welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(35)

5
تمحيص السنّة النبوية

قد تبيّنت منزلة السنّة النبويّة ومكانتها، فلابدّ من إلفات نظر القارىَ الكريم إلى أنّ تمتعها بهذه الدرجة من الاَهمية، مردّها إلى السنة الواقعية من قول النبي وفعله وتقريره لا كل ما نسب إليه وأثر عنه من دون العلم بصحّة تلك النسبة.

وربما يقال: إنّ السنة النبوية وحي إلهي، فما معنى تمحيص الوحي أوَ يصح لبشر خاطىَ أن يمحِّص الحقّ المحض؟!

ونحن نوافق هذا القائل في أنّ السنة النبوية الواقعية فوق التمحيص ، ولكن النقطة الجديرة بالذكر هي انّ السنّة الواردة، المتبلورة في الصحاح والمسانيد، هي بحاجة إلى التمحيص لفرز صحيحها عن سقيمها، وواقعها عن زائفها، فليس كلّ من ينقل عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بثقة، وعلى فرض كونه ثقة فليس بمصون عن الخطأ والنسيان.

فتمحيص السنة ليس لغاية التشكيك فيها، وإنّما يُطلب من وراء ذلك، إحقاق الحقّ وإبطال الباطل ولا ينبغي إضفاء طابع القداسة والصحة على كتاب غير كتاب اللّه سبحانه، وغيره ـ وإن بلغ من الاِتقان بمكان ـ خاضع للتمحيص والاِمعان والبحث في السند و المتن.

وثمة كلام قيم للاِمام أبي حنيفة بيّن فيه انّ تكذيب الحديث لا يلازم تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما يراد به تكذيب الراوي، قال:


(36)

أُكذِّب هوَلاء ولا يكون تكذيبي لهوَلاء وردِّي عليهم تكذيباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إنّما يكون التكذيب لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول الرجل: أنا مكذب لقول نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . فأما إذا قال الرجل: أنا موَمن بكلّ شيء تكلّم به النبي ، غير انّ النبي لا يتكلم بالجور ولا يخالف القرآن، فانّهذا القول منه هو التصديق بالنبي وبالقرآن وتنزيه له من الخلاف على القرآن، ولو خالف النبي القرآن وتقوّل على اللّه بغير الحقّ، لم يدعه اللّه حتى يأخذه باليمين ويقطع منه الوتين. (1)

وبعبارة أُخرى: اتّفق المسلمون في الكبرى، وهي انّ السنّة النبوية حجّة بلا كلام، ولو كان ثمة نقاش فإنّما هو في الصغرى، أي أنّ هذا الحديث المنقول إلينا هل هو من كلام الرسول أو لا، فالتمحيص ناظر إلى السنة الحاكية التي تتداولها الاَلسن خلف عن سلف.

وأمّا السنّة الواقعية المحكية القائمة بنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يتردد أيّ ذي مسكة في حجيتها، فالتشكيك فيها إلحاد وكفر بالرسالة بلا ريب، وموجب للخروج عن الدين وليس التمحيص بالمعنى الذي ذكرناه بأمر غريب فانّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي أخبر عن وجود الكذّابة في عصره كما سيوافيك.

التمحيص ، لماذا؟

إنّ هناك أسباباً كثيرة تبعث الباحث إلى التمحيص ونقد الحديث النبوي بالمعنى الذي مرّ، نشير إلى بعضها.

السبب الاَوّل: رواج الكذب على رسول اللّه

(صلى الله عليه وآله وسلم)

قد راج الكذب على لسان رسول اللّه في حياته وبعد رحيله، وقد تنبّأ به


1 . الاِمام أبو حنيفة، العالم والمتعلم: 100.


(37)

في حديث متضافر أو متواتر وقال: «من تعمّد عليّكذباً فليتبوأ مقعده من النار».

