welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(481)

27
زيد بن أرقم الاَنصاري

( ... ـ 68 هـ)

سيرته وأحاديثه الرائعة

حديثه السقيم:

سحر اليهود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

هو ابن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الحارث بن الخزرج.

قال ابن سعد: يكنّى أبا سعد، وقيل: أبا أنيس، أوّل مشاهده مع النبي، المريسيع، ونزل الكوفة وابتنى بها داراً في كندة وتوفي بها أيّام المختار سنة 68.(1)

قال الجزري: روى عنه: ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو إسحاق السبيعي، وابن أبي ليلى ، ويزيد بن حبان، شهد مع رسول اللّه سبع عشرة غزوة، واستصغر يوم أُحد وكان يتيماً في حجر عبد اللّه بن رواحة وسار معه إلى موَتة، وشهد مع عليٍّ صفين، وهو معدود في خاصّة أصحابه، روى حديثاً كثيراً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخرجه الثلاثة. (2)

يذكر المفسرون في تفسير قوله سبحانه: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا علىمَنْ عِنْدَ رَسُولِاللّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ) (المنافقون|7)


1 . طبقات ابن سعد:6|18.
2 . أُسد الغابة: 2|219.


(482)

قصة ملخصها مايلي:

قال كنت مع عمّي فسمعت عبد اللّه بن أبي بن سلّول يقول لاَصحابه: لا تنفقوا على مَنْ عند رسول اللّه حتى ينفضّوا ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الاَعزّ منها الاَذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمّي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فدعاني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحدّثته، فأرسل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عبد اللّه وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذّبني رسول اللّهوصدّقهم، فأصابني شيء لم يصبني قط مثله، فجلست في البيت، فقال عمّي: ما أردت إلى ان كذّبك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومقتك، فأنزل اللّه تعالى: (إِذا جاءك المُنافِقُون) ، فبعث إليَّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقرأها عليَّ، ثمّ قال: إنّ اللّه قد صدّقك. (1)

وقيل انّه توفي بعد قتل الحسين بقليل، وقد ترجمه ابن عساكر ترجمة مفصلة. (2)

وجمعت أحاديثه في المسند الجامع فناهزت 52 حديثاً (3) ولكن هذا العدد بالنسبة إلى ما ذكره الجزري قليل، لاَنّه قال: روى حديثاً كثيراً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وإليك شيئاً من روائع أحاديثه وما أكثرها.

روائع أحاديثه:

1. أخرج أحمد في مسنده، عن العزيز بن حكيم، قال: صليت خلف زيد ابن أرقم على جنازة فكبّر خمساً، ثمّ التفت، فقال: هكذا كبّر رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» أو نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) . (4)


1 . أُسد الغابة: 2|219.
2 . انظرتاريخ ابن عساكر:6|268ـ 278.
3 . المسند الجامع: 5|479 برقم 214.
4 . مسند أحمد: 4|371.


(483)

وهذا هو المروي أيضاً عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من أنّ التكبيرة على الجنازة هي الخمس.

نعم روى مسلم، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: كان زيد يكبّر على جنائزنا أربعاً وانّه كبَّر على جنازة خمساً، فسألته، فقال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يكبّرها. (1)

أقول: الرواية الثانية لا يمكن تصديقها، لاَنّه لو كان الاقتصار بالتكبيرات الاَربع جائزاً، فالمصلّي يخرج من الفريضة بالتكبيرة الرابعة وتكون الخامسة ذكراً زائداً على الصلاة لا تمت لها بصلة فلا يصحّ القول بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تارة يكبّر أربعاً وأُخرى خمساً.

نعم يعارض الاَُولى ما رواه أحمد عن أبي سليمان الموَذن، قال: توفي أبو سريح فصلى عليه زيد بن أرقم، فكبر عليه أربعاً وقال: كذا فعل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (2)

فالرواية الاَُولى تفرض الخمس، والثانية تخير بين الاَربع والخمس، والثالثة تفرض الاَربع.

والعجب انّ الصحابة لم يحتفظوا بسنة نبيّهم في مسألة بسيطة كانت محلاً للابتلاء.

2. أخرج النسائي ،عن الشعبي، عن عبد اللّه بن أبي الخليل، عن زيد بن أرقم، قال: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليٌّ(رض) يومئذ باليمن، فأتاه رجل، فقال: شهدت عليّاً أُتي في ثلاثة نفر ادّعوا ولد امرأة، فقال عليّ لاَحدهم: تدعه لهذا؟ فأبى، وقال لهذا :تدعه لهذا ؟ فأبى، وقال لهذا: تدعه لهذا ؟فأبى.


1 . صحيح مسلم: 3|56، باب القيام للجنازة.
2 . مسند أحمد: 4|370.


(484)

قال علي (رض) أنتم شركاء متشاكسون، وسأقرع بينكم فأيكم أصابته القرعة فهو له وعليه ثلثا الدية، فضحك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بدت نواجذه. (1)

ولا غرو فانّعليّاً باب علم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد وصفه النّبيّ بقوله: أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها. (2)

3. أخرج أحمد في مسنده عن قطبة بن مالك، قال: سبَّ أمير من الاَُمراء عليّاً (رض)، فقام زيد بن أرقم، فقال:

أما علمت أنّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن سبّ الموتى فَلِمَ تسبُّ عليّاً، وقد مات؟! (3)

كان في وسع الصحابي الجليل زيد بن أرقم أن يحتج على الاَمير السابّ بما روى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) غير واحد من الصحابة من أنّ سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، فالاَمير بسبه هذا قد فسق سواء أكان المسبوب حياً أم ميتاً، ولكن الظروف العصيبة حالت دون أن يحتج«زيد» عليه بهذا الحديث، ولذلك التجأ إلى الاحتجاج عليه بأُسلوب آخر.

