welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية


(152)

7
طلحة بن عبيد اللّه التيمي

(26ق. هـ ـ 36هـ )

سيرته وأحاديث الرائعة

أحاديثه السقيمة:

1.تأبير النخل لا يُغني عن شيء.
2. عمروبن العاص من صلحاء قريش.

طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم القرشي التيمي، وأُمه الصعبة بنت عبد اللّهبن مالك، وهو من السابقين الاَوّلين إلى الاِسلام، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة آخى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين طلحة وبين أبي أيّوب الاَنصاري، وهو أحد أصحاب الشورى، ولم يشهد بدراً وشهد أُحداً وما بعدها من المشاهد، وبايع بيعة الرضوان وأبلى يوم أُحد بلاءً عظيماً، ووقى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه و اتّقى عنه النبل بيده. (1)

وقد اتفق أصحاب المعاجم انّه كان يملك ثروة عظيمة.

نقل الذهبي عن ابن سعد، قال: كان طلحة يغلّ بالعراق أربعمائة ألف،


1 . أُسد الغابة: 3|59ـ 60.


(153)

ويغلُّ بالسراة عشرة آلاف دينار، أو أقل أو أكثر، وبالاَعراض (1) له غلات، وكان لا يدع أحداً من بني تيم عائلاً إلاّ كفاه و قضى دينه، ولقد كان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كلّ سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن فلان التيمي ثلاثين ألفاً. كما قضى عن عبد اللّه بن عامر بن كريز ثمانين ألف درهم.

قال الحميدي: كانت غلة طلحة كلّ يوم ألف وافٍ. (2)

ثمّ نقل عن الواقدي عن موسى بن طلحة انّ معاوية سأله، كم ترك أبو محمد (طلحة) من العين؟ قال: ترك الفي ألف درهم و مائتي ألف درهم و من الذهب مائتي ألف دينار. (3)

هذه الثروة المكتنزة ملكها الرجل في عصر الخلفاء في حين انّأباذر كان يجود بنفسه جوعاً في ربذة.

وقد مات علي (عليه السلام) ولم يترك من البيضاء والصفراء إلاّ سبعمائة درهم.

وقال ابن سعد نقلاً عن بنت عوف، قالت: قتل طلحة وفي يد خازنه ألفا ألف درهم، ومائتا ألف درهم، وقُوِّمت أُصوله وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم. (4)

ولو أراد الباحث أن يجمع روَوس ما كان يملكه طلحة فعليه الرجوع إلى كتب التاريخ،والحديث عن ثروته التي اقتناه بعد رحيل الرسول خارج عن نطاق البحث، وقد أشرنا إليها في المقام ليعلم ان نكثـه لبيعة علي بن أبي طالب «عليه السلام» لم يكن إلاّ لعدم تحمّله لسيرة الاِمام في بيت المال، إذ هو القائل لمّا تصدى للخلافة.


1 . اعراض المدينة قراها التي في أوديتها.
2 . الوافي درهم وأربعة دوانق.
3 . سير اعلام النبلاء: 1|32ـ33.
4 . طبقات ابن سعد: 3|222.


(154)

«واللّه لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الاِماء لرددته، فانّ في العدل سعة و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق». (1)

إنّ الرجل نكث بيعته مع علي (عليه السلام) ، فقاد حرب الجمل على الاِمام المفترضة طاعته، امّا بنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو الحقّ، أو باعتبار بيعة المهاجرين والاَنصار له، فندم قبل هلاكه ـ ولما ينفعه النـدم ـ فقتل عام 36هـ في جمادى الآخرة، ودفن قريباً من البصرة، وبذلك يعلم حال ما روي في حقّه من الفضائل.

وله في مسند «بَقيّ بن مَخْلَد» ثمانية وثلاثون حديثاً له حديثان متفق عليهما، وانفرد له البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة أحاديث، وقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت 22 حديثاً (2) وهو من المقلّين في حقل الحديث.

وله أحاديث رائعة و إن عزي إليه مالا تنطبق عليه الموازين السالفة الذكر.

