welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(353)

19. النبي يوَذي ويجلد ويسبّ ويلعن من لا يستحق

أخرج البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة انّه سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: فأي موَمن سببُته فاجعل ذلك قربة إليك يوم القيامة. (1)

وأخرج مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» :

اللّهمّ إنّما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أولعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة.

وفي رواية أُخرى: فإنّما أنا بشر فأيّ الموَمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة. (2)

وقد أخرجها مسلم بطرق كثيرة.

كما أخرجها أيضاً في صحيحه عن أبي سفيان عن جابر. (3)

وموردها لا يخلو عن صورتين:

الاَُولى: أن يصدر السب واللعن والجلد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مبرّر شرعي كما إذا قامت البينة على استحقاق شخص للّعن والسبّ والجلد ولكن كانت البينة كاذبة فعند ذلك يرجع التقصير إلى البينة لا إلى النبي الاَعظم حتى يسأل الرب بجعله له زكاة ـ مضافاً ـ إلى أنّ هذه الصورة لا تناسب صدر الرواية على بعض صورها، لاَنّه يقول : اللّهمّ إنّما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، ومعناه انّه ربما يستفزّه الغضب إلى جلد من لا يستحق الجلد، بلا مبرّر شرعي، وهكذا الحال في اللعن والسب.

الثانية: أن يصدر كلّ ذلك بلا مبرّر شرعي كما هو الظاهر من قوله: «إنّما


1 . صحيح البخاري: 8|77، باب قول النبي من آذيته فاجعله له زكاة رحمة من كتاب الدعوات.
2 . صحيح مسلم:8|25، باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك.
3 . صحيح مسلم:8|25، باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه.


(354)

محمد بشر يغضب» فتعرَّف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه إنسان عادي ربما يغضب بلا مبرّر ويلعن ويسب كذلك، وعندئذ تكون الرواية مردودة لوجوه:

1. لو صحّ الفرض يكون النبي عندئذٍ عاصياً في فعله غير معصوم من الذنب في هذه الحالة، ومرتكباً (العياذ باللّه) للقبيح وخارجاً عن طاعة اللّه سبحانه، فهل يجوز لمسلم أن ينسب إليه تلك الفرية الشائنة؟

كيف وهو أفضل الخليقة وأشرف أنبياء اللّه ورسله الذين وصفهم اللّه سبحانه بقوله:(غَيْرِ المَغْضُوبِعَلَيْهِمْ وَلا الضّالّين) ، (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءِ والصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً)(النساء|69).

2. كيف تصف الرواية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه بشر يغضب كما يغضب البشر مع أنّ المروي عن طريق عبد اللّه بن عمرو خلافه.

روى عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّشيء أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُريد حفظه فنهتني قريش وقالوا:

أتكتب كلّ شيء تسمعه، ورسول اللّه يتكلم في الرضا والغضب، فأمسكت عن الكتابة، وذكرت ذلك لرسول اللّه، فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج عنه إلاّ حقّ.

وفي رواية أُخرى: قلت: يا رسول اللّه أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإنّي لا أقول في ذلك كلّه إلاّحقّاً. (1)

3. كيف يسبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يلعن أو يجلد أو يوَذي، وقد قال سبحانه:(وَالَّذِينَ يُوَْذُونَ المُوَْمِنِينَ وَالمُوَْمِناتِ بِغَيِْر مَااكْتَسَبُوا فَقَد احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الاَحزاب|58).


1 . مختصر جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، باب الرخصة من كتاب العلم، ص 36.


(355)

كيف يمكن وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما جاء في هذه الرواية من أنّه ربما يشتم ويسبَّ وهو القائل: «سباب الموَمن فسوق». (1)

والروايات في ذم السب و اللعن بغير مبرر كثيرة.

ولعلّ السبب من وضع هذا الحديث هو التقرب إلى آل أبي عاص و سائر بني أُمية حتى يتدارك بذلك ما ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من لعنهم وسبّهم كما في قوله تعالى:(وَما جَعَلْنَا الرُوَْيَا الّتِي أَرَيْناكَ إِلاّفِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّطُغْياناً كَبِيراً)(الاسراء|60).

