welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(341)

13. نقض سليمان حكم أبيه داود

أخرج البخاري، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمان، حدّثه انّه سمع أبا هريرة انّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:... كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنّما ذهب بابنك وقالت الاَُخرى: إنّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود (عليهما السلام) فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك اللّه هو ابنها فقضى به للصغرى، قال أبو هريرة: واللّه إن سمعت بالسكين إلاّ يومئذٍ وما كنا نقول إلاّالمدية. (1)

وفي الحديث تساوَلات:

الاَوّل: انّه سبحانه تبارك وتعالى يصف داود بقوله: (يا داودُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الاََرْضِ فَاحْكُمْ بَيْـنَ النّاسِ بِالحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ) (ص|26).

فهو (عليه السلام) لا يحكم إلاّ بالحقّ ولا يحكم بالباطل وإلاّ فيكون ضالاً عن سبيل اللّه، وقد بيّن سبحانه حكم الضال عن سبيله في ذيل الآية، وقال: (إِنَّ الّذينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَومَ الحِساب)(ص|26).

فحكمه (عليه السلام) بأنّ الولد للكبرى لم يكن يخلو من أحد وجهين: إمّا كان حقّاً أو كان باطلاً، فلو كان حقّاً فليس لسليمان أن ينقضه ويحكم على خلافه، ولو كان باطلاً فإمّا يكون عن عمد أو عن سهو.


1 . صحيح البخاري: 4|162، باب قول اللّه(وَوهبنا لداود سليمان)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه:5|133 عن أبي زنّاد عن الاَعرج عن أبي هريرة، في باب اختلاف المجتهدين من كتاب الاَقضية.


(342)

فعلى الاَوّل: يكون ضالاً محكوماً بما جاء في الآية ـ نعوذ باللّه ـ و على الثاني فيلزم أن لا يحكم بالحقّ مع أنّه سبحانه أمره بالحكم بالحقّ، ومن أمره به فيجهّزه بما يوصله إليه.إلاّ أن تُفسّـر الآية: بما رآه حقّاً، وإن كان في الواقع باطلاً، وهو كما ترى.

الثاني: انّحكم داود بأنّ الولد للكبرى إمّا أن يكون مستنداً إلى بيّنة شرعية فليس للقاضي الآخر نقض حكمه إذا كان المستند صالحاً للقضاء، وإن كان غير مستند إليه بل مستنداً إلى علمه غير الخاطىَ فهو غير قابل للنقض أيضاً لاستحالة تخلف علمه عن الواقع لعصمته.

الثالث: ما في ذيل الرواية من أنّ أبا هريرة لم يسمع بالسكين إلاّفي هذه الواقعة يعرب عن إعراضه عن الذكر الحكيم، فقد جاء فيه قوله: (وَآتَتْ كُلَّ واحدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً) (يوسف|31) و السورة مكّية نزلت قبل إسلامه بأعوام.

كيف وقد روى هو نفسه عن الرسول الرواية التالية:

أخرج أحمد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : من جُعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين. (1)

ولعل أبا هريرة قد نسج هذه القصة الخيالية لتفسير قوله سبحانه:

(وَداوُدَوَسُليمانَإِذْيَحْكُمان في الحَرثِ إِذْ نَفشَت فيهِ غَنَمُ القَومِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين* فَفَهَّمْناها سُلَيمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) (الاَنبياء|78ـ79).

وما ذكره من القصة الخيالية لا تنطبق على الآية فانّه سبحانه يصف كلا الحكمين صدقاً وصواباً ويقول:(وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلماً) ، فلابدّأن يكون للآية سبب نزول آخر ينطبق عليه وقد ورد على لسان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) سبب نزولها


1 . مسند أحمد:2|230.


(343)

وانّكلاً من الرأيين كان حقاً غير مخالف للواقع.

وحاصله: انّ على صاحب الحرث أن يحفظه بالنهار وليس على صاحب الماشية حفظها بالنهار إنّما رعيها بالنهار وإرزاقها، فما أفسدت فليس عليها.وعلى صاحب الماشية حفظ الماشية بالليل عن حرث الناس فما أفسدت بالليل فقد ضمنوا وهو النفش، ثمّ إنّداود حكم للذي أصاب زرعه رقاب الغنم. وحكم سليمان (عليه السلام) بأنّ له اللبن والصوم في ذلك العام. (1)

ولعلّ القيمة السوقية لهما في ذلك اليوم كانت متساوية، فلذلك يكون كلّمن القضائين خروجاً عن الغرامة التي يجب على صاحب الماشية دفعها إلى صاحب الحرث.