روائع أحاديثه:

1. أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي سهيل بن مالك، عن أبيه انّه سمع طلحة بن عبد اللّه، يقول: جاء رجل إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دويّصوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الاِسلام.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرها، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصيام رمضان، قال: هل عليّ غيره، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال: وذكر له رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» الزكاة، قال: هل عليَّ غيرها، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص،


1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 13.
2 . المسند الجامع: 7|547 برقم 320.


(155)

قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أفلح ان صدق. (1)

2. أخرج أحمد، عن يحيى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد اللّه: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا رأى الهلال، قال: اللهمّ أهلّه علينا باليمن والاِيمان، والسلامة والاِسلام، ربي وربك اللّه. (2)

3. أخرج أحمد، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال:

قلنا: يا رسول اللّه، كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد. (3)

وقد رويت عنه روايات تخالف الضوابط المذكورة.

1. تأبير النخل لا يُغني عن شيء

أخرج مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحة عن أبيه، قال:

مررت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوم على روَوس النخل، فقال: ما يصنع هوَلاء.

فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الاَُنثى فيتلقح.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فانّي إنّما ظننت ظنّاً فلا توَاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به فإنّي لن اكذب على اللّه عزّ وجلّ. (4)


1 . صحيح البخاري: 1|14، باب الزكاة من الاِسلام؛ صحيح مسلم: 1|30، كتاب الاِيمان.
2 . مسند أحمد: 1|162.
3 . مسند أحمد: 1|162.
4 . صحيح مسلم: 7|95، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي.


(156)

وروى عن رافع بن خديج: قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل، يقولون يلقِّحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً فتركوه، فنقصت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر.(1)

والعجب انّمسلم النيسابوري موَلف الصحيح ذكر الحديث في باب «أسماه» بوجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي.

نحن نعلق على الحديث تعليقاً مختصراً، ونحيل التفصيل إلى القارىَ.

أوّلاً: نفترض انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن نبيّاً، ولا أفضل الخليقة، ولم ينزل عليه الكتاب والحكمة، بل كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز و عاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد توالى سفره إلى الشام، وكلّ من هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح، فما معنى سوَاله ما يصنع هوَلاء؟ فيجيبونه انّهم «يلقحونه».

أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خافياً على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

ثانياً: كيف يمكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النهي عن التلقيح الذي هو سنة من سنن اللّه أودعها في الطبيعة، قال سبحانه: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت ِاللّهِ تَحْوِيلاً) (فاطر|43) ومع ذلك فكيف يقول: ما أظن يغني ذلك شيئاً.

ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه بلسانه ويخرج من شفتيه، وأسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّوجلّ»لاَنّ فيه تلميحاً


1 . شرح النووي على صحيح مسلم: 15|125ـ126، الباب 38، كتاب الفضائل.


(157)

إلى أنّه ـ و العياذ باللّه ـ يكذب في مواضع أُخر.

فلو كانت الرواية ونظائرها مصدراً للعقيدة فسيعقبها ـ العياذ باللّه ـ جهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبسط السنن الجارية في الحياة فهل يصحّ التفوّه بذلك؟!

كيف يصحّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعتذر عمّا قال، بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر، مع أنّهيقول في جواب عبد اللّه بن عمر (حيث نقل إليه اعتراض قريش عليه) «بأنّه يكتب كل شيء يسمعه من رسول اللّه، ورسول اللّه بشر يتكلّم في الغضب والرضا». مومياً باصبعه إلى فيه: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حق.(1)

2. عمرو بن العاص من صلحاء قريش

أخرج أحمد في مسنده عن ابن أبي مليكة، قال: قال طلحة بن عبيد: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: إنّ عمرو بن العاص من صالحي قريش. (2)

ورواه الترمذي بالسند التالي: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أبو أُسامة عن نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، قال: قال طلحة بن عبيد اللّه...الخ.

وقال الترمذي: هذا حديث إنّما نعرفه من حديث نافع بن عمر الجمحي، ونافع ثقة وليس اسناده بمتصل،وابن أبي مليكة لم يدرك طلحة.

إذا كان هذا حال السند، فيعرف به حال المضمون ولكن يكفي لنا دراسة إجمالية لسيرة عمرو بن العاص ليتبين انّه هل كان من الصالحين؟ بل الرواية


1 . سنن أبي داود: 3|318 برقم 3646.
2 . مسند أحمد: 1|161، ونقله الترمذي برقم 3845.


