welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(580)

34
جابر بن عبد اللّه الاَنصاري

(16ق.هـ ـ 78هـ)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

1. افتاء النبي بقتل السارق ثمّ العدول عنه
2. سبّ النبي و لعنه وجلده زكاة
3. محمد بن مسلمة قاتل مرحب
4. طلحة شهيد يمشي على وجه الاَرض
5. اللّه ليس بأعور

جابر بن عبد اللّه بن رئاب بن النعمان الاَنصاري السلمي.

يصفه الذهبي بقوله: الاِمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول اللّه، الاَنصاري، الخزرجي، السلمي، المدني، الفقيه، من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتاً.

روى علماً كثيراً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحدّث عنه: ابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن أبي جعد، والحسن البصري، إلى غير ذلك.

وكان مفتي المدينة في زمانه عاش بعد أن عمّر أعواماً مديدة وتفرد، شهد


(581)

ليلة العقبة مع والده وكان والده من النقباء البدريين، استشهد يوم أُحد. (1)

قال ابن سعد في طبقاته: ويجعل جابر في الستة نفر الذين أسلموا من الاَنصار، أوّل من أسلم منهم بمكة وشهد جابر بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد روى عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديثه وتوفي وليس له عقب. (2)

روى الاِمام أحمد، عن أبي الزبير، عن جابر، انّه قال: غزوت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تسع عشرة غزوة، قال جابر: لم أشهد بدراً ولا أُحداً منعني أبي، قال: فلما قتل عبد اللّه يوم أُحد لم أتخلف عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة قط. (3)

قال الذهبي: مات جابر بن عبد اللّه سنة 78 وهو ابن 94 سنة وكان قد ذهب بصره.

مسنده بلغ ألفاً وخمسمائة وأربعين حديثاً، اتّفق له الشيخان على 58 حديثاً، وانفرد له البخاري بـ 26 حديثاً، ومسلم بـ 126 حديثاً.

والعجب انّ ابن سعد وغيره لم يترجموا له ترجمة وافية بحقه، مع أنّهم ربما أطنبوا الكلام فيمن لا يصل إلى منزلة جابر، وأمّا ما هو السبب من وراء ذلك فنحيل دراسته إلى القارىَ الكريم.

فلنذكر شيئاً من روائع رواياته ثمّ نعرج إلى السقيمة منها.

روائع رواياته

1. أخرج أحمد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:


1 . سير أعلام النبلاء: 3|189 برقم 38، نقل بتصرف.
2 . طبقات ابن سعد: 3|574.
3 . مسند أحمد: 3|319.


(582)

سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أفضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى. (1)

2. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي نضرة، قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها.

قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّه، فقال: على يديّ دار الحديث، تمتّعنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما قام عمر، قال: إنّ اللّه يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإنّ القرآن قد نزل منازله، فأتمو الحجّ والعمرة للّه كما أمركم اللّه .

وأبتّوا نكاح هذه النساء فلن أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة. (2)

أقول: الرواية ناظرة إلى متعتين:

الاَُولى: متعة الحجّ، وإليه يشير قول جابر: «تمتعنا مع رسول اللّه».

الثانية: متعة النساء وإليه يشير قول الخليفة «وابتوا نكاح هذه النساء...».

وربما يلتبس على البعض معنى «المتعتين» نقوم بتوضيحها فنقول:

أمّا الاَُولى فهي عبارة عن الاِتيان بالعمرة في أشهر الحجّ ثمّ الحجّ، من عامه بفصل العمرة عن الحج بالتمتع بينهما. وقد كان عمر بن الخطاب يرغب عن التمتع بين العمرة والحج.

فعن أبي موسى الاَشعري انّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فانّك لا تدري ما أحدث أمير الموَمنين في النسك بعدك، حتى لقيه(أبو موسى) بعدُ فسأله عن ذلك.


1 . مسند أحمد: 3|330.
2 . صحيح مسلم: 4|38، باب في المتعة بالحج والعمرة.


(583)

فقال عمر: قد علمت انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد فعله هو وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلّوا بهنَّ معرِّسين في الاَراك ثمّ يروحون بالحجّ تقطر روَوسهم. (1)

وعن أبي موسى من طريق آخر، انّ عمر قال: هي سنّة رسول اللّه ـ يعني المتعة ـ و لكنّي أخشى أن يعرسوا بهنّ تحت الاَراك ثمّ يروحوا بهنّحجاجاً. (2)

وقد جاء في مصادر الشيعة أوضح من ذلك . روى الشيخ المفيد (336ـ413 هـ ) في إرشاده صورة ما دار ما بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عمر من الحوار.

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من لم يَسُق منكم هدياً فليحلّ وليجعلها عمرة (أي فليقصر أي يأخذ من شعره وظفره فيحل له ما حرم له بالاِحرام) و من ساق منكم هدياً فليقم على إحرامه».

فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عمر، وكان ممن بقي على إحرامه ، وقال: ما لي أراك يا عمر محرماً أسُقْتَ هدياً؟

قال عمر: لم أسُق.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : فلم لا تُحل، وقد أمرتُ من لم يسق الهدي بالاِحلال؟

قال عمر: واللّه يا رسول اللّه لا أحللت وأنت محرم.

وكان عمر يستغرب الاِحلال ويقول: كيف تقطر روَوسنا من الغسل و نحن زوار البيت. (3)

وأمّا استدلال الخليفة على الوصل بين العمرة والحجّ. بقوله سبحانه: (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ) (البقرة | 196) فغير تامّ و الآية أجنبية عمّا يرومه،


1 . مسند أحمد :1|50.
2 . مسند أحمد : 1|49.
3 . الارشاد،ص93.


