welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(168)

3. لزوم الاقتداء بالشيخين

أخرج الترمذي، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر و عمر.

وأخرج عنه أيضاً، قال: كنّا جلوساً عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّي لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللّذين من بعدي. وأشار إلى أبي بكر وعمر. (1)

وثمة تساوَلات وتأملات في هذه الرواية:

أوّلاً: انّ الرواية معارضة بنفس ما روي عن حذيفة في ذلك المجال، فقد أخرج الترمذي في سننه عن زاذان، عن حذيفة، قال: قالوا: يا رسول اللّه لو استخلفت، قال: إن أستخلف عليكم فعصيتموه عُذِّبتم، ولكن ما حدَّثكم حذيفة فصدِّقوه و ما أقراكم عبد اللّه فأقروَه.

قال الترمذي: هذا حديث حسن (2)

ثانياً: لو كان النبي أمر بالاقتداء به في حال يتنبأ عن عدم بقائه كان على الشيخين والمهاجرين في السقيفة الاستدلال بالرواية مع أنّهما لم يحتجّا بها ولا غيرهما أيضاً، بل كان الجهد منصباً على أنّ المهاجرين من عشيرة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وعشيرته أولى بالخلافة من غيرهم.

ثالثاً: انّ الحديث الثاني أيضاً مكذوب على لسان رسول اللّه ،فانّه استخلف غير مرّة استخلافاً عاماً، فتجد استخلافه في الموارد التالية:


1 . سنن الترمذي: 5|609ـ 610 برقم 3662؛ وأخرجه أيضاً ابن ماجة باللفظ الاَخير: 1|37 برقم 97 .
2 . سنن الترمذي: 5|675 برقم 3812.


(169)

أ. حديث بدء الدعوة

أخرج الطبري وغيره بسنده، عن علي بن أبي طالب، انّه لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبِين) دعا أربعين رجلاً فيهم أعمامه وعشيرته فتكلم بالكلام التالي، وقال:

يا بني عبد المطلب، إنّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم،قال: فأحجم القوم عنها جميعاً،وقلت: ... أنا يا نبي اللّه، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. (1)

ب. حديث المنزلة

روى أهل السير والتاريخ انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خلف علي بن أبي طالب (عليه السلام) على أهله في المدينة عند توجهه إلى تبوك، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالاً له، فلما قال ذلك المنافقون، أخذ علي بن أبي طالب (عليه السلام) سلاحه، ثمّ خرج حتى أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو نازل بالجرف، فقال: ما نشره المنافقون، فأجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبي بعدي. (2)


1 . تاريخ الطبري: 2|63ـ64 وغيره من المصادر المتوفرة.
2 . صحيح البخاري: 6|3، غزوة تبوك؛ وصحيح مسلم : 7|120، في فضائل علي؛ السيرة النبوية: 2|519 ؛ إلى غير ذلك.


(170)

ودلالة الحديث على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفاض على علي (عليه السلام) بإذن من اللّه سبحانه الخلافة، واضحة لاَنّ كلمة «منزلة» اسم جنس أُضيف إلى هارون، وهو يقتضي العموم، فيدل على أنّ كلّمقام و منصب كان ثابتاً لهارون فهو ثابت لعلي (عليه السلام) ، إلاّما استثناه، وهو النبوّة، وقد كان هارون خليفة لموسى بالضرورة.

ج. حديث الغدير

وهوحديث معروف متواتر، وحاصله انّ النبي عندما وصل إلى غدير خم من الجحفة عند منصرفه من حجّة الوداع، أمر بردّ من تقدّم من الحجاج، وحبس من تأخر عنهم، حتى إذا أخذ القوم منازلهم، قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الاِبل فقال: ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً عبده و رسوله، وانّ جنّته حقّ، وناره حقّ، وانّ الموت حقّ، وانّ الساعة آتية لا ريب فيها، وانّ اللّه يبعث من في القبور؟

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال: اللّهمّ اشهد، ثمّ قال : أيّها الناس، ألا تسمعون؟

قالوا: نعم.

قال: فانّي فرط على الحوض، فانظروني كيف تخلفوني في الثقلين.

فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول اللّه؟

قال: الثقل الاَكبر، كتاب اللّه، والآخر الاَصغر عترتي، إنّاللطيف الخبير نبأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.

ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها، حتى رُوَي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون،


(171)

فقال: أيّها الناس من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟

قالوا: اللّه ورسوله أعلم.

