welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(186)

10
تميم الداري

(...ـ40هـ)

سيرته وأحاديثه

أحاديثه السقيمة:

1. النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يحدِّث عن تميم الداري

تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي الفلسطيني، و«الدار» بطن من لخم، ولخم: فخذ من يعرب بن قحطان.

وفد تميم الداري سنة تسع، كان نصرانيّاً فأسلم، فحدَّث عنه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» على المنبر بقصة الجسّاسة في أمر الدجال.

ولتميم عدة أحاديث.

حدّث عنه: ابن موهب عبد اللّه، وأنس بن مالك، وكثير بن مرّة، وعطاء بن يزيد الليثي، وزرارة بن أوفى.

قال ابن سعد: لم يزل بالمدينة حتى تحول بعد قتل عثمان إلى الشام.

وروى الزّهريّ، عن السائب بن يزيد، قال: أوّل من قصَّ تميم الداري، استأذن عمر فأذن له، فقصَّ قائماً.

والعجب انّ الخليفة أذن لتميم الداري أن يقُصّ أساطير اليهود والنصارى،


(187)

في الوقت الذي مَنَعَ عن كتابة الحديث، ونهى عن إفشائه ومذاكرته، فما هو المبرّر من حرمان المسلمين عن سماع أحاديث نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) والسماح للقصاصين في قص أساطيرهم وخرافاتهم؟!

وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الاَُمّة وأعلمهم، فكيف يحدِّث عن واحد من أفراد الاَُمّة، كتميم الداري ولم ير في متون التاريخ رواية المعصوم عن غيره.

روى خالد بن عبداللّه، عن بيان، عن وبرة، قال: رأى عمر تميماً الداري يصلي بعد العصر، فضربه بدرّته على رأسه. فقال له تميم: يا عمر، تضربني على صلاة صليتها مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟! قال: يا تميم، ليس كلّ الناس يعلم ما تعلم.

وأخرج ابن ماجة باسناد ضعيف، عن أبي سعد، قال: أوّل من أسرج في المساجد تميم الداري.

يقال: وجد على بلاطة قبر تميم الداري: مات سنة أربعين.

وحديثه يبلغ ثمانية عشر حديثاً، منها في صحيح مسلم حديث واحد. (1)

وجمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 11 حديثاً. (2)

روائع أحاديثه

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الدين النصيحة، قلنا: لمن، قال للّه، ولكتابه، ولرسوله، ولاَئمة


1 . سير أعلام النبلاء:2|442ـ 448 برقم 86.
2 . المسند الجامع: 3|292 ـ 298 برقم 59.


(188)

المسلمين، وعامتهم. (1)

2. أخرج أحمد في مسنده، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن أكملها كتبت له كاملة، وإن لم يكن أكملها، قال اللّه سبحانه لملائكته: انظروا، هل تجدون لعبدي من تطوع، فأكملوا بها ما ضيّع من فريضة، ثم الزكاة، ثمّ توَخذ الاَعمال على حسب ذلك.(2)

وقد عزي إليه حديث لا يستقيم مع الضوابط المقررة.

النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يحدّث عن تميم الداري

أخرج مسلم في صحيحه، عن عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان انّه سأل فاطمة بنت قيس أُخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الاَُول[قال شراحيل لفاطمةج حدّثيني حديثاً سمعتيه من رسول اللّه لا تسنديه إلى أحد غيره.

فقالت: لئن شئت لاَفعلنّ ـ إلى أن قالت ـ سمعت نداء المنادي، منادي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ينادي الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم.

فلما قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كل إنسان مصلاّه، ثمّ قال: أتدرون لِـمَ جمعتكم؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم.


1 . صحيح مسلم:1|53، باب بيان انّه لا يدخل الجنة إلاّ الموَمنون و انّ محبة الموَمنين من الاِيمان من كتاب الاِيمان.
2 . مسند أحمد:4|103.


(189)

قال: إنّي واللّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لاَنّ تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أُحدّثكم عن مسيح الدجال.

حدثني انّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجُذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثم ارفوَا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلبُ كثيرُ الشّعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر.

فقالوا: ويلك ما أنت؟

فقالت: أنا الجسّاسة.

قالوا: وما الجسّاسة؟

قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرّجل في الدّير، فانّه إلى خبركم بالاَشواق.

قال: لما سمّت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة.

