنّ ذاته تعالى علم إجمالي بجميع الموجودات بمعنى أنّه علم بالفعل بخصوصيّات جميع الأشياء على وجه يتميّز بعضها عن بعض في علمه تعالى.

وعليه حمَل كلام بعض العارفين; حيث قال: نحو العلم هنالك على عكس نحو العلم عندنا; فإنّ المعلوم هنالك يجري من العلم مجرى الظلّ من الأصل، فما عند الله هو الحقائق المتأصّلة الّتي تنزل الأشياء منها بمنزلة الصور والأشباح، فبما من الأشياء عند الله أحقُّ بها ممّا عند أنفسها، فالعلم هنالك في شيئيّة المعلوم أقوى من المعلوم في شيئيّة نفسه، فإنّه مُشىِّء


1 . في د: «لكن علمه تعالى فعليّ».

2 . لاحظ: الأسفار: 6 / 243 ـ 245 .

3 . لاحظ : المبدأ والمعاد لصدر المتألهين: 215 ـ 217 .


صفحه 252

الشيء ومحقّق الحقيقة، فالشيء مع نفسه بالإمكان; فإنّه بين أن يكون، وبين أن لا يكون، ومع مُشيِّئه بالموجود، ومُشيِّىء الشيء فوق الشيء ; فإنّه الشيء ويزيدُ، وإن كان فهم هذا يحتاج إلى تلطّف شديد، وإذا كان ثبوت نفس الشيء عند العالم حضوراً له، فثبوت ما هو أولى به من نفسه أولى بذلك.

وكذا كلام المحقّق الدّواني من أنّ «الّذي يشبه أن يكون مذهب الحكماء هو أنّ ذاته تعالى عين العلم القائم بذاته، فهو علم بذاته وعلم بمعلولاته إجمالاً .

كما قال بعضهم: إنّ الصورة المحسوسة لو قامت بنفسها كانت حاسّة ومحسوسة، فهذا العلم القائم بذاته هو علم (1)بذاته باعتبار، وعلم إجماليّ بمعلولاته باعتبار آخر، والحيثيّة الأُولى علّة الحيثيّة الثّانية، فالمعلولات كلّها حاضرة له تعالى من غير أن يكون فيها كثرة بحسب ذلك الحضور، فإنّ الصّورة العقليّة في العلم الإجمالي واحدة مع كثرة المعلومات على ما تقرر في موضعه. انتهى»(2).

وأُورد على هذا المذهب أنّه كيف يتميّز بصورة واحدة مباينة لحقائق مختلفة تلك الحقائقُ المختلفة في نظر العالم؟! وهل هذا إلاّ تمايز المعدومات الصرفة؟(3)


1 . في المصدر: «علمه».

2 . رسالة إثبات الواجب الجديدة: 148 .

3 . لاحظ: الأسفار: 6 / 240; والمبدأ والمعاد لصدر المتألهين: 216 .


صفحه 253

المذهب الرّابع ومنهم من قال: إنّ ذاته تعالى علم إجماليّ بالموجودات كلّها بخصوصيّاتها لكن لا على أن يتميّز بعضها عن بعض; فإنّ العلم شيء، والتميَّز شيء آخَرُ، والأوّل لا يوجب الثّاني (1) على ما حقّق في موضعه.

وهذا أيضاً بعد التسليم كالأوّل في أنّه كيف يمكن أن يعلم معلومات مختلفةً بحقيقة واحدة مباينة لجميعها وإن لم يتميّز بعضها عن بعض؟! ويشتركان مع سابقهما في أنّ نسبة الإجماليّ إلى جميع المعلومات على السواء، فلا ترجّح به صدورُ واحد دون آخَرَ، فلا يكون الصدور عن علم كما مرّ.

هذا آخر ما أوردناه من إيراد المباحث المتعلّقة بهذا المقام، وتلك عشرة كاملةُ في ذاتها، مكمِّلة للمرام، وهو تعالى وليّ الفضل والإنعام.


1 . لاحظ : المبدأ والمعاد لصدر المتألهين: 217 ; والأسفار: 6 / 241 وما بعدها.


صفحه 254

تكميل عرشيّ

في أنّ للوجود أفراد حقيقيّة مختلفة بالشّدة والضعف

متّحدة مع الماهيّات في الخارج

قد عرفت في تضاعيف ما ذكرنا في مباحث «الوجود»(1) من الأُمور العامّة من تحقيق مذهب الحكماء في حقيقة أنّ للوجود أفراد حقيقيّة، وأنّها حقائقُ مختلفة بالشدّة والضعف، متّحدة مع الماهيّات في الخارج، وزائدة عليها بحسب العقل فقط. لا كما يقوله المتأخّرون من أنّ الوجود مفهوم مصدري اعتباري لا حقيقة له في الخارج، وأنّ الماهيّة المتحقّقة في الخارج باعتبار صدورها عن الجاعل ونسبتهما إليه وارتباطهما بها منشأً لانتزاع هذا المفهوم الاعتباري ; لئلاّ يلزم كونه اعتباريّاً محضاً غيرَ مطابق لما في نفس الأمر.(2)

ولا كما يقوله الأشعريّ من كون الوجود مرادفاً للماهيّة وعيناً لها عيناً وذهناً غيرَ زائد عليها حقيقة ولا مفهوماً.(3)

ولا كما نسبه صاحب الإشراق إلى المشّائين من كون الوجود زائداً على الماهيّة في الخارج قائماً بها كالسواد والبياض(4) ; لفساد كلّ من هذه الثّلاثة:


1 . لاحظ : الجزء الأوّل من هذا الكتاب.

2 . هذا ما قاله السهروردي وأتباعه. لاحظ: شرح حكمة الإشراق للقطب الشيرازي: 185 ـ 191 ; والتلويحات: 39 و 411 ; وشرح المنظومة قسم الحكمة: 10 ـ 11 .

3 . انظر: المباحث المشرقيّة: 1 / 130 .

4 . لاحظ : حكمة الإشراق: 65 ـ 66 .


صفحه 255

أمّا فساد الآخرين (1) فهو ظاهر، ومع ظهوره مفروغ منه في مقامه، وقد مرّ في الكتاب مستقصى هناك.

وأمّا الأوّل فلما أومأنا إليه هناك غيرَ مرّة.

وممّا يزيده بياناً: أنّ حقيقة الجعل والصدور لا يتضح مع اعتباريّة الوجود; لأنّ محصّل ما يتصوّر ويُعقل منهما ليس إلاّ الفيضَ، ولا معنى لأن يفيض من شيء ما لا يكون هو أو سنخه فيه، فلا معنى لفيضان ماهيّة المجعول من ماهيّة العلّة; لأنّ الماهيّات متغايرة ومتباينة موقوفة كلّ واحدة منها على مرتبتهما غيرُ قابلة للتشكيك والاختلافات بالشدّة والضعف ليمكن اشتمال ماهيّة على ماهيّة أُخرى أو على سنخها وشبهها ليُعقلَ فيضان الأُخرى من الأُولى .

وما قالوا من أنّ معنى المجعوليّة هو أن يجعل الجاعل الماهيّة بحيث ينتزع منها الوجود، فليس بشيء; لأنّ تلك الحيثيَّة إن كانت اعتباريّةً أيضاً، فلا جدوى لها، وإن كانت حقيقة من شأنها أن تفيض عن الجاعل، فلا نعني بحقيقة الوجود سوى ذلك; لأنّ الشيء الّتي تقول بها ليس فرداً ذاتيّاً للوجود المصدريّ، بل فرد عَرضيّ له لكون الوجود المصدريّ وجهاً من وجوهه، وهي متصوَّرة لنا بهذا الوجه، لا بكنه حقيقتها، والّذي لأجله فرّوا من كون الوجود ذا فرد حقيقيّ هو توهّمُ قيامه على ذلك التقدير بالماهيّة بحسب الخارج قيامَ العرض بالموضوع، واستحالته ظاهرة على ما سبق. فأمّا إذا قلنا


1 . في د: «الأخيرين».


صفحه 256

بكونه عينَ الماهيّة في الخارج وزيادته عليها في العقل، فلا مجال لتوهم الاستحالة .

وفرق بين قولنا: الوجود عين الماهية في الخارج، وبين قولنا: ليس في الخارج إلاّ الماهيّة فليتدّبر.

والأوّل: هو ما نقوله.(1)

والثّاني: ما هو يقوله الإشراقيون.

فالحقّ الحقيق بالتصديق هو أنّ الفائض عن العلّة والصادر عنها بالذات إنّما هووجود المعلول، فإذا فاض الوجود من العلّة وباينها بالعدد، يلزم أن يكون له هويّة امتاز بها عن العلّة، وهذه الهويّة اللاّزمة هوالمراد من الماهيّة، فهذا الفائض من الجاعل أمر واحد في الخارج يحلّله العقل إلى أمرين:

أحداهما: ما يعبَّر عنه بالكون، وهو المراد من حقيقة الوجود.

وثانيهما: الكائن بهذا الكون، وهوالمراد من الماهيّة. فالمعبَّر عنه بمنزلة ذات الشيء الموجود ; فإنّ الوجود بهذا المعنى يرادف الذات، والمعبَّر به من عوارضه، ولفظ الوجود اسم مشترك بين هذين المعنيين. وما تواطؤا عليه ـ من كون الوجود مقولاً بالتشكيك ـ بل هو الوجود بهذا المعنى لا الوجود الانتزاعيّ; إذ لا معنى لكون الكون المصدريّ قابل للتشكيك، بل هو في الكلّ على السواء كما لا يخفى على الخبير، فليكتف هاهنا بهذا القدر


1 . في د: «هو بالقوّة».


صفحه 257

من البيان، ومن أراد الاستقصاء فليراجع ما حقّقناه في تضاعيف مباحث الوجود، وفي نيتنا أن نأتي برسالة مفردة لتمام التحقيق فيه بحيث يرتفع منه جميع الأوهام والشكوك، إن شاء الله .

إذا عرفت ذلك، فاعلم: أنّ وجود العلّة أشدُّ لا محالة من وجود المعلول.

والمراد من الشدّة هو كونُ الشيء بحيث ينتزع منه أمثال شيء آخرَ، فيكون الشيء الأوّل هو الشديد، والثّاني هو الضعيف، فالأشدّ ما كأنّه يشتمل على عدّة أمثال الأضعف، فالوجودُ العلّة ـ لكونه أشدَّ من الوجود المعلول ـ يكون مشتملاً على الوجود المعلول مع زيادة، فالعلّة ـ الّتي هي مبدأ للعلل كلِّها وينتهي إليها جميع المعلولات ـ كأنّها تشتمل على المعلولات كلّها، فهي المعلولات كلّها بعنوان الوحدة، وإذا صدرت عنها المعلولات وتباينت وتمايزت بعضها عن بعض، كانت جميعها هي العلّة بعنوان الكثرة من دون أن ينقص من العلّة شيء; إذ المعلول ليس جزءاً من العلّة وبعضاً منها حقيقةً، بل إنّما هو أثر منها، وظل لها، وما من المعلول في العلّة إنّما هوأصله وسنخه;إذ فرق بين أن يفيض من شيء شيء، وبين أن يقسَّم شيء إلى شيء، ومفادُ العلّيّة والتأثير إنّما هو الأوّل لا الثّاني.

فالوجود الواجبيّ مشتمل على جميع وجودات الممكنات الّتي هي عبارة عن ذواتها، لا أقول عن ماهيّاتها ; إذ فرق بين الذات والماهية على ما عرفت، فعلمه تعالى بذاته عين العلم بجميع ذوات الأشياء. وهذا هو المراد


صفحه 258

من كون ذاته تعالى علماً إجماليّاً بالأشياء وعقلاً بسيطاً لها على معنى ما حصّلناه من كلام الشيخ كما مرّ.(1)

فظهر أنّه (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ) ـ أي عن هذا العلم الّذي هو عين ذاته تعالى ـ (مِثْقَالُ ذَرَّة فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِى كِتَاب مُبِين)(2) بلا تكلّف وتجوّز لكن لمّا لم يمكن التميّز بين أمثال الضعيف الّتي يشتمل عليها الشديد في الخارج ; لكونها متّحدةً بجنسيته(3)، بل هي ـ من حيث متميّزة ـ إنّما هي في العقل، لم يَكف هذا العلمُ في صدور النظام من حيث هو نظام; لاستدعائه التفصيل كما عرفت.

وأيضاً وإن كان هذا العلم علماً بالماهيّات أيضاً من وجه لكن لما (4) ليس علماً بها من حيث هي ماهيّات ; لم تتميّز الماهيّة عن الوجود بحسب الخارج، بل إنّما تتميّز عنه في العقل فقط، وفي العقل البسيط لا يكون متميّز أصلاً لا بين وجود ووجود، ولا بين وجود وماهيّة، فبالاضطرار لزم القول بالعقل التفصيليّ المحقّق بحصول صور الماهيّات في العاقل متميّزة بعضُها عن بعض، وعن الوجود في علمه تعالى بالأشياء .

وهذان العلمان هما المشار إليهما بالكلّ الأوّل والكلّ الثّاني في كلام


1 . في ص: 241 و 242 .

2 . سبأ: 3 .

3 . في د: «بحسبه».

4 . في د: «لفظ «لما» ساقط.


صفحه 259

الفارابيّ في "الفصوص " على ما نقلناه.(1)

وينبغي أن يُعلم أنّ هذا الحصول ليس هو بالمعنى المشهور; فإنّ المتبادر من الحصول في المشهور هو أن تكون الصور حاصلةً من الأشياء في العقل وفيما نحن فيه الأشياء حاصلة من الصور في الخارج، وجميعُ المفاسد ـ الّتي أوردوها على القول بالعلم الحصوليّ في الواجب ـ مبنيّة على الاشتباه بين هذين المعنيين للحصول. فعلى هذا لو قال قائل: إنّ علمه تعالى بالأشياء ليس حصوليّاً كما أنّه ليس بحضوريّ، لكان صواباً من هذا الوجه.

تدقيقٌ إلهاميّ

في أنّ حديث الصور وحصولها من ذاته تعالى إنّما هو

لتفهيم كون ذاته تعالى علماً بجميع الأشياء تفصيلاً

يمكن أن يدقّق النظر ويقال: إنّ حديث الصور وحصولها في ذاته تعالى إنّما هو لتفهيم كون ذاته تعالى علماً بجميع الأشياء تفصيلاً، وتبيّينَ معنى عنايته بها في صدورها عنه عن علم، وذلك لا يستدعي حصول الصور حقيقةً في ذاته تعالى متميّزة بعضها عن بعض، بل يكفي فيه كون ذاته تعالى بحيث لو اعتبرها العقل وفصل ما اشتملت هي عليه بعنوان الكثرة(2) من الموجودات المعلولة، لحصل في العقل الصورُ المتكثّرة المطابقة لتلك الموجودات حقيقةً فعبّروا


1 . انظر: ص 194 ـ 197 .

2 . في د: «بعنوان الوحدة».


صفحه 260

عن تلك الحيثيّة ـ المستدعية لحصول الصور في العقل بالاعتبار المذكور ـ بحصول الصور في ذاته تعالى كما هو شائع في الاعتباريّات فإنّهم يقولون: إنّ الماهيّة البسيطة مركّبة من الأجزاء العقليّة، ومعنى التركيب هو حصول الاجزاء في المركّب، وليس في الأجزاء العقليّة ـ كالجنس والفصل ـ حصول حقيقةً في الماهيّة البسيطة، بل حصولهما في الحقيقة إنّما هو في العقل، لكن لمّا كان ذلك الحصول في العقل بسبب ملاحظته إيّاها من جهتين فيها هما: جهة (1) ما به الاشتراكُ وما به الامتيازُ، جعلوا حصولَهما في العقل حصولاً في الماهيّة، واعتبروها مركّبةً منهما في العقل.

وكذا الحال في الاعتباريات العرضيّة للماهيّات، وكونُ ذاته تعالى العالم (2) بذاتها بالحيثيّة المذكورة كاف في صدور الأشياء عنه تعالى عن علم.

واستدعاءُ صدور النظام شيئاً أزيدَ من الحيثيّة المذكورة ممنوع.

وكذا استدعاءُ علمه تعالى بالماهيّات ـ من حيث هي ماهيّات ـ ذلك فإنّ كونه تعالى عالماً بشيء ـ من شأنه أن يحلّله العقل إلى ماهيّة ووجود ـ كاف علمه تعالى بالماهيّة والوجود معا، فليُتفطّن.

وبهذا يمكن أن يوجّه ما مرّ في كلام ابن رشد: «من أنّ ذاته تعالى ليس شيئاً أزيدَ من تعقّل النظام» (3) فليتدبّر.


1 . في د: «جهتا».

2 . في د: «العالمة».

3 . انظر ص: 204 ـ 209 .


صفحه 261

وممّا يؤيد هذا التدقيق أنّ الغزاليّ في " التهافت "(1) نقل مذهب الشيخ على أنّه قائل بكون ذاته تعالى علماً تفصيليّاً بجميع الأشياء وأنّه متفرّد من بين الفلاسفة بذلك، ولم ينسب إليه القول بحصول الصور في ذاته تعالى. وصدّقه ابن رشد في ذلك النقل إلاّ أنّه جعله موافقاً للفلاسفة(2) في ذلك على ما مرّ. فلولا أنّ مراد الشيخ هو ما ذكرنا، لما صحّ ذلك النقل وتصديُقه فيه مع كون كتبه ورسائله محتوية (3) بحديث الصور على ما عرفت.

وعلى هذا يكون ما مرّ غيرَ مرّة في كلام الشيخ «من أنّ اتّصافه تعالى بتلك الصور إنّما هو من حيث هي صادرة عنه تعالى لا من حيث هي حاصلة فيه أوأنّها حاصلة من ذاته لا من غيره وأمثال ذلك» إشارةً إلى أنّ المراد من الحصول ليس (4) هو المعنى المشهورَ المتبادرَ، بل هو معنى آخر، فليتأمّل جدّاً.

هذا هو الكلام في العلم بالكليّات والطبائع المرسلة والجزئيّات المجرّدة، وهذا العلم ثابت دائماً غير متغيّر أصلاًّ كالمعلوم.


1 . لاحظ : تهافت الفلاسفة: 124 و 155 .

2 . انظر: تهافت التهافت: 198 و 250 .

3 . في د: «مشحونة».

4 . في د: «هاهنا ليس».


صفحه 262

 

الفرع الخامس

في كيفيّة علمه تعالى بالجزئيّات الحادثة المتغيّرة

وأمّا العلم بالجزئيّات المادّيّة المبدَعة الحادثة المتغيّرة، فقد يكون أيضاً دائماً غير متغيّر أصلاًّ (1) وإن تغيّر المعلوم، وذلك إذا كان العلم بها حاصلاً من أسبابها وعللها المتأدّية إليها، فيكون تعقّلاً غيرَ محتاج إلى آلة، وقد يكون متغيّراً، فيكون حادثاً بعد ما لم يكن، وزائلاً، بعد ما كان، وذلك إذا كان العلم بها (2) حاصلاً من وجوداتها، فيكون إحساساً ومحتاجاً إلى آلة، وعلم الباري تعالى بالأشياء لمّا لم يجز أن يكون حاصلاً له من وجودات الأشياء ـ لما عرفت ـ وجب أن يكون علمه بالجزئيّات حاصلاً له من ذاته الّتي هي علّة للموجودات كلّها وتنتهي إليها سلسلة العلل والأسباب، فيكون تعقّلاً ويكون ثابتاً وغيرَ متغيّر أصلاً وإن تغيّر المعلوم ; فإنّه تعالى يعلم كلاًّ في وقته علماً ثابتاً قبل ذلك الوقت وفيه وبعده، فيعلم وجوده بالأسباب المتأدّية إليه وعدمَه بالأسباب المتقدّمة له(3)، ولا يتوقّف علمه بالوجودات إلى حضور الآن أو الزمان الّذي يختصّ الوجود به، ولا علمه بالعدم إلى حضور الآن أو الزمان الّذي يختصّ به العدم، فلا يدخل في علمه تعالى ماض ولا مستقبلٌ ولا حال.


1 . في د: لفظة «أصلاً» ساقطة .

2 . في د: «جملة «العلم بها» ساقطة.

3 . في د: «المعدولة».


صفحه 263

قال الشيخ في " إلهيات الشفاء ": «ولأنّه مبدأ كلّ وجود، فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامّة بأعيانها، والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها أوّلاً، وبتوسّط ذلك بأشخاصها.

ومن وجه آخَرَ لا يجوز أن يكون عاقلاً لهذه المتغيّرات مع تغيّرها من حيث هي متغيّرة عقلاً زمانيّاً مشخصّاً، بل على نحو آخَرَ منه;(1) فإنّه لا يجوز أن يكون تارة يعقل عقلاً زمانيّاً (2) أنّها موجودة غيرُ معدومة، وتارة أنّها (3) معدومة غير موجودة، فيكون لكلّ واحد من الأمرين صورة عقليّة على حدة ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثّانية، فيكون واجب الوجود متغيّر الذات.

ثمّ الفاسدات إن عُقلت بالماهيّة المجرّدة بما يتبعها ممّا لا يتشخّص لم تعقل بما هي فاسدة .

وإن أُدركت بما هي مقارنة لمادّة وعوارض مادّة ووقت وتشخيص وتركيب (4)، لم تكن معقولةً، بل هي محسوسة أو متخيّلة، ونحن قد بيّنا في كتب أُخرى أنّ كلّ صورة لمحسوس وكلَّ صورة خياليّة، فإنّما تدرك من حيث هي محسوسة ومتخيّلة بآلة متجزّئة، وكما أنّ إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له، كذلك إثبات كثير من التعقّلات، بل الواجب


1 . في د وفي المصدر: «نبيّنه».

2 . في المصدر: «زمانيّاً منها».

3 . في المصدر: «وتارة يعقل عقلاً زمانياً منها أنّها، ألخ» وفي د: «وتارة يعقل عقلاً زمانيّاً منها لا أنّها معدومة».

4 . لفظ: «تركيب» ليس في المصدر.


صفحه 264

الوجود إنّما يعقل كلّ شيء على نحو كلّي، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصيّ، (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ)(1)، وهذا من العجائب الّتي يَحُوج تصوّرها إلى لطف قريحة»(2) .

ثمّ أشار إلى بيان النحو الآخَر الّذي عليه يجب أن يكون تعقُّله لهذه التغيّرات فقال: «وأمّا كيفيّة ذلك فلأنّه إذا عَقَل ذاته، وعقل أنّه مبدأ كلّ موجود، عقل أوائلَ الموجودات عنه وما هو تتولّد عنها، ولا شيء من الأشياء يوجد إلاّ وقد صار من جهة ما يكون واجباً بسببه، وقد بيّنا هذا فتكون هذه الأسباب تتأدّى بمصادماتها إلى أن توجد عنها الأُمور الجزئيّة .

فالأوّل يعلم الأسباب ومطابَقاتِها، فيعلم ضرورةً ما يتأدّى إليها، وما بينها من الأزمنة، وما لها من العودات; لأنّه ليس يمكن أن يعلم تلك ولا يعلمَ هذا، فيكون مدرِكاً للأُمور الجزئيّة من حيث هي كلّيّة. أعني: من حيثُ إنّها صفاتٌ، وإن تخصّصت بها شخصاً، فبالإضافة إلى زمان متشخّصِ، أو حال متشخّصة لو أُخذت تلك الحال بصفاتها، كانت أيضاً بمنزلتها، لكنّها تستند إلى مبادئَ كلُّ واحد منها نوعه في شخصه، فيستند إلى أُمور شخصية.

وقد قلنا: إنّ مثل هذا الاسناد قد يحصل (3) للشخصيّات رسماً ووصفاً مقصوراً عليها»(4).


1 . سبأ: 3 .

2 . إلهيّات الشفاء: 2 / 359 / الفصل السادس من المقالة الثّامنة.

3 . في المصدر: «قد يجعل».

4 . إلهيّات الشفاء: 2 / 359 ـ 360 / الفصل السادس من المقالة الثّامنة.