وهذا ليس أمراً مستغرباً، فإذا استقرأ الباحث تاريخ الحديث وتدوينه وانتشاره يتضح له بسهولة وجود أرضية خصبة لجعل الحديث على لسان رسول الاِسلام ، وذلك لاَنّ حديثاً لم يهتمّ بكتابته طوال قرن ونصف، كيف يكون حاله مع أعدائه الذين كانوا له بالمرصاد، وكانوا يكذبون عليه بما يقدرون، وينشرون كلّ غث وسمين باسم الدين وباسم الرسول؟! نحن لا ننكر انّ العلماء والمحدثين قاموا بواجبهم الديني تجاه السنة النبوية وكابدوا وتحملوا المشاق في تمحيص السنة الواقعية عما ألصق بها، لكن التمحيص الحقيقي من أشق الاَُمور بعد هذه الحيلولة الطويلة.

وكلما بعد الناس من عصر الرسول ازداد عدد الاَحاديث حتى أنّ الاِمام البخاري أخرج صحيحه عن ستمائة ألف حديث . (1)

وانّ أبا داود قد أورد في سننه أربعة آلاف وثمانمائة حديث وقال: انتخبته من 500 ألف حديث. (2)

كما انّ مسلم أورد في صحيحه أربعة آلاف حديث مع حذف المكررات انتخبها من 300 ألف حديث. (3) ذكر الاِمام أحمد بن حنبل في مسنده قرابة ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة ألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث. (4) ولاَجل ذلك نرى أنّ قمة هرم الاَحاديث تتصل بزمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقاعدة ذلك الهرم تنتهي إلى القرون المتأخرة، فكلما قربنا من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 . إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: 1|29.
2 . سنن أبي داود، قسم المقدمة:10.
3 . تذكرة الحفاظ للذهبي: 2|589.
4 . تذكرة الحفاظ:2|431 برقم 438.


(38)

نجد قلة الحديث عنه والعكس بالعكس، وهذا يعرب عن أنّالاَحاديث عالت حسب وضع الوضاعين وكذب الكذابين.

إنّ ظاهرة التمحيص لم تكن أمراً متأخراً عن عصر الصحابة بل نجد جذورها في عصرهم، مثلاً.

لقد شاع بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مسألة إمكان روَية اللّه، وانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رآه في معراجه حتى انّ مسروقاً، سأل عائشة عن هذه المسألة عند ما سمع قولها: ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ، فقد أعظم على اللّه الفرية.

قال مسروق: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: يا أُمّ الموَمنين: انظريني ولا تعجليني، ألم يقل اللّه عزّ وجلّ: (وَلَقَدْرآهُ بِالاَُفُقِ المُبين) (التكوير|23)، (ولَقد رآه نَزْلَة أُخرى) (النجم|13) . فقالت: أنا أوّل هذه الاَُمّة سأل عن ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: إنّما هو جبرئيل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء سادّاً عظمُ خلقه ما بين السماء إلى الاَرض.

فقالت: أو لم تسمع انّ اللّه يقول:( لا تُدْرِكُهُ الاََبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاََبصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير ) (الاَنعام|103) أو لم تسمع انّ اللّه يقول:(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمهُ اللّهُ إِلاّوَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فيُوحِىَ بإذنهِ ما يَشاءُ انّهُ عَليٌّ حَكيمٌ) (الشورى|51)، قالت: و من زعم ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتم شيئاًمن كتاب اللّه، فقد أعظم على اللّه الفرية، واللّه يقول: (يا أَيُّها الرََّّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَوَإِنْ لَمْ تَفْعَلْفَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ)(المائدة|67) قالت: ومن زعم انّه يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على اللّه الفرية، واللّه يقول:(قُل لا يعلم من في السماوات والاََرض الغيب إلاّ اللّه)(النمل|65). (1)


1 . صحيح مسلم:1|110، باب معنى قول اللّه عزّ وجلّ: (وَلَقَدْرَآهُ نَزْلَة أُخرى) .وفي استنتاج نفي علم الغيب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالآية تأمل واضح.


(39)

فالكذب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الاَسباب للزوم إعمال التمحيص في السنّة الحاكية من دون أي نقاش وجدل في السنة المحكية، فانّ النقاش فيها كفر وإلحاد.

