welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(285)

6. لم يسلم أحد قبل سعد

أخرج البخاري في باب مناقب سعد، قال: عن سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص قال: ما أسلم أحد إلاّ في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإنّي لثُلُثُ الاِسلام. (1)

إنّ معنى الرواية كما ذكره ابن حجر هو انّه لم يسلم أحد قبله، ولما وقف ابن حجر على بطلانه، عاد يوَوِّل المرويّ عن سعد، ويقول: والسبب فيه انّ من كان أسلم في ابتداء الاَمر كان يخفي إسلامه، ثمّ أوضح معنى قوله وانّي لثلث الاِسلام بأنّه أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر، أو النبي وأبا بكر وقد كانت خديجة أسلمت قطعاً ولعلّه خصَّ الرجال.

وعلى أيّة حال فلم يكن سعد أوّل من أسلم لا خفاءً ولا علانية، وقد تضافرت الروايات على أنّ أوّل من أسلم هو علي بن أبي طالب، و إليك بعض ما أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الصدد.

1. أخرج الحاكم في مستدركه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: أوّلكم وارداً ـ وروداً ـ على الحوض أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب. (2)

كيف يكون هو أوّل من أسلم مع أنّ حديث بدء الدعوة يشهد بوضوح انّعليّاً (عليه السلام) هو أوّل من أسلم.

روى الطبري في تاريخه: انّه لما نزل قوله سبحانه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبينَ) دعا النبي عليّاً (عليه السلام) فقال له : يا علي إنّاللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الاَقربين، إلى أن قال: فلما جاء القوم خاطبهم بقوله: يا بني عبد المطلب إنّي قد


1 . صحيح البخاري: 5|22، باب مناقب سعد.
2 . الحاكم، المستدرك: 3|136 وصححه تاريخ بغداد: 2|81.


(286)

جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً، فقام علي (عليه السلام) ، وقال: أنا يا نبيّ اللّه فأخذ برقبته، وقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. (1)

2. قال الحاكم النيسابوري: ولا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ انّ علي ابن أبي طالب (رض) أوّلهم إسلاماً. (2)

3. وقال ابن عبد البر: اتّفقوا على أنّ خديجة أوّل من آمن باللّه ورسوله وصدقه فيما جاء به ثمّ علي بعدها. (3)

4. وقال المقريزي: وأمّا علي بن أبي طالب فلم يشرك باللّه قط، وذلك انّ اللّه تعالى أراد به الخير فجعله في كفالة ابن عمه سيد المرسلين محمد، فعندما أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي وأخبر خديجة وصدّقت كانت هي، وعلي بن أبي طالب وزيد ابن حارثة يصلون معه... إلى أن قال: فلم يحتج عليّ(رض) أن يُدعى ولا كان مشركاً حتى يوحّد فيقال أسلم، بل كان عمره عندما أوحى اللّه إلى رسوله ثماني سنين وقيل سبع سنين، وقيل: إحدى عشر سنة، وكان مع رسول اللّه في منزله بين أهله كأحد أولاده يتبعه في جميع أحواله. (4)

روى ابن الاَثير عن أبي يحيى بن عفيف، عن أبيه، عن جدّه عفيف، قال: جئت في الجاهلية إلى مكة وأنا أُريد أنْ ابتاع لاَهلي من ثيابها وعطرها، فأتيت العباس بن عبد المطلب، وكان رجلاً تاجراً، فأنا عنده جالس حيث انظر إلى


1 . تاريخ الطبري: 2|216 وللحديث مصادر كثيرة اكتفينا بما ذكر.
2 . المعرفة:22.
3 . الاستيعاب: 2|457.
4 . الامتاع: 42.