صفحه 265

ثم أورد لذلك مثالاً فقال: «كما أنّك إذا تعلم حركات السماويّات كلّها; فأنت تعلم كلّ كسوف وكلّ اتّصال وكلّ انفصال جزئيّ يكون بعينه، ولكنّه على نحو كلّيّ; لأنّك تعقل (1) في كسوف مّا أنّه كسوف يكون بعد زمان حركة يكون لكذا من كذا شماليّاً نصفيّاً ينفصل القمر منه إلى مقابلة كذا، ويكون بينه وبين كسوف مثله سابق له أو متأخّر مدّةُ كذا، وكذلك بين حال الكسوفين الآخرين حتّى لا تتصور(2) عارضاً من عوارض تلك الكسوفات إلاّ علمته، ولكنّك علمته كلّيّاً; لأنّ هذا المعنى يجوز أن يحمل على كسوفات كثيرة كلُّ واحد منها يكون حاله تلك الحال، لكنّك تعلم بحجّة مّا أنّ ذلك الكسوف لا يكون إلاّ واحداً بعينه.

وهذا لا يدفع الكلّيّة إن تذكّرت ما قلناه قبلُ، ولكنّك مع هذا كلّه لم يَجُز أن تحكم في هذا الآن بوجود هذا الكسوف أو لا وجوده، إلاّ أن تعرف جزئيّات الحركات بالمشاهدة الحسّيّة.

ثمّ قال: فإن منع مانع أن يسمّى هذا معرفةً للجزئيّ من جهة كلّيّة، فلا مناقشة معه ; فإنّ غرضنا الآن في غير ذلك، وهو في تعريفنا أنّ الأُمور الجزئيّة كيف تُعلم ويدرَك علماً وإدراكاً يتغيّر معهما العالمُ، وكيف تعلم وتدرك علماً وإدراكاً لا يتغيّر معهما العالمُ، فإنّك إذا علمت أمر الكسوفات كما توجد أنت، أو لو كنت موجوداً دائماً، كان لك علم لا بالكسوف المطلق، بل بكلّ كسوف كائن. ثمّ كان وجود ذلك الكسوف وعدمه لا يغيّر منك أمراً;


1 . في د وفي المصدر: «تقول».

2 . في د وفي المصدر: «لا تقدّر».


صفحه 266

فإنّ علمك في الحالين يكون واحداً، وهو أن يكون كسوفاً له وجود وصفات كذا بعد كذا(1) وبعد(2) وجود الشمس في الحمل كذا، في مدّة كذا، ويكون بعد كذا، وبعده كذا، ويكون هذا العقد منك صادقاً قبل ذلك الكسوف ومعه وبعده، فأمّا إن أدخلت الزمان في ذلك فعلمت في آن مفروض أنّ هذا الكسوف ليس بموجود، ثمّ علمت في آن آخَرَ أنَّه موجود، لم يبق علمك ذلك عند وجوده، بل كان يحدث علم آخَرُ، ويكون فيك التغيّر الّذي أشرنا إليه، ولم يصحّ أن تكون في وقت الانجلاء على ما كنت قبل الانجلاء وانت زمانيّ وآنيّ، والأوّل الّذي لا يدخل في زمان وحكمه، فهو بعيد أن يحكم حكماً في هذا الزمان، وذلك الزمان من حيث هو فيه ومن حيث هو حكم منه جديداً ومعرفة جديدة».(3)

وقال في " الإشارات ": «الأشياء الجزئيّة قد تُعقَل كما يُعقل الكلّيّات، من حيث تجب بأسبابها منسوبةً إلى مبدأ نوعُه في شخصه يتخصّص به، كالكسوف الجزئيّ، فإنّه قد يُعقل وقوعُه بسبب تَوافي أسبابه الجزئيّة وإحاطته(4) بها، وتعقّلها، كما تَعقل الكلّيّات.

وذلك غير الإدراك الجزئيّ الزمانيّ لها، الّذي تحكم أنّه وقع الآن أو قبله، أو يقع بعده، بل مثل أن يُعقل أنّ كسوفاً جزئيّاً يعرض عند حصول


1 . في د وفي المصدر: «بعد كسوف كذا».

2 . في المصدر: «أو بعد».

3 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 360 ـ 362 / الفصل السادس من المقالة الثّامنة.

4 . أي إحاطة العقل.


صفحه 267

القمر ـ وهو جزئيّ مّا ـ وقت كذا ـ وهو جزئيٌّ مّا ـ في مقابله .

ثمّ ربّما وقع ذلك الكسوف، ولم يكن عند العاقل إحاطة بأنّه وقع أو لم يقع، وإن كان معقولاً له على النحو الأوّل، إلاّ أنّ هذا (1) إدراك آخَرُ جزئيّ يحدث مع حدوث المدرَك ويزول مع زواله، وذلك الأوّل يكون ثابتاً الدهر كلّه، وإن كان علماً بجزئيّ، فإنّ (2) العاقل، لأنّ بين القمر في موضع كذا وبين كونه في موضع كذا، يكون كسوف معيّن في وقت من زمان أوّل الحالَين محدود عَقلُه، وذلك أمرٌ ثابت قبل كون الكسوف ومعه وبعده»(3).

ثمّ قسّم الصفات للأشياء ومحصّل القسمة أنّ من الصّفة ما يتغيّر بتغيّرها الموصوف، ومنها ما لا يتغيّر بتغيّرها الموصوف، فالثّاني لا يكون متقرّراً في ذات الموصوف مثل كونك يميناً وشمالاً، والأوّل يكون متقرّراً في ذات الموصوف. وهذه: إمّا أن لا يلزمها إضافة إلى غير الموصوف وهي الصفة الحقيقيّة المحضة مثل السّواد والبياض. وإمّا أن يلزمها إضافة إلى غيره.

وهذه على قسمين: ما لا يتغيّر بتغيّر المضاف إليه ، وما يتغيّر بتغيّره.

فالأوّل كالقدرة ; فإنّها هيئةٌ للذات، بسببها يصحّ أن يصدر عن تلك الذات فعل، فهي تقتضي كون القادر مضافاً إلى مقدور عليه ولا يتغيّر بتغيّر المضاف إليه ; فإنّ القادر على تحريك زيد لا يصير غيرَ قادر في ذاته عند


1 . في د وفي المصدر: «لأنّ هذا».

2 . في المصدر: «وهو أنّ العاقل».

3 . الإشارات والتنبيهات: 329 ـ 330 .


صفحه 268

إنعدام زيد، لكن تتغيّر إضافته تلك ; فإنّه حينئذ لا يكون قادراً على تحريك زيد وإن كان قادراً في ذاته.

والسبب في ذلك أنّ القدرة تستلزم الإضافة إلى أمر كلّيٍّ لزوماً أوّليّاً ذاتيّاً، وإلى الجزئيّات الّتي تقع تحت ذلك الكلّي لزوماً ثابتاً غير ذاتيّ، بل لسبب ذلك الكلّيّ والأمرُ الكلّيّ الّذي تتعلّق الصفة به لا يمكن أن يتغيّر فلأجل ذلك لا يتطرّق التغيّر إلى الصفة.

وأمّا الجزئيّات، فقد تتغيّر ويتغيّر بتغيّرها معنى الإضافات(1) الجزئيّة العرضيّة المتعلّقة بها.

والثّاني كالعلم ; فإنّه صورة متقرّرة في العالم مقتضية لإضافته إلى معلومه، ويتغيّر بتغيّر المعلوم; فإنّ العالم بكون زيد في الدار يتغيّر علمه بخروجه عن الدار; وذلك لأنّ العلم يستلزم الإضافة إلى معلومه المعيّن، ولا يتعلّق بغير ذلك المعلوم بعين التعلّق الأوّل; بخلاف القدرة; فإنّ القدرة تتعلّق بالمقدور الكلّي أوّلاً، وبسببه بالمقدور الجزئيّ الّذي وقع تحت ذلك الكلّيّ ثانياً. أمّا العلم، فإنّه إذا تعلّق بالكلّيّ، فلا يتعلّق بالجزئيّ الّذي يقع بحسب ذلك الكلّيّ ألبتّة، إلاّ إذا استؤنف العلم وتجدّد وتعلّق بذلك الجزئيّ تعلّقاً آخَرَ، مثلاً العلم بأنّ الحيوان جسم لا يقتضي بانفراده العلمَ بكون الإنسان جسماً ما لم يقترن إلى ذلك علمٌ آخَرُ هو العلم بكون الإنسان حيواناً. فإذن العلم بكون الإنسان جسماً علم مستأنف له إضافة مستأنفة


1 . في د: «فقد تتغيّر ولتغيّرها يتغيّر الإضافات».


صفحه 269

وهيئة جديدة للنفس، لها إضافة جديدة غيرُ العلم بكون الحيوان جسماً علم مستأنف وغير هيئة تحقّق ذلك العلم.

ويلزم من ذلك أن يختلف حال الموصوف بالصفة الّتي تكون من هذا القسم باختلاف حال الإضافات المتعلّقة بها، لا بالإضافات، بل في نفس تلك الصفة.(1)

ثمّ بعد تمهيد ذلك قال ما ملخّصه: «إن كلّ ما لا يكون موضوعاً للتغيّر، لا يجوز أن يتبدّل صفاته بتبدّل صفاته المقرّرة المحضة، ولا صفاته المتقرّرة المتعلّقة بالإضافة، الّتي تتغيّر بتغيّر الإضافة; ويجوز أن تتبدّل إضافاته اللاّزمة لصفاته المتقرّرة الّتي لا تتغيّر بتغيّر تلك الإضافات، ولا محالة يكون ذلك في إضافات بعيدة لازمة لزوماً ثابتاً ولا يمكن أن يكون في إضافات قريبة لازمة لزوماً أوّليّاً; فإنّ التغيّر فيها يقتضي التغيّر في نفس تلك الصفات. وكذا يجوز أن يتبدّل إضافات المحضة وهو ظاهر.

في أنّ علمه تعالى بالجزئيّات لا يكون علماً زمانيّاً

ثمّ قال: فالواجب الوجود يجب أن لا يكون علمه بالجزئيّات علماً زمانياً، حتّى يدخل فيه الآن والماضي والمستقبل، فيعرضَ لصفة ذاته أن تتغيّر، بل يجب أن يكون علمه بالجزئيّات على الوجه المقدّس العالي على الزمان والدهر».(2)


1 . لاحظ : الإشارات والتنبيهات: 330 ـ 332 .

2 . الإشارات والتنبيهات: 332 ـ 333 .


صفحه 270

وقال في " التعليقات ": «العالِم إنّما يصير مضافاً إلى الشيء المعلوم بهيئة تحصل في ذاته، وليس الحال في العالميّة كالحال في التيامن والتياسر الّذي إذا تغيّر الأمر الّذي كان متيامناً ومتياسراً، لم يتغيّر هيئة فيمن كانت له هذه الإضافةُ إلاّ نفس هذه الإضافة ـ أعني: التيامن ـ فإنّ الإضافة قد تكون بهيئة في المضاف والمضاف إليه، كالعاشق والمعشوق، والعالم والمعلوم، وقد لا تكون بهيئة كالحال في التيامن ; فإنّ العلم يبطل ببطلان هيئة كانت الإضافة بينه وبين المعلوم نسبتها (1) والتيامنُ لا تبطل منه هيئة، ثمّ يبطل ببطلانهما التيامن، والإضافة بالحقيقة عارضة لتلك الهيئة في العالِم والعاشق، لا أنّ تلك الهيئة هي نفس الإضافة »(2).

ثمّ قال: «فالعلم ليس هو وجود المعلوم في ذاته; إذ ليس وجود الشيء في ذاته سبباً لحصول العلم، وإلاّ لم يكن علم بالمعدوم، بل العلم وجودُ هيئة في ذات العالِم، فالشيء إذا كان معلوماً ثمّ يصير لا معلوماً فلحالة تتغيّر في العالم لا لنفس الإضافة مطلقةً.

فواجب الوجود لو كان علمه زمانيّاً ـ أعني: زماناً مشاراً إليه حتّى يعلم أنّ الشيء الفلاني في هذا الوقت غير موجود وغداً يكون موجوداً ـ كان علمه متغيّراً; فإنّه كما أنّ هذا الشيء غير موجود الآن ويصير موجوداً غداً، كذلك العالِم(3) به إمّا أن يعلمه كذلك فيكون متغيّراً، وإمّا أن يكون علمه


1 . في المصدر: «بسببها».

2 . التعليقات: 7 .

3 . في المصدر: «العلم».


صفحه 271

غداً كعلمه في هذا اليوم فلا يكون علماً ; فإنّه يكون محالاً، أو لا يكون علمه غداً كعلمه في هذا اليوم، بل قد تغير.

وأمّا أنّه كيف يكون علمه فهو أن يكون بسبب أعني: أن يكون يعرف الموجودات كلَّها على وجه كلّيّ، وإذا كانت الأشياء كلّها واجبة عنده إلى أقصى الوجود، فإنّه يعرفها كلَّها; إذ كلُّها من لوازمه ولوازم لوازمه.

وإذا علم أنّه كلّها كان كذا ـ أعني: جزئيّاً ـ وكلّما كان كذا كان كذا ـ أعني: جزئيّاً آخر ـ وتكون هذه الجزئيّات مطابقة لهذا الحكم يكون قد عرف الجزئيّات على الوجه الكلّي الّذي لا يتغيّر، الّذي يمكن أن يتناول أي جزئي كان لا هذا المشار إليه »(1).

ثمّ قال: «ومثال هذا أنّ منجّماً يعلم أنّ الكوكب الفلانيّ كان أوّلاً في الدرجة الفلانيّة فصار إلى الدرجة الفلانيّة، ثمّ بعد كذا ساعة قارن الكوكب الفلانيَّ، ثمّ دخل بعد كذا ساعة في ذلك الكسوف، ثمّ بقي بعد كذا ساعة في ذلك الكسوف، ثمّ فارق الشمس وانجلى. وقد يكون قد عرف كلّ ذلك بأسبابه ولا يكون قد عرف أنّ هذا الكوكب(2) في هذه الساعة في الدرجة الفلانيّة حتّى تكون الساعات الّتي بعدها مستندة إلى هذه المشار إليها (3) ويتغيّر علمه بحسب تغيّر الأحوال وتجدّدها.

فإذا عرف على الوجه الّذي ذكرناه ـ أعني: بالسبب ـ كان حكمه في


1 . التعليقات: 8 .

2 . في المصدر: «هذا التركيب».

3 . في المصدر: «هذه الساعة المشار إليها».


صفحه 272

اليوم وغداً وأمس حكماً واحداً، والعلم لا يتغيّر ; فإنّه صحيح دائماً في هذا الوقت وفيما قبله وفيما بعده، أنّ الكوكب الفلانيَّ كذا ساعة يقارن الكوكب الفلانيَّ .

فامّا إن قال: إنّ الكوكب الفلانيّ في هذا الوقت الفلاني المشار إليه المستفاد علمه من خارج مقارن لكوكب الفلاني وغداً مقارن لكوكب آخَرَ; فإنّه إذا جاء الغد بطل الحكم الوقتيّ والعلم الوقتيّ.

فإذن (1) الفرق بين العلمين ظاهر. فواجب الوجود علمه على الوجه الكلّي علم (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة )(2)، وهذا الكسوف الشخصي وإن كان معقولاً على الوجه الكلّي، إذ قد علم بأسبابه والمعقول منه بحيث يجوز حمله على كسوفات كثيرة كلّ واحد منها حاله حال هذا الكسوف، فإنّ الأوّل تعالى يعلم أنّه شخص في الوجود وعلمه محيط بوحدانيّته; فإنّه إن لم يعرف وحدانيّته لم يعرفه حق المعرفة. وكذلك نظام الموجودات عنه وإن عرفه على وجه كلّي بحيث تكون معقوله يجوز حمله على كثيرين ; فإنّه يعلم أنّه واحد، وكذلك يعلم أنّ العقل الفعّال واحد، وإن كان عقله على وجه كلّيّ. وعلمه بأنّ هذا الكسوف شخصيّ لا يرفع (3) المعقول الكلّي .

والعلم ما يكون بأسباب، والمعرفة ما تكون بمشاهدة. والعلم لا يتغيّر ألبتّة وإن كان جزئيّاً. فإنّ علمنا بأنّ الكسوف غداً يكون مركّباً من علم


1 . في المصدر: «فإن».

2 . سبأ: 3.

3 . في المصدر: «لا يدفع».


صفحه 273

ومشاهدة، ولو كان غداً لم يكن مشاراً إليه، بل كان معلوماً بأسبابه لم يكن إلاّ علماً كلّياً، ولم يكن يجوز أن يتغيّر ولم يكن زمانيّاً; فإنّ كلّ علم لا تعرف بالإشارة وبالاستناد إلى شيء مشار إليه كان بسبب، والعلم بالمسبب (1) لا يتغيّر ما دام السبب موجوداً. لكن العلم الّذي يتغيّر هو أن يكون مستفاد من وجود الشيء ومشاهدته. فواجب الوجود تعالى منّزه عن ذلك، إذ لا يعرف الشيء من وجوده فيكون علمه زمانيّاً ومستحيلاً ومتغيّراً، ولو كنّا نعرف حقيقة الواجب الوجود وما توجبه ذاته من صدور اللّوازم كلّها عنه لازماً بعد لازم إلى أقصى الوجود، لكنّا نحن أيضاً نعلم الأشياء بأسبابها ولوازمها وكان علمنا أيضاً لا يتغيّر. وإذا كان هو يعقل ذاته وما توجبه ذاته فيجب أن يكون علمه كلّيّاً بأسباب الشيء ولوازمه، فلا يتغيّر. انتهى»(2).

واعلم: أنّه كما أنّ من هذا الطريق يتصحّح العلم بالجزئيّات المتغيّرة، كذلك يتصحّح العلم بالجزئيّات المتشكّلة أيضاً; فإنّ إدراك المتشكّلات ـ إذا لم يكن من سبيل الجزئية المستندة إلى الإشارة والإحساس، بل من سبيل التخصيص بصفات مستندة إلى مبدأ نوعُه في شخصه ـ لا يستدعي الانطباعَ في آلة جسمانيّة .

واعلم أيضاً : أنّه لا يخرج من هذا الطريق عن إحاطة علمه تعالى شيءٌ جزئيّ أصلاً، بل نفي علمه تعالى عن الجزئيّات على وجه الجزئيّة عبارة عن نفي الإحساس بها عنه تعالى كما هو الظاهر، بل الصريح من كلام الشيخ، ولا


1 . في المصدر: «العلم بالسبب».

2 . التَّعليقات: 9 ـ 10 .


صفحه 274

يلزم من نفيّ الإحساس بالشيء نفي العلم به.

فلا وجه لما أورده المصنّف في "شرح الإشارات" على الشيخ من «أنّ هذه السياقة تُشبه سياقة الفقهاء في تخصيص بعض الأحكام بأحكام(1) تعارضها في الظاهر. وذلك لأنّ الحكم بأنّ العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول إن لم يكن كلّيّاً، لم يمكن أن يحكم بإحاطة الواجب بالكلّ، وإن كان كلّيّاً وكان الجزئيّ المتغيّر من جملة معلولاته، أوجب ذلك الحكم أن يكون عالماً به لا محالة. فالقول بأنّه لا يجوز أن يكون عالماً به ; لامتناع كون الواجب موضوعاً للتغيّر تخصيص لذلك الحكم الكلّيّ بحكم آخَرَ عارضه في بعض الصور. وهذا دأب الفقهاء ومن يجري مجراهم. ولا يجوز أن تقع أمثال ذلك في المباحث المعقولة ; لامتناع تعارض الأحكام فيها .

فالصواب أن يؤخذ بيان هذا المطلوب من مأخذ آخر وهو أن يقال: العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول، ولا يوجب الإحساس به. وإدراك الجزئيّات المتغيّرة من حيث هي متغيّرة لا يمكن إلاّ بالآلات الجسمانيّة كالحواسّ وما يجري مجراها. والمدرك بذلك الإدراك يكون موضوعاً للتغيّر لا محالة. أمّا إدراكها على الوجه الكلّي، فلا يمكن إلاّ بالعقل. والمدرك بهذا الإدراك يمكن أن لا يكون موضوعاً للتغيّر. فإذن الواجب


1 . قال صاحب المحاكمات: هذا سؤالٌ واردٌ على ما فهمه، لا على ما حققناه. فإنّ العلم بالجزئي المتغيّر إنّما يكون متغيّراً لو كان زمانيّاً. وأمّا على الوجه المقدّس عن الزّمان فلا، كما صرّح به الشيخ هاهنا. وأمّا إنّ إدراك الجزئيّات المتغيّرة من حيث هي متغيّرة لا يمكن إلاّ بالآلات الجسمانيّة، فممنوع. إنّما هو بالقياس إلينا لا بالنسبة إلى الواجب عزّ إسمه. لاحظ : المحاكمات بين شرحي الإشارات: 401 ـ 402 .


صفحه 275

الأوّل وكلّ ما لا يكون موضوعاً للتغيّر، بل كلّ ما هو عاقل ممتنع أن يدركها من جهة ما هو عاقل على الوجه الأوّل، ويجب أن يدركها على الوجه الثاني»(1). انتهى كلام "شرح الإشارات".


1 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 316 .


صفحه 276

 

الفرع السّادس

في أنّه هل يجوز التغيّر في علمه تعالى بالجزئيّات

بتغيّر الإضافات أم لا؟

قال: وتغيّر الإضافات ممكن.

أقول: وأنت بما نبّهنا عليه خبير بما فيه. هذا تصحيح العلم بالجزئيّات المتغيّرة على القول بارتسام الصور في ذاته تعالى بالمعنى الّذي حقّقناه.

وأمّا تصحيحه على القول بالعلم الحضوريّ، فواضح ; فإنّه لمّا لم يكن العلم الحضوريّ مستدعياً لارتسام الصور في ذاته تعالى، لم يكن تغيّر المعلوم موجباً لتغيّرِ ما هو صفة حقيقيّة له تعالى، بل لتغيّر إضافة بينه وبين معلومه وهو جائز اتّفاقاً .

وإلى هذا أشار المصنّف (قدس سره)بقوله: (وتغير الإضافات ممكن).

وقال في "شرح رسالة العلم ": «وأمّا علم الباري تعالى بالجزئيّات، ففيه خلاف بين المتكلّمين والفلاسفة، وذلك أنّ المتكلمين قالوا: إنّ الباري تعالى يعلم الحادث اليوميَّ على الوجه الّذي يعلم أحدنا أنّه موجود في هذا الوقت ولم يكن موجوداً قبله، ويمكن أن يوجد بعده أو لا يمكن. ثمّ إذا انتبهوا بوجوب تغيّر العلم بالمتغيّرات حسب تغيّرها، التزم بعضهم جوازَ التغيّر في صفات الله تعالى، أو في بعضها.


صفحه 277

فقال القائلون بالإضافات فقط: إنّ تغيّر الإضافات في الله تعالى جائز عند جميع العقلاء، كالخالقيّة والرازقيّة والإضافة إلى كل شخص.

وقال غيرهم: يجوز أن يكون ذاته محلاًّ للحوادث، كما جوّز طائفة من الحكماء كونه محلاًّ للحوادث قابلاً للصور المعلومات غير المتغيّرة ولم يجوّز (1) التغيّر في صفاته، عانَدَ في هذا الوضع، وأنكر التغيّر أصلاً وقال: «العلم بما سيوجَد هو العلم بوجوده عين وجوده» إلى أمثال ذلك من التمسّكات الواهية .

أمّا الحكماء، فالظاهريّون من المنتسبين إليهم قالوا: «إنّه تعالى عالم بالجزئيّات على الوجه الكلّي لا على الوجه الجزئيّ ».

فقيل لهم: لا يمكن أن يُنكر وجود الجزئيّات على وجه الجزئيّة المتغيّرة، وكلّ موجود فهو في سلسلة الحاجة إلى الباري تعالى الّذي هو مبدأه وعلّته الأُولى، وعندكم أنّ العلم التامّ بالعلّة التامّة يستلزم العلم التامّ بمعلولها، وأنّ علم الباري تعالى بذاته أتمُّ العلوم (2)، فأنتم بين أن تعرفوا بعلمه تعالى بالجزئيّات على وجه (3) الجزئيّة المتغيّرة، وبين أن تقرّوا بأنثلام إحدى المقدّمات المذكورة; إذ من الممتنع أن يُستثنى من الأحكام الكلّيّة العقليّة بعضُ جهاتها (4) الداخلة فيها، كما يستثنى في الأحكام النقليّة


1 . في المصدر: «وَمن لم يجّوز».