4. أخرج الترمذي في سننه، عن أبي عثمان، عن زيد بن أرقم، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكسل والعجز والبخل. (4)

5. أخرج مسلم في صحيحه،عن يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلمّا جلسنا إليه، قال له


1 . سنن النسائي: 1|183، باب القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه.
2 . أخرجه غير واحد من الحفاظ ناهز 142 محدثاً وعالماً، وقد جاء في كتاب الغدير مصادر الحديث مفصلاً، راجع الغدير: 6|161ـ 177.
3 . مسند أحمد: 4|369.
4 . سنن الترمذي: 5|566 برقم 3572.


(485)

حصين، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمعت حديثه وغزوت معه وصلّيت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدِّثنا يا زيد، ما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قال: يا ابن أخي واللّه لقد كبرت سنّي وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فما حدثتكم فأقبلوا، وما لا، فلا تكلّفونيه، ثمّ قال: قام رسول اللّهيوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد اللّه وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، ثمّ قال: أمّا بعد: ألا يا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما: كتاب اللّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به فحثّ على كتاب اللّه ورغَّب فيه.

ثمّقال: وأهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي ، فقال له حصين: ومَنْ أهل بيته يا زيد؟ أليس نساوَه من أهل بيته؟ قال: نساوَه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال ومن هم؟ قال: هم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هوَلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. (1)

هذا ما أخرجه مسلم و من الواضح انّه لم ينقل على وجه دقيق وذلك لوجهين:

الاَوّل: انّ مقتضى قوله : أوّلهما، أن يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،ثانيهما أهل بيتي مع أنّه لم يذكر كلمة ثانيهما.

وقد رواها الاِمام أحمد بصورة أفضل مما سبق كما رواه النسائي في فضائل الصحابة كذلك.

أخرج أحمد في مسنده عن أبي الطفيل، عن زيد بن الاَرقم، قال: لما رجع


1 . صحيح مسلم: 7|122، باب فضائل علي (عليه السلام) .


(486)

رسول اللّه عن حجّة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: كأنّي قد دُعيت فأُجبت: إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض.

ثمّ قال: إنّ اللّه مولاي، وأنا ولي كلّموَمن، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: من كنت وليه فهذا وليه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه. (1)

الثاني: فسر أهل البيت في الحديث بالبيوت الاَربعة: آل علي، آل عقيل، آل جعفر، آل عباس، وجعل حديث الغدير هادفاً إلى تكريم أهل بيته، ومن المعلوم انّه خلاف المراد، لاَنّ النبي جعل أهل بيته عدلاً لكتاب اللّه عز وجلّ، فيجب أن يُفسر ببيت يكون عدلاً للقرآن وملجأً للمسلمين بعد كتاب اللّه، وهل لهذه البيوت الثلاثة: آل عباس، آل عقيل، آل جعفر هذه المنزلة والمرتبة؟

نعم إذا تفحصنا سائر مصادر الحديث نقف على أنّ الرواة لعبوا بالحديث، وتصرّفوا فيما نقله ذلك الصحابي الجليل، وإليك بعض ما روي في هذا المضمار عن زيد.

روى الاِمام أحمد، عن ميمون أبي عبد اللّه، قال: قال زيد بن أرقم، وأنا أسمع: نزلنا مع رسول اللّه بواد يقال له وادي خم، فأمر بالصلاة فصلاها «بهجير» ثمّقال: فخطبنا، وظلّل لرسول اللّه بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألستم تعلمون، أولستم تشهدون، انّي أولى بكلّموَمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فانّ علياً مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه. (2)

وأخرج أيضاً في فضائل الصحابة شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال:


1 . المسند الجامع: 5|505 برقم 3828، نقلاً عن مسند أحمد: 1|118.
2 . مسند أحمد: 4|372؛ و فضائل الصحابة: 2|597، الحديث 1017.


(487)

سمعت أبا الطفيل يحدّث عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم ـ شك شعبة ـ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.

قال سعد بن جبير وأنا سمعت مثل هذا عن ابن عباس، قال محمد: أظنه قال وكتمته. (1)

كلّ ذلك يدل على أنّ الرواة كانوا ينقلون الحديث مع الخوف والوجل، ولاَجل ذلك لم تنقل الخطبة في الروايتين الاَخيرتين، ولكن نقل نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ولاية عليّ (عليه السلام) عكس ما رواه مسلم حيث نقل الخطبة دون التنصيص على الولاية.

هذه نزر من روائع رواياته، وقد عزي إلى ذلك الصحابي مالا يصح وفقاً للموازين المذكورة.

سحر اليهود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج النسائي، عن يزيد بن حيّان، عن زيد بن أرقم، قال:

سحر النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أيّاماً، فأتاه جبريل (عليه السلام) ، فقال: إنّ رجلاً من اليهود سحرك عقد لك عُقداً في بئر كذا وكذا، فأرسل رسول اللّهفاستخرجوها فجيء بها ،فقام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كأنّما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لذلك اليهوديّ ولا رآه في وجهه قطُّ. (2)

أقول: إنّ السحر حسب ما جاء في الذكر الحكيم لا يضرّ إلاّ بإذن اللّه تبارك و تعالى، قال سبحانه: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّبِإِذْنِ اللّهِ) (البقرة|102).