والشجرة الملعونة هي الاَُسرة الاَموية أخبره اللّه تعالى بتقلبهم على الحكم وقتلهم ذريته، وعيثهم في أُمته، فما روَي النبيمستجمعاً ضاحكاً حتى توفي كما رواه الحاكم في مستدركه. (2)

فعند ذلك صار بنو أمية وبنو العاص كلّهم ملعونين إلاّمن ثبت إيمانه وقد أخرج الحاكم انّ الحكم بن أبي العاص استأذن عليه مرّة فعرف (صلى الله عليه وآله وسلم) صوته وكلامه، وقال: ائذنوا له، عليه لعنة اللّه وعلى من يخرج من صلبه إلاّ الموَمن منهم. (3)

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا بلغ بنو أُمية أربعين، اتخذوا عباد اللّه خولاً، و مال اللّه نحلاً، وكتاب اللّه دغلاً. (4)

وكان لا يولد لاَحد مولود إلاّ أُوتي به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فدعا له، فأُدخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون. (5)



1 . صحيح مسلم: 1|58، باب قول النبي :سباب المسلم فسوق.
2 . المستدرك:4|480، كتاب الفتن والملاحم.
3 . الحاكم، المستدرك:4|481، كتاب الفتن والملاحم.
4 . الحاكم، المستدرك:4|479، كتاب الفتن والملاحم.
5 . الحاكم، المستدرك:4|479، كتاب الفتن والملاحم.


(356)

إلى غير ذلك من الروايات الصادرة في العهد النبوي عنهص حيث يلعن فيها النبي طائفة ، فأراد أبو هريرة بوضع هذا الحديث التقرب إليهم.

20. التلاعب بحديث بدء الدعوة

أخرج البخاري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، انّ أبا هريرة قال:

قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أنزل اللّه عزّ وجلّ: (وَأَنْذِرْ عََشيرَتَكَ الاََقْرَبِين) (الشعراء|214) ، قال: يا معشر قريش ـ أو كلمة نحوها ـ اشتروا أنفسكم لا أُغني عنكم من اللّه شيئاً، يا بني عبد مناف لا أُغني عنكم من اللّه شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللّه شيئاً، ويا عمة رسول اللّه لا أغني عنك من اللّه شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مال لا أغني عنك من اللّه شيئاً. (1)

نلفت نظر القارىَ الكريم إلى أُمور:

الاَوّل: انّ الآية نزلت في السّنة الثالثة من البعثة في مكة المكرمة أي قبل 17 عاماً من إسلام أبي هريرة.

فكيف هو يقول: قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أنزل اللّه عزّ وجلّ:(وَأَنْذِرْ عَشيرتَكَ الاََقْربين) وهل هذا إلاّ تدليس حيث يشهد على الروَية والسماع ولم يكن واحد منهما ؟ ولذلك قالوا: إنّأبا هريرة كان يدلس.

الثاني: الظاهر ممّا رواه الطبري وغيره انّ المدعوين كانوا رجال البيت الهاشمي ولم يشارك فيها أحد من النساء، فقد بلغ عدد القوم إلى 45 رجلاً، فكيف يخاطب النبي عمته صفية وبنته فاطمة (عليها السلام)؟!

الثالث: انّالمشهور انّ فاطمة(عليها السلام) قد ولدت في العام الخامس من البعثة وقد


1 . صحيح البخاري:4|6و7 باب هل يدخل النساء والولد في الاَقارب من كتاب الوصايا.


(357)

كان بدء الدعوة في العام الثالث في مكة المكرمة فكيف يخاطب اِبنته التي لم تولد. ولو افترضنا أنّها ولدت قبل ذلك العام فلم تكن في بدء الدعوة على مبلغ النساء الكبار حتى تخاطب بما جاء في الرواية،وقد تزوجت بعليّ (عليه السلام) في العام الثاني للهجرة أي بعد اثنتي عشرة سنة من قصة بدء الدعوة، فكيف تكون آنذاك على مبلغ النساء الكبار صالحة له لتلقي الخطاب الوارد فيه؟!

