welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(49)

ب. ضعاف السنن الاَربعة وصحاحها:

وهي عبارة عن ثمانية كتب بالنحو التالي:

1. صحيح سنن الترمذي (3) مجلدات.

2. ضعيف سنن الترمذي مجلد واحد.

3. صحيح سنن النسائي (3) مجلدات.

4. ضعيف سنن النسائي مجلد واحد.

5. صحيح سنن أبي داود (3) مجلدات.

6. ضعيف سنن أبي داود مجلد واحد.

7. صحيح سنن ابن ماجة مجلدان.

8. ضعيف سنن ابن ماجة مجلد واحد.

وعمل الالباني في هذه الكتب انّه جاء إلى كل كتاب من كتب السنن الاَربعة المشهورة وحصر الاَحاديث الصحيحة فيها فأخرجها في كتاب، كما حصر الاَحاديث الضعيفة بنظره وأخرجها في كتاب مستقل آخر. ونحن نوافقه أنّ في تلك الكتب أحاديث صحيحة وأُخرى ضعيفة، لكن لا نوافقه على تصحيح بعض الاَحاديث وتضعيف بعضها الآخر.

ج. تخريج أحاديث كتاب خاص

وثمة نمط آخر في التأليف في هذا المضمار، وهو تبيين حال الاَحاديث الواردة في كتاب فقهي أو كلامي أو أخلاقي نظير:

1. نص الراية لاَحاديث الهداية: للحافظ الذيلعي.

2. المغني عن حمل الاَسفار في الاَسفار في تخريج ما في الاحياء من الاَخبار: للحافظ العراقي.


(50)

3. تلخيص الخير في تحريم أحاديث الرافعي الكبير: للحافظ ابن حجر العسقلاني.

4. تخريج أحاديث الكشاف: للعسقلاني أيضاً.

لا شكّ انّ كلّ من وقف على ما بذله هوَلاء الاَقطاب من الجهود في تمحيص السنة النبوية من الموضوعات والمندسّات والمحرّمات يُثمِّن جهودهم ويقدِّر عملهم، ومع ذلك فلم يحقِّقوا الغاية المنشودة من وراء تلك التصانيف، وقد اشتملت الصحاح والمسانيد على روايات تخالف الكتاب العزيز، والسنة النبوية، والتاريخ الصحيح، والعقل الحصيف، وجعلوها في عداد الصحاح يُحتجُّ بها في مجالي العقيدة و الشريعة.

والذي عاقهم عن الوصول إلى تلك الغاية المنشودة أمران:

الاَوّل: انّهم اقتصروا في مقام التمحيص على دراسة الاَسانيد، فصحّحُوا الاَسانيد أو ضعّفوها، وخرجوا بنتائج باهرة ووصفوا كثيراً من الروايات بالضعف والوضع.

انّهم اقتصروا على مناقشة الاَسانيد ولم يهتموا بمناقشة المضامين وتطبيقها على الضوابط القطعية التي لا مناص لمسلم عن الاَخذ بها، فلو انّهم سلكوا ذلك الطريق منضمّاً إلى الطريق الآخر لنالوا الغاية المنشودة.

وهذا هو الطريق الذي سلكناه في هذا الكتاب كما سيوافيك شرحه.

الثاني: انّهم ناقشوا الاَسانيد إلى التابعين بجد وحماس، ولكنّهم جعلوا عدالة الصحابي هي الاَصل، سواء أكان معلوم الحال أم مجهولها، فأضفوا على جميع الصحابة هالة من القداسة وجعلوهم في منأى عن النقد بحيث لا يصحّ التعرض لهم وإن صدر عنهم ما صدر، ولا يتسرب الشكّ إليهم، ولا يتسع المجال لتجريحهم.


(51)

والعجب انّهم مع ادّعاء الاِجماع على قداسة الصحابة، وانّهم فوق مستوى الجرح والتعديل، رووا عشرات الاَحاديث التي اختارها أصحاب الصحاح حول ارتداد الصحابة عن الدين والتمرّد على أُصوله ومبادئه على نحو لا يدع مجالاً للريب في أنّهم كانوا كسائر الناس فيهم الصالح والطالح، والمنافق والموَمن، إلى غير ذلك من الاَصناف التي يقف عليها المتتبع لآيات الذكر الحكيم والسنّة النبوية، وهذا أمر عجيب جداً.