إنّ سحر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس كسحر الآخرين، إذ ربّما يكون الساحر قادراً على


1 . فضائل الصحابة: 2|569، الحديث 959.
2 . سنن النسائي : 7|112ـ 113، باب سحرة أهل الكتاب.


(488)

أن يسحر إنساناً عاديّاً ويضرّ به بإذن اللّه سبحانه، ولكن لا سبيل له إلى سحر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإلاّ لوجب تسلّطه وهيمنته عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولربّما يسفر عن تزلزل عقيدة الناس الذين آمنوا به، فحكمته سبحانه تصدّه عن أن يأذن لاَحد بالهيمنة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

انّه سبحانه يحكي عن موسى مخاطباً سحرة فرعون، بقوله: (ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ ) (يونس|81).

فإذا كان هذا حال موسى، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى به منه، فبإمكانه أن يبطل السحر في أوّل لحظاته،لا أن يتأثر به أيّاماً ويتخلص منه بعد معونة جبرئيل له، كل ذلك يعرب عن وهن الحديث وضعفه بل كذبه على لسان زيد بن أرقم ـ رضي اللّه عنه ـ .



(489)

28
البراء بن عازب الاَنصاري

(10ق.هـ ـ 72هـ)

سيرته و أحاديثه الرائعة

حديثه السقيم:

نزول الوحي عند رغبة ابن أُمّ مكتوم

البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة الاَنصاري الاَوسي الحارثي، يُكنّى أبا عمارة، ردّه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بدر استصغره، وأوّل مشاهده أحد، وقيل: الخندق، وغزا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أربع عشرة، غزوة وهو الذي افتتح الري سنة 24هـ، كما شهد فتح «تستر».

وشهد البراء مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين والنهروان هو وأخوه عبيد ابن عازب، و نزل الكوفة وابتنى بها داراً ومات أيام مصعب بن الزبير. (1)

قال الذهبي: البراء بن عازب الاَنصاري نزيل الكوفة من أعيان الصحابة روى حديثاً كثيراً، حدَّث عنه: عبد اللّه بن يزيد الخطمي، وأبو جحيفة السوائي، وعدي بن ثابت، وسعد بن عبيدة، وأبو عمر زاذان، وأبوإسحاق السّبيعي.


1 . أُسد الغابة: 1|171.


(490)

مسنده ثلاثمائة وخمسة أحاديث، له في الصحيحين اثنان وعشرون حديثاً، وانفرد البخاري بخمسة عشر حديثاً ومسلم بستة. (1)

وهو أحد رواة حديث غدير خم من الصحابة، رواه عنه غير واحد من التابعين مفصلاً. (2)

قال الخطيب البغدادي: وكان رسول عليّ بن أبي طالب إلى الخوارج بالنهروان يدعوهم إلى الطاعة وترك المشاقة، ثمّروى بسنده عن أبي الجهم، قال: بعث عليٌّ البراء بن عازب إلى أهل النهروان يدعوهم ثلاثة أيام فلما أبوا سار إليهم. (3)

وقد بلغت أحاديثه في المسند الجامع 136 حديثاً (4) وإليك شيئاً من روائع أحاديثه.

روائع أحاديثه

1. أخرج الترمذي في سننه، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : حقّعلى المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمسّ أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب.(5)

2. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، قال: فاحرمنا بالحجّ فلمّا قدمنا مكة، قال: اجعلوا حجَّكم عمرة، قال: فقال الناس يا رسول اللّه قد أحرمنا بالحجّ، فكيف نجعلها عمرة؟قال: انظروا، ما آمركم به فافعلوا، فردّوا عليه القول، فغضب ثمّ انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت من أغضبك


1 . سير أعلام النبلاء: 3|194 برقم 39.
2 . الغدير: 1|294.
3 . تاريخ بغداد: 1|177.
4 . المسند الجامع: 3|185.
5 . سنن الترمذي: 2|407 برقم 528.


(491)

أغضبه اللّه؟ قال: ومالي لا أغضب وأنا آمر بالاَمر فلا اتّبع. (1)

وفي الحديث دلالة واضحة على أنّ لفيفاً من أصحابه ربما كانوا يخالفونه ويغضبونه ويوَذونه، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يُوَْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(التوبة|61). وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُوَذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ في الدُّنيا وَالآخرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (الاَحزاب|57).

ويظهر من غير واحد من التواريخ انّ العرب لم تكن تجمع بين العمرة والحج وإنّما يأتون بالعمرة في غير أشهر الحجّ، ولما كان أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مخالفاً لما كانوا عليه في العصر الجاهلي استغربوه، وقالوا: كيف نجعلها عمرة وقد أحرمنا للحج؟

وعلى أيّة حال فهوَلاء هم الذين يصفهم اللّه سبحانه في سورة الحجرات بقوله: (يا أَيُّـها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْـنَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ) (الحجرات|1).

2. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: أقبلنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجته التي حجّ، فنزل في بعض الطريق، فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد عليّ، فقال: «ألست أولى بالموَمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى، قال: «ألست أولى بكلّموَمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال:فهذا وليّ من أنا مولاه، اللّهمّ وال من والاه، اللّهمّ عاد من عاداه.(2)

3. أخرج الترمذي عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جيشين وأمّر على أحدهما عليَّ بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، وقال: إذا كان القتال فعليّ، قال: فافتتح عليّ حصناً، فأخذ منه جارية، فكتب


1 . مسند أحمد: 4|286.
2 . سنن ابن ماجة: 1|43برقم 116.