(287)

الكعبة وقد حلقت الشمس في السماء فارتفعت وذهبت إذ جاء شاب فرمى ببصره إلى السماء ثمّ قام مستقبل الكعبة، ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً حتى جاء غلام فقام على يمينه، ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة، فقلت: يا عباس أمر عظيم، قال العباس: أمر عظيم تدري من هذا الشاب؟ قلت: لا، قال: هذا محمد بن عبد اللّه ابن أخي، أتدري من هذا الغلام؟ هذا علي بن أخي، أتدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد زوجته، انّابن أخي هذا أخبرني انّ ربّه ربّالسماء والاَرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه ولا واللّه ما على الاَرض كلّها أحد على هذا الدين غير هوَلاء الثلاثة. (1)

7. دخول الاَُمّة قاطبة الجنة بشفاعة النبيّ

أخرج أبو داود، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة نريد المدينة، فلما كنّا قريباً من عَزْوَرا نزل ثمّ رفع يديه فدعا اللّه ساعة ثمّ خرّ ساجداً، فمكث طويلاً ثمّ قام فرفع يديه فدعا اللّه ساعة ثمّ خرّ ساجداً، فمكث طويلاً ثمّ قام فرفع يديه ساعة ثمّ خرّ ساجداً.

ذكره أحمد ثلاثاً: قال: «إنّي سألت ربي وشفعت لاَُمتي، فأعطاني ثلث أُمتي، فخررت ساجداً شكراً لربي، ثمّ رفعت رأسي فسألت ربّي لاَُمّتي، فأعطاني ثلث أُمتي، فخررت ساجداً لربي شكراً، ثمّ رفعت رأسي فسألت ربي لاَُمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجداً لربي. (2)


1 . أُسد الغابة: 3|414ـ 415؛ ورواه النسائي في خصائصه: 3؛ ولاحظ الاستيعاب: 2|559. وكان النبي يصلّي إلى الكعبة قبل الهجرة و إنّما صلّى إلى بيت المقدس في المدينة بعدها إلى سبعة عشر شهراً.
2 . سنن أبي داود: 3|90 برقم 2775.


(288)

إنّ الامعان في الآيات الواردة حول الشفاعة تثبت بأنّها حقّ خاص باللّه سبحانه يأذن لعدّة خاصّة من عباده المقربين، ولا يأذن لهم أن يشفعوا إلاّ في حقّ عدّة معينة، فقد وضع القرآن حدوداً وقيوداً في الشافع والمشفوع له.

إنّ الشفاعة في حقّ من قطعوا صلتهم باللّه سبحانه فلم يوَمنوا به أو بوحدانيته أو بقيامته ، منتفية قطعاً لا تنالهم شفاعة الاَنبياء.

قال سبحانه: (يَقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَد جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُردُّ فَنَعْمَلَ غَيرَ الّذي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) (الاَعراف|53) . وقال سبحانه: (وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّين * حَتّى أَتانا اليَقينُ * فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعين) (المدثر|46 ـ 48).

وثمة روايات متضافرة تحدد شفاعة الاَنبياء، ومع ذلك فكيف ورد في هذه الرواية انّ الاَُمّة بقاطبتها عادلها وظالمها، تقيّها وفاجرها، صالحها وطالحها على حدّ سواء في الشفاعة، واللّه سبحانه يقبل شفاعة نبيّه في حقّهم؟!

ولا يراد من الاَُمّة في الرواية إلاّ من آمن باللّه ورسوله وإن فسق وفجر وخضب الاَرض بإراقة دماء الاَبرياء.

8. عمر أفظّ وأغلظ من رسول اللّه

أخرج البخاري في صحيحه، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده نسوة من قريش يكلّمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمنَ فبادرن الحجاب، فأذن له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخل عمر ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يضحك.

فقال عمر: أضحك اللّه سنَّك يا رسول اللّه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): عجبت من


(289)

هوَلاء اللاتي كنَّ عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، فقال عمر: فأنت أحقّ أن يهبن يا رسول اللّه، ثمّ قال عمر: يا عدوّات أنفسهنّ أتهبنني ولا تهبنَ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟! فقلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظ من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اِيهاً يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً قطّ إلاّ سلك فجّاً غير فجِّك». (1)

وثمة شكوك تحوم حول تلك الرواية:

أوّلاً: انّ ظاهر الرواية انّ النبي اجتمع مع نسوة من قريش وهنّ أجنبيات من دون أن يضرب ساتر بينهما، وهذا لا يليق بأن ينسب إلى موَمن فضلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويعلم ذلك من خلال بيان أمرين:

الاَمر الاَوّل: انّ التعبير بقوله: «وعنده نسوة من قريش» يعرب انّفيهنّ أجنبيات عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإلاّ فلو كان المراد زوجاته لكان اللازم التعبير بالزوجات لا بنسوة من قريش.