(584)

وذلك لاَنّها بصدد بيان إكمال كلّ من الفريضتين للّه سبحانه، والاِتيان بهما على وجه قربي، وأين هو من وصل إحداهما بالآخر؟

هذا ما يرجع إلى الاَوّل من الرواية.

وأمّا الثانية وهي قوله: «ابتّوا نكاح هذه النساء فلن أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّرجمته بالحجارة» فهو راجع إلى متعة النساء التي ورد فيها قوله سبحانه: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (النساء|24).

وقد اشتهر من الخليفة قوله: يا أيّها الناس ثلاث كنَّ على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهنَّ وأُحرمهنَّ وأُعاقب عليهنَّ: متعة النساء، ومتعة الحجّ، وحيّ على خير العمل. (1)

وبما ذكرنا يظهر الخلل فيما جاء به النووي في شرح صحيح مسلم عند تفسير الرواية حيث ذكر في تفسيره وجهين: 1. فسخ الحج إلى العمرة، 2. العمرة في أشهر الحجّ ثمّ الحجّ من عامه. (2)

والثاني هو المتعين لكن بإضافة «والتمتع بين العمرة والحجّ بالتحلل من محرماتها».

3. أخرج ابن خزيمة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ثلاثة لا يقبل اللّه لهم صلاة، ولا يصعد لهم حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى، و السكران حتى يصحو. (3)


1 . مفاتيح الغيب: 10|52ـ 53؛ القوشجي، شرح التجريد: 484 طبع إيران.
2 . لاحظ شرح صحيح مسلم للنووي: 8|418، الباب 18 ، باب في المتعة.
3 . مسند ابن خزيمة: 2|69 برقم 940.


(585)

4. أخرج مسلم في صحيحه، عن عمرو بن دينار، انّه سمع جابر بن عبد اللّه، يقول: نهى رسول اللّه عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه. (1)

5. أخرج النسائي في سننه، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة في كلّ شركة لم تُقْسم رَبْعَة، وحائط لا يحل له أن يبيعه حتى يوَذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك وإن باع ولم يوَذنه فهو أحقّ به. (2)

6. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي الزبير، عن جابر: انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: من أحيا أرضاً ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة. (3)

7. أخرج ابن ماجة، عن عمر بن دينار، عن جابر بن عبد اللّه، انّ امرأة أتت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: إنّ أُمّي تُوفّيت وعليها نذر صيام، فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال لها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ليصم عنها الولي. (4)

8. أخرج أحمد عن سليمان بن موسى، قال: قال جابر: قال النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» : لا وفاء لنذر في معصية اللّه. (5)

9. أخرج مسلم عن الاَمير، عن جابر: انّامرأة من بني مخزوم سرقت، فأُتي بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعاذت بأُمّ سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : واللّه لو كانت فاطمة لقطعت يدها، فقطعت. (6)

10. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي الزبير، عن جابر عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : انّه


1 . صحيح مسلم: 5|12، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها من كتاب البيوع.
2 . سنن النسائي: 7|320.
3 . مسند أحمد: 3|356.
4 . سنن ابن ماجة: 1|689 برقم 2133.
5 . مسند أحمد: 3|297.
6 . صحيح مسلم: 5|115، باب قطع السارق الشريف من كتاب الحدود.


(586)

قال : لكلّ داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن اللّه عزّ وجلّ. (1)

11. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي الزبير، عن جابر، قال: اقتتل غلامان، غلام من المهاجرين، وغلام من الاَنصار.

فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا للمهاجرين، ونادى الاَنصاري: يا للاَنصار.

فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: ما هذا دعوى أهل الجاهلية؟!

قالوا: لا، يا رسول اللّه إلاّ أنّ غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر، قال: فلا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً، إن كان ظالماً فلينهه فانّه له نصر، وإن كان مظلوماً فلينصره. (2)

12. أخرج الترمذي عن أبي بكر المنكدر ، عن جابر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ثلاث من كنّ فيه ستر اللّه عليه كنفه، وأدخله جنته: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، وإحسان إلى المملوك. (3)

هذه نخبة من روائع أحاديثه، وما أكثرها، وعزيت إليه روايات لا تصح نسبتها إلى ذلك الصحابي الجليل، وإليك دراستها.

1. إفتاء النبي بقتل السارق ثمّ العدول عنه إلى القطع

أخرج النسائي في سننه، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، قال: جيء بسارق إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللّه إنّما سرق، قال: اقطعوه، فقطع.


1 . مسند أحمد: 3|335.
2 . صحيح مسلم: 8|19، باب نصر الاَخ ظالماً أو مظلوماً من كتاب البر والصلة والآداب.
3 . سنن الترمذي: 4|656 برقم 2494.


(587)

ثمّ جيء به الثانية، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللّه إنّما سرق، قال: اقطعوه، فقطع.

فأتي به الثالثة، فقال: اقتلوه، قالوا: يا رسول اللّه إنّما سرق، فقال: اقطعوه ثمّ أتى به الرابعة، فقال: اقتلوه، قالوا: يا رسول اللّه إنّما سرق، قال: اقطعوه فأتى به الخامسة، قال: اقتلوه.

قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد النعم وحملناه فاستلقى على ظهره ثمّ كشر بيديه ورجليه فانصدعت الاِبل، ثمْ حملوا عليه الثانية، ففعل مثل ذلك، ثمّ حملوا عليه الثالثة فرميناه بالحجارة فقتلناه، ثمّ ألقيناه في بئر ثمّ رمينا عليه بالحجارة. (1)

وهناك إشكال واضح يوجب سقوط الحديث عن الحجّية مضافاً إلى ما في كيفية القتل من القساوة التي لا يرضى بها نبيّ الرحمة، وهو انّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ـ حسب الرواية ـ أفتى بقتل السارق أربع مرات وفي الوقت نفسه لما أُخبر بأنّه سرق أفتى بالقطع، وعندئذٍ يُطرح السوَال التالي وهو انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أفتى بالقتل أربع مرّات، فهل ثبت عنده ما يوجب القتل بشهادة الشهود العدول أو لا ؟

فعلى الاَوّل لماذا عدل عن الحكم بالقتل إلى القطع، وعلى الثاني يلزم الاِفتاء بالقتل قبل التثبت وهو أمر لا يليق أن ينسب إلى القاضي العادل فضلاً عن النبي المعصوم.