الرابع: انّالخطاب المناسب لبدء الدعوة هو الدعوة إلى توحيده سبحانه ورسالته وإلى الاعتقاد بيوم المعاد ليدخلهم في حضيرة الاِيمان، والقوم بعدُ غير موَمنين بتوحيده وجزائه، فكيف يخاطب واحداً بعد واحد بأنّي لا أغني عنكم من اللّه شيئاً؟ فإنّ هذا الخطاب يناسب دعوة الموَمنين الذين آمنوا باللّه ورسله.

الخامس: انّ أبا هريرة تصرف بالرواية فلم يذكر ما هو الواقع المهمّ في تلك الحادثة، وقد نقل المحدّثون والموَرخون ما خطبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الحشد العظيم الذي كان يشكِّل معظم رجال بني هاشم، فقال: مخاطباً إياهم بقوله: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، واللّه الذي لا إله إلاّهو انّي رسول اللّه إليكم خاصة وإلى الناس عامة، واللّه لتموتُنَّ كما تنامون، و لتبعثُنَّ كما تستيقظون، ولتحاسبُنَّ بما تعملون، وانّها الجنَّة أبداً والنار أبداً».

ثمّ قال:

«يا بني عبد المطلب انّي واللّهما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، انّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه عزّوجلّ أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَمن بي ويوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟

ولما بلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه ـ أمسك القوم وسكتوا عن آخرهم إذ كان واحد منهم يفكِّر في ما يوَول إليه هذا الاَمر العظيم، وما يكتنفه من أخطار ـ قام علي (عليه السلام)


(358)

فجأة وهو آنذاك في الثالثة أو الخامسة عشرة من عمره، وقال وهو يكسر بكلماته الشجاعة جدار الصمت والذهول:

أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك على ما بعثك اللّه.

فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): اجلس، ثمّكرّر دعوته ثانية وثالثة، وفي كلّمرّة يحجم القوم عن تلبية مطلبه، ويقوم علي و يُعلن عن استعداده لموَازرة النبي، ويأمره رسول اللّه بالجلوس، حتى إذا كان في المرة الثالثة أخذ رسول اللّه بيده والتفت إلى الحاضرين من عشيرته الاَقربين وقال:«إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم (أو عليكم) فاسمعوا له، وأطيعوا».

فقام القوم يضحكون، ويقولون لاَبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع وجعله عليك أميراً. (1)

ترى أنّ أبا هريرة أسقط ما هو المهم في تلك الواقعة من إضافة الوصاية والوزارة لعلي في بدء الدعوة، وقد أعرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الاِمامة والنبوة توأمان لا يتخلفان بمعنى أنّ لكل نبي خليفة.

21. إيقاع الفعل في وقت لا يسعه

أخرج البخاري عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال:

خُفِّفَ على داود القراءة، فكان يأمر بدابته لتُسرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني القرآن. (2)

وفي الحديث إشكالان واضحان:


1 . تاريخ الطبري: 2|62 و63؛ تاريخ الكامل:2|40 و41؛ مسند أحمد:1|111 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:13|210 و211؛ وغيرها من المصادر المتوفرة.
2 . صحيح البخاري:6|85، باب تفسير سورة الاِسراء من كتاب التفسير.


(359)

الاَوّل:إنّما نزل الزبور على داود والقرآن على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قال سبحانه:(وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (الاِسراء|55) وقال سبحانه: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا القُرآن لاَُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ) (الاَنعام|19).

فكيف يقرأ داود ما لم ينزل عليه؟ اللّهم إلاّإذا أُريد من القرآن زبوره، لكنّه على خلاف الظاهر.

والثاني: كيف يمكن قراءة القرآن أو الزبور في وقت لا يسعه؟ فانّ إمكان إيقاع الفعل في زمان يسعه شرط عقلي لا مناص عنه، فكما يمتنع وضع الدنيا في البيضة، فهكذا يمتنع قراءة ما يستغرق زمناً طويلاً في مدة قصيرة مهما عجّل في القراءة.

22. أُمّة مُسخت فأراً

أخرج مسلم في صحيحه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):

فُقدت أُمّة من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلت ولا أراها إلاّ الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الاِبل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته.