2 . في المصدر: «المعلوم».

3 . في المصدر: «على الوجوه».

4 . في د وفي المصدر: «بعض جزئيّاتها».


صفحه 278

بعضها ; لتعارضها الأدلّة السمعيّة، فهذه هي المذهب المشهورة.

وأمّا التحقيق في هذا الموضع فيحتاج ـ كما تقدّم ـ إلى لطف قريحة.

ثمّ قال بعد تمهيد مقدّمة محصَّلها: إنّ الكثرة العدديّة: إمّا أن تكون آحادها غيرَ قارّة، أو تكون قارّة.(1)

والأوّل: لا يمكن أن يوجد إلاّ مع زمان، أو في زمان; لأنّ العلّة الأُولى للتغيّر على هذا الوجه في الوجود هو الوجود غير القارّ لذاته الّذي يتصَرّم ويتحدّد على الاتّصال وهو الزمان.(2)

والثاني: لا يمكن أن يوجد إلاّ في مكان، أو مع مكان; لأنّ العلّة الأُولى للكثرة على هذا الوجه إنّما هو الموجود الّذي يقبل الوضع لذاته(3) ويلزمه التجزّؤ بأجزاء مختلفة الأوضاع(4)، وكلّ موجود يكون شأنه ذلك فهو رمادّي.

فالطبائع إذا تحصّلت في أشخاص كثيرة تكون الأسباب الأُولى لتعيين أشخاصها: إمّا الزمان كما للحركات، أو المكان كما في الأجسام، أو كلاهما كما في الأشخاص المتغيّرة المتكثّرة الواقعة تحت نوع من الأنواع. وما لا يكون زمانيّاً ولا مكانيّاً فلا يتعلّق بهما، ويتنفّر العقل من استناده إليهما.


1 . في المصدر: «غير قارّة أي لا توجد معاً، أو تكون قارّةً أي توجد معاً».

2 . في المصدر: «وهو الزمان ويتغيّر بحسبه ما هو فيه أو معه تغيّراً على الوجه المذكور».

3 . أي يمكن أن يشار إليه إشارة حسيّة.

4 . في المصدر: «الأوضاع بالمعنى المذكور وبالمعنى الّذي يكون لبعض الأجزاء إلى بعض نسبة بأن يكون في جهة من الجهات منه وعلى بعد من الأبعاد غير تلك الجهة والبعد».


صفحه 279

كما إذا قيل: الإنسان من حيث طبيعته الإنسانيّة متى يوجد؟ أو أين يوجد؟ أو كون الخمسة نصف العشرة في أيّ زمان يكون؟ أو في أيّ بلدة يكون؟ بل إذا تعيّن شخص منها ـ كهذا الإنسان أو هذه الخمسة والعشرة فقد يتعلّق بهما بسبب تشخّصها ـ بهذه العبارة (1): فيعود إلى المقصود. ونقول: إذا كان المدرِك متعلّقاً بزمان أو مكان، فإنّما تكون هذه الإدراكات منه بآلة جسمانيّة لا غير، كالحواسّ الظاهرة والباطنة أو غيرها; فإنّه يدرك المتغيّرات الحاضرةَ في زمانه، غير ذلك الزمان (2) ويحكم بوجودها، ويفوته ما يكون وجوده في زمان غير ذلك الزمان، ويحكم بعدمه. بل نقول: إنّه كان، أو سيكون، وليس الآن، ويدرك المتكثّرات الّتي يمكن له أن يشير إليها، ويحكمَ عليها بأنّها في أيّ جهة منه، وعلى أيّ مسافة إن بُعدت عنه.

وأمّا المدرك الّذي لا يكون كذلك، ويكون إدراكه تامّاً، فإنّه يكون محيطاً بالكلّ، عالماً بأنّ أيّ حادث يوجد في أيّ زمان من الأزمنة، وكم يكون من المدّة بينه وبين الحادث الّذي يتقدّمه أو يتأخّر منه، ولا يحكم بالعدم على شيء من ذلك، بل بدل على ما يحكم المدرك الأوّل بأنّ الماضيَ ليس موجوداً في الحال يحكم هو بأنّ كلّ موجود في زمان معيّن لايكون موجوداً في غير ذلك الزمان من الأزمنة الّتي يكون قبله أو بعده،


1 . أي ثمّ قال بعد تمهيد مقدمة ـ وهي: كون الأشخاص المتقنة الحقيقيّة زمانياً أو مكانياً لايقتضي كون المختلفة الحقائق غير زمانيّ وغير مكانيّ، فإنّ كثيراً منها بوجه أيضاً متعلّق بالزمان والمكان، كالأجرام العلويّة بأسرها وكلّيّات العناصر السفلية ـ بهذه العبارة .

2 . في د وفي المصدر: جملة: «غير ذلك الزمان» ساقطة.


صفحه 280

ويكون عالماً بأنّ كلّ شخص في أيّ جزء يوجد من المكان، وأيّ نسبة تكون بينه وبين ما عداه ممّا يقع في جميع جهاته، وكم الأبعاد بينهما جميعاً على الوجه المطابق للوجود، ولا يحكم على شيء بأنّه موجود الآن أو معدوم، أو موجود هناك أو معدوم، أو حاضر أو غائب; لأنّه ليس بزمانيّ ولا مكانيّ، بل نسبة جميع الأزمنة والأمكنة إليه نسبة واحدة .

وإنّما يختصّ بالآن، أو بهذا المكان، أو ذاك المكان، أو بالحضور والغيبة، أو بأنّ هذا الجسم قُدّاميّ أو خلفيّ أو تحتيّ أو فوقيّ مَن يقع وجوده في زمان معيّن. ومكان معيّن .

وعلمه تعالى بجميع الموجودات أتمُّ العلوم وأكملها. وهذا هو المَعْنِيّ (1) بالعلم بالجزئيّات على الوجه الكلّيّ، فإليه أُشير بِطَيّ السموات الّتي هي جامع الأمكنة والأزمنة كلّها (كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ )(2).

فإنّ القارئ للسجلّ يتعلّق نظره بحرف حرف على الولاء، ويغيب عنه ما تقدّم نظره إليه أو تأخّر عنه.

أمّا الّذي بيده السجلّ مطويّاً يكون نسبته إلى جميع الحروف نسبةً واحدةً ولا يفوته شيء منها.

وظاهرٌ أنّ هذا النوع من الإدراك لا يمكن إلاّ لمن يكون غيرَ زمانيّ وغير مكانيّ. ويدرك لا بآلة من الآلات ولا بتوسّط شيء ولا بصورة من


1 . في المصدر: «المفسد».

2 . الأنبياء: 104 .


صفحه 281

الصور (1)، ولا يمكن أن يكون شيء من الأشياء ـ كلّياً أو جزئيّاً، على أيّ وجه كان ـ إلاّ وهو عالم به، (وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَ لاَ حَبَّة فِى ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَ لاَ رَطْب وَ لاَ يَابِس إِلاَّ ـ وجميعها ثبت عنده ـ فِي كِتَاب مُبِين )(2). الّذي هو دفتر الوجود من كلّ شيء ممّا مضى أو حضر أو يستقبل أو يوصف بهذه الصفات على أيّ وجه كان. (3)

أمّا العلم بالجزئيّات على الوجه الجزئيّ المذكور، فهو إنّما يصحّ لمن يدرك إدراكاً حسّيّاً بآلة جسمانيّة في وقت معيّن ومكان معيّن.

وكما ترى أنّ الباري تعالى يقال: إنّه عالم بالمذوّقات والمشمومات والملموسات، ولا يقال: إنّه ذائق أو شامّ أو لامس; لأنّه منزَّه عن أن يكون له حواسُّ جسمانيّة ولا ينثلم ذلك في تنزيهه، بل يؤكّده، فكذا نفي العلم بالجزئيّات المشخَّصة على الوجه المدرك بالآلات الجسمانيّة عنه لا ينثلم في تنزيهه، بل يؤكّده، ولا يوجب ذلك تغيّراً في ذاته الوحدانيّة ولا في صفاته الذاتيّة الّتي تدركها العقول و إنّما يوجب التغيُّرَ في معلوماته ومعلولاته والإضافات الّتي بينه وبينها فقط، فهذا ما عندي من التحقيق في هذا الموضع»(4). انتهى كلام المصنّف في " شرح رسالة العلم ".

وأقول: على القول بالعلم الحضوريّ لا حاجة إلى ذلك التطويل، ولا


1 . في المصدر: «ولا بتوسّط شيء من الصور».

2 . الأنعام: 59 .

3 . مثبت في جوهر عقلي يعبّر عنه بالكتاب المبين.

4 . شرح مسألة العلم: 38 ـ 41 .


صفحه 282

إلى الفرق بين مَن تعلّق بزمان ومكان، ومَن لم يتعلّق بهما; فإنّ مناطه ليس إلاّ تحقيق الإضافة الحضوريّة. ألا ترى أنّ صاحب الإشراق يرى الإبصار بالإضافة الإشراقيّة للنفس إلى المبصرات، ويرى علمها بالبدن والقوى بالإضافة التسلّطيّة إليهما مع تعلّقهما بالزمان والمكان.(1)

وهذه الإضافة الحضوريّة متحقّقة ـ على قولهم ـ بين الباري تعالى، وبين جميع معلولاته في أوقات وجوداتها.

ولا حاجة أيضاً إلى كون نسبته تعالى إلى جميع الأزمنة واحدةً في ذلك مع أنّ ذلك ليس من مذهبه، وإلاّ فأيّ حاجة إلى الفرق بين المعلومات القريبة والبعيدة بكون علمه تعالى بالأُولى بحضور ذواتها العينيّة، وبالثّانية بحصول صورها في الأُولى على ماعرفت من مذهبه؟ وحينئذ فلا حاجة أيضاً إلى نفي حكمه تعالى بعدم شيء ممّا مضى أو يستقبل في الحال، ولا فرق بينه وبين المدرِك الأوّل في ذلك.

نعم، أمثال ذلك إنّما يلائم مذهبَ مَن زعم أنّه ليس بالنسبة إليه تعالى ماض ولا حالٌ ولا مستقبل، بل نسبة جميع الأزمنة إليه تعالى واحدة كنسبة جميع الأمكنة، وأنّه لا يتغيّر بالنسبة إليه تعالى شيء من الأشياء، بل التغيّر إنّما هو في ما بينها، وبقياس بعضها إلى بعض كما مرّ في المباحث السابقة.

وقد قلنا هناك: إنّ هذا المذهب متوهّم من هذا الكلام من المصنّف. كيف؟ ولو كان مراد المصنّف ذلك، لمَا صحّ منه ما ذكرناه، ولمَا صحّ أن


1 . لاحظ : المطارحات: 484 ـ 487 ; وحكمة الإشراق: 97 ـ 103 .


صفحه 283

يحكم أنّ ذلك إنّما يوجب التغيّر في معلوماته ومعلولاته والإضافات الّتي بينه وبينها ; فإنّه إذا لم يكن واقعاً بالنسبة إليه تعالى، لم يوجب تغير إضافته إليها أيضاً .

وبالجملة: هذا الكلام من المصنّف ليس على ما ينبغي، بل هو مناسب لمذهب القائلين بالعلم الحصوليّ، ومأخوذ من كلام الشيخ وغيره من الحكماء في بيان كيفيّة علمه تعالى بالجزئيّات، وانّه لا يدخل في علمه تعالى ماض ولا حالٌ ولا مستقبلٌ، لأنّ علمه تعالى ليس مستفاداً من الأشياء ليمكن أن يدخل فيه شيء من ذلك حسب تعلّق الأشياء بالأزمنة الثّلاثة، بل علمه تعالى بالأشياء إنّما هو من ذاته المنزّهة عن الوقوع في شيء من الأزمنة، وسابقٌ بالذّات على الأشياء، فلا مجال لدخول شيء من الأزمنة فيه.


صفحه 284

 

الفرع السَّابع

في كلام الشارح المحقّق على علمه تعالى بالأشياء

تلخيص وختم: فظهر وثبت من تضاعيف ما ذكرنا في هذا المقام لمن تأمّل حقَّ التأمّل أنّ الحقَّ الحقيق بالتحقيق، والقول الحريَّ بالتصديق إنّما هو أن علمه تعالى بجميع الموجودات ـ الكلّيّة والجزئيّة والحادثة والقديمة ـ إنّما هو من ذاته تعالى في ذاته بحيث يطابق الوجود، وينطبق عليه النظام الموجود، وهذا العلم هو سبب فَيَضان هذا النظام المعقول في الأشياء الموجودة من الأزل إلى الأبد في الطول والعرض، فلا تعزب عن هذا العلم مثقال ذرّة في السماء ولا في الأرض، سَواءٌ سمّي هذا العلم حصوليّاً أو اتّحادياً أو إجماليّاً أو تفصيليّاً بعدما كان المراد من الحصول غيرَ الحصول من الأشياء في ذاته تعالى، ومن الاتّحاد غير الاتّحاد المعروف بين الاثنين الظاهر الاستحالةِ، ومن الإجمال غيرَ الّذي فهمه المتأخّرون، بل ما ذكرناه في تفسير كلام الشيخ المنقول من "كتاب النفس " ومن التفصيل غير التفصيل الّذي يلزمه هذه الكثرة العارضة للموجودات على ما عرفت في كلام ابن رشد ولا يوجب تغيّرُ المعلوم التغيّر في هذا العلم ; لكون العلم بالتغيّر غيرَ مستفاد من الأشياء المتغيّرة ليلزم من تغيّرها تغيّره كما في علمنا بالجزئيّات المتغيّرة من طريق الحواسّ، ومن سبيل الإشارة الحسّيّة


صفحه 285

على ما مرّ، ولهذا ـ أعني: لكون هذا العلم غيرَ مستفاد من الأشياء ـ لا يصحّ كون هذا العلم حضوريّاً لو فرض كون حضور الأمر المباين كافياً في العلم، ولوجوب كون هذا العلم سبباً لنظام جميع الموجودات لا يجوز أن يكون بالصور القائمة بذواتها أو بذات المعلول الأوّل، وإلاّ لكانت هذه الصور من جملة تلك الموجودات فيكون نظامها لا عن علم، أو عن علم آخَرَ، ويتسلسل، بل هذه الصور هي عين ذاته تعالى من وجه، وغير ذاته تعالى من وجه على ما ذكرنا في «التكميل العرشي»(1) أو عينُ ذاته تعالى حقيقةً وغير ذاته تعالى اعتباراً على ما مرّ في «التدقيق الإلهاميّ»(2).

وممّا يدلّ على أنّ علمه تعالى لا يتفاوت قبل وجود الأشياء وبعدها، وأنّه على حال واحد أزلاً وأبداً، ولا يتغيّر بتغيّر المعلوم قبلاً وبعداً ـ فلو كان علمه بحضور الأشياء أنفسها عنده بوجوداتها العينية لكان علمه تعالى بها عند وجوداتها أشد انكشافاً ممّا كان قبلها على ما اعترفوا به وادّعوا الضرورة فيه سيّما والعلم بها قبل الإيجاد إجمالي محض على زعم من ذهب منهم إليه ـ ما رواه في " الكافي " عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «كانَ اللهُ ولا شَيءَ غيرهُ، ولَمْ يَزَلْ عَالِماً بِما يكُونُ، فعْلمُهُ بِهِ قَبلَ كَوْنِهِ كَعلْمِهِ بِهِ بَعْدَ كَوْنِهِ»(3).

وعن أيّوب بن نوح أنّه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام)يَسْألُهُ عن الله عزّوجلّ:


1 . انظر ص: 254 ـ 259 .

2 . انظر ص: 259 ـ 261 .

3 . الكافي: 1 / 107 / باب صفات الذّات، ح 2.


صفحه 286

أكانَ يَعَلَمُ الأشيَاءَ قبل أَنْ خَلَقَ الأشيَاءَ وَكَوَّنَها، أو لَمْ يَعْلَمْ ذلِكَ حَتّى خَلَقَها وَأَرادَ خَلْقَهَا وَتَكْوِينَهَا، فَعَلِمَ مَا خَلَقَ عِنْدمَا خَلَقَ وَمَا كُوَّنَ عِنْدَمَا كَوَّنَ؟ فَوَقَّعَ بِخَطّهِ (عليه السلام): «لَمْ يَزَلِ اللهُ عَالِماً بِالأشيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الأشيَاءَ كَعِلمِهِ بِالأشياءِ بَعْدَمَا خَلَقَ الأشيَاءَ» (1).

إلى غير ذلك ممّا روي عن أصحاب العصمة والطهارة(عليهم السلام)من ذريّة خير أهل الرسالة والسفارة (صلى الله عليه وآله وسلم).

هذا آخر ما أردنا إيراده في شرح هذا المقام وتحقيق ذلك المرام والله تعالى وليّ الفضل والإنعام.


1 . المصدر السابق: ح 4 .


صفحه 287

 

الفرع الثّامن

في جواب إشكال من نفى علمه تعالى بالمتجدّدات قبل وجودها

قال: ويمكن أجتماع الوجوب والإمكان باعتبارين.

أقول: وأمّا قوله: (ويمكن اجتماع الوجوب والإمكان باعتبارين)، فهو جواب عن إشكال على كونه تعالى عالماً بالأُمور المتجددة قبل وقوعها.

تقريره: أنّها ممكنة لا محالة لحدوثها ويلزم على تقدير تعلّق علمه تعالى بها أن تكون واجبة أيضاً وإلاّ لأمكن أن لا توجد، فينقلب علمه تعالى جهلاً، وهو محال.

وتقرير الجواب: أنّها ممكنة لذواتها وواجبة لتعلّق علمه تعالى بها فيكون اجتماعهما باعتبارين وهو جائز

فإن قيل: فيلزم وجوب صدور أفعال العباد عنه تعالى، وهو ينافي كونها اختياريّةً لهم، كان الجواب ما مرّ في "مسألة العلم من الأعراض"(1) وسيأتي أيضاً من أنّ العلم تابع للمعلوم، فلا يكون موجباً له، ولا يلزم من وجوب الأُمور المتجدّدة ـ لئلاّ ينقلب علمه تعالى جهلاً ـ أن يكون وجوبها من العلم ; لجواز أن يكون ذلك لأسباب أُخَرَ كإرادة العبد في أفعاله على ما هو الحقّ كما سيأتي، فتدبر.


1 . لاحظ: الجزء الرابع من هذا الكتاب: ص 195 / الفرع الثّامن من المسألة الأُولى من المطلب الخامس.


صفحه 288

 

المسألة الثّالثة

في أنّه تعالى حيّ (1)

قال: وكلّ قادر عالم حيٌّ بالضرورة.

أقول: قد عُلم بالظاهر من الدّين ويثبت بالكتاب (2) والسنّة (3) وانعقد إجماع أهل الأديان، (4) بل جميعِ العقلاء (5)على أنّ الباري تعالى حيّ.

وليس المراد من الحياة ما هو من الكيفيّات النفسانيّة وهي صفة تقتضي الحسَّ والحركة، مشروطةٌ باعتدال المزاج على ما مرّ في مباحث


1 . لاحظ لمزيد التحقيق: تعلقية على إلهيّات شرح التجريد للخفري: 155 ـ 157 ; وجامع الأفكار وناقد الأنظار: 2 / 352 ـ 364 ; وكشف الحقائق المحمديّة (= ضمن مصنفات الدشتكي): 2 / 921 ـ 926 ; والأسفار: 6 / 413 ـ 421 ; وعصرة المنجود في علم الكلام: 78 ـ 79 ; ورسالة إثبات الواجب الجديدة (= ضمن سبع رسائل): 157 ـ 159 ; والملخص في أُصول الدين: 82 ـ 90.

2 . قوله تعالى: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاَ نَوْمٌ...) البقرة: 255 ; و (هُوَ الْحَىُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) غافر: 65 ; و (وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الذِي لاَ يَمُوتُ)الفرقان: 58 .

3 . لاحظ : الأمالي للصدوق: 278 / المجلس 47 ; وعيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1 / 119 / باب 11 ; وبحار الأنوار: 4 / 62 / أبواب الصفات / باب 1، ح 1.

4 . لاحظ : جامع الأفكار وناقد الانظار: 2 / 352 ; وشرح المواقف: 8 / 80 .

5 . انظر: مفتاح الباب: 114 ; والمواقف في علم الكلام: 290 ; وشرح تجريد العقائد: 314 ; وكشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 177 .


صفحه 289

« الأعراض»(1)، بل هي صفة تُصحّح الاتّصاف بالعلم والقدرة، والاتّصاف بالعلم والقدرة يدلّ ضرورةً على صحّة الاتّصاف بها، وهذا معنى قوله: وكلّ قادر عالم حيٌّ بالضرورة .

والكلام في كون حياته تعالى صفةً زائدة على ذاته تعالى أو عينَ ذاته، كالكلام في سائر صفاته الثبوتيّة؟ فعند الصفاتيّة(2) صفة زائدة على ذاته.(3) وعند غيرهم عين ذاته، ومرجعها إلى السّلب، أي عدم استحالة كونه تعالى عالماً قادراً، وهي عين كونه تعالى قادراً عالماً على ما قال الشيخ في "إلهيات الشفاء": « إذا قال له: حيّ، لم يَعْنِ إلاّ هذا الوجود العقليّ مأخوذاً مع الإضافة إلى الكلّ المعقول أيضاً بالقصد الثّاني ; والحي هو الدرّاك. انتهى»(4).

وقوله: «هذا الوجود العقلي هنا» أي ذاته المعقولة.

وقوله: «مع الإضافة إلى الكلّ» أي الإضافة الّتي هي مبدئيّة للكلّ.

وقال المصنّف في " شرح رسالة العلم": «المسألة الخامسة عشرة في أنّ


1 . لاحظ: الجزء الرابع من هذا الكتاب: ص 219 و 311 ـ 313 و 330 ـ 332 .

2 . هم جماعة كثرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم، والقدرة والحياة و... ولا يفرّقون بين صفات الذات، وصفات الفعل; بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً. وكذلك يثبتون صفات خبريّة: مثل اليدين، والوجه، ولا يؤولون ذلك، إلاّ أنّهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع، فنسميها صفات خبريّة. لاحظ: الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 73 / الباب الثالث .

3 . وهم أشاعرة وجماعة من المعتزلة. لاحظ: قواعد المرام في علم الكلام: 87 ; وإرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 202 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 170 ; وأبكار الأفكار في أُصول الدين: 1 / 345 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: 64 ; ومعارج الفهم في شرح النظم: 320.

4 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 238 / الفصل السّابع من المقالة الثّامنة.


صفحه 290

كونه تعالى حيّاً، هل يرجع إلى كونه عالماً، أو هو وصف زائد على ذلك؟

المستندُ في إثبات الحياة هو الّذي ذكرناه، وهو أنّ العقلاء قصدوا وصفه تعالى بالطرف الأشرف من طرفي النقيض، ولمّا وصفوه تعالى بالعلم والقدرة، ووجدوا كلّ ما لا حياة له ممتنع الاتّصاف بهما، وصفوه بالحياة، لاسيّما وهو أشرف من الموت الّذي هو ضدّها عندهم.

ونعم، ما قال (1) عالم من أهل بيت النبوة(عليهم السلام): هل سُمِّي عالماً وقادراً بِهِ إلاَّ أَنَّه وَهَب العلِمَ للعُلماء والقُدرة للقَادرينَ؟ وكلّ ما مَيَّزتُمُوهُ في أُوهامِكُم في أَدقِّ مُعانَيه فَهُو مَخلوقٌ مصَنوعٌ مثلُكُم، مردودٌ إليكُم، والباري تعالى واهبٌ الحَياة، ومُقَدّرُ المُوتِ، وَلَعلَّ النَمْل الصِغار تَتوَهَّم أَنّ لله تعالى زُبانيتين فإنّهما كَمَالُها ; فإنّها تتصوّر أنّ عدمهما نقصانٌ لِمَنْ لا يكونانِ له، هَكذا حالُ العُقلاء فِيِمَا يصفوُن اللهَ تعالى بِهِ فيما أَحسب، وإليه المفزع(2). انتهى»(3).