فإن قيل قد أفتى بالقتل بعد الثبوت ولكن تبين فسق الشهود وزيف شهادتهم، فلذلك عدل بالقتل بعد ثبوت سببه.

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى بُعد تبين فسق الشهود متتابعاً ـ أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لماذا لم


1 . سنن النسائي: 7|90، باب قطع اليدين والرجلين من السارق؛ وسنن أبي داود: 4|124 برقم 4410.


(588)

يعزّر الشهود أوّلاً ؟ وأخذ بقولهم في المراتب اللاحقة أيضاً كلّ ذلك يوَدي إلى سقوط الرواية عن الحجّية وانّه لا يليق بساحة النبي المعصوم ولا القاضي العادل.

ولحن الحديث أشبه بكلام قاض متساهل لا يقيم لدم الاِنسان قدراً وقيمة، فيحكم بالقتل قبل السوَال والتريث، ولما الفت نظره إلى فقدان سبب القتل ووجود سبب القطع، حكم بالثاني.

هذا هو الاِشكال الواضح في الرواية.

والعجب انّ شرّاح الحديث لم يلتفتوا إلى ذلك وإنّما ركزوا البحث على الخامسة بتصور انّه لا يباح دم السارق وإن تتكررت منه السرقة و ربما يوجه بأنّ الحديث مخرج على مذهب مالك وهو أن يكون السارق الوارد فيها من المفسدين في الاَرض فانّ للاِمام أن يجتهد في عقوبته و إن زاد على مقدار الحد، وإن رأى أن يقتل قتل، وربما يوجه بوجه آخر وهو إن قتله في الرابعة ليس حداً وإنّما هو تعزير بحسب المصلحة وعلى هذا يتخرج حديث الاَمر بقتل السارق. (1)

وهناك وجه آخر وهو انّ السارق في المرتبة الرابعة إذا سرق في السجن يقتل، وهو المروي عن الاِمام الصادق (عليه السلام) ، قال: إذا أخذ السارق قُطعت يده من وسط الكف، فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم فإن عاد استودع السجن، فإن سرق في السجن قتل. (2)

والمهم هو الاِشكال الاَوّل.


1 . عون المعبود في شرح سنن أبي داود: 12|97 برقم 4387.
2 . وسائل الشيعة: 8|93، الباب الخامس من أبواب حدّ السّرقة، الحديث 4.


(589)

2. سبُّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولعنه وجلده زكاة للمسبوب و...

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبيقال:

اللّهمّ إنّما أنا بشر، فأيّما رجل من المسلمين سببتُه، أو لعنتُه أو جلدُته فاجعلها له زكاة وأجراً. (1)

أقول: كيف تصح نسبة السبّ إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنّه قال: «سباب المسلم فسوق» و هو أرفع من أن يكون سبّاباً، وأدبه يأبى ذلك؟!

و مع غض النظر عن ذلك نقول: إنّ صدور السبّ واللعن والجلد لا يخلو عن حالتين:

الاَُولى : أن يكون المسبوب والمجلود والملعون مستحقاً لذلك الفعل فالقيام بمثل ذلك العمل فريضة إلهية جعلت على عاتق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى القائم مقامه بعده، ومثل هذا ـ لو جاز ـ لا يحتاج إلى الاعتذار كما هو ظاهر الحديث، ولا يحتاج إلى أن يقول إنّما أنا بشر.

مثلها ما إذا لم يكن مستحقاً لذلك عند اللّه وفي واقع الاَمر ولكن قامت الاَمارة الشرعية على الاستحقاق في الظاهر ، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مأمور بالحكم بالظاهر واللّه يتولّى السرائر ، فعندئذٍ الذي يتولّى كبره هو شاهد الزور، لا القاضي فلا وجه للاعتذار.

الثانية: ما إذا لم يكن هناك مسوغ لهذه الاَعمال لا واقعاً ولا ظاهراً، وإنّما قام الفاعل بذلك متأثراً عن قوى حيوانية وهذا هو المتبادر من الرواية بشهادة قوله «إنّما أنا بشر» ولازم ذلك أن يكون النبي فاحشاً ولعّاناً وسبّاباً و ... مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) منزَّه


1 . صحيح مسلم: 8|25، باب من لعنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو سبّه أو دعا عليه.


(590)

عن هذه العيوب.

أخرج البخاري بسنده عن أنس، قال: لم يكن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاحشاً ولا لعاناً ولا سبّاباً ، إلى غير ذلك من الروايات. (1)

وقد ذُكر احتمال آخر لتصحيح الرواية وهو انّ المراد من سبّه ودعائه ما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نيّة كقوله: «تربت يمينك و عقري حلقي»، وفي هذا الحديث «لا كبرت سنك» وفي حديث معاوية «لا أشبع بطنه» ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصادف شيء من ذلك أجابة فسأل ربّه سبحانه وتعالى ورغّب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهوراً وأجراً. (2)

يلاحظ عليه: أنّه على خلاف الظاهر أوّلاً، والنبيّ المعصوم أجلّ شأناً من أن يحوم حول اللغو العبث ثانياً وعلى فرض كونه المراد فاللّه سبحانه حكيم لا يوَاخذ من دعا عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا جدٍ و نية حتى يسأله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل دعائه عليهم زكاة وأجراً.