14. ظهور موسى عرياناً أمام الملاَ

أخرج البخاري في صحيحه، عن الحسن، ومحمد، وخلاس، عن أبي هريرة، قال:

قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ موسى كان رجلاً حييّاً سِتّيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلاّ من عيب بجلده امّا برص، وامّا أدْرَة، وامّا آفة، وانّاللّه أراد أن يُبرئه ممّا قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده فوضع ثيابه على الحجر، ثمّاغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وانّ الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى ملاَ من بني إسرائيل فرأوه عرياناًأحسن ما خلق اللّه، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضرباًبعصاه، فواللّه إنّ بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فذلك


1 . البرهان في تفسير القرآن: 3|66 في تفسير قوله: وداود وسليمان نقلاً عن الكليني.


(344)

قوله:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللّهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللّهِ وَجِيهاً) (الاَحزاب|69). (1)

وفي الحديث عدّة تساوَلات:

الاَوّل: إذا أراد سبحانه أن يبرّىَ موسى من العيب الملصق به فله أساليب أُخرى أكثر معقولية من هذا الاَُسلوب الذي انتهى فيه إلى وقوف موسى أمام الناس وهم ينظرون إليه عرياناً مكشوف العورة.

الثاني: لو افترضنا انّالحجر ذهب بثوبه، فكان عليه الوقوف في مكانه وطلب الثوب كي يُوَتى بثيابه أو بساتر غيره كما هو الحال فيمن ابتلى بهذه القصة، لا أن يخرج من مكانه ويتابع الحجر فلا يصل إليه إلاّ عندما وجد نفسه عرياناً بين الناس.

الثالث: انّ حركة الحجر وذهابه بالثوب كان أمراً من اللّه سبحانه فلماذا غضب عليه موسى؟!

ثمّ أيّ أثر لغضبه حيث جعل يضرب الحجر كما هو حال المجانين وفاقدي الشعور؟!

الرابع: انّ الابتلاء بالاَدْرة ليس عيباًمنفّراً للطبائع، خصوصاً فيمن طعن في السن، وإنّما المستحيل ابتلاء الاَنبياء بالعيوب المنفِّرة، أو ما يورد النقص في مشاعرهم ومداركهم.

فأيّ حاجة لاظهار براءة موسى من هذا النقص غير المنفِّر بهذه الكيفية الّتي انتقصت من شخصيته؟

والعجب انّالشيخين أخرجا هذا الحديث في باب فضائل موسى، وأيّ


1 . صحيح البخاري: 4|156، باب حدثني إسحاق بن نصر بعد حديث الخضر مع موسى «عليه السلام» ؛ وأخرجه مسلم في صحيحه: 7|99 في باب فضائل موسى، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة.


(345)

منقبة في إبداء العورتين للناظرين، بل يكفي لموسى ما صدع به الذكر الحكيم من معجزاته ومواقفه المحمودة امام الكفر والشرك وصبره في السّراء والضراء .

15. اتهام أُولي العزم من الاَنبياء بالعصيان

أخرج البخاري في صحيحه، في تفسير سورة الاسراء في تفسير قوله: (ذُرّيةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍإنّهُ كانَ عَبداً شَكُوراً) أخرج فيه عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة في حديث طويل نذكر خلاصته:

وهو انّ اللّه سبحانه يجمع الناس الاَوّلين والآخرين في صعيد واحد، فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون، وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم (عليه السلام) فيقولون: أنت أبو البشر خلقك اللّه بيده، اشفع لنا إلى ربّك، فيقول آدم: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وانّه نهاني عن الشجرة فعصيته، اذهبوا إلى نوح.

فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح إنّك أوّل الرسل إلى أهل الاَرض، اشفع لنا إلى ربّك فيقول: إنّ ربّي عزّوجلّ غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى إبراهيم .

فيأتون إبراهيم فيسألونه مثل ما سألا آدم ونوحاً، وهو يجيب انّي قد كنت كذبت ثلاث كذبات اذهبوا إلى موسى.

فيأتون موسى فيسألونه مثل ما سألوا السابقين وهو يردّهم بقوله: إنّ ربّي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وانّي قد قتلت نفساً لم أُوَمر بقتلها اذهبوا إلى عيسى.

فيأتون عيسى فيسألونه الشفاعة كما سألوا السابقين وهو يجيبهم بقوله: إنّ ربّي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله اذهبوا إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)


(346)

فيأتونه فيشفع لهم عند اللّه ... (1)الخ.

