welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(558)

ب. الملاكات العملية والسلوكية

ثمة ملاكات عملية يقوَّم بها الموَمن حال حياته وأفضلها الجهاد في سبيل اللّه قال سبحانه: (فَضَّلَ اللّهُ المُجاهِدينَ عَلى القاعِدينَ أَجْراً عَظِيماً)(النساء|95).

ولا شكّ انّ عليّاً (عليه السلام) أكثر الناس جهاداً وقد شارك في جميع الغزوات إلاّ غزوة تبوك فخلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة بأمره.

والعجب انّ عبد اللّه بن عمر صاحب هذا الاجتهاد، استنتج خلاف ما جاء في هذا الحديث، في حديث آخر أخرجه عنه الاِمام أحمد في مسنده عن عمر بن أسيد، عن ابن عمر ، قال: كنّا نقول في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول اللّه خير الناس ثمّ أبو بكر ثمّ عمر ولقد أُتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لاَن تكون لي واحدة منهن أحبُّ إليَّ من حُمر النعم زوّجه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ابنته وولدت له، وسدّ الاَبواب إلاّ بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر. (1)

ترى فيه تراجعاً عن رأيه في حقّ الشيخين، فمع انّه يعترف في صدر الحديث بأفضليتهما، ولكن يستدرك بأنّ ابن أبي طالب أُتي ثلاث خصال ليس له فيها نظير.

وأظن انّ ابن عمر اقتبس ما استنبطه في حقّ علي (عليه السلام) من كلام سعد بن أبي وقاص على ما أخرجه مسلم في صحيحه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، قال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب، فقال: امّا ما ذكرت ثلاثاً، قالهنّ له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبَّه، لاَن تكون لي واحدة منهنّ أحبُّ إليَّ من حمر النعم، سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول اللّه خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من


1 . مسند أحمد: 2|26.


(559)

موسى إلاّ انّه لا نبي بعدي.

وسمعته يقول يوم خيبر: لاَعطينّ الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي علياً (عليه السلام) ، فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.

ولما نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبناءَكُمْ ) دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم السلام) فقال: اللهمّ هوَلاء أهلي. (1)

إنّ ما استنتجه عبد اللّه بن عمر إنّما يصحّ إذا لم يكن بين الصحابة من هو أفضل منهم، وهل يتصور أن يكون الثلاثة أفضل من أبي ذر الذي عرّفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبيه عيسى»؟ (2)

لقد كان بين الصحابة من ملىَ إيماناً إلى مشاشه و ما عرض عليه أمران إلاّ اختار الاَرشد منهما و انّرسول اللّه أمر بحبه.

أخرج ابن ماجة، عن علي بن أبي طالب، قال: كنت جالساً عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستأذن عمّار بن ياسر ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ائذنوا له مرحباً بالطيب المطيب. (3)

وروي أيضاً انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ملىَ عماراً إيماناً إلى مشاشه. (4)

وروي عن عائشة قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : عمار ما عرض عليه أمران إلاّ


1 . صحيح مسلم: 7|120ـ121 باب فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام) .
2 . وقد أخرجه غير واحد من الحفاظ وأهل الحديث نذكر منهم مسند أحمد:2|163؛ مستدرك الحاكم: 3|344 صحّحه وأقره الذهبي ؛ سنن ابن ماجة: 1|55 برقم 156؛ سنن الترمذي: 5|669 برقم 3801ـ 3802.
3 . ابن ماجة: السنن: 1|52 برقم 146؛ الترمذي، السنن: 5|668 برقم 3798.
4 . ابن ماجة: السنن: 1|52 برقم 147.


(560)

اختار الاَرشد منهما. (1)

وروي عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : انّ اللّه أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنّه يحبهم قيل: يا رسول اللّه من هم؟ قال: علي منهم، يقول ذلك ثلاثاً، و أبو ذر و سلمان والمقداد. (2)

الثاني: كلّ الناس بعد الثلاثة في الفضل سواء:

إنّ الحديث كما كان يتضمن أفضلية الثلاثة من جميع الناس، يتضمن أيضاً انّ سائر الناس في الفضل سواسية، وهذا أيضاً مخالف لاِجماع المسلمين على أفضلية علي عن غير الثلاثة من الصحابة كما هو واضح، و لذلك نرى انّ ابن عبد البر أنكر صحّة الحديث، ويقول:

