welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - الجزء الثاني*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - الجزء الثاني

صفحه 1

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

2


صفحه 2

صفحه 3

تقديم وإشراف

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام

الجزء الثّاني

للحكيم المتألّه والمتكلم البارع عبد الرّزاق اللاّهيجي

(... ـ 1072 هـ )

تحقيق

الشّيخ أكبر أسدعلي زاده


صفحه 4

اللاّهيجي ، عبد الرزاق بن علي، قرن 11 ق .

      شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / عبد الرزاق اللاهيجي ; تقديم وإشراف آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني ; المحقق أكبر، أسد علي زاده . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)، 1429 ق . = 1387 .

      ج.    ISBN 964 - 357 - 209 - 9 (ج.2)

ISBN 964 - 357 - 190 - 4(دوره)

      تمّ تنظيم الفهرس طبقاً لمعلومات فيبا .

1383 3028ت6ن/ 210BP    4172 / 297

اسم الكتاب:  … شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / الجزء الثّاني

المؤلــف:   … عبد الرّزاق اللاّهيجي

تقديم وإشــراف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني

المحقّـق:   … الشيخ أكبر، أسد علي زاده

الطبعــة:   … الثانية ـ 1429 هـ ـ طبعة مزيدة ومنقحة

المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

الكمّيّـة:   … 1000 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

توزيع

مكتبة التوحيد

ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء

?7745457 ـ 2925152


صفحه 5

بسم الله الرحمن الرحيم

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )

النحل: 125


صفحه 6

صفحه 7

تقديم: آية الله جعفر السبحاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه رسولاً يُعلّم الناس الكتاب والحكمة، ويدعوهم إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي احسن ، وعلى أوصيائه الطاهرين الهداة المهديّين.

تفتخر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)بإصدار الجزء الثاني من كتاب «شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام» تأليف الحكيم المتأله عبد الرزاق اللاّهيجي رضوان الله عليه، بصورة محققة مزدانة بالتعاليق .

ويشتمل هذا الجزء على مباحث مهمة حول الماهية والوجود. واخصُّ بالذكر منها مسألة تسلسل العلل والمعاليل إلى غير نهاية.


صفحه 8

وقد أقام المصنّف براهين عشرة (1) ـ بل أزيد ـ على امتناعه، حتّى أنَّ البرهان العاشر ربّما يقرر بوجوه مختلفة.

ولأجل إيضاح امتناع التّسلسل في سلسلة العلل والمعاليل، وكمقدمة لما أفاده المصنّف في هذا الباب، نوضح البرهان الأَقوم الأَتم على امتناعه.

وقبل الخوض فيه والنتيجة المترتبة عليه أودّ أَنْ أذكر ما حفظته الذاكرة بعد مضي أكثر من نصف قرن أعني: ما شاهدته في أوّل لقاء حصل بين العلاّمة السيد الطباطبائي والشيخ المطهري ـ رضوان الله عليهما ـ وفيه تعرّف السيد عليه، ودار البحث بينهما في ذلك اللقاء حول امتناع التسلسل، وإليك التفصيل:

في شتاء عام 1370 هـ زرت العلاّمة الطباطبائي (قدس سره)في بيته العامر، وقد كنت أسأله عن بعض المسائل الفلسفية، وهو يجيبني عنها، وحينماكان الحوار دائراً بيني وبين الأُستاذ فوجئنا بدخول العلمين الجليلين: الشيخ علي أصغر كرباسچيان (2)المعروف بالعلاّمة، والشيخ الشهيد مرتضى المطهري،


1 . والبراهين هي:
1. ما ابتكره المحقّق الطوسي وهو مشهور عنه، 2. برهان التطبيق، 3. ما استخرجه المحقّق الطوسي من برهان التطبيق، 4. ما ذكره الشيخ الرئيس في كتابي: «الإشارات» و «المبدأ والمعاد»،5. برهان الطرف والوسط، 6. برهان التّضايف، 7. برهان الحيثيات، 8. برهان الترتب، 9. برهان الأسدّ الأخصر، 10. ما يقارب برهان التطبيق وليس نفسه، 11. البراهين الّتي اخترعها بعض المتأخّرين وقُرر بوجوه خمسة. وقد اعترف المحقّق اللاهيجي في آخر المبحث بأنّ في أكثرها مجالاً المناقشة كما لا يخفى على الناقد البصير والعالم الخبير.
2 . انّ صديقنا المغفور له الشيخ علي أصغر كرباسچيان، قد غادر الحوزة العلمية في قم المقدسة عام 1376 هـ ، ونزل العاصمة طهران فأسّس فيها مدرسة ثانوية كان لها أثر بارز في تثقيف المتخرّجين منها بالعلم والمعرفة الدينيّة، تغمّده الله برحمته.


صفحه 9

وكان للأوّل صلة وثيقة بالعلاّمة السيد الطباطبائي، إلاّ أنّ السيد لم يكن آنذاك قد تعرّف على سماحة الشيخ الشهيد، فأَخذ العلاّمة الطهراني بالتعريف بالشيخ المطهري واصفاً إيّاه بأنّه من أفاضل الحوزة ومدرّسيها وله باع طويل في المسائل العقلية، فاستقبله السيد الطباطبائي بوجه مشرق ورحّب به أحسن ترحيب.

واستأذن الشيخُ المطهري السيَّد الطباطبائي في طرح إشكاله الّذي لم يزل عالقاً بذهنه وفكره منذ زمان، وقال ما هذا مثاله :

إنَّ البراهين الّتي أقامها الفلاسفة على إبطال التسلسل وامتناعه هي براهين واقعة في غير موقعها. فإنّ أكثرها أشبه بالبراهين الهندسية الّتي تجري وتتحكم في الأُمور المتناهية، كبرهان التطبيق وغيره، والمفروض في المقام تسلسل أُمور غير متناهية، فكيف يستدل بالبراهين الّتي هي من خصائص الأُمور المتناهية على أمر غير متناه؟ فما هو الدليل المتقن لامتناعه الّذي لا يختص بالأُمور المتناهية، بل يتحكّم حتّى في ما لا يتناهى ؟

فلمّا أَتمَّ الشيخ المطهري كلامه وبلغ النهاية في إيضاح مراده، أخذ السيد الطباطبائي بالكلام مبتدئاً بأنّ علاقة المعلول بالعلّة كعلاقة الوجود الرابط بالوجود النفسي، فكما لا يتصوّر وجود الرابط دون أن يكون هناك وجود نفسي، فهكذا لا يتصوّر تسلسل أُمور كلّها موصوفة بكونها معاليل دون أن يكون بينها علّة غير موصوفة بالمعلولية.


صفحه 10

وبعبارة أُخرى: انّ مثل علاقة المعلول بالعلّة كمثل علاقة المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي، فكما لا تتصور معاني حرفية دون أن يكون بينها معنى أسمي، فكذلك لا يتصور تسلسل معاليل موصوفة بكونها معاليل دون أن يكون بينها علّة تامة ليست بمعلولة.

وهذا هو لبُّ ما ذكره السيد الطباطبائي ولكن ببيان مفصّل سوف نوضحه تالياً.

وبعد ان سمع الشيخ المطهري هذا الجواب، استشففت ما في وجهه من سرور وقد امتلأ بالرضا والقبول فصار ذلك اللقاء فاتحة للقاءات متواصلة، أضحى فيها الشيخ من عُشّاق العلاّمة الطباطبائي إذ حضر بحوثه في تدريس كتاب " الشفاء " كما حضر عليه في دراساته العليا حول أُصول الفلسفة ومبانيها الّتي نشرت باسم " أُصول الفلسفة " في اجزاء خمسة وقد علق عليها المطهري تعليقات نافعة نالت شهرة عالمية وترجمت إلى لغات أُخر.

نعم كانت العلاقات الوُدّية بينهما متبادلة، وكان السيد الطباطبائي يحب الشيخ المطهري كثيراً لما كان يلمس فيه من قوّة التفكير وعمق التدبّر، ولما استشهد العلاّمة المطهري بيد الاعداء والمنافقين، أجرى مراسل التلفزيون الإيراني مقابلة مع السيد الطباطبائي ذكر فيها الأُستاذ فضائل تلميذه ومناقبه بقلب مكمد وصوت حزين إلى أن انقطع صوته بالبكاء والنحيب رضوان الله عليهما.


صفحه 11

وإليك ايضاح ما ذكره العلاّمة الطباطبائي في ضمن أُمور:

الأوّل: اصالة الوجود واعتبارية الماهيّة

إن لنظرية اصالة الوجود واعتبارية الماهيّة دوراً كبيراً في حل الكثير من المسائل الفلسفية والكلامية المعقّدة .

وحاصل هذه النظرية: أنّه إذا قلنا: الإنسان موجود، يتبادر إلى ذهننا مفهومان ; أحدهما: مفهوم الإنسان، والآخر: مفهوم الوجود الحاكي عن تحقق فرد منه في الخارج، فعندئذ يقع الكلام فيما هو الأصيل منهما بمعنى ما يترتب عليه الأثر في الخارج، بعد افتراض بطلان اصالتهما معاً.

فهل الاصيل هو نفس الإنسان المجرّد عن التحقق؟ أو الأمر الثاني المعبّر عنه بأنّه موجود؟ الحق هو الأمر الثاني، إذ لا ريب في أنّ مفهوم الإنسان بما هو انسان مفهوم لا يترتب عليه أيُّ أثر إلاّ إذا اقترن بالوجود والتحقق، فعندئذ يكون الثاني هو الاصيل إذ به يصير الإنسان انساناً واقعياً حقيقياً تترتب عليه الآثار.

نعم القول بأصالة الوجود لا يعني بأنّه ليس في الدار سوى ذات الوجود الامكاني المطلق غير المحدد بشيء، فإنّ ذلك على خلاف الوجدان والبرهان، إذ لا شكّ أنّ الإنسان متحقق في الخارج وهو ليس نفس الوجود المجرّد عن كل لون وحدّ، فانّ ما يُتبادر من الإنسان غير ما يتبادر من الوجود.


صفحه 12

وانّما يعني أنّ الأصيل الّذي يترتب عليه الأثر إنّما هو الوجود، غاية الأمر أنّه متحدد بالإنسانية.

فالوجود يؤثر في تحقق الإنسانية وجعلها أمراً واقعياً، كما أنّ الإنسانية تكون حداً للوجود وتحديداً له من حيث درجات الوجود ومراتبه.

ولذلك قلنا في محله: إنّ نسبة الوجود إلى الماهيّة من قبيل الواسطة في الثبوت لا الواسطة في العروض، فكما أنّ الوجود متحقق في الخارج فهكذا الإنسانية متحققة لكن بفضل الوجود وظله.

ولعل هذا المقدار يكفي في ايضاح المسألة الّتي طالما كانت مثاراً للنزاع، وقد ألفتُ رسالةً مستقلةً في هذا الباب نشرت تحت عنوان «قاعدتان فلسفيتان».

الثّاني: تقسيم الوجود إلى نفسي وغيري

من الآثار المترتبة على نظرية أصالة الوجود امكان تقسيمه ـ تقسيماً ثلاثياً ـ إلى وجود نفسي، ورابطي، ورابط .

اما الأوّل: فهو عبارة عمّا استقل تصوّراً ووجوداً، وذلك كالجواهر ; مثل الإنسان والحيوان والشجر.

فكل منها مستقل تصوّراً، كما أنها في وجودها غير معتمدة ـ حسب الظاهر ـ (1) على شيء.


1 . احتراز ممّا سيوافيك من أنّ العالم الامكاني بجواهره واعراضه ـ بالنسبة إلى الواجب ـ ، وجود رابط قائم به من غير فرق بين اصنافه الثلاثة.


صفحه 13

وأما الثّاني: فيراد به ما هو مستقل تصوّراً غير مستقل وجوداً، وذلك كالاعراض، فإذا قلنا: «الجسم أبيض» فالمحمول في الحقيقة ـ الّذي هو البياض ـ مستقل مفهوماً غير مستقل وجوداً إذ هو قائم بالجسم ولولاه لما كان للبياض أثر في عالم الوجود.

وأما الثالث: فهو مايكون غير مستقل تصوّراً ووجوداً، وذلك كالمعاني الحرفية، فإذا قلنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة» فكل من لفظتي «من» و «إلى» يفيدان معنى مندكاً في المتعلّق، فالابتداء الحرفي كالانتهاء، لا يتصوّران مستقلين وانّما يتصوّران في ضمن الغير، كما أنّهما غير مستقلين وجوداً وتحققاً.

هذا التقسيم الثلاثي للوجود الامكاني ـ كما قلنا في الهامش ـ إنّما هو بحسب الظاهر مع قطع النظر عن تعلقه وقيامه بمبدأ المبادئ وواجب الوجود. واما بالنسبة إليه فتنقلب النسبة ويكون الجميع بالنسبة إليه كالوجود الرابط والمعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الاسمي، كما سيوافيك بيانه.

الثالث: العلّة هو مفيض الوجود

العلّة عند الالهي غيرها عند المادي، فالالهي يُطلق العلّة على مفيض الوجود أي من يُفيض الوجود على الاشياء ويخرجها من العدم ويصيّرها موجودة بعد أن كانت معدومة.

وعلى ذلك فالمادة بذاتها وصورتها وجميع شؤونها معلولة لمن


صفحه 14

أعطاها الوجود والصورة واخرجها من ظلمة العدم إلى حيّز الوجود.

وهذا بخلاف العلّة عند المادي فهو يطلق لفظ العلة على المادة المتحولة إلى مادة أُخرى كالحطب المنقلب إلى رماد، والوقود المنقلب إلى طاقة، والكهرباء المنقلبة صوتاً أو حرارة أو ضوءاً.

فكأنَّ المادي لا يعترف إلاّ بنوعين من العلل الأربعة; العلّة المادية والعلّة الصورية ويغفل عن العلّة الفاعلية والعلّة الغائية.

وعلى ضوء ذلك فالكون بمادته وصورته وغايته مخلوق للواجب، موجود به، قائم به. وإلى ما ذكرنا يشير الحكيم السبزواري:

معطي الوجود في الإلهي فاعل *** معطي التحرك في الطبيعي قائل

الرابع: معنى الامكان في الوجود غيره في الماهيّة

توصف الماهيّة بالامكان كما يوصف الوجود به، غير أن للامكان في كل من الموردين معنى خاصّاً يجب أن نفرّق بينهما.

توصف الماهيّة بالامكان ويراد به: مساواة نسبة الوجود والعدم إليها ، فإذا تصوّرنا الإنسان بجنسه وفصله نجد فيه مفهومين مجرّدين عن كل شيء حتّى الوجود والعدم، إذ لو كان الوجود جزءاً له يكون واجب الوجود، ولو كان العدم جزءاً له يكون ممتنع الوجود، مع أنّا أفترضاه بكونه ماهيّة ممكنة.

نعم يعرض كل من الوجود والعدم للإنسان في رتبة متأخرة عن مقام الذات فيقال: الإنسان موجود أو معدوم، اما عروض الوجود فهو رهن وجود


صفحه 15

العلّة، وأما العدم فيكفي فيه عدم العلة.

واما وصف الوجود بالامكان فيختلف معناه مع وصف الماهيّة به، فيصح قولنا: الإنسان ماهيّة ممكنة، ونسبة الوجود والعدم إليه متساوية، ولكن لا يصح قولنا: الوجود المفاض من العلة العليا، وجود ممكن، ونسبة الوجود والعدم إليه متساوية، إذ كيف يتصوّر أنْ تكون نسبة الوجود والعدم إلى الوجود متساوية، مع أنَّ الموضوع هو الوجود، ونسبة الوجود إلى الوجود بالضرورة(1) لا بالامكان؟!

فلا محيص من تفسير الامكان في الوجود بوجه آخر وهو: كونه قائماً بتمام ذاته بالواجب ومتدلياً به بحيث لو فرض انقطاعه عنه، لما بقي منه أثر.

ولو أردنا أنْ نوضح المقام بمثال ـ وان كان بين المثال والممثل فرق واضح ـ لقلنا: إنّ نسبة الوجود الامكاني بالنسبة إلى الواجب كنسبة الصور الذهنية إلى النفس الّتي تصنعها في صقعها فهي قائمة بها قيام صدور على نحو لو تغافلت عنها النفس لما بقي منها أثر في صفحة الوجود.

فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ الامكان في الوجود بمعنى كونه قائماً بالعلّة.

الخامس: واقع الوجود الامكاني هو الفقر

انّ الحاجة والفقر عين حقيقة الوجود الإمكاني لا شيء عارض له، وإلاّ يلزم أن يكون في حدّ ذاته غنيّاً عرضته الحاجة والفقر، وهو يلازم انقلاب


1 . يراد بالضرورة، الضرورة الذاتية، لا الضرورة الازلية الّتي من خصائصه سبحانه.


صفحه 16

الواجب إلى ممكن، وهو باطل، فلا محيص من القول بأنّ الفقر والحاجة عين حقيقة الوجود الإمكاني وذاته، وهذا في مقام التمثيل كالمعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الاسمي.

فكما انّ المعاني الحرفية متدليات بالذات مفهوماً ووجوداً، لا يمكن تصوّرها مستقلة عن المتعلّق كما لا تتحق مجرّدة عنه. فهكذا الوجود المفاض عن العلّة، فواقعه القيام بالغير، والتدلّي به، فالفقر ذاته وجوهره والحاجة لبّه وحقيقته، والربط والقيام بالغير، كينونته وتقررّه، لا انّه شيء عرضه الفقر والحاجة والربط .

فالعالم الإمكاني بأرضه وسمائه ماديّة ومجرّدة، موجودات متدليات قائمات بالغير، وافتراض استغنائها عن العلّة يساوق عدمها.

إذا وقفت على هذه الأُمور تتجلى لك الحقيقة بأوضح صورها وتذعن بأنّ فرض تسلسل العلل والمعاليل إلى غير النهاية دون أن يكون بينها ما هو علّة وليس بمعلول، افتراض غير معقول مشتمل على التناقض الصريح في الفرض.

وذلك انّ كل جزء من هذه السلسلة غير المتناهية وان كان علّة للمتأخر ومعلولاً للمتقدّم لكن ذلك لا يصدنا عن وصفها بأنّها سلسلة موصوفة بالمعلولية، وأنّه ليس فيها ما لا يكون كذلك بأن يكون علّة ولا يكون معلولاً ; إذ عندئذ يلزم انقطاع السلسلة، وهو خلف.

فإذاً المدعى ـ إمكان التسلسل ـ مركب من جزئين:


صفحه 17

أ. السلسلة المفروضة موصوفة بالمعلولية.

ب. السلسلة تفقد ما يكون علّة ولا يكون معلولاً.

فنقول: إنَّ الجمع بين هذين الجزأين من المدعى جمع بين المتناقضين.

لأنّ افتراض كونها معلولة يلازم كونها وجوداً رابطاً غير غني عن الوجود النفسي حتّى يقوم به.

فكيف يجتمع هذا الفرض مع الجزء الثاني أيْ أنَّ السلسلة تفقد الوجود النفسي، وما هو علّة وليس بمعلول؟!

واشتمال الفرض على التناقض دليل واضح على بطلانه وامتناعه.

وإلى ما ذكرنا من البرهان يشير العلاّمة الطباطبائي في كتابه القيّم «نهاية الحكمة» ويقول: والتسلسل في العلل محال. والبرهان عليه أنّ وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علّته لا يقوم إلاّ بعلته، والعلّة هو المستقل الّذي يقوّمه . وإذا كانت علّته معلولة لثالث وهكذا كانت غير مستقلّة بالنسبة إلى ما فوقها، فلو ذهبت السلسلة إلى غير نهاية ولم تنته إلى علّة غير معلولة تكون مستقلة غير رابطة لم يتحقق شيء من أجزاء السلسلة لاستحالة وجود الرابط إلاّ مع مستقل .(1)

وحصيلة الكلام: أنّ المعلول في مصطلح الالهيين هو: ما يكون مفاضاً ـ بمادته وصورته وكل شؤونه ـ من جانب العلّة وقائماً بها، وصادراً عنها. وهذا


1 . نهاية الحكمة: 168 .


صفحه 18

يعني أنّ كلّ حلقة من تلك الحلقات، وكل جزء من تلك السلسلة كان معدوماً فوجد بسبب علّته، وتحقق بجميع شؤونه بفضلها، فبما أنّ أفراد هذه السلسلة برمّتها تتّسم بصفة «المعلولية» كان جميعها متصفاً بالفقر والتعلق بعلته، أي لو أننا سألنا كل حلقة عن كيفية وجودها لأجابتنا ـ بلسان التكوين ـ : بأنّها مفتقرة في وجودها وفي جميع شؤونها إلى العلة الّتي سبقتها، فإذاكان هذا هو لسان حال كل واحدة من حلقات هذه السلسلة، تكون السلسلة برمّتها سلسلة فقر واحتياج، سلسلة تعلّق وارتباط . وعند ذلك يُثار هذا السؤال:

كيف انقلبت هذه السلسلة الفقيرة الفاقدة لكل شيء إلى سلسلة موجودة بالفعل؟! وكيف وجدت هذه السلسلة المرتبطة بحسب ذاتها من دون أن تكون هناك نقطة اتكاء قائمة بنفسها؟!

***

تقرير آخر لامتناع التسلسل

وهناك تقرير آخر لبطلان التسلسل ربما يكون مفيداً للمتوسطين من طلاب العلوم العقلية.

وحاصله: أنّ فرض صحة التسلسل فرض تحقق قضايا مشروطة وإن لم يتحقق شرطه.

توضيحه: انّ وجود المعلول الأخير إذا كان مشروطاً بوجود ما يسبقه


صفحه 19

من العلّة وكانت تلك العلّة المتقدّمة مشروطة في وجودها بوجود ما قبلها، واستمر هذا الاشتراط إلى غير النهاية، تكون النتيجة تصوّر موجودات غير متناهية، مشروط وجود كل واحد منها بوجود ما قبله، بحيث إذا سألت كل واحد عن شرط تحقّقه، لإجابك بأنّه لا يتحقّق إلاّ أن يتحقّق ما يتقدّمه، ولو سألت ما يتقدّمه لأجابك بهذا أيضاً، وهكذا...

فعند ذاك تصبح النتيجة هو تصوّر «سلسلة مشروطة» أو قضايا مشروطة غير متناهية لم يتحقّق شيء منها بعد، لعدم تحقّق شرط كل واحد، فكيف تتحقّق السلسلة مع عدم تحقّق شرطها؟

وبعبارة أُخرى: لو كان هناك موجود مطلق، وقضية غير مشروطة، لم يشترط وجودها بشيء ـ كما هو الحال إذا أنهينا السلسلة إلى خالق أزلي ـ فعند ذاك يتحقّق شرط كل حلقة، وقضية، فتصبح السلسلة موجودة لتحقّق شرط الجميع، وأمّا إذا كان الجميع أُموراً مشروطة وقضايا معلّقة، فبما انّها لا تتوقّف السلسلة عند حد لا يكون الشرط متحقّقاً، وفي هذه الحالة كيف يتحقّق المشروط بلا تحقّق شرطه.

انّ النتيجة في هذه الحالة هي أن يمتنع تحقّق قضايا مشروطة لا يوجد بينها ـ أو لا تنتهي إلى ـ قضية مطلقة، ولنأت بمثال لتوضيح ذلك:

لو أنّ أحداً اشترط التوقيع على ورقة بتوقيع شخص آخر، والثاني بتوقيع ثالث، ثم رابع، وهكذا إلى غير نهاية، فانّ من البديهي انّه لا تُمضى تلك الورقة أبداً، ولا يتمّ التوقيع عليها مطلقاً .


صفحه 20

وهكذا لو أنّ أحداً اشترط حمل صخرة بحمل شخص آخر لها ومساعدته له، واشترط الثاني حملها بحمل ثالث، والثالث بحمل رابع، وهكذا إلى غير نهاية، فانّ هذه الصخرة لن يتمّ حملها إلى الأبد لتسلسل الشرائط، وتوقّف كلّ حمل على حمل يسبقه .

هذا ما سمح به الوقت لتقرير هذا البحث بوجه يكون مقنعاً للطبقة العليا والمتوسطة...

نشكر الله سبحانه على ما رزق المؤسسة ومحققيها من توفيق لتقديم هذا الجزء إلى عشاق العلوم العقلية محققاً ومصححاً خالياً عن الغلط والتشويش. ومزداناً بالتعاليق المفيدة، وسيتلوه ان شاء الله الجزء الثالث من الاجزاء الخمسة الّتي سيتم إخراج الكتاب فيها باذن الله سبحانه.

انّه خير مسؤول ونعم المجيب

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم ـ إيران

25 جمادى الآخرة 1426 هـ


صفحه 21

الفصل الثاني

في الماهيّة ولواحقها(1)

من الوحدة والكثرة والكليّة والجزئيّة والذّاتيّة ونظائرها.(2)

وهذا الفصل يشتمل على مقدّمة ومسائل عديدة.


1 . راجع لمزيد التحقيق في هذا المبحث إلى: إلهيات الشفاء: 1 / المقالة الخامسة ; ايضاح المقاصد من حكمة عين القواعد: المقالة الأُولى / البحث الثاني والثالث والرابع والخامس ; نهاية المرام في علم الكلام: ج 1 / المقصد الثالث / الفصل الأوّل ; الحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / المرحلة الرابعة; المباحث المشرقيّة: 1 / الباب الثاني; شرح المقاصد: 1 / الفصل الثاني من الأُمور العامّة; شرح تجريد العقائد: 75 ـ 112 ; اللّوامع الإلهية في المباحث الكلاميّة: اللاّمع الرابع ; شرح المنظومة: 2 / الفريدة الخامسة من المقصد الأوّل ; تعليقات على الشّفاء لصدر المتألهين: 176 ـ 222 ; شرح حكمة الاشراق: 179 ـ 199 / الفصل الأوّل من المقالة الثالثة.
2 . كالتّركيب والبساطة والتشخيص والتقابل وغيرها ممّا يبحث عنها في هذا الفصل .


صفحه 22

صفحه 23

أمّا المقدّمة:

ففي اشتقاق لفظ الماهيّة، وتعريفها، وموضع إطلاقها، والفرق بينها وبين الذّات والحقيقة على ما قال :

وهي مشتقّةٌ عمّا هو، وهو ما به يُجاب عن السّؤال بما هو، وتُطلق غالباً على الأمر المعقول، ويُطلق الذّات والحقيقةُ عليها مع اعتبار الوجود الخارجي.

وهي ; أي هذه اللّفظة مشتقّةٌ عمّا هو.

فالـ " ياء " فيها للنّسبة، فمعناها المنسوبة إلى ما هو .

وإنّما نسبت إليه لأنّها تقع جواباً عنه .

وهو ; أي الماهيّة والتّذكير باعتبار الخبر، ما به يجاب عن السّؤال بما هو(1)، هذا هو رسمها.

وقال شارح المقاصد: «وقد يفسّر بما به الشّيء هو هو، ويشبه أن يكون هذا تحديداً، إذ لا يتصوّر لها مفهوم سوى هذا.


1 . حاصل الكلام: الماهيّة لفظة مأخوذة عن «ما هو» وهو ما به يجاب عن السؤال بما هو، فإنّك إذا قلت: ما هو الإنسان؟ فقد سألت عن حقيقته وماهيّته، فإذا قلت: حيوان ناطق، كان هذا الجواب هو ماهيّة الإنسان. لاحظ : كشف المراد: المسألة الأُولى من الفصل الثاني .


صفحه 24

وزعم بعضهم: أنّه صادق على العلّة الفاعليّة، وليس كذلك، لأنّ الفاعل ما به الشّيء يكون موجوداً، لا ما به الشّيء يكون ذلك الشيء. انتهى»(1).

وتطلق هذه اللّفظة غالباً على الأمر المعقول(2); أي الملحوظ لا باعتبار الوجود، فيكون كليّاً بالفعل إذا كان حاصلاً في العقل، وكليّاً بالقوّة، إذا كان موجوداً في الخارج ; حيث يمكن للعقل ملاحظته لا باعتبار الوجود، فيصير كليّاً بالفعل، فلا تطلق على الموجود الّذي وجوده عين ذاته; إذ لا يمكن اعتباره لا(3) باعتبار الوجود، ولا على الهويّة الشّخصيّة من حيث هي شخصيّة; لأنّ التشخّص يساوق الوجود.

ويطلق الذّات والحقيقة عليها; أي على الماهيّة غالباً مع اعتبار الوجود الخارجي.(4)

فلا يقال: ذات العنقاء وحقيقتها، بل يقال: ماهيّتها .

وهذه الإطلاقات جاريّة مجرى الحقيقة العرفيّة، لكونها بحسب الأكثر الأغلب.

وقد يطلق الثّلاثة(5) بلا اعتبار فرق بينها.


1 . شرح المقاصد: 1 / 399 و 400 .
2 . أي الحاصل في الذّهن فلا تكون إلاّ كليّة ولهذا كان المنصرف من قولنا: «ماهيّة الإنسان كذا» حقيقته الكليّة.
3 . ب: «إلاّ»، والصحيح ما أثبتناه في المتن .
4 . في تجريد العقائد للمصنّف (رحمه الله) و متن كشف المراد: «والذّات والحقيقة عليها مع اعتبار الوجود».
5 . أي الماهيّة والحقيقة والذّات .


صفحه 25

وأمّا المسائل:

فـ المسألة الأُولى

في الماهيّة والحقيقة والذّات

إنّ كلاًّ من الماهيّة والذّات والحقيقة من المعقولات الثّانية(1) على ما قال: والكلُّ من المعقولات الثّانية .(2)

فإنّ مفهوماتها تعرض لما صدقت عليها في العقل كما مرّ .(3)

ألا ترى أنّ كون الإنسان مثلاً ماهيّة; أي مقولاً في جواب ما هو، أمرٌ لا يعقل إلاّ عارضاً له في الذّهن ؟


1 . العارض للمعقولات الأُولى، فإنّ حقيقة الإنسان ـ أعني: الحيوان الناطق ـ معروضة لكونها ماهيّة وذاتاً وحقيقة، وهذه عوارض لها.
2 . لأنّ المعقول الثاني هوما لا يكون له فرد في الخارج وهذه الألفاظ عوارض ذهنيّة تعرض مثلاً على الإنسان الّذي له مصداق في الخارج .
3 . في الجزء الأوّل، المسألة العشرين من الفصل الأوّل .


صفحه 26

المسألة الثّانية

في مغايرة الماهيّة لما يلحقها

قال: وحقيقةُ كُلّ شيء مغايرةٌ لما يَعرضُ لها من الاعتبارات وإلاّ تصدق على ما يُنافيها.

وتكون الماهيّةُ مأخوذة مع كلّ عارض مقابلةً لها مع ضدّه.

وهي من حيث هي ليست إلاّ هي، فلو سُئِل بطرفي النّقيض فالجواب السّلب لكلّ شيء قبل الحيثيّة لا بعدها.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان مغايرة(1) الماهيّة لما يلحقها ويصدق عليها من العوارض.(2) وإنّما احتاجت إلى البيان لإمكان الالتباس لمكان صدقها عليها، بخلاف الأُمور المبائنة لها، حيث لا يصدق عليها، فلا التباس .

فقال: وحقيقةُ كلّ شيء موجود معروض للعوارض(3) والاعتبارات .


1 . المراد بالمغايرة نفي كون عوارض الماهيّة عينها أو جزءاً لها وإن كانت أعراضاً لازمة أو مفارقة .
2 . كالوحدة والكثرة وموجودة ومعدومة وجنساً وفصلاً ونوعاً وعرضاً ونحوها.
3 . كالشّخصيّة زيد العارضة لذات الإنسان، وكالنّاطقيّة المخصوصة للإنسان .


صفحه 27

ولهذا عبّر بلفظ الحقيقة دون الماهيّة مغايرة لما يعرض لها ; أي يحمل عليها من الاعتبارات ; أي الأحوال الثّابتة لها، سواء كانت أجزاء لها (1) أو أعراضاً لازمة أو مفارقة(2).

وإلاّ; أي وإن لم يكن كذلك، بل كان عينها، لما صدق ذلك الشّيء المعروض لتلك العوارض(3) على ما ينافيها; أي تلك العوارض، مثلاً لو كانت الوحدة نفس حقيقة الإنسان، أو داخلة فيها، لما صدق الإنسان على الكثير المنافي لها، وليس كذلك .

فإن قيل: هذا البيان لا يجري في لوازم الماهيّة فإنّ الأربعة مثلاً لا يصدق على ما ليس بزوج.(4)

أُجيب: بأنّ المراد من الصّدق عدم المنافاة بالذّات، و(5) لا منافاة


1 . كالنّاطقيّة للإنسان.
2 . يعني الإنسانيّة مثلاً من حيث هي إنسانيّة حقيقة وهي مغايرة لجميع ما يعرض لها من الاعتبارات، فإنّ الإنسانيّة من حيث هي إنسانيّة لا يدخل في مفهومها الوجود والعدم، ولا الزوجيّة والفرديّة، ولا الوحدة والكثرة ولا الكليّة والجزئيّة ولا غير ذلك من الاعتبارات اللاّحقة بها، لأنّ الأُمور العارضة لحقيقة شيء لا يكون نفس ذلك الشيء المعروض، ولا داخلاً في حقيقته .
3 . لأنّ الوحدة مثلاً لو دخلت في مفهوم الإنسانيّة لم تصدق الإنسانيّة على ما ينافي الوحدة فإنّ الإنسان كما يكون واحداً يكون كثيراً .
4 . يعني انّ الصدق ملزوم لعدم المنافاة بالذّات، فذُكر الملزوم وأريد منه اللاّزم على طريق الكناية.
5 . الواو: حالية.


صفحه 28

بالذّات بين الأربعة وما ليس بزوج، بل باعتبار الزوجيّة، فتدبّر .

وتكون الماهيّة سواء كانت موجودة أو معدومة. ولهذا عبّر بلفظ الماهيّة مأخوذةً مع كلّ عارض مقابلة لها; أي لتلك الماهيّة مأخوذة مع ضدّه.

فإنّ الإنسان الواحد مثلاً من حيث هو واحد، مقابل للإنسان الكثير من حيث هو كثير.

وهي; أي الماهيّة ملحوظة من حيث هي ـ غير مأخوذة مع شيء من الاعتبارات ـ ليست إلاّ هي .

فإنّ الإنسان الملحوظ من حيث هو إنسان، غير مأخوذ مع الكتابة والضّحك والوحدة والكثرة إلى غير ذلك، إنسان فقط، لا إنسان ضاحك، ولا إنسان كاتب، ولا إنسان واحد، ولا إنسان كثير، ولا يشترط أن يكون معها شيء منها(1) إلى غير ذلك.

فلو سئل بطرفي النّقيض على سبيل اسناد الفعل المجهول إلى الظّرف، ولذا لم يؤنّثه، بأن قيل: هل الإنسان من حيث هو إنسان كاتب أو ليس بكاتب؟ فالجواب السّلب لكلّ شيء; أي ليس بكاتب ولا بشيء من الأشياء، قبل الحيثيّة لا بعدها; أي يذكر حرف السّلب قبل الحيثيّة، بأن يقال: الإنسان ليس من حيث هو إنسان بكاتب، لا بعد الحيثيّة، بأن يقال: الإنسان من حيث هو إنسان ليس بكاتب; لأنّ هذه الصّيغة قد تكون للإيجاب العدولي، كأنّك


1 . في أ، ب و ج: جملة: «ولا يشترط أن يكون مَعها شيء منها» ساقطة.


صفحه 29

قلت «الإنسان من حيث هو إنسان شيء هو اللاّ كاتب مثلاً» وهو باطلٌ.

وإلى هذا أشار الشيخ حيث قال في خامسة "إلهيات الشفاء": «فإن سألنا سائل، وقال: ألستم تجيبون وتقولون: إنّها(1)ليست كذا وكذا، و(2) كونها ليست كذا وكذا غير كونها إنسانيّة بما هي إنسانيّة ؟

فنقول: إنّا لانجيب أنّها من حيث هي إنسانيّة ليست كذا، بل نجيب أنّها ليست من حيث هي إنسانيّة كذا. وقد علم الفرق بينهما في المنطق »(3).

وإنّما قال «بطرفي النّقيض» لكون التّرديد حينئذ حاصراً ألبتة، فيستحق الجواب باختيار أحد الشقّين. بخلاف ما إذا سئل بطرفين لا يكونان متناقضين كأن يقال «هل الإنسان كاتب، أو ضاحك؟» أو «هل الإنسان كاتب، أو لا كاتب؟» فلا يستحق الجواب أصلاً.


1 . الإنسانيّة مثلاً.
2 . الواو: حالية.
3 . إلهيات الشّفاء: 1 / 199 / الفصل الأوّل من المقالة الخامسة.


صفحه 30

المسألة الثّالثة

في أقسام اعتبار الماهيّة ولحاظها

قال: وقد تؤخذ الماهيّةُ محذوفاً عنها ما عداها بحيث لو انضمّ إليها شيءٌ لكان زائداً ولا تكون مقولاً على ذلك المجموع وهو الماهيّة بشرط لا شيء ولا توجد إلاّ في الأذهان.

وقد تؤخذ لا بشرط شيء وهو كلّيٌ طبيعي موجود في الخارج، وهو جزء من الأشخاص وصادقٌ على المجموع الحاصل منه وممّا يضاف إليه.

والكليّةُ العارضة للماهيّة، يقال لها كليٌّ منطقيّ، ويقال للمركّب كلّيٌّ عقليٌّ وهما ذهنيّان، فهذه اعتبارات ثلاثةٌ ينبغي تحصيلُها في كلّ ماهيّة معقولة.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان اعتبارات الماهيّة بالقياس إلى ما يعرض لها من الاعتبارات الّتي مرّت (1) مغايرتها لها، وهي ثلاثة:

الأوّل: اعتبار الماهيّة بشرط أن لا يكون معها شيء من تلك(2) الاعتبارات.

الثّاني: اعتبار الماهيّة بشرط أن يكون معها شيء منها.


1 . في المسألة الثّانية من هذا الفصل .
2 . أي من الوحدة والكثرة وغيرهما من الاعتبارات العارضة لها.


صفحه 31

الثّالث: اعتبارها لا بشرط أن يكون معها شيء منها، ولا بشرط أن لا يكون معها شيء منها .

ويسمّى الماهيّة بالاعتبار الأوّل بالماهيّة المجرّدة، والماهيّة بشرط لا شيء.

وبالاعتبار الثّاني الماهيّة المخلوطة(1)، والماهيّة بشرط شيء.

وبالاعتبار الثّالث الماهيّة المطلقة والماهيّة لا بشرط شيء.

واعلم: أنّ قولهم الماهيّة بشرط لا يستعمل عندهم بمعنيين :

أحدهما: أن يعتبر تجرّد الماهيّة عن جميع ما عداها من الأُمور الزّائدة عليها، سواء كانت عارضة لها أو لازمة إيّاها، وهذا هوالمستعمل في مقابلة الماهيّة المخلوطة والمطلقة في مباحث الماهيّة.

والمعنى الثّاني: هو ما يراد بقولهم «الماهيّة بشرط لا جزءٌ ومادّةٌ» وهو أن يعتبر انضمام شيء آخر إليها، لا من حيث هو داخل فيها ومحصّل إيّاها، بل من حيث هو أمر زائد عليها(2) وقد حَصَل منهما مجموعٌ لا يصدق هي عليه بهذا الاعتبار ; فيقال مثلاً: الحيوان بشرط لا، جزء لماهيّة الإنسان، ومادّة لها .


1 . لأنّها أخذت مع خلط شيء زائد عليها، مثلاً ماهيّة الإنسان تؤخذ مخلوطة بالمشخصات في زيد وعمرو.
2 . فالمراد أنّ الحيوان المجرّد هاهنا أنّه في ذاته ونفس مفهومه مجرّد عن النّاطق وعن اتّحاده منه بل هو حيوانيّة صرفة ومعرّاة عن الناطقيّة، فهذا شيء وذاك شيء آخر كلّ منهما متمايز عن الآخر.


صفحه 32

وبين المعنيين بَينٌ بَيّنٌ .(1)

والمعنى الأوّل هو المشهور بين المتأخّرين، كما صرّح به في "شرح المقاصد"(2) على أنّه الّذي بالغ الشّيخ في نفي وجوده(3) كما يأتي.

وبالجملة: هو المجزوم بأنّه لا وجود له في الخارج، إذ الوجود في الخارج من اللّواحق الّتي فرض عدمها(4) .

وقيل: بل في الذّهن أيضاً، لكون الوجود الذّهني أيضاً من تلك اللّواحق.

ودفع: بأنّ الذّهن من خاصيّته، كما مرّ أن يعتبر كلّ شيء حتّى عدم نفسه، فله أن يعتبر الماهيّة معرّاة عن العوارض الذّهنيّة، وإن كانت غير خالية عنها في نفس الأمر.

ولذلك أمكنه أن يحكم على الماهيّة المجرّدة عن العوارض مطلقاً، باستحالة وجودها في الخارج، مع استدعاء الحكم على شيء تصوّره لا محالة .

نظيره ما مرّ، من أنّ المعدوم مطلقاً قد يعرض له الوجود الذّهني،


1 . لأنّ السّلب في المعنى الأوّل متوجه إلى وجود الأُمور الزائدة عليها لها ويكون المراد سلبها عنها، وفي المعنى الثّاني متوجه إلى صدقه عليها، والمراد سلب اتّحادها معها في الوجود .
2 . لاحظ: شرح المقاصد: 1 / 410 .
3 . أي نسب المعنى الثاني إلى الشيخ كما يأتي .
4 . حاصله: أنّ وجودها في الخارج لا يمكن إلاّ باعتبار اللاّحق من اللّواحق والمفروض عدمه .


صفحه 33

فيكون قسماً من الموجود المطلق باعتبار وجوده في الذّهن، وقسيماً له باعتبار ذاته ومفهومه.(1)

فهيهنا أيضاً الماهيّة بشرط لا(2) قد يعرض لها وجود ذهنيّ، فهي من حيث ذاتها ومفهومها مجرّدةٌ عن العوارض كلّها ومقابلة للمخلوطة بها، ومن حيث وجودها في الذّهن قسم مِن المخلوطة ومحكوم عليها .

وكذا الحال في المجهول المطلق، فإنّه باعتبار حصوله في الذّهن بحسب هذا الوصف(3) العارض له قسم من المعلوم بوجه مّا، ومن حيث اتّصافه بهذا الوصف فرضاً قسيم له .

فإن قيل(4): حاصل ما ذكرتم أنّ كلّ ما يوجد في الذّهن من الماهيّات، فهي مخلوطة بحسب نفس الأمر، وليست مجرّدة، إلاّ أنّ العقل قد يتصوّرها مجرّدة تصوّراً غير مطابق للواقع، ولا عبرة بما لا يطابق الواقع، فيصدق أنّ كلّ ما يوجد في


1 . لحصول التعاند بينهما لأنّ المعدوم المطلق لا وجود له بذاته أصلاً بخلاف الموجود المطلق .
2 . أي: شرط عدم الوجود .
3 . أي كونه حاصلاً في الذّهن.
4 . تعرّض له الفاضل القوشجي في شرحه وأجاب عنه : لاحظ : شرح تجريد العقائد: 77 ـ 78 .


صفحه 34

الذّهن، لا يكون مجرّداً، ويلزم منه بحكم عكس النّقيض أنّ المجرّد لا يوجد في الذّهن.

قلنا: إنّ المجرّد بحسب نفس الأمر يُوجَد في الذّهن، إذ له أن يفرضه(1)، والفرض هو الوجود في الذّهن. فلا يصدق أنّ كلّ ما يوجد في الذّهن، لا يكون مجرّداً. ولا يجب كون الفرض مطابقاً للواقع.

وأُجيب: أيضاً بأنّه لامعنى للمجرّد إلاّ ما اعتبره العقل كذلك.

لا يقال: فلا يمتنع وجوده في الخارج أيضاً بأن يكون مقروناً باللّواحق(2) ويعتبره العقل مجرّداً عنها.

لأنّا نقول: الفرق هو أنّه يوجد في الذّهن شيء هو مجرّد باعتبار الذّهن، ولا يوجد في الخارج شيء هو مجرّد باعتبار الخارج، بل باعتبار الذّهن، فتدبّر .

وقد يلخّص المقام(3): بأنّه إن أُريد أنّ الماهيّة المجرّدة لا توجد في نفس الأمر، بمعنى أنّ وصف التجرّد لا يكون لها بحسب نفس الأمر، لكن يوجد في الفرض العقلي، بأن يفرض له العقل هذا الوصف، فذلك ممّا لا ريب فيه .

وإن أُريد أنّه يوجد في الفرض العقلي(4) شيء هو مجرّد بحسب نفس


1 . أي المجرّد .
2 . أي بالعوارض والمشخّصات .
3 . حاصل التلخيص أنّ هاهنا احتمالات أربعة:
الأوّل: أن يكون الماهيّة موجودة في الواقع من العقل وموصوفة بالتّجرّد الواقعي.
الثّاني: أن تكون الماهيّة موجودة فيه وموصوفة بالتّجرّد الفرضي.
الثّالث: أن تكون الماهيّة موجودة في الفرض العقلي وموصوفة بالتّجرّد الواقعي.
الرّابع: أن تكون موجودة فيه وموصوفة بالتّجرّد الفرضي .
شقّان منها صحيحان، وشقّان منها باطلان .
وعليك باستنباط الصحيح منها من الفاسد منها.
4 . على سبيل الكليّة.


صفحه 35

الأمر، بحيث يكون الحكم عليه بالتجرّد الواقعي صادقاً(1)، فذلك ممّا لا شك في نفيه .

وإن أُريد أنّه يوجد في الفرض العقلي شيء هو مجرّد بحسب هذا الاعتبار، فلا خفاء فيه. ولا يتوجّه انّه يوُجَد في الخارج أيضاً شيء هو مجرّد بحسب هذا الاعتبار، لما عرفت من الفرق .

فهذه وجوه لا يتصوّر بعد تحصيلها الخلاف بين العقلاء .

وحصل من جَميعها: أنّ ظرف الاتّصاف بالتّجرّد عن العوارض مطلقاً ليس نفس الأمر مطلقاً(2)، بل باعتبار العقل فقط .

وأمّا ظرف الوجود، فيمكن أن يكون هو الخارج، أو الذّهن، فيوجد في الخارج والذّهن. واعتبار العقل جميعاً ما هو مجرّد عن العوارض بحسب اعتبار العقل، ولا يوجد في شيء منها(3) هو مجرّد عنها بحسب الواقع مطلقاً، هذا ـ أعني: تعليل نفي وجود المعنى الأوّل في الخارج بكون الوجود في الخارج من اللّواحق الّتي فرض عدمها ـ هو المذكور في كتب المتأخّرين .

لكن الشّيخ في أوّل خامسة " إلهيّات الشّفاء " بعدما حقّق كون الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي ـ على ما مرّ في المسألة السّابقة ـ قال:

«وهاهنا شيء يجب أن نفهمه; وهو أنّه حقّ أن يقال: إنّ الحيوان بما هو


1 . مع الفرض العقلي .
2 . سواء أكان مع ملاحظة العقل أم لا.
3 . أي الماهيّة.


صفحه 36

حيوان، لا يُوجَب أن يقال عليه خصوص أو عموم .

وليس بحقّ أن يقال: الحيوان بما هو حيوان، يوجب أن لا يقال عليه خصوص أو عموم .

وذلك أنّه لو كانت الحيوانيّة تُوجَب أن لا يقال عليها خصوص أو عموم، لم يكن حيوان خاصّ، وحيوان عامّ.

ولهذا المعنى(1) يجب أن يكون فرقٌ بين أن نقول: الحيوان بما هو حيوان مجرّداً بلا شرط شيء آخر، وبين أن نقول الحيوان بما هو حيوان مجرّداً بشرط لا شيء آخر .(2)

ولو كان يجوز أن يكون الحيوان بما هو حيوان مجرّداً بشرط أن لا يكون شيء آخر موجوداً في الأعيان، لكان يجوز أن يكون للمُثل الإفلاطونيّة وجود في الأعيان، بل الحيوان بشرط لا شيء آخر وجوده في الذّهن فقط»(3). انتهى كلام الشّفاء، فليتدبّر.

والمعنى الثّاني: هو الّذي ذكره الشّيخ في الفرق بين الجنس والمادّة في " الشّفاء "ولَخّصه المصنّف في " شرح الإشارات " حيث قال: من الكليّات ما قد يتصوّر معناه فقط، بشرط أن يكون ذلك المعنى وحده، ويكون كلّ ما


1 . أي ما أشار إليه بقوله حقّ وليس بحقّ الخ، يعني لأجل الفرق بين سلب الاقتضاء واقتضاء السّلب، وجب أن يكون فرق أيضاً بين سلب الشّرط وشرط السّلب، والحيوان بما هو حيوان بالأوّل موجود في الذّهن والخارج وبالثّاني ليس بموجود في الخارج.
2 . فالأوّل مطلق والثّاني مقيّد وبعبارة أُخرى: الأوّل بمعنى لا بشرط، والثّاني بمعنى بشرط لا .
3 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 203 و 204 .


صفحه 37

يقارنه زائداً عليه، ولا يكون معناه الأوّل(1) مقولاً على ذلك المجموع، بل جزء منه.

ومنها ما يتصوّر معناه لا بشرط أن يكون ذلك المعنى وحده، بل مع تجويز أن يقارنه غيره وأن لا يقارنه، ويكون معناه الأوّل مقولاً على المجموع(2) حال المقارنة.

وهذا الأخير: قد يكون غير مُتَحصَّل(3)، بل يكون مبهماً محتملاً لأن يقال على أشياء مختلفة الحقائق(4)، وإنّما يتحصّل بما ينضاف إليه، فيتخصّص به، ويصير هو بعينه أحد تلك الأشياء .

وقد يكون متحصّلاً بنفسه، أو بما انضاف إلى المعنى المذكور، ولا يكون مبهماً ولا محتملاً لأن يقال على أشياء مختلفة الحقائق، بل يقال حين يقال على أشياء لا تختلف إلاّ بالعدد فقط .

وهذان يشتركان في أنّ المعنى الأوّل يقال على الحاصل بعد لحوق الغير به، إلاّ أنّ اللاّحق يُعطي قوام(5) ذلك المعنى في الصّورة الأُولى ويسمّى فصلاً. ولاحق(6) به بعد التقوّم في الصوّرة الأخيرة(7) .


1 . أي الكلّي الطبيعي كالحيوان.
2 . إذا سئل ذلك المجموع بما هو .
3 . في المصدر «غير متحصّل بنفسه».
4 . كالإنسان، والفرس، والبقر .
5 . في المصدر: «مقسّط لقوام».
6 . في المصدر: «أو لاحق» .
7 . ويسمّى عارضاً، كما في المصدر .


صفحه 38

فالكلّي: يسمّى بالاعتبار الأوّل مادّة .

وبالاعتبار الثّاني جنساً .

وبالاعتبار الثّالث نوعاً .

مثاله: «الحيوان» إذا أُخذ بشرط أن لا يكون معه شيء ـ وإن اقترن به النّاطق مثلاً صار المجموع مركّباً من الحيوان والنّاطق، ولا يقال له إنّه حيوان ـ كان مادّة .

وإذا أُخذ لا بشرط أن يكون معه شيء، بل من حيث يحتمل أن يكون إنساناً، أو فرساً، وإن تخصّص بالنّاطق مثلاً تحصل إنساناً، ويقال إنّه حيوان كان جنساً .

وإذا أخذ بشرط أن يكون مع النّاطق متخصّصاً ومتحصّلاً به، كان نوعاً، فالحيوان الأوّل(1) جزء الإنسان ويتقدّمه تقدّم الجزء في الوجودين.(2)

والحيوان الثّاني(3) ليس بجزئه(4)، لأنّ الجزء لا يحمل على الكلّ، بل هو جزءٌ من حدّه، ولا يوجد من حيث هو لذلك إلاّ في العقل، ويتقدمه في العقل بالطّبع، لكنّه في الخارج متأخّر عنه، لأنّ الإنسان ما لم يوجد، لم تعقل له شيء يعمّه، وغيره وشيء يخصّه(5) ويصيّره هو هو بعينه .

والحيوان الثّالث(6) هو الإنسان نفسه، لأنّه مأخوذ مع النّاطق، والأشياء الّتي تنضاف إليه بعد تحصّله، لا تفيده اختلافاً في الماهيّة، بل ربّما تجعله


1 . أي المادّة.
2 . أي وجود الكلّ ووجود الفصل .
3 . أي كونه جنساً.
4 . الإنسان .
5 . ويحصّله.
6 . أي كونه نوعاً .


صفحه 39

مختلفاً بالعدد، كالإنسان الأبيض، والإنسان الأسود، وكهذا الإنسان، وذاك الإنسان.

فظهر الفرق بين الأشياء الّتي تدخل على معنى وتجعله أشياءمختلفة الحقائق، وبين الأشياء الّتي تدخل عليه(1)وتجعله(2) متّفقة الحقائق».(3) انتهى كلام " شرح الإشارات".

فجزم المتأخّرون(4) بأنّ هاهنا اصطلاحين، وحكموا بأنّ قول المصنّف:

وقد تؤخذ الماهيّة محذوفاً عنها ما عداها، وفي بعض النّسخ جميع ما عداها، بحيث لو انضمّ إليها شيء لكان زائداً، ولا تكون مقولاً على ذلك المجموع هو الماهيّة بشرط لا شيء، خلط بين الاصطلاحين(5)، حيث لا


1 . أي على الحيوان.
2 . وتجعله أشياء.
3 . شرح الإشارات والتنبيهات: 1 / 76 ـ 78 / المنهج الأوّل .
4 . أي جزم المتأخّرون من حكاية المصنّف عن الشّيخ بأنّ في الماهيّة بشرط لا اصطلاحين: أحدهما: موجود في الخارج، والآخر غير موجود فيه .
5 . فإنّهم يقولون الأجزاء المحمولة للماهيّة إذا قيس بعضها مع بعض لها أيضاً اعتبارات ثلاثة، فإنّ الحيوان مثلاً قد يؤخذ تارة بشرط شيء فيكون عين نوع من أنواعه، وتارة بشرط لا شيء فيكون جزءاً له، وتارة لا بشرط شيء فيكون محمولاً عليه، وليس معنى أخذه هاهنا بشرط شيء أن يؤخذ بشرط أيّ شيء كان، كالضّاحك والكاتب مثلاً، بل معناه أن يؤخذ بشرط ان يدخل فيه ويحصّله، وبيانه أنّ الحيوان ماهيّة مبهمة لا يتعيّن ولا يتحصّل إلاّ بفصل ينضمّ إليه فيحصّله ويكمّله ويعيّنه ويكون ذلك الفصل داخلاً فيه من حيث انّه متحصّل ومتعيّن. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 76 .


صفحه 40

ينطبق(1) على المعنى الأوّل(2)، لأنّ قوله «محذوفاً عنها ما عداها» واف به، ولا دخل فيه لما عداه، ولا يمكن حمله على المعنى الثّاني(3) لمكان قوله: ولا توجد إلاّ في الأذهان .

فإنّ الماهيّة بشرط لا شيء، بالمعنى الثّاني لا خلاف في إمكان وجودها ذهناً وخارجاً.

وقال شارح المقاصد: «واعلم: أنّ الحكيم المحقّق(4) مع مبالغته في أنّ المأخوذ بشرط أن يكون وحده هو الجزء الموجود في الخارج، وانّ المأخوذ لا بشرط شيء هو المحمول، وليس بجزء أصلاً .

وإنّما يقال(5) له جزء الماهيّة بالمجاز، لما أنّه يشبه الجزء من حيث إنّ اللفظ الدّال عليه يقع جزءاً من حدّها.

أو ردّ هذا الكلام في كتاب " التّجريد " على وجه يشهد بأنّه ليس من تصانيفه.

ونقل (6) كلام المصنّف إلى قوله: «وصادق على المجموع الحاصل منه وممّا يضاف إليه».


1 . المذكور في شرح الإشارات .
2 . أي معنى الكلّي الطبيعي بلا انضمام بشيء وآخر كمعنى الحيوان فقط .
3 . أي معنى الكلّي الطبيعي مع انضمام إلى شيء آخر كمعنى الحيوان مع الناطق.
4 . أي المصنّف (رحمه الله) .
5 . كحيوان في جواب الإنسان، والبقر، والفرس، والغنم ما هو ؟
6 . أي نقل شارح المقاصد .


صفحه 41

ثمّ قال: وهذا خبط ظاهر وخلط لما ذكره في " شرح الإشارات "بما اشتهر بين المتأخّرين، وفيه شهادة صادقة بما رمى به التّجريد، من أنّه ليس من تصانيفه مع جلالة قدره، عن أن ينسب إلى غيره»(1). انتهى كلام " شرح المقاصد".

وتبعه الشّارح القوشجي في إسناد هذا الخبط والخلط إلى المصنّف (رحمه الله).(2)

وقال المحقق الشّريف بعد تقرير الاصطلاحين: إذا عرفت ذلك تبيّن لك أنّ قوله: «محذوفاً عنها جميع ما عداها» قد تمّ به المعنى الأوّل .(3)

وأمّا قوله: «بحيث لو انضمّ إليها الخ» فهو معتبر في المعنى الثّاني (4) دون الأوّل، ففي العبارة مساهلة .

لا يقال: المعتبر في المعنى الثاني هو الانضمام حقيقة، والمذكور هاهنا هو الانضمام فرضاً .

لأنّا نقول: لا فائدة لفرض الانضمام، وما(5) يترتّب عليه من أنّه يحصل هناك مجموع، لا تصادق بينه وبين أجزائه في المعنى الأوّل. انتهى.(6)


1 . شرح المقاصد: 1 / 413 و 414 / المبحث الثّاني.
2 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 76 .
3 . وهو معنى الماهيّة بشرط لا شيء.
4 . وهو معنى الماهيّة بشرط شيء .
5 . «ما» موصولة.
6 . على ما نقله الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 77 .


صفحه 42

ثمّ إنّ سيد المدقّقين قد تحاشى عن إسناد الخبط والخلط إلى المصنّف، وأنكر تحقّق الاصطلاحين وقال: الظّاهر أن ليس هناك اصطلاحان، فإنّ هذه الاعتبارات الثلاثة،(1) بمعنى واحد معتبرة في أجزاء الماهيّة وغيرها.

وحاصل كلامه(2) في هذا المقام: هو أنّ المراد إنّما هو الماهيّة المجرّدة، لكن لا بحيث لا يقارنها شيء من اللّواحق أصلاً، كما اعتبره القوم كذلك وسمّوها بالمعنى الأوّل، إذ لا يظهر لاعتبارها كذلك فائدة، بل بأن يعتبر أنّ كلّ ما يقارنها، فهو زائد عليها غير متّحد معها، فهذا هو معنى تجريد الماهيّة عن اللّواحق.

وهي بهذا الاعتبار غيرموجودة في الخارج، إذ كلّ ما يوجد في الخارج، فهو متّحد مع ما يقارنها، سواء كان ذاتيّاً لها(3)أو عارضيّاً،(4) لأنّ المراد باللّواحق هي المحمولات، وهي متّحدة مع موضوعها في الخارج، لكون معنى الحمل ذلك .

فهذا هو مراد المصنّف، وكذا مراد الشّيخ فيما نقل عنه من «أنّ الماهيّة قد تؤخذ بشرط لا شيء» بأن يتصوّر معناها بشرط أن يكون ذلك المعنى وحده. ويكون كلّ ما يقارنه زائداً عليه، ولا يكون المعنى الأوّل مقولاً على ذلك المجموع.


1 . أي لا بشرط، بشرط لا وبشرط شيء .
2 . أي سيّد المدققين .
3 . كالحيوان النّاطق .
4 . كالضّحك.


صفحه 43

ولما أورد المحقّق الدّواني عليه(1): أنّ الشّيخ قد صرّح بأنّ الجسم بمعنى المادّة جزء من وجود الإنسان، وسبب لوجوده، وأنّ المادّة في المركّبات الخارجيّة موجودة بوجود سابق على وجود المركّبات .

وأمّا في البسائط، فإنّما يتقدّم عليه بحسب الوجود العقلي، إذ لا مادّة لها في الخارج، فَنَفي وجود الماهيّة من حيث أنّها مادّة يخالف ما عليه الشّيخ، بل ما عليه الأمر في نفسه، فإنّ المادّة موجودة في الواقع.

أجاب:(2) بأنّه لا يلزم من كون الماهيّة بشرط لا شيء جزء للماهيّة المأخوذة مع العوارض أن يكون جزء لها في الخارج، لاحتمال أن يكون من أجزائها التحليليّة العقليّة .

كيف لا؟ وقد أُريد بالعوارض المحمولات وهي في الخارج ليست أجزاء لها، فهذه طريقته(3) في توجيه هذا المقام .

وأمّا طريقة المحقّق الدّواني: فهي أنّ تجريد الماهيّة أمرٌ نسبيٌّ يختلف بالقياس إلى الأُمور، فربّما اعتبر تجريدها بالقياس إلى أمر دون آخر .

وربّما اعتبر بالقياس إلى جميع الأُمور، وهي بهذا الاعتبار لا يوجد في الخارج، لأنّها إذا اعتبرت محَصَّلة بحيث لا يقبل تحصّلاً آخر أصلاً حتّى الهويّة العينيّة، فهي بهذا الاعتبار غير موجودة في الخارج، إذ كلّ موجود لا بدّ


1 . أي على السيّد الصّدر.
2 . أي سيد المدقّقين .
3 . الشّيخ الرّئيس .


صفحه 44

له من تعيّن خاصّ، وهو تحصّل زائد على الماهيّة المعتبرة بهذا الاعتبار .

وإذا اعتبرت محصّلة بالقياس إلى شيء آخر معيّن، أو أشياء معيّنة، كالجسم، بشرط أن لا يدخل في قوامه، النّفس .

ولكن لا بشرط أن لا يتحصّل بالعوارض، فيكون هو مأخوذاً بشرط لا بالنّسبة إلى النّفس، ولا بشرط بالنّسبة إلى تلك العوارض، فهو موجود، ومحل للنّفس.

فالّذي نفى المصنّف وجوده، هو الماهيّة بشرط لا شيء مطلقاً.

وهو لا ينافي ما أثبته الشّيخ من وجود الماهيّة بشرط لا شيء في الجملة .

فإن قلت: المعتبر في المادّة: إمّا التّجريد عن جميع ما عداه أو عن بعضه.

وعلى الأوّل: لا تكون موجودة أصلاً، كما قرّرته، فلا يصحّ كلام الشّيخ.

وعلى الثاني: تكون موجودة في الجملة. فلا يصحّ كلام المصنّف (رحمه الله).

قلت: المعتبر في مادّة الشّيء التّجريد بالنّسبة إليه، فكلّ ما اعتبر مجرّداً بالنّسبة إلى شيء فهو مادّة بالنّسبة إلى ذلك الشّيءٌ، وذلك الشّيء صورة له، حتّى أن النّوع لو اعتبر محصّلاً بالنّسبة إلى التّشخّص ـ أي بحيث لو انضمّ إليه التّشخّص كان أمراً زائداً عليه(1) لا محصّلاً له ـ كان مادّة له بهذا الاعتبار، وغير محمول على المجموع .


1 . النّوع.


صفحه 45

والمصنّف حيث حكم بانتفاء المادّة، أراد بها الماهيّة باعتبار التّجريد عن جميع ما عداها، وإن كان اعتبار المادّة أعمّ من ذلك .

ثمّ قال (1): والأمر في توجيه العبارة هيّن: فإمّا أن يحمل قوله: «محذوفاً عنها ما عداها» على التّعميم، ويؤيّده ما في بعض النّسخ محذوفاً عنها جميع ما عداها.

وحينئذ لا خَدْشة في قوله: «لا توجد إلاّ في الأذهان» ولا خلل في ذلك من حيث عدم تعرضّه لاعتبار التّجريد بالنّظر إلى بعض، لجواز الإحالة إلى المقايسة.

وإمّا أن يحمل على الاطلاق، ويكون الضّمير في قوله: «ولا توجد إلاّ في الأذهان» راجعاً إلى المجرّد عن جميع ما عداه بطريق الاستخدام. والأوّل أظهر. انتهى .(2)

فهذا ما قالوا في هذا المقام وأقول وبالله التّوفيق:

تحقيق المقام: أنّه لما تقرّر في المسألة السّابقة أنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي، واللّواحق كلّها مسلوبة عنها من تلك الحيثيّة .(3) وإنّ جميع الموجبات، محصّلة كانت أو معدولةٌ، منتفيةٌ عنها في تلك المرتبة.(4) فالماهيّة في تلك المرتبة محذوف عنها جميع ما عداها لا محالة.


1 . أي سيد المدقّقين.
2 . كلام السيّد المدقّقين. لم نعثر على مصدره.
3 . أي من حيث هي .
4 . أي من حيث هي .


صفحه 46

فقول المصنّف: «محذوفاً عنها ما عداها» إشارة إلى الماهيّة من تلك الحيثيّة، على أن يكون محذوفاً حالاً عن الماهيّة لا مفعولاً ثانياً لقوله «يؤخذ» بل المفعول الثّاني إنّما هو قوله «بحيث لو انضم إليها» الخ .

فالماهيّة المحذوف عنها ما عداها هو المَقْسم، وقد قسّمها إلى الاعتبارات الثّلاثة.(1) فالمراد من الحذف هو الحذف في تلك المرتبة، لا الحذف في نفس الأمر بل الحذف في نفس الأمر، هو المعتبر في الماهيّة المجرّدة الّتي هي قسم من الماهيّة المحذوفة عنها ما عداها الّتي هي المَقْسم .

فمفاد الحذف في كلام المصنّف هو مفاد فقط ووحدها وبذاتها في كلام الشّيخ حيث عبّر بها(2) عن الماهيّة من تلك الحيثيّة(3) وفي تلك المرتبة.

وأمّا بيان انقسامها إلى الأقسام الثّلاثة، فهو أنّ اعتبار الماهيّة المحذوف عنها ما عداها لما لم يستلزم اعتبارها تامّة محصّلة، فهي في مرتبة نفس ذاتها قابلةٌ لأن تعتبر تامّة بذاتها، ولأن تعتبر غير تامّة بنفس ذاتها، بل محتاجة في تماميّتها وتحصّلها إلى أمر آخر يتضمن إيّاه، وتتّحد به بوجه من الوجوه .(4)

وإذا اعتبرت غير تامّة بل محتاجة إلى أمر آخر، سواء كان ذلك الأمر


1 . أي لا بشرط، بشرط لا، وبشرط شيء .
2 . أي عبّر الشّيخ بالماهيّة بذاتها.
3 . أي الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي .
4 . سواء كان بوجه التقويم كما في الفصل بالنّسبة إلى الجنس، أو بالتّحصيل غير التّقويم كما في التّشخّص بالنّسبة إلى النّوع .


صفحه 47

مقوّماً لها ومحصّلاً لقوامها. أو محصّلاً لها نحواً من التّحصّل غير التقوّم، فهي قابلة لأن تعتبر مع ذلك الأمر وبشرطه، ولأن تعتبر لا بشرطه ولا لا بشرطه، بل من حيث هي قابلة لكلا الاعتبارين.

فإذا اعتبرت تامّة محصّلة بنفسها، وبهذا الاعتبار قد سمّيت مجرّدة وبشرط لا، فكلّ ما فرض منضمّاً إليها مقارناً لها، يكون زائداً عليها لا محالة، ولا يكون هي مقولة على ذلك المجموع ومتّحدةً به بوجه من الوجوه، لأنّ هذا الاعتبار هو اعتبار أخذها بشرط لا شيء آخر، فلا يصحّ أن يتّحد بهذا الاعتبار بشيء.

فصحّ أنّ الماهيّة المجرّدة وبشرط لا هي الّتي كلّ ما يفرض منضمّاً إليها يكون زائداً عليها، وتكون هي غير مقولة على ذلك المجموع.

ولذلك (1) عبّر المصنّف(رحمه الله)عن الماهيّة المجرّدة الّتي هي القسم الأوّل من الأقسام الثّلاثة بقوله: «بحيث لو انضمّ إليها» الخ.

ولا ينافي ذلك، صدق هذا العنوان على الأجزاء المحمولة بقياس بعضها إلى بعض، سواء كان هناك اصطلاح آخر أو كان ذلك جزئيّاً من جزئيّات هذا الاصطلاح .

وامتناع وجود الماهيّة بشرط لا بهذا المعنى ـ أعني: بالنّسبة إلى جميع


1 . أي لكون كلّ ما فرض منضمّاً إليها مقارناً لها زائداً عليها، لازماً لاعتبار الماهيّة، مجرّدة، تامّة، محصّلة بنفسها، عبّر المصنّف (رحمه الله) عن الماهيّة المجرّدة بقوله: «بحيث لو انضمّ إليها الخ» تعبيراً عن الشّيء.


صفحه 48

ما يقارنها مطلقاً (1) ـ لا ينافي جواز وجود المادّة ـ أعني: الماهيّة بشرط لا ـ بالقياس إلى ما يقوّمها ; لجواز أن يقارنها ما يحصّلها تحصّلاً مّا، بحيث يجوز العقل وجودها معه.

كما في الصّورة الجسمّية ; فإنّها نوعٌ محصّلٌ في نفسها، وجنسٌ غير محصّل بالقياس إلى ما يلحقها من الصّور النوعيّة، وإذا أُخذت بشرط لا، بالقياس إلى الصّور النّوعيّة، يجوز العقل وجودها في الخارج، بما يقارنها من المحصّلات الشّخصيّة، كما تقرّر في مقامه .

فانطبق كلام المصنّف على ما هو المشهور، واندفع توهّم الخلط من غير تكلّف ولا تمحّل أصلا.

والحمد لله مُلهِم الصّواب كما هو أهله.

ثمّ إنّه بما أشرنا إليه من جعل مورد القسمة الماهيّة المحذوف عنها ما عداها في نفس المرتبة، وجعل أقسام الماهيّة الملحوظة مع ما عداها وجوداً وعدماً في نفس الأمر، اندفع تمسّك من توهّم تجويز كون الشّيء قسماً لنفسه .

بأنّ القوم جعلوا الماهيّة منقسمة إلى الماهيّة المجرّدة; أي بشرط لا. وإلى الماهيّة المخلوطة، أي بشرط شيء. وإلى الماهيّة المطلقة من حيث هي هي، أي الماهيّة لا بشرط شيء .

ولا شك أنّ الماهيّة من حيث هي هي نفس الماهيّة الّتي جعلت مورد


1 . أي سواء كان مقوّماً لها أو محصّلاً لها نحواً من التحصّل غير التقويم .


صفحه 49

القسمة إلى هذه الأقسام، فقد جعلوا الشّيء منقسماً إلى نفسه وإلى غيره .

وقد يدفع أيضاً، بأنّ الحيثيّة في مورد القسمة(1) بيان لإطلاق الماهيّة، وعدم تقييدها بشيء أصلاً، وفي القسم تقييد للماهيّة بهذا الاعتبار، والفرق غير خفيّ .

وأمّا ما يدفع بجعل مورد القسمة حال الماهيّة، ففيه أنّ الحال المضاف إلى الماهيّة أيضاً معتبر باعتبارها. ولا ينحسم مادّة الشّبهة .

والتوهّم المذكور باطل قطعاً، لأنّ قسم الشّيء لابدّ أن يكون مغايراً له في الجملة بالضّرورة، و(2) لا مغايرة بين الشّيء ونفسه أصلاً.

وقد تؤخذ; أي الماهيّة لا بشرط شيء; أي من حيث هي هي من غير إلتفات إلى أنّه هل يقارنها شيء في نفس الأمر أم لا؟

وهذا هو القسم الثّالث من الاعتبارات الثّلاث .

وقد طوى(3) ذكر القسم الثّاني ـ أعني: الماهيّة بشرط شيء ـ هاهنا لِظهوره; فإنّ الحقائق الموجودة في الأعيان، ماهيّات بشرط شيء; إذ لا يمكن أن توجد ماهيّة إلاّ وقد يلحقها شيء من العوارض، فلا حاجة إلى أخذ هذا القسم واعتباره، بل نسميه بالاعتبار على سبيل المشاكلة وسيشير إليه .

وهو; أي الماهيّة المأخوذة لا بشرط شيء، والتّذكير باعتبار الخبر، كليٌّ طبيعيٌّ .


1 . أي الماهيّة من حيث هي أي لا بشرط .
2 . الواو: حالية .
3 . المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 50

والمراد من الكليّ الطبيعيّ هو الطبيعة الّتي تعرضها الكليّة ـ أعني: كون الشّيء كليّاً ـ إذا حصلت تلك الطبيعة في العقل.

قال الشّيخ في أوّل خامسة " إلهيّات الشّفاء " في بيان معنى الكلّي والجزئي: «إنّ الكلّي يقال على وجوه ثلاثة:

فيقال كلّي للمعنى من جهة أنّه مقول بالفعل على كثيرين، مثل «الإنسان».

ويقال كلّي للمعنى إذا كان جائزاً أن يحمل على كثيرين، وإن لم يشترط أنّهم موجودون بالفعل، مثل «معنى البيت المسبع» فإنّه كلّي من حيث طبيعته يمكن أن يقال على كثيرين، ولكن ليس يجب أن يكون أُولئك الكثيرون لا محالة موجودين، بل ولا الواحد منهم.

ويقال كلّي للمعنى الّذي لا مانع من تصوّره أن يقال على كثيرين(1)، إنّما يمتنع منه إن مَنَعَ سَبَبٌ ويدلّ عليه دليل، مثل «الشمس » و «الأرض ».(2)

ثمّ قال: وقد يمكن أن تجمع هذا كلّه في أنّ هذا الكلّي هو الّذي لا يمنع نفس تصوّره عن أن يقال على كثيرين .


1 . قال صدر المتألهين في تعليقاته على الشّفاء: إنّ هذا المعنى الثّالث لم يكن في عرف الأقدمين بل الاصطلاح عليه إنّما وقع من الشّيخ .
2 . فإنّهما من حيث تعقل شمساً وأرضاً لا يمنع الذّهن عن أن يجوز أنّ معناه يوجد في كثير، إلاّ أن يأتيه دليل أو حجّة يعرف به أنّ هذا ممتنع، ويكون ذلك ممتنعاً بسبب من خارج لا لنفس تصوّره. كما في المصدر .


صفحه 51

ويجب أن يكون الكلّي المستعمل في المنطق وما أشبهه هو هذا .

وأمّا الجزئي المفرد،(1) فهو الّذي نفس تصوّره يمنع أن يقال على(2) كثيرين كذات زيد، هذا المشار إليه، فإنّه مستحيل أن تتوهّم إلاّ له وحده. انتهى ».(3)

وينبغي أن يعلم أنّ غرض الشّيخ من هذا التّمثيل هو الإشارة إلى أنّ نحو التصوّر الّذي يمنع من فرض الصّدق على كثيرين إنّما هو نحو من التصوّر مغاير لنحو التصوّر الّذي لا يمنع منه.

وهذا النّحو هو العلم الإحساسي الشّامل للمشاهدة، والتّخيّل، والتّوهّم. وذلك النّحو(4) هو العلم المعروف بالتعقّل .

ويظهر من هذا أنّ مناط الكلّيّة والجزئيّة إنّما هو نحو الإدراك، فزيد مثلاً، إن أدرك بالاحساس بالمعنى الأعمّ فهو جزئيّ، وإن أدرك بالتعقّل فهو كلّيٌّ; ومن هذا أيضاً يظهر الفرق ظهوراً بيّناً بين الجزئي والكلّي الفرضيّ، مثل اللاّشيء، حيث يمتنع فرض صدق أحدهما على كثيرين دون الآخر، مع اشتراكهما في امتناع الصّدق في نفس الأمر على كثيرين، هذا.


1 . والمراد بالجزئي المفرد هو الجزئي الحقيقي، وهو لا يكون إلاّ مفرداً بخلاف الجزئي الإضافي وهو الأخص من شيء فإنّه قد يكون كليّاً متكثّر الأفراد بالفعل أو بالقوّة. لاحظ: إلهيّات الشفاء مع التّعليقات : 393 .
2 . في المصدر: «معناه على كثيرين».
3 . إلهيات الشّفاء: 1 / 195 و 196 / المقالة الخامسة / الفصل الأوّل .
4 . أي الّذي لا يمنع منه .


صفحه 52

وقال في ثانيها ـ (1) وهو في بيان كيفيّة لحوق الكليّة للطبائع الكليّة ـ بهذه العبارة: «فقد تحقّقت إذن أنّ الكلّي في الموجودات ما هو، وهو هذه الطبيعة عارضاً لها أحد المعاني الّتي سمّيناها كلّيّة.

ثمّ قال: وقد تلحقها مع الوجود هذه الكلّية، ولا وجود لهذه الكلّية إلاّ في النّفس .

ثمّ قال: وليس يمكن أن يكون معنى هو بعينه موجوداً في كثيرين، فإنّ الإنسانيّة الّتي في «عمرو» إن كانت ذاتها لا بمعنى الحدّ موجودة في «زيد» كان ما يعرض لهذه الإنسانيّة في «زيد» لا محالة يعرض لها وهي في «عمرو »، إلاّ ما كان من العوارض ماهيّته معقولة بالقياس إلى «زيد» .

وأمّا ما كان يستقرّ في ذات الإنسان ليس استقراره فيه محوجاً إلى أن يصير مضافاً، مثل أن يبيض، أو يسوّد، أو يعلم .

فإنّه إذا علم لم يكن به مضافاً إلاّ إلى المعلوم .

ويلزم من هذا أن يكون ذات واحدة قد اجتمع فيها الأضداد، وخصوصاً إن كان حال الجنس عند الأنواع حال النّوع عند الأشخاص، فيكون ذات واحدة هي موصوفة بأنّها ناطقة وغير ناطقة .

وليس يمكن أن يعقل من له جبلّة سليمة أنّ إنسانيّة واحدة اكِتْنَفَتِها أعراض «عمرو»، وإيّاها بعينها اكِتْنَفت أعراض « زيد ».


1 . أي قال الشّيخ في الفصل الثّاني من المقالة الخامسة.


صفحه 53

فإن نظرتَ إلى الإنسانيّة بلا شرط آخر، فلا تنظرنّ إلى هذه الإضافات، بوجه(1) على ما علمناك.

فقد بان أنّه ليس يمكن أن يكون الطبيعة توجد في الأعيان وتكون بالفعل كلّية; أي هي وحدها(2) مشتركة للجميع .

وإنّما تعرض الكلّية لطبيعة ما إذا وقعت في التصوّر الذّهني.

ثمّ قال: فالمعقول في النّفس من الإنسان هو الّذي هو كلّي، وكلّيّته لا لأجل أنّه في النّفس، بل لأجل أنّه مَقيس إلى أعيان كثيرة موجودة أو متوهّمة حكمها عنده حكم واحد.

وأمّا من حيث إنّ هذه الصّورة هيئة في نفس جزئيّة فهي أحد أشخاص العلوم أو التّصورات.

وكما أنّ الشّيء باعتبارات مختلفة يكون جنساً ونوعاً، فكذلك بحسب اعتبارات مختلفة يكون كلّياً وجزئيّاً.

فمن حيث إنّ هذه الصّورة صورة مّا في النّفس من صور النّفس فهي جزئيّة .

ومن حيث إنّها مشترك فيها كثيرون على أحد الوجوه الثّلاثة(3) الّتي بيّنا فيما سلف فهي كلّية.


1 . في المصدر: «فهي»، وفي أ، ب و ج: «بوجه مّا».
2 . أي ليست هي بما هي موجودة على حدّة مشتركة للجميع، بل هي مشتركة بمعنى أنّها موجودة في كلّ واحد بعين وجوده.
3 . أي بشرط شيء، بشرط لا ولا بشرط .


صفحه 54

ولا تناقض بين هذين الأمرين; لأنّه ليس يمتنع اجتماع أن تكون الذّات الواحدة (1) تعرض لها شركة بالإضافة إلى كثيرين، فإنّ الشّركة في الكثرة لا تمكن إلاّ بالإضافة فقط . وإذا كانت الإضافة لذوات كثيرة لم تكن شركة، فيجب أن تكون إضافات كثيرة لذات واحدة بالعدد. والذّات الواحدة بالعدد من حيث هي كذلك فهي شخصيّته لا محالة.

ثمّ بيّن إنّ تلك الصّورة مع الصّورة الأُخرى الّتي في تلك النّفس الجزئيّة أو في نفس أُخرى مشتركة في كلّي آخر صادق على هذه الصّورة وصور أُخر كمفهوم الصّورة العقلية .

وإنّ للنّفس أن يتصوّر ذلك الكلّي أيضاً، وتكون تصوّره صورة جزئيّة مشاركة لغيرها، وهكذا، فيتسلسل الصّور، وينقطع بانقطاع الاعتبار».(2)

هذا ما أردنا من كلامه هنا، والغرض منه أن يعلم أنّ الكلّية معناها المطابقةُ والاشتراكُ بين كثيرين .

وإنّها (3) إنّما تعرض للطبيعة في العقل لا في الخارج .

وإنّه لا يلزم من كون صورة شخصيّة مطابقةً لكثيرين، ومشتركاً فيها لهم، وكون الكلّيّة بمعنى المطابقة والاشتراك أن يكون أمر واحد من جهة واحدة كلّياً وجزئيّاً، فلا يكونان متقابلين، كما توهّمه شارح القوشجي.(4)


1 . كذات الإنسان لا بشرط أي عدم اللّواحق .
2 . انتهى كلام الشّيخ، لاحظ: إلهيات الشفاء: 1 / 207 ـ 210 .
3 . أي الكلية.
4 . قال الشّارح القوشجي: إنّ الكلّيّة بمعنى المطابقة تعرض للصّور العقليّة مع أنّها صور جزئيّة في نفس جزئيّة يستلزم أن يكون أمر واحد من جهة واحدة كليّاً وجزئيّاً أيضاً، فلا يكون مفهوما الكلّيّة والجزئيّة متقابلين وذلك ممّا لم يقل به أحد. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 79 .


