welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(94)

الصور الاَُخرى للحديث

إنّ الحديث قد ورد بصور مختلفة وبينها اختلاف كثير في المضمون، وإليك هذه الصور:

الصورة الاَُولى: ما رواه ابن حزم قال: حدثنا حمام وأبو عمر الطلمنكي، قال حمام: حدثنا أبو محمد الباجي، حدثنا عبد اللّه بن يونس، قال: حدثنا بقي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.

وقال الطلمنكي: حدثنا ابن مفرج، حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، ثمّ اتّفق ابن أبي شيبة وسعيد كلاهما عن أبي معاوية الضرير. حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي ـ أبو عون ـ قال: لمّا بعث رسول اللّه معاذ إلى اليمن، قال: يا معاذ بم تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه، قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه؟ قال: أقضي بما قضى به الصالحون. قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه ولا قضى به الصالحون؟ قال: أومَّ الحقّ جهدي.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): الحمد للّه الذي جعل رسول رسول اللّه يقضي بما يُرضي به رسول اللّه. (1)

ترى أنّمعاذاً يقدّم ما قضى به الصالحون على كلّ شيء، بعد الكتاب والسنّة، ولعلّ مراده هي الاَعراف السائدة بين المجتمعات التي تكون مرجعاً للقضاء كما هو مقرّر في محله.

كما أنّ مراده أومّ الحقّ هو اعمال النظر والاستدلال في الاَُصول والقواعد الواردة في الكتاب والسنّة.


1 . ابن حزم: الاِحكام: 5|208.


(95)

أضف إلى ذلك أنّ الرواية مرسلة، لاَنّ أبا عون لا يروي عن «معاذ» مباشرة لتأخر طبقته في الحديث عن «معاذ» بطبقتين.

الصورة الثانية: عن عبد الرحمان بن غنم، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: لمّا بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قال: لا تقضينّولا تفصِلنّ إلاّبما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبيّنه أو تكتب إليَّ فيه. (1)

وهي: متّصلة السند ، ولكن المتن غير ما جاء في الحديث، بل يغايره تماماً، وينفي مقالة أهل القياس.

الصورة الثالثة: وردت في الكتب الاَُصولية صورة ثالثة للرواية، ولعلّها منقولة بالمعنى.

قال أبو الحسين البصريّ : روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّه قال لمعاذ وأبي موسى الاَشعري، وقد أنفذهما إلى اليمن: بم تقضيان؟

قالا: إن لم نجد الحكم في السنّة، قسنا الاَمر بالاَمر، فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به. (2)

كما نقله الرازي في المحصول، وقال: روي أنّه أنفذ معاذاً وأبا موسى الاَشعري إلى اليمن فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لهما: بم تقضيان؟ فقالا: إذا لم نجد الحكم في السنّة نقيس الاَمر بالاَمر فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أصبتما. (3)


1 . أخرجه ابن ماجة في سننه: 1|21 برقم 55.
2 . أبو الحسين البصري: المعتمد:2|222.
3 . الفخر الرازي: المحصول: 2|254.


(96)

وتبعه الاَرموي في التحصيل من المحصول. (1)

والظاهر أنّ الحديث نقل بالمعنى حسب فهم الراوي، ولم نعثر على هذا النصّ في الصحاح والمسانيد.

نعم أخرج أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى أنّ رسول اللّهبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن فأمرهما أن يعلّما الناس القرآن. (2)



1 . التحصيل من المحصول: 2|163.
2 . مسند أحمد بن حنبل: 4|397.


(97)

2
أُبيّ بن كعب الاَنصاري

( ... ـ 30 هـ )

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

1.طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها.
2. جزاء من تعزَّى بالجاهلية.
3. آيتان كانتا عند أُبيِّ بن كعب.
4. نسيان ما نزل في أحد من الآية.
5. أوّل من يصافحه الحقّ عمر.

أُبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن نجار، أبو منذر الاَنصاري النجاريّ المدنيّ، المقرىَ البدري، يكنّى أبا الطفيل.

