welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(201)

3. التجسيم في أحاديثه

ظهر التجسيم والتشبيه في المروّيات عنه نذكر منها ما يلي:

الحديث الاَوّل: أخرج مسلم، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: قام فينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمس كلمات فقال: إنّاللّه عزّوجلّ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور ـ وفي رواية أبي بكر:(حجابه) النار ـ لو كشفه لاَحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه. (1)

قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: فالسُّبُحاتُ (بضم السين والباء ورفع التاء في آخره) جمع سُبحة، قال صاحب العين والهروي وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين: معنى سُبُحاتُ وجهه: نوره وجلاله وبهاوَه.

وأمّا الحجاب (الذي يشير إلى قوله: حجابه النور أو النار) فأصله في اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنّما تكون للاَجسام المحدودة، واللّه تعالى منزّه عن الجسم والحد.والمراد هنا المانع من روَيته، وسمي ذلك المانع نوراً أو ناراً لاَنّهما يمنعان من الاِدراك في العادة لشعاعها.

والمراد من الوجه الذات، والمراد بـ «ما انتهى إليه بصره من خلقه» جميع المخلوقات، لاَنّ بصره سبحانه و تعالى محيط بجميع الكائنات. ولفظة «من» لبيان الجنس لا للتبعيض والتقدير لو أزال المانع من روَيته وهو الحجاب المسمى نوراً أو ناراً وتجلّـى لخلقه لاَحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته. (2)


1 . صحيح مسلم:1|111، باب في قوله (عليه السلام) : إنّ اللّه لا ينام و في قوله: حجابه النور لو كشفه لاَحرق سُبُحاتُ وجهه.
2 . النووي: شرح مسلم: 3|17.


(202)

ولنا مع هذا الحديث وتفسيره وقفة:

أوّلاً: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يكلّم الناس على قدر عقولهم شأن كلّنبي، فهذه التأويلات التي ارتكبها الشارح مفاهيم لا يقف عليها إلاّ من توغّل في العلوم العقلية، وليس المخاطب إلاّ نظراء أبي موسى، فأين هوَلاء من هذه التأويلات؟!

ثانياً: انّ السُّبحة في اللغة تعني الدعاء، قال في اللسان : سميت الصلاة تسبيحاً، لاَنّ التسبيح تعظيم للّه وتنزيهه عن كلّ سوء (1) وتفسيره بنور اللّه ووجهه وبهائه شيء لا تدل عليها مادة الكلمة، وإنّما جرّهم إلى ذلك التفسير لاَجل جعل الرواية ذات مفهوم صحيح.

ونقل ابن الجوزي عن أبي عبيدة: لم نسمع السُّبُحات إلاّ في هذا الحديث. (2)

ويظهر من المقاييس: انّه ليس لتلك المادة إلاّ معنيان، أحدهما جنس من العبادة والآخر جنس من السعي، فالاَوّل السُّبحة ومن هذا الباب التسبيح، وهو تنزيه اللّه جلّ ثناوَه عن كلّ سوء، وعلى ذلك فتفسير السبحة بالاَنوار لا دليل عليه في اللغة. (3)

ثالثاً: انّ المتبادر من قوله من خلقه انّ «من» للتبعيض بشهادة قوله: «انتهى إليه بصره» فيكون خلقه أوسع من نور بصره.

وأنت إذا عرضت هذا الحديث على عربي صميم لم يشب ذهنه بهذه المعارف، لفسَّر الحديث على وجه يلازم التجسيم، وليس في الحديث قرينة على التأويل، وإلاّ لكان التأويل مقدماً على غيره.


1 . لسان العرب:2، مادة سبح.
2 . ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه: 202.
3 . المقاييس:5|125.