قال أبو هريرة فحدثت هذا الحديث كعباً، فقال: أنت سمعته من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

قلت: نعم، قال: ذلك مراراً.

قلتُ: أ فأقرأ التوراة، قال إسحاق في روايته لا ندري ما فعلتْ. (1)


1 . صحيح مسلم: 8|226، باب في الفار و انّه مسخ؛ وأخرجه أيضاً البخاري في 4|128، في باب، خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال من كتاب بدء الخلق والاستفهام في قوله: أفأقرأ التوراة، استفهام انكار أي لا علم عندي إلاّما سمعت من النبي (عليه السلام) .


(360)

أقول: إنّ نبي العظمة لا يتكلم إلاّعن وحي فما جاء في الرواية من الاستدلال يخالف ذلك الاَصل بالكلية، وذلك لاَنّ حصيلة الاستدلال هو انّ تلك الاَُمّة المفقودة مُسخت فأراً بشهادة اشتراك الفأر مع الاِنسان في خصيصة، وهي إذا وضع بين يدي الفأر لبن الشاة فتشربه وإذا وضع بين يديها لبن الاِبل فلا تشربه.

وهذا النوع من الاستدلال لا يركن إليه إلاّ الاِنسان المغفّل.

أوّلاً: انّ لازم ذلك انّه لم يكن للفأر أي وجود قبل مسخ هذه الاَُمّة وإنّما خلقه سبحانه حينما مسخت تلك الاَُمّة، ولو قيل بوجودها قبله لبطل الاستدلال من رأس.

وثانياً: انّه لا مانع من أن يكون بين الاِنسان وبعض أصناف الحيوان وجه اشتراك في بعض الاَُمور، فلا يدل ذلك على اشتقاق أحدهما من الآخر.

ولعمري انّ الجبين يندى من هذه الخرافة التي تسرّبت إلى كتب الحديث.

23. أبو طالب أبى النطق بالشهادتين عند الموت

أخرج مسلم عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الاَشجعي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمه:

قل لا إله إلاّاللّه أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تُعيِّرني قريش، يقولون: إنّما حمله على ذلك الجزع لاَقررت بها عينك، فأنزل اللّه: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاء) (القصص|56).

وأخرج أيضاً عن يزيد بن كيسان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمِّه عند الموت:


(361)

قل لا إله إلاّاللّه أشهد لك بها يوم القيامة، فأبى فأنزل اللّه: (إنّك لا تَهدي مَنْ أَحْبَبْت) . (1)

أقول: إنّ ذلك الحديث ممّا تكذّبه القرائن الكثيرة الدالة على إسلام أبي طالب ويمكن أن نلخصها في ثلاثة طرق:

1. دراسة ما خلّف من الآثار العلمية و الاَدبية.

2. الاَُسلوب العملي الذي نهجه في المجتمع.

3. آراء أقربائه وأصحابه.

ونحن نستطيع إثبات إيمان أبي طالب من خلال هذه الطرق.

فإنّ الاَشعار (2) والخطب التي خلّفها أبو طالب تدل بجلاء لا لبس فيه على إيمانه وإخلاصه.

كما انّسيرته العملية وسلوكه المتميز في السنين العشر الاَخيرة من عمره خير شاهد على إيمانه العميق وصلته الوثيقة باللّه سبحانه.

وكم له من المواقف الجليلة مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

فانّإيمانه بابن أخيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عميقاً إلى درجة انّه أخذه إلى المصلّى واستسقى به، مُقسماً به على اللّه تعالى أن يكشف العذاب عن قومه، ويرسل رحمته عليهم فاستجاب اللّه دعاءه وأنزل عليهم غيثاً وافراً ممرعاً، بقيت قصته في ذاكرة التاريخ.

وأيضاً كان إيمان أبي طالب برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) راسخاً بمكان انّه جازف بحياة أبنائه للحيلولة دون تعرض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لخطر القتل والاغتيال ولئلا يمسّه


1 . صحيح مسلم:1|41، باب أوّل الاِيمان قوله لا إله إلاّاللّه من كتاب الاِيمان.
2 . انظر ديوان أبي طالب : 32.