قال: إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، من كنت مولاه، فعليّ مولاه ـ يقولها ثلاث مرّات ـ ثمّ قال: اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، الاّ فليبلغ الشاهد الغائب.

ثمّ لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله:

(الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي) (المائدة|3)، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي. (1)

4. غفران اللّه لمن أمر بإحراق بدنه بعد الموت

أخرج البخاري، عن ربعي بن حراش، قال: قال عقبة لحذيفة: ألا تحدثنا ما سمعت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: سمعته يقول: إنّ رجلاً حضره الموت لما آيس من الحياة أوصى أهله إذا متّ، فأجمعوا لي حطباً كثيراً، ثمّ أوْرُوا فيه ناراً حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي، فخذوها فاطحنوها، فذروني في اليمِّ،في يوم حارٍ أو راح، فجمعه اللّه.

فقال له: لِـمَ فعلت؟ قال: خَشْيَتَك، فغفر له. (2)


1 . الغدير: 1|34ـ 42 قد بسط الكلام في مصادر الحديث ورواته قرناً بعد قرن.
2 . صحيح البخاري: 4|176، حديث الغار؛وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة:8|98، باب في سعة رحمة اللّه تعالى.


(172)

أقول:رواها أبو هريرة بلفظ آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كان رجلٌ يسرف على نفسه فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثمّ أطحنوني، ثمّ ذروني في الريح، فواللّه لئن قدر عليّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب أحداً، فلما مات فعل به ذلك، فأمر اللّه الاَرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم.

فقال: ما حملك على ما صنعت، قال: يا ربّخشيتك، فغفر له، وقال غيره: مخالفتك يا ربّ. (1)

وقد رواه البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ.

وعلى أيّة حال، فالرواية تنتهي تارة إلى حذيفة بن اليمان، وأُخرى إلى أبي هريرة، وثالثة إلى أبي سعيد الخدري.

وفي الرواية تساوَلات

أولاً: الظاهر انّ الموصي أوصى بما أوصى لئلا يُحشر ويعذب، وزعم انّه سبحانه لا يقدر على حشره إذا أحرق بدنه وذُرّ رماد بدنه في الريح، كما هو ظاهر قوله على ما نقل أبو هريرة «واللّه لئن قدر عليَّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب أحداً» وهذا اعتقاد بعجزه سبحانه من حشره، إذا حرق و ذُرّ.

وهذا النوع من العقيدة جهل بقدرته سبحانه (وَما قَدَرُوا اللّه حقّ قَدْرهِِ)(الاَنعام|91) وهو موجب للعقاب لا للغفران، ولما وقف ابن حجر على ذلك اعتذر بأنّ الرجل قال ذلك في حالة دهشته وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يوَاخذ بما يصدر منه. (2)


1 . صحيح البخاري: 4|176، حديث الغار.
2 . فتح الباري: 6|523 شرح حديث 3481.


(173)

وأنت خبير بأنّ تلك الوصية بالنحو الوارد في الرواية كاشفة عن أنّه أوصى بذلك وهو في سلامة عقله، فكيف يحمل على أنّه أوصى ذاهلاً وناسياً ؟

وانّه سبحانه وتعالى أعرف بالاِنسان من نفسه، فلماذا يأمر الاَرض بجمع رماده ثمّ يحييه ويسأله: لِـمَ فعلت ذلك ؟

ثانياً: انّ ظاهر الآيات انّ الاِنسان إذا مات فلا يرجع إلى الدنيا إلاّ لغايات خاصة، كإحياء الموتى لغاية إثبات النبوة، أو إحياء أصحاب الكهف لغاية إثبات إمكان المعاد.

قال سبحانه: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ليعْلَمُوا أنّوَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَأنَّالسّاعَةَ لا رَيْبَفِيها) (الكهف|21) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إحياء الموتى كإحياء عزير (1) لتلك الغاية أيضاً. وأمّا إذا لم تكن ثمة غاية كإتمام الحجّة فلا يرجع إلى الدنيا، ويترك حسابه إلى الآخرة، قال سبحانه: (حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوت قالَرَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِيُبْعَثُونَ) (الموَمنون|99ـ100).

فنخلص إلى القول: بأنّ الرواية تخالف الذكر الحكيم، مضافاً إلى أنّها أشبه بالاسرائيليات التي روّج لها مستسلمة أهل الكتاب، ثمّ نشرها السُّذّج في أوساط المسلمين دون وعي.