(203)

الحديث الثاني: أخرج الاِمام أحمد، عن أبي موسى الاَشعري: قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يجمع اللّه عزّوجلّ الاَُمم في صعيد يوم القيامة، فإذا بدا للّه عزّوجلّ أن يصدع بين خلقه مثّل لكلّ قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يُقحمونهم النار، ثمّ يأتينا ربّنا عزّ وجلّ، ونحن على مكان رفيع فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون، فيقول ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربّنا عزّ وجلّ، قال: فيقول: وهل تعرفونه إنْ رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعم انّه لا عدل له، فيتجلّى لنا ضاحكاً، فيقول: أبشروا أيّها المسلمون، فانّه ليس منكم أحد إلاّ جعلت مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً. (1)

ورواه مسلم في صحيحه، باب معرفة طريق الروَية، بغير هذا اللفظ عن أبي هريرة. (2)

وهذا الحديث يثير تساوَلات كثيرة.

الاَوّل: إنّ لازم قوله: «مثّل لكلّ قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتّى يقحمونهم النار ثمّ يأتينا ربّنا عزّوجلّ» عدم وجود أيّ موحد يوَمن باللّه الواحد وينكر عبادة الاَوثان في الاَُمم السالفة، وهذا على خلاف الضرورة وصريح القرآن الكريم، فها هو يقول في حقّ نوح: (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّقَلِيلٌ) (هود|40) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجود الصالحين في الاَُمم السالفة.

الثاني: انّ قوله: «ثم يأتينا ربّنا ونحن على مكان رفيع» حاك عن ثبوت الحركة للّه سبحانه، بشهادة قوله: ونحن على مكان رفيع.

الثالث: انّ قوله: «من أنتم؟» أو قوله:«ما تنتظرون؟» أو قوله:«وهل تعرفونه ان رأيتموه؟» حاك عن تكلّمه سبحانه تكلّماً حسياً.


1 . مسند أحمد:4|407 ـ 408.
2 . صحيح مسلم:1|112، باب معرفة طريق الروَية.


(204)

الرابع: انّه سبحانه يسألهم عن أنّهم هل يعرفون ربّهم، وهم يجيبون بقولهم: نعم، ثمّ يسألهم عن السمات التي يعرفون بها ربّهم، ويقول: «كيف تعرفونه ولم تروه؟» فيجيبون بسمة كلّية لا صلة لها بمعرفة الربّ معرفة شخصية، حيث يقولون«نعم انّه لا عدل له» فانّ وصفه بعدم العدل والندّ له، لا يكون علامة وسمة للمعرفة الشخصية.

الخامس: انّ قوله فيتجلّـى لنا ضاحكاً، صريح في الجسم والجسمانية، وانّ له سبحانه ضحكاً حسياً.

السادس: انّ قوله: «أبشروا أيّها المسلمون، فانّه ليس منكم أحد إلاّ جعلت مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً، ينافي قوله سبحانه: (فَاليَوم لا يُوَخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا) (الحديد|15) والآية وإن كانت تخاطب المنافقين والكافرين، ولكن المورد غير مخصص، فانّ عدم أخذ الفدية لاَجل انّه يخالف عدله سبحانه.

وبعبارة أُخرى: انّ اليهود والنصارى إن كانوا مستحقين للدخول في النار، فهم يدخلونها لاَعمالهم الشريرة، لا لاَن يحلّوا مكان المسلمين، وإن لم يكونوا مستحقين للدخول في النار فملء الجحيم بهم يستلزم أخذ البريء بجرم المذنب واللّه سبحانه يقول: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الاَنعام|164).

وبمقارنة هذا الحديث مع ما رواه أبو هريرة في هذا المجال، يعلم مدى الاختلاف الفاحش بين الروايتين، والظاهر انّهما رواية واحدة نقلت بصورتين مختلفتين.

