welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(624)

38
أنس بن مالك الصحابي

(10قبل الهجرة ـ 93 هجرية)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

1. طواف النبي على نسائه في ليلة واحدة.2. أبو النبي صفي النار.

3. نسيان السورة من أعظم الذنوب.4. اجتهاد النبي في الاَحكام.

5. الصيام في السفر.6. مجبوب متهم بالزنا.

7. برغوث يوقظ نبيّاً للصلاة.8. موسى يصلّي في القبر.

9. التجسيم في أحاديثه.10. رقص أهل الحبشة أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

11. سيدا كهول أهل الجنة.12. أُمّتي على خمس طبقات.

13. صلاة النبي بلا بسملة.14. ردّ دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

15. النهي عن باء الاقراء.16. فضل عائشة .

17. نوم النبي على فراش أُم سليم.18. مدة خدمته.

19. إسراء النبي قبل أن يوحى له.20. نزول آية الصلح في عبد اللّه بن أُبي.

أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الخزرجي النجاري، كنيته أبو حمزة، قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة وهو ابن عشر سنين فأهدته أُمّه لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كي يخدمه، وانتقل من المدينة بعد ان مُصِّرت البصرة أيام عمر بن الخطاب


(625)

وسكنها. (1)

أمّا أبوه فهو مالك بن النضر فلا يذكرون عنه شيئاً سوى انّه غضب على أُمّ سليم و خرج إلى الشام فمات كافراً هناك.

وأمّا أُمّه فهي أُمّ سُليم بنت مِلْحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب ابن عامر بن غنم بن عدي بن النجّار الاَنصارية الخزرجية النجّارية، فقد خطبها أبو طلحة بعد ما مات زوجها مالك، وهو مشرك، فقالت: أمّا انّ لي فيك رغبة وما مثلك يُرد، ولكنك كافر وأنا امرأة مسلمة فان تسلم فلك مهري و لا أسألك غيره، فأسلم وتزوّجها.

و كان لاَُمّ سُليم مواقف في بعض الغزوات لا سيما يوم أُحد. (2)

وقد وصف أنس بالاَوصاف التالية:

المفتي، المقرىَ، المحدِّث، راوية الاِسلام، خادم رسول اللّه، وهو آخر أصحابه موتاً وحيث إنّه ولد قبل الهجرة بعشر سنين وأشهر الاَقوال في وفاته انّه توفي عام 93 فيكون عمره على هذا مائة وثلاثة سنين.

يقول الذهبي: قال الاَنصاري اختلف علينا في سنّ أنس، فقال بعضهم: بلغ 103 سنين، وقال بعضهم: 107 سنين.

وقال أيضاً: مسنده ألفان ومائتان وستة وثمانون، اتّفق له البخاري ومسلم على 180 حديثاً، وانفرد البخاري بثمانين حديثاً، ومسلم بتسعين. (3)

وقد أحصيتْ أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 1472 (4) وهو يقل بكثير


1 . مسند أحمد: 5|335.
2 . مشاهير علماء الاَمصار واعلام فقهاء الاَقطار: 65 برقم 215، وسيوافيك الاختلاف في مدة خدمته.
3 . سير أعلام النبلاء: 2|304 برقم 55.
4 . الذهبي، سير أعلام النبلاء: 3|406 برقم 62.


(626)

عمّا ذكره الذهبي والحقّ انّ المسند الجامع ليس بجامع.

وكان أنس يقول: قدم رسول اللّه المدينة وأنا ابن عشر و مات وأنا ابن عشرين، وكن أُمّهاتي تحثّني على خدمته. (1)

وعلى ذلك فما يرويه من الروايات عن النبي مباشرة ـ وهو الاَغلب ـ إنّما أخذه في هذه السنين وهو بعدُ لم يزل صبياً، مراهقاً.

يروي عن: النبي، وعن: أبي بكر وعمر و عثمان ومعاذ وأسيد بن الحضير وأبي طلحة وأُمّه أُمّ سُليم وفاطمة الزهراء وغيرهم. (2)

كما أخذ عنه خلق كثير ، منهم: الحسن البصري، وابن سيرين، و الشعبي، وأبو قلابة، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، إلى غير ذلك ممّن يروي عنه. (3)

وقد شارك في بعض الغزوات وجاء في حديثه مشاركته في غزوة خيبر كما سيوافيك وهو الراوية الثاني للحديث النبوي بعد أبي هريرة، فهما من المكثرين للرواية عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن أبرز سماته انّه يروي في أغلب الاَحيان أفعال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو واضح لمن استقصى أحاديثه فالقول والفعل كلاهما سنّة.

وقد خدم البيت النبوي مدّة مديدة لمس خلالها مدى الحب والعناية التي كان النبي يوليها لبنته فاطمة الزهراء وابنيها الحسن والحسين (عليهم السلام) ، فانعكس كل ذلك على اخباره.

روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: حسبك من نساء العالمين: مريم ابنة عمران،


1 . المسند الجامع: 3|69.
2 . مسند أحمد: 3|110.
3 . سير أعلام النبلاء:3|396؛ تهذيب التهذيب: 1|376 برقم 690.


(627)

وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، وآسية امرأة فرعون. (1)

وروي أيضاً: جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده خديجة، فقال: إنّ اللّه يقرىَ خديجة السلام، فقالت: إنّ اللّه هو السلام وعلى جبرئيل السلام وعليك السّلام ورحمة اللّه. (2)

وروى أيضاً انّ رسول اللّه كان يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: الصلاة يا أهل البيت(إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) . (3)

وروى الترمذي عن أنس بن مالك: سئل رسول اللّه أي أهل بيتك أحبّ إليك، قال: الحسن الحسين، وكان يقول لفاطمة: إدعي ابنيّ فيشمُّهما ويضمُّهما إليه. (4)

أخرج الترمذي عن السدّيّ،عن أنس بن مالك، قال: كان عند النبي طير، فقال: اللّهمّ إئتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه.(5)

أخرج الاِمام أحمد عن عبد الصمد وعفان، قالا: حدّثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث ببراءة مع أبي بكر الصديق (رض) فلما بلغ ذا الحليفة، قال عفان: لا يبلغها إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي فبعث بها مع علي (عليه السلام) . (6)

كلّ ذلك يعرب عن تعاطفه مع أهل البيت (عليهم السلام) .


1 . سير أعلام النبلاء:3|396.
2 . مسند أحمد:3|135؛ والترمذي: السنن: برقم3878.
3 . سنن النسائي، في باب عمل اليوم و الليلة برقم 374، وأخرجه في فضائل الصحابة برقم 254.
4 . مسند أحمد: 3|259ـ 285.
5 . الترمذي: السنن: 5|657 برقم 3772.
6 . الترمذي: السنن:5|636 برقم 3721، كتاب المناقب.


(628)

روائع أحاديثه

نذكر في المقام شيئاً من روائع أحاديثه ليكون انموذجاً لما لم نذكر.