ولعلّّ مصدر الرواية هو أبو هريرة ومنه انتشرت الرواية.

روى مسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :

إنّما أنا بشر فأيّما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعل له زكاة و رحمة. (3)

وقد تقدم عند دراسة أحاديث أبي هريرة انّ الحديث موضوع لغاية ابراء مروان بن الحكم وأبيه وبنيهما الملعونين على لسان رسول اللّه. فلاحظ.


1 . البخاري: الاَدب المفرد: 154 برقم 430.
2 . شرح صحيح مسلم: 16|389ـ390.
3 . صحيح مسلم: 8|25، باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه.


(591)

3. محمد بن مَسْلَمة قاتل مرحب

أخرج الاِمام أحمد، عن عبد اللّه بن سهل بن عبد الرحمان بن سهل أخي بني حارثة، عن جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، قال: خرج مرحب اليهودي من حصنهم، قد جمع سلاحه يرتجز ويقول:

قد علمت خيبر انّي مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحياناً وحيناً أضرب * إذ الليوث أقبلـت تلهب
كان حماي لحمى لا يقرب

وهو يقول: هل من مبارز؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول اللّه، وأنا واللّه المأثور الثائر، قتلوا أخي بالاَمس، قال: فقم إليه، اللّهمّ أعنه عليه، فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع بسيفه ما دونه، حتى برز كلّواحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم، ما فيها فنن، ثمّ حمل مرحب على محمد فضربه، فاتقى بالدَّرقة فوقع سيفه فيها، فعضّت به، فأمسكه وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله. (1)

إنّ الرواية لا تتفق مع التاريخ الصحيح الذي اتّفق عليه علماء كلا الفريقين كابن هشام في سيرته (2) والطبري في تاريخه (3) ابن الاَثير في كامله (4) والواقدي في مغازيه. (5)


1 . مسند أحمد: 3|385.
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 3|349.
3 . تاريخ الطبري: 2|233.
4 . ابن الاَثير: الكامل في التاريخ: 2|220ـ222.
5 . الواقدي، المغازي: 2|653.


(592)

أخرج مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا تراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً، قالهنَّ له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبَّه، لئن تكون لي واحدة منهنّأحبّ إليَّ من حمر النِّعم.

ثمّذكر من هذه الثلاثة قوله:

وسمعته يقول يوم خيبر: لاَعطينّ الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعو لي علياً فأُوتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح اللّه عليه. (1)

إنّ القول بأنّ ابن مَسْلمة هو الذي قتل مرحباً من الوهن بمكان لا يقاوم ما اشتهر في التاريخ الاِسلامي، لاَنّ محمد بن مسلمة لم يكن ذلك الرجل الشجاع، والبطل الصنديد الذي توَهله شجاعته لاَن يكون فاتح خيبر وقاتل بطلها الاَكبر، فانّالتاريخ لا يذكر له موقفاً بارزاً من بطولته وشجاعته.

فقد كُلّف في السنة الثالثة من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يغتال كعب بن الاَشرف الذي حرّك المشركين واليهود ضد الاِسلام عقب معركة بدر الكبرى.

وقد بقي ثلاثة أيام بلياليها لا يطعم شيئاً خوفاً، فأنكر عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خوفه و سأله عن سبب ذلك، فقال: يا رسول اللّه قلت لك قولاً لا أدري هل أفيـنَّ به أم لا ؟

فلمّا رأى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه ذلك أرسل معه أربعة رجال ليعينوه على هذه المهمة ويتخلّصوا من كعب.

فخرجوا إليه في منتصف الليل وقتلوا عدو اللّه كعباً وفق خطة مدروسة،


1 . صحيح مسلم: 7|120، باب مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام) .


(593)

ولكن محمد بن مسلمة جَرح أحدَ رفاقه من شدة الخوف والوحشة التي أصابته.

نقل ابن هشام في سيرته عن محمد بن مسلمة انّه قال:

وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ، فجرح في رأسه أو في رجله، أصابه بعض أسيافنا. (1)

ولا شكّ انّ مثل هذا الشخص لا يمكنه أن يبارز صناديد «خيبر» المعروفين وينازلهم .

على أنّ فاتح خيبر لم يقاتل مرحباً وحده بل قاتل بعد مصرع مرحب من كانوا معه من شجعان اليهود، وإليك أسماء الذين قاتلهم عليّ (عليه السلام) بعد قتل مرحب:

1. داود بن قابوس، 2. ربيع بن أبي الحُقيق، 3. أبو البائت، 4. مرّة بن مروان، 5. ياسر الخيبري، 6. ضحيج الخيبري.

وكلّ هوَلاء قاتلهم علي خارج حصن خيبر، فكيف يمكن أن ينفرد محمد بن مسلمة بقتل مرحب، ويترك نزال الآخرين لعلي (عليه السلام) ؟ إذ لا يمكن لشجاع أن يرجع إلى معسكره إلاّ بعد أن يخضِّب سيفه بدماء الاَبطال واحداً تلو الآخر.

هذا وانّ أبناء الدنيا حاولوا أن يسلبوا تلك المنقبة الثابتة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ولكنّه سبحانه جرت سنته تعالى على ابطال تلك الخطط الشيطانية، ولذلك ملاَت الخافقين فضائله ومناقبه بعدما منع نقلها ونشرها أحقاب متتالية، و من خططهم الشيطانية ، نقل هذه الرواية على لسان جابر بن عبد اللّه، المعروف بالولاء لعلي وأهل بيته (عليهم السلام) وإلى اللّه المشتكى.


1 . السيرة النبوية لابن هشام: 3|56.