أخرج مسلم عن أبي هريرة انّه قال: كذلك يجمع اللّه الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع


(205)

من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الاَُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم اللّه تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم. (1)

فبالمقارنة بين الحديثين يعلم مدى التحريف الطارىَ على الرواية من أحد الجانبين، مثلاً انّ الرواية الاَُولى: (رواية أبي موسى) تصرّح بأنّه سبحانه يتكلّم مع المسلمين حيث قال: «فنقول نحن المسلمون» ويتجلى لهم، امّا الرواية الثانية (رواية أبي هريرة) فاللّه سبحانه يتكلّم مع المسلمين مع ما فيهم من المنافقين ويتجلّى للجميع.

وعلى كلّ تقدير سواء أكانتا رواية واحدة، أو كانتا روايتين فكلتاهما من الروايات المدسوسةمن قِبل أهل الجعل والوضع و التحريف.

4. الفداء في أحاديثه

إنّ مسألة الفداء، أي أخذ شخص محل شخص آخر يوم القيامة، فكرة يهودية ومسيحية تسرّبت إلى أحاديث أبي موسى الاَشعري، وقد اتضح ذلك من خلال استعراض الرواية السابقة، وثمة روايات أُخرى نقلها مسلم عنه نأتي بنصها:

1. روى مسلم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : إذا كان يوم القيامة دفع اللّه عزّوجلّ إلى كلّ مسلم يهوديّاً أو نصرانيّاً، فيقول:


1 . صحيح مسلم:1|113، باب معرفة طريق الروَية.


(206)

هذا فكاكك من النار. (1)

2. أخرج مسلم، عن عون وسعيد بن أبي بردة، انّهما شهدا أبا بردة يحدِّث عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يموت رجل مسلم إلاّ أدخل اللّه مكانه النار يهوديّاً أو نصرانيّاً، قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز باللّه الذي لا إله إلاّهو ثلاث مرّات أنّ أباه حدثه عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قال: فحلف له. (2)

3. أخرج مسلم، عن أبي بردة ،عن أبيه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: يجيىَ يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها اللّه لهم ويضعها على اليهود والنصارى، فيما أحسب أنّه قال: أبو روح لا أدري ممن الشك، قال أبو بردة: فحدثت به عمر بن عبد العزيز، فقال: أبوك حدثك هذا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قلت: نعم. (3)

يظهر من الرواية الاَخيرة انّ عمر بن عبد العزيز وغيره كانوا شاكين في صحّة هذا الحديث مهما صحّ سنده.

نعم تعجّب أبو روح «وقال: لا أدري ممن الشك» أقول منشأ الشك هو انّ هذه الروايات مخالفة للذكر الحكيم كما أوعزنا إليه ولاَنّ الناس يجزون بأعمالهم لا بأعمال غيرهم قال سبحانه:(وما تُجْزَوْنَ إلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (الصافات|39) قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوماً لا يجزي والِدٌ عَنْ وَلَدِه وَ لا مَولُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ وَالِدِه شَيئاً) (لقمان|33).

وقال سبحانه: (فَالْيَومَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَونَ إِلاّما كُنْتُمْ تَعْمَلُون)(يس|54) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ كلّ إنسان مرهون بعمله.


1 . صحيح مسلم:8|104 ـ 105، باب قبول توبة القاتل.
2 . صحيح مسلم:8|104 ـ 105، باب قبول توبة القاتل.
3 . صحيح مسلم:8|104 ـ 105، باب قبول توبة القاتل.


(207)

5. الميت يُعذب ببكاء الحي

أخرج أحمد، عن ابن أبي موسى الاَشعري ،عن أبيه: انّالنبيقال: الميت يعذب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة: وا عضداه، وا ناصراه وا كاسباه، جُبذّ (1) . الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها، أنت كاسبها، فقلت سبحان اللّه: يقول اللّه عزّ وجلّ: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرْى) ، فقال: ويحك أحدثك عن أبي موسى عن رسول اللّه، وتقول هذا، فأيّنا كذّب؟! فواللّه ما كذبت على أبي موسى ولا كذب أبو موسى على رسول اللّه. (2)