صفحه 55

وأمّا بيان معنى مطابقة الصّورة الشّخصيّة لكثيرين، فهو ما بيّنه الشّيخ بقوله: «وهذه ـ أي هذه الصّورة الجزئيّة الّتي في النّفس ـ إنّما كانت نسبتها الجاعلة إيّاها كلّية هي إلى أُمور من خارج على وجه أن أيَّ تلك الخارجات سبقت إلى الذّهن فجاز أن يقع عنها اضافة هذه الصّورة بعينها .

وإذا سبق واحد، فتأثرت النّفس منه بهذه الصّفة لم يكن لما خلاه تأثير جديد إلاّ بحكم هذا الجواز المعتبر; فإنّ هذا الأثر هو مثل صورة السّابق قد جرّد عن العوارض، وهذا هو المطابقة .

ولو كان بدل أحد هذه المؤثّرات شيء غير تلك الأُمور المفروضة، وغير مجانس لها، لكان الأثر غير هذا الأثر، فلا يكون مطابقة. انتهى »(1).

ومحصوله: أنّ معنى مطابقة الصّورة الواحدة الشّخصيّة لكثيرين هو أنّ كلّ واحد من الكثيرين، إذا جرّد عن العوارض واللّواحق، كان الحاصل منها في العقل، هو هذه الصّورة بعينها.

وقد يشبه ذلك بخواتم منقوشة بنقش واحد ، فإنّه إذا ضُرب واحد منها على شمعة ; ارتسم فيها ذلك النّقش، فإن ضرب عليها خاتم آخر منها لم تتأثّر الشّمعة بنقش آخر، ولو سبق إلى الشّمعة غير الّذي ضُرب عليها أوّلاً كان الأثر الحاصل منه في الشّمعة هو ذلك النّقش بعينه.


1 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 210 .


صفحه 56

فإن قيل(1): كما أنّ الصّورة العقليّة مطابقة لكلّ واحد من الكثيرين كذلك كلّ واحد منها مطابق لتلك الصّورة. ولِما يطابقها تلك الصّورة، ضرورة أنّ المطابقة إنّما يكون بين بين، فكلّ واحد منها، يجب أن يكون كلّياً.

قلنا: هذا إنّما يرد لو كان المراد هو المطابقةُ بالمعنى الحقيقي المتعارف. وأمّا إذا كان المراد ما ذكرنا(2)، فلا ورود له أصلاً .

فلا حاجة إلى ما أجاب به عنه المحقّق الشّريف، من أنّ الكلّيّة هي مطابقة الصّورة العقلية لأُمور كثيرة لا المطابقة مطلقاً.(3)

قال (4): ولعلّ السّر في ذلك أنّ الأُمور الخارجية ذوات متأصّلة بخلاف الصور العقلية فانّها كالأظلال المقتضية للارتباط بغيرها.

هذا بيان معنى المطابقة.

وأمّا بيان معنى اشتراك الصّورة الواحدة الشّخصيّة بين كثيرين، فهو أنّه لو فرضت هذه الصّورة موجودة في الخارج، فإذا تشخّصت بتشخّص أيّ واحد من تلك الكثيرين، كانت عين ذلك الواحد.

مثلاً: إن تشخّصت بتشخّص «زيد» كانت عين «زيد». وإن تشخّصت بتشخّص «عمرو» كانت عين «عمرو». وهكذا .

فلا وجه لما زعمه المحقّق الشريف: من أنّ الكلّيّة إذا فسّرت بالاشتراك


1 . تعرّض له الشّارح القوشجي وأجاب عنه: لاحظ: شرح تجريد العقائد: 78 ـ 79 .
2 . أي وهو أنّ كلّ واحد من الكثيرين الخ .
3 . أي سواء كان مطابقة الكثيرين لصورة العقليّة، أو مطابقة الصّورة العقليّة لكثيرين .
4 . المحقّق الشّريف.


صفحه 57

يمتنع عروضها للصّورة المعقولة أيضاً، كما يمتنع عروضها للموجودات الخارجيّة، بل إنّما يعرض للصّور العقلّيّة الكلّيّة بمعنى المطابقة فقط بالمعنى المذكور.(1)

والعجب إنّه(2) ذكر أنّه قد يعتبر في المطابقة مع المعنى المذكور(3) هذا الّذي ذكرناه لبيان معنى الاشتراك، وغفل عن أنّه عين المعنى المراد من الاشتراك هاهنا.

واعلم: أنّ الطبيعة ; أي الماهيّة لا بشرط شيء، إنّما سمّيت بالكلّي، لكونها معروضة للكلّيّة بالقوّة .

وإنّما قيّد بالطبيعي ; أي المنسوب إلى الطبيعة، لكونه في مقابلة الكلّي العقليّ.

فكما أنّ الكلّي العقلي منسوب إلى العقل، كذلك الكلّي الطبيعي منسوب إلى الطبيعة الّتي هي بازاء العقل، أعني: الخارج .

فلعلّ لفظ الكلّي وضع في الاصطلاح أوّلاً لمفهوم المقول على كثيرين، أعني: لهذا العارض، ثمّ أطلقوه على معروضه فقط، وسمّوه الكلّي الطبيعيّ، ثمّ أطلقوه على مجموع العارض والمعروض، وسمّوه الكلّي العقلي.

ولعلّهم إنّما سمّوا الطبيعة الموجودة في الخارج كلّياً طبيعيّاً مع كونها معروضة للكلّيّة بالقوّة، دون الصّورة العقليّة مع كونها معروضة لها بالفعل،


1 . أي هو أنّ كلّ واحد من الكثيرين الخ .
2 . ب: «عنه». أي المحقّق الشّريف.
3 . أي قوله: «أنّ الكلّيّة هي المطابقة الصّورة العقليّة لأُمور كثيرة لا المطابقة مطلقا».


صفحه 58

لأنّ حقيقة المقابلة مع الكلّي العقلي إنّما يتحقّق حينئذ حيث يوجد في الخارج فقط، كما أنّ العقلي يوجد في العقل فقط.

على أنّه لا فرق كثيراً بين الماهيّة لا بشرط، وبين الصّورة الحاصلة منها في العقل، لعدم الحاجة إلى الانتزاع، كما يحتاج الصّورة الحاصلة من الماهيّة بشرط شيء في العقل إليه، هذا.

ثمّ إنّ الكلّي الطبيعي ـ أعني : الماهيّة لا بشرط شيء ـ موجود في الخارج(1); لأنّ الماهيّة بشرط شيء ـ أعني : الشّخص ـ موجود في الخارج بالضّرورة، والماهيّة لا بشرط شيء ـ أعني : نفس الماهيّة ـ جزء منه على ما قال(2): وهو جزء من الأشخاص، على أن يكون الجملة حالاً من الضمير في موجود.

وذلك لأنّ الشّخص عبارة عن الماهيّة بشرط مّا، وحال مّا، فإذا كانت الماهيّة بشرط مّا موجودة، كانت نفس الماهيّة، أعني: الماهيّة لا بشرط مّا موجودة.

قال الشّيخ في " الشّفاء ": «الحيوان بما هو حيوان، والإنسان بما هو إنسان ـ أي باعتبار حدّه ومعناه، غير ملتفت إلى أُمور أُخرى يقارنه ـ ليس إلاّ حيواناً أو إنساناً.(3)


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . المصنّف (رحمه الله) .
3 . من حيث المفهوم .


صفحه 59

وأمّا الحيوان(1) العامّ، والحيوان الشّخصي، والحيوان من جهة اعتبار أنّه بالقوّة عامٌّ أو خاصٌّ، والحيوان باعتبار أنّه موجود في الأعيان، أو معقول في النّفس، هو(2) حيوان وشيء، وليس هو حيواناً منظوراً إليه وحده .

ومعلوم أنّه إذا كان حيوان وشيء كان فيهما الحيوان كالجزء منهما. كذلك في جانب الإنسان .

ويكون اعتبار الحيوان بذاته جائزاً، وإن كان مع غيره، لأنّ ذاته مع غيره ذاته .

فذاته له بذاته، وكونه له مع غيره أمر عارض(3) له، أو لازم(4) للطّبيعة الحيوانيّة والإنسانيّة.

ثمّ قال: وهذا الحيوان(5) بهذا الشّرط وإن كان موجوداً في كلّ شخص، فليس هو بهذا الشّرط حيواناً مّا وإن كان يلزم أن يصير حيواناً مّا، لا أنّه في حقيقته وماهيّته بهذا الاعتبار حيوان مّا .

وليس يمنع كون الحيوان الموجود في الشّخص حيواناً مّا أن يكون الحيوان بما هو حيوان، لا باعتبار أنّه حيوان بحال مّا، موجوداً فيه; لأنّه إذا كان هذا الشّخص حيواناً مّا، فحيوان مّا موجود، فالحيوان الّذي هو جزء من


1 . أي بشرط شيء .
2 . قوله: «هو» جواب عن قوله: «أمّا».
3 . إذا كان الغير معيّناً .
4 . إذا كان الغير مبهماً.
5 . أي الحيوان العامّ، والحيوان الشخصّي وغيرهمامن الاعتبارات الّتي ذكرت .


صفحه 60

حيوان مّا موجود، كالبياض، فإنّه وإن كان غير مفارق للمادّة، فهو ببياضيّته (1) موجود في المادّة على أنّه شيء آخر معتبر بذاته، وذو حقيقة بذاته، وإن كان عرض لتلك الحقيقة أن يقارن في الوجود أمراً آخر.

ثمّ قال ـ بعد نفي كون الحيوان بشرط لا موجوداً في الخارج، كما نقلنا عنه سابقاً ـ بهذه العبارة: فأمّا الحيوان مجرّداً لا بشرط شيء آخر فله وجود في الأعيان ; فإنّه في حقيقته بلا شرط شيء آخر، وإن كان مع ألف شرط يقارنه من خارج .

فالحيوان بمجرّد الحيوانيّة موجود في الأعيان. وليس يوجب ذلك عليه أن يكون مفارقاً، بل الّذي هو في نفسه خال عن الشّرائط اللاّحقة موجودٌ في الأعيان وقد اكتنفه من خارج شرائط وأحوال. انتهى»(2).

واعلم: أنّه ليس المراد من الاستدلال بكون الكلّي الطبيعيّ جزء من الشّخص الموجود على كونه موجوداً، إنّه جزء خارجيّ له، وأنّه موجود بوجود على حدة وراء وجود الشّخص، كما هو شأن الأجزاء الخارجيّة بالقياس إلى المركّب منها ; فإنّه لو كان المراد ذلك، لزم كون الحيوان مثلاً الموجود في ضمن هذا الحيوان شخصاً آخر من الحيوان غير هذا الحيوان ; ضرورة أنّ كلّ موجود في الخارج، فهو متشخّص في ذاته، متعيّن في نفسه، ممتاز عن جميع ما عداه. وهو باطل قطعاً.


1 . أي من حيث إنّه بياض .
2 . إلهيات الشفاء: 1 / 201 ـ 204 / الفصل الأوّل من المقالة الخامسة.


صفحه 61

وكأنّ في كلام الشّيخ المنقول آنفاً،(1) إشارة إلى هذا .(2)

كيف؟ وننقل الكلام إلى الحيوان الّذي هو جزء لهذا الشّخص الثّاني (3)، فيلزم أن يكون كلّ شخص من الحيوان مشتملاً على أفراد غير متناهية منه.

وهذا المعنى ـ أعني : وجوب كون كلّ موجود في الخارج متعيّناً في ذاته ـ هو الّذي منع كون اشتراك الكلّي بين كثيرين بحسب الخارج .

ولزم أيضاً(4) امتناع حمل الكلّي الطبيعي على ما هو فرد له; ضرورة امتناع صدق الجزء الخارجي(5) المغاير بحسب الوجود للكلّ عليه.

بل المراد انّه جزء عقليّ له. والمراد من الجزء العقلّي للذّات الموجودة في الخارج، هو أنّ العقل يحلّل تلك الذّات إليه، فكلّ ما يحلّل العقل ذات الموجود إليه، يجب كونه موجوداً بوجود تلك الذّات، سيّما إذا كان ماهيّة لتلك الذّات; فإنّ ماهيّة الشّيء هو ما به الشّيء هو هو، فكيف يمكن كون


1 . حيث قال: «وهذا الحيوان بهذا الشّرط وإن كان موجوداً في كلّ شخص، فليس هو بهذا الشّرط حيواناً مّا».
2 . أي إلى عدم كون الكلّي الطبيعي جزءاً خارجيّاً وموجوداً بوجود على حدّة وراء وجود الشّخص .
3 . يعني كون الحيوان ـ مثلاً ـ الموجود في ضمن هذا الحيوان، شخصاً آخر من الحيوان غير هذا الحيوان، لأنّه يلزم أن يكون للشّخص شخص آخر.
4 . قوله: «ولزم أيضاً» عطف على قوله: «لزم كون الحيوان مثلاً الخ»، يعني لو كان المراد ذلك لزم أمران: أحدهما: لزم كون الحيوان مثلاً الخ، وثانيهما: لزم كون امتناع حمل الكلّي الطّبيعي الخ .
5 . أي الكلّي الطبيعي .


صفحه 62

الشّيء موجوداً مع كون ما به ذلك الشّيء هو هو غير موجود؟

فظهر بطلان ما ذكره(1) المحقّق الشّريف: من منع وجوب كون الأجزاء العقليّة للموجودات الخارجيّة موجودة، مستنداً بأنّ العمى جزء لهذا الأعمى الموجود في الخارج مع أنّه(2) ليس بموجود فيه.

وذلك (3) لأنّ العمى جزء لمفهوم هذا الأعمى الّذي هو عرضيّ بالنّسبة إلى ذات الأعمى، لا لذاته، (4) وكلامنا فيما فرض كونه ماهيّة للذّات الموجودة كالحيوان.

هذا توجيه المقام على تقدير بناء الكلام على الاستدلال بالجزئيّة، كما هو المشهور والمتبادر من كلام الشّيخ بحسب الظّاهر .

وظنّي أنّه لا يجب بناء المقام عليه.

لا لما زعمه المحقّق الشّريف وغيره وتبعهم الشّارح القوشجي(5) من أنّ تحقيق مذهب القائلين بوجود الطبائع في الأعيان أنّ أشخاصها موجودة في الأعيان، وحينئذ تكون الدّعوى بديهيّة غير محتاجة إلى الاستدلال، فإنّ ذلك الزّعم تصوّر في المقام، كما سنبيّنه في مبحث التّشخّص إن شاء الله تعالى.


1 . لاحظ: شرح المواقف: 3 / 85 / الموقف الثاني / المرصد الثاني / المقصد الحادي عشر.
2 . أي العمى .
3 . أي وجه ظهور بطلان ما ذكر المحقّق الشّريف .
4 . أي لا جزء لذاته.
5 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 79 .


صفحه 63

بل لأنّ الدّعوى ـ أعني : كون الطّبيعة بمعنى الماهيّة لا بشرط شيء موجودة في الأعيان حين فرض كون الشّخص، أعني: الطّبيعة بشرط شيء موجوداً في الأعيان ـ بديهيّةٌ غنيّةٌ عن الاستدلال، وإن احتاجت إلى تنبيه مّا لئلاّ يتوهّم أنّ كون الماهيّة بشرط شيء موجودة ـ أعني : احتياجها في الوجود العيني إلى شرط مّا وحال مّا، مانعٌ عن أن يكون هي نفسها ـ ملحوظة بذاتها، لا بشرط شيء مّا ـ موجودة .

وغرض الشّيخ ليس إلاّ ذلك التّنبيه، لا الاستدلال بكون الطّبيعة جزء للطّبيعة بشرط مّا وإن كانت عبارته ـ أعني قوله: فالحيوان الّذي هو جزء من حيوان مّا، موجود ـ موهمة إيّاه.(1)

وذلك لأنّ ظاهر هذا القول(2)، لاشتماله على حديث الجزئيّة، وإن كان دالاًّ على أنّ تفرع هذا القول(3) على كون حيوان مّا موجوداً إنّما هو لأجل الجزئيّة، (4) لكن التّشبيه بالبياض صريحٌ في أنّ تفرّعه عليه، إنّما هو لأجل أنّ مقارنة حال مّا، وشرط مّا، غير مانعة عن اعتبار وجود الحيوان بما هو حيوان، كما أنّ مقارنة البياض في الوجود للمادّة، غير مانعة عن اعتبار وجود البياض بمجرّد بياضيّته .

فالمراد من الجزء، هو جزءُ حدّه من حيث هو شخص ; أعني: جزء


1 . أي ذلك الاستدلال .
2 . أي قول الشّيخ: «وهذا الحيوان بهذا الشّرط الخ».
3 . أي بقوله: «فالحيوان الّذي هو جزء الخ» .
4 . لأنّ تعليق الشّيء بالوصف يشعر بالعلّيّة .


صفحه 64

مفهوم الشّخص. والغرض من اقتحام حديث الجزئيّة، إنّما هو تعيين ما هو المراد من الحكم (1) بوجوده، لا الاستدلال به عليه .

وكذا الحال في كلام المصنّف(رحمه الله).

وكيف لا يكون المراد هو جزء الحدّ، و(2) الطّبيعة لا بشرط ليس بجزء حقيقة، بل الجزء حقيقةً إنّما هو بشرط لا؟

فليتفطّن جميع ذلك.

ثمّ قال المحقّق الشّريف : بقي هنا بحث وهو أنّه إذا سبق إلى الذّهن واحدٌ من الأفراد الشّخصيّة، لم يحصل فيها صورة كلّيّة مطابقة لأُمور كثيرة، بل لابدّ أن يجرّد ذلك الشّخص عن تشخّصه المانع من مطابقة الكثيرين(3)، حتّى يتحصّل في النّفس صورةٌ عقليّةٌ مطابقة لها، فكلّ شخص مركّب في الذّهن من طبيعة معروضة وتشخّص عارض لها، فإن كان العارض والمعروض ممتازين في الوجود، كان المعروض موجوداً خارجيّاً متعيّناً في ذاته، حتّى يتصوّر عروض ذلك العارض له في الخارج، فهو شخص خارجيّ مركّب في الذّهن من عارض ومعروض، فلا يكون في الخارج موجوداً، إذا تصوّر في(4) ذاته كان صورته كلّيّة، بل في الخارج موجوداً، إذا تصوّر وجود عن تشخصه حصل في العقل صورة كلّيّة.

فلذلك قال بعض الأفاضل(5) : لا وجود في الخارج إلاّ للأشخاص.


1 . أي في قول من حكم بوجوده .
2 . الواو: حاليّة.
3 . يعني أن لا يحصل من تعقّل كلّ واحد منها أثر متجدّد .
4 . أ، ب و ج: «هو في ذاته».
5 . وهو شارح المواقف.


صفحه 65

وأمّا الطّبائع(1) الكلّيّة، فينتزعها العقل من الأشخاص، تارةً من ذواتها، وتارةً أُخرى من الأعراض المُكتَنفة بها بحسب استعدادات مختلفة، واعتبارات شتّى.

فظهر من ذلك كلّه: أنّ مَن قال بوجود الطّبائع في الأعيان:

إن أراد به أنّ الطّبيعة الإنسانيّة مثلاً بعينها موجودة في الخارج مشتركة بين أفرادها، لزمه أن يكون الأمر الواحد بالشّخص في أمكنة متعدّدة ومتّصفة بصفات متضادّة، لأنّ كلّ موجود خارجي، يجب أن يكون متعيّناً ممتازاً في ذاته، غير قابل للاشتراك فيه كما مرّ .

وإن أراد أنّ في الخارج موجوداً إذا تصوّر هو في ذاته اتّصف صورته(2) بالكلّيّة بمعنى المطابقة(3)، فهو أيضاً باطل لما مرّ آنفاً .(4)

وإن أراد أنّ في الخارج موجوداً، إذا تصوّر وجُرّد عن مشخّصاته، حصل منه في العقل صورة كلّيّة، فذلك بعينه مذهب من قال: لا وجود في الخارج إلاّ للأشخاص والطّبائع الكلّيّة منتزعة منها، فلا نزاع إلاّ في العبارة. (5)


1 . والمفهومات.
2 . العقليّة.
3 . لكثيرين لا بمعنى الاشتراك بينهما بالفعل .
4 . من قوله: «إذا سبق إلى الذهن واحدٌ من الأفراد الشخصية لم يحصل فيها صورة كلّيّة مطابقة لأُمور كثيرة الخ».
5 . أي النزاع معنويّ لأنّ مَن نفى وجود الطبايع في الاعيان أراد وجودها بالاصالة، ومن أثبت وجودها أراد وجودها بتبع مبدأ انتزاعها، فلذلك النّزاع معنويّ .


صفحه 66

انتهى كلام المحقّق الشّريف.(1)

وأقول: نختار الشقّ الثّالث، والنّزاع بيننا وبين النّافي(2) معنويٌّ .

فإنّا نقول: الصّورة المجرّدة المنتزعة عن التشخّص ماهيّة للفرد وهو موجود في الخارج، فيجب أن يكون ماهيّته موجودة في الخارج .

ولا يضرّ وجود الماهيّة من حيث هي في الخارج، أن تكون متّحدة الوجود مع التشخّص، كما مرّ في كلام الشيخ: من أنّه: «ليس يمنع كون الحيوان الموجود في الشّخص حيواناً مّا، أن يكون الحيوان بما هو حيوان، لا باعتبار أنّه حيوان بحال مّا، موجوداً فيه».

والنّافي يمنع كون الماهيّة موجودة، ويقول بوجود الأفراد فقط، فكيف لا يكون النّزاع إلاّ في العبارة؟

نعم يمكن أن يقال: إنّ مراد النّافي هو أنّ الماهيّة ليس لها وجود على حدّة، بتوهم أنّ من يقول بوجودها، يقول بوجود على حدّة .

وحينئذ يرتفع النّزاع المعنوي بيننا وبينه، لكن بإرجاع مذهبه إلى مذهبنا، لا بإرجاع مذهبنا إلى مذهبه، كما لا يخفى .

ولعل هذا هو مراد شارح المقاصد حيث قال: «لا نزاع في أنّ الماهيّة لا بشرط شيء موجودة في الخارج، إلاّ أنّ المشهور أنّ ذلك مبنيٌّ على كونها جزءاً من المخلوطة الموجودة في الخارج .


1 . لاحظ: شرح المواقف: 3 / 88 و 89 .
2 . أي القائلين بعدم وجود الطبايع في الاعيان.


صفحه 67

وليس بمستقيم، لأنّ الموجود من الإنسان مثلاً، إنّما هو «زيد» و «عمرو» وغيرهما من الأفراد.

وليس في الخارج إنسان مطلق وآخر مركّب منه ومن الخصوصيّة هو التشخّص، وإلاّ لما صدق المطلق عليه ; ضرورة امتناع صدق الجزء الخارجي المغاير بحسب الكلّ عليه .

وإنّما التّغاير والتّمايز بين المطلق والمقيد في الذّهن، دون الخارج،(1) لكونه نفس المقيّد ومحمولاً عليه. انتهى »(2).

والطّبيعة لا بشرط شيء صادقٌ على المجموع الحاصل منه وممّا يُضاف إليه;(3) أي على الطبيعة بشرط شيء، وهو الثاني من الاعتبارات الثلاث الّذي قد طوى ذكره سابقاً، وأشار إليه هاهنا كما مرّ.

فالحيوان بما هو حيوان ـ أعني: لا بشرط شيء ـ صادق على هذا


1 . فلذا قلنا: إنّ المطلق موجود في الخارج .
2 . شرح المقاصد: 1 / 408 / المبحث الثّاني / القسم الثّالث .
3 . هذا اعتبار آخر للماهيّة معقول، وهو أن تؤخذ الماهيّة من حيث هي هي لا باعتبار التجرّد، ولا باعتبار عدمه، كما يؤخذ الحيوان من حيث هو هو لا باعتبار تجرّده عن الاعتبارات، بل مع تجويز أن يقارنه غيره ممّا يدخل في حقيقته، وهذا هو الحيوان لا بشرط شيء، وهو الكلّي الطّبيعي، لأنّه نفس طبائع الأشياء وحقائقها، وهذا الكلّي موجود في الخارج، فإنّ الحيوان المقيّد موجود في الخارج، وكلّ موجود في الخارج، فإنّ أجزائه موجود في الخارج، فالحيوان من حيث هو هو الّذي هو جزء من هذا الحيوان موجود، وهذا الحيوان جزء من الأشخاص الموجودة وهو صادق على المجموع المركّب منه. لاحظ: كشف المراد: المسألة الثّانية من الفصل الثّاني.


صفحه 68

الحيوان، وهذا الحيوان ـ أعني : الشّخص المشار إليه منه ـ هو المجموع الحاصل من الحيوان بما هو حيوان وممّا انضاف إليه من المشخّصات، وهو الحيوان بشرط شيء .

وهذا الكلام دليل على أنّ المراد بالجزء فيما مرّ من قوله(1): «وهو جزء من الأشخاص» ليس هو الجزء حقيقة،(2) بل جزء الحدّ كما عرفت .

والكلّيّة العارضية للماهيّة أي الكلّي بما هو كلّي من دون أن يعتبر مع المعروض .

قال الشّيخ في " الشّفاء ": «الكلّي من حيث هو كلّي شيء، ومن حيث هو شيء يلحقه الكلّية شيء .

فالكلّي من حيث هو كلّي هو ما يدّل عليه أحد هذه الحدود، فإذا كان ذلك إنساناً، أو فرساً، فهناك معنى آخر غير معنى الكلّيّة. انتهى»(3).

يقال لها كلّيّ منطقيّ(4)، لأنّ المنطقي إنّما يبحث عنه من حيث هو كلّي لا من حيث هو إنسان أو فرس .


1 . أي قول المصنّف (رحمه الله) .
2 . لأنّ الجزء الحقيقي لا يصدق على الكلّ كما مرّ في كلام المصنّف في شرح الإشارات في أوّل هذه المسألة.
3 . وهو الفرسيّة، فإنّ حدّ الفرسيّة ليس حدّ الكلّيّة، ولا الكلّيّة داخلة في الفرسيّة، فإنّ الفرسيّة لها حدّ لا يفتقر إلى حدّ الكلّيّة، لكن تعرض له الكلّيّة. لاحظ: إلهيّات الشّفاء: 1 / 196 / المقالة الخامسة / الفصل الأوّل .
4 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 69

ويقال للمركّب (1) من العارض والمعروض كالإنسان الكلّي كلّي عقليٌّ(2) لكونه ممّا لا يوجد إلاّ في العقل ; لما عرفت من أنّ الكلّية لا يعرض للطّبيعة إلاّ إذا حصلت في العقل .

وهما(3)، أي الكلّي المنطقي والكلّي العقليّ، ذهنيّان(4); أي هما من المعقولات الثّانية .

أمّا الأوّل، فلما مرّ في الفصل الأوّل.(5)

وأمّا الثّاني، فلتركّبه منه، فهو أيضاً مثله في ذلك .

فهذه(6) اعتبارات ثلاثةٌ ينبغي تحصيلها في كلّ ماهيّة معقولة .

اتّفق الشّارحون(7) وغيرهم من النّاظرين في الكتاب على أنّ هذا إشارة إلى الاعتبارات الثّلاثة للكلّي .

والأشبه أنّها إشارة إلى الاعتبارات الثّلاثة للماهيّة (8)، لأنّ المسألة كانت فيها، وحديث الكلّية جملة معترضة. فليتدبرّ.


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
4 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
5 . المسألة الحادية عشرة وغيرها في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
6 . أي الكلّيّ الطّبيعيّ والمنطقيّ والعقليّ.
7 . أي العلاّمة الحلّي والشّارح القديم والجديد. لاحظ: كشف المراد: المسألة الثّانية من الفصل الثّاني من المقصد الأوّل ; وشرح تجريد العقائد: 79 .
8 . وهي بشرط لا، بشرط شيء ولابشرط .


صفحه 70

المسألة الرابعة

في بساطة الماهيّة وتركّبها

قال: والماهيّة منها بسيطَةٌ وهي ما لا جزء له، ومنها مركّبة وهي ما له جزءٌ، وهما موجودان ضرورةً.

ووصفاهما اعتباريان متنافيان، وقد يتضايفان، فيتعاكسان في العموم والخصوص مع اعتبارهما بما مضى.

وكما يتحقّق الحاجةُ في المركّب، فكذا في البسيط.

وهما قد يقومان بأنفسهما، وقد يَفتَقران إلى المحلّ.

أقول: قوله والماهيّة منها بسيطةٌ وهي ما لا جزء له ; أي لا بالفعل ولا بالقوّة، وهو البسيط الحقيقيّ والمطلق.

أو ما لا جزء له بالفعل، وإن كان له جزء بالقوّة، كالأنواع العرضيّة، فإنّها قابلة لأن يحلّلها العقل إلى الأجزاء العقليّة، وهو البسيط الخارجيّ والغير المطلق.

ومنها مركّبة وهي ما له جزء; أي بالفعل: وهو المركّب الحقيقي والخارجيّ.


صفحه 71

أو بالقوّة: وهو المركّب الذّهنيّ والغير الحقيقي.

وهما; أي الماهيّة البسيطة والمركّبة مطلقاً ـ أعني: أعمّ من أن يكونا حقيقيين أو غير حقيقيين ـ بدليل قوله: «موجودان ضرورة» .(1) فإنّ ما هو ضروريّ وجوده، هو المركّب الحقيقي، كالإنسان والبيت، والبسيط الخارجي، كالسّواد والبياض. فإنّه كما أنّ وجود السّواد مثلاً بديهيّ كذلك عدم تركّبه من الأجزاء الخارجيّة، وكما أنّ وجود الإنسان ضروريّ كذلك تركّبه من الأجزاء الخارجيّة .

وأمّا الاستدلال على وجود البسيط هاهنا بوجوب انتهاء المركّب إليه، لكون كلّ كثرة مشتملة على ما هو واحدٌ بالفعل بالضّرورة، فهو(2) وإن كان تامّاً والمناقشة عنه مندفعة، لكنّه ينافي دعوى الضّرورة، وكذا الاستدلال عليه بإبطال التّسلسل.

ووصفاهما اعتباريان; أي البساطة والتّركيب من الأُمور الاعتباريّة العقلّية. وليس في الخارج ما يطابقهما متنافيان ; أي متقابلان تقابل السّلب والإيجاب بالمعنيين المذكورين.


1 . محصّل الكلام: أنّ الماهيّة: إمّا أن يكون لها جزء تتقوّم منه ومن غيره، وإمّا أن لا تكون كذلك. والأوّل هو المركبّ كالإنسان المتقوّم من الحيوان والناطق، والثّاني هو البسيط كالجوهر الّذي لا جزء له، وهذان القسمان موجودان بالضّرورة، فإنّا نعلم بالضّرورة وجود المركّبات كالجسم والإنسان والفرس وغيرها من الحقائق المركّبة ووجود المركّب يستلزم وجود أجزائه، فالبسائط موجودة بالضّرورة. لاحظ: كشف المراد: المسألة الثّالثة من الفصل الثّاني.
2 . أي الاستدلال .


صفحه 72

فإنّ كون الشّيء ذا جزء، وعدم كونه ذا جزء، لا يصدقان على شيء، ولا يرتفعان عنه.

وقد يؤخذان بمعنيين آخرين، وهما كون الشّيء جزء الآخر، وكون الآخر كلاًّ بالنّسبة إليه.

وحينئذ يتضايفان ; أي يتقابلان تقابل التّضايف، فالمعنيان الأوّلان(1) حقيقيّان، والأخيران(2) إضافيّان.

فإذا قيس البسيط الإضافيّ(3) مع البسيط الحقيقيّ،(4) يكون بينهما نسبة، هي عكس النّسبة الّتي بين المركّب الإضافيّ والمركّب الحقيقيّ.

فإنّ البسيط الإضافيّ أعمّ مطلقاً من البسيط الحقيقيّ، لأنّ كلّ ما لا جزء له يصدق عليه انّه جزء لما تركّب منه ومن غيره ، وليس كلّ ما هو جزءٌ لغيره يصدق عليه أنّه لا جزء له، لجواز كونه ذا أجزاء .

والمركّب الإضافي أخصّ مطلقاً من المركّب الحقيقيّ; لأنّ كلّ مركّب إضافيّ، مركّب حقيقيّ، وليس كلّ مركّب حقيقيّ مركّباً إضافيّاً، لجواز أن لا يعتبر إضافته إلى جزئه .

وهذا معنى قوله: فيتعاكسان في العموم والخصوص مع اعتبارهما بما مضى.


1 . متقابلان .
2 . أي كون أحد الشيئين جزءاً للآخر والآخر كلاًّ بالنّسبة إليه .
3 . أي كون الشيء جزء لآخر.
4 . هو ما لا جزء له .


صفحه 73

وأورد(1) عليه: بأنّ البسيط الحقيقيّ قد لا يكون بسيطاً إضافيّاً، بأن لا يعتبر جزء من آخر. فالقول بأنّ المركّب الحقيقيّ قد لا يكون إضافيّاً مع أنّ له جزء ألبتة، والبسيط الحقيقيّ يكون إضافيّاً ألبتة، مع أنّه لايلزم أن يكون جزء من شيء، فضلاً عن اعتبار ذلك، ممّا لا وجه له .

بل النّسبة بين البسيطين عمومٌ من وجه، لتصادقهما في بسيط حقيقيّ، هو جزء من مركّب كالوحدة للعدد. وصدق الحقيقيّ بدون الإضافيّ في بسيط حقيقيّ، لا يتركّب منه شيء، كالواجب. وبالعكس في مركّب وقع جزء المركّب الآخر، كالجسم للحيوان.

وبين المركّبين مساواة، إن لم يشترط في الإضافيّ اعتبار الإضافة; لأنّ كلّ مركّب حقيقيّ لابدّ أن يكون له جزء، فيكون مركّباً إضافيّاً بالقياس إلى ذلك الجزء. وبالعكس .

وعموم مطلق، إن اشترط ذلك; لأنّ كلّ مركّب إضافيّ بالقياس إلى جزئه مركّب حقيقيّ، ولا ينعكس، لجواز أن لا يعتبر في الحقيقيّ الإضافة إلى جزئه .(2)

وكما يتحقّق الحاجة(3) إلى جاعل في المركّب، فكذا في البسيط .


1 . المُورِد هو الشارح القوشجي في شرحه: راجع: شرح تجريد العقائد: 80 .
2 . فيكون اعمّ مطلقاً من الإضافيّ.
3 . المراد من حاجة الماهيّات البسيطة والمركّبة إلى الجاعل هي الحاجة بالعرض فإنّ المجعول بالذّات عند المصنّف (رحمه الله) هو الوجود كما علم من كلامه في شرح الإشارات. راجع: شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / النمط الرابع .


صفحه 74

اعلم: أنّ العقلاء بعد الاتّفاق على أنّ وجود الممكن بالفاعل(1) اختلفوا في ماهيّته.(2)

قال شارح المقاصد: «فذهب المتكلّمون إلى أنّها بجعل الجاعل مطلقاً، أي بسيطة كانت أو مركّبة.

وذهب جمهور الفلاسفة والمعتزلة إلى أنّها ليست بجعل الجاعل(3)، بمعنى أنّ شيئاً منها(4) ليس بمجعول.

وذهب بعضهم إلى أنّ المركّبات مجعولةٌ، دون البسائط»(5).

أقول: وجه ذهاب المعتزلة إلى ما نسب إليهم ظاهر، فإنّهم ذهبوا إلى تقرّر الماهيّات في العدم من غير فاعل.

وأمّا وجه ذهاب الفلاسفة إليه: فهو أنّهم نفوا الجعل المركّب ـ أعني: جعل الماهيّة ماهيّةً(6) ـ على ما يدلّ عليه دليلهم، كما يأتي.


1 . أي في الجملة سواء كان بالذّات أو بالعرض .
2 . في أنّ الماهيّات الممكنة هل هي مجعولة بجعل جاعل أم لا؟ راجع لمزيد التحقيق في هذا البحث إلى: نهاية المرام في علم الكلام: 1 / المقصد الثالث / المبحث الثالث من الفصل الأوّل ; تعليقات على الشّفاء لصدر المتألّهين: 177 ـ 179 ; شرح المواقف: 3 / الموقف الثاني / المرصد الثاني / المقصد السادس ; والمباحث المشرقيّة: 1 / الفصل الثالث من الباب الثاني ; شرح تجريد العقائد: 80 ـ 82 ; ايضاح المقاصد من حكمة عين القواعد: المبحث الثاني / المسألة الثانية ; شرح حكمة الاشراق: 182 ـ 187 .
3 . مطلقاً، أي سواء كانت مركّبة كماهيّة الإنسان، أو بسيطة كالعقل .
4 . أي فرد من أفراد الماهيّة.
5 . شرح المقاصد: 1/428 / المبحث الرابع من الفصل الثاني .
6 . لا جعل الماهيّة موجودة .


صفحه 75

وأمّا الجعل البسيط ـ أعني: كون الصّادر عن الفاعل نفس الماهيّة ـ فالظّاهر أنّه لا خلاف لهم فيه، سواء كان ذلك بالذّات،(1) أو بالعرض(2)، أعني(3): أن يكون الصّادر بالذّات هو نفس الماهيّة ويكون الوجود منتزعاً منها، أو أن يكون الصّادر بالذّات هو الوجود الخاصّ، ويلزمه الهويّة المسمّاة بالماهيّة كما مرّ سابقاً(4) في كلام المصنّف في " شرح الإشارات ".

وما نقل من المّشائين منهم، ينبغي حمله على ذلك(5)، لا كما فهمه شيخ الإشراق كما مرّ(6).

وعلى ما ذكرنا ينبغي حمل مذهب المتكلّمين أيضاً على جعل المركّب، كما سنحقّقه، هذا .

ثمّ إنّ مستند المذهب الأوّل(7) أُمور :

الأوّل: أنّ علّة الحاجة هي الإمكان(8) وهي عامّة.


1 . كما ذهب إليه الإشراقيّون ومنهم صاحب التّلويحات.
2 . على ما ذهب إليه المشّاؤون.
3 . بيان لقوله: «سواء كان بالذّات أو بالعرض» وفي الكلام لفّ ونشر مرتّب .
4 . في المسألة الثالثة.
5 . أي كون الماهيّة مجعولة سواء كان بالذّات أو بالعرض الخ، لا ما فهمه شيخ الاشراق من مذهبهم، وهو كون الوجود صادراً من الجاعل وهو موصفة منضّمة إلى الماهيّة في الخارج .
6 . في المسألة الخامسة من الفصل الأوّل في الجزء الأوّل من هذا الكتاب: 221 .
7 . وهو على ما ذهب المتكلّمون إلى أن ماهيّة الممكن مجعولة بجعل الفاعل مطلقاً بسيطة كان أو مركّبة.
8 . كما مرّ تفصيل الكلام فيه، في المسألة الثانية والعشرين من الفصل الأوّل في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.


صفحه 76

الثّاني: أنّه لو لم يكن الماهيّة مجعولة، ارتفع المجعوليّة مطلقاً، لأنّ مافرض كونه مجعولاً من الوجود، أو موصوفيّة الماهيّة به، فهو أيضاً ماهيّة في نفسه، والمفروض أنّ ما هو ماهيّةٌ ليس بمجعول .

الثّالث: أنّه لا تقرّر للماهيّة في الخارج بذاتها، لما مرّ(1) في نفي ثبوت المعدومات، فيكون تقرّرها بالجاعل.

والجواب عن الأوّل: بأنّ معنى حاجة الممكن إلى الجاعل، أنّ وجوده منه لا ماهيّته.

وعن الثّاني: أنّ المجعول هو الوجود الخاصّ، وما هو من أفراد الوجود، لا ماهيّة الوجود ومفهومه.

وعن الثّالث: أنّه ليس تقرّر الماهيّة إلاّ وجودها.

على أنّ شيئاً من هذه الوجوه لا يدلّ على الجعل المركّب الّذي قد عرفت أنّه ينبغي أن يكون مرادهم.(2)

ومستند المذهب الثاني(3): أنّ كون الإنسان إنساناً مثلاً، لو كان بجعل الجاعل لارتفع بارتفاعه، فيلزم سلب الشّيء عن نّفسه على تقدير عدم الفاعل(4) وهو محال.


1 . في الجزء الأوّل من هذا الكتاب، المسألة الحادية عشرة من الفصل الأوّل .
2 . أي المتكلّمين .
3 . وهو على ما ذهب إليه جمهور الفلاسفة والمعتزلة إلى أنّ ماهيّة الممكن ليست بجعل الجاعل.
4 . وعدم الفاعل محال، والمحال جاز أن يستلزم المحال الآخر.


صفحه 77

وأجابوا عنه: بمنع استحالته على طريق السّلب، دون العدول .

وردّ: بأنّ السّلب الصّادق(1) على الإنسان حال ارتفاعه، هو انّ المعدوم ليس بإنسان، لا انّ الإنسان ليس بإنسان.

والحقّ، أنّ استحالة سلب الشّيء عن نفسِهِ ضروريّة.

ومستند المذهب الثالث(2): أنّ شرط المجعوليّة الإمكان، وهو يستدعي نسبة، وهي تستدعي اثنينيّته، وهي غير متصوّرة في البسيط دون المركّب.

والجواب: أنّ الاثنينيّة الّتي تستدعيها النّسبة اللاّزمة للإمكان، إنّما هي باعتبار الماهيّة والوجود، وهي شاملة للبسيط والمركّب، هذا.

ثمّ إنّه قال شارح المقاصد: «ينبغي التّنبيه على ما يصلح محلاًّ للخلاف في هذه المسألة، فإنّه معلوم أن ليس للفاعل تأثير وجعل بالنّسبة إلى ماهيّة الممكن، وآخر بالنّسبة إلى الوجود، حتّى تكون الماهيّة مجعولة، كالوجود. وإن ليس للماهيّة تقرّر في الخارج بدون الفاعل، حتّى يكون المجعول هو الوجود فقط، بل أثر الفاعل مجعوليّة الماهيّة بمعنى صيرورتهاموجودة.

وما ذكره الإمام(3) ـ من أنّ المراد، أنّ الماهيّة من حيث هي، ليست


1 . يريد أنّ الصادقَ حال ارتفاع الإنسان وعدمه، هو أنّ المعدوم ليس بإنسان، وليس هذا سلب الشّيء عن نفسه حتّى يلزم من صدقه صحّة منع استحالة سلب الشّيء عن نفسه على طريق السّلب، كما قال المجيبون.
2 . وهو على ما ذهب إليه بعض الفلاسفة، بأنّ الماهيّة المركّبة مجعولةٌ دون البسيطة.
3 . لاحظ: المباحث المشرقيّة: 1 / 52 .


صفحه 78

بمجعولة، كما أنّها ليست بموجودة، ولا معدومة، ولا واحدة، ولا كثيرة إلى غير ذلك من العوارض ; بمعنى أنّ شيئاً منها ليس نفسها، ولا داخلاً فيها ـ ليس ممّا يتصوّر فيه نزاع، أو يتعلّق بتخصيصه بالذّكر فائدة.

ثمّ قال: والأقرب ما ذكره " صاحب المواقف(1) " وهو: أنّ المجعوليّة قد يراد بها الاحتياج إلى الفاعل.

وقد يراد بها الاحتياج إلى الغير على ما يعمّ الجزء.(2)

وكلاهما بالنّسبة إلى الممكن من العوارض، والعوارض منها ما يكون من لوازم الماهيّة كـ « زوجيّة الأربعة ».

ومنها ما يكون من لوازم الهويّة،(3) كتناهيَ الجسم وحدوثه.

ولاخفاء في أنّ احتياج الممكن إلى الفاعل في المركّب والبسيط من لوازم الهويّة(4) دون الماهيّة .(5)


1 . وما نقله من صاحب المواقف منقول بالمعنى، لاحظ: المواقف في علم الكلام: 62 و 63 / المقصد السادس .
2 . أي سواء كان الغير هو الفاعل أو الجزء.
3 . لأنّها المجعول بالذّات.
4 . هي الحقيقة الجزئيّة حيث قالوا الحقيقة الجزئيّة تسمّى هويّة بمعنى أنّ الماهيّة إذا اعتبرت مع التشخّص سُمّيت هويّة. وقد تستعمل الهويّة بمعنى الوجود الخارجي وقد يُراد بها التشخَّص. وقالوا: الهويّة مأخوذة من الهُو كما تشتق الإنسانيّة من الإنسان، والرجوليّة من الرّجل. والهويّة السارية في جميع الموجودات; إذا أخذت حقيقة الوجود لا بشرط شيء، ولا، بشرط لا شيء.راجع: جامع العلوم: 964 ; رسالة ما بعد الطبيعة لابن رشد: 38 ; كتاب التعريفات: 320 / برقم 1593 .
5 . يعني أنّ المجعول من عوارض الوجود الخارجي لا من عوارض الماهيّة من حيث هي هي.


صفحه 79

وإنّ الاحتياج إلى الغير من لوازم الماهيّة المركّبة دون البسيطة، إذ لا يعقل مركّب لا يحتاج إلى الجزء.

فمن قال بمجعوليّة الماهيّة مطلقاً ـ أي بسيطة كانت أو مركّبة ـ أراد أنّ المجعوليّة تعرض للماهيّة في الجملة ; أعني: الماهيّة بشرط شيء، وهي الماهيّة المخلوطة، ومرجعها إلى الهويّة، وإن لم تعرض للماهيّة من حيث هي.

ويحتمل أن يريد أنّها تعرض للماهيّة من حيث المجعوليّة في الجملة; أي بمعنى الاحتياج إلى الغير، وإن لم تكن(1)بمعنى الاحتياج إلى الفاعل .

ومن قال بعدم مجعوليّة الماهيّة أصلاً، أراد أنّ الاحتياج إلى الفاعل ليس من عوارض الماهيّة، بل من عوارض الهويّة .

ومن فرّق بين المركّبة والبسيطة، أراد أنّ الاحتياج إلى الغير من لوازم الماهيّة المركّبة دون البسيطة، وإن اشتركا في الاحتياج إلى الفاعل بالنظر إلى الهويّة .

قال: ولكن لم يتحقّق نزاع في المعنى. هذا»(2).

وقال شارح المواقف: «وفيه ـ أي وفيما ذكر في المواقف ـ بُعدٌ، لأنّ البحث عمّا يلحق الماهيّة، أنّه من لوازمها من حيث هي أو من لوازم وجودها الخارجيّ أو الذّهنيّ، جار في كثير من لواحقها، فليس لتخصيص هذا البحث بالمجعوليّة كثير فائدة.


1 . أي وإن لم يكن الاحتياج إلى الفاعل من عوارض الماهيّة، بل من عوارض الهويّة كما مرّ.
2 . انتهى كلام شارح المقاصد: راجع: شرح المقاصد: 1 / 431 و 432 .


صفحه 80

وأيضاً كما أنّ الماهيّات الممكنة محتاجة إلى الفاعل في وجودها الخارجيّ كذلك محتاجة إليه في وجودها الذّهني، فالمجعوليّة بمعنى الاحتياج إلى الفاعل من لوازم الماهيّة الممكنة مطلقاً.(1)

وإن فسّر المجعوليّة بأنّها الاحتياج إلى الفاعل في الوجود الخارجيّ، كان الكلام صحيحاً والتّقييد تكلّفاً.

ثمّ قال: والصّواب أن يقال: معنى قولهم: «الماهيّة ليست مجعولة» أنّها في حدّ ذاتها لا يتعلّق بها جعل جاعل وتأثير مؤثّر; فإنّك إذا لاحظت ماهيّة السّواد، ولم تلاحظ معها مفهوماً سواها، لم يعقل هناك جعل، إذ لا مغايرة بين الماهيّة ونفسها حتّى يتصوّر توسّط جعل بينهما، فتكون إحداهما مجعولة إلى تلك الأُخرى.

وكذلك لا يتصوّر تأثير الفاعل في الوجود بمعنى جعل الوجود وجوداً.

بل تأثيره في الماهيّة باعتبار الوجود ; بمعنى أنّه يجعلها متّصفة بالوجود، لا بمعنى أنّه يجعل اتّصافها موجوداً متحقّقاً في الخارج، فإنّ الصبّاغ مثلاً إذا صبغ ثوباً، فإنّه لا يجعل الثّوب ثوباً، ولا الصّبغ صبغاً، بل يجعل الثّوب متّصفاً بالصّبغ في الخارج، وإن لم يجعل اتّصافه به موجوداً ثابتاً في الخارج.

فليست الماهيّات في أنفسها مجعولة، ولا وجوداتها أيضاً في أنفسها


1 . سواء كان في الوجود الذّهني والخارجي، لأنّها أينما وجدت، كانت متّصفة، بهذا الاحتياج، سواء كانت اتّصافها به بيّناً أو غير بيّن .


صفحه 81

مجعولة، بل الماهيّة في كونها موجودة مجعولةٌ.

وهذا المعنى ممّا لا ينبغي أن ينازع فيه .

ولا منافاة بين نفي المجعوليّة عن الماهيّات بالمعنى الّذي ذكرنا أوّلاً،(1) وبين إثباتها بما بيّنا آنفاً(2) انّه الحقّ الّذي لا يتوهّم بطلانه.

فالقول بنفي المجعوليّة مطلقاً، وبإثباتها مطلقاً، كلاهما صحيح إذا حملا على ما صوّرناه.

ومن ذهب إلى أنّ المركّبات مجعولة دون البسائط; فإن أرادوا بالمجعوليّة أحد المعنيين، فالفرق باطل، لأنّ المجعوليّة بمعنى جعل الماهيّة تلك الماهيّة منتفية عنهما معاً، وبمعنى جعل الماهيّة موجودةً ثابتة لهما معاً .

وإن أرادوا، كما هو الظّاهر من كلامهم، أنّ ماهيّة المركّب في حدّ ذاتها مع قطع النّظر من وجودها محتاجة إلى ضمّ بعض أجزائها إلى بعض، وهذا الاحتياج الذّاتي لا يتصوّر في البسيط، فهو والمركّب متشاركان في ثبوت المجعوليّة بحسب الوجود، وفي نفي المجعوليّة بحسب الماهيّة، ويتمايزان بأنّ المركّب مجعول في حدّ ذاته مع قطع النّظر عن وجوده، دون البسيط، كان هذا أيضاً صواباً بلا ريبة. انتهى»(3) .


1 . أي في قوله: «والصّواب أن يقال: معنى قولهم الماهيّة ليست مجعولة الخ».
2 . أي قوله: «وكذلك لا يتصوّر تأثير الفاعل في الوجود بمعنى جعل الوجود وجوداً بل تأثيره في الماهيّة باعتبار الوجود الخ».
3 . شرح المواقف: 3 / 50 ـ 53 .


صفحه 82

أقول: وهذا كلام لا غبار عليه، إلاّ أنّه ينبغي تحقيق معنى جعل الماهيّة متّصفة بالوجود، لئلاّ يتوهم أنّ الماهيّة والوجود كليهما حاصلان بلا جعل، وأثر الجاعل أنّه يجعل أحدهما متّصفاً بالآخر، على ما يتبادر من المثال.(1)

بل المراد أنّ الصّادر من الجاعل إنّما هو أمرٌ واحدٌ يحلّله العقل إلى أمرين، ويجعل أحدهما متّصفاً بالآخر. فهذا هو معنى جعل الماهيّة متّصفة بالوجود، كما مرّ غير مرّة.

ثمّ أقول: لكن هذا الكلام أيضاً يرفع النّزاع، فلم يحصل معنى يصلح للخلاف.

بل الصّواب كما أشرنا إليه أن يجعل النّزاع في الجعل المركّب للماهيّة مع قطع النّظر عن الوجود، فإنّ الاحتياج إلى الجاعل في الوجود موضع الوفاق، كما عرفت .

والجعل البسيط للماهيّة دقيق لا يفهمه الأكثرون .

فمن لم يذهب إلى ثبوت الماهيّة في العدم من المتكلّمين، ورآها محتاجة إلى الجاعل، ولم يفهم الجعل البسيط، ذهب إلى الجعل المركّب.

ومن ذهب منهم إلى ذلك كالمعتزلة لم يَرَ لها حاجة إلى الجاعل في غير الوجود .

فنفي الجعل الّذي يدّعيه المثبتون(2) لعدم الحاجة إليه .


1 . في بيان شارح المواقف قوله: «فإنّ الصبّاغ مثلاً الخ».
2 . القائلونَ بالجعل .


صفحه 83

والفلاسفة(1) نفوه، لكونه غير معقول.

والمفصِّل(2) لما توهّم استدعاء الجعل تركيباً، ولم يمكنه توهّم التّركيب في البسيط نفي الجعل فيه.

وأمّا في المركّب، فيمكن ذهاب الوهم إلى كون المركّب غير الأجزاء، فلذلك أثبت الجعل فيه .

هذا تحرير محلّ النّزاع، وتحصيل موضع الخلاف.

وأمّا تعيين ما هو الحقّ من هذه المذاهب، فظاهر ممّا ذكر .

إذا عرفت ذلك، فمعنى كلام المصنّف(3)، أنّ تأثير الفاعل لما كان في نفس الماهيّة، لا في جعل الماهيّة ماهيّة، ولا في جعل الوجود وجوداً، كما مرّ في المتن، في مبحث «حاجة الممكن إلى المؤثر»،(4) والمركّب والبسيط سواء في الحاجة إلى الجاعل، لكونهما ممكنين، فالماهيّات الممكنة سواء كانت مركّبة أو بسيطة محتاجة إليه على السّواء، ومجعولة بالجعل البسيط، بالمعنى الّذي عرفت.

فهذا الكلام ليس اختيار لشّيء من هذه المذاهب الثّلاثة صريحاً، واختيارٌ لمذهب الفلاسفة بالإشارة إلى ما هو المراد والمعقول من الجعل كما لا يخفى .


1 . أي الجمهور منهم .
2 . أي انّ المركّبات مجعولة دون البسائط .
3 . أي معنى قوله: «تأثير المؤثّر في الماهيّة» .
4 . لاحظ: الجزء الأوّل من هذا الكتاب، المسألة الخامسة والثلاثون من الفصل الأوّل.


صفحه 84

وهما; أي البسيط والمركّب، قد يقومان بأنفسهما(1)، بمعنى سلب القيام بالغير، بأن يكونا من الماهيّات الجوهريّة، مثال المركّب «الجسم» ومثال البسيط «العقل» عند من لم يقل بجنسيّة الجوهر.

وقد يفتقران إلى المحلّ(2) ويقومان به، وذلك إذا كانا من الماهيّات العرضيّة، مثال المركّب «السّواد» ومثال البسيط «النّقطة » على قول .


1 . كالجوهر والحيوان.
2 . كالاعراض من الكيف والكمّ و... .


صفحه 85

المسألة الخامسة

في أحكام أجزاء الماهيّة المركّبة

وهي خمسة أُمور:

الأمر الأوّل

في أنّ أجزاء الماهيّة تتقدّم عليها بحسب الوجود والعدم الذّهني والخارجي

قال: والمركّب مركّب عمّا يتقدّمه وجوداً وعدماً بالقياس إلى الذّهن والخارج، وهو علّة الغنى عن السّبب، فباعتبار الذّهن بيّنٌ، وباعتبار الخارج غنيٌّ، فتحصّل للجزء خواصّ ثلاثٌ، واحدةٌ متعاكسةٌ واثنتان أعمّ.

أقول: فمنها(1): أنّ أجزاء الماهيّة متقدّمة عليها في الوجود الخارجيّ والذّهنيّ، وكذا في العدم الخارجيّ والذّهنيّ.


1 . أي من أحكام أجزاء الماهيّة المركّبة فما ذكر هو الحكم الأوّل .


صفحه 86

وإليه أشار بقوله : والمركّبُ (1) مركّبٌ (2) عمّا يتقدّمه وجوداً وعدماً بالقياس إلى الذّهن والخارج(3)، لكن بين التقدّمين(4) فرق من وجهين:

أحدهما: أنّ التقدّم بحسب الوجود متحقّق بالنّسبة إلى كلّ جزء .

وأمّا التقدّم بحسب العدم، فإنّما هو بالنّسبة إلى جزء مّا.(5)

وثانيهما: أنّ التقدّم بحسب الوجود تقدّم بالطّبع، فإنّ وجود المركّب يتوقّف على وجود كلّ جزء من أجزائه .

والتقدّم بحسب العدم تقدّم بالعلّية(6)، بشرط السّبق ; بمعنى أنّ عدم، أيّ جزء سَبَق لا يحتاج انعدام المركّب إلى عدم جزء آخر، وإن احتاج عدم ذلك الجزء ـ في كونه علّة تامّة لعدم المركّب ـ إلى سبقه على أعدام سائر الأجزاء.


1 . المركّب هو الّذي تلتئم ماهيّته عن عدّة أُمور، فبالضرورة يكون تحقّقه متوقّفاً على تحقّق تلك الأُمور .
2 . في كتاب تجريد العقائد ومتن كشف المراد: «إنّما يتركّب».
3 . يعني أنّ أجزاء الماهيّة تتقدّم عليها بحسب الوجودين: الذّهني والخارجي، فإنّ وجود البيت في الخارج يفتقر إلى وجود الجدار أو السّقف فيه، وكذا وجوده في الذّهن مفتقر إلى وجودهما فيه، وبحسب العدمين أيضاً، فإنّ عدم البيت في الخارج يفتقر إلى عدم الجدار أو السّقف فيه، وكذا عدمه في الذّهن مفتقر إلى عدم أحدهما فيه. راجع: شرح تجريد العقائد: 82 .
4 . أي تقدّم الأجزاء على الماهيّة بحسب الوجود وتقدّمها عليها بحسب العدم.
5 . من الأجزاء، فإنّ وجود البيت مفتقر إلى وجود كلّ من الجدار والسقف وعدمه إنّما يفتقر إلى عدم أحدهما أيّاً ما كان .
6 . فإنّ وجود كلّ من الجدار والسّقف علّة ناقصة لوجود البيت وعدم أحدهما أيّاً مّا كان، علّة تامّة لعدمه.


صفحه 87

فالسّابق لو كان عدم جزء واحد كان هو العلّة، ولو كان عدمي جزئين معاً لم يكن شيء منهما علّة تامّة لعدم السّبق، بل كلاهما معاً علّة تامّة .

فلا يلزم اجتماع العلل المستقلّة على المعلول الشّخصي الّذي هو عدم المركّب المشخّص، على تقدير تسليم كون عدم الأمر الشّخصي شخصيّاً.(1)

وكذا الكلام في أعدام سائر العلل النّاقصة، فإنّ كلاًّ منها علّة تامّة لعدم المعلول .

فعلى هذا، لو عدم الفاعل مثلاً مع عدم جزء من المركّب في زمان، فإن لم يكن لعدم الفاعل مدخل في عدم ذلك الجزء فعدم الجزء هو العلّة التّامّة لعدم المركّب، وإلاّ فمجموع العدمين علّة تامّة له .(2)

ثمّ إنّه قد قيل(3): إنّ عدم الجزء هو بعينه عدم المركّب. ومن ثَمّ امتنع تصوّر ارتفاع الجزء مع تصوّر بقاء الماهيّة، بخلاف العلل; فإنّه يمكن تصوّر ارتفاعها مع بقاء الماهيّة، وإن كان المتصوّر مستحيلاً، كما في لوازم الماهيّة .

ويلتزم هذا القائل كون عدم المركّب الواحد الشّخصي كليّاً متعدّداً أفراده، كلّ واحد منها عدم جزء واحد من ذلك المركّب، بخلاف عدم البسيط بالقياس إلى تعدد أعدام علله النّاقصة، إذ ليس عدمه عين شيء من تلك الأعدام .


1 . إشارة إلى احتمال كون عدم المركّب المستند إلى عدم واحد من الأجزاء مغائراً للعدم المستند إلى عدم أجزاء أُخر كما يأتي .
2 . يعني مجموع ما يتوقّف عليه عدم المركّب سواء كان التّوقف بلا واسطة أو بواسطة.
3 . فكلام المصنّف يكون ردّاً على هذا القائل .


صفحه 88

وهو; أي تقدّم الأجزاء على الماهيّة، علّة الغنى (1) عن السّبب(2); أي علّة لكون الأجزاء مستغنية عن السّبب حين تحقّق الكلّ، لامتناع تحصيل الحاصل.(3)

فهذا الغنى عن السّبب، إن اعتبر في الجزء بحسب الوجود الذّهني، بأن يكون تصديق العقل بثبوت الجزء للماهيّة مستغنياً عن الوسط(4)، سمّي الجزء بيّن الثبوت. وإن اعتبر بحسب الوجود الخارجيّ، سمّي غنيّاً عن السّبب.

وهذا معنى قوله: فباعتبار الذهن بيّن، وباعتبار الخارج غني .(5)

وليس المراد الغني عن السّبب مطلقاً لاستحالته في الممكن، بل عن السّبب الجديد، كما أشرنا إليه .

فلوازم الماهيّة تشارك الأجزاء فيه ; فإنّها لا تحتاج أيضاً إلى سبب متجدّد حال تحقّق الماهيّة، لإفضائه إلى تحصيل الحاصل، كما في الأجزاء .


1 . للأجزاء.
2 . أي تقدّم الأجزاء على الماهيّة المركّبة، فالضمير راجع إلى المصدر المستفاد من قوله: «عمّا يتقدّم» .
3 . لأنّ الجزء لمّا كان متقدّماً على الكلّ، فحين تحقّق الكلّ فلابدّ أن يتحقّق الجزء أوّلاً، فاستحالَ عند تحقّق الكلّ احتياجه إلى سبب جديد يُحقّقه.
4 . يعني في حكم اللاّزم البيّن للماهيّة لا يحتاج العقل في تصديقه إلى واسطة في الإثبات، كالحيوان الثّابت للإنسان.
5 . قوله: «باعتبار الذّهن وباعتبار الخارج» متعلّق بقوله: «الغنى». وتقدير الكلام: إنّ الغناء إن اعتبر في الجزء الذّهني يسمّى الجزء بيّناً أي بيّن الثبوت للماهيّة، وإن اعتبر في الجزء الخارجي، يسمّى الجزء غنيّاً أي غنيّاً عن السبب في الخارج .


صفحه 89

فتحصّل للجزء خواصٌّ ثلاثٌ:

الأولى: تقدّمه في الذّهن والخارج.

الثانية: الاستغناء عن الوسط في الإثبات.(1)

الثالثة: الاستغناء عن الواسطة في الثبوت .(2)

واحدةٌ هي الأُولى(3) متعاكسةٌ ; أي كلّ ما هو جزء للكلّ فهو متقدّم عليه، وكلّ ما هو متقدّم على الكلّ فهو جزء له، فيكون خاصّة متساوية مطلقة.

وهاهنا إشكال قويٌّ قد تحيّروا في دفعه، وهو أنّه إن أُريد بالخاصّة الأُولى التّقدّم بحسب الوجودين جميعاً، وهو الظّاهر على ما صرّح به الإمام(4)، فالجزء الذّهني كالجنس لا يتقدّم بحسب الوجود الخارجيّ .

وإن أُريد أنّ الجزء الذّهني متقدّم في الوجود الذهنيّ، والخارجيّ في الخارجيّ، فالعلّة الفاعليّة مثلاً متقدّمة وليست بجزء.

واختلفوا في التفصّي عنه.

فذهب شارح المقاصد إلى أنّ ما يعرض له الجزئيّة متقدّم في الذّهن باعتبار كونه جنساً أو فصلاً، ومتقدّم في الخارج باعتبار كونه مادة.(5)


1 . بمعنى أنّ وجود الإنسان مثلاً في الذّهن لا يتوقّف على ملاحظة وسط أي وجود الحيوان النّاطق، بل يجب إثباته له بمجرّد تصور الإنسان.
2 . بمعنى أنّ حصول الجزء للمركّب، كالجدار للبيت مثلاً، لا يفتقر إلى سبب جديد، فإنّ جاعل الجدار هو جاعل البيت .
3 . وهي التقدّم بحسب الوجودين الذّهني والخارجي.
4 . راجع: المباحث المشرقيّة: 1 / 55 .
5 . لاحظ: شرح المقاصد: 1 / 421 .


صفحه 90

وتصرّف فيه المحقّق الدّواني فذهب إلى أنّ الجزء هو المأخوذ مادّة لا جنساً أو فصلاً، وهي متقدّمة في الوجودين، وإنّ المادّة العقليّة الصّرفة كما في البسائط ليست بجزء حقيقة، إذ لا تركيب هناك حقيقة.(1)

ولا يخفى ما فيهما.

وذهب المحقّق الشّريف إلى أنّ الخاصة الأُولى هي تقدّم الجزء(2) مع كونه محمولاً، فباعتبار الحمل لم توجد في الأجزاء الخارجيّة(3) والعلّة،(4) وباعتبار التّقدم لم توجد في اللّوازم البيّنة، فاختصّت(5) بالذّاتي على الإطلاق.(6)

فهو(7) يجعل هذه الخاصّة خاصّة للأجزاء المحمولة لا مطلقاً .

قال: وإنّما وقع الاشتباه في هذه الخاصّة، لأنّهم ـ في بيان الخاصّة المطلقة(8) للذّاتي ـ أشاروا إلى أنّ التقدّم مشترك بينه(9) وبين الأجزاء الخارجيّة .


1 . لاحظ: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 83 .
2 . أي الذّاتي لا الجزء مطلقاً.
3 . بل إنّما توجد في الأجزاء العقليّة كالجنس والفصل، لأنّ الأجزاء الخارجيّة كأجزاء زّيد مثلاً لا تحمل عليه .
4 . لأنّ العلّة لم تحمل على المعلول .
5 . أي الخاصّة.
6 . سواء كان جنساً أو فصلاً .
7 . أي المحقّق الشّريف .
8 . سواء كانت محمولة أم لا.
9 . أي الجزء الذّاتي .


صفحه 91

حيث قالوا: الخاصّة المطلقة للذّاتي هي التقدّم على الماهيّة في الوجودين(1)، وكذا في العدمين .

ولم يريدوا أنّ الذّاتي يتقدّم على الماهيّة في الوجود الخارجيّ، إذ لا تغاير في الوجود الخارجيّ بينهما.

بل أرادوا أنّ الجزء، إن كان ذهنيّاً، وهو الذّاتي، كان متقدّماً في الوجود الذّهنيّ. وإن كان جزءاً خارجيّاً، كان متقدّماً في الوجود الخارجيّ .

فقد تعرضوا لبيان تقدّم الجزء مطلقاً; معَ أنّهم بصدد بيان الخاصّة المطلقة للذّاتي.

ثمّ قال(2): ولنا أن نقول، إنّهم عدّوا كون الشّيء متقدّماً على المركّب مع كونه غير خارج عنه خاصّة مطلقة للجزء مطلقاً، ولا انتقاض بالعلّة الفاعليّة(3).(4)

هذا كلامه، ولا يخفى بُعده.

وذهب الشّارح القديم; إلى أنّ المراد بتقدّم الجزء على الكلّ، تقوّم الكلّ به، لا منه، فلا ينتقض بالعلّة الفاعليّة.

وردّ: بأنّه لا معنى لكونه جزءاً، إلاّ أن يتقوّم المركّب به، فلو كان معنى


1 . أي الذّهنيّ والخارجيّ.
2 . أي المحقّق الشريف .
3 . لأنّ العلّة الفاعليّة خارجة عنه .
4 . لم نعثر على مصدره.


صفحه 92

التقدّم ذلك (1)، لكان تقدمّ الجزء عين كونه جزء، مع أنه معلّل به .

وذهب الشّارح القوشجي; إلى أنّ المراد، أنّ الجزء متقدّم على الكلّ في الوجودين، إن كان بينهما مغايرة في الوجودين، فإن كانت المغايرة بحسب الوجودين معاً، كما في البيت، يتقدّم فيهما معاً، وإن كانت في الذّهن فقط، كما في المركّب العقليّ، يتقدّم فيه فقط، لكنّه بحيث لو كان له وجود خارجيّ مغاير لوجود الكلّ، لتقدّم عليه. هذا.(2)

ولا يخفى التكلف فيه .

وذهب سيّد المدققين (3); إلى أنّه لا منافاة بين الاتّحاد في الوجود الخارجي(4)، وبين التقدّم ;

فإنّه راجع إلى الأحقِّيَّة في الوجود، وهو لا ينافي اتّحاد المتقدّم والمتأخّر ذاتاً، لجواز أن يكون نسبة الوجود إليه من حيث إنّه جزء أحقّ من نسبته إليه(5) من حيث هو كلّ .

وقد يؤيّد ذلك بما تكرّر في كلام " الشّفاء "(6): من تقدّم الطّبيعة، من حيث هي، على الطّبيعة الشّخصيّة والكلّيّة تقدّم البسيط على المركّب.


1 . أي تقوّم الكلّ به .
2 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 83 .
3 . انظر: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصدر: 102 .
4 . كالإنسان بالنسبة إلى الجنس .
5 . أي من نّسبة الوجود إلى المركّب .
6 . لاحظ : إلهيّات الشّفاء: 1 / 201 / المقالة الخامسة / الفصل الأوّل .


صفحه 93

وذلك لابتنائه على ذلك، لكون الطّبيعة لا بشرط شيء متّحدة بالوجود مع الطّبيعة بشرط شيء. فليتدبّر.

فهذه جملة ما قالوا في هذا المقام.

وأقول: التّحقيق أنّ تقدّم جزء الماهيّة عليها تقدّم بالماهيّة، وهو الّذي قد مرّ (1) أنّه قسم «سادس (2) » أو «سابع » من أقسام السّبق، لا تقدّم بالوجود، فلا ينافي الاتّحاد معها بالوجود .

فأجزاء الماهيّة متقدّمة عليها بالماهيّة، سواء كانت الماهيّة موجودة في الذّهن، أو في الخارج .

فالتقدّم بالماهيّة في الوجودين، هي الخاصّة المطلقة لأجزاء الماهيّة; فإنّ كلّ جزء فهو متقدّم بالماهيّة على الكلّ في الوجودين، وكلّ متقدّم بالماهيّة على الكلّ في الوجودين فهو جزء له. فليتفطّن.

واثنتان(3)، هما الثّانية والثّالثة، أعمّ(4) من جزء الماهيّة، لأنّ كلّ ما هو


1 . في المسألة السّادسة والعشرين من الفصل الأوّل في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
2 . أي تقدّم بالذّات.
3 . قوله: «واثنتان أعمّ» من كلام المصنّف (رحمه الله) .
4 . أي يحصل للجزء خاصّتان أخريان تتفرّعان على الخاصّة الأُولى، فإنّ الجزء لمّا كان متقدّماً على الكلّ بحسب الوجود الذّهنيّ والخارجيّ، لزم من الأوّل أي من تقدّمه بحسب الوجود الذّهني استغناؤه عن الوسط في التّصديق بمعنى إن جزم العقل بثبوت الجزء للماهيّة لا يتوقّف على ملاحظة وسط واكتساب بالبرهان، بل يجب إثباته لها ويمتنع سلبه عنها بمجرّد تصوّرهما، ومن الثّاني أي من تقدّمه بحسب الوجود الخارجي الاستغناء عن الواسطة في الثبوت بمعنى أنّ حصول الجزء للمركّب كالجدار للبيت، واللّون للسّواد مثلاً لا يفتقر إلى سبب جديد. راجع: شرح تجريد العقائد: 83 و 84 .


صفحه 94

جزء للماهيّة، فهو مستغن عن الوسط في الإثبات، وعن الواسطة في الثّبوت. وليس كلّ ما هو مستغن عن الوسط بجزء للماهيّة، لصدقه على اللّوازم البيّنة. وكذا ليس كلّ ما هو مستغن عن الواسطة في ثبوته للماهيّة بجزء لها، لصدقه على لوازم الماهيّة مطلقاً، سواء كانت بيّنة، كالانقسام بمتساويين للأربعة، أو غير بيّنة، كتساوي زوايا المثلّث لقائمتين له .

فهاتان الخاصّتان إضافيّتان، وليستا بمطلقتين.


صفحه 95

الأمر الثّاني

في أنّه لابدّ أن يكون لأحد أجزاء الماهيّة حاجة إلى جزء آخر مغائر له

قال: ولابدّ من حاجة لبعض الأجزاء إلى بعض، ولا يمكن شمولُها باعتبار واحد.

أقول: ومنها(1): أنّه لابدّ في المركّب الحقيقيّ، وهو ما يكون له حقيقة واحدة، وحدةً حقيقيّةً، كـ «الإنسان والياقوت» لا وحدة اعتباريّة، كـ «العشرة(2) والعسكر»(3). ومعيار الوحدة الحقيقيّة أن يختصّ المتّصف بها بلوازم وآثار لا يكون عين مجموع آثار الأجزاء ولوازمها كياقوت واحد، لا كعشرة يواقيت من حاجة(4) لبعض الأجزاء إلى بعض، وإلاّ امتنع أن يحصل منها حقيقة واحدة وحدة حقيقيّة بالضّرورة، كما في الحجر الموضوع بجنب الإنسان .

ولا يمكن شمولها; أي شمول الحاجة للأجزاء،(5) بأن يكون كلّ جزء محتاجاً إلى الآخر باعتبار واحد، وإلاّ لزم الدّور .


1 . أي ومن أحكام أجزاء الماهيّة المركّبة، وما ذكره هو الحكم الثّاني.
2 . من الآحاد .
3 . من الأفراد.
4 . في أكثر النّسخ: «من حاجة مّا».
5 . باعتبار واحد، بل يجب أن يكون باعتبارين كما يحتاج الهيولى إلى الصّورة من جهة البقاء ويحتاج الصّورة إلى الهيولى من جهة التشخّص .


صفحه 96

الأمر الثّالث

في أنّ أجزاء الماهيّة قد تكون خارجيّة وقد تكون ذهنيّة

قال: وهي قد تتميّز في الخارج، وقد تتميّز في الذّهن .

أقول: ومنها(1): أنّ أجزاء الماهيّة: قد تكون خارجيّة، وقد تكون ذهنيّة.

كما أشار إليه بقوله: وهي قد تتميّز في الخارج، بأن يكون لكلّ واحد منها وجود على حدة غير وجود الآخر فيه .

فلا يمكن حمل بعضها على بعض ولا على الكلّ.

وهذه هي الأجزاء الخارجيّة كالمادّة والصّورة للجسم ، وكأجزاء البيت والسّرير(2).

وقد تتميّز في الذّهن، بأن يكون كون كلّ واحد منها موجوداً بوجود على حدة غير وجود الآخر مختصّاً بالذّهن، ولا يكون كذلك في الخارج، بل تكون جملة الأجزاء في الخارج موجودة بوجود واحد .


1 . أي من أحكام أجزاء الماهيّة المركّبة، وما ذكره هو الحكم الثالث .
2 . وكامتياز النّفس والبدن اللّذين هما جزء الإنسان.


صفحه 97

وهذه هي الأجزاء العقليّة المحمولة، كاللّون وقابض البصر للسّواد(1).

واعلم: أنّه ليس المراد من الجزء المحمول، أن يكون الجزء بما هو جزء محمولاً على جزء آخر أو على الكلّ; لأنّ الجزء بما هو جزء، موجود بوجود مغاير لوجود الجزء الآخر ولوجود الكلّ. وقد مرّ(2)، أنّ معنى الحمل هو الاتّحاد في الوجود.

بل المراد أنّ ما هو جزء، يمكن أن يؤخذ باعتبار ما يصير بذلك الاعتبار محمولاً، فما هو جزء باعتبار، وهو اعتباره بشرط لا، محمول باعتبار آخر، وهو اعتباره لا بشرط.

والمراد من لا بشرط، وبشرط لا في الأجزاء المحمولة، ليس بالقياس إلى أيّ شيء كان، بل بالقياس إلى ما يمكن أن ينضاف إليه، ويصير متّحد الوجود به.

فالحيوان بشرط لا بالقياس إلى شيء من الفصول، هو الجزء والمادّة العقليّة، ولا بشرط شيء منها(3) هو الجنس والمحمول على النّوع والفصل.

وكذا النّاطق بشرط لا بالقياس إلى الحيوان، هو الجزء والصوّرة العقليّة، ولا بشرط بالقياس إليه، هو الفصل والمحمول .

ومعنى كون التّركيب في العقل لا في الخارج، هو أنّ تميّز الأجزاء


1 . وكامتياز الجنس والفصل .
2 . في الجزء الأوّل، المسألة الحادية والثّلاثون من الفصل الأوّل .
3 . أي الفصول .


صفحه 98

بعضها عن بعض وعن الكلّ إنّما هو في العقل، لكون كلّ منها موجوداً فيه بوجود على حدة، لا في الخارج، لاتّحادها بالوجود فيه.

فمعنى كون السّواد مثلاً بسيطاً في الخارج، ومركّباً في العقل، هو أنّ جزئيه ـ أعني : اللّونيّة، وقابضية البصر ـ غير ممتازين في الوجود الخارجيّ، وممتازان في الوجود العقلي .

بمعنى أنّ العقل إذا نظر إلى ماهيّة السّواد، يجدها ملتئمة من جزئين، ومتقوّمةً منهما، مع قطع النّظر عن كونها موجودة أم لا.

فظهر أنّ هناك تركيباً حقيقيّاً من الأجزاء، إلاّ أنّ التّميز بين الأجزاء، ليس في الخارج، بل في العقل .

فما زعمه المحقّق الدّواني(1): من أنّه لا تركيب هناك حقيقة، مخالف للتحقيق.

وهذا منه عجيب مع ذهابه إلى أنّ تقرّر الماهيّة متقدّم على تقرّر الوجود كما مرّ سابقاً .

ثمّ إنّ المحقّق الشريف ذكر(2): أنّ في التّركيب العقليّ من الأجزاء المحمولة، إشكالاً تحيّرت فيه الأوهام، واختلفت آراء الأعلام.

فمنهم من قال: إنّه لا معنى للتّركيب من الأجزاء المحمولة، إلاّ أنّ هناك شيئاً واحداً كـ «الإنسان» قد حصل له معان كـ «الاستغناء عن الموضوع» و


1 . انظر: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 83 .
2 . لاحظ : شرح المواقف: 3 / الموقف الثاني / المرصد الثاني / المقصد العاشر.


صفحه 99

« الأبعاد» و «النّموّ» و «الحسّ» و «الحركة الإراديّة » و «النطق» مستتبعةً لمعان أُخر كـ «التحيزّ » و « الحركة في الأقطار » و « الإدراك » و «المشي » و «التّعجّب ».

فالمأخوذ من المتبوعات كـ «الجوهر» و «الجسم » و «النّاميّ» و « الحسّاس» و «المتحرك بالإرادة » و «النّاطق» هي الذّاتيّات .

والمأخوذ من التّوابع كـ «المتحيزّ » و «المتحرك في الأقطار » و «الماشي» و «المتعجّب» هي العرضيّات .

وزعم أنّه يسهل بهذا التّحقيق امتياز الذّاتيّات من العرضيّات الّذي هو معظم أركان الحكمة.

وفيه بحث: لأنّ تلك المعاني المستتبِعة، إن كانت داخلة في ذلك الشّيء كان مركّباً من أجزاء متمايزة في الوجود، فلا يكون شيء منها(1) محمولاً مواطاة، ولا المشتقّ منها ذاتيّاً; لأنّ المشتق من جزء خارجيّ يشتمل على نسبة خارجة عن المركّب; والمشتمل على ما هو خارج عن الشّيء، لا يكون ذاتيّاً له.

وإن كانت(2) خارجة عنه، فكذلك (3) بالطريق الأُولى .

وهاهنا أقوال أُخر والضّبط في تقريرها وتحريرها أن يقال: إنّ الإنسان


1 . الأجزاء.
2 . الأجزاء.
3 . أي كان مركّباً من أجزاء متمايزة في الوجود الخ .


صفحه 100

مثلاً، يصدق عليه مفهومات كـ «الجوهر» و «الجسم » و «الحيوان» و «الماشي» و «الكاتب » و « الضّاحك» إلى غير ذلك.

وليست نسبة هذه المفهومات إليه على السّويّة، بل منها ما هي خارجة عنه كـ «الماشي» وأخواته، ومنها(1) ما ليس كذلك كـ «الجوهر» وأخواته .

وهذه المفهومات الّتي ليست بخارجة عنه، لاشك أنّها أُمور متغايرة في الذّهن بحسب أنفسها، ووجوداتها .

فهذه الصّور المتغايرة في الذّهن: إمّا أن تكون صوراً لشّيء واحد في حدّ ذاته،(2) أو (3) لأشياء متعدّدة(4) الماهيّة.

وعلى التقدير الثّاني: إمّا أنّ توجد تلك الماهيّات المتعدّدة بوجودات مختلفة، أو بوجود واحد.

فهذه احتمالات ثلاثة، لا مزيد عليها .

قد ذهب إلى كلّ منها طائفة.

الاحتمال الأوّل: أن تكون تلك الصّور لشيء واحد لا تعدّد في حدّ ذاته ووجوده، بل هو أمرٌ بسيط ذاتاً ووجوداً، ينتزع العقل منه باعتبارات شتّى، هذه الصّور المخالفة .

وهذا هو القول، بأنّ الأجزاء المحمولة عين المركّب في الخارج ماهيّة


1 . أي المفهومات .
2 . بسيط لا تعدد فيه .
3 . تكون صوراً .
4 . المتغايرة.


صفحه 101

ووجوداً، وأنّ جَعلها (1) بعينه، جعله(2) فيه .

الاحتمال الثّاني: أن تكون تلك الصّور لأُمور مختلفة الماهيّة إلاّ أنّها موجودة في الخارج بوجود واحد.

وهذا هوالقول بأنّ الأجزاء المحمولة تغاير المركّب ماهيّةً لا وجوداً.

الاحتمال الثّالث: أن تكون تلك الماهيّات المختلفة موجودة بوجودات متعدّدة.