(362)

أعداءه بسوء، فكان يضجع ولده علياً في فراشه كي لا يصيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيُّ مكروه.

ورغم ذلك كلّه، فقدأوصى أولاده حين وفاته قائلاً:

«أُوصيكم بمحمد خيراً فإنّه الاَمين في قريش، وهو الجامع لكلّمن أُوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان، مخافة الشنئان، وأيم اللّه لكأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل البرّ في الاَطراف، والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وعظّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاوَها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه، أحوجُهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده». (1)

وأخيراً فيجدر بنا أن نسأل أقاربه المقربين حول إيمانه، لاَنّ أهل البيت أدرى بما في البيت.

لما مات أبو طالب جاء علي (عليه السلام) إلى رسول اللّهفآذنه بموته، فتوجع توجعاً عظيماًوحزن حزناً شديداً، ثمّ قال له امض فتولّغسله، فإذا رفعته على سريره فاعلمني، ففعل فاعترضه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو محمول على روَوس الرجال، قال: «وصلتْك رحم يا عم، وجزيت خيراً! فلقد ربّيت وكفّلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً».

ثمّ تبعه إلى حفرته، فوقف عليه مخاطباً إياه، قائلاً:

«أما واللّه لاستغفرنَّ لك، ولاَشفعنَّ فيك شفاعة يعجب لها الثقلان». (2)

وفي الختام انظر إلى صلافة الرجل كيف يحكي القصة، فكأنّه كان حاضراً في المجلس، فعرض النبي الشهادة على عمه فأبى، مع أنّ أبا طالب التحق بالرفيق


1 . السيرة الحلبية:1|351ـ 352.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:14|76.


(363)

الاَعلى سنة 10 للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنين، في حين أسلم أبو هريرة في العام السابع من الهجرة، وبذلك يتحقق ما ذكرناه من أنّ أبا هريرة كان يدلس.

ولا شكّ انّ ما رواه من الموضوعات لصالح الجهاز الاَموي الحاكم للحطّ من شأن الاِمام أمير الموَمنين علي (عليه السلام) برمي أبيه بالكفر حين وفاته.

24. أبو هريرة ينسب ما سمعه عن الفضل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي بكر، قال: سمعت أبا هريرة يقصّ يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصم.

فذكرت ذلك لعبد الرحمان بن الحارث(لاَبيه) فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمان وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأُمّ سلمة ـ رضي اللّه عنهما ـ فسألهما عبد الرحمان عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصبح جنباً من غير حلم (1) ثمّ يصوم.

قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فذكر ذلك له عبد الرحمان، فقال مروان: عزمت عليك إلاّما ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول. (2)

قال: فجئنا أبا هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كلّه، قال: فذكر له عبد الرحمان.

فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك، قال: نعم، قال: هما أعلم ثمَّ ردّ أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من


1 . أي مدركاً الفجر متيمماً وطاهراً بالطهارة الترابية.
2 . يريد بذلك الاِشفاق على أبي هريرة حتى لا يتسع خطأه حيث ألزمهما بالذهاب إلى أبي هريرة وإعلامهما ما ذكرا حتى يتدارك الرجل خطأه.


(364)

الفضل، ولم أسمعه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قال: فرجع أبو هريرة عمّا كان يقول في ذلك، قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان، قال: كذلك كان يصبح جنباً من غير حلم ثمّ يصوم. (1)

وعلى هذا لا يبقى أي اعتماد بأحاديثه إذ ينسب ما سمعه من كعب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وما سمعه من الفضل إليه أيضاً، فبهذه التدليسات الواضحة يخرج عن كونه ثقة في الحديث، أُسوة في الرواية.

25. إبراهيم يخاصم ربّه

أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب انّك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول اللّه: إنّي حرّمت الجنة على الكافرين. (2)

وفي الحديث تساوَلات وتأملات يجعلها في عداد الموضوعات:

الاَوّل: يتضمن الحديث انّ إبراهيم كان يتصور بأنّ عذاب أبيه يوم القيامة يعود عليه بالخزي، وذلك مما لا يتخيّله مسلم واع فكيف بإبراهيم خليل الرحمن، لاَنّه سبحانه أعلن منذ بدء الخليقة انّه خلق الجنة للموَمنين والنار للكافرين.