قال: فانطلقنا سراعاً، حتى دخلنا الدّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قطُّ خلقاً وأشدّه وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد.

قلنا: ويلك ما أنت؟

قال: قد قدرتم على خبري فاخبروني ما أنتم؟

قالوا: نحن أُناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا الموج شهراً، ثمّ ارفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشَّعر لا يُدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر.

فقلنا: ويلك ما أنتِ؟


(190)

فقالت: أنا الجساسة.

قلنا: وما الجساسة؟

قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فانّه إلى خبركم بالاَشواق، فاقبلنا إليك سراعاً و فزعنا منها، ولم نأمن من أن تكون شيطانة.

فقال: أخبروني عن نخل بيسان.

قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟

قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟

قلنا له: نعم.

قال: أما إنّه يوشك أن لا تثمر.

قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية.

قلنا : عن أي شأنها تستخبر؟

قال: هل فيها ماء؟

قالوا: هي كثيرة الماء.

قال: أما إنّ ماءها يوشك أن يذهب.

قال: أخبروني عن عين زُغر.

قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟

قال: هل في العين ماء، وهل يزرع أهلها بماء العين؟

قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها.

قال: أخبروني عن نبي الاَُميّين ما فعل؟

قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب.

قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم.


(191)

قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه انّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.

قال لهم: قد كان ذلك، قلنا: نعم، قال: أما إنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإنّي مخبركم عني، انّي أنا المسيح، وانّي أوشك أن يوَذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الاَرض فلا أدع قرية إلاّهبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة فهما محرّمتان عليَّ كلتاهما كلّما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدُّني عنها، وانّ على كلّنقب منها ملائكة يحرسونها.

قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة يعني المدينة، ألا هل كنت حدثتكم ذلك، فقال الناس: نعم، فانّه أعجبني حديث تميم انّه وافق الذي كنت أحدثكم عنه، وعن المدينة ومكة، إلاّانّه في بحر الشام أوبحر اليمن بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق.

قالت: فحفطت هذا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم). (1)

وفي الحديث أمارات كثيرة على الدّس و الوضع، ونحن نقتصر منها على أمرين:

الاَوّل: انّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم الاَُمّة وأفضلهم ولا يدانيه أحد في ذلك، الذي قال عنه سبحانه:(وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء|113).

فإذا كان هو أعلم الاَُمّة، فكتابه هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، كما


1 . صحيح مسلم:8|203ـ 205، باب في خروج الدجال ومكثه في الاَرض من كتاب الفتن وأشراط الساعة.


(192)

قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدة|48).

فإذا كان الاَمر كذلك، فما هي الحاجة للحصول على تأييد تميم الداري بصحة كلامه؟! وهذا يحط من شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابه المنزل.

فتميم الداري أحوج إلى تأييد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

الثاني: انّهذه الجزيرة التي حدث عنها تميم الداري في أي مكان من الاَرض تقع؟ فعلماء الجغرافية قد مسحوا الاَرض مسحاً دقيقاً فلم يعثروا على مثل تلك الجزيرة.

مضافاً إلى مافي متن الحديث من أُمور خرافية لا يستحسنها إلاّ السُّذّج من الناس.



(193)

11
أبو موسى الاَشعري

(...ـ42هـ)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

1. صحابي أعرف بالمصلحة من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

2. أهل الكتاب لهم أجران.3. التجسيم في أحاديثه

4. الفداء في أحاديثه 5. الميت يعذّب ببكاء الحيّ

6. القعود خير من القيام 7. الاِرجاء في حديثه

هو عبد اللّه بن قيس بن سليم، قحطاني، أسلم بمكة، ويقال هاجر إلى أرض الحبشة، ثمّ قدم مع أهل السفينتين ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بخيبر؛ وربّما يقال قد أسلم بمكة قديماً ثمّ رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الاَشعريين على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين جعفر وأصحابه من أرض الحبشة ووافقوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بخيبر. (1)

والثاني هو الصواب، فانّ ابن إسحاق والواقدي وغيرهما لم يذكراه من


1 . ابن سعد: الطبقات الكبرى:4|105.