على أنّ بعض زوجاته (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكنَّ من قريش فمثل ميمونة بنت حُييّ بن أخطب كانت يهودية فأسلمت، ومارية القبطية أهديت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنجبت له إبراهيم.

وقوله يستكثرنه بمعنى انّهنّ يكثرن الكلام عنده لا أنّهن يطلبن نفقة كثيرة.

الاَمر الثاني: انّ الاجتماع كان بعد نزول آية الحجاب، بشهادة انهن ابتدرن للحجاب عندما أقبل عليهنّ عمر بن الخطاب.

ولازم هذين الاَمرين أن يجتمع النبي مع نساء أجنبيات دون أن يضرب ساتر بينهما.


1 . صحيح البخاري: 5|11، باب مناقب عمر.ونقله مسلم في صحيحه:7|115 باب فضائل عمر.


(290)

ثانياً: انّ لازم صحّة الخبر أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ والعياذ باللّه ـ فظاً غليظ القلب وإن كان أقلّ من فظاظة عمر، مع أنّه سبحانه ينفي عنه هذه التهمة، قال سبحانه: (وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(آل عمران|159) إلاّ أن يحمل على جهل النسوة بحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورأفته.

ثالثاً: انّ ظاهر قوله: إيهاً يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً قط إلاّسلك فجّاً غير فجّك» يدل على عصمته وكونه من المخلَصين ودخوله في قوله سبحانه: (ولاَُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاّعِبادكَ مِنْهُمُ المُخْلَصينَ) (الحجر|39ـ40).فالشيطان عندما يلتقي مع الاَنبياء لا يسلك فجّاً غير فجّهم بل يقابلهم فيوسوس إليهم: قال سبحانه : (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطان قالَ يا آدَمُ) (طه|120) ولكنّه عندما يلتقي مع عمر، يسلك فجّاً آخر، فهل يصحّ ذلك يا تُرى؟!

وثمّة رواية أُخرى عن جابر رواها مسلم ربما تكون قرينة على تفسير الحديث السابق.

روى مسلم، عن جابر بن عبد اللّه، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجد الناس جلوساً ببابه لم يوَذن لاَحد منهم، قال: فأذن لاَبي بكر ودخل، ثمّ أقبل عمر فأستأذن فأذن له فوجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حوله نساوَه واجماً ساكتاً، قال: لاَقولنّ شيئاً أُضحك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال : يا رسول اللّه لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة : يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألنّرسول اللّه ما ليس عنده فقلن: واللّه لا نسأل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهنَّ شهراً أو تسعاً وعشرين ثمّ نزلت إليه هذه الآية: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لاََزْواجِكَ ـ حتى بلغ ـ لِلْمُحْسناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً


(291)

عَظِيماً) (الاَحزاب|28ـ 29).

فبدأ بعائشة وقال: يا عائشة إنّي أُريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول اللّه؟فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول اللّه استشير أبويّ؟ بل أختار اللّهورسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهنّ إلاّأخبرتها، انّاللّه لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسِّراً. (1)

وعلى ضوء هذا الحديث يكون المراد من نساء قريش هو زوجاته ونساوَه، ولا يكون اجتماعه اجتماعاً مع أجنبيات، ولكنّه وإن رفع الاِشكال الاَوّل لكنّه زاد في الطين بلّة، لاَنّه يصرح بأنّ كلاً من الشيخين قاما ليجآ ويضربا بنتيهما (زوجتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ) مع أنّهما كانتا تطلبان النفقة الواجبة التي عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشهادة قولهما: (فقلن واللّه لا نسأل رسول اللّه شيئاً أبداً ليس عنده) فعند ذلك كان سوَالهما سوَالاً شرعياً، وطعن الشيخين وضربهما أمراً غير مشروع بالمرة، إلاّ أن يكون تكلمهما وضربهما لاِيجاد السرور ورفع الحزن عن قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ثمّ إنّه ليس فيما رواه مسلم من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر: إيهاً يا ابن الخطاب «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً... الخ » عين ولا أثر ولا أظن أحداً من المحدثين يتمسّك في المقام لاِثبات صحّة ما سقط في حديث مسلم بقاعدة «تقدم النقيصة على الزيادة وانّ القول بسقوط الزيادة عن رواية مسلم أولى من القول بأنّ الراوي أضاف من نفسه بلا وعي» فانّ تلك القاعدة إنّما تتمشى إذا لم تكن قرينة على العكس، فانّه من البعيد أن يقوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمدح عمر بن الخطاب وينساه الراوي، أو يمدحه وعنده من هو أفضل منه وأقدم منه إسلاماً، فانّ ذلك يعد نوع إهانة لاَبي بكر.