فهذا هو القول بأنّ الأجزاء المحمولة تغاير المركّب ماهيّـةًووجوداً.

والإشكال وارد على كلّ واحد من هذه الأقوال:

أمّا على الأخير: فلامتناع الحمل بين الموجودات المتغايرة، وإن فرض بينها أيّ ارتباط أمكن(3).

وأمّا على الثّاني: فلأنّ هذا الوجود، إن قام بكلّ واحد من تلك الماهيّات، لزم حلول شيء واحد بعينه في محالّ متعدّدة. وإن قام بمجموعها(4)، لزم وجود الكلّ، بدون وجود أجزائه. وكلاهما محال.

وأمّا القول الأوّل: ففيه، أنّ الصّور العقليّة المتخالفة كيف يجوز أن


1 . أي الأجزاء.
2 . أي المركّب، ولا امتياز بينهما إلاّ في الذّهن.
3 . من قيام أو اتّصال وغيرهما.
4 . من حيث هو .


صفحه 102

تكون مطابقة لأمر بسيط في الخارج؟ إذ مطابقة إحداهما له يمنع من مطابقة الأُخرى .

وجوابه: أنّ مجموع الصّورتين مطابق للبسيط، لا كلّ منهما، واستحالة مطابقة صورتين متغايرتين لشيء واحد، إنّما هي في الصّورة المحسوسة كـ «المنقوشة على الجدار » أو «الموجودة في الخيال». وأمّا الصّورة الّتي ينتزعها العقل من الجزئيّات بحسب استعدادات وشروط يتحصّل بكثرة مشاهدة النّفس للجزئيّات و(1) قلّتها، وتنبيهاً لمشاركات ومباينات بينها، فلا استحالة فيها.

وهذا هو القول المتصوّر، وعليه المحقّقون. إلى هنا محصّل كلامه الشّريف.(2)

وأنت خبير: بأنّ هذا القول الأخير(3) راجع إلى نفي التّركيب حقيقة، كما ذهب إليه المحقّق الدّواني .(4) ولا يخفى التعسّف فيه، وبعيد أن يكون مختار المحقّقين.

وأمّا ما اخترناه: فهو القول الثاني من هذه الأقوال .

ولا يرد عليه، ما أورده المحقّق الشريف، إذ الوجود لا قيام له بالماهيّة،


1 . أ و ج: «أو».
2 . لاحظ: شرح المواقف: 3 / 69 ـ 72 وما بعدها.
3 . أي الّذي ذكره أخيراً على وجه الانتصار وإن كان مذكوراً أوّلاً على وجه الضّبط في الكتاب .
4 . في حاشيته على هامش شرح تجريد العقائد كما مرّ سابقاً.


صفحه 103

إذ القيام هو وجود شيء في شيء، ولا وجود للوجود، بل الوجود ; هو كون الماهيّة، لا أمر قائم بها .

وليس أيضاً تخصّص الوجود بمجرّد الإضافة إلى الماهيّة، ليلزم كون وجود هذا غير وجود ذلك بلا ريبة، كما مرّ جميع ذلك.

فلا استبعاد في أن يكون كون واحد كوناً لأُمور متكثّرة متّحدة بهذا الكون الواحد .

ولا يلزم أيضاً وجود الكلّ بدون وجود الجزء، إذ وجود الكلّ بعينه هو وجود الجزء.

ثمّ العجب إنّ المحقّق الدّواني(1) ـ مع كونه منادياً بنفي التّركيب حقيقة في غير موضع ـ اختار هاهنا القول الثّاني، حيث قال:

فإن قلت: ما الّذي تختاره من هذه الاحتمالات؟

قلت: الأجزاء الحقيقيّة ـ أعني : المادّة والصّورة ـ موجودتان بوجودين متغايرين، ولا يحملان على المركّب، والجنس والفصل موجودان بوجود واحد، هو وجود الكلّ.

ثمّ إنّه تفصّى عمّا أورد على هذا القول، من لزوم وجود الكلّ بدون الجزء، وقيام العرض الواحد بأُمور متعدّدة، بأنّ طبيعة الجنس المأخوذ بشرط الفصل، لا تُغاير الفصلَ أصلاً، لا في الذّهن، ولا في الخارج .


1 . لم نعثر على كلامه في حاشيتهِ المطبوعة على هامش شرح تجريد العقائد .


صفحه 104

فإنّ الحيوان لا بشرط شيء، إذا انضمّ إليه ما ينضمّ إليه(1)، فإنّما ينضمّ إليه من حيث إنّه يُعيّنه ويُحصّله، لا من حيث إنّه أمرٌ آخر يحصل منهما أمرٌ ثالث، كما صرّح به الشّيخ في " الشّفاء " .(2)

فالوجود، إنّما يعرضهما من حيث الوحدة، لا من حيث هما اثنان. هذا.

ثمّ إنّ الظّاهر أنّ القول الّذي ذكره المحقّق الشّريف أوّلاً(3)، ليس بواحد من هذه الأقوال الثّلاثة، لأنّه حيث اعتبر فيه حصول تلك المعاني المستتبعة في الخارج(4) ـ كما هو المتبادر(5)، ويدلّ عليه ما أبطل به الشّق الأوّل من التّرديد(6) في البحث عليه، من لزوم كونه مركّباً من أجزاء متمايزة في الوجود ـ فلا يمكن أن يكون بواحد من القولين الأوّلين .(7)

وحيث قال: «لا معنى للتّركيب فيه، إلاّ ذلك ». فلا يمكن كون تلك المعاني داخلة في ذلك(8) الشّيء، فلا يكون هو القول الثّالث(9)، فأيّ مركّب أشدّ تركيباً من المركّب من الأجزاء الخارجيّة.


1 . في أ: جملة «ما ينضمّ إليه» ساقطة.
2 . لاحظ: إلهيات الشفاء: 1 / 204 / المقالة الخامسة / الفصل الأوّل. نقل بالمعنى .
3 . أي بقوله: «فمنهم من قال: إنّه لا معنى للتّركيب من الأجزاء الخ» .
4 . أي خارج ماهيّة الشيء.
5 . أي من قوله: «قد حصل له معان الخ».
6 . بقوله: «وفيه بحث، لأنّ تلك المعاني المستتبعة الخ».
7 . لأنّ الأجزاء فيها ليس متمايزة في الخارج .
8 . أي في وجوده.
9 . أي لأنّه لو كان هذا القول الثالث، لم يحتج إلى التأويل لأنّ أيّ مركّب الخ.


صفحه 105

بل الظّاهر أنّه أراد(1) أنّ تلك المعاني خارجة عنه(2)، إلاّ أنّها لمّا كانت متبوعة ومتقدمة على سائر المعاني، سمّوها بالذّاتيّات مجازاً .

وحينئذ فلا وجه في ردّه للتّعرّض للشقّ الأوّل،(3) بل ينبغي حمله على ما جعله الشقّ الثّاني، (4) ثمّ إبطاله بما أبطله (5) .

فهذا القول(6) على ما ردّده (قدس سره)في ردّه :

إمّا داخل في هذه الأقوال الثّلاثة، وذلك بناء على الشّق الأوّل .

وإمّا خارج عنه(7)، لكنّه غير معتبر جدّاً في الأقوال، وذلك بناء على الشّق الثّاني، فلذلك حصر الأقوال في الثّلاثة. فتدبّر.

ثمّ إنّ الشّارح القوشجي استفاد ممّا ذكر في إبطال هذا القول، وهو قوله 1: «المشتقّ من جزء خارجيّ مشتمل على نسبة خارجة، والمشتمل على ما هو خارج عن الشّيء لا يكون ذاتيّاً له»(8) أنّ الأجزاء المحمولة لا تكون مفهومات المشتّقات،(9)ولقد أصاب في ذلك .


1 . أي المحقّق الشّريف .
2 . أي تكون ذاتيّاً له .
3 . وهو قوله: «لأنّ تلك المعاني المستتبعة الخ».
4 . وهو قوله: «وإن كانت خارجة عنه فكذلك بالطريق الأُولى» .
5 . أي قوله: «كان مركّباً من أجزاء متمايزة في الوجود الخ».
6 . أي القول الّذي ذكر المحقّق الشريف أوّلاً.
7 . أي عمّا ذكر من الأقوال الثلاثة.
8 . وإلاّ لزم أن يدخل في الماهيّة ما هو خارج عنها وإن كانت خارجة عنه لم يكن شيء منها ذاتيّاً له .
9 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 85 .


صفحه 106

وما ذهب إليه المحقّق الدّواني ـ من أنّ مفهوم المشتقّ، كـ «الأبيض » لا يشتمل على النّسبة، بل هو معنى بسيط يعبّر عنه بالفارسيّة «بسفيد»، ولا يدخل في مفهومه الموصوف، لا عامّاً(1) ولا خاصّاً، (2) وإنّه ليس بين الأبيض والبياض مغايرة، إلاّ بالاعتبار ; فإذا أخذ بشرط لا كان بياضاً، وإذا أخذ لا بشرط كان أبيض، كما أنّ طبيعة الجنس، جنسٌ ومادّة، باعتبارين .(3)وقال(4): وهذا تحقيق الفرق بين العرض والعرضيّ، لا ما يتخيّل من أنّ الفرق بينهما بالذّات ـ تكلّفٌ ظاهرٌ، ومخالفٌ لما صرّح به الشيخ، وإن كان هو لا يبالي بذلك.(5)

وسيّد المدقّقين أيضاً يوافقه:(6) في أنّ المراد من المشتقّ، معنى بسيط لا يدخل فيه الذّات والنّسبة. بالفعل .

ولكن يخالفه في أنّه لا يجعله مفهوم المشتقّ، بل هو عنده معنى آخر يعبّر عنه بمفهوم المشتقّ، فيدخل الذّات والنّسبة في التّعبير، لا في المعبر عنه. هذا.


1 . وإلاّ لزم أن يكون العرض العامّ داخلاً في الفعل .
2 . وإلاّ لزم صيرورة القضيّة الممكنة، قضيّة ضروريّة في مثل قولنا: كلّ إنسان ضاحك بالإمكان.
3 . أي لا بشرط: وبشرط لا.
4 . أي قال المحقّق الدّواني.
5 . انظر: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 85. نُقل بالتلخيص.
6 . أي المحقّق الدّواني .


صفحه 107

الأمر الرّابع

في بيان النّسبة بين أجزاء الماهيّة المركّبة

قال: وإذا اعتُبر عروض العموم ومُضائقهُ، فقد تتباين وقد تتداخل.

أقول: ومنها(1): أنّه إذا اعتُبر عروضُ العموم وعروض مُضائفه، يعني الخصوص، لأجزاء الماهيّة، وعدم عروضهما لها .

فقد تتباين; أي لا يصدق بعضها على بعض .

وقد تتداخل(2); أي يتصادق.

فالمراد بالمتداخلة ما يكون بينهما تصادق في الجملة ،فيشتمل المتساوية ، والأعمّ والأخصّ مطلقا ، ومن وجه أيضاً ، (3) كما


1 . أي من أحكام أجزاء الماهيّة المركّبة، فهو الحكم الرّابع.
2 . يعني أنّ أجزاء الماهيّة الواحدة: إمّا متباينة، أو متداخلة. والتداخل: إمّا أن يكون بالعموم المطلق، أو بالعموم من وجه، أو بالتساوي، فالنسبة بين أجزاء الماهيّة الواحدة أحدى النّسب الأربعة.
3 . يعني التّصادق بينهما: إمّا على الوجه الكلّيّ من الجانبين، بأن يصدق كلّ من الجزأين على كلّ ما يصدق عليه الآخر، فيكونان متساويين، كالمركّب من المغتذي والنّامي.
أو من جانب واحد، بأن يصدق أحدهما على كلّ ما يصدق عليه الآخر، من غير عكس، فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق، كالمركّب من الحيوان والنّاطق. وإمّا لا على الوجه الكلّيّ، بأن يصدق كلّ منهما على بعض ما يصدق عليه الآخر، فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه، كالمركّب من الحيوان والأبيض .


صفحه 108

صرّح به شارح المقاصد .(1)

هذا بحسب الاحتمال .

وأمّا بحسب ما يطابق الوجود، فأجزاء الماهيّة الحقيقيّة، إذا كانت متداخلة، لا يكون إلاّ أعمّ، أو أخصّ :

إمّا مطلقاً كـ «الحيوان، والصّاهل للفرس ».

أو من وجه كـ «الحيوان والنّاطق للإنسان »، لتحقّق النّطق في بعض الملائكة على ما هو المشهور. وعند الشّيخ: أنّه مهم(2) بمعنى آخر .

أمّا تركّب الماهيّة الحقيقيّة من الأجزاء المتساوية فغير متحقّق، وسيأتي إبطاله أيضاً، ومثاله من الماهيّة الاعتباريّة المركّب من النّامي والمغتذي، وكذا من الحسّاس والمتحرك بالإرادة.

فهذا حال الأجزاء المتداخلة .

وأمّا المتباينة: فإمّا متماثلة، كما في العشرة من الآحاد .

وإمّا متخالفة محسوسة، كما في البلقة(3) من السّواد والبياض; أو معقولة، كما في الجسم من الهيولى والصّورة، وكما في العدالة المركّبة من العفّة والحكمة والشّجاعة; أو مختلفة، كما في الإنسان، من البدن المحسوس، والنّفس المعقول.


1 . لاحظ: شرح المقاصد: 1 / 425 و 426 .
2 . أ، ب وج: «فيهم».
3 . البلقة: ما كان في لونه سواء وبياض، وفي ب: «البقلة».


صفحه 109

وقد يقسّم المتباينة: إلى ما يكون للشيء مع ما عرض له من الإضافة إلى الفاعل كـ «العطاء»(1)، فإنّه فائدة مقرونة بالفاعل، أو إلى القابل، كـ «الفطوسة لتقعير في الأنف » أو إلى الصّورة، كـ «الأفطس لأنف فيه تقعير» أو إلى الغاية كـ «الخاتم» فإنّه اسم لحلقة مقرونة لما هو غاية لها، وهو التزيّن بها.

وإلى ما يكون للشيء مع إضافة له إلى المعلول كـ «الخالق » و «الرّازق».

وإلى مايكون للشيء مع الإضافة إلى ما هو غير شيء من علله أو معلوله.

وباعتبار آخر، الأجزاء: إمّا وجوديّة كـ «النّفس والبدن».

أو عدميّه كـ «سلب ضرورة الوجود والعدم » للإمكان.

أو مختلفة من الوجوديّ والعدميّ كـ «السابقيّة وعدم المسبوقيّة» للأوّليّة.

وأيضاً: إمّا حقيقيّة، كما في العشرة من الآحاد.

أو إضافيّة، كما في الأقرب والأبعد، فإنّهما مركّبان من إضافة عارضة لإضافة أُخرى.(2)

أو ممتزجة منهما، كما في السّرير، فإنّه مركّب من الخشب، ومن التّرتيب النّسبي.


1 . فإنّه اسم لفائدة اعتبرت إضافتها إلى الفاعل .
2 . لأنّ الأقرب مشتمل على الإضافتين، أحدهما باعتبار مادته، وثانيهما باعتبار صورته، والثانية عارضة للأولى، وكذا الحال في الأبعد.


صفحه 110

الأمر الخامس

في أنّ أجزاء الماهيّة قد تؤخذ موادّ وقد تؤخذ المحمولة

قال: وقد تؤخذ موادّ، وقد تؤخذ محمولة، فتعرض لها الجنسيّة، وجَعْلاهما واحدة.

والجنس كالمادّة، وهو معلولٌ، والفصل كالصوّرة وهو علّة للجنس.

أقول: ومنها(1): أنّه قد تؤخذ; أي الأجزاء المتداخلة.(2)

ولعلّه(3) لهذا(4) أخّرها عن المتباينة، مع كون الأنسب هو العكس، كذا ذكره الشّارح القوشجي(5) .

موادَّ، يعني يعتبر بشرط لا، فيسمّى موادّاً إن كانت مأخوذة من الأجناس، وصوراً إن كانت مأخوذة من الفصول .


1 . أي من أحكام أجزاء الماهيّة المركّبة. فهو الحكم الخامس.
2 . لا الأجزاء مطلقاً.
3 . أي المصنّف (رحمه الله) .
4 . أي لارجاع الضمير إلى الأجزاء المتداخلة أخّر قوله: «وقد تتداخل» عن قوله: «فقد تتباين» ليكون الرّاجع قريباً من المرجع وإنّما لم يجز إرجاعه إلى الأجزاء المتباينة لاختصاص أخذها موادّاً ومحمولةً بالأجزاء المتداخلة فقط.
5 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 86 .


صفحه 111

فذكر الموادّ فقط سلوك طريقة الاكتفاء، كذا ذكره المحقّق الدّواني .(1)

وقد تؤخذ محمولةً، وذلك إذا اعتبرت لا بشرط شيء، وقد عرفت ذلك غير مرّة .

فتعرض لها ; أي للأجزاء المحمولة الجنسيّة والفصليّة منحصرة فيهما; لأنّ الجزء المحمول: إمّا أن يكون مشتركاً بين الماهيّة وما يخالفها من الماهيّات، أو لا، بل يكون مختصّاً بها .

وعلى الأوّل: فإمّا أن يكون تمام المشترك بينهما وهو المراد من الجنس، أو يكون بعض المشترك بينهما، وهو يميّز الماهيّة في الجملة(2) كالثاني مطلقاً .(3)

و هذا ـ أعني: الذّاتي المميّز مطلقاً(4) ـ هو المراد من الفصل.

وبيان ذلك مشهور في كتب المنطق.

وفي هذا الكلام إشارة إلى اتّحاد الأجزاء المأخوذة موادّاً وصوراً، والمأخوذة جنساً وفصلاً بالذّات، وكون تغايرها بالاعتبار فقط، على ما هو المشهور من أنّ الأجزاء العقليّة إنّما تؤخذ من الأجزاء الخارجيّة فيما هو


1 . قال المحقّق الدّواني: «قوله: وقد تؤخذ موادّ. أقول: علمت انّ الفصل باعتبار التّحصيل صورة وسيشير المصنّف وقد سلك هاهنا طريق الاكتفاء. لاحظ: حاشيته على هامش شرح تجريد العقائد: 86 .
2 . أي عن بعض ما عداها.
3 . أي عن جميع ما عداها.
4 . أعمّ من أن يكون مميّزاً عن البعض أو عن الجميع .


صفحه 112

مركّب خارجيّ ; فالجنس مأخوذ من المادّة، والفصل مأخوذ من الصّورة، وسيأتي عن قريب كلام متعلّق بهذا .

وجَعْلاهما; أي الجنس والفصل، واحد(1)، لاتّحادهما في الوجود، وإلاّ امتنع الحمل، وكون المجعول هو الماهيّة(2)باعتبار الوجود كما مرّ .

والجنس(3) كالمادّة في أنّ المركّب حاصل معهما بالقوّة، وهو معلولٌ للفصل .

والفصل كالصّورة(4) في أنّ المركّب حاصل معهما بالفعل، وهو علّة للجنس.

وهذا إشارة إلى الحاجة الّتي يجب تحقّقها بينهما لصحّة تركيب ماهيّة واحدة وحدةُ حقيقيّة منهما.

وبيان ذلك على ما حقّقه المحقّق الشّريف(5) وغيره: أنّ الطبيعة الجنسيّة كـ «الحيوان» مثلاً إذا حصلت في العقل كانت أمراً مبهماً متردّداً بين أشياء متكثّرة، هو عين كلّ واحد منها بحسب الخارج، وكانت غيرمنطبقة على تمام حقيقة واحدة منها .


1 . إذ لو كان لكلّ منهما وجود مغاير لوجود الآخر لم يكن أحدهما محمولاً على الآخر، ولا على الماهيّة المركّبة منهما عملاً بالمواطاة. راجع: شرح تجريد العقائد: 86 .
2 . فالماهيّة مجعولة بالعرض.
3 . في متن كشف المراد: «والجنس هاهنا».
4 . في متن كشف المراد: «والآخر صورة».
5 . لاحظ: شرح المواقف: 3 / 62 ـ 65 .


صفحه 113

فإذا انضمّ إليه الفصل تعيّنت، وزال عنها الإبهام والتردّد، وانطبقت على تمام حقيقة واحدة من تلك الأشياء .

فالفصل علّة لصفات الجنس في الذهن، وهي التعيّن، وزوال الإبهام، والتّحصّل ـ أعني : الانطباق على تمام الماهيّة ـ فيكون الفصل علّة للجنس، من حيث هو موصوف بتلك الصّفات .

وعليّته له بهذا المعنى بديهيّة بعد تعقّل الطبيعة الجنسيّة والفصليّة على ما ينبغي.

وتوهّم كون الفصل علّة لوجود الجنس في الذّهن، باطلٌ .

وإلاّ لم يعقل الجنس إلاّ مع الفصل.

وكذا توهّم، كونه علّة لوجوده في الخارج، وإلاّ لتغايرا في الجعل والوجود، وامتنع الحمل بالمواطاة .(1)


1 . كالحيوان النّاطق.


صفحه 114

بحث في الجنس والفصل (1)

قال: وما لا جنس له لا فصل له وكلُّ فصل تامٍّ، فهو واحدٌ .

ولا يمكن وجود جنسين في مرتبة واحدة لماهيّة واحدة.

فلاتركيبَ عقليٌّ إلاّ منهما معاً ويجب تناهيهما.

وقد يكون منهما عقليّ، وطبيعيّ، ومنطقيّ كنجنسَيْهما، ومنهما عوال وسوافلُ ومتوسطاتٌ.

وفصل كلّ جنس يكون في مرتبته.

ومن الجنس ما هو مفرد وهو الّذي لا جنس فوقه ولا تحته.

وهما إضافيّان وقد يجتمعان مع التّقابل.

ولا يمكن أخذُ الجنس بالنّسبة إلى الفصل، وإذا نُسِبا إلى ما يضافان إليه كان الجنس أعمّ والفصل مساوياً.

أقول: بناء على أنّ المراد بالفصل وهو أحد الخمسة(2); هو الذّاتيّ الّذي يحصّل الشّيء ويميّزه عمّا يشاركه في جنسه، صرّح بذلك الشّيخ في " الشّفاء" كما سيأتي .(3)


1 . راجع في تحقيق المقام باب الكلّيات الخمس في الكتب المنطقية.
2 . وهي النّوع، والجنس، والفصل، والخاصّة والعرض العامّة.
3 . في المبحث الثالث من هذه المسألة.


صفحه 115

فلا شيء من الأمرين المتساويين(1) اللّذين يفرض تركيب ماهيّة منهما بفصل لها بهذا المعنى.

فإن قلت: أحد الأمرين لازم، وهو اختلال حصر الأجزاء المحمولة في الجنس والفصل كما مرّ.(2) أو تجويز تحقّق الفصل فيما لا جنس له.

وذلك لأنّ المراد من الفصل، لو كان ما ذكرته، كان الحصر ممنوعاً، ولو كان أعمّ منه، كان التّجويز لازماً.

قلت: إذا عرفت وجوب الحاجة، وتحقَّقت انّها غير معقولة في الأجزاء العقليّة، إلاّ بالوجه المذكور، اضمحلّ عندك المنع المذكور، وصحّ الحكمان بلا شبهة.

وكلّ فصل تامٍّ; أي فيما هو معتبر في الفصل، وهو التّحصيل والتّميّز كما أشرنا إليه، وهو الفصل القريب لا محالة، لكون البعيد غير واف بتمام التّحصيل والتّميّز كما لا يخفى .(3)

فهو واحدٌ; أي لا يمكن تحقّق فصلين قريبين لماهيّة واحدة.


1 . كالتركيب من النّامي والمتغذّي، ومن الحساس والمتحرك بالإرادة.
2 . في قوله: «فتعرض لها أي للأجزاء المحمولة الجنسيّة والفصليّة منحصرة فيهما الخ».
3 . يعني أنّ الفصل البعيد وإن ميّز الماهيّة الّتي هو بالنّسبة إليها فصل بعيد عن بعض مشاركاتها، لكن لا يميّزها عن تمام مشاركتها، بخلاف الفصل القريب، فإنّ الحساس مثلاً يميّز الإنسان عن مشاركاته في الجسم النّامي لا الحيوان، بخلاف «النّاطق» فإنّه يميّز «الإنسان» عن جميع مشاركاته ويُحصّله نوعاً .


صفحه 116

وذلك لأنّ التّحصّيل والتّميّز قد تمّا بأحدهما، فمن الآخر غني لا محالة.

نعم، ربّما لا يكون ماهيّة الفصل الحقيقيّ معلومة إلاّ باعتبار عوارضها، فيدلّ عليه بأقرب عوارضها، ويوضع مكانه، ويطلق عليه الفصل تسامحاً(1)، كـ «الناطق »، فإنّه وضع مكان الفصل الحقيقيّ للإنسان، لأنّه أقرب إليه من باقي عوارضه كـ «المتعجّب» و «الضاحك».

فإذا اشتبه الحال في تقدّم أحد العارضين على الآخر يوضعان معاً مكانه(2) كـ «الحسّاس» و «المتحرّك بالإرادة» بالقياس إلى الفصل الحقيقيّ للحيوان، إذ التّحقيق عدم ظهور تقدّم أحدهما على الآخر (3).(4)

ولا يمكن وجود جنسين في مرتبة واحدة لماهيّة واحدة.(5)

ومعنى كونهما في مرتبة واحدة، أن لا يكون أحدهما جنساً للآخر،


1 . اطلاقاً لاسم المعروض على العارض .
2 . لئلاّ يلزم التّرجيح بلا مرجّح .
3 . لأنّ الحساس والمتحرّك بالإرادة قوّة الحسّ وقوّة الحركة الإراديّة لا فعليّتها، فلذلك لا تقدّم أحدهما على الآخر وإن كانت فعليّة الحركة الإراديّة متأخّرة عن فعليّة الحسّاس .
4 . فيكون كلّ منهما عرضيّاً للآخر.
5 . أي أنّ الجنس للماهيّة قد يكون واحداً كالجسم الّذي له جنس واحد وهو الجوهر، وقد يكون كثيراً كالحيوان الّذي له أجناس كثيرة، لكن هذه الكثرة لا يمكن أن تكون في مرتبة واحدة بل يجب أن تكون مترتبة في العموم والخصوص، فلا يمكن وجود جنسين في مرتبة واحدة لنوع واحد لأنّ فصلهما إن كان واحداً كان جعل الجنسين جعلاً واحداً وهو محال، وإن كان مغاير، لم يكن النوع الواحد نوعاً واحداً، بل نوعين هذا خلف. لاحظ: كشف المراد: المسألة الرابعة من الفصل الثاني.


صفحه 117

فيكون بينهما: إمّا عموم من وجه(1)، وهو ظاهر .

أو مطلق(2) ويكون الأعمّ(3) عرضيّاً للنّوع الّذي يكون الأخصّ جنساً للماهيّة بالقياس إليه، وإلاّ (4) لم يكن الأخصّ تمام الذّاتي المشترك،(5) فلم يكن جنساً .

أو مساواة، ويكون كلّ منهما عرضيّاً لما الآخر ذاتيّ له من الأنواع الّتي بازاء الماهيّة، وإلاّ لم يكونا أو أحدهما تمام الذّاتيّ المشترك.

وبيان امتناع ذلك أنّه لو كان لماهيّة واحدة جنسان في مرتبة واحدة، لكان لكلّ واحد منهما فصلٌ محصِّلٌ، فيتحصّل به كلّ منهما نوعاً على حدّة، وذلك ضروريّ بعد تصوّرات الأطراف على وجهها، فيلزم أن يكونا ماهيّتين لا ماهيّة واحدة.

ولعلّ للتصريح بمأخذ ذلك الامتناع وللإشارة إلى ظهوره، قيّده(6) بقوله «لماهيّة واحدة» مع ظهور كون المراد ذلك .

فلا تركيب عقليّ إلاّ منهما معاً(7) ; أي لابدّ في كلّ مركّب من الأجزاء العقليّة من تحقّق الجنس والفصل معاً.


1 . كالحيوان والأبيض .
2 . كالحيوان والإنسان .
3 . في المطلق .
4 . أي إن لم يكن الأخصّ جنساً بالنسبة إلى ذلك النّوع، كالحسّاس والنّاميّ .
5 . بين الاشخاص .
6 . المصنّف (رحمه الله) .
7 . في كتاب تجريد العقائد، ومتن كشف المراد لفظ «معاً» ساقط .


صفحه 118

ولا يجوز أن يكون أجزاؤه منحصرة في إحدى القبيلتين.(1)

وذلك لأنّه لمّا ثبت أن ما لا جنس له لا فصل له، ثبت امتناع انحصار الأجزاء في الفصول .

ولمّا ثبت أنّه لا وجود لجنسين إلاّ ويكون أحدهما جزءاً للآخر ثبت امتناع الانحصار في الأجناس;(2) وذلك لأنّه لابدّ في المركّب من تحقّق أمرين، لا يكون أحدهما جزء للآخر بالضّرورة .

ويجب تناهيهما.(3)

عُلِّلَ ذلك بلزوم التّسلسل ; لكون الفصول عللاً(4) والأجناس معلولات.(5)

وأورد عليه: بأنّه لا ترتّب هناك لا بين الأجناس فقط، ولا بين الفصول فقط، حيث لا عليّة بين آحاد كلّ واحد من القبيلتين، ولا ترتّب أيضاً بين الأجناس والفصول; إذ معنى التّرتيب الّذي دلّ البرهان على استحالته، أن


1 . من الجنس والفصل .
2 . وإلاّ يلزم تركيب الشّيء مع جزئه وهو باطل.
3 . يعني الجنس والفصل قد يترتبان في العموم والخصوص كالحيوانيّة والجسميّة، وقد لا يترتبان، والمترتبة يجب تناهيها في الطرفين .
4 . قال صاحب المحاكمات: ترتّب العلل بينهما غير لازم وإنّما يلزم لو كانت الفصول والحصص مترتبة وليس كذلك، بل كلّ فصل علّة لحصّة وليس تلك الحصّة علّة فصل آخر. لاحظ: شرح الإشارات والتّنبيهات: 1 / 81 .
5 . لو لا تناهي الأجناس لم تتناه الفصول الّتي هي العلل. قال العلاّمة الحلّي : إنّما وجب انتهاء الأجناس في التصاعد لأنّه لولا ذلك لزم تركّب الماهيّة من أجزاء غير متناهية ويلزم وجود علل ومعلولات لا يتناهى، وهو محال. لاحظ: الجوهر النضيد: 19 / الفصل الأوّل / المدخل .


صفحه 119

يكون كلّ واحد من السّلسلة معلولاً لسابقه، وعلّة للاحقه، وليس الأمر هاهنا كذلك، إذ ليس شيء من الأجناس بعلّة، ولا شيء من الفصول بمعلول .

فقيل: يمكن أن يراد بالتّسلسل هاهنا ترتّب الأجناس بعضها مع بعض بناء على أنّ البعيد(1) يجب كونه جزءاً للقريب، والجزء علّة، فيترتّب من الأجناس سلسلة من العلل والمعلولات.

ولعدم جريان ذلك (2) في الفصول ; إذ ليس الفصل العالي(3) جزءاً للفصل السّافل، يتمسّك فيها بوجوب كون الفصل التامّ في كلّ مرتبة من مراتب الأجناس واحد، فحيث كانت الأجناس متناهية كانت الفصول متناهيّة.(4)

فأورد على الوجهين: أنّه إنّما يتمّ شيء منهما لو كانت الأجزاء المحمولة متغايرة بحسب الوجود، وإلاّ فلا عليّة، ولا تقدّم بحسب الخارج.(5)

فالوجه في تعليل هذا الحكم(6) التمسّك بلزوم امتناع تعقّل كنه


1 . كالنّامي، فإنّه جزء للحيوان .
2 . أي التّسلسل .
3 . كالحساس، فإنّه ليس جزء للنّامي بل جزء للحيوان.
4 . وإلاّ لزم أن يكون للجنس الأخير الّذي ينتهي إليه سلسلة الأجناس فصول غير متناهية، كلّ واحد منها تامّ واللاّزم باطل لما عرفت من وجوب كون الفصل التامّ في كلّ مرتبة فيه مراتب الأجناس واحداً.
5 . لا يخفى عليك انّ بين الأجناس المترتبة وإن لم يكن تقدّم وعلّة بحسب الوجود ولكن بينها تقدّم وعلّة بحسب القوام وهذا المقدار كاف في إجراء براهين التّسلسل لا سيّما التّطبيق والتّضايف.
6 . أي بطلان التسلسل .


صفحه 120

الماهيّات، مع كون الكلام في الماهيّات الّتي يمكن تعقّلها بالكنه لا محالة، كذا في الحواشي الشريفة .

وأقول: وكلام(1) الشّيخ في " إلهيّات الشّفاء " صريح في أنّ كلّ ما له ترتّب بالعموم والخصوص يمتنع عدم تناهيه .

حيث قال في تناهي الصّور: «أنّ الصّورة(2) التّامة للشّيء واحدة،وأنّ الكثرة يقع فيها على نحو الخصوص والعموم، وأنّ العموموالخصوص يقتضي التّرتيب الطبيعي، وماله ترتيب طبيعيّ قد علم تناهيه. فليتدّبر» (3).

وقد يكون منهما ; أي الجنس والفصل عقليّ وطبيعيّ ومنطقيّ كجنسَيهما (4) ; أي كما كان ما هو جنس لهما ـ يعني الكلّي ـ كذلك كما عرفت.

ويمكن أن يكون المراد كما قال الشّارح القديم، وفصّله المحقّق


1 . هذا الكلام ردّ على المورد لأنّه دلّ على انّ العموم والخصوص يقتضي التّرتيب الطبيعي وماله ترتيب طبيعي يجب تناهيه.
2 . والمراد منها هو الصّورة النوعيّة.
3 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 341 / الفصل الثّالث من المقالة الثّامنة.
4 . يعني أنّ كّلاً من الجنس والفصل قد يكون طبيعيّاً وقد يكون منطقيّاً وقد يكون عقليّاً. فإنّ مفهوم الجنس جنس منطقيّ ومعروضه كالحيوان مثلاً جنس طبيعي والمركّب منهما جنس عقليّ، ومفهوم الفصل فصل منطقيّ ومعروضه كالنّاطق مثلاً فصل طبيعي والمركّب بينهما فصل عقليّ كما أنّ مفهوم الكلّي كلّيّ منطقيّ ومعروضه كلّيّ طبيعيّ والمركّب منهما كلّي عقليّ. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 92 ; وكشف المراد: المسألة الرابعة من الفصل الثاني .


صفحه 121

الشّريف: أنّ المفهوم الكلّي الّذي جنس لهما، بل للخمسة يعرض له الكلّية بالقياس إليهما(1) .

فهناك معروض هو مفهوم الكلّيّ مطلقاً ويسمّى كلّياً طبيعيّاً .

وعارض هو مفهوم الكلّي العارض لذلك المطلق بالنّسبة إلى مفهومات الكلّيات الخمس ويسمّى كلّياً منطقيّاً .

ومركّب من المعروض والعارض ويسمّى كلّيّاً عقليّاً .

والفرق (2) بينه وبين الأوّل: هو أنّ مفهوم الكلّي في هذا الاعتبار بمنزلة طبيعة من الطّبائع ; كالحيوان مثلاً ومتّصف بالكلّية والجنسيّة بالنّسبة إلى مفهومات الخمس .

وفي الأوّل مفهوم الكلّي عارض لطبائع غير محصورة، وهذا العارض يسمّى كلّياً منطقياً، وكلّ واحد من معروضاته كلّياً طبيعياً، والمجموع المركّب منهما كلّياً عقلياً.

بل هذا أولى، لأنّه قد اعتبر فيه مفهوم الكلّي من حيث هو كلّي صادق عليهما .(3)

وهو المناسب لقوله: «كجنسهما» بخلاف الأوّل كما لا يخفى. وأيضاً


1 . ب و ج: «إليها» أي الخمسة.
2 . محصّل الفرق وهو أنّ الأوّل باعتبار ملاحظة معروض جنسها وهذا باعتبار ملاحظة عارض جنسها.
3 . أي الجنس والفصل .


صفحه 122

فيه دقّةٌ وغرابةٌ، دون الأوّل مع تقدّم ذكره، وإن كان الأوّل أحسن مطابقة للممثّل كما لا يخفى .

ومنهما (1) عوال وسوافلُ ومتوسطاتٌ(2)

أمّا الجنس: فلأنّه قد يكون لماهيّة واحدة أجناس متعدّدة بعضها جزء بعض، فما هو جزء يكون أعمّ ممّا هو جزء منه وفوقه .

فالجنس العالي ما يكون جزءاً لجنس آخر ولا يكون جنس آخرجزءاً له.

والجنس السّافل ما يكون جنس آخر جزءاً له، ولا يكون هو جزء لجنس الآخر .

والجنس المتوسّط ما يكون جزءاً لجنس آخر وجنس آخر أيضاًجزءاً له.

وأمّا الفصل: فليس التّرتيب فيه كالتّرتيب في الأجناس، إذ لا يكون فصل جزءاً لفصل آخر.(3)


1 . أي من الجنس والفصل .
2 . فالجوهر جنس عال، والحيوان جنس سافل، والجسم النّامي والجسم المطلق أجناس متوسّطة، وكذلك الفصل.
3 . محصّل الكلام: أنّ الجنس قد يكون عالياً وهو الجنس الّذي ليس فوقه جنس آخر كالجوهر ويسمّى جنس الأجناس، وقد يكون سافلاً وهو الجنس الأخير الّذي لا جنس تحته كالحيوان، وقد يكون متوسّطاً وهو الّذي فوقه جنس وتحته جنس كالجسم. والفصل أيضاً قد يكون عالياًوهو فصل الجنس العالي، وقد يكون سافلاً وهو فصل النوع السافل، وقد يكون متوسّطاً وهو فصل الجنس السّافل والمتوسط .


صفحه 123

بل الترتيب فيه يتحقّق بما أشار إليه بقوله: وفصل كلّ جنس يكون في مرتبته .(1)

يعني فصل الجنس العالي يسمّى عاليّاً، والسّافل سافلاً، والمتوسّط متوسطاً، فالتّرتيب في الفصول تابع للتّرتيب في الأجناس.

وكذا الإفراد الّذي هو مقابل للتّرتيب يكون في الفصل تابعاً للإفراد في الجنس.

ولهذا اكتفى بذكر إفراد الجنس، فقال: ومن الجنس ما هو مفرد وهو الّذي لا جنس فوقه ولا تحته .(2)

فإنّه يظهر منه قياساً على ما ذكر في التّرتيب، أنّ الفصل المفرد ما هو فصل للجنس المفرد .

وهما; أي الجنس والفصل، إضافيّان; أي مقول كلّ منهما بالإضافة إلى شيء آخر ; فإنّ الجنس جنس بالقياس إلى النّوع، وكذا الفصل فصل بالقياس إليه .

وقد يجتمعان في شيء واحد، فيكون جنساً وفصلاً معاً، وذلك الشّيء كالحسّاس، فإنّه جنس للسّميع والبصير، وفصل للحيوان مع التّقابل، أي مع كون كلّ منهما مقابلاً للآخر ; فإنّ الجنس مقول في جواب ما هو ; والفصل لابدّ أن لا يكون مقولاً في جواب ما هو.


1 . وقد سقط من متن كشف المراد وشرح تجريد العقائد، والبراهين القاطعة: قوله: «وفصل كلّ جنس يكون في مرتبته» .
2 . في متن كشف المراد: «لا جنس له وليس تحته جنس».


صفحه 124

لكن ذلك الاجتماع ليس من جهة واحدة وبالقياس إلى شيء واحد، بل من جهتين وبالقياس إلى شيئين ; فإنّ جنسيّة الحسّاس إنّما هي بالقياس إلى السّميع مثلاً وفصليّته بالقياس إلى الحيوان .

ولا يمكن أخذ الجنس بالنّسبة إلى الفصل، بأن يكون جنساً له، وإلاّ لكان مقوّماً له وجزءاً منه، فلا يكون الفصل محصّلاً للجنس.

قال المحقّق الشّريف: وقد يقال (1): جنس الفصل ممّا لا يعقل، إذ لو كان له جنس لكان مشتركاً بين الماهيّة ونوع آخر تحقيقاً لاشتراكه وجنسيّته، فإن كان تمام المشترك بين الماهيّة وذلك النّوع كان جنساً للماهيّة، وإن كان بعضاً من تمام المشترك بينهما كان فصلاً لجنسها كما تقرّر، و(2) لا شيء من الجنس وأجزائه بداخل في الفصل، وإلاّ لم يكن المجموع فصلاً في الحقيقة، بل الجزء الآخر. وأيضاً لو كان الجنس أو شيء من أجزائه داخل في الفصل لزم اعتبار جزء واحد في الماهيّة مرّتين، وأنّه باطل قطعاً .

وبذلك يظهر صحّة ما ذكره، من أنّ الجنس لا يكون جنساً بالنّسبة إلى الفصل بلا شبهة. انتهى .(3)

واعلم: أنّ هذا وأمثاله أُمور واضحة جدّاً، فلا ينبغي المناقشة فيما يذكر في مثل هذا المقام.

وإذا نسبا; أي الجنس والفصل إلى ما يضافان إليه; أي النّوع، كان


1 . القائل هو قطب الدّين محمّد الرّازي.
2 . الواو: حالية.
3 . لاحظ: شرح المطالع في المنطق: 66 ; وحاشية المحقّق الشريف على هامش شرح المطالع: 66 .


صفحه 125

الجنس أعمّ مطلقاً من النّوع، والفصل مساوياً; أي للنّوع .

وأنت خبير: بأنّ هذا مختصّ بالفصل القريب(1) بخلاف أعميّة الجنس، فإنّها شاملة للقريب والبعيد. كذا في الحواشي الشّريفيّة(2) .

وأجاب عنه الشّارح القوشجي:(3) بأنّ المصنّف اعتبر في الفصل التميّز عن جميع المشاركات فالفصل البعيد للماهيّة إنّما هو في الحقيقة فصل لما هو فصل قريبٌ له من أجناسها، وإنّما يقال له فصل للماهيّة(4) باعتبار أنّه فصل لجنسها(5) .

وهو بعيدٌ; لأنّ فصل الجنس لاشك أنّه جزء للنّوع حقيقة(6)، فهو بالنّسبة إلى النّوع لابدّ أن يكون. إمّا جنساً حقيقة، أو فصلاً حقيقة على ما قيل.

وأقول: بل التّحقيق أنّ كلّ فصل للماهيّة فهو مساو لها من حيث هو مميّزها، وإن كان أعمّ منها لا من هذه الحيثيّة ; فإنّ الحسّاس مثلاً إنّما يميّز الإنسان من حيث إنّه هو حيوان، لا من حيث إنّه إنسان، فهو يساوي الإنسان من حيث هو حيوان، وإن كان أعمّ منه من حيث هو إنسان، فليتدبّر .


1 . كالنّاطق بالنسبة إلى الإنسان فإنّه مساو له، بخلاف النّامي والحسّاس، فإنّها فصل للإنسان لكن ليسا مساوياً للإنسان.
2 . هذا الاعتراض ذكره الشّارح القوشجي وأجاب عنه .
3 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 93 .
4 . كالإنسان.
5 . أي الجوهر.
6 . كالنّامي والحسّاس، فإنّهما جزء للإنسان .


صفحه 126

مباحث متعلّقة بهذه المسألة

المبحث الأوّل

في بيان تركّب الماهيّة من الأجزاء العقليّة والخارجيّة

قد أشرنا فيما مرّ إلى أنّ المشهور أنّ الأجزاء العقليّة فيما هو مركّب خارجي مأخوذة من الأجزاء الخارجيّة ; بمعنى أنّ الجنس مأخوذ من المادّة، والفصل مأخوذ من الصّورة .

وزعم صاحب المحاكمات(1) وتبعه المحقّق الشّريف أنّ هذا المشهور باطلٌ(2)، لأنّ تركّب الماهيّة من الأجزاء الخارجيّة والمحمولة معاً ممتنع، وإلاّ لزم أن يكون لماهيّة واحدة حقيقتان مختلفتان .

بيان ذلك: أنّه لو جاز ذلك فلا شك أنّه إذا حصلت الأجزاء المحمولة في العقل حصلت فيه ماهيّة المركّب.

فلو كان له أجزاء خارجيّة أيضاً، وحصلت تلك الأجزاء في العقل،


1 . وهو قطب الدّين محمّد بن محمّد بن أبي جعفر الرّازي المتوفّى (767 هـ)، له تصانيف، منها: «شرح الشمسيّة» و «شرح المطالع» و «شرح الحاوي» و «شرح قواعد الأحكام» و «المحاكمات بين شرحي الإشارات» و...
2 . لاحظ: الإلهيّات من المحاكمات بين شرحي الإشارات: 40 و 41 .


صفحه 127

كانت الماهيّة حاصلة أيضاً فيه; إذ لا معنى لحصول الماهيّة في العقل إلاّ حصول جميع أجزائها فيه.

وقد مرّ (1) سابقاً تصريح الشّيخ في «الحكمة المشرقيّة » بأنّ التّعريف بمجموع الأجزاء الخارجيّة تحديد تامّ حيث لم يبق جزء آخر.

فنقول: إن لم يشتمل تلك الأجزاء المحمولة على الأجزاء الخارجيّة، لم تحصل منها صورة مطابقة لماهيّة المركّب.

وإن اشتملت عليها، فإن لم يشتمل على أمر زائد ممّا هو أجزاء خارجيّة للمركّب، كانت الأجزاء الخارجيّة بعينها هي الأجزاء العقليّة، فلا يكون إحداهما(2) محمولة، والأُخرى(3) غير محمولة .

وإن اشتملت عليه، كانت الماهيّة الملتئمة من مجموع تلك الأجزاء حقيقة أُخرى غير الملتئمة عن الأجزاء الخارجيّة، فيكون لشيء واحد ماهيّتان مختلفتان.

لا يقال: إنّا نختار أنّها لا تشتمل على أمر زائد ومع ذلك الفرق بينهما حاصل، فإنّ الأجزاء المحمولة مشتقّات، والخارجيّة مباديها.

لأنّا نقول: ما اشتمل عليه المشتقّ دون المبدأ من النّسبة، لا يصحّ أن يكون معتبراً في الجزئيّة، ضرورة كون النّسبة خارجيّة، فلا يحصل الفرق.


1 . لاحظ : الجزء الأوّل من هذا الكتاب: ص 118 / المسألة الأُولى.
2 . وهو العقليّة.
3 . وهو الخارجيّة.


صفحه 128

على أنّه لو كان(1) معتبراً في الجزئيّة لا شتملت المحمول على أمر زائد.

هذا خلاصة ما تمسّكا به في امتناع كون الشّيء ذا أجزاء عقليّة وخارجيّة معاً .

وأنت خبير بضعف هذا التّمسّك: فإنّك قد عرفت أنّ الجزء المحمول بما هومحمول ليس بجزء حقيقة، لامتناع الحمل فيما هو جزء حقيقة، بل هو جزء للحدّ، وحدّ الشيء ليس ماهيّته، بل الدالّ على ماهيّته.

فالأجزاء المحمولة مشتملة على أمر زائد بالاعتبار، هو اعتبارها(2) لا بشرط، وهو داخل في الحدّ خارج عن الماهيّة.

وغير مشتملة على أمر زائد بالذّات، بل هي بالذّات عين الأجزاء الخارجيّة في المركّب الخارجي.

فالحقّ: أنّ كلّ مركّب من الأجزاء المحمولة، مركّب من الأجزاء الغير المحمولة الّتي هي الأجزاء الحقيقيّة له:

إمّا في الخارج: وهي المادّة والصّورة الخارجيّتان.

وإمّا في العقل فقط: وهي المادّة والصّورة العقليّتان.

وكلّ مركّب من الأجزاء الخارجيّة ـ أعني : المادّة والصّورة الخارجيّتين، سواء كانت مادّة أُولى أو ثانية ـ مركّب من الأجزاء المحمولة; إذ


1 . أي ما اشتمل عليه المشتقّ الخ.
2 . أي الأجزاء .


صفحه 129

ليس المراد من الأجزاء المحمولة هناك إلاّ تلك مأخوذة لا بشرط.

ففي «السّرير» مثلاً «الخشب» جزء مادّيّ، و «الهيئة» جزء صوريّ، فإذا أُخذا لا بشرط، وقيل: الخشب ذو هيئة مخصوصة يحصل حدّ السرير المؤلّف من جنسه وهو الخشب المأخوذ لا بشرط، وفصله وهو الهيئة المخصوصة المأخوذة كذلك، ولا يشتمل على أمر زائد على ما هو معتبر في تقوّم حقيقة السّرير سوى الاعتبار المذكور الّذي هو داخل في الحدّ، وخارج عن المحدود .

ولا يلزم من ذلك أن يكون الحاصل في الذّهن من الحدّ غير مطابق لحقيقة السّرير ، ولا أن يكون للسّرير حقيقتان مختلفتان، هذا .


صفحه 130

المبحث الثّاني

في بيان الفرق بين الأجزاء الذّهنيّة والخارجيّة

قد مرّ مراراً أنّ الأجزاء الخارجيّة موجودة في الخارج بوجودات متعدّدة، ولذلك امتنع الحمل فيما بينهما.(1) بخلاف الأجزاء العقليّة، فإنّها موجودة في الخارج بوجود واحد، ولذلك يحمل بعضها على بعض.

لكون مناط الحمل هو الاتّحاد في الوجود، فالمادّة والصّورة موجودتان بوجودين اثنين، والجنس والفصل بوجود واحد.

وهذا هو المشهور وما أطبق عليه الجمهور.

وقد خالف في ذلك سيّد المدققين فزعم أنّ المادّة والصّورة أيضاً موجودتان بوجود واحد في الخارج كالجنس والفصل .

وذهب (2) إلى أنّ التّركيب على قسمين :

أحدهما : التّركيب الانضماميّ : وهو أن ينضمّ شيء إلى شيءآخر، ويكون لكلّ منهما ذات على حدّة في المركّب منهما، حتّى تكونفي المركّب كثرة بالفعل، كـ «تركيب البيت من اللِبنات» و «تركيب البخار


1 . أ، ب و ج: «بينها». أي بين الأجزاء الخارجيّة، لعدم اتّحادّ ما بالوجود في الخارج.
2 . سيّد المدققين.


صفحه 131

من الأجزاء المائيّة والهوائيّة»(1).

والثّاني: التّركيب الاتّحادي: وهو أن يصير الشيء عين شيء آخر، ومتّحداً معه، ويكون لكليهما في المركّب ذات واحدة هي عين كلّ منهما، وعين المركّب منهما كـ «صيرورة زيد كاتباً» وهما ذات واحدة في الخارج.

ومعنى التّركيب فيه أنّ العقل يقسّم ذلك الواحد إلى قسمين ; نظراً إلى أنّ أحد الجزأين قد يكون موجوداً، ولا يكون عين الجزء الآخر، ثمّ يصير عينه. أو إلى أنّهما قد يكونان أمراً واحداً، ثمّ قد ينعدم ذلك الأمر الواحد من حيث إنّه عين أحدهما، ويبقى من حيث هو عين الآخر كـ «الجسم والنّامي» فإنّهما أمر واحد هو الشّجر، ثمّ إذا قطع انعدم من حيث إنّه عين النّامي، ويبقى من حيث هو عين الجسم.

وتركيب الجسم من الهيولى والصّورة، من هذا القسم .(2)

قال(3): ولنجعل البيان مخصوصاً في الهيولى(4) الثانية مع صورتها


1 . فإنّ البخار شيء مستحدَثٌ من الأجزاء المائيّة والهوائيّة.
2 . قال صدر المتألهين في الشواهد الرّبوبيّة:
وأمّا البرهان على أنّ الهيولى تتّحد بما تتصوَّر به فلكونها قوّة كلّ شيء وليس فيها جهةٌ فعليّة، أصلاً، وإلاّ لكانت مركّبة من صورة ومادّة أُخرى، فيتسلسل الأمر لا إلى نهاية. راجع: الشواهد الرّبوبيّة: المشهد الأوّل / الإشراق السادس .
3 . سيّد المدقّقين .
4 . إنّ المراد من الهيولى الأولى هي المادّة المفردة المختصّة بقوّة الشيء لا صورة لها، والهيولى الثاني هي المادّة الّتي لها صورة ويحصل بها المركّب كقطع الخشب للسّرير، والهيولى الثالثة هي تلك المادّة المذكورة المركّبة مع انضمام مادّة الأُخرى لحصول ماهيّة ثالثة، وهكذا.


صفحه 132

ليقاس عليها سائر الهيوليات مع صورها.

فنقول: إنّ الأجزاء العنصريّة ليست حاصلة بالفعل في المواليد،(1) مثلاً ليس في الياقوت جزءٌ ناريٌّ بالفعل، وإلاّ لكان ذلك الجزء بعينه ناراً وياقوتاً. أمّا الأوّل: فظاهر. وأمّا الثّاني: فلكون حلول الصّورة الياقوتيّة في مادّتها سريانياً على ما أطبقوا عليه .

وكيف يكون الجزء النّاريّ موجوداً فيه بالفعل ولا ينطفىء في الزمان الطويل مع صغر حجمه ومجاورته للأجزاء المائيّة؟

فإذن تركيب المواليد من الأجزاء العنصريّة، ومن صورها، ليس من قبيل القسم الأوّل.

بل العناصر ينقلب غذاء، والغذاء أخلاطاً، والأخلاط نطفة، والنطفة علقة، والعلقة مضغة، وهكذا شيئاً فشيئاً، إلى أن ينقلب حيواناً.

وليس ما هو السّابق في هذه الانقلابات باقياً بالفعل مع اللاّحق، حتّى يكون فيه كثرة بالفعل.

نعم، للعقل أن يقسّم كلّ واحد منها بحسب آثاره وخواصّه إلى أقسام بعضها مادّة له باعتبار، وجنس باعتبار آخر. وبعضها صورة له باعتبار، وفصل باعتبار آخر .


1 . الثلاثة: هي الحيوانات، والنّباتات، والجمادات .


صفحه 133

واستعضد(1) ذلك(2) بما ذكره الشّيخ في بعض كتبه: من أنّ الهيولى والصّورة واحدة بحسب الذّات، متعدّدة بحسب المعنى .

وبأمثال ذلك من غيره ممّا يدلّ على أنّ الهيولى ليست بحسب وجودها إلاّ بالقوّة .

وبأنّه لو كان تركّب الجسم منهما على أن يكونا ذاتين حاصلتين فيه بالفعل لم يصحّ تعريف الصّورة بأنّها ماهيّة الجسم، لكن الشّيخ عرّفها به حيث قال في "طبيعيّات الشّفاء ": «وصورته ـ أي صورة الجسم ـ هي ماهيّته الّتي بها هو ما هو ومادته هي المعنى الحامل لماهيّته».(3)

وأمّا إذا كان تركّب الجسم منهما على ما ذكرنا(4) من كونهما ذاتاً واحدة صحّ تعريفها به. لأنّ هذا الأمر الواحد هو صورته، غاية الأمر أنّ للعقل أن ينتزع منه(5) أمراً مبهماً(6) قد صار عين هذا الأمر(7) الواحد الموجود في نفس الأمر.

واستدل (8) عليه أيضاً: بأنّه لو كان المادّة والصّورة ذاتين مختلفتين في الجسم في الخارج لامتنع صدق المادّة عليه بأيّ اعتبار أخذ ; لما نقل عن بعض المحقّقين: من أنّ الأجزاء المتغائرة بحسب الوجود الخارجي يمتنع


1 . أي سيد المدقّقين.
2 . أي كون المادّة والصّورة موجودتان بوجود واحد في الخارج .
3 . طبيعيات الشفاء: 1 / 34 / الفصل السادس في نسبة الطبيعة إلى المادّة والصّورة والحركة.
4 . من كلام السيّد (رحمه الله) .
5 . أي الجسم .
6 . أي الهيولى.
7 . وهو الجسم .
8 . سيّد المدقّقين.


صفحه 134

حمل بعضها على بعض، وعلى المركّب; فإنّ المتمايزين في الوجود الخارجي، وإن فرض بينهما أيّ ارتباط أمكن، يمتنع أن يقال إنّ أحدهما هو الآخر بالبديهة، لكن المادّة يحمل على المركّب إذا أخذت بوجه يصير به جنساً.

فإن قلت(1): قد صرّح القوم بأنّ الصّورة علّة للهيولى، ومع اتّحادهما لا يتصوّر ذلك.

أجاب(2): بأنّ العلّية المذكورة ليست من حيث إنّهما واحد، بل إذا صار هذا الواحد كثيراً بتعمّل العقل يحكم بعلّية بعضها لبعض، ولا حَجْر في ذلك، كـ «الطّبيب المعالج لنفسه» وكـ «الماهيّة المقتضية لعوارضها المحمولة مواطاة عليها».

فإن قلت(3): ما ذكرت إنّما يتمّ في المركّب المتشابه الأجزاء كـ «الياقوت»، إذ هناك أمر واحد بالفعل، فجاز أن تكون مادّة وصورة باعتبارين.(4)

وأمّا المركّب الغير المتشابهة الأجزاء كـ «الفرس » فلا يتصوّر فيه ذلك، ضرورة اشتماله على أجزاء مختلفة الحقائق كـ «العظم واللّحم» إلى غير ذلك، فكيف يكون أمراً واحداً لا كثرة فيه بالفعل؟

أجاب(5): بارتكاب أنّ لحم الفرس مثلاً، ليس موجوداً واحداً على


1 . من كلام السيّد (رحمه الله) .
2 . أي سيّد المدقّقين.
3 . وهذا أيضاً من كلام السيّد (رحمه الله) .
4 . أي باعتبار الحالّ والمحلّ .
5 . السيّد (رحمه الله) .


صفحه 135

حدة، بل هو بعضٌ تحليليٌّ من موجود واحد، وكذا سائر أجزائه كما في الياقوت .

غاية الأمر أنّ الأجزاء التّحليليّة المفروضة في الياقوت متّحدة الحقيقة وفي الفرس مختلفها، كما أنّ الأجزاء التّحليلية المفروضة في الكيفيّة الواحدة ـ الّتي يقع فيها الحركة الكيفيّة ـ أنواع مختلفة. وكذا في الكرة الواحدة كـ «فلك الثوابت »، إذ بعضها جرم الفلك، وبعضها كواكب مختلفة الحقائق .

واستشهد بقول بهمنيار في التّحصيل : من أنّ أجزاء الحيوانات والنّباتات بالقوّة، لأنّ كلّ ما يكون وحدته بالفعل فالأجزاء فيه بالقوّة(1).

فإن قلت: كيف تقول في الإنسان «المركّب من البدن والنفس» و(2)هي جوهر مجرّد ؟

وكيف يتصوّر الاتّحاد بين المادّي والمجرّد، فيلزم تجرّد الجسم، أو تجسّم المجرّد؟

أجاب بمنع لزوم ذلك: إذ ليس هناك مادّي بالفعل، ومجرّد بالفعل، ليلزم من صيرورتهما متّحداً ذلك، بل الإنسان أمرٌ واحدٌ طبيعيّ يحلّله العقل باعتبار بعض آثاره كقبول الأبعاد والنّموّ والحسّ ـ الّتي يقتضي(3) تلبّسها لأن يكون له مقدارٌ وحيّزٌ ووضعٌ ـ إلى جوهر قابل للأبعاد نام حسّاس


1 . لاحظ : التّحصيل: 725 / الفصل الأوّل من الباب الرّابع .
2 . الواو: حالية.
3 . أي الأمر الواحد الطبيعي .


صفحه 136

هو(1) البدن المادّي. وباعتبار بعض آخر منها(2)، كإدراك الكلّيات ـ الّذي لا يقتضي تلبّسه لأن يكون له المقدار والحيّز والوضع ـ إلى جوهر مدرك للكلّيات، هو النّفس النّاطقة المجرّدة.

وكما جاز أن ينقلب الحيوان إلى ما يبقى معه بعض صفاته دون بعض كأن مات الفرس ويبقى فيه المقدار والشّكل دون النّموّ والحسّ.

كذلك جاز أن ينقلب الإنسان إلى ما لا يبقى معه المقدار والوضع والتحيّز، ويبقى إدراك الكلّيات .(3)

وحينئذ يخرج ذلك المجرّد الّذي كان فيه بالقوّة إلى الفعل، ولا دليل على امتناع ذلك .

هذا خلاصة ما تمسّك(4) به في هذه الدّعوى وذبّ عنها، قد لخّصناه غاية التّلخيص، وقرّرناه نهاية التّقرير. ولا يخفى ما فيه من وجوه الفساد.

أمّا أوّلاً: فلأنّ ما صوّره من معنى التّركيب الاتّحادي، ليس بتركيب أصلاً.

إذ لا يتوهم أحد أنّ بين الزيد والكاتب تركيباً إلاّ في اللفظ، بل التّركيب هناك إنّما هو بين «زيد والكتابة».

وبالجملة، لا معنى للتّركيب بين مفهومين متصادقين، إذ التّركيب


1 . أي تلك المقدار.
2 . أي الآثار.
3 . أي حين انقلاب الإنسان إلى التجرّد.
4 . سيّد المدقّقين (رحمه الله).


صفحه 137

لا يكون إلاّ من الأجزاء ولا تصادق بين الأجزاء بما هي أجزاء كما مرّمراراً.

وأمّا ثانياً: فلأنّ كون حلول صور المواليد في موادّها سريانيّاً لا يقتضي حلولها في كلّ جزء من أجزاء العناصر بانفراده، فإنّ مادّتها ليست إلاّ مجموع العناصر من حيث هو مجموع، فالسّريان فيها لا يقتضي سوى الحلول في كلّ جزء مجموع لا مطلقاً، وسيأتي فيه كلام في «مبحث المزاج»(1).

وأمّا ثالثاً: فلأنّ الانقلاب لا يقتضي سوى عدم بقاء الصّورة السّابقة، كصورة الغذاء، مع اللاّحقة كصورة الأخلاط، لا عدم بقاء المادّة، بل يجب بقاء المادّة، وإلاّ لم يكن انقلاباً .

ووجوب بقاء المادّة مع فساد الصّورة، دليلٌ قاطعٌ على مغايرتهما(2) للقطع، بامتناع اتّحاد ما مضى مع ما بقى.

وأمّا رابعاً: فلأنّ معنى كون الهيولى والصّورة واحدة بالذّات، متعدّدة بالمعنى على ما نقل من " الشّيخ " هو أنّهما ليسا بجزأين متبائنين في الوضع لا اتّحادهما حقيقة .

كيف؟ ولو كان كذلك لصحّ حمل أحدهما على الآخر .

وكون الهيولى بالقوّة لا يدلّ على اتّحادها مع الصّورة، بل الأمر بخلاف ذلك.


1 . لاحظ : الجزء الثّالث من هذا الكتاب: المسألة السابعة من الفصل الثّاني من المقصد الثّاني.
2 . أي المادّة والصّورة.


صفحه 138

وأمّا خامساً: فلأنّ الحمل بين المادّة الصّائرة جنساً باعتبار(1)، وبين المركّب ليس بسبب الرّبط، لينافي ما نقل من بعض المحققين، بل بسبب أنّها تصير بعد اعتبارها جنساً متّحداً مع المركّب، كما سبق في الفرق(2) بين الجنس والمادّة.

وأمّا سادساً: فلأنّ تحقّق العلّيّة(3) والمعلوليّة(4) لا يمكن بالضّرورة، إلاّ بين المتغايرين حقيقة، ولو بالجهة المكثّرة، كما في الطّبيب المعالج لنفسه، لا مطلقاً.(5)

وأمّا سابعاً: فلأنّ القول باتّحاد أعضاء الحيوان، مع ما فيه، يستدعي حمل بعضها على بعض، فيلزم كون العظم لحماً، والرّجل رأساً، إلى غير ذلك.

وأمّا حديث أجزاء الكيفيّة الواحدة والكرة الواحدة، فسيأتي .

والمشهور أنّ كلّ ما فيه وحدة بالفعل، فالكثرة فيه بالقوّة .

لكن المراد أنّ ما فيه وحدة بالفعل من وجه، فإن كان قابلاً للكثرة من ذلك الوجه كانت الكثرة فيه بالقوّة من ذلك الوجه، لا مطلقاً.

فهذه جملة من المفاسد وتركنا كثيراً منها.


1 . لا بشرط .
2 . أي باعتبار الجنس لا بشرط ، والمادّة بشرط لا .
3 . أي الصّورة.
4 . أي المادّة.
5 . أي متغايرين أو لا .


صفحه 139

المبحث الثّالث

في بطلان تركّب الماهيّة من أمرين متساويين أو أُمور متساوية

هل يجوز تركّب ماهيّة من أمرين متساويين أو أُمور متساوية أم لا؟

القدماء على الامتناع.(1)

وبنوا عليه في المشهور كثيراً من أُصولهم ككون الفصل محصّلاً للجنس.

وأنّ ما لا جنس له، لا فصل له.

وأنّ الجنس العالي ليس له فصل مقوّم، إلى غير ذلك.

وجمهور المتأخّرين على الجواز.

والمشهور من أدلّة المانعين وجهان :

الأوّل: وجوب تحقّق الحاجة بين أجزاء الماهيّة، والمساواة مانعة منها، لعدم الأولويّة وامتناع الدّور .


1 . فإذا كانت الماهيّة مركّبة من أمرين متساويين، أو أُمور متساوية لا يتصوّر فيه الجنس والفصل فلا يطابق في أصولهم أصلاً فثبت الامتناع.


صفحه 140

وردّ بمنعها(1) في الأجزاء العقليّة، لعدم تمايزها بحسب الوجود.

ولو سلّم، فلا دور مع اختلاف الجهة.

وأيضاً لا يلزم من التّساوي (2) في الصّدق، التّساوي في الحقيقة، فيجوز اختصاص البعض بالأولويّة.

أقول: والجواب عن الأوّل(3): هو أنّ تركّب الماهيّة من الأجزاء العقليّة إنّما هو في مرتبة التقرّر المتقدّمة على مرتبة الوجود، وهي متمايزة فيها، فلابدّ من الحاجة(4).

وعن الثّاني(5) والثّالث(6): أنّ الحاجة في مرتبة التقرّير غير متصوّرة إلاّ بالتّعيّن والإبهام، وهما غير متصوّرين مع التّساوي في الصّدق .

والثّاني(7): أنّ كلّ ماهيّة: إمّا جوهرٌ، أو عرضٌ.

وعلى الأوّل: يكون الجوهر جنساً لها.(8)

وعلى الثّاني : يكون أحدى المقولات العرضيّة التّسعة (9) ، أو


1 . أي الحاجة.
2 . كالإنسان والبياض، وكالتركيب من النّامي والمتغذّي .
3 . وهو قوله: «وردّ بمنعها في الأجزاء العقليّة الخ».
4 . أي لابدّ من حاجة ما لبعض الأجزاء إلى بعض .
5 . وهو قوله: «ولو سلّم فلا دور الخ».
6 . وهو قوله: «وأيضاً لا يلزم من التّساوي الخ».
7 . من أدّلة المانعين .
8 . أي الماهيّة.
9 . على رأي أكثر الأوائل .


صفحه 141

الثّلاثة(1) على اختلاف المذهبين، جنساً لها.

فلايكون تركّبها من المتساويين.

ولو فرض تلك الماهيّة جنساً من الأجناس العالية كـ «الجوهر» مثلاً، نقول: كلّ منهما(2): إمّا جوهر، أو عرض ; لا سبيل إلى الثّاني، وإلاّ لكان الجوهر عرضاً; لصدقه على الجوهر بالمواطاة، إذ الكلام في الأجزاء المحمولة.

ولا إلى الأوّل; لأنّه: إمّا أن يكون جوهراً مطلقاً، فيلزم تركّب الجوهر من نفسه.

أو مخصوصاً، والمطلق جزء منه، فيلزم أن يكون الشّيء جزء لنفسه.

وهكذا في سائر المقولات .

وهو ضعيف، لمنع انحصار الممكنات في المقولات العشر، أو الأربع; إذ لم يقم عليه برهان، بل ولا قالوا(3) به، وإنّما ادّعوا انحصار الأجناس العالية في إحداهما(4); مع إمكان وجود ممكنات كثيرة غير مندرجة تحتها، وقد صرّحوا بكون النّقطة، والوحدة، من هذا القبيل(5).


1 . على رأي بعض الحكماء، وهوالكمّ والكيف والمضاف فإنّه يشتمل البواقي من ذوات النسبة. سيأتي تفصيل الكلام في حصر الأعراض ومقولاتها في مقدمة الفصل الخامس من المقصد الثاني.
2 . أي المتساويان.
3 . أي ليسوا قائلين بانحصار الممكنات في المقولات العشر إذ صرّحوا بكون النّقطة الخ.
4 . أي المقولات العشر والمقولات الأربع.
5 . أي غير مندرجة تحتها.


صفحه 142

سلّمناه(1)، لكن قوله: «جزء الجوهر: إمّا جوهر أو عرض» ممنوعٌ إن أراد مفهومي الجوهر والعرض(2) .

ومسلّم إن أراد ما يصدقان عليه، لكن لا نسلّم أنّ الجزء لو كان جوهراًمخصوصاً، لزم كون الشّيء جوهراً لنفسه .

وإنّما يلزم لو كان ذاتيّاً له، ولا يلزم من الصّدق ذلك، لجواز أن يكون عرضيّاً.

ولا ينافيه(3) تسليم كون الجوهر جنساً لما تحته ; إذ لا يمكن كون شيء من الأجناس جنساً لجميع ما يصدق عليه، كما لا يخفى.

وأيضاً ينتقض هذا الدّليل بتركّب الماهيّة من الأجزاء المحمولة مطلقاً.

إذ يمكن أن يقال: لو تركّب الإنسان من الحيوان والنّاطق، لكان كلّ منهما: إمّا إنساناً، أو لا إنساناً الخ(4). كما سيأتي في «مبحث الجوهر»(5).

ومستند المتأخرين ضعّف أدّلة القدماء.

وقد عرفت وجه الذبّ عن الأوّل، فهو المعوّل.


1 . أي سلّمنا الانحصار.
2 . لجواز أن يكون مفهومه مغايراً لمفهومي الجوهر والعرض، فإنّ جميع الممكنات لا ينحصر في المفهومين .
3 . قوله: «ولا ينافيه الخ» جواب عن سؤال مقدّر، كأنّه قيل: الكلام على تقدير كون الجوهر جنساً لما تحته، فلو صدق على جزء كان أيضاً جنساً له لا عرضاً.
4 . أي إلى آخره.
5 . لاحظ : الجزء الثالث من هذا الكتاب: المسألة الثّالثة من الفصل الأوّل.


صفحه 143

واعلم أنّ الشيخ ذكر في " الشفاء ": أنّ الكليّ إما ذاتيّ أو عرضيّ.

والذّاتي: إمّا أن يدلّ على الماهيّة المتّفقة أفرادها وهو النّوع، أو المختلفة أفرادها وهو الجنس.

وإن لم يدلّ، فلا يكون أعمّ الذاتيّات، وإلاّ لدلّ على الماهيّة المشتركة، بل يكون أخصّ منّه، فيميّز الماهيّة عن مشاركاتها في ذلك الأعمّ، فيكون فصلاً .(1)

ثمّ رسم الفصل، بأنّه المقول على النّوع في جواب أيّ شيء هو في ذاته من جنسه .(2)

وذكر أيضاً: انّه ليس من الفصول المقوّمة ما لا يقسم .

وظاهر ابتناء ذلك على امتناع تركّب الماهيّة من أمرين متساويين على ما قيل .

وقال في " الإشارات ": «وأمّا الذّاتي الّذي ليس يصلح أن يقال على الكثرة الّتي كلّيته بالقياس إليها «قولاً » في جواب «ما هو » فلاشكّ في أنّه يصلح للتّميّز الذّاتي لها عمّا يشاركها في الوجود، أو في جنس مّا.


1 . قال صاحب المحاكمات: ويرد عليه أنّا لا نسلّم أنّه لو لم يكن أعمّ الذّاتيّات لكان أخصّ منه، أمّا أوّلاً: فلجواز أن لا يكون ثمة ذاتي أعمّ كما إذا تركّب ماهيّة من أمرين متساويين أو أُمور متساوية كالفصل الأخير، وأمّا ثانياً: فلجواز أن يكون مساوياً للأعمّ وأمّا ثالثاً: فلأنّ أعمّ الذّاتيّات يمكن أن يدلّ على الماهيّة المشتركة ولا يلزم الخلف لجواز أن لا يكون تمام المشترك بل بعضه. لاحظ: شرح الإشارات والتنبيهات: 1 / 86 و 87 .
2 . نُقل بالمعنى، انظر: منطق الشّفاء: 1 / 41 ـ 46 / الفصل الثّامن من المقالة الأُولى .


صفحه 144

ثمّ قال: وهذا هو المسمّى بالفصل».(1)

ثمّ رسّمه، بأنّه كلّيّ يحمل على الشّيء في جواب أيّ شيء هو في جوهره.

وهذا أعمّ ممّا رسّمه به في "الشّفاء".

ولمّا كان كلام "الإشارات" موهماً لتجويز تركّب الماهيّة من أمرين متساويين، كماترى، حاول المصنّف(قدس سره)في شرحه لتوجيهه، فقال:

«والفصل، قد يكون خاصّاً للجنس كـ «الحسّاس النّامي » مثلاً، فإنّه لا يوجد لغيره.

وقد لا يكون كـ «النّاطق للحيوان» عند من يجعله مقولاً على غير الحيوانات، كـ «بعض الملائكة » مثلاً .

وعلى التقديرين: فإنّ الجنس إنّما يتحصّل ويتقوّم به نوعاً، فذلك النّوع إنّما يمتاز بذلك الفصل .

أمّا على التقدير الأوّل: فعن كلّ ما عداه ممّا يشاركه في الوجود.

وأمّا على التقدير الثّاني: فعن كلّ ما يشاركه في الجنس فقط،فإنّ الإنسان لا يمتاز بالنّاطق عن جميع ما في الوجود، إذ لا يمتاز بهعن الملائكة، بل عمّا يشاركه في الحيوانيّة فقط .

وهو المراد بقوله: « عمّا يشاركها في الوجود أو في جنس مّا».


1 . الإشارات والتنبيهات: 58 و 59 .


صفحه 145

ثمّ قال(1): وقد ذهب الفاضل الشّارح (2)، وغيره ممّن سبقه: إلى أنّ الذّاتي الّذي لا يصلح لجواب «ما هو » لا يجوز أن يكون(3) أعمّ الذّاتيّات، فهو: إمّا مساو له (4)، أو أخصّ منه(5).

والمساوي له; هو ما يصلح لتميّزه عمّا يشاركه في الوجود .

والأخصّ منه; هو ما يصلح لتميّز ما يختصّ به عمّا يشاركه في الجنس الّذي يعمّها.

ولزمهم على ذلك، تجويز تركّب أعمّ الذّاتيّات الّذي هو الجنس العالي من أمرين متساويين، وليس ولا واحد منهما بجنس، بل يكونان فصلين .

وذلك غير مطابق للوجود، ولا لأُصولهم الّتي بنوا عليها، وفيما ذهبنا إليه غنى عن هذه التمحّلات. انتهى كلامه اعلى الله مقامه ».(6)

واعترض(7) عليه: «بأنّ مناط الفصليّة ليس هو التميّز عن جميع المشاركات ، وإلاّ لم يكن الفصل البعيد فصلاً.

بل التميّز عن بعض المشاركات ومثل «الناطق» مميّز عن بعض


1 . أي شارح الإشارات .
2 . وهو فخر الدّين الرّازي.
3 . أي الذّاتي .
4 . كالنّامي فإنّه مساو للإنسان .
5 . كالحسّاس فإنّه أخصّ عن النّامي.
6 . شرح الإشارات والتنبيهات: 1 / 85 ـ 87 .
7 . المعترض هو صاحب المحاكمات .


صفحه 146

المشاركات (1) في الوجود، فلا فرق»(2).

أقول: والجواب عنه(3) ما اشرنا إليه من أنّ كلّ فصل لماهيّة يجب أن يساويها من حيث يميّزها، وإن كان أعمّ منها لا من هذه الحيثيّة، فـ «الناطق» لو كان مميّزاً للإنسان عن المشاركات في الوجود، لوجب أن يختصّ به فيما بين مشاركاته في الوجود.

وليس كذلك كما هو المفروض.

فيجب أن يكون مميّزاً له عن المشاركات في الجنس لا في الوجود، فإنّه مختصّ به فيما بين مشاركاته في الجنس. فليتدبّر .


1 . وقد سقط عن نسخة ب: قوله: «وإلاّ لم يكن الفصل البعيد فصلاً، بل التميّز عن بعض المشاركات ومثل للنّاطق مميّز عن بعض المشاركات».
2 . لاحظ: شرح الإشارات والتنبيهات: 1 / 86 .
3 . أي عن اعتراض صاحب المحاكمات.


صفحه 147

المسألة السادسة

في الكلام في تشخّص الماهيّة(1)

قال: والتّشخّصُ من الأُمور الاعتباريّة .

فإذا نظر إليه من حيث هو أمرٌ عقليٌّ وجدمشاركاً لغيره من التشخّصات فيه ولكنّه لا يتسلسل، بل ينقطع بانقطاع الإعتبار.

أمّا ما به التّشخّصُ فقد يكون نفسُ الماهيّة فلا تكثّر، وقد يستند إلى المادّة المتشخّصة بالأعراض الخاصّة الحالّة فيها.

ولا يَحصل التشخّصُ بانضمام كُليّ عقليّ إلى مثله .

والتميّزُ يغاير التّشخّص. ويجوز امتيازُ كُلٌّ من الشّيئين بالآخر.

والمتشخّص قد لا تعتبر مشاركته، والكلّي قد يكون إضافيّاً، فيتميّز.


1 . راجع: المباحثات: ص 180، 181، 288، 337، 338. برقم 525، 531، 532، 818، 1045 ـ 1050 ; والمقامات: 161 و 162 ; والمطارحات: 329 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 74 ـ 78 / الفصل السابع عشر والثامن عشر من الباب الثاني; وإشراق هياكل النّور للدّشتكي: 164 ـ 169 / الفصل الثالث من الهيكل الثاني ; والقبسات: 152 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 177 ـ 184 / المبحث السادس والسابع من الفصل الأوّل ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 10 ـ 16 / الفصل الثاني .


صفحه 148

والشّخصُ المندرج تحت غيره متميّزٌ.

أقول: اعلم: أنّ الماهيّة النّوعية من حيث هي هي نفس تصوّرها غيرمانعة من الشركة .(1)

والشّخص(2) منها نفس تصوّره مانعة منها(3)، فلابدّ فيه(4) من أمر زائد وهو ما به مُنِعَ تصوّره عن الشّركة، وهو (5)المراد من التّشخّص.

وليس هو شيئاً من العوارض المشخصّة الّتي يقال لها ما به التّشخّص، وسيأتي الكلام فيها، إذ ليس شيء منها داخلاً في قوام الشّخص من حيث هو شخص، بل هي عوارض خارجة من الشّخص متوقّف عروضها على صيرورة الشّخص شخصاً لا محالة .

وأيضاً ليس شيء منه ممّا يمتنع الشّركة فيه إلاّ باعتبار شيء هو المراد من التّشخّص، والكلام إنّما هو فيه.


1 . بل يمكن للعقل فرض اشتراكها بحملها على كثيرين.
2 . قال بهمنيار: معنى الشّخص هو ما يمنع نفس تصوّره عن وقوع الشّركة فيه، فمن الموجودات ما يتشخّص بذاته ولا تشخّص له غير ذاته، وهو واجب الوجود بذاته، ومنها مايتشخّص بلوازم ذاته ونوعه كالشّمس، ومنها ما يتشخّص بأعراض جزئيّة غريبة كزيد;فإنّ الأعراض الّتي تُشخّصه لم يوجد في عمرو. لاحظ: التحصيل: 207 / المقالة الثالثة من المنطق .
3 . أي الشركة.
4 . أي فإذن لابدّ في التّشخّص من أمر زائد على الماهيّة وهو التّشخص الّذي مُنِعَ تصوّره عن الشركة.
5 . أي هذا المنع.


صفحه 149

فلا بدّ أن يكون هو شيئاً ليس له ماهيّة كلّية(1) كالوجود، وهو(2) متحدّ في الخارج مع الماهيّة(3)، وزائد عليها في الذّهن، كالوجود على ماحققّنا من مذهب الحكماء.

بل الأشبه أنّه عين الوجود الخاصّ، كما صرّح به الفارائي في "تعليقاته"(4) فهو نفس الوجود بالذّات، ومغاير له بالاعتبار .

وقيل: بل هو زائد على الوجود، لأنّه متأخّر بالطّبع عنه، فإنّ الشّيء ما لم يوجد ذهناً أو خارجاً، لم يمنع تصوّره من وقوع الشّركة; أي لم يكن بحيث يمنع تصوّره من وقوع الشّركة.

فانتفاء الوجود يستلزم انتفاء التّشخّص، دون العكس، بناء على وجود الطّبائع عند من يقول به .(5)

وأنت خبير: بأنّه لو ثبت عدم انعكاس هذا الاستلزام، لتمّ هذا الدّليل على الزّيادة.

ولا حاجة إلى أخذ التّأخر(6) بالطّبع، ليرد أنّه إنّما يلزم لو كان ذلك


1 . وإلاّ لكان له تشخّص آخر ولتشخّصه تشخّص آخر وهكذا فليزم التّسلسل.
2 . أي التّشخّص .
3 . قال المعلّم الثالث: إنّ الماهيّة لا تدخل في الوجود إلاّ وهي محفوفة بالتّشخّص الّذي هو امتناع الشركة الحملية. انظر: تقويم الإيمان: 235 / تقويم في برهان الشّخّصية .
4 . لاحظ: التّعليقات: 61 / برقم 89 .
5 . أي عند من يقول إنّ للطّبائع وجود غير وجود الأشخاص .
6 . في التّشخص .