وأخرجه الترمذي عن أبي موسى الاَشعري انّ رسول اللّه، قال: ما من ميت يموت فيقوم باكيه، فيقول واجبلاه، واسيداه، أو نحو ذلك، إلاّ وكّل به ملكان يلهزانه (3) أهكذا كنت.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. (4)

وأخرجه ابن ماجة في سننه. (5)

وكفى في وهن الحديث وشذوذه انّ السامع أدرك بفطرته انّه يخالف نداء الذكر الحكيم، غير انّ الذي صدّه عن التكذيب هو كون الرواية منسوبة إلى أبي موسى، عن طريق ولده، ولكن لم يعرف انّ كتاب اللّه فوق كلّ شيء، و هو المعيار لتمييز الحقّ عن الباطل.


1 . جبذ أي قطع.
2 . مسند أحمد:4|414.
3 . يقال لهز فلاناً أي لكزه، وقيل ضربه بجمع كفه في اللهزمة والرقبة.
4 . سنن الترمذي:3|327 برقم 1003.
5 . سنن ابن ماجة: 1|508 برقم 1594 وفيه مكان يلهز، يتعتع.


(208)

وقد مضى انّ السيدة عائشة كذَّبت الرواية، وقالت: رحم اللّه أبا عبد الرحمان سمع شيئاً فلم يحفظه، إنّما مرّت على رسول اللّه جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وإنّه ليعذّب . (1)

6. القعود خير من القيام

أخرج أبو داود، عن أبي كبشة قال: سمعت أبا موسى يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّبين أيديكم فتناً كقِطَع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها موَمناً و يمسي كافراً و يمسي موَمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «كونوا أحلاس بيوتكم». (2)

يقول الشيخ عبد العزيز بن باز في تفسير الحديث: هذه الفتنة هي الفتن التي لا يظهر وجهها ولا يعلم طريق الحقّ فيها، بل هي ملتبسة فهذه يجتنبها الموَمن ويبتعد عنها بأيّ ملجأ و من هذا الباب قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غُنم يتبع بها شعف الجبال مواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن». (3)

أقول: أين الفتنة الواردة في الرواية من الاقتداء بإمام أصفقت الصحابة من المهاجرين والاَنصار على بيعته، وقدّموه إماماً للمسلمين، فهل يتصور أن يكون القاعد فيها أفضل من القائم؟!

إنّ أبا موسى مما خذل علياً وثبّط عزيمة الناس عن المشاركة في قتال


1 . صحيح مسلم: 3|44، باب البكاء على الميت.
2 . سنن أبي داود: 4|101 برقم 4262. وأخرجه أحمد في مسنده:4|408.
3 . أُمّ مالك الخالدي، بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة، ص 235.


(209)

الناكثين، التي أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الاِمام سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين (1) .وقد تمسك أبو موسى بهذا الحديث ولم يشارك مع علي (عليه السلام) في القتال، ولكنّه شارك مع عمرو بن العاص في عزل علي (عليه السلام) عملاً بهذا الحديث، لكن من أين علم انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد بكلامه حرب الناكثين، وقد قامت بعده فتن وحروب ولم يكن حرب الجمل أوّل حرب دارت بين المسلمين؟!

على أنّ قوله: «كونوا أحلاس بيوتكم»ينافي الذكر الحكيم فانّه يأمر بالاِصلاح قال سبحانه: (وَإِنْطائِفَتانِ مِنَ المُوَْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحداهُما عَلى الاَُخرى فَقاتِلُوا الَّتي تَبغي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّه فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْل وَأَقْسِطُوا إِن اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين) (الحجرات|9).

فاللّه سبحانه يأمربالاِصلاح أوّلاً ثمّ قتال الفئة الباغية، فكيف يأمر النبي بالانعزال والانزواء؟! فالتبرير الذي برّر به عمله غير مجدٍ.