السبب الثاني: فسح المجال للاَحبار والرهبان

لقد مني الاِسلام والمسلمون من جرّاء حظر تدوين الحديث و نشره بخسائر فادحة، حيث أوجد الحظر أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية وسخافات مسيحية وأساطير مجوسية من جانب علمائهم، فقد افتعلوا أحاديث كثيرة وبثّوها بين المسلمين كحقائق راهنة وتلقاها السُذَّج من المحدثين بالقبول.

يقول الشهرستاني: زادت المشبهة في الاَخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع. (1)

يقول ابن خلدون عند البحث في التفسير النقلي وانّه يشتمل على الغث والسمين والمردود: إنّ السبب في ذلك انّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والاَُمية، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوق إليه النفوسُ البشرية في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم وهم أهل التوراة من اليهود و من تبع دينهم من النصارى ... مثل كعب الاَحبار ووهب بن منبه وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم فامتلاَت التفاسير من المنقولات عندهم ... وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملاَوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة ... . (2)


1 . الملل والنحل، للشهرستاني: 1|106.
2 . مقدمة ابن خلدون: 439.


(40)

يقول ابن الجوزي: إنّ عبد الكريم كان ربيباً لحماد بن سلمة، وقد دسَّ في كتب حماد بن سلمة. (1)

ولا عجب بعد ذلك إذا رأينا انّ المحدّثين يروون باسنادهم عن حماد، عن قتادة، عن عكرمة ،عن ابن عباس مرفوعاً: «رأيت ربّي جعداً أمرد عليه حلّة خضراء» و في رواية أُخرى:«انّمحمّداً رأى ربّه في صورة شاب أمرد دون ستر ، من لوَلوَ قدميه أو رجليه في خضرة». (2)

وهذه الاَساطير المزخرفة من مفتعلات الزنادقة أمثال ابن أبي العوجاء، فقد دسّوها في كتب المحدثين .

قال ابن الجوزي: ولما لم يُمكَّن أحدٌ منهم أن يُدخل في القرآن ما ليس منه أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وينقصون ويبدلون ويضعون عليه ما لم يقل (3).

السبب الثالث: التجارة بالحديث

إنّ في تاريخ الحديث الاِسلامي أُناساً عُرفوا بالوضع والكذب، وكانت الغاية من بث هذه الاَحاديث، هو الطمع بالدنيا والازدلاف إلى أهلها و الانتصار للاَهواء والعقائد المدخولة، وقد جمع العلاّمة الاَميني سبعمائة رجل من هذه الزمرة كانوا يكذبون على رسول اللّه لهذه الغاية أو لغايات أُخرى. (4) وإليك بعض النماذج:


1 . ابن الجوزي: الموضوعات: 1|37، طبع بيروت.
2 . ميزان الاعتدال: 1|593.
3 . ابن الجوزي: الموضوعات: 1|31.
4 . الغدير: 5|275.


(41)

1. أخرج الحافظ عبد الرحمان بن الجوزي عن أحمد بن زهير: سمعت أبي يقول: قُدم على المهدي بعشرة محدثين فيهم «غياث بن إبراهيم» و كان المهدي يحب الحمام، فقال لغيات: حدّث أمير الموَمنين، فحدّثه بحديث أبي هريرة: «لا سبق إلاّفي خفّ أو حافر أونصل، وزاد فيه: أو جناح، فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم.

فلما قام ، قال المهدي: أشهد أنّ قفاك قفا كذّاب على رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ،وإنّما استجلبت ذلك أنا، وأمر بالحمام فذبحت. (1)

2. نقل ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر: روي أنّمعاوية بذل لسمرة ابن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي انّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قُولُهُ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصام* وَاذا تَولّى سَعى فِي الاََرْضِ لِيُفسِدَ فِيها وَيُهلِكَ الحَرثَ وَالنَّسْلَ واللّهُ لا يُحِبُّ الفَساد)، وانّالآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّه) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف، فقبل وروى ذلك. (2)

أخرج ابن الجوزي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ انّه قال: لا يصح عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء.

وأخرج أيضاً عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل انّه قال: سألت أبي فقلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثمّ قال: «إيش» أقول فيهما؟ انّ عليّاً «عليه السلام» كان كثير الاَعداء، ففتش أعداوَه له عيباً، فلم يجدوا فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله


1 . الموضوعات:3|78، باب السبق بالحمام.
2 . ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 4|73.