1. عن حميد عن أنس انّ رسول اللّه، قال:

انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل يا رسول اللّه: هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تمنعه من الظلم. (1)

2. عن أبي عبد اللّه الاَسدي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :

دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. (2)

3. عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):

( قل هو اللّه) تعدل ثلث القرآن. (3)

4. عن سليمان التيمي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النار. (4)

5. عن أبي حفص انّه سمع أنس بن مالك يقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّمثل العلماء في الاَرض كمثل النجوم في السماء يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة. (5)

6. عن خلف أبي الربيع قال: حدّثنا أنس، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّهذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق. (6)


1 . مسند أحمد:3|212.
2 . مسند أحمد:3|201.
3 . مسند أحمد:3|153.
4 . سنن ابن ماجة برقم 3788.
5 . مسند أحمد:3|116.
6 . مسند أحمد:3|157.


(629)

7. عن أبي التّياح انّه سمع أنس بن مالك، قال:قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : البركة في نواصي الخيل. (1)

هذه مقتطفات من روائع أحاديثه التي يعلو عليها نور النبوة ويدل سموُّ مضمونها على صدق مقاله، فالاَُمّة قاطبة تنهل من النمير العذب لتلك الاَحاديث بلا تريّث، ولكن مع الاعتراف بذلك ففي الروايات المروية عنه شذوذ وشطحات تصدّنا عن الاَخذ بها .

1. طواف النبي على نسائه في ليلة واحدة

روى البخاري عن قتادة، انّأنس بن مالك حدَّثهم: انّ نبي اللّه كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله أيضاً تسع نسوة. (2)

وقد تضافر نقل هذا الحديث عن أنس انّالنبي كان يطوف على نسائه في غسل واحد. (3)

وعن قتادة، قال حدثنا أنس بن مالك، قال: كان النبي يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهنّ إحدى عشرة، قال: قلت لاَنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث انّه أُعطي قوّة ثلاثين. (4)

هذا وإذا أردنا أن نستقصي أسانيد هذه الرواية من كتب الحديث لطال بنا الكلام فقد نقلها عنه غير واحد من أصحاب السنن والمسانيد.


1 . مسند أحمد:3|199.
2 . مسند أحمد:3|114.
3 . صحيح البخاري: 1|79، باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، ولاحظ 7|4 باب كثرة النساء.
4 . مسند أحمد:3|161؛ وصحيح البخاري: 7|34، باب من طاف على نسائه في غسل واحد من كتاب النكاح.


(630)

إنّ الحسن والقبح العقليين وإن صارا معرضاً للنقاش بين العدلية والاَشاعرة ولكن الحسن والقبح العرفيين أمر لا يمكن أن ينكر، فالاَكل في الطريق وإن كان أمراً مباحاً ولكن تستنفره طبائع الناس، فعلى النبي تنزيه ساحته عن كلّ ما يوجب انفضاض الناس عنه، ولا يقلّ عن هذا العمل، الطوافُ على النساء التسع على رواية أو الاِحدى عشرة على رواية أُخرى في ليلة واحدة أمام شاب مراهق كأنس.

فلو كان الحافز لذلك العمل هو بيان الحكم الشرعي وانّه يجوز الاقتصار على غسل واحد لجنابات متعددة فما أيسر بيانَه في ثنايا كلماته ومواعظه كسائر ما أفاده من الاَحكام والسنن.

وهل كان الجمع بين النساء في الدخول في ليلة واحدة أمراً مفروضاً عليه مع انّ أصل وطء الزوجة أمر مختلف فيه في فقه أهل السنّة، فالحنابلة على أنّه يجب على الزوج وطء زوجته في كلّ أربعة أشهر مرّة واحدة إن لم يكن له عذر، والحنفية على أنّه ليس لها حق المطالبة به في العمر إلاّ مرّة واحدة، والشافعية على أنّه ليس للمرأة الحقّ في مطالبة الرجل بالوطء لاَنّ عقد النكاح واقع على أن يستمتع الرجل بها فالمعقود عليها هي المرأة لا الرجل فعلى هذا فالوطء حقّه.(1)

وعليه لا يتصور وجوب الوطء إلاّ على مذهب الحنابلة دون غيرهم، كما لا يجب الوطء في ليلة واحدة بل له (صلى الله عليه وآله وسلم) أداء حقّهن ضمن ليالي.

ثمّ إنّ ما برّر به أنس إمكان عمل النبي بعد ما سئل عن إطاقة النبي فأجاب: كنّا نتحدث انّه أُعطي قوة ثلاثين رجلاً. (2) أمر مشكل، فإن أوقفه النبي على ذلك فلماذا لم ينسبه إليه؟ وإن أخذه من غيره فمن أوقفه على ذلك؟ ومن أين عرف انّنبي الاِسلام أُعطي قوة ثلاثين رجلاً ؟


1 . مسند أحمد:3|291.
2 . لاحظ الفقه على المذاهب الاَربعة:4|240ـ241.


(631)

نعم دلّ العقل والشرع على لزوم بلوغ الاَنبياء في العقل والوعي والاَخلاق الحميدة والفضائل الحسنة مرتبة سامية تجعلهم في مستوى عال يتفوقون بها على سائر البشر، وأمّا ما سوى ذلك ممّا لا يعد محْمَدة في العمل ولا كرامة في الاَخلاق فلم يدل دليل على تفوّقهم على الناس بشيء فضلاً عن إعطائهم قوة ثلاثين رجلاً فيما يرجع إلى الغرائز السافلة.

كلّ ذلك يعرب عن وهن الحديث مضموناً وعدم مطابقته للاَُصول المسلمة عند المسلمين.

ثمّ إنّ القيام بهذا العمل أمام شاب مراهق ـ كما قلنا ـ أمر قبيح عرفاً، ينفّر الناس عن النبي إذا سمعوا به، و هذا هو البخاري يحدثنا انّ أنساً لحق بالنبي قُبيل غزوة خيبر التي وقعت في محرم سنة 7 من الهجرة (1)

أخرج البخاري عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد اللّه بن حنطب انّه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَبي طلحة: التمس غلاماً من غلمانكم يخدمني، فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول اللّه كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: «اللّهمّ انّي أعوذ بك من الهم والحَزَنِ والعجز والكسل والبخل والجبن وضَلَع الدَّين، وغلبة الرجال»، فلم أزل أخدمه حتى أقبلنا من خيبر. (2)

فهذا يعرب عن أنّه لحق بالنبي في سنة 7 للهجرة وله من العمر 17 أو 18 عاماً أفيمكن أن يقوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمام شاب مراهق في عنفوان شبابه و ثوران شهواته بالطواف على زوجاته في ليلة واحدة؟!

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنساناً حيِيّاً عفيفاً، و هذا هو القاضي عياض، يعرّفه بقوله:


1 . مسند أحمد:3|291.
2 . سيرة ابن هشام:3|328.


(632)

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أشدّالناس حياءً، وأكثرهم عن العورات اغضاءً.