5. الدجال معه ماء ونار

أخرج البخاري، عن عقبة بن عمر، عن حذيفة، انّه سأله وقال: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّي سمعته يقول: إنّ مع الدجال إذا خرج ماءً وناراً، فأمّا الذي يرى الناس انّها النار فماء بارد، وأمّا الذي يرى الناس انّه ماء بارد،


1 . البقرة: 259.


(174)

فنار تحرق، فمن أدرك منكم فليقع في الذي يرى انّها نار، فانّها عذب بارد. (1)

أقول: إنّ الرواية مهما صحّ سندها فهي من الاِسرائيليات، التي لا يقام لها وزن، حتى انّ البخاري ذكرها في باب تحت عنوان ما ذكر عن بني إسرائيل.(2)

وان ذكرها في كتاب الفتن من الجزء التاسع بصورة موجزة. (3)

وذلك أوّلاً: انّ تزويد الدجال بهذه المعاجز يوَدي إلى إضلال الناس، والغاية من خلقة الاِنسان هي الهداية لا الضلالة، وسيوافيك توضيحه عند دراستنا لاَحاديث المغيرة بن شعبة.

وثانياً: انّ اختلاف المرئي في نظر الرائي رهن كون الدجال ساحراً، ويُخيِّل الشيء بصورة عكسه، وهذا أيضاً من أسباب الضلال، فلماذا سلطه سبحانه على العباد.

وأمّا تفسير ابن حجر وقوله: يجعل اللّه باطن الجنّة التي يسخرها الدجال ناراً وباطن النار جنّة. (4)

فهو تفسير بعيد لا يحمل عليه كلام أصحاب البلاغة، فالحقّ أنّ أكثر ما ورد حول الدجال إسرائيليات، لا يذعن بها العقل الحصيف، ولا يُظن لعاقل أن يصدقه، وإن كان أصل ظهور الدجال في آخر الزمان أمراً مسلّماً بين المسلمين.


1 . صحيح البخاري: 4|169، باب ما ذكر عن بني إسرائيل و9|60 باب ذكر الدجال؛ وأخرجه مسلم أيضاً في صحيحه: 8|195، باب ذكر الدجال وصفته ومامعه.
2 . صحيح البخاري: 4|169.
3 . صحيح البخاري: 9|60 ، باب ذكر الدجال من كتاب الفتن.
4 . فتح الباري: 13|99.


(175)

6. محمد بن مسلمة مصون عن الفتنة

أخرج أبو داود ،عن محمد، قال: قال حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلاّ أنا اخافها عليه إلاّمحمد بن مسلمة، فانّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تضرك الفتنة (1)

أقول: إنّ التاريخ الصحيح لا يصدق الرواية، فإنّ محمد بن مسلمة تخلّف عن بيعة أمير الموَمنين علي (عليه السلام) بعد أن تدافع إليها المسلمون و في طليعتهم بقايا المهاجرين وجموع الاَنصار ، وقعد عن نصرة الاِمام في معارك الجمل و صفين والنهروان وبقي في المدينة، فالرجل سقط في الفتنة، (أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا) (التوبة|49).

وأغلب الظن انّ الرواية حيكت لاَجل إراءة انّ قيام الاِمام علي «عليه السلام» ضد الناكثين والقاسطين والمارقين كان فتنة، وقد دخل في هذه الفتنة وجوه المهاجرين والاَنصار، لاَنّهم لم يكونوا مصونين عنها، ولم يدخلها محمد بن مسلمة وجلس في بيته لاَنّه كان مصوناً عنها بنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ولعمر الحق، لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد انقاذ محمد بن مسلمة وغيره من أصحابه، كان عليه أن يحدد الفتنة موضوعاً ومحمولاً، والآثار الوخيمة المترتبة عليها، حتى يتبيّن الحق لطلابه، ولا يقع فيها جمهور المهاجرين والاَنصار عن عمد أو غفلة، والظاهر انّ هذه الرواية نظير ما رواه أبو موسى الاَشعري عندما اعتذر عن المشاركة في الاَحداث الواقعة بعد مقتل عثمان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما بين أيديكم فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها موَمناً ويمسي كافراً، ويمسي موَمناً ويصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من


1 . سنن أبي داود: 4|216 برقم 4663.


(176)

الماشي، والماشي فيها خير من الساعي».