شهد العقبة وبدراً، وجمع القرآن في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعرض عليه وحفظ عنه علماً.

روي عن أنس انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لا َُبي بن كعب: إنّاللّه أمرني أن اقرأ عليك القرآن، وفي لفظ: أمرني أن اقرئك القرآن.


(98)

قال: اللّه سماني لك؟ قال: نعم، قال: وذُكرت عند ربّالعالمين؟ قال: نعم، فذرفت عيناه.

روى عنه: عبادة بن الصامت، و ابن عباس، وعبد اللّه بن خباب، و ابنه الطفيل ابن أُبي.

وكان أُبي يكتب في الجاهلية قبل الاِسلام، و كانت الكتابة في العرب نادرة، وكان يكتب في الاِسلام الوحي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعهده إذا عاهد، وصلحه إذا صالح، ولاَُبي في الكتب الستة نيف و ستون حديثاً، وله في مسند «بَقيّ بن مَـخْلَد» مائة و أربعة وستون حديثاً منها في البخاري ومسلم ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بسبعة.

وقد اختلفوا في تاريخ وفاته، فمن قائل بأنّه تُوفّي في خلافة عمر بن الخطاب عام 22 هـ، ولما نُعي إلى عمر، قال: اليوم مات سيد المسلمين.

ومنهم من يقول: إنّه مات في خلافة عثمان سنة 30هـ، ويرجحه ابن حجر، ويقول: هو أثبت الاَقاويل ،ويوَيده ما دار بينه و بين عثمان من الحوار في قوله سبحانه: (وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرهُمْ بِعَذابٍ أَليم) (التوبة|34) وكان عثمان يقرأه بلا واو «الذين» خلافاً لاَبي فكان يقرأه «والذين» فطال الحوار بينهما، فقال أُبي غاضباً: لتلحقنّها أو لاَضعنّ سيفي على عاتقي، وهو يريد بأنّه لابدّ من أن تعود الواو عاطفة إلى مكانها أو ليتوصل إلى ذلك بالقوة (1). (2)

و بلغت أحاديثه في المسند الجامع 92 حديثاً. (3)

ولنذكر من روائع رواياته شيئاً ثمّ نردفها بما لا يصحّ عزوه إليه.


1 . الدر المنثور، في تفسير الآية.
2 . أُسد الغابة: 1|49؛ الطبقات الكبرى: 3|498؛ سير اعلام النبلاء: 1|389 برقم 82.
3 . المسند الجامع: 1|17 برقم 3.


(99)

روائع أحاديثه

1. أخرج عبد اللّه بن أحمد، عن ابن أبي الجوزاء ،عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَساً يفرغ الآكل من طعامه في مَهَل، ويقضي المتوضىَ حاجته في مهل. (1)

2. أخرج ابن ماجة، عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب: قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل وحده أربعاً وعشرين، أو خمساً وعشرين درجة. (2)

3. أخرج أحمد في مسنده، عن الحسن، انّ عمر أراد أن ينهى عن متعة الحجّ، فقال له أُبي: ليس ذلك لك، قد تمتعنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم ينهنا عن ذلك، فاضرب عن ذلك عمر ، و أراد أن ينهى عن حلل الحبرة لانّها تصبغ بالبول، فقال له أُبي: ليس ذلك لك قد لبسهنَّ النبي ولبسناهنَّ في عهده. (3)

4. أخرج ابن ماجة، عن أبي رافع، عن أُبي بن كعب، انّ النبيكان يعتكف العشر الاَواخر من رمضان، فسافر عاماً، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يوماً. (4)

5. أخرج البخاري في صحيحه عن سويد بن غفلة، قال: لقيت أُبي بن كعب... فقال: وجدت صرّة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها مائة دينار، فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: عرِّفها حولاً.