(492)

معي خالد كتاباً إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يشي به، قال: فقدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقرأ الكتاب فتغيّر لونه، ثمّ قال: ما ترى في رجل يحبُّ اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله؟ قال: قلت: أعوذ باللّه من غضب اللّه وغضب رسوله، وإنّما أنا رسول، فسكت. (1)

4. أخرج البخاري في صحيحه ،عن شعبة، قال أخبرني عديّ، قال: سمعت البراء، قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والحسن على عاتقه يقول: اللّهمّ إنّي أُحبُه، فأحبَّه. (2)

5. أخرج البخاري في صحيحه عن المسيب بن رافع، قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك، صحبت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي، انّك لا تدري ما أحدثنا بعده. (3)

ويوَيّده ما رواه البخاري في كتاب الفتن من إحداث لفيف من أصحابه بِدَعاًً وتبديلهم لدينه سبحانه، أخرج البخاري عن أبي وائل، قال: قال عبد اللّه: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فَرَطُكم على الحوض ليرفعنّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويتُ لاَناولهم، اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.

أخرج البخاري عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا فَرَطُكم على الحوض، من ورد شرب منه، و من شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يُحال بيني و بينهم. قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أُحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلاً ؟ فقلت: نعم، قال: وأنا اشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه،


1 . سنن الترمذي: 5|638 برقم 3725.
2 . صحيح البخاري: 5|26، باب مناقب الحسن والحسين (عليهما السلام) .
3 . صحيح البخاري: 5|125، باب غزوة الحديبية.


(493)

قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي. (1)

أخرج مسلم عن الاَعمش، عن شفيق، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض ولاَُنازعنّ أقواماً ثم لاَغلبن عليهم، فأقول: يا ربّ أصحابي، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. (2)

والعجب انّ الذين يروون هذه الاَحاديث من الصحيحين ـ اللّذين يُعدان عندهم من أصحّ الكتب بعد كتـاب اللّه ـ يحكمون بلزوم الاقتداء بكلّ صحابي وأخذ الحديث منه، ولا يجوّزون رمي واحد منهم بالجرح مع أنّ بينهم من بدّل دين اللّه وغيّره وأحدث وقال في حقّه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : سحقاً، سحقاً.

هذه طائفة من روائع أحاديثه، وإليك هذا الحديث المنسوب إليه والذي يخالف القواعد السالفة الذكر .

نزول الوحي عند رغبة ابن امّ مكتوم

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي إسحاق، أنّه سمع البراء يقول في هذه الآية: «لا يستوي القاعدون من الموَمنين والمجاهدون في سبيل اللّه» فأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) زيداً فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أُمّمكتوم ضرارته، فنزلت: (لا يَسْتَوي القاعِدونَ مِنَ المُوَْمنينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَر).(3)

ومعنى ذلك انّ الوحي نزل لرغبة ابن أُمّ مكتوم ولولا شكايته لكان الوحي مثل ما نزل أوّلاً، وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة أحاديث زيد بن ثابت.


1 . صحيح البخاري: 9|46، كتاب الفتن.
2 . صحيح مسلم:7|68، باب إثبات حوض نبيّنا.
3 . صحيح مسلم: 6|42، باب سقوط فرض الجهاد على المعذورين؛ صحيح البخاري: 4|24ـ 25، باب قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون) (النساء|95).


(494)

29
عبد اللّه بن الزبير

(2ـ 73هـ)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

1. تقديم صلاة الجمعة على الخطبتين
2. خطبة علي بنت أبي جهل

عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الاَسدي، كنيته أبو بكر، وأُمّه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وهو أوّل مولود ولد في الاِسلام بعد الهجرة للمهاجرين .

ولد بالمدينة على رأس سنتين من الهجرة، أحضره أبوه الزبير عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليبايعه وعمره سبع سنين.

وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث، روى عنه: أخوه «عروة» وابناه «عامر» و«عباد»، وعبيدة السلماني، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وغيرهم.

شهد الجمل مع أبيه الزبير مقاتلاً لعليٍّ، فكان علي (عليه السلام) يقول: مازال الزبير منّا أهلَ البيت حتى نشأ له عبد اللّه، وامتنع من بيعة يزيد بن معاوية بعد موت معاوية فأرسل إليه يزيد، مسلم بن عقبة «المُرّي»، فحصر المدينة وأوقع بأهلها


(495)

وقعة الحرة المشهورة، ثمّسار إلى مكة ليقاتل ابن الزبير فمات في الطريق، ثمّ استخلف الحصين بن نمير السكوني وحاصر ابن الزبير بمكة، ودام الحصر إلى أن مات يزيد، وبويع عبد اللّهبن الزبير بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان. (1)

كان ابن الزبير يسوس الحجاز والعراق وفيهما عمّاله إلى ان استولى عبد الملك على العراق عام إحدى وسبعين من الهجرة وانحصرت امارة ابن الزبير بالحجاز ، وعند ذاك وجّه عبد الملك، الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش كثيف من أهل الشام لقتال عبد اللّه بن الزبير، وقدم مكة وحصر ابن الزبير، والتجأ هو وأصحابه إلى المسجد الحرام، ونصب الحجاج المنجنيق على «جبل أبي قبيس» ورمى به الكعبة إلى ان خرج أصحابه إلى الحجاج بالاَمان، وقتل ابن الزبير يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة عام ثلاث و سبعين من الهجرة. (2)

قال الذهبي: مسنده نحو من ثلاثة وثلاثين حديثاً، اتفقا له على حديث واحد، وانفرد البخاري بستة أحاديث ومسلم بحديثين.