قال اللّه تعالى: (إِنّ ذلِكُم كانَ يوَذي النَّبِيَّ فيَسْتَحي مِنْكُمْ وَاللّهُ لا يَسْتَحِي مِنَ الحَقّ ) (الاَحزاب|53).

وعن أبي سعيد الخدري (رض): كان رسول اللّه أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه، وكان لطيف البشرة، رقيق الظاهر، لا يشافه أحداً بما يكرهه حياءً وكرم نفس.

وعن عائشة: كان النبي إذا بلغه عن أحد يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا، ولكن يقول: ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا.

وروى عنه: انّه كان من حيائه لا يُثبت بصره في وجه أحد و انّه كان يُكنِّي عما اضطره الكلام إليه ممّا يكره.

وعن عائشة: ما رأيت فرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قط. (1)

فإذا كان هذا حياءَه وعفتَه، فهل يتصوّر أن يطوف في ليلة واحدة على تسع أو إحدى عشرة من زوجاته واحدة تلو الاَُخرى، ونساءه مطلعات على ذلك مضافاً إلى غلامه الذي بلغ سن المراهقة وهو في شره غريزته؟

إنّعمل كلّ إنسان يعكس نفسياته وملكاته، فهذا النوع من العمل يكشف عن نفسيّة غارقة في حب الشهوات، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجل من هذه التهمة الرخيصة، ومن قرأ حياته وهو في شرخ شبابه إلى ان ذرّف العقد السادس من عمره الشريف يقف، على أنّه كان بعيداً عن أيّعمل يمت إلى ذلك بصلة.

«فهو قد تزوج خديجة وهو في الثالثة والعشرين من عمره وهو في شرخ الصبا، وريعان الفتوة، ووسامة الطلعة، وجمال القسمات وكمال الرجولية، ومع


1 . صحيح البخاري: 7|76، باب الحيس من كتاب الاَطعمة.


(633)

ذلك ظلَّت خديجة وحدها زوجه ثماني وعشرين سنة حتى تخطّى الخمسين،هذا على حين كان تعدد الزوجات أمراً شائعاً بين العرب في ذلك العهد و على حين كان لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مندوحة في التزويج على خديجة أن لم يعش له منها ذَكَر، في وقت كان تُوأد فيه البنات، وكان الذكور وحدهم هم الذين يعتبرون خلفاً وقد ظل النبي مع خديجة سبع عشرة سنة قبل بعثه وإحدى عشرة سنة بعده وهو لا يفكر قط في أن يُشرك معها غيرها في فراشه، ولم يعرف عنه في حياة خديجة ولم يعرف عنه قبل زواجه منها، انّه كان ممن تغريهم مَفاتن النساء، في وقت لم يكن فيه على النساء حجاب بل كانت النساء يتبرجنَّ فيه و يبدينّ من زينتهنّ ما حرّم الاِسلام من بعد». (1)

فمن غير الطبيعي ان تراه وقد تخطى الخمسين ينقلب فجأة هذا الانقلاب الذي تصوره تلك الرواية.

وأمّا تعدد زوجاته ونسائه، فمن قرأ صفحات تاريخه يقف على أنّه كان لاَجل غايات سياسية أو اجتماعية أو ما يشبههما.

مثلاً انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشرك مع خديجة أحداً مدى 28 سنة، فلمّا قبضها اللّه إليه تزوج سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو بن عبد شمس، ولم يرو راو انّ سودة كانت من الجمال أو من الثروة أو من المكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثراً في زواجه بها، إنّما كانت سودة زوجاً لرجل من السابقين إلى الاِسلام الذين احتملوا في سبيله الاَذى والذين هاجروا إلى الحبشة بعد ان أمرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالهجرة وراء البحر إليها، وقد أسلمت سودة وهاجرت معه وعانت من المشاق ما عانى، ولقيت من الاَذى مالقي، فإذا تزوّجها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك ليعولها وليرتفع بمكانتها إلى أُمومة الموَمنين، فذلك أمر يستحق من أجله أسمى التقدير وأجلَّ الحمد. (2)


1 . القاضي عياض الاَندلسي: الشفاء، بتعريف حقوق المصطفى:1|241ـ 243.ولاحظ مسند أحمد:3|71.
2 . محمد حسين هيكل، حياة محمد، ص 318ـ 319 الطبعة الثالثة عشرة.


(634)

هذه إلمامه إجمالية لتعدّد زوجاته، ومن أراد التفصيل، فليتصفّح صفحات التاريخ حتى يقف على الحوافز التي دفعته إلى الزواج بهنّ.

وممّا يعرب عن ضعف الرواية ما رواه نفس أنس في حقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: وكان النبي شديد الحياء (1)

ويروى أيضاً: في قضية تزويج النبي بزينب وإقامة وليمة ويقول: فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا وبقي طائفة منهم، فأطالوا عليه الحديث، فجعل النبي يستحيي منهم أن يقول لهم شيئاً. (2)

ما رواه حول زواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصفية

انّ ما رواه أنس حول صفية، ممّا يشوِّه سمعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يوافق الاَُصول المسلمة المستفادة من الكتاب والسنّة.

أخرج مسلم في صحيحه عن ثابت، قال: حدّثنا أنس، قال: صارت صفية لدحية في مقسمه، وجعلوا يمدحونها عند رسول اللّهقال: ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها، قال: فبعث إلى دحية فأعطاه بها ما أراد، ثمّ دفعها إلى أُمي، فقال: أصلحيها، ثمّخرج رسول اللّهمن خيبر حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثمّ ضرب عليها القبّة. (3)

أخرج البخاري عن مولى المطّلب، عن أنس بن مالك في رواية... فلمّا فتح اللّه عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قُتل زوجها فكانت عروساً فاصطفاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سد الصهباء حلّت، فبنى


1 . محمد حسين هيكل، حياة محمد، ص 318ـ 319 الطبعة الثالثة عشرة.
2 . صحيح البخاري: 6|119، تفسير سورة الاَحزاب، باب زواج زينب بنت جحش من كتاب النكاح.
3 . مسند أحمد:3|163؛ صحيح مسلم:4|152.


(635)

بها ثمّ صنع حيساً في نطع صغير، ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : آذن من حولك، فكانت تلك وليمة رسول اللّه على صفية، ثمّخرجنا إلى المدينة. (1)

ثمة تأملات حول الروايتين:

أوّلاً: وجود التهافت بينهما حيث إنّ الرواية الاَُولى تصرّح بأنّصفية صارت لدحية في مقسمه، فلمّا سمع النبي مدح الناس إيّاها وقولهم: «ما رأينا في السبي مثلها» بعث إلى دحية فأعطاه بها ما أراد، ثمّ أخذها منه و دفعها إلى أُم أنس كي تصلحها، ولكن الظاهر من الثانية هو انّ النبي اختارها لنفسه من أوّل الاَمر بعد أن ذكر له جمال صفية ومحاسنها.