فعرَّفتها حولاً فلم أجد من يعرفها، ثمّ أتيته، فقال:عرِّفها حولاً، فعرَّفتها فلم


1 . مسند أحمد: 5|143.
2 . سنن ابن ماجة: 1|259 برقم 790.
3 . مسند أحمد: 5|143.
4 . سنن ابن ماجة: 1|562 برقم 1770.


(100)

أجد، ثمّ أتيته ثلاثاً، فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلاّ فاستمتع بها ،فاستمتعت.

قال شعبة: فلقيته يعني سلمة بن كهيل بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً. (1)

وقد اتّفق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على أنّه يكفي تعريفها حولاً واحداً، ولعلّ أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتعريف ثلاثة أحوال للتأكد أو لكون اللقطة ذات قيمة مالية لا يستهان بها.

وإليك بعض رواياته السقيمة التي عزيت إليه:

1. طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها

أخرج مسلم في صحيحه، عن زرّ بن حبيش، قال: سمعت أُبي بن كعب، يقول: وقيل له: إنّ عبد اللّه بن مسعود، يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر، فقال أُبي: واللّه الذي لا إله إلاّ هو انّها لفي رمضان، و واللّه انّي لاَعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقيامها، هي ليلة صبيحة 27، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها. (2)

أقول: ثمّة اشكالان على الحديث:

الاَوّل: انّ من جرّب طلوع الشمس في صبيحة يوم السابع والعشرين من رمضان يرى انّـها لا تختلف عن طلوعها في صبيحة اليوم السابق واللاحق، وما ذكره ليس له واقع ملموس.


1 . صحيح البخاري: 3|126، كتاب اللقطة، الحديث الاَوّل؛ صحيح مسلم: 5|136، كتاب اللقطة.
2 . صحيح مسلم: 2|178، باب الترغيب في قيام رمضان.


(101)

الثاني: جرت سنة اللّه تبارك وتعالى على كون الشمس ذات أشعة مستنيرة تبثها في الكون و يصل إلى الاَرض مقدار ضئيل جداً منها.

وأمّا روَيتها بلا شعاع، فهي تابعة للاَوضاع الجوية، فإذا كان الجو صحواً تُرى الشمس وهي ترسل بأشعتها، بخلاف ما إذا كان ملبداً لا سيما أوان الطلوع فتراها قرصاً محمّراً.

2. جزاء من تعزّى بالجاهلية

أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عثمان، عن أُبي بن كعب: انّ رجلاً اعتزى، فأعضَّه أُبىُُّّ بهن أبيه، فقالوا: ما كنت فحّاشاً، قال: إنّا أمرنا بذلك. (1)

وأخرج أيضاً عن عُتيِّ بن ضمرة، عن أُبيّ بن كعب، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضّوه ولا تكنّوا. (2)

أقول: إنّ غاية ما كان يجب على أُبي بن كعب أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر على النحو الذي أمر الكتاب به ، قال سبحانه: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين) (النحل|125) لا ما جاء في الرواية من مقابلة المنكر بمنكر أبشع منه.

ناهيك عمّـا روي من انّ سباب الموَمن فسوق. (3)

وما روى عن أُسامة بن زيد حيث قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ اللّه لا يحب كلّفاحش متفحش. (4)


1 . مسند أحمد: 5|133.
2 . مسند أحمد: 5|136.
3 . صحيح مسلم:1|58، باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر .
4 . مسند أحمد: 5|202.


(102)

3. آيتان كانتا عند أُبي بن كعب فقط

أخرج أحمد في مسنده ، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، انّهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون و يملي عليهم أُبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة (ثُمَّ انصَـرفوا صَـرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأنّهُم قَومٌ لا يَفقَهون) فظنوا أنّ هذا آخر ما أنزل من القرآن.

فقال لهم أُبي بن كعب: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أقرأني بعدها آيتين (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُوَْمِنينَ رَوَُوفٌ رَحِيم) إلى (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الَعَظِيم) .