وفي الحديث نظر

أوّلاً: انّ الاَنبياء لا سيما أُولو العزم منهم معصومون عن العصيان قبل البعثة وبعدها ، فما معنى ما جاء فيه «انّه سبحانه غضب على آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله»؟!

ثانياً: انّ آدم وإن خالف نهيَه سبحانه عن أكل ثمر الشجرة، ولكن النهي لم يكن نهياً مولوياً مورِثاً للعقاب، بل كان نهياً إرشادياً إلى ما يترتب على المخالفة من المضاعفات كالخروج من الجنة، كما هو ظاهر من قوله سبحانه: (فقُلنا يا آدَمُ إِنّ هذا عَدُوٌ لَكَ وَ لِزَوجِكَ فَلا يُخْرجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشقى* إِنّ لَكَ أَلاّتَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى* وَأَنَّكَ لا تَظْمَوَُا فيها وَلا تَضْحى) (طه|117ـ 119).

فالآيات صريحة في أنّالنهي عن الاَكل كان نهياًنُصحياً إرشادياً إلى ما يترتب على المخالفة من الشقاء، المفسَّر في الآية بالابتلاء بالعُري والظمأ والجوع، ولو افترضنا انّ النهي كان مولوياً تلازم مخالفتُه العصيان، فقد تاب اللّه عليه، في الحياة الدنيا حيث قال: (فَتَلَقى آدمُ مِنْ رَبّهِ كَلماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيم) (البقرة|37) فصار كمن لا ذنب له، فما وجه الغضب عليه؟ ونظيره كليم اللّه، فقد غفر اللّه له، قال سبحانه: (قالَ رَبِّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِر لي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُالرَّحِيم) (القصص|16) أفيصح بعد ذلك غضب اللّه عليه وعلى أبيه آدم يوم القيامة؟


1 . صحيح البخاري: 6|84ـ 85 في تفسير سورة بني إسرائيل ذكرنا موضع اللزوم من الرواية، و من أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى نفس المصدر؛ صحيح مسلم: 1| 127ـ 128، باب أدنى أهل الجنّة منزلة من كتاب الاِيمان.


(347)

ثالثاً: ثمّإنّه لم يذكر الذنب الذي صدر من شيخ الاَنبياء نوح والمسيح ابن مريم مع أنّه أشار في حقّغيرهما إلى العثرة التي ابتلوا بها.

رابعاً: انّ الكذبات الثلاث التي كذب بها إبراهيم لم تكن ـ في الواقع ـ كذباً، وسنحيل توضيحه إلى دراسة أحاديث أبي سعيد الخدري .

إنّ الرواية تحط من شأن الاَنبياء العظام الذين هم في الذروة والسنام من الفضائل والمكارم، وقد وصفهم سبحانه بقوله : (غَيْـرِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالّين) فكيف يغضب عليهم الربّ؟

خامساً: ثمّ كيف يتسنى لاَهل المحشر أن يأتمروا ويتفحصوا عن الاَنبياء واحداً تلو الآخر على الترتيب المذكور في الرواية، مع أنّ هول المحشر يمنع عن الائتمار والاستشارة؟ وهذا هو الذكر الحكيم يصفه بقوله: (يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُكُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُكُلُّذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَسُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللّهِ شَدِيدٌ) (الحج|2).

سادساً: إنّ هوَلاء الذين رجعوا إلى أنبيائه سبحانه: امّا أن يكونوا من أُمّتهم أو من أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإن كانوا من أُمّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) فما الذي دعاهم إلى أن يسألوا آدم فنوحاً فإبراهيم فموسى فعيسى فمحمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

وإن كانوا من غيرهم، فلماذا خيّبهم سبحانه من شفاعة نبينا إذا كانت فيهم قابلية للشفاعة؟ كما هو الظاهر من آخر الرواية بانّه لا يشفع إلاّ لاَُمّته، حيث يخاطبه سبحانه بقوله: يا محمد ارفع رأسك سل تُعْطَه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أُمّتي يا ربّ، أُمّتي يا ربّ، فيقول: يا محمّد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليهم من الباب الايمن من أبواب الجنّة وهم شركاء الناس... الخ.


(348)

16. شك الاَنبياء وتفضيل يوسف على نبيّنا

أخرج البخاري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة انّ رسول اللّه، قال:

نحن أحقّ من إبراهيم، إذ قال:(ربّي أَرِني كَيْفَ تُحْيي المَوتَى قالَ أَوَ لَمْ تُوَْمِن قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) .