قالوا: فما تأمرنا، قال:« كونوا أحلاس بيوتكم». (1)

ومعنى ذلك انّ ما خاض فيه عليّ (عليه السلام) من الحروب الطاحنة ضد الناكثين والقاسطين والمارقين، كان فتنة، واللازم هو اجتنابها وهل يمكن لمسلم واع أن ينسب علياً إلى إثارة الفتنة مع انّعلياً بنص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الحق، والحقّ معه حيث ما دار؟! (2)


1 . سنن أبي داود: 4|101 برقم 4362؛ مسند أحمد: 4|408.
2 . تاريخ بغداد: 14|321؛ تفسير الرازي: 1|111 في تفسير البسملة وغيرها.


(177)

9
عقبة بن عمرو

«أبو مسعود الاَنصاري» (... ـ 40هـ )
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. جواز الاِصغاء لغناء الجواري في العرس
2. تعريف 36 رجلاً من المنافقين
3. حب الاَصحاب وبغضهم

هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أُسيرة بن عُسيرة الاَنصاري، شهد ليلة العقبة وهو صغير، ولم يشهد بدراً، وشهد أُحداً، ونزل الكوفة، فلما خرج علي (عليه السلام) إلى صفين استخلفه على الكوفة ثمّ عزله عنها، فرجع أبو مسعود إلى المدينة فمات بها في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقد انقرض عقبه فلم يبق منهم أحد. (1)

وهو من المقلِّين في الرواية، بلغت جميع رواياته في المسند الجامع إلى 36 رواية.


1 . سير أعلام النبلاء:2|493 برقم 103؛ وقيل في نسبه غير ذلك لاحظ طبقات ابن سعد: 6|16.


(178)

حدث عنه: ولده بشير، وأوس بن ضمعج، وعلقمة، وأبو وائل، وقيس بن أبي حازم، وربعي بن حراش، إلى غير ذلك.

ومن روائع رواياته:

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: قال أبو مسعود البدريّ: كنت أضرب غلاماً لي بالسّوط، فسمعت صوتاً من خلفي: إعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلمّا دنا منّي إذا هو رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، قال: فألقيت السّوط من يدي، فقال: اعلم أبا مسعود انّاللّه أقدر عليك منك على هذا الغلام.

قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً. (1)

2. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الاَنصاري، قال:

جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّي أُبدع بي (2) فاحملني، فقال: ما عندي، فقال رجل: يا رسول اللّه أنا أدُلّه على من يحمله.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله. (3)

وإليك بعض ما عزي إليه ممّا لا يصح.

1. جواز الاِصغاء لغناء الجواري في العرس

أخرج النسائي، عن عامر بن سعد، قال: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي


1 . صحيح مسلم:5|91، باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده.ووصفه بالبدريّ في سند الحديث محمول على المجاز لما عرفت أنّه لم يشهد بدراً.
2 . ابدع به: أهمله وخَذَلَه.
3 . مسند أحمد: 5|272.


(179)

مسعود الاَنصاري في عرس، وإذا جوارٍ يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن أهل بدر، يُفعل هذا عندكم؟! فقال: اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت فاذهب، قد رُخِّص لنا في اللهو عند العرس. (1)

والظاهر انّ المرخص بزعمهما هو رسول اللّه، فعلى ذلك رخّص رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) غناء الجواري في العرس للرجال، وهذا ما لا يصدقه الكتاب العزيز والسنّة النبوية.

أمّا الكتاب فهو يأمر نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) (النور|31).

وقال سبحانه: (فََلا تَخْضَعْنَ بالقَولِ فَيَطْمَعَ الّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ)(الاَحزاب|32).

فإذا كان هذا أدب الاِسلام، فكيف يرخّص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للنساء أن يغنِّين لغيرهن؟! أو يُرَخِّص للرجال ما يثير الشهوة ويُميت القلب، ويحيي الغرائز الجامحة؟!

وأمّا السنة، فالرسول يفسّر الغناء: بأنّه من قبيل نفخ الشيطان في منخري المغنية. (2)

ومع ذلك فكيف يسوغ لاَُمّته أن تستمع إلى نفخ الشيطان؟!

على أنّ تجويز اللهو في العرس، يخالف ما رواه عقبة بن عامر، من انحصار جواز اللهو في ثلاثة، حيث روى عبد اللّه بن زيد الاَزرق، عن عقبة بن عامر الجهني، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ... كلّ ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلاّرميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنّهنّ من الحقّ. (3)


1 . النسائي: السنن:6|135، باب اللهو والغناء عند العرس.
2 . مسند أحمد:3|449.
3 . سنن ابن ماجة: 2|940 برقم 2811؛ سنن الترمذي: 4|174 برقم 1637.