1 . مولانا الإمام الباقر (عليه السلام).

2 . شرح مسألة العلم: 43 .

3 . لاحظ : علم اليقين: 1 / 73 ـ 74 ; وبحار الأنوار: 66 / 292 ـ 293 .


صفحه 291

 

المسألة الرّابعة

في إرادته تعالى(1)

وفيها فروع:

الفرع الأوّل

في إثبات إرادته تعالى

قال: وتخصيص بعض الممكنات بالإيجاد في وقت يدلّ على إرادته.

أقول : والدليل على ثبوت الإرادة له تعالى ـ بعدما اتّفق جميع أرباب العقول وأهل الملل (2) على إطلاق القول بأنّه تعالى مريد، وشاع ذلك في كلام الله تعالى (3) وكلام الأنبياء(عليهم السلام) ـ هو كونه تعالى قادراً; فإنّ القادر لا


1 . لاحظ لمزيد الاطلاع: الحاشية على إلهيّات الشرح الجديد للمحقّق الأردبيلي: 65 ـ 73 ; ومعارج الفهم في شرح النظم: 298 ـ 306 ; والحاشية على إلهيات الشرح الجديد للخفري: 159 ـ 161 ; وجامع الأفكار وناقد الأنظار: 376 ـ 396 ; وكشف الحقائق المحمديّة: 915 ـ 920 ; والأسفار: 325 ـ 413 ; وإرشاد الطالبين: 203 ـ 208 ; والملخّص في الأُصول: 355 ـ 394 .

2 . لاحظ: جامع الأفكار وناقد الأنظار: 2 / 374 .

3 . قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)البقرة: 185 ; و (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) الأنعام: 125 ; و (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَ لاَ يُنْقِذُونَ) يس: 23 ; و (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَ اللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ)الانفال: 67; و (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيء إِذَا أَرَدْنَاهُ)النحل: 40 و....


صفحه 292

يصحّ أن يصدر عنه ـ من حيث هو قادر ـ أحد الطرفين بخصوصه ; لاستواء نسبة القدرة إلى الطرفين، بل لابدّ من أن يتخصّص ويترجّح أحد الطرفين ليصحّ صدوره عنه، ويكون ذلك لا محالة بصفة شأنها ذلك ; لامتناع التخصيص من غير مخصّص، واحتياج الواجب تعالى في فاعليّته إلى أمر منفصل .

ولا يمكن أن يكون المخصّص هو مطلق العلم ; لكونه كالقدرة في تساوي النسبة إلى الطرفين.

وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: (وتخصيص بعض الممكنات) دون بعض (بالإيجاد في وقت) دون وقت (يدلّ على إرادته ).


صفحه 293

 

الفرع الثّاني

في بيان الفرق بين الإرادة

والإختيار والمشيئة

ثمّ الفرق بين الإرادة والاختيار هو أنّ الاختيار إيثار لأحد الطرفين وميل إليه، والإرادةَ هي القصد إلى إصدارِ ما تؤثّره وتميل إليه، فكأنّ المختار ينظر إلى الطرفين ويميل إلى أحدهما والمريد ينظر إلى الطرف الّذي يميل إليه، هذا في الشاهد. وأمّا في الباري تعالى، فيُشبه أن يكون كلاهما واحداً.

أمّا المشيئة، ففي " شرح المقاصد" أنّه: «لا فرق بينها وبين الإرادة إلاّ عند الكرّامية (1) ; حيث جعلوا المشيئة صفةً واحدة أزليّة تتناول ما شاء الله بها من إحداث محدَث(2)، والإرادة حادثةً متعدّدة تعدّد المرادات»(3).


1 . أصحاب أبي عبدالله محمد بن كرّام السجستاني المتوفّى (255 هـ) .

2 . في المصدر: «من حيث تحدث».

3 . شرح المقاصد: 4 / 134 .


صفحه 294

 

الفرع الثّالث

في أنّ إرادته تعالى عين ذاته

قال: وليست زائدةً على الدّاعي وإلاّ لزم التسلسل أو تعدُّد القدماء.

أقول: ثمّ اختلفوا في إرادته تعالى : فعند الأشاعرة وجمهور معتزلة البصرة (1): صفة قديمة زائدة على الذات، قائمة بها كسائر الصفات الحقيقية عندهم.

وعند الجبائيّة (2) : صفة زائدة قائمة لا بمحل.

وعند الكرّامية: صفة حادثة قائمة بالذّات.

وعند ضرار (3): نفس الذّات.

وعند النجّار (4): صفة سلبيّة هي كون الفاعل ليس بُمكره ولا ساه.

وعند الفلاسفة: العلم بالنظام الأكمل.

وعند الكعبي (5) إرادته لفعله تعالى العلم به، ولفعل غيره الأمر به.


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 4 / 132 ـ 136 ; وشرح المواقف: 8 / 81 ـ 87 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 174 ـ 175 ; وكشف الفوائد: 181 ; ومعارج الفهم في شرح النظم: 299 ; والنافع يوم الحشر: 14 ; ومفتاح الباب: 117 ; وارشاد الطالبين: 205 ـ 208 ; وتلخيص المحصل: 281 .

2 . أبو علي الجبّائي وأبو هاشم الجبّائي.

3 . هو أبوعمرو ضرار بن عمرو القاضي. كان تلميذاً لواصل بن عطاء وأسّسّ «الضراريّة» من المعتزلة .

4 . هو الحسين بن محمّد النجّار المتوفى (230 هـ) من أئمة المعتزلة.

5 . هو عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي المتوفى (317 هـ) من أئمة المعتزلة .


صفحه 295

وعند المحقّقين من المعتزلة كأبي الحسين (1) وجماعة من رؤساء المعتزلة كالنّظام (2) والجاحظ(3) والعلاّف (4)والبلخي(5) والخوارزمي (6): العلم بما في الفعل من المصلحة. ويسمّيه أبوالحسين بالداعي. واختاره المصنّف فقال: (وليست زائدة على الداعي وإلاّ لزم التسلسل أو تعدّد القدماء).

يعني لو كانت الإرادة زائدةً على الداعي الّذي هو عين الذات لكانت: إمّا حادثةً في الذات ـ على ما زعمه الكرّاميّة ـ أو لا في محل ـ على ما زعمه الجبائيّة ـ وعلى التقديرين يلزم التسلسل; لأنّ حدوث الإرادة يستلزم ثبوت إرادة أُخرى مخصِّصة للأُولى ويعود الكلام فيهما.

وإمّا قديمةً قائمةً بذاته تعالى ـ على ما زعمه الأشاعرة ـ فيلزم تعدّد القدماء.


1 . هو محمد بن عليّ بن الطيب أبو الحسين البصري المعتزلي المتوفى (436 هـ) .

2 . هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار بن هاني البصري المعتزلي المتوفى (231 هـ).

3 . هو أبو عثمان بن بحر بن محبوب الكناني اللّيثي الجاحظ المعتزلي المتوفى (255 هـ).

4 . وهو أبو الهذيل العلاّف المتوفى (235 هـ) من أئمة المعتزلة.

5 . وهو أحمد بن محمود الكعبي .

6 . أبو المؤيد محمّد بن محمود بن محمد بن الحسن الخوارزمي الحنفي المتوفى (655 هـ).


صفحه 296

 

الفرع الرّابع

في شرح إرادته تعالى

أقول: واعلم: أنّ إرادته تعالى عند جمهور المتكلمين عبارة عن القصد إلى إصدار الفعل، كما في المشاهَد.(1)

وعند الفلاسفة يمتنع القصد على الواجب تعالى ; لأنّ الفاعل بالقصد يكون فعله لغرض، وكلّ قاصد للغرض مستكملٌ به، سواء كان الغرض عائداً إليه أو إلى غيره; لأنّ إيصال النفع إلى الغير إذا كان عن قصد شوقي يكون استكمالاً.(2)

قال الشيخ في " الإشارات ": «الجود إفادة ما ينبغي لا لِعوض . ولعلّ من يهب السكّين لمن لا ينبغي ليس بجواد. ولعلّ مَن يهب ليستعيض مُعامِل وليس بجواد .

وليس العِوض كلُّه عيناً، بل وغيرُه حتّى الثّناء، والمدح، والتخلّص عن المذمّة، والتوصّل إلى أن يكون على الأحسن أو على ما ينبغي. فمن جاد ليَشرّف، أو ليُحمَد، أو ليحسّن به ما يفعل، فهو مستعيض غيرُ جواد.


1 . لاحظ : نقد المحصل: 281 ـ 287 ; ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 115 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 171 ـ 175 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: 67 ـ 68 ; وإرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 203 ـ 205 ; وشرح المواقف: 8 / 81 ـ 87 ; وشرح المقاصد: 4 / 128 ـ 137.

2 . انظر: إلهيّات الشّفاء: 2 / 414 ـ 415 / الفصل السّادس من المقالة التّاسعة.


صفحه 297

فالجواد الحقّ هو الّذي تفيض منه الفوائدُ لا لشوق منه وطلب قصديّ لشيء يعود إليه .

واعلم: أنّ الّذي يفعل شيئاً لو لم يفعله قبّح به، أو لم يحسّن منه، فهو بما يفيده مِن فعله متخلّص. انتهى».(1)

وما قيل من أنّه لِمَ لا يجوز أن يقصد أحد شيئاً يحبُّه لمجرّد أنّه خير في نفسه لا لأنّه خير له؟

فجوابه: أنّ ما هو خير في نفسه لو لم يكن أولى به، لم تكن إرادته قصداً، بل يكون الداعي إلى فعله مجرّدَ العلم بخيريّته لا أمر آخَرُ، فتكون إرادته عقليّةً محضة.

نعم، الباري تعالى يحبّ ذاته ويبتهج بها أجل ابتهاج فيحبّ أفعاله لأجل ذاته; لأنّ من أحبّ شيئاً أحبّ آثاره، فيثبتون لأفعاله تعالى غرضاً هو ذاته تعالى. وهذا معنى قولهم: إنّه تعالى هو الفاعل والغاية، لكن بذلك لا يتصحّح تعلّق القصد بأفعاله; لأنّ القصد إنّما يكون عن شوق إلى ملائم أو موافق لو لم يحصل لم يكن الفاعل على كماله، فواجب الوجود ليس فاعلاً بالقصد عند الفلاسفة، بل فاعل بالعناية، فإرادته تعالى عندهم عبارة عن عنايته، أعني: علمه بنظام الكلّ الّذي هو السبب لهذا النظام المشاهَد على ما مرّ.

قال الشيخ في " إلهيات الشفاء": «فذلك النظام; لأنّه يعقله هو مستفيض


1 . الإشارات والتنبيهات: 296 ـ 297.


صفحه 298

كأين موجود. وكلّ معلوم الكون، وجهة الكون عن مبدئه عند مبدئه، فهو خير غير مناف، وهو تابع لخيريّة ذات المبدأ وكمالها المعشوقين لذاتيهما، فذلك الشيء مراد، لكن ليس مرادُ الأوّل على نحو مرادنا حتّى يكون له تعالى فيما يكون عنه غرض، فكأنّك قد علمت استحالة هذا وستعلم، بل هو لذاته مريد هذا النحو من الإرادة العقليّة »(1).

ثمّ قال: «فواجب الوجود ليست إرادته مغايرةَ الذات لعلمه، ولا مغايرةَ المفهوم لعلمه، فقد بيّنّا أنّ العلم الّذي له هو بعينه الإرادة الّتي له.

وهذه الإرادة ـ على الصورة، الّتي حقّقناها الّتي لا تتعلق بغرض في فيض الوجود ـ تكون (2) غيرَ نفس الفيض هو الجود. فقد كنّا حقّقنا لك من أمر الجود ما إذا تذكرّته، علمت أنّ هذه الإرادةَ نفسها تكون جوداً».(3)

وقال في " رسالة في إثبات المبدأ الأوّل ": «فصل في بيان إرادته.

هذه الموجودات كلّها صادرة عن ذاته، ومن مقتضى ذاته، فهي غير منافية له، ولأنّه يعشق ذاته، فهذه الأشياء كلّها مرادة لأجل ذاته. فكونها مرادةً له ليس لأجل غرض، بل لأجل ذاته، لأنّها مقتضى ذاته، فليس يريد هذه الموجودات لأنّها هي، بل لأجل ذاته، ولأنّها مقتضى ذاته.

مثلاً لو كنت تعشق شيئاً لكان جميع ما يصدر عنه معشوقاً لك لأجل


1 . إلهيّات الشفاء: 2 / 366 / الفصل السابع من المقالة الثّالثة.

2 . في المصدر: «لا تكون».

3 . إلهيّات الشفاء: 2 / 367.


صفحه 299

ذلك الشيء، ونحن إنّما نريد الشيء لأجل الشهوة أو اللذّة، أو غيرهما من الأشياء، لا لأجل ذات الشيء المراد. ولو كانت الشهوة واللّذة أو غيرهما من الأشياء شاعرة بذاتها، وكان مصدر الأفعال عنها ذاتَها، لكانت مريدةً لتلك الأشياء لذاتها ; لأنّها صادرة عن ذاتها، والإرادة لا تكون إلاّ لشاعرة بذاتها. وكلّ ما يصدر عن فاعل فإنّه إمّا أن يكون بالذات، أو بالعرض. وما يكون بالذات يكون إمّا طبيعيّاً وإمّا إراديّاً.

وكلّ فعل يصدر عن علم فإنّه لا يكون بالطبع ولا بالعرض، فإذن يكون بالإرادة .

وكلّ فعل يصدر عن فاعل والفاعلُ يعرف صدوره عنه، ويعرف أنّه فاعله، فإنّ ذلك الفعل صدر عن علمه، وكلّ فعل صدر عن إرادة: فإمّا أن يكون مبدأ تلك الإرادة علماً أو ظنّاً أو تخيّلاً .

مثال ما يصدر عن العلم فعلُ المهندس والطبيب، ومثال ما يصدر عن الظن التحرُز ممّا فيه خطر، ومثال ما يصدر عن التخيّل: فإمّا أن يكون شيئاً يُشبه شيئاً عالياً، أو طلباً لشيء يُشبه شيئاً حسناً ليخلصه بمشابهة الأمر العالي أو الأمر الحسن .

ولا يجوز أن يكون فعلَ واجب الوجود بحسب الظنّ أو بحسب التخيّل ; فإنّ ذلك يكون لغرض، ويكون معه انفعال; فإنّ الغرض يؤثّر في ذي الغرض، فإذن ينفعل عنه، وواجب الوجود بذاته واجب من جميع جهاته، فإن حدث فيه غرض من جهة انفعاله عن الغرض، فلا يكون واجبَ


صفحه 300

الوجود بذاته، فإذن يجب أن تكون إرادته علميّة.

ثمّ قال: والأَولى أن يفصل أمر الإرادة، فنقول: نحن إذا أردنا شيئاً، فإنّما نتصوّر ذلك الشيء تصوّراً: إمّا ظنيّاً، وإمّا تخيّليّاً، وإمّا علميّاً، وأنّ ذلك الشيء المتصوّر موافق، والموافق هو أن يكون حسناً أو نافعاً، ثمّ يتبع هذا التصوّر والاعتقاد شوق إليه وإلى تحصيله. فإذا قوى الشوق (1) حرّكت القوّة الّتي في العضلات الآليّة إلى تحصيله.

ولهذا السبب تكون أفعالنا تابعةً للغرض. وقد بيّنّا أنّ واجب الوجود تامّ، بل فوقَ التمام، فلا يصحّ أن يكون فعله لغرض، فلا يصح أن يعلم أنّ شيئاً هو موافق له، فيشتاقه ثمّ يحصّله. فإذن إرادته من جهة العلم أن يعلم أنّ ذلك الشيء كونُه خيرٌ من لا كونه، وأنّ وجود ذلك يجب أن يكون على الوجه الفلانيّ حتّى يكون وجوداً فاضلاً. فلا يحتاج بعد هذا العلم إلى إرادة أُخرى ليكون الشيء موجوداً، بل نفس علمه بنظام الأشياء الممكنة على الترتيب الفاضل هو سببٌ موجبٌ لوجود تلك الأشياء على النظام الموجود والترتيب الفاضل .

فلوازم ذاته ـ أعني: المعلومات ـ لم يعلمها. ثمّ رضى بها، بل لمّا كان صدورها عن مقتضى ذاته، كان نفس صدورها عنه نفس رضاه بها، فإذن لم يكن صدورها عنه منافياً للذّات، بل مناسب لذات الفاعل، وكلّ ما كان غير مناف وكان مع ذلك يعلم الفاعل أنّه فاعله، فهو مراده، لأنّه مناسب له،


1 . في د: «الشوق والاجماع حركّت القوّة»، كما في المصدر.


صفحه 301

فنقول: هذه المعلومات صدرت عن مقتضى ذات واجب الوجود بذاته المعشوقة له مع علمه منه بأنّه فاعلها وعلّتها.

وكلّ ما صدر عن شيء على هذه الصفة فهو غير مناف لذلك الفاعل.

وكلّ فعل يصدر عن فاعل ـ وهو غير مناف له ـ فهو مراده.

فإذن الأشياء كلُّها مرادة لواجب الوجود. وهو المراد الخالي عن الغرض ; لأنّ الغرض في رضاه بصدور تلك الأشياء عنه أنّه مقتضى ذاته المعشوقة، فيكون رضاه بتلك الأشياء لأجل ذاته، فيكون الغاية في فعل ذاتَه.

ومثال هذا: إذا أحببت شيئاً لأجل أنّه إنسان، كان المحبوب بالحقيقة هو ذلك الإنسان، فكذلك المعشوق المطلق هو ذاته.

ومثال الإرادة فينا أنّا نريد شيئاً فنشتاقه; لأنّا محتاجون إليه، وواجب الوجود يريده على الوجه الّذي ذكرنا، ولكنّه لا يشتاق إليه، لأنّه غنيّ عنه، فالغرض لا يكون إلاّ مع الشوق. فإنّه يقال: لِمَ طلب هذا؟ فيقال: لأنّه مشتهاه، وحيث لا يكون الشوق لا يكون الغرض. انتهى» (1) وهذا الّذي نقلناه من هذه الرسالة ذكره بعينه في " التعليقات ".(2)

وقال أيضاً في "التعليقات ": «والعناية هي أن يعقل الواجب الوجود بذاته أنّ الإنسان كيف تجب أن


1 . لم نعثر على مصدره.

2 . لاحظ: التعليّقات: 11 ـ 13 .


صفحه 302

تكون أعضاؤُه، والسماء كيف تجب أن تكون حركتها ليكونا فاضلين، ويكون نظام الخير فيهما موجوداً من دون أن يتبع هذا العلم شوق، أو غرض (1) آخَرُ سوى علمه بما ذكرناه مع موافقة معلومه لذاته المعشوقة له.

فإنّ الغرض، وبالجملة النظرُ إلى أسفل، أعني: لو خلق الخلق طالباً لغرض أعني: أن يكون الغرض الخلق أو الكمالات الموجودة في الخلق ـ أعني: ما يتبع الخلق ـ طلب كمال لم يكن لو لم يخلق.

وهذا لا يليق بما هو واجب الوجود من جميع جهاته.

فإن قال قائل: إنّا قد نفعل (2) أفعالاً بلا غرض ولا يكون لنا فيه نفع كالإحسان إلى إنسان من دون أن تكون لنا فيه فائدة، فكذلك يصح أن يكون واجب الوجود يخلق الخلق لأجل الخلق لا لغرض آخر يتبع الخلق، كما نحسن إلى إنسان ما .

قلنا: إنّ مثل هذا الفعل لا يخلو عن غرض، فإنّا نريد الخير بالغير ليكون لنا اسمٌ حسنٌ أو ثواب أو شيء هو أولى بأن يكون لنا من أن لا يكون. انتهى»(3).

وقال في " الرسالة "(4): «إنّ الغرض ـ أعني: الغاية ـ هو السبب في أن يصير الفاعل فاعلاً بعد أن لم يكن. فلا يجوز أن يكون لواجب الوجود


1 . في المصدر: «شوق أو طلب، أو غرض».

2 . في المصدر: «قد نعقل».

3 . التعليقات: 14.

4 . وهذا الّذي نقله من هذه الرسالة ذكره بعينه في التعليقات أيضاً .


صفحه 303

بذاته ـ الّذي هو تامّ ـ أمرٌ يجعله على صفة لم يكن عليها ; فإنّه يكون ناقصاً من تلك الجهة. وتلك الصفة: إمّا أن تكون فضيلة أو نقصاناً. وعلى جميع الأحوال فإنّ ذلك لا يليق به: لا النقصان ولا التكميل.

ثمّ قال: وقد عرفت إرادة واجب الوجود بذاته وأنّها بعينها علمه، وهو بعينها عناية، وأنّ هذه الإرادة غير حادثة، وبيّنّا أنّ لنا أيضاً إرادةً على هذا الوجه. انتهى»(1).

إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ الأشبه أنّ مراد محقّقيّ المعتزلة من كون الإرادة عين الدّاعي الّذي هو العلم بالأصلح إنّما هو الّذي ذهب إليه الفلاسفة على ما ذكرنا، فيكون الواجب تعالى عندهم أيضاً فاعلاً بالعناية بالمعنى وإن لم يقولوا به بحسب اللّفظ .

والغرض تصحيح إطلاق الإرادة عليه تعالى الّتي هي بحسب اللّغة والعرف بمعنى القصد التابع للشوق، فإنّ ذلك ممتنع عليه تعالى .

وبالجملة: القصد أمر معلوم بالوجدان لا يمكن أن يكون عينَ العلم ولا عينَ الذات، فكلّ من قال بكون الإرادة عينَ العلم لا ينبغي أن يكون مراده بها هو القصد، فيكونُ مراده أنّه تعالى فاعل بمجرّد العلم المتعلّق بالخيريّة والمصلحة في الفعل، فتكون إرادته عقليّةً محضة.

وهذا هو مراد الفلاسفة من الفاعل بالعناية، فهؤلاء المحقّقون يوافقونهم في المعنى الّذي هو مرادهم من العناية وإن لم يوافقوهم في


1 . لاحظ: التعليقات : 14 ـ 15 .


صفحه 304

اصطلاح الفاعل بالعناية بحسب اللّفظ.

ثمّ إنّ من لم يقل بالعناية والعلم المتقدّم في الواجب تعالى من المنتسبين إلى الفلسفة، كصاحب الإشراق قال: بكونه تعالى فاعلاً بالرّضا، وهو ما يكون فعله مقارناً من غير تقدّم للعلم على الفعل.(1)

وأنت خبير: بأنّ هذا لا يكون من الفاعل بالإرادة والاختيار في شيء; فإنّ الفاعل المختار ما يكون فعله صادراً عن علم، سواء كان ذلك العلم مستتبعاً للقصد، كما في الفاعل بالقصد، أو لا، كما في الفاعل بالعناية; فإنّ كليهما داخلان في الفاعل المختار.

فأمّا الفاعل بالرضا فليس فعله عن علم أصلاً وإن كان مقارناً للعلم، فلا يكون من الفاعل المختار، بل هو من الفاعل بالإيجاب; فإنّ المُوجَبَ ما لا يكون فعله عن علم، سواء كان مقارناً له كما في الفاعل بالرضا، أو لا كما في الفاعل بالطبع، فعند من ينفي العلمَ عن الواجب تعالى مطلقاً ـ كما مرّ نقلاً عن بعض الأوائل (2) ـ يكون تعالى فاعلاً بالطبع. وعند من يقول بالعلم الحضوري المقارن فقط كصاحب الإشراق يكون فاعلاً بالرضا، وكلاهما داخلان في الفاعل المُوجَب، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

وأعلم أنّ الإمام الرازي أيضاً في "المباحث المشرقيّة" رجع إلى سبيل


1 . لم نعثر بهذه العبارة في مصنّفات شيخ الإشراق.

2 . لاحظ : شرح مسألة العلم: 22 ; والأسفار: 6 / 180 ; وشرح المواقف: 8 / 71 ـ 72 ; ونقد المحصل: 277 ـ 280 و 296.


صفحه 305

التحقيق في إرادته تعالى فقال: «وإذا كانت إرادة الله تعالى دائمة الوجود لم تكن تلك الإرادة قصداً إلى التكوين، لأنّ القصد إلى الشيء يستحيل بقاؤه بعد حصول ذلك الشيء.