وهذان الاَمران (الاقتصار على مناقشة الاَسانيد دون المضامين، وتحديدها إلى التابعين دون الصحابة) صارا سبباً لاِضفاء الصحّة على كثير من الاِسرائيليات التي تسرّبت إلى الصحاح عن طريق بعض الصحابة الذين كانوا عيالاً على مائدة كعب الاَحبار ومن كان على مشربه، بحجة انّكلّصحابي عادل، وانّهم لا يخضعون للجرح والتعديل، ولو انّهم سلكوا ذينك الطريقين مع ما بذلوا من الجهود في تصحيح الاَسانيد وتضعيفها والوقوف على ثقات الرجال وضعافهم، لاَصبحت السنّة النبوية بين المسلمين خالصة من كلّ شائبة ونقيّة عن كل شين.

ومن المغالاة في القول ما ذكره ابن الاَثير حيث قال: الصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل، فانّهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح، لاَنّ اللّه عزّوجلّ ورسوله زكّياهم وعدّلاهم، وذلك مشهور لا يحتاج لذكره. (1)

أقول: إنّه سبحانه مدح لفيفاً من الصحابة في قسم من آياته وفي الوقت نفسه تحامل على قسم منهم، فقال سبحانه:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا)(الحجرات|6) وليس الفاسق إلاّ أحد الصحابة، وهو الوليد بن عقبة أو صحابي آخر مثله، وقال سبحانه:(وَإِذا رَأَوا تِجارَةً أَوْلَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً) (الجمعة|11).


1 . أُسد الغابة:1|3.


(52)

وقال سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِالْمَدِينَةِ مَردُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(التوبة|101).

وهوَلاء المنافقون كانوا مندسين بين الصحابة لا يعرف المنافق من الموَمن، ومع ذلك فكيف يمكن الحكم بعدالة الجميع بحجّة انّه سبحانه مدح لفيفاً منهم في بيعة الرضوان قال سبحانه: (لَقَدْرَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُوَْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة) (الفتح|18)مع أنّه لم يكن يتجاوز عدد الحاضرين في بيعة الرضوان عن ألف وثمانمائة (1) ؟! فكيف يمكن الحكم على عدالة جميع من رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآمن به من أوّل البعثة إلى أن لقى ربّه، بحجة انّاللّه سبحانه قد رضي عن جمع منهم مع أنّ نسبتهم إلى جميع الصحابة نسبة الاثنين إلى المائة؟!

وأغرب ممّا ذكره ابن حجر، ما أسنده الخطيب إلى أبي زرعة الرازي، قال:

إذا رأيت الرجل ينقص أحداً من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاعلم انّه زنديق، وذلك أنّ الرسول حقّ، والقرآن حق، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهوَلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة. (2)

أقول: يلاحظ عليه بأمرين:

الاَوّل: انّ الصحابة والتابعين فيما ذكره سواء والتابعون كالصحابة في أنّالكتاب والسنة قد وصلا إلينا عن طريقهما، فكيف يخضع التابعون للجرح والتعديل دون الصحابة؟!

الثاني: انّ الغاية من وراء الفحص عن عدالة الصحابة هي التعرف على الصالحين والطالحين والموَمنين والمنافقين والمتثبّتين في طريق الدين والمشرفين على الارتداد (3) حتى يتسنّى لنا أخذ الدين عن الصلحاء والموَمنين والمتثبتين والتجنب


1 . السيرة النبوية: 2|309؛ مجمع البيان:2|288.
2 . الاصابة:1|10.
3 . لاحظ آل عمران: 154.


(53)

عن غيرهم، فلو قام الرجل بعبء التحقيق لما كان عليه لوم فلو قال أبو زرعة مكان قوله الآنف الذكر:«إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه وتقواه حتى يأخذ دينه من الخِيَرة الصادقين، ويحترز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحققين في الدين» لكان أحسن وأولى.

ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبت في أُمور الدين والتحقيق في مطالب الشريعة، بالزندقة، وانّه يريد جرح شهود المسلمين لاِبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّالآلاف الموَلفة من أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يضر بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين قائماً بهذا الصنف من المجروحين «ما هكذا تورد يا سعد الاِبل».

7
منهجنا في تمحيص السنّة

قد عرفت أنّ منهج تلك الثلة من المحقّقين في الحكم على الاَحاديث بالصحة أو السقم هو الاَُصول المسلمة في علم أُصول الحديث، ومصطلحه، يعتمدون غالباً على الاَسانيد دون المضامين وعلى تنصيص علماء الرجال كوثاقة الراوي وضعفه، وربما يتعرضون لنكارة المتن وغرابته ولا يخرجون عن تلك الضوابط والقواعد الرائجة في مختلف العصور.

لكنّ هناك منهجاً علمياً آخر قلّالالتفات إليه من قبل نقاد الحديث، وهو عبارة عن عرض الحديث على الكتاب أوّلاً، والسنة المتواترة أو المستفيضة التي تلقّاها الاعلام وجهابذة الحديث بالقبول ثانياً، والعقل الحصيف الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه وخلفاءه ثالثاً، والتاريخ الصحيح رابعاً، واتّفاق الاَُمّة خامساً.


(54)

فلو وجدنا الحديث مخالفاً لواحد من تلك الحجج القطعية، لَحكمنا عليه بالوضع أو الدسّ أو الضعف حسب اختلاف مراتب المخالفة.

وممّا يجب إلفات الاَنظار إليه هو انّه لا يشترط في ثبوت الحديث كونه موافقاً لهذه الضوابط بل يشترط عدم مخالفته لها، فبالمخالفة يسقط الحديث عن الحجّية، ولاِيضاح الحال نذكر لكلّ من هذه الضوابط مثالاً أو مثالين:

الاَوّل: عرض الحديث على الكتاب

القرآن الكريم هو المرجع الاَوّل للمسلمين في الشريعة والعقيدة، وقد عرّف نفسه بأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، قال: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(النحل|89).

والمراد من الشيء في الآية إمّا المعنى العام، أو المعنى الخاص، أي العقيدة والشريعة، والمعنى الثاني هو القدر المتيقن، فيجب أن يكون ميزاناً للحقّ والباطل فيما ينسب إلى العقيدة والشريعة من طرق الروايات.

كما انّه سبحانه عرّّفه في مكان آخر بأنّه المهيمن على جميع الكتب السماويّة (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه) (المائدة|48).

فإذا كان القرآن مهيمناً على جميع الكتب السماوية وميزاناً للحقّ والباطل الواردين فيها، فأولى أن يكون مهيمناً على ما ينسب إلى صاحب الشريعة المحمّدية من صحيح وسقيم.

وعلى ضوء ذلك فالمعيار الاَوّل لتمييز الباطل عن الصحيح هو مخالفة الكتاب وعدمها، فإذا كان الخبر المروي بسند صحيح مخالفاً لنص القرآن يُضرب به عرض الجدار إلاّإذا كان ناسخاً للحكم الشرعي الوارد في القرآن، ومن المعلوم انّ النسخ محدّد بموارد خاصة ولا يقبل فيه إلاّ إذا كان الخبر متواتراً حتى يُصبح


(55)

ناسخاً للقرآن وإلاّفلا يترك الوحي القطعي بالخبر الواحد.

أخرج الرازي في تفسيره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: إذا رُوي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فأقبلوه، وإلاّفردّوه.(1)

وقد تضافر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت لزوم عرض الحديث على الكتاب عند الشكّ في الصحّة أو عند تعارض الخبرين.

روى الحرّ العاملي في وسائله باسناده عن السكوني قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ على كلّحق حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدعوه».