(194)

مهاجرة الحبشة، وعلى أية حال، كان عامل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على زبيد وعدن، واستعمله عمر بن الخطاب على البصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة الجرّاح في الشام، ولما قُتل عمر كان أبو موسى على البصرة فأقرّه عثمان عليها ثمّ عزله، واستعمل بعده ابن عامر، فسار من البصرة إلى الكوفة فلم يزل بها حتى أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص وطلبوا من عثمان أن يستعمله عليهم، فلم يزل على الكوفة حتى قتل عثمان (1) فأقره الاِمام علي (عليه السلام) ثمّ عزله.

ولما نكثت طائفة بيعة الاِمام علي (عليه السلام) وعلى رأسهم طلحة والزبير وعائشة، وجعلوا البصرة قاعدة لجيشهم، سار الاِمام نحوهم ليُطفىَ نار الفتنة، وبعث بكتاب إلى أبي موسى الاَشعري ليقرأه على الناس ويستنفرهم إلى نصرته.

ذكر الطبري انّ الاِمام كتب إلى أبي موسى: انّي وجهت هاشم بن عتبة ليُنهض من قبلك من المسلمين إليّ، فأشخص الناس فإنّـي لم أوّلك الذي أنت به، إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ.

فدعا أبو موسى، السائب بن مالك الاَشعري، فقال له: ما ترى؟قال: أرى أن تتبع ما كتب به إليك، قال: لكنّي لا أرى ذلك، فكتب هاشم بن عُتبَة إلى علي (عليه السلام) : أنّه قد قدمتُ على رجل غالٍمشاقٍ ظاهر الغل و الشنآن.

وبعث بالكتاب مع المحل بن خليفة الطائي، ولمّا وصل الكتاب إلى الاِمام ووقف على تثبيطه عزائم الناس، بعث ابنه الحسن بن علي و عمار بن ياسر يستنفران له الناس، وبعث قرظة بن كعب الاَنصاري أميراً على الكوفة، وكتب معه إلى أبي موسى أمّا بعد: فقد كنت أرى أن تعزب عن هذا الاَمر الذي لم يجعل اللّه عزّ وجلّ لك منه نصيباً، سيمنعك مِنْ ردّ أمري، وقد بعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر يستنفران الناس، وبعثت قرظة بن كعب والياً على المصر، فاعتزِل


1 . الجزري: أُسد الغابة: 3|246.


(195)

عملنا مذموماً مدحوراً. (1)

لقد واجه الاِمام بعد وقعة الجمل، واقعة صفين التي أشعل نائرتها القاسطون، وحمل رايتها معاوية بن أبي سفيان، فدارت بين علي والقاسطين حرب طاحنة كاد النصر أن يكون حليف علي وعساكره لولا الفتنة التي أثارها عمرو بن العاص، فرفعوا المصاحف على الاَسنَّة، ونادوا يا معشر العرب، اللّه اللّه في نسائكم وبناتكم، فمن للروم والاَتراك وأهل فارس غداً إذا فُنيتمُ، اللّه اللّه في دينكم هذا كتاب اللّه بيننا وبينكم.

وقد أثَّرت تلك المكيدة على همم كثير من قُوّاد جيش علي «عليه السلام» ، فألزموا علياً على إيقاف الحرب والخضوع إلى حكم القرآن.

فانتهى الاَمر إلى أن ينتخب كلّ من الطائفتين رجلاً، يتدارسا الموقف ويُحييا ما أحيا القرآن و يُميتا ما أمات القرآن، وقد قبل الاِمام التحكيم على مضض شديد لم يكن له بدّ من القبول، وقد بلغ القوم في قلة الحياء وشكاسة الخُلْق بمكان انّهم فرضوا التحكيم عليه وفرضوا أيضاً أن يكون الحَكَم من جانبه هو أبا موسى الاَشعري فامتنع الاِمام، وقال: إنّي لا أرضى بأبي موسى ولا أرى بأن أُولِّيه، فقال الاَشعث وزمرته: إنّا لا نرضى إلاّبه، فلم ير الاِمام بداً إلاّ النزول على رأيهم، فتم الاِتفاق عليه من جانبه، وعلى عمرو بن العاص من جانب معاوية غير انّ أبا موسى كما تنبأ به الاِمام علي (عليه السلام) انخدع بالمكيدة التي حاكها له عمرو بن العاص، فخلع عليّاً عن الخلافة على أن يخلع عمرو بن العاص معاوية عن الحكم، لكن عمرو بن العاص خالف الشرط المتّفق عليه بينهما، فقال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبِّت صاحبي معاوية، فانّه وليُّ عثمان بن عفان، والطالب بدمه، وأحقّ الناس بمقامه.