فثبت أنّ إرادة الله تعالى ليست عبارةً عن القصد، بل الحقّ في معنى كونه مريداً منه تعالى يعقل ذاته ويعقل نظام الخير الموجود في الكلّ أنّه كيف يكون وذلك (1) يكون لا محالة كائناً مستفيضاً، وهو خير غير مناف لذات المبدأ الأوّل، فعلم المبدأ بفيضانه عنه، وأنّه خير غير مناف لذاته هو إرادته لذلك ورضاه.

ثمّ إنّا إذا حقّقنا حكمنا بأنّ الفرق بين المريد وغير المريد ـ سواء كان في حقّنا أو في حق الله تعالى ـ هو ما ذكرنا، فإنّ إرادتنا دامت متساويةَ النسبة إلى وجود المراد وعدمه، لم تكن صالحةً لترجيح أحد ذلك (2) الطرفين على الآخر، وإذا صارت نسبتها إلى وجود المراد ترجح بالنسبة (3) إلى عدمه، ويثبت أنّ الرجحان لا يحصل إلاّ عند الانتهاء إلى حدّ الوجوب، لزم منه الوقوع; لأنّ الإرادة الجازمة إنّما تتحقّق عند الله تعالى وهنالك قد صارت موجبة للفعل .


1 . أي ذلك النظام.

2 . في المصدر: «أحد ذينك».

3 . في المصدر: «أرجح من نسبتها».


صفحه 306

الفرق بين الموجَب والمختار

فإذن ما يقال من الفرق بين الموجَب وبين المختار: أنّ المختار يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل، والموجَب لا يمكنه أن لا يفعل، كلام باطل. لأنّا بيّنا أنّ الإرادة متى كانت متساويةَ النّسبة، لم تكن جازمةً، وهناك يمتنع حدوث المراد، ومتى تَرجَّح أحدُ طرفيها على الآخر صارت موجبةً للفعل، ولا يبقى بينها وبين سائر الموجِبات فرق من هذه الجهة، بل الفرق ما ذكرناه أنّ المريد هو الّذي يكون عالماً بصدور الفعل الغير المنافي عنه، وغير المريد هو الّذي لا يكون عالماً بما يصدر عنه كالقوى الطبيعيّة وإن كان الشعور حاصلاً لكنّ الفعلَ لا يكون ملائماً له، بل منافراً مثل المُلجأ إلى الفعل ; فإنّ الفعل لا يكون مراداً».(1) انتهى كلامه، فتأمّل فيه ; فإنّه بظاهره يُشعر بكون الفاعل بالرضا أيضاً داخلاً في المريد. والتحقيق ما ذكرناه، هذا.


1 . المباحث المشرقيّة: 2 / 490 ـ 491.


صفحه 307

 

الفرع الخامس

في شبهات وردود

فإن قيل: إرادته تعالى لا يصحّ أن تكون عينَ علمه ; فإنّه تعالى يعلم كلّ شيء، ولا يريد كلّ شيء، فإنّه لا يريد شرّاً ولا ظلماً ولا كفراً ولا شيئاً من القبائح والسيّئات; فإرادته تعالى أمر آخر وراء علمه.

قلنا: لا يلزم من كون إرادته عين علمه وتعلّق علمه بكلّ شيء أن تتعلّق إرادته أيضاً بكلّ شيء; فإنّ الإرادة ليست هو العلم مطلقاً، بل العلم بما فيه مصلحة وخير، وهذا كما أنّ سمعه وبصره راجعان عند المحقّقين إلى العلم، ولا يلزم منه تعلّق السمع بما سوى المسموع، ولا تعلّق البصر بما سوى المبصر، فليتفطّن.

فإن قلت: فما تقول فيما رواه ثقة الإسلام رئيس المحدّثين أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب "الكافي"(1) ، والشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (رحمه الله) في كتابي "التوحيد"(2) و "العيون"(3) عن الأئمة الطاهرين وسادتنا المعصومين ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ في حدوث الإرادة والمشيئة وأنّهما من صفات الفعل دون صفات الذات؟


1 . لاحظ: الكافي: 1 / 109 ـ 110، باب الإرادة أنّها من صفات الفعل، ح 1 ـ 7 .

2 . انظر: التوحيد: 145 ـ 148 / باب صفات الذات وصفات الأفعال، ح 13 ـ 19 وص 336 ـ 344 / باب المشيئة والإرادة، ح 1 ـ 13 .

3 . لاحظ : عيون أخبار الرضا: 1 / 179 ـ 191 / الباب 13، الحديث 1 .


صفحه 308

وذكر محمد بن يعقوب في "الكافي"(1) في الفرق بين صفات الفعل وصفات الذات ما حاصله: أنّ كلّ شيئين وصفت الله تعالى بهما، وكانا جميعاً في الوجود ـ كما أنّ في الوجود ما يريده وما لا يريده، وما يرضاهُ وما يَسخطُهُ، وما يبغضُهُ وما يحبُّهُ (2) ـ وهما من صفات الفعل; فإنّهما لو كانا من صفات الذّات لكانت الصّفاتُ الّتي هي عينُ الذّات ناقضةً بعضُها لبعض، فيكونُ ما لا يُريدهُ ناقضاً لما يُريدُهُ، وما يَسخطُهُ ناقضاً لما يرضاهُ، وما يُبغضُهُ ناقضاً لما يحبُّهُ، وهذا محال .

وكلُّ شيئين وصفت الله تعالى بأحدهما وكان في الوجود، ولم يكن الآخرُ في الوجود مثلُ العلم والقدرةِ ; فإنّ في الوجود ما يعلم ويقدر عليه، وليس في الوجود ما لا يعلمُهُ ولا يقدرُ عليهِ، فهُوَ من صفات الذّات. هذا، فإذا كانت الإرادةُ مُحدثةً ومن صِفاتِ الفعلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أن يَكوُنَ عينَ الْعِلمِ القَديم الّذي هو عينُ ذاتهِ تعالى ؟(3)

قلت: لعلّ المراد من الإرادة في تلك الروايات إنّما هو القصد إلى الفعل على ما يفهمه الجمهور من لفظة الإرادة والخطاب إنّما هو معهم، وعلى هذا فتخلّف المراد من الإرادة بمعنى القصد نقص وعجز لا يليق بجانبه تعالى، والمراد حادث، فيجب كون الإرادة أيضاً حادثة لكن نسبة القصد إليه تعالى ليس على الحقيقة لامتناعه عليه تعالى، بل بمعنى ترتب


1 . لاحظ : أُصول الكافي: 1 / 111 ـ 112 / باب الإرادة أنّها من صفات الفعل، ح 7 .

2 . في المصدر: «وما يحبُّ وما يُبغضٌ».

3 . هذا الحديث منقول بالمعنى. انظر: عيون أخبار الرضا: 1 / 179 ـ 191 / الباب 13، ح 1.


صفحه 309

الغاية والأثر بمعنى أنّ كلّ ما يمكن أن يرتّب على القصد في غيره تعالى فهو يترتّب على ذاته تعالى من غير توسّط القصد على ما قالوا في صفة الرّحمة وغيرها، فإطلاق لفظ الإرادة والقصد في حقّه إنّما هو على سبيل التمثيل.

وعلى هذا يكون المراد من حدوث إرادته هو حدوث مراده تعالى حسب اقتضاء علمه بالمصلحة فيه.

وممّا يدلّ صريحاً على ما ذكرناه ما رواه في "الكافي" (1) عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام)في حديث الزنديِقِ الّذي سأل أبا عبدالله (عليه السلام)فكان من سُؤالِهِ أن قالَ لَهُ: فله رضاء وسخطٌ؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام): نعم، ولكن ليس ذلك على ما يوجَدُ من المخلوقينَ، وذلك أنّ الرّضا حالٌ تدخُلُ عليه، فتنقلُهُ مِن حال إلى حال; لأنَّ المخلوق أجوَفُ معتملٌ مركّبٌ، للأشياء فيه مدخلٌ، وخالقنا لا مدخل للأشياء فيه; لأنّهُ واحدٌ واحديُّ الذّات وأحديُّ المعنى، فرضاهُ ثوابُهُ، وسخطُهُ عقابُهُ، من غير شيء يتداخلُهُ، فيهيجُهُ وينقلُهُ من حال إلى حال; لأَنَّ ذلك مِنْ صفة المخلوقينَ العاجِزين المُحتاجين. هذا كلامه .

ونعم، ما قال بعض أفاضل إخواننا الإلهيّين(2) ـ كثر الله لأمثاله في العالمين ـ في هذا المقام ما محصّله: «أنّ التحقيق أنّ للإرادة والمشيئة جهة ثبات وهي أزليّة وعين ذاته تعالى، وجهة تجدّد وهي إضافة حادثة مع


1 . لاحظ: أُصول الكافي: 1 / 110 / باب الإرادة أنّها من صفات الفعل...، ح 6 .

2 . وهو محمد محسن الفيض الكاشاني المتوفىّ (1091 هـ) صاحب كتاب الوافي .


صفحه 310

حدوث الشيء والمراد، كما أنّ العلم والقدرة كمالاً إلاّ أنّ جهة الثبات في العلم والقدرة أدلُّ على الكمال والبهاء ; حيث يوجب تخلّف متعلّقهما عنهما تحقُّق العلم والقدرة وإن لم يكن المعلوم المقدور، وذلك ممّا يُعدّ غايةً في كمال العلم والقدرة جدّاً.

فلذلك عُدَّتا من صفات الذات، وجهةَ التجدّد في المشية والإرادة أدلُّ على العزّ والجلال، حيث يوجب عدمَ تخلّف المشيء والمراد عنهما، وذلك ممّا يُعدّ في غاية العزّ والجلال، ولذلك عُدَّتا من صفات الفعل. وخطاب الشرع (1) إنّما هو مع الجماهير، فينبغي أن يذكر في نعته تعالى معهم ما يكون أدلَّ عندهم على الكمال، وأظهرَ في العزّ والجلال»(2).

ولنا في هذا المقام تحقيق آخر ذكرناه في كتابنا المسمّى بـ «گوهر مراد»(3)، فليرجع إليه من أراد.


1 . في د: «خطاب الشارح».

2 . الوافي: 1 / 446 ـ 448 .

3 . لاحظ: گوهرمراد: 249 ـ 257 .


صفحه 311

 

المسألة الخامسة

في سمعه وبصره(1)

قال: والسمع دلَّ على اتّصافه بالإدراك والعقل على استحالة الآلات.

أقول: قد علم بالضرورة من الدّين، وثبت في الكتاب(2) والسنّة(3)، وانعقد عليه إجماع أهل الأديان على أنّه تعالى سميع بصير وإليه أشار بقوله: (والسمع(4) دلَّ على اتّصافه بالإدراك): أي السمع والبصر دون الذوق والشمّ


1 . راجع لمزيد التحقيق: المبدأ والمعاد لصدر المتألهين: 243 ـ 244 ; ورسالة إثبات الواجب الجديدة للدواني: 159 ـ 160 ; ومعارج الفهم في شرح النظم: 320 ـ 321 ; وحاشية على إلهيّات شرح الجديد للخفري: 163 ـ 167 ; وحاشية على إلهيّات شرح الجديد للأردبيلي: 73 ـ 75 ; وكشف الحقائق المحمديّة: 927 ـ 932 ; وجامع الأفكار وناقد الأنظار: 2 / 398 ـ 416 ; والأسفار: 6 / 421 ـ 426.

2 . قال سبحانه: (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (الاسراء: 30).

و (وَ كَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (الاسراء: 17).

و (وَ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (الفتح: 24).

و (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءْ بَصِيرٌ) (الملك: 19) .

و (إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)(النساء: 58).

3 . قال أبا عبدالله (عليه السلام): لم يزل الله جلَّ عزَّ ربَّنا والعلمُ ذاتُهُ ولا معلوم والسَّمعُ ذاتُهُ ولا مسمُوعَ والبصرُ ذاتهُ ولا مبصر...» .

وقال الرضا (عليه السلام): لم يزل الله عزَّوجلَّ عليماً قادِراً حَيّاً قديماً سميعاً بصيراً...». لاحظ: التوحيد: باب 11 / ح 1 و 3 .

4 . في التجريد وكشف المراد: «النقل» بدل «السّمع».


صفحه 312

واللّمس ; لعدم ورود السمع بها وإن كان الإدراك يشملها جميعاً.

قال المصنّف في "شرح رسالة العلم": «الإدراك كالجنس للإدراك الحسّي والإدراك العلميّ، والإدراكُ الحسّيّ إنّما يحصل بالآلات الجسمانيّة الّتي هي حواسّ، والإدراك العلمي إنّما يحصل للذّات العاقلة من غير آلة، ولذلك لا يدرك حسٌّ نفسَه ولا آلاته(1)، فإنّه لا آلة تتوسّط بينه وبينها، ويدرك الذات العاقلة نفسَها وآلاتِها وتعقّلاتها.

أمّا الباري تعالى، فكلّ مَن يعتقد أنّه جسم أو مباشر للأجسام، فقد يمكن أن يصفه بالإدراك الحسّيّ، وكلّ من ينزّهه عن ذلك أيضاً عن هذا الوصف .

ولمّا كان السّمع والبصر ألطف الحواسّ وأشدّها مناسبةً للعقل، عُبِّر بها عن العلم في كثير من المواضع، كما في قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)(2)، وفي قوله تعالى: (وَ تَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لاَ يُبْصِرُونَ )(3).

وفي غير ذلك من المواضع الّتي لا يمكن أن تعدّ. ولذلك(4) وصفوا الباري تعالى بالسمع والبصر دون الشامّ والذائق واللاّمس، وعنوا بهما العلمَ بالمبصرات والمسموعات، وفرّقوا بين السامع والسميع، والمبصِر والبصير،


1 . في المصدر: «وَلا احساسه».

2 . الملك: 10 .

3 . الاعراف: 198 .

4 . في المصدر: «ولأجله» .


صفحه 313

وجميع ذلك من المباحث اللّفظيّة.

وأكثر المتكلّمين يخصّصون (1) الإدراك بالحسّي ويتنازعون (2) في جواز وصف الباري تعالى به. ثمّ في المراد منه إذا وصفوه به، فيذهب بعضهم إلى الإحساس، وبعضهم إلى العلم بالمحسوسات. انتهى»(3).

فقوله: (والعقل على استحالة الآلات) إشارة إلى تنزيهه تعالى عن الجسميّة ومباشرة الأجسام، فوجب من مجموع الدلالتين القول بكونه تعالى سميعاً بصيراً من دون آلة وجارحة.

وفي قوله: «والسمع دلّ، إلى آخره» إشارة إلى ضعف ما استدلّ به بعضهم (4) على كونه تعالى سميعاً وبصيراً، وهو أنّه تعالى حيّ، وكلّ حيّ يصحّ اتّصافه بالسمع والبصر، وكلّ ما يصحّ في حقّه سبحانه، يجب أن يكون ثابتاً له بالفعل ; لبراءته عن القوّة والإمكان، وذلك لتوقّفه على أنّ الحياة في الغالب تقتضي صحّة السمع والبصر.

وغاية متشَبَّثهم في ذلك إمّا طريق السبر والتقسيم على ما ذكره إمام الحرمين(5) فإنّ الجماد لا يتّصف بقبول السمع والبصر، وإذا صار حيّاً


1 . في المصدر: «يخصّون».

2. في المصدر: «وتنازعون».

3 . شرح مسألة العلم: 37 ـ 38.

4 . أي بعض المتكلمين ومنهم الأشاعرة وبعض الإماميّة كأبي الصلاح الحلبي المتوفّى (447 هـ). لاحظ: تقريب المعارف: 49 ; وكشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 186 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: 65 ; وعصرة المنجود في علم الكلام: 81 ; شرح المقاصد: 4 / 138 ـ 139.

5 . وهو أبو المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني من كبار متكلّمي الأشاعرة المتوفى (478 هـ) .


صفحه 314

اتّصف بهما إن لم تقم به آلة. ثمّ إذا سبرنا(1) صفات الحيّ، لم نجد ما يصحّح قبولَه لهما سوى كونه حيّاً، لزم القضاء بمثل ذلك في حقّه تعالى .

وأمّا أنّه لا خَفاء في أنّ المتّصف بهما أكملُ ممّن لا يتّصف بهما، فلو لم يتّصف الباري تعالى بهما، لزم كون الإنسان، بل سائر الحيوانات أكمل منه تعالى، وهو باطل قطعاً، على ما ذكره الغزاليّ(2).(3)

ويرد على الأوّل: أنّه يتوقّف على كونه حيّاً بحياة مثل حياتنا المصحّحة للسمع والبصر، وهو ممنوع .

وعلى الثّاني: أنّ كون المتّصف بهما أكملَ ممن لا يتّصف بهما مسلم في الشاهد، وأمّا في الغائب، فهو ممنوع بل أوّل المسألة.

وأيضاً وجوب كونه تعالى منزّهاً عن النقائص ثابت عندهم بالإجماع والظواهر الدالة على ثبوت السمع والبصر أقوى جدّاً من الظواهر الدالّة على حجّة الإجماع ; لكثرة النوع والاعتراضات عليها.

فالأولى التمسّك في إثبات السمع والبصر بالظواهر القطعية ابتداءً، هذا.

قال شارح المواقف في " المحصّل ": «إنّ المسلمين اتّفقوا على أنّه تعالى سميع بصير، لكنّهم اختلفوا في معناه.


1 . في شرح المقاصد: «صيرنا».

2 . وهو أبو حامد محمد الغزالي الطوسي المتوفى (505 هـ).

3 . لاحظ: شرح المقاصد: 4 / 139.


صفحه 315

فقال الفلاسفة والكعبي وأبو الحسين البصري: ذلك عبارة عن علمه تعالى شأنه بالمبصّرات والمسموعات .

وقال الجمهور منّا ومن المعتزلة والكّرامّية: إنّهما صفتان زائدتان على العلم.

وقال ناقده: أراد فلاسفة الإسلام; فإنّ وصفه تعالى بالسميع والبصير مستفاد من النقل، وإنّما لم يوصف بالشمّ والذوق واللّمس; لعدم ورود النقل; وإذا نُظر في ذلك من حيث العقل، لم يوجَد له وجه سوى ما ذكره هؤلاء; فإنّ إثبات صفتين شبيهتين بسمع الحيوانات وبصرها، ممّا لا يمكن بالعقل.

والأولى أن يقال: لمّا ورد النقل بهما آمنّا بذلك وعرفنا أنّهما لا يكونان إلاّ بالآلتين المعروفتين، واعترفنا بعدم الوقوف على حقيقتهما. انتهى»(1).

ولعلّ المراد هذا هو معنى قوله: «والسمع دلّ على اتّصافه تعالى بالإدراك والعقل على استحالة الآلات» فتدبّر.

وقريب من هذا ما قال الشارح العلاّمة (رحمه الله) في شرح هذا الكلام: «اتّفق المسلمون كافة على أنّه تعالى مدرِك، واختلفوا في معناه: فالّذي ذهب إليه أبو الحسين أنّ معناه علمه بالمسموعات والمبصرات. وأثبت الأشعريّة وجماعة من المعتزلة له صفةً زائدة على العلم .


1 . شرح المواقف: 8 / 89 ـ 90 ; والمحصل: 127 .


صفحه 316

والدّليل على ثبوت كونه تعالى سميعاً بصيراً السمعُ; فإنّ القرآن(1) وإجماع المسلمين دلّ على ذلك.

إذا عرفت هذا، فنقول: السمع والبصر في حقّنا إنّما يكون بالآلات جسمانيّة، وكذا غيرهما من الإدراكات، وهذا الشرط ممتنع في حقّه تعالى بالعقل، فإمّا أن يرجع إلى ما ذهب إليه أبو الحسين، وإمّا إلى صفة زائدة غير مفتقرة إلى الآلات في حقّه تعالى. انتهى»(2).


1 . لاحظ: الأنبياء: 4; والنساء: 134 ; والأنعام: 115; والأنفال: 53 و 61 و 72 ; ويونس: 65 ; والاسراء: 30 ; والحج: 61 ; ولقمان: 28 .

2 . كشف المراد: المسألة الخامسة من الفصل الثّاني من المقصد الثالث.


صفحه 317

المسألة السّادسة

في كلامه تعالى(1)

قال: وعموميّة قدرته تدلّ على ثبوت الكلام، والنفسانيّ غير معقول.

أقول: اعلم: أنّ لفظ الكلام حقيقة في هذا الملفوظ المسموع المركّب من الأصوات والحروف. وقد يطلق ويراد به التكلّم، أعني: القدرة على القاء الكلام بالمعنى الأوّل، وهذا المعنى الثّاني هو صفة المتكلّم قائم به، والكلام بالمعنى الأوّل هو ما به التكلّم وليس صفة للمتكلّم ولا قائماً به، بل هو قائم بالهواء ; لكونه من جنس الأصوات كما عرفت في «مباحث الأعراض» (2).

وهذا ـ أعني: التكلّم وإلقاءَ الكلام ـ يتوقّف فينا على آلة وجارحة لا محالة، وقد أخبر الأنبياء(عليهم السلام)بأنّ الله تعالى متكلّم، وجاؤوا بكلام أخبروا أنّه كلام الله تعالى، وهو منقسم إلى إخبار وأمر ونهي، إلى غير ذلك من أقسام الكلام، ودلّت المعجزة على صدقهم، وهو أمر ممكن ; فإنّه وإن كان متوقفاً


1 . راجع لمزيد الاطلاع: جامع الأفكار وناقد الأنظار: 2 / 418 ـ 487 ; وكشف الحقائق المحمديّة: 933 ـ 954 ; وحاشية على إلهيّات شرح الجديد للخفري: 169 ـ 197 ; وحاشية على إلهيّات شرح الجديد للأردبيلي: 75 ـ 85 ; والملّخص في أُصول الدّين: 3 / 397 ـ 445 ; ومعارج الفهم في شرح النظم: 307 ـ 312 ; وأبكار الأفكار في أُصول الدّين: 1 / 265 ـ 311 .

2 . لاحظ الجزء الرابع من هذا الكتاب: 134 ـ 150 .


صفحه 318

فينا على الآلة وممتنع صدوره عنّا بدونها، لكن لا يدلّ ذلك على كونه ممتنعاً في حقّه تعالى أيضاً بدون الجارحة والآلة ; لعموم قدرته التامّة وضعف قدرتنا الناقصة، وكلّ ما أخبر الأنبياء(عليهم السلام)عن الله تعالى من الممكنات يجب تصديقهم فيه على ما أخبروا به من غير تأويل وصرف عن ظاهره.

وهذا معنى قوله: (وعموميّة قدرته تدلّ على ثبوت الكلام): أي بعد ضمّ إخبار الأنبياء(عليهم السلام)كما عرفت فالكلام الّذي هو من صفته تعالى هو بمعنى التكلّم; فإنّ المتكلّم هو من قام به التكلّم لا من قام به الكلام وهذا ظاهر جدّاً.

والأشاعرة توهّموا أنّ الصفة هو الكلام بمعنى ما به التكلّم، والمتكلّم هومن قام به الكلام بهذا المعنى، وأطلقوا القول بأنّ القرآن قديم، وأنّ من قال بخلق القرآن وحدوثه مبدعٌ، بل كافر .

ثمّ لمّا رأوا أنّ الكلام بهذا المعنى ـ الّذي حقيقته ليست إلاّ الأصوات والحروف الحادثة ـ لا يجوز أن يكون  قديماً  قائماً بذاته تعالى، اخترعوا أمراً محالاً سمّوه بالكلام النفسيّ، وقالوا: إنّه هو مدلول الكلام اللّفظيّ، وأرادوا به غير العلم بمدلولات الألفاظ، وغيرَ إرادة إلقاء الكلام، وغيرَ القدرة على ذلك، وغيرَ حديث النفس .

وقالوا: إنّه أمر واحد في نفسه ليس بخبر ولا أمر ولا نهي إلى غير ذلك، ولا يدخل فيه ماض ولا حالٌ ولا استقبال. وقالوا: إنّ الكلام حقيقةً ليس إلاّ ذلك، واللّفظيّ إنّما يسمّى كلاماً لدلالته على ذلك .(1)


1 . لاحظ : شرح المواقف: 8 / 90 ـ 104 ; وشرح المقاصد: 4 / 143 ـ 151 ; ومحصل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 128 ـ 130 .