وثانياً: انّ الفقه الاِسلامي يصرّح بأنّ صفايا الغنائم للنبي والخليفة بعده، ولكن لا يصلح لمسلم الدخول بالاَمة المسبية إلاّ بعد استبراء رحمها، فكيف بنى بها النبي في الطريق قبل الاستبراء على كلتا الروايتين؟ كما هو صريح قوله: «وقد قتل زوجها وكانت عروساً، فخرج بها حتى بلغنا سدَّ الصهباء حلّت فبنى بها».

وقد روى أبو سعيد الخدري: «انّه لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة واحدة» وروى رويفع بن ثابت الاَنصاري عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال يوم حنين:«لا يحل لامرىٍَ يوَمن باللّه واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره ـ يعني إتيان الحبالى ـ ولا يحل لامرىٍَ يوَمن باللّه واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها». (2)

وقد صرح بلزوم استبراء الاَمة فقهاء المذاهب قاطبة من غير فرق بين سبب دون سبب، ففي المبسوط: لو ملكها بهبة أو صدقة أو ميراث أو جناية وجبت عليه، أو جعل كتابة أو خلع فعليه الاستبراء فيها.


1 . صحيح مسلم: 4|148 ؛ مسند أحمد: 3|195.
2 . صحيح البخاري:5|135، باب غزوة خيبر.


(636)

وهذا كما ترى يذهب إلى الاستبراء بصورة عامة.

ومنهم من صرّح بما إذا كان السبب هو الغنيمة فحسب.

فقد جاء في كشف القناع: يجب الاستبراء بملك اليمين من قنّ و مكاتبة وأُمّ ولد ومدبرة عند حدوث الملك بشراء أو هبة أو إرث أو وصية أو غنيمة أو غير ذلك. (1)

وثالثاً: انّ مكارم الاَخلاق التي تمتع بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تصدّه عن البناء بها في الطريق تحت القبة وفي معرض أنظار المسلمين، ولا يقوم بذلك من له أدنى حظ من العفة.

ولعمري انّ تلك الروايات وأمثالها التي رواها أنس بن مالك أو رووا عنه تُشوِّه سمعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان في منتهى الخلق الكريم والاَدب الرفيع، وقد اقتصرنا على هاتين الروايتين، وإلاّفالروايات التي تمس كرامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) موجودة بوفرة في روايات أنس أو في من رووا عنه، و وزر ذلك على من دسّ تلك الروايات في الاَحاديث النبوية فأخذها السُّذَّج من الناس حقائق ثمّ حاولوا أن يبرروها بوجوه غير مقبولة.

2. أبو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في النار

أخرج مسلم عن ثابت، عن أنس انّرجلاً قال: يا رسول اللّه أين أبي؟ قال في النار ، فلما قفّى، دعاه فقال: إنّ أبي وأباك في النار. (2)

وروى أحمد بهذا الطريق قال، قال رجل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أين أبي؟ قال: في النار،


1 . أبو داود، السنن: 2|248، برقم 2157 و2158.
2 . لاحظ في الوقوف على نصوص المذاهب في لازم الاستبراء ، موسوعة الفقه الاِسلامي: 5|183 ـ 187.


(637)

قال: فلمّا رأى ما في وجهه قال: إنّأبي و أباك في النار. (1)

وثمة تساوَلات نطرحها وهي:

أ. انّالمعروف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو العطف والحنان في معاشرته مع الناس وعلى ضوء ذلك، فهل كان من واجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يجيب على سوَاله و يصرّح انّ مكانه في النار، و لمّا شاهد انزعاجه من جوابه اضطرّ إلى تسليته بأنّأباه مثل أبيه كلاهما في النار، ومثل هذا السوَال والجواب لا يصدر ممّن وصفه سبحانه بالخلق والفضل العظيم.

قال الاِمام النووي في شرح الحديث: قوله :«إنّ أبي وأباك في النار» هو من حسن العشرة بالتسلية بالاشتراك في المصيبة. (2) نعم من حسن العشرة لكن من غير مبرِّر لكسر قلبه ببيان مصير أبيه ثمّ تسليته.

ب. إنّ الذين عاشوا بعد المسيح إلى حين بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على طائفتين، فمنهم من تمت عليه الحجّة فلا شكّ انّه في نار الجحيم، وأمّا من لم تتم عليه الحجّة فهو ممّن قال سبحانه في حقّه: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاََمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكيم) (التوبة|106) فليس كلّ من عاش بين الفترتين في النار قطعاً، فهل كان والد السائل ممن تمت عليه الحجة ؟

ج. إنّ الرواية تخالف ما عليه الاِمامية والزيدية وجملة من محققي أهل السنّة من أنّوالدي النبي كانوا موحدين وشذَّ من قال إنّ النبي مع كثرة ما أنعم اللّه عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إحسان والديه، فإنّ هذه الكلمة صدرت من غير تحقيق، فانّ التاريخ لم يضبط من سيرتهما إلاّ شيئاً يسيراً، و فيما ضبط إيعاز لو لم نقل دلالة على إيمان والديه، فقد نقل التاريخ عن والد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه عندما


1 . مسلم، الصحيح:1|132ـ 133، باب انّمن مات على الكفر فهو في النار. من كتاب الاِيمان.
2 . مسند أحمد:3|119.


(638)

عرضت فاطمة الخثعمية نفسها عليه، فقال: رداً عليها:

أمّا الحرام فالممات دونه * والحلّ لا حلّفاستبينه
يحمي الكريمُ عرضَه ودينَه * فكيف بالاَمر الذي تبغينه (1)

أضف إلى ذلك تضافر الروايات حول طهارة ولادة النبي التي جمعها الحافظ أبو الفداء ابن كثير في تاريخه، قال :وخطب النبي وقال: أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب...و ما افترق الناس فرقتين إلاّ جعلني اللّه في خيرها، فأخرجت من بين أبويَّ، فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأُمّي فأنا خيركم نفساً و خيركم أباً. (2)

إلى غير ذلك من الاَحاديث والروايات وكلمات المحقّقين التي استقصيناها في كتابنا مفاهيم القرآن. (3)

قال القاضي عياض الاَندلسي: فانّه نخبة بني هاشم وسلالة قريش وصميمها وأشرف العرب وأعزهم نفراً من قبل أبيه وأُمّه.

وعن العباس (رض) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ اللّه خلق الخلق فجعلني من خيرهم و من خير قرنهم، ثمّتخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثمّ تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً...إلى أن قال:

وعن ابن عباس: قال رسول اللّه : فاهبطني اللّه إلى الاَرض في صلب آدم وجعلني في صلب نوح وقذف بي في صلب إبراهيم، ثمّلم يزل اللّه تعالى ينقلني من الاَصلاب الكريمة والاَرحام الطاهرة حتى أخرجني من أبويّ. (4)


1 . شرح صحيح مسلم للاِمام النووي:3|79.
2 . السيرة الحلبية: 1|46.
3 . البداية والنهاية: 2|255.
4 . مفاهيم القرآن: 5|148ـ150.