صفحه 150

الاستلزام على وجه السّببيّة(1)، وهو ممنوع.

لكنّه غير ثابت، بل هو ممتنع بالضّرورة.

وليس مراد مَنْ يقول بوجود الطّبائع ذلك(2) كما عرفت.

وأمّا ما ذهب إليه المحقّق الدّواني(3) وكذا سيّد المدققين(4): من انّ التّشخّص إنّما هو بنحو الإدراك، فلو اُدرك الماهيّة بالإحساس مثلاً، كان المُدرَك شخصاً وجزئيّاً، وإن أدركت بالعقل، كان كلّياً . وليس هناك تفاوت في نفس المُدرَك، بل في نحوي الإدراك فقط.

لا بأمر ليس له ماهيّة كلّية ينضمّ إلى الماهيّة نسبته إليها نسبة الفصل إلى الجنس.

وزعما أنّ ذلك هو مناط التّشنيع على الحكماء في عدم شمول علمه تعالى للجزئيّات المادّيّة .

وإنّ ذلك ـ أي اشتمال الشّخص على أمر ليس له ماهيّة كلّيّة ـ غير مطابق لأُصول القوم، حيث أنّهم حصروا الممكنات في المقولات العشر، حتّى قال في التّعليم الأوّل لا يستطيع أن يذكر ذاكر شيئاً خارجاً عنها(5) .

فبعيد(6) عن التّحقيق .


1 . بأن يكون انتفاء الوجود سبباً لانتفاء التّشخّص .
2 . أي وجود الكلّي بما هو كلّي في الخارج بل المراد وجوده بعين وجود الشّخص .
3 . لاحظ: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 96.
4 . لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصدّر: 124
5 . أي المقولات العشرة.
6 . فبعيد، جواب قوله: «وأما ما ذهب إليه...».


صفحه 151

كيف ويلزم على هذا أن لا يكون الماهيّة الموجودة في الخارج من حيث هي موجودة فيه شخصاً فيه؟ إلى غير ذلك .

ولا ينفع إنكار ذلك في دفع التّشنيع(1) عن الحكماء، إذ الوجود عندهم ليس له ماهيّة كلّية كما عرفت .

بل تحقيق مذهبهم في علم الباري شيء آخر سيأتي إن شاء الله تعالى.

وكون التّشخّص ممّا ليس له ماهيّة كلّية لا ينافي حصر الممكنات في المقولات، كما لا ينافي كون الوجود كذلك.

وذلك (2) إذ تشخّص كلّ مقولة من جنس تلك المقولة في الخارج ومغاير لها في الذّهن، كما في الوجود.

على أنّ المراد أنّ كلّ ما يذكر، لا بدّ أن يصدق عليه واحد من المقولات، لا أن يكون جنساً له، وإلاّ لزم جنسيّتها(3)للفصول وهو باطلٌ قطعاً، هذا.

وهذا الّذي ذكرناـ أعني: كون التّشخّص متّحداً مع الماهيّة في الخارج، وزائداً عليها في الذّهن ـ هو معنى اعتباريّته على ما قال: والتّشخّص من الأُمور الاعتباريّة .


1 . أي بأن يدفع التّشنيع بما ذهب إليه المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر.
2 . أي عدم المنافي في حصر الممكنات في المقولات.
3 . أي المقولات لوجود الفصول لها.


صفحه 152

والمشهور في بيان اعتباريّته وجهان:

الأوّل: أنّه لو كان موجوداً لكان له تشخّص، وننقل الكلام إليه ويتسلسل.

وهو ضعيفٌ، إذ لا يلزم أن يكون كلّ موجود له تشخّص زائد على ذاته، إلاّ إذا كان له ماهيّة كلّية، ولا يجب كلّيته كما في الواجب، بل في الوجودات الخاصّة مطلقاً(1) كما عرفت، فيجوز أن يكون امتياز أفراد التّشخّص بذواتها، ويكون تشاركها في مفهوم التّشخّص وهو كون الماهيّة بحيث لا يشاركها شيء في العوارض، كما سيأتي، وذلك كما في الوجود.(2) وظاهر أنّ الكلام ليس في اعتباريّة مفهوم التّشخّص(3) كما في الوجود.

الثّاني: أنّه لو وجد في الخارج لتوقّف عروضه لحصّة هذا الشّخص من النّوع على تميّزها، فإن كان بهذا التّشخّص دار، وإلاّ لتسلسل .

وأُورد(4) عليه ; بمنع توقّفه(5) على تميّز سابق، كما في حصص الأجناس بالنّسبة إلى الفصول .


1 . أي سواء أكان واجباً أم ممكناً.
2 . في ب بزيادة لفظ «ظاهر».
3 . يعني إنّ الكلام لو كان في اعتباريّة مفهوم التّشخّص لأمكن أن يكون هذا البيان تماماً وافياً بالمقصود إذ لا شبهة في أنّ تشخّص هذا المفهوم زائد عليه وحينئذ فالشّرطيّة ـ أعني: قول المستدلّ ; لو كان موجوداً لكان له تشخّص ـ صادقة، فلو كان بيان بطلان التالي تماماً لكان البيان تماماً ويمكن اتمامه .
4 . المُورد هو الفاضل القوشجي في شرحه. انظر: شرح تجريد العقائد: 94 .
5 . أي عروض التّشخّص .


صفحه 153

وهو غير وارد. لأنّ الفصول ليست بأعراض بالنّسبة إلى الحصص الجنسيّة (1)، بل علل متقدّمات عليها، بخلاف التّشخّصات بالنّسبة إلى حصص الأنواع، فإنّها موضوعات لها،(2) ويجب تقدّم الموضوع بالتميّز كما بالوجود.

وأقوى ما تمسّك به القائل(3) بعيّنيّة التّشخّص هو أنّه جزء للشخص مثل «زيد» الّذي لاشك في وجوده في الخارج، وليس مفهومه(4) مفهوم الإنسان مثلاً وحده، وإلاّ لصدق على «عمرو» أنّه «زيد» كما يصدق عليه أنّه انسان، فإذن هو الإنسان مع شيء آخر نسمّيه التّعيّن، فيكون ذلك الشّيء الآخر جزء زيد الموجود في الخارج، وجزء الموجود الخارجيّ موجود في الخارج.

والجواب عنه: أنّ جزء الموجود في الخارج إنّما يجب كونه موجوداً في الخارج، إذا كان جزءاً خارجيّاً له .

ولا نسلّم كون التّشخّص كذلك، بل هو جزءٌ ذهنيٌّ،(5) فإنّ نسبة الماهيّة إلى التّشخّص، كنسبة الجنس إلى الفصل.


1 . في أ، ب و ج: لفظة «الجنسيّة» ساقطة.
2 . أي الحصص .
3 . القائل هو صاحب المواقف: لاحظ : المواقف في علم الكلام: 66 / الموقف الثاني / المقصد الحادي عشر من المرصد الثاني.
4 . أي التّشخّص .
5 . المراد من الجزء الذّهني للذّات الموجود في الخارج، هو أنّ الذّهن يحللّ تلك الذّات إليه، وكلّ ما هو كذلك يجب أن يكون موجوداً بوجود تلك الذّات .


صفحه 154

فكما أنّ الجنس أمر مبهم في العقل يحتمل ماهيّات متعدّدة ولا يتعيّن لشيء منها إلاّ بانضمام فصل إليه، وهما متّحدان ذاتاً وجعلاً ووجوداً في الخارج، ولا يتمايزان إلاّ في الذّهن .

كذلك الماهيّة النّوعيّة، يحتمل هويّات متعدّدة ولا يتعيّن بشيء منها إلاّ بتشخّص ينضمّ إليها، وهما متّحدان في الخارج ذاتاً وجعلاً ووجوداً، ومتمايزان في الذّهن فقط .(1)

والأشخاص تمايزها في الوجود الخارجيّ بهويّاتها، لا بمشخّصاتها. وهذا هو المراد من كون التّشخّص اعتباريّاً; أي ليس له وجود في الخارج على حدة، بل هو متّحد الوجود مع الماهيّة كما مرّ.

فإن قلت: فيلزم من ذلك كون وجود الماهيّة أيضاً اعتباريّاً بذلك المعنى(2).

قلت: لمّا كانت الماهيّة النّوعيّة متحصّلة في ذاتها وليس ابهامها إلاّ


1 . فليس في الخارج موجود هو الماهيّة الإنسانيّة مثلاً وموجود آخر هو التّشخّص حتّى يتركّب بينهما فرد منها، وإلاّ لم يصحّ حمل الماهيّة على أفرادها، بل ليس هناك إلاّ موجود واحد ـ أعني: الهويّة الشّخصيّة ـ إلاّ أنّ العقل يفصلها إلى ماهيّة نوعيّة وتشخّص، كما يفصل الماهيّة النّوعيّة إلى الجنس والفصل. لاحظ: شرح المواقف: 3 / الموقف الثاني / المقصد الحادي عشر من المرصد الثاني .
2 . حاصل السؤال إنّ الماهيّة والتّشخّص موجودان بوجود واحد فإذا كان وجود التّشخّص اعتباريّاً بمعنى أنّه ليس له وجود في الخارج على حدة يكون وجود الماهيّة أيضاً اعتباريّاً بهذا المعنى، فيكون الماهيّة والتّشخّص كلاهما اعتباريين فجعل التّشخّص اعتباريّة والماهيّة عينيّة لا وجه له .


صفحه 155

بحسب خصوصيّات الهويّات(1)، لا بحسب الماهيّة في ذاتها، كان الوجود وجوداً لها منسوباً إليها بالذّات، وإلى خصوص الهويّة الّتي هي المراد من التّشخّص منسوباً بالعرض.

وهذا بخلاف الماهيّة الجنسيّة بالقياس إلى الفصل، فإنّ الجنس والفصل في البسائط(2) كليهما اعتباريّان، والوجود المنسوب إلى الماهيّة البسيطة بالذّات منسوب إلى كلّ منهما بالعرض.

وهذا الّذي ذكرنا هو الفرق بين الاستدلالين ـ أعني: الاستدلال بجزئيّة الطّبيعة(3)، أعني: الماهيّة لا بشرط شيء للشخص الموجود في الخارج، على وجود الكلّيّ (4) في الخارج كما مرّ سابقاً. والاستدلال بجزئيّة التّشخّص للشخص الموجود في الخارج على وجود التّشخّص ـ حيث استقام الأوّل(5) دون الثاني.

وظهر أيضاً ممّا ذكرنا فساد زعم المحقّق الشريف حيث قال: ومن هاهنا ـ أي ومن كون نسبة الماهيّات إلى المشخصات كنسبة الجنس إلى الفصل، وكون الأشخاص تمايزها في الوجود الخارجي بهويّاتها لا


1 . أراد بالهويّات، الماهيّة الشخصّية وهي نفس الشخص .
2 . لعلّ تخصيص البسائط لظهور الأمر فيها وإلاّ فالجنس والفصل بما هو جنس وفصل سواء كانا للماهيّة البسيطة أو المركّبة من الاعتباريّات.
3 . أي بكون الطبيعة لا بشرط جزء للشّخص الموجود.
4 . الطبيعي.
5 . أي فإنّه أمر اعتباريّ.


صفحه 156

بمشخّصاتها(1) ـ ظهر أن لا وجود في الخارج إلاّ للأشخاص، وأمّا الطّبائع الكلّية فينتزعها العقل من الأشخاص.

فمن قال بوجود الطّبائع: إن أراد به أنّ الطّبيعة الإنسانيّة مثلاً بعينها موجودة في الخارج مشتركة بين أفرادها، لزمه أن يكون الأمر الواحد بالشّخص في أمكنة متعدّدة متّصفاً بصفات متضادّة.

وإن أراد أنّ في الخارج موجوداً إذا تُصوِّرَ هو في ذاته اتّصف صورته بالكلّية بمعنى المطابقة، فهو أيضاً باطلٌ، لما مرّ آنفاً; من أنّ الموجود في الخارج متعيّن في حدّ ذاته، فلا تكون صورته المخصوصة مطابقة لكثيرين.

وإن أراد أنّ في الخارج موجوداً، إذا تُصوِّرَ وجُرِّدَ من مشخّصاته حصل منه في العقل صورة كلّية، فذلك بعينه مذهب من قال: لا وجود في الخارج إلاّ للأشخاص، والطّبائع الكلَّية منتزعة منها، فلا نزاع إلاّ في العبارة.(2) انتهى كلامه، فليتدبّر.

وقد يستدلّ بما يبتني على الاشتباه بين «التّشخّص» وبين «ما به التّشخّص» من العوارض المشخّصة .

وبين العدميّ بمعنى كون الشّيء أمراً اعتباريّاً، وبينه بمعنى كونه عدماً لشيء .


1 . من كلام صاحب المواقف: انظر: المواقف في علم الكلام: 66 .
2 . لاحظ : شرح المواقف: 3 / 88 ـ 89 / الموقف الثاني / المقصد الحادي عشر من المرصد الثاني.


صفحه 157

ولما كان الخبط فيه ظاهراً أعرضنا عن ذكره والجواب عنه.

فإذا نظر إليه; أي إلى تشخّص من التّشخّصات من حيث هو أمرٌ عقليٌّ وجد مشاركاً لغيره من التّشخّصات فيه (1); أي في كونه أمراً عقليّاً مميّزاً للماهيّة، وهو المفهوم المشترك بين جميع التّشخّصات .

فلابدّ أن يتميّز التّشخّص المذكور عن غيره في هذا المفهوم بأمر هو تشخّص أيضاً من التشخّصات لا محالة، ويكون مشاركاً له في ذلك المفهوم، فيحتاج إلى تشخّص آخر وهكذا .

ولكنّه لا يتسلسل، بل ينقطع بانقطاع الاعتبار(2) كما في سائر الاعتباريات على ما عرفت مراراً .

فالغرض من هذا الكلام هو دفع هذا التّسلسل المتوهّم.

والتّحقيق في الجواب، كما عرفت ، هو أنّ مفهوم التّشخّص عرضيّ بالقياس إلى ما تحته من التّشخّصات لا ذاتيّ لها، فلا يحتاج إلى مميّز غير نفس ذات كلّ واحد منها، فلعلّ المصنّف بنى الكلام على التّسليم، فليتدبّر .

هذا هو الكلام في التّشخّص .

وأمّا ما به التّشخّصُ(3) ; أي ما بسببه يتشخّص الماهيّة ; أي ما ينبغي أن


1 . ضمير «فيه» راجع إلى التّشخّص والظرف متعلّق بقوله: «مشاركاً».
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
3 . من كلامه (رحمه الله) .


صفحه 158

ينضمّ إلى الماهيّة حتّى يحصل لها التّشخّص والامتياز عن الغير .

فقد يكون نفس الماهيّة; أي قد لا تحتاج الماهيّة إلى أمر ينضمّ إليها حتّى يحصل لها التّشخّص، بل قد تكون بنفس ذاتها ممتازة عن غيرها لكونها بنفس ذاتها قابلة للوجود غير محتاجة إلى القيام أو التّعلّق بالمادّة، كالمجرّدات العقليّة.

فلا تتكثّر; أي فلا تكون تلك الماهيّة متكثّرة الأفراد، بل تكون منحصرة في فرد هو هي(1) الّتي قد قَبِلَت الوجود بنفس ذاتها .

ويكون كون تلك الماهيّة(2) كلّية باعتبارها مع قطع النّظر عن ذلك الوجود الّذي قد قَبِلَته، فتكون كثرة الأفراد فيها فرضيّة لا واقعيّة.

وذلك، لأنّ المعنى الواحد لا يمكن أن يتكثّر بنفس ذاته، بل بأُمور مكثّرة مقترنة; به ضرورة أنّ ما لم يتكثّر لم يكن مقارنتُهُ سبباً للتكثّر، والأُمور المتكثّرة ما لم يقترن بالشّيء لم تكن موجبة لتكثّره. والمفروض أنّ الماهيّة المذكورة غير مقارنة للمادّة الّتي هي مستندة الكثرة على الإطلاق، كما سيأتي بيانه في الشقّ الثّاني .

وقد يستند إلى المادّة; أي قد يكون الماهيّة محتاجة في حصول التّشخّص إلى انضمام أُمور متكثّرة مستندة إلى المادّة، لكونها ماديّة محتاجة


1 . أي الماهيّة.
2 . من حيث هي.


صفحه 159

إلى المادّة في قبول الوجود، فيكون الموجب لتشخّصها تلك الأُمور المستندة إلى المادّة .

والمراد من المادّة هاهنا، ما يشمل الموضوع،(1) كما لا يخفى.(2)

ولمّا كان كون تلك الأُمور المتكثّرة مشخّصةً متوقفاً على كونها متشخّصة، لأنّ انضمام الكلّي إلى الكلّي لا يفيد التّشخّص كما سيأتي، وصف المادّة(3) بقوله(4): المتشخّصة بالأعراض الخاصّة الحالة فيها، فيكون تشخّص تلك الأُمور بالمادّة، وتشخّص المادة بالأعراض الخاصّة أي الغير المشترك فيها، وهي الوضع والأين والزّمان.

قال الشّيخان (5) في " تعليقاتهما": «التّشخّص هو أن يكون للمتشخّص معان لا يشاركه فيها غيره، وتلك المعاني هي الوضع والأين والزّمان. وأمّا سائر الصّفات واللّوازم ففيها شِركة، كالسّواد والبياض».(6)

وقال الشيخ في " التّعليقات": الأحوال(7) والذّوات معان مشترك فيها.

والنّسب إنّما تكون نسبة معقولة(8)، أو نسبة محسوسة(9).


1 . كالأعراض التسعة.
2 . لأنّ الماهيّة أعمّ من الصّور والأعراض والنّقوش فيشمل الموضوع.
3 . قوله: «وصف المادّة» جواب لقوله: «لمّا كان».
4 . أي المصنّف (رحمه الله) .
5 . أي أبو نصر الفارابي والشيخ الرّئيس.
6 . التّعليقات للفارابي: 53 / برقم 60 ; والتّعليقات للشيخ الرّئيس: 125 و 126 .
7 . أي الأعراض .
8 . كنسبة المعلولات إلى علّتها .
9 . كنسبة زيد وعمرو إلى الإنسان.


صفحه 160

والنّسب المعقولة مشترك فيها، والنسب المحسوسة نسب تحيّزيّة،(1) وإلاّ لم تكن محسوسة .

وهي: إمّا أن تكون مكانيّة، أو وضعيّة .

والمكانيّة مشترك فيها، لأنّ مكاناً لا يخالف مكاناً آخر في أنّه مكان، بل إنّما يخالفه في معنى آخر زائد على المكان، وذلك المعنى هو الوضع.

والوضع مخالف لوضع آخر بذاته، لا لمعنى آخر .

فالوضع هو المتشخّص بذاته. لكن ما يتشخّص بالوضع، يتشخّص به لمعنى زائد على الوضعيّة، لأنّ وضعاً واحداً يصحّ أن يعرض لأُموركثيرة .

فإذن إنّما يتمّ التّشخّص به(2) إذا لم يختلف الزّمان .

فكلّ شيء ليس بزمانيّ ولا وضع له لا يوجد له أشخاص كثيرون، كالعقول المفارقة. انتهى .(3)

فالمراد(4) بالأعراض الخاصّة ـ أعني: الغير المشترك فيها ـ ما لا يكون مشتركاً فيها في الواقع، سواء كان عدم الاشتراك فيها لذاتها كما في الوضع، أو


1 . أي منسوبة إلى التّحيّز أي كون الجسم ذا حيّز بالمعنى الأعمّ ولهذا جعلها مكانيّة ووضعيّة.
2 . أي الوضع .
3 . نقل بالمعنى: لاحظ : التّعليقات: 115 .
4 . المقصود من هذا الكلام بيان رفع التنافي بين قوله أوّلاً: إنّ الأعراض الخاصّة هي الوضع والأين، والزّمان» وقول الشيخ أخيراً: «إنّ العرض الخاصّ هو الوضع والزّمان».


صفحه 161

لأمر زائد على ذاتها كما في المكان وفي التّشخّص بالوضع .

وأمّا الزّمان ; فعدم الاشتراك فيه ليس على الإطلاق، بل بالإضافة إلى السّابق واللاّحق ; أعني: أنّ كلّ جزء من أجزاء الزّمان غير مشترك فيه بين ما هو سابق عليه بالزّمان أو متأخّر عنه بالزمان لا مطلقا.

لكن عدم الاشتراك فيه بهذا المعنى إنّما هو لذاته، لا لأمر زائد على ذاته.

وهذا هو معنى كون الزّمان من جملة المشخّصات.

فإن قلت: قد قال الشيخ في " التّعليقات ": «متى هو الكون في الزّمان، والزّمان الواحد يصحّ أن يكون زماناً لعدّة كثيرة بالتحقيق، وأمّا متى كلّ واحد منها فهو خلاف متى الآخر، فإنّ كون كلّ واحد منها في ذلك الزّمان غير كون الآخر فيه .

والكون في الزّمان غير نفس الزّمان .

وإذا بطل كون الواحد في الزّمان لم يبطل كون الآخر فيه. انتهى»(1).

ومثل ذلك قال(2) في الأين.

فلِمَ لا يجوز أن يكون المراد من الزّمان المعدود من المعاني الغير المشترك فيها هو متى، ويكون عدم الاشتراك فيه على الإطلاق لا بالإضافة ؟(3)


1 . التّعليقات: 46 .
2 . لاحظ: التّعليقات: 46 .
3 . أي التقدّم والتّأخّر.


صفحه 162

قلت: كون متى كلّ واحد غير مشترك فيه فرع على تشخّص ذلك الواحد، فلو كان تشخّص ذلك الواحد بمتاه لزم الدّور.

فظهر أنّ ما هو معدود من المشخّصات هو نفس الزّمان لا الكون في الزّمان.

فإن قلت: قال الشيخان في " تعليقاتهما ": «الوضع يتشخّص بذاته وبالزّمان»(1) فما معنى ذلك؟

قلت: معناه ما نقلناه من الشّيخ من أنّ التّشخّص بالوضع إنّما يتمّ إذا لم يختلف الزّمان .

فالأوضاع المتّحدة بالزّمان يتشخّص بالذّات لا بالزّمان .

والمختلفة بالزّمان يتشخّص بالزّمان لا بالذّات، وليس لها مدخل في تشخّص الغير، لكونها ممّا يشترك فيه .

فإن قلت: فالمشخّص بالذّات والّذي ينتهي إليه إفادة التّشخّص بالآخرة هي الأعراض الخاصّة. فلِمَ أسند المصنّفتشخّص الأُمور المتكثّرة الّتي هي ما به التّشخّص إلى المادّة، ثمّ تشخّص المادّة إلى تلك الأعراض .ولِمَ لَمْ يسنده إلى تلك الأعراض ابتداء ؟(2)


1 . التّعليقات للفارابي: 62 / برقم 93 ; والتّعليقات للشيخ الرّئيس: 115 .
2 . حاصل الاشكال أنّ المشخّص الحقيقيّ هي الأعراض الخاصّة، والمادّة متشخّصة بالعرض، فينبغي اسناد تشخّص الأُمور المتكثّرة إلى المشخّص الحقيقيّ، فلِمَ لم يسند المصنّف (رحمه الله)تشخّصها إليه ؟


صفحه 163

قلت: تلك الأُمور لابدّ من كونها متكثّرة أيضاً لا محالة، كما لابدّ من كونها متشخّصة، والتّكثّر ينتهي بالآخرة إلى المادّة القابلة للتكثير بالذّات، فأسند تلك الأُمور من كلتا الجهتين ـ أعني: جهة التكثّر والتّشخّص ـ إلى المادّة المتشخّصة بتلك الأعراض، ليحصل المطلوبان معاً.

ولا يَحصل التّشخّصُ بانضمام كلّيّ عقليّ إلى مثله، فإنّ التقييد بين المفهومات الكلّيّة في أيّ مرتبة كان لا يوجب امتناع فرض الصدق على كثيرين. غاية الأمر أن يفيد الانحصار في فرد .

والظّاهر أنّ هذا الحكم بديهيّ بعد ملاحظة معنى الكلّيّة والجزئيّة. والمذكور في صورة الاستدلال تنبيه عليه .

ومنهم من جعله استدلالاً عليه، فاعترض(1) عليه: بأنّه إذا جاز في العامين أن يرتفع عمومهما بتقييد أحدهما بالآخر ويختصّا بنوع واحد كما في الخاصّة المركّبة، مثل الطّائر الولود،(2) فلِمَ لا يجوز أن يكون تقييد الكلّيّ بالكلّيّ في بعض المراتب مؤدّياً إلى امتناع فرض الاشتراك؟

وأجاب عنه المحقّق الدّواني: بأنّ كلّ كلّي، فإنّه يمكن فرض صدقه على كلّ ما عداه بأيّ اعتبار أخذ، حتّى على أفراد نقيضه; فإنّ «ج» ليس «ج» من الأفراد الفرضيّة لـ «ج».


1 . المعترض هو الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 96 .
2 . فإنّ كلّ واحد من الطّائر والولود بانفراده عامّ، فإذا انضَمَّ أحدهما إلى الآخر يصير نوعاً خاصّاً وهو الخفّاش.


صفحه 164

فيمكن فرض صدق كلّ من الكلّيّين على أفراد الآخر، وذلك (1) يتضمّن فرض صدق اشتراك المجموع ; مثلاً لو اختصّ الطّائر الولود بشخص.(2)

فنقول: يمكن فرض صدق الطّائر على جميع أفراد الولود. وهذا الفرض يتضمّن فرض صدق الطّائر الولود على تلك الأفراد. وكذا يمكن فرض صدق الولود على جميع أفراد الطّائر، هذا .

وإنّما قيّد الكلّيّ بالعقليّ احترازاً عن الطّبيعي، فإنّه لكونه متّحد الوجود مع التّشخّص ومقروناً لا محالة بالتّشخّص ليس كذلك، بل جميع الأعراض المشخّصة كلّياتٌ طبيعيّةٌ موجودةٌ بوجود الأشخاص .

وأمّا الكلّيّ المنطقيّ; فلا مجال لتوهّم إرادته .

وقد يقال: أراد بالعقليّ ما يحصل في العقل لا المقابل للطّبيعيّ والمنطقيّ، وفائدة التّقييد به بيان علّة الحكم.

وحاصله: أنّ الكلّي ما يحصل في العقل، والجزئي ما يحصل في الحسّ، ولا يحصل بانضمام معقول إلى معقول محسوس ; ضرورة أنّ المركّب من المعقولين معقول، وليس بمحسوس .

وعلى هذا، فلا يرد عليه الاعتراض المذكور، فتدبّر.


1 . أي كون اشتراك المجموع صادقاً مطابقاً للواقع .
2 . نُقل بالتّلخيص: راجع: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 124 .


صفحه 165

والتّميّز يغاير التّشخّص(1)، ولبيان المغايرة قال(2): ويجوز امتياز كلّ من الشيئين بالآخر(3)، بأن يحصل لكلّ منهما باعتبار التّقييد بالآخر امتياز لم يكن حاصلاً بدون ذلك التّقييد كما في الطّائر الولود، فإنّ كلاًّ منهما صار باعتبار التّقييد بالآخر، أخصّ ممّا كان قبل التّقييد.

بخلاف تشخّص كلّ من الشّيئين بالآخر، بأن يحصل بانضمام أمرين غير متشخّصين تشخّص كلّ منهما، فإنّه لا يجوز، لما مرّ من أنّ تقييد الكلّي بالكلّي لا يفيد الجزئية .

وفرق آخر، وهو أنّ التّشخّص لشيء إنّما هو في نفسه والتّميّز إنّما يكون بالقياس إلى المشارك .

وقد وجد في بعض نسخ المتن(4) قوله: والشّخص قد لايعتبر مشاركته والكلّي قد يكون إضافيّاً فيتميّز والشّخص المندرج تحت غيره متميّز .

والغرض بيان النّسبة بين التّشخّص والتّميّز وهو العموم من وجه .

فإنّ الأوّل يتحقّق بدون الثّاني في الشّخص الغير المعتبر مشاركته مع غيره في مفهوم من المفهومات .


1 . لأنّ التّشخّص للشّيء وصف نفسيّ له ، والتميّز إنّما يكون بالقياس إلى المشارك ولأنّه لا يجوز أن يتشخّص كلّ من الشّيئين بذات الآخر لأنّ تقييد الكلّي بالكلّي لا يفيد التّشخّص ويجوز امتياز كلّ من الشّيئين بالآخر كما في الطّائر الولود. راجع: شرح تجريد العقائد: 96 .
2 . أي المصنّف (رحمه الله) .
3 . وفي كتاب تجريد العقائد: «ويجوز امتياز كلّ من الشيئين بالآخر ولا يجوز أن يتشخّص كلّ من الشّيئين بالآخر».
4 . كمتن كشف المراد و شرح تجريد العقائد.


صفحه 166

والثّاني بدون الأوّل في الكلّي الّذي يكون جزئيّاً إضافيّاً .

ويجتمعان في الشّخص إذا اعتبر مشاركته مع غيره في مفهوم .

واعترض(1) عليه المحقّق الشريف: بأنّ عدم اعتبار مشاركة التّشخّص مع غيره في مفهوم من المفهومات لا يستلزم أن لا يكون متميّزاً في نفسه عن مشاركاته في المفهومات العامّة كالوجود، بل يستلزم عدم اعتبار تميّزه، فلا يثبت بذلك تشخّص بلا تميّز.

فالصّواب أنّ التّميز أعمّ مطلقاً من التّشخّص، لأنّ كلّ متشخّص متميّز ولا عكس كلّياً .

والتّحقيق كما قال المحقّق الدّواني(2): إنّ المشهور في النّسب بين الكلّيات وإن كان اعتبار صدقها وكذبها في الواقع سواء اتّحد الاعتبار أم لا، لكن قد يلاحظ حالها بحسب الاعتبار وتحصل النّسبة بينها بحسبه كما فيما نحن فيه. وله نظائر في كلام المصنّف فيما سبق.


1 . ذكر هذا الاعتراض الشارح القوشجي في شرحه على قوله: «ولا يخفى على المتأمّل أنّ عدم اعتبار الخ». لاحظ : 97 .
2 . لاحظ: حاشيته على هامش شرح تجريد العقائد: 97 .


صفحه 167

المسألة السابعة

في أحوال الوحدة والكثرة(1)

وفيها مباحث:


1 . راجع لمزيد التحقيق: النجاة: 2 / 47 ـ 50 و 59 ـ 60 و 76 / المقالة الأُولى من الإلهيات ; وكتاب المشارع والمطارحات: 308 ـ 319 / الفصل الثاني والثالث من المشرع الأوّل ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 80 ـ 112 / الباب الثالث; ورسالة ما بعد الطبيعة لابن رشد: 43 ـ 50 و 113 ـ 129 / المقالة الأُولى والثالثة ; والتّحصيل: الفصل الثالث والرابع من المقالة الثانية والفصل الأوّل من المقالة السادسة; وايضاح المقاصد: 54 ـ 69 / المبحث الثالث ; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 481 ـ 487 ; وتقويم الإيمان: 272 ـ 281 / الفصل الثالث من الرصد الأوّل ; وشرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألهين: 264 ـ 269 / الفنّ الأوّل من القسم الثّالث ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 82 ـ 126 / المرحلة الخامسة.


صفحه 168

المبحث الأوّل

في بداهة الوحدة ومغايرتها للوجود والتّشخّص

قال: والتّشخّص يغاير الوحدة وهي تغاير الوجود لصدقه على الكثير من حيث هو كثير، بخلاف الوحدة، وَتُساوِقه، ولا يمكن تعريفُها إلاّ باعتبار اللّفظ، وهي والكثرةُ عند العقل والخيال تستويان في كون كلٍّ منهما أعرف بالاقتسام.

أقول: وهما(1) من لواحق الماهيّة، ولهما أحكام يتعلّق بها الغرض العلميّ، فيجب أن يبحث عنها(2) في مباحثها.

فمن أحوال الوحدة أنّها مغايرة للتّشخّص إلاّ أنّ المصنّف لما انتقل من الكلام في التّشخّص إلى الوحدة نسب المغايرة إلى التّشخّص، فقال: والتّشخّصُ يغاير الوحدة.(3)

فإنّ الطبيعة النّوعية، بل الجنسّية أيضاً يصدق عليها من حيث هي


1 . أي الوحدة والكثرة.
2 . أي عن الأحوال .
3 . قال العلاّمة الحلّي: الوحدة عبارة عن كون المعقول غير قابل للقسمة من حيث هوواحد، وهو مغاير للتّشخّص لأنّ الوحدة قد تصدق على الكلّي غير المتشخّص، وعلى الكثرة نفسها من دون صدق التّشخص عليهما. راجع: كشف المراد: المسألة السادسة من الفصل الثاني.


صفحه 169

كذلك أنّها واحدة بالوحدة المطلقة، ولا يصدق عليها من حيث هي كذلك أنّها متشخّصة، وذلك ظاهر .

وهي أي الوحدة تغاير الوجود لصدقه (1) على الكثير من حيث هو كثير، بخلاف الوحدة، فإنّ الموصوف بالكثرة ـ أعني: ما صدق عليه الكثير(2) ـ إذا لوحظ من حيث هو كثير ـ أعني: من حيث هو مقيّد بالكثرة وموصوف بها ، لا بأن يكون الكثرة جزءاً للموضوع، بل بأن يكون قيداً له خارجاً عنه ـ يصدق عليه أنّه موجود في الخارج، ولا يصدق عليه من حيث هذه الملاحظة أنّه واحد، وإن صدق عليه من حيث جملته أنّه واحد.

والحاصل: أنّ موضوع الكثرة بعينه موضوع الوجود، إذ لا منافاة بين الكثرة والوجود .

وليس بعينه موضوع الوحدة، لتحقّق المنافاة بين الكثرة والوحدة، والمنافاة يستلزم مغايرة ما يتّصف بهما في زمان واحد.

وفيه نظر: إذ لو أُريد أنّ بين الوحدة والكثرة منافاة بالذّات، فليس كذلك كما سيأتي.

ولو أُريد أنّ بينهما منافاة في الجملة ، فعدم تحقق المنافاة في الجملة بين الكثرة والوجود ممنوع ؟(3)


1 . أي صدق الوجود .
2 . كالإنسان .
3 . أي فكيف نسبَ المغايرة بين الوحدة والوجود دون الكثرة؟ بل المغايرة بين الكثرة والوجود أيضاً .


صفحه 170

كيف؟ والوحدة المطلقة(1) مساوقة للوجود على ما قال وتساوقه (2) ; أي تساوق الوحدة الوجود ; فكلّ واحد باعتبار موجود باعتبار(3)، وبالعكس، فالكثرة المقابلة للوحدة المطلقة ليست بموجودة كما ليست بواحدة .

ودعوى(4) أنّ وصف الكثرة لا يأبى عن اتّصافها بالوجود بخلاف وصف الوحدة، غير مسموعة .

وأمّا الاستدلال: بأنّ الوحدة الشّخصيّة، لو كانت نفس الوجود الشّخصي، لكان تفريق(5) الجسم البسيط الواحد أعداماً له، وإيجاداً لجسمين آخرين من كتم العدم، وبطلانه ضروري.


1 . أي بأيّ وحدة كانت.
2 . وكما صرح به كثيرٌ من الحكماء والمتكلّمين، ومنهم الشّيخ الرّئيس وشارح المواقف وشارح المقاصد والعلاّمة الحلّي (رحمه الله). لاحظ : النجاة: 2 / 47 / المقالة الأُولى ; وشرح المواقف: 4 / 19 / المرصد الرابع; وشرح المقاصد: 2 / 28 / المبحث الأوّل من المنهج الرابع. قال الشّارح العلاّمة الحلّي (رحمه الله)نعم، الوحدة تساوق الوجود وتلازمه، فكلّ موجود فهو واحد والكثرة يصدق عليها الواحد لا من حيث هي كثرة على معنى أنّ الوحدة تصدق على العارض، أعني: الكثرة لا على ما عرضت له الكثرة، وكذلك كلّ واحد، فهوموجود إمّا في الأعيان أو في الأذهان، فهما متلازمان. لاحظ: كشف المراد: المسألة السادسة من الفصل الثاني.
3 . أي كلّ ما هو واحد باعتبار يكون موجوداً باعتبار، وكلّ ما هو موجود باعتبار يكون واحداً باعتبار.
4 . هذه الدّعوى تعرّض لها صدر المتألّهين في الأسفار، وأجاب عنها العلاّمة الطباطبائي في تعليقته عليه. لاحظ: الحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 90 ـ 91 .
5 . أي دليلاً لأعدام الجسم البسيط .


صفحه 171

فالجواب عنه: أنّه إنّما يلزم ذلك لولا وجود المادّة .

فأمّا مع القول بها، فالوحدة الزّائلة هي وحدة الصّورة الزّائلة .

وكما زالت وحدتها، زال وجودها .

والباقي ليس إلاّ المادّة المتّصفة بالوحدة بالعرض .

والأشبه أنّ الوجود الخاصّ، والوحدة والتّشخّص، متّحدة بالذّات، متغايرة بالاعتبار، كما أشار إليه الفارابي في "تعليقاته "(1).

ثمّ اعلم: أنّ الشّيخ قال في " إلهيات الشفاء ": «الّذي يصعب الآن علينا تحقيق ماهيّة الوحدة .

وذلك أنّا إذا قلنا: إنّ الواحد لا ينقسم، فقد قلنا: إنّ الواحد هو الّذي لا يتكثّر ضرورةً، فأخذنا في بيان الواحد الكثرة .

وأمّا الكثرة، فمن الضّرورة أن تحدّ بالواحد، لأنّ الواحد مبدأ الكثرة، ومنه وجودها، وماهيّتها.

ثمّ أيّ حَدّ حَدّدنا به الكثرة استعملنا فيه الواحد بالضّرورة.

فمن ذلك ما(2) نقول: إنّ الكثرة هو المجتمع من الوحدات .

فقد أخذنا الوحدة في حدّ الكثرة .


1 . انظر: التعليقات: 61 / برقم 89 .
2 . «ما» موصولة.


صفحه 172

ثمّ عملنا شيئاً آخر، وهو أنّا أخذنا المجتمع في حدّها، والمجتمع يشبه أن يكون هو الكثرة نفسها .

وإذا قلنا من الوحدات أو الواحدات، أو الآحاد، فقد أخذنا لفظ الجمع، وهذا اللّفظ لا يفهم معناه، ولا يعرف إلاّ بالكثرة .

وإذا قلنا: إنّ الكثرة هي الّتي تعدّ بالواحد، فنكون قد أخذنا في حدّ الكثرة الوحدة .

ونكون أيضاً قد أخذنا في حدّها العد والتقدير، وذلك إنّما يفهم بالكثرة أيضاً .

فما أعسرَ علينا أن نقول في هذا الباب شيئاً يعتدّ به، لكنّه يشبه أن تكون الكثرة أيضاً أعرف عند تخيّلنا، والوحدة أعرف(1) عند عقولنا(2)، ويشبه أن تكون الوحدة والكثرة من الأُمور الّتي نتصورها بُديّاً.(3)

لكن الكثرة نتخيّلها أوّلاً، والوحدة نعقلها من غير مبدأ لتصوّرها عقلي، بل إن كان ولابدّ فخياليّ .

ثمّ يكون تعريفنا الكثرة بالوحدة تعريفاً عقليّاً، وهنالك نأخذ الوحدة


1 . قال الحكيم السبزواري في منظومته :
وسرّ أعرفيّة الأعمّ *** سنخيّة لِذاتِك الأتَمّ
ووحدة عند العقول أعرف *** وكثرة عند الخيال أكشف
لاحظ : شرح غرر الفرائد: 146 .
2 . في أ و ب: جملة «والوحدة أعرف عند عقولنا» ساقطة.
3 . في ج: «بديهيّاً»، لكن الصحيح كما في المصدر «بديّاً» على زنة فعيل بمعنى في بادي النّظر و «بدء» بالهمزة بمعنى ظَهَرَ .


صفحه 173

متصوّرة بذاتها ومن أوائل التّصوّر .

ويكون تعريفنا الوحدة بالكثرة تنبيهاً يستعمل فيه المذهب الخيالي لنُؤمي إلى معقول عندنا لا نتصوّره حاضراً في الذّهن .

فإذا قالوا: إنّ الوحدة هي الشّيء الّذي ليس فيه كثرة، دلّوا على أنّ المراد بهذه اللّفظة الشّيء المعقول عندنا بُديّاً الّذي يقابل هذا الآخر(1)، أو ليس هو(2)، فينبّه عليه بسلب هذا(3) عنه. انتهى ».(4)

وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: ولا يمكن تعريفُها; أي الوحدة إلاّ باعتبار اللّفظ .(5)

وهي(6) والكثرةُ عند العقل والخيال تستويان في كون كلٍّ منهما أعرفَ بالاقتسام(7)، أي الوحدة أعرف عند العقل من الكثرة، والكثرة أعرف عند الخيال(8)، وهذا هو المراد من الاقتسام .


1 . أي الكثرة.
2 . أي هذا الآخر.
3 . أي الكثرة عن الوحدة.
4 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 104 / الفصل الثالث من المقالة الثالثة.
5 . قال العلاّمة الحلّي (رحمه الله) إنّ الوحدة من المتصوّرات البديهيّة فلا يحتاج في تصوّرها إلى اكتساب، فلا يمكن تعريفها إلاّ باعتبار اللّفظ، بمعنى أن يبدّل لفظ بلفظ آخر أوضح منه، لا أنّه تعريف معنوي. لاحظ: كشف المراد: المسألة السابعة من الفصل الثاني.
6 . أي الوحدة.
7 . أي أقسام الوحدة والكثرة في العقل والخيال بالأعرفيّة.
8 . من الوحدة.


صفحه 174

ومعنى العبارة أنّ الوحدة والكثرة تقتسمان بالسّوية الأعرفيّة عند العقل والخيال، فتأخذ الوحدة الأعرفيّة عند العقل(1)، وتأخذ الكثرة الأعرفيّة عند الخيال .(2)

ثمّ إنّه اعترض(3) عليه: بأنّ الوحدة والكثرة إن أُخذتا من حيث هما أمران كلّيان فلا يُدركان إلاّ بالعقل، وإن أُخذتا من حيث هما حاصلتان في المحسوسات فلا يُدركهما إلاّ القوّة الجسمانيّة الخياليّة، أو الوهميّة .

فلا وجه لتخصيص أحداهما بالأعرفيّة عند العقل، والأُخرى بالأعرفيّة عند الخيال.(4)

وأجاب عنه المحقّق الشّريف: بأنّ مدرك الكلّيات والجزئيّات هو العقل ; أي النّفس النّاطقة .

لكّنها تدرك الكلّيات بذاتها، والجزئيّات بآلاتها .

فتدرك أوّلاً بآلاتها جزئيّات متكثّرة ; ترتسم صورها في تلك الآلات، ثمّ تنتزع منها بحذف مشخّصاتها صورة واحدة كلّية ترتسم في ذاتها. وهي معروضة للوحدة كما كانت جزئيّاتها معروضة للكثرة.


1 . لأنّ الوحدة أمر عقليّ والمعقولات أُمور عامّة أوّل ما يتصرّف فيها العقل بالتّقسيم يتصوّر كلاًّ منها واحداً ثمّ، يقسّمه إلى كذا وإلى ما ليس كذا. لاحظ: الأسفار : 2 / 83 .
2 . لكون الكثرة مرتسمة في الخيال أوّلاً لأنّ ما يرتسم في الخيال محسوس، والمحسوس كثير . لاحظ: الأسفار: 2 / 83 .
3 . ذكره المحقّق القوشجي في شرحه: لاحظ: شرح تجريد العقائد: 97 .
4 . أي الكثرة تحصّل أوّلاً في الخيال، والوحدة تنتزع منها ويتحصّل في العقل .


صفحه 175

ولا شكّ أنّ المرتسم في ذات النّفس يكون أقرب منها،(1) وأعرف عندها نظراً إلى ذاتها وحدّها من المرتسم في آلاتها .

وأنّ المرتسم في آلاتها أقرب منها (2)، وأعرف عندها(3) من حيث هي مأخوذة مع آلاتها.

فكذا حال عارضيهما، أعني: الوحدة والكثرة.(4)

وأورد عليه الشّارح القوشجي: أنّه قد ترتسم في النّفس صور كلّية كثيرة، فكما أنّ الجزئيّات المرتسمة في آلاتها معروضة للكثرة، كذلك تلك الكلّيات المرتسمة في النّفس.

وكما أنّ كل واحد من تلك الكلّيات معروض للوحدة، كذلك كلّ واحد من الجزئيّات المرتسمة في آلاته .

فلا وجه لتخصيص الوحدة بالعروض لما ارتسم في النّفس والكثرة لما ارتسمت في الخيال .(5)

وأقول: إنّ في الكثرة تفصيلاً يعين على تصوّرها وملاحظتها كذلك ـ أعني: مفصلة ـ الخيال ، سواء كانت الكثرة مرتسمة في النّفس أو في الخيال،


1 . أي النّفس .
2 . أي الآلات .
3 . أي النّفس .
4 . لاحظ: شرح المواقف: 4 / 25 / الموقف الثاني / المقصد الأوّل من المرصد الرابع; وشرح تجريد العقائد: 97 ـ 98 .
5 . نُقل بالمعنى. راجع: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 98 .


صفحه 176

فتلك الكلّيات الكثيرة المرتسمة في النّفس ; إذا أرادت النّفس ملاحظتها من حيث هي كثيرة لا يتيسّر ذلك، إلاّ بإعانة الخيال.

بخلاف الوحدة; فإنّه لا يحتاج تصوّرها وملاحظتها إلى إعانة الخيال، سواء كانت الوحدة مرتسمة في النّفس، أو في الخيال، وذلك ظاهر جدّاً بالوجدان.

وهذا هو مراد الشّيخ من أعرفيّة الكثرة عند الخيال.

وغرضه أنّ الكثرة لكونها خياليّة لا يحتاج إلى تعريف أصلاً.

ولهذا قال(1): «إنّها تتخيّلها أوّلاً». وأمّا الوحدة فقد يحتاج إلى تنبيه لفظيّ يشير إلى معنى حاصل في النّفس بذاته، غير حاضر عندها، بكونه مسلوباً عنه هذا الحاضر في الخيال المسمّى بالكثرة، فليتفطّن .

وأمّا ما أجاب به المحقّق الدّواني: من أنّ التعقّل(2) الصّرف إنّما هو العلم الإجمالي المستفاد من المبادئ العالية، والتّفصيل إنّما هو للنفس بمعونة القوى .

وأنّ الخيال لا يتمكّن من تخيّل أمر واحد من غير اشتماله على الكثرة ; حيث لا ترتسم فيه إلاّ الصّورة المقترنة بوضع مخصوص وشكل مخصوص إلى غير ذلك ; بمعنى أنّ الخيال لا يدرك النّقطة مثلاً بخصوصها وحدها، بل مع مجموع الأُمور المقترنة .(3)


1 . الشّيخ الرّئيس .
2 . أي التّعقّل الّذي لا يكون بأعانة الخيال.
3 . نقل بالتّلخيص. لاحظ: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 98 .


صفحه 177

فيرد عليه: أنّ حصر التعقّل في العلم الإجمالي غير مطابق للواقع .

وأنّ المجموع المدرك للخيال كما هو معروض الكثرة معروض للوحدة أيضاً لا محالة، بل الوحدة أيضاً مدرك للخيال في ضمن الكثرة.

وكذا ما ذكره سيّد المدقّقين: من أنّ الآحاد أسبق إلى العقل من الكثير المؤلّفَ منها; إذ العقل يعرف المؤلّف بعد معرفة آحاده.

والكثير أسبق إلى الخيال من آحاده، إذ الخيال بحسب الغالب ينال أوّلاً المؤلّفَ، ثمّ يفصّل أجزاءه.

فإنّه يرد عليه: أنّ الكلام في مطلق الوحدة لا في ضمن الكثرة.

وأنّ الخيال كلّما نال المؤلّف أوّلاً ناله من حيث هو واحد، فليتدبّر.


صفحه 178

المبحث الثّاني

في أنّ الوحدة والكثرة ليستا ثابتة في الأعيان

قال: وليست الوحدةُ أمراً عينيّاً بل هي من ثواني المعقولات، وكذا الكثرةُ.

أقول: وليست الوحدةُ أمراً عينيّاً زائداً على الماهيّة بحسب الوجود الخارجي .

وإلاّ لكانت واحدة لا محالة فلها وحدة عينيّة هي أيضاً واحدة. وهكذا، فيلزم التّسلسل(1) .

بل هي عين الماهيّة في الخارج وزائدة عليها في العقل كالوجود والتّشخّص .

وهذا معنى كونها من المعقولات الثّانية على ما قال(2) : بل هي من


1 . هذا ما استدلّ به عدّة من الحكماء ومنهم شيخ الإشراق في حكمة الإشراق: 65 ـ 66 ; والعلاّمة الحلّي (رحمه الله) في كشف المراد: المسألة الثامنة من الفصل الثاني ; والشارح القوشجي في شرح تجريد العقائد: 98 ، لكن أورد عليه الرّازي في المباحث المشرقيّة: 1 / 86 / الفصل الرابع; وشارح المقاصد في شرح المقاصد: 2 / 30 / المبحث الأوّل ; وصدر المتألهين في الأسفار: 2 / 88 ; والعلاّمة الطباطبائي (رحمه الله) في نهاية الحكمة: المرحلة السابعة / الفصل الأوّل. وردّه العلاّمة الحلّي (رحمه الله)في ايضاح المقاصد: 57 / المسألة الثانية من المبحث الثالث .
2 . أي المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 179

ثواني المعقولات(1)، وقد عرفت معناها فيما سبق .(2)

وكذا الكثرة أيضاً، لأنّها ملتئمة من الوحدات، فحكمها حكمها.

وإذا عرفت المراد من نفي عينيّة الوحدة والكثرة، فلا منافاة بينه وبين حكم الشّيخ بوجودهما في الاعيان .

حيث قال في " إلهيات الشّفاء ": «إنّ العدد له وجود في الأشياء ووجود في النفس .

وليس قول من قال: إنّ العدد لا وجود له إلاّ في النّفس شيئاً يعتدّ به .

أمّا إن قال: إنّ العدد لا وجود له مجرّداً عن المعدودات الّتي في الأعيان إلاّ في النّفس، فهو حقّ .

فإنّا إذ قد بيّنا أنّ الواحد لا يتجرّد عن الأعيان قائماً بنفسه إلاّ في الذّهن، فكذلك ما يترتّب وجوده على وجود الواحد .

وأمّا أنّ في الموجودات أعداداً، فذلك أمر لا يشكّ فيه إذا كان في الموجودات وحدات فوق واحدة. انتهى »(3).


1 . قال الشارح القوشجي: في كونهما من المعقولات الثانية نظرٌ، لأنّها عبارة عن عوارض الوجود الذّهني على ما سبق وهما يعرضان للموجودات في الخارج. راجع: شرح تجريد العقائد: 98 .
2 . في الجزء الأوّل من هذا الكتاب المسألة الخامسة عشرة والتّاسعة والعشرين من الفصل الأوّل.
3 . إلهيات الشّفاء: 1 / 119 / الفصل الخامس من المقالة الثالثة.


صفحه 180

المبحث الثّالث

في كيفيّة التّقابل بين الوحدة والكثرة

قال: وتقابلهما لإضافة العلّيّة والمعلوليّة والمكياليّة والمكيليّة لا لتقابل جوهريٍّ بينهما.

أقول: يعني إنّ التّقابل بين الوحدة والكثرة إنّما هو بالعرض لكونهما معروضين لإضافة العلّيّة والمعلوليّة والمكياليّة والمكيليّة .

فإنّ الوحدة علّة مقوّمة للكثرة ومكيالٌ لها; أي تُفنيها إذا أُخذت منها مرّة بعد أُخرى على ما هو المراد من الكيل، وليس بينهما تقابلبالذّات.

أمّا تقابل التّضاد فلوجهين:

الأوّل: أنّ الضدّ يبطل الضدّ بالذّات، والوحدة إذا حَلّت في موضع الكثرة لا يبطلها أوّلاً وبالذّات، بل إنّما يبطل أوّلاً وبالذّات وحدات الكثرة(1)، ثمّ يبطل الكثرة ببطلان وحداتها.

الثّاني: أنّ من شرط المتضادّين أن يكون لهما موضوع واحد بالعدد ; أي بالشّخص كما سيأتي .


1 . وليست الوحدات هي الكثرة إذ الكثرة مؤلّفة منها.


صفحه 181

وليس لوحدة بعينها، وكثرة بعينها موضوع واحد بالشّخص، بل بالنّوع.

وقد يجعل ذلك ـ أعني: وحدة الموضوع بالعدد ـ دليلاً على نفي التّقابل مطلقاً(1).

وليس بصحيح، لأنّ موضوع المتقابلين لا يجب كونه واحداً بالشّخص(2) كما سيأتي أيضاً.

وأمّا تقابل العدم والملكة : فلأنّ الوحدة موجودة في الكثرة مقوّمة لها. وكيف تكون ماهيّة الملكة(3) موجودة في العدم حتّى يكون العدم يتألّف من ملكات تجتمع ؟

وكذلك إن كانت الملكة هي الكثرة، فكيف تكون تركيب الملكة من أعدامها ؟(4)

وأمّا تقابل(5) السّلب والإيجاب:(6) فلمثل ذلك أيضاً.

وأمّا تقابل التّضايف: فلأنّ الكثرة ليس إنّما تعقل ماهيّتها بالقياس إلى الوحدة، حتّى تكون إنّما هي كثرة لأنّ هناك وحدة، بل إنّما هي كثرة بسبب


1 . أي سواء أكان التّقابل بالتّضاد أم بغيره من الاقسام التّقابل.
2 . فإنّ موضوع المتضايقين ليس واحداً بالشّخص.
3 . إن كانت الملكة هي الوحدة.
4 . أي الملكة لأنّ الوحدة على هذا عدم الكثرة.
5 . أي عدم تقابل السّلب والايجاب في جوهر الوحدة والكثرة.
6 . كقولنا: زيد أبيض أو ليس زيد بأبيض .


صفحه 182

الوحدة. وفرقٌ بين ما لا يكون إلاّ بشيء، وبين ما لا يعقل ماهيّته إلاّ بالقياس إلى شيء.

وأيضاً لو كان بينهما تضايف لكان تعقّل ماهيّة كلّ منهما بالقياس إلى الآخر، فكان تعقّل ماهيّة الوحدة من حيث هي وحدة بالقياس إلى الكثرة، ولكانتا متكافئتين في الوجود. وظاهرٌ أنّ الأمر ليس كذلك. هذا خلاصة ما قاله الشّيخ في " إلهيات الشفاء ".(1)

وأمّا ما يقال(2) في كون التّقابل بينهما بالذّات، من أنّا إذا نظرنا إلى مفهومهما وقطعنا النّظر عن كون إحداهما علّةً للآخر أو مكيالاً له، جَزَمْنا بأنّ الشّيء الواحد لا يكون في زمان واحد من جهة واحدة واحداً وكثيراً.

فيجاب عنه: بأنّه لو أراد أنّ العقل يحكم بأنّه لو انتفى العوارض الّتي جُعلت وسائِطَ بقي التّنافي بينهما، فهو ممنوع.

وإن أراد ما(3) هو المتبادر من هذا الكلام، وهو أنّه لا يحتاج العقل في الجزم بالتّنافي بينهما إلى ملاحظة تلك الوسائط، فيرد عليه: أنّه إنّما يدلّ على انتفاء الواسطة في التّصديق دون الثّبوت، لجواز أن يكون امتناع اجتماعهما مستنداً في الواقع إلى ما يلزمهما من العوارض، فلا يكون تقابلهما بالذّات .


1 . لاحظ: إلهيّات الشّفاء: 1 / 126 ـ 130 / الفصل السادس من المقالة الثالثة.
2 . القائل هو الشارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 100 .
3 . في ب: «أراد أنّ ما».


صفحه 183

المبحث الرّابع

في أقسام الوحدة

قال: ثمّ معروضهما قد يكون واحداً، فله جهتان بالضّرورة، فجهةٌ الوحدة إن لم تُقوّم جهةَ الكثرة ولا تعرض لها فالوحدةُ عرضيّةٌ، وإن عرضت كانت موضوعات أو محمولاتٌ عارضةٌ لموضوع أو بالعكس، وإن قوَّمتْ فوحدةٌ جنسيّةٌ أو نوعيّةٌ أو فصليّةٌ.

وقد يتغاير معروضاهما، فموضوعُ مجرّد عدمِ الانقسام لا غير وحدةٌ شخصيّة بقول مطلق، وإلاّ نقطةٌ إن كان له مفهومٌ زائدٌ ذو وضع، أو مفارقٌ إن لم يكن ذا وضع; هذا إن لم يقبل القسمة وإلاّ فهو مقدار أو جسمٌ بسيط أو مركّب.

وبعضُ هذه أولى من بعض بالوحدة.

والهو هو على هذا النّحو.

أقول: قوله : ثمّ معروضهما(1) قد يكون واحداً فله(2) جهتان، لامتناع اجتماع الوحدة والكثرة في موضوع واحد من جهة واحدة بالضرورة .

فجهةُ الوحدة إن لم تقوّم جهةَ الكثرة ولم تعرض لها; أي لم يكن غير خارجة عنها، ولا خارجة محمولة عليها .


1 . أي معروض الوحدة والكثرة .
2 . أي لمعروض الوحدة والكثرة.


صفحه 184

بل تكون خارجة غير محمولة .

فالوحدةُ عرضيّةٌ،(1) كما يقال نسبة النّفس إلى البدن هي نسبة المَلِك إلى المدينة .(2)

ومعناه أنّهما متّحدان في التّدبير، وهو ليس مقوّياً ولا عارضاً لشيء منهما.

إذ ليس محمولاً عليها لا بالمواطاة، ولا بالاشتقاق .

أمّا الأوّل: فلأنّ نسبة النّفس إلى البدن مثلاً ـ أعني: تعلّقها به ـ ليست تَدبيراً له، بل هو سبب لتدبيره والتّصرف فيه .

وأما الثّاني: فلأنّ المدبّر ليس هو التّعلّق، بل النّفس، فهو عارض لها.

فإن اعتُبرت الوحدة بين النّفس والملك في التّدبير، أو بين النّسبتين في كونهما منشأ للتّدبير، كانت(3) من قبيل الاتّحاد في العارض المحمول الّذي سيأتي .

وإذ اعتبرت(4) بين النّسبتين في كونهما نسبة، كانت جهة الوحدة حينئذ: إمّا مقوّمة لجهة الكثرة(5)، أو عارضة لها .(6)


1 . للكثرة.
2 . وكنسبة الرُّبّان إلى السّفينة فإنّه ليس هناك نسبة واحدة ولا حالة واحدة، بل هما نسبتان وحالتان، فالوحدة بينهما عرضيّة.
3 . الوحدة.
4 . هذه الوحدة.
5 . إن كانت النّسبة جنساً لما تحتها من الأفراد.
6 . إن كانت النسبة أمراً خارجاً لما تحتها من الأفراد.


صفحه 185

وأمّا إذا اعتبرت بين النّسبتين في التّدبير، فهو الّذي جهة الوحدة فيه غير عارضة لجهة الكثرة ولا مقوّمة كما بيّنا.

ثمّ إنّ تثليث قسمة جهة الوحدة بالتّقويم والعروض ومقابلهما وتسمية المقابل بالوحدة العرضيّة على ما ذكره المصنّف(رحمه الله) والمتأخّرون، ليس في كلام الشّيخ .

بل الشيخ سمّى ما تكون جهة الوحدة فيه عارضاً، سواء كان محمولاً(1) أو موضوعاً بالواحد وبالعرض(2)، وغيره بالواحد بالذّات، وسمّي وحدة النّسبتين وحدة بالمناسبة، وجعلها من أقسام الواحد بالذّات .

حيث قال في " إلهيات الشفاء" : إنّ الواحد يقال بالتّشكيك على معان (3) تتّفق في أنّها لا قسمة فيها بالفعل من حيث كلّ واحد هو هو(4)، لكن هذا المعنى (5) يوجد فيها بتقدّم وتأخّر ، وذلك بعد الواحد بالعرض(6) .


1 . كما يقال: القطن والثلج واحد في البياض .
2 . كما يقال: الضاحك والكاتب واحد في الإنسانيّة.
3 . أي يكون الاشتراك الواحد بين هذه المعاني اشتراكاً لفظيّاً فيكون المراد بالمعاني الأفراد.
4 . أي الواحد بالشّخص ما ليس فيه قسمة بالتّشخّص، والواحد بالنّوع ما ليس فيه قسمة بالنّوع وهكذا.
5 . أي القسمة.
6 . يعني أنّ الواحد بالعرض لا يتّفق في معنى واحد لأنّه لابدّ فيه من تعدّد . قال صدر المتألّهين في تعليقه على الشّفاء: الواحد يقال على أشياء بالتّشكيك بالشدّة والضعف، والتقدّم والتأخّر، وتلك الأشياء كلّها واحدة بالذّات مع اختلافها في تمامية الوحدة ونقصها وتقدّمها وتأخّرها وهي كلّها غير الواحد بالعرض، فإنّه في ذاته كثير وله وحدة عارضة.


صفحه 186

والواحد بالعرض (1): هو أن يقال في شيء يقارن شيئاً آخر إنّه هو الآخر وإنّهما واحد .

وذلك: إمّا موضوع ومحمول عرضي ; كقولنا: إنّ زيداً وابن عبد الله واحد، وإنّ زيداً والطبيب واحد.

وإمّا محمولان في موضوع: كقولنا: إنّ الطبيب وهو ابن عبد الله واحد، إذ عرض أن كان شيء واحد طبيباً وابن عبد الله .

أو موضوعان في محمول واحد عرضي: كقولنا: الثّلج والجصّ واحد;


1 . قال صدر المتألهين الشّيء الواحد على ضربين: حقيقيٌّ: ويقال له الواحد بالذّات .
وغير حقيقيّ: ويقال له الواحد بالعرض. وهوما يكون أشياء متعدّة بالذّات متوافقة في أمر واحد هو جهة وحدتها ، وهي إمّا مقوّمة لتلك الأشياء أو عارضة لها، أو لا مقوّمة ولا عارضة، بل إضافة محضّة ونسبة صرفة، كما يقال: نسبة المُلك إلى المدينة، والنّفس إلى البدن واحدة ; أي هما واحد في النّسبة. والأوّل: قد يكون جنساً لها، فيقال: إنّ الإنسان والفرس مثلاً واحد في الجنس، أعني: في الحيوانيّة. وقد يكون نوعاً، فيقال: إنّ زيداً وعمراً واحد في النّوع، أعني الإنسانيّة. وهذا الاتّحاد يساوق الاتّحاد في الفصل، كالنّاطق في مثالنا. والثاني: إمّا أن يكون موضوعاً لها، كالكاتب والضّاحك المتّحدين في موضوع واحد المحمولين عليه، أو الموجودين فيه، كقولنا: الإنسان كاتب وضاحك، وكقولنا: زيد طبيب وابن عبد الله، فهو الاتّحاد بالموضوع، فيقال: هما واحد في الموضوع، وقد يكون محمولاً لها، والاتّحاد بالمحمول، كالقطن والثّلج المتّحدان في البياض والأبيض المحمول عليهما اشتقاقاً أو مواطاة. لاحظ: التعليقات لصدر المتألهين: 86 .


صفحه 187

أي في البياض، إذ قد عرض أن حمل عليهما عرض واحد .

لكن الواحد بالذّات: منه واجب بالجنس، ومنه واحد بالنّوع وهو الواحد بالفصل، ومنه واحد بالمناسبة، ومنه واحد بالموضوع، ومنه واحد بالعدد .

ثمّ قال: وأمّا الواحد بالمناسبة(1) فهو بمناسبة مّا، مثل أنّ حال السّفينة عند الرُّبّان وحال المدينة عند المَلك واحدة، فإنّ هاتين حالتان متّفقتان، وليس وحدتهما بالعرض، بل وحدة ما يتّحد بهما بالعرض; أعني: وحدة السّفينة والمدينة بهما(2) هي وحدة بالعرض، وأمّا وحدة الحالتين فليست الوحدة الّتي جعلناها وحدة بالعرض. انتهى».(3)

ثمّ إنّ في كون الوحدة ; أي وحدة(4) النّسبتين من القسم المقابل ـ أعني: ما لا يكون جهة الوحدة فيه ذاتيّة ولا عارضيّة ـ على ما ذكروه بحثاً أورده سيّد المدقّقين: وهو أنّ الظّاهر أنّ المراد من النّسبتين هو التّدبيران(5)


1 . واعلم: أنّ لاقسام الواحد غير الحقيقي أسامي مخصوصة، فالمشاركة والاتّحاد في الجنس مجانسة، وفي النّوع مماثلة، وفي الكيف مشابهة، وفي الكمّ مساواة وفي الوضع مطابقة، وفي الإضافة مناسبة وللمناسبة أنواع كثيرة كالمحاذاة والموازاة والمواخاة والمصاحبة والمناجاة وغيرها من أقسام الاتّحاد في النّسبة. راجع: تعليقات على الشّفاء لصدر المتألّهين: 86 .
2 . أي من قبيل وحدة الثّلج والجصّ.
3 . راجع: إلهيّات الشفاء: 1 / 97 ـ 102 / الفصل الثاني من المقالة الثالثة.
4 . في أ، ب و ج: كلمة «أي وحدة» ساقطة.
5 . في ب: «التّدبير».


صفحه 188

وليس التّدبير غير محمول عليهما.(1)

وأنا أقول: ولو سلّم أنّ المراد من النّسبة هاهنا هو التعلّق الّذي يكون سبباً للتدبير على ما ذكرنا موافقاً لما في " شرح المواقف (2)".

فلا نسلّم أنّ اتّحاد النّسبتين إنّما هو في التّدبير، بل في كونهما تعلّقاً خاصّاً من شأنه أن يكون سبباً للتدبير المخصوص.

كما أنّ اتّحاد التّدبيرين إنّما هو في كونهما تدبيراً مخصوصاً .

ولا شبهة في كون التّعلّق الخاصّ محمولاً عليهما، كما في التّدبير المخصوص .

وفي كلام الشّيخ أيضاً بحث، أورده المحقّق الدّواني: وهو أنّ وحدة النّسبتين إن كانت لماهيّتهما، أو لذاتي من ذاتياتهما، فيدخل في الوحدة الجنسّية، أو النّوعيّة أو الفصلية.

وإن كانت لأمر خارج، فيدخل في الواحد بالعرض على مقتضى تعريفه.

وعلى الوجهين ; لا يصحّ جعله قسماً برأسه من أقسام الواحد بالذّات.

وأجاب عنه سيّد المدقّقين: بأنّ المراد بجهة الوحدة هاهنا ما يقال له الواحد نظراً إلى حاله، لا نظراً إلى وحدةِ أمر آخر .

وهي (3): قد تكون عارضة للكثير، كالبياض للقطن والثلج .


1 . في ب: «عليها».
2 . لاحظ: شرح المواقف: 4 / الموقف الثاني، المقصد الخامس من المرصد الرابع .
3 . أي الوحدة.


صفحه 189

وقد تكون مقوّمة، كجنس الإنسان والفرس .

وقد تكون ذات الكثير لا من حيث هي كثيرة كالواحد بالاتّصال، فإنّ قول الواحد له وإن كان بواسطة عروض الاتّصال، لكن ليس بالنّظر إلى وحدة الاتّصال، بل بالنّظر إلى حالة ذاته المتّصلة.

وكذا قول: الواحد للنّسبتين(1) المذكورتين، وإن كان بواسطة عروض التّناسب لهما، لكنّه ليس بالنّظر إلى وحدة التّناسب، بل بالنّظر إلى ذات المتناسبين.

فتكون جهة الوحدة ذاتهما، لا من حيث الكثرة، فلذلك عدّها الشّيخ من الوحدات بالذّات. انتهى .(2)

وفيه تأمّل .

فإنّ الشّيخ قال في آخر الفصل: «وأمّا الأشياء الكثيرة بالعدد، فإنّما يقال لها من جهة أُخرى واحدة، لاتّفاق بينهما في معنى :

فإمّا أنْ يكون اتّفاقهما في نسبة .

أو في محمول غير النّسبة .(3)

ثمّ قال: إنّ الواحد بالجنس أولى بالوحدة من الواحد بالمناسبة».(4)


1 . أي نسبة النّفس إلى البدن ونسبة المَلك إلى المدينة.
2 . لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 131 .
3 . أي كنسبة النّفس إلى البدن والمَلك إلى المدينة.
4 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 102 ـ 103 / الفصل الثاني من المقالة الثالثة.


صفحه 190

وهذا صريح(1) في أنّ جهة الوحدة في الواحد بالمناسبة هي النّسبة، لا الذات الواحدة .

وأنّ النّسبة محمولة، وأنّها غير مقوّمة للواحد.(2)

وبالجملة أنّ المقام لا يخلو عن إشكال.

ثمّ قال(3): والظّاهر من كلام المصنّف، أنّه أراد بالمقوّم ما هو المتبادر منه.

ولذلك حصر ما قوّمت جهة الوحدة فيه في أقسام ثلاثة: هي الواحد بالجنس، والواحد بالفصل، والواحد بالنّوع .

ولم يعدّ(4) فيه(5) ما تكون جهة الوحدة ذاته، كالواحد بالاتّصال، والواحد بالتّماس، والواحد بالتّناسب، بل أشار إلى هذا القسم بقوله: «فالوحدة عرضيّة. انتهى» .(6)

وفيه: أنّ تسمية هذا القسم بالعرضيّة غير مناسب، على أنّ ذلك لا يرفع المخالفة بين كلام المصنّف وكلام الشّيخ.

بخلافه على التّوجيه المشهور، إذ قيل فيه: لأنّ اتّصاف جهة الكثرة


1 . باعتبار القول الأوّل، أعني: أن يكون اتّفاقهما في نسبة.
2 . هذا مستفاد من القول الثّاني، أعني: أو يكون في محمول غير النّسبة.
3 . أي سيّد المدقّقين.
4 . أي المصنّف (رحمه الله) .
5 . أي المقوّم .
6 . لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 131 .


صفحه 191

بالوحدة في هذا القسم إنّما يكون بالتّبعيّة وبالعرض لا بالذّات .

فإنّ اتّصاف النّسبتين في المثال المذكور بالوحدة من حيث التّدبير إنّما هو بالعرض، وبتبعيّة اتّصاف النّفس والمَلك بالوحدة من حيث التّدبير، على طريقة وصف الشّيء بوصف متعلّقه .

ولا يرد عليه ما أورده هو(1); من أنّه لو كان كذلك، لزم أن يكون وصف الأقسام بأسرها عرضيّة لكونها بالتّبعية وبالعرض، على طريقة وصف الشّيء بوصف متعلّقه، مثلاً وصف الواحد بالجنس كالإنسان والفرس بالوحدة وصف بحال متعلّقه الّذي هو جنسه وهكذا.

وذلك لأنّ في سائر الأقسام جهة الوحدة، سواء كانت ذاتيّة أو عرضيّة، محمولة على جهة الكثرة، بخلافها في هذا القسم، فلعلّ هذا يكفي فارقاً في كون الاتّصاف فيه بالتّبع بخلافه فيها، هذا.

ثمّ إنّه لا يخفى ممّا ذكر أنّ الواحد بالذّات المقابل للواحد بالوحدة العرضيّة أعمّ من الواحد بالذّات المقابل للواحد بالعرض .

ثمّ اعلم: أنّ الواحد بالموضوع، الّذي عدّه الشّيخ من جملة أقسام الواحد بالذّات، المراد به كما صرّح(2) هو به: هو الواحد بالنوّع الّذي من شأنه أن يصير واحداً بالعدد، فإنّ الواحد بالنّوع الكثير بالعدد قد يكون من شأن ذلك الكثير بالعدد أن يتّحد فيصير واحداً بالعدد.


1 . أي سيّد المدقّقين.
2 . أي الشّيخ الرّئيس .


صفحه 192

وذلك كالمياه الكثيرة، إذا جعلت ماء واحداً، فتلك المياه الكثيرة حين هي كثيرة واحدة بالنّوع، وذلك ظاهر، وواحدة بالموضوع أيضاً، لأنّ من شأن موضوعات ذلك العدد الكثير أن يتّحد فيصير موضوعاً واحداً بوحدة بالفعل.

بخلاف أفراد الإنسان مثلاً، فإنّها واحدة بالنّوع وليس بواحدة بالموضوع، إذ ليس من شأنها أن يتّحد فيصير واحداً بالعدد .

وإن عرضت جهة الوحدة لجهة الكثرة(1) كانت(2) هناك موضوعات معروضة لمحمول واحد كما في وحدة الجصّ والثّلج من حيث البياض المحمول عليهما، أو محمولات عارضة لموضوع واحد، كما في وحدة الكاتب والضّاحك العارضين للإنسان الموضوع لهما، وهو خارج عنهما ومحمول عليهما، وهذا هو معنى العارض .

فمجموع قوله: عارضة لموضوع وبالعكس ; أي معروضة لمحمول صفة لمجموع قوله: «موضوعات أو محمولات» من قبيل النّشر على عكس ترتيب اللّفّ كما شرحناه .

فيكون قوله: «وبالعكس» عطفاً على قوله: «عارضة لموضوع» وعكساً له فقط .

وجعله الشّارح القديم عكساً لمجموع قوله: «محمولات عارضة


1 . كما في وحدة القطن والثّلج من حيث البياض، فإنّ القطن والثّلج كثير بذاتهما واحد من حيث أنّهما أبيض فالأبيض جهة الوحدة وهو عارض لذاتي القطن والثّلج .
2 . أي جهة الكثرة.


صفحه 193

لموضوع» وعطفاً عليه;(1) أي وموضوعات معروضة لمحمول، فاستدرك لفظة موضوعات، وحملها على زيادة النّساخ.

ودفعه المحقّق الشريف: بما شرحناه به .

وإن قوّمت(2) جهة الوحدة لجهة الكثرة، فوحدة جنسيّة،(3) كوحدة الإنسان والفرس في الحيوان .

أو نوعيّة(4) كوحدة زيد وعمرو في الإنسان .

أو فصليّةٌ كوحدتهما في النّاطق .

وقد يتغاير(5) معروضاهما(6); أي قد يكون معروض الوحدة غير معروض الكثرة، وهو الواحد بالعدد وهو على أقسام.

قال الشّيخ: «إنّ الواحد بالعدد لا شكّ أنّه غير منقسم بالعدد من حيث هو واحد به(7)، بل ولا غيره ممّا هو واحد غير منقسم من حيث هو واحد، لكنّه يجب أن ينظر فيه من حيث الطّبيعة الّتي عرض لها الوحدة،


1 . أي المجموع .
2 . أي كانت جهة الوحدة ذاتيّة لجهة الكثرة.
3 . أي إن كانت جهة الوحدة جنساً لجهة الكثرة.
4 . أي إن كانت نوعاً لها.
5 . قوله: «وقد يتغاير» عطف على قوله: «قد يكون واحداً» .
6 . في تجريد العقائد ومتن كشف المراد: جملة «معروضاهما» ساقطة، لكن الظّاهر انّ «معروضاهما» توضيح لقوله: «وقد يتغاير».
7 . وإلاّ لزم اجتماع النّقيضين وهي الانقسام وعدم الانقسام في ذات واحدة من جهة واحدة.


صفحه 194

فيكون الواحد بالعدد، منه ما ليس من طبيعته الّتي عرض لها الوحدة أن يتكثّر مثل: الإنسان الواحد(1).

ومنه ما من طبيعته ذلك(2)، كالماء الواحد، والخطّ الواحد، فإنّه قد يصير الماء مياهاً والخطّ خطوطاً .

والّذي ليس من طبيعته ذلك :

فإمّا أن يكون قد يتكثّر من وجه آخر .

وإمّا أن لا يكون .

مثال الأوّل: الواحد بالعدد من النّاس، فإنّه لا يتكثّر من حيث طبيعته ; أي من حيث هو إنسان إذا قسم، لكنّه قد يتكثّر من جهة أُخرى إذا قسم إلى نفس وبدن، فيكون له نفس وبدن، وليس واحد منهما بإنسان .

وأمّا الّذي لا يكون(3)، فهو على قسمين :

إمّا أن يكون موجوداً له ـ مع أنّه شيء ليس بمنقسم ـ طبيعة أُخرى .

وإمّا أن لا يكون.

فإن كان موجوداً له مع ذلك طبيعة أُخرى :

فإمّا أن تكون تلك الطّبيعة هي الوضع وما يناسب الوضع، فيكون


1 . فإنّه يمتنع أن يصير إنسانين.
2 . أي أن يتكثّر.
3 . أي أن يتكثّر من جهة أُخرى.


صفحه 195

نقطة، والنّقطة لا تنقسم من حيث هي نقطة، ولا من جهة أُخرى، وهناك طبيعة غير الوحدة المذكورة .

وإمّا أن لا يكون الوضع وما يناسبه، فيكون مثل العقل والنفس، فإنّ العقل له وجود غير الّذي يفهم منه أنّه لا ينقسم، وليس ذلك الوجود بوضع، وليس ينقسم في طبيعته ولا في جهة أُخرى .

وأمّا الّذي لا يكون هناك طبيعة أُخرى، فكنفس الوحدة الّتي هي مبدأ العدد، أعني: الّتي إذا أُضيف إليها غيرها صار مجموعهما عدداً.

فمن هذه الأصناف من الوحدة ما لا ينقسم مفهومه في الذّهن، فضلاً عن قسمة ماديّة مكانيّة وزمانيّة .

ولنعد إلى القسم الّذي يتكثّر أيضاً من حيث له الطّبيعة الواحدة بالوحدة ومن حيث الاتّصال .

فمن ذلك أن يكون تكثّره في الطّبيعة الّتي هي لذاتها معدَّة للكثرة عن الوحدة، وهذا هو المقدار.

ومن ذلك ما(1) يكون تكثّره في طبيعة إنّما لها الوحدة المعدّة للتكثّر بسبب غير نفسها، وذلك هو الجسم البسيط مثل الماء ; فإنّ هذا الماءٌ(2) واحد بالعدد وهو ماء، وفي قوته أن يصير مياهاً كثيرة بالعدد لا لأجل المائيّة،


1 . في المصدر: «أن يكون».
2 . في أ و ب: جملة «وهو ماءٌ» ساقطة.


صفحه 196

بل لمقارنة السّبب الّذي هو المقدار. انتهى»(1) .

فقول المصنّف (رحمه الله): فموضوعُ(2) مجرّدِ عدمِ الانقسام لا غير(3)وحدةٌ شخصيّةٌ(4) بقول مطلق (5).

إشارة إلى الوحدة الّتي هي مبدأ العدد; أي الموضوع الّذي مفهومه مجرّد عدم الانقسام وحدة شخصيّة يعبّر عنها بالوحدة المطلقة من غير تقييد، بأن يقال: وحدة النّقطة أو الخطّ، إلى غير ذلك .

فإضافة موضوع إلى مجرّد عدم الانقسام من قبيل إضافة البيانيّة، ولا يستدعي ذلك أن يكون الموضوع هو نفس مفهوم عدم الانقسام الكلّي، ليرد عليه: أنّ هذا المفهوم لا يكون وحدة شخصيّة.

وقوله(6): وإلاّ نقطةٌ إن كان له مفهومٌ زائدٌ ذو وضع; أي وإن لم يكن مفهومه مجرّد عدم الانقسام بل كان له مفهوم زائد على مفهوم عدم الانقسام،


1 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 99 ـ 101 / الفصل الثاني من المقالة الثالثة.
2 . مبتدأ، خبره: «وحدةٌ شخصيّةٌ».
3 . أي ما لا يكون له مفهوم سوى عدم الانقسام، وأراد بالموضوع، الذّاتَ يعني إنّ الذّات الّذي مفهومه مجرّد عدم الانقسام .
4 . في متن كشف المراد: لفظة «شخصيّة» ساقطة. والمراد بـ «وحدة شخصيّة» يعني وحدة هي شخص من أشخاص مفهوم الوحدة، فإنّ مفهوم الوحدة واحد من حيث الذّات كثير من حيث الأفراد فهو غير داخل في المقسم .
5 . أي وحدة شخصيّة معبّر عنها بقول مُطلق من غير إضافة ومنضمّة إلى شيء من المفاهيم، بأن يقال: وحدة الإنسان أو وحدة الخطّ أو وحدة العقل أو وحدة النّقطة وغير ذلك.
6 . أي المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 197

وكان ذلك المفهوم الزّائد ذا وضع(1)، فذلك الموضوع نقطة شخصية.

إشارة إلى قول الشّيخ: «فإن كان موجوداً له مع ذلك طبيعة أُخرى، فإمّا أن يكون تلك الطّبيعة هي الوضع وما يناسبه، فيكون نقطة».

وقوله: أو مفارق(2) إن لم يكن ذا وضع، إشارة إلى قول الشّيخ: «وإمّا أن لا يكون الوضع وما يناسبه، فيكون مثل العقل والنّفس».

وقوله: هذا إن لم يقبل موضوع الوحدة القسمةَ; أي لا من حيث طبيعته الّتي عرض لها الوحدة كالماء الواحد والخط الواحد ولا من جهة أُخرى كالإنسان الواحد على ما مرّ من كلام الشّيخ .

وإلاّ ; أي وإن قبل القسمة بأحد الوجهين، فهو مقدارٌ أو جسمٌ بسيطٌ (3)، إن كان قبوله(4) القسمة من حيث طبيعته الّتي عرض لها الوحدة مقدار إن كان قبوله القسمة لذاته .

وهذا قول الشّيخ. ومن ذلك ما تكون (5) تكثرة(6) في طبيعة إنّما لها الوحدة المعدّة للتّكثّر بسبب غير نفسها، وذلك هو الجسم البسيط مثل الماء .