(594)

4. طلحة شهيد يمشي على وجه الاَرض

أخرج الترمذي في سننه، عن أبي نضرة، قال: قال جابر بن عبد اللّه: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من سرّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الاَرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد اللّه. (1)

أقول: ما هو الملاك في تسمية طلحة شهيداً يمشي على وجه الاَرض أكان جهاده في سبيل اللّه؟ فلم يكن هذا سمة خاصة به وقد شاركه فيها علي بن أبي طالب والزبير وسعد بن أبي وقاص وأبو دجانة وغيرهم من الاَنصار.

أو كان الملاك انّه وقى بيده رسول اللّه يوم أُحد فصارت شلاء؟

روى ابن ماجة عن قيس، قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى به رسول اللّه يوم أُحد. (2)

ومعنى ذلك أن يصحّ تسمية كلّمن نقص منه عضو في سبيل حفظ الرسول بالشهيد، وهذا ممّا لا يقبله الذوق السليم.

وعلى كلّتقدير فهذه الرواية لا تضفي على الرجل ثوب العصمة والعدالة ولا تجعله في عداد الشهداء بعدما حارب الاِمام المفترضة طاعته.

والعجب انّ بعض هذه الروايات تنتهي إلى معاوية بن أبي سفيان.

أخرج ابن ماجة عنه، قال: نظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى طلحة، فقال: هذا ممّن قضى نحبه. (3)


1 . سنن الترمذي: 5|644 برقم 3739؛ وأخرجه أيضاً ابن ماجة في سننه: 1|46 برقم 125.
2 . سنن ابن ماجة: 1|46 برقم 128.
3 . سنن ابن ماجة: 1|46 برقم 127.


(595)

5. اللّه ليس بأعور

أخرج أحمد في مسنده، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما كانت فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة أكبر من فتنة الدجال ولا من نبي إلاّ وقد حذَّر أُمّته، ولاخبرنّكم بشيء ما أخبره نبيّ أُمّته قبلي، ثمّ وضع يده على عينه، ثمّ قال: اشهد انّ اللّه عزّوجلّ ليس بأعور. (1)

وقد تكلمنا حول هذا الموضوع في عدّة مواضع فلاحظ.


1 . مسند أحمد: 3|292.


(596)

35
أبو أمامة الباهلي

(...ـ 81هـ)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

1. مجيَ الاَُمّة يوم القيامة غرّاً محجلين.2. ملك الموت لا يقبض شهيد البحر.

3. مشاهدات النبي في الجنّة. 4. لا وصية لوارث.

5. النهي عن السياحة.

صُدي بن عجلان بن الحارث، أبو أمامة الباهلي السهمي، غلبت عليه كنيته سكن «حمص» من الشام، روى عنه : سليمان بن عامر الجنائزي، والقاسم أبو عبد الرحمان، وأبو غالب خرورَّ، وشرحبيل بن مسلم، ومحمد بن زياد الالهاني وغيرهم.

روى سليمان بن حبيب المحاربي، قال: دخلت مسجد «حمص» فإذا مكحول وابن أبي زكريا جالسان، فقال مكحول: لو قمنا إلى أبي امامة صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأدّينا من حقّه وسمعنا منه، قال: فقمنا جميعاً حتى أتيناه فسلّمنا عليه فردّالسلام، ثمّ قال: إنّ دخولكم عليَّ رحمة لكم وحجّة عليكم ولم أر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من شيء أشدّ خوفاً على هذه الاَُمّة من الكذب والعصبية، ألا وإيّاكم والكذب والعصبية، ألا وانّه أُمرنا أن نبلغكم ذلك عنه، ألا وقد فعلنا فأبلغوا عنّا


(597)

ما قد بلغناكم. (1)

وقال ابن الاَثير في فصل الكنى: أخبر فضال بن جبير، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي، يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: اكفلوا لي ست، أكفل لكم بالجنة، إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا ائتُمن فلا يخن، وإذا وَعد فلا يُخلف، غضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيديكم، واحفظُوا فروجكم. وهو آخر من مات بالشام من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قول بعضهم. (2)

وفي قول آخر: آخرهم موتاً بالشام عبد اللّه بن بشر.

قال ابن سعد: قال أبو امامة: شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون مولِّياً، ولا يسلبون قتيلاً.

ونقل انّه توفي بالشام سنة 86 في خلافة عبد الملك بن مروان، وهو ابن احدى وستين. (3)

وما ذكره محرّف قطعاً فقد روى الذهبي عن سليم بن عامر، قال: سمعت أبا امامة يقول: سمعت النبي يقول في حجَّة الوداع. قلت لاَبي امامة: مثْل من أنت يومئذٍ؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة. (4)

ولو قلنا انّه توفي في سنة 81هـ يكون حينئذٍ هو ابن 101 ، ولو قلنا بالقول الآخر يكون 106 سنين لا إحدى و ستين. وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 161 حديثاً (5) وإليك شيئاً من محاسن رواياته.


1 . أُسد الغابة: 3|16.
2 . أُسد الغابة: 5|138.
3 . طبقات ابن سعد: 7|411ـ 412.
4 . سير أعلام النبلاء: 3|360.
5 . المسند الجامع: 7|481.


(598)

روائع أحاديثه

1. أخرج أحمد في مسنده، عن زيد بن سلام، عن جدّه، قال: سمعت أبا أُمامة، يقول: سأل رجل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ما الاِثم؟ فقال: إذا حكّ في نفسك شيء فدعْه، قال: فما الاِيمان؟ قال: إذا ساءتك سيّئتك، وسرّتك حسنتك، فأنت موَمن. (1)

ويوَيده قوله سبحانه: (إنّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطان تَذَكّروا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُون) (الاَعراف|201).