(158)

تخالف ما هو الثابت في التاريخ الصحيح.

وإليك هذه الوثيقة التاريخية:

لما علم معاوية انّالاَمر لم يتم له ان لم يبايعه عمرو، فقال له: يا عمرو؟ اتَّبعْني، قال: لماذا؟للآخرة؟ فواللّه ما معك آخرة، أم للدنيا؟ فواللّه لا كان حتى أكون شريكك فيها.

قال: فأنت شريكي فيها، قال: فاكتب لي مصر وكورها.

فكتب له مصر وكورها وكتب في آخر الكتاب وعلى عمرو السمع والطاعة.

قال عمرو : واكتب: انّ السمع و الطاعة لا ينقصان من شرطه شيئاً.

قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا، قال عمرو: حتى تكتب.

قال: فكتب، واللّه ما يجد بُدّاً من كتابتها،... وعمرو يقول له، إنّما أُبايعك بها ديني.

وكتب عمرو إلى معاوية:

معاوي لا أُعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع

وما الدين والدُّنيا سواءٌ وإنّني * لآخذ ما تُعطي ورأسي مقنَّع (1)

ومن أراد أن يقف على شخصيته من حيث نسبه وإسلامه ودهائه، فعليه أن يطالع كلمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه وكلمات الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) وسائر الصحابة والتابعين ليقف على أنّه هل كان من الصلحاء أو أنّه كان بوَرة الفتن والفساد؟

وقد قام العلاّمة المحقّق عبد الحسين الاَميني بدراسة وافية لسيرته في كتابه الغدير. (2)


1 . العقد الفريد: 5|92، دار الكتب العلمية.
2 . الغدير:2|114ـ 176.


(159)

8
حذيفة بن اليمان العبسي

( ... ـ 36هـ)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

1. نفاة القدر مجوس هذه الاَُمة 2.وجوب إطاعة الجائر

3. الاقتداء بالشيخين 4. غفران اللّه لمن أمر بحرق نفسه بالنار

5. الدجال معه ماء ونار6. محمد بن مسلمة مصون عن الفتنة

هو حذيفة بن حسل بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن غطفان، أبو عبد اللّه العبسي، و اليمان لقب حسل بن جابر، وإنّما قيل له ذلك، لاَنّه أصاب دماً في قومه فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الاشهل من الاَنصار، فسماه قومه اليمان لاَنّه حالف الاَنصار وهم من اليمن.

روى عنه: ابنه أبو عبيدة، وعمر بن الخطاب، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، و زيد بن وهب وغيرهم، وهاجر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخيّره بين الهجرة والنصرة، فاختار النصرة، وشهد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أُحداً، وقتل أبوه بها (1) قال الواقدي: آخى رسول اللّه بين حذيفة وعمار.


1 . أُسد الغابة: 1|390ـ 391.


(160)

سئل عليّ عن حذيفة، فقال: «عَلِمَ المنافقين، وسئل عن المعضلات، فإن تسألوه تجدوه بها عالماً» ولي حذيفة إمرة المدائن لعمر، فبقي عليها إلى بعد مقتل عثمان، وتوفي بعد عثمان بأربعين ليلة. وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أسرّ إلى حذيفة أسماء المنافقين، وضبط عنه الفتن الكائنة في الاَُمة، وقد ناشده عمر، أ أنا من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أُزكي أحداً بعدك.

قال ابن سيرين: بعث عمر حذيفة على المدائن، فَقُرِىَ عهده عليهم، فقالوا: سل ما شئت، قال: طعام آكله ، وعلف حماري هذا ـ ما دمت فيكم ـ من تبن، فأقام فيهم ما شاء اللّه ثمّكتب إليه عمر: أقدم.

فلما بلغ عمر قدومه، كمن له على الطريق، فلما رآه على الحالة التي خرج عليها، أتاه فالتزمه، وقال أنت أخي وأنا أخوك. (1)

وقد وقف حذيفة بن اليمان على المنافقين وأسمائهم عندما كان يسوق ناقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقودها عمار بن ياسر عند الرجوع من غزوة تبوك، فبينا هم يسيرون إذ التفت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خلفه، فرأى في ضوء ليلة مقمرة فرساناً متلثمين لحقوا به من وراء لينفّروا به ناقته، وهم يتخافتون، فغضب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وصاح بهم، وأمر حذيفة أن يضرب وجوه رواحلهم، قائلاً: إضرب وجوه رواحلهم.

فارعبهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بصياحه بهم إرعاباً شديداً، وعرفوا بأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بمكرهم وموَامرتهم، فاسرعوا تاركين العقبة حتى خالطوا الناس.

يقول حذيفة: فعرفتهم برواحلهم، وذكرتهم لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقلت: يا رسول اللّه الا تبعث إليهم لتقتلهم؟ فأجابه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في لحن ملوَه الحنان والعاطفة:

إنّ اللّه أمرني أن أعرض عنهم، وأكره أن يقول الناس: إنّه دعا أُناساً من


1 . سير اعلام النبلاء: 2| 363ـ366.


(161)

قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا له فقاتل بهم حتى ظهر على عدوه ثمّ أقبل عليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة فانّ اللّه لهم بالمرصاد. (1)

مات حذيفة بالمدائن سنة 36 هـ وقد شاخ.

له في الصحيحين اثنا عشر حديثاً، وفي البخاري ثمانية، وفي مسلم 17 حديثاً، وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 140 حديثاً.

إنّ المترجَم صاحب السرّ وقد نقل عنه انّه قال: كان الناس يسألون رسول اللّه عن الخير وكنت أسأله الشر مخافة أن يدركني. (2)

فلاَجل ذلك نرى في أحاديثه كثرة الاِخبار عن الفتنة، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه ثمّننقل بعض ما عزي إليه من الروايات السقيمة.

روائع أحاديثه:

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة في حديث قتيبة، قال: قال نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) : كل معروف صدقة.(3)

2. أخرج أحمد في مسنده ، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن حذيفة، قال: سأل رجل على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمسك القوم، ثمّ إنّرجلاً أعطاه فأعطى القوم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : من سنّ خيراً فاستنّ به، كان له أجره ومن أُجور من اتبعه غير منتقص من أُجورهم شيئاً، و من سنّشراً فاستنّ به، كان عليه وزره ومن أوزار من يتبعه غير منتقص من أوزارهم شيئاً. (4)


1 . المغازي للواقدي: 3|1042ـ 1045؛ مجمع البيان: 3|46؛ بحار الاَنوار: 21|247.
2 . سير اعلام النبلاء: 2|365 نقلاً عن البخاري.
3 . صحيح مسلم: 3|82، باب انّ اسم الصدقة يقع على كلّنوع من المعروف.
4 . مسند أحمد: 5|387.


(162)

3. أخرج أحمد في مسنده، عن عابس، عن حذيفة، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من شرط لاَخيه شرطاً لا يريد أن يفي له به، فهو كالمدلي جاره إلى غير ذي منعة. (1)

4. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي وائل، عن حذيفة، انّه بلغه انّرجلاً ينمّ الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا يدخل الجنة نمّام. (2)

5. أخرج أحمد في مسنده ،عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ مما أدرك الناس من أمر النبوة الاَُولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. (3)

6. أخرج ابن ماجة في سننه، عن ابن سيرين، عن حذيفة، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السّفهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار. (4)

ولعلّ كونه في النار لاَجل ما يترتب على تلك الاَعمال من أُمور محرمة غير محمودة العواقب.

7. أخرج أحمد في مسنده، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال:

إنّها ستكون أُمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّا ولست منهم، ولا يرد عليّ الحوض؛ ومن لم يصدِّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو منّي وأنا منه، وسيرد عليَّ الحوض. (5)


1 . مسند أحمد: 5|404.
2 . صحيح مسلم: 1|70، باب بيان غلظ تحريم النميمة.
3 . مسند أحمد: 5|383.
4 . سنن ابن ماجة: 1|96 برقم 259.
5 . مسند أحمد: 5|384.


(163)

8. أخرج أحمد عن أبي وائل، عن حذيفة، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

ليردنّ عليَّ الحوض أقوام ليختلجون دوني فأقول ربّ أصحابي، ربّ أصحابي، فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. (1)

ويوَيده قوله سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) (التوبة|101).