قال أبو عمرو : من قال بحديث ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أبو بكر، ثمّ، ثمّ، ثمّ عثمان، ثم نسكت ـ يعني فلا نفاضل ـ و هو الذي أنكر ابن معين وتكلم فيه بكلام غليظ، لاَنّ القائل بذلك قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنة من السلف والخلف من أهل الفقه و الاَثر: انّ علياً أفضل الناس بعد عثمان، وهذا ممّا لم يختلفوا فيه و إنّما اختلفوا في تفضيل عليّوعثمان. (3)

5. أصحابي كالنجوم

أخرج ابن حميد عن نافع، عن ابن عمر ، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: مثل أصحابي مثل النجوم يهتدي به، فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم. (4)


1 . ابن ماجة: السنن: 1|52 برقم 148؛ الترمذي، السنن: 5|668 برقم 3799.
2 . ابن ماجة: السنن: 1|53 برقم 149.
3 . الاستيعاب:3|52.
4 . المسند الجامع: 10|782 برقم 8219 نقله عن مسند عبد بن حميد.


(561)

يلاحظ عليه : أنّ متن الحديث يكذب صدوره إذ ليس كلّنجم هادياً في البرّ و البحر بل هناك نجوم خاصة للاهتداء، ولاَجل ذلك قال سبحانه: (وَعَلاماتٌ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون) (النحل|16).

وأمّا قوله سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَومٍ يَعْلَمُونَ) (الاَنعام|97) فاللام في النجوم للعهد، أي النجوم المعهودة التي كانت العرب يومذاك يهتدون بها في البر والبحر وليست للاستغراق.

ولا يتمشى ذلك الحمل في الحديث، لاَنّ الغاية فيها التبسيط والتعميم لكلّ صحابي كما هو صريح قوله: «فأيّهم أخذتم بقوله اقتديتم» فلا محيص من حمل «كالنجوم» على الاستغراق والمفروض انّ كلّ نجم ليس هادياً.

ولو افترضنا الاهتداء بكلّ نجم في السماء، أفهل يمكن أن يكون كلّ صحابي نجماً لامعاً هادياً للاَُمّة؟ فهذا قدامة بن مظعون، صحابي بدري يعد من السابقين الاَوّلين ومن المهاجرين هجرتين، شرب الخمر وأقام عليه عمر الحدّ، كما أنّ المشهور انّ عبد الرحمان الاَصغر بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر.(1)

كما انّ بعض الصحابة خضّب وجه الاَرض بالدماء فمن استقصى تاريخ حياة بسر بن أرطأة يجد انّه اقترف جرائم كثيرة، حتّى قتل طفلين لعبيد اللّه بن عباس، و كم بين الصحابة رجال قد احتفل التاريخ بضبط مساوئهم، أفبعد هذه البيّنات يصحّ لاَحد أن يتقوّل بأنّهم جميعاً ـ بلا استثناء ـ كالنجوم يهتدى بهم؟!

يقول أبو جعفر النقيب: إنّهذا الحديث من موضوعات متعصبة الاَموية، فإنّ منهم من ينصرهم بلسانه و بوضعه الاَحاديث إذا عجز عن نصرهم


1 . أُسد الغابة: 3|312.


(562)

بالسيف.(1)

ولعل القارىَ الكريم يتصور انّ أباجعفر النقيب ممن ينفرد في شأن هذه الرواية و ليس الاَمر كذلك ، بل حكم بوضعه كثير من محقّقي السنّة، وقد رويت بصور مختلفة:

أ. أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم

رواه ابن عبد البر في جامع العلم (2|91) ،و ابن حزم في الاحكام (6|83) من طريق سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غصين، عن الاَعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً به، وقال ابن عبد البر:«هذا إسناد لا تقوم به حجّة، لاَنّ الحارث بن غصين مجهول».

وقال ابن حزم:«هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الاَحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك». (2)

ب. مهما اوتيتم من كتاب اللّه فالعمل به ، لا عذر لاَحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب اللّه، فسنّة منّي ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية فما قال أصحابي، إنّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيّها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة.

أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الدراية ، ص 48، وكذا أبو العباس العصم وابن عساكر (7|315|2) من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعاً.

وهذا اسناد ضعيف جداً، سليمان بن أبي كريمة، قال ابن أبي حاتم


1 . ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 20|12.
2 . لاحظ سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة: 1|78.


(563)

(2|1|138) عن أبيه «ضعيف الحديث».

وجويبر هو ابن سعيد الاَزدي متروك كما قال الدار قطني، والنسائي وغيرهما، والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي لم يلق ابن عباس. (1)

ج. سألت ربّي فيما اختلف فيه أصحابي من بعد فأوحى اللّه إليّ: يا محمد: انّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه فهو عندي على هدى.