صفحه 319

وعمدة ما تمسّكوا به في ذلك أمران:

الأمر الأوّل: هو ما عوّل عليه إمامهم في " المحصّل " هو قول الشاعر:

انّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما *** جُعل اللّسان على الفؤاد دليلاً(1)

وإنّما العجب أنّهم من أين عرفوا أنّ مراد الشاعر ممّا في الفؤاد غيرُ الأُمور المذكورة الّذي سمّوه كلاماً نفسيّاً؟ مع أنّي لا أظنّ أنّ عاقلاً يجد في نفسه هذا الأمر المحال.

ونعم ما قال المصنّف في " نقد المحصل "(2): فقد صارت مسألة قِدَم الكلام ـ إلى أن قام العلماء فيها وقعدوا وضرب الخلفاء الأكابر لأجلها بالسوط، بل بالسّيف ـ مبتنيّة على هذا البيت الّذي قاله الأخطل.

والأعجب تكفيرهم من يأبى القولَ بهذا الأمر المحال.

قال " شارح المقاصد ": «وعلى البحث والمناظرة في ثبوت الكلام النفسيّ وكونه هو القرآن ينبغي أن يحمل ما نُقل من مناظرة أبي حنيفة وأبي يوسف (3) ستّة أشهر، ثمّ استقرّ رأيهما على أنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر. انتهى».(4)


1 . المحصّل: 130 .

2 . نقد المحصّل: 292 .

3 . هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاريِّ الكوفيِّ البغداديّ المتوفى (182 هـ).

4 . شرح المقاصد: 4 / 146 .


صفحه 320

الأمر الثاني: هو ما قالوا من أنّ المتكلّم من قام به الكلام لا من أوجد الكلام ولو في محلٍّ آخَرَ; للقطع بأنّ موجد الحركة في جسم آخر لا يسمّى متحرّكاً .

والجواب: ما مرّ من أنّ المتكلّم من قام به الكلام بمعنى التكلّم، وهو القدرة على إيجاد الكلام بمعنى ما به التكلّم، وهو ما يُلقيه المتكلّم إلى غيره لإظهار ما في ضميره ـ أعني: الألفاظ الدالة على المعاني بحسب الوضع ـ وليس المتكلّم من قام به الكلام بمعنى ما به التكلّم، وإلاّ لزم كون الهواء متكلّماً، لكون الألفاظ قائمة به، وحينئذ يكون الأمر في صيغة الفاعل هاهنا، وفي المتحرّك وأمثال ذلك على سبيل واحد، كما لا يخفى. وأمّا تمسّكهم في ثبوت الكلام النفسيّ بأنّ من يورد صيغة أمر، أو نهي، أو إخبار أو استخبار، أو غير ذلك، يجد في نفسه معان، ثمّ يعبّر عنها بالألفاظ الّتي يسميها الكلام الحسّيَّ فهذا المعنى الّذي يجده في نفسه ويدور في خَلَده،(1) وهو الّذي تسمّيه الكلام النفسيّ.

فقد مرّ الجواب عنه في مبحث «الأصوات من الأعراض»(2) عند شرح قول المصنّف: «ولا يُعقل كلام غيره». وحاصله: منع كون تلك المعاني الّتي يجدها غيرَ الإرادة والطلب والعلم. فمن أراد تفصيل الجواب وتحقيقه فليراجع إلى هنالك ; فإنّا لا نطوّل الكلام بإعادة ذلك. وإلى بطلان كلام


1 . أي في القلب والنفس.

2 . لاحظ : الجزء الرّابع من هذا الكتاب: 157 ـ 159 .


صفحه 321

النفسيّ والإشارة إلى ما أشار إليه هناك أشار بقوله: (والنفسانيّ غير معقول).

قد بلغ شرحه إلى هنا .

***

قد فرغت من تحقيق هذا الكتاب الشريف بعون الملك الوهاب في شهر رجب المرجّب من شهور عام 1429 هـ .

اللّهم اغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين والمؤمنات بمحمّد وآله الطيّبين الطاهرين المنتجبين لاسيّما بقية الله في الأرضين.

أكبر أسد علي زاده

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم المقدسة


صفحه 322

صفحه 323

فهرس مراجع التحقيق والتخريج

1 . القرآن الكريم

2 . نهج البلاغة

(حرف الألف)

3 . الإحكام في أُصول الأحكام: لعليّ بن أبي عليّ بن محمّد الآمديّ (م 631 هـ . ق)، 4 مجلدات، بيروت، نشر دار الكتب العلميّة.

4 . آراء الطبيعيّة: لفلوطرخس (م 127 پ. م)، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، بيروت، دار القلم .

5 . الأربعين في أُصول الدين: لفخر الدين محمّد بن عمر الرّازي (م 606 هـ . ق)، تحقيق: د. أحمد حجازي السّقا، الطبعة الأُولى، القاهرة، دار التضامن، 1406 هـ . ق .

6 . إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: لجمال الدّين مقداد بن عبدالله السيوري الحلّي (م 826 هـ . ق)، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، قم، مكتبة النجفي، 1405 هـ . ق.

7 . الإرشاد إلى قواطع الأدّلة في أُصول الإعتقاد: لأبي المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني الشافعي المعروف بـ «امام الحرمين» (م 478 هـ. ق)،


صفحه 324

تحقيق: أسعد تميم، الطبعة الأُولى، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافيّة، 1405 هـ . ق .

8 . الأزمنة والأمكنة: للشيخ أبي علي أحمد بن محمّد بن الحسن المزروقي الأصفهاني (م 421 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1417 هـ . ق .

9 . الأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: لجمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (م 726 هـ . ق)، تحقيق: قسم إحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأُولى، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1412 هـ. ق.

10 . الإشارات والتنبيهات: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، تحقيق: مجتبى الزارعي، الطبعة الأُولى، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1413 هـ .

11 . إشراق اللاّهوت في نقد شرح الياقوت: للسيّد عميد الدّين أبو عبدالله عبد المطلّب بن مجد الدّين الحسيني العبيدلي (م 754 هـ . ق ) ، تحقيق: علي أكبر ضيائي، الطبعة الأُولى، طهران، ميراث مكتوب، 1381 هـ . ش .

12 . إشراق هياكل النّور للكشف ظلمات شواكل الغرور: لغياث الدّين منصور الدشتكيّ الشيرازي (م 949 هـ . ش)، تحقيق: علي الأوجبي، الطبعة الأُولى، طهران، ميراث مكتوب، 1382 هـ . ش .

13 . الأعلام قاموس تراجم: لخير الدّين الزِركلي (م 1396 هـ . ق)، الطبعة الثّامنة، 8 مجلّدات، بيروت، دار العلم للملايين، 1989 م .


صفحه 325

14 . الأفق المبين: للسيّد محمّد بن محمّد الباقر الداماد الحسيني المعروف بـ «ميرداماد» (م 1041 هـ . ق)، مخطوط، المحفوظ في مؤسسة الإمام الخميني(رحمه الله).

15 . اللّمحات في الحقائق: للشيخ شهاب الدين أبي الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي (م 587 هـ . ق)، تحقيق وتقديم: د. محمّد علي ابوريان، الأسكندريّة، دار المعرفة الجامعيّة، 1988 م .

16 . اللّوامع الإلهيّة في المباحث الكلاميّة: لجمال الدين مقداد بن عبدالله السيوري الحليّ (م 826 هـ . ق)، تحقيق: السيد محمّد علي القاضي الطباطبائي، الطبعة الثّانية، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1422 هـ . ق.

17 . الألواح العماديّة: للشيخ شهاب الدين أبي الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي (م 587 هـ . ق)، تصحيح: نجف قلي الحبيبي، طهران، انجمن فلسفه ايران، 1297 هـ . ق.

18 . إلهيّات الشفاء: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، راجعه وقدم له: د. إبراهيم مدكور، تحقيق: الأب قنواتي وسعيد زايد، الإدارة العامّة للثقافة، الجمهورية العربيّة المتّحدة.

19 . إلهيّات الشفاء مع تعليقات صدر المتألهين: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 477 هـ. ق) قم، منشورات بيدار.

20 . الإلهيّات من المحاكمات بين شرحي الإشارات: لقطب الدّين محمّد بن محمّد بن أبي جعفر الرّازي، (م 767 هـ . ق)، تصحيح: مجيد هادي


صفحه 326

زاده، طهران، مركز نشر ميراث مكتوب، 1381 هـ . ش .

21 . الأمالي: لأبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بـ «الشيخ الصدوق» (م 381 هـ . ق)، الطبعة الرابعة، طهران، مكتبة الإسلامية، 1362 هـ . ش .

22 . الانتصار والردّ على ابن الراوندي: لأبي الحسين عبدالرحيم بن محمّد بن عثمان الخياط المعتزلي (م 300 هـ . ق)، تحقيق: د. ينبَرْج، بيروت، دار قابس، 1397 هـ . ق .

23 . الأنساب: لأبي سعد عبدالكريم بن محمّد بن منصور التميمي المعروف بـ «السمعاني» (م 562 هـ . ق)، تعليق: عبدالله عمر البارودي، الطبعة الأُولى، 13 مجلّد، بيروت، دار الجنان، 1408 هـ . ق.

24 . ايضاح المقاصد من حكمة عين القواعد: لجمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (م 726 هـ . ق)، تهران، 1378 هـ. ش .

25 . ايضاح المكنون (تعليقاً على كشف الظنون): إسماعيل باشا بن محمّد امين البغدادي (م 193 هـ . ق)، استانبول، المعارف، 1366 هـ . ق.

26 . الإيضاح في الخير المحض (= ضمن كتاب الأفلاطونيّة المحدثة عند العرب) : لأرسطو طاليس بن نيقوماخوس (م 322 ق. م)، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثّانية، الكويت، وكالة المطبوعات، 1977 م.

27 . الإيضاح في أُصول الدّين: لأبي الحسن علي بن عبيد الله بن نصر بن


صفحه 327

سهل بن السري بن الزاغرئي البغدادي (م 527 هـ . ق)، تحقيق: د. أحمد عبدالرحيم السايح ود. احسان عبدالغفّار مرزا، الطبعة الأُولى، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينيّة، 1425 هـ . ق .

28 . الإيماضات (= ضمن مصنّفات ميرداماد): للسيّد محمّد بن محمّد الباقر الداماد الحسيني المعروف بـ «ميرداماد» (م 1041 هـ . ق)، تحقيق: عبدالله نوراني، الطبعة الأُولى، طهران، انجمن آثار مفاخر فرهنگى، 1381 هـ . ش .

29 . أبكار الأفكار في أُصول الدين: لأبي الحسن عليّ بن محمّد بن سالم المعروف بـ «سيف الدين الآمدي» (م 613 هـ . ق ) ، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، الطبعة الأُولى، 3 مجلّدات، بيروت، دارالكتب العلميّة، 1424 هـ . ق.

30 . أثولوجيا لأرسطوطاليس: فلوطين (م 270 پ. م)، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثالثة، قم، مكتبة بيدار، 1413 هـ. ش.

31 . أجوبة المسائل (= ضمن رسائل فلسفي) : لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ . ق)، تصحيح وتعليق: السيّد جلال الدّين الآشتياني، الطبعة الثانية، قم، مكتب الإعلام الإسلامي ، 1362 هـ . ش .

32 . أسئلة نجم الدّين الكاتبي عن المعالم لفخر الدّين الرّازي: لنجم الدّين الكاتبي وفخر الدّين الرّازي، مع تعليق عزّ الدولة ابن كمونة، تحقيق: زابينه اشميتكه ورضاپور جوادى، طهران، مؤسسة پژوهشى


صفحه 328

حكمت وفلسفه ايران، 1386 هـ . ش .

33 . أسرار الآيات: لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ. ق)، الطبعة الأُولى، قم، دار النشر حبيب، 1420 هـ . ق.

34 . أُصول الدّين: لأبي منصور عبدالقاهر بن طاهر التميمي البغدادي (م 429 هـ . ق)، الطبعة الثّالثة، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1404 هـ . ق .

35 . أُصول الدين: لفخر الدين محمّد بن عمر الرّازي (م 606 هـ . ق)، بيروت، دار الكتاب العربي، 1404 هـ . ق.

36 . أُصول المعارف: للمولى محسن فيض الكاشاني (م 1092 هـ. ق)، تعليق وتصحيح: سيد جلال الدين الآشتياني، الطبعة الثّانية، قم، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، 1362 هـ . ش .

37 . أنموذج العلوم (= ضمن ثلاثة رسائل): لجلال الدّين محمّد بن أسعد الدّواني (م 908 هـ . ق ) ، مشهد، الآستانة الرضويّة المقدسة، مجمع البحوث الإسلامية، 1411 هـ . ق.

38 . أوائل المقالات: لأبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النّعمان بن المعلم العگبري البغدادي المعروف بـ «الشيخ المفيد» (م 413 هـ . ق ) ، تحقيق: إبراهيم الانصاري، الطبعة الأُولى، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413 هـ . ق.


صفحه 329

(حرف الباء)

39 . باقلاني وآراؤه الكلاميّة: لمحمّد رمضان عبدالله، بغداد، مطبعة الأُمّة، 1986 م .

40 . بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار(عليهم السلام): لمحمّد باقر بن محمّد بن تقي المجلسي (م 1110 هـ . ق )، تحقيق وإعداد: عدّة من العلماء، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403 هـ . ق .

41 . بحوث في الملل والنحل: للعلاّمة الأُستاذ الشيخ جعفر السبحاني، 8 مجلدات،، الطبعة الأُولى، لجنة ادارة الحوزة العلمية بقم المقدسة، 1412 هـ. ق.

42 . البدعة، مفهومها، حدها وآثارها ومواردها: للعلاّمة الأُستاذ الشيخ جعفر السبحاني، الطبعة الأُولى، قم، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1416 هـ . ق .

43 . البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة: لمحمّد جعفر الأسترآبادي المعروف بـ «شريعتمدار» (م 1263 هـ . ق ) ، الطبعة الأُولى، 4 مجلّدات، قم، مكتّب الإعلام الإسلامي، 1423 هـ . ق .

44 . البراهين في علم الكلام: لفخر الدين محمّد بن عمر الرّازي (م 606 هـ . ق)، تحقيق: السيّد محمّد باقر السبزواري، مجلّدان، طهران، انتشارات دانشگاه طهران، 1341 هـ . ش .


صفحه 330

(حرف التاء)

45 . تاج العروس من جواهر القاموس: للسيد محمّد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي (م 1205 هـ . ق)، تحقيق: عبدالستار أحمد فرّاج، 25 مجلد، الكويت، دار الهداية، 1385 هـ . ق .

46 . تاريخ التراث العربي: لفؤاد سزگين، الترجمة: د. عبدالله بن حجازي، المراجعة: مازن يوسف عماوي، الطبعة الثّالثة، 5 مجلّدات، قم، مكتبة المرعشي، 1412 هـ . ق .

47 . تاريخ الفرق الإسلاميّة: للشيخ محمّد خليل الزين، الطبعة الثّانية، بيروت مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1405 هـ . ق .

48 . تاريخ بغداد أو مدينة السلام: لأحمد بن علي الخطيب البغدادي (م 463 هـ . ق ) ، 19 مجلّد، بيروت، دار الكتب العلميّة.

49 . تاريخ الفلسفة اليونانية: ليوسف كرم، الطبعة الأُولى، بيروت، دار العلم.

50 . تجريد الاعتقاد: للخواجة نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (672 هـ . ق)، تحقيق: محمّد جواد الحسيني الجلالي، الطبعة الأُولى، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1407 هـ . ق .

51 . تجريد العقائد: للخواجه نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (672 هـ . ق)، الطبعة الحجريّة، مكان الطبع غير معلوم.

52 . تحرير القواعد المنطقية (شرح الشمسية): لنجم الدّين عمر بن علي


صفحه 331

القزويني المعروف بـ «كاتبي»، (م 493 هـ . ق) مع حاشية السيد الشريف الجرجاني (م 816 هـ . ق)، الطبعة الثانية، قم، منشورات الشريف الرضي، 1363 هـ . ش.

53 . التحصيل: لبهمنيار بن المرزبان (م 458 هـ . ق ) ، تحقيق: مرتضى مطهري، الطبعة الثانية، طهران، مؤسسة انتشارات دانشگاه تهران، 1375 هـ . ش .

54 . التذكرة في أحكام الجوهر والأعراض: للحسين بن متويه النجراني المعتزلي (م 469 هـ . ق ) ، تحقيق: د. سامي نصر لطف و د. فيصل بديرعون، القاهرة، دار الثقافة، 1975 م .

55 . تشييد القواعد في شرح تجريد العقائد: لشمس الدّين محمود بن عبدالرّحمن بن أحمد الاصفهاني الشافعي (م 749 هـ . ق ) ، مخطوطة مكتبة الروضة الرضوية المقدسة في مشهد، قسم الإلهيّات، برقم 166، المرقعة 1357 ـ 1452، وفي مكتبة مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، برقم 3457 .

56 . التصوّر الذريّ في الفكر الفلسفي الإسلامي: لمنى أحمد أبو زيد، الطبعة الأُولى، بيروت، المؤسسة الجامعيّة للدّراسات، 1414 هـ . ق .

57 . تعديل المعيار في نقد تنزيل الأفكار المعروف بـ «نقد التنزيل» (= ضمن كتاب منطق ومباحث الفاظ): للخواجه نصير الدّين محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي (م 672 هـ . ق)، باهتمام: مهدي محقّق


صفحه 332

وتوشي هيكوايزوتسو، طهران، انتشارات دانشگاه طهران، 1370 هــ. ش.

58 . التعريفات: للسيّد الشريف علي بن محمّد الجرجاني (م 816 هـ. ق)، الطبعة الأُولى، بيروت، دار الكتاب العربي، 1405 هـ . ق.

59 . التعليقات (= ضمن كتاب التنبيه على سبيل السعادة): لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، تحقيق: جعفر آل ياسين، الطبعة الأُولى، قم، انتشارات حكمت، 1412 هـ . ق .

60 . تعليقات على الشفاء (= ضمن كتاب الشفاء): لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي، قم، منشورات بيدار، وتبدأ التعليقات من ص 266 .

61 . تعليقات على شوارق الإلهام: للمولى آقا علي المدرس الزنوزي (م 1307 هـ . ق)، المطبوع على حاشية شوارق الإلهام، الطبعة الحجريّة، طهران، مكتبة الفارابي، 1401 هـ . ق.

62 . تعليقات على شوارق الإلهام: للمولى عبدالرحمن بن الميرزا نصر الله الشيرازي (ولد 1268 هـ . ق)، المطبوع على حاشية شوارق الإلهام، الطبعة الحجريّة، طهران، مكتبة الفارابي، 1401 هـ . ق .

63 . تعليقات على شوارق الإلهام: للمولى محمد إسماعيل بن سميع الاصفهاني (م 1277 هـ) المطبوع على حاشية شوارق الإلهام، الطبعة الحجريّة، طهران، مكتبة الفارابي، 1401 هـ . ق .

64 . تعليقات على شوارق الإلهام: للمولى محمد نصير بن زين العابدين


صفحه 333

اللاّهيجي الچهاردهي (م 1270 هـ . ق)، المطبوع على حاشية شوارق الإلهام، الطبعة الحجريّة، طهران، مكتبة الفارابي، 1401 هـ . ق.

65 . التعليقات: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الرابعة، قم، مكتب الإعلام الإسلامي ، 1421 هـ .

66 . التعليق في علم الكلام: لقطب الدّين أبو جعفر محمّد بن الحسن المقرئ النيسابوري، (من أعلام القرن السّادس)، تصحيح: محمود يزدي مطلق، الطبعة الأُولى، مشهد، الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة، 1427 هـ . ق.

67 . تفسير ما بعد الطبيعة: لأبي الوليد محمّد بن رشد الأندلسي (م 595 هـ. ق)، الطبعة الأُولى، 3 مجلدات، طهران، مطبعة الحكمة، 1377 هـ . ش .

68 . تقريب المعارف: لأبي الصلاح نقي الدّين الحلبي (م 447 هـ . ق)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ . ق .

69 . تقويم الإيمان : للسيّد محمّد بن محمّد الباقر الداماد الحسيني المعروف بـ «ميرداماد» (م 1041 هـ . ق)، تحقيق: علي أوجبي، الطبعة الأُولى، طهران، ميراث مكتوب، 1376 هـ . ش .

70 . تلخيص رسالة النفس: لأبي الوليد محمّد بن رشد الأندلسي (م 595 هـ . ق)، د. رفيق العجم ود. جبيرار جهامي، الطبعة الأُولى، بيروت، دار الفكر، 1994 م .


صفحه 334

71 . تلخيص كتاب المزاج لجالينوس (= ضمن رسائل الطبيّة): لأبي الوليد محمّد بن رشد الأندلسي (م 595 هـ . ق)، تحقيق: د. چورچ شحاته قنواني وسعيد زايد، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، مركز تحقيق التراث، 1407 هـ . ق.

72 . تلخيص المحصل المعروف بـ «نقد المحصل»: للخواجه نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (م 672 هـ . ق) الطبعة الثّانية، بيروت، دار الأضواء، 1405 هـ . ق .

73 . التلويحات (= ضمن مجموعة مصنفات شيخ اشراق): للشيخ شهاب الدّين أبي الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي (م 587 هـ . ق)، تصحيح: هنرى كربين، الطبعة الثّانية، طهران، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى، 1372 هـ . ش .

74 . التنبيه على سبيل السعادة: لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، تحقيق: جعفر آل ياسين، الطبعة الأُولى، قم، انتشارات حكمت، 1412 هـ . ق.

75 . التوحيد: لأبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بـ «الشيخ الصدوق» (م 381 هـ . ق) قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1398 هـ . ق.

76 . التوحيد: لأبي رشيد سعيد بن محمّد النيسابوري (م 440 هـ . ق)،


صفحه 335

تحقيق: د. محمّد عبدالهادي أبو ريدة، القاهرة، المؤسسة المصريّة العامّة، 1968 م .

77 . التوحيد: لأبي منصور محمّد بن محمّد محمود الماتريدي (م 333 هـ. ق)، تحقيق: د. فتح الله خليف، القاهرة، دار الجامعات المصريّة.

78 . تهافت التهافت: لأبي الوليد محمّد بن رشد الأندلسي (م 595 هـ . ق)، تعليق: د. محمّد العريبي، الطبعة الأُولى، بيروت، دار الفكر، 1993 م .

79 . تهافت الفلاسفة: لأبي حامد محمّد بن محمّد الغزّالي الطوسي (م 505 هـ . ق ) ، تقديم وشرح: د. علي بو ملحم، الطبعة الأُولى، بيروت، مكتبة الهلال، 1994 م .

80 . تهذيب الأحكام: لأبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي شيخ الطائفة (م 460 هـ . ق)، إعداد: السيد حسن الموسوي، الطبعة الرابعة، 10 مجلّدات، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1365 هـ . ش .

(حرف الجيم)

81 . جامع الأفكار وناقد الأنظار: لمحمّد المهدي بن أبو ذر النّراقيّ (م 1209 هـ . ق ) ، تقديم وتصحيح: مجيد الهادي زاده الطبعة الأُولى، مجلدان، طهران، انتشارات حكمت، 1423 هـ . ق.

82 . الجديد في الحكمة: لسعد بن منصور بن كمونة (م 683 هـ . ق)، تحقيق: حميد مرعيد الكبيسي، بغداد، مطبعة جامعة بغداد، 1403 هـ. ق.


صفحه 336

83 . الجمع بين رأيي الحكيمين: لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، تحقيق وتقديم: د. علي بوملحم، الطبعة الأُولى، بيروت، دار مكتبة الهلال للطباعة والنشر، 1996 م .

84 . الجوهر النّضيد: لجمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (م 726 هـ . ق)، الطبعة الخامسة، قم، انتشارات بيدار، 1413 هـ. ق .

(حرف الخاء)

85 . حاشية الصدّيقيّة على شرح الهداية الأثيريّة للميبدي: لمحمّد صدّيق البيشاوري ، پيشاور، اسلامى كتب خانه.