7. الاِرجاء في حديثه

أخرج أبو داود، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : أُمّتي هذه أُمّة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا: الفتن و الزلازل والقتل. (2)

أقول: إنّ فكرة الاِرجاء وإن ظهرت في أواخر القرن الاَوّل، فادّعت المرجئة أنّ الاِيمان عبارة عن الاِقرار بالقول واللسان وإن لم يكن مرافقاً للعمل، فأخذوا من الاِيمان جانب القول وتركوا جانب العمل، فكأنّهم قدّموا الاَوّل وأخّروا الثاني واشتهروا بمقولتهم «لا تضر مع الاِيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة».


1 . تاريخ ابن عساكر:5|41؛ تاريخ ابن كثير:7|306؛ كنز العمال:6|88؛ الغدير: 3|192.
2 . سنن أبي داود: 4|105 برقم 4278.


(210)

لكن الحديث يدعم تلك الفكرة فيبشِّـر الاَُمّة المرحومة بالنجاة في الآخرة، وإن كان يصيبهم في الدنيا ببعض الجزاء، ولكن كتبت النجاة على الجميع، حتى الطواغيت والمجرمين والظالمين العتاة، ومن الواضح انّالحديث مخالف للقرآن الكريم والسنّة النبوية واتّفاق المسلمين، فأين قوله سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُوَْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاوَُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها) (النساء|93) وقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِفَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * يَومَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لاََنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة|34ـ35) إلى غير ذلك من الآيات العامة لجميع الاَفراد خصوصاً الاَُمّة المرحومة التي جاءهم نبيهم بهذه الآيات والاَحكام.



(211)

12
زيد بن ثابت الاَنصاري

(11ق. هـ ـ 45هـ)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

1.عذاب بلا ذنب.2. اتخاذ اليهود قبور أنبيائهم مساجد.

3. حرمان بعض الورثة من الميراث.4. تحريف القرآن الكريم.

5. عدم سجود النبي عند قراءة سورة النجم.6. العثور على آية عند خزيمة.

7.نهي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كتابة الحديث.8.البداء المحال في الوحي.

9. الملائكة باسطوا أجنحتهم على الشام 10. ضرورة اتخاذ الخليفة من المهاجرين.

هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الاَنصاري الخزرجي ثمّ النجّاري، أُمّه النوار بنت مالك بن معاوية بن عدي بن النجّار، كنيته أبو سعيد، وكان عمره لما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة إحدى عشرة سنة، وكان يوم بعاث ابن ست سنين، وفيها قتل أبوه واستصغره رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر فردّه، وشهد أُحداً، وقيل: لم يشهدها، وإنّما شهد الخندق أوّل مشاهده، وكانت راية بني مالك بن النجار يوم تبوك بيد زيد بن ثابت. (1)

وقد أطراه أصحاب المعاجم بأُمور وربّما ذكروا ما يخالفها.


1 . أُسد الغابة:2|221ـ 223.


(212)

1. هل كان زيدجامعاً للقرآن؟

إنّ أبا بكر قال له: أنت رجل شاب عاقل لانتَّهمُك قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فتتبّعِ القرآن فاجمعه.

فقال زيد: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

قال: هو واللّه خير.

فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الاَنصاري لم أجدها مع أحد غيره (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه اللّه تعالى، ثمّ عند عمر حياته، ثمّعند حفصة بنت عمر. (1)

يلاحظ عليه، أوّلاً: أنّ البخاري نقل انّ القرآن جمع في عصر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأحد الجامعين هو زيد بن ثابت، فروى عن أنس، قال: مات النبي ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، و معاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورثناه (2) ومعه كيف يكون جامعاً للقرآن أيضاً بعد رحيله؟!