رواه ابن بطّة في الابانة(4|11|2) والخطيب أيضاً، نظام الملك في الاَمالي(13|2) والضياء في المنتقى عن مسموعاته بمرو(116|2) وكذا ابن عساكر (6|303|1) من طريق نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب مرفوعاً.

وهذا السند موضوع، نعيم بن حماد ضعيف، قال الحافظ: يخطأ كثيراً. وعبد الرحيم بن زيد العمي كذاب فهو آفة. (2)

هذا قليل من كثير ممّا ذكره الشيخ الالباني المعاصر في كتابه، و من أراد التفصيل فليرجع إلى نفس الكتاب .

وقد أضاف في آخر تحقيقه، وقال: لو صحّ هذا الخبر يكون المراد إنّ ما قالوه برأيهم يجب العمل به، وهذا دليل آخر على أنّالحديث موضوع، وليس من كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كيف يسوغ لنا أن نتصور انّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» يبرر لنا أن نقتدي بكل رجل من الصحابة مع أنّ فيهم العالم والمتوسط في العلم،ومن هو دون ذلك وكان فيهم مثلاً من يرى انّ البردة لا يفطر الصائم بأكله. (3)


1 . المصدر نفسه.
2 . المصدر نفسه.
3 . سلسلة الاَحاديث الضعيفة و الموضوعة، وحديث البرد أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، لاحظ 2|340، وهوحديث غريب يضاد القرآن والسنة وإجماع المسلمين، كما مرّ في مقدّمة الكتاب.


(564)

روى أنس قال:

مطرت السماء برداً، فقال لناأبو طلحة: ناولوني من هذا البرد، فجعل يأكل وهو صائم وذلك في رمضان، فقلت: أتأكل وأنت صائم؟فقال: إنّما هو برد نزل من السماء فطهر به بطوننا، وإنّه ليس بطعام ولا بشراب، فأتيتُ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» فأخبرته بذلك، فقال: خذها عن عمِّك (1)

6. أوّل من تنشق عنه الاَرض

أخرج الترمذي في مسنده، عن عبد اللّه بن دينار، عن ابن عمر ، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا أوّل من تنشق عنه الاَرض، ثمّ أبو بكر، ثمّعمر، ثمّ آتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثمّ أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين. (2)

يلاحظ عليه: أنّ الهدف من وراء هذا الترتيب هو بيان الاَفضلية فالاَفضل والاَفضل تنشق عنه الاَرض حتى تصل النوبة إلى غيره، وعلى ضوء هذا الحديث انّ أهل البقيع يحشرون في الدرجة الثالثة ويعقبهم أهل مكة في الدرجة الرابعة ومعنى ذلك انّ هوَلاء أفضل من وطئوا الاَرض فيقدمون في الحشر ، وتصبح النتيجة انّ غيرهم يتأخرون فضيلة عنهم كعلي بن أبي طالب و الحسن بن علي ونظائرهما الذين لهم أضرحة خارج مكة والمدينة وهل الاَمر كذلك؟!لا أدري..

وثمة نكتة جديرة بالاِشارة، هي انّ هذا الحديث يشير إلى أنّ الحشر يوم القيامة أمر تدريجي، فالناس يحشرون و يخرجون من أجداثهم تدريجاً مع أنّه يخالف ما عليه ظاهر القرآن من وقوع البعث بغتة وحشر الناس دفعة واحدة.قال سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الاََجْداثِ إِلى رَبِّهِمْيَنْسِلُونَ)


1 . الطحاوي، مشكل الآثار : 2|238 برقم 1983.
2 . سنن الترمذي: 5|622 برقم 3692.


(565)

(يس|51) وقال تعالى :(ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُون)(الزمر|68) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في وقوع القيامة فجأة وحشر الناس جميعهم دفعة لا تدريجاً، و هذا على خلاف ما جاء في الرواية «ثم انتظر أهل مكة ...».

7. الحط من منزلة بعض الصحابة

أخرج مسلم في صحيحه، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أمر بقتل الكلاب إلاّ كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية، فقيل لابن عمر: إنّ أبا هريرة يقول: أو «كلب زرع» فقال ابن عمر: إنّ لاَبي هريرة زرعاً. (1)

يشير ابن عمر إلى ما رواه أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من اتخذ كلباً إلاّ كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كلّ يوم قيراط، قال الزهري: فذكر لابن عمر قول أبي هريرة ، فقال: يرحم اللّه أبا هريرة كان صاحب زرع. (2)

وكان ابن عمر يشير بقوله: إنّ لاَبي هريرة زرعاً، انّه أضاف هذا الاستثناء لاَجل امتلاكه زرعاً وحرثاً ولولاه لما أضاف، ومعنى ذلك انّ أبا هريرة زاد على الحديث من جانبه.