1 . أي ذو قابليّة للإشارة الحسيّة فهو نقطة لو لم ينقسم .
2 . قوله: «مفارقٌ» عطف على قوله «نقطةٌ».
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
4 . أي الموضوع .
5 . في أ و ب: «أن تكون».
6 . في أ و ج: «متكثّرة» وفي ب: «تكثّره».


صفحه 198

والمراد بالبسيط هاهنا ما يشترك الكلّ والجزء في الاسم والحدّ، كالماء والياقوت .

أو جسم مركّب (1); إن كان قبوله القسمة من جهة أُخرى .

فإنّ المراد من المركّب ما يقابل البسيط بالمعنى المذكور ; أعني: ما لا يشترك الكلّ والجزء في الاسم والحدّ كالإنسان الواحد .

فقد استوفى جميع الأقسام الّتي مرّت في كلام الشّيخ .

ولا يرد (2): أنّ الكلام في معروض الوحدة الّتي لا يكون معروضاً للكثرة، والجسم المركّب واحد من حيث الذّات كثير من حيث الأجزاء.

وذلك، لأنّ الأجزاء ليست أجزاء له من الجهة الّتي عرضت له الوحدة العدديّة، بل أجزاء له من جهة أُخرى، مثل أجزاء الإنسان الواحد إذا قسم إلى نفس وبدن.

واعلم(3): أنّ تخصيص القابل للقسمة لا لذاته بالجسم ليس للحصر فيه، بل لينقسم إلى البسيط والمركّب لاستيفاء الأقسام، فلا ينتقض بالهيولى والصّورة وبما يحل في المقدار أو في محله حلولَ سرياني .

وبعض هذه الأقسام أولى من بعض بالوحدة، إشارة إلى أنّ الواحد مقول بالتّشكيك على ما تحته، كما مرّ في كلام الشيخ.


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله).
2 . المُورد هو الشّارح القوشجي: لاحظ: شرح تجريد العقائد: 102 .
3 . هذا ردّ على الشّارح القوشجي حيث قال: «فلا يرد النّقض بالهيولى لكن يرد النّقض بما يحلّ في أحدهما حلول سريان». انظر: شرح تجريد العقائد: 102 .


صفحه 199

فالواحد بالشّخص أولى بالوحدة من الواحد بالنّوع(1) وبالفصل، وهما من الواحد بالجنس .

وفيه وفي الواحد بالفصل تفاوت على حسب مراتبهما في القرب والبعد.

وكلّ مرتبة من الجنس أولى من الفصل في تلك المرتبة; لأنّ الجنس مقول في جواب ما هو، وإن كان الفصل أقلّ أفراداً .

ومن الواحد بالشّخص، ما لا ينقسم أولى بالوحدة ممّا ينقسم على حسب تفاوت مراتبهما .

والواحد بالذّات أولى من الواحد بالعرض. وبالعرض الخاصّ أولى ممّا بالعرض العام .

وكلّ ذلك أولى من الوحدة العرضيّة .

والكثرة أيضاً مقولة بالتّشكيك، لكونها في كلّ عدد أزيد منها فيما دونه.

والهو هو; مركّبٌ جُعل اسماً فعُرّف باللاّم، والمراد به الحمل الإيجابي مواطاة على هذا النحو (2); أي على نحو الوحدة في الانقسام إلى الأقسام .


1 . لأنّ وحدة النّوعي ذهنيّة ظليّة بخلاف وحدة بالشّخص وكذا في قوله: «وبالفصل وبالجنس». فلاحظ .
2 . قال الشّارح القوشجي: إنّ المراد به كما أنّ بعض أفراد الوحدة أولى من البعض بالوحدة كذلك بعض أفراد الحمل أوّلى من البعض بالحمليّة.


صفحه 200

فكما يقال: جهة الوحدة: إمّا مقوّمة وإمّا عارضة، فكذا جهة هو هو، فجميع أقسام الوحدة يتحقّق في أقسام هو هو .

لكن ينبغي أن يعتبر في هو هو الكثرة، فإنّه لا يتصوّر في الشّخص الواحد من حيث هو واحد بخلاف الوحدة .

أو في التّشكيك، فكما أنّ بعض أفراد الوحدة أولى من البعض بالوحدة، كذلك بعض أفراد الحمل أولى بالحمليّة من البعض .

فإن قيل(1) على الأوّل(2): فيكون انقسامه إلى الأقسام المذكورة باعتبار انقسام ما فيه من الوحدة، فهو بالحقيقة انقسام للوحدة .

وكذا كلّ مفهوم اعتبر فيه مفهوم الوحدة، بل كلّ مفهوم اعتبرفيه مفهوم آخر ينقسم باعتبار انقسامه، فأيّ فائدة للتعرّض بخصوص هو هو؟

وأيضاً هذا الكلام بعد الوحدة الشّخصيّة وأقسامها مع كونها غير مندرجة في هو هو غير ملائم .

أُجيب: بأنّ الهو هو اتّحادٌ مّا.

فأشار المصنّف بعد تفصيل أقسام الوحدة إلى أنّ أقسام الاتّحاد على نحو أقسام الوحدة، وهو معنى مفيد .


1 . القائل هو الشارح القوشجي: لاحظ : شرح تجريد العقائد: 102 .
2 . أي الهو هو على نحو الوحدة في الانقسام.


صفحه 201

ومن جملة فوائده أن لا يتوهم أنّ الهو هو مخصوص بالاتّحاد في الوجود، أو في غيره من أقسام الاتّحاد، وإن كان المتعارف تخصيص بعض وجوه الاتّحاد، فلا يقال: «زيد عمرو» .

وأشار(1) بقوله: «على هذا النحو» إلى أنّ أقسامه ليست بعينها أقسامها، وإلى عدم جريانه في الوحدة المحضة من غير كثرة .

وأمّا عدم الملائمة، فيندفع: بأنّه وإن كان لا يجري في الوحدة الشّخصية من غير اعتبار جهة الكثرة، لكنّه يجري فيها مع اعتبارها، كما تقول: «زيد الكاتب »، «زيد الضاحك».


1 . أي المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 202

اختلاف أسماء الوحدة باختلاف المضاف إليه وبطلان الاتحاد بين الشيئين

قال: والوحدةُ في الوصف العرضيّ والذّاتيّ تتغاير أسماؤها بتغاير المضاف إليه.

والاتّحادٌ محالٌ، فالهو هو يستدعي جَهَتَيْ تَغايُر واتّحاد على ما مرّ.

والوحدة ليست بعدد بل هي (1) مبدأ العددِ المتقوّم بها لا غير.

أقول: فالوحدة النّوعي تسمّى مماثلة، والجنس مجانسة، والكيف مشابهة، والكم مساواة، والوضع موازاة، والإضافة مناسبة، والأطراف مطابقة .

والاتّحاد(2) وهو صيرورة شيء شيئاً بعينه من غير أن يزول عنه شيء، أو ينضمّ إليه شيء آخر.

وهذا هو معناه الحقيقي، لأنّه المتبادر إذا أطلق .

ويطلق مجازاً على صيرورة شيء بطريق الاستحالة، وهي أن يزول عن الصائر شيء ويضاف إليه شيء آخر كـ «صيرورة الماء هواء» و «الأسود أبيض»، أو بطريق التّركيب كـ «صيرورة التّراب طيناً».

والاتّحاد بهذين المعنيين لا شبهة في جوازه ، بل في وقوعه .


1 . وقد سقطت عن متن كشف المراد: جملة «ليست بعدد بل هي» .
2 . من كلامه (رحمه الله) .


صفحه 203

وأمّا بالمعنى الحقيقي، فهو محال.

والدّليل المشهور عليه(1) أنّهما بعد الاتّحاد إن كانا باقيين، فهما اثنان لا واحد، وإلاّ فإن بقى أحدهما فقط، كان هذا فناء لأحدهما وبقاء للآخر، وإن لم يبق شيء منهما كان هذا فناء لهما وحدوثَ أمر ثالث، وأيّاً ما كان فلا اتّحاد(2)، هذا.

وظاهرٌ ورود منع الانحصار في الشّقوق الثّلاثة عليه لظهور احتمال أن لا يكون المتحقّق بعد فرض الاتّحاد شيئاً منهما، بل كان هناك صيرورة أحدهما بعينه الآخر. وظاهر أنّ ذلك غير كلّ واحد من تلك الشّقوق .

وقد يقرّر المنع(3) بأنّا لا نسلّم أنّهما لو كانا موجودين لكانا اثنين، وإنّما يكون ذلك لو لم يكونا بعد الاتّحاد موجودين بوجود واحد(4) هو نفس الوجودين قبل الاتّحاد، قد صارا واحداً .

ولا يلزم(5) من ذلك حلول عرض واحد هو الوجود الواحد في محلّين. وإنّما يلزم لو كان الموجودان بوجود واحد ذاتَين، وليس كذلك، بل


1 . أي على المحال.
2 . وبعبارة أُخرى: اتّحاد الاثنين غير معقول لأنّهما بعد الاتّحاد إن بقيا فهما اثنان وإن عدما فلا اتّحاد، وإن عدم أحدهما دون الآخر، فلا اتّحاد، لاستحالة اتّحاد المعدوم بالموجود.
3 . تعرّض له الفاضل القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 103 .
4 . ودفع بأنّ هذا الوجود الواحد إمّا أحد الوجودين الأوّلين فيكون فناء لأحدهما وبقاء للآخر، أو غيرهما، فيكون لهما وحدوثَ ثالث وأجيب عن هذا الدّفع بأنّهما موجودان بوجود واحد هونفس الوجودين الأوّلين صار واحداً.
5 . أي لا يقال: يلزم أن يكون واحداً بعينه حالاً في محلّين، لأنّا نقول: إنّما يلزم الخ .


صفحه 204

هما قد اتّحدا ذاتاً ووجوداً .

والحقّ أنّ الدّعوى بديهيّةٌ. والمذكور في صورة الاستدلال تنبيه عليها كما أشار إليه المصنّف في " شرح الإشارات(1) "وصرّح به المحقّقون.

وحاصل التّنبيه: هو تميّز المعنى المتنازع فيه من بين المعاني المحتملة ليلتفت إليه الذّهن بخصوصه فيجزم ببطلانه .

ووقوع النّزاع فيه، إنّما هو للخلط والاشتباه بين المعنى المراد وبين غيره ممّا يطلق عليه الاتّحاد، فلا ينافي كون الدّعوى ضروريّة .

فلا يرد ما أورده شارح المقاصد بقوله: «وأنت خبير بحال دعوى الضّرورة في محل النّزاع، وبأنّ امتناع اتّحاد الوجودين ليس بأوضح من اتّحاد الاثنين على الإطلاق ».(2)

وقد يستدلّ: بأنّ قبل الاتّحاد كان كلّ منهما متميّزاً عن الآخر .

فإن بقى ذلك التّميز بعد الاتّحاد كانا اثنين لا محالة .

وإن لم يبق، فقد زال ما زال تميزه، ضرورة زوال المتميّز بزوال تميّزه، فيكون هذا فناء لأحدهما وبقاء للآخر، أو فناء لهما وحدوث ثالث.

ولا يمكن أن يقال هاهنا ما يقال في الوجود بأن يقال: إنّهما بعد الاتّحاد متميّزان بتميّز واحد وهو نفس التّميّزين الأوّلين.


1 . لاحظ: شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 122 ـ 125 .
2 . شرح المقاصد: 2 / 39 / المبحث الثالث من المنهج الرابع.


صفحه 205

لأنّ كلاًّ من التّميّزين الأوّلين كان قد امتاز به أحد الاثنين عن الآخر. وهذا التّميّز لا يمتاز به أحدهما عن الآخر، فلا يكون نفسهما.

ويعترض(1) عليه: «بأنّ للمانع أن يقول تميّز أحد الاثنين عن الآخر كان لازماً لاثنينيّة التّميّز لا لذاته، فإذا زالت زال التميّز مع بقاء ذاته متّصفة بالوحدة(2)، هذا».(3)

وإذا بطل الاتّحاد(4)، فالهو هو، الّذي هو اتّحاد مّا لا محالة، يستدعي(5) جَهَتَيْ تَغاير واتّحاد على ما مرّ في مبحث الحمل(6) .

والوحدة ليست بعدد(7) لأنّ العدد ما فيه انفصال(8) ويوجد فيه واحد والوحدة لا انفصال فيها إلى وحدات. كذا في "الشّفاء ".(9)


1 . المعترض هو المحقّق الدّواني على قوله: «وهذا التّميز لا يمتاز به أحدهما عن الآخر».
2 . كما أنّ امتياز كلّ من الموجودين كان لازماً لتعدّدهما وقد زال بزوال التّعدّد مع بقاء ذاتهما بصفة الوحدة .
3 . لاحظ: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 103 .
4 . أي الّذي اثنينيّته صرفة ووحدته صرفة.
5 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
6 . في الجزء الأوّل من هذا الكتاب في المسألة الحادية والثلاثين من الفصل الأوّل .
7 . قال صدر المتألّهين: إنّ الوحدة ليست بعدد وإن تألّف منها لأنّ العدد كمّ يقبل الانقسام والوحدة لا يقبله، ومَن جعل الوحدة من العدد أراد بالعدد ما يدخل تحت العدّ فلا نزاع معه، لأنّه راجع إلى اللّفظ أي فالنّزاع لفظيّ. لاحظ: الحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 98. وكذا في شرح تجريد العقائد: 103 .
8 . أي انقسام إلى انقسام غير مشاركة في الحدود.
9 . لاحظ: إلهيّات الشّفاء: 1 / 123 / الفصل الخامس من المقالة الثالثة.


صفحه 206

قال المحقّق الشّريف: ومنهم من قال: «العدد ما يقع تحت العدّ» فجعل الوحدة عدداً لوقوعها في العدّ، فهي عنده عدد في نفسها ومبدأ لما عداها من الأعداد .

وليس عنده «كون العدد نصف مجموع حاشيتيه المتساوى القرب منه»(1) خاصّة شاملةً لجميع الأعداد(2)، ولا العدد مساوياً للكمّ المنفصل.(3) والنّزاع لفظي. انتهى .(4)

وقد يناقش في دخولها تحت العدد .

ولذلك يقال: عددتُ ما في البيت فكان عشرة مثلاً، ولا يقال: عددتُهُ فكان واحداً.

فإن قيل: الواحد يقع في جواب كم، وهذا يدلّ على دخوله تحت العدّ، بل على كونه عدداً.

أُجيب: بأنّ وقوعه في الجواب باعتبار أنّه مستلزم لسلب العدد، كما يقع السّلب في جواب كم، فإنّه يقال في جواب «كم رجل في البيت؟»(5) ليس رجل فيها.


1 . أي العدد .
2 . بل كان هذا التّعريف شاملاً لغير الواحد.
3 . بل هو أعمّ منه مطلقاً.
4 . لم نعثر على مصدره.
5 . يعني أنّ الجواب الحقيقي هو سلب العدد لمّا كان الواحد مستلزماً له أقيم في الجواب مقامه من باب إقامة الملزوم مقام اللاّزم.


صفحه 207

بل هي (1) مبدأ للعدد المتقوّم بها(2) لا غير; أي لا بغيرها.

يعني أنّ كلّ عدد من مراتب الأعداد مركّب من الوحدات الّتي مبلغ مجموعها ذلك العدد، لا من الأعداد الّتي تحته.

فإنّ العشرة مثلاً متقوّمة بالواحد عشر مرّات، لا بثلاثة وسبعة، ولا أربعة وستّة، ولا خمسة وخمسة، إلى غير ذلك من الأعداد الّتي تحتها.

قال أرسطو على ما نقل في " الشّفاء ": «لا تحسبنّ أنّ ستّة ثلاثة وثلاثة، بل هي ستّة مرّة واحدة. انتهى »(3).

ولهم في بيانه طريقان:

أحدهما: أنّه يمكن تصوّر كنه العشرة مع الغفلة عن هذه الأعداد الّتي تحتها، فلا يكون شيء منها ذاتيّاً لها .

وثانيهما: أنّ تقوّم العشرة بثلاثة وسبعة ليس بأولى من تقوّمها بأربعة وستّة، ولا من تقوّمها بأربعة وستّة، (4) ولا من تقوّمها بخمسة وخمسة.

فإمّا أن يتقوّم(5) بكلّ منها وهي محال، لأنّ كلّ واحد منها كاف في تقوّمها، فيستغني به عمّا عداه، مع أنّه ذاتيّ لها، فيلزم استغناء الشّيء عن


1 . أي الوحدة.
2 . أي الوحدة.
3 . إلهيات الشّفاء: 1 / 122 / الفصل الخامس من المقالة الثالثة.
4 . في أ، ب و ج: جملة «ولا من تقوّمها بأربعة وستّة» ساقطة، والظّاهر أنّها زائدة.
5 . أي تتقوّم العشرة بأربعة وستّة وخمسة، وخمسة وثلاثة وسبعة.


صفحه 208

ذاتيه، بل استغناؤه عنه وحاجته إليه معاً.

وإمّا أن يتقوّم بواحد منها فقط، وهو أيضاً محال، لاستلزامه التّرجيح بلا مرجّح.(1)

فإن قيل(2): تقوّمها بالوحدات أيضاً ليس بأولى من تقوّمها(3) بتلك الأعداد .

أُجيب: بالمنع، بل هو راجح باعتبار أنّه لازم على كلّ حال.

وفيه نظر: لأنّ الكلام في التقوّم الأولى، فإذا فرض أنّ التقوّم الأولى(4) للعشرة من سبعة وثلاثة مثلاً، لا يمكن أن يقال: إنّ تقوّمها الأولى من الوحدات(5) حاصل في ضمن ذلك أيضاً ،(6) وهكذا حتّى يقال: إنّ التّقوّم من الوحدات لازم على كلّ حال. وذلك ظاهر.

ولعلّ هذا هو مراد المحقّق الشّريف حيث قال بعد إيراد السّؤال المذكور(7): وكون تلك الأعداد مشتملة على الوحدات لا يفيد ترجيحاً .(8)


1 . لاحظ : إيضاح المقاصد: 63 / المسألة الخامسة من البحث الثالث ; وشرح المواقف: 4 / الموقف الثّاني / المقصد الرابع من المرصد الرابع ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 98 .
2 . تعرّض له وأجاب عنه في شرح تجريد العقائد: 103 .
3 . أي العشرة.
4 . أي الأجزاء الّتي لا تكون واسطة بينه وبين المشرك كالخشب مثلاً بالنّسبة إلى السّرير .
5 . أي العدد.
6 . لأنّه يلزم من ذلك مزيد الفرع على الأصل .
7 . أي السؤال المذكور في ذيل فإن قيل: تقوّمها بالوحدات الخ .
8 . وإلاّ لزم أن يكون تركّب السّرير من العناصر أولى من تركّبه الخشبة المخصوصة لاشتمالها عليها.


صفحه 209

والقول بأنّه لمّا كفى الوحدات في تقوّمها لم يكن لتصوّر تلك الأعداد(1) مدخل في ماهيّتها، رجوع إلى الطريق الأوّل. انتهى .(2)

بل الصّواب أن يقال: المراد أنّ مراتب الأعداد حقائق مختلفة كما سيأتي، ولكلّ مرتبة صورة وخصوصيّة يخصّها.

فإذا قلنا: إنّ العشرة متقوّمة من السّبعة والثّلاثة:

فإن أردناهما باعتبار صورتيهما، كان القول بتقوّم العشرة من تينك الخصوصيّتين، دون خصوصيّة الستّة والأربعة مثلاً، مع تحقّقهما أيضاً هناك ترجيحاً بلا مرجّح.

وإن أردناهما(3) لا باعتبار صورتيهما، بل باعتبار آحادهما، كان تقوّمها من الآحاد لا من الأعداد.

وأمّا إذا قلنا: إنّها متقوّمة من نفس الآحاد لا من الخصوصيّات،فلا يتصوّر هناك ترجيح بلا مرّجح، إذ ليس في نفس آحاد العشرةتعدّد.

وهذا هو المرجّح، لأن يقال إنّها متقوّمة من الآحاد لا من الأعداد.

وقال الشيخ في " إلهيات الشّفاء ": «وحدّ كلّ واحد من الأعداد ـ إن


1 . كسبعة وثلاثة ونحوها.
2 . انظر : شرح المواقف: 4 / 39 ـ 40 / المقصد الرابع من المرصد الرابع .
3 . أي السّبعة والثّلاثة.


صفحه 210

أردت التّحقيق ـ هو أن يقال: إنّه عدد من اجتماع واحد وواحد(1) وتذكر الآحاد كلّها.

وذلك لأنّه لا يخلو: إمّا أن يُحدّ العددُ(2) من غير أن يشار إلى تركّبه ممّا ركّب منه، بل بخاصّة من خواصّه، فذلك يكون رسم ذلك العدد لا حدّه من جوهره .

وإمّا أن يشار إلى تركّبه ممّا ركّب منه .

فإن أُشير إلى تركّبه من عددين دون آخر، مثلاً أن يجعل العشرة من تركيب خمسة وخمسة، لم يكن ذلك أولى من تركيب ستّة مع أربعة، وليس تعلّق هويّتها بأحدهما أولى من الآخر .

وهي بما هي عشرة ماهيّتها واحدة، ومحال أن يكون ماهيّتها واحدة وما يدلّ على ماهيّتها من حيث هي واحدة حدوداً مختلفة. فإذا كان كذلك فحدّها ليس بهذا ولا بذاك، بل بما قلنا .

ويكون إذا كان ذلك قد كان لها، فقد كان لها التّركيب من خمسة وخمسة، ومن ستّة وأربعة، ومن ثلاثة وسبعة، لازماً لذلك وتابعاً له، فيكون هذه رسوماً لها»(3).


1 . في أ: «وواحد وواحد» كما في المصدر .
2 . في المصدر: «يحدّ بالعدد».
3 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 121 ـ 122 / الفصل الخامس من المقالة الثالثة.


صفحه 211

مراتب العدد وأنواعه

قال: فإذا أُضيف إليها مثلُها حصلت الاثنينيّةُ وهي نوعٌ من العدد ثمّ تحصل أنواعٌ لا تتناهى بتزايد واحد واحد مختلفة الحقائق .

وكلّ واحد منها أمرٌ اعتباريٌّ يحكم به العقلُ على الحقائق إذا انضمّ بعضها إلى بعض في العقل انضماماً بحسبه .

والوحدة قد تعرض لذاتها ومقابلها ولا يتسلسل، بل وتنقطع بانقطاع الاعتبار.

وقد تعرض لها شركةٌ، فتتخصّص بالمشهوري، وكذا المقابلُ.

وتضاف إلى معروضها باعتبارين وإلى مقابلها بثالث، وكذا المقابلُ.

أقول: وقد اختلف فيه .(1)

قال الشيخ في " الشفاء ": «فقد قال بعضهم: إنّ الاثنوة ليست من العدد، وذلك لأنّ الاثنوة هي الزّوج الأوّل، والوحدة هي الفرد الأوّل.

وكما أنّ الوحدة الّتي هي الفرد الأوّل ليس بعدد، فكذلك الاثنوة الّتي هي الزّوج الأوّل ليس بعدد.

وقال: ولأنّ العدد كثرة مركّبة من الآحاد، والآحاد أقلّها ثلاثة(2).


1 . أي في كون الاثنين نوعاً من العدد.
2 . لأنّ الأحاد جمع وأقلّ الجمع ثلاثة.


صفحه 212

ولأنّ الاثنوة لا يخلو إن كانت عدداً: إمّا أن تكون مركّبة، أو يكون عدداً أوّلاً.

فإن كانت مركّبة، فتعدّها غير الواحد، وإن كانت عدداً أوّلاً، فلا يكون لها نصف .

وأمّا أصحاب الحقيقة فلا يشتغلون بأمثال هذه الأشياء بوجه من الوجوه، فإنّه(1) لم تكن الوحدة غير عدد لأجل أنّها فردٌ أو زوجٌ، بل لأنّها لا انفصال فيها إلى وحدات .

ولا إذا قالوا:(2) مركّبة من وحدات، يعنون بها ما يعنيه النّحويّون من لفظ الجمع وأنّ أقلّه ثلاثة بعد الاختلاف فيه(3)، بل يعنون بذلك أكثر أو أزيد من واحد. وقد جرت عادتهم بذلك(4).

ولا يبالون أن لا يوجد زوج ليس بعدد، وإن وجد فرد ليس بعدد، فما فرض عليهم أن يَدْأَبوا(5) في طلب زوج ليس بعدد إذا وجدوا فرداً ليس بعدد.

وليسوا يشترطون في العدد الأوّل أن يكون لا نصف له مطلقاً، بل لا نصف له عدداً من حيث هو أوّل، وإنّما يعنون بالأوّل أنّه غير مركّب من عدد .


1 . جواب عن الوجه الأوّل .
2 . جواب عن الوجه الثّاني.
3 . لأنّ بعضهم قال: أقلّ الجمع اثنان على ما بُيّن في أُصول الفقه.
4 . أي استعمال الجمع في فوق الواحد.
5 . من الدأب بمعنى التّعب .


صفحه 213

وإنّما يعني بالعدد ما فيه انفصال ويوجد فيه واحدة، فالاثنوة أوّل العدد، وهي الغاية في القلّة في العدد .

وأمّا الكثرة في العدد فلا تنتهي إلى حدٍّ».(1)

ثمّ يحصل أنواعٌ لا تتناهى بتزايد واحد واحد مختلفة الحقائق(2)، لأنّ كلّ نوع من تلك الأنواع يختصّ بخواصّ وآثار يخصّه منشاؤها خصوصيّة ذلك النّوع الّتي هي صورته .

وهذه الآثار غير الآثار المشتركة بين مراتب كثيرة من الأعداد .

فإذن لكلّ نوع من أنواع الأعداد حقيقة يخصّه.

وكلّ واحد منها(3) أمرٌ اعتباريٌّ يحكم به(4) العقلُ على الحقائق إذا انضمّ بعضها إلى بعض في العقل (5) انضماماً بحسبه; أي بحسب ذلك النّوع من العدد(6)، بأن يكون الانضمام مرّتين. أو ثلاث مرّات، أو أربع مرّات، إلى غير ذلك .


1 . انتهى كلام الشيخ، لاحظ: إلهيّات الشّفاء: 1 / 122 ـ 123 .
2 . في تجريد العقائد ومتن كشف المراد وشرح تجريد العقائد: بزيادة جملة «هي أنواع العدد».
3 . أي من أنواع العدد أمر اعتباريّ لتقوّمه بالوحدة الّتي هي أمر اعتباريّ .
4 . أي بذلك النّوع من العدد.
5 . في أ و ب: كلمة «في العقل» ساقطة.
6 . مثلاً: إذا انضمّ واحد إلى واحد يحكم العقل بالاثنين عليهما وإذا انضمّ إليهما واحد آخر يحكم العقل بالثّلاثة عليها وهكذا. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 104 .


صفحه 214

وقد عرفت توجيه اعتباريّة الوحدة والكثرة.(1)

والوحدة قد تعرض لذاتها(2) فيقال: وحدة واحدة، ومقابلها; أي ولمقابلها فيقال: عشرة واحدة، ولا يتسلسل(3)، بل(4)ينقطع بانقطاع الاعتبار لكونها اعتباريّة كما مرّ .

وقد تعرض لها شركةٌ، فإنّ وحدة «زيد » تشارك وحدة «عمرو» في مطلق الوحدة، ويتميّز عنها بإضافتها إلى «زيد» وكذا وحدة «عمرو» .

كما أشار إليه بقوله: فيتخصّص ; أي الوحدة المطلقة المشترك فيها بالمشهوري(5); أي بما أضيف إليه الوحدة كـ «زيد» في المثال المذكور .

وإنّما عبّر عنه بذلك(6) لكونه معروضاً لإضافة الوحدة، (7) وسيجيء أنّ معروض الإضافة يسمّى مضافاً مشهوريّاً.

هذا أحسن ما قيل في توجيه المتن .

وكذا المقابل; أي الكثرة أيضاً يعرض لها شركة فتتخصّص بالمضاف


1 . في ذيل قوله (رحمه الله): «وليست الوحدة أمراً عينيّاً الخ» انظر: المبحث الثّاني من هذه المسألة .
2 . لأنّ كلّ ما له وجود سواء أكان في الذّهن أم في الخارج فله وحدة مّا ولو بالاعتبار لمساوقة الوحدة والوجود.
3 . أي الوحدات .
4 . قد سقط عن متن كشف المراد: جملة «ولا يتسلسل بل» .
5 . أي بأمر مشهور وهو المضاف إليه .
6 . أي ما أُضيف إليه الوحدة بالمشهور.
7 . لأنّ زيداً معروض للوحدة فالوحدة عارضة له.


صفحه 215

إليه كـ «العشرة العارضة لآحاد الإنسان، المشاركة للعشرة العارضة لآحاد الفرس» المتميّزة عنها بإضافتها إلى معروضها .

وتضاف; أي الوحدة إلى معروضها(1) باعتبارين:

أحدهما: باعتبار أنّها وحدة له.

وثانيهما: باعتبار أنّها عرض حالّ فيه.

ولا شبهة في كونهما إضافيّين.

وإلى مقابلها(2) الّذي هو الكثرة بثالث; أي باعتبار ثالث وهو انّها مقابلة لها .

وكذا المقابل; أي مقابل الوحدة وهو الكثرة في أنّ لها أيضاً تلك الإضافات الثلاث .


1 . في متن كشف المراد: «موضوعها» .
2 . أي الوحدة.


صفحه 216

المبحث الخامس

في تعريف التّقابل وأنواعه وأحكامه

قال: ويعرض له ما يستحيل عروضه لها من التّقابل المتنوع إلى أنواعه الأربعة، أعني: تقابلَ السّلبِ والإيجاب وهو راجع إلى القول والعقل.

والعدمِ والملكةِ وهو الأوّل مأخوذاً باعتبار خصوصيّة مّا.

وتقابلَ الضدّين وهُما وجوديّان ويتعاكس هو وما قبله في التّحقيق والمشهوريّة.

وتقابل التّضايف. ويندرج تحته الجنس باعتبار عارض.

ومقوليّته عليها بالتّشكيك وأشَدُّها فيه السّلب .

أقول: ويعرض له; أي المقابل الوحدة، ما يستحيل عروضُه لها(1); أي للوحدة من التّقابل، وهو كون المتخالفين على المشهور، (2) أو الاثنين


1 . لأنّ التّقابل لا يمكن أن يعرض للواحد وإنّما يعرض للكثير من حيث هو كثير.
2 . المشهور عند الفلاسفة: إنّ الاثنين إن كانا متشاركين في تمام الماهيّة كزيد وعمرو في الإنسانيّة،فهما متماثلان وإلاّ فمتخالفان والمتخالفان إمّا متقابلان كالسّواد والبياض أو غير متقابلين والمتقابلان هما المتخالفان الّذان يمتنع اجتماعهما في محلّ واحد من جهة واحدة. لاحظ: شرح المقاصد: 2 / 53 ; وشرح تجريد العقائد: 104 ; وشرح المواقف: 4 / 90 .


صفحه 217

مطلقاً(1) على ما وقع إلى بعض عباراتهم بحيث يمتنع اجتماعهما في موضوع واحد عند الأكثر، أو في محل واحد عند بعضهم، في زمان واحد، من جهة واحدة.

فالمثلان على المشهور خارجان(2) مع امتناع اجتماعهما .

وبقيد «امتناع الاجتماع في واحد(3)» خرج ما يمكن اجتماعهما كالسّواد والحلاوة، ودخل(4) المتقابلان المجتمعان في الوجود في الاثنين .

وبقيد «وحدة الجهة » دخل مثل الأبوّة والبُنوّة المجتمعين في «زيد» مثلاً من جهتين.

وبقيد وحدة الزّمان المجتمعان في واحد في زمانين .(5)

وقيد «الاجتماع» غير مغن عنه(6)، لصدقه على المقارنة في الرّتبة، أو وصف آخر اصطلاحاً، وإن كان المتبادر(7)بحسب العرف هو المقارنة في الزّمان .


1 . سواء أكانا متخالفين أم لا .
2 . عن أنواع التّقابل.
3 . في تعريف التّقابل .
4 . في تعريف التّقابل .
5 . كالسّواد والبياض المجتمعين في ذات واحدة لكن في زمانين.
6 . عن ذكر زمان.
7 . قوله: «وإن كان المتبادر بحسب العرف الخ» إشارة إلى ردّ ما في شرح المواقف: من أنّ المتبادر من لفظ الاجتماع ما يغني عن قيد وحدة الزّمان. إلاّ أنّه قد يقال: ولو على سبيل المجاز اجتمع هذان الوصفان في ذات واحدة ولو كانا في وقتين، فصرّح بوحدته دفعاً لتوهم التجوّز في الاجتماع في ذات واحدة. لاحظ: شرح المواقف: 4 / 82 ـ 83 / المقصد الحادي عشر من المرصد الرابع .


صفحه 218

ويرد على المشهور; مثل الأخوّة المتكرّرة من الجانبين لكونهما متماثلين على ما صرّحوا به.

إلاّ أن يرتكّب كون المتضايف في تقسيم المتقابلين إليه قيداً للقسم لا قسماً، ويكون القسم هو المتقابل المتضايف، فيجوز كونه أعمّ من القسم .

أو يقال: بأنّ هاهنا اصطلاحين يعتبر في أحدهما التّخالف دون الآخر، على ما قيل.

المتنوع إلى أنواعه الأربعة، أعني: تقابلَ السّلبِ والإيجابِ. وهو راجع إلى القول ; أي الوجود اللّفظي، والعقل(1); أي الوجود الذّهني، لا إلى الوجود في الخارج، لأنّ السّلب والإيجاب نسبتان لا تحقّق لهما إلاّ في النّفس كما في القضيّة المعقوليّة، أو في اللّفظ كما في القضيّة الملفوظة في الخارج .

وهذا إشارة إلى ما قال الشّيخ في " قاطيغورياس الشّفاء " بقوله: "فبعضه ـ أي بعض التّقابل ـ يختصّ بالقول(2)، من حيث هو حكم، كالإيجاب والسّلب، اللّذين موضعهما(3) الموضوعات والمحمولات تتعاقب فيه ولا يجتمع معاً، وهذا بحكم القول .

وليس في الوجود حمل ولا وضع، وبعضه يكون من خارج. انتهى».(4)


1 . في تجريد العقائد ومتن كشف المراد ومتن شرح تجريد العقائد: «العقد».
2 . أعمّ من الملفوظ والمعقول .
3 . في أ، ب وج: «موضوعهما» كذا في المصدر .
4 . منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 244 / الفصل الأوّل من المقالة السّابعة.


صفحه 219

وهذا صريح في اعتباريّة كلّ من الإيجاب والسّلب، فلا وجه لتخصيصها بالسّلب فقط، كما في " شرح المقاصد (1)".

وهذا هو أوّل الأقسام الأربعة.

وثانيهما: تقابل الملكة والعدم .

وهو الأوّل; أي تقابل الملكة والعدم هو تقابل السّلب والإيجاب مأخوذاً باعتبار خصوصّية مّا .

وهي النّسبة إلى قابل لما أُضيف إليه السّلب بأن يكون السّلب لا سلباً للإيجاب مطلقاً، بل عمّا من شأنه الإيجاب كـ «العمى والبصر ».

فإنّها(2) معتبرة في الثاني دون الأوّل.(3)

وهذا القبول إن اعتبر في القابل بحسب شخصه في وقت اتّصافه بالعدم، فهما العدم والملكة المشهورات، كـ «الكُوسجيّة» لفاقد اللّحية بسبب مرض كـ «داء الثّعلب».

وإن اعتبر(4) أعمّ من ذلك، بأن يعتبر قبوله مطلقاً، سواء كان بحسب شخصه في وقته كما مرّ، أو غير وقته، أو بحسب نوعه، أو جنسه القريب، أو البعيد كـ  «الكوسجيّة» للصّبي و «العمى» للأكمه، أو العقرب، وعدم «الحركة


1 . لاحظ: شرح المقاصد: 2 / 63 / المبحث الرابع من المنهج الثالث .
2 . أي الملكة.
3 . أي تقابل السّلب والإيجاب.
4 . أي القبول .


صفحه 220

الإراديّة» للجبل القابل لها بحسب جنسه البعيد ـ أعني: الجسم المطلق ـ الّذي هو فوق الجماد ـ فهو العدم والملكة الحقيقيّان .

فالحقيقيّ من تقابل العدم والملكة أعمّ من المشهوريّ منه.

وثالثها: تقابلَ الضدّين وهما وجوديّان(1)، فإن اشترط أن يكون بينهما غاية الخلاف، كالسّواد والبياض، فحقيقيّان، وإلاّ; أي فإن لم يشترط، كالحمرة والصّفرة، فمشهوران على ما هو المشهور.

فالتّضاد الحقيقيّ أخصّ من المشهوريّ على عكس تقابل العدم والملكة. وهذا معنى قوله(2): ويتعاكس هو وما قبله في التّحقيق(3) والمشهوريّة .

ورابعها: تقابلَ التّضايف، وهو كون الشّيئين بحيث يكون تعقّل كلّ منهما بالقياس إلى الآخر كـ «الأُبوّة والبنوّة» .

وإنّما انحصر في هذه الأنواع الأربعة، لأنّ المتقابلين: إمّا وجوديّان،أو لا.

وعلى الأوّل: إمّا أن يكون تعقّل كلّ منهما بالقياس إلى الآخر، فمتضايفان، وإلاّ فمتضادّان .

وعلى الثّاني: يكون أحدهما وجوديّاً والآخر عدميّاً، فإن اعتبر في


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . أي المصنّف (رحمه الله) .
3 . في تجريد العقائد: «في الحقيقة».


صفحه 221

العدميّ كون الموضوع قابلاً للوجوديّ، فعدمٌ وملكةٌ، وإلاّ فسلبٌ وإيجابٌ .

هذا هو المشهور .

وظاهر بنائه(1) على كون المتقابلين: إمّا وجوديين، أو أحدهما وجوديّاً والآخر عدميّاً .

فيرد (2) عليه: أنّه لا دليل على امتناع أن يكون المتقابلان عدميّين .

كيف؟ وقد أطبق المتأخّرون على أنّ نقيض العدمي قد يكون عدميّاً، كالامتناع واللاّامتناع، والعمى واللاّعمى، بمعنى رفع العمى وسلبه أعمّ من أن يكون باعتبار الاتّصاف بالبصر، أو باعتبار عدم القابليّة له.

فما يقال: إنّ اللاّعمى: إمّا عبارة عن البصر فيكون وجوديّاً، وإمّا عن عدم قابليّة المحلّ للبصر، فيكون سلباً لأمر وجوديّ، ليس بشيء.

وإذا جاز أن يكونا عدميّين، فالأولى أن يبيّن الحصر بوجه آخر يشملهما(3) .

كما يقال: المتقابلان إن كان أحدهما سلباً للآخر، فإن


1 . أي المشهور .
2 . المُوردِ هو شارح المقاصد.
3 . في ب و ج: «يشملها» أي تلك المذكورات.


صفحه 222

اعتبر في السّلب استعداد المحلّ في الجملة لما أُضيف إليه السّلب، فتقابلهما تقابل الملكة والعدم، وإلاّ فتقابل الإيجاب والسّلب، وإن لم يكن أحدهما سلباً للآخر، فإن كان تعقّل كلّ منهما بالقياس إلى الآخر، فتقابلهما التّضايف، وإلاّ فالتّضاد. كما كذا في " شرح المقاصد "(1).

وأُورد عليه أيضاً(2): بأنّ عدمَ اللاّزم عن محلّ تُقابلُ(3) وجود الملزوم لذلك المحلّ. وليس داخلاً في العدم والملكة، ولا في السّلب والإيجاب; إذ المعتبر فيهما أن يكون العدميّ منهما عدماً للوجودي.(4)

وقد يذب(5) عن المشهور ببيان أن لا تقابل بين العدمين.

وذلك، لأنّ العدم: إمّا مطلق وإمّا مضافٌ.

والمضاف: إمّا مضافٌ إلى العدم الآخر، كالعمى واللاّعمى والامتناع واللاامتناع، وإمّا مضاف إلى غيره، كاللاّسواد واللاّبياض.

أمّا المطلق، فلا يقابل نفسه، وهو ظاهر(6)، ولا المضاف، لاجتماعه معه(7).

وأمّا المضاف(8)، فلا يقابل المضاف إلى غير العدم، لاجتماعهما في كلّ موجود مغاير لما أُضيف إليه العدمان.


1 . لاحظ: شرح المقاصد: 2 / 56 / المبحث الرابع من المنهج الثالث.
2 . ذكره شارح المواقف وأجاب عنه. لاحظ : شرح المواقف: 4 / 93 .
3 . خبر «أنّ».
4 . لاعدم اللاّزم عن المحلّ .
5 . أي يدفع الإيراد المذكور عن المشهور .
6 . لأنّ التقابل من عوارض الكثرة وصرف الشّيء غير مكرّر حتّى تقابل نفسه .
7 . أي لاجتماع المطلق مع قولنا: العدم.
8 . كالعمى.


صفحه 223

بل المضاف إلى العدم، لكن مرادهم بكون أحد المتقابلين وجوديّاً والآخر عدميّاً كون ذلك الآخر عدماً له، فالعدم المضاف إليه بالنّسبة إلى العدم المضاف وجوديّ أو بمنزلة الوجوديّ من حيث إنّ المضاف سلبه ودفعه.

فإن قيل(1): على تقدير عدم إضافة أحد العدمين إلى الآخر يجوز أن لا يكون بين مَلَكتَيهما ـ أعني: المفهومين اللّذين أُضيف إليهما العدمان ـ واسطة، كعدم القيام بالنّفس وعدم القيام بالغير.

وعلى تقدير الواسطة فارتفاع ملكتيهما إنّما يستلزم اجتماعهما(2) لو كان تقابل كلّ عدم مع ملكته تقابل السّلب والإيجاب .

أمّا إذا كان أحد المتقابلين تقابل العدم والملكة، فلا،(3) إذ العدم والملكة قد يرتفعان كلاهما، كعدم الحِوَل عمّا من شأنه أن يكون أحول مع عدم قابليّة البصر، فإنّ ملكتيهما ـ أعني: قابليّة البصر والحول ـ كلاهما منفيّان عن الجدار، مع عدم اجتماع العدمين فيه، وذلك لأنّ عدم الحِوَل قد يشترط أن يكون عمّا من شأنه أن يكون أحول، والجدار ليس من شأنه أن يكون أحول .

وعلى التقديرين(4)، لا يصحّ قولكم(5): «لاجتماعهما في كلّ موجود


1 . القائل هو الشارح القوشجي: لاحظ: شرح تجريد العقائد: 105 .
2 . أي العدمان.
3 . أي فلا يستلزم ارتفاع مَلَكَتِيهما اجتماعهما.
4 . أي على تقدير عدم الواسطة وتقدير كون أحد المتقابلين تقابل العدم.
5 . في تعليل عدم كون المضاف مقابلاً للعدم المضاف إلى غير العدم.


صفحه 224

مغاير لما أُضيف إليه العدمان».

أُجيب: بأنّ التّقابل في مثل هذه الصّور ليس بالذّات، بل لاستلزامها اجتماع المتقابلين بالذّات، فإنّ عدم القيام بالنّفس، إنّما يقابل عدم القيام بالغير لاستلزامه القيام بالنّفس.

وكذا مقابلة عدم الحول عمّا من شأنه أن يكون أحول مع عدم قابليّة البصر، إنّما هو لاشتماله على قابليّة الحول المستلزم لقابليّة البصر.

فيكون بالعرض، والمنحصر في الأربعة هو التّقابل بالذّات.

وبذلك يندفع النّقض بعدم اللاّزم ووجود الملزوم أيضاً، فإنّ التّقابل بينهما: إمّا لأنّ وجود الملزوم ملزوم لوجود اللاّزم(1)، أو لأنّ عدم اللاّزم ملزوم لعدم الملزوم(2)، فيكون بالعرض لا بالذّات .

وفيه: أنّ الفرق بين مقابلة السّواد للبياض، ومقابلة عدم اللاّزم لوجود الملزوم ـ حيث كان الأوّل مقابلة بالذّات لا باعتبار أنّ وجود كلّ منهما يستلزم عدم الآخر، والثاني مقابلة بالعرض باعتبار أنّ وجود الملزوم ملزوم لوجود اللاّزم، أو عدم اللاّزم ملزوم لعدم الملزوم ـ لا يخلو عن إشكال.

ولعلّ لهذا ذهب بعضهم(3) إلى أنّ التّقابل بالذّات منحصرٌ في السّلب


1 . فيكون التّقابل بين عدم اللاّزم ووجود اللاّزم.
2 . فيكون التّقابل بين وجود الملزم وعدم الملزوم.
3 . منهم : شارح المواقف حيث قال: التّقابل بالذّات إنّما هو بين السّلب والإيجاب، لأنّ امتناع الاجتماع بينهما إنّما هو بالنّظر إلى ذاتيهما، وغيرهما من الأقسام إنّما يثبت فيها التّقابل، لأنّ كلّ واحد منهما مستلزم لسلب الآخر، ولولاه أي لولا استلزام كلّ منهما لسلب الآخر لم يتقابلا، فإنّ معنى التّقابل ذلك أي استلزام كلّ منهما سلب الآخر، فلو لا أنّ كلّ واحد من السّواد والبياض يستلزم عدم الآخر لم يتقابلا أصلاً. لاحظ: شرح المواقف: 4 / 97 .


صفحه 225

والإيجاب. كذا قيل.

وأقول (1): قد صرّح الشّيخ في " إلهيّات الشّفاء ": بأنّ التّقابل بين الأضداد بل تقابل كلّ ذات توجب في المادّة عدم ذات أُخرى، أو لا تكون(2) إلاّ مع العدم(3)، إنّما هو لأجل أنّ ذواتها(4) في حدّ أنفسها وحدّ فصولها تتمانع عن الاجتماع وتتفاسد(5).(6)

وهذا صريح في أنّ مقابلة مثل السّواد والبياض ليس لأجل كون واحد منهما مستلزماً لعدم الآخر ليكون بالعرض، كمقابلة عدم اللاّزم ووجود الملزوم، فتدبّر.

وأمّا الجواب: بأنّ مرادهم بالوجوديين(7) ما لا يكون أحدهما عدماً للآخر، كما أنّ مرادهم بكون أحدهما وجوديّاً والآخر عدميّاً أن يكون ذلك


1 . جواب لقوله: «فيه أنّ الفرق بين المقابلة الخ».
2 . أي الأضداد.
3 . وليس السّبب في تقابلها تغاير الأجناس بل السّبب في ذلك أنّ ذواتها في حدّ أنفسها الخ.
4 . أي الأضداد.
5 . إذ ليس شيء من الأجناس العالية بمتضادّة، فيجب أن تكون الأضداد الحقيقية واقعة تحت جنس، وإن يكون جنساً واحداً، فيجب أن يكون الأضداد تتخالف بالفصول، وتكون الأضداد من جملة الغير في الصّورة مثل السّواد والبياض تحت اللّون، والحلاوة والمرارة تحت الذّوق، وهذا على ما أفاده الشّيخ الرّئيس .
6 . أنظر: إلهيّات الشّفاء: 2 / 305 / الفصل الأوّل من المقالة السابعة.
7 . في تعريف الأضداد.


صفحه 226

الآخر عدماً له كما مرّ. فيكون العدمان في هذه الصّور داخلين في الوجوديين.

ففي غاية البعد ولايمكن قياسه بما مرّ.(1) ولا يكون لتخصيص المصنّف المتضادّين بكونهما وجوديين معنى(2)حينئذ كما لا يخفى .

اعلم: أنّ الشّيخ في " قاطيغورياس الشّفاء " جعل التّقابل على قسمين:(3)

أحدهما: أن لا يجتمع المتقابلان في موضوع واحد على سبيل الصّدق والحمل عليه مواطاة، وهو تقابل النّفي والإثبات واللّيس والايس، وذلك كـ «الفرس واللاّفرس ».

ويكون أحدهما في قوّة سلب الآخر، سواء كان السّلب بسيطاً كالمثال المذكور، أو مركّباً كقولك: «زيد فرس، زيد ليس بفرس».

وجميع الأشياء المُتنافية الطّبايع متقابلة بهذا المعنى، سواء كان ممّا يوجد في الموضوع، أو لا، فإنّ شيئاً منهما ليس هو الآخر.

وثانيهما: أن لا يجتمع المتقابلان في موضوع واحد، بأن يوصف بهما على سبيل الاشتقاق أيضاً.(4)

وذلك، بأن يتمانعا من حيث الكون فيه أيضاً(5) مثل: «الحرارة» و « البرودة» و «الحركة» و «السّكون» وما يجري مجراها.


1 . بأنّ مرادهم بكون أحدهما وجوديّاً والآخر عدميّاً أن يكون ذلك الآخر عدماً له.
2 . لأنّ المتضايفين أيضاً يكونان وجوديين بهذا المعنى .
3 . نقل بالمضمون، لاحظ: منطق الشّفاء: 1 / المقولات / الفصل الأوّل من المقالة السّابعة.
4 . أي كما لا يجتمعان في موضوع واحد بأن يوصف بهما على سبيل المواطاة.
5 . أي كما يتمانعان من حيث الكون في نفسه.


صفحه 227

والقسم الأوّل هو تقابل أوّل .

ثمّ نقل التّقابل عن اعتبار الحمل على موضوع إلى اعتبار الوجود في الموضوع، فجعلت حالُ الأُمور الّتي تشترك في عامّ أو خاصّ تكون موجودة فيه بالقوّة معاً ولا يجتمع بالفعل معاً تقابلاً بالمعنى الثّاني وهو المقسم للأقسام الأربعة المذكورة .

قال: فيكون معنى هذا التّقابل، كالجنس لأقسام له كالأنواع: إمّا أقسام محقّقة، وإمّا أقسام بحسب ما يصلح للمبتدئ، ويكون أسهل على متعلّم " قاطيغورياس".

وهو غير المصطلح عليه في العلوم .

فصرّح، بأنّ الاصطلاح في اعتبار العدم والملكة وفي اعتبار التّضاد مختلف بحسب "قاطيغورياس " و " المنطق "وبحسب سائر العلوم.

فعلى اصطلاح المنطق، العدم المقابل للملكة قسمٌ واحدٌ من الأقسام المذكورة للعدم، وهو الّذي بحسب الشّخص في وقته، فلا يمكن انتقال الموضوع من العدم إلى الملكة(1)، بل بالعكس فقط. وأمّا سائر الأقسام المذكورة للعدم، فداخلة في التّضاد ; فإنّه لم يعتبر في هذا الاصطلاح كون الضّدين وجوديين، بل سواء كان أحدهما وجوديّاً والآخر عدميّاً بالوجوه المذكورة للعدميّ، أو كان كلاهما وجوديين .

بخلاف سائر العلوم ; فإنّ الضدّين فيها يجب كونهما وجوديين،


1 . لأنّ المراد من العمى مثلاً هو فقد القوّة الباصرة وفسادها.


صفحه 228

والعدم فيها غير مختصّ بما للشّخص في وقته، بل جميع الأقسام المذكورة للعدم مع ملكاتها داخلة في تقابل العدم والملكة .

ولما كان ما يذكر في " قاطيغورياس " إنّما يذكر للمبتدئ اكتفى له بالمشهور، ولم يكلّف ما يدقّ من الفروق.(1)

كلّ ذلك ممّا صرّح به الشّيخ.

وصرّح أيضاً: بأنّ المشهوريّ من التّضاد ومن تقابل العدم والملكة هو ما اعتبر بحسب اصطلاح " قاطيغورياس ". والحقيقيّ منهما هو ما اعتبر بحسب اصطلاح سائر العلوم.

وأمّا ما ذكرنا في شرح كلام المصنّف موافقاً للمشهور، من أنّ المشهوريّ من التّضاد ما لم يعتبر فيه غاية الخلاف بخلاف الحقيقيّ منه، فلم نجده في كلام الشيخ بل هو ينادي بخلافه كما عرفت.

ثمّ إنّه صرّح في مواضع من " قاطيغورياس " (2): بأنّ المتضادّين الحقيقيّين لا يكونان إلاّ في غاية البُعد والخلاف .

وأنّه: قد لا يتعرّى الموضوع عن أحدهما، فلا يكون بينهما واسطة كـ «الصحّة والمرض ».

وقد يتعرّى عنهما، فيكون بينهما واسطة كـ «السّواد الصِّرف والبياض الصَّرف» فإنّ بينهما وسائط ألوان، يخلو الموضوع عنهما إليها .


1 . بين المعاني المتقاربة.
2 . لاحظ: منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 253 ـ 254 / الفصل الثاني من المقالة السابعة.


صفحه 229

وربّما خلا عنهما إلى العدم، بأن يصير مشفّاً، فتكون الواسطة سلب الطّرفين عن غير إثبات واسطة خليطة.

وقال في " إلهيّات الشّفاء ": «والمتوسّط بالحقيقة هو الّذي مع أنّه يخالف يشابه، فحينئذ يجب أن يكون الانتقال إليه أوّلاً في التّغير إلى الضدّ فإنّ الأسود لذلك يغبّر أو يخضر أو يحمر أوّلاً ثمّ يبيّض. انتهى »(1).

ويظهر منه: أنّ التّقابل بين الأوساط، أو بين الطّرف وشيء من الأوساط، إنّما هو لاشتمال الأوساط على الأطراف ـ كما حقّقه المحقّق الدّواني ـ فإنّ الوسط الّذي هو أقرب إلى الطّرف الّذي هو البياض مثلاً من الوسط الآخر الّذي هو أقرب إلى الطّرف الآخر الّذي هو السّواد، بياض بالنّسبة إلى ذلك الوسط الآخر، وذلك الوسط الآخر سواد بالنّسبة إلى ذلك الوسط الأوّل .

فالتّقابل بين الوسطين ليس في الحقيقة إلاّ بين السّواد والبياض الّذين هما الطّرفان .

والمتأخّرون لمّا لم يتفطّنوا لذلك، حكموا بأنّ التّضاد الّذي هو أحد الأقسام الأربعة المنحصر فيها التّقابل، هو المشهوريّ على ما اعتبروه، لا الحقيقيّ.

وأنّه إذا أُريد الحقيقيّ يزيد قسم خامس هو ما بين الأوساط وسمّوه بالتّعاند(2).


1 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 309 / الفصل الأوّل من المقالة السّابعة.
2 . لاحظ: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 106 .


صفحه 230

فإن قلت: نحن نجد بين الوَسطين كـ " الحُمرة والصّفرة " تقابلاً غير التّقابل الّذي هو باعتبار اشتمالهما على السّواد والبياض، بل باعتبار فَصلَيهما.

وأيضاً قد يتحقّق ألوان متوسّطة لم نجد التفاوت بينها باعتبار قرب أحدها إلى البياض والآخر إلى السّواد، ويحكم بينهما بالتّقابل.

قلت: هذا مجرّد دعوى غير مسموعة، لا قدح لها في الحصر، ولا وقع لها في النّقض، فليتدبّر.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ القسمة إلى الأربعة منحصرة فيها على كلا الاصطلاحين .(1)

فإنّ في اصطلاح " قاطيغورياس " وإن كان العدم مختصّاً بقسم واحد من الأقسام المذكورة للعدم، لكن لم يشترط في المتضادّين كونهما وجوديين، بل سائر أقسام العدم داخلة في التّضاد، كما عرفت .

وفي الاصطلاح الآخر وإن خصّ المتضادّان بالوجوديين، لكنّ العدم عمّ جميع الأقسام .

ولعلّ الإشارة إلى هذا المعنى(2) هو مقصود المصنّف من قوله: «ويتعاكس هو وما قبله(3) في الحقيقي والمشهوري ».


1 . وقد عرفت أنّ تقابل الوحدة والكثرة تقابل بالذّات وهو خارج من الأقسام الأربعة على كلا الاصطلاحين فلا تغفل .
2 . أي انحصار التّقابل في الأقسام الأربعة على كلا الاصطلاحين.
3 . أي النّسبة الّتي بين المشهوريين والحقيقيين لا النّسبة بين الحقيقي والمشهوري منهما.


صفحه 231

فهذا دليل على أنّ مراد المصنّف من المشهوريّ من التّضاد ليس ما هو المشهور(1)، بل ما ذكر في " قاطيغورياس "فليتدبّر .

وليعلم أنّ المتقابلين في تقابل الإيجاب والسّلب :

قد يؤخذان نفسي الموجب والسّالب، وذلك إذا اعتبرنا موضوع التّناقض موجبة وسالبة، فيكون موضوعهما نفس موضوع القضيّة الموجبة والسّالبة كقولك: «زيد جالس زيد ليس بجالس»، فإنّ ما يقع عليه الموجب والسّالب ـ أعني: جالس وليس بجالس ـ إنّما هو «زيد» .

وقد يؤخذان نفسي الإيجاب والسّلب (2) وذلك إذا اعتبرناه(3) إيجاباً وسلباً، فيكون موضوعهما نفس القضيّة،(4) فإنّها هي الّتي فيها الإيجاب، فيشتقّ لها منه الاسم، فيقال: موجبة. أو السّلب فيقال: سالبة. صرّح به الشّيخ في " قاطيغورياس "(5) .

وقد يعرض لها التّضادّ أيضاً كما في السّلب الكلّي والإيجاب الكلّي كقولنا: «كلّ إنسان كاتب بالفعل» و «لا شيء من الإنسان بكاتببالفعل» .

فإنّهما ليسا بمتناقضين لكونهما ممّا يكذبان معاً، فهما متضادان. كما


1 . لم يشترط فيه غاية الخلاف.
2 . أي المفهوم منها .
3 . التّناقض والتّقابل .
4 . لا نفس موضوع القضيّة.
5 . لاحظ: منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 255 .


صفحه 232

صرّح به الشّيخ في أحوال القضايا، فموضوعهما أيضاً نفس القضيّة .

وليعلم أيضاً: أنّ السّلب، قد يؤخذ بسيطاً وهو سلب وجود الشّيء في نفسه كـ «اللاّفرس» ومعناه لا وجود الفرس في نفسه .

كما أنّ المركّب منه هو سلب وجود شيء لغيره كما في «زيد ليس بكاتب»، فإنّ معناه سلب وجود الكتابة لزيد .

فالمتقابلان بالسّلب والإيجاب البسيطين هما وجود الشّيء في نفسه، ولا وجوده في نفسه، وموضوعهما نفس الشّيء.

هذا إذا اعتبرنا البساطة في السّلب الّذي هو من التّقابل المَقسم للأقسام الأربعة، أعني: ما هو باعتبار الوجود .

وأمّا إذا اعتبرناها(1) في تقابل النّفي والإثبات ـ أعني: ما هو بحسب الصّدق ـ فيكون معنى السّلب البسيط كـ ـ «اللاّفرس» هو رفع مفهوم الفرس لا رفع وجوده، هذا.

ثمّ إنّ الشّيخ قال في فصل عقده لحلّ شكوك قيلت في التّقابل بما ملخّصه: «لقائل أن يقول: إنّ الحرارة وحدها لا تكون ضدّاً، بل يكون حرارة فقط، بل إنّما يصير ضدّاً بالقياس إلى البرودة. وهي إذا أُخذت بالقياس إلى البرودة ضدّاً كانت مضافة، فهي من حيث هي ضدّ من المضاف، فلا يكون كالقسيم له تحت التّقابل.


1 . أي البساطة .


صفحه 233

ثمّ أجاب عنه: بأنّ الحرارة ينظر إليها وإلى البرودة معاً، فتكون الحرارة من حيث هي حرارة ضدّاً للبرودة. ثمّ تؤخذ (1)من حيث هي ضدها مرّةً أُخرى.

فتكون مضافة إلى البرودة، فتكون الحرارة نفس اعتبارها مع البرودة يصحح عليهما معنى حدّ الضدّ، ولا يصحّح عليهما معنى حدّ التّضايف، إذ ليس أحدهما معقول(2) الماهيّة بالقياس إلى الآخر .

فإذن الموضوع في حمل الضدّية شيء، والموضوع في حمل الإضافة شيء، هو: إمّا نفس المحمول الأوّل، وإمّا الموضوع مأخوذاً مع المحمول الأوّل .

ثمّ قال: وههنا مشكل آخر، وهو أنّ التّقابل، من حيث هو تقابل من المضاف، ثمّ المضاف تحت التّقابل وأخصّ منه، وهذا(3) محال، سواء كان دخولاً كما يكون تحت الجنس أو دخولاً كما يكون تحت معان ليست أجناساً ولكنّها لوازم أو مشككات.

ثمّ أجاب عن هذا الإشكال: بأنّ المتقابلات تعرض لها الإضافة، وليست في هويّتها بمضاف.


1 . في المصدر: «توجد».
2 . في ج: «مقول الماهيّة» وكذا في المصدر .
3 . أي كون المضاف أخصّ من التّقابل، الأخصّ منه محال لاستلزامه كون الشّيء أخصّ من نفسه .


صفحه 234

فإنّ كلّ تقابل من حيث هو تقابل مضاف، وليس كلّ تقابل بمضاف، وذلك لأنّ التّضاد من التقابل، وقد علم أنّ الموضوع له ليس هو الموضوع للمضاف، كما بيّنا، ولا الملكة والعدم من المضاف .

ولو كان المضاف أمراً مقولاً على التّقابل قولاً مطلقاً، لكان كلّ متقابلين فهما متضايفان مطلقاً، لا بشرط إلحاق أنّهما كذلك من حيث هما بحال كذا. لكن كلّ متضايف فهو متقابل، وكل متضادّ وكلّ عدم ملكة أيضاً كذلك، وليس كلّ متقابل من المضاف. فليس إذن المتضايف أعمّ من المتقابل.

وفرق بين قولنا: إنّ كلّ تقابل من حيث هو تقابل مضاف، وبين قولنا: كلّ تقابل مضاف; فإنّ الّذي هو خاصّ قد يعرض لكلّ ما له طبيعة العامّ باعتبار شرط يصير العامّ به أخصّ، وهو هاهنا النّظر إليه من حيث هو متقابل، وهذا النّظر يخصّصه، فيمتنع عمومه(1) لكلّ ما تحته. هذا كلام الشّيخ »(2).

وإلى الإشكال الثّاني(3) وجوابه أشار المصنّف بقوله: ويندرج تحته; أي تحت المتضايف الجنس; أي التّقابل، وسمّاه جنساً لانقسامه إلى الأقسام الأربعة الّتي هي كالأنواع له، يدلّ على ذلك قول الشّيخ «فيكون معنى هذا التّقابل كالجنس لأقسام له كالأنواع» على ما نقلناه عنه. باعتبار عارض (4)


1 . أي بحيث يصدق على معروض التّقابل .
2 . ملخصاً. لاحظ: منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 249 ـ 252 .
3 . أي كلّ متقابلين متضايفين.
4 . من كلامه (رحمه الله). يعني أنّ الجنس ـ أعني: المقابل من حيث هو مقابل ـ يندرج تحت المضايف باعتبارعروض التقابل، ولا استبعاد في أن يكون الشيىء أخصّ أو مساوياً من نوعه باعتبار عارض يعرض له.


صفحه 235

وهو النّظر إليه من حيث هو تقابل(1) كما مرّ في كلام الشيخ .

وأمّا أنّ التّقابل ليس بجنس على الحقيقة فدلّ عليه الشّيخ بقوله: «وأمّا التّقابل، فليس جنساً لماتحته بوجه من الوجوه، وذلك لأنّ المتضايف، ماهيّته أنّه معقول(2) بالقياس إلى غيره، ثمّ يلحق هذه الماهيّة أن تكون مقابلاً ليس أنّها تتقوّم بهذا ; فإنّه ليس هذا من المعاني الّتي يجب أن يتقدّم في الذّهن أوّلاً، حتّى يتقرّر في الذّهن أنّ الشّيء ماهيّة مقولة بالقياس إلى غيره، بل إذا صار الشّيء مضايفاً لزم في الذّهن أن يكون على صفة التّقابل .

فالذّاتيّة بشرائطها غير موجودة بين التّقابل وبين الأشياء الّتي هي كالأنواع للتّقابل. انتهى»(3).

ولا يخفى جريانه في غير التّضايف من التّضاد وغيره أيضاً وإنّما خصّ بالتّضايف على سبيل التّمثيل.

ويدلّ عليه أيضاً قول المصنّف: ومقوليّته; أي مقوليّة التقابل عليها ; أي على الأقسام الأربعة المذكورة بالتّشكيك وذلك لما سيأتي من نفي التّشكيك في الذّاتيّات، وسواء في ذلك الاعتباريّات وغيرها.

وأمّا بيان مقوليّة التّقابل بالتّشكيك فأشار إليه بقوله: وأشدُّها; أي أشدّ


1 . أي كونه متوقّفاً على الآخر.
2 . في ب و ج: «مقول» وكذا في المصدر .
3 . منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 252 .


صفحه 236

الأنواع الأربعة فيه; أي في التّقابل السّلب(1) .

فإنّ المنافاة في الاجتماع ـ الّتي هي حقيقة التّقابل ـ بين الشّيء ورفعه منافاة بالذّات. بخلاف المنافاة بين الشّيء وغيره، فإنّه إنّما هي لكونه مستلزماً لرفعه بالذّات، فإنّ العقل يحكم بأنّ الممانعة بين الحرارة والبرودة، إنّما هي لاستلزام كلّ منهما رفع الآخر .

ثمّ عدم الملكة أشدّ من الباقيين، لكون الرفع داخلاً فيه(2) وخارجاً عنهما.

ثمّ التّضاد أشدّ من التّضايف، وذلك ظاهر. (3) كيف؟ وقد توهّم كونه أشدّ الأربعة.


1 . في متن كشف المراد: «الثالث».
2 . لأنّ العمى عبارة عن عدم البصر عمّا من شأنه أن يكون بصيراً فحينئذ يكون الرّفع داخلاً فيه .
3 . لأنّ الضدّين كما يتمانعان في الوجود يتمانعان في التّعقّل أيضاً بخلاف المتضايفين، فإنّه ليس بينهما تمانع في التّعقّل وإن كان بينهما تمانع في الوجود في ذات واحدة إذا كانا متقابلين .


صفحه 237

المبحث السّادس

في بيان أقسام التّناقض وأحكامه

قال: ويقال للأوّل التّناقضُ. ويتحقّق في القضايا بشرائط ثمان. هذا في القضايا الشّخصيّة .

أمّا المحصورةُ فبشرط تاسع وهو الاختلاف فيه، فإنّ الكلّية ضدّ الكلّية، والجزئيّتان صادقتان.

وفي الموجّهات بشرط عاشر وهو الاختلاف في الجهة أيضاً، بحيث لا يمكن اجتماعهما صدقاً ولا كذباً.

وإذا قيد العدمُ بالملكة في القضايا سمّيت معدولةً. وهي تُقابل الوجوديّة صدقاً لا كذباً، لإمكان عدم الموضوع .

وقد يستلزم الموضوعُ أحدَ الضدّين بعينه أو لا بعينه، أو لا يستلزم شيئاً منهما عند الخلوّ أو الاتّصاف بالوسط.

أقول: ولمّا فرغ من ذكر أقسام التّقابل وأحكامه، أراد أن يذكر أحكام أقسام ما سوى التّضايف، فإنّه سيجيء في «مباحث الأعراض» .(1)


1 . لاحظ : الجزء الرّابع من هذا الكتاب: الفصل الخامس من المقصد الثّاني.


صفحه 238

فقال: ويقال للأوّل; أي لتقابل السّلب والإيجاب بسيطاً كان أو مركباً التّناقض.

وبهذا المعنى قيل: رفع كلّ شيء نقيضه، سواء كان رفعه عن نفسه أو رفعه عن شيء .

والمشهور المتبادر من التّناقض ما يكون في المركّب .

لكن مراد المصنّف هو الأعمّ، ولذلك قال: ويتحقق; أي التّناقض في القضايا بشرائط ثمان :

وهي وحدة الموضوع، ووحدة المحمول .

ووحدة الزّمان، ووحدة المكان .

ووحدة الشّرط، ووحدة الإضافة .

ووحدة الجزء والكلّ، ووحدة القوّة والفعل .

لجواز صدق القضيّتين، أو كذبهما عند اختلافهما في شيء منها .

كما يقال: «زيد قائم وعمرو ليس بقائم» و «زيد كاتب وزيد ليس بشاعر » و «زيد قائم نهاراً وليس بقائم ليلاً» و «زيد جالس في السّوق وليس بجالس في الدّار» و «الجسم مفرّق للبصر بشرط كونه أبيض وليس بمفرّق للبصر بشرط كونه أسود » و «زيد أب لعمرو وليس أباً لبكر ».

و «الزّنجي أسود بعضه وليس بأسود كلّه» و «الخمر مسكرٌ بالقوّة وليس بمسكر بالفعل ».


صفحه 239

وإنّما خصّ بالقضايا، لأنّ تحقّق التّناقض في المفردات لا يتوقّف عليها(1).

وهذا; أي الاشتراط بالثّمان إنّما هو في القضايا الشّخصيّة(2); أي الّتي موضوعها شخص وجزئي كقولك: «زيد كاتب وزيد ليس بكاتب ».

وأمّا المحصورةُ وهي الّتي موضوعها كلّي قد حَصَرت أفراده بدخول لفظ «كلّ» وما في معناه، أو بعض وما في معناه عليه .

فبشرط(3) تاسع وهو الاختلاف فيه ; أي في الحصر، بأن يكون إحداهما كلّية والأُخرى جزئيّة .

فإنّ الكلّية(4) ضدّ الكلّية(5) كما عرفت، فيجوز كذبهما مع تحقّق الشّرائط الثّمان كقولك: «كلّ حيوان إنسان ولا شيء من الحيوان بإنسان».


1 . أي الشروط الثمانية لأنّ كلّ مفهوم دخل عليه حرف السّلب يكون نقيضاً له من غير الاشتراط بالثّمانية.
2 . إنّ القضيّة إمّا شخصيّة أو مسورة أو مهملة، وذلك لأنّ الموضوع إن كان شخصيّاً كـ «زيد» سمّيت القضيّة شخصيّة، وإن كان كليّاً يصدق على كثيرين، فإمّا أن يتعرّض للكلّية والجزئيّة فيه، أو لا. والأوّل هو القضيّة المسورة كقولنا: كلّ إنسان حيوان، بعض الإنسان حيوان، والثّاني هو المهملة كقولنا: الإنسان ضاحك.
الشرائط الثّمانية كافية في القضيّة الشّخصيّة، أمّا المحصورة فلابدّ فيها من شرط تاسع، وأمّا المهملة فهي في قوّة الجزئيّة فالبحث عن الجزئيّة يغني عن البحث عنها. راجع: كشف المراد: المسألة الحادية عشرة من الفصل الثاني.
3 . في متن شرح تجريد العقائد: «فبشرائط تاسع» .
4 . أي القضيّة الكلّية.
5 . في متن كشف المراد: «فإنّ الكلّيّة ضدّ والجزئيّتان...».


صفحه 240

والجزئيّتان صادقتان كقولنا: «بعض الحيوان إنسان، وليس بعض الحيوان بإنسان «فلا يكون شيء منهما بنقيضين، لأنّ التّناقض في القضايا هو اختلاف قضيّتين، بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما كذب الأُخرى .

وهذا (1) الاشتراط بالشرائط الثّمان (2) إنّما كان إذا كانت القضايا مطلقة.

وفي الموجّهات بشرط عاشر وهو الاختلاف في الجهة أيضاً(3)، فإنّه لولا اختلاف الجهة لم يتحقّق التّناقض، لصدق الممكنتين، وكذب الضّروريتين، في مادّة الإمكان، مع تحقّق الشّرائط التّسع كقولنا: «بعض الإنسان كاتب بالإمكان ولا شيء من الإنسان بكاتب بالإمكان» و «بعض الإنسان كاتب بالضّرورة ولا شيء من الإنسان بكاتب بالضّرورة ».

وإنّما قال: اختلافاً بحيث(4) لا يمكن اجتماعهما صدقاً ولا كذباً، لأنّه لولا الحيثيّة المذكورة، لم يتحقّق التّناقض بمجرّد اختلاف الجهة .

فإنّ الممكنة والمطلقة مع تحقّق الشّرائط العشر(5) غير متناقضين في


1 . أي زيادة هذا الشرط على الشرائط الثمانية .
2 . الصّواب أن يقول وهذا الاشتراط بالشّرائط الثّمانية أو التّسعة لأنّ القضايا المطلقة على قسمين شخصيّة ومحصورة والشرائط في الأولى ثمان وفي الثّانية تسع كما صرّح به المصنّف (رحمه الله) في قوله: «أمّا المحصور فبشرط تاسع الخ».
3 . في متن كشف المراد: «وهو الاختلاف فيها بحيث...».
4 . في ب: كلمة «بحيث» ساقطة.
5 . لأنّه إذا قيل: بعض الإنسان كاتب بالفعل ولا شيء من الإنسان بكاتب بالإمكان كلاهما صادقان .


صفحه 241

المادّة المذكورة، مع كون الممكنة والضّروريّة متناقضين فيها.(1) وكذا المطلقة والدّائمة متناقضان فيها .

فعُلم أنّ مجرّد اختلاف الجهة بأيّة حيثيّة كانت، غير واف بالشّرط.

والسرّ في ذلك أنّ نقيض القضيّة رفعها بعينها، فإذا اعتبر فيها جهة من الجهات فلابدّ من اعتبار رفعها أيضاً في نقيضها .

ولا شكّ أنّ رفع جهة من الجهات، لا يكون من جنس تلك الجهة، فرفع الضّرورة لا يكون ضرورة، بل إمكاناً، وبالعكس. ورفع الدّوام لا يكون دواماً، بل إطلاقاً، وبالعكس.

ولأنّ رفع الضّرورة كما لا يكون ضرورة، لا يكون دواماً ولا إطلاقاً، بل إمكاناً، ورفع الدّوام كما لا يكون دواماً، لا يكون ضرورة ولا إمكاناً، بل إطلاقاً، وعلى هذا القياس عُلم أنّ اعتبار الحيثيّة لابدّ منه في اختلاف الجهة.

ثمّ إنّه ليس المراد أنّ «المطلقات الشّخصيّة أو المحصورة يناقض بعضها بعضاً، ويكفي لتحقّق التّناقض بينها إذا كانت شخصيّة، الشرائط الثّمان، وأمّا إذا كانت محصورة، الشّرائط التّسع» إذ لا تناقض بين المطلقات .

بل المراد(2) أنّ هذه الشّرائط يمكن اعتبارها مع كون القضايا مطلقة لم


1 . مع تحقّق الشّرائط المذكورة وذلك لأنّ الاختلاف فيها بحسب الجهة بالحيثيّة المذكورة وكذلك المطلقة.
2 . أ، ب و ج: «أراد» أي المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 242

يُعتبر فيها جهة، لكن تحقّق(1) بينها يتوقّف على اعتبار الجهة والاختلاف فيها.

فكأنّه قال: لتناقض القضايا شرائط يتحقّق فيها مع قطع النّظر من جهتها، وشرط آخر لا يتحقّق إلاّ باعتبار الجهة .

فالشّرائط في تناقض الشخصيّات يكون تسعاً(2)، وفي المحصورات عشراً .

نظير ذلك اعتبارهم في الأقيسة شرائط الإنتاج بحسب الكميّة والكيفيّة على حدتها، ثمّ اعتبارهم شرائط بحسب الجهات في المختلطات، كذا قال المحقّق الشريف.(3)

واعلم: أنّه قد يردّ وحدات الثّمان إلى وحدتين، هما وحدة الموضوع والمحمول،(4) باعتبار أنّ كلاًّ من المحمول والموضوع يختلف باختلاف شيء من الأُمور الباقية، فلم يتحقّق وحدة الموضوع أو وحدة المحمول .


1 . أ، ب و ج: «تحقّق التّناقض».
2 . بانضمام شرط الجهة إلى الثمانية. كما ذهب إليه بهمنيار في التّحصيل: 78 / الفصل العاشر من المقالة الأولى من المنطق .
3 . لم نعثر على مصدره.
4 . هذا ما ذهب إليه فخر الدّين الرّازي حيث استدلّ بأنّ وحدة الموضوع يندرج فيها وحدة الشرط ووحدة الكلّ والجزء، ووحدة المحمول يندرج فيها الوحدات الباقية وتبعه المحقّق الشريف في حاشيته على تجريد القواعد المنطقيّة لقطب الدّين الرّازي: 120 ـ 121، ولاحظ تفصيل قول الرّازي في شرح الاشارات والتنبيهات: 1 / 180 .


صفحه 243

بل إلى وحدة واحدة وهي وحدة النّسبة(1)، لاختلافها لا محالة باختلاف الموضوع والمحمول .

لكن ذلك على ماقيل تفويت لغرضهم، لأنّ مقصودهم عن تفصيل الشّرائط، أن لا تُغفل عن التّغاير بتلك(2) الاعتبارات، فيُغلَط ويُظَن في قضيّتين مثل قولنا: «الخمر مسكر مع قولنا الخمر ليس بمسكر »، أنّهما متناقضان للغفلة عن عدم الاتحاد بينهما في القوّة والفعل، وإلاّ فظاهر أنّ نقيض القضيّة رفعها بعينها، بأن ينفي عين ما أثبت فيها كيف ما كان بلا حاجة إلى تفصيل الشّرائط.

وأمّا التّفصيل الّذي يورده المنطقيّون في تعيين نقيض النّقيض، فغرضهم من ذلك تحصيل مفهومات القضايا عند ارتفاعها، أو لوازمها المساوية لها، حتّى يكون عندهم في التّناقض قضايا محصّلة مضبوطة، ويسهل استعمالها في العكوس والأقيسة والمطالب العلميّة.

وأمّا ما قال المحقّق الدّواني من أنّ «اعتبار وحدة النّسبة يغني عن اعتبار الوحدات الثّمان واعتبار الوحدات الثّمان لا يغني عن اعتبار وحدة النّسبة،


1 . وهو قول نسب إلى المعلّم الثاني. لاحظ: شرح الشّمسيّة: 120 / البحث الأوّل من الفصل الثالث; وشرح المطلع على متن ايساغوجي في المنطق: 48، وله رأي آخر نقله شارح المطالع حيث قال: واكتفى الفارابي منها ـ أي من ثمان وحدات ـ بثلاث وحدات وهي وحدة الموضوع والمحمول والزّمان وباقي الوحدات بعضها مندرجة تحت وحدة الموضوع كوحدة الشرط والكل والجزء، وبعضها مندرجة تحت وحدة المحمول كوحدة المكان والأضافة والقوّة والفعل. لاحظ تفصيله في شرح المطالع في المنطق: 167 ـ 168 .
2 . أي الشرائط الثمانية.


صفحه 244

لأنّ القضيّة الموجبة الخارجيّة لا يناقضها القضيّة الذّهنيّة، وإن اشتملتا على الوحدات الثّمان، كقولك: «زيد أعمى» أي في الخارج «وليس زيد بأعمى» أي في الذّهن، ولا تفاوت بينهما(1) إلاّ في نفس النّسبة ; فإنّ الحكم في إحداهما بالاتّحاد في الخارج، وفي الأُخرى بسلب الاتّحاد في الذّهن.

وكذا الحمل الذّاتي(2) مع الحمل العَرَضيّ، كقولك: الجزئيّ جزئيّ; أي بالحمل الذّاتي الأولي، والجزئي ليس بجزئي ; أي بالحمل العرضيّ .

فالوجه الاختصار(3) على اعتبار وحدة النّسبة، ثمّ الإشعار بأنّ تلك الوحدة مشروطة بتلك الوحدات»(4).

ففيه ما لا يخفى على المتأمّل.

وإذا قيد العدم بالملكة فجعل محمولاً في القضايا سمّيت القضيّة معدولة.

ظاهر هذا الكلام مبنيّ على ما زعمه بعضهم(5) من أنّ المعدولة لابدّ أن يكون محمولها عدم ملكة، سواء عبّر عنه بلفظ محصّل كقولك: «زيد أعمى(6)»، أو بلفظ معدول بأن تركّب كلمة السّلب مع لفظ محصّل.

فعلى هذا يعتبر في القضيّة المعدولة أن يكون موضوعها مستعدّاً


1 . في الموضوع والمحمول ولا باقي الثّمانية.
2 . إذا اعتبر بخصوصه .
3 . في ب: «الاقتصار» كذا في المصدر .
4 . لاحظ: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 111 .
5 . ذكره الشارح القوشجي في شرحه. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 111 .
6 . أو جاهل أو ساكت أو ساكن .


صفحه 245

للملكة، إمّا بحسب شخصه، أو نوعه، أو جنسه، قريباً كان أو بعيداً .

لكن الحقّ أنّ المعدولة ما كان محمولها مفهوماً عدميّاً; أي عدم شيء في نفسه.

سواء عبّر عنه بلفظ وجوديّ أو عدمي.

وسواء كان الموضوع مستعدّاً لذلك الشّيء الّذي أُضيف العدم إليه بوجه من الوجوه المذكورة أو لا، كما حقّق في موضعه. كذا قال المحقق الشّريف.

وأجاب عنه المحقّق الدّواني: «بأنّه يمكن أن يكون مراد المصنّف من تقييد العدم بالملكة إضافته إلى ما هو سلب له،سواء اعتبر معه الاستعداد أو لا، فإنّ الملكة قد تطلق على ما يعمّ الإيجاب كما يقال: الأعدام تعرف بملكاتها وفائدة اعتبار التّقييد أن لا يكون بمعنى سلب النّسبة. فلا يكون كلامه مبنيّاً على الزّعم المذكور ».(1)

وهي تقابل الوجوديّة; أي الموجبة المحصّلة صدقاً، لامتناع أن يصدق الكاتب واللاّكاتب مثلاً على موضوع واحد في زمان واحد من جهة واحدة، فلا يصدقان معاً لا كذباً، لإمكان عدم الموضوع(2)، فيكذبان معاً لاستدعاء الإيجاب وجود الموضوع .