2. أخرج أبو داود في سننه، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، انّه قال: «من أحبّ للّه وأبغض للّه وأعطى للّه ومنع للّه فقد استكمل الاِيمان». (2)

3. أخرج ابن خزيمة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أُمامة الباهلي، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: عليكم بقيام الليل، فانّه دأبُ الصّالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربّكم،ومكفِّرة للسّيّئات، ومنهاة عن الاِثم.(3)

ويوَيده قوله سبحانه: (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطأً وَأَقْوَمُ قِيلاً)(المزمل|6).

4. أخرج مسلم في صحيحه، عن عكرمة بن عمار، حدّثنا شداد، قال: سمعت أبا أمامة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا ابن آدم، انّك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شرّ لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السُّفلى. (4)


1 . مسند أحمد: 5|251.
2 . سنن أبي داود: 4|220 برقم 4681.
3 . المسند الجامع: 7|407 برقم 5249.
4 . صحيح مسلم: 3|94، باب النهي عن المسألة من كتاب الزكاة.


(599)

5. أخرج ابن ماجة في سننه، عن القاسم، عن أبي امامة، عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، أنّه كان يقول: ما استفاد الموَمن بعد تقوى اللّه خير له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرَّته، وإن أقسم عليها أبرَّته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله. (1)

6. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عبيد اللّه الافريقي، عن أبي أمامة، قال: نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع المغنِّيات وعن شرائهنّ وعن كسبهنَّ وعن أكل أثمانهنّ. (2)

7. أخرج أحمد في مسنده، عن القاسم، عن أبي أمامة، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلاّ للّه، كان له بكلّ شعرة مرّت عليها يده حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وفرَّق بين اصبعيه السبّاحة والوسطى. (3)

8. أخرج أحمد في مسنده عن محمد بن زياد الالهاني، قال: سمعت أبا أمامة، يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوصي بالجار حتى ظننت انّه سيورّثه. (4)

9. أخرج البخاري في الاَدب المفرد، عن القاسم بن عبد الرحمان، عن أبي أمامة، انّ رسول اللّه، قال: من لم يرحم صغيرنا ويُجلّ كبيرنا، فليس منّا. (5)

10. أخرج ابن ماجة في سننه، عن القاسم، عن أبي أمامة: انّ رجلاً، قال: يا رسول اللّه، ما حقُّ الوالدين على ولدهما؟ قال: هما جنَّتـُك ونارك. (6)


1 . سنن ابن ماجة: 1|596 برقم 1857.
2 . سنن ابن ماجة: 2|733 برقم 2168.
3 . مسند أحمد: 5|250.
4 . مسند أحمد: 5|267.
5 . الاَدب المفرد: 130 برقم 358.
6 . سنن ابن ماجة: 2|1208 برقم 3662.


(600)

11. أخرج ابن ماجة في سننه، عن القاسم، عن أبي امامة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :... العالم والمتعلم شريكان في الاَجر ولا خير في سائر الناس. (1)

12. أخرج ابن ماجة في سننه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: عرض لرسول اللّه رجل عند الجمرة الاَُولى، فقال: يا رسول اللّه: أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رأى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب، قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول اللّه، قال: كلمة حقّ عند ذي سلطان جائر. (2)

13. أخرج أحمد في مسنده، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، قال: إن فتى شابّاً أتى النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه: ائذن لي بالزّنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه، مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريباً، قال: فجلس قال (صلى الله عليه وآله وسلم) :أتحبه لاَُمّك؟ قال: لا واللّه، جعلني اللّه فداءك، قال: ولا النّاس يحبونه لاَُمهاتهم، قال : أفتحبُّه لابنتك؟ قال: لا واللّه، يا رسول اللّه، جعلني اللّه فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لاَُختك؟ قال: لا واللّه، جعلني اللّه فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لاَخواتهم ، قال: أفتحبّه لعمتّك؟ قال: لا واللّه، جعلني اللّه فداءك، قال: ولا الناس يحبُّونه لعمّاتهم، قال: أفتحبّه لخالتك؟ قال: لا واللّه، جعلني اللّه فداءك، قال: ولا الناس يحبّونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللّهمّ اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. (3)

هذه نماذج من روائع أحاديثه التي يشهد شموخ مضامينها على صحتها


1 . سنن ابن ماجة: 1|83 برقم 228.
2 . سنن ابن ماجة: 2|1330 برقم 4012.
3 . مسند أحمد:5|256.


(601)

ومع ذلك فقد عزيت إليه روايات سقيمة لا تخلو عن إشكال ووهن لكونها مخالفة للكتاب والسنّة أو الموازين الاَُخرى التي أوعزنا إليها في صدر الكتاب وإليك بعض ما وقفنا عليه:

1. مجيء الاَُمّة يوم القيامة غرّاً محجّلين

أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عتبة الكندي، عن أبي أمامة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما من أُمّتي أحد إلاّوأنا أعرفه يوم القيامة، قالوا: يا رسول اللّه، من رأيت ومن لم تر ؟ قال: من رأيت ومن لم أر غرّاً محجّلين من أثر الطهور. (1)

إنّ قوله: «ما من أُمّتي أحد إلاّوأعرفه» من الصيغ التي تفيد العموم أوّلاً، والحصر ثانياً، وعلى ضوء ذلك يدل الحديث على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرف جميع أُمّته، وآية عرفانه كونهم غرّاً محجلين من أثر الطهور مع أنّ تلك العلامة، ليست عامة، بل تختصّ بطائفة من الاَُمّة وهم المتطهرون المصلون، فكيف يعرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جميع الا َُمّة بعلامة في جبين طائفة منهم.

ولا محيص في تصحيح الرواية عن حمل الفقرة الاَُولى من الحديث على المصلّين المتطهّرين، فيكون معنى قوله: «ما من أُمتي»، أي ما من أُمّتي الذين يتطهرون ويصلون أحد إلاّ وأنا أعرفه، وهو خلاف الظاهر ، ولعلّ الحديث لم ينقل صحيحاً.