(639)

فهذا النور الذي قدّر في علمه سبحانه أن يضيَ العالم بجماله، ويغيِّـر مصير التاريخ برسالته لا يحتضنه إلاّ أصلاب شامخة وأرحام مطهرة كنوح وإبراهيم ومن بعده كلّهم موحدون منزّهون عن عبادة الاَوثان ورذائل الاَعمال ومساوىَ الاَخلاق.

وبما ذكرنا يعلم عدم صحّة ما أخرجه أحمد عن وكيع بن حدس، عن أبي رزين عمّه، قال: قلت يا رسول اللّه: أين أُمّي؟ قال: أُمّك في النار، قال: قلت: فأين من مضى من أهلك؟ قال: أما ترضى أن تكون أُمّك مع أُمّي. (1)

3. نسيان السورة من أعظم الذنوب

أخرج أبو داود (2) و الترمذي (3) عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه: عرضت عليَّ أجور أُمّتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أُمّتي فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثمّ نسيها.

أقول: لم يدل دليل على وجوب حفظ القرآن، ولا على حرمة نسيانه بعد حفظه، ومع غض النظر عن ذلك كيف يكون نسيان آية من المحرمات الموبقة المهلكة وفي عداد أكل الربا الذي يعد آكله محارباً للّه ولرسوله ؟ قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْكُنْتُمْ مُوَْمِنينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) (البقرة|278ـ279).

أو في عداد من يحارب اللّه ورسوله؟ قال سبحانه: (إِنَّما جَزاوَُا الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَوَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاََْرض فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الاََرْضِ...) (المائدة|33).


1 . القاضي عياض، الشفاء بتعريف حقوق المصطفى:1|180ـ 183.
2 . مسند أحمد:4|11.
3 . سنن أبي داود : 1|126 برقم 461.


(640)

فعلى ضوء هذا الحديث يكون نسيان آية من آيات القرآن أعظم من أكل الربا والسعي للفساد في الاَرض، و الزنا بالمحارم في الاَماكن المتبركة، وقتل النفس المحترمة، ونهب الاَموال.

ولما كان الحديث من الوهن بمكان، عاد الترمذي يستغربه ويقول: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.

قال: وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه واستغربه.

4. اجتهاد النبي في الاَحكام

أخرج الاِمام أحمد عن عبد الوارث مولى أنس بن مالك، و عمرو بن عامر عن أنس، قال:

نهى رسول اللّه عن زيارة القبور، وعن لحوم الاَضاحي بعد ثلاث، وعن النبيذ في الدّباء (1) والنقير (2) والحنتم (3) والمزفت (4)

قال: ثمّ قال رسول اللّه بعد ذلك: ألا إنّي قد نهيتكم عن ثلاث ثمّ بدالي فيهنّ: نهيتكم عن زيارة القبور، ثمّبدا لي انّها ترقّ القلب وتُدمِعُ العينَ وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا هجراً، ونهيتكم عن لحوم الاَضاحي فوق ثلاث ليال ثمّ


1 . سنن الترمذي: 5|178 برقم 2916.
2 . الدباء: القرع وأحدها دُبّاءة كانوا ينتبذون فيها فتُسرع الشدّة في الشراب.(النهاية:2|96).
3 . النقير: أصل خشبة ينقر فينبذ فيه فيشتد نبيذه.
4 . الحنتم واحدتهاحنتمة، نهي عن الانتباذ فيها لاَنّهاتسرع الشدة فيها لاَجل دهنها.(النهاية:1|448).


(641)

بدا لي انّ الناس يتحفون ضيفهم ويخبئون لغائبهم فامسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن النبيذ في هذه الاَوعية فاشربوا بما شئتم ولا تشربوا مسكراً فمن شاء أوكأ سقاءه على إثم. (1)

هنا تساوَلات نطرحها:

أ. الحديث ـ مع قطع النظر عن سنده ـ مبني على أنّه يصحّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الاجتهاد في الاَحكام الشرعية وانّه كسائر المجتهدين يخطىَ ويصيب، ولكن هذا الزعم يخالف الذكر الحكيم، قال سبحانه: (وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّأنفُسَهُم وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَل اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء|113).

وقد ذكر المفسرون أسباب نزول متعددة لهذه الآية تجمعها انّها رفعت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واقعة كان الحقّفيها غير واضح، فأراه اللّه سبحانه حقيقة الواقع الذي تخاصم فيها المتحاكمان وعلّله بقوله: (وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ ).

ففضل اللّه ورحمته صدّاه عن الحكم بالباطل، وهل كان فضله سبحانه ورحمته مختصين بهذه الواقعة أو انّهما خيّما عليهطيلة عمره الشريف؟ مقتضى قوله سبحانه في ذيل الآية: (وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عليكَ عَظيماً) هو انّه حظي بهما طيلة عمره الشريف. فهو في كلّالحوادث والوقائع يحكم بمرّ الحق ونفس الواقع موَيّداً من قبل اللّه، و من اختص بهذه المنزلة الكبيرة فقد استغنى عن الاجتهاد المصيب تارة والمخطىَ أُخرى.

ب. انّه سبحانه يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الاََمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُون)(الجاثية|18).


1 . المزفت: هو الاِناء الذي طلي بالزفت وهو نوع من القار، ثمّ انتبذ فيه.(النهاية:2|304).


(642)

والشريعة هي طريق ورود الماء، والاَمر، أمر الدين و معنى الآية انّه سبحانه تبارك وتعالى أورد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الطريق الموصل إلى الدين قطعاً، ومن حظي بتلك المنزلة، فما يصدر عنه إنّما يصدر عن واقع الدين لا عن الدين المظنون الذي يُخطىَ ويصيب، وليست تلك الخصيصة من خصائصه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط بل قد حظي بها معظم الاَنبياء، قال سبحانه: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنهاجاً) (المائدة|48).

ج. انّ طبيعة الاجتهاد خاضعة للنقاش والنقد، فلو اجتهد النبيفي بعض الاَحكام فنظره كغيره قابل للنقد والنقاش، ومعه كيف يكون حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة وحرامه حراماً إلى يوم القيامة؟ وكيف تكون شريعته خاتمة الشرائع؟ فهذه الضابطة ثابتة إلاّ فيما ثبت فيه النسخ.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ نسبة الاجتهاد إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعيدة عن الصواب، وإنّما يتفوّه بها من ليس له أدنى إلمام بمقامات الاَنبياء، لا سيما خاتم النبيين أفضل الخليقة.