ويوَيد ذلك أمران:

أ. انّه نُقل الحديث عن أبي هريرة مرّة بلا هذه الزيادة، أخرج مسلم، عن أبي رزين، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من اتخذ كلباً ليس بكلب صيد ولا غنم نقص من عمله كلّيوم قيراط.(3)

ب. انّه لما ذكر لابن عمر قول أبي هريرة، أجابه بقوله: يرحم اللّه أبا هريرة


1 . صحيح مسلم: 5|36 ، باب الاَمر بقتل الكلاب؛ سنن الترمذي: 4|79 برقم 1488.
2 . صحيح مسلم: 5|38، باب الاَمر بقتل الكلاب.
3 . المصدر نفسه.


(566)

كان صاحب زرع، فانّه يشير باسترحامه عليه إلى زلّته في ذلك النقل.

هذا هو المفهوم من الرواية، ولكن النووي حمل الرواية على غير ما هو المفهوم عرفاً، وقال نقلاً عن العلماء:ليس هذا توهيناً لرواية أبي هريرة ولا شكاً فيها، بل معناه انّه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة انّ المبتلي بشيء يُتقنه ما لا يتقنه غيره ويتعرض من أحكامه ما لا يعرفه غيره. (1)

أقول: لم يكن الحديث حديثاً مفصلاً حتى يصعب على ابن عمر حفظه فلو سمع من رسول اللّه لنقله بلا نقيصة، فالرسول حدّث حديثاً واحداً سمعه كلّ من حضره من ابن عمر و أبي هريرة، ولكن نقل الثاني مع الزيادة دون الاَوّل وابن عمر يدّعي انّه ما خانته ذاكرته، بل زاد أبو هريرة من عنده. واللّه العالم.

8. عدم وقوفه على أبسط المسائل

أخرج البخاري في صحيحه، عن سالم انّ عبد اللّه بن عمر ـ رضي اللّه عنهما ـ أخبره انّه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فتغيظ فيه رسول اللّه، ثمّ قال: ليراجعها، ثمّيمسكها حتى تطهر ثمّ تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدّة. (2)

أخرج أبو داود عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، انّه سمع عبد الرحمان بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع، قال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً؟ قال: طلق عبد اللّه بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأل عمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلق امرأته وهي


1 . شرح النووي: 10|497.
2 . صحيح البخاري: 6|155، في تفسير سورة الطلاق.


(567)

حائض، قال عبد اللّه: فردَّها عليَّ ولم يرها شيئاً، وقال: «إذا طهرت فليطلق أو ليمسك».

قال ابن عمر: وقرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (يا أَيُّهَا النَبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساء فَطَلِّقُوهُنَّ) في قُبُلِ عدّتهنّ. (1)

إنّ غضب رسول اللّه على فعل ابن عمر كما في الرواية الاَُولى وقراءته الآية كما في الرواية الثانية تعرب عن أنّ البيان والتشريع كان قد تم في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وانّه بلّغ ما يجب عليه إبلاغه وذلك بنزول سورة الطلاق التي جاء في مطلعها قوله: (يا أَيُّها النّبيّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) .

وهذا يدل على عدم وقوف عبد اللّه بن عمر على أبسط المسائل وأوضحها وأكثرها ابتلاءً في أوساط المسلمين، ولم يكن والده أيضاً أكثر اطلاعاً منه.

9. نفي العدوى

أخرج ابن ماجة، عن يحيى بن أبي حية، عن أبيه، عن ابن عمر ، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا عدوى ولا طيرة ولا هامة، فقام إليه رجل أعرابي فقال: يا رسول اللّه : أرأيت البعير يكون به الجرب فيُجرب الاِبل كلّها، قال: ذلكم القدر، فمن أجرب الاَوّل؟! (2)

وثمة تساوَلات:

1. «العدوى» عبارة عن انتقال المرض من مريض إلى سليم وهذا أمر واضح لا يشوبه شكٌّ ومن سنن اللّه تبارك و تعالى خلق الجراثيم التي تنقل الاَمراض، ولا ينافي ذلك تقدير اللّه سبحانه فإنّ عمل الجراثيم من تقديره سبحانه، فلا منافاة بين العلل الطبيعية التي هي مظاهر سننه وتقاديره، والقول


1 . سنن أبي داود:2|256 برقم 2185 والآية 1 من سورة الطلاق.
2 . سنن ابن ماجة: 1|34 برقم 86.