ثانياً: لو صحّ ما في الخبر، و افترضنا أنّه لم يجمع القرآن في عهد الرسول، كان اللازم على الخليفة أبي بكر أن يترك جمع القرآن الكريم إلى عبد اللّه بن مسعود، الذي يروي البخاري عنه، انّه قال : واللّه الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب اللّه إلاّ أنا أعلم أين أُنزلت، ولا أُنزلت آية من كتاب اللّه إلاّأنا أعلم فيم


1 . صحيح البخاري: 6|183، باب جمع القرآن.
2 . صحيح البخاري: 6|187، باب القراء من أصحاب النبي.


(213)

أُنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم منّي بكتاب اللّه تبلغه الاِبل لركبت إليه. (1)

كما روى البخاري أيضاً عن مسروق: أنّه ذكر عبد اللّه بن عمرو، عبدَ اللّه بن مسعود، فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: خذوا القرآن من أربعة من: عبد اللّه بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبي بن كعب.

كما روى أيضاً، انّه خطب عبد اللّه بن مسعود، وقال: واللّه لقد أخذت من في رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بضعاً وسبعين سورة، واللّه لقد علم أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّي من أعلمهم بكتاب اللّه وما أنا بخيرهم قال شقيق: فجلست في الحِلَق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادّاً يقول غير ذلك. (2)

ومع هذه الروايات التي رواها البخاري في حق عبد اللّه بن مسعود، فمن البعيد أن يترك الخليفة ذلك المقرىَ الكبير ويلتجىَ إلى شاب أدرك من عصر الرسالة عشرة أعوام وهو بعدُ صبيّ لم يبلغ الحُلُم، ويترك عبد اللّه بن مسعود أحد السابقين في الاِسلام، أدرك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة المكرمة والمدينة المنوّرة.

كلّ ذلك يرشدنا إلى أنّجمع القرآن الكريم بعد رحيل الرسولبيد زيد ابن ثابت مزعمة لا يذعن لها العقل ولا النقل.

وأعجب منه انّقاطبة المسلمين لم يحفظوا آخر آية سورة التوبة حتى زيد بن ثابت نفسه، فأخذها من أبي خزيمة أحد الصحابة.

أو ليس معنى ذلك انّالمعجزة الكبرى والسند الوثيق للاِسلام، لم يصل إلى المسلمين بطريق متواتر، بل وجده الجامع عند واحد من الصحابة فأدرجه في القرآن، وهذا إنكار لتواتر القرآن وبالتالي إنكار تلك المعجزة الكبرى.


1 . صحيح البخاري: 6|187.
2 . المصدر السابق: 6|186.


(214)

وثمة نكتة جديرة بالامعان وهي:

إنّ هذه الروايات مخالفة لحكم العقل، فانّ عظمة القرآن بنفسه، واهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحفظه وقراءته، واهتمام المسلمين بما يهتم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما تستوجب تلاوة القرآن من الثواب، كل ذلك يبعثنا إلى القول بأنّ القرآن جمع في عهد الرسالة، وينافي القول بجمعه على النحو المذكور في تلك الروايات.

إنّ العقل الصريح يحكم بأنّ قائداً كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان واقفاً على أنّالقرآن دعامة دينه ومعجزة شريعته والمرجع الاَوّل للاَُمّة إلى يوم القيامة في العقيدة والشريعة، لا يمكن أن يترك القرآن في مهبّ الرياح مبعثراً بين الرقاع والاكتاف بين العسب وصدور الرجال، دون أن يجمعه في كتاب ويدونه كي يكون حجّة خالدة على مدى العصور. فمن زعم انّ الرسولمضى ولم يبذل عناية كافية في جمع القرآن وتدوينه وصيانته عن طروء الحوادث، فقد جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير معنيّ بقوام شريعته وبرهان رسالته وشوَون أُمّته.أعاذنا اللّه وإيّاكم من تلك الفكرة الخاطئة.

هذا هو موجز البحث عن المفخرة الاَُولى التي أثبتها أصحاب المعاجم لزيد بن ثابت وانّه الجامع للقرآن بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب المعدّة لهذا الغرض.