1 . انظر: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 111 .
2 . في كتاب تجريد العقائد ومتن كشف المراد وشرح تجريد العقائد: بزيادة جملة «فيصدق مقابلاهما».


صفحه 246

المبحث السّابع

في أحكام التضاد

قال: وقد يستلزم الموضوعُ أحدَ الضدّين بعينه أو لا بعينه أو لا يستلزم شيئاً منهما عند الخلوّ أو الاتّصاف بالوسط.

ولا يُعقل للواحد ضدّان، وهو منفي عن الأجناس، ومشروطٌ في الأنواع باتّحاد الجنس، وجعلُ الجنس والفصل واحدٌ.

أقول: وقد يستلزم الموضوع في التّضاد أحد الضدّين بعينه كـ «الثّلج للبياض »، أو لا بعينه، كـ «الجسم للحركة أو السّكون ».

أو لا يستلزم شيئاً منهما عند الخلو; أي بأن يخلو عنهما لا إلى المتوسّط بينهما كـ «الشّفاف الخالي عن السّواد والبياض ».

أو عند الاتّصاف بالوسط(1); أي بأن يخلو عنهما ويتّصف بالمتوسط


1 . هذه أحكام التّضاد وهي أربعة: الأوّل: أنّ أحد الضدّين بعينه: قد يكون لازماً للموضوع كـ «سواد ا لقارّ » .
وقد لا يكون، فإمّا أن يكون أحدهما لا بعينه لازماً للموضوع كـ «الصّحة والمرض للبدن » أو لا يكون، فإمّا أن يخلو عنهما معاً كـ «الفلك الخالي عن الحرارة والبرودة » أو يتّصف بالوسط كـ «الفاتر»، وهو المتوسط بين الحرارة والبرودة. لاحظ : كشف المراد: المسألة الحادية عشرة من الفصل الثّاني.


صفحه 247

بينهما، سواء عبّر عنه باسم وجوديّ كـ «الفتور المتوسّط بين الحرارة والبرودة».

أو بسلب الطّرفين، كما يقال: لا عادل ولا جائر لمن اتّصف بحالة متوسّطة بين العدل والجور.

بخلاف قولهم الفلك لا خفيف ولا ثقيل، إذ لم يريدوا اتّصافه بحالة متوسّطة .

ولا يُعقل للواحد ضدّان.(1)

بيان ذلك ما قاله الشّيخ في " إلهيات الشفاء ": «وأمّا إن جَعَل جاعلٌ غاية الخلاف(2) والبعد، قد يقع بين الواحد وبين آخرين اثنين(3) فذلك محال، لأنّ التّخالف بين الواحد وبينهما :

إمّا أن يكون في معنى واحد من جهة واحدة، فتكون المخالفات للواحد من جهة واحدة متّفقةً وفي صورةِ الخلاف، ويكون نوعاً واحداً لا أنواعاً كثيرة.

وإمّا أن يكون في جهات، فيكون ذلك وجوهاً من التّضاد، لا وجهاً واحداً.


1 . هذا حكم ثان للتّضادّ قال في الأسفار: ومن أحكام التّضاد على ما ذكرنا من اعتبار غاية التّباعد أنّ ضدّ الواحد واحد، لأنّ الضدّ على هذا الاعتبار هو الّذي يلزم من وجوده عدم الضدّ الآخر. لاحظ: الحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 114 / للفصل السادس من المرحلة الخامسة.
2 . في التّضاد.
3 . متخالفين .


صفحه 248

فقد بان أنّ ضدّ الواحد واحد».(1)

وهو(2) أي التّضاد، بل التّقابل الّذي هو مقسم للأربعة منفيّ عن الأجناس(3) ومشروط في الأنواع باتّحاد الجنس .(4)

قال في "إلهيّات الشّفاء ": والأشياء المتغايرة بالجنس الأعلى إذا كانت ممّا يحلّ المواد، فنفس تغايرها بالجنس الأعلى لا يوجب أن لا يجتمع في مادّة واحدة .

وأمّا المتغايرات الّتي تختلف بالأنواع تحت الأجناس القريبة الّتي دون الأعلى، فيستحيل ألبتة أن يجتمع في موضوع واحد.

وقال أيضاً: فالأضداد بالحقيقة هي الّتي تتّفق في الجنس وتتّفق في الموضوع.

فمنها(5): ما يكون الموضوع الواحد يقبل الضدّين جميعاً من غير استحالة في غيرهما.


1 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 308 ـ 309 / الفصل الأوّل من المقالة السّابعة.
2 . هذا حكم ثالث للتّضادّ.
3 . يعني أنّه منفيّ عن الأجناس ولا ينتقض بالخير والشرّ لأنّهما ليسا جنسين ولا ضدّين من حيث ذاتيهما بل تقابلهما من حيث الكماليّة والنّقص.
4 . هذا حكم رابع للتّضادّ العارض للأنواع وهو اندراج تلك الأنواع تحت جنس واحد أخير ولا ينتقض بالشجاعة والتهور، إنّهما ضدّان مع كونهما تحت جنسين هما الفضيلة والرّذيلة العارضين لا من حيث ذاتيها. على ما أفاده الشارح العلاّمة.
5 . أي من الأضداد.


صفحه 249

ومنها: ما يكون الموضوع يستحيل أوّلاً في غيرهما حتّى يعرض له أحدهما، فإنّ مزاجاً مّا يحلو(1) به الشّيء، وإذا أمرّ(2) احتاج إلى مزاج آخر، فليس كذلك في استحالة الحارّ إلى البارد .

ولمّا كان الضد يكون في الجنس فلا يخلو: إمّا أن يكون عدم كلّ واحد منهما في طبيعة الجنس يلزمه الآخر فقط فيكون لا واسطة بينهما، وإمّا أن يكون ليس كذلك.

وقال أيضاً: وإذ ليس شيء من الأجناس العالية بمتضادة، فيجب أن تكون الأضداد الحقيقيّة واقعة تحت جنس، وأن يكون جنسها واحداً، فيجب أن يكون الأضداد تتخالف بالفصول، مثل: السّواد والبياض تحت اللّون، والحلاوة والمرارة تحت المذوق. انتهى»(3).

وبالجملة: فمستند هذين الحكمين إنّما هو الاستقراء.

ولما اعترض(4) عليه: بأنّ الخير والشّر ضدّان مع كونهما جنسين لأنواع كثيرة تحتهما، وكذا الموافقة والمخالفة،وكذا الفضيلة والرذيلة.(5)


1 . من الحلاوة .
2 . من المرارة.
3 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 304 و 306 و 308 .
4 . هذا الاعتراض تعرّض له الشارح القوشجي في شرحه وصدر المتألّهين في الأسفار وأجابا عنه. انظر: شرح تجريد العقائد: 112 ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 113 ـ 114 .
5 . هذا اعتراض على قول المصنّف (رحمه الله): «وهو منفي عن الأجناس» .


صفحه 250

وأنّ الشّجاعة والتهوّر ضدّان مع كونهما تحت جنسين هما الفضيلة والرّذيلة.

وأيضاً الشّجاعة مضادّة للتهوّر والجبن فيكون للشيء الواحد ضدّان، وهذا تناقض الحكم السّابق.(1)

أشار الشّيخ إلى الجواب عنه بقوله: «وأمّا الخير والشّر فليسا بالحقيقة أجناساً عالية، ولا الخير يدلّ على معنى متواط فيه ولا الشّر، ومع ذلك فالشّر يدلّ في كلّ شيء بوجه مّا على عدم الكمال الّذي له، والخير يدلّ على وجوده ; فبينهما مخالفة العدم والوجود .

وأمّا (2) الرّاحة والألم وأمثال ذلك، فإنّها تشترك في غير جنس الخير والشرّ، فإنّها تشترك في المحسوس أو في المتخيّل أو غير ذلك، فليست أنواعاً للخير والشرّ .

ويشبه أن يكون أهل الظّاهر من النّظر عَمَدوُا إلى الأشياء الّتي هي متضادّة، لها أجناس قريبة تدخل فيها طبقةٌ منها موافقة للحاسّة أو العقل، وطبقةٌ مخالفة لأيّهما كان، فالتقطوا منها المعنى الموافق والمعنى المخالف، فجعلوا أحدهما جنساً لطبقة، والآخر لطبقة الأُخرى .


1 . هذا اعتراض على قوله (رحمه الله): «ومشروط في الأنواع باتّحاد الجنس».
2 . جواب عن سؤال مقدّر تقريره: أنّ الرّاحة والألم كلاهما وجوديان لأنّ الراحة إدراك الملائم والألم إدراك المنافر والإدراك وجوديّ والرّاحة خير والألم شرّ فقولك أنّ الخير وجوديّ والشرّ عدميّ لا يصحّ .


صفحه 251

وليس الواجب كذلك، بل دلالة الموافقة والمخالفة دلالة اللّوازم، لأنّها ليست للأشياء في أنفسها، بل بالإضافة .

قال: وأمّا القول(1) بوجود الضدّين في جنسين متضادّين مثل الشّجاعة والتهوّر، فهو أيضاً قول متوسّع فيه .

فإنّ الشّجاعة في نفسها كيفيّة، وباعتبار ما يكون فضيلة، وكذلك التهوّر في نفسها كيفيّة، وباعتبار ما يكون رذيلة.

فالفضيلة والرّذيلة ليستا من الأجناس لهذه الكيفيّات، كما أنّ الطيّب وغير الطيّب ليسا جنسين للرّوائح والمذوقات، بل لوازم لها بحسب اعتبارات تلحقها.

فالشّجاعة في ذاتها لا تضادّ التهوّر ولا الجبن(2)، وإنّما المتضادّان هما التهوّر والجبن الدّاخلان في باب الملكة من الكيف .(3) وأمّا الشّجاعة فيقابل اللاّشجاعة، ثمّ اللاّشجاعة كالجنس للتهوّر والجبن.

فإن ضادّت الشّجاعة التهوّر، فإنّما تضادّه لا لطبيعة ذاتها، بل إنّما تضادّه لعارض فيها، وهو أنّ هذه محمودة وفضيلة ونافعة، وذلك مذموم ورذيلة وضارّ»(4).


1 . هذا جواب عن قول المعترض وهو: «إنّ الشّجاعة والتهوّر ضدّان الخ».
2 . لكونها واسطة بينهما فلايكون في غاية البعد والخلاف.
3 . لانّ التهوّر والجبن طرفين في غاية التباعد.
4 . إلهيات الشّفاء: 2 / 306 ـ 308 / الفصل الأوّل من المقالة السّابعة.


صفحه 252

وجعلُ الجنس والفصل واحدٌ، دفعٌ لما يتوهّم من أنّ التّضاد بين النّوعين يرجع إلى فصليهما، لأنّ الجنس مشترك بينهما فلا يتصوّر التّضاد من جهة الجنس، والفصول لا يجب دخولها تحت جنس واحد.

وتقرير الدفع: أنّ جعل الجنس والفصل واحد ; فهما متّحدان بالوجود الّذي هو وجود النّوع بعينه في الواقع، والتّغاير إنّما هو بحسب المفهوم.

والتّضاد، بل التّقابل إنّما هو من أحكام الوجود وراجع إليه في الحقيقة،فتضادّ الفصول بعينه تضادّ الأنواع في الواقع .

وأيضاً فالفصول داخلة تحت الجنس في الواقع دخول الأنواع تحته، فليتدبّر .


صفحه 253

الفصل الثّالث

في العلّة والمعلول(1)

وفيه مسائل:


1 . راجع لمزيد التحقيق في هذا البحث إلى: إلهيّات الشّفاء: 1 / المقالة السادسة والثامنة; والنجاة: 2 / 62 ـ 63 / المقالة الأولى ; والطبيعة لأرسطو طاليس: 1 / الفصل الثالث من المقالة الثانية; والتّحصيل: المقالة الخامسة من الكتاب الثاني; و كتاب المشارع والمطارحات: الفصل الثالث عشر والرابع عشر من المشرع الثالث ; والمباحث المشرقيّة: 1 / الفن الرّابع; وايضاح المقاصد: المقالة الثانية ; وأبكار الأفكار في أُصول الدّين: 2 / 617 ـ 654 / الأصل الثاني من الباب الثالث ; وأُصول المعارف: الباب الخامس ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / المرحلة السادسة ; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: الفنّ الثالث / المبحث السادس من المقالة الرابعة.


صفحه 254

صفحه 255

المسألة الأُولى

في تعريف العلّة وتقسيمها إلى الأربع

كما قال: كلّ شيء يصدر عنه أمرٌ إمّا بالاستقلال(1) أو بالانضمام،(2) فإنّه(3) علّة لذلك الأمر والأمر(4) معلول له .(5) وهي فاعليّة و ماديّة وصوريّة وغائيّة

أقول: قال المحقّق الشّريف: هذا التّعريف بظاهره لا يتناول العلّة الماديّة أو الصوريّة أو الغائيّة وحدها، إذ لا صدور عنها، لأنّها غير مؤثّرة .

فالأولى أن تعرّف بالاحتياج فيقال(6): العلّة ما يحتاج إليه أمر، سواء


1 . كصدور الاحراق عن النّار باستقلالها.
2 . كصدور قطع الصفراء عن السكر بانضمام الخلّ.
3 . أي المصدور عنه .
4 . وذلك الأمر .
5 . وتسمّى العلّة في القسم الأوّل تامّة، وفي القسم الثانية ناقصة.
6 . إنّ عبارات الحكماء والمتكلّمين في تعريف العلّة مختلفة: قال الشيخ في رسالة الحدود: «إنّ العلّة هي كلّ ذات يلزم منه أن يكون وجود ذات أُخرى إنّما هو بالفعل من وجود هذا بالفعل، ووجود هذا بالفعل من وجود ذلك بالفعل».
وقال شيخ الاشراق: «هي ما يجب به وجود شيء آخر أوما يحصل به وجود شيء آخر».
وقال بهمنيار: «وهي وجود شيء يكون معلوماً من وجود آخر». وقال صدر المتألهين: لها مفهومان: «أحدهما هو الشيء الّذي يحصل من وجوده من حيث هو وجوده وجود شيء آخر ومن عدمه عدم شيء آخر وثانيها: ما يتوقّف عليه وجود الشّيء، فيمتنع بعدمه ولا يجب بوجوده، والعلّة بالمعنى الثاني تنقسم إلى علّة تامّة، وغير تامّة. لاحظ: رسالة في الحدود: 41 ; ورسائل الشيخ: 117 ; والمشارع والمطارحات: الفصل الثالث من المشرع الثالث ; والتحصيل: 519 / الفصل الأوّل من المقالة الخامسة ; وشرح الهداية الأثيريّة لصدر الدّين: 280 ـ 281; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 127 / الفصل الأوّل من المرحلة السادسة.


صفحه 256

كان احتياجه إليه بحسب الوجود دون الماهيّة، كالعلل الخارجيّة، أو بحسبهما معاً، كالعلل الداخليّة. انتهى كلامه.

وإنّما قال(1) «بظاهره» لإمكان تأويل الصّدور إلى الاحتياج، كما يشعر به أيضاً قوله: «فالأولى» .

وأقول: يمكن أن يحمل الصّدور على ما يعمّ صدور الوجود ـ سواء كان تأثيراً أو حملاً وبعثاً على التّأثير ـ وصدور التقوّم.

فالعلّة الغائيّة يصدر عنها الوجود بمعنى كونها باعثة على التّأثير، والماديّة والصّوريّة يصدر من كلّ منهما التقوّم.

ويمكن أيضاً أن يقال: هذا المفهوم المردّد ـ أعني: ما يصدر عنه أمر إمّا بالاستقلال أو بالانضمام ـ صادق على كلّ من العلل، فانّه يصدق مثلاً على العلّة الماديّة أنّه يصدر عنها أمرٌ بانضمام العلل الباقية إليها، كما أنّه يصدق


1 . أي المحقّق الشّريف .


صفحه 257

على الفاعل الغير المستقل ذلك، إلاّ أنّ الصّدور في الأوّل يكون باعتبار المنضمّ لا المنضم إليه، وفي الثّاني باعتبار المنضمّ إليه .

وأمثال ذلك وإن كان خلاف الظّاهر المتبادر لكن كثيراً ما يتسامح في مثل هذا المقام لظهور ما هو المرام.

ويمكن أيضاً أن يقال: إنّ هذا تعريف للفاعل، وأمّا تعريف غير الفاعل فيعرف منه بالمقايسة، مثل أن يقال: العلّة الغير الفاعليّة ما يصدر عن الشّيء بانضمامه إليه أمر .

وحينئذ يكون التّقسيم المشار إليه بقوله: وهي فاعليّة وماديّة وصوريّة وغائيّة، تقسيماً لمطلق العلّة المعرَّف بعض أفرادها صريحاً وبعضها مقايسة.

ويؤيّد هذا التّوجيه(1) ما في " شرح المقاصد ": «من أنّه قد يراد بالعلّة ما يحتاج إليه الشّيء، وبالمعلول ما يحتاج هو إليه الشّيء ـ يعني في وجوده ـ وإن كانت العلّة عند إطلاقها منصرفة إلى الفاعل، وهو ما يصدر عنه الشّيء: إمّا بالاستقلال، أو بانضمام الغير إليه »(2).

وأمّا ما في الشّرح القديم من أنّ هذا تعريف بحسب اللّفظ لا بحسب الحقيقة، لكون العلّية والمعلوليّة بمعنى التّأثير والتّأثّر متصوّرتين بالبديهية .

فيرد عليه: أنّ التّأثير والتّأثّر معنى الفاعليّة والمنفعليّة لا العلّية والمعلوليّة الشّاملتين للعلل الأربع ومضايفاتها.


1 . أي حيث جعل هذا التّعريف تعريفاً للفاعل .
2 . شرح المقاصد: 2 / 78 / المبحث الأوّل من المنهج الخامس .


صفحه 258

لكنّ أسلوب كلام المصنّف ممّا يؤيد كون التّعريف لفظيّاً(1) .

ويدلّ عليه صريحاً كلام " المواقف " : « من أنّ تصوّر احتياج الشّيء إلى غيره ضروريّ; فالمحتاج إليه يسمّى علّة، والمحتاج معلولاً».(2)

ويشير إليه أيضاً كلام " شرح المقاصد " المنقول آنفاً.

وهو التّحقيق، لكن ذلك لا يدفع المواخذة المذكورة عن كلام المصنّف، فتدبّر .

وأمّا بيان الانقسام فقال: " شارح المقاصد ": «علّة الشّيء بمعنى ما يتوقّف هو عليه (3): إمّا أن تكون داخلة فيه، أو خارجة عنه.

فإن كانت داخلة، فوجوب الشّيء معها:

إمّا بالفعل، وهي العلّة الصوريّة.

وإمّا بالقوّة: وهي العلّة الماديّة .

وإن كانت خارجة:

فإمّا أن يكون بها الشّيء: وهي العلّة الفاعليّة.

أو لأجلها: وهي العلّة الغائيّة .

ويخصّ الأوليان باسم علّة الماهيّة، لأنّ الشّيء يفتقر إليهما في ماهيّته،


1 . حيث ذكر المصنّف (رحمه الله) كلمة «كلّ شيء».
2 . المواقف في علم الكلام: 85 / المقصد الأوّل من المرصد الخامس.
3 . في المصدر: «علّة الشّيء أعني: ما يحتاج هو إليه الخ».


صفحه 259

كما في وجوده. ولذا لا يعقل إلاّ بهما، أو بما ينتزع عنهما كالجنس والفصل .

ويخصّ الاُخريان (1) باسم علّة الوجود، لأنّ الشّيء يفتقر إليهما في الوجود فقط، ولذا يعقل بدونهما .

قال (2): وتمام هذا الكلام ببيان أُمور:

الأوّل: أنّ ما ذكر في بيان الحصر وجه ضبط، لأنّه لا دليل على انحصار الخارج فيما به الشّيء وما لأجله الشّيء سوى الاستقراء.

الثّاني: أنّ المراد بالصوريّة والماديّة، الصّورة والمادّة وما ينسب إليهما من الأجزاء لصدق التّعريف عليهما.

وكذا في الفاعليّة والغائيّة .

وبهذا الاعتبار يندرج الشّروط والآلات في الأقسام، لكونها راجعة إلى ما به الشّيء .

وما ذهب إليه الإمام (3): «من أنّ الشّروط من أجزاء العلّة الماديّة بناء على أنّ القابل إنّما يكون قابلاً بالفعل معها» ليس بمستقيم، لأنّها خارجة عن المعلول. وقد صرّح هو أيضاً: بأنّ الماديّة داخلة.

الثّالث: أنّ ما ذكرنا من اعتبار الفعل والقوّة في الوجوب، وهو الموافق لكلام ابن سينا، (4) أولى من اعتباره في الوجود على ما ذكره الجمهور.


1 . أي العلّة الفاعليّة والغائيّة.
2 . أي شارح المقاصد.
3 . لاحظ: المباحث المشرقية: 1 / 458 / الفن الرابع في العلل والمعلولات.
4 . لاحظ : النّجاة: 2 / 62 / فصل في أقسام العلل وأحوالها.


صفحه 260

لأنّ المادّة إذا لحقتها الصّورة يكون وجود المعلول معها بالفعل لا بالقوّة، فيدخل في تعريف الصّورة، فلا يكون مانعاً، ويخرج عن تعريف المادّة، فلا يكون جامعاً .

بخلاف الوجوب، فإنّه بالنّظر إلى المادّة لا يكون إلاّ بالقوّة، وبالنّظر إلى الصّورة لا يكون إلاّ بالفعل .

وكان مرادهم: أنّ الصّورة ما يكون وجود الشيء معه بالفعل أَلبتّة، والمادّة ما يكون الوجود معه بالقوّة في الجملة، وحينئذ لا انتقاض .

الرّابع: أنّ الجزء الغير الأخير من الصّورة المركّبة، يكون وجوب المعلول معه بالقوّة لا بالفعل، فيدخل في تعريف الماديّة، ويخرج عن تعريف الصوريّة، فينتقض التّعريفان جمعاً ومنعاً .

ولا يجوز أن يراد بالقوّة الإمكان بحيث لا ينافي الفعل، لأنّ الفساد حينئذ أظهر .

الخامس: أنّ حصر الجزء في المادّة والصّورة مبنيّ على أنّ الجنس والفصل ليستا بجزئين من النّوع، بل من حده، على ما سبق تحقيقه .

وجعله الإمام مبنيّاً على أنّه لا تغاير بين الجنس والمادّة، ولا بين الفصل والصّورة إلاّ بمجرّد الاعتبار.

وهو إنّما يتمّ لو كان الجنس مأخوذاً من المادّة، والفصل من الصّورة ألبتة، حتّى لا يكون للبسائط الخارجيّة كـ «المجرّدات» أجناس وفصول، وقد صرّح المحقّقون بخلافه.


صفحه 261

السّادس: أنّ من الشروط ما هو عدميّ كـ «عدم المانع » فإذا كان من جملة العلّة الفاعليّة، لزم استناد وجود المعلول إلى العلّة المعدومة، ضرورة انعدام الكلّ بانعدام الجزء، وهو باطل; لأنّ امتناع تأثير المعدوم في الوجود ضروريّ، ولأنّه يلزم انسداد باب إثبات الصّانع .

والجواب: أنّ المؤثّر في وجود المعلول ليس هو العلّة الفاعليّة بجملتها، بل ذات الفاعل فقط، وسائر ما يرجع إلى الفاعل، إنّما هي شرائط التّأثير. ولا امتناع في استناد المعلول إلى فاعل موجود مقرون بأُمور عدميّة .

وقد يجاب: بأنّ الشّرط إنّما هو أمر وجوديّ خفيّ، وذلك الأمر العدميّ لازم له كاشف عنه، مثلاً: شرط احتراق الخشبة ليس زوال الرّطوبة، بل وجود اليبوسة الّذي ينبئ عنه زوال الرّطوبة.(1)

فإن قيل: نفس عدم الحادث من مبادئ وجوده لافتقاره إلى الفاعل المقارن له .(2)

قلنا: الاحتياج إلى الشّيء لا يقتضي الاحتياج إلى ما يقارنه. ولهذا كان تقدّم عدم الحادث على وجوده زمانيّاً محضاً لا ذاتيّاً .

وكيف يعقل احتياج وجود الشّيء إلى عدمه؟

فهو ليس من المبادئ إلاّ بالعرض، بمعنى أنّه يقارن المبداء؟

ثمّ قال: ثمّ العلّة: إمّا تامّة: وهي جميع ما يحتاج إليه الشّيء، بمعنى أن لا


1 . وكذا سائر الصوّر .
2 . أي لزوم الحادث .


صفحه 262

يبقى هناك أمر خارج يحتاج إليه، لا بمعنى أن تكون مركّبة من عدّة أُمور ألبتة.

وإمّا ناقصة: وهي بعض ذلك.

والتامّة: قد يكون هو الفاعل وحده كـ «البسيط الموجد للبسيط إيجاباً».

وقد يكون هومع الغاية كـ «البسيط الموجد للبسيط اختياراً»(1).

وقد يكون هو مع المادّة والصّورة كـ «الموجد للمركّب منهما». إمّا مع الغاية(2)، أو بدونها .(3)

وإذا كانت العلّة التامّة مشتملة على المادّة والصّورة يمتنع تقدمّها على المعلول، واحتياج المعلول إليها، ضرورة أنّ جميع أجزاء الشّيء نفسه، وإنّما التقدّم لكلّ منهما .

فما يقال: من أنّ العلّة يجب تقدّمها على المعلول ليس على إطلاقه، بل العلّة الناقصة، أو التامّة الّتي هي الفاعل وحده، أو مع الشّرط والغاية»(4). انتهى كلام شارح المقاصد .

وإنّما اقتفينا كلامه لكونه أضبط وأوفى ما قيل في هذا المقام .

وأمّا حديث الجزء الغير الأخير من الصّورة على ما ذكره، فليس


1 . أي اختياراً زائداً على ذات الفاعل النّاقص في فاعليّته .
2 . كما في مادة الاختيار.
3 . كما في صورة الإيجاب.
4 . شرح المقاصد: 2 / 78 / 81 .


صفحه 263

كذلك، لأنّ التّحقيق أنّ الصّورة من حيث هي صورة ليست بمركّبة; فإنّ صورة المركّب ليست مركّبة من صور أجزائه المادّية، مثلاً: صورة البيت ليست مركّبة من صور الجدران والسّقف كما يتوهم، بل عند تمام السّقف يزول صور الجدران من حيث هي صور الجدران، ويحدث صورة البيت من حيث هي صورة البيت .

وأمّا ما قيل في توجيه عدم المانع، من أنّه كاشف عن أمر وجودي.

فقال المحقّق الشريف: إنّه تكلّف، فإنّ بديهة العقل لا يجوّز أن يكون العدم مؤثّراً في الوجود، وتجوّز أن يتوقّف عليه(1) التّاثير فيه كما تجوّز توقّفه على أمر وجوديّ.

فعلى هذا يجوز أن يكون مدخليّة الشّيء في وجود آخر من حيث وجوده فقط كالفاعل والشّرط والمادّة والصّورة، ومن حيث عدمه فقط كالمانع، ومن حيث وجوده وعدمه معاً كالمُعدّ، فإنّه لابدّ من عدمه الطّارئ على وجوده .

فمعنى قولهم: إنّ العلّة التّامّة للموجود لابدّ أن تكون موجودة، هو أنّ ما له مدخل في وجوده من حيث الوجود لابدّ أن يكون موجوداً. وما له مدخل في وجوده من حيث العدم لابدّ أن يكون معدوماً. وما له مدخل في وجوده من حيث الوجود والعدم لابدّ أن يوجد ثمّ يُعدم.

هذا معنى وجود العلّة التامّة وحصولها .


1 . أي عدم المانع .


صفحه 264

وأمّا أن يجب وجود كلّ واحد من أجزائها، فمّما لم يحكم العقل به ضرورة ولا قام عليه برهان، هذا.

وأمّا حديث مبدئيّة العدم، فسيأتي .

وأمّا حديث تقدّم العلّة التامّة المركّبة على معلولها، فقد تقدّم الإشكال المورد عليه في مبحث أقسام السّبق مع جوابه، وهو الفرق بين مجموع الأجزاء والأجزاء بالأسر والكلّ الأفراديّ، فتذكّر .

وقال في المواقف: «العلّة النّاقصة متقدّمة، وأمّا العلّة التّامة فمجموع أُمور كلّ واحد منها متقدّم، وأمّا تقدّم الكلّ من حيث هو كلّ ففيه نظر، إذ مجموع الأجزاء هي الماهيّة، ولا يتصوّر تقدّمها على نفسها، فضلاً عنها مع انضمام أمرين(1) آخرين. انتهى»(2).

وأنت خبير بما أسلفنا لك من الفرق المذكور: أنّ التّرديد بين كلّ واحد من الأجزاء، وبين مجموع الأجزاء، غير حاصر، لاحتمال الأجزاء بالأسر بالمعنى الّذي سبق، وهو مناط الجواب، هذا.

واعلم: أنّه قد تُقرّر الإشكال المذكور، بأنّ المعلول إذا كان مركّباً، فجميع أجزائه الّتي هي عينه يكون جزء من العلّة التّامّة، فالجزء لا يكون محتاجاً إلى الكلّ، بل الأمر بالعكس .

فإطلاق لفظ «العلّة» عليها غير صحيح، اللّهم إلاّ أن يقال: ذلك اصطلاح


1 . أي المادّة والصّورة.
2 . المواقف في علم الكلام: 85 .


صفحه 265

آخر. وليس مبنيّاً على كونها علّة بالمعنى المذكور، أعني: المحتاج إليه .

والجواب عنه أيضاً يظهر من الجواب عمّا سبق: وهو أنّ لفظة العلّة إنّما يطلق على الأجزاء بالأسر، وهي ليست عين المعلول، بل ما هو عين المعلول هو مجموع الأجزاء بالمعنى الّذي سبق.

وأجاب عنه المحقّق الدّواني: «بأنّ كلّ مفهوم كما يصدق على الواحد من أفراده يصدق على الكثير منها كـ «الإنسان» يصدق على الواحد والكثير .

ومفهوم العلّة أيضاً كما يصدق على كلّ واحد من أفراده، يصدق على جميعها، بمعنى أنّ تلك الآحاد علل أي علّة كثيرة وإن لم يكن علّة واحدة(1) فيكون مجموع المادّة والصّورة اثنين من أفراد علّة الشّيء لا فرداً واحداً منها»(2).

وكذا أجاب عنه سيّد المدققين: «بأنّه إن أراد أنّ الأجزاء مجتمعة جزء العلّة، فهو غير مسلّم، لأنّ جزء العلّة علّة، وجميع الأجزاء الّتي هي عينه ليست بعلّة، وإنّما العلّة كلّ واحد .

وإن أراد أنّ كلّ واحد منها جزء منها فهو مسلّم، ولا يلزم كون المجموع علّة، لجواز أن يكون اتّصافها بالعلّيّة من حيث الانفراد لا من حيث الاجتماع»(3).


1 . «فلا يلزم منه إلاّ توقّف المعلول على كلّ واحد من تلك الآحاد بتوقّف واحد، وعلى جميعها بتوقفات متعدّدة وعلى هذا فيكون...».
2 . لاحظ: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 113 .
3 . راجع: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 150 .


صفحه 266

والوجه ما ذكرنا، هذا .

ثمّ إنّه إنّما فسّر العلّة التامّة بما لا يبقى هناك أمر خارج يحتاج إليه، لا بما تكون مركّبة ألبتة، لأنّ العلّة التّامة ; قد تكون هي الفاعليّة وحدها، كما في البسيط الصّادر عن الموجِب بلا اشتراط أمر في تأثيره ولا تصوّر مانع .

وأمّا الإمكان: فهو مأخوذ من جانب المعلول، فإنّا قد نأخذ شيئاً ممكناً، ثمّ نطلب له علّة .

والإمكان الّذي يؤخذ من جانب العلّة ليس سوى قدرة الفاعل، وقد فرض إيجابه.


صفحه 267

المسألة الثّانية

في أحكام العلّة التامّة

إنّ هذه المسألة في بيان أحكام تتعلّق بالعلّة التامّة من حيث هي مستقلّة وتامّة.

وفيها أربعة أحكام:

الحكم الأوّل

في أن تخلّف وجود المعلول عن وجود العلّة التامّة محال

قال: فالفاعل مبدأ التّأثير وعند وجوده بجميع جهات التّأثير يجب وجود المعلول، ولا تجب مقارنة العدم لما سبق.

أقول: فمنها(1): امتناع تخلّف وجود المعلول عن وجود العلّة التامّة.

ولما كان العمدة في العلّة التامّة هي الفاعل لكون التّأثير والإيجاد الّذي هو الأصل في العلّية منه، عبّر المصنّف عن العلّة التامّة بالفاعل المستجمع


1 . أي من أحكام العلّة التّامة فهو الحكم الأوّل .


صفحه 268

لشرائط التّأثير، وللإشارة إلى ذلك(1) صرّح بكون الفاعل مبدأ للتّأثير، فقال: والفاعل مبدأ للتّأثير(2) وعند وجوده بجميع جهات التّأثير(3) يجب وجود المعلول .(4)

وإلاّ لزم: إمّا خلاف الفرض، وإمّا ترجّح أحد المتساويين بلا مرجح، وإمّا ترجّح المرجوح.

وذلك لأنّ تخلّف وجود المعلول عن وجود العلّة التامّة إن كان لتوقّفه على أمر منتظر، لزم(5) خلاف الفرض.

وإن لم يكن لذلك :

فإمّا أن يوجد المعلول في زمان ثان، فيلزم ترجّح وجوده في الزّمان الثّاني على وجوده في الزّمان الأوّل بلا مرجّح(6)، لأنّ التّرجيح النّاشئ من


1 . أي إلى كون العمدة في العلّة التامّة هي الفاعل لكون التّأثير الخ.
2 . فإنّ الأثر يصدر منه لا من الغاية والمادّة والصّورة.
3 . أي مستجمعاً للشرائط.
4 . أي إذا وجد المؤثّر بجميع جهات التّاثير وجب وجود المعلول، وإلاّ فإن لم يوجد المعلول حين وجود العلّة التّامّة: فإمّا أن لا يوجد أصلاً فهوخلف، لأنّ المفروض أنّه علّة; وإمّا أن يوجد في وقت آخر وهومستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال، إذ وجود المعلول في ذلك الزّمان دون ما قبله وما بعده لا أولوّية له لفرض استجماع العلّة للشّرائط قبله وبعده .
5 . أي أن لا تكون جميع جهات التّأثير.
6 . قال الشارح القوشجي في شرحه: وبهذا يندفع ما يقال من أنّه لِمَ لا يكون هذا ترجيحاً بلا مرجّح من المختار وانّه جائز عند بعضهم. انظر: شرح تجريد العقائد: 114 .


صفحه 269

العلّة مشترك بين الزّمانين، وسواء في ذلك كون الفاعل موجباً أو مختاراً، لكون الإرادة أو تعلّقها من الشّرائط أيضاً.

وإمّا أن لا يوجد المعلول أصلاً، فيلزم ترجّح عدمه على وجوده المترجّح من ترجيح الفاعل، وهذا ترجّح المرجوح .

بل على تقدير وجود المعلول في زمان ثان أيضاً يلزم ترجّح المرجوح، لكون وجوده في الزّمان الأوّل مترجّحاً على عدمه لا محالة.(1)

وجميع ذلك مستحيل بديهة واتّفاقاً، فالمنازع مكابر بمقتضى(2) بديهته.

ولا يجب مقارنة العدم; أي لا يجب كون وجود العلّة التّامة مقارناً لعدم المعلول; أي بحَسَب الزّمان، لما سبق(3) «من جواز استناد القديم إلى المؤثّر، لكون علّة الافتقار هي الإمكان» .

وهذا ردّ لمذهب من يقول بوجوب مقارنة العلّة لعدم المعلول.

و لذلك يجعلون علّة الافتقار هي الحدوث (4) لا الإمكان


1 . فوقوع عدمه في الزّمان الأوّل ترجّح المرجوح بلا مرجّح .
2 . أ، ب و ج: «لمقتضى» .
3 . قد تقدّم الكلام فيه في المسألة السابعة والثلاثين من الفصل الأوّل في الجزء الأوّل.
4 . وهو مذهب بعض المتكلّمين ومنهم أبو هاشم الجبّائي المعتزلي والقاضي عبد الجبّار بن أحمد المعتزلي. أنظر: شرح الأُصول الخمسة: 343 ; وقواعد المرام في علم الكلام: 47 / البحث التاسع .


صفحه 270

صريحاً(1)، وإلاّ(2) فهو لازم ممّا تقدم، أعني: من وجوب وجود المعلول عند وجود العلّة التامّة .

فلا يرد(3) أنّ المتبادر(4) من هذه العبارة جواز المقارنة مع كونه باطلاً قطعاً، لما مرّ «من أنّه يجب وجود المعلول عند وجود العلّة التامّة».


1 . قوله: «صريحاً» حال من قوله: «ردّ».
2 . أي وإن لم يكن هذا ردّاً لمذهب من يقول الخ .
3 . أي إذا كان ردّاً صريحاً للقائل بوجوب مقارنة العدم فلا يرد الخ.
4 . الموُرد هو الشارح القوشجي حيث قال: أنت خبير: أنّ المتبادر من هذه العبارة، أنّ وجود العلّة المستقلّة يجوز أن يقارن عّدم المعلول، لكن ذلك باطل لما تبيّن من أنّه يجب وجود المعلول عند وجود العلّة. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 114 .


صفحه 271

الحكم الثّاني

في أنّ المؤثّر كما في حدوثه يحتاج إلى أثر تامّ في بقائه أيضاً يحتاج إلى أثر تامّقال: ولا يجوز بقاء المعلول بعده وإن جاز في المُعِدّ.

أقول: ومنها(1): أنّ المعلول يفتقر في البقاء أيضاً إلى العلّة التامّة من حيث هي تامّة، كما يفتقر إليها في ابتداء الوجود.

وإليه أشار بقوله: ولا يجوز بقاء المعلول(2) بعده; أي بعد الفاعل المستجمع لجميع جهات التّأثير من حيث هو كذلك، بأن(3) يعدم الفاعل من حيث هو تامّ، ويبقى المعلول موجوداً.

وذلك لما مرّ(4) «من أنّ علّة الافتقار هي الإمكان، وإنّ الإمكان لازم لماهيّة الممكن».

ولمّا كان هذا الكلام في معنى «ولا يجوز بقاء شيء من المعلول بعد


1 . أي من أحكام العلّة التّامة فهو الحكم الثّاني.
2 . بدون العلّة، إذ علّة الحاجة هي الإمكان والمعلول بعد الوجود ممكن فيحتاج إلى العلّة .
3 . بيان لبقاء المعلول بعده.
4 . في المسألة الثانية والعشرين من الفصل الأوّل في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.


صفحه 272

شيء من العلل » قال: وإن جاز في المُعِدّ(1) الّذي هو أيضاً من العلل، وذلك لكون المُعِدّ معدّاً بعدمه الطّارئ على وجوده.

وإنّما قال: «وإن جاز» لأنّ بمجرّد المُعِدّ ـ أعني: عدمه الطّارئ على وجوده مع قطع النّظر عن سائر العلل والشّرائط ـ لا يجب بقاءالمعلول ولا وجوده، بل جاز أن يجتمع معه سائر العلل والشّرائط، فيبقى المعلول، وإن لا يجتمع، فلا يبقى، فبقاء المعلول بعد المُعِدّ في مرتبة الجواز والإمكان.

ثمّ إنّ الدّليل المذكور ـ أعني: كون علّة الافتقار هي الإمكان اللاّزم لماهيّة الممكن ـ إنّما يدلّ على امتناع بقاء المُعدّ بدون علّة تامّة من حيث هي تامّة .

وأمّا أنّه يجب أن يكون العلّة المبقية بعينها العلّة المفيدة للوجود أوّلاً ـكما يشعر به كلام المصنّف، بل يجب أن يكون هو المراد هاهنا، وإلاّ فحديث افتقار الممكن في البقاء إلى العلّة مطلقاً قد مرّ سابقاً(2)، فيلزم التّكرار ـ فلا يدلّ عليه هذا الدّليل.

لكنّ الحقّ أنّه يجب ذلك في الفاعل دون الشّرائط، فلا يجوز تبدّل الفاعلين على معلول واحد شخصيٍّ، وإن جاز التبدّل في الشّرائط، وسيأتي.


1 . إشارة إلى دفع ما قيل: بأنّا نرى أنّ البنّاء يموت والبِناء باق، فكيف تبقى المعلول مع ذهاب العلّة؟ دفع بأنّ البنّاء معدّ وإنّما المفيض للصّورة هو الله سبحانه وعلى هذا جاز بقاء المعلول مع ذهاب العلّة في المعدّ.
2 . في المسألة السادسة والثلاثين من الفصل الأوّل في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.


صفحه 273

فإن قيل(1): ما ذكرتم من وجوب انعدام المعلول عند انعدام العلّة باطل، لما نشاهد من بقاء الابن بعد الأب، والبِناء بعد البَنّاء، وسخونة الماء بعد النّار.(2)

قلنا: ذلك في العلل المُعدّة، وكلامنا في العلل المؤثّرة .

فالأب بالنّسبة إلى الابن ليس إلاّ مُعِدّاً للمادّة لقبول الصّورة، وإنّما تأثيره في حركات وسكنات وأفعال تفضي إلى ذلك وتَنعدم بانعدام قصده ومباشرته. وعلى هذا القياس سائر الأمثلة.

فإنّ البنّاء إنّما يؤثّر في حركات تفضي إلى ضمّ أجزاء البناء بعضها إلى بعض، و(3) وجوده إنّما هو أثر لتماسك المعلول ليُبْس العنصر .

والنّار إنّما يؤثّر في استعداد مادّة الماء لقبول السّخونة، بإبطال استعدادها لقبول ضدّها أعني: البرودة، وعلّة السّخونة هي المفارق الّذي يكسو(4) العناصر صورها .


1 . ذكره الشّيخ الرّئيس وشّيخ الاشراق في كتبهم وأجابا عنه. لاحظ: إلهيات الشّفاء: 2 / 264 / الفصل الثاني من المقالة السادسة ; والإشارات والتنبيهات: النّمط الخامس; وكتاب المشارع والمطارحات: الفصل الأوّل من المشرع الخامس .
2 . وأجاب عنه بهمنيار: بأنّ الّذي يُظَنّ أنَّ الابن يبقى بعد الأب، والبِناء يبقى بعد الباني، والسّخونة تبقى بعد النّار ; فإنَّ السّبب فيه أنّ هذه ليست عللاً بالحقيقة بل معدّات ومعيّنات، والغلط في ذلك أخذ ما بالعرض مكان ما بالذّات. انظر التحصيل: 526 ـ 527 / الفصل الثاني من المقالة الخامسة .
3 . الواو: حالية.
4 . أ، ب و ج: «يكسي» .


صفحه 274

الحكم الثّالث

في أنّ الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد (1)

قال: ومع وحدته يتّحد المعلول.

أقول: ومنها(2): أنّ الفاعل المستقلّ إذا كان واحداً من جميع الجهات، بحيث لا يكون فيه كثرة الأجزاء، ولا كثرة الوجود والماهيّة، ولا يكون متّصفاً بصفة حقيقية زائدة في الخارج، أو اعتباريّة زائدة في العقل، ولا يتوقّف فعله على شرط وآلة وقابل ـ فلا يمكن أن يصدر عنه في مرتبة واحدة إلاّ معلول واحد ـ على ما ذهب إليه الحكماء، خلافاً للمتكلّمين.


1 . هذا مذهب الحكماء والمعتزلة ـ على ما نقل في نقد المحصّل ـ من المتكلّمين، وأمّا الأشاعرة ذهبوا إلى خلاف ذلك وهم قائلين بأنّ العلّة الواحدة يجوز أن يصدر عنها أكثر من معلول واحد. كما صرّح به صاحب المواقف في المقصد الثالث من كتابه، والفخر الرازي في محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين في المسألة الثالثة من الركن الثاني برقم 10. راجع في إيضاح المقام: القبسات: 351 ـ 367 القبس التاسع ; وشرح حكمة الاشراق لقطب الدّين الشيرازي: 314 / المقالة الثانية ; وأثولوجيا لأرسطاطاليس ; الميمر العاشر; ومصباح الأنس: 69 ـ 72 / المقام الخامس من الفصل الأوّل، المعتبر في الحكمة لأبي البركات: الجزء الثالث: الفصل الأوّل والثّاني من المقالة الثانيّة ; وتهافت الفلاسفة للغزّالي: المسألة الثالثة ; وتهافت التّهافت لابن رشد: المسألة الثالثة ; والمباحث المشرقيّة: 1 / الفصل الأوّل من الفنّ الرّابع; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / الفصل الثالث عشر من المرحلة السادسة .
2 . أي من أحكام العلّة التّامة فهو الحكم الثالث .


صفحه 275

وإليه أشار بقوله: ومع وحدته يتّحد المعلول، سواء كان الفاعل موجَباً أو مختاراً اختياره وإرادته نفس ذاته، والحكماءيسمّون لمثل هذا المختار الفاعل بالرّضا .

وأمّا إذا كان إرادته واختياره زائدة على ذاته وهو الّذي يسمّونه الفاعل بالقصد، فهو خارج عمّانحن فيه، لأنّ فيه اثنينيّة بالفعل، سواء تعدّد إرادته، أو تعلّقها، أو لا، فلا يكون واحداً من جميع الجهات.

وأمّا بيان ذلك، فقال الشّيخ في " الإشارات ":

«تنبيهٌ: مفهوم أنّ علّة ما بحيث تجب عنها «أ» غير مفهوم أنّ علّة ما بحيث يجب عنها « ب»(1) وإذا كان الواحد يجب عنه شيئان، فمن حيثيّتين مختلفتي المفهوم مختلفتي الحقيقة، فإمّا أن يكونا من مقوّماته، أو من لوازمه، أو بالتّفريق.

فإن فرضنا من لوازمه عاد الطّلب جذعاً(2)، فينتهي إلى حيثيّتين من


1 . قال صاحب المحاكمات: فهاتان الحيثيّتان إن قوّمتا أو قوّم إحداهما يلزم التّركيب، وإلاّلزم اتّصافه بصفتين في الخارج، فتعدّد الصّدور يستلزم التّركيب، أو تعدّد الصّفات فيالخارج. فالواحد الحقيقي: وهو ما لا تركيب فيه ولا له جهاتٌ وصفاتٌ في الخارج يستحيل عنه صدور غير الواحد. لاحظ: الإلهيّات من المحاكمات بين شرحي الإشارات: 187 / النّمط الخامس .
2 . أي أنّه إذا كان من معلولاته ننقل الكلام إليه ويتسلسل بناء على لزوم وجوده فلابدّ أن ينتهي إلى حيثيتين مختلفتين يكونان من مقوّمات العلّة وذلك التّقوّم إمّا للماهيّة أو للوجود أو بالتّفريق .


صفحه 276

مقوّمات العلّة مختلفتين إمّا للماهيّة (1) ، وإمّا لأنّه موجود (2) ، وإمّا بالتّفريق.(3)

فكلّ ما يلزم عنه اثنان معاً ليس أحدهما بتوسّط الآخر، فهو منقسم الحقيقة.(4)

وقال المصنّف في شرحه: يريد بيان أنّ الواحد الحقيقيّ لا يوجب من حيث هو واحد إلاّ شيئاً واحداً بالعدد.

وكأنّ هذا الحكم قريب من الوضوح، ولذلك وسم الفصل بالتّنبيه. وإنّما كثرت مدافعة النّاس إيّاه لإغفالهم عن معنى الوحدة الحقيقيّة .

وتقريره أن يقال: مفهوم كون الشّيء بحيث يجب عنه «أ » غير مفهوم كون الشّيء بحيث يجب عنه «ب» أي علّيته لأحدهما غير علّيته للآخر، وتغاير المفهومين يدلّ على تغاير حقيقتهما، فإذن المفروض ليس شيئاً واحداً، بل هو شيئان أو شيء موصوف بصفتين متغايرتين، وقد فرضناه شيئاً واحداً، هذا خلف .


1 . أي بأن يكون الحيثيّات جزأين للماهيّة نفسها.
2 . أي بأن يكونا جزأين للشّخص من حيث هو شخص بأن يكونا عارضين موجودتين.
3 . أي بأن يكون أحداهما جزء للماهيّة والأُخرى جزء للشّخص .
4 . فحاصل دليل الشّيخ وهو: أنّ الخصوصيّة الّتي لابدّ منها في الصدور إن كان معلولاً للذّات فيلزم التّسلسل، أو كون أحد المعلولين بتوسّط الآخر وهو خلاف الفرض، وإن لم يكن معلولاً، فهو مقوّم لعلّة مجموع الأمرين، سواء كان التّقويم باعتبار الجزئيّة لماهيّة أو لتشخّص أو لأمرين متغايرين. راجع: الحاشية على شروح الإشارات للمحقّق الخوانساري: 2 / 320 / الفصل الحادي عشر من النمط الخامس .


صفحه 277

فهذا القدر كاف في تقرير هذا المعنى .

ولزيادة الوضوح قال: وذلك الشّيئان: إمّا أن يكونا من مقوّمات ذلك الشّيء الواحد، أو من لوازمه.

فإن كانا من لوازمه عاد الكلام الأوّل بعينه ولم يقف، فهما إذن من مقومّاته. انتهى» .(1)

فإن قيل(2): إن أراد بتغاير حقيقتهما تغاير حقيقة المفهومين ـ أعني: علّيّته لهذا وعلّيّته لذلك ـ فهما أمران اعتباريّان لا حقيقة لهما عارضتان للواحد الحقيقيّ بالقياس إلى معلوليّة، ولا يقدح ذلك في كونه واحداً حقيقيّاً.

وإن أراد به تغاير حقيقة ما عرض له هذان المفهومان حتّى يلزم أن لا يكون ذلك الواحد واحداً حقيقيّاً، فلا نسلّم أنّ تغاير المفهومي العارضين يدلّ على تغاير حقيقة معروضيهما; لجواز أن يعرضا لحقيقة واحدة لا تغاير ولا تعدّد فيها، وهل النّزاع إلاّ فيه ؟

قلنا: العلّة الموجدة للمعلول يجب أن يكون لها خصوصيّة معه ليست مع غيره، إذ لولاها لم يكن اقتضاؤها لهذا أولى من اقتضائها لذاك فلا يتصوّر صدوره عنه، ففي كلّ صدور يجب أن يكون للمصدر خصوصيّة مع الصادر ليس تلك الخصوصيّة بعينها مع غيره ليتعيّن بها كونه صادراً بذلك الصّدور .

فإذا لم يكن مع العلّة أُمور متعدّدة لا داخلة ولا خارجة، بل كانت ذاتاً


1 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 122 ـ 124 .
2 . أشار إليه صاحب المحاكمات وأجاب عنه. أنظر: المحاكمات بين شرحي الإشارات: 187 ـ 188 .


صفحه 278

بسيطة لا تكثّر فيها بوجه من الوجوه، فلا شك أنّ تلك الخصوصيّة إنّما تكون بحسب الذّات، ولا يتصوّر كون الخصوصيّة الذّاتيّة لذات واحدة حقيقيّة من جميع الجهات متعدّدة(1) بالضّرورة .

فالمراد بتغاير حقيقة المفهومين ـ أعني: علّيّته لهذا وعليّته لذاك ـ تغاير حقيقة معروضيهما الّذي هو ذات الفاعل، إذ لابدّ من تغاير في ذات الفاعل ولو بحسب الاعتبار ليتصوّر هناك خصوصيّتان يترتّب عليهما علّيتان، فلا يكون ما فرض واحداً حقيقياً بواحد حقيقيّ هذا خلف.

ثمّ إنّ الإمام عارَضَ ذلك: «بأنّ الواحد قد يسلب عنه أشياء كثيرة كـ قولنا: هذا الشّيء ليس بحجر وليس بشجر .

وقد يوصف بأشياء كثيرة كقولنا: هذا الرّجل قائمٌ وقاعدٌ .

وقد يقبل أشياء كثيرة كالجوهر للسّواد والحركة .

ولاشكّ في أنّ مفهومات سلب تلك الأشياء عنه، واتّصافه بتلك الأشياء، وقبوله لتلك الأشياء مختلفة .

ويعود التّقسيم المذكور(2) حتّى يلزم أنّ الواحد لا يسلب عنه إلاّ واحد، ولا يوصف إلاّ بواحد، ولا يقبل إلاّ واحداً.

وأجاب عنه المصنّف: بأنّ سلب الشّيء عن الشيء، واتّصاف الشّيء


1 . قوله: «متعدّدة» خبر لقوله: «كون».
2 . في قول الشّيخ وهو: «إمّا أن يكونا من مقوّمات ذلك الشّيء الواحد، أو من لوازمه أو بالتّفريق».


صفحه 279

بالشّيء، وقبول الشّيء للشّيء، لا تتحقّق عند وجود شيء واحد لا غير .

فإنّها لا يلزم الشّيء الواحد من حيث هو واحد، بل تستدعي وجود أشياء فوق واحدة تتقدّمها حتّى تلزم تلك الأُمور لتلك الأشياء باعتبارات مختلفة، وصدور الأشياء الكثيرة عن الأشياء الكثيرة ليس بمحال .

وبيان ذلك: أنّ السّلب يفتقر إلى ثبوت مسلوب ومسلوب عنه يتقدّمانه، ولا يكفي فيه ثبوت المسلوب عنه فقط.

وكذلك الاتّصاف يفتقر إلى ثبوت موصوف وصفة، والقابليّة إلى قابل ومقبول، أو إلى قابل وشيء يوجد المقبول فيه.

واختلاف المقبول كـ «السّواد والحركة» يفتقر إلى اختلاف حال القابل، فإنّ الجسم يقبل السّواد من حيث ينفعل عن غيره، ويقبل الحركة من حيث يكون له حال لا يمتنع خروجه عنها .

وأمّا صدور الشّيء عن الشّيء أمرٌ يكفي في تحقّقه فرض شيء واحد هو العلّة، وإلاّ لامتنع استناد المعلولات إلى مبدأ واحد .

لا يقال: الصّدور أيضاً لا يتحقّق إلاّ بعد تحقّق شيء يصدر عنه وشيء صادر .

لأنّا نقول: الصّدور يطلق على معنيين:

أحدهما: أمر إضافيّ يعرض للعلّة والمعلول من حيث يكونان معاً، وكلامنا ليس فيه .


صفحه 280

والثّاني: كون العلّة بحيث يصدر عنها المعلول.

وهو بهذا المعنى متقدّم على المعلول، ثمّ على الإضافة العارضة لهما، وكلامنا فيه.

وهو أمر واحد إن كان المعلول واحداً. وذلك الأمر: قد يكون هو ذات العلّة بعينها إن كانت العلّة علّة لذاتها، وقد يكون حالة تعرض لها إن كانت علّة لا لذاتها، بل بحسب حالة أُخرى .

وأمّا إذا كان المعلول فوق واحد، فلا محالة يكون ذلك الأمر مختلفاً، ويلزم منه التكثّر في ذات العلّة كما مر»(1). وهذا كلام المصنّف في " شرح الاشارات".

فإن قلت(2): الواحد الحقيقيّ المذكور متّصف في حدّ نفسه في الخارج بالسّلوب والإضافات، وإن لم تكن هي متحقّقة في الخارج.

ولا يتوقّف ذلك الاتّصاف على تعقّل المسلوب عنه والمسلوب ; فإنّ المراد من السّلب والاتّصاف والإضافات والقبول ليست هي الأُمور العقليّة الإضافيّة، بل كون الشّيء بحيث يسلب عنه شيء آخر، وكونه بحيث يتّصف به، وكونه بحيث يقبله على قياس ما ذكر في الصّدور. إنّما المتوقّف على تعقّلها هو العلم بالاتّصاف.

فاتّصافه بها في حدّ نفسه بحسب الخارج، إن كان من جهات متعدّدة


1 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 125 ـ 127 .
2 . القائل هو الشارح القوشجي في شرحه، لاحظ: شرح تجريد العقائد: 118 .


صفحه 281

لم يكن هو واحداً حقيقيّاً وإلاّ انتقض الدّليل(1) به.

قلت: تقدّم كون الشّيء بحيث يصدر عنه أمر على ذلك الأمر الصّادر معقول بل واجب، لكونه مقتضى العلّية والمصدريّة.

وأمّا تقدّم كون الشّيء بحيث يسلب عنه شيء على ذلك الشّيء المسلوب فليس بمعقول، إذ حيث لا مسلوب ـ لا في الخارج ولا في العقل ـ لا يتصوّر فيه تحقّق السّلب، ولا تحقّق كون الشّيء بحيث يسلب، كما لا يخفى على الفِطَن .

وإن أَبيتَ عن ذلك نقول: لا شك أنّ تقدّم كون الشّيء بحيث يسلب على المسلوب ليس بواجب، ولا يقتضيه كون الشّيء مسلوباً عنه، وهذا القدر يكفينا في دفع النّقض كما لا يخفى .

ثمّ إنّه نقل(2) عن الشّيخ: إنّه لمّا طلب بهمنيار منه البرهان على هذا المطلب(3) كتب إليه: لو كان الواحد الحقيقي مصدراً لأمرين كـ «أ» و «ب » مثلاً، كان مصدراً لـ «أ »


1 . أي وإن كان واحداً حقيقيّاً لزم صدور الكثير عن الواحد الحقيقى فينقض الدّليل.
2 . الناقل هو صدر المتألهين. لاحظ: الحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 206 / الفصل الثالث عشر من المرحلة السادسة.
3 . أي الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد.


صفحه 282

ولما ليس « أ » لأنّ « ب » ليس « أ» فيلزم اجتماع النّقيضين.

وأنت خبير: بأن مراده(1) من أحد النّقيضين هو كونه مصدراً لـ « أ» المفروض أوّلاً ومن النّقيض الآخر هو عدم كونه مصدراً لـ « أ » اللاّزم من فرض كونه مصدراً، لما ليس « أ» أعني: «ب » إذ مصدر غير « أ » من حيث أنّه مصدر غير « أ» ليس هو مصدر «أ»، فيلزم(2) أن لا يكون مصدراً لـ « أ». وقد فرض كونه مصدراً لـ « أ». وهذا اجتماع النّقيضين.

وتوهّم الإمام ومن تبعه: أنّ مراده من النّقيض الآخر هو كونه مصدراً لما ليس « أ » أعني: « ب » .

فأجابوا عنه:(3) بأنّ نقيض صدور « أ» هو لا صدور لا « أ» أعني: « ب ».

حتّى قال الإمام في " المباحث المشرقية ": والعجب ممّن يفني عمره في الآلة العاصمة عن الغلط وتعلّمها(4) ثمّ إذا جاء إلى هذا المطلب الأشرف أعرض عن استعمالها(5) حتّى وقع في غلط تضحك منه الصّبيان. انتهى.(6)

فانظر كيف انعكس التّشنيع عليه ؟

والكاتبي في " شرح الملخّص " بعد إيراد المنع المذكور قال: ولو سلّم، فلا تناقض بين قولنا صدر عنه «أ » ولم يصدر عنه « أ» لأنّهما مطلقتان، وإن قيدت إحداهما بالدّوام كانت كاذبة.(7)


1 . أي مراد الشّيخ .
2 . في ب: جملة «فيلزم أن لا يكون مصدراً لـ «أ» ساقطة.
3 . نقله صدر المتألهين وأجاب عنه. لاحظ: الحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 206 .
4 . في المصدر: «عمره في تعليم المنطق وتعلّمه ليكون له آلة عاصمة لذهنه عن الغلط ثمّ الخ».
5 . أي تلك الآلة.
6 . لاحظ: المباحث المشرقيّة: 1 / 466 / الفنّ الرّابع / الفصل الأوّل من القسم الأوّل .
7 . هذه العبارة على ما نقل المحقّق الدّواني في حاشيته على شرح تجريد القوشجي، وشارح المواقف. لاحظ: حاشيته على هامش شرح تجريد العقائد: 119 ; وشرح المواقف: 4 / 133 .


صفحه 283

وأجاب عنه المحقّق الدّواني: «بأنّ المطلقتين إنّما تصدقان لاحتمال وقوع كلّ منهما في زمان، فإذا اتّحد الزّمان فيهما لم يمكن اجتماعهما في الصّدق .

وهاهنا جعل الحيثيّات بمنزلة الأزمنة، إذ لا معنى لاعتبار الزّمان هاهنا.

وأراد بالمطلقتين ما لم يقيّد الحكم فيه بعموم الحيثيّات، وبالدّوام ما قيّد بعمومها، وحينئذ نقول: إنّما جاز صدق المطلقتين بهذا المعنى، لاحتمال اختلاف الحيثيّة، أمّا إذا اتّحد الحيثيّة فلا يمكن صدقهما معاً وذلك ظاهر.(1)

ثمّ إنّ بهمنيار في الاستدلال على هذا المطلب في " التّحصيل " صرّح بمدخلية الوجوب السّابق فيه حيث قال: «قد تقرّر أنّه ما لم يجب صدور الشّيء عن موجبه لا يصدر عنه، فإن صدر عن « أ، ج » من حيث يجب صدور « ب» عنه، لم يكن واجباً صدور « ب» عنه، (2) فإنّه إن صدر « ج » من حيث يجب صدور «ب » عنه، كان من حيث يجب صدور «ب » عنه يصدر عنه ما ليس « ب » فلا يكون إذن صدور « ب» عنه واجباً(3). انتهى »(4).

وكلام " الإشارات " المنقول أيضاً يشير إلى ذلك.

وكلام " الشّفاء " أيضاً صريح فيه، حيث قال: «ولأنّ كون ما يكون عن


1 . أي وعند هذا يظهر اندفاع تشنيع الرّازي على الشّيخ .
2 . لاحظ: التّحصيل: 531 / الفصل الثاني من المقالة الخامسة.
3 . فإذن كلّ بسيط فإنّ ما يصدر عنه أوّلاً يكون أحديّ الذّات .
4 . أي انتهى كلام المحقّق الدّواني. لاحظ: حاشيته على هامش شرح تجريد العقائد: 89 .


صفحه 284

الأوّل إنّما هو على سبيل اللّزوم، إذ صحّ أنّ واجب الوجود لذاته واجب الوجود من جميع جهاته، وفرغنا من بيان هذا الغرض(1) قبل،(2) فلا يجوز أن يكون أوّل الموجودات عنه ـ وهي المبدعات ـ كثيرة لا بالعدد، ولا بالانقسام إلى مادّة وصورة، لأنّه يكون لزوم ما يلزم عنه هو لذاته، لا لشيء آخر .

والجهة والحكم الّذي في ذاته، الّذي يلزم عنه هذا الشّيء،(3) ليست(4) الجهة والحكم الّذي في ذاته، الّذي يلزم عنه لا هذا الشّيء، (5) بل غيره .

فإن لزم منه شيئان متباينان بالقوام، أو شيئان متباينان يكون منهما شيء واحد: مثل مادّة وصورة، لزوماً معاً، فإنّما يلزمان عن جهتين مختلفتين في ذاته.

وتانك الجهتان إن كانتا لا في ذاته، بل لازمتين لذاته، فالسّؤال في لزومهما ثابت حتّى تكونا من ذاته، فيكون ذاته منقسمة بالمعنى، وقد منعنا هذا قبل وبيّنّا فساده. انتهى »(6).


1 . أي وجوب كون العلّة سابقة، فعُلم أنّ الواحد في ذاته واحد من جميع جهاته، فيلزم أن لا تصدر عنه تعالى إلاّ الواحد.
2 . في ج: «قبله».
3 . وإلاّ يلزم وجدان الشّيء لا هذا الشّيء من جهة واحدة وهو اجتماع النّقيضين .
4 . في نسخة ج: جملة «والجهة والحكم الّذي يلزم عنه هذا الشّيء ليست» ساقطة.
5 . أي شّيء آخر .
6 . إلهيات الشّفاء: 2 / 403 ـ 404 / الفصل الرّابع من المقالة التّاسعة.


صفحه 285

وهذه المدخلّية (1) إنّما هي لتعيّن الاقتضاء الذّاتي في حيثيّة العلّة الفاعليّة التّامة، وينتفي الجزاف عن تلك الحيثيّة رأساً، وحينئذ يظهر ذلك المطلب (2) ظهوراً بيّنّاً .

فإنّ وجوب كون مقتضي الشّيء وموجِبه من حيث هو موجِبه ومقتضيه مغايراً لمقتضي الآخر وموجبه من حيث هو كذلك ممّا يلحق بالضّروريّات.

ولهذا لم يستدلّ الشّيخ عليه(3) حيث انتهى الكلام إليه(4) في هذا المطلب(5) لا في " الشّفاء " ولا في " الإشارات ".

وما نقل عنه في جواب بهمنيار أيضاً مبنيّ على ذلك، فهو أيضاً ليس باستدلال(6)، بل مجرّد تنبيه فقط.

وعند هذا يظهر صحّة ما يقال: من أنّ امتناع صدور الكثير عن الواحد الحقيقيّ متّفق عليه حيث كان الفاعل موجَباً، وجوازه متّفق عليه حيث كان الفاعل مختاراً .

فالنّزاع إنّما هو في كون المبدأ موجَباً أو مختاراً، لا في هذه القاعدة.(7)


1 . اشارة إلى قوله: «صرّح بمدخلية الوجوب السابق فيه» .
2 . أي وحدة المعلول عند فرض وحدة علّته.
3 . أي على تغائر الجهتين .
4 . أي على تغائر الجهتين .
5 . أي كون الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد .
6 . أي على مغائرة الجهتين.
7 . أي الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد.


صفحه 286

وذلك لأنّ مراده من المختار هو الفاعل بالاختيار الجزافي، كما هو رأي الجمهور. فيكون الفاعل بالاختيار الذّاتي الموجَب، على ما هو رأي الحكماء، داخلاً في الموجَب.

وبالجملة: فالظاهر هو الاتّفاق في امتناع صدور الكثير عن الواحد الحقيقيّ إذا كان موجباً، وذلك يؤيّد ما ذكرنا .(1)

فالحقّ ما ذكره الشّارح القديم: من أنّ الحكم بأنّ الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد بديهيّ، لا يتوقّف إلاّ على تصوّر طرفيه . فإن وقع فيه تردّد بالنّسبة إلى بعض الأذهان، فإنّما هو بسبب عدم تصوّر طرفيه على الوجه الّذي تعلّق به الحكم.

ويدلّ على ما ذكره ما نقلنا عن المصنّف في " شرح الإشارات " فإنّ مراده ذلك كما صرّح به المحقّق الشّريف(2).


1 . أي من كون المدّعي بديهيّاً وما ذكر في صورة الاستدلال، تنبيه .
2 . لاحظ: شرح المواقف: 4 / المقصد الثالث من المرصد الخامس .


صفحه 287

كيفيّة صدور الكثرة عن المعلول الأوّل

قال: ثمّ تعرض الكثرة باعتبار كثرة الإضافات

أقول: إنّ هذه العبارة إشارة إلى(1) كيفيّة صدور الكثرة عن المعلول الأوّل، ليندفع ما عسى أن يتمسّك به المخالف في الحكم المذكور ; فيقول: لو امتنع أن يصدر عن الواحد إلاّ الواحد، لزم أن لا يوجد شيئان إلاّ وأحدهما علّة للآخر: إمّا بواسطة، أو بغير واسطة. وهذا ظاهر الفساد، فإنّ وجود موجودات لا يتعلّق بعضها ببعض معلوم بالضّرورة.

وبيانها(2) موافقاً لما ذكره المصنّف في " شرح الإشارات " بعد تقديم مقدّمة: «هي أنّا إذا فرضنا مبدأ أوّل وَليَكُن «أ » وصدر عنه شيء واحد وَليَكُن « ب» فهو في أوّل مراتب معلولاته .

ثمّ من الجائز أن يصدر عن «أ» بتوسّط « ب » شيء وَليَكُن « ج»، وعن « ب» وحده شيء وَليَكُن « د » .

فيصير في ثانية المراتب شيئان لا تقدّم لأحدهما على الآخر .


1 . جواب عما اورده المتكلّمون على الحكماء الذّاهبين إلى أنّ علّة العالم موجبة بأنّه لو كانت العلّة موجبة والواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد لزم أن تكون الموجودات بأسرها في سلسلة واحدة إمّا علّة اومعلولاً وذلك باطل بالضّرورة، وقد أشار المصنّف (رحمه الله) إلى ضعف هذا الإلزام بقوله: ثمّ تعرّض الكثرة الخ .
2 . أي كيفيّة صدور الكثرة عن المعلول الأوّل .


صفحه 288

وإن جوّزنا أن يصدر عن «ب» بالنظر إلى « أ » شيء آخر صار في ثانية المراتب ثلاثة أشياء.

ثمّ من الجائز أن يصدر عن « أ» بتوسّط « ج » وحده شيء.

وبتوسّط « د» وحده شيء ثان.

وبتوسّط « ج، د » معاً ثالث.

وبتوسّط « ب، ج » رابع.

وبتوسّط «ب ، د» خامس.

وبتوسّط « ب، ج، د » سادس.

وعن « ب » بتوسّط « ج » سابع.

وبتوسّط « د » ثامن .

وبتوسّط « ج، د » معاً تاسع.

وعن « ج » وحده عاشر.

وعن « د » وحده حادي عشر.

وعن « ج، د» معاً ثاني عشر .

وتكون هذه كلّها في ثالثة المراتب .

ولو جوزنا أن يصدر عن السّافل بالنظر إلى ما فوقه شيء، واعتبرنا التّرتيب في المتوسّطات الّتي يكون فوق واحد، صار ما في هذه المرتبة أضعافاً مضاعفة.


صفحه 289

ثمّ إذا جاوّزنا هذه المراتب جاز وجود كثرة لا يحصى عددهافي مرتبة واحدة إلى ما لا نهاية له» (1).(2)

هو(3) أنّ في المعلول الأوّل يعرض كثرة باعتبار كثرة إضافات يتحقّق بعد صدوره عن المبدأ الأوّل .

فإنّ له ماهيّة، ووجوداً، وإمكاناً بالذّات، ووجوباً بالغير، وتعقّلاً لذاته، وتعقّلاً لمبدئه، فهذه أُمور متكثّرة عرضت فيه باعتبار إضافات متكثّرة تحقّقت هناك .

فباعتبار أنّه صدر عن المبدأ عرض أن يكون له وجود .

وباعتبار أنّ له هويّة مغايرة لهويّة الأوّل عرض أن يكون له ماهيّة .

وباعتبار نسبة ماهيّته إلى وجوده الزّائد عليها في العقل عرض أن يكون ممكناً .

وباعتبار نسبة وجوده إلى مبدئه الموجِب له عرض أن يكون واجباً بالغير.

وباعتبار أنّه مجرّد قائم بذاته عرض أن يكون عاقلاً لذاته ولمبدئه .

فهذه أُمور ستّة: اثنان منها يشتركان في أنّهما حالة في ذاته من حيث كونه بالقوّة وهما الهويّة والإمكان.


1 . فهكذا يمكن أن يصدر أشياء كثيرة في مرتبة واحدة عن مبدأ واحد.
2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 244 ـ 245 .
3 . خبر لقوله: «وبيانها».


صفحه 290

واثنان ـ هما: الوجود والتعقّل لذاته ـ في أنّهما حالة من حيث كونه بالفعل.

واثنان ـ هما: الوجوب والتعقّل لمبدئه ـ في أنّهما حالة المستفادة من مبدئه .

وبهذا الاعتبار يعبّر عن هذه الأشياء بالتّثليث الموجود في العقل(1) الأوّل .

وباعتبار أنّ الأُولى والثّانية من هذه الثّلاثة حالة في ذاته، والثّالثة تمتاز عنهما بأنّها حالة بالقياس إلى مبدئه، يعبّر عنها بالتّثنية .

والصّادر الأوّل من هذه الجملة ; هو الوجود، فإذا صدر كان له هويّة مغايرة للمبدأ الأوّل، وهي المسمّاة بالماهيّة، فهي من حيث الخارج تابعة للوجود، لأنّ المبدأ الأوّل لو لم يفعل شيئاً لم يكن ماهيّة أصلاً، لكن من حيث العقل يكون الوجود تابعاً لها، لكونه صفة لها. وهما متّحدان(2) في الخارج متغايران في العقل كما مرّ تحقيق ذلك، فالمعلول الأوّل عبارة عنهما معاً .

والأربعة الباقية لازمة له(3)، فإنّه إذا قيست ماهيّة المعلول الأوّل وحدها إلى وجودها عقل الإمكان، فهو لازم لتلك الماهيّة بالقياس إلى وجودها.

وإذا قيست لا وحدها، بل بالنظر إلى المبدأ الأوّل عقل الوجوب بالغير، فهو لازم لتلك الماهيّة بالقياس إلى وجودها مع النظر إلى المبدأ الأوّل.


1 . في ب: «المعلول الأوّل» .
2 . أي الماهيّة والوجود.
3 . أي الوجود .


صفحه 291

وإذا اعتبر كون الوجود الصّادر عن المبدأ الأوّل وحده قائماً بذاته، لزمه أن يكون عاقلاً لذاته .

وإذا اعتبر ذلك له مع المبدأ الأوّل لزمه أن يكون عاقلاً للأوّل.

واسم العقل الأوّل يتناول هذه الأُمور السّتة(1) تضمّناً والتزاماً .(2)

وواحد منها في أُولى المراتب وهو الوجود .

وثلاثة منها في ثانيتها هي الهويّة اللاّزمة للوجود باعتبار مغايرته للمبدأ الأوّل، والتعقّل للذات اللاّزم له لتجرّده، والتعقّل للمبدأ الّذي استفاده من الأوّل.

واثنان في ثالثها هما الإمكان والوجوب المتأخّران عن الهويّة.

وذلك باعتبار تأخر الهويّة(3) عن الوجود، وأمّا باعتبار تقدّمها(4) عليه، فهما في ثانية المراتب مع الوجود، والتعقّلان في ثالثتها.(5)

فإن قيل: إنّ هذه الأُمور إن كانت موجودة في الخارج لزم صدور الكثرة في المرتبة الواحدة عن الواحد الحقيقيّ.(6)

وإن كانت أُمور اعتباريّة، فكيف تكون عللاً للمعلولات المتكثّرة الموجودة في الخارج ؟(7)


1 . أي بالنّسبة إلى الوجود والماهيّة لكون العقل الأوّل مركّباً منها.
2 . أي بالنّسبة إلى الأربعة الباقية.
3 . أي بحسب الخارج .
4 . أي بحسب العقل .
5 . لأنّها بملاحظة تجرّد الوجود الّذي هو نعت الوجود .
6 . إن كان كلّها صادرة عن الواحد الحقيقي وإلاّ لزم تعدّد الواجب بالذّات.
7 . مع وجوب كون العلّة أقوى عن المعلول في الوجود بالضّرورة.


صفحه 292

ولو قنعنا بمثل هذه الكثرة الاعتباريّة في أن يكون مصدراً للمعلولات الكثيرة فهي حاصلة لذاته تعالى إذا أخذت مع السّلوب والإضافات الكثيرة.

قلنا: هذه أُمور متحقّقة في نفس الأمر كما عرفت وليست عدميّة أو اعتباريّة محضة.

وعلى تسليم كونها كذلك، فليست عللاً مستقلّة بأنفسها، بل هي شروط وحيثيّات تختلف أحوال العلّة الموجودة بها، والعدميّات يصلح لذلك بالاتّفاق.

وهذا بخلاف السّلوب والإضافات المأخوذة مع الأوّل تعالى، فإنّه لا يمكن تحقّق تلك السّلوب والإضافات في نفس الأمر إلاّ بعد ثبوت الغير ضرورة اقتضاء السّلب المتحقّق في نفس الأمر مسلوباً متحقّقاً في نفس الأمر. وكذا اقتضاء الإضافة المتحقّقة في نفس الأمر منسوباً متحقّقاً في نفس الأمر. فلو صحّ استناد ثبوت الغير إلى السّلوب والإضافات لزم الدّور لا محالة.

فإن قلت: مدخلية السّلب في العلّية لا يتوقّف على تحقّقه وثبوته(1)، فإنّ المعلول قد يتوقّف على عدم المانع وإن لم يكن للعدم ثبوت.

قلت: توقّف المعلول على عدم المانع إنّما يكون حيث يتصوّر المانع وتعقل ممانعته، وكون المانع ممّا يتصوّر وتعقل ممانعته نحو ثبوت(2)


1 . حتّى يلزم توقّفه على تحقّق المسلوب ويلزم الدّور لو توقّف تحقّق المسلوب على تحقّق السّلب .
2 . لأنّ ثبوت كلّ شيء بحسب قدره .


صفحه 293

وتحقّق له في نفس الأمر، وإذا انتفى(1) في نفس الأمر كان انتفاؤه وعدمه ثابتاً مكانه في نفس الأمر وكان اتّصاف العلّة به معقولاً .

وأمّا حيث لا يتصوّر المانع ولا يعقل ممانعته، فليس له تحقّق وثبوت أصلاً، فكذا لانتفائه وسلبه، فإذا لم يكن للسّلب تحقّق أصلاً لا يعقل اتّصاف العلّة به أصلاً، فلا يمكن أن يتعدّد به جهات العلّية، فليتفطن.

ثمّ إنّ العقل الأوّل بما له من حالِهِ(2) عند مبدئه ـ أعني: تعقّله للمبدأ ، ووجوب وجوده منه ـ يصير مبدأً لعقل آخر.

وبما له من حالِهِ(3) عند ذاته ـ أعني: الحالتين الباقيتين ـ يصير مبدأ للفلك الأوّل.

وذلك لوجوب كون الأمر الصّوري مبدأ للكائن الصّوري، وكون الأمر أشبه بالمادّة مبدأ للكائن المناسب للمادّة، فحالته الّتي له عند مبدئه (4) ـ أعني: كما له الفائض عليه منه ـ أشبه بالصوّرة، فهي علّة للعقل الّذي هو صورة بلا مادّة، وحالته الّتي له عندَ نفسه الّتي هي أشبه بالمادّة علّةللفلك.

وهذا التّفصيل يعتبر أيضاً في قياس الحالتين اللّتين له عند ذاته إلى جزئيّ الفلك أعني: صورته ومادّته ; فبحالته الّتي له من حيث كونه بالفعل


1 . في ب: «إذا انتفى المانع في نفس الأمر».
2 . في ب: «حالة».
3 . في ب: «حالة».
4 . في ب: «عند مبدئه يعنى كماله الفائض عليه أشبه بالصّورة».


صفحه 294

يصير مبدأ لصورة الفلك، وبحالته الّتي له من حيث كونه بالقوّة يصير مبدأ لمادّته.

وهكذا حتّى يتمّ الأجرام السّماويّة والعقول الّتي بازائها، وينتهي إلى عقل(1) هو مبدأ لهيولى العناصر .

وليس إذا كان الاختلاف (2) لا يكون إلاّ عن الاختلاف(3)، بحيث أنّ الاختلاف(4) الّذي في كلّ عقل توجب وجود مختلف(5) حتّى يجب أن يصدر عن كلّ عقل عقلٌ وفلك لا إلى نهاية .

فإنّ الموجبة الكلّية(6) (7) لا تنعكس كلّياً. والسّبب في ذلك: أنّ العقول ليست متّفقة الأنواع ليلزم اتّفاق مقتضياتها. هذا ملخّص ما في " الإشارات وشرحه"(8).

وقال الإمام: الشّيخ خبط في هذا الكتاب(9) وفي سائر كتبه، لأنّ كلامه مشعر تارة: بأنّه إنّما يصدر عقل وفلك عن العقل الأوّل لما فيه من الإمكان والوجوب، وتارة: بأنّه يعقل نفسه ويعقل غيره.


1 . أي العقل الفعّال.
2 . أي في المعلول .
3 . أي في العلّة.
4 . في أ و ب: «يجب أن يكون الاختلاف» وفي ج: «يجب أنّ الاختلاف».
5 . في ب: «في كلّ عقل يوجبه وجوداً مختلفاً».
6 . في أ، ب و ج: لفظة «الكليّة» ساقطة.
7 . وهو قولنا: كلّما كان الاختلاف في المعلول كان الاختلاف في العلّة .
8 . لاحظ: شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 245 ـ 249 .
9 . أي في الإشارات .


صفحه 295

ولقد كان من الواجب عليه أن يفصّل(1)، فإنّ المجمجة(2) غير لائقة بهذا الموضع.

فقال المصنّف: «الشّيخ لم يجعل الوجوب وحده مصدراً لعقل آخر في موضع من كتبه الّتي وقعت إليّ كـ " الشفاء" و "النّجاة " و " المبدأ و المعاد "و "المباحثات " و " الإشارات " وغيرها من رسائله، بل جعل عقله للأوّل الموجب لوجوده مبدأً لعقل آخر .

ولعلّه ذهب في كتاب آخر وقع إلى هذا الفاضل إلى ما يخالف ذلك.

وأمّا جعل الإمكان وعقله لنفسه مبدئين للفلك فعلى ما ذكره ولا مناقضة بينهما كما مرّ.

وأمّا المجمجة الّتي ذكرها، فهي لا تدلّ في هذا الموضع على قصور، بل لعمري قد كفى للشّيخ بمَجمجة في موضع خرست ألسُن الفُصحاء فيه فضلاً وشرفاً. انتهى »(3).

وقد شنّع أبو البركات البغدادي (4) على الحكماء: «بأنّهم نسبوا المعلولات الّتي في المراتب الأخيرة إلى المتوسّطة، والمتوسطة إلى العالية


1 . أي يبيّن أنّ مصدر المعلولين هو الإمكان والوجوب أو العقل نفسه وعقل غيره .
2 . أي المسامحة والسكوت.
3 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 249 ـ 250 .
4 . أبو البركات هبة الله ابن علي بن ملكا البغدادي المتوفّى (547 هـ) وله تصانيف متعددة ومنها «المعتبر في الحكمة». لاحظ تفصيل ترجمته في محبوب القلوب: 2 / 46 ـ 49 برقم 17 .