ثمّ قال: هذا آخر ما أُنزل من القرآن. (1)

ونعلق على الحديث بالقول:

أوّلاً: قد ثبت فيما سبق انّ القرآن جمع على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكيف ينسب الجمع إلى عهد الخلافة، فهذه الرواية تعارض ما تضافر من أنّ القرآن جمع على عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ثانياً: انّ معنى الرواية انّ بعض آيات الذكر الحكيم وصلت إلينا عن طريق الآحاد وهو أُبي بن كعب، فلولاه لم يكن لها أثر.

ثالثاً: ما ذكره يعارض ما روي عن زيد بن ثابت.

أخرج البخاري: انّ أبا بكر قال لزيد: أنت رجل شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فتتبع القرآن وأجمعه ـ إلى أن قال: قال زيد: فكنت أتتبع القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الاَنصاري لم أجدها مع أحد غيره (لقد جاءَكُمْ رَسُولٌ من أَنفسِكُمْ عزيز عَليهِ ما عنتّم) حتى خاتمة براءة.... (2)


1 . مسند أحمد: 5|134 والآيات 127 ـ 129 من سورة التوبة .
2 . صحيح البخاري: 6|183، باب جمع القرآن.


(103)

4. نسيان ما نزل في أحد من الآية

أخرج أحمد في «مسنده»، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب أنّه أُصيب يوم أُحد من الاَنصار أربعة وستون وأُصيب من المهاجرين ستة، فمثلوا بقتلاهم.

فقالت الاَنصار: لئن أصبنا منهم يوماً من الدهر لنربينَّ (1) عليهم. فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل من القوم لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فأنزل اللّه على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : (وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثلِ ما عُوقِبتُم بِهِ وَلئِن صَـبَرتُمْ لَهُوَ خَيْـرٌ للصّابِرين) .

فقال نبي اللّه: كفّوا عن القوم (2)

وفي رواية السيوطي: فقال رسول اللّه: نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلاّ أربعة (3).

نعلق على الحديث، و نقول:

إنّ المفسرين اتّفقوا ـ تبعاً للروايات ـ على أنّ قوله سبحانه: (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا...) نزل في أُحد. حيث إنّ المشركين مثلوا بحمزة وأراد المسلمون أن يمثلوا بسبعين من الكافرين إذا استولوا عليهم في قبال حمزة فنزلت الآية (4)

وقد تلاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمعها الصحابة و مع ذلك كيف يقول القائل يوم فتح مكة: لا قريش بعد اليوم، أو ليس ذلك اجتهاداً في مقابل النص؟

ولو افترضنا انّ القائل لم يسمع كلام اللّه سبحانه ـ و إن كان الاحتمال بعيداً جداً ـ فكيف يصحّ لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول الآية ثانياً في مكة المكرمة أن يقول:


1 . لنربين: لنزيدن في التمثيل بقتلاهم.
2 . مسند أحمد: 5|135، سنن الترمذي: 5|299 برقم 3129، والآية 126 من سورة النحل.
3 . السيوطي: الدر المنثور: 5|179.
4 . الدر المنثور: 5|179.


(104)

نصبر ولا نعاقب أو كفّوا عن القوم؟ أو ليس معنى ذلك انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان موافقاً لنداء المنادي ولكنّه عدل عن رأيه بعد نزول الآية؟ ومعنى ذلك انّ النبي نسي مضمون الآية وصمم على استئصال شأفة قريش حتى عدل عن رأيه بعد نزول الآية مرة أُخرى، وقال: نصبر ولا نعاقب وكأنّه لولا نزول الآية لما صبر و عاقب ولما كفّ عنهم.

والرواية على افتراض الصحة نقلت مضطربة خصوصاً بالنظر إلى سائر صورها.

5. أوّل من يصافحه الحق عمر

أخرج ابن ماجة في سننه، عن سعيد بن المسيب، عن أُبي بن كعب، قال:

قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أوّل من يصافحه الحقُّ عمر، وأوّل من يسلّم عليه، وأوّل من يأخذ بيده فيدخله الجنّة. (1)

الحديث ظاهر انّ اللّه سبحانه أوّل من يصافح عمر بن الخطاب وهو يلازم كونه سبحانه ذا يد يصافح بها غيره، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

وإن كان الحديث كناية عن نزول الرحمة عليه قبل كلّ أحد ففي الاَُمّة من هو أفضل منه باتّفاق الفريقين فكيف يقدّم المفضول على الفاضل؟!