1 . صحيح مسلم: 4|187، باب تخيير امرأته لا يكون طلاقاً إلاّ بالنية.


(292)

وعلى أيّة حال فالروايتان ـ على الرغم من رواية مسلم والبخاري لهما ـ لا يخلوان من إشكالات وتساوَلات، والنفس لا تسكن لما جاء فيهما.

9. سوَال النبي من اللّه ثلاثاً

أخرج مسلم، عن عامر بن سعد، عن أبيه: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مرّ بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربّه طويلاً، ثمّ انصرف إلينا، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربّي أن لا يهلك أُمتي بالسَّنَةِ فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أُمّتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. (1)

هذا ما رواه مسلم عن سعد، ولكن روى الاِمام أحمد، عن معاذ بن جبل نفس الرواية بنحو آخر، قال: وجدت رسول اللّه قائماً يصلي، فقمت خلفه، فأطال الصلاة، فلما قضى الصلاة قال: قلت يا رسول اللّه لقد صليتَ صلاة طويلة؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت اللّه عزّ وجلّثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أُمّتي غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يُظهر عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليَّ. (2)

فالنبي حسب رواية سعد سأل اللّه سبحانه الثلاثة التالية:

1. أن لا يهلك أُمّته بالسّنة، والمراد بها المجاعة العامّة التي تعم الجميع، لا أن تصيب ناحية دون أُخرى.

2. أن لا يهلكهم بالغرق.


1 . صحيح مسلم: 8|171ـ172، باب هلاك هذه الاَُمّة بعضهم ببعض.
2 . مسند أحمد: 6|317.


(293)

3. أن لا يجعل بأسهم بينهم.

ولكن الثلاثة التي سألها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية معاذ بن جبل (1) ، عبارة عن الاَُمور التالية: 1. أن لا يُظهر عليهم عدواً ليس منهم.

2. أن لا يهلك أُمّته غرقاً.

3. أن لا يجعل بأسهم بينهم.

فالحديثان يشتركان في الثاني والثالث دون الاَوّل.

وقد رواه مسلم أيضاً عن ثوبان بنحو آخر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي سألت ربّي لاَُمّتي أن لا يهلكها بسَنَةٍ بعامّةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وانّ ربي قال: يا محمد إنّي إذا قضيت قضاء فإنّه لا يرد وإنّي أعطيتك لاَُمّتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أُسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتّى يكون بعضهم يهلك بعضاً و يسبي بعضهم بعضاً. (2)

فقد جاء في هذا الحديث السوَالان المقضيان دون الثالث، كلّ ذلك يعرب عن اضطراب الحديث في النقل ولا يصحّ الاعتماد عليه.

ثمّ إنّ ثمة تساوَلات وهي:

1. انّ النبي سأل أن لا يهلك أُمّته، فما هو المراد من هذا السوَال؟ أسأل أن لا يكون غلاء في صقع معين من نواحي الاَمصار الاِسلامية، أو المراد هو المجاعة العامة التي تُهلك الاَُمة من رأس؟


1 . لاحظ ص 86.
2 . صحيح مسلم: 8|171، باب هلاك هذه الاَُمّة بعضهم ببعض.


(294)

أمّا الاَوّل فلم يستجب دعاوَه، فما أكثر الغلاء في الاَقطار الاِسلامية لا سيما في العصر الحاضر .