(42)

فأطروه كياداً منهم له. (1)

أخرج مسلم في صحيحه، عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، عن أبيه، قال: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.

قال ابن أبي عتّاب: فلقيت أنا محمّد بن يحيى بن سعيد القطّان فسألته عنه، فقال عن أبيه: لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث.

قال مسلم: يقول يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب. (2)

وكم في ثنايا التاريخ والسير شواهد على المقام وقد اقتصرنا على ما ذكر، لاَنّ الغرض هو الايعاز، لا التبسّط، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مظانه. (3)

السبب الرابع: وضع الحديث لنصرة المذهب

انتشرت ظاهرة الجعل بين طائفة عرفوا بالزهد و الورع، وصاروا يتقربون به إلى اللّه سبحانه إذا كان في الكذب نصرة للمذهب، وقد مرّ قول يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. (4)

وقال القرطبي: لا التفات لما وضعه الواضعون واختلقه المختلقون من الاَحاديث الكاذبة والاَخبار الباطلة في فضل سور القرآن وغير ذلك من فضائل الاَعمال وقد ارتكبها جماعة كثيرة فوضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الاَعمال، كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد اللّه الجويباري وغيرهم، قيل لاَبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟ فقال: إنّي


1 . الموضوعات:2|24.
2 . صحيح مسلم: 1|13ـ14، المقدمة.
3 . انظر الغدير: 5|208ـ 378 تجد في طياته شواهد.
4 . مرّ مصدره ولاحظ أيضاً تاريخ بغداد: 2|98.


(43)

رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة. (1)

وثمة أُناس افتعلوا أكاذيب على لسان رسول اللّه في مناقب أئمّتهم، فهناك مناقب حيكت في حق أبي حنيفة. (2)

كما أنّ هناك جماعة حاكوا مناقب لاَئمّة آخرين، فذكروا في حقّ الاِمام الشافعي انّ رسول اللّه، قال: عالم قريش يملىَ طباق الاَرض علماً. وحملوه على محمد ابن إدريس امام الشافعية. (3)

وأتت المالكية بروايات موضوعة على لسان رسول اللّه، قالوا: انّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: يكاد الناس يضربون أكباد الاِبل، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة، وطبقوه على مالك بن أنس. (4)

وللحنابلة هناك روايات حول إمامهم أخرجها ابن الجوزي في مناقب أحمد فلاحظ. (5)

وكأنّالنبي تنبأ بأنّ الاَُمّة الاِسلامية ستفترق إلى مذاهب أربعة فقهية في ثالث القرون وبعدها، فأخذ بتعريفهم وتبجيلهم، مع أنّ في الاَُمّة الاِسلامية من هم، أعلم منهم وأبصر بالكتاب و السنّة.

وربما تدفع العصبية أصحابها إلى وضع حديث في حقّ إمام مذهبهم وإطرائه والحط من شأن إمام مذهب آخر، فروي عن أبي هريرة انّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يكون في أُمّتي رجل يقال له محمد بن إدريس (الاِمام الشافعي)أضرّ على أُمّتي من إبليس، ويكون في أُمّتي رجل يقال له أبو حنيفة هو


1 . القرطبي، التذكار: 155.
2 . انظر تاريخ بغداد: 2|289.
3 . ابن الحوت، أسنى المطالب: 14.
4 . ابن الحوت، أسنى المطالب: 14.
5 . مناقب أحمد: 455.


(44)

سراج أُمّتي، هو سراج أُمّتي. (1)

فلنختم المقال بنقل ما ذكره القاضي عياض حول أسباب الوضع :

أسباب أُخرى للوضع

أمّا أسباب الوضع فكثيرة، وقد ذكر قسماًمنها النووي في شرح صحيح مسلم نقله عن القاضي عياض، وإليك نصه:

الكذابون ضربان: أحدهما ضرب عرفوا بالكذب في حديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم أنواع:

منهم: من يضع عليه ما لم يقله أصلاً إمّا ترفعاً واستخفافاً كالزنادقة وأشباههم ممن لم يرج للدين وقاراً، وإمّا حسبة بزعمهم وتديناً كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الاَحاديث في الفضائل والرغائب، وامّا إغراباً وسمعة كفسقة المحدّثين، وإمّا تعصباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب، وإمّا اتّباعاً لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه وطلب العذر لهم فيما أتوه. وقد تعيّن جماعة من كلّطبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال.