ورواه مسلم بلفظ قريب منه، عن شقيق، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض، ولاَنازعنَّ أقواماً ثمّ لاَغلبنَّ عليهم، فأقول: يا ربّ، أصحابي، أصحابي، فيقال: أنت لا تدري ما أحدثوا بعدك». (2)

9. أخرج الترمذي في سننه، عن زر بن حبيش، عن حذيفة، في حديث... أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فصليت معه المغرب، فصلّى حتى صلى العشاء ثمّ انفتل، فتبعته فسمع صوتي، فقال: من هذا، حذيفة؟ قلت: نعم؛ قال: ما حاجتك غفر اللّه لك ولاَُمّك، قال: إنّهذا ملك لم ينزل الاَرض قط، قبل هذه الليلة، استأذن ربّه أن يسلم عليَّ ويبشرني بأنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة وانّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة. (3)

10. أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد اللّه بن عكيم، قال: كنّا مع حذيفة بالمدائن فاستسقى حذيفة، فجاءه دهقان بشراب في إناء من فضّة فرماه به، وقال: إنّي اخبركم انّي قد أمرته أن لا يسقيني فيه، فانّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا تشربوا في إناء الذّهب والفضة، ولا تلبسوا الدّيباج والحرير، فانّه لهم في الدنيا وهو لكم في


1 . مسند أحمد: 5|388.
2 . صحيح مسلم: 7|68، باب إثبات حوض نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفاته.
3 . سنن الترمذي: 5|660ـ 661 برقم 3781 وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده: 5|392.


(164)

الآخرة يوم القيامة. (1)

هذه بعض روائع أحاديثه، وثمة مرويات عزيت إليه ربّما لا توافق الموازين وإليك نقل بعضها:

1. نفاة القدر مجوس هذه الاَُمّة

أخرج أبو داود في سننه، عن رجل من الاَنصار، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لكلّ أُمّة مجوس، ومجوس هذه الاَُمّة الذين يقولون لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحقّ على اللّه أن يلحقهم بالدجال. (2)

لا شكّ انّ القضاء والقدر من العقائد الاِسلامية التي لا يخفى على إنسان له أدنى إلمام بالقرآن والسنة قال سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِين* فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم) (الدخان|3ـ4).

والليلة المباركة هي ليلة القدر ، قال سبحانه: (إِنّا أَنْزلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْر وقد ورد في غير واحدة من الآيات انّ كل ما يصيب الاِنسان فقد قُدِّر من قبل أن يصيبه، قال سبحانه: (ما أَصابَمِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاََرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسِير ) (الحديد|22).

فمصير الاِنسان تابع لاَمرين، أحدهما: ما يصيبه من دون أن يكون له فيها دور أو إختيار، كالاَُمور الخارجة عن اختياره من موته ومرضه إلى غير ذلك.

وثانيهما: الاَفعال التي تعد ملاكاً للثواب والعقاب والتحسين والتقبيح. فليس معنى التقدير هو سلب المسوَولية والاختيار عنه، بل تقديره سبحانه، هو


1 . صحيح مسلم: 6|136، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة من كتاب اللباس والزينة.
2 . سنن أبي داود: 4|222 برقم 4691.


(165)

انّه خلق الاِنسان فاعلاً مختاراً وقدَّر أن يكون هو مصدراً للاَعمال عن اختيار.

أقول: إنّ القدر بالمعنى الذي جاء في هذه الرواية وغيرها من الاَفكار التي طرحت بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفرّق المسلمين إلى فرقتين.

إحداهما: فرقة تفسّر الكون وما يصدر من الاِنسان بتقديره سبحانه، و انّه لا موَثر ولا فاعل ولا سبب إلاّ اللّه سبحانه، و انّه ليس ثمة دور للفواعل الطبيعية كالنار والماء ولا لغيرهما من الفواعل العالمة والمريدة.

فالقدر بهذا المعنى هو الجبر المطلق، وقد بثتها اليهود في الاَوساط الاِسلامية، ولاَجل ذلك ذهبوا إلى أنّيد اللّه سبحانه مغلولة بعد التقدير لا يمكن له أن يبدل القدر ، قال سبحانه:(وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) (المائدة|64).