وروى أيوب بن الحرّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ شيء لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف». (2)

والمراد من عرض الحديث على الكتاب هو إحراز عدم المخالفة لا الموافقة، إذ ليست الثانية شرطاً في حجّية الحديث وإنّما المخالفة مسقطة له عن الحجّية، وعلى ذلك يكون الشرط عدم المخالفة للكتاب وليس المراد منها، هي المخالفة بنحو العموم والخصوص أو الاِطلاق والتقييد فانّ مثل هذه المخالفة أمر رائج في التشريع بل المراد المخالفة المطلقة كما يتضح ممّا نذكره من النموذجين:

1. تعذيب الميت ببكاء أهله

أخرج مسلم عن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: الميت يُعذَّب في قبره بما نيح عليه.


1 . التفسير الكبير : 3|259 ، طبع سنة 1308 هـ .
2 . وسائل الشيعة:18|78، كتاب القضاء، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، و 14.


(56)

وأخرج أيضاً عن ابن عمر انّه لما طعن عمر أُغمي عليه فصيح عليه، فلمّـا أفاق، قال: أما علمتم انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّالميت ليعذب ببكاء الحي. (1)

هذه الرواية وإن رواها مسلم بطرق مختلفة لكنّها مرفوضة جداً لاَنّـها تخالف صريح القرآن.

قال سبحانه: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الاَنعام|164).

وقال سبحانه: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَو كانَ ذا قُربى) (فاطر|18).

فكيف يمكن أن نقبل انّ الميت البريء، يُعذَّب بفعل الغير وهو شيء يرفضه العقل والفطرة وقيل:

غيري جنى وأنا المعاقب فيكم * فكأنّنـــي سبـّابة المتنــدّم

ولاَجل ذلك ردّت السيدة عائشة هذه الرواية.

أخرج مسلم أيضاً: انّها قالت: لا واللّه ما قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قط، إنّ الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنّه قال: إنّ الكافر يزيده اللّه ببكاء أهله عذاباً وانّ اللّه لهو أضحك و أبكى ( ولا تَزر وازرة وزر أُخرى...) إلى أن قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنّكم لتحدثونني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطىَ. (2)

وهذه الرواية وإن دفعت بعض الاِشكال ولكنّها لم تقلعه، لاَنّ مقتضى الآية هو العموم وهو انّالاِنسان لا يعذب بفعل غيره سواء أكان مسلماً أو كافراً لعمومية العلة (لا تَزر وازرة وزر أُخرى) مع سعة حكم العقل بقبح عقاب البريء بذنب الآخر .

والصحيح في ذلك ما رواه حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه قال:


1 . صحيح مسلم:3|41، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
2 . صحيح مسلم:3|43، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.


(57)

ذكر عند عائشة قول ابن عمر : الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم اللّه أبا عبد الرحمان سمع شيئاً فلم يحفظه إنّما مرّت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وانّه ليعذب. (1) أي يعذب بأعماله التي اقترفها في حال حياته.

2. الاحتجاج بالقدر

أخرج البخاري في أبواب التهجد بالليل عن الزهري قال: أخبرني علي بن الحسين انّ الحسين بن علي أخبره انّعلي بن أبي طالب قال: إنّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) طرقه وفاطمة بنت النبي (عليه السلام) ، فقال لهم: ألا تصلون.

فقال علي: فقلت يا رسول اللّه: «أنفسنا بيد اللّه»فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال له ذلك ولم يرجع إليه شيئاً، ثمّ سمعه وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول: ( وكانَ الاِنسانُ أكثرَ شيءٍ جَدَلاً ) . (2)

والحديث موضوع على لسان أئمّة أهل البيت وقد تولّى كبره أحد من ورد في الاسناد وذلك:

أوّلاً: انّ الاحتجاج بالقدر وتبرير العقائد الفاسدة والاَعمال السيئة به من سيرة المشركين، وقد نقل القرآن الكريم عنهم ذلك وقال:

(سَيَقُولُ الّذينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباوَُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسنا قُلْهَلْعِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّالظنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّتَخْرُصُونَ) (الاَنعام|148).


1 . صحيح مسلم:3|44، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
2 . صحيح البخاري:9|106، باب قوله تعالى (وكان الانسان أكثر شيء جدلاً) من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة. والآية 54 من سورة الكهف.