ومنهم: من لا يضع متن الحديث، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً.

ومنهم: من يقلب الاَسانيد أو يزيد فيها ويعتمد ذلك إمّا للاِعراب على غيره، وإمّا لرفع الجهالة عن نفسه.

ومنهم: من يكذب فيدّعي سماع مالم يسمع، ولقاء من لم يلق، ويحدّث بأحاديثهم الصحيحة عنهم.

ومنهم: من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم وحِكَم العرب والحكماء


1 . الموضوعات:2|48.


(45)

فينسبها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)

هذه الاَسباب الاَربعة وغيرها تبعث الباحث إلى إعمال التمحيص والنظر في كلّ ما روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعزي إليه، وعدم الاقتناع بتسمية كتاب صحيحاً والتقوّل بأنّه أصحّ الكتب بعد القرآن.

فلنقتصر على هذه الاَسباب ونترك سائر الاَسباب إلى مجال آخر.

6
طرق التمحيص

إذا وقفت على ضرورة إعمال التمحيص في السنّة المنسوبة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلندرس طرقه.

إنّ الطريق الواضح الدارج بين الباحثين في السنّة النبوية هي دراستها على ضوء أسانيد الحديث، فإذا صحّ السند وكان جامعاً للضوابط المقررة في علم الدراية استقبلوه برحابة صدر ويصفونه بالصحيح.

وقد اتّفق المحدّثون على أنّ الاِمام البخاري و مسلم ألّفا صحيحيهما على ذلك الغرار، فلم يخرجا إلاّ الحديث الصحيح على اختلاف طفيف بين البخاري ومسلم في الشروط التي قرّراها للصحّة، حكى ابن الجوزي عن الحاكم النيسابوري: انّ الاَحاديث على ستة أقسام: القسم الاَوّل: ما اتّفق على صحّته وكان أبو عبد اللّه البخاري أوّل من [خرّجج من الصحاح ثمّتبعه مسلم، وكان


1 . شرح صحيح مسلم للنووي، نقله عن القاضي عياض كما في تاريخ التشريع الاِسلامي للشيخ محمد الخضري: 100، 101.


(46)

مرادهما، الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول اللّه ولذلك الصحابي راويان ثقتان عنه، ثمّ يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان عنه،ثمّ يرويه عنه من أتباع التابعين، الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقاة، ثمّ يكون شيخ البخاري حافظاً متقناً، فهذه الدرجة العليا.(1)

ولكن الاقتصار في وصف الحديث بالصحّة على وثاقة الراوي وتعاصره مع المرويّ عنه وثبوت نقله عنه، لا يكفي في الركون إليه بل يُشترط فيه وراء عدالة الراوي واتصال السند وضبط الراوي أمر آخر وهو عدم الشذوذ، وإن شئت قلت عدم الاشتمال على العلة القادحة وإلاّفلا يسمن ولا يغني من جوع.

والعجب انّ أكثر المحدّثين التزموا بالشروط الثلاثة الاَُولى ولم يلتزموا بالشرط الرابع مع أنّ الشذوذ والعلة في المضمون يوَدي إلى عدم الوثوق بالحديث وإن صحّ السند. وسيوافيك انّ المنهج الذي نهجناه في مجال التمحيص من شُعَب هذا الشرط، فتربّص حتى حين .

يقول الاِمام أحمد: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا سمعتم الحديث عنّي، تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون انّه منكم قريب، فأنا أولاكم به؛ وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون انّه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه. (2)

فعلى الباحث رعاية جميع الشروط المقررة للصحّة في الحديث، إذ الاقتصار على عدالة الراوي وتعاصره وضبطه لا يورث الاطمئنان والوثوق بالحديث إذا كان المضمون شاذاً ومشتملاً على العلة.