1 . سنن ابن ماجة: 2|39 برقم 104، قال في الزوائد: اسناده ضعيف فيه داود بن عطاء المديني وقد اتّفقوا على ضعفه وباقي رجاله ثقات،وقال السيوطي: قال الحافظ عماد الدين بن كثير في جامع المسانيد، هذا الحديث منكر جداً، وما هو أبعد من أن يكون موضوعاً.


(105)

3
العباس بن عبد المطلب الهاشمي

(54ق . هـ ـ 32هـ)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

1. اللّه فوق العرش.

2. أبو طالب في النار.

هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم عمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين، وكان من أطول الرجال، وأحسنهم صورة، وأبهاهم، وأجهرهم صوتاً مع الحلم الوافر والسوَدد، وكان العباس في الجاهلية رئيساً في قريش، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية. أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه.

وكان بمكة يكتب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبار المشركين وكان من بمكة من المسلمين يتقوون به وكان لهم عوناً على إسلامهم، وأراد الهجرة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : مقامك بمكة خير، فلذلك قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر: من لقي العباس فلا يقتله، فانّه أُخرج كرهاً، و مع ذلك أُخذ منه حين الاَسر عشرون أوقية ذهباً، وأُطلق سراحه.


(106)

فقال العباس: يا رسول اللّه: إنّي كنت مسلماً، فنزل قوله سبحانه: (يا أَيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ في أَيْديكُمْ مِنَ الاَسرى إِن يَعْلَمِ اللّهُ في قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُوَْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (الاَنفال|70).

ثمّ إنّ العباس لما كثر ماله بعد إسلامه أخذ يتفاخر بهذه الآية، ويقول: أعطاني اللّه مكان العشرين أوقية في الاِسلام، عشرين عبداً كلّهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة اللّه.

وممّا يدل على أنّه أسلم قبل الهجرة هو انّه حضر بيعة العقبة في أسفلها، وقال لمن حضر فيها من أهل يثرب: يا معشر الخزرج، قد دعوتم محمداً إلى ما دعوتموه، وهو من أعزّ الناس في عشيرته، يمنعه واللّه من كان منّا على قوله و من لم يكن، وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب، واستقلال بعداوة العرب قاطبة، فانّها سترميكم عن قوس واحدة، فارتوَوا رأيكم وائتمروا أمركم، فانّ أحسن الحديث أصدقه.

توفي سنة 32 من الهجرة وله 86 سنة.

يقول الذهبي: وله قبة عظيمة شاهقة على قبره بالبقيع. (1)

وهو من المقلين في الرواية.

جُمِعَتْ أحاديثه في المسند الجامع، فبلغت 21 رواية. (2)


1 . ومن عجيب ما وقفت عليه في سير أعلام النبلاء انّه يقول: وقد صار الملك في ذرية العباس، واستمر ذلك وتداوله تسعة وثلاثون خليفة إلى وقتنا هذا، وذلك ستمائة عام، أوّلهم السفاح وخليفة زماننا، المستكفي له الاسم المنبري والعقد والحل بيد السلطان الملك الناصر أيدهم اللّه (سير اعلام النبلاء: 2|99ـ100).
وجه التعجب هو انّ الذهبي توفي عام 748 هـ فكيف يقول (إلى وقتنا هذا و ذلك ستمائة عام) وليس في العبارة ما يفيد انّه ينقل ذلك عن غيره، وقد قضى الوثنيون من المغول على الخلافة العباسية قبل أن يولد الذهبي وذلك عام 656 من الهجرة فلاحظ.
2 . المسند الجامع: 8|122ـ137 برقم 337، وقد راجعنا في ترجمة العباس سير أعلام النبلاء: 2|78 برقم 11 ؛ أُسد الغابة:3|109.