وقبل ان نتناول أحاديثه بالبحث والتمحيص نذكر لمحة خاطفة عن سيرته والدور الذي لعبه في حرب الجمل.

التاريخ يصرح بأنّه هو الذي أشعل نائرة الحرب بين علي (عليه السلام) وأبيه، وكان أبوه على عتبة الندم والرجوع إلى المدينة وترك الحرب، ولكن ابنه عبد اللّه حال دون ذلك والجأ أباه إلى الاستمرار في موقفه المتصلِّب ضد عليّ (عليه السلام) الذي كانت تربطه به أواصر القرابة، فقد كان علي (عليه السلام) ابن خاله وكان الزبير ابن عمة علي (عليه السلام) ، وكانت الاَواصر الودية مستوثقة إلى ان شبّ ابنه عبد اللّه فتعكّر صفو تلك الروابط.


1 . أُسد الغابة: 3|161.
2 . الطبري، التاريخ: 5|24؛ الكامل لابن الاَثير: 4|349ـ 356.


(496)

قال الطبري: فلما تواقفوا خرج عليّعلى فرسه، فدعا الزبير، فتواقفا، فقال علي للزبير: ما جاء بك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الاَمر أهلاً، ولا أولى به منّا.

فقال علي (عليه السلام) : لست له أهلاً بعد عثمان! قد كنا نعدُّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا وبينك، وعظّم عليه أشياء، فذكر انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّعليهما، فقال لعليّ: «ما يقول ابن عمتك؟ ليقاتلنك وهو لك ظالم».

فانصرف عنه الزبير، وقال: فإنّي لا أُقاتلك. فرجع إلى ابنه عبد اللّه، فقال: مالي في هذه الحرب بصيرة.

فقال له ابنه: إنّك قد خرجت على بصيرة، ولكنّك رأيت رايات ابن أبي طالب، وعرفت انّ تحتها الموت، فجبُنتَ، فأحفظه حتى أرعد وغضب.

وقال: ويحك ! إنّـي قد حلفت له ألاّأقاتله.

فقال له ابنه: كفّر عن يمينك بعتق غلامك سرجس، فأعتقه وقام في الصف معهم.

وكان علي قال للزبير: أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته؟! سلط اللّه على أشدِّنا عليه اليوم ما يكره. (1)

وعلى هذا فقد شبّ الرجل وشاب على عداء عليٍّ وحمل الضغن عليه.

ومما يكشف عن عدائه المتأصل ما نقله ابن الاَثير ما هذا لفظه بتلخيص: انّ ابن الزبير دعا محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وشيعته وسبعة عشر رجلاً من وجوه أهل الكوفة منهم أبو الطفيل عامر بن واثلة الذي له صحبة ليبايعوه. فامتنعوا، وقالوا: لا نبايع حتى تجتمع الاَُمة، فأكثر الوقيعة بابن الحنفية


1 . تاريخ الطبري: 3|41، حوادث سنة 36، ونقله أيضاً ابن الاَثير في الكامل، لاحظ 3|239.


(497)

وذمّه، فأخبروا ابن الحنفية بما كان منهم، فأمرهم بالصبر، ولم يلحّ عليهم ابن الزبير.

فلما استولى المختار على الكوفة وصارت الشيعة تدعو لابن الحنفية، خاف ابن الزبير أن يتداعى الناس إلى الرضا به، فألحّ عليه وعلى أصحابه في البيعة له، فحبسهم بزمزم وتوعدهم بالقتل والاِحراق، وإعطاء اللّه عهداً إن لم يبايعوه أن ينفِّذ ما توعَّدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلاً.

ولما اطّلع المختار على حقيقة الاَمر بعث ظبيان بن عُمارة أخا بني تميم ومعه أربعمائة وبعث معه لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم، فساروا نحو مكة حتى دخلوا المسجد الحرام ومعهم الرايات وهم ينادون: يا لثاراث الحسين، حتى انتهوا إلى زمزم وقد أعدَّ ابن الزبير الحطب ليُحرقهم وكان قد بقي من الاَجل يومان، فكسروا الباب ودخلوا على ابن الحنفية فقالوا: خلِّ بيننا وبين عدو اللّه ابن الزبير.

فقال لهم: إنّي لا أستحل القتال في الحرم إلى آخر ما ذكره. (1)

فإذا كان هذه هي شيمة الرجل و سيرته مع آل علي، فهل يصحّ أن يعتمد على ما يرويه في حقّهم كما سيوافيك؟!

وعلى أية حال فهو من المقلِّين في نقل الحديث، ومن روائع رواياته ما يلي:

روائع أحاديثه:

1. أخرج أحمد في مسنده، عن عطاء، عن عبد اللّه بن الزبير، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :

صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلاّ


1 . الكامل في التاريخ: 4|249ـ 251.