2. ملك الموت لا يقبض شهيد البحر

أخرج ابن ماجة في سننه، عن سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة، يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: شهيد البحر مثل شهيدي البرِّ . و المائد في


1 . مسند أحمد: 5|261.


(602)

البحر كالمتشحِّط في دمه في البرِّ، وما بين الموجتين كقاطع الدُّنيا في طاعة اللّه، وانّ اللّه عزّ وجلّ وكّل ملك الموت بقبض الاَرواح إلاّ شهيد البحر، فانّه يتولّى قبض أرواحهم. ويغفر لشهيد البرِّ الذنوب كلّها إلاّالدَّيْن، ولشهيد البحر الذُّنوب والدَّين. (1)

يلاحظ عليه: كيف أنّه سبحانه يتولّـى قبض أرواحهم، مع أنّه سبحانه يقول: (قُلْ يَتَوفّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(السجدة|11).

يقول سبحانه: (الَّذِينَ تَتَوفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمي أَنْفُسِهِمْ) (النحل|28).

وقال سبحانه: (الَّذِينَ تَتَوفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ)(النحل|32) ، إلى غير ذلك من الآيات التي تصرِّح بأنّالملائكة هم الموكَّلون بقبض الاَرواح دون فرق بين شهيد البرِّ وشهيد البحر ، ولما كانت الملائكة هم المباشرون لقبض الروح بأمر منه سبحانه صحّ نسبة التوفّي إليهم، كما في الآيات السالفة الذكر، وإلى اللّه سبحانه أيضاً، قال: (اللّهُيَتَوفّى الاََنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالّتِي لَمْ تَمُت فِي مَنامِها) (الزمر|42).

وقال سبحانه:(هُوَ الَّذِي يَتَوفاكُمْ باللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهار )(الاَنعام|60)، وقال عزّ من قائل: (وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَن يردّ إِلى أَرذَلِ الْعُمُر ) (النحل|70)، وعلى ضوء ذلك فعالم الاحياء والاماتة عالم الاسباب والمسببات وإليه سبحانه ينتهي تأثير الاَسباب و القوى الغيبيّة فتصح نسبة الفعل إلى المباشر والمسبب.

وربما يتخيل انّ قيامه سبحانه بقبض روح شهيد البحر تخصيص للآيات السابقة فلا مانع من أن يكون قبض الاَرواح بيد الملائكة إلاّ شهيد البحر، لكنّه


1 . سنن ابن ماجة: 2|928 برقم 2778.


(603)

توهم باطل لاَنّ التخصيص والتقييد والنسخ إنّما هو في الاَحكام التشريعية لا في عالم التكوين وعينية الاَسباب والمسببات.

كما انّ ذيل الحديث «يغفر لشهيد البرِّ الذنوب كلّها إلاّالدّين،ولشهيد البحر الذنوب والدين» قابل للنقاش، لاَنّ الدّين حقّ مالي متعلق بالمديون وليس حقاً للّه تبارك وتعالى ، والدائن و دَيْنه و إن كانا مملوكين للّه تبارك و تعالى لكن جرت مشيئته على أن لا يغفر للمديون إلاّ برضى صاحب الدين، فيُغفر ذنب كلا الشهيدين إذا رضي الدائن وإلاّ فلا يغفر ذنبهما، فما وجه هذا التخصيص؟!

3. مشاهدات النبي في الجنّة

أخرج أحمد في مسنده، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : دخلت الجنة فسمعت فيها خشفة بين يدي، فقلت: ما هذا؟ قال: بلال، قال: فمضيت فإذا أكثر أهل الجنّة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين، ولم أر أحداً أقلّ من الاَغنياء والنساء، قيل لي: أمّا الاَغنياء فهم هاهنا بالباب يحاسبون ويمحّصون، وأمّا النساء فألهاهنَّ الاحمران، الذَّهب والحرير، قال: ثمّ خرجنا من أحد أبواب الجنّة الثمانية، فلمّا كنت عند الباب أتيت بكفّة فوضعت فيها، ووضعت أُمّتي في كفّة فرجحت بها، ثمّ أتي بأبي بكر فوضع في كفة، وجيء بجميع أُمّتي في كفة فوضعوا، فرجح أبوبكر، وجيء بعمر فوضع في كفّة، وجيء بجميع أُمّتي فوضعوا، فرجح عمر، وعرضت أُمّتي رجلاً رجلاً فجعلوا يمرّون، فاستبطأت عبد الرحمان بن عوف ثمّ جاء بعد الاياس، فقلت: عبد الرحمان؟!، فقال: بأبي وأُمّي يا رسول اللّه، والذي بعثك بالحقِّ ما خلصت إليك حتى ظننت أنِّي لا أنظر إليك أبداً إلاّ بعد المشيبات، قال: وما ذاك؟ قال: من كثرة مالي، أُحاسب وأمحَّص. (1)


1 . مسند أحمد: 5|259.وأخرج الترمذي نظيره عن بريدة الاَسلمي مع اختلاف في المضمون لاحظ: السنن:5|620 برقم 3689، وقد مضى الكلام في الحديث عند ترجمته.


(604)

وفي الحديث تأملات وإشكالات واضحة لا تنطبق على الضوابط التي أشرنا إليها في صدر الكتاب.