(58)

وأشار إليها في آية أُخرى أيضاً قال سبحانه:(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِما لا تَعْلَمُونَ) (الاَعراف|28). وليس مرادهم من قولهم :(وَاللّهُ أَمَرَنا بِها) سوى انّه سبحانه قدّر ذلك ولازمه الاَمر به فليس لنا المحيص عن السير وراء التقدير.

وقد كان عرب الجاهلية على تلك العقيدة وبقيت رواسبه إلى عهد الرسالة وبعده، روى عبد اللّه بن عمر انّه جاء رجل إلى أبي بكر، فقال: أرأيت الزنى بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّر عليّ ثمّ يعذبني، قال: نعم يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك. (1)

لقد كان استغراب الرجل في محله إذا كان التقدير ملازماً لسلب الاختيار عن الاِنسان، لذلك قال: «فانّ اللّه قدر عليّثمّ يعذبني» و لما عجز الخليفة عن الاِجابة بمنطق الاستدلال توسل بمنطق القوة وانّه لو كان هنا رجل لاَمره أن يجأ أنفه.

لا شكّ انّ القضاء والقدر من تعاليم القرآن ومن العقائد الاِسلامية، لكن لا على وجه يسلب الاختيار عن الاِنسان ويجعله مكتوف الاَيدي على صعيد الحياة.

وما جاء في الرواية من الاجابة، إنّما يحتج به المشرك لا إمام المسلمين والذي تربى في احضان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ نعومة أظفاره.

ثانياً: لو افترضنا انّ الاِمام وزوجه فاتت عنهما صلاة الليل لغلبة النعاس عليهما، فعندما يطرق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بابهما تحنناً وتلطفاً، فمقتضى أدب أهل البيت (عليهم السلام) أن يواجها أباهما بالشكر والامتنان لا بمجادلة وكلمة لاذعة، ولا بإلقاء المسوَولية على عاتق مقدِّر الاَقدار .


1 . تاريخ الخلفاء للسيوطي:95.


(59)

ثالثاً: كيف ينقل الراوي حديث ترك التهجد والتنفل بنافلة الليل مع أنّ عليّاً كان أحد عبّاد زمانه، فمنه تعلّم الآخرون التهجد والتجافي عن المضاجع آناء الليل؟!

قال ابن أبي الحديد: وأمّا العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل، وملازمة الاَوراد وقيام النافلة، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصّفين ليلة الهرير، فيصلّي عليه ورده، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته! وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده.

وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه وإجلاله،وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته، و الخشوع لعزته والاستخذاء له، عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص، وفهمت من أيّقلب خرجت، وعلى أيّ لسان جرت!

وقيل لعلي بن الحسين (عليهما السلام) وكان أعبد أهل زمانه: أين عبادتك من عبادة جَدّك؟ قال: عبادتي عند عبادة جدّي، كعبادة جدّي عند عبادة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)

والحق ما رواه أنس «انّ النبيّ كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت (إنَّما يُريدُ اللّهُ ليُذْهِبَ عَنْكُم الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا) (2).


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:1|27.
2 . لاحظ في الوقوف على مصادر الرواية : تفسير الطبري: 22|5 ـ 7 ، والدر المنثور: 5|198ـ 199.


(60)

الثاني: عرض الحديث على السنّة المتواترة

إنّالسنّة المتواترة كالكتاب العزيز كلاهما قطعيان بَيدَ انّ الكتاب وحي بلفظه ومعناه، والسنّة وحي بمعناها لا بلفظها. فتكون معياراً لتميز الحقّ عن الباطل، وقد مرّ في حديث أيوب بن الحر عن الصادق (عليه السلام) انّه قال: كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة.

وفي رواية عمر بن حنظلة عن الاِمام الصادق (عليه السلام) في الخبرين المتعارضين انّه ينظر إلى ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة فيوَخذ به.

وروى ابن أبي يعفور عن الاِمام الصادق (عليه السلام) : قال: سألته عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به، قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به. (1)

والمراد من عرض الحديث على السنة المتواترة ليس هو إحراز موافقته لها، بل إحراز عدم مخالفته لها لكون المخالفة مسقطة للحجية.