2. هل كان زيد أعلم بالفرائض؟

قد ذكر غير واحد من أصحاب المعاجم انّزيداً أفرض الصحابة وأعلمهم بالفرائض.

روى ابن سعد في طبقاته عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفرض أُمّتي زيد بن ثابت.


(215)

وروى أيضاً، انّ عمر وعثمان ما كانا يُقدِّمان على زيد بن ثابت أحداً في الفرائض، و الفتوى، والقراءة، والقضاء، كما روى عن عمر بن الخطاب، انّه قال: من كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت. (1)

ونقل الذهبي عن الشعبي، انّه قال: غلب زيد الناس على اثنين: الفرائض والقرآن. (2)

أقول: ما نقله عن الشعبي فقد نقل عنه خلافه.

قال ابن شهر آشوب في بيان انّ علياً هو المرجع في جميع العلوم الاِسلامية، ما هذا لفظه: و منهم الفرضيون وهو أشهرهم فيها؛ ثمّ نقل عن فضائل الصحابة لاَحمد، عن طريق ابنه، انّه قال: إنّأعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، قال الشعبي: ما رأيت أفرض من علي (عليه السلام) ولا أحسب منه، وقد سئل عنه وهو على المنبر يخطب عن رجل مات وترك امرأة وأبوين وابنتين، كم نصيب المرأة؟ فقال: صار ثمنها تسعاً، فلقّبت بالمسألة المنبرية.

شرح ذلك: للاَبوين السدسان، وللبنتين الثلثان، وللمرأة الثمن، عالت الفريضة فكان لها ثلاث من أربعة وعشرين ثمنها، فلمّا صارت إلى سبعة وعشرين صار ثمنها تسعاً، فإنّ ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها، ويبقى أربعة وعشرون، للابنتين ستة عشر، وثمانية للاَبوين سواء، قال: هذا على الاستفهام، أو على قول القائلين بالعول، فلذا صار ثمنها تسعاً، أو سئل كيف يجيء الحكم على مذهب من يقول بالعول؟ فبيّن الجواب والحساب والقسمة والنسبة.


1 . طبقات ابن سعد: 2|359؛ ولاحظ سير اعلام النبلاء:2|431 برقم 85، وقد ناقش المعلّق في اسناد بعض تلك الروايات.
2 . سير اعلام النبلاء: 2|432.


(216)

ومنه المسألة الديناريّة. (1)

وكان ابن عباس يردّ على زيد قوله بالعول في الفرائض، فمن ذلك قوله:

إنشاء، أو قال: من شاء باهلته، إنّالذي أحصى رمل عالج عدداً أعدل من أن يجعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، هذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ (2)

وللاِمام الصادق ردٌّ على ما قضى به زيد بن ثابت في مسألة، وهي: إذا ماتت امرأة وتركت زوجها وإخوة، وأُمّها وأُختاً لاَبيها؛ فمن أراد التفصيل فليرجع إلى تهذيب الاَحكام. (3)

3. كان زيد عثمانيَّ الهوى

ذكر الجزري انّزيداً كان عثمانياً، ولم يشهد مع علي شيئاً من حروبه، وكان يظهر فضل عليّ وتعظيمه، وهو من الذين لم يبايعوا علياً عند ما بايعه وجوه المهاجرين والاَنصار، وعلى الرغم من ذلك لم يكن يكتم فضائل علي (عليه السلام) ومناقبه.

روى يعقوب بن سفيان بسنده، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي تارك فيكم خليفتي: كتاب اللّه عزّوجلّ، وعترتي أهل بيتي؛ وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. (4)

وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة. (5)


1 . بحار الاَنوار: 40|159 نقلاً عن مناقب ابن شهر آشوب، لاحظ المناقب: 1|259.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 20|25ـ 27.
3 . الطوسي: تهذيب الاَحكام: 9|291ـ 292.
4 . كتاب المعرفة والتاريخ: 1|537.
5 . الغدير: 1|37.
Website Security Test