(568)

بالقضاء والقدر، لاَنّ تأثير الاَسباب الطبيعية بإذن اللّه سبحانه ، و تأثيره من تقديراته ، قال سبحانه: (وَأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرج بِهِ مِنَ الثَّمرات رِزقاً لَكُمْ)(البقرة|22) أي أخرج بسبب الماء. إلى غير ذلك من الآيات الناصّة على تأثير الاَسباب الطبيعية بإذن اللّه. فلما نفى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ حسب ما جاء فيها ـ العدوى بنحو مطلق بدت على وجه الاعرابي علائم الاستغراب، و أدرك انّ ما سمعه من النبي يخالف الملموس في حياته فسأله وقال: أرأيت البعير يكون به الجرب فيُجرب الاِبل كلّها، فكيف تنفي العدوى وانتقال المرض من حيّ إلى آخر؟!

فما ورد في الرواية من الجواب لا يقنعه ولا يزيل استغرابه، فانّ الجواب فيها عبارة عن قوله:«ذلكم التقدير» أي انّ الانتقال بتقديره سبحانه لا بالعدوى مع انّه لا تنافي بين الاَمرين، وذلك لاَنّ انتقال المرض من مريض إلى صحيح، سنة من سنن اللّه سبحانه، سنّها وقدّرها كما قدّر سائر السنن الكونية، فلا مانع من أن يكون هناك تقدير وفي الوقت نفسه عدوى.

2. انّ المجيب في الرواية لم يقتصر بقوله: «ذلكم التقدير» بل ضمّ إليه جواباً آخر وهو انّه لو صحّ «العدوى» فمن جرّب البعير الاَوّل إذ لم يكن هناك إلاّ بعير واحد ابتلي بالمرض حتى يكون هو السبب للجرب.

مع أنّ هذا الجواب لا يصلح للردّ أبداً إذ يمكن أن يكون للمرض عاملان أحدهما: «العدوى»، وثانيهما: «تأثير العوامل الطبيعية الا َُخرى».

3. كيف تنفي الرواية العدوى مع أنّ سعد بن أبي وقاص نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:

«وإذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تهبطوا، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفرّوا منه» (1)


1 . مسند أحمد: 1|174؛ سنن أبي داود برقم 3921.


(569)

فانّ الحديث صريح في الاعتراف بسنّة العدوى في الطاعون، ولاَجل ذلك منع المُصحَّ أن يهبط على أرض كان فيها طاعون، كما منع من الخروج من الاَرض التي فيها الطاعون لئلا يبتلى الآخرون به. وقد مضى الكلام فيه أيضاً عند دراسة روايات أبي هريرة.

10. النبي يأكل ممّا ذُبح على الاَنصاب

أخرج البخاري عن موسى بن عقبة، قال: أخبرني سالم انّه سمع عبد اللّه يحدِّث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه لقي زيد بن عمرو بن نُفَيل بأسفل «بَلْدح» وذاك قبل أن ينزل على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي، فقدّم إليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها.

ثمّ قال: إنّي لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلاّ ممّا ذكر اسم اللّه عليه. (1)

إنّ هذه الرواية تحط من شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بوجهين:

الاَوّل: إنّ مفاد الحديث أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأكل مما ذبح على الاَنصاب، والشاهد على ذلك انّه قدّم إلى زيد بن عمرو سفرة ولا معنى لتقديمه إليه سفرة غيره بل الظاهر انّه قدّم إليه نفس السفرة التي كان يأكل منها وهذا طعن عظيم على سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) كما لا يخفى.

ويوَيد مضمون الرواية ما أخرجه أحمد، عن هشام بن سعيد، عن أبيه سعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل، قال: كان رسول اللّهبمكة، هو وزيد بن حارثة، فمرَّ بهما زيد بن عمرو بن نفيل، فدعوه إلى سفرة لهما. فقال: يا ابن أخي، إنّي لا


1 . صحيح البخاري:7|91، باب ما ذبح على النصب و الاَصنام.