ما ذكرناه من الوجوه ترجع إلى الحكم الكلي، أعني: جواز اجتهاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان الاَحكام وقد عرفت انّه مرفوض بنص الكتاب، وعلى فرض تسويغ الاجتهاد للنبيفهو في المقام أمر غريب، لاَنّ مفاده انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان غافلاً عن حكمة زيارة القبور وهي انّها ترقّ القلوب و تذكّر الآخرة، ولكنّه انتقل إليها بعد حين من الدهر غير انّتلك الحكمة ليست من الاَُمور التي يغفل عنها السُّذَّج من الناس، فكيف بالنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي وصف اللّه علمه بالعظمة؟ ومثله نهيه عن أكل لحوم الاَضاحي ثمّتسويغه، لاَنّ الناس ربما يحتاجون إليها لاَجل اتحاف ضيفهم أو قدوم غائبهم.

فالرواية إمّا مدسوسة أو منقولة على غير وجهها.


(643)

5. جواز الصوم في السفر

أخرج البخاري في صحيحه، عن عبد اللّه بن مسلمة، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: كنّا نسافر مع النبي، فلم يُعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. (1)

وأخرجه مسلم بسنده إلى حُميد، قال: سئل أنس (رض) عن صوم رمضان في السفر فقال: سافرنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. (2)

إنّ الرواية وإن لم تنقل حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حول الصيام في السفر، لكنّها تتضمّن اتّفاق الصحابة على صحة الصوم في السفر، لاَجل أنّه لم يُعِب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر.

ولكن ثمة تساوَلات حول الروايتين:

أ. انّ الذكر الحكيم فرض الاِفطار عند السفر وجعل الواجب على المسافر هو الصيام في أيام أُخر، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعلَّكُمْ تَتَّقُون* أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَر ) (البقرة|183ـ184).

إنّ الآية الكريمة بصدد تشريع الحكم وبيان وظيفة المسلمين، وعلى ذلك يكون مفاد الآية انّ المشروع في حقّ السالم والحاضر هو الصيام في نفس الاَيّام المعدودات(أي شهر رمضان).

كما انّ المشروع في حقّ غيرهما ـ أعني المريض والمسافر ـ هو الصيام في غير


1 . مسند أحمد:3|237 برقم 13075.
2 . البخاري، الصحيح: 3|34، باب لم يعب أصحاب النبي بعضهم بعضاً.


(644)

تلك الاَيام، وهذا هو المتبادر من الآية بقرينة انّها في مقام التشريع و بيان الوظائف.

وعلى ذلك فيكون مفاد قوله:(فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَر ) هو أنّ المكتوب عليهم، الصيام في أيّام أُخر لا الصيام في شهر رمضان، فينتج عدم مشروعية الصوم لهاتين الطائفتين في شهر رمضان لكون المكتوب عليهم هو الصيام في غير هذا الشهر.

وعلى هذا فالآية بدلالتها المطابقية تدل على أنّ الاِفطار عزيمة وانّ المكتوب عليهما من أوّل الاَمر هو الصيام في غير هذا الشهر وتسميته قضاءً لا باعتبار كون الصيام عليهما واجباً في ذلك الشهر، بل باعتبار فوات المصلحة والملاك ووجود المقتضي للصيام فيه لولا المانع من المرض والسفر.

ب. إنّ القائلين بالرخصة لما رأوا انّ ظاهر الآية يدل على أنّ المكتوب منذ أوّل الاَمر هو الصيام في غير شهر رمضان حاولوا تأويل الآية على ما يتبنّونه من الرخصة، فقدّروا لفظة «فافطر»، وقالوا إنّ معنى الآية: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر (فأفطَرَ) فعليه عدّة من أيّام أُخر ولو لم يفطر فلا.

ولا يخفى عليك انّه تلاعب بالآية وفرض عليها بما لا تدل عليه.

وربّما يتوهم ممّـا جاء في ذيل الآية، أعني قوله سبحانه:(وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون) دلالته على وجود الرخصة للمسافر في الصيام، ولكن الاِمعان في الآيتين (183ـ 184) يثبت انّ الجملة ناظرة إلى صدر الآية لا إلى المستثنى أعني الطائفتين.

حيث إنّه سبحانه قال: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام).

ثمّ حدّده بقوله: (أَيّاماً معدودات) .

ثمّ عاد يوَكد ما أفاده في صدر الآية بقوله: (وأَن تَصُومُوا خيرٌ لَكُمْ) دون


(645)

نظر إلى ما جاء في ثنايا الآية من استثناء الطائفتين والدليل على أنّه لا يرجع إلى المستثنى هو انّ الصوم ليس لصالح المريض مطلقاً حتى يعود إليه قوله سبحانه:(وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) كما انّه ليس لصالح المسافر في أكثر الاَحيان.

هذا كلّه في عرض ما حُكي من عمل الاَصحاب على الذكر الحكيم فلا يمكن أن يكون عملهم على خلاف القرآن.

ج. وهناك أمر آخر يرجع إلى ما تضمنه الحديث من سكوت كلّ من الطائفتين أمام الاَُخرى فانّه مخالف لما رواه البخاري وغيره، و إليك بعض النصوص.

1. أخرج البخاري عن جابر بن عبد اللّه(رض) قال: كان رسول اللّه في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه فقال ما هذا؟قال: صائم فقال: ليس من البرّ الصوم في السفر. (1)

ومن الواضح انّ البرّ يقابل الاِثم قال سبحانه: (وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الاِِثْمِ وَالعُدْوان) (المائدة|2).

الرواية وإن وردت في مسافر صائم وقع في حرج شديد لكن المورد غير مخصص والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرب قاعدة كلية وحكم بأنّ مطلق الصيام في السفر ليس ببر والحجّة هي القاعدة والمورد من أحد مصاديقها، وكان التنديد لاَجل صيامه في السفر وانتهائه إلى حرج شديد.

2. أخرج أحمد، بسنده عن كعب بن عاصم الاَشعري، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ليس من البر الصيام في السفر. (2)


1 . صحيح مسلم: 3|143. باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر من كتاب الصيام.
2 . البخاري، الصحيح: 3|34. باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن ظلل عليه واشتد الحرّ «ليس من البر الصوم في السفر » من كتاب الصوم.


(646)

3. أخرج ابن ماجة، مثل ذلك عن ابن عمر،وقال في الزوائد: إسناد حديث ابن عمر صحيح، لاَنّ محمد بن المصفى، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثّقه مسلمة والذهبي في الكاشف، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: صالح وباقي رجال الاسناد على شرط الشيخين. (1)

4. أخرج مسلم عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عن ابن عباس انّه أخبره انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثمّ أفطر، قال: وكان صحابة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتبعون الاَحدث فالاَحدث من أمره.

5. وأخرج أيضاً عن ابن شهاب بهذا الاسناد، قال: فكانوا يتبعون الاَحدث فالاَحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم. (2)

يستفاد من هذين الحديثين انّ النبي كان يصوم في السفر ثم نسخ ذلك فأمر بالاِفطار، فالاَمر بالاِفطار صار ناسخاً محكّماً ولا يجوز لنا اتباع المنسوخ بعد مجيَ الناسخ.

6. أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه (رض) انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام، فقال: أُولئك العصاة، أولئك العصاة. (3)

وهذا الحديث صريح في أنّ المفطر عاب الصائم، فكيف روي عن أنس انّه لم يعب أحدهما على الآخر؟!