صفحه 296

والواجب أن ينسب الكلّ إلى المبدأ الأوّل، ويجعل المراتب شروطاً معدّة لإفاضته تعالى»(1) .

وقال المصنّف: «هذه مؤاخذة تشبه المؤاخذات اللّفظيّة، فإنّ الكلّ متّفقون على صدور الكلّ منه جلّ جلاله، وأنّ الوجود معلول له على الإطلاق.

فإن تساهلوا في تعاليمهم وأسندوا معلولاً إلى ما يليه كما يسندونه إلى العلل الاتّفاقيّة والعرضيّة وإلى الشروط، لم يكن ذلك منافياً لما أسّسوه وبنوا مسائلهم عليه ».(2)

أقول: ولعلّ هذا ـ أعني: وجوب إسناد الكلّ إليه تعالى ـ هو السّبب الباعث لهم على أن يعتبروا الجهات(3) في المعلول الأوّل، وإلاّ فالّذي يستفاد من المقدّمة الممهّدة المذكورة عدم توقّف حصول الكثرة في المعلولات على اعتبار الجهات، فإنّه إذا صدر العقل الأوّل جاز على مقتضى المقدّمة الممهّدة أن يصدر العقل الثّاني. والفلك الأوّل معاً في مرتبة واحدة أحدهما عن المبدأ الأوّل بواسطة العقل الأوّل.(4)


1 . هذا ما نقله المصنّف في شرح الإشارات: 3 / 249. لاحظ تفصيل بيانه في الكتاب المعتبر في الحكمة: 3 / الفصل العاشر والحادي عشر من المقالة الأُولى والفصل الأوّل والثاني والسابع من المقالة الثانية.
2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 249 .
3 . أي الإمكان والماهيّة والهويّة والوجود بالغير.
4 . في ب: «بواسطة العقل» بحذف لفظ «الأوّل».


صفحه 297

والآخر عن العقل الأوّل على سبيل الاستقلال من دون استناده إلى المبدأ الأوّل أصلاً.

لكن ذلك مناف لما أسّسوه وحقّقوه في علومهم الإلهيّة من استناد الكلّ إليه تعالى، وهو مقتضي التّحقيق ومناط التّوحيد.

و عند هذا يظهر فساد ما توهّمه القوشجي ; حيث نقل تلك المقدّمة(1) بعنوان كونها وجهاً آخر .

ثمّ قال: «وعلى هذا الوجه يكون الجهات الموجبة للتكثّر أُموراً موجودة لا اعتباريّة، هذا »(2).

ولنعم ما قال المصنّف في " شرح الإشارات " في هذا الموضع: «وإنّما أطنبنا القول فيه، لأنّ أكثر الفضلاء الّذين لم يتعمّقوا في الأسرار الحكميّة قد تحيّروا في هذه المسألة، وأقدموا لجهلهم بها على تجهيل المتقدّمين من الحكماء والتّشنيع عليهم »(3).


1 . في «ب» بزيادة جملة: «حيث نقل تلك المقدّمة فإنّه قال: والمصنّف في شرح الإشارات قد بيّن كيفيّة تكثّر الجهات المقتضية لإمكان صدور الكثرة عن الواحد بوجه آخر، حيث قال: إذا فرضنا مبدأ أوّل إلى آخر ما نقلنا. والعجب أنّ المصنّف صرّح بكونها مقدّمة للوجه الّذي لخّصناه حيث قال: ونقدّم مقدّمة له، فنقول: إذا فرضنا الخ .
ثمّ قال: إذا اثبت هذا فنقول، نذكر الوجه الّذي مرّ ذكره والاعجب عدم تعرّض أحد من النّاظرين في شرح القوشجي لذلك بعنوان كونها وجهاً آخر».
2 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 119 .
3 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 249 .


صفحه 298

الحكم الرّابع

في امتناع توارد العلّتين على معلول واحد

قال: وهذا الحكم ينعكس على نفسه، وفي الوحدة النّوعيّة لا عكس.

أقول: ومنها:(1) امتناع توارد العلّتين المستقلّتين على معلول واحد شخصيّ .

وإليه أشار بقوله: وهذا الحكم; أي قولنا: لا يصدر عن الواحد إلاّ الواحد، ينعكس على نفسه; أي فلا يصدر الواحد إلاّ عن الواحد(2); أي على سبيل الاستقلال بدليل كون المسألة في أحكام العلّة المستقلّة كما عرفت.

وذلك بوجهين:

الأوّل: أنّه لو كان كلّ واحدة من العلّتين بخصوصها علّة مستقلّة لمعلول واحد بخصوصه(3) كما هو المفروض لزم احتياج المعلول إلى كلّ واحدة منهما، لكونهما علّةً له، واستغنائه عن كلّ واحدة منهما لكون الأُخرى مستقلّة في علّيته، وهو محال .


1 . أي من أحكام العلّة التامّة فهو الحكم الرّابع.
2 . أي مع وحدة المعلول يتّحد العلّة فلا يجتمع على المعلول الواحد علّتان كما أنّه لا يصدر معلولان عن علّة واحدة.
3 . في ب: لفظ «بخصوصه» ساقط.


صفحه 299

وأمّا لو لم يفرض كون كلّ واحدة منهما بحيث يحتاج المعلول إليهما بخصوصهما(1)، بل إلى أيّتهما كانت، فحينئذ تكون(2) العلّة هو القدر المشترك بينهما، فيكون خارجاً عمّا نحن فيه .

الثّاني: أنّه حينئذ لو توقّف على كلّ واحدة منهما كان مجموعهما مجموع ما يتوقّف عليه المعلول، فلا يكون شيء منهما علّة مستقلّة، لكونه بعض مجموع ما يتوقّف عليه المعلول، والعلّة المستقلّة هو مجموع ما يتوقّف عليه المعلول هذا خلف.

ولو توقّف على واحدة منهما بعينها كانت هي العلّة دون الأُخرى، أو لا بعينها، بل على إحداهما لا على التّعيين كان خارجاًعمّا نحن فيه، كما عرفت.

ولو لم يتوقّف على شيء منهما، لم يكن شيء منهما علّة له.

هذا إذا فرض كون العلّتين مجتمعتين.

وأمّا إذا لم يفرض اجتماعهما، بل فرض تبادلهما ابتداء، أو تعاقبهما، فالمشهور هو الجواز.

والمحقّق الشّريف جوّز التّبادل الابتدائي دون التّعاقب حيث قال:

لا استحالة في أن يكون لواحد شخصيّ علّتان مستقلّتان على سبيل البدل ممتنعتا الاجتماع، بأن يكون كلّ واحدة منهما بحيث لو وجدت هي ابتداءً وجد ذلك المعلول الشّخصي .


1 . في أ، ب و ج: «إليها بخصوصها».
2 . في أ و ج: لفظ «تكون» ساقط.


صفحه 300

وأمّا أن يوجد إحدى تينك العلّتين فيوجد المعلول، ثمّ يعدم هذه العلّة ويوجد الأُخرى، فهو مستحيل، لأنّ المعلول الشّخصي إن انعدم بانعدام الأُولى ثمّ وجد بايجاد الثّانية لزم إعادة المعدوم، وإن لم ينعدم كان أصل الوجود حاصلاً له بإيجاد الأُولى، ولمّا كانت الأُخرى علّة مستقلّة وجب أن تكون مفيدة للمعلول أصل الوجود أيضاً، فيلزم تحصيل الحاصل. ولا يمكن أن يقال «إنّها(1) تفيد بقاء الوجود الحاصل بالعلّة الأُولى» إذ يلزم حينئذ أن لا تكون علّة مستقلّة، والمقدّر خلافه. انتهى .(2)

والتّحقيق: امتناع كليهما(3) جميعاً، وذلك لأنّه قد مرّ أنّه لابدّ للعلّة من خصوصيّة يترجّح بها وجود معلول معيّن من حيث هو معيّن دون الآخر .

ولا يجوز أن يكون تلك الخصوصيّة مشتركة بين هذا المعيّن وبين غيره، وإلاّ لما صلحت لأن تكون مرجّحة لهذا المعيّن من حيث هو هذا المعيّن، بل للقدر المشترك بينه وبين غيره، فيحتاج خصوصيّة هذا المعيّن إلى مرجّح آخر زائد على تلك الخصوصيّة الّتي فرضت للعلّة.

فكما لا يجوز اشتراك خصوصيّة واحدة للعلّة الواحدة بالقياس إلى المعلولين، فكذا لا يجوز اشتراك خصوصيّة واحدة للمعلول الواحد بالقياس إلى علّتين، بل لو فرض لكان لامحالة بالقياس إلى القدر المشترك بين العلّتين.


1 . أي الثّانية.
2 . لاحظ: شرح المواقف: 4 / 114 ـ 115 / المقصد الثاني من المرصد الخامس.
3 . أي كلا الاجتماعين أحدهما على سبيل التناول الابتدائي والثّاني على طريق التّعاقب.


صفحه 301

فظهر أنّه كلّما فرض تعدّد في العلّة كانت الخصوصيّة ـ الواجبة(1) تحقّقها(2) للعلّة ـ للقدر المشترك بين المتعدّد، لا لكلّ واحد من المتعدّد، فيكون العلّة بالحقيقة هي القدر المشترك، لا كلّ واحدة بخصوصه .

وأمّا أنّه هل يصحّ عليه القدر المشترك للمعلول المعيّن أم لا ؟

فالتحقيق: أنّه يصحّ في غير الفاعل لا في الفاعل، لأنّ الفاعل هو المفيد للوجود، والعقل يحكم بوجوب كون مفيد الوجود أقوى تحصّلاً وأتمّ وجوداً من المستفيد(3) كما لا يخفى .

ويدلّ على ذلك كلام الشّيخ في " إلهيات الشفاء " حيث قال بعد ما حقّق أنّ الصّورة من حيث هي صورة شريكة لعلّة الهيولى بهذه العبارة: «لقائل أن يقول: مجموع تلك العلّة والصّورة ليس واحداً بالعدد، بل واحد بالمعنى العامّ، والواحد بالمعنى العامّ لا يكون علّة للواحد بالعدد ولمثل طبيعة المادّة، فإنّها واحدة بالعدد .

فنقول: إنّا لا نمنع أن يكون الواحد بالمعنى العامّ المستحفظ وحدة عمومه بواحد بالعدد علّة للواحد بالعدد، وهناك كذلك، لأنّ الواحد بالنّوع مستحفظ بواحد بالعدد (4) وهو المفارق.


1 . ب: «الواجب».
2 . أي تحقّقها للمعلول بالقياس إلى العلّة.
3 . بخلاف العلّة في الأعداد، فإنّه لصح كونه قدراً مشتركاً في الأعداد.
4 . «الباء» في قوله: «بالعدد» : للسّببيّة وليست صلة للحفظ لقوله: وهو المفارق. بأنّ مابه الحفظ هو الفرد المصوّر لا المفارق.


صفحه 302

فيكون ذلك الشّيء يوجب المادّة ولا يتمّ إيجابها إلاّ بأحد أُمور تقارنه، أيّها كانت. انتهى »(1).

ولا يخفى جريان هذا الدّليل(2) في صورة الاجتماع وغيره .

هذا هو الكلام في الواحد بالشّخص علّة ومعلولاً .(3)

وأمّا الواحد بالنّوع، فلا يجوز أن يكون الماهيّة النّوعية من حيث هي واحدة بالنّوع ـ من غير اعتبار تكثّر أجزاء وحيثيّات مختلفة الأنواع فيها ـ مصدراً وعلّة لمختلف بالنّوع، لأنّ مقتضى الطّبيعة الواحدة من حيث هي واحدة يجب أن يكون واحداً كما مرّ في الواحد بالشخص.

ولو اعتبرت لا من حيث هي واحدة، بل باعتبار اشتمالها على جنس، أو فصل، أو حيثيّات مختلفة بالنّوع كالتشخّصات ; لكانت خارجة عمّا نحن فيه، ويجوز صدور المختلف بالنّوع عنها(4) لا محالة.

وأمّا عكس هذا الحكم، أعني: أنّه هل يجب أن لا يستند الواحد بالنّوع


1 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 87 / الفصل الرابع من المقالة الثانية.
2 . المذكور بقوله: «وذلك لأنّه قد مرّ أنّه لابدّ للعلّة من خصوصيّة يترجّح بها وجود معلول معيّن الخ».
3 . هذا تمام الكلام في الواحد بالشّخص. وأمّا إذا كان المعلول واحداً بالنّوع أمكن أن لا يكون العلّة كذلك. لأنّ الواحد بالنّوع لايمكن أن يكون علّة لواحد ولكن يمكن أن يكون معلولاً لواحد، بمعنى أن يوجد بعض أفراد النّوع الواحد بعلّة وبعض أفراده الآخر بعلّة أُخرى، فيكون المحتاج إلى كلّ منهما مغايراً للمحتاج إلى الأُخرى. مثلاً: الشّمس والنّار والحركة كلّها علّة للحرارة فهي مع وحدتها بالنّوع صارت معلولة لاشياء ليست واحدة بالنّوع .
4 . أي عن العلّة الموصوفة بهذا الصّفة.


صفحه 303

إلاّ إلى واحد بالنّوع كما في الواحد بالشّخص أم لا؟

فالتحقيق: أنّه لا يجب كما أشار إليه بقوله: وفي الوحدة النّوعيّة لا عكس; أي لا يمتنع اجتماع العلّتين المستقلّتين النّوعيّتين على المعلول الواحد النّوعي، بمعنى أن يقع بعض أفراده بهذه وبعضها بتلك، وذلك لأنّ الاتّفاق(1) في اللاّزم لا يقتضي الاتّفاق في الملزوم، لكن يجب هناك ـ أعني: حيث يجوز وقوع بعض أفراد النّوع الواحد بعلّة، وبعضها بعلّة أُخرى مخالفة للأُولى بالنّوع ـ أن يكون مادّة قابلة لتكثّر الأفراد المتّحدة بالنّوع، لأنّ تكثّر الماهيّة النّوعية يحتاج إلى مادّة كذلك على ما تقرّر .

ولا يكفي في ذلك مجرّد الاختلاف في العلل، فلو كانت العلل مختلفة بالنّوع، ولم يكن مادّة قابلة كذلك، يجب لا محالة أن يكون ما يقتضيه كلّ واحدة منها مخالفاً بالنّوع لما يقتضيه الأُخرى (2).

وعلى هذا يبتني حكم الشّيخ في " إلهيات الشّفاء ": «بأنّ المعاني المتكثّرة الّتي في المعلول الأوّل، وبها يمكن صدور الكثرة عنه إن كانت مختلفة الحقائق، كان ما يقتضيه كلّ واحد منها غير ما يقتضيه الآخر في النوع».(3)

فلا مخالفة بينه وبين ما ذكره المصنّف من انتفاء العكس في الوحدة


1 . أي الاتّحاد.
2 . أي المادّة الأُخرى.
3 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 409 / الفصل الرابع من المقالة التاسعة.


صفحه 304

النّوعيّة، كما توهّمه المحقّق الدّواني .

وقد يمثّل للواحد النّوعي المعلّل بعلّتين مختلفتين بالمخالفة والمضادّة، على تقدير كونهما وجوديين أعني: موجودين في الخارج، فإنّ مخالفة السّواد للحلاوة، مثل مخالفة الحلاوة للسّواد، فهما متّحدان بالنّوع، مع كون كلّ منهما معلّلاً بمحلّه المخالف بالماهيّة لمحلّ الآخر، وكذا مضادّة السّواد البياض.

وقد يمثّل أيضاً بالحرارة المعلّلة تارة بالنّار، وتارةً بالشّمس، وتارةً بالحركة، على تقدير كونها متّحدة بالنوّع .

وأمّا التّمثيل بأفراد الحرارة النّاريّة المستندة إلى أفراد النّار، كما فعله شارح المقاصد(1)، فليس بذاك .

فإنّ مع اعتبار الأفراد يكون كلّ من العلّة والمعلول متعدّداً .

وإن لم يعتبر الأفراد، كانت العلّة هي الطّبيعة النّاريّة، كما أنّ المعلول هو طبيعة الحرارة .

وكذا دفعه لمناقشة كون الحرارات المستندة إلى النّار والشّمس والحركة متّحدة بالنّوع، بأنّ المراد من النّوع ما هو أعمّ من الحقيقيّ، كما لايخفى .


1 . شرح المقاصد: 2 / 88 / المبحث الثالث .


صفحه 305

المسألة الثالثة

في أحوال العلّة مطلقاً

قال: والنسبتان من ثواني المعقولات، وبينهما مقابلة التّضايف، وقد يجتمعان في الشّيء الواحد بالنّسبة إلى أمرين، لا يتعاكسان فيهما، ولا يتراقى معروضاهما في سلسلة واحدة إلى غير النّهاية.

أقول: إنّ هذه المسألة في أحوال العلّة مطلقاً سواء كانت تامّة أو غير تامّة مع معلولها.

فمنها: أنّ العلّية والمعلوليّة من الأُمور الاعتباريّة الغير المتأصّلة في الخارج على ما قال: والنّسبتان، يعني العلّية والمعلوليّة، ولهذا لم يقل وهما ; أي العلّة والمعلول، وإن كانت العلّة من حيث هي علّة(1) والمعلول من حيث هو معلول أيضاً كذلك من ثواني المعقولات(2) الّتي قد سبق أنّ المراد منها ما يشمل الاعتباريّات الّتي لا يكون الخارج ظرفاً لوجودها، وإن كان ظرفاً لأنفسها .


1 . يعني باعتبار وصف العليّة لا باعتبار الذّات من حيث هي الّذات مع قطع النّظر عن الوصف .
2 . فليستا من الأُمور الخارجيّة لاستحالة وجود شيء في الأعيان هو مجرّد عليّة أو معلوليّة وإن كان معروضهما موجوداً.


صفحه 306

ومنها: أنّ بينهما مقابلة التّضايف، فإنّ كلاًّ منهما إنّما تعقل بالقياس إلى الآخر(1)، فيكون تعقلاهما معاً على ما هو المراد من التّضايف كماعرفته .

ومنها: أنّهما قد يجتمعان في الشّيء الواحد بالنّسبة إلى أمرين، (2)كما في العلّة المتوسّطة، فإنّها علّة قريبة للمعلول ومعلولة للعلّةالبعيدة.

ومنها: أنّهما ـ أعني: العلّة والمعلول ـ لا يتعاكسان فيهما; أي في العلّية والمعلوليّة(3)، بأن يكون ما هو علّة للشّيء معلولاً له أيضاً، وهذا المعنى يقال له الدّور .

وهذه الأحكام كلّها ضروريّة.

ومنهم من(4) جعل الحكم الأخير ـ أعني: بطلان الدّور ـ نظريّاً، واستدلّ عليه: بأنّ علّة الشّيء مقدّمة عليه، فلو كان الشّيء علّة لعلّته لتقدّم على نفسه بمرتبتين.(5)


1 . فلا يمكن أن تُعْقل العليّة إلاّ مع تعقّل المعلوليّة وبالعكس .
2 . كزيد الّذي هو علّة لابنه عمرو ومعلول لابيه خالد مثلاً.
3 . أي فلا يمكن أن تكون العلّة كخالد في المثال معلولة لمعلولها كعمرو في المثال وإلاّ لزم الدّور المحال .
4 . كصاحب المواقف وشارحه. لاحظ: شرح المواقف: 4 / 150 ـ 151 .
5 . وتقدّم الشّيء وعلى نفسه يستلزم تخلّلَ العدم بين الشّيء ونفسه وهو ضروريّ الاستحالة.


صفحه 307

واعترض عليه الإمام(1): بأنّ المراد من التّقدّم لو كان نفس العلّيّة يكون معنى تقدّم(2) الشّيء على نفسه هو علّيته لنفسه، وهو عين المتنازع فيه،(3) وإن كان أمراً وراء العلّية، فلابدّ من تصويره، فأنّا لا نفهم للتقدّم بالذّات سوى العلّية، وعلى تقدير ثبوته، فلا نسلّم ثبوته للعلّة.

وأُجيب(4) عنه: بأنّ معنى تقدّم العلّة هوأنّ العقل يجزم بأنّها ما لم يتمّ لها وجود(5); لم توجد غيرها.

فهذا التّرتيب العقليّ(6) المصحّح لقولنا: كانت العلّة، فكان المعلول من غير عكس، فإنّ أحداً لا يشكّ في أنّه يصحّ أن يقال: «تحرّكت اليد، فتَحَرّك الخاتم» ولا يصحّ أن يقال: «تَحرّك الخاتم، فتحرّكت اليد» وهو المسمّى(7) بالتقدّم الذّاتي الثّابت للعلّة، فتصوّره وثبوته للعلّة كلاهما ضروريّ.

ثمّ قال الإمام: فالأولى أن يجعل الوسط هو الافتقار، فإنّ افتقار الشّيء


1 . لاحظ اعتراضات الرّازي وجوابها في كتاب: المواقف في علم الكلام: 89 ; وشرح المواقف: 4 / 150 ـ 155 / المقصد السادس من المرصد الخامس من الموقف الثاني; وشرح تجريد العقائد: 120 ـ 121 .
2 . حاصل الاستدلال هو لو كان الشّيء علّة لعلّته لزم ترتّب الشّيء على نفسه بحيث يصحّ دخول الفاء بينهما بأن يقال: وجد زيد فوجد زيد والتّالي باطل فكذا المقدّم.
3 . بحسب المعنى وإن كان مخالفاً له في اللّفظ .
4 . المجيب هو صاحب المواقف .
5 . في نفسها.
6 . أي كون الشّيء بحيث يترتّب عليه غيره عقلاً، هو المسمّى بالتّقدّم الذّاتي وهو المصحّح الخ .
7 . قوله: «هو المسمّى بالتّقدّم الذّاتي» خبر لقوله: «فهذا التّرتيب العقلي».


صفحه 308

إلى نفسه محال، إذا الافتقار لا تتصوّر إلاّ بين الشّيئين .(1)

ثمّ قال: والأقوى أن يقال: العلّة المعيّنة تستلزم معلولاً معيّناً، فنسبتها إليه بالوجوب، والمعلول المعيّن لا يستلزم إلاّ علّة مّا، فنسبته إليها(2) بالإمكان وهما(3) متنافيان.(4)

وإنّما كان أقوى، لأنّ تحقق النّسبة يكفيه التّغاير الاعتباري.

وأُجيب عنه(5): بأنّه ـ مع ما سبق من جواب شبهته على تقدير التقدّم ـ إن عُنِي بالافتقار امتناع الانفكاك مطلقاً، فقد يتعاكس الافتقار بهذا المعنى من الجانبين، ولا امتناع في ذلك، بل هو واقع بين كلّ متلازمين.

وإن أٌريد امتناع الانفكاك مع نعت التأخّر،(6) جاء في التأخّر(7) ما جاء


1 . فكيف يتصوّر بين الشّيء ونفسه .
2 . أي إلى العلّة المعيّنة.
3 . أي الوجوب والإمكان.
4 . فعلى هذا لو كان شيئان كلّ واحد منهما مفتقر إلى الآخر لكان نسبة كلّ منهما إلى صاحبه بالوجوب والإمكان معاً وهو محال.
5 . المجيب هو القاضي أبو بكر الأُرموي في كتاب اللّباب تلخيص الأربعين في أُصول الدّين للفخر الدّين الرّازي على ما نقله شارح المواقف ; والشارح القوشجي في شرحه. لاحظ: شرح المواقف: 4 / 155 ; وشرح تجريد العقائد: 121 .
6 . في المصدر: «المتأخّر» أي تأخّر المفتقر عن المفتقر إليه .
7 . أعني تأخّر المفتقر الّذي هو المعلول ما جاء من الشّبهة في التّقدّم، أعني تقدّم المفتقر إليه الّذي هو العلّة بعينه، إذ يصير حاصل الدّليل حينئذ أن المفتقر أي المعلول متأخّر عن العلّة، فلو كانت العلّة معلولة له، لافتقرت، أي تأخّرت عنه، فيلزم تأخّر الشّيء عن نفسه بمرتبتين. هذا ما أفاده المحقّق الشّريف .


صفحه 309

في التقدّم; فيقال: إن أردت بالتأخّر نفس المعلوليّة، فنفس المتنازع فيه. وإن أردت معنى آخر، فلابدّ من تصويرِهِ وتقريرِهِ. فالشّبهة مشتركة بين الدّليلين المردود والمرضي، هذا .

فالحقّ: أن يجعل أمثال ما ذكر تنبيهاً على الدّعوى الضروريّة.

ومنها: أنّه لا يجوز التّرتيب بين العلل والمعلولات إلى ما لا نهاية له، بأن يكون الشّيء معلولاً للآخر، وهو لآخر، وهكذا، ولا ينتهي إلى علّة غير معلولة على ما قال: ولا يتراقى معروضاهما ; أي معروضا العلّية والمعلوليّة وهما العلّة والمعلول في سلسلة واحدة إلى غير النهاية.(1)

وهذا التّرتيب والتّراقي يقال له التّسلسل .


1 . بأن توجد علل ومعلولات مترتبة كأن يكون زيد معلولاً لعمرو وعمرو لخالد وخالد لبكر وهكذا إلى غير النّهاية.


صفحه 310

براهين إبطال التّسلسل (1)

قال: لأنّ كلّ واحد منهاممتنع الحصول بدون علّة واجبة، لكنّ الواجب بالغير ممتنعٌ أيضاً، فيجب وجود علّة واجبة لذاتها هي طرفٌ للسلسلة.

وللتّطبيق بين جملة قد فُصّلت منها آحادٌ وجملة أُخرى تُفصّل منها.

ولأنّ التّطبيق باعتبار النّسبتين بحيث يتعدّد كلّ واحد منها باعتبارهما يوجب تناهيهما لوجوب ازدياد إحدى النّسبتين على الأُخرى من حيث السّبق .

ولأنّ المؤثّر في المجموع إن كان بعض أجزائه كان الشّيء مؤثّراً في نفسه وعِلَلهِ ولأنّ المجموع له علّة تامّة، وكلّ جزء ليس علّةً تامّةً، إذ الجملة لا تجب به .


1 . راجع لمزيد التحقيق في هذا المبحث : القبسات: 228 ـ 238 / القبس السادس ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 141 ـ 169 / الفصل الرابع من المرحلة السادسة; وتقويم الإيمان: الفصل الثاني من المرصد الأوّل ; وجامع الأفكار ونافذ الأنظار للنّراقي: 42 ـ 57 / المقدمة الخامسة من مقدمات الكتاب; ولمعات إلهيّة للزّنوزي: 31 ـ 42 / الفصل الأوّل; وشرح غرر الفرائد: 171 ـ 173 / الفريدة السّابعة; والمطالب العالية من العلم الإلهي: 1 / 141 ـ 157 / الفصل العاشر والحادي عشر من القسم الأوّل ; وشرح المقاصد: 2 / 111 ـ 131 / المبحث السادس من المنهج الخامس ; وشرح المواقف: 4 / 156 ـ 178 / المقصد السابع والثامن من المرصد الخامس من الموقف الثاني ; وشرح تجريد العقائد: 122 ـ 126 ; وأنموذج العلوم: 191 / المسألة الرابعة. صنّف محمّد عبد الحيّ الأنصاري كتاباً موسوماً بـ «الكلام المتين في تحرير البراهين»، وهو مشتمل على اثنين وخمسين برهاناً على استحالة التسلسل، ومنها: برهان الوسط والطرف، برهان السلّمي، برهان العرشي، برهان العروة الوثقى، برهان النسبة، برهان المقاطعة، برهان الوصل، برهان الزّوج والفرد، برهان عروض العدد، برهان اختلاف النّصفين، برهان خلوّ الحيّز، وبرهان تلاقي المتوازيين. لاحظ: الكتاب المذكور .


صفحه 311

فكيف يجب الجملة بشيء هو محتاج إلى ما لا يتناهي من تلك الجملة؟

أقول: وقد احتجّ على بطلانه بوجوه:

الوجه الأوّل(1): ما أشار إليه بقوله: لأنّ كلّ واحد منها(2) ممتنع الحصول بدون علّة واجبة(3)، وهذا إشارة منه إلى طريقة مخترعة له مشهورة عنه.

وهي; أنّ الممكن لا يجب لذاته، وما لا يجب لذاته لا يكون له وجود، وما لم يكن له وجود لا يكون لغيره عنه وجود، فلو كانت الموجودات بأسرها ممكنة لما كان في الوجود موجود، فلا بدّ من واجب لذاته، فقد ثبت واجب الوجود وانقطعت السّلسلة أيضاً.

وهذه طريقة حسنة حقّة مستقيمة خفيفة المؤنة، ومبناها على مقدّمة ظاهرة جدّاً .


1 . وهو المسمّى ببرهان الوجوب والإمكان وتعرّض له كثير من الحكماء والمتكلمين بعبارات شتّى ومنهم: الشّيخ الرئيّس في الإشارات والتنبيهات: 269 / النمط الرابع; وشيخ الإشراق في التلويحات: 33 ـ 34 / التلويح الأوّل من المورد الأوّل ; وابن ميثم البحراني في قواعد المرام في علم الكلام: 64 / القاعدة الرّابعة ; والفاضل المقداد في ارشاد الطّالبين: 167 ـ 168 ; ومحمد بن أبي جمهور الأحسائي في كشف البراهين في شرح رسالة زاد المسافرين: 112 / الفصل الأوّل ; والفخر الرّازي في الرسالة الكمالية في الحقائق الإلهيّة: 39 ; والمطالب العالية من العلم الإلهيّ: 1 / 141 / الفصل العاشر; وسعد الدّين التفتازاني في شرح المقاصد: 2 / 114 ـ 116 .
2 . أي من تلك السّلسلة.
3 . لأنّه ممكن والممكن يحتاج إلى علّة فعلّته إمّا واجب بالغير وإمّا واجب بالذّات لكن الواجب بالغير ممتنع الحصول أيضاً لكونه ممكناً فيحتاج هو إلى علّة أُخرى، فيجب وجود علّة واجبة لذاتها وهي طرف السّلسلة فتنتهي الممكنات إليها. هذا حاصل البرهان.


صفحه 312

وهي; أنّ الشّيء مالم يمتنع جميع أنحاء عدمه لم يجب وجوده.

وتقريرها(1) بحيث ينطبق على ما ذكره ههنا أنّه لو تراقى سلسلة العلل والمعلولات إلى غير النّهاية لزم انتهاؤها إلى علّة واجبة الوجود بذاتها، فتكون هي طَرفاً لها، فيلزم تناهيها مع فرض عدم تناهيها هذا خلف .

بيان الملازمة: أنّ كلّ واحد من آحاد تلك السّلسلة يكون ممكناًلا محالة، والممكن لا يصير موجوداً إلاّ بأن يجب وجوده بعلّة واجبة كما مرّ.(2)

والواجب: إمّا واجب بذاته، أو بغيره، لكنّ الواجب بالغير لا يمكن أن يحصل به وجوب وجودِ غيرِه ما لم يستند إلى واجب الوجود لذاته.

لأنّ وجوب الوجود إنّما يحصل للشّيء إذا امتنع عليه جميع أنحاء العدم، لأنّ ذلك هو معنى الوجوب. والواجب بالغير الغير المستند إلى الواجب لذاته لا يمكن أن يصير سبباً لامتناع جميع أنحاء عدم معلوله; لأنّ من أنحاء عدم معلوله انعدامه مع انعدام علّته وعلّة علّته، وهكذا. وهذا غير ممتنع لفرض كون كلّ واحد من علله الغير المتناهية ممكناً ومعلولاً، فيجوز انعدام جميعها معاً وإن لم يجز انعدام بعضها مع فرض وجود بعض هو علّة البعض الأوّل، فما لم يمتنع على الواجب بالغير هذا النّحو من العدم أيضاً لا


1 . أي تقرير الطّريقة.
2 . في بطلان الأولويّة الذّاتيّة والغيريّة جميعاً. لاحظ تفصيل الكلام في المسألة الثالثة والعشرين من الفصل الأوّل في الجزء الثّاني.


صفحه 313

يمكن أن يجب ويحصل وجوده فهو ممتنع الحصول بعد.

وهذا معنى قوله: لكنّ الواجب بالغير ممتنعٌ أيضاً، أي ممتنع الحُصُول(1) على تقدير التّسلسل، وعدم الانتهاء إلى واجب الوجود لذاته، لجواز انعدامه مع انعدام علله، فلا يجب به شيء من آحاد السّلسلة، فلا يوجد السّلسلة، لكنّ المفروض وجودها، فيجب وجود علّة واجبة لذاتها(2) ليجب بها آحاد السلسلة.

وأمّا أنّها هي طرف للسّلسلة(3)، فلاستناد آحاد السّلسلة إليها، وهي لكونها واجبةٌ لذاتها غير مستندة إلى علّة أُخرى ليكون وسطاً، فهي طرفٌ لها، فيلزم انتهاؤها إليه .

فصدق أنّه لو فرضنا عدم انتهاء سلسلة العلل والمعلولات يلزم انتهاؤها وهو خلف محال.

الوجه الثّاني: برهان التّطبيق(4): وهو ما أشار إليه بقوله: وللتّطبيق بين


1 . لكونه ممكناً بدون علّة واجبة.
2 . من كلامه (رحمه الله) .
3 . في متن كشف المراد لفظتا «واجبة» و «للسّلسلة» ساقطتان.
4 . هذا برهان استدلّ به كثير من الحكماء والمتكلمين في إبطال التّسلسل، واستشكل عليه بعض، ومن المستدلّين هو شّيخ الإشراق في حكمة الإشراق: 63 ـ 64، وادّعى الشارح القطب باشتهار هذا البرهان. لاحظ: شرح حكمة الاشراق لقطب الدين الشيرازي: 182 ; و العلاّمة الحليّ في أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 35 / المسألة الثانية وفي كشف المراد: المسألة الرّابعة من الفصل الثّالث مدّعياً بأنّه مشهور; والمحقق الدّواني في أنموذج العلوم: 291 / المسألة الرابعة وهو أيضاً ادّعى المشهور; والفاضل النّراقي في جامع الأفكار ونافذ الأنظار: 43 / المقدمة الخامسة، مدّعياً بأنّه من وجوه البراهين القاطعة; والمحقّق الشّريف في شرح المواقف: 4 / 167 ـ 168 / المقصد الثّامن من المرصد الخامس، مدعيّاً بأنّه هو العمدة في إبطال التّسلسل ; وملاّ عبد الله الزّنوزي في لمعات إلهيّة: 32 ـ 33 ; وشارح المقاصد في شرحه: 2 / 120 ـ 122 ; وصدر المتألهين في الأسفار: 2 / 145 ; لكن قال المعلم الثالث في القبسات: 231، فأمّا السّبيل التطبيقي، فلا ثقة بجدواه ولا تعويل على برهانيّته بل أنّ فيه تدليساً مغالطيّاً. وكذا قد استضعف دبيران الكاتبي هذا البرهان وقال: فإنّ التطبيق محال فيجوز أن يلزمه المحال. لاحظ: ايضاح المقاصد: 105 / المبحث الثاني من المقالة الثانية.


صفحه 314

جملة قد فُصِّلت منها آحادٌ متناهيةٌ وجملة أُخرى لم تُفصَل منها.

وتقريره هاهنا: أنّه لو تسلسلت العلل والمعلولات لا إلى نهاية لأمكن لنا تحصيل جملتين منها:

إحداهما: من المعلول الأخير إلى ما لا يتناهي .

وثانيهما: من معلول قبله بخمس مراتب مثلاً إلى ما لايتناهي أيضاً .

وهذه الجملة الثّانية المفصولة منها خمسةُ آحاد مثلاً لا محالة جزء من الجملة الأُولى الغير المفصولة منها تلك الآحاد وانقص منها بعدّة تلك الآحاد.

ولنا أيضاً أن نُطبق الجملة النّاقصة على الجملة الزّائدة بأن يجعل الأوّل منها بإزاء الأوّل من تلك، والثّاني بإزاء الثّاني وهكذا.

فإن وقع بإزاء كلّ واحد من الزّائدة واحد من النّاقصة، لزم تساوي الزّائد والنّاقص، بل الكلّ والجزء وهو محال.

وإن لم يقع ـ ولا يتصوّر ذلك إلاّ بأن يوجد جزء من الجملة التامّة لا


صفحه 315

يكون بإزائه جزء من الجملة النّاقصة ـ لزم تناهي النّاقصة، والزّائدة لا تزيد عليها إلاّ بقدر متناه، فيلزم تناهيها أيضاً، إذ الزّائد على متناه بقدر متناه لايكون غير متناه، وقد فرض عدم تناهيها هذا خلف(1).

واعترض(2) على هذا البرهان بمنع لزوم التّساوي على تقدير أن يقع بازاء كلّ جزء من التامّة جزء من النّاقصة، مستنداً بأنّ ذلك كما يكون للتّناهي فقد يكون لعدم التّناهي.

وأُجيب بدعوى الضّرورة في أنّ كلّ جملتين، سواء كانتا متناهيتين أو غيرمتناهيتين: إمّا متساويتان، وإمّا متفاوتتان بالزّيادة والنّقصان. وفي لزوم انقطاع النّاقصة عند التّطبيق، كيف ولو لم ينقطع إحداهما، بل كانتا أبداً متطابقتين لكانتا متساوقتين، والمساوقة ملزومة للمساواة، بل نفسها، كما لا يخفى .

ثمّ إنّ المتكلّمين ; ادّعوا جريان هذا البرهان(3) في إبطال اللاّتناهي مطلقاً إذا ضبطه الوجود، سواء كان مجتمعاً أو لا، ومترتّباً أو لا .

فلمّا نُقِضَ عليهم بالعدد، أجابوا: بأنّه ممّا لم يضبطه الوجود، بل هو اعتباريّ محض.


1 . قال الشارح الفاضل في گوهرمراد: إنّ في إبطال التسلسل دلائل كثيرة، أظهر الدّلائل وأشهرها هو برهان التّطبيق. لاحظ: 225 .
2 . تعرّضوا بهذا الاعتراض وجوابه، صدر المتألّهين في الأسفار: 2 / 142 ; وشارح المقاصد في شرحه: 2 / 122 ; والشّارح القوشجي في شرحه : 122 .
3 . أي برهان التّطبيق .


صفحه 316

وكذا نقض المقدّمة القائلة بأنّ «إحدى الجملتين إذا كانت أنقص من الآخر، يلزم تناهيهما» بأنّ الحاصل من تضعيف الواحد مراراً غير متناهية، أقلّ من الحاصل من تضعيف الاثنين كذلك(1) مع لا تناهيهما، ومقدورات الله تعالى المختصّة بالممكنات أقلّ من معلوماته الشّاملة للممتنعات مع لا تناهيهما.

وذلك (2) ، لأنّ ما ضبطه الوجود من مقدورات الله ومعلوماته ليس إلاّ متناهياً عندهم، ومعنى عدم تناهيهما أمرٌ آخرٌ .

وأمّا الحكماء، فيخصّونه بالمجتمع المترتّب، فإنّه إذا كانت الآحاد موجودةٌ معاً في زمان، وكان بينهما ترتّب، فإذا جعل الأوّل من إحدى الجملتين بازاء الأوّل من الأُخرى ; وقع الثّاني بإزاء الثّاني وهكذا، فيتمّ التّطبيق وينطبق الآحاد بالآحاد بلا شبهة.

وإذا لم تكن موجودة معاً لم يتمّ ذلك; لأنّ وقوع آحاد إحداهما بازاء آحاد الأُخرى ليس في الخارج، لعدم اجتماعهما فيه، ولا في الذّهن; لاستحالة وجودها مفصّلة فيه.

وكذا لا يتمّ إذا كانت موجودة معاً، ولم يكن بينهما ترتّب; لجواز أن يقع آحاد كثيرة(3) من إحداهما بازاء واحد من الأُخرى. واعتبار العقل ينقطع لا محالة.


1 . أي مراراً.
2 . أي ردّ أيضاً النقض الثاني على قوله: «إذا ضبطه الوجود».
3 . أي إذا كانت الآحاد موجودة معاً، لم يكن بينهما ترتّب بوجه مّا، لم يلزم كون الأوّل بإزاء الأوّل والثّاني بإزاء الثّاني وهكذا لجواز أن يقع آحاد كثيرة من أحدهما بإزاء واحد من الآخر.


صفحه 317

ويتّضح ذلك بتوهّم التّطبيق بين حبلين ممتدّين وبين أعداد الحصى، فإنّ الأوّل تطبيق طرفيهما كاف في وقوع كلّ جزء من إحداهما بازاء جزء من الآخر، بخلاف الثّاني. فاتّساق النّظام في المرتّب يجعله بمنزلة الحبل المتّصل الأجزاء، بخلاف ما لم يترتّب لعدم اتّساق نظامه.

فإن قيل(1): التّطبيق لا يتوقّف على ملاحظة الآحاد بالتّفصيل، بل يكفي فيه ملاحظتها بالإجمال، بأن يفرض كلّ جزء بازاء كلّ جزء، ولو توقّف على ملاحظة الآحاد بالتّفصيل لم يتمّ التّطبيق على تقدير الترتّب أيضاً، فإنّ (2) وقوع بعضها بازاء بعض ونسبته إليه في الخارج، ليس انطباقاً عقلّياً حتّى يقال «إنّ الانطباق حاصلٌ هناك في الخارج، بخلاف ما ليس بمترتّب» كيف؟ والانطباق أمرٌ يفرضه العقل بين كلّ منهما وبين ما يتقدّم عليه.

قلنا: إنّ المراد بالتّطبيق أن يجعل العقل كلّ معيّن من إحدى السّلسلتين بازاء معيّن من الأُخرى، فلابدّ للآحاد من التعيّن والامتياز ليصحّ ذلك، فإذا كان لها ترتّب في الخارج كان لكلّ منهما تعيّن فيه بحسبه.

وأمّا إذا لم يترتّب الآحاد في الخارج ولم يتميّز بعضها عن بعض في الواقع، فلابدّ من أن يتميّز ويتعيّن عند العقل ليمكنه تطبيق(3) بعضها على بعض بالمعنى المذكور .


1 . القائل هو المحقّق الدّواني في انموذج العلوم: 294 .
2 . جواب عن سؤال مقدّر حاصله أنّه على تقدير التّرتب والوجود يكون الآحاد واقعة بإزاء بعض ما في الخارج مع قطع النّظر عن تطبيق العقل.
3 . في ب: «ليتمكّن من تطبيق».


صفحه 318

فالملاحظة التّفصيليّة ـ في صورة عدم الترتّب ـ إنّما يجب لذلك، لا لأنّ نفس التّطبيق لا يتأتّى بدون ذلك.

فظهر أنّ الملاحظة الإجماليّة إنّما هي كافيةٌ في صورة الترتّب، لا في غيرها.

وأمّا ما قيل(1): من أنّ الحقّ أن يقال(2) على تقدير عدم الترتّب لا يلزم انقطاع إحدى السّلسلتين، لجواز أن يكون زيادة الزّائدة في الأوساط، بأن يتحقّق فيما بين تلك الآحاد واحد من الكلّ لا يكون بازائه شيء من الجزء، ثمّ تتكافى السّلسلتان فيما بقي من الآحاد، فلا يلزم انقطاع الناقصة ولا الزّائدة».(3)

فيَرِد عليه: أنّ في صورة عدم الترتّب لا يكون طرف ووسط كما لا يخفى.

وإذا عرفت أنّ الملاحظة الإجماليّة كافيةٌ في صورة الترتّب.

وتوضيحه: أنّ في السّلسلتين اللّتين فرضناهما في تقرير البرهان لاشكّ أنّ الجزء الأوّل من السّلسلة الثّانية النّاقصة واقع بازاء الخامس من السّلسلة الأُولى الزّائدة.

فإذا أطبقناه بأوّل الأُولى وفرضنا انطباقه عليه، ينقل بمجرّد هذا


1 . القائل هو المحقّق الدّواني.
2 . أي في وجه اعتبار التّرتب.
3 . لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 164 .


صفحه 319

الفرض(1) الجزء العاشر من الثّانية بازاء الخامس من الأُولى، والخامس عشر من تلك بازاء العاشر من هذه، وهكذا.

ولا حاجة إلى أن نفرض انطباق كلّ جزء من أجزاء الأُولى على كلّ من أجزاء الثّانية فرضاً على حدة، ليلزم أن ينقطع التّطبيق بانقطاع الفرض، بل هناك فرضٌ واحدٌ إجماليٌّ يستلزم جميع تلك الانطباقات التّفصيليّة، وذلك لحصول التميّز والتعيّن لأجزاء السّلسلتين يكون كلّ منها في مرتبة معيّنة في الواقع، لا بتعمّل العقل .

عرفت (2) اندفاع ما زعمه بعض الأعاظم(3): من أنّ برهان التّطبيق مغالطة، وليس ببرهان .(4)

حيث قال في كتابه المسمّى بـ " القبسات (5) " بهذه العبارة:

«فأمّا السّبيل التّطبيقي، فلا ثقة بجدواه ولا تعويل على برهانيّته، بل أنّ فيه تدليساً مغالطيّاً.

فاللاّمتناهيات في جهة واحدة، ربّما تَطرّقَت إليها المُفاوَتَةُ من الجهة


1 . أي الّذي كان قبل التّطبيق بإزاء العاشر من الأُولى وهو الخامس من الثّانية، فاطلاق العاشر عليه من حيث هو من الثّانية مجاز وهكذا قوله: والخامس عشر من تلك.
2 . جواب قوله: «إذا عرفت».
3 . وهو المعلم الثالث السيد المحقّق باقر الدّاماد.
4 . تعرّض ملاّ عبد الله الزنوزي بتفصيل بيان بعض الأعاظم وأجاب عنه. لاحظ: لمعات الهيّة: 34 ـ 36 .
5 . وهكذا في تقويم الإيمان: 240 ـ 241 / الفصل الثاني .


صفحه 320

الأُخرى الّتي هي جنبة التّناهي، لا من الجهة الّتي هي جنبة اللاّنهاية، كما في سلسلة المئات بغير نهاية، وسلسلة الآلاف إلى لا نهاية.

وليس يتصحّح تحريك اللاّيتناهي بكلَّيته من جهة اللاّنهاية، وإخراجه بكلّيته عن درجته وحيّزه ومرتبته، وعن الدرجات الّتي لآحاده بالأسر في تلك الجهة.

فإذن إذا أطبق طرفُ إحدى السّلسلتين الغير المتناهيتين المختلفتين بالزّيادة والنّقصان في جهة التّناهي، على طرف السّلسلة الأُخرى، تطبيقاً وهميّاً، أو فرضيّاً، انتقلت الزّيادة من حيّز الطّرف ودرجته إلى حيّز الوسط ومرتبته، ولا يزال تنتقل وتتردّد في الأوساط، ما دام الوهم أو الفرض معتملاً للتّطبيق، ولا يكاد ينتهي إلى حدّ بعينه ودرجة بعينها أبداً، ولا يبلغ أقصى الحدود وآخر الدّرجات عَوضُ (1).

فإذا ما(2) انبَتَّ(3) اعتمالُ الوهم، وانصَرَمَ عَملُ التّطبيق، اتّفقت التفاوتُ بالمُفاضَلة على ذلك الحدّ وعلى تلك الدّرجة، واقترّ القدر الزّائد في مقرّ تلك المرتبة .

وبالجملة لا مصير للمُفاوَتَةِ إلى جَنبَة اللاّنهاية أبداً، بل أنّها أبداً في جنبة


1 . قوله: «عَوض» بالفتح بمعنى أبداً وقط، وهو مختصّ بنفي المستقبل كما أنّ لفظ «قطّ» مختصّ بنفي الماضي .
2 . قوله: «ما» النافية.
3 . قوله: «انبتّ» أي انقطع.


صفحه 321

التّناهي: إمّا هي في حدّ الطّرف، وإمّا في شيء من حدود الأوساط. انتهت عبارته»(1).

وذلك (2) لأنّه ليس هناك فرض بعد فرض حتّى يصحّ أن يقال: «إنّ الزّيادة تنتقل وتتردّد في الأوساط ما دام الفرض معتملاً للتّطبيق ولا يبلغ إلى آخر الحدود» بل هناك فرض واحد يتضمّن جميع تلك الانتقالات .

ولا حاجة أيضاً إلى تحريك الغيرالمتناهي واجزائه أصلاً، بل يصحّ ذلك الفرض الإجمالي الكلّي مع كون كلّ واحد من الآحاد في مرتبته بدون أن يتحرّك عن مرتبة إلى أُخرى، فإنّ التّطبيق بالمعنى المذكور(3) لا يقتضي سوى تبديل نسبة بنسبة، بأن يفرض مثلاً كون النّسبة الّتي كانت للجزء الأوّل من الثّانية مع الخامس من الأُولى، له مع الأوّل من الأُولى وهكذا، فيتثبّت جدّاً.

فإن قلت: فلِمَ لا يكفي في الترتّب التعاقبي ـ كما في سلسلة الحوادث المترتّبة الماضية، والحركة والزّمان الماضيين ـ وجودُ(4) كلّ في وقته، وإن لم يجتمع في وقت واحد في إجراء برهان التّطبيق؟

فإنّ التميّز والتعيّن هناك حاصل لكلّ واحد واحد، وليس الأمر هناك كما في المجتمع الغير المترتّب.


1 . القبسات: 231 ـ 232 / القبس السادس .
2 . أي اندفاع ما زعمه بعض الأعاظم.
3 . أي بمعنى القسم الثّاني.
4 . قوله: «وجود» فاعل لقوله «لا يكفي».


صفحه 322

قلت: لأنّ التميّز هناك (1) ليس إلاّ في العقل لا في الخارج، لأنّ التميّز الخارجي قد انقضى بانقضاء الوجود الخارجي، فلم يبق سوى الامتياز العقلي، وهو غير كاف إلاّ تفصيلاً، وهو غير ممكن كما عرفت .

وليس فرق بينه(2) وبين المجتمع الغير المترتّب في كون التميّز الّذي لابدّ منه في التّطبيق عقلياً محضاً، إلاّ أنّ التميّز الّذي يفرضه العقل في المجتمع الغير المترتّب اختراعيّ صرف ليس له داع إليه، وفي المترتّب الغير المجتمع له داع إليه، هو الترتّب الّذي كان في الخارج وقد انقضى مع انقضاء الوجود، فتدبّر.

هذا هو المانع هناك(3) من جانب التّطبيق، أعني: عدم قدرة العقل على التّفصيل.

وهناك مانع من جانب الانطباق (4) أيضاً، وهو أنّه لابدّ في الانطباق من وجود المنطبقين، ولا وجود لمجموع الآحاد في وقت من الأوقات لا في الخارج، كما هو المفروض، ولا في العقل، لامتناع حصول غير المتناهي في العقل مفصّلاً.

لا يقال: وجود المجموع في الخارج وإن لم يكن حاصلاً في وقت من الأوقات لكنّه حاصل في مجموع الأوقات.(5)


1 . أي في الترتّب التّعاقبي.
2 . أي التعاقب.
3 . أي في الترتّب التّعاقبي.
4 . أي الوجود الدّاعي.
5 . فيكون الكلّ موجوداً الآن لوجود أجزائه في جميع الأوقات الماضية.


صفحه 323

لأنّا نقول: القول بوجود المجموع في جميع الأوقات يستلزم القول بوجود الكلّ بدون شيء من أجزائه.

لا يقال: في امتناع وجود الكلّ هذا النّحو من الوجود(1) بدون وجود شيء من أجزائه نظرٌ، لجواز أن يكفي وجود أجزائه في أجزاء زمان الكلّ لا في نفسه .

لأنّا نقول: في كفاية هذا النّحو من الوجود للانطباق أيضاً نظر إذ المعلوم كفاية وجود المجموع في وقت واحد، ولا بدّ لمن يدّعي إجراء البرهان فيه من القطع، فاللاّزم عليه إثبات كفاية مثل هذا الوجود أيضاً .

ومن هذا ظهر ضعف ما ادّعاه المتكلّمون من كفاية كون المترتّب ممّا ضبطه الوجود كما مرّت الإشارة إليه .

فإن قيل: أليس وجودها في المبادئ العالية يكفي في ذلك (2)؟

قلنا: نحو وجودها فيها غير مجزوم به; هل هو بصور أم لا؟ وبصور متكثّرة أم متحدة؟ وإن كان أصل وجودها(3) فيها ـ أعني: علم المبادئ بها ـ مجزوماً به ، فلا يكفي في النّقض.

على أنّه لو كان بالصّور لم يلزم الترتّب فيها وإن كان المعلوم بها مترتّباً;


1 . أي على هذا النّحو من الوجود أي الحكم بوجود الكلّ الآن باعتبار أنّ أجزاءه كانت موجودة في الماضي متفرقة وهو يستلزم وجود الكلّ في مجموع الأوقات الماضية يستلزم بدون وجود شيء الخ .
2 . أي إجراء البرهان.
3 . أي الاجزاء.


صفحه 324

إذ لا يجب كون العلم بالمتقدّم متقدّماً على العلم بالمتأخّر إلاّ في علم الباري تعالى بالأشياء عند الشّيخ على القول بالحصول، فإنّه على ترتيب سببيّ ومسببيّ لئلاّ يلزم صدور الكثرة في مرتبة واحدة عن الواحد الحقيقي.

لكنّ الصّور عنده متناهية، مع كون معلوماته تعالى غير متناهية وعدم عزوب شيء من الأشياء من علمه تعالى. وله طريقة في بيان ذلك في "التّعليقات (1) " غامض تحصيلها.

فإن قلت: أليست المتعاقبات الزّمانية مجتمعة في الدّهر، على ما ذهب إليه بعض الأعاظم وأثبته في كتاب "القبسات(2) "؟

وأليس علم الواجب تعالى بالأشياء على نحو الحضور الاستيعابي الشّامل للماضيّات والمستقبلات دفعةً واحدةً، على ما هو مختارك، موجباً لاجتماعها جميعاً عنده تعالى، فيتمّ التّطبيق من هذا الوجه لا محالة؟

قلت: لا. أمّا العلم الحضوري: فإنّ معناه على ما ستعلم إن شاء الله تعالى ; هو أنّه يعلم كلاًّ في وقته(3) بمعنى لا يعزُب عنه تعالى شيء لكونه قد مَضى أو لم يأت بَعدُ; لأنّ نسبته تعالى إلى الماضي والآتي نسبة واحدة غير مختلفة كنسبتنا إليهما، بل هو محيط بكلّ شيء إحاطة واحدة تفصيليّة.

وذلك من خواصّ تجرّده تعالى وتقدّسه عن الأزمنة، وعن كونه متقيّد


1 . لاحظ: التعليقات للشّيخ الرّئيس: 188 .
2 . لاحظ: القبسات: القبس السّادس .
3 . قوله: «في وقته» ظرف للكلّ، لا للعلم.


صفحه 325

الوجود، ومتخصّصه بزمان دون زمان، كتقدّسه عن الأمكنة سواء.

وهذا لا يستلزم اجتماع معلوماته في آن من الآنات، أو وقت من الأوقات ليجري عليها التطبيق .

وأمّا الدّهر: فهو أوسع من الزّمان لا محالة، فلا يلزم من الاجتماع فيه(1) الاجتماع في زمان من الأزمنة، وليس الاجتماع في الدّهر اجتماعاً حقيقيّاً ومعيّة إلاّ في مطلق الوجود، (2) فإنّ الشّيء الزّماني لا يمكن أن ينخلع عن كونه زمانّياً.

وليس وجوده في الدّهر انخلاعاً له عن زمانه المتخصّص الوجود به،بل ليس معنى وجوده في الدهر سوى ملاحظته بما هو متلبّس بالوجود مع قطع النّظر عن تقيده بالوقت المخصوص. وليس عدم اعتبار التقيد بالوقت اعتباراً لعدم التقيد على ما هو شأن وجود الطبائع بالقياس إلى وجود أفرادها، هذا .

واعلم: أنّه قد يتوهّم(3) كون المجتمع الغير المترتّب في نفسه ممّا يجري فيه التطبيق باعتبار عروض العدد المترتّب في مراتبه له، فإنّ الواحد متقدّم بالطّبع(4) على الاثنين، والاثنين على الثّلاثة، وهي على الأربعة وهكذا.


1 . أي الدّهر.
2 . لا الوجود الاشخاص .
3 . تعرّض له صدر المتألّهين في الأسفار: 2 / 152، والفاضل القوشجي في شرحه: 122 ـ 123، وأجابوا عنه.
4 . لا يخفى أنّ هذا ترتّب في جانب المعلول وسيأتي أنّ برهان التّطبيق لا تنهض على بطلان اللاّتناهي في جانب المعلول.


صفحه 326

وهذاليس بشيء، فإنّ ترتّب العدد لا يوجب ترتّب المعدود إلاّ من حيث عروض العدد له، وليس لشيء من الآحاد ما يوجب عروض خصوص مرتبة معيّنة من العدد له.

ألا ترى أنّ في آحاد الثّلاثة مثلاً ; لا يتعيّن اثنان معيّنان من جملتها، لعروض الاثنينية لهما بخصوصهما، وعروض الوحدة للباقي بخصوصه، فليتفطّن.

وكذا ما قيل: إنّه لو تحقّق أُمور غير متناهية توقّف مجموعها على ما بقى منه بعد إسقاط واحد منه وهكذا، فيلزم وجود مجموعات غير متناهية يجري فيها التّطبيق.(1)

وذلك لأنّه لا يتعيّن في مجموع من المجموعات واحدٌ بعينه للإسقاط والبواقي للإبقاء، بل إنّما ذلك باعتبار العقل وتعيينه، وهو منقطع لا محالة.

فإن قيل(2): إذا كانت الجملتان موجودتين معاً، وان لم يكن بين آحادهما ترتّب، فلا شكّ في أنّ وقوعَ كلّ واحد من آحاد إحداهما بإزاء واحد من آحاد الأُخرى من الأُمور (3) الممكنة، والعقل يفرض ذلك الممكن واقعاً حتّى يظهر الخلف .

قلنا: الملازمة ممنوعة. كيف؟ ووقوع كلّ واحد بازاء كلّ واحد إذا لم


1 . لحصول التّرتب بين آحاده.
2 . القائل هو الشارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 123 .
3 . خبر أنّ في قوله: «أنّ وقوع كلّ واحد الخ».


صفحه 327

يكن بينها ترتّب يتوقّف على ملاحظة العقل إيّاها تفصيلاً، ليتميّز بعضها عن بعض عنده، ليمكنه فرض وقوعه بإزائه، إذ لا تميّز خارج العقل ليكفيه الملاحظة الإجماليّة، كما على تقدير الترتّب كما عرفت، وملاحظة الغير المتناهي تفصيلاً ممتنعة، فما يتوقّف عليها أيضاً ممتنع.

الوجه الثّالث: ما استخرجه المصنّف من برهان التّطبيق، وهو أقلّ مؤنة وأتمّ فائدة من برهان التّطبيق، وهو أنّا نعزل المعلولَ المحضَ من السّلسلة المفروضة، ونجعل كلاًّ من الآحاد الّتي فوقه متعدّداً باعتبار وصفي العلّية والمعلوليّة، لأنّ الشّيء من حيث أنّه علّة مغاير له من حيث إنّه معلول.

فتحصّل سلسلتان متغايرتان بالاعتبار: إحداهما سلسلة العلل، والأُخرى سلسلة المعلولات، منطبقة إحداهما على الأُخرى بلا تعمّل العقل، وملاحظة انطباقهما يوجب الحكم بتناهيهما لزيادة وصف العلّية ضرورة سبق العلّة على المعلول، فإنّ كلّ علّة لا تنطبق على معلولها(1) في مرتبتها، بل على معلول علّتها المتقدّمة عليها بمرتبة.

وذلك(2) لخروج المعلول الأخير، لعدم كونه معروضاً للعلّية .

فكلّ علّة ومعلول منطبقين يجب أن يكون قبلهما علّة، فإذا انطبقت المعلولات كلّها بحيث لم يبق منها واحدٌ غير منطبق وَجَبَ أن يكوُن هناك علّة سابقة على جميع المعلولات المنطبقة على العلل، من غير انطباق معلول


1 . أي على معلول نفسها حال كون تلك العلّة ثابتة ومفروضة في مرتبة نفسها.
2 . أي لا تنطبق على معلولها الّذي بعد مرتبتها لخروج المعلول الأخير.


صفحه 328

عليها،(1) وإلاّ لزم أن يكون معلول من تلك المعلولات منطبقاً على علّته، فلا يكون علّته متقدّمة عليه هذا خلف.

فيلزم زيادة مراتب العلل بواحدة تكون علّة، ولا يكون معلولاً، وفيه انقطاع السّلسلتين .

وإليه أشار بقوله: ولأنّ التطبيق; أي الحكم بالانطباق، باعتبار النّسبتين ; أي العلّية والمعلوليّة هاهنا لكونهما بحيث يتَعدّد كلّ واحد منها باعتبارهما يوجب(2) ـ خبر أنّ ـ تناهيهما لوجوب ازدياد إحدى النّسبتين ـ وهي العلّية ـ على الأُخرى ـ هي المعلوليّة ـ من حيث السّبق ; أي من حيث وجوب سبق العلّية على المعلوليّة كما عرفت.

فقوله: «بحيث يتعدّد كلّ واحد منها باعتبارهما» إشارة إلى عزل المعلول الأخير في هذا البرهان.

وهذا هو الفرق بين هذا البرهان، وبين برهان التّضايف الّذي سنذكره، وقد خفي ذلك على المحشي الشّريف .

وأمّا كونه أقلّ مؤنة وأتمّ فائدة من برهان التّطبيق، فلأنّه مستغن عن توهّم تطبيق كلّ واحد من آحاد إحدى السّلسلتين بواحد من آحاد السّلسلة الأُخرى، كما احتاج إليه برهان التّطبيق.

وذلك لكونهما متطابقتين بلا تعمّل من الوهم، ولذلك يجري في


1 . أي على تلك العلّة السّابقة.
2 . قوله: «يوجب» خبر لقوله: «لأنّ».


صفحه 329

المتعاقبات أيضاً دون برهان التّطبيق، كما سيأتي في كلام المصنّف في "نقد المحصّل "(1) حيث ننقله في مبحث «حدوث الأجسام»(2) إن شاء الله تعالى.

فإن قيل(3): هذه الملازمة ـ أعني: لزوم زيادة سلسلة العلل بواحدة ـ غير بيّنة وإنّما يظهر لزوم ذلك في كلّ قطعة متناهية منها.

قلنا: إنّ العقل(4) يحكم بالضّرورة الحدسيّة بأنّ كلّ جملة يتكافى عليّاتها ومعلوليّاتها على هذا الوجه لابدّ لها من علّة خارجة عنها سابقة عليها، حكماً كلّياً من غيرفرق بين الجملة المتناهية وغير المتناهية; لئلاّ يفوت السّبق الّذي هو مقتضى العلّية.

والشّبهة ناشئة من طلب التّفصيل(5) فيما يحكم به العقل حكماً كلّياً إجمالّياً، وهذا ممّا قد يعجز عنه العقل، فلا يدلّ على بطلان الحكم الكلّي الإجمالي.

ولهذا نظائر مثل ما يقال: إنّ العقل يحكم بأنّ الموجِد يجب تقدّمه على الموجَد من غير تفصيل بين موجد نفسه وغيره، ثمّ يثبت به أنّ الشّيء لا يوجد نفسه .


1 . لاحظ : نقد المحصّل: 247 / القسم الأوّل من الركن الثالث في الإلهيّات.
2 . لاحظ : المسألة السّادسة من الفصل الثالث من المقصد الثاني في الجزء الثالث.
3 . القائل هو المحقّق الدّواني: لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 165 .
4 . ذكره المحقّق الدّواني بهذه العبارة: وَالّذي يمكن أن يقال في توجيه هذا الدّليل، إنّ العقل يحكم بالضّرورة الخ .
5 . في كلّ جملة متناهية إلى غير النّهاية وتفصيل ذلك إلى غير النّهاية محال عند العقل.


صفحه 330

ومثل ما يقولون في البرهان السُلَّمي(1): إنّ كلّ جملة من الزّيادات لابدّ أن يكون في بُعد فوقها، ليلزم منه أنّ الزّيادات الغير المتناهية أيضاً يلزم كونها في بعد فوقها.

ومثل ما يقال في برهان الوسط والطّرف(2)، وهو الّذي قرّره الشّيخ في " الشفاء "ومحصوله: أنّ كلّ ما هو معلول وعلّة معاً، فهو وسطٌ بين طرفين بالضّرورة ; أحدهما معلول له والآخر علّة له.

فلو تسلسلت العلل إلى غيرالنهاية، لكانت سلسلة العلل الغير المتناهية معلولاً وعلّة، لكون كلّ واحد من آحادها كذلك.

أمّا أنّها علّة فلأنّها علّة للممكن الطرف المفروض، وأمّا أنّها معلولة فلأنّها يتعلّق بالمعلولات ومركّبة منها، والمتعلّق بالمعلول المحتاج إليه لا


1 . هذا ما استدلّ به الحكماء على تناهي الأبعاد.
2 . الظّاهر أنّ أصل هذا البرهان من المعلم الأوّل حاصل تقريره: أنّ للأشياء ابتداء وأنّ علل الأشياء الموجودة ليست بلا نهاية لا من طريق الاستقامة ولا من طريق النّوع أي أن تكون أنواع العلل أكثر ممن أن تعدّ إلى غير نهاية، وذلك أنّ الأشياء المتوسّطة وهي الأشياء الّتي لها متقدّم ومتأخّر يجب ضرورة أن يكون المتقدّم هو العلّة لما بعده، فإنّه إن سئلنا أيّها علّة الثلاثة ـ أي المتقدّم، الوسط والمؤّخر ـ ؟ قلنا الأوّل، وذلك أنّ الأخير ليس هو علّةٌ ولا لواحد منها وكذلك أيضاً فإنّ المتوسّط واحداً وبين أن يكون متوسّطات أكثر من واحد ولا بين أن تكون متناهية وبين أن تكون غير متناهية، وأجزاء الأشياء غير المتناهية الّتي تحتوي على هذه الجهة وبالجملة أجزاء غير المتناهية كلّها متوسّطة على مثال واحد إلى هذا الوقت، فيجب إن لم يكن شيء من الأشياء أوّلاً إلاّ يكون بالجملة علّة أصلاً. لاحظ : ما بعد الطبيعة الموسوم بـ «ألف الصّغرى»: 17 ـ 19 .


صفحه 331

يكون واجباً لذاته، بل لابدّ أن يكون معلولاً لعلّة مستقلّة.

ولمّا ثبت أنّ سلسلة العلل معلولة وعلّة، وثبت أنّ كلّ ما هو معلول وعلّة، فهو وسطٌ، ثبت أنّ سلسلة العلل الغير المتناهية أيضاً وسطٌ، فيكون وسطاً بلا طرف، وأنّه محال(1) .

فيرد(2) عليه: بأنّا نسلّم أنّ كلّ واحد من آحاد تلك السّلسلة وكلّ قطعة متناهية منها وسطٌ، ولا نسلّم كون كلّ الآحاد بأسرها وسطاً، فإنّ حكم كلّ واحد من تلك السّلسلة قد يخالف حكم المجموع من حيث هو مجموع.

فيقال في دفعه: أنّ العقل يحكم بأنّ مجموع الأوساط وسطٌ من غير تفصيل بين القطعةِ المتناهيةِ والغير المتناهية، وحكم الآحاد وإن جاز أن يخالف حكم الكلّ، لكن قد يجزم العقل بعدم المخالفة بالبديهة، وهذا منه.

إلى غير ذلك ممّا لا ينضبطه وجهٌ .

لكنّ الشّأن كما قال المحقّق الدواني في بداهة الحكم الكلّي،(3) ولا يتّضح منه جلية الحال إلاّ بترك الجدال، وقصر الهمّة على طلب الكمال، ومساعدة التّوفيق من ولي الأفضال .(4)


1 . لاحظ: إلهيّات الشّفاء: 2 / 327 ـ 328 / الفصل الأوّل من المقالة الثّامنة.
2 . المُورِد هو المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر. لاحظ : شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 165 .
3 . لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 165 .
4 . في ب و ج: جملة «لكنّ الشّأن كما قال المحقّق الدّواني في بداية الحكم الكلّي ـ إلى ـ من ولي الأفضال» ساقطة.


صفحه 332

الوجه الرابع: ما ذكره الشّيخ في " الإشارات (1) " و " المبدأ والمعاد (2) ".

وتقريره على محاذاة ما في " الإشارات ": هو أنّ كلّ جملة كلّ واحد منها معلول، فإنّها تقتضي علّة خارجة عن آحادها.

وذلك لأنّها(3) : أعني: تلك الجملة ـ بمعنى نفس آحادها بالأسر ; بحيث يكون ما لو اعتبر معها من شكل وهيئة خارجاً عنها ـ موجودة(4) لكون كلّ من آحادها موجوداً، وليس شيء منها بمعدوم، وعدم الجملة لا يكون إلاّ بعدم شيء من آحادها.(5)

ثمّ إنّ وجودها مغاير لوجود كلّ واحد من آحادها بالضّرورة. وممّا ينبّه به على ذلك أنّه لا يصدق على شيء من آحادها أنّه جملة وكثير ومتعدّد وداخل فيه كلّ واحد من الآحاد وما يرادف ذلك،(6) ويصدق على مجموع الآحاد أنّه جملة وكثير ومتعدّد وداخل فيه كلّ واحد من الآحاد وأمثال ذلك.

فنقول: هذه الجملة الموجودة بوجود على حدة ; غيرِ وجود كلّ واحد من آحادها :


1 . نقل كلام الشيخ بايضاح. لاحظ : الإشارات والتنبيهات: 268 .
2 . المبدأ والمعاد: 22 / الفصل السادس عشر من المقالة الأُولى.
3 . أي علّة الجملة إمّا أن يكون كلّ آحاد، أو بعضها، أو شيئاً خارجاً عنها.
4 . قوله: «موجودة» خبر أنّ في قوله: «لأنّها».
5 . وإذا لم يكن شيء من آحادها معدوماً كان الجملة موجودة، ثمّ إنّ وجودها الخ.
6 . مثل أنّه مركّب من الآحاد.


صفحه 333

إمّا (1) أن لا تقتضي علّة أصلاً، فتكون واجبة الوجود غير ممكنة الوجود، وكيف يتأتّى هذا وإنّما يجب بآحادها؟

وإمّا أن تقتضي علّة (2) مستقلّة بإيجادها، إذ لابدّ منها في وجودكلّ ممكن بالضّرورة هي الآحاد بأسرها (3) فتكون معلولة لذاتها، فإنّ الآحاد بالأسر والكلّ والجملة شيء واحد، إذا أُريد بكلّ واحد من هذهالثّلاثة نفس معروض الهيئة كما فرض، فيلزم تقدّم الشّيء على نفسه، وهو محال.

لا يقال: لا يلزم من علّيته لنفسه تقدّمه على نفسه; لأنّ العلّة التامّة للمركّب لا يجب بل لا يجوز تقدّمها عليه، إذ من جملتها (4) الأجزاء الّتي هي نفس المعلول المركّب.

لأنّا نقول: قد عرفت منّا سابقاً إنّ ما هو جزءٌ للعلّة التامّة هو الأجزاء بالأسر، وما هو نفس المعلول المركّب هو مجموع الأجزاء.

وفرق ما بينهما قد بيّناه هناك وهو أنّ مجموع الأجزاء هو معروض الهيئة الاجتماعيّة، بخلاف الأجزاء بالأسر; إذ ليس بمعتبر فيها كونها معروضة للهيئة الاجتماعيّة .

وأمّا هاهنا، فكلاهما معروضان للهيئة الاجتماعيّة; لأنّ الأجزاء بالأسر


1 . خبر لقوله: «هذه الجملة».
2 . بمعنى معطي الوجود .
3 . قوله: «هي الآحاد بأسرها» صفة لقوله: «علّة مستقلّة».
4 . أي العلّة التّامّة للمركّب.


صفحه 334

الّتي هي العلّة التامّة يعتبر في كلّ جزء منها أن يكون في مرتبة متعيّنة، لكونه علّة لِلاحقه، معلولاً لِسابقه، فهي عين مجموع الأجزاء الّتي هي نفس السّلسلة المفروضة، فليتأمّل جدّاً، فانّه في غاية الدّقة واللّطافة .

على أنّ المراد من العلّة هاهنا هي العلّة المستقلّة بالإيجاد على ما أشرنا إليه. ولا شبهة في وجوب تقدّمها على المعلول.

وإمّا أن يقتضي علّة هي بعض الآحاد، وليس بعض الآحاد أولى بذلك من بعض(1)، إذ كان(2) كلّ واحد منها معلولاً، بل كلّ واحد من الآحاد يفرض أن يكون علّة لجميع الآحاد يكون علّة ذلك الواحد أولى بالعلّية لها، فيلزم ترجيح المرجوح .(3)

وذلك لكونه(4) أكثر إفادةً للآحاد كون الّذي هو أدخل في كلّ الشّيء علّة للجملة، فإنّ علّة الجملة بالحقيقة علّة لآحادها أوّلاً، ولمّا كان كلّ واحد من الآحاد معلولاً له علّةٌ، فكلّ ما فرض علّة يكون علّته أولى بذلك،(5) ولا يتعيّن شيء(6) منها للعليّة.

هذا ما ذكره الشّيخ في " الإشارات " لنفي عليّة البعض .


1 . بخلاف ما إذا كان بعض منها واجباً بالذّات فإنّه أولى بذلك من الباقي.
2 . في المصدر: «إن كان».
3 . في أ، ب و ج: جملة: «فيلزم ترجيح المرجوح» ساقطة.
4 . أي لكون ما هو علّة ذلك الواحد.
5 . أي المعلول.
6 . إلاّ بحسب الفرض.


صفحه 335

وقد علّل ذلك في "المبدأ والمعاد" بلزوم كون ذلك البعض علّة لنفسه ولعلله، كما فعله المصنّف(1).

وإمّا أن يقتضي علّةً خارجةً من الآحاد كلِّها; وفساد الأقسام المذكورة يقتضي صحّة هذا القسم.

فهذه العلّة الخارجة علّة أوّلاً للآحاد، ثمّ للجملة.

وذلك لأنّه لابدّ أن يكون علّة لبعض آحادها، فإنّ جميع الأجزاء لو وقع بغيرها كان المجموع واقعاً بغيرها، فلم يكن تلك العلّة علّة للسّلسلة أصلاً .

فلو وجد في الآحاد الباقية شيء لا يكون معلولاً لذلك البعض: فإمّا أن يكون(2) علّة له، أو لا.

فإن كان علّة له، لزم اجتماع علّتين مستقلّتين (3) على معلول واحد وهو محالٌ، كما مرّ. وإنّما لزم كون العلّتين مستقلّتين، لأنّ العلّة الخارجة لابدّ أن تكون علّة مستقلّة بإيجاد ذلك البعض، وإلاّ لم يكن علّة مستقلّة للجملة بالظّاهر، فلو كان له علّة أُخرى كانت مستقلّة أيضاً، وإلاّ يلزم عدم استقلال الخارجة.

وإن لم يكن علّة له، لزم أن يوجد في جملة الآحاد أمران لا ارتباط بينهما بالعلّية والمعلوليّة وهو خلاف المفروض.


1 . في قوله: «ولأنّ المؤثّر في المجموع إن كان بعض أجزائه الخ».
2 . ذلك الشّيء الباقي في الموجود علّة لذلك البعض أو لا.
3 . أحدهما الخارجة والأُخرى ذلك الشّيء المفروض.


صفحه 336

فهذه العلّة الخارجة يكون طرفاً للسّلسلة(1) ويلزم انتهاؤها إليه هذا خلف .

هذا هو تقرير ما ذكره في " شرح الإشارات (2) " وتوجيهه وشرحه.

وإلى هذا الوجه أشار المصنّف.

ولمّا كان هذا الوجه مشتملاً على أقسام أربعة، ثلاثة منها باطلة، والباقي هو المطلوب، ومن الأقسام الباطلة قسمان (3)ظاهر البطلان، طَوى(4) عنهما وتعرّض لذكر الثّالث ; فقال:

ولأنّ المؤثّر في المجموع; أي مجموع السّلسلة المفروضة الّتي هي موجودة لا محالة، لكون كلّ واحد من آحادها موجوداً ومحتاجة إلى المؤثّر، لكونها ممكنة، لكون كلّ واحد من آحادها كذلك، فلا مجال لاستغنائها عن المؤثّر .

فالمؤثّر في هذا المجموع إن كان (5) بعض أجزائه، كان الشّيء مؤثّراً في


1 . وذلك لأنّ العلّة الخارجة لابدّ أن يكون شيء من آحاد السّلسلة صادراً عنها، فلو كان له علّة فاعليّة في السّلسلة لزم أن يصدر واحد عن علّتين فهو محال، فتعيّن أن يكون العلّة الخارجة علّة لواحد لا يكون له علّة في السّلسلة، فيكون سلسلة العلّيّة والمعلوليّة منتهية إلى العلّة الخارجة فهي طرف قطعاً .
2 . لاحظ: شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 22 ـ 25 .
3 . أحدهما: أنّ الجملة لا علّة لها، والثّاني: أنّ علّة الجملة نفسها.
4 . أي المصنّف (رحمه الله).
5 . نفس المجموع لزم تأثير الشّيء في نفسه وهو محال، وإن كان أمراً خارجاً عنها ثبت المطلوب إذ الخارج عن سلسلة الممكنات واجب، وإن كان بعض أجزائه...


صفحه 337

نفسه وعلله، لأنّ المؤثّر في الجملة(1) يجب أن يكون مؤثّراً في جملة الأجزاء: إمّا بواسطة، أو بغير واسطة كما عرفت .

وأيضاً الكلام في المؤثّر التامّ ـ أعني: العلّة المستقّلّة بالإيجاد ـ لأنّ المجموع له علّة تامّة بهذا المعنى لا محالة. فلو كان المؤثّر بهذا المعنى بعض أجزائه كان ذلك البعض علّة تامّة له.(2) وكلّ جزء ليس علّةً تامّةً، إذ الجملة لا يجب به.(3) فكيف يجب الجملة بشيء هو محتاج إلى ما لا يتناهى من تلك الجملة؟(4)

فهذا القول، أعني قوله: «ولأنّ المجموع له علّة تامّة، إلى آخره» عطف بحسب المعنى على جزاء الشّرطيّة، وتقدير الكلام ما ذكرناه.(5)

والحاصل: أنّ مجموع السّلسلة لابدّ له من مؤثّر، ومن كون ذلك المؤثّر تامّاً موجباً .


1 . أي في هذه الجملة.
2 . أي المجموع.
3 . أي بالجزء.
4 . حاصل البرهان: أنّ هذه السّلسلة لا يمكن أن يؤثّر فيها جزؤها لأمور:
الأوّل: لزوم تأثير الشّيء في نفسه وفي علله وهو محال.
الثّاني: أنّ المجموع له علّة تامّة والجزء ليس علّة تامّة إذ الجزء لا يجب بوجوده وجود الكلّ فهو بديهي البطلان.
والثّالث: أنّ الجزء يحتاج إلى ما لا يتناهى من علله، والمعلول لا يمكن أن يؤثّر في علّة واحدة، فكيف بعلل متعددة ؟
5 . من قوله: «فلو كان المؤثّر بهذا المعنى بعض أجزائه كان ذلك البعض علّة تامّة له».


صفحه 338

فمن جهة كونه مؤثّراً سواء كان تامّاً أم لا، يلزم من فرض كونه جزءاً للمجموع محالٌ، هو كون الشّيء مؤثّراً في نفسه وعلله .

ومن جهة كونه تامّاً موجباًيلزم محال آخر، هو كون الجزء مستقلاًّ في إيجاد الكلّ مع احتياجه إلى ما لا يتناهى من آحاد ذلك الكلّ، إلاّ أنّه لا حاجة إلى لفظ كلّ، بل يكفي أن يقول والجزء ليس علّة تامّة، فتدبر.

هذا غاية توجيه هذا الكلام .

واعلم: أنّه لا يرد على هذا الدّليل على التّقرير الّذي ذكرنا سوى الشّبهة المشهورة بشبهة ما قبل المعلول الأخير.

وتقريرها: أنّ وجود مجموع السّلسلة ليس إلاّ مجموع وجودات آحادها، فعلّته ليست إلاّ مجموع علل الآحاد .

ومجموع علل الآحاد إنّما هو مجموع ما قبل المعلول الأخير إلى ما لا يتناهى وهو(1) جزء لمجموع السّلسلة لا محالة، لاشتمال مجموع السّلسلة على المعلول الأخير، وعدم اشتمال ما قبله إلى غير النّهاية عليه.(2)

فهذا المجموع الّذي هو جزء لمجموع السّلسلة، علّة قريبة للمعلول الأخير، والسّلسلة المبتدئة ممّا قبله(3) بواحد هي علّة للمعلول الّذي هو فوق المعلول الأخير، وهكذا .


1 . أي المعلول الأخير.
2 . أي المعلول الأخير.
3 . أي مجموع ما قبل المعلول الأخير.


صفحه 339

فجميع تلك السّلاسل الّتي يشتمل عليها(1) ما قبل المعلول الأخير، هو مجموع علل تلك الآحاد، وهو علّة للسّلسلة .

والحاصل: أنّا نختار أنّ المؤثّر في مجموع السّلسلة والعلّة التامّة له، إنّما هو بعض تلك السّلسلة، وهو البعض الّذي هو مجموع ما قبل المعلول الأخير.(2)

ولا يلزم شيء من المحالين المذكورين، أعني: تأثير الشّيء في نفسه وعلله، وإيجاب الجزء للكلّ .

ولا يلزم (3) أيضاً عدم أولويّة بعض من الأبعاض للعلّية.