ويرحم اللّه لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد.

ولو لبثتُ في السجن طول لبث يوسف لاَجبتُ الداعي. (1)

أقول: الحديث يتضمن أُموراً ثلاثة:

الاَوّل: نسبة الشك إلى إبراهيم في إمكان إحياء الموتى، وانّه إذا شكّ إبراهيم فعامة الاَنبياء ومنهم النبي أولى منه بالشك.

الثاني: التنديد بلوط مع طلب الرحمة له، لاَنّه كان يأوي إلى ركن شديد.

الثالث: تفضيل يوسف على جميع الاَنبياء حتى نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّ يوسف لما طولب بالخروج من السجن لم يسرع إلى الاِجابة وانّما قدّم طلب البراءة فخرج بعد ثبوت براءته بخلاف غيرهم، فانّهم لو كانوا بمكانه يلبُّون الداعي إلى الخروج قبل ثبوت براءتهم.

والجميع من الوهن بمكان.

أمّا الاَوّل: فلم يشك إبراهيم طرفة عين أبداً وربما طلب زيادة اليقين، فإنّ لليقين مراتب ودرجات مختلفة.

فيقيننا بأنّ نور القمر مستفاد من نور الشمس ليس مثل يقيننا بأنّ النار


1 . البخاري، الصحيح:5|147، باب قوله عزّ وجلّ: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِإِبْراهيم) ، صحيح مسلم1|92، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الاَدلة من كتاب الاِيمان.


(349)

حارة، ولكن القضيتين كلتيهما من القضايا اليقينية، والشاهد على ذلك انّه سبحانه لما خاطبه بقوله : (أَوَلم تُوَمِن) ، أجاب بقوله:( قالَ بلى ولكِن ليَطْمَئِنّ قَلْبي ) فحاول تحصيل اليقين الآكد المعبّر عنه بقوله: (ليطمئنّ قلبي) .

وعلى ذلك فنسبة الشكّ إلى إبراهيم أوّلاً ثمّ الاَنبياء ثانياً والنبيثالثاً كذب محض لا يتفوّه به من له عرفان بالاَنبياء والرسل.

وأمّا الثاني: فلم يصدر من لوط أمر مكروه حتى يُندَّد به، ثمّ تُطلب له الرحمة فانّه لما بوغتَ بمجيَ الضيوف ضاق بمجيئهم ذرعاً، ولما كان عالماً من أنّ قومه يسارعون إلى أمثالهم بالفاحشة خاطب قومه أوّلاً بقوله: (يا قَومِ هوَلاءِ بَناتي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيفي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيد) .

فلمّا أجيب بقولهم: (لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيد) .

وقف على أنّهم لا يقبلون الموعظة وتأسّف على فقده المكنة من دفعهم بوجهين:

أ. قال: لو انّ لي بكم قوة، أي منعة وقدرة أتقوى بها عليكم، فأدفعكم عن ضيوفي.

ب. أو آوى إلى ركن شديد وعشيرة منيعة تنصرني لدفعكم عما تريدون.

فأي عمل صدر من لوط لا يليق بمنزلته وليس الاستنصار بالعشيرة والقبيلة ملازماً لقلّة الثقة باللّه وإنّما هو توصل بالاَسباب الظاهرية التي أمر بها سبحانه فهذا هو ذو القرنين يستنصر بمن حوله من الناس، و يقول: (فَأَعِينُوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رََدْماً) (الكهف|95).

وأمّا الثالث: فهو ظاهر في تفضيل يوسف على النبي الخاتم حيث إنّ


(350)

يوسف ما خرج من السجن حتى تجلت براءته ولكن رسول اللّه لو كان مكانه لما صبر وأجاب الداعي بمجرد الدعوة إلى الخروج.

فهذا محض افتراء على أفضل الخليقة فانّ رسول اللّه في الصبر و الاَناة والحلم والحزم أُسوة للعالمين حتى وصفه سبحانه بقوله: (وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) (القلم|4) وقوله: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَولِكَ) (آل عمران|159).

ولقد وقف ابن حجر العسقلاني على ما في الرواية من الاشكال فالتجأ إلى عذر غير مقبول، قائلاً: بأنّه قاله (صلى الله عليه وآله وسلم) تواضعاً والتواضع لا يحطُّ مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وجلالة. (1)

أقول: إنّ لسان الحديث آب عن التواضع وإنّما يريد تفضيل يوسف وانّه كان أصبر من غيره وعلى فرض صحّته فالاِشكالان الاَوّلان باقيان بحالهما.