(570)

آكل مما ذبح على النّصب، قال: فما روَي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك أكل شيئاً ممّا ذبح على النّصب. قال: قلت: يا رسول اللّه، إنّأبي كان كما قد رأيت وبلغك، ولو أدركك لآمن بك و اتّبعك فأستغفر له؟ قال: نعم . فاستغفر له. فانّه يبعث يوم القيامة أُمّة واحدة. (1)

الثاني: انّ الحديث يتضمن انّ زيد بن عمرو كان أعرف بالحنفية البيضاء من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أبى من أكله دونهص هذا ممّا لا يمكن احتماله في حقّه عليه الصلاة والسلام.

نعم أخرجه البخاري في كتاب المناقب بصورة أُخرى ربما تكون نزيهة عن الاِشكال، ولكن الرواية فاقدة للانسجام العام، وهي تشهد على أنّ الراوي تصرف في الرواية لدفع الطعن، وإليك نصها:

أخرج البخاري في صحيحه، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن عمر :

إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقي زيد بن عمرو بن نُفيل بأسفل «بلدح» قبل أن ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي فقُّدمِتْ إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سفرة، فأبى أن يأكل منها. ثمّ قال زيد: إنّي لستُ آكل ممّا تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلاّ ما ذكر اسم اللّه عليه. انّ زيد ابن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها اللّه، وأنزل لها من السماء الماء ، وأنبت لها من الاَرض، ثمّ تذبحونها على غير اسم اللّه، إنكاراً لذلك وإعظاماً له. (2)

أقول: إنّ الرواية لا تخلو عن تأملات :

أ. قوله :« فقُدِّمَتْ إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سفرة» بصيغة المجهول فمن المقدِّم لها إلى


1 . مسند أحمد:1|189.
2 . صحيح البخاري:5|40، كتاب مناقب الاَنصار، الباب 24.


(571)

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟فلماذا لم يذكر؟ وهذا دليل على أنّ الاَصل ما ورد في الصورة الاَُولى «فقدم إليه رسول اللّه سفرة» وإنّما حرّفه الراوي لدفع الاِشكال.

ب. انّ الضمير في قوله: «فأبى» يرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإذا أبى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأكل منها فالاَولى أن يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إبائه: «إنّي لست آكل» ولكن الوارد في الصورة الثانية انّه بعدما أبى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، تكلم زيد بن عمرو، وقال:«إنّي لست آكل».

ج. لو افترضنا صحّة قول زيد بعد عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فالصحيح عندئذٍ أن يقول زيد: أنا أيضاً لا آكل ممّا تذبحون، ليكون تصديقاً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب ظاهر الرواية.

د. الظاهر انّ الخطاب في كلام زيد«انّي لست آكل مما تذبحون» إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمفروض في الصورة الثانية انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعيب ذلك على قريش و يمتنع من أكله، فكيف يخاطبه زيد بن عمرو؟! و هذا يدل على أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ حسب الرواية ـ كان يوافق قريشاً ذبحاً وأكلاً.

كلّ ذلك يعرب عن سقم الرواية وعدم نقلها على الوجه الصحيح، والمنقول صحيحاً هو ما رواه في باب الذبائح، و من المعلوم انّه يتضمن أشدّالطعن على أفضل الخليقة، فالحديث مكذوب.

ثمّ إنّ ابن حجر رجح الحديث الاَوّل على الثاني، فقال في شرح الحديث الثاني:

«فقدِّمتْ بضم القاف إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » كذا للاَكثر، وفي رواية الجرجاني:فقدَّم إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سفرة (إشارة إلى النقل الاَوّل).

قال عياض: الصواب الاَوّل.


(572)

وقال ابن بطال: كانت السفرة لقريش قدموها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأبى أن يأكل منها، فقدّمها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد بن عمرو فأبى أن يأكل منها، وقال مخاطباً لقريش: الذين قدموها أوّلاً«إنّا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم».

وما قاله محتمل لكن لا أدري من أين له الجزم بذلك؟ فأنّي لم أقف عليه في رواية أحد وقد تبعه ابن المنير في ذلك وفيه ما فيه. (1)

***

ثم إنّ الحديثين المذكورين تحت رقم 7 و 8 وإن لم يكونا من أحاديثه السقيمة إلاّ أنّ الغاية من نقلهما إلفات نظر القارىَ إلى ما في مضمونهما من الحقائق.



1 . فتح الباري: 7|143، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل.


(573)

32
جابر بن سمرة

( ... ـ 76هـ )

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

سلطان إبليس على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

ابن جنادة بن جندب، له صحبة مشهورة وراوية أحاديث سكن الكوفة، حدّث عنه الشعبي وتميم بن طرفة، و ابن خاله عامر بن سعد بن أبي وقاص شهد فتح المدائن وخلف من الاَولاد خالداً وطلحة وسالماً.