(107)

من روائع رواياته

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب، أنّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ذاق طعم الاِيمان من رضى باللّه ربّاً، وبالاِسلام ديناً و بمحمّد رسولاً ». (1)

2. أخرج الترمذي، عن عبد اللّه بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قلت: يا رسول اللّه، علّمني شيئاً أسأله اللّه عزّ وجلّ؟

قال: سل اللّه العافية، فمكثت أياماً، ثمّجئت، فقلت: يا رسول اللّه: علمني شيئاً أسأله اللّه، فقال لي: يا عباس، يا عمّ رسول اللّه: سلوا اللّه العافية في الدنيا والآخرة. (2)

هذا بعض ما روي عنه من روائع أحاديثه، وعزيت إليه أحاديث أُخرى لا تستقيم مع الضوابط السالفة الذكر.

1. اللّه فوق العرش

أخرج ابن ماجة في سننه، عن الاَحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، قال:كنت بالبطحاء في عصابة، وفيهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فمرّت به سحابة فنظر إليها. فقال ما تسمون هذه؟

قالوا: السحاب، قال: والمزن، قالوا: «والمزن»: قال:«والعنان» قال أبو بكر: قالوا: والعنان، قال: كم ترون بينكم وبين السماء؟ قالوا: لا ندري.

قال: فإنّ بينكم وبينها إمّا واحداً أو اثنين أو ثلاثاً وسبعين سنة، والسماء


1 . صحيح مسلم:1|46، باب من لقي اللّه بالاِيمان.
2 . سنن الترمذي: 5|534 برقم 3514، الباب 85.


(108)

فوقها كذلك حتى عدَّ سبع سماوات. ثمّ فوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماءٍ. ثمَّ فوق ذلك ثمانية أوعال. بين أظلافهنّ ورُكَّبِهنَّ كما بين سماء إلى سماء، ثمّ على ظهورهنَّ العرش. بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء. ثمّاللّه فوق ذلك تبارك وتعالى. (1)

إنّ الحديث يخالف القرآن أوّلاً، والعقل الصريح ثانياً.

أمّا الاَوّل، انّ الذكر الحكيم يعرّفه سبحانه موجوداً منزهاً من أن يحويه زمان أو مكان قال سبحانه: (هُوَ الاََوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيم) إلى أن قال: (يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الاََرْض وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما ينزل مِنَ السَّماء وَ ما يََعرجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُم وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير) (الحديد|3ـ 4).

وقال عزّ من قائل: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمسةٍ إِلاّهُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوََ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم)(المجادلة|7).

وما تلوناه عليك من الآيات وغيرها صريحة في أنّه سبحانه موجود فوق أن يحوطه زمان ومكان خاص بل الاَزمنة والاَمكنة إليه سواسية، فهو كائن في جميعها وهذه الكينونة لا تعني حلول ذاته في الاَمكنة و الاَزمنة تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، بل المراد حضوره في الكون لاَجل قيام الاَشياء به قيام المعلول بعلته والصورة الذهنية بالنفس بل أدق و ألطف من ذلك، ومعه كيف يصحّ ما في الرواية انّ اللّه فوق العرش؟!

وممّا لا ينقضي منه العجب انّ إمام الحنابلة صار يوَول هذه الآيات بأنّ المراد إحاطة علمه بالاَشياء لا إحاطة وجوده وإلاّ يلزم أن يكون وجوده في الاَمكنة غير


1 . سنن ابن ماجة: 1|69 برقم 193. و «أوعال» جمع «وَعِل» وهو تيس الجبل وكأنّها كناية عن الملائكة بصورته، و «إظلاف» جمع «الظِلْف» للبقر والغنم، كالمحفر للفرس.


(109)

النقية والنزيهة. (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره تأويل بلا دليل، ولو قام أحد من المعتزلة أو غيرهم بتفسير الآيات على النحو الذي ذكره إمام الحنابلة، لرُمي بالجهمية.