وأمّا الثاني فالدعاء كان أمراً لغواً لاَنّه سبحانه وعد في الذكر الحكيم بقاء الاَُمّة الاِسلامية إلى يوم القيامة، قال سبحانه: (أَنَّ الاََرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُون) (الاَنبياء|105) وقال سبحانه: (هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة|33) وقال سبحانه: (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاََرْضِكَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيئاً وَمَنْ كَفَر بَعْدَذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ) (النور|55).

2. انّ السوَال الاَخير أي «لا يجعل بأسهم بينهم» من الاَدعية التي لا تستجاب أبداً، لاَنّه على خلاف السنن السائدة في الكون، و الاختلاف أمر طبيعي لكافة أبناء البشر، فكيف يطلب النبي من اللّه سبحانه أن لا يجعل بأسهم بينهم وهو القائل: افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة؟

رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. (1)

10. اللّه ليس بأعور

أخرج أحمد في مسنده، عن داود بن عامر بن سعد بن مالك، عن أبيه، عن


1 . المستدرك على الصحيحين: 1|128، وقد أشبعنا الكلام في هذا الموضوع عند دراسة أحاديث معاذ بن جبل، فلاحظ.


(295)

جدّه سعد انّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّه لم يكن نبي إلاّ وصف الدجال لاَُمّته، ولاَصفنّه صفة لم يصفها أحد قبلي، انّه أعور و انّ اللّه عزّ وجلّ ليس بأعور. (1)

هذا الحديث يثبت العضو للّه سبحانه، وانّ للّه عيناً، لكنّه ليس أعور، واللّه سبحانه أجلّ من التجسيم. وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة أحاديث معاذ بن جبل.

11. عبد اللّه بن سلام من أصحاب الجنّة

أخرج مسلم عن عامر بن سعد، قال سمعت أبي يقول: ما سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لحيٍّ يمشي انّه في الجنّة إلاّلعبد اللّه بن سلام. (2)

إنّ أثر الوهن باد على هذا الخبر بوضوح لانطوائه على تناقض سافر للحديث التالي.

أخرج أبو داود في سننه، عن عبد الرحمان بن الاَخنس، انّه كان في المسجد فذكر رجل عليّاً (عليه السلام) فقام سعيد بن زيد، فقال: «أشهد على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّي سمعته وهو يقول عشرة في الجنّة: النبيّفي الجنة، وأبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعلي في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير بن العوام في الجنّة، وسعد بن مالك في الجنّة ، و عبد الرحمان بن عوف في الجنّة ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت: قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد. (3)


1 . مسند أحمد: 1|176.
2 . صحيح مسلم : 7|160، باب فضائل عبد اللّه بن سلام؛ و أخرجه أيضاً البخاري: 5|37، باب مناقب عبد اللّه بن سلام.
3 . سنن أبي داود: 4|211 برقم 4649.


(296)

وهذا التناقض بين الحديثين يجرّنا إلى القول بوضع أحد الحديثين أو كليهما، ومن البعيد أن لا يسمع سعد ما سمعه سعيد بن زيد من النبيّ في حقّ العشرة المبشرة بالجنة مع أنّه هو منهم.

أضف إلى ذلك أنّ لازم صحّة الخبر الاَوّل أن يصل عبد اللّه بن سلام اليهودي ـ الذي أسلم وبث طائفة كبيرة من الاِسرائيليات في أوساط المسلمين ـ مرتبة يتفوّق فيها على أكابر الصحابة وأعيانهم الذين ضحوا بنفسهم ونفيسهم في سبيل إعلاء كلمة اللّه.

ثمّ إنّ الذي يسيء الظن بصحة الحديث الثاني انّالناقل هو سعيد بن زيد وهو أحد تلك العشرة المبشرة.

وما أحسن ما يقال: «بأبي زوجة تمدحها أُمّها» وأقول: «بأبي راوٍ ينقل عن النبي انّه من أهل الجنّة».

إنّ طبيعة الحال تقتضي أن يدلي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله في حشد كبير، يحضره أكثر العشرة المبشرة بالجنة، لا أن يدلي بكلامه هذا أمام أحدهم خاصّة، ولا يبوح هو أيضاً بما سمعه إلاّ عندما رأى نيل الناس من عليٍّ (عليه السلام) وذكره بالسوء.

Website Security Test