(498)

المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا. (1)

2. أخرج النسائي في سننه، عن يوسف بن الزبير، عن عبد اللّه بن الزبير، قال:

جاء رجل من خثعم إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: إنّ أبي شيخ كبير، لا يستطيع الركوب وأدركته فريضة اللّه في الحج، فهل يجزي أن أحج عنه؟

قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم، قال: أرايت لو كان عليه دين، أكنت تقضيه؟ قال: نعم. قال: فحج عنه. (2)

ثمّ إنّ هنا روايات رويت عنه، تخالف الضوابط المذكورة في صدر الكتاب.

1. تقديم صلاة الجمعة على الخطبتين

أخرج أحمد في مسنده، عن وهب بن كيسان مولى ابن الزبير، قال:

سمعت عبد اللّه بن الزبير في يوم العيد، يقول، حين صلّى قبل الخطبة، ثمّ قام يخطب النّاس: يا أيّها النّاس، كلاًّ سنّة اللّه وسنّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (3)

الظاهر انّ الرواية موقوفة، لاَنّ ابن الزبير ولد في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وله ثمان سنين.

فيبدو انّه لم ير واقعة تقديم الصلاة على الخطبتين من قبل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فتكون الرواية موقوفة وليست بحجّة.

على أنّ الظاهر من كلمات الفقهاء شرطية تقدّم الخطبة.

قال في المغني: الرابع من الشروط أن يتقدمها خطبتان من شرط صحتهما،


1 . مسند أحمد : 4|5.
2 . سنن النسائي: 5|117، تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين.
3 . مسند أحمد:4|4.


(499)

وقد كان عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تقديم الخطبة بينهما فصل من جلوس، و قد قال: صلوا كما رأيتموني أُصلي، فالعكس يحتاج إلى الدليل. (1) وقال العلاّمة الحلّي: الثاني من الشروط تقديمهما على الصلاة لاَنّهما شرط فيها، والشرط مقدم ولانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) داوم على ذلك، وقال: صلّوا كما رأيتموني أُصلي، ولقول الباقر (عليه السلام) وقد سئل عن خطبة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الصلاة أو بعدها، قال: قبل الصلاة ثمّ يصلي (2) وأغلب الظن انّ المصلحة الشخصية دفعته إلى تقديم الصلاة على الخطبتين فلما اعترض عليه، اضطر إلى عزو ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليخرج من هذا المأزق.

2. خِطْبَةُ عليّ بنت أبي جهل

أخرج الترمذي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد اللّه بن الزبير؛ انّ عليّاً ذكر بنت أبي جهل، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّما فاطمة بضعة منّي، يوَذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها. (3)

ولكن البخاري نقله في غير واحد من الاَبواب عن مِسْوَر بن مَخْرمة، وإليك صور ما نقله:

1. ما نقله في «باب ما ذكر من درع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » بسند ينتهي إلى ابن شهاب انّ علي بن الحسين (عليهما السلام) حدثه أنّـهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية،بعد مقتل الحسين بن علي «عليهما السلام» ، لقيه المسور بن مخرمة، فقال له: هل لك إليَّ من حاجة تأمرني بها ؟ فقلت له: لا، فقال له: فهل أنت مُعطِيَّ سيف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ فانّي أخاف أن يغلبك القوم عليه، وأيم اللّه لئن أعطيتنيه لا يُخلص إليهم أبداً، حتى تبلغ نفسي.


1 . المغني، ابن قدامة ومعه الشرح الكبير: 2|181.
2 . التذكرة: 4|69.
3 . سنن الترمذي: 5|699 برقم 3869؛ ورواه أحمد في مسنده: 4|5.


(500)

انّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) خطب ابنة أبي جهل على فاطمة(عليها السلام) ،فسمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها، ثمّ ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه.

قال: حدَّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أُحرِّم حلالاً ولا أحلُّ حراماً، ولكن واللّه لا تجتمع بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنت عدو اللّه أبداً. (1)

2. ما أخرجه عن الزهري، قال: حدثني علي بن الحسين (عليهما السلام) : انّ المسور ابن مخرمة، قال: إنّعليّاً خطب بنت أبي جهل، فسمعتْ بذلك فاطمة، فأتت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقالت: يزعم قومك انّك لاتغضب لبناتك، وهذا عليّناكح بنت أبي جهل.

فقام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعتُه حين تشهد، يقول: أمّا بعد، أنكحتُ أبا العاص بن الربيع فحدَّثني وصدقني، وإنّ فاطمة بضعة منّي وإنّي أكره أن يسوأها، واللّه لا تجتمع بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنت عدو اللّه عند رجل واحد. فترك عليّ الخطبة .

و زاد محمد بن عمرو بن حلحلة، عن ابن شهاب، عن علي، عن مسور : سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن.قال: حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي.(2)

3. ما نقله أيضاً مرسلاً وقال: قال المسور: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر صهراً له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن، قال: حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي. (3)


1 . صحيح البخاري: 4|83، باب ما ذكر من درع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
2 . صحيح البخاري: 5|22ـ23، باب ذكر اصهار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
3 . صحيح البخاري: 7|20، باب الشروط في النكاح.


(501)

4. مانقله أيضاً في باب الغيرة، عن المسور بن مخرمة، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول و هو على المنبر :إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثمّ لا آذن، ثمّ لا آذن، إلاّ أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنّما هي بضعة مني يريبني ما أرابها، ويوَذيني ما آذاها. (1)

هذه هي صور أربع لرواية واحدة، وأنت ترى انّ البخاري كيف يلعب بالرواية سنداً و متناً، فتارة يذكره مسنداً إلى مخرمة، وأُخرى ينقله مرسلاً، وثالثة يضم إلى قصة الخطبة قصة أُخرى وهي طلب المسور سيف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأُخرى يجردها عنها.