فالسنة المتواترة أو المستفيضة كالقرآن الكريم فلو ورد حديث يخالفها لا يوَخذ به بالملاك الذي ذكرناه في الكتاب.

نعم لا تشترط الموافقة، وإليك المثال:

أخرج أحمد في مسنده عن وهب بن كيسان مولى ابن الزبير، قال: سمعت عبد اللّه بن الزبير في يوم العيد يقول، حين صلّى قبل الخطبة ثمّ قام يخطب الناس:

[فيجيب على اعتراض الناس بتقديم الصلاة على الخطبتينج بقوله: كلاًّ


1 . وسائل الشيعة:18، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث 1و11.


(61)

سنّة اللّه وسنة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)

فإنّ السنة المتواترة عند الفريقين هو تقديمهما عليها، ولم يرو عن أحد من أنّ الرسول قدَّم صلاة الجمعة عليهما.

الثالث: عرض الحديث على العقل الحصيف

لقد احتلّ العقل مكانة رفيعة في الاِسلام وليس المراد من العقل، الاَساليب والاستدلالات العقلية التي يختص فهمها بأصحاب الفكر والحكمة، وإنّما المراد ما اتّفق عليه جميع العقلاء إذا تجرّدوا عن كل النزعات والرواسب والخلفيات نظير حكم العقل بحاجة كل ظاهرة إلى علة، وامتناع الدور والتسلسل وحسن العدل وقبح الظلم، وعلى تلك الاَحكام العقلية يدور رحى العقيدة والشريعة فلو لم يعترف أحد بها لانسدّ باب اثبات الصانع على وجهه كما ينسد عليه إثبات الشرائع السماوية وانّها من جانب اللّه سبحانه.

قال سبحانه: (فَبَشِّر عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئكَ الّذينَ هَداهُمُ اللّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الاََلْباب) (الزمر|17ـ 18).

فالمراد من القول الاَحسن، الواجب الاتّباع هو ما يدركه الاِنسان من صميم ذاته ونداء ضميره ووجدانه، ولاَجل ذلك نرى أنّه سبحانه يذكر في فواصل الآيات ويقول:(لآياتٍ لقومٍ يَعْقِلُون) (البقرة|164) ويقول: (أَفَلا تَعْقِلُون) (البقرة|44و76) ويقول:(وَما يَعْقِلُها إِلاّ العالِمُون) (العنكبوت|43) ويقول أيضاً: (إِنَّ في ذلِكَ لذِكرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أو ألقى السَّمعَ وهُوَ شَهِيد)(ق|37).


1 . مسند أحمد بن حنبل: 4|4.


(62)

إنّ المتكلّمين من الاِمامية والمعتزلة وإن اختلفوا مع الاَشاعرة في مسألة تحسين العقل وتقبيحه، لكن مع غض النظر عن هذا الجدال العقيم، نرى أنّ القرآن العظيم يحتج بالعقل الصريح و يقول:(إِنَّ لِلْمُتَّقينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعيمِ * أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ* إِنَّ لَكُمْ فيهِ لَما تَخَيّرون) (القلم|34ـ 38).

وفي آية أُخرى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات كَالْمُفْسِدينَ فِي الاََرْض أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالفُجّار ) (ص|28).

قال سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُبِالْفَحْشاء) (الاَعراف|28).

وقال سبحانه حاكياً عن إبراهيم: (قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَاسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُون * فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهمْ فَقالُوا إِنّكُمْ أَنْتُمُ الظالِمُون) (الاَنبياء|63 ـ 64).

فهذه الآيات كلّها تدلّ على أنّ منطق العقل حجّة قطعية بين اللّه سبحانه وعباده، وهو سبحانه يحتج به عليهم حتّى أنّ عبدة الاَوثان لما أُفحِمُوا أمام منطق إبراهيم المتين، أذعنوا بفشل رأيهم، ورجعوا إلى وجدانهم، ووصفوا أنفسهم بالظلم والتعدي.