أوّلاً: انّ الجنة دار الخلود فمن دخلها كان خالداً فيها، قال سبحانه: (أُولئِكَ أَصحابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُون) (هود|23). فكيف دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخرج منها وهل هذا إلاّتخصيص للسنة الاِلهية؟

ثانياً: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سمع خشفة بين يديه، والخشفة هي الصوت الخفي، فقال: ما هذا؟ قال: بلال. وهل كان بلال دخل الجنّة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنّه كان في المدينةحيّاً يرزق؟

ثالثاً: ثمّ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من أحد أبواب الجنّة الثمانية، فإذا وضعت أُمّته في كفة، ووضع أبو بكر في كفة أُخرى، رُجّحت كفة أبي بكر، ومثله عمر، والمراد من التمثيل انّحسنات الاَُمّة كانت أقلّ من حسنات كلّ واحد من الشيخين، وفي الاَُمّة من هو أسبق منهما إسلاماً وجهاداً وأكثر علماً وتقوى.

ثمّ لما شاهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استبطاء عبد الرحمان بن عوف، فسأله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سبب التأخير، فقال: ما استبطأت إلاّمن كثرة مالي، أحاسب وأمحّص.

إنّ ذيل الحديث لا يوافق مع ما نعلم من حياة وسيرة عبد الرحمن بن عوف، فقد جاء في ذيل الحديث انّه حُوسب ومُحِصَّ ودخل الجنة وشافه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقال له: «والذي بعثك بالحقّ ما خلصت إليك حتى ظننت انّي لا أنظر إليك أبداً إلاّ بعد المشيبات، قال: وما ذاك؟ قال: من كثرة مالي أُحاسب وأمحص» وإليك صورة إجمالية عما تركه عبد الرحمن، فهل مثله يحاسب ويمحص وفي المدينة وما والاها بطون غرثى، وأكباد حرّى لا عهد لهم بالشّبع؟!

قال ابن سعد: ترك عبد الرحمان ألف بعير وثلاثة آلاف شاة بالبقيع، ومائة


(605)

فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجُرُف على عشرين ناضحاً وكان يدخل قوت أهله من ذلك سنة، وكان فيما ترك ذهب، قُطِعَ بالفوَوس حتى مجلت أيدي الرجال منه، وترك أربع نسوة فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألفاً.

وعن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمان، قال: أصاب تَماضرَ بنت الاَصبغ رُبعُ الثمن، فأخرجت بمائة ألف، وهي إحدى الاَربع. (1)

وقال المسعودي: ابتنى داره ووسعها، وكان على مربضه 100 فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم، وبلغ بعد وفاته ثمن ماله 84 ألفاً. (2)

4. لا وصية لوارث

أخرج الترمذي في سننه، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في خطبته عام حجّة الوداع:

إنّ اللّه قد أعطى لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيّة لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على اللّه، ومن ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة اللّه التابعة إلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلاّ بإذن زوجها، قيل: يا رسول اللّه، ولا الطّعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا، ثمّ قال: العارية موَدّاة، والمنحة مردودة، والدَّين مقضيّ والزَّعيم غارم. (3)

وهذا الجزء من الحديث(لا وصية لوارث) يخالف الكتاب إذ يكفي في جواز الوصية للوارث قوله سبحانه:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَأَحَدَكُمُ المَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَينِ وَالاََقْرَبينَ بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى المُتَّقِينَ)(البقرة|180)،


1 . طبقات ابن سعد: 3|136ـ 137، فصل ذكر وصية عبد الرحمان بن عوف.
2 . مروج الذهب: 2|333، طبع دار الاندلس.
3 . سنن الترمذي: 4|433 برقم 2120.


(606)

والآية تأمر بالايصاء بالمعروف ، فمن يملك المال الكثير إذا أوصى بدرهم فلم يوصِ بالمعروف، والآية صريحة في الوصية للوالدين ولا وارث أقرب للاِنسان من والديه، وقد خصهما بالذكر لاَولويّتهما بالوصية، ثمّ عمّم الموضوع، وقال: والاَقربين ليعم كلّقريب وارثاً كان أم لا.

ولا يمكن القول بنسخ القرآن العظيم بخبر الواحد مع إمكان الجمع بينهما، وهو حمل الخبر على ما إذا زاد عن الثلث، حتى أنّالدار قطني أخرجه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا القيد، وقال: خطبنا رسول اللّه بمنى، وقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد قسم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث. (1)

وقد بسطنا الكلام حوله في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. (2)

5. النهي عن السياحة

أخرج ابن داود في سننه، عن القاسم، عن أبي أمامة انّرجلاً، قال: يا رسول اللّه، ائذن لي في السياحة، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ سياحة أُمّتي الجهاد في سبيل اللّه تعالى». (3)

انّ حصر السياحة في الجهاد لا يساعده الكتاب ولا سيرة المسلمين، أمّا الكتاب فقد ذكر من أوصاف الموَمنين،وقال: (التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الحامِدُونَ السائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِوَالحافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبشِّرِ المُوَْمِنينَ) (التوبة|112) وقد فُسِّر السائحون بطلبة العلم الذين يسيحون في الاَرض ويطلبونه في مظانه. (4)


1 . الدار قطني، السنن:4|152، الوصايا، الحديث 12ـ13.
2 . الاعتصام بالكتاب والسنة، ص 237ـ 260.
3 . سنن أبي داود:3|5 برقم 2486.
4 . الكشاف: 2|174؛ الدر المنثور:4|298.


(607)

قال سبحانه: (فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين)(التوبة|122) ولو غُضَّ النظر عن هذه الآية، فقد دلت الآيات الاَُخرى على استحباب السير في الاَرض، قال سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاََرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَعاقِبَةُ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَمِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوّةً وَآثاراً فِي الاََرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (غافر|82).

وأمّا سيرة المسلمين فالسياحة في الاَرض سنة سائرة بينهم، ولو جعلنا السفر من أقسام السياحة، فقد ندب إليها في الشرع وذكر لها فوائد جمة.

ولا محيص في تصحيح الحديث من حمله على الترغيب إلى الجهاد والتأكيد عليه، فكأنّه لا سياحة في الاِسلام إلاّ السير إلى الجهاد.

Website Security Test