الثاني: انّه سبحانه : يحكي انّإبراهيم تبرّأ من أبيه بعد ما تبين انّه عدو للّه قال سبحانه: (ما كانَ للنّبي والّذينَ آمَنُوا أَنْيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَو كانُوا أُولي قُربى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصحابُ الجَحيم* وَ ما كان اسْتِغْفارُ إِبْراهيمَ لاََبيهِ إِلاّ عَنْ مَوعِدِةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أنّهُ عَدُوٌّ للّهِ تَبَـرّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبراهيمَ لاََوّاهٌ حَليم) (التوبة|113ـ 114).


1 . صحيح مسلم:3|137، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب من كتاب الصوم.
2 . صحيح البخاري:6|111، باب تفسير سورة الشعراء من كتاب التفسير.


(365)

وسياق الآية يكشف عن أنّ التبري كان في الحياة الدنيا، ومع ذلك فكيف يطلب له النجاة يوم القيامة ويشتكي إلى اللّه تبارك وتعالى؟!

وللعسقلاني كلام نذكره بنصه: اختلفوا في الوقت الذي تبرأ فيه إبراهيم من أبيه فقيل: كان ذلك في الحياة الدنيا لما مات آزر مشركاً، وهذا أخرجه الطبري من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس و اسناده صحيح، وفي رواية: «فلما مات لم يستغفر له»، و من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه، قال: «استغفر له ما كان حياً فلما مات أمسك» و أورده أيضاً من طريق مجاهد وقتادة و عمرو بن دينار نحو ذلك، وقيل إنّما تبرأ منه يوم القيامة لما يئس منه حين مسخ على ما صرح به في رواية ابن المنذر التي أشرت إليها. (1)

وضعف الوجه الثاني واضح، لاَنّه على خلاف سياق الآية، والآية بصدد تعليم أصحاب الرسول من أنّه ليس لهم الاستغفار للمشركين اقتداء بإبراهيم حيث إنّه بعد ما تبيّن انّ أباه عدو للّه تبرأ منه ولم يستغفر إلى آخر حياته فيجب أن يقتدوا به، فجعل ظرف التبري يوم القيامة مخالف لسياق الآية.

قال الرازي في تفسيره في وصف إبراهيم (عليه السلام) بالاَواه والحليم ما لفظه:

اعلم انّه تعالى إنّما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام، لاَنّه تعالى وصفه بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل، ومن كان كذلك فانّه تعظم رقته على أبيه وأولاده، فبيّن تعالى انّه مع هذه العادة، تبرّأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لما ظهر له إصراره على الكفر فأنتم بهذا المعنى، أولى ولذلك وصفه أيضاً بأنّه حليم، لاَنّ أحد أسباب الحلم رقة القلب وشدة العطف لاَنّ المرء إذا كان حاله هكذا، اشتد حلمه عند الغضب. (2)


1 . فتح الباري: 8|500ـ 501.
2 . مفاتيح الغيب:16|211، في تفسير الآية 114 من سورة التوبة.


(366)

وربما يقال انّاللّه إذا أدخل أباه النار فقد أخزاه لقوله سبحانه:(رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَفَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمينَ مِنْ أَنْصار ) (آل عمران|192).

وخزي الوالد خزي الولد فيلزم الخلف في الوعد. (1)

وما ذكره أخيراً توهم باطل، لاَنّه سبحانه قطع الصلة بين الكافر و المسلم قال سبحانه:(وَنادىنُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْـحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمينَ* قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِح )(هود|45ـ46).فلا يعود خزي الوالد إلى الولد، بعد انقطاع الصلة، كما لا يعود خزي أبي لهب إلى النبي الاَعظمص.