وقد اغترّ السُّذّج من المسلمين بهذه الاِسرائيليات، وحيكت العديد من الروايات لدعم فكرة القدر، وإعطائها حجماً أكبر ممّا تستحق، وانّها نافذة تطل على الكون والحياة الاِنسانية وما يصدر من الخير والشرّ، ومنها هذه الرواية.

ثانيهما: إثبات الاختيار للاِنسان وجعل المسوَولية على عاتقه في المجال الذي يناط به الاِيمان والكفر، والثواب والعقاب، والحسن والقبح، على وجه يجتمع مع القول بقضائه سبحانه وقدره بالبيان التالي:

إنّ تقديره سبحانه يشمل جميع العلل والفواعل، والجماد و الحيوان والاِنسان، ولكن تختلف كيفية التقدير حسب اختلاف ذوات الفواعل، فالتقدير في الفاعل الطبيعي هو أن يصدر منه الفعل جبراً بلا اختيار، ومثله ما يصدر من الحيوان، فانّه وإن كان فاعلاً شاعراً، ولكنّه فاعل غير مختار، فالتقدير فيه صدور الفعل عن شعور بلا اختيار.


(166)

ويقابلها الاِنسان فهو فاعل شاعر مختار، فتقديره سبحانه هو أن يكون مبدءاً لفعله عن شعور واختيار، مختاراً في فعله وتركه، غير مجبور على واحد من الطرفين، فاللازم الاحتفاظ بأصلين:

الاَوّل: شمولية التقدير لكلّ فاعل طبيعي وغير طبيعي، حتى لا يخرج شيء في عام الوجود عن مجال تقديره وقضائه.

الثاني: التحفظ على كون الاِنسان فاعلاً مختاراً يصدق في حقّه قوله سبحانه: (فَمَنْ شاءَ فَلْيُوَْمِنْ وَمَنْ شاءَفَلْيَكْفُر ) (الكهف|29).

فأصحاب التقدير الذين يحتلّ عندهم القدر مقاماً شامخاً، يأخذون بالاَصل الاَوّل ويذرون الاَصل الثاني، ولكن الاِنسان الواعي يأخذ بكلا الاَصلين ولا يُبطل أحدهما بالآخر.

فمن أمعن في الروايات المروية حول القضاء والقدر يستنبط انّها تروّج فكرة جبرية يهودية، بزعم انّ التقدير يخرج الاَمر عن اختياره سبحانه، واختيار فاعله فردّ عليها سبحانه بقوله: (وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) (المائدة|46) وغيره مما ورد في تقرير كون الاِنسان فاعلاً مختاراً.

2. وجوب إطاعة الجائر

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سلام، قال: قال حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول اللّه إنّا كنّا بشرّ فجاء اللّه بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال: نعم.

قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم، قلوب الشياطين في جثمان انس، قال: قلت: كيف


(167)

اصنع يا رسول اللّه إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للاَمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. (1)

والحديث محمول على ما إذا كان في النهوض ضدهم والتمردعليهم مفسدة كبرى، وإلاّ فالسكوت امام الظالم وإطاعة أمره تقوية شوكته ودعم لمبدأ الظلم.

وهذا يخالف القرآن الكريم: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبِع هَواهُ وَكانَأَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف|28).

وقال سبحانه: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثماً أَوْ كَفُوراً(الاِنسان|24).

كما يخالف ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .

روى الطبري، عن الحسين بن علي (عليهما السلام) ، انّه خطب أصحابه وأصحاب الحر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّقال: أيّها الناس انّرسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم اللّه ، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه ، يعمل في عباد اللّه بالاِثم و العدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله. (2)

وهذه النصوص الرائعة الموَيدة بالكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين قاموا في وجه الطغاة من بني أُميّة وبني العباس، تشهد بأنّ ما نسب إلى الصحابة والتابعين من الاستسلام والسكوت أمام ظلم الظالمين ما هي إلاّمفتعلات وضعها علماء البلاط الحاكم ومرتزقتهم بغية تحقيق مآربهم.


1 . صحيح مسلم: 6|20، باب الاَمر بلزوم الجماعة.
2 . تاريخ الطبري: 4|304 حوادث عام 61هـ وقد مرّ النص أيضاً فلاحظ .
Website Security Test