86 . الحاشية على الأسفار: للحكيم الحاج ملاّ هادي السبزواري (م 1289 هـ . ق)، طبعت تعليقاً على الأسفار، الطبعة الثالثة، بيروت دار إحياء التراث العربي، 1981 م .

87 . الحاشية على إلهّيات الشرح الجديد: لأحمد بن محمّد المقدّس الأردبيلي (م / 993 هـ . ق)، تحقيق: أحمد العابدي، الطبعة الثّانية، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1419 هـ . ق.

88 . الحاشية على إلهيّات تجريد العقائد للقوشجي: لفخر الدّين محمّد بن حسن السّمّاكيّ الأسترآبادي، (م 948 هـ . ق)، المطبوع على حاشية شرح تجريد العقائد، الطبعة الحجريّة، قم، منشورات الشريف الرضي وبيدار وعزيزي.


صفحه 337

89 . الحاشية على إلهيّات شرح التجريد: لشمس الدّين محمّد بن أحمد الخفري الشيرازي (م 942 هـ . ق)، تصحيح: فيروزه ساعتچيان، الطبعة الأُولى، تهران، ميراث مكتوب، 1382 هـ. ش .

90 . الحاشية على تحرير القواعد المنطقيّة للكاتبي: للسيّد الشريف علي بن محمد الجرجاني (م 816 هـ . ق) تعليقاً على تحرير القواعد، الطبعة الثّانية، قم، منشورات الشريف الرضي، 1363 هـ . ش .

91 . الحاشية على حاشية الخفري (= ضمن مصنفات ميرداماد): للسيّد محمد بن محمد الباقر الداماد الحسيني (1041 هـ . ق)، تحقيق: عبدالله نوراني، الطبعة الأُولى، تهران، انتشارات انجمن آثار ومفاخر فرهنگى، 1381 هـ . ش .

92 . الحاشية على حاشية الخفري: لآقا جمال الخوانساري (1125 هـ . ق)، تحقيق: رضا الأستادي، الطبعة الأُولى، قم، مطبعة سلمان الفارسي، 1378 هـ . ش .

93 . الحاشية على شرح الإشارات: لآقا حسين بن محمّد الخوانساري (م 1098 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، مجلّدان، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1420 هـ . ق.

94 . الحاشية على شرح العقائد النسفيّة: لمصلح الدّين مصطفى الكستلي (م 901 هـ . ق)، المطبوع على حاشية شرح العقائد النسفيّة، اسلامبول ـ تركية، 1326 هـ . ق.


صفحه 338

95 . الحاشية على شرح المطالع في المنطق: للسيّد شريف علي بن محمّد الجرجاني (م 816 هـ . ق)، طبعت تعليقاً على شرح المطالع، الطبعة الحجريّة، قم، انتشارات مكتبة النجفي .

96 . حاشية على شرح المواقف: لعبد الحكيم بن شمس الدين السيالكوتي (م1067 هـ .ق)، طبعت تعليقاً على شرح المواقف، الطبعة الأُولى، قم، منشورات الشريف الرّضي، 1412 هـ . ق .

97 . الحاشية على شرح تجريد العقائد: لجلال الدّين محمّد بن أسعد الدّواني (م 908 هـ . ق)، المطبوع على حاشية شرح تجريد العقائد، الطبعة الحجريّة، قم، منشورات الشريف الرضي.

98 . الحاشية على شرح تجريد العقائد: لسيد الحكماء أمير صدر الدّين محمّد الدشتكي (م (903 هـ . ق)، المطبوع على حاشية شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدواني والسيّد الصدر وغيرهما، الطبعة الحجريّة، مكان الطبع غير معلوم، المسودّ 1307 هـ . ق .

99 . الحاشية على شرح تجريد العقائد: للمولى عبدالرزاق اللاّهيجي (م 1072 هـ . ق)، المطبوع على حاشية شرح تجريد العقائد، الطبعة الحجريّة، قم، منشورات الشريف الرضي ـ بيدار ـ عزيزي.

100 . الحاشية على شرح تجريد العقائد: للمولى علي بن عبدالله بن محمّد بن محبّ العلياري (م 1327 هـ . ق)، المطبوع على حاشية شرح تجريد العقائد، الطبعة الحجريّة، قم، منشورات الشريف الرضي.


صفحه 339

101 . الحاشية على شرح تجريد العقائد: لميرزا جان حبيب الله الباغنوي الشيرازي (م 994 هـ ق.)، المطبوع على حاشية شرح تجريد العقائد، الطبعة الحجريّة، قم، منشورت الشريف الرضي.

102 . الحاشية على شرح حكمة الإشراق للقطب: لصدر الدّين محمّد بن إبراهيم الشيرازي (1050 هـ . ق) المطبوع على حاشية شرح حكمة الإشراق للقطب الرازي، الطبعة الحجريّة، قم، منشورات بيدار.

103 . الحدود: لقطب الدّين أبو جعفر محمّد بن الحسن النيسابوري (من أعلام القرن السادس)، تحقيق: د. محمود يزدي مطلق، الطبعة الأُولى، قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1414 هـ . ق .

104 . الحدود والحقائق (= ضمن رسائل الشريف المرتضى): للسيّد الشريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسويّ (م 436 هـ . ق)، قم، دار القرآن الكريم، 1405 هـ . ق.

105 . حكمة الإشراق (= ضمن مجموعة مصنفات شيخ اشراق): للشيخ شهاب الدّين أبي الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي (م 587 هـ . ق)، تصحيح: هنرى كربين، الطبعة الثّانية، طهران، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى، 1372 هـ . ش .

106 . الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة: لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ . ق)، الطبعة الثالثة، 9 مجلّدات، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1981 م .


صفحه 340

(حرف الدال)

107 . دائرة المعارف القرن العشرين: لمحمد فريد وجدي، الطبعة الثّالثة، بيروت، دار المعرفة.

108 . دائرة المعارف: للمعلّم بطرس البستاني، بيروت، دار المعرفة.

109 . الدّرة الفاخرة في تحقيق مذهب الصوفيّة والمتكلّمين والحكماء المتقدّمين: لنور الدّين عبدالرّحمن الجامي (م 898 هـ . ق)، طهران، انتشارات دانشگاه طهران، 1358 هـ . ش.

110 . الدعاوي القلبية (= ضمن رسالة إثبات المفارقات): لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، الطبعة الأُولى، حيدرآباد، مطبعة مجلس دائرة المعارف، 1349 هـ . ق.

111 . دلالة الحائرين: لموسى بن ميمون القرطبيّ الآندلسي (م 603 هـ . ق ) ، تقديم والترجمة: حسين آتاي، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينيّة.

(حرف الذال)

112 . الذخيرة في علم الكلام: للسيّد شريف المرتضى علي بن الحسين الموسويّ (م 436 هـ . ق)، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني، الطبعة الأُولى، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1411 هـ . ق .

113 . الذريعة إلى تصانيف الشيعة: للشيخ آقا بزرگ الطهراني (م 1389 هـ. ق)، الطبعة الأُولى، 25 جزء في 28 مجلّداً، دانشگاه تهران.


صفحه 341

(حرف الراء)

114 . رسائل إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء: لإخوان الصفاء (جماعة الإخوان في القرن الرابع الهجري)، الطبعة الأُولى، 4 مجلدات، بيروت، دار الكتاب العربي.

115 . رسائل الشريف المرتضى: للسيّد شريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي (م 436 هـ . ق)، قم، دار القرآن الكريم، 1405 هـ . ق.

116 . رسائل الشهيد الثاني: زين الدين بن علي الأملي المعروف بـ «الشهيد الثاني» (م 966 هـ . ق)، تحقيق: مركز الابحاث والدراسات الإسلامية قسم إحياء التراث الإسلامية ، قم، انتشارات دفتر تبليغات، 1422 هـ . ق.

117 . الرسائل العشر: لأبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي شيخ الطائفة (م 460 هـ . ق)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.

118 . رسائل فلسفي: لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ .ق)، تصحيح وتعليق: السيّد جلال الدّين الآشتياني، الطبعة الثانية، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1362 هـ . ش

119 . رسائل فلسفيّة: لمحمد بن زكريّا الرّازي (م 312 هـ . ق)، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي، الطبعة الرّابعة، بيروت، دارالآفاق الجديدة، 1400 هـ . ق .

120 . رسائل: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ. ق)، تحقيق: محسن بيدارفر، قم، مطبعة بيدار، 1400 هـ .


صفحه 342

121 . رسالة اتّحاد العاقل بالمعقول (= ضمن مجموعة رسائل فلسفيّة): لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1422 هـ . ق .

122 . رسالة إثبات الواجب الجديدة (= ضمن سبع رسائل): لجلال الدّين محمّد بن أسعد الدّواني (م 908 هـ . ق ) ، تحقيق: السيّد أحمد تويسركاني، الطبعة الأُولى، طهران، ميراث مكتوب، 1423 هـ . ق .

123 . رسالة الأجوبة عن مسائل البيروني (= ضمن رسائل الشيخ): للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، تحقيق: محسن بيدار فر، الطبعة الأُولى، قم، مطبعة بيدار، 1400 هـ . ق.

124 . رسالة التصوّر والتصديق (= ضمن مجموعة رسائل فلسفيّة): لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1422 هـ . ق .

125 . رسالة الحدوث: لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ .ق)، تحقيق: د. السيّد حسين الموسويان، الطبعة الأُولى، طهران، بنياد حكمت إسلامي صدرا، 1378 هـ . ش.

126 . رسالة الحدود: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، تحقيق: محسن بيدارفر، قم، مطبعة بيدار، 1400 هـ .

127 . رسالة في أثبات المفارقات: لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، الطبعة الأُولى، حيدرآباد، طبعة مجلس دائرة


صفحه 343

المعارف، 1349 هـ . ق .

128 . رسالة في الأجرام العلوية (= ضمن شرح تسع رسائل في الحكمة والطبيعيّات) : للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، الشارح: مصطفى النّوراني (م 1423 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، قم، مؤسسة مكتبة أهل البيت:، 1370 هـ . ش .

129 . رسالة في اعتقاد الحكماء: للشيخ شهابد الدين أبي الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي (م 587 هـ . ق)، تقديم والترجمة: محمّد كريمي الزنجاني الأصل، وباللّغة الفرنسيّة، هانري كربن، الطبعة الأُولى، طهران، مطبعة الاساتير، 1383 هـ . ش.

130 . رسالة في تحقيق الهيولى: لشمس الدّين محمّد بن أحمد الخفري (م 942 هـ . ق)، تحقيق: عبدالعلي البهاري، مشهد، دانشگاه علوم اسلامى رضوى، 1379 هـ . ش .

131 . رسالة في قدم العالم (= ضمن كتاب الأفلاطونيّة المحدثة عند العرب): لأبرقلس أو ابروقلوس (م 485 پ. م)، تحقيق عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثانية، الكويت، وكالة المطبوعات، 1977 م .

132 . رسالة في المزاج (= ضمن مجموعة رسائل فلسفيّة) : لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1422 هـ . ق .

133 . الرسالة الكماليّة في الحقائق الإلهيّة : لفخر الدين محمّد بن عمر


صفحه 344

الرّازي (م 606 هـ . ق).

134 . رسالة ما بعد الطبيعة: لأبي الوليد محمّد بن رشد الأندلسي (م 595 هـ. ق)، تحقيق: رفيق العجم وجبيرارجهامي، الطبعة الأُولى، بيروت، دار الفكر، 1994 م .

135 . رياضيّات الشفاء: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، تحقيق: محمد رضا مدور و د. إبراهيم أحمد، مجلدان، الإدارة العامّة للثّقافة، الجمهوريّة العربيّة المتّحدة.

(حرف السين)

136 . السماع الطبيعي: لأرسطو طاليس بن نيقوماخوس (م 322 ق. م)، محل النشر غير معلوم.

137 . سنن أبي داود: لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (م 275 هـ. ق)، 4 مجلّدات، القاهرة، دار المصريّة اللبنانيّة، 1408 هـ . ق.

138 . سير أعلام النبلاء: لأبي عبدالله محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (م 748 هـ . ق)، تحقيق: شعيب الارنؤوط ومحمّد نعيم العرقسوسي، الطبعة التّاسعة، 25 مجلّد، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1413 هـ . ق .

(حرف الشين)

139 . الشافي في الإمامة: للسيد شريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي (م 436 هـ . ق)، تحقيق: السيد عبدالزهراء الحسيني الخطيب،


صفحه 345

الطبعة الثّانية، 4 مجلّدات، طهران، مؤسسة الصادق، 1410 هـ . ق.

140 . الشامل في أُصول الدين: لأبي المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني الشافعي المعروف بـ «امام الحرمين» (م 478 هـ . ق)، تحقيق: هلوت كلوبفر، القاهرة، دار العرب، 1988 م.

141 . شرح الإشارات والتنبيهات: للخواجة نصير الدين محمد بن محمد الحسن الطوسي (672 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، 3 مجلدات، قم، نشر البلاغة، 1375 هـ . ش .

142 . شرح الأُصول الخمسة: للقاضي عبدالجبّار بن أحمد الهمداني الأسدآبادي (م 415 هـ . ق)، تعليق: أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، تحقيق: عبدالكريم عثمان، الطبعة الأُولى، القاهرة، مكتبة وهبة، 1384 هـ . ق.

143 . شرح التلويحات: لسعد منصور بن كمونة (م 683 هـ . ق)، مخطوطة مركز احياء التراث الإسلامي، قم، المرقمة 3244 .

144 . شرح العرشية: للشيخ أحمد زين الدين الاحسائي (م 1241 هـ . ق)، الطبعة الثّانية، كرمان، مطبعة السعادة، 1364 هـ . ش .

145 . شرح أثولوجيا لأرسطاطاليس (= ضمن كتاب أرسطو عند العرب): للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثّانية، الكويت، وكالة المطبوعات، 1978 م .


صفحه 346

146 . شرح تجريد العقائد: لعلاء الدّين عليّ بن محمّد القوشجي (879 هـ . ق)، الطبعة الحجريّة، قم، منشورات الشريف الرضي.

147 . شرح حكمة الإشراق: لشمس الدين محمّد بن محمود الشهرزُوري (م 687 هـ . ق)، تحقيق: حسين الضيائي التربتي، الطبعة الأُولى، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى، 1372 هـ . ش.

148 . شرح حكمة الإشراق: لقطب الدّين، محمود بن ضياء الدّين مسعود الشيرازي (م 710 هـ. ق)، المطبوع بالطبعة الحجريّة، قم، منشورات بيدار.

149 . شرح حكمة العين: لشمس الدّين محمّد بن مبارك شاه البخاري (من اعلام قرن 8 هـ . ق ) ، تقديم وتصحيح: جعفر الزاهد، مشهد، دانشگاه فردوسي، 1353 هـ . ش .

150 . شرح رسالة زينون الكبير اليوناني (= ضمن رسالة إثبات المفارقات) : لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، الطبعة الأُولى، حيدرآباد، مطبعة مجلس دائرة المعارف، 1349 هـ . ق.

151 . شرح العقائد النّسفيّة: لسعيد الدّين مسعود بن عمر التفتازاني (م 793 هـ . ق)، بهامشه حاشية مصطفى الكستلي (م 901 م هـ . ق)، محل الطبع غير معلوم، 1326 هـ . ق .

152 . شرح عيون الحكمة: لفخر الدين محمّد بن عمر الرّازي (م 606 هـ. ق)،


صفحه 347

تحقيق: د. أحمد حجازي السّقا، الطبعة الأُولى، 3 مجلّدات، القاهرة دار التضامن، 1400 هـ . ق .

153 . شرح غرر الفوائد (شرح المنظومة قسم الحكمة): للحكيم الحاج ملاّ هادي السبزواري (م 1289 هـ . ق)، تهران، دانشگاه، 1360 هـ . ش .

154 . شرح فصوص الحكمة: للسيّد إسماعيل الحسيني الغازاني (م 919 هـ. ق)، تحقيق: علي الأوجبي.

155 . شرح كتاب حرف اللاّم لأرسطاطاليس (= ضمن كتاب أرسطو عند العرب): لثاسطيوس (م 388 پ. م) تحقيق: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثّانية، الكويت، وكالة المطبوعات، 1978 م .

156 . شرح كتاب حرف اللاّم لأرسطا طاليس (= ضمن كتاب أرسطو عند العرب): للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثّانية، الكويت، وكالة المطبوعات، 1978 م .

157 . شرح مسألة العلم: للخواجة نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (672 هـ . ق)، تحقيق: عبدالله نوراني، مشهد، مطبعة جامعة، 1385 هـ. ق .

158 . شرح المطالع في المنطق: لقطب الدّين الراوندي (م 766 هـ . ق)، قم، مكتبة النجفي .

159 . شرح المطلع على متن ايساغوجي في المنطق: لأبي يحيى زكريا


صفحه 348

الأنصاري، مصر، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1315 هـ . ق .

160 . شرح المقاصد: لسعيد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (م 793 هـ. ق)، تحقيق وتعليق: عبدالرحمن عمير، الطبعة الأُولى، 5 أجزاء في 4 مجلّد، قم، منشورات الشريف الرّضي، 1409 هـ . ق / 1989 م.

161 . شرح المنظومة: للحكيم الحاج ملاّ هادي السبزواري (م 1289 هـ . ق)، تحقيق: مسعود الطالبي، الطبعة الأُولى، مجلّدان، نشر ناب، قم، 1413 هـ . ق / 1992 م .

162 . شرح منظومة: للحكيم الحاج ملاّ هادي السبزواري (م 1289 هـ. ق)، تعليق: حسن حسن زاده الآملي، الطبعة الأُولى، قم، نشر ناب، 1416 هـ. ق .

163 . شرح المواقف: للسيّد الشريف علي بن محمّد الجرجاني (م 816 هـ. ق)، تحقيق: السيّد محمّد بدر الدين النعساني، ويليه حاشية السيالكوتي والجبلي، الطبعة الأُولى، 8 اجزاء في 4 مجلّدات، قم، منشورات الشّريف الرّضي، 1412 هـ . ق. بالأوفست عن طبعة مصر، 1325 هـ . ق / 1907 م .

164 . شرح الهداية الإثيريّة: لحسين بن معين الدّين الميبدي (م 910 هـ. ق) ، طهران، مطبعة المرتضويّة، 1331 هـ . ق .

165 . شرح هداية الأثيريّة: لصدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ . ق)، تصحيح: محمد مصطفى فولادكار، الطبعة الأُولى،


صفحه 349

بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، 1422 هـ . ق.

166 . شرحي الإشارات: للخواجة نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (672 هـ . ق)، وفخر الدّين الرّازي (م 606 هـ) قم، مكتبة النجفي، 1404 هـ . ق .

167 . الشواهد الرّبوبيّة في المناهج السّلوكيّة: لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ . ق)، تصحيح وتعليق: السيّد جلال الدّين الآشتياني، الطبعة الثّالثة، مكتب الإعلام الإسلامي، 1383 هـ . ش .

(حرف الصاد)

168 . الصحاح (تاج اللّغة وصحاح العربية): لإسماعيل بن حمّاد الجوهري (م 393 هـ . ق)، تحقيق: أحمد بن عبدالغفور العطّاري، الطبعة الثّانية، 6 مجلّدات، بيروت، دار العلم للملايين، 1404 هـ . ق .

169 . صحيح البخاري: لمحمّد بن إسماعيل البخاري (م 256 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، 6 مجلّدات، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1420 هـ . ق.

170 . صحيح مسلم: لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (م 261 هـ . ق)، مصر، 5 مجلّدات، مطبعة محمّد علي صبيح.

171 . الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم: لعلي بن يونس العاملي (م 877 هـ . ق)، تحقيق: محمّد الباقر البهيودي، الطبعة الأُولى، المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة، 1384 هـ . ق .


صفحه 350

172 . صراط المستقيم في ربط الحادث بالقديم: للسيّد محمّد بن محمّد الباقر الداماد الحسيني المعروف بـ «ميرداماد» (م 1041 هـ . ق)، تحقيق: علي أوجبي، الطبعة الأُولى، طهران، مركز نشر ميراث مكتوب، 1381 هـ . ش.

(حرف الطاء)

173 . طبقات الأطباء والحكماء: لأبي داود سليمان بن حسان الآندلسي المعروف بـ «ابن جلجل» (م 372 هـ . ق)، تعليق: السيّد محمّد كاظم الإمامي، طهران، 1349 هـ . ش .

174 . الطبيعة: لأرسطو طاليس بن نيقوماخوس (م 322 ق. م)، ترجمة: إسحاق بن حنين، مع شرح: ابن السّمح وابن عديّ ومتى بن يونس وأبي الفرج بن الطيّب، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الأُولى، القاهرة، مطابع الهيئة المصريّة العامة للكتاب.

175 . طبيعيّات الشفاء: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، راجعه وقدم له: د. إبراهيم مدكور، تحقيق:. محمود قاسم، سعيد زايد، چورچ قنواتي، عبدالحليم منتصر وعبدالله إسماعيل، مجلدان الإدارة العامّة للثقافة، الجمهوريّة العربيّة المتّحدة.

(حرف العين)

176 . عصرة المنجود في علم الكلام: لزين الدّين علي بن محمّد بن يونس العاملي النباطي البياضي (م 877 هـ . ق)، تحقيق: حسين التنكابني،


صفحه 351

الطبعة الأُولى، قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1428 هـ . ق .

177 . علم الأخلاق إلى نيقوماخوس: لأرسطو طاليس بن نيقوماخوس (م 322 ق. م)، تعريب: أحمد لطفي السيّد، مجلّدان، القاهرة، دار الكتب، 1343 هـ . ق .

178 . العلم الإلهي (= ضمن كتاب أرسطوعند العرب): لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثّانية، الكويت، وكالة المطبوعات، 1978 م .

179 . علم اليقين في أُصول الدّين: للمولى محسن فيض الكاشاني (م1092 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، قم، انتشارات بيدار، 1400 هـ . ق .

180 . العين: لأبي عبدالرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي (م 175 هـ . ق)، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، الطبعة الثانية، 8 مجلّدات، قم، مؤسسة دار الهجرة، 1409 هـ . ق.

181 . عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء: لموفق الدّين أبي العبّاس أحمد بن القاسم السَّعدي الخزرجيّ المعروف بـ «ابن أصيبة» (م 668 هـ . ق)، تصحيح: محمّد باسل عيون السّود، الطبعة الأُولى، بيروت، دارالكتب العلميّة، 1419 هـ . ق .

182 . عيون الحكمة: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثّانية، بيروت، دار القلم، 1980 م.


صفحه 352

183 . عيون أخبار الرضا (عليه السلام): للشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القمي (م 381 هـ . ق)، تحقيق: السيّد مهدي الحسيني اللاجوردي، الطبعة الثانية، مجلّدان، قم، رضا مشهدي، 1363 هـ . ش .

184 . عيون المسائل (= ضمن المجموع للمعلّم الثاني): لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، الطبعة الأُولى، مصر، مطبعة السعادة، 1325 هـ . ق .

(حرف الغين)

185 . غرر الحكم ودرر الكلم: للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)(الشهادة 40 هـ . ق)، اعداد: عبدالواحد بن محمّد التّميمي الآمدي (م 550 هـ . ق)، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1366 هـ . ش .

186 . الغنية في أُصول الدّين: لأبي سعيد عبدالرحمن النيسابوري المعروف بـ «المتولي الشّافعي» (م 478 هـ . ق)، تحقيق: عماد الدّين أحمد حيدر، الطبعة الأُولى، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافيّة، 1406 هـ . ق.

(حرف الفاء)

187 . الفروع من الكافي: لمحمّد بن يعقوب الكليني (م 329 هـ . ق)، الطبعة الرّابعة، 5 مجلّدات، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1365 هـ . ش .

188 . الفروق اللّغويّة: لأبي هلال حسن بن عبدالله العسكري (م 395 هـ . ق)، قم، منشورات مكتبة البصيرتي، 1353 هـ . ش.