وأمّا الاختلاف في اللفظ فحدّث عنه ولا حرج، ومع ذلك فالرواية مكذوبة وموضوعة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وضعها الاَمويون في عهدهم للحطّ من شأن عليّ (عليه السلام) ، وإليك بيانها.

أمّا ما رواه الترمذي و أحمد مسنداً إلى ابن أبي مليكة، عن عبد اللّه بن الزبير فلا يصحّ الاحتجاج به لما عرفت من أنّالرجل كان من أعداء عليّ «عليه السلام» ، فلا يمكن الاعتماد على قوله، وقد عرفت شيئاً من عدائه.

وأمّا ما أخرجه البخاري عن المِسْوَر، ففيه وجوه من الاشكال:

الاَوّل: انّ الصلة بين القصتين في الصورة الاَُولى مقطوعة، حيث إنّ ابن مخرمة يطلب سيف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولما يواجه امتناع علي بن الحسين يتبعه بقصة أُخرى ويقول:

إنّ علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل، فأيُّ صلة بين القصتين؟ وان


1 . صحيح البخاري: 7|37، باب ذبّ الرجل عن ابنته في الغيرة والانصاف من كتاب النكاح.


(502)

أتعب ابن حجر نفسه في شرحه على البخاري حتى يوّضح الصلة بينهما. (1)

الثاني : انّ المسور بن مخرمة ولد بمكة بعد الهجرة بعامين وله من العمر عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمان سنين، فكيف يقول في الصورة الاَُولى ممّا نقلها البخاري: فسمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الناس في ذلك على منبره، وانا يومئذٍ محتلم. ولا يطلق على من له ثمان سنين انّه محتلم، بل ولا كالمحتلم؟

فما ذكره الذهبي انّ المسور كان كبيراً محتلماً يوم ذاك فهو غفلة عن سنة مولده، وقد أرّخ هو ميلاده بما ذكرنا. (2)

الثالث : كيف ينقل علي بن الحسين (عليهما السلام) ـ حينما قفل راجعاً من كربلاء إلى المدينة المنورة وقلبه مثقّل بالهموم والمصائب ـ تلك القصة الموهنة التي تحطّ من شخصية جدّه (عليه السلام) ، للزهريّ فهل يقوم بذلك إنسان عادي فضلاً عن علي بن الحسين (عليهما السلام)؟ حتى ولو افترضنا انّه سمعه من المِسْور بن مخرمة.

الرابع: انّ جميع صور الرواية الّتي رواها البخاريّ تنتهي إلى المسور بن مخرمة، الّذي كان منحرفاً عن عليّ، ويشهد على ذلك ما نقله الذهبي.

قال: قدم دمشق بريداً من عثمان يستصرخ بمعاوية.

وقال أيضاً: كانت الخوارج تغشاه وينتحلونه.

وقال أيضاً: قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلاّ صلّى عليه.

وذكر انّ ابن الزبير لا يقطع أمراً دون المسور بمكة. (3)

كلّ ذلك يشهد على أنّه قد نصب العداء لاَمير الموَمنين (عليه السلام) واتخذ عداءه


1 . لاحظ فتح الباري: 6|214 فذكر انّ الصلة هي انّ رسول اللّه كان يحب رفاهية فاطمة فأنا أيضاً احب رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها فعاطني السيف حتى أحفظه لك. وهو كما ترى.
2 . سير أعلام النبلاء: 3|393 برقم 60.
3 . سير أعلام النبلاء:3|390ـ 394 برقم 60.


(503)

بطانة له حتى بلغ به الاَمر إلى انّه لا يذكر معاوية إلاّصلى عليه، و ان الزبير لا يقطع أمراً دونه.

كلمة لاَبي جعفر الاسكافي حول الرواية

وثمةكلمة قيمة لاَبي جعفر الاسكافي، لا بأس بنقلها هنا نقلها ابن أبي الحديد عنه:

قال: إنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (عليه السلام) ، تقتضي الطعنَ فيه والبراءة منه؛ وجعل لهم على ذلك جُعلاً يُرْغَبُ في مثله؛ فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير.

روى الزهريّ أنّعروة بن الزبير حدّثه، قال: حدّثتني عائشة، قالت: كنت عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أقبل العباس وعليّ، فقال: يا عائشة، إنّهذين يموتان على غير ملّتي، أو قال: غير ديني.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان عند الزهريّ حديثان، عن عُروة، عن عائشة في عليّ (عليه السلام) ؛ فسألتُه عنهما يوماً؟ فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما! اللّه أعلم بهما؛ إنّي لاَتهمهما في بني هاشم.

قال: فأمّا الحديث الاَوّل؛ فقد ذكرناه؛ وأمّا الحديث الثاني فهو أنّعُروة زعم أنّعائشة حدثته، قالت: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أقبل العباس وعلي، فقال: «يا عائشة؛ إن سرّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا»، فنظرت، فإذا العباس وعلي بن أبي طالب.

وأمّا عمرو بن العاص، فروي عنه الحديث الذي أخرجه البخاري و مسلم في صحيحيهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)


(504)

يقول: «إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنّما وليّي اللّه وصالح الموَمنين».