1 . تاريخ الطبري:3|512.


(196)

فقال أبو موسى لعمرو: مالك لا وفقك اللّه غدرت وفجرت، إنّما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.

قال عمرو: إنّ مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً. (1)

وبذلك تمت المكيدة لصالح معاوية.

هذه هي سيرة الرجل على وجه الاِجمال، ولم يُر بعد مسألة التحكيم له أيُّ نشاط يُذكر، وقد مات بمكة عام 42هـ وقيل 44 هـ. وقيل غير ذلك .

اتّفق أهل السير على أنّ أبا موسى كان رجلاً ساذجاً غير فطن، كان علي (عليه السلام) واقفاً على سذاجته، وقال لما بعثه عن كُره: «وكأنّي به وقد خُدع».

فقال رجل للاِمام (عليه السلام) :فلِمَ توجِّهه وأنت تعلم انّه مخدوع، فأجاب الاِمام: يا بُنيّ لو عمل اللّه في خلقه بعلمه، ما احتج عليهم بالرسل. (2)

وربما يتصور انّ أبا موسى خلع عليّاً لانخداعه بمكر نظيره عمرو بن العاص، ولكن مع الاِذعان بذلك كان ثمة عامل آخر أثَّر في عقد الاتّفاق مع نظيره على عزل الاِمام ومعاوية عن الخلافة، وهو انّ الاِمام لمّا وقف على خذلانه وتثبيطه عزائم الناس عن الجهاد، عزله ونصب مكانه عاملاً آخر، فلم يزل أبو موسى في حرج من هذا الموقف الذي ترك مضاعفات سلبية في نفسه، فحفّزه على عزل الاِمام الذي اتّفق المهاجرون والاَنصار على إمامته وخلافته، إلاّنزراً يسيراً لا يتجاوز عددُهم عددَ الاَصابع.

لما بلغ علياً ما جرى بين الحكمين من الحكم على خلاف كتاب اللّه وسنّة رسوله، وغدر عمرو بن العاص، وانخداع أبي موسى، قام خطيباً، رافضاً ما حكم


1 . تاريخ الطبري: 5| 38، طبعة موَسسة عز الدين.
2 . ابن شهر آشوب، المناقب: 2|261، طبعة قم.


(197)

به الحكمان الجائران، وقال:

«الحمد للّه، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، ليس معه إله غيره، وأنّ محمّداً عبده ورسولهص.

أمّا بعد؛ فإنّ معصية الناصح، الشفيق العالم، المجرِّب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاع لقصير أمرٌ، فأبيتم عليَّ اباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتّى ارتاب الناصح بنصحه، وضنَّ الزنْد بقدْحه، فكنت أنا وإياكم كما قال أخو هوازن:

أمرتكم أمــري بمنعــرج اللّوى * فلم تستبينوا النصح إلاّ ضحى الغد(1)

صدق الاِمام، إنّ من الخطب الفادح، والحدث الجليل، خلع صدّيق الاَُمّة، وأوّل من آمن برسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدّق به، وبات في فراشه، دفعاً لريب المنون عنه، وجاهد في سبيل اللّه بنفسه ونفيسه، وشهد المعارك كلها إلاّ تبوك، بأمر النبي ، إلى غير ذلك من فضائل ومناقب ومآثر جمّة اعترف بها الصديق والعدو والقريب والبعيد.

إنّ من المصائب العظام نصب معاوية بن أبي سفيان الطليق ابن الطليق، ابن آكلة الاَكباد، للخلافة والزعامة الاِسلامية، وأنّى هو من الاِسلام، وهو ثمرة الشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن، أو ليس هذا من أدهى الدواهي؟ ولاَجل ذلك نرى أنّ الاِمام يصف تلك الحادثة المريرة، بالخطب الفادح والحدث الجليل.

هذه سيرة الرجل على وجه الاِجمال، التي هي مقدمة لدراسة ما روي عنه وعزِّى إليه، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه التي تشهد الموازين على صحّتها.


1 . نهج البلاغة، الخطبة 35.