(180)

2. تعريف 36 رجلاً من المنافقين

أخرج أحمد في مسنده، عن عياض، عن أبي مسعود، قال:

خطبنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: إنّ فيكم منافقين، فمن سمَّيتُ فليقم، ثمّ قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى سمّى ستة وثلاثين رجلاً، ثمّ قال: إن فيكم أو منكم، فاتقوا اللّه.

قال: فمرّ عمر على رجل ممّن سُمّي، مقنَّع، قد كان يعرفه، قال: مالك؟

قال: فحدَّثه بما قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: بُعْداً لك سائر اليوم. (1)

نعلق على الحديث بالقول:

أوّلاً: انّ الظاهر من قوله سبحانه: (ومن أهل المدينةِ مَرَدُوا على النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ)(التوبة|101).

إنّ النبي لم يكن يعرف المنافقين المندسِّين بين أصحابه، وإنّما أخبره بهم اللّه سبحانه، ويظهر من قوله سبحانه: (وَلو نَشاء لاََرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْلِ وَاللّهُ يَعْلَمُ أَعمالَكُمْ) (محمد|30). انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما كان يعرفهم في لحن القول.

نعم عرف لفيفاً منهم عندما حاولوا اغتياله عند رجوعه من تبوك، فعرّفهم لحذيفة بن اليمان (2) وعلى هذا فكيف وقف النبي على أنّهوَلاء منافقون، إلاّأن يعرفهم من لحن القول فيعرّفهم.


1 . مسند أحمد: 5|273.
2 . مسند أحمد:5|453.


(181)

ثانياً: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتمتع بأخلاق عالية، حتى وصفه اللّه سبحانه: (وَإنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) كما وصفه بكونه رحمة للعالمين، أفيسوغ لمن يتمتع بالرأفة أن يعرّف 36 رجلاً ممّن حوله بالنفاق ويقول: «إن فيكم أو منكم فاتقوا اللّه»؟ مضافاً إلى أنّه مخالف للسياسة الحكيمة، ولذلك لم يعرّف المحاولين لاغتياله عند رجوعه من «تبوك » إلاّ لشخص أو شخصين من أصحابه: حذيفة ابن اليمان و عمّار.

3. حب الاَصحاب وبغضهم

أخرج الترمذي، عن عبد الرحمان بن زياد، عن عبد اللّه بن مغفل، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):اللّه اللّه في أصحابي، اللّه اللّه في أصحابي، لا تتّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، و من آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللّه، و من آذى اللّه فيوشك أن يأخذه. (1)

إنّ هنا سوَالين:

الاَوّل: انّ ظاهر مفاد الخطاب في قوله : «لا تتخذوهم غرضاً»، هو انّ الرسول خاطب رجالاً ليسوا من أصحابه فوصّى بأصحابه أن يحسن إليهم، مع أنّ الواقع لم يكن كذلك، بل هو كان يتكلّم بين أصحابه، ولا يوجد فيهم أحد سواهم، وكان الجميع بمرأى ومسمع منهص، وعندئذٍكيف يوصي أصحابه بالمخاطبين الذين هم أصحابه، وبالتالي يوصي أصحابه بأصحابه؟!

وواضع الحديث قد غفل عن هذه النكتة، لاَنّه كان في زمان متأخر عن زمان الصحابة.

الثاني: انّ الرواية تخلق للصحابة هالة من القداسة، وتمنح لهم وصف


1 . سنن الترمذي:5|696 برقم 3862، باب 59.


(182)

العدالة، بل العصمة، على وجه لا يجوز تجريح واحد منهم، فكأنّهم فوق مستوى عامة الناس لا يتسرب الشك إلى طهارتهم ونزاهتهم من كلّعيب وشين.

مع أنّ صحيح الروايات يحكم على قسم كبير منهم بالردة والرجوع على أعقابهم القهقرى، ونكتفي في ذلك بما جمعه ابن الاَثير في كتابه في هذا المضمار، فقد نقل شيئاً كثيراً، منها:

1. روى عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لاَناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. أخرجه البخاري ومسلم.

2. روى أنس بن مالك: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممّن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إليَّ اختلجوا دوني، فلاَقولنَّ: أي ربّ، أصحابي أصحابي، فليُقالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

وفي رواية: ليردنّ عليّ الناس من أُمتي ـ الحديث ـ و في آخره، فأقول: «سحقاً لمن بدّل بعدي» أخرجه البخاري و مسلم.