وأمّا الثاني فلاَنّه سبحانه هو الخالق للعرش، فأين كان قبل أن يخلق العرش؟ وإلاّيلزم قدم العرش كقدمه سبحانه و يلزم منه تعدد القديم، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

2. أبو طالب في النار

أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، عن العباس ابن عبد المطلب، انّه قال: يا رسول اللّه، هل نفعتَ أبا طالب بشيء فانّه كان يحوطك ويغضب لك.

قال: نعم، هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الاَسفل من النار. (2)

إنّ الحديث يخالف الكتاب والسنّة الثابتة، وذلك لاَنّه لو افترضنا انّ أبا طالب مات مشركاً لما قبلت شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه، والمفروض انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شفّع له فأخرجه من الدرك الاَسفل إلى ضحضاح من نار، مع أنّه سبحانه يقول: (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَة* إِلاّ أَصْحابَ اليَمِين* في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمينَ* ما سَلَكَكُمْ في سَقَر ) إلى قوله سبحانه: (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعةُ الشّافِعين) (المدثر | 38 ـ 48).


1 . وعلى ذلك جرى الحنابلة و السطحيون من الاَشاعرة. لاحظ كتاب السنة لاَحمد 47 ؛ و عون المعبود في سنن أبي داود:13|34.
2 . صحيح مسلم: 1|134ـ 135، باب شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَبي طالب.


(110)

فشفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للموَمنين من أُمّته المذنبين منهم لا للمشركين، كيف وقال سبحانه: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيع) (الاَنعام|70).

فالحديث موضوع على لسان أخي أبي طالب ليُغرّ الناس به.

ويكفيك في كون الحديث موضوعاً انّه سبحانه حكى انّ آل فرعون يعرضون على النار صباحاً ومساءً قبل القيامة وبعدها يُدخلون أشدّ العذاب، قال سبحانه: (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (غافر|46) و المفروض انّ أبا طالب انتقل إلى عالم البرزخ ولم تقم قيامته بعد، فكيف يدخله سبحانه في الدرك الاَسفل من النار ثمّ يخفف عنه بشفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويجعل في ضحضاح من نار؟! أوَ كان هو أكثر جرماً من فرعون وآله مع أنّه كان كفيلاً للنبي وناصره طيلة 42 سنة وقد لاقى في سبيل المحافظة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لاقى من المصائب والمتاعب، التي حفظها التاريخ؟!

أضف إلى ذلك ما في السند حيث إنّ عبد الملك بن عمير اللخمي الكوفي الوارد في السند هو الذي طال عمره وساء حفظه.

قال أبو حاتم: ليس بحافظ تغيّر حفظه.

وقال أحمد: ضعيف يغلط.

وقال ابن معين: مخلط.

وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه.

وذكر الكوسج عن أحمد انّه ضعفه جداً. (1)

ثمّ إنّ الدلائل القاطعة تثبت إيمان أبي طالب، فالرواية كما هي مخالفة


1 . ميزان الاعتدال: 2|151.


(111)

للكتاب والسنّة، تخالف أيضاً التاريخ الصحيح.

يقول العلاّمة الاَميني في هذا الصدد: أمّا ما ناء به سيد الاَباطح أبو طالب سلام اللّه عليه من عمل بارّ وسعي مشكور في نصرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلاءته والذّب عنه والدعوة إليه وإلى دينه الحنيف منذ بدء البعثة إلى أن لفظ أبو طالب نفسه الاَخير، فكلّها نصوص على إسلامه الصحيح وإيمانه الخالص وخضوعه للرسالة الاِلهية. (1)

كما أنّ الظاهر من الحديث انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قام بهذه الشفاعة وهو في الدنيا مع أنّ الظاهر من حديث آخر انّه سيقوم بها في الآخرة.

أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر عنده عمّه أبو طالب، فقال: لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. (2)



1 . الغدير: 7|370 بتلخيص.
2 . صحيح مسلم: 1|135، باب شفاعة النبي لاَبي طالب.
Website Security Test