(198)

روائع أحاديثه

1. أخرج الشيخان، عن أبي بردة (ابن أبي موسى) عن أبي موسى، قال: قلت: يا رسول اللّه أيّ الاِسلام أفضل؟قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده.(1)

2. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول اللّه تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره. (2)

3. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبيه (أبو موسى)قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا نكاح إلاّ بولي. (3)

4. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : الموَمن للموَمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً. (4)

5. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أطعموا الجائع، وفكُّوا العاني، وعوِّدوا المريض.(5)

6. أخرج الترمذي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كلّكم راع وكلّكم مسوَول عن رعيته. (6)

7. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أُعطيت خمساً: بعثت إلى الاَحمر والاَسود، وجعلت لي الاَرض طهوراً


1 . صحيح مسلم:1|48، باب تفاضل الاِسلام؛ صحيح البخاري: 1|10، باب أي الاِسلام أفضل.
2 . مسند أحمد:4|394.
3 . مسند أحمد:4|394.
4 . مسند أحمد:4|404.
5 . مسند أحمد:4|394.
6 . سنن الترمذي: 4|208 برقم 1705.


(199)

ومسجداً، وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحلّ لمن كان قبلي، ونُصرت بالرعب شهراً، وأُعطيت الشفاعة. وليس من نبي إلاّ وقد سأل شفاعة، وانّي أخبأت شفاعتي ثمّ جعلتها لمن مات من أُمّتي لمن لم يشرك باللّه شيئاً. (1)

هذه نماذج من روائع أحاديثه ذكرناها ليكون القارىَ على بصيرة من منزلة الرجل في نقله للحديث، وفي مقابلها روايات، رويت عنه، فيها شذوذ وعلل، لا يصحّ لباحث قبولها ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإليك بعضها:

1. صحابيّ أعرف بالمصلحة من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)


أخرج أحمد، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: أتيت النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ومعي نفر من قومي، فقال:أبشروا وبشّروا من وراءكم انّه من شهد أن لا إله إلاّ اللّه صادقاً بها دخل الجنّة. فخرجنا من عند النبي نبشّر الناس، فاستقبلنا عمر بن الخطاب فرجع بنا إلى رسول اللّه، فقال عمر: يا رسول اللّه إذاً يتّكل الناس، قال: فسكت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (2)

ولنا مع هذا الحديث وقفة قصيرة هي:

أوّلا: انّه معارض بما رواه معاذ بن جبل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: يا معاذ، قلت: لبيك يا رسول اللّه وسعديك، قال: لا يشهد عبد ان لا إله إلاّ اللّه ثمّ يموت على ذلك إلاّ دخل الجنّة، قال: أفلا أحدِّث الناس؟ قال: لا ، إنّي أخشى أن يتّكلوا عليه. (3)

فالمعارضة بين الحديثين واضحة، فإنّ الاَوّل يدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بنشر الحديث، والثاني يدل على أنّه أمر بكتمه.


1 . مسند أحمد:4|416.
2 . مسند أحمد:4|402.
3 . مسند أحمد:4|230.


(200)

وثانياً: انّ الحديث الثاني، الذي رواه معاذ يدل على أنّ النبي كان واقفاً على العلة دون حاجة إلى أن يخبره أحد بذلك.

وثالثاً: انّ الحديث الاَوّل يدل على أنّ عمر كان أعرف بالمصلحة من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وانّ هذا الحديث يترك أثراً سلبياً في قلوب الموَمنين، فلذلك لمّا أخبره عمر، سكت الرسول.

والحقّ انّ الحديثين لا يخلوان عن شذوذ وعلّة، وقد سبق الذكر الحكيم بالتصريح بذلك .قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلك)(النساء|116) وقال: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِعَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقاب) (الرعد|6).

2. أهل الكتاب لهم أجران

أخرج البخاري، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه: ثلاثة لهم أجران، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بمحمد. (1)

إنّ الاِيمان بالرسل والنبي الخاتم ليس من خصائص من كان من أهل الكتاب ثمّ أسلم، بل كلّ من أسلم بلسانه وقلبه وآمن بالرسول، فقد آمن بمن قبله من الرسل، قال سبحانه:(آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُوَْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِه وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ المَصِير ) (البقرة|285).

نعم لو كان تعدد الاَجر لاَجل ترتّب أحد الاِيمانين على الآخر كان لما ذكر وجه، ولكن الاَجر على نفس الاِيمان وسعة متعلقه، لا على ترتّب أحدهما على الآخر. وإلاّ يلزم أن يكون لمن كان يهودياً فتنصّر ثمّ أسلم، أُجور ثلاثة.


1 . صحيح البخاري: 1|35، باب تعليم الرجل أمته وأهله.
Website Security Test