3. روى أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ يُحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش، وأنا أُحدِّثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً يقول؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري: لسمعته يزيد، فيقول: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي. أخرجه البخاري و مسلم.

وللبخاري: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة، حتى


(183)

إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ فقال: إلى النار و اللّه.

فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال لهم: هلمّ ، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم. فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هِمْل النعم.

ولمسلم : انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ترد عليّأُمّتي الحَوض و أنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا: يا نبيّاللّه تعرفنا؟ قال: نعم. لكم سيما ليست لاَحد غيركم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء، وليصدَّن عنّي طائفة منكم فلا يصلون.

فأقول: يا رب، هوَلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!

5. روت عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه، يقول ـ و هو بين ظهراني أصحابه ـ : «إنّي على الحوض أنتظر من يرد عليَّ منكم. فواللّه ليُقطعنّ دوني رجال، فلاَقولنَّ: أي ربِّ، منّي ومن أُمتي! فيقول: إنّك لا تدري ماعملوا بعدك. مازالوا يرجعون على أعقابهم . أخرجه مسلم.

6. روت أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي على الحوض، أنظر من يرد عليَّ و سيُوَخذ ناس دوني، فأقول: يا رب، مني ومن أمتي ـ و في رواية، فأقول: أصحابي ـ فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ واللّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم. أخرجه البخاري و مسلم.

7. روت أُمّ سلمة، قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض. ولم أسمع ذلك من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما كان يوماً من ذلك والجارية تمشطني، سمعت رسول


(184)

اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أيّها الناس، فقلت للجارية، استأخري عنّي. قالت: إنّما دعا الرجال ولم يدع النساء فقلت:إنّي من الناس. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي لكم فرط على الحوض، فإيّاي لا يأتينّ أحدكم، فيُذبُّ عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً. أخرجه مسلم.

8. روى سعيد بن المسيب انّه كان يحدّث عن أصحاب النبيقال: يرد عليّالحوض رجال من أصحابي ، فيحُلوَون عنه. فأقول: يا رب، أصحابي، فيقول: إنّك لاعلم لك بماأحدثوا بعدك. انّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى . أخرجه البخاري.

9. روى أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : والذي نفسي بيده، لاَذودنّ رجالاً عن حوضي. كما تذاد الغريبة من الاِبل عن الحوض. أخرجه البخاري ومسلم.

10. روى حذيفة بن اليمان: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ حوضي لاَبعد من أيلة إلى عدن. والذي نفسي بيده: لاَذودنّ عنه الرجال، كما يذود الرجل الاِبل الغريبة عن حوضه. قالوا: يا رسول اللّه، وتعرفنا؟ قال: نعم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء ليست لاَحد غيركم. أخرجه مسلم. (1)

وهذه الاَحاديث تعرب عن موقف محدِّثي أهل السنة بالنسبة إلى الصحابة، مع أنّهم يتجاهلون هذه الروايات، وربّما ينسبون مفادها إلى الشيعة، فأيّهما أحقّ بهذه النسبة، أهوَلاء الذين رووا تلك الروايات ودوّنوها في صحاحهم وأسموها بأصحّ الكتب بعد كتاب اللّه؟ أم الشيعة الذين يأتمون بالاِمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) الذي يصف صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: اللّهمّ وأصحاب محمّد


1 . ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 11|119ـ 123 برقم 7969ـ 7979، كتاب القيامة، الفرع الاَوّل في صفة الحوض.


(185)

خاصّة الذين أحسنوا الصّحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه (1) وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته وفارقوا الاَزواج والاَولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والاَبناء في تثبيت نُبُوَّته. (2)

والقول الحاسم في حقّ الصحابة هو ماذهبت إليه الشيعة، وهو انّهم كالتابعين ففيهم الصالح والطالح والعادل والفاسق.

فالشيعة لا تغالي في حقّالصحابة، ولا تقدس جميع من سُمِّي بالصحابة بمجرد انّهم رووا أو سمعوا حديثه، أو عاشروه ولو زمنا طويلاً، خصوصاً الذين مارسوا الفتن في حياته، وبعد وفاته وختموا حياتهم إلى جانب معاوية وغيره ممن تستروا بالاِسلام بعد أن عجزوا عن مقاومته وباعوا ضمائرهم للشيطان.



1 . كانفوه: أعانوه.
2 . الصحيفة السجادية الجامعة:43، الدعاء رقم14، تحقيق و نشر موَسسة الاِمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف .
Website Security Test