7. أخرج ابن ماجة عن عبد الرحمان بن عوف، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :


1 . أحمد بن حنبل، المسند: 5|434؛ سنن ابن ماجة: 1|532، الحديث 1664.
2 . سنن ابن ماجة: 1|532، الحديث 1665 لاحظ تعليقة المحقق.
3 . صحيح مسلم: 3|140ـ141 باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر من كتاب الصيام.


(647)

صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر. (1)

إلى غير ذلك من الاَحاديث التي تدل على أمرين:

الاَوّل: انّ الاِفطار في السفر عزيمة لا رخصة.

الثاني: احتدام النقاش بين الصحابة بعد ورود الحظر عن الصيام في السفر، حيث إنّ رهطاً منهم تابعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأفطروا، ورهطاً آخر صاموا، فأطلق رسول اللّه اسم «العصاة» عليهم، والحديث يحكي عن أنّرهطاً من الصحابة كانوا يقدِّمون رأيهم على الوحي المنزل على قلب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحجج واهية، وقد ورد النهي عن ذلك في قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم) (الحجرات|1).

6. مجبوب متهم بالزنا

أخرج الاِمام أحمد في مسنده (2) ومسلم في صحيحه (3) عن ثابت، عن أنس: انّ رجلاً كان يُتَّهم بأُم ولد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال رسول اللّه لعلي «عليه السلام» : إذهب فاضرب عنقه، فأتاه علي (عليه السلام) ، فإذا هو في ركيّ (4) يتبرّد فيها، فقال له علي: أُخرج، فناوله يده، فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكفّ عليّ عنه، ثمّ أتى النبي فقال: يا رسول اللّه، انّه لمجبوب ما له ذكر.

والحديث نقله مسلم في باب براءة حرم النبي من الريبة، وحاصل الحديث انّ رجلاً كان يتهم بأُمّ ولده (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولعلها مارية القبطية التي أنجبت له إبراهيم،


1 . صحيح مسلم: 3|141 ـ142 باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر من كتاب الصيام.
2 . ابن ماجة: السنن: 1|532، الحديث 1666.
3 . مسند أحمد:3|281.
4 . صحيح مسلم: 8|119، باب براءة حرم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الريبة من كتاب التوبة .


(648)

فأمر عليّاً بضرب عنقه، فلما رآه علي «عليه السلام» مجبوباً تركه.

وفي الحديث إشكال وهو :

هل كان قضاء النبي قائماً على البيّنة أو على علمه الشخصي؟

فعلى الاَوّل فلماذا لم يُعزِّر البيّنة الكاذبة مع أنّ شاهد الزور يُعزر؟

وعلى الثاني: كيف تخلف علمه عن الواقع مع أنّه سبحانه يصف علمه بقوله: (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء|113).

وقد ذكر شراح الحديث وجهين لتصحيحه:

1. انّه (عليه السلام) كان يعلم انّه مجبوب، وأمر عليّاً بقتله، لينكشف أمره وترتفع تهمته. (1)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الرجل بريئاً لا مجرماً، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على علم بأنّه مجبوب كان عليه ابراوَه عن التهمة بأُسلوب عقلائي قبل أن يتوصل بالطريق الآخر وكان الناس أكثر تسليماً للنبي في قوله.

2. ما ذكره الاِمام النووي: لعلّه كان منافقاً ومستحقاً للقتل بطريق آخر وجعل هذا محركاً لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنا، وكفّ عنه علي (رض) اعتماداً على أنّالقتل بالزنا وقد علم انتفاء الزنا. (2)

يلاحظ عليه: انّه لا يصحّ للنبي أن يعطل إجراء الحدود، فإذا كان الرجل واجب القتل كان عليه قتله بأي نحو اتّفق، فلمَ ترك قتله بعد مالم تنجح الطريقة الاَُولى؟

وأخيراً كيف نظر الاِمام (عليه السلام) إلى عورته مع أنّه أعف من ذلك وشديد الحياء


1 . الركيّ: البئر، جمع الركيّة.
2 . هامش صحيح مسلم:8|119.


(649)

حتى أنّه لم ينظر إلى عورة عدوه (عمرو بن العاص) بعد ما كشف عنها لدفع الردى عن نفسه، كما هو مشهور في التاريخ.

ولعمر القارىَ رفض الخبر أفضل من التمسك بتلك الوجوه الواهية.

7. برغوث يوقظ نبيّاً للصلاة

أخرج البخاري عن قتادة، عن أنس بن مالك انّ رجلاً لعن برغوثاً عند النبي، فقال: لا تلعنه فانّه أيقظ نبياً من الاَنبياء للصلاة. (1)

يلاحظ عليه: أنّالبرغوث آية من آيات اللّه وخلق من مخلوقاته ليس لاَحد لعنه، ولو لعنه لا يضره لاَنّه سبحانه عادل لا يعاقب الموجود الذي ليس فعله باختياره، فانّعمل البرغوث عمل غريزي وبه حياته.

أضف إلى ذلك انّ البرغوث الذي لدغ النبي (عليه السلام) وأيقظه للصلاة لا يستحق ثواباً لعدم صدوره عنه لغاية الاِيقاظ، وإنّما حاول به مصّ الدم بغية التغذية.

ومع غض النظر عن ما ذكر فأي صلة بين برغوث قام بعمل حسن وسائر البراغيث التي لم تزل توَذي البشر في تمام الاَحوال؟

وقد قيل: اقتلوا الموذي قبل أن يوذي.

8. موسى يصلّي في القبر

أخرج النسائي في باب ذكر صلاة نبي اللّه موسى (عليه السلام) عن ثابت عن أنس: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال أتيت ليلة أُسري بي على موسى (عليه السلام) عند الكثيب (2) الاَحمر


1 . الاِمام النووي، شرح صحيح مسلم: 17|123.
2 . البخاري، الاَدب المفرد، ص 410، باب لا تسبّوا البرغوث، برقم 1242.


(650)

وهو قائم يصلّي في قبره. (1)

لا شكّ انّ الاَنبياء، أنبياء الشهداء وهم كنفس الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون ،وهذا أمر اتّفقت عليه الاَُمّة الاِسلامية لكن حياتهم حياة برزخية لا مادّية في القبر.

قال سبحانه: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَانَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْر المُوَْمِنين) (آل عمران|169ـ171).

والحياة البرزخية ترمي إلى حياة خاصة لا إلى الحياة بين التراب والجنادل.

ثمّ إنّ التكليف ينقطع بالموت ولا تكليف بعده. قال سبحانه: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقين) (الحجر|99).