صفحه 353

189 . فصوص الحكمة (= ضمن روح فصوص الحكمة للغازاني): لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، تحقيق: علي الأوجبي، الطبعة الأُولى، مؤسسة مطالعات إسلامي دانشگاه تهران، 1381 هـ . ش.

190 . فصول منتزعة: لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، تحقيق: د. فوزي متري نجّار، الطبعة الثالثة، طهران، المكتبة الزّهراء، 1405 هـ .

191 . فقه القرآن: لقطب الدّين الراوندي (م 573 هـ . ق)، الطبعة الثّانيّة، مجلّدان، قم، مكتبة النجفي، 1405 هـ . ق .

192 . الفوائد الرجاليّة: للسيّد محمّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي (م 1212 هـ . ق)، تحقيق: محمّد صادق وحسين بحر العلوم، الطبعة الأُولى، 4 مجلّدات، طهران، مكتبة الصادق، 1363 هـ . ق .

193 . الفهرست: لمحمّد بن إسحاق النديم البغدادي (م 385 هـ . ق)، تحقيق رضا تجدد، الطبعة الثّانية، طهران، انتشارات المروي، 1393 هـ . ق .

194 . فيزياء السّماع الطبيعي: لأرسطو طاليس بن نيقوماخوس (م 322 ق. م)، ترجمة: عبدالقادر قينيني، بيروت، أفريقيا الشرق، 1998 م .

(حرف القاف)

195 . القانون في الطب: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا


صفحه 354

(م 428 هـ . ق)، تحقيق: إدوار القش، الطبعة الأُولى، 4 مجلّدات، بيروت، مؤسسة عزّ الدين، 1413 هـ .

196 . القبسات: للسيّد محمد بن محمّد الباقر الداماد الحسيني المعروف بـ «ميرداماد» (م 1041 هـ . ق)، تحقيق: مهدي المحقّق، طهران، جامعة طهران، 1367 هـ . ش.

197 . قرب الإسناد: لعبدالله بن جعفر الحميري القمي (من اعلام قرن 3 هـ. ق)، طهران، انتشارات كتابخانه نينوى.

198 . قرّة العيون في المعارف والحكم: للمولى محسن فيض الكاشاني (م 1092 هـ . ق)، تحقيق: محسن عقيل، الطبعة الثّانية، قم، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، 1423 هـ . ق.

199 . قواعد المرام في علم الكلام: لميثم بن عليّ بن ميثم البحراني (م 699 هـ . ق)، الطبعة الثانية، قم، مكتبة النجفي، 1406 هـ . ق .

200 . القول السديد في شرح التّجريد: لمحمّد المهدي الحسيني الشيرازي، الطبعة الأُولى، نجف الأشرف، مطبعة الآداب، 1381 هـ . ق .

(حرف الكاف)

201 . كتاب الحروف: لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، تحقيق: محسن المهدي، الطبعة الأُولى، مصر، دار المشرق، 1970 م.


صفحه 355

202 . كتاب النفس: لأبي بكر محمّد بن باجة الأندلسي (م 533 هـ . ق)، تحقيق: محمّد صغير حسن المعصومي، الطبعة الثّانية، بيروت، دار الصادر، 1412 هـ . ق .

203 . كتاب النّفس: لأرسطو طاليس بن نيقوماخوس (م 322 ق. م)، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، بيروت، دار القلم، 1980م .

204 . كشاف اصطلاحات الفنون: لمحمّد علي الفاروقي التهانوي (م 1158 هـ . ق)، مصر، المؤسسة المصريّة العامّة، 1382 هـ . ق.

205 . كشف البراهين في شرح رسالة زاد المسافر: للشيخ محمّد بن أبي جمهور الأحسائي (م 901 هـ . ق ) ، تحقيق: الشيخ وجيه بن محمّد المسبّح، الطبعة الأُولى، مؤسّسة أم القرى، 1380 هـ . ش.

206 . كشف الحقائق المحمّدية (= ضمن مجموعة مصنّفات دشتكي): لغياث الدّين منصور الدشتكي الشيرازي (م 949 هـ . ق)، تحقيق: عبدالله النوراني، الطبعة الأُولى، طهران، انجمن آثار ومفاخر فرهنگى، 1386 هـ . ش .

207 . كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: لجمال الدّين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (م 726 هـ . ق)، تحقيق: الشيخ حسن مكيّ العاملي، الطبعة الأُولى، بيروت، دار الصفوة، 1413 هـ . ق .

208 . كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبدالله المعروف بحاجي خليفة وبكاتب چلبي (م 1067 هـ . ق) إعداد: أحمد


صفحه 356

شمس الدين، الطبعة الأُولى، 4 مجلّدات، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1413 هـ. ق .

209 . كشف مراد في تجريد الاعتقاد: لجمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (م 726 هـ . ق)، تعليق: السيد إبراهيم الموسوي الزنجاني، الطبعة الثانية، قم، انتشارات شكوري، 1413 هـ. ق .

210 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: لجمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (م 726 هـ . ق)، تحقيق وتعليق: حسن حسن زاده الآملي، الطبعة الأُولى، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 هـ . ق.

211 . الكلام المتين في تحرير البراهين: لمحمّد عبد الحيّ اللكنويّ الهندي الانصاري، الهند ـ دهلي.

212 . الكليّات مجعم في المصطلحات والفروق اللّغويّة: لأبي البقاء أيوّب بن موسى الحسيني الكندي (م 1094 هـ . ق ) ، تصحيح: عدنان درويش محمّد المصري، الطبعة الثانية، القاهرة، دار الكتاب الإسلامي، 1413 هـ .ق .

213 . كنزل العمّال في سنن الأقوال والأفعال: لعلاء الدّين عليّ المتقي بن حسام الدّين الهندي (م 975 هـ . ق)، تحقيق: الشيخ بكري، الطبعة الخامسة، 18 مجلّد، بيروت مؤسسة الرسالة، 1409 هـ . ق .

214 . الكنّى والألقاب: للشيخ عبّاس بن محمّد رضاالقمّي (1359 هـ . ق ) ،


صفحه 357

تحقيق: محمّد هادي الأميني، الطبعة الخامسة، 3 مجلّدات، طهران، مكتبة الصدر، 1409 هـ . ق.

215 . الكون والفساد: لأرسطو طاليس بن نيقوماخوس (م 322 ق. م)، تعريب: أحمد لطفي السيّد، القاهرة، دار الكتب المصريّة، 1350 هـ . ق .

216 . گوهرمراد: عبدالرزاق اللاّهيجي (م 1072 هـ . ق)، تصحيح وتحقيق: مؤسسة الإمام الصادق 7، الطبعة الأُولى، طهران، نشر سايه، 1383 هـ. ش.

(حرف اللام)

217 . لباب العقول في الرّد على الفلاسفة في علم الأُصول: لأبي الحجاج يوسف بن محمّد المكلاني (م 626 هـ . ق ) ، تحقيق: د. فوقيه حسين محمود، الطبعة الأُولى، القاهرة، دار الانصار، 1977 م.

218 . لسان العرب: لجمال الدّين محمّد بن مكرم بن منظور المصري (م 711 هـ . ق)، 15 مجلّداً، الطبعة الأُولى، قم، نشر أدب الحوزة، 1405 هـ. ق، بالأوفست عن طبعة بيروت، 1376 هـ . ق .

219 . لسان الميزان: شهاب الدّين أبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني (م 852 هـ . ق)، الطبعة الثّانية، 7 مجلّدات، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1390 هـ . ق .

220 . لمعات إلهيّة: لمولى عبدالله الزنوزي (م 1275 هـ . ق ) ، تصحيح وتقديم: السيّد جلال الدّين الآشتياني، الطبعة الأُولى، طهران، مؤسسة


صفحه 358

مطالعات وتحقيقات فرهنگى، 1361 هـ . ش .

(حرف الميم)

221 . ما بعد الطبيعة الموسوم بـ «ألف الصغرى»: لأرسطو طاليس بن نيقوماخوس (م 322 ق. م)، ترجمة: إسحاق بن حنين، مع تفسير يحيى بن عدي وابن رشد، تحقيق: السيد محمّد مشكوة، محل النشر غير معلوم.

222 . ما بعد الطبيعة: لأرسطو طاليس بن نيقوماخوس (م 322 ق. م)، ترجمة: محمد حسن لطفي، الطبعة الأُولى، طهران، انتشارات طرح نو، 1378 هـ . ش .

223 . المباحث المشرقيّة في علم الإلهيّات والطبيعيات: لفخر الدين محمّد بن عمر الرّازي (م 606 هـ . ق)، الطبعة الثانية، مجلّدان، قم، مكتبة بيدار، 1411 هـ . ق .

224 . المباحث المشرقيّة في علم الإلهيّات والطبيعيّات: لفخر الدّين محمّد بن عمر الرازي (م 606 هـ . ق)، تحقيق: محمّد المعتصم بالله البغدادي، الطبعة الأُولى، مجلّدان، بيروت، دار الكتاب العربي، 1410 هـ. ق .

225 . المبدأ والمعاد: لصدر الدّين محمّد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ . ق)، تحقيق: السيّد جلال الدّين الآشتياني، الطبعة الثالثة، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1422 هـ . ق .

226 . المبدأ والمعاد: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا


صفحه 359

(م 428 هـ . ق)، تصحيح: عبدالله النوراني، الطبعة الثانية، طهران، مؤسسة مطالعات إسلامي دانشگاه تهران، 1383 هـ . ش .

227 . مجمع البحرين ومطلع النيّرين: للشيخ فخر الدّين الطريحي (م 1087 هـ . ق)، إعداد: السيّد أحمد الحسيني، 6 مجلّدات، طهران، المكتبة المرتضويّة، 1365 هـ . ش .

228 . المجموع المحيط بالتكليف في العقائد: للقاضي عبدالجبار بن أحمد الهمداني الأسدآبادي (م 415 هـ . ق ) ، تحقيق: عمر السيّد عزمي، مراجعه: فؤاد الأهواني، المؤسسة المصريّة العامّة.

229 . المجموع للمعلّم الثّاني: لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، الطبعة الأُولى، مصر، مطبعة السعادة، 1325 هـ . ق .

230 . مجموعة رسائل فلسفيّة : لصدر الدّين محمد بن إبراهيم الشيرازي (م 1050 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1422 هـ . ق .

231 . المحاكمات بين شرحي الإشارات (تعليقاً على شرح الإشارات): لقطب الدين محمّد بن محمّد بن أبي جعفر الرّازي، (م 767 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، 3 مجلّدات، قم، نشر البلاغة، 1375 هـ . ش .

232 . محبوب القلوب: لقطب الدّين محمّد بن الشيخ علي الأشكوري الدّيلمي اللاّهيجي (م 1090 هـ . ق ) ، الطبعة الأُولى، طهران، ميراث مكتوب، 1424 هـ . ق.


صفحه 360

233 . محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين: لفخر الدين محمّد بن عمر الرّازي (م 606 هـ . ق)، الطبعة الأُولى، بيروت، دار الفكر اللبناني، 1992 م .

234 . المدخل إلى علم أحكام النجوم: لأبي نصر الحسن بن علي القمي (م 365 هـ . ق)، تحقيق: جليل أخوان الزنجاني، الطبعة الأُولى، طهران، انتشارات علمي وفرهنگى، 1375 هـ . ش .

235 . مذاهب الإسلاميين: لعبدالرحمن بدوي، الطبعة الأُولى، بيروت، دار العلم للملايين، 1996 م .

236 . المسائل الخمسون في أُصول الدين: لفخر الدين محمّد بن عمر الرّازي (م 606 هـ . ق)، تحقيق: د. أحمد حجازي السّقا، القاهرة، المكتب الثقافي للنشر والتوزيع.

237 . المسائل السرويّة: لمحمّد بن محمد بن النعمان المعروف بـ «الشيخ المفيد» (م 413 هـ . ق)، تحقيق: صائب عبدالحميد، الطبعة الثّانية، بيروت، دار المفيد، 1414 هـ . ق .

238 . مسلك الأفهام والنّور المنجي من الظّلام المعروف بـ «المجلي»: لابن أبي جمهور الإحسائي (م 1324 هـ . ق)، شيراز، مطبعة الكتب الإسلاميّة، 1339 هـ . ق .

239 . المشارع والمطارحات (= ضمن مجموعة مصنفات شيخ اشراق): للشيخ شهاب الدّين أبي الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي


صفحه 361

(م 587 هـ . ق)، تصحيح: هنرى كربين، الطبعة الثّانية، طهران، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى، 1372 هـ . ش .

240 . مشكلة الصراع بين الفلسفة والدّين: لرضا سعادة، الطبعة الأُولى، بيروت، دار الفكر 1990 م .

241 . مصارع المصارع: للخواجة نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (672 هـ . ق)، تحقيق: الشيخ حسن المعزّي، قم، مكتبة النجفي، 1405 هـ . ق .

242 . مصباح الأنس في شرح مفتاح غيب الجمع والوجود: لمحمّد بن حمزة بن محمّد العثماني المعروف بـ «ابن الفناري» (م 834 هـ . ق ) ، تحقيق وتعليق: ميرزا هاشم الإشكوري وحسن حسن زاده الآملي، الطبعة الثّانية، قم، انتشارات فجر، 1346 هـ . ش .

243 . المطالب العالية من العلم الألهي : لفخر الدين محمّد بن عمر الرّازي (م 606 هـ . ق)، تحقيق: د. أحمد حجازي السّقا، الطبعة الأُولى، 9 أجزاء في 5 مجلّدات، قم، منشورات الشريف الرضي، 1407 هـ . ق .

244 . مطالع الأنظار في شرح طوالع الأنوار: لشمس الدّين محمود بن عبدالرحمن الاصفهاني (م 749 هـ . ق)، تركية، 1305 هـ . ق .

245 . معارج الفهم في شرح النظم: لجمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (م 726 هـ . ق)، تحقيق: عبدالحليم عوض الحلّي، الطبعة الأُولى، قم، منشورات دليل ما، 1428 هـ . ق.


صفحه 362

246 . المعتبر في الحكمة: لأبي البركات هبة الله بن عليّ بن ملكان البغدادي (م / 547 هـ . ق)، الطبعة الثّانى، اصفهان، 1415 هـ . ق .

247 . معجم البلدان: لشهاب الدّين أبي عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي الرّومي (م 626 هـ . ق)، 5 مجلّدات، بيروت دار احياء التراث العربي، 1399 هـ . ق .

248 . معجم الفلاسفة: لجورج طرابيشي، الطبعة الثانية، بيروت، دار الطليعة، 1997 م .

249 . المعجم الفلسفي: لجميل صَليبا، مجلدان، بيروت، دار الكتاب العالمي، 1414 هـ . ق .

250 . معجم المؤلّفين تراجم مصنّفي الكتب العربيّة: لعمر رضا كحالة، 25 جزء في 8 مجلدات، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

251 . معجم طبقات المتكلمين: اللّجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، الطبعة الأُولى، 4 مجلدات، قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1425 هـ . ق .

252 . معجم المطبوعات العربيّة: ليوسف الياس سركيس (م 1351 هـ . ق) مجلّدان، قم، مكتبة النجفي، 1410 هـ . ق .

253 . معيار العلم: لأبي حامد محمّد بن محمّد الغزّالي الطوسي (م 505 هـ. ق)، تحقيق: سليمان الدنيا، مصر، دار المعارف، 1961 م.


صفحه 363

254 . المغني في أبواب التوحيد والعدل: للقاضي عبدالجبّار بن أحمد الهمداني الأسدآبادي (م 415 هـ. ق)، تحقيق: محمود محمّد قاسم وإبراهيم مدكور، الطبعة الأُولى، 16 مجلّد، مصر.

255 . مفاتيح العلوم: للشيخ أبي عبدالله محمّد بن أحمد بن يوسف الكاتب الخوارزمي (م 387 هـ . ق)، القاهرة، مكتبة الكليّات الأزهريّة، 1401 هـ. ق.

256 . مفتاح الباب في شرح الباب الحادي عشر: لأبي الفتح بن مخدوم الخادم الحسيني العربشاهي (م 976 هـ . ق ) ، تحقيق: مهدي المحقق: مشهد، الآستانة الرضويّة المقدسّة، 1372 هـ . ش، وطهران، مؤسسة مطالعات اسلامي، 1365 هـ . ش .

257 . المقابسات: لأبي حيّان التوحيدي (م 400 هـ. ق)، تحقيق: حسن السّندوبي، الطبعة الثّانية، الكويت، دار سعاد الصباح، 1992 م .

258 . مقالات الإسلامييّن واختلاف المصلّين: لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (م 324 هـ . ق ) ، تحقيق: هلموت ريترالمانيا، الطبعة الثالثة، مجلدان في مجلّد واحد، دار نشر فراتز شتاينر بقيسبادن، 1400 هـ . ق / 1980 م .

259 . مقالة في أصناف المزاج لجالينوس (= ضمن رسائل الطبيّة): لأبي الوليد محمّد بن رشد الأندلسي (م 595 هـ . ق)، تحقيق: د. جورچ شحاته قنواني وسعيد زايد، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة،


صفحه 364

مركز تحقيق التراث، 1407 هـ . ق .

260 . مقالة في حدوث العالم (= ضمن كتاب الأفلاطونيّة المحدثة عند العرب): لأبي الخير الحسن بن سوار البغدادي، تحقيق: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثّانية، الكويت، وكالة المطبوعات، 1977 م .

261 . مقالة في معاني العقل (= ضمن المجموع للمعلّم الثّاني): لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، الطبعة الأُولى، مصر، مطبعة السعادة، 1325 هـ . ق .

262 . المقامات (= ضمن مجموعة مصنفات شيخ اشراق): للشيخ شهاب الدّين أبي الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي (م 587 هـ . ق)، تصحيح: هنرى كربين، الطبعة الثّانية، طهران، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى، 1372 هـ . ش .

263 . ملحق موسوعة الفلسفة: لعبدالرحمن بدوي، الطبعة الأُولى، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات النشر، 1417 هـ . ق .

264 . الملخص في أُصول الدّين: للسيّد شريف المرتضى علي بن الحسين الموسويّ (م 436 هـ . ق)، تحقيق محمد رضا الأنصاري القمي، الطبعة الأُولى، طهران، دانشگاه 1381 ش .

265 . الملل والنحل: لأبو الفتح محمّد بن عبدالكريم الشهرستاني (م 548 هـ . ق)، تحقيق: محمد عبدالقادر الفاضلي، الطبعة الثانية، بيروت، المكتبة العصرية، 1421 هـ . ق، ومنشورات الشريف الرضي،


صفحه 365

قم، 1367 هـ . ش .

266 . مناهج اليقين في أُصول الدّين: لجمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (م 726 هـ . ق)، تحقيق: محمد رضا الانصاري القمي، الطبعة الأُولى، قم، ياران، 1416 هـ . ق .

267 . المنجد في اللّغة: للويس معلوف، الطبعة الثالثة، قم، إسماعيليان، 1367 هـ . ش.

268 . منطق الشفاء: للشيخ الرئيس أبي علي الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، تحقيق: جمع من المحقّقين، 4 مجلدات، الإدارة العامّة للثقافة، الجمهوريّة العربيّة المتّحدة.

269 . منطق أرسطو: لأرسطو طاليس بن نيقوماخوس (م 322 ق. م)، تحقيق: د. عبدالرحمن بدوي، الطبعة الأُولى، 3 مجلّدات، بيروت، دار القلم، 1980 م.

270 . المنطق عند الفارابي: لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (م 339 هـ)، تحقيق: رفيق العجم، الطبعة الأُولى، بيروت، دار المشرق.

271 . منطق المشرقيّين: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، الطبعة الثّانية، قم، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، 1412 هـ .

272 . من لا يحضره الفقيه: لأبي جعفر محمّد بن علي بن الحسن بن بابويه المعروف بـ «الشيخ الصدوق» (م 381 هـ . ق)، 4 مجلّدات.


صفحه 366

273 . المواقف في علم الكلام: للقاضي عضد الدّين عبدالرحمن الإيجي (م 756 هـ . ق)، بيروت، عالم الكتب.

274 . الموسوعة العربيّة الميسّرة: القاهرة، دار الشعب.

275 . موسوعة الفلسفة: عبدالرحمن بدوي، الطبعة الأُولى، مجلّدان، بيروت، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، 1984 م.

276 . الموسوعة الفلسفيّة: لعبد المنعم الحنفي، الطبعة الأُولى، بيروت.

277 . موسوعة أعلام الفلسفة العرب والأجانب: لروني إيلي الفا و د. جورج نخل، الطبعة الأُولى، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1412 هـ . ق .

278 . ميزان الإعتدال في نقد الرجال: لأبي عبدالله محمّد بن أحمد بن عثمان الذَهبي (م 748 هـ . ق)، تحقيق: عليّ محمّد البجاوي، الطبعة الأُولى، 4 مجلّدات، بيروت، دار المعرفة، 1382 هـ. ق .

(حرف النون)

279 . النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: لأبي عبدالله مقداد بن عبدالله السيوريّ (م 826 هـ . ق ) ، تحقيق: مهدي المحقق: مشهد، الأستانة الرضويّة المقدسّة، 1372 هـ . ش، وطهران، مؤسسة مطالعات اسلامي، 1365 هـ . ش .

280 . النجاة في المنطق والإلهيّات: للشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبدالله بن سينا (م 428 هـ . ق)، تحقيق: عبدالرحمن عميرة، الطبعة


صفحه 367

الأُولى، بيروت، دار الجيل، 1412 هـ .

281 . نزهة الأرواح وروضة الأفراح (تاريخ الحكماء): لشمس الدين محمّد بن محمود الشهرزوري (م 687 هـ . ق) ترجمة: مقصود علي التبريزي، الطبعة الأُولى، طهران، انتشارات علمى وفرهنگى، 1365 هـ. ش .

282 . نهاية الأقدام في علم الكلام: لأبي الفتح محمّد بن عبدالكريم الشهرستاني (م 548 هـ . ق)، صحّحه: الفردجيوم.

283 . النهاية في غريب الحديث والأثر: لأبن الأثير الجزري مجد الدين المبارك بن محمّد بن محمّد (م 606 هـ . ق)، تحقيق: طاهرأحمد الزاوي ومحمود محمّد الطناحي، الطبعة الرّابعة، 5 مجلّدات، قم، إسماعيليان، 1363 هـ . ش .

284 . نهاية المرام في علم الكلام: لجمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (م 726 هـ . ق)، تحقيق: فاضل عرفان، الطبعة الأُولى، 3 مجلّدات، قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1419 هـ . ق .

285 . نهج الحق وكشف الصّدق: لجمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (م 726 هـ . ق)، تعليق: عين الله الحسني الأرموي، الطبعة الأُولى، قم، مؤسسة دار الهجرة، 1407 هـ . ق.

(حرف الهاء)

286 . هدية العارفين اسماء المؤلفين وآثار المصنفين: لإسماعيل باشا


صفحه 368

البغدادي (م 1339 هـ . ق)، بيروت دار احياء التراث العربي، 1951 م .

287 . الهيئة والإسلام: للسيّد هبة الدّين الحسيني الشهرستاني (م 1345 هـ. ق)، الطبعة الثالثة، النجف الأشرف، مطبعة الآداب، 1384 هـ . ق .

(حرف الواو)

288 . الوافي: للمولى محسن فيض الكاشاني (م1092 هـ . ق)، إعداد ونشر: مكتبة أمير المؤمنين 7، الطبعة الأُولى، 27 مجلّد، أصفهان، 1412 هـ. ق .

289 . وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريّعة: للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (م 1104 هـ . ق)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، 30 مجلّد، قم، مطبعة المكتبة الإسلاميّة، 1409 ـ 1412 هـ . ق .

290 . وفيات الأعيان وأبناء الزمان: لأحمد بن محمّد بن أبي بكر بن خلّكان (م 681 هـ . ق)، الطبعة الثّانية، 8 مجلّدات، قم، منشورات الشريف الرضي، 1364 هـ . ش .

(حرف الياء)

291 . الياقوت في علم الكلام: لأبي إسحاق إبراهيم بن نوبخت (م 310 هـ. ق)، تحقيق: علي أكبر ضيائي، الطبعة الأُولى، قم، مكتبة النجفي، 1413 هـ . ق .

Website Security Test