وأمّا أبو هريرة، فروي عنه الحديث الذي معناه أنّ علياً (عليه السلام) خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأسخطه، فخطب على المنبر، وقال: لاها اللّه! لا تجتمع ابنة وليّ اللّه وابنة عدو اللّه أبي جهل! إنّفاطمة بضعة منّي يوَذيني ما يوَذيها؛ فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي، وليفعل ما يريد، أو كلاماً هذا معناه، والحديث مشهور من رواية الكرابيسي.

قلت: هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المِسْوَر ابن مخرَمة الزهريّ؛ وقد ذكره المرتضى في كتابه المسمى «تَنزيه الاَنبياء و الاَئمّة»، وذكر أنّه رواية حسين الكرابيسيّ، وأنّه مشهور بالانحراف عن أهل البيت (عليهم السلام) ، وعداوتهم والمناصبة لهم، فلا تقبل روايته.

ولشياع هذا الخبر وانتشاره ذكره مروان بن أبي حفصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، ويذكر فيها ولد فاطمة (عليهم السلام) ويُنحي عليهم، ويذمّهم، وقد بالغ حين ذمّعلياً (عليه السلام) ونال منه، وأوّلها:

سَلامٌ على جُمْلٍ، وهَيْهاتَ من جملِ * ويا حبّذا جملٌ وإن صَرَمَتْ حَبْلي

يقول فيها:

عليّ أبوكم كان أفضلَ منكمُ * أباه ذوُو الشورى وكانوا ذَوِي الفَضْلِ
وساء رسول اللّه إذ ساء بنته * بخِطْبته بنتَ اللعين أبي جهل
فذمَّ رسول اللّه صهر أبيكم * على مِنْبَرٍ بالمنطق الصادع الفصلِ
وحكّم فيها حاكمين أبوكُم * هما خلعاه خَلْعَ ذِي النَّعْل للنعلِ
وقد باعها من بعده الحسنُ ابنُه * فقد أبطلت دعواكمُ الرثةُ الحبلِ
وخلّيتُموها وهي في غير أهلها * وطالبتُموها حين صارت إلى أهلِ


(505)

وقد رُوي هذا الخبر على وجوه مختلفة، وفيه زيادات متفاوتة؛ فمن الناس من يروي فيه: «مهما ذممنا من صهر فإنّا لم نذمّ صهر أبي العاص بن الربيع»، ومن الناس من يروي فيه: «ألا إنّ بني المغيرة أرسلوا إلى علىٍّ ليزوجوه كريمتهم»؛ وغير ذلك. (1)

وفي الختام نقول: إنّ قصارى ما بذله ابن حجر في كتابه فتح الباري (2)

في غير واحد من أجزاء كتابه، لا يخرج عن تبرير عمل علي (عليه السلام) و انّه لم تكن خطبته مخالفة للاِسلام و انّه انتهى عن العمل بعدما وقف على أنّ الزواج ببنت أبي جهل سينتهي إلى إيذاء بضعة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وكان عليه أن يبذل جهوده في تقييم الرواية وعرضها على التاريخ الصحيح في سيرة عليّ (عليه السلام) وقربه من النبي وانّه كان يتبعه اتباع الظل لذي الظل وكان واقفاً على ما يبغض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يرضيه، فهل يتصور منه (عليه السلام) أن يخطب بنت أبي جهل ـ الذي هو من ألد أعداء الاِسلام ـ على فاطمة الزهراء من دون استئذان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

نعم لا نقول إنّتزويج بنت أبي جهل المسلمة كان حراماً، ولكن ليس كل حلال يعمل به، خصوصاً مثل علي (عليه السلام) بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبضعته.

ولعل في هذا البحث غنى وكفاية.

فقد بان من هذا انّ عليّاً (عليه السلام) لم يُغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وها أنا أعرّف لك من أغضب الرسول و آذاه.

فهذا هو رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبي. (3)


1 . شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 4|63 ـ 65
2 . فتح الباري:6|214؛ 7|85؛9|327.
3 . صحيح البخاري: 5|51 في كتاب مناقب قرابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .


(506)

ومن جانب آخر يروي البخاري انّ فاطمة(عليها السلام) ابنة رسول اللّه سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مما أفاء اللّه عليه.

فقال لها أبوبكر: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: لا نُورث ما تركناه صدقة.

فغضبت فاطمة(عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فهجرت أبا بكر فلم تزل بها هاجرته حتى توفيت. (1)

وروى البخاري أيضاً انّ فاطمة (عليها السلام) بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه مما أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما يبقى من خمس خيبر ـ إلى ان قال: ـ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرتْه، فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي ستة أشهر، فلمّا توفيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يوَذن بها أبا بكر، وصلّى عليها. (2)

وروى البخاري أيضاً: انّ فاطمة (عليها السلام) والعباس (عليه السلام) أتيا أبا بكر يلتمسان من ميراثهما من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك و سهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول اللّه يقول: لا نورث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال. قال أبو بكر: واللّه لا أدع أمراً رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يصنعه فيه إلاّ صنعته قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتّى ماتت. (3)

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهيدٌ) ( ق|37).



1 . صحيح البخاري: 4|79، باب فرض الخمس.
2 . صحيح البخاري: 5|139، باب غزوة خيبر ؛ وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه :5|153، كتاب الجهاد، باب قول النبي لا نورث ما تركناه صدقة؛ وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: 1|9.
3 . صحيح البخاري: 8|149، كتاب الفرائض.
Website Security Test