26. دخول امرأة في النار بسبب هرّة

أخرج البخاري في صحيحه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الاَرض. (2)

وأخرج مسلم أيضاً في صحيحه، عن هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

عُذِّبت امرأة في هرة لم تُطعمها ولم تُسقها ولم تتركها تأكل من خشاش الاَرض. (3)



1 . فتح الباري: 8|501، نقلاً عن الكرماني في شرحه على صحيح البخاري.
2 . صحيح البخاري: 4|130، باب خمس من الدواب فواسق يقتلنّفي الحرم من كتاب بدء الخلق.
3 . صحيح مسلم:7|44، باب تحريم قتل الهرة من كتاب قتل الحيات وغيرها.


(367)

أقول: إنّ قوله: في هرّة بمعنى بسبب هرة.

وقد استشهد الاَُدباء بهذا الحديث على أنّ «في» تأتي بمعنى «اللام» وعلى هذا فيجب أن تكون المرأة مسلمة موَمنة حتى يكون الحبس هو السبب الوحيد لدخولها في النار ولا يصحّ حملها على الكافرة، لاَنّها تدخل النار سواء حبست أم لا، وعلى ذلك فكيف يُدخل سبحانه عبداً موَمناً النار بسبب قتل هرّة؟

أخرج أحمد في مسنده، عن الشعبي، عن علقمة، قال: كنّا عند عائشة فدخل أبو هريرة فقالت: أنت الذي تحدث انّ امرأة عذبت في هرّة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها ؟ فقال: سمعته منه، يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قال عبد اللّه بن أحمد: كذا قال أبي.

فقالت: هل تدري ما كانت المرأة؟ انّ المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، و انّ الموَمن أكرم على اللّه عزّ وجلّ من أن يعذبه في هرّة، فإذا حدثتَ عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فانظر كيف تحدّث. (1)

وكلام السيدة عائشة لا يخلو عن نقاش، فانّ ظاهر الحديث انّ سبب الدخول هو الحبس لا الكفر ، فلو كانت كافرة فهي تدخل النار على كل حال سواء حبست الهرة أم لم تحبسها، فالحديث رواية مصطنعة اختلقتها يد الدّس لا سيما انّ أبا هريرة كان له شغف كبير بالهرة حيث كان يلعب بها، فلما وقف انّ امرأة قامت بهذا العمل عزَّ عليه قتل الهرة فصنع ذلك الحديث.

27. في جناحي الذبابة داء وشفاء

أخرج البخاري في صحيحه عن عبيد بن حنين، قال: سمعت أبا هريرة ،


1 . مسند أحمد:2|519.


(368)

يقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثمّ لينزعه، فانّ في إحدى جناحيه داءً والاَُخرى شفاءً. (1)

ومعنى الحديث: فليغمسه كلّه حتى يغسل كلا الجناحين بالماء ويقابل الداء بالدواء، وقوله: ثمّ لينزعه إشارة إلى انّالماء سيشرب و المرق يوَكل بعد طرحها.

وعلى ذلك فأحد جناحي الذباب داء وفي الجناح الآخر دواء فيزول ذلك الداء بفضل الدواء عند غمس كلا جناحيه.

هذا هوالمفهوم من الرواية.

والاعتقاد بصحّة الحديث مشكل جدّاً وقد كشف العلم من أنّ الذباب يحمل في جناحيه الجراثيم المهلكة والمضرة، ولم أر أحداً من العقلاء، يتفوّه بهذه المقالة.

مضافاً إلى أنّ الذباب قذر تتنفر القلوب من روَيته، فكيف يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغمسه إذا سقط في الماء الذي فيه طعام أو شراب، ثمّ أكل أو شرب ما في ذلك الاِناء؟!

هذه إلمامة عابرة بروايات أبي هريرة التي تركت مضاعفات خطيرة على الحديث النبوي.

ومن تفحص ما رواه في الجنة والنار و ما يقصه من بني إسرائيل لوقف على أنّ أبا هريرة كان قصّاصّاً ذا خيال واسع يخلق أساطير في أبواب مختلفة ويسوقها في قالب الحديث، فمن أراد التفصيل فليدرس رواياته في الصحيحين.


1 . صحيح البخاري: 4|130، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، فإنّ في إحدى جناحيه داء وفي الاَُخرى شفاء من كتاب بدء الخلق.
Website Security Test