يقول الحافظ الحاكم النيسابوري: وإنّما يُعلّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فانّ حديث المجروح ساقط واه، وعلّة الحديث، يكثر في


1 . الموضوعات: 1|32،وقد علّق محقق الكتاب على المنقول بشيء، فلاحظ.
2 . مسند أحمد: 5|425.


(47)

أحاديث الثقات ان يحدِّثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولاً، والحجّة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير...». (1)

وقال الحافظ ابن الجوزي في «دفع شبه التشبيه»: اعلم انّ للاَحاديث دقائق وآفات لا يعرفها إلاّ العلماء الفقهاء، تارة في نظمها وتارة في كشف معناها.(2)

وعلى كلّ تقدير فقد دعت هذه الاَسباب ونظائرها كثيراً من المحقّقين إلى تمحيص السنة النبوية بطرق خاصة يجمعها دراسة السند إرسالاً واسناداً، صحة وضعفاً، وهناك ألوان للتأليف في هذا المضمار:

أ . جمع الاَخبار الضعاف والموضوعات

قد قام غير واحد من الباحثين بالتأليف على هذا النمط نذكر منهم ما يلي:

1. «الموضوعات» لموَلفه أبي الفرج عبد الرحمان بن علي بن محمد الجوزي(510 ـ 597هـ)طبع مرّتين في ثلاثة أجزاء.

قال ابن الحوزي: لما لم يتمكّن أحد أن يدخل في القرآن ما ليس منه، أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول اللّه، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ اللّه علماء يذبّون عن النقل، ويوضّحون الصحيح،ويفضحون القبيح، وما يخلي اللّه منهم عصراً من الاَعصار، غير انّ هذا الضرب قد قلّ في هذا الزمان فصار أعز من عنقاء مغرب.

وقد كانــوا إذا عُـدُّوا قليـــلاً * فقد صاروا أعزّ من القليل (3)

2. المقاصد الحسنة في كثير من الاَحاديث المشتهرة على الاَلسنة: للشيخ أبي


1 . الحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث: 112.
2 . ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه: 143.
3 . لاحظ سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة:1|6.


(48)

عبد اللّه محمد بن عبد الرحمان السخاوي(المتوفّى سنة 902هـ) رتّبه على حروف أوائل الاَحاديث.

3. اللآلىَ المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة: للاِمام جلال الدين عبد الرحمان السيوطي(848 ـ 911 هـ) وقد طبع في جزءين.

يقول في مقدمته: إنّ من مهمات الدين التنبيه على ما وضع من الحديث واختلق على سيّد المرسلينص وصحابته أجمعين، إلى أن قال: ثمّ بدا لي في هذه السنة وهي سنة 905 استئناف التعقبات على وجه مبسوط ،وإلحاق موضوعات كثيرة فاتت أبا الفرج فلم يذكرها. (1)

4. تمييز الطيب من الخبيث مما يدور على ألسنة الناس من الحديث: لعبد الرحمان بن علي الشيباني الشافعي(866 ـ 944هـ) المعروف بالدِّيبع(بكسر الدال وسكون الياء و فتح الباء)ذكر انّه رأى المقاصد كتاباً حسناً لكنّه بالغ في تطويله فجرّده و تتبع في جميع ما ذكره من التصحيح والتمريض وترك من وراءه وجعله على الحروف أيضاً وزاد فيه زيادات مميزة، بقلت.

5. سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة: تأليف محمد ناصر الدين الالباني المعاصر في خمسة أجزاء، كل جزء يشتمل على خمسمائة حديث تكلم على أسانيدها ويحكم عليها بالضعف أو النكارة أو الوضع أو البطلان، وأحاديث تلك الاَجزاء هي أحاديث الجامع الصغير للاِمام السيوطي قام بتغيير ترتيبها والكلام على أسانيدها ونقل كلام العلماء في ذلك، والعجب انّه قد تناقض في كلامه عليها.

وممّا يوَسف له أنّ الالباني ليس منصفاً في قضائه حيث يميل إلى القول بالتجسيم وإنكار فضائل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ويظهر ذلك بوضوح من خلال كتابه هذا.


1 . اللآلىَ المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة: 1|2ـ3، طبع دار المعرفة، بيروت.
Website Security Test