فمنطق العقل القطعي يعد مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، ولتصحيح ما يعزى إلى منطق الوحي وما لا يعزى إليه.

وعلى ضوء ذلك فالروايات الصريحة في إثبات الجهة للّه تبارك وتعالى، وفي إثبات الجبر و سلب الحرية والاختيار عن الاِنسان فيما يناط به الاِيمان والكفر كلّها تخالف العقل الحصيف الذي به عُرف اللّه سبحانه وأنبياوَه ورسله.

فالاِنسان المسيّر غير مسوَول عن عمله وتصرفاته في قضاء العقل، مع أنّه


(63)

مسوَول في كتاب اللّه تبارك وتعالى فلا يجتمعان.

كما أنّ الموجود في جهة، موجود محدود، والمحدود من آثار الاِمكان وهو سبحانه منزه عنه وعن آثاره.

وأظهر من ذلك ما رواه غير واحد من أصحاب الصحاح من أنّه سبحانه يُرى في الآخرة بنفس العين الحاسة مع أنّ هذه الروَية مستحيلة عقلاً، لاَنّ المرئي لا يرى إلاّ في جهة، وقد قلنا بامتناع الجهة له، كما المرئي منه سبحانه يوم القيامة لا يخلو إمّا أن يكون بعضه أو كله.

فالاَوّل يثبت له جزءاً والثاني يلازم كونه سبحانه محاطاً مع أنّه محيط.

والعجب انّ بعض المقتصرين على الضوابط المقررة في علم الحديث بغية تمييز الصحيح عن السقيم يتبجّح عند نقد روايات العقل، و يقول:

ومما يحسن التنبيه عليه انّ كلّ ما ورد في فضل العقل من الاَحاديث لا يصحّ منها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع وقد تتبعت ما أورده منها أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه «العقل وفضله» فوجدتها كما ذكرت لا يصحّ منها شيء، ثمّ نقل عن ابن قيم الجوزيّة قوله أحاديث العقل كلّها كذب.

وأوّل حديث نقده ذلك البعض هو حديث «الدين هو العقل، ومن لا دين له لا عقل له».

وذكر في موضع آخر بأنّ رواية: «قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له» موضوعة. (1)

أقول: إنّ الغاية من وراء تضعيف أحاديث العقل(وإن كانت حجيته مستغنية عن هذه الاَحاديث، ويكفي فيها انّ الذكر الحكيم ذكره خمسين مرّة


1 . الالباني، سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة، ص 13 وص 370.


(64)

بصيغ مختلفة) هي التساهل أمام الروايات الدالة على أنّ الاِنسان مسيّر ، والقضاء والقدر حاكم على مصيره وتصرفاته، وليس له أي اختيار في انتخاب ما ينوط به الاِيمان والكفر.

أو التساهل أمام الروايات الهائلة المدسوسة في الاَحاديث الاِسلامية من قبل مستسلمة أهل الكتاب، الدالة على التشبيه والتجسيم وإثبات الجهة.

إنّ المتبجحين برفض العقل كابن تيمية والذهبي وابن قيم الجوزية ومن حذا حذوهم كمحمد بن عبد الوهاب وأخيراً الشيخ الالباني، قد اتخذوا لاَنفسهم موقفاً مسبقاً في مجال أخذ الحديث ورفضه، فالمعيار عندهم هو اتّباع السلف ومخالفة الخلف أخذاً بقول الشاعر:

وكلّ خير في اتّبـاع من سلــف * وكلّ شرّ في ابتداع من خلف (1)

وكلامهم هذا نظير ما حكاه سبحانه عن المشركين قال: (... قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباوَُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة|170).

فإذا كان هذا هو المعيار فأكثر المحدثين ـ المغترّين بروايات مستسلمة أهل الكتاب ككعب الاَحبار وتميم الداري ووهب بن منبه وغيرهم ممّن بثوا في الاَوساط الاِسلامية الاسرائيليات والمسيحيات ـ كانوا هم القائلين بالجبر والتجسيم والتشبيه، ومن كان هوَلاء أئمّته فأولى أن يتبجح برفض العقل.


1 . المصدر السابق: 117.
Website Security Test