والمراد من اليقين هو الموت بشهادة قوله سبحانه: (وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ* حَتّى أَتانَا الْيَقِين) (المدثر|46ـ47).وعلى ذلك فما معنى صلاة موسى في القبر؟

9. التجسيم في أحاديثه

قد ورد التجسيم في غير واحد من الروايات المعزوّة إلى أنس بن مالك، نذكر منها ما يلي:

1. أخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك (رض) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العزة تبارك و تعالى قدمه، فتقول: قط، قط وعزّتك ويُزوى بعضها إلى بعض. (2)


1 . الكثيب هو ما ارتفع من الرمل كالتل الصغير.
2 . النسائي ، السنن:3|215. باب ذكر صلاة نبي اللّه موسى (عليه السلام) .


(651)

إنّ هذا الحديث بظاهره يثبت للّه أعضاءً وانّه يضع قدمه في الجحيم حتى تسكت النار، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعنى ذلك انّ بعض أجزاء جسمه تحل في خلقه، لاَنّ النار بعض خلقه كما يثبت للّه نقلة وحركة. تعالى اللّه عن ذلك.

ثمّ إنّ الذين يأخذون بحرفية الصحيحين صاروا بصدد تأويل الحديث تأويلاً لو صحّ لدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في مقام الاِلغاز لا في مقام التعليم والتفهيم.

على أنّه سبحانه لو كان بصدد الحدّ من نار جهنم أو إملاءها حتى يتحقق قوله: (لاملاَنَّ جهنم) (هود |119) لما كان له حاجة إلى وضع قدمه بل كفى أمره بهما كما أمر بالنار في حقّ إبراهيم، قال سبحانه: (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلى إِبْراهِيم) (الاَنبياء|69).

إنّ اللّه سبحانه يبطل أُلوهية غيره بورودهم للجحيم.

قال سبحانه: (إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُون* لَو كانَ هوَلاءِ آلهة ما وَرَدُوها وَكلٌّ فِيها خالِدُون) (الاَنبياء|98ـ 99).

ومع ذلك فكيف يدخلها ربّالعالمين ويردها ويضع قدمه فيها، ويجعل نفسه من مصاديق ما أُشير إليهم في الآية؟ وقد مرّت مناقشة الحديث، عند دراسة أحاديث أبي هريرة.

إنّ هذا الحديث وما سيوافيك من سائر الاَحاديث الدالة على التجسيم والتشبيه موضوعة على لسان أنس، و إن اغترّ صاحبا الصحيحين فأورداها في صحيحيهما ظناً منهما بأنّ صحّة السند كافية في النقل والرواية والقبول مع أنّه ثمة شروط أُخرى لابدّ من الالتزام بها في صحّة الحديث، و هي أن لا تكون الرواية مخالفة للقرآن والعقل الصريح واتّفاق المسلمين كما أوعزنا إليها في المقدمة، وأيّ شيء أوضح من أنّه سبحانه ليس بجسم وليس له عضو وحركة ونقل.


(652)

2. روى عبد اللّه، عن أبيه، أحمد، عن معاذ بن معاذ العنبري، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله تعالى: (فَلَمّا تَجلّى رَبّه لِلْجَبَل) ، قال: قال: هكذا، يعني انّه أخرج طرف الخنصر قال أبي: أرانا معاذ، قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد، وما أنت يا حميد يحدثني به أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، تقول أنت ما تريد إليه؟! (1)

وأخرجه الترمذي عن طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية: (فَلَمّا تَجلّى رَبّه لِلْجَبَل جَعَله دَكّاً) قال حماد: هكذا، وأمسك سليمان بطرف ابهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: فساخ (2) الجبل وخرَّ موسى صعقاً.

قال أبو عيسى (الترمذي): هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلاّ من حديث حماد بن سلمة. (3)

إنّ آفة هذا الحديث هي حماد بن سلمة يحدِّثنا عنه ابن الجوزي، ويقول: هذا الحديث تكلم فيه علماء الحديث، وقالوا: لم يروه عن ثابت غير حماد بن سلمة، وكان ابن أبي العوجاء الزنديق قد أدخل على حماد أشياء فرواها في آخر عمره ولذلك تجافى أصحاب الصحيح عن الاخراج عنه.

ثمّعاد ابن الجوزي بتأويل الحديث بما هو أشبه باللغز، وقال: ومخْرَج الحديث سهل، و ذلك انّ النبي كان يقرب إلى الافهام بذكر الحسيّات فوضع يده على خنصره إشارة إلى أنّاللّه تعالى أظهر اليسير من آياته. (4)


1 . صحيح مسلم: 8|152، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء من كتاب الجنة، ونقله بطرق مختلفة ؛ وصحيح البخاري: 6|138، تفسير سورة ق.
2 . مسند أحمد: 3|125.
3 . ساخ الجبل أي غاص في الاَرض و غاب فيها.
4 . الترمذي، السنن:|265، كتاب تفسير القرآن، باب سورة الاَعراف، برقم 3074.


(653)

3. أخرج مسلم في صحيحه عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): ما من نبي إلاّوقد أنذر أُمّته الاَعور الكذاب، إلاّ انّه أعور وانّ ربّكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه ك ف ر.(1)

انّمعنى الحديث انّللّه سبحانه عيناً ولكنها ليست بعوراء و هو نفس إثبات العضو له سبحانه: ولا يقاس ذلك بقوله سبحانه: (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) أو قوله :(فَإِنّكَ بأَعيُنِنا) أو قوله: (واصْنَعِ الفُلكَبِأَعْيُنِنا) أو قوله: (تَجْري بِأَعْيُنِنا).(2)

فإنّ العين في هذه الآيات كناية عن الحفظ والكلاءة وشيخ الاَنبياء كان بحاجة إلى تثبيت فوَاده وقلبه بهذه البشارة، وأمّا الحديث فليس فيه هذه النكتة بل هو في مقام مقايسة عينه سبحانه بعين الدجال، فحكم على إحداهما بالاَعورية دون الاَُخرى وهذا يقتضي اشتراكهما في نفس العضو واختلافهما في العِوَر .

وربما يتصور بأنّ نفي الاَعورية كنفي الولد عنه في القرآن، وهذا أيضاً قياس مع الفارق، فانّ القول بالولد عقيدة معروفة للنصارى، قال سبحانه: (وقالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبحانَه) (البقرة|116) فلم يكن هناك محيص إلاّنفي الولد عنه وهذا بخلاف الاَعورية فلم يكن هناك قول بكونه سبحانه أعور حتى ينفيه الرسول.

وبذلك يظهر انّ محاولة ابن الجوزي لتصحيح الرواية محاولة عقيمة، حيث قال: إنّما نفى عنه العور من حيث نفي النقائص كأنّه قال: ربّكم ليس بذي جوارح تتسلط عليه النقائص، وهذا مثل نفي الولد عنه، لاَنّه يستحيل عليه التجزوَ . (3)


1 . دفع شبه التشبيه بألّف التنزيه:215.
2 . صحيح مسلم: 8|195، باب ذكر الدجال وصفته وما معه من كتاب الفتن الحديث الثاني.
3 . لاحظ السور التالية : طه: 39؛ الطور: 48؛ هود: 37؛ القمر: 14.
Website Security Test