قال ابن سعد: توفي جابر بن سمرة في ولاية بشر بن مروان على العراق.

وقال خليفة: توفي سنة 76هـ وقيل سنة 66هـ.

وعلى كلّ حال مات قبل جابر بن عبد اللّه. (1)

وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 58 حديثاً. (2)

وعزيت إليه روايات صحيحة وأَُُخرى سقيمة ولنذكر نماذج.


1 . أُسد الغابة: 1|254؛ سير أعلام النبلاء: 3|186 برقم 36.
2 . المسند الجامع: 3|358 برقم 72.


(574)

روائع أحاديثه

1. أخرج أحمد، عن علي بن عمارة، عن جابر بن سمرة، قال: كنت في مجلس فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: وأبي سمرة جالس أمامي، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :

إنّ الفحش والتفحّش ليسا من الاِسلام، وإنّ أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً. (1)

2. أخرج الترمذي، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لاَن يوَدب الرجل ولده خير من أن يتصدّق بصاع. (2)

3. أخرج مسلم في صحيحه ، عن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر عن سمرة، يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: لا يزال الاِسلام عزيزاً إلى اثني عشرة خليفة، ثمّ قال كلمة لم أفهمها.

قال: قلت لاَبي: ما قال؟ فقال: كلّهم من قريش. (3)

وقد أخرج مسلم هذه الرواية بأسانيد مختلفة، و للقارىَ الكريم أن يتدبر في معنى الرواية حتى يظهر له المراد من هوَلاء الخلفاء الاثني عشر الذين أُنيطت بهم عزة الاِسلام، وقد جاءوا واحداً تلو الآخر عبْر الزمان، وهو لا ينطبق إلاّ على الاَئمّة الاثني عشر الذين أوّلهم علي بن أبي طالب و آخرهم القائم المهدي ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ والكلام في ذلك ذو شجون. (4)

وقد عزي إليه ما لا يستقيم مع الضوابط المذكورة.


1 . مسند أحمد: 5|89.
2 . سنن الترمذي: 4|337 برقم 1951.
3 . صحيح مسلم: 6|3، باب الناس تبع لقريش.
4 . انظر كتاب الاِلهيات الجزء الثالث للموَلف.


(575)

سلطان إبليس على النبي

أخرج أحمد، عن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة، يقول:

صلّى بنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاة الصبح، فجعل ينتهر شيئاً قدّامه، فلما انصرف سألناه، فقال: ذلك الشيطان ألقى على قدميّ شرراً من نار ليفتنني عن الصلاة، قال: وقد انتهرته، ولو أخذته لينط إلى سارية من سواري المسجد حتى يطيف به ولدان أهل المدينة. (1)

أقول: إنّ هذا الحديث روي بمضامين مختلفة عزّي إلى أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، وقد عرفت ضعفه عند التطرق إلى حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري حيث جاء في حديث الخدري: انّ رسول اللّه صلّى صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ، فلبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من صلاته، قال: لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعي هاتين: الابهام وماتليه، ولولا دعوة أخي سليمان لاَصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة. (2)

وعلى ضوء هاتين الروايتين كان للشيطان سلطان على النبيفتارة يخنقه النبي فيجد برد لعابه بين اصبعيه، و أُخرى ينهره و هو يلقي على قدميه شراراً من ناره و المضمونان يضادان القرآن الكريم ، قال سبحانه: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون) (النحل|99).

وقد أوضحنا حال الرواية غير مرة فلاحظ. (3)



1 . مسند أحمد:5|104.
2 . مسند أحمد: 6|82.
3 . لاحظ سيرة أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.


(576)

33
عبد الرحمان بن غنم الاَشعري

( ... ـ 78هـ)

سيرته وأحاديثه الرائعة

حديثه السقيم

يهدى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) راوية خمر كل عام

أسلم عبد الرحمان بن غنم الاَشعري على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يره ولم يفد إليه ولزم معاذ بن جبل منذ بعثه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليمن إلى أن مات [معاذ] في خلافة عمر، يعرف بصاحب معاذ لملازمته، وكان أفقه أهل الشام وهو الذي فقّه عامة التابعين بالشام وكانت له جلالة وقدر، وهو الذي عاتب أبا الدرداء وأبا هريرة بحمص إذ انصرفا من عند علي «عليه السلام» رسولين لمعاوية وكان فيما قال لهما: «عجباً منكما كيف جاز عليكما ما جئتما به، تدعوانِعلياً أن يجعلها شورى وقد علمتما انّه بايعه المهاجرون والاَنصار وأهل الحجاز والعراق، وانّ من رضيه خير ممن كرهه، ومن بايعه خير ممن لم يبايعه، وأيّمدخل لمعاوية في الشورى» ويذمهما على مسيرهما. فتابا منه بين يديه.