17. نبي من الاَنبياء يحرق قرية النمل

أخرج البخاري في صحيحه، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة انّ أبا هريرة قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: قرصت نملة نبيّاً من الاَنبياء فأمر بقرية النّمل فأحرقت، فأوحى اللّه إليه أن قرصتْك نملة أحرقت أُمّة من الامم تُسبّح. (2)

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : انّ نملة قرصت نبياً من الاَنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت،


1 . فتح الباري: 6|413 باب قول اللّه عزّوجلّ (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِإِبْراهيم).
2 . صحيح البخاري:4|62، باب حدثنا يحيى بن بكير من كتاب الجهادو السير ؛ سنن أبي داود: 4|367 برقم 5266.


(351)

فأوحى اللّه إليه أفي أنْ قرصتْك نملة أهلكتَ أُمّة من الا َُمم تسبح. (1)

إنّ هذا النبي سواء أكان من أُولي العزم أو من غيرهم، إنسان معصوم لا يأخذ البريء بذنب المجرم، فلو افترضنا انّ النملة كانت مجرمة ـ مع أنّها ليست كذلك لاَنّعملها عمل غريزي ـ فما هو ذنب سائر النمل؟

إنّ المحرِّق كان أقل شعوراً ورأفة من جنود سليمان فانّهم ما كانوا يحطّمون النمل عن شعور و لو كانوا يحطمون فانّما يفعلون ذلك دون أي شعور ، قال سبحانه:(حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)(النمل|18).

وهذا النبي المزعوم كان أقلّ رأفة وعطفاً من جنود سليمان حيث أحرق وادي النمل عن علم وشعور، بجرم نملة واحدة وقد عرفت انّ عملها لم يكن جناية.

إنّ عليّاً (عليه السلام) لم يكن نبيّاً بل كان وصياً ولكنّه يقول: واللّه لو أُعطيت الاَقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت وانّدنياكم عندي لاَهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعليّ ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى. (2)

أضف إلى ذلك انّ النبي قد نهى عن قتل أربعة من الدواب: النملة ـ النحلة ـ الهدهد ـ الصُّرد. (3)


1 . صحيح مسلم: 7|43، باب النهي عن قتل النمل من كتاب قتل الحيات وغيرها.
2 . نهج البلاغة، الخطبة224.
3 . سنن أبي داود:4|367 برقم 5276.


(352)

18. أيوب يَحْثي رجل جراد من ذهب في ثوبه

أخرج البخاري في صحيحه، عن معمر، عن حمام، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

بينما أيوب يغتسل عرياناً خرّعليه رجل (1) جراد من ذهب فجعل يحثي (2) في ثوبه، فنادى ربّه «يا أيوب لم أكن أغنيت عما ترى، قال : بلى يا رب ولكن لاغنى لي عن بركتك». (3)

أوّلاً: جرت سنة اللّه تبارك و تعالى على خلق الجراد على النحو المعلوم ولا تبديل لسنته، إلاّإذا كان هناك داع إليه، كإثبات نبوة نبي أو وصاية وصي إلى غير ذلك، فعندئذٍ يسأل، فما هو السبب للعدول عن السنّة الاِلهية إلى خلق الجراد من ذهب مع أنّه لم يكن هناك أيّ حاجة إلى ذلك؟ فخلقها من الذهب عبث وجزاف ولم يكن امتحان أيّوب واستظهار مدى ثقته بما أغناه اللّه، متوقفاً على العدول عن السنة الاِلهية.

ثانياً: لو افترضنا انّ أيّوب خرّعلى جمعه في ثوب فليس ذلك بمعنى عدم الثقة باللّه تبارك وتعالى أو الانكباب على الدنيا بل لاَجل أن يستعين في أمر دنياه وأُخراه وينفقه في سبيله وابتغاء مرضاته وانّما الاَعمال بالنيات فلا عتب على عمله.

والباحث في روايات أبي هريرة يقف على أنّه كان يحطُّ من مقام الاَنبياء بنقل هذه الاَساطير الخرافية التي سمعها من كعب الاَحبار وغيره كما هو معلوم من حاله، وقد عرفت أنّه كان يدلِّس في نقل الروايات.


1 . رجل جراد أي جماعة جراد.
2 . يحثي ـ بالمثلثة ـ أي يأخذ بيديه جميعاً فكأنّ أيوب ينشر طرف ثوبه ليأخذ الجراد.
3 . صحيح البخاري: 4|151، باب قول اللّه تعالى :(وأيوب إذ نادى ربّه) من كتاب بدء الخلق.
Website Security Test