توفي عبد الرحمان سنة 78هـ.

روى عنه أبو إدريس الخولاني وجماعة من أهل الشام. (1)


1 . أُسد الغابة:3|318.


(577)

قال الذهبي: روى له أحمد بن حنبل في مسنده أحاديث لكنّها مرسلة ويحتمل أن يكون له صحبة. (1)

وهو من المقلِّين في الرواية وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت عشرة. (2)

روائع رواياته

1. أخرج أحمد في مسنده، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: والذي نفس محمد بيده ليبيتنّ ناس من أُمّتي على أشر، وبطر، ولعب، ولهو ، فيُصبحوا قِرَدة وخنازير باستحلالهم المحارم والقينات وشربهم الخمر وأكلهم الربا ولبسهم الحرير. (3)

ولعلّ المراد من صيرورتهم قردة وخنازير كونهم كذلك نفساً وروحاً، لا جسماً وصورة.

وله حديث لا يمكن عزوه إلى ذلك الصحابي الجليل.

يُهدى إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) راوية خمر كلّعام

أخرج أحمد في مسنده، عن شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الرحمان بن غنم، انّ الدّاريّ كان يهدي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّعام راوية من خمر، فلما كان عام حرمت، فجاء براوية، فلما نظر إليه نبي اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ضحك.

قال: هل شعرت أنّها قد حرمت بعدك؟ قال: يا رسول اللّه، أفلا أبيعها


1 . سير أعلام النبلاء: 4|45 برقم 10.
2 . المسند الجامع: 12|356ـ360.
3 . مسند أحمد: 5|329.


(578)

فانفع بثمنها؟

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): لعن اللّه اليهود، انطلقوا إلى ما حُرِّم عليهم من شحوم البقر والغنم فأذابوه، فجعلوه ثمناً له، فباعوا به ما يأكلون، وانّ الخمر حرام وثمنها حرام، وانّ الخمر حرام وثمنها حرام، وانّ الخمر حرام وثمنها حرام. (1)

أقول: إنّ ذيل الرواية يصدّنا عن القول بكونها موضوعة، لاَنّ أكثر الروايات تدعمه، إنّما الكلام في صدر الرواية، وانّه كيف يقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّعام راوية من خمر قبل تحريمه، فما ذا كان يصنع بها؟! فهل كان يخلّلها أو انّه يشربها ـ والعياذ باللّه ـ و الثاني قطعي الانتفاء والاَوّل بعيد جداً.

مضافاً إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ بعث، اشتهر بأنّه يحرّم الخمر .

نقل ابن هشام انّ أعشى بن قيس خرج إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد الاِسلام فقال يمدح رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في قصيدة مطلعها:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبتَّ كما بات السَّليـمُ مسَّهدا

فلما كان بمكة أو قريباً منها اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره انّه جاء يريد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليُسلم، فقال له: يا أبا بصير: إنّه يحرّم الزنا.

فقال الاَعشى: واللّه انّ ذلك لاَمر مالي فيه من أرب.

فقال له: يا أبا بصير، فانّه يحرم الخمر، فقال الاَعشى: أمّا هذه فواللّه إنّ في النفس منها لعُلالات، ولكني منصرف فأتروّى منها عامي هذا، ثمّ آتيه فأُسلم، فانصرف فمات في عامه ذلك، ولم يعد إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (2)


1 . مسند أحمد: 4|227.
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 1|386ـ 388.


(579)

روى الكليني عن الاِمام الصادق (عليه السلام) ، قال: «ما بعث اللّه نبياً قط، إلاّ وقد علم اللّه انّه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم تزل الخمر حراماً». (1)

وقال الاِمام أبو الحسن الرضا (عليه السلام) : «ما بعث اللّه نبياً قط إلاّ بتحريم الخمر». (2)

ومع هذه القرائن كيف يمكن أن نُصدِّق بأنّه كان يهدى إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» كلّ عام راوية من الخمر وهو يقبلها؟!



1 . الكليني، الكافي: 6|395، باب انّ الخمر لم تزل محرمة.
2 . الكليني، الكافي: 2|148، الحديث 15.
Website Security Test