وهذا ممّا لا مدفع له.

فإن قيل: عدم المركّب كما يكون بعدم جزء من أجزائه مع بقاءالباقي يكون بعدم جملة الأجزاء بالأسر ; بأن لا يبقى منها شيء .

فجميع السّلسلة يمكن أن ينعدم بالأسر لإمكان كلّ من أجزائه .


1 . أي على السّلاسل .
2 . العبارة جواب عن سؤال مقدّر وهو: أنّ هذا المجموع الّذي هو العلّة أيضاً ممكن يحتاج إلى علّة. أجيب: بأنّ علّته المجموع الّذي قبل ما فيه من المعلول الأخير، وهكذا في كلّ مجموع قبله لا إلى نهاية.
3 . هذه العبارة أيضاً جواب عن المقدر وهو أنّ في الابتداء علّة الجملة لا يجوز أن يكون جزء منها لعدم أولويّة بعض الأجزاء. أجيب بأنّه ممنوع لأنّه لا يلزم عدم أولوية بعض من الأبعاض لأنّ الجزء الّذي هو ما قبل المعلول الأخير متعيّن للعليّة لأنّ غيره من الأجزاء لا يستقلّ بايجاد الجملة. لاحظ: الحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 157 ; وشرح المقاصد: 2 / 119 ـ 120 .


صفحه 340

فهذا العدم يجب أن يَنسدَّ ليصير موجوداً، فلابدّ له من علّة ينسدّ بها تطرّق هذا العدم إليه .(1)

فلا يجوز أن يكون هي ما فوق المعلول الأخير; لجواز تطرّق العدم إليه. ولا شيئاً من أجزاء السّلسلة كذلك (2)، بل يجب أن تكون(3) خارجة عن الممكنات.

كان(4) رجوعاً إلى الدّليل الأوّل(5) المخترع للمصنّف كما مرّ.

ولا يمكن أن يكون مراد القوم من هذا الدّليل، هو الدليل المخترع لعدم الاحتياج فيه إلى هذه الأقسام(6) كما عرفت.

نعم، لا يبعد تفطّن المصنّف ذلك من الدّليل المشهور للقوم، فليتدبّر.


1 . أي المركّب.
2 . أي علّة ينسدَّ بها تطرّق هذا العدم.
3 . أي العلّة.
4 . أي هذا القول، وجواب إن في قوله: «فإن قيل».
5 . الّذي ذكره المصنّف في صدر هذه المسألة في بطلان التّسلسل.
6 . الأربعة.


صفحه 341

براهين أُخرى في إبطال التسلسل

ثمّ إنّ في بطلان التّسلسل براهين أُخرى غير ما ذكره المصنّف هاهنا.

فمنها: برهان الوسط والطرّف:(1) وقد ذكرناه.

ومنها: برهان التّضايف:(2) وسيأتي في حدوث الأجسام.

ومنها: برهان الحيثيّات(3) وتقريره: أنّه لو ترتّب حيثيّات أو أُمور إلى غير النّهاية، لكانت لا تخلو :

إمّا أن يكون ما بين كلّ حيثيّة من تلك الحيثيّات مثلاً، وما بين حيثيّة


1 . هذا البرهان استدلّ به كثير من الحكماء والمتكلّمين على استحالة التّسلسل ومنهم: المعلّم الثاني في شرح رسالة زينون الكبير اليوناني: 3 ـ 5 ; وفي رسالة إثبات المفارقات: 3 و 4 ; وبهمنيار في التحصيل: 558 ـ 559 ; والسيد المحقّق الداماد في القبسات: 229 ـ 230 ; وتقويم الايمان: 237 الفصل الثاني; وفخر الدّين الرّازي في المباحث المشرقيّة: 1 / 476 ; وصدر المتألّهين في الأسفار: 2 / 144 ـ 145، مدّعياً بأنّه من أسدّ البراهين في استحالة التّسلسل.
2 . ذكره بعض الحكماء ومنهم: المعلّم الثالث في القبسات: 230 ; وفي تقويم الايمان: 238 ; والسبزواري في شرح غرر الفرائد: 172 / الفريدة السابعة; والتّفتازاني في شرح المقاصد: 2 / 124 ; والمحقّق الدّواني في أنموذج العلوم: 291 ; وصدر المتألّهين في الأسفار: 2 / 162 ; ومحمد مهدي النّراقي في جامع الأفكار: 50 ـ 51; والشارح المحقّق في گوهر مراد: 226 ـ 228، مدّعياً بأنّه أظهر البراهين وأشهرها في استحالة التّسلسل.
3 . هذا برهان آخر استدلّ به بعض كالمعلم الثالث في القبسات: 228 ـ 229 ; وفي تقويم الايمان: 238 ـ 239 ; وصدر المتألّهين في الأسفار: 2 / 163 ـ 164 ; والسبزواري في شرح المنظومة المسمّاة بـ شرح غرر الفرائد: 171 / الفريدة السابعة .


صفحه 342

أُخرى منها أيّة حيثيّة فرضْتَ متناهياً(1) أو غير متناه.

فإن كان متناهياً على سبيل الاستيعاب والكلّية، لزم أن يكون الكلّ أيضاً متناهياً، لوقوعه(2) بين حيثيّتين منها كمعلوليّة وعلّية.

وهذا حكم إجماليّ حدسيّ يحكم به العقل المتحدِّس.

وليس من قبيل حكمه(3) على الكلّ بما حكم به على كلّ واحد، كما لو قيل «كلّ واحد من أبعاض هذا لزّراع دون الزّراع، فهو أيضاً دون الزّراع» بل من قبيل أن يقال: ما بين هذه النّقطة والطّرف من المقدار المفروض، وأيّة نقطة تفرض فيه على سبيل الاستيعاب الشّمولي دون الزّراع، فهذا المقدار المفروض دون الزّراع، فليتفطّن.

وإن لم يكن متناهياً على سبيل الكلّية، بل كان الواقع بين حيثيّة واحدة وبين حيثيّة أُخرى أيّة حيثيّة كانت غير متناه، لزم انحصار ما لا يتناهى بين حاصرين.

ومنها: برهان التّرتب(4) وتقريره: أنّ التّرتّب في المعلوليّة يستدعي استلزام انتفاء كلّ واحد من آحاد السّلسلة انتفاء جميع ما بعده، ففي كلّ سلسلة ترتّب من العلل والمعلولات، وكانت المعلوليّة مستوعبة لآحادها على التّرتّب; يجب أن يكون علّة واحدة يلزم من فرض انتفائها انتفاء جميع


1 . كالعليّة والمعلوليّة ونحوهما.
2 . أي الكلّ.
3 . أي المتحدّس.
4 . ذكره المعلم الثّالث في القبسات: 230 ـ 231 ; وفي تقويم الايمان: 239 ـ 240 ; وصدر المتألّهين في الأسفار: 2 / 165 ـ 166; والسبزواري في شرح غرر الفرائد: 172 .


صفحه 343

الآحاد بأسرها، فينتهي السّلسلة بتلك العلّة، فليتفطّن .

ومنها: برهان الأسدّ والاخصر(1) وتقريره: أنّه لو ترتّب سلسلة من العلل والمعلولات لكان كلّ واحد من آحاد السّلسلة لم يتقرّر ولم يوجد مالم يتقرّر ولم يوجد قبله واحد آخر .

فإذا كان كلّ واحد من آحادها لم يوجد مالم يوجد شيء آخر قبله ; كانت الآحاد بأسرها لم يدخل في الوجود ما لم يكن شيء آخر موجوداً قبل الجميع، وإلاّ (2) فمن أين يتقرّر شيء في تلك السّلسلة حتّى يتقرّر شيء آخر بعده؟ وذلك ظاهر عند العقل الصّريح والفطرة الصّحيحة.

ومنها: براهين اخترعها بعض المتأخّرين (3):

فمنها: أنه لو وجدت سلسلة غير متناهية وكان لها مبدأ، فهو متعيّن للأوليّة، وما بعده للثّانويّة، وما يليه للثالثيّة، وهكذا يتعيّن كلّ من آحادها لمرتبة خاصّة من المراتب العدديّة على الاتّساق والتّرتيب .

فإذا زيد على مبدئها عدّة مترتبة متناهية كـ " عشرة آحاد " مثلاً ; كان أوّل تلك العشرة أوّل آحاد كلّ السّلسلة أيضاً، وما كان أوّله أوّلاً يكون حادي


1 . هذا البرهان منسوب إلى الفارابي: لاحظ: القبسات: 231 ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 166 ; وشرح غرر الفرائد: 173 ; ونهاية الحكمة: الفصل الخامس من المرحلة الثّامنة.
2 . أي وإن لم يكن شيء آخر موجوداً قبل الجميع .
3 . منهم أبو الحسن الكاتبي المتوفى (675 هـ)، وسعد الدّين التفتازاني المتوفى (793 هـ)، وعلي بن محمّد القوشجي المتوفى (876 هـ).


صفحه 344

عشر، فيزيد عدد الكلّ لا محالة، (1) ويجب أن يوجد به(2) مرتبة عدديّة لم يوجد في الفرض الأوّل ألبتة، ولم يوجد في المبدأ،(3) كما اعتبرناه،(4) ولا في الأوساط للاتّساق، فوجب أن يوجد في الجانب الآخر، فيتناهى ما فرضناه غيرمتناه هذا خلف.

قال:(5) وهذا البرهان وإن ناسب برهان التّطبيق،(6) لكن يمتاز عنه بوجوه من اللّطافة والدّقة.

ومنها: ما يستدعي تمهيد مقدّمتين:

إحداهما: أنّ كلّ سلسلة غير متناهية من جانب واحد ينقص من الغير المتناهي من الجانبين بمقدار غير متناه يحكم بها كلّ ذي فطرة سليمة.(7)

وثانيتهما: أنّ كلّ سلسلتين غير متناهيتين من جانب واحد لا ينقص مجموعهما من الغير المتناهي من الجانبين بمقدار غير متناه، بل: إمّا أن يساويانه، أو يفضلان عليه،(8) أو ينقصان عنه بمقدار(9) متناه، ولا أحسبك شاكّاً فيها كسابقتها .


1 . وإلاّ يلزم مساواة وجود الشّيء لعدمه وهو ضروري الفساد وبديهي الاستحالة.
2 . أي بسبب ازدياد عدد الكلّ.
3 . أي تلك المرتبة.
4 . أي من كون أوّل تلك العدّة أوّل آحاد السّلسلة كلّها أيضاً .
5 . بعض المتأخرين.
6 . لأجل اشتماله على النّاقص والزّائد.
7 . ضرورة أن ليس له من جانب آخر آحاد غير متناهية.
8 . أي غير المتناهي من الجانبين .
9 . قوله: «بمقدار» متعلّق لقوله: «يفضلان وينقصان».


صفحه 345

وبعد تمهيدهما(1) نقول: لو وجد سلسلة غير متناهية يكون لها مبدأ يتعيّن بترتّب آحادها فيها الآحاد (2) الواقعة في المراتب الفرديّة كـ «الأوّل والثّالث والخامس والسّابع إلى غير النّهاية ».

وكذا الآحاد الواقعة في المراتب الزّوجية كـ «الثّاني والرّابع والسّادس والثّامن إلى غير النهاية ».

فيوجد في السّلسلة المفروضة أوّلاً سلسلتان غير متناهيتين من جانب واحد، فوجب أن لا ينقص مجموعهما عن الغير المتناهي في الجانبين بمقدار غير متناه بحكم المقدّمة الثّانية، لكنّهما معاً عين السّلسلة المفروضة أوّلاً ولها مبدأ .

فوجب أن ينقصا معاً عن الغير المتناهي من الجانبين بمقدار غير متناه بحكم المقدّمة الأُولى .

فاجتمع فيها النّقيضان وهو محال، وما يستلزم المحال، فهو محال.

ومنها(3): ما لو وجدت سلسلة غير متناهية، لكان لها مرتبة من العدد ألبتّة، لأنّ كل جملة موجودة في الواقع متعيّنة الآحاد يعرضها(4) عدد معيّن ضرورةً.


1 . أي المقدمتين .
2 . قوله «الآحاد» فاعل لقوله «يتعيّن».
3 . أي من البراهين الّتي اقامها بعض المتأخرين.
4 . أي الجملة.


صفحه 346

ويوجد فيها مراتب أعداد،(1) أو معدودات ناقصة عنها بواحد، أو باثنين، أو بثلاثة، أو بأربعة، وهكذا طبقات مترتّبة متنازلة.

ويوجد فيها واحد ألبتّة لا مرتبة تحته.

فيوجد بين مرتبة العدد الّذي لكلّ السّلسلة وبين مرتبة الواحد مراتب غير متناهية مترتبة مع كونها محصورة بين حاصرين .

قال: وهذا البرهان يفيد امتناع وجود الأُمور الغير المتناهية، وإن لم تكن مترتّبة أيضاً .

ومنها: لو وجدت سلسلة غير متناهية وكان لها مبدأ ; لزم أن يكون عدد واحد زوجاً وفرداً، وهو باطل بالضّرورة .

وبيان اللّزوم: أنّه يتعيّن بعض من آحادها بأنّه واقع في المراتب الفرديّة كـ «الأوّل والثّالث والخامس ». وبعض منها بأنّه واقع في المراتب الزّوجية كـ «الثّاني والرّابع والسّادس» كلّ منهما إلى غير النهاية ويكون بازاء كلّ من الأُولى واحد من الثّانية وبالعكس.

فانقسمت السّلسلة الأُولى(2) إلى قسمين متساويين، فكان زوجاً، إذ لا نريد به إلاّ المنقسم بمتساويين مطلقاً(3).


1 . من العشرات والمئات والألوف .
2 . أي السّلسلة المرتّبة من الأفراد والأزواج.
3 . سواء أكان طولاً أم عرضاً، وسواء أكان متناهياً أم غير متناه، أو أعمّ من أن يكون أجزاؤها واحداً واحداً أو جملة.


صفحه 347

وإذا أسقط واحد من السّلسلة ; بقيت سلسلة أُخرى غير متناهية، فوجب أن يكون زوجاً بعين ما قلنا، فالسلسلة الأُولى فرد، لأنّه إذا زيد واحد على الزّوج يحصل فرد، لأنّه إذا انضمّ إلى كلّ من النّصفين يزيد على الآخر ولا يصلح للتّنصيف .

ولو كانت السّلسلة غير متناهية من الجانبين، فرضنا لهما مقطعاً حتّى ينقسم بقسمين كلّ منهما غير متناه من جانب واحد ويلزم الخلف فيهما.

ومنها: أنّ التّسلسل يستلزم أن يتساوى كلّ عددين متناهيين كـ «العشرة والمائة والألف» وهو ظاهر البطلان .

بيان اللّزوم: أنّ مثل هذه السّلسلة يوجد فيها عشرات غير متناهية وكذا مئات غير متناهية، فإذا جعل آحادها من مبدئها على التّرتيب بها تعدّ العشرات استوعبت هذه العادّة تمام الآحاد. وكذا لو عدّ بها المائة، فيتساوى العشرة والمائة، لتساوي مسطح عدد واحد فيهما.

قال(1): وهذا قريب المأخذ من برهان التّطبيق.(2)

ومنها: ما يستدعي تمهيد مقدّمة، وهي أنّ: كلّ عدد يكون له نصف والتئم من آحاد مترتّبة، فما (3) لم يحصل نصفه أوّلاً، لا يحصل كلّه، وهذه من الضّروريّات الحدسيّة.


1 . أي بعض المتأخّرين.
2 . لوقوع كلٍّ من العشرات والمئات بأزاء واحد من الآحاد غير المتناهية.
3 . في ب و ج: «ممّا» .


صفحه 348

وبعد ذلك نقول: لو وجدت سلسلة غير متناهية وكان لها مبدأ، يوجد فيها آحاد فرديّة غير متناهية، وآحاد زوجيّة غير متناهية، ويكون بازاء كلّ واحد من الأُولى واحد من الثّانية وبالعكس، فالآحاد الزّوجيّة مثلاً نصف السّلسلة، فلعدد السّلسلة نصف ألبتة .

وبحكم المقدّمة الممهّدة(1)، إذا اعتبرت الجملة من آحادها المترتّبة مأخوذة مع التّوالي والتّرتيب، يجب أن يحصل نصفها أوّلاً، ثمّ يحصل الجملة، فالنّصف الأوّل يوجد أوّلاً محصوراً بين حاصرين، فهو متناه، فكذا كلّه، وهو المطلوب. انتهى.(2)

وفي أكثرها مجال المناقشة كما لا يخفى على النّاقد البصير والعالم الخبير.(3)


1 . أي ما لم يحصل النّصف لم يحصل الكلّ .
2 . أي انتهى كلام بعض المتأخّرين. لاحظ: ايضاح المقاصد: المبحث الثاني من المقالة الثانية ; وشرح المقاصد: المبحث السادس من المنهج الثالث; وشرح تجريد العقائد: 125 ـ 126 .
3 . لاحظ ما ذكره شيخنا الأُستاذ آية الله السبحاني في مقدمة هذا الجزء من البرهان الاقوم الاتم حول امتناع التسلسل الّذي لا يُبقي لمريب ريباً، ولا لمشكّك شكاً فحياه الله وبياه.


صفحه 349

المسألة الرّابعة

في أحكام الفاعل من حيث هو فاعل ومؤثّر

وفيها ثمانية أحكام:

الحكم الأوّل

في أنّ التأثّير والتأثّر مكافئة في الوجود والعدم

قال: وتتكافى النّسبتان في طرفي النّقيض.

أقول: فمنها(1): إنّ المؤثّر في الوجود ليس إلاّ الوجود، والمؤثّر في العدم ليس إلاّ العدم.

وأشار إليه بقوله: وتتكافى النّسبتان; أي التّأثير والتأثّر بقرينة كون المسألة في أحكام الفاعل، والمؤثّر في طرفي النّقيض; أي الوجود والعدم(2).


1 . أي من أحكام الفاعل: وهذا هو الحكم الأوّل .
2 . أي في طرفي الوجود والعدم، بمعنى كلّما تحقق معروض العلّة تحقّق معروض المعلول، وكلّما تحقّق معروض المعلول تحقّق معروض العلّة، هذا في طرف الوجود، وكذا كلّما تحقّق عدم العلّة تحقّق عدم المعلول، وكلّما تحقّق عدم المعلول تحقّق عدم العلّة وهذا في طرف العدم. مثلاً: كلّما تحقّقت النّار تحقّق الإحراق وكلّما تحقّق الإحراق تحقّقت النّار، وكلّما تحقّق عدم النّار تحقّق عدم الإحراق، وكلّما تحقّق عدم الإحراق تحقّق عدم النّار.


صفحه 350

بمعنى أنّ وجود الفاعل يكافي وجود المفعول; أي إذا تحقّقت الفاعليّة في موجود تحقّقت المفعوليّة في موجود وبالعكس. وعدمُ الفاعل من حيث هو فاعلٌ، تكافي عدم المفعول; أي إذا تحقّقت الفاعليّة في معدوم تحقّقت المفعوليّة في معدوم .

فوجود المفعول مستندٌ إلى وجودِ المستند إليه ، لأنّ تأثير المعدوم في الموجود غير معقول. وعدم المفعول مستندٌ إلى عدم الفاعل من حيث هو فاعل، لأنّه حين عدم المفعول; لو لم يعدم من الفاعل التامّ شيء، لزم اجتماع وجود المفعول وعدمه، وإن عدم،(1) فالعقل يحكم بأنّ مع انعدام شيء من الفاعل لا أثر لمقارنة شيء آخر معه في انعدام المعلول، بل هو كاف في انعدام المعلول.

والعمدة في ذلك، أنّ العدم لا يحصل من الوجود، كما أنّ الوجود لا يحصل من العدم، فإنّ شيئاً من ذلك غير معقول.

وكلّ ما يتوهّم من حصول العدم من الوجود، فإنّما هو بالعرض، كما يظهر عند التّسلسل.

وقيل (2) في شرح هذا الكلام: «أي تتكافى العلّية والمعلوليّة في التحقّق


1 . من الفاعل شيء .
2 . القائل هو سيّد المدّققين.


صفحه 351

والارتفاع، فإنّ العلّية كُفو المعلوليّة، لا تقدّم لأحداهما على الأُخرى.(1)

فلا يحكم العقل بأنّه تحقّق العليّة أوّلاً ثمّ تحقّق المعلوليّة ; ولا بأنّه ارتفع العلّية أوّلاً ثمّ ارتفع المعلوليّة.

بخلاف العلّة والمعلول ; فإنّه يحكم بأنّ ذات العلّة تتحقّق أوّلاً ثمّ يتحقّق ذات المعلول، وبأنّها ترتفع أوّلاً ثمّ يرتفع ذات المعلول.

وذلك لأنّ العلّية والمعلوليّة متضايفان حقيقيّان، وهما متكافئتان في الوجود والارتفاع أيضاً، كما حقّق في موضعه»(2) .

وفيه: أنّ التّكافؤ لايتنافي التقدّم والتأخّر الذّاتيتين، والوجه ما ذكرنا.


1 . أصلاً.
2 . لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 168 .


صفحه 352

الحكم الثّاني

في أنّ القابل لا يكون فاعلاً

قال: والقبول والفعل متنافيان مع اتّحاد النّسبة لتنافي لازميهما.

أقول: ومنها(1): أنّ الفاعل إذا كان واحداً حقيقيّاً لا تكثّر فيه ولا اختلاف جهة لا يمكن أن يكون فاعلاً لشيء وقابلاً له.

وإليه أشار بقوله: والقبول والفعل(2) المتنافيان مع اتّحاد النّسبة، يعني إذا كانت النّسبة بين الفاعل والمفعول، وبين القابل والمقبول متّحدة ; بأن يكون الفاعل بعينه هو القابل، والمفعول بعينه هو المقبول.

وهذا إشارة إلى اتّحاد الجهة أيضاً، فإنّ مع اختلافها لا تكون النّسبة متّحدة، ضرورة أنّ الشّيء بإحدى الجهتين غيره بالجهة الأُخرى، فيختلف النّسبة باختلاف الطّرف .

والدّليل المشهور(3) على ذلك: ـ أعني: على منافاة الفعل والقبول ـ هو


1 . أي من أحكام الفاعل، وهذا هو الحكم الثّاني.
2 . أي القابليّة والفاعليّة.
3 . أنظر: ايضاح المقاصد: 115 ـ 116 / المبحث الخامس من المقالة الثّانية ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 515 ـ 516 / الفصل الثامن عشر من القسم الأول، وشرح المقاصد: 2 / 104 ـ 105 / المبحث الرّابع من النهج الثالث، والحكمة المتعاليّة أو الأسفار: 2 / 176 ـ 180 / للفصل السادس من المرحلة السادسة.


صفحه 353

أنّ نسبة الفاعل إلى المفعول بالوجوب، ونسبة القابل إلى المقبول بالإمكان، والوجوب والإمكان متنافيان، فلا يجتمعان.

وإلى هذا أشار بقوله: لتنافي لازميهما.(1)

واعترض(2) عليه: بأنّ كلاًّ من الفاعل والقابل إذا أُخذ وحده لم يجب معه وجود المفعول والمقبول، وإذا أُخذ مع جميع ما يتوقّف عليه المفعول والمقبول يجب وجودهما معاً، فلا فرق إذن بينهما في الوجوب والإمكان.

وأُجيب: بأنّ الفاعل قد يكون في بعض الصّور مستقلاًّ موجباً لمفعوله ، ولا يتصوّر ذلك(3) في القابل، إذ لابدّ من الفاعل لا محالة (4)، فالفعل وحده موجب في الجملة، والقبول وحده ليس بموجب أصلاً، فلو اجتمعا في شيء واحد من جهة واحدة، لزم إمكان الوجوب(5) وامتناعه.(6)


1 . أي لازم القبول ينافي لازم الفعل وحيث لا يجتمع اللاّزمان لا يجتمع الملزومان بداهة. مثلاً: لا يعقل أن يكون الجسم فاعلاً وقابلاً للبياض، وذلك لأنّ كون البياض معلولاً لازمه أنّه يجب حين وجود الجسم، وكون البياض مقبولاً لازمه أنّه يمكن وجود البياض حين وجود الجسم، وعلى هذا فلا يمكن أن يكون الجسم فاعلاً للبياض وقابلاً له.
2 . تعرّض له الفاضل القوشجي وأجاب عنه. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 126 ـ 127 .
3 . أي استقلاله وإيجابه .
4 . في كونه موجباً في صورة القابل .
5 . من جهة كونه فاعلاً وهوموجب في الجملة .
6 . من جهة كونه قابلاً.


صفحه 354

وما قيل: من أنّه لا يمتنع أن يكون للشّيء البسيط نسبتان مختلفتان بالوجوب والإمكان من جهتين بالقياس إلى شيء واحد، فيجب من جهة ولا يجب من جهة خروج عن محل النّزاع، إذ الكلام ; في أنّ البسيط لا يكون فاعلاً وقابلاً من جهة واحدة، لا من جهتين.

وقد يجاب عن أصل الاعتراض باختيار الشقّ الثّاني(1) فيقال: إنّ المعلول وإن توقّف وجوده على كلّ واحد من عللهِ، لكنّ الفاعل هو الّذي يقتضيه ويجعله واجب الحصول، لكون الوجود منه.

بخلاف القابل، فإنّه وإن فرض اجتماعه مع جميع ما يتوقّف عليه المعلول; ليس له استحقاق وجود المقبول فيه.

فالفاعل يوجب المعلول، والقابل لا يوجبه، بل يستحقّه.

وهذا معنى قولهم(2): «نسبة الفاعل إلى المفعول بالوجوب، ونسبة القابل إلى المقبول بالإمكان فلا يجتمعان إلاّ من جهتين» .

فما قيل: من أنّ الإيجاب من جهة الفاعليّة(3)، والإمكان أو امتناع الوجوب من جهة القابليّة،(4) فيكونان من جهتين، لا من جهة واحدة .

مدفوع: بأنّ إيجاب الفاعل للمفعول متقدّم على فعله. وكذا إمكان


1 . أي إذا أُخذ مع جميع ما يتوقّف عليه المفعول والمقبول .
2 . أي قول المشهور من الحكماء.
3 . المتحقّقة حال حصول المبدأ الّذي هو الفعل .
4 . المتحقّقة حال حصول المبدأ الّذي هو القبول .


صفحه 355

حصول المقبول في القابل متقدّم على قبوله. فلو كان الواحد الحقيقيّ فاعلاً لشيء وقابلاً له، لكان فيه قبل الفعل والقبول جهتان: جهةٌ بها يوجبه، وجهةٌ بها يستحقُّهُ، فلا يمكن أن يكون هما القابليّة والفاعليّة.

فخلاصة الدّليل: أنّ الفعل لابدّ له من وجوب سابق، والقبولُ لابدّ له من إمكان سابق، فلو كان الواحد الحقيقيّ فاعلاً لشيء وقابلاً له، لزمكون الشّيء الواحد واجباً وممكناً بالقياس إلى شيء واحد بعينه منجهة واحدة. والوجوب لشيء والإمكان بالقياس إلى ذلك الشّيء بعينه متنافيان، فكذا ملزوماهما ـ أعني: الفعل والقبول ـ سواء كانا بمعنى الفاعل، أو المفعول.

والأنسب بقواعد الحكميّة والأشدّ انطباقاً على قوانين التّحقيق، أن يقال في الاستدلال على هذا المطلب: أنّ الفاعل لا يَتعرَّى في حدّ ذاته عن مفعوله، فمفعوله واجب وثابت له في حدّ ذاته، سواء صدر أو انفصل(1) عنه أو لا، فنسبته إليه بالوجوب بهذا المعنى .

بخلاف القابل، فإنّه في حدّ ذاته يَتعرّى عن مقبوله ألبتة، وإلاّ لامتنع قبوله، فهو، أعني: المقبول بالإمكان مع القابل في حدّ ذاته، سواء قَبِلَهُ أو لم يَقبله.

فهما ـ أعني: الفعل والقبول ـ متنافيان بالذّات، فيكون المراد من القبول هو القبول عن الغير، ويقال له: القبول الانفعالي .


1 . في أ و ب: «صدر الفعل عنه».


صفحه 356

فيجوز أن يقبل الفاعل البسيط عن نفسه، بأن يصدر عنه ما يتّصف هو به.

وهذا هو القبول بمعنى مطلق الموصوفية لا بمعنى الانفعال.

ولهذا ذهب الشّيخ إلى; أنّ صور معقولاته تعالى قائمة به وصادرة عنه مع مبالغته في نفي اجتماع القبول والفعل.

وهذا معنى ما صرّح به في " التّعليقات (1)" وغيره ; من أنّ عنه وفيه في البسيط شيء واحد، فليتحفّظ به .


1 . التّعليقات: 219 .


صفحه 357

الحكم الثّالث

في نسبة العلّة إلى المعلول

قال: وتجب المخالفة بين العلّة والمعلول إن كان المعلول محتاجاً إلى العلّة لذاته وإلاّ فلا.

أقول: ومنها(1): أنّه تجب المخالفة الذاتيّة بين العلّة والمعلول(2) إن كان المعلول محتاجاً إلى العلّة(3) لذاته(4)، وماهيتّه، لئلاّ يلزم كون الماهيّة محتاجة إلى نفسها .

وإلاّ; أي وإن لم يكن المعلول محتاجاً إلى العلّة لذاته وماهيّته، بل كان الاحتياج في شخصيّته، فلا; أي فلا يجب المخالفة الذاتيّة.

وهذه مسألة عظيمة على حدة، قد بسط القول فيها الشّيخ في " إلهيات الشّفاء " في فصل مناسبة ما بين العلل الفاعليّة ومعلولاتها، فلننقل بعضاً منه لكثرة فوائده.

وهو أنّه قال: «ليس الفاعل كلّما أفاد وجوداً أفاده مثل نفسه.


1 . أي من أحكام الفاعل، وهذا هو الحكم الثّالث .
2 . بأن يكون ماهيّة المعلول مخالفة لماهيّة العلّة.
3 . كحاجة الحرارة لذاتها إلى النّار، فإنّ ماهيّة النّار تخالف ماهيّة الإحراق.
4 . في متن كشف المراد وشرح تجريد العقائد: «إن كان المعلول محتاجاً لذاته إلى تلك العلّة».


صفحه 358

وربّما أفاد وجوداً مثل نفسه.

وربّما أفاد وجوداً لا مثل نفسه، كـ «النّار تسوّد» أو كـ « الحركة تسخّن».

والفاعل الّذي يفعل وجوداً مثل نفسه، فإنّ المشهور أنّه أولى وأقوى في الطّبيعة الّتي يفيدها من غيره.

وليس هذا المشهور ببيّن ولا بحقّ من كلّ وجه، إلاّ أن يكون ما يفيده هو نفس الوجود والحقيقة، فحينئذ يكون المفيد أولى بما يفيده من المستفيد.

ولنَعُد من رأس فنقول: إنّ العلل لا تخلو:

إمّا أن تكون عللاً لمعلولات في نحو وجودِ أنفسها.

وإمّا أن تكون عللاً للمعلولات في وجود آخر.

مثالُ الأوّل: تسخين النّار.

ومثال الثّاني: تسخين الحركة، وحدوث التخلخل من الحرارة، وأشياء كثيرة مشابهة لذلك.

ولنتكلم على العلل والمعلولات الّتي تناسب الوجه الأوّل .

ولنورد الأقسام الّتي قد يظنّ في الظّاهر أنّها أقسامه.

فنقول: قد يظنّ في الوجه الأوّل: أنّه قد يكون المعلول في كثير منه(1) أنقص وجوداً من العلّة في ذلك المعنى، إن كان ذلك المعنى يقبل الأشدّ


1 . أي من الوجه الأوّل .


صفحه 359

والأنقص، مثل: «الماء إذا تسخّن عن النّار ».

وأنّه قد يكون في ظاهر النّظر مثله أيضاً، قَبِلَ ذلك(1) أو لم يقبل، مثل: النّار، فإنّها يعتقد فيها في الظّاهر، أنّها تحيل غيرها مثل نفسها ناراً في الظّاهر. فتكون مساوية لها في الصوّرة النّاريّة، لأنّ تلك الصّورة لا تقبل الأزيَد والأنقص والأقلّ. ومساوياً له في العَرَض اللاّزم من السّخونة المحسوسة، إذ كان صدور ذلك الفعل عن الصّورة المساوية لصورته وعنه أيضاً، والمادّة مساوية في التّهيؤ.

وأمّا كون المعلول أزيَد في المعنى الّذي من العلّة، فهو الّذي يرى أنّه لا يمكن ألبتة، ولا يوجد في الأشياء المظنونة عللاً ومعلولات، لأنّ تلك الزّيادة لا يجوز أن يكون حدوثها بذاتها، ولا يجوز أن يكون حدوثها بزيادة استعداد المادّة، حتّى يكون قد أوجب ذلك(2) خروج شيء إلى الفعل بذاته، فإنّ الاستعداد ليس سبباً للإيجاد.(3)

فإنْ جُعل سبُبها(4) العلّةُ والأثرُ الّذي وجد عن العلّة معاً، فتلك الزّيادة تكون معلولة لأمرين لا معلولة أمر واحد، وهما مجموعين يكونان أكثر وأزيد من المعلول الّذي هو الزّيادة .

فإن سلّمنا هذه الظّنون إلى أن نستبين حالها، ساغ لنا أن نقول: إنّه إذا


1 . أي الأشدّ والأنقص.
2 . أي زيادة الاستعداد.
3 . وإن كان مخصّصاً له .
4 . أي للزّيادة.


صفحه 360

كان المعنى في المعلول والعلّة متساوياً في الشدّة والضّعف فإنّه يكون للعلّة، بما هي علّة، التقدّم الذّاتي لا محالة في ذلك المعنى، والتقدّم الذّاتي الّذي له في ذلك المعنى معنى من حال ذلك المعنى، غير موجود للثّاني(1)، فيكون ذلك المعنى الأوّل(2) إذا أخذ بحسب وجوده وأحواله الّتي له من جهة وجوده، أقدم من الآخر.(3)

فيزول إذن مطلق المساواة، لأنّ المساواة تبقى في الحدّ، وهما (4) من جهة ما لهما ذلك الحدّ متساويان، وليس أحدهما علّة ولا معلولاً، فأمّا من جهة ما أحدهما علّة والآخر معلول، فواضح، أنّ اعتبار وجود ذلك الحدّ لأحدهما أولى، إذ كان له أوّلاً لا من الثّاني، ولم يكن للثّاني الاّ منه، فظاهر منه أنّ هذا المعنى إذا كان نفس الوجود لم يمكن أن يتساويا فيه ألبتة، إذ كان إنّما يمكن أن يساويه باعتبار الحدّ، ويفضل عليه باعتبار استحقاق الوجود والإنّ (5); فإنّ استحقاق الوجود هو من جنس الحدّ بعينه، إذا أخذ هذا المعنى نفس الوجود، فَبَيّن أنّه لا يمكن أن يساويه إذا كان المعنى نفس الوجود، فمفيد وجود الشّيء من حيث هو وجود أولى بالوجود من الشّيء.

ولكن هاهنا تفصيل آخر(6) ونوع من التّحقيق يجب أن لا تغفله، وهو


1 . أي المعنى الثّاني للمعلول .
2 . في المصدر: «مساوياً للأوّل».
3 . أي المعنى الّذي في المعلول .
4 . أي المعنيان .
5 . في المصدر: «والآن».
6 . وكلام المصنّف (رحمه الله) مأخوذ عن هذا التّفصيل .


صفحه 361

أنّ العلل والمعلولات تنقسم في أوّل النّظر عند الفكر إلى قسمين :

قسم يكون طباع المعلول فيه ونوعيّته(1) وماهيّته الذّاتية توجب أن يكون معلولاً(2) في وجوده لطبيعة أو لطبائع(3)، فيكون العلل مخالفة لنوعيّته، لا محالة، إذ كانت عللاً له في نوعه لا في شخصه، وإذا كان كذلك لم يكن النّوعان واحداً، إذ المطلوب علّة ذلك النّوع، بل تكون المعلولات يجب عن نوع غير نوعها، والعلل يجب عنها نوع غير نوعها، وتكون عللاً للشّيء المعلول ذاتيّةً(4) بالقياس إلى نوع المعلول مطلقاً .(5)

وقسم منه يكون المعلول ليس معلول العلّة، والعلّة علّة المعلول في نوعه بل في شخصه .

ولنأخذ هذا على ظاهر ما يقتضيه الفكر من التّقسيم،(6) وظاهر ما يوجد له من الأمثلة، وعلى سبيل التوسّع(7) إلى أن يبيّن حقيقة الحال الواجبة فيه من نظرنا في السّبب المعطى لصورة كلّ ذي صورة من الأجسام.


1 . أي نوعيّة المعلول .
2 . إذا كان بسيطاً.
3 . إذا كان مركّباً.
4 . قوله: «ذاتيّة» صفة لقوله: «عللاً».
5 . أي غير مقيّد بالوجود فقط.
6 . إشارة إلى أنّ هذه العلل ليست عللاً فاعليّة بالحقيقة بل الفاعل بالحقيقة المعطي للصّورة شيء آخر خارج عنه نوع هذه المقولات وإنّما وقع التّقسيم بحسب ظنّ الفكر وظاهر ما يوجد له الخ .
7 . لأنّ النّار ليست علّة لصورة نار أُخرى أي معطيها بل معدّ.


صفحه 362

فمثال الأوّل: كون النّفس علّة للحركة الاختياريّة. ومثال الثّاني: كون هذه النّار علّة لتلك النّار.

والفرق بين الأمرين معلوم، فإنّ هذه النّار ليست علّة لتلك النّار على أنّها علّةُ نوعيّةِ النّار، بل على أنّها علّة نار مّا، فإذا اعتبر من جهة النّوعية كانت هذه العلّة للنّوعية بالعرض.

وكذلك (1) الأب للابن لا من جهة ما هو أب وذلك ابن، بل من جهة وجود الإنسانيّة»(2). انتهى ما أردنا من كلام الشّيخ .


1 . أي وكذلك الأب علّة بالعرض للابن.
2 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 268 ـ 271 / الفصل الثالث من المقالة السادسة .


صفحه 363

الحكم الرّابع

في أنّه لايجب أن يكون مصاحب العلّة علّة

ومصاحب المعلول معلولاً

قال: ولايجب صدق إحدى النّسبتين على المصاحب.

أقول: ومنها(1): أنّه لا يجب، بل لايجوز أن يكون ما مع العلّة علّة، وإلاّ لزم اجتماع العلّتين.(2)

ولا أن يكون ما مع المعلول معلولاً، بل لا يجوز إذ فرضت (3) علّية العلّة لهما من جهة واحدة .

وإليه أشار بقوله: ولا يجب صدق إحدى النّسبتين (4) على المصاحب.(5)

وإنّما قال: «لا يجب» مع أنّه لا يجوز كما عرفت، لأنّه قد يصدق بالعرض(6) والمجاز لا بالذّات وعلى الحقيقة.


1 . أي من أحكام الفاعل، وهذا هو الحكم الرّابع.
2 . في مرتبة واحدة.
3 . في ب: «إذا فرض».
4 . أي نسبة العليّة والمعلوليّة.
5 . لأحدهما، فمصاحب العلّة ليس بعلّة ومصاحب المعلول ليس بمعلول، مثلاً حمرة النّار المصاحبة لها ليس علّة للإحراق، وكذا لو كان التّلازم بين الإحراق وبين شيء آخر لا يجب أن تكون النّار علّة لذلك المصاحب .
6 . يعني أنّ المصنّف حمل الصّدق على المعنى الأعمّ من الصّدق بالذّات والصّدق بالعرض فلهذا نفى الوجوب .


صفحه 364

الحكم الخامس

في أنّ العناصر لا يكون علّة ذاتيّة بعضها لبعض

قال: وليس الشّخص من العنصريّات علّة ذاتيّة لشخص آخر وإلاّ لم تتناه الأشخاص، ولاستغنائه عنه بغيره، ولعدم تقدّمه، ولتكافؤهما، ولبقاء أحدهما مع عدم صاحبه.

أقول: ومنها(1): أنّه لا يجوز أن يكون شخص من أشخاص النّوع الواحد علّة حقيقيّة لشخص آخر بحسب ذاته وماهيّته .

وإليه أشار بقوله: وليس الشّخص من العنصريّات(2) علّة ذاتيّة لشخص آخر.(3)

إنّما خصّ هذا الحكم بالعنصريّات، لتحقّق النّوع المتكثّر الأفراد فيها، بخلاف الفلكيّات .(4)

والغرض منه دفع ما يتراءى بحسب الظّاهر من كون هذه النّار علّة لتلك النّار، وأمثال ذلك كما مرّت الإشارة إليه (5) في كلام الشيخ .


1 . أي من أحكام الفاعل، فهو الحكم الخامس.
2 . كأفراد النّار مثلاً.
3 . في متن كشف المراد وشرح تجريد العقائد: «آخر منها».
4 . لعدم تكثّر الأفراد في نوع الفلكيّات .
5 . في الحكم الثالث من أحكام الفاعل .


صفحه 365

واحتج (1) عليه (2) بوجوه:

الأوّل: ما أشار إليه بقوله: وإلاّ (3) لم تتناه الأشخاص.

وتقريره: أنّه لو كان شخص من النّار مثلاً علّة ذاتيّة موجدة لشخص آخر منها، فإنّما يتصوّر ذلك بأن تكون النّاريّة الّتي في النّار علّة مقتضية لوجود ناريّة أُخرى ; هي النّاريّة الّتي في النّار المعلول، إذ ذلك هو معنى العلّية الذاتيّة الحقيقيّة.

فلو كانت تلك النّاريّة مقتضية لوجود هذه النّاريّة لكانت هذه النّاريّة أيضاً مقتضية لوجود ناريّة أُخرى، إذ هذه النّاريّة ناريّة، والفرض أنّ النّار لناريّتها مقتضية لوجود ناريّة أُخرى، فيلزم أن يكون النّاريّة الثّالثة أيضاً مقتضية لوجود ناريّة رابعة، وهكذا إلى غير النّهاية .

وهذا تسلسل في المعلولات، وقد دلّت أكثر البراهين المذكورة لإبطال التّسلسل في العلل على إبطال التّسلسل في المعلولات أيضاً(4) كما لايخفى.


1 . أي المصنّف (رحمه الله) .
2 . على امتناع تعليل أحد الشّخصين بالآخر .
3 . أي لو كان الشّخص علّة ذاتيّة لزم محاذير: الأوّل أنّه لم تتناه الأشخاص .
4 . لكن قال المعلم الثالث: «إنّما سلطان قضاءالبراهين في إحالة التّسلسل على التّصاعد في جانب العلل لا على التنازل في جانب المعلولات» وقال صدر المتألهين: «اعلم أنّ البراهين ناهضة على امتناع لا تناهي السلسلة المرتبة في جهة التصاعد والعلّية لا في جهة التنازل والمعلوليّة». لاحظ : تقويم الإيمان: 241 ; والقبسات: 233 ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / 167 ـ 168 .


صفحه 366

وأمّا ما قيل:(1) من أنّه إنّما يلزم ذلك لو كانت هذه النّاريّة لناريّتها علّة لتلك النّار(2)، وأمّا إذا كانت علّة لشخصيّتها، فلا يلزم ذلك .

فممّا (3) لا يذهب الوهم إليه أصلاً، وكيف يذهب الوهم إلى تجويز كون شخصيّة هذه النّار علّة لناريّة تلك النّار؟(4)

بل لو ذهب فإنّما يذهب إلى كونها علّة لشخصيّة تلك النّار لالناريّتها .

لكن ذلك ليس معنى العلّية الحقيقيّة، بل الإعداديّة، وليس المقصود نفيها، بل هو الواقع.

الثّاني: أنّ هذا الشّخص من النّار مثلاً مستغن في وجوده عن الّذي يظنّ كونه علّة له لشخص آخر منها، إذ كلّ شخص يفعل ما يفعل هذا الشّخص، وليس هذا شأن العلّة الذّاتيّة الموجدة.

فظهر أنّ ما يفعله ليس إلاّ إعداداً (5) لا إيجاداً، فهذه النّار ليست إلاّ علّة مُعِدّة لتلك النّار.


1 . القائل هو الشارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 127 .
2 . لاشتمال تلك النّار على النّاريّة أيضاً محال يلزم التّسلسل .
3 . أي ما قيل ممّا لا يذهب الوهم إليه أصلاً.
4 . من دون توسط شخصيّتها.
5 . وليس للإعداد بمجرّد النّاريّة بل مع شرائط لها مدخل في حصوله كالمقابلة والمجاورة وعدم المانع وغيره .


صفحه 367

وهذا معنى قوله: ولاستغنائه عنه (1) بغيره.

الثّالث: أنّه لا تقدّم بالذّات لشخص من أشخاص النّوع الواحد على شخص آخر منها بحسب الماهيّة النّوعيّة(2)، مثلاً ليست نار أقدم في ناريّتها من نار أُخرى، ولو كانت علّة بالذّات لما كان كذلك. وهذا معنى قوله: ولعدم تقدّمه .

الرّابع: أنّ أفراد النّوع الواحد متكافئة لتماثلها، فليس بعضها أولى بالعلّية من بعض(3).

وهذا معنى قوله: ولتكافؤهما.(4)

الخامس: أنّ العلّة الذّاتيّة يجب وجودها مع المعلول، والنّار الّتي يظّن كونها علّة لنار أُخرى قد تنطفئ وتنعدم مع بقاء النّار الثّانية.(5)


1 . أي هذا الفرد المعلول عن هذا الفرد العلّة من سائر الأفراد، إذ ليس العناصر بعضها أولى بأن يكون علّة ذاتيّة لبعضها من غيره، بل نسبة كلّ العناصر في ذلك سواء فيستغني ما فرضنا معلولاً عمّا فرضنا علّة بغير ذلك المفروض هذا خلف. وعلى هذا فيكون الفرد معدّاً لوجود فرد آخر لا علّة ذاتيّة له. انظر : شرح تجريد العقائد: 127 ; وكشف المراد: المسألة التّاسعة من الفصل الثالث .
2 . لأنّ الذّاتي لا تقبل التّشكيك.
3 . وتقريره حَسب بيان العلاّمة وهو أنّ الماء والنّار مثلاً متكافئان في أنّه ليس النّار أولى بأن تكون علّة للماء من العكس، والمتكافئان لا يصلح أن يكون أحدهما علّة للآخر. لاحظ: كشف المراد: المسألة التّاسعة .
4 . أي الشّخصين اللّذين أحدهما علّة والآخر معلول.
5 . استشكل الشّارح القوشجي على هذه الوجوه الخمسة حول امتناع تعليل أحد الشّخصين بالآخر. أنظر: شرح تجريد العقائد: 127 .


صفحه 368

وهذا معنى قوله: ولبقاء أحدهما مع عدم صاحبه.

واعلم: أنّ هذه وجوه(1) إقناعيّة وتنبيهات على فساد الوهم المذكور، وإلاّ فقد مرّ وجوب المخالفة بين العلّة الذّاتيّة ومعلولها آنفاً .


1 . إشارة إلى اعتراضات الشارح القوشجي.


صفحه 369

الحكم السّادس

في كيفيّة صدور الأفعال الاختياريّة منّا (1)

قال: والفعل منّا يفتقر إلى تصوّر جزئي ليتخصّص به الفعل وإلى شوق ثمّ إرادة ثمّ حركة من العضلات ليقع منّا الفعلُ والحركةُ إلى مكان تَتبعُ إرادة بحسبها.

وجزئيّات تلك الحركة تَتبَعُ تخيّلات وإرادات جزئيّةً، يكون السّابقُ من هذه التخيّلات علّة للسّابق من تلك الجزئيّات المعدّةِ لحصول تخيّلات وإرادات أُخرى .

فتّتصل الإرادات في النّفس، والحركات في المسافة إلى آخرها.

أقول : ومنها (2) : كيفيّة صدور الأفعال الاختياريّة عن الأنفس الحيوانيّة وبيان مباديها، وهي أربعة: التّصوّر، والشّوق، والإرادة، والحركة .

وإلى هذا أشار بقوله: والفعل(3) منّا(4); أي صدور فعل جزئيّ منّا، لأنّ الصّادر منّا جزئيّ من جزئيّات الفعل الكلّي لا محالة يفتقر إلى تصوّر جزئيّ ;


1 . راجع لمزيد التحقيق إلى: شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 411 ـ 426 والنمط الثالث ; وشرح تجريد العقائد: 127 ـ 128 .
2 . أي من احكام الفاعل، وهذا هو الحكم السادس.
3 . في متن كشف المراد: «الفاعل منّا». الظاهر أنّه خطأ في الكتابة.
4 . أي الفعل الاختياري منّا بخلاف الفعل الاختياري من غيرنا يفتقر إلى مبادئ أربعة: وهي في قوله (رحمه الله): «تصوّر جزئيّ، ثمّ شوقي، ثمّ إرادة، ثمّ حركة من العضلات».


صفحه 370

أي إلى تخيّل ذلك الفعل الجزئيّ، (1) لأنّ التصوّر إنّما يصير جزئيّاً في الخيال، ولا يتوقّف على وجوده كما يتوهم، ليلزم من توقّف وجوده على تصوّره الجزئي دور .

وإنّما يفتقر إلى تخيّله ليتخصّص به الفعل الكلّي، ويصير جزئيّاً، فإنّ صيرورة الكلّي جزئيّاً قبل وجوده إنّما يكون في الخيال .

وإلى شوق (2); أي ميل حسيّاً كان أو عقليّاً، تابع لتخيّله من حيث هو ملائم ولذيذ، سواء كان مطابقاً للواقع أو لا، إلى طَلبه وجَلبه، (3) ويسمّى شهوةً إذا كانت الملائمة واللّذة حسّية غير عقليّة، أو من حيث هو مكروه، وغير ملائم كذلك (4) إلى دَفعه ومَنعه، ويسمّى غضباً .

ثمّ إلى إرادة (5) جازمة حيث لم يكن مانع وتردّد، ولذلك أتى بـ «ثمّ» ويسمّى الإجماع .

ومغائرة الإجماع ـ أعني : الإرادة الجازمة ـ للشّوق ظاهرة، فإنّ الإنسان قد يشتاق ولا يعزم.(6)


1 . كأن يتصوّر شرب هذا الماء لا الشرب الكلّي، لأنّ التّصور الكلّي لا يكون سبباً لفعل جزئي، إذ تصوّر الكلّي بالنسبة إلى جميع الأفراد متساوي فلا أولوية لوقوع بعضها دون بعض.
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
3 . قوله: «إلى طلبه وجلبه» متعلّق لقوله: «إلى شوق».
4 . أي سواء كان مطابقاً للواقع أم لا.
5 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
6 . لوجود مانع.


صفحه 371

وأمّا مغائرة مطلق الإرادة للشّوق مطلقاً (1) فغير ظاهرة، ولعلّها غير لازمة.

فإن قلت (2): الإنسان قد يريد ولا يشتاق، كما في إرادة تناول الدّواء البَشِعِ. فظهر أنّ الأربعة غير ضروريّة في كلّ فعل، بل في الغالب.

قلت: المنفي هناك الشّهوة لا الشوق مطلقاً، فإنّ من اعتقاد النّفع ينبعث شوق عقليّ لا محالة، وإن لم يسمّ شهوة، كما أشرنا إليه.

ثمّ إلى حركة من العضلات ليقع منّا الفعل متعلّق بالحركة.

و«ثمّ» هذه لتفاوت ما بين المرتبتين، حيث كانت إحداهما من النّفس والأُخرى من البدن.

فإن قيل:(3) الحركة على مسافة يكفي فيها إرادة متعلّقة بقطع جميعها ناشئة من تصوّر الحركة عليها (4)، مع أنّها مشتملة على حدود يقطعها المتحرّك من غير أن يتصوّرها بخصوصها ويتعلّق إرادته بالحركة إليها والحركة عنها، بل تلك الإرادة الكلّية (5) المتعلّقة بقطع تلك المسافة بأسرها كافية في حدوث تلك الحركات الجزئيّة المتعلّقة بتلك الحدود، فظهر أنّ صدور الأفعال الجزئيّة عنّا، لا يتوقّف على تصوّرات جزئيّة، وإرادت كذلك.


1 . أي سواء كان شوقاً إلى الطّلب والجلب أو شوقاً إلى الدّفع والمنع حسيّاً كان أو عقليّاً .
2 . القائل هو الشارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 128 .
3 . نقله الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 128 .
4 . أي المسافة.
5 . أي بالنّسبة إلى الحدود.


صفحه 372

قلنا: المتحرّك على مسافة يتخيّلها أوّلاً، وينبعث منه (1) إرادة كلّية متعلّقة بقطع المسافة جميعاً.

ثم إنّه يتخيّل حدّاً جزئيّاً من حدوده، (2) وينبعث من تخيّله ذلك إرادة جزئيّة متعلّقة بقطع جزء من المسافة واقع بينه (3)وبين ذلك الحدّ.(4)

وبعد قطعه إيّاه يتخيّل حدّاً آخر وهكذا، فلو انقطع بعد وصوله إلى حدّ معيّن من حدودها تخيّله لحدّ آخر بعده انقطعت حركته ولم يتجاوز ذلك الحدّ الّذي وصل إليه ويبقى واقفاً.

فكلّ جزء من أجزاء المسافة يتعلّق به تخيّل، وينبعث منه إرادة جزئيّة يترتّب عليها الحركة على ذلك الجزء ويكون كلّ سابق من الإرادات علّة لسابق من الحركات، وكلّ سابق من الحركات مُعدّة لحركة أُخرى. وتتّصل الإرادات في النّفس والحركات في المسافة، حتّى ينتهي إلى آخر المسافة.

فهذه التخيّلات والإرادات مستمرّة استمرار الحركات. وكما أنّ استمرار الحركات لا يمنع شخصيّتها، ولا يقتضي كونها كلّية، كذلك استمرار التخيّلات والإرادات هكذا متجدّدة ومتصرّمة لا يمنع جزئيّتها، ولا يقتضي كلّيتها.


1 . أي من تخيّل المسافة.
2 . كان الأنسب أن يقول: «من حدودها».
3 . أي بين الشخص والمتحرّك.
4 . الّذي تخيّله.


صفحه 373

وإلى هذا السّؤال والجواب أشار بقوله: والحركةُ (1) إلى مكان تَتبعُ إرادةً بحسبها .(2) وجزئيّاتُ تلك الحركة تَتبعُ تُخيّلات وإرادات جزئيةً، يكون السّابقُ من هذه التخيّلات (3) والإرادات الجزئيّة علّةً للسّابق من تلك الجزئيّات من الحركة المعدّةِ صفة(4) «للسّابق من تلك»، لكونه حركة(5) لحصول تخيّلات وإرادات (6) أُخرى. فتتّصل الإرادات في النّفس والحركات في المسافة إلى آخرها (7) أي آخر المسافة.

واعلم: أنّ الحركة تتشخّص بتشخّص المسافة والمتحرّك والقوّة المحرّكة، فكلّ حركة واقعة في مسافة معيّنة صادرة عن متحرّك بعينه بقوّة محرّكة بعينها فهي جزئيّة ويكفي في صدورها تصوّر جزئي متعلّق بها تعلّقاً تدريجياً حسب انفراض الأجزاء فيها.

واشتمال كلّ مسافة بالقوّة على أجزاء، كلّ منها مسافة، وكلّ حركة على أجزاء كلّ، منها حركة لا يخرج المسافة والحركة عن الجزئيّة ولا يجعلها كلّية.


1 . أي الاختياريّة لا الاضطرارية. في تجريد العقائد; ومتن شرح تجريد القوشجي: «والحركة الاختياريّة» .
2 . أي حسب تلك الحركة.
3 . قد سقطت عن متن كشف المراد: لفظة «التّخيّلات» .
4 . لقوله: «للسّابق من تلك».
5 . أي لكون السابق عبارة عن الحركة، فيكون في المعنى مؤنثّاً فتأنيث صفته إنّما هو لرعاية معناه.
6 . قد سقطت عن متن كشف المراد ; والبراهين القاطعة للأسترآبادي: جملة «تخيّلات وإرادت».
7 . في متن كشف المراد: «آخرهما».


صفحه 374

ولا ينفصل ولا يتعدّد تلك المسافة والحركة إلاّ بالفرض. فإذا تحرّكنا في مسافة معيّنة، فلو لم يفرض ولم يخطر ببالنا حدّ من حدودها في أثنائها، وذلك لقلّتها (1) جدّاً، كَفَتنا إرادة واحدة في صدور تلك الحركة الواقعة في تلك المسافة عنّا.

فإذا خطر ببالنا حدّ من حدود المسافة، وإنّه لابدّ أن نصل إليه أوّلاً، ثمّ نتجاوزه إلى آخر انفصلت إرادتنا الأُولى إلى إرادتين تتعلّق كلّ واحد منهما بقطعة من المسافة.

وكون المسافة قابلة للتّجزئة إلى غير النّهاية، لا يستلزم تصوّرنا لجميع تلك الأجزاء الغير المتناهية مفصّلة، بل كلّما خطر ببالنا من تلك الأجزاء يجب أن يتعلّق به تصوّر وإرادة حركة بحسبه، إلاّ أنّه لابدّ من خطور من بعد خطور، لكون الحركة تدريجيّة لابدّ لها من مبدأ تدريجيّ، كما سننقله عن الشّيخ.

لكنّه لا يجب أن يكون الخطور بقدر الأجزاء الفرضيّة الغير المتناهية، فليس معنى التّدريج أن يحصل الأجزاء الممكنة الانفراض إلى الفعل ليلزم هناك صور غير متناهية بالفعل .

وذهولنا عن تلك الخطورات أحياناً، لا يدلّ على عدمها، لأنّ ذلك من قبيل عدم العلم بالعلم، وهو جائز .

على أنّ الذّهول عن أجزاء المسافة غير مسلّم، بل الواقع أحياناً هو


1 . أي المسافة.


صفحه 375

الغفلة من حدود مفروضة في نهايات تلك الأجزاء، وخطورها غير لازم أصلاً.(1)

نعم، بسبب (2) الاعتياد(3) ، والتمرّن، وملكة النّفس الحركة الاختياريّة، قد لا يحتاج إلى التوجّه التامّ في ملاحظة أجزاء المسافة (4)، فيشتبه ذلك بالذّهول مطلقاً، فليتدبّر جدّاً.

إذا عرفت ذلك عرفت أنّه لا يرد (5) ما اعترض به على هذا الجواب: «من أنّ الإنسان يجد من نفسه في كثير من حركاته أنّه يقصد نهايتها ويتوجّه إلى تلك النّهاية مع ذهوله عن الحدود الواقعة في أثنائها: إمّا لغفلته عنها، أو لاشتغال نفسه بشاغل، فلا يكون صدور الفعل الجزئيّ متوقّفاً على التصوّر الجزئيّ.

وأيضاً فالّذي يتوقّف عليه صدور الحركة، إن كان تخيّل كلّ واحد من الحدود الغير المتناهية الّتي تفرض في المسافة، كان يقتضي ذلك صوراً غير متناهية. وإن كان تخيّل بعضها دون بعض، كان ترجيحاً بلا مرجّح، مع أنّه يقتضي ذلك جواز صدورالحركة على كلّ المسافة كما جاز على بعضها، من غير قصد إلى شيء من أجزائها.


1 . لعدم وقوع الحركة عليها.
2 . قوله: «بسبب» متعلّق بقوله: «لا يحتاج».
3 . في ب و ج: «الاعتبار».
4 . في ج: كلمة «المسافة» ساقطة.
5 . ذكره الشّارح القوشجي ونقل جواب المحقّق الشريف عنه. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 128 ـ 129 .


صفحه 376

وأيضاً كيف تتّصل حينئذ التخيّلات والإرادات.

ووجه عدم الورود ظاهر ممّا ذكرنا، ولا حاجة لذلك الإيراد إلى ما ذهب إليه المحقّق الشّريف: من أنّ هذا الإيراد والسّؤال الأصل(1) والجواب عنه كلّها مبتنية على توهّم وجود الحركة بمعنى القطع، وهو باطل كما سيأتي.

بل الموجود في الخارج إنّما هو الحركة بمعنى التوسّط، وهي أمرٌ واحدٌ شخصيٌّ غير منقسم بانقسام المسافة، باق من مبدأ المسافة إلى منتهاها، فيكفي فيها تخيّل المسافة بأسرها إجمالاً (2)، وإرادة متعلّقة بالحركة عليها .

ولا حاجة إلى تخيّل الحدود المفروضة فيها، وتوجّه القصد إليها بخصوصها. فصدور الحركة لا يرد نقضاً على القاعدة القائلة: «إنّ كلّ فعل جزئيّ يحتاج إلى تصوّر وإرادة جزئيّتين»، هذا محصّل كلامه.(3)

وذلك لأنّه لا ابتناء لشيء من (4) هذه على وجود الحركة بمعنى القطع في الخارج، بل وجودها في نفس الأمر يكفي لذلك، فإنّ الوجود في نفس الأمر لابدّ له من مبدأ وعلّة لا محالة.

بل المتحرّك بالاختيار في مسافة يقصد غالباً إلى إصدار هذا المرتسم في الخيال المسمّى بالحركة بمعنى القطع، فإنّ ذلك أظهر المعنيين المعلوم


1 . أي المعنون بقوله فإن قيل .
2 . فهذا التّخيّل أمرٌ واحدٌ جزئيٌّ ثابت فكذلك معلوله أمر جزئيّ ثابت وهو الكون بين المبدأ والمنتهى .
3 . لم نعثر على مصدره.
4 . أي من الإيراد والسّؤال الأصل والجواب عنه.


صفحه 377

لكلّ أحد، والحركة بمعنى التوسّط لا يفهمها إلاّ الخواصّ.

وأيضاً الحركة التّوسطيّة وإن كان أمراً واحداً شخصيّاً، لكن يختلف نسبتها إلى اجزاء المسافة، ولا يجوز أن يصدر عن الأمر الثّابت وَحدَهُ أمرمختلف النّسبة .

صرّح به الشّيخ في " إلهيات الشّفاء " في فصل «أنّ المتحرّك القريب للسماويّات لا طبيعة ولا عقل بل نفس» حيث قال:

«ونقول: إنّه لا يجوز أن يكون مبدأ حركته القريب قوّة عقليّة صرفة لا تتغيّر ولا يتخيّل الجزئيّات ألبتة .

وكأنّا قد أشرنا إلى جمل ممّا تعين في معرفة هذا المعنى في الفصول المتقدّمة، إذ أوضحنا أنّ الحركة معنى متجدّد النّسب، وكلّ شطر منه مختص بسبب (1) وأنّه لاثبات له، ولا يجوز أن يكون عن معنى ثابت ألبتة وحده (2); فإن كان عن معنى ثابت، فيجب أن يلحقه ضرب من تبدّل الأحوال. انتهى ».(3)

ولا شك أنّ تخيّل المسافة إجمالاً أمر ثابت، فلا يكفي في وقوع الحركة، بل لابدّ من أمر غير ثابت، وهو الّذي ذكرنا من الخطورات التّدريجيّة.


1 . في المصدر: «ينسب».
2 . وإلاّ لكانت جميع أجزائها موجودة بالفعل.
3 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 383 ـ 384 / الفصل الثاني من المقالة التّاسعة.


صفحه 378

الحكم السّابع

في أنّ القوى الجسمانيّة لا تؤثّر إلاّ بمشاركة الوضع

قال: يُشترط في صدق التّأثير على المقارن الوضعُ.

أقول: ومنها (1): أنّه يُشتَرط في صدق التّأثير (2) على الفاعل المقارن للمادّة، كالصوّرة القائمة بالموادّ والأعراض الحالّة في الأجسام الوضع; أي وضع خاصّ بينه وبين ما يؤثّر فيه، لأنّ تأثيره يتوقّف على وجوده، ووجوده محتاج إلى الوضع، فكذا ما يترتّب على وجوده.

ولذلك كانت النّار لا تسخن أيّ شيء اتّفق، بل ما كان ملاقياً لمادّتها، أو ماله وضع خاصّ بالقياس إليها. وكذا الشّمس ; لا تُضِيء كلّ شيء اتّفق، بل ما كان مقابلاً لجرمها. إلى غير ذلك ممّا لا يحصى من الأمثلة.

وذلك لضعف الموجود الوضعي في الوجود والتّأثير، حيث لا يصل أثره إلاّ إلى موجود آخر بينه وبينه قرب خاصّ ووضع مخصوص، ولا يقوى على أن يُبدِع موجوداً، أو يؤثّر في أيّ موجود كان.

بخلاف الوجود المجرّد، (3) فإنّه لقوّته قد يبدع موجوداً، ولا يتوقّف


1 . أي من أحكام الفاعل، وهذا هو الحكم السّابع.
2 . أي صدق كون الشيء علّة.
3 . أي غير المتقارن عن المادّة.


صفحه 379

تأثيره على أن يكون هناك موجود آخر من مادّة أو موضوع ليقع أثره عليه، وإذا أثر في موجود آخر لا يتوقّف تأثيره فيه على أن يكون ذلك الموجود الآخر غيرذي وضع مثله، كما يتوقّف تأثير ذي الوضع في غيره على كون ذلك الغير ذا وضع مثله .

فلا يرد: أنّه كما أنّ المادّي يتأثّر عن المجرّد بلا وضع بينهما، لِمَ لا يجوز أن يكون مؤثّراً في المجرّد بلا وضع بينهما؟ وأيّ فرق في ذلك بين التّأثير والتأثّر؟

وذلك لأنّ الفرق إنّما هو القوّة والضّعف في الوجود، والتّأثير كما عرفت.

وأمّا تأثّر النّفس النّاطقة عمّا ترتسم في قواها المتخيّلة والمتوهّمة، فإنّما هو لكونها متعلّقة بالأجسام ومحتاجة إليها نوعاً من الاحتياج ـ أعني: الاحتياج في الفعل والتّأثير ـ فلا استحالة أيضاً في تأثّرها عنها بوجه مّا .

قال الإمام في المباحث المشرقيّة: «كلّ قوّة يقتضي أمراً وفعلاً فلا يخلو:

إمّا أن يكون تأثيرها مختصّاً بمحلّ معيّن، حتّى يكون تأثيرها في غير ذلك المحلّ مترتّباً على تأثيرها في ذلك المحلّ، حتّى يكون كلّ ما كان أقرب من ذلك المحلّ كان أولى بقبول ذلك الأثر.

وإمّا أن لا يكون كذلك، فلا يكون تأثيرها في جسم مترتّباً على تأثيرها في جسم آخر .


صفحه 380

مثال الأوّل: القوّة النّاريّة، فإنّها لمّا كانت حالّة في جسم معيّن كان حصول السّخونة من تلك القوّة أوّلاً في ذلك المحلّ وبواسطته في ساير المحال. ويكون كلّ ما كان قربه إلى ذلك المحلّ أكثر كان وصول السّخونة إليه أقدم.

فالقوّة متى كانت كذلك عرفنا أنّ لها تعلّقاً بذلك الجسم المعيّن :

إمّا لاحتياجها في ذاتها إلى ذلك الجسم، مثل: القوّة النّاريّة.

وإمّا لاحتياجها في فاعليّتها إلى ذلك الجسم، مثل: النّفوس .

وعند ذلك نقول لتلك القوّة: إنّها تفعل بمشاركة المادّة، وبمشاركة الوضع. ونعني بذلك أنّ الجسم مالم يكن له قرب ما استحال أن يصدر الأثر عنها فيه.(1)

وأمّا القوّة الّتي لا يتوقّف تأثيرها في فعلها إلاّ على كون ذلك الفعل ممكن الحدوث في ذاته، وتكون إفاضته غير مختصّة بشيء من الأجسام، فيجب أن لا تكون لتلك القوّة تعلّق بشيء من الأجسام ; لا في ذاتها، ولا في فاعليّتها، بل كانت غنيّة عن الأجسام من كلّ الوجوه غير جسمانيّة، بل مجرّدة مفارقة.

وعند هذا التّحقيق: يظهر أنّ القوّة الجسمانيّة يمتنع أن يكون تأثيرها في وجود المجرّدات، لأنّ القرب والبعد مع ما لا حيّز له، ولامكان له محال.

إذا ثبت ذلك; ثبت أنّ القوّة الجسمانيّة لا تأثير لها في وجود الهيولى


1 . في المصدر: «قرب من محلّه أن يقبل الأثر منه».


صفحه 381

والصّورة المقوّمة، فلا يكون لها تأثير في وجود شيء من الأجسام.

وعند هذا يبطل شكّ من يقول: كما أنّ الجسمانيّ لا نسبة له إلى المجرّدات بالقرب والبعد، كذلك المجرّد لا نسبة له إلى الجسمانيّ بالقرب والبعد، فوجب أن لا ينسبوا وجود الأجسام إلى المجردات .

فإنّا نقول: إنّ مؤثريّة المجرّد يكفي في تحقّقها كون الأثر في ذاته ممكناً، فمتى تحقّق ذلك الإمكان فاض الأثر عنه .

فأمّا مؤثريّة القوى الجسمانيّة، فلا يكفي فيها كون الأثر ممكناً فقط، بل وأن يكون محل الأثر له قرب من محل القوّة الجسمانيّة، وذلك على المجرّد محال»(1). انتهى كلامه وهو لا غبار عليه .

واعلم أنّه إنّما قال المصنّف: «ويشترط في صدق التّأثير على الفاعل المقارن الوضع» مع أنّه يكفي أن يقول: ويشترط في تأثير المقارن الوضع، لأنّ غرضه ليس مقصوراً على بيان اشتراط تأثير المقارن بالوضع فقط ، بل أن يجعل ذلك قانوناً يعرف به تأثير المقارن عن تأثير المجرّد.

فإنّه كثيراً ما يشتبه، حيث يمكن استناد الآثار إلى المجرّد والمقارن بحسب الظّاهر كما في الآثار الصّادرة عن الإنسان، لاشتماله على المبدأ المجرّد والمبادئ المقارنة، وكما في الآثار الصّادرة عن الطّبائع، وغيرها من الممكنات، حيث اشتبه على الأشاعرة، فزعموا استنادها جميعاً إلى الواجب


1 . المباحث المشرقيّة: 1 / 500 ـ 501 / الفصل الثّاني عشر من الفنّ الرّابع .


صفحه 382

الوجود وابتداءً من غير واسطة حتّى تسخين «النّار» وتبريد «الماء» إلى غير ذلك .

فبذلك القانون يظهر: أنّ كلّ تأثير يكون بتوسّط وضع خاصّ بين ما هو محلّ التّأثير بحسب الظّاهر، وبين المتأثّر، فإنّما هو من المقارن لذلك المحلّ لا من المجرّد. وكلّ تأثير لا يكون بتوسط الوضع، فهو من المجرّد لا من المقارن، فصدق التّأثير على المقارن ـ أي أن يصدق على المقارن أنّه مؤثّر ـ مشروط بالوضع، بمعنى أنّه لولا توسّط الوضع بين محلّ المقارن الّذي يظنّ كونه مؤثّراً، وبين محلّ الأثر، لم يصدق على ذلك المقارن أنّه مؤثّر ذلك الأثر، هذا.


صفحه 383

الحكم الثّامن

في تناهي آثار القوى الجسمانيّة

قال: والتّناهي بحسب المدّة والعدّة والشدّة الّتي باعتبارها يصدق التّناهي وعدمه الخاصُّ على المؤثّر لأنّ القسري يختلف باختلاف القابل ومع اتّحاد المبدأ يتفاوت مقابلُه.

والطّبيعي يختلف باختلاف الفاعل لتساوي الصّغير والكبير في القبول، فإذا تحرّكا مع اتّحاد المبدأ يلزم التّناهي.

أقول: ومنها (1): أنّ الفاعل والمؤثّر إذا كان جسمانيّاً يجب أن يكون آثاره متناهية .

وإليه أشار بقوله: والتّناهي، عطف على الوضع; أي ويشترط في صدق التّأثير على المقارن التّناهي، فذلك قانون آخر.

فكلّ مقارن (2) يُظنّ كونه مؤثِّراً بأثر مخصوص، فما لم يعلم كون أثره ذلك متناهياً لم يصدق عليه ولم يحكم بأنّه مؤثّر ذلك الأثر .

ولو علم كون أثره ذلك غير متناه، يجزم بأنّ ذلك المقارن المظنون


1 . أي من أحكام الفاعل، وهذا هو الحكم الثّامن .
2 . أي مقارن مع المادة.


صفحه 384

كونه مؤثّراً ليس مؤثّر ذلك الأثر الغير المتناهي، بل مؤثّره مجرّد متعلّق بذلك المقارن، وذلك لوجوب كون تأثير المقارن متناهياً، كما يستدلّ (1) عليه .

ومن أجل عدم التفطّن لما ذكرنا من أمر القانونين تَحيّرُوا في هذا العطف .

فقال المحقّق الشّريف (2): والظّاهر من هذا العطف، توقّف تأثير القوّة الجسمانيّة على التّناهي، كتوقّفه على الوضع. لكن الظّاهر كما هو المفهوم من كلامهم أنّ التّأثير متوقّف على الوضع ومستلزم للتناهي. ولعلّ المراد في المعطوف ; الاستلزام اللاّزم للاشتراط.(3)

وقال غيره غير ذلك ممّا لا جدوى له .

ثمّ إنّ المصنّف (قدس سره) قال في " شرح الإشارات ": «النّهاية واللاّنهاية من الأعراض الذّاتيّة الّتي تلحق الكم لذاته، ويلحق كلّ ما له أو لشيء يتعلّق به كميّة بسبب تلك الكميّة.

فمنها: (4) ما يعرض للكم المتّصل وهو تناهي المقدار ولا تناهيه.

ومنها: ما يعرض للكم المنفصل ; وهو تناهي العدد ولا تناهيه،


1 . أي المصنّف (رحمه الله) بقوله فيما بعد: «لأنّ القسري يختلف باختلاف القابل الخ».
2 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 129 .
3 . يعني ذكر الاشتراط وأريد منه لازمه الّذي هو الاستلزام كناية ليصح عطف التّناهي على الوضع.
4 . أي من الأعراض .


صفحه 385

والمقدار نفسه ; كما يمكن فرض لا نهايته في الازدياد لا نهايةَ المقادير ـ أعني: تزايد الاتّصال ـ فقد يمكن فرض لا نهايته في الانتقاص لا نهايةَ الأعداد، أعني: مراتب الانفصال .(1)

والشّيء الّذي له مقدار كـ «الجسم» أو عدد كـ «العلل » ففرض النّهاية واللاّنهاية فيه ظاهر .

وأمّا الشّيء الّذي يتعلّق به شيء ذو مقدار أو عدد، كالقوى الّتي يصدر عنها عمل متّصل في زمان أو أعمال متوالية لها عدد، ففرض النّهاية واللاّنهاية; فيه يكون بحسب مقدار ذلك العمل، أو عدد تلك الأعمال .

والّذي بحسب المقدار يكون: إمّا مع فرض وحدة العمل (2) واتّصال زمانه، أو مع فرض الاتّصال في العمل (3) نفسه لا من حيث يعتبر وحدته أو كثرته .

فالقوى بهذه الاعتبارات تكون ثلاثة أصناف:(4)

الأوّل: قوى تفرض صدور عمل واحد منها في أزمنة مختلفة، كـ «رماة يقطع سهامهم مسافة محدودة في أزمنة مختلفة ».


1 . يعني لا يصل الانفصال والانقسام إلى مرتبة لا يقبل الانقسام والانفصال بعدها وإلاّ لزم الجزء.
2 . أي يكون عمل واحد يقع في أزمنة مختلفة، فإن وقع ذلك العمل في الزّمان الّذي في غاية القصر بل في الآن، فالقوّة غير متناهية، وإلاّ فمتناهية، أفاده صاحب المحاكمات; لاحظ: الإلهيّات من المحاكمات بين شرحي الإشارات: 263 / النمط السادس.
3 . أي لا تعتبر وحدة العمل بل يكون المعتبر هو امتداد الزّمان فقط. لاحظ: المصدر السّابق.
4 . والّذي بحسب المقدار يكون قسمين منها والّذي بحسب العدد يكون قسماً منها.


صفحه 386

ولا محالة تكون الّتي زمانها أقلّ أشدّ قوّة من الّتي زمانها أكثر .

ويجب من ذلك أن يقع عمل غيرالمتناهية لا في زمان.

والثّاني: قوى يفرض صدور عمل مّا(1) منها على الاتّصال في أزمنة مختلفة كـ «رماة تختلف أزمنة حركات سهامهم في الهواء ».

ولا محالة تكون الّتي زمانها أكثر أقوى من الّتي زمانها أقل .

ويجب من ذلك أن يقع عمل غير المتناهية في زمان غير متناه.

والثّالث: قوى يفرض صدور أعمال متوالية عنها مختلفة بالعدد كـ «رماة تختلف عدد رميهم ».

ولا محالة تكون الّتي يصدر عنها عدد أكثر أقوى من الّتي يصدر عنها عدد أقلّ .

ويجب من ذلك أن يكون لعمل غير متناهية عدد غير متناه .

فالاختلاف الأوّل بالشدّة، والثّاني بالمدّة، والثّالث بالعدّة. انتهى »(2).

وإلى هذا أشار هاهنا بقوله: بحسب المدّة والعدّة (3) والشدّة الّتي(4)باعتبارها يصدق التّناهي وعدمه الخاصُّ; أي عدم التّناهي عمّا من شأنه أن يكون متناهياً على المؤثّر بالنّظر إلى آثاره .


1 . أي من غير اعتبار وحدته وكثرته.
2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 175 ـ 176 .
3 . أي العدد.
4 . أي هذه الثلاثة هي الّتي الخ .


صفحه 387

ثمّ بعد تمهيد ذلك، شرع في الاستدلال على وجوب تناهي تأثيرالقوى الجسمانيّة بحسب المدّة والعدّة .

وأمّا بحسب الشدّة، فليس بمقصود .

إمّا لظهور بطلانه:(1) حيث يستلزم وقوع الحركة في اللاّزمان، وذلك إذا كان كلّ زمان تقع فيه الحركة ممكن التّنصيف بالإمكان الوقوعي، بحيث يكون القوّة الّتي توقع الحركة في نصف ذلك الزّمان أشدّ تأثيراً .

وإمّا لعدم فساده: وذلك إذا كان يجوز انتهاء زمان الحركة في القلّة إلى حيث لا يمكن بالإمكان الوقوعيّ تنصيفه وتجزيته .

ولمّا كان كلّ قوّة جسمانيّة يفرض تحريكها لجسم فتحريكها ذلك: إمّا بالقسر أو بالطّبع، لأنّه لا يخلو ذلك عن أن يكون محلاًّ لتلك القوّة أم لا، فإن كان محلاًّ لها فتحريكها له بالطّبع، وإلاّ كان بالقسر .

أراد الاستدلال على وجوب تناهي كلّ منهما على حدة، فقال: ـ في الاستدلال على تناهي القوّة القسريّة ـ لأنّ القسريَّ يختلف باختلاف القابل ومع اتّحاد المبدأ يتفاوت مقابلُه(2).


1 . أي بطلان عدم التّناهي بحسب الشدّة.
2 . تقريره: أنّ القوى الجسمانية إمّا أن تكون قسريّةً أو طبيعيّة، وكلاهما يَستحيل صدور ما لا يتناهى عنهما.
أمّا الأُولى: فلأنّ صدور ما لا يتناهى بحسب الشدّة بسببها من الحركات محال.
وأمّا بحسب العدّة والمدّة: فلأنّ الثّأثير القسريَّ يختلف باختلاف القابل المقسور. لاحظ تفصيله في كشف المراد: المسألة الثانية عشرة من الفصل الثالث ; والبرهان القاطعة: 1 / 247 ـ 248 / المسألة الثانية عشرة من الفصل الثالث; والقول السّديد في شرح التجريد: 112 ـ 116 .


صفحه 388

وتقريره على ما قرّره في " شرح الإشارات ": هو أنّ الجسم (1) لا يمكن أن يكون إلاّ متناهياً لوجوب تناهي الأبعاد .

فإذا حرّك جسم بقوّته جسماً آخر من مبدأ مفروض حركات لا نهاية لها بحسب الامتداد الزّماني أو بحسب العدّة بالقوّة ; فإنّ غير المتناهي لا يخرج إلى الفعل، ثمّ فرضنا أنّ ذلك الجسم المحرّك حرّك جسماً آخر شبيهاً بالجسم الأوّل في الطّبيعة وأصغر منه بالمقدار، بتلك القوّة بعينها من ذلك المبدأ المفروض، فيجب أن يحرّك الثّاني أكثر من الأوّل.

وذلك لأنّ المقسور إنّما يعاوق القاسر بحسب طبيعته المخالفة لطبيعة القاسر من حيث هو قاسر، ولا شكّ أنّ طبيعة الجسم الأعظم تكون أقوى من طبيعة الجسم الأصغر لاشتمال الأعظم على مثل طبيعة الأصغر، وعلى ما يزيد عليه، ويلزم منه أن تكون معاوقة الأعظم أكثر من معاوقة الأصغر، فإذن يكون تحريك الأصغر أكثر من تحريك الأعظم .

ولمّا كان مبدأ التحريكين واحداً بالفرض وجب أن تقع الزيادة الّتي بالقوّة في الجانب الآخر الّذي فرض اللاّنهاية فيه، وكذلك النّقصان. ويلزم منه انقطاع الأقل (2)، فيكون ذلك الجانب أيضاً متناهياً، وقد فرض غير متناه


1 . هذه المقدّمة لأجل تحصيل الأعظم والأصغر.
2 . أي التّحريك الأقلّ وهو تحريك الأعظم.


صفحه 389

هذا خلف. فإذن هذا الفرض محال، لأنّه يلزم منه انتهاء تأثير القوّة الّتي فرض كون تأثيرها غير متناه» .(1)

فقوله: «مقابله» أي مقابل المبدأ، أي الجانب الّذي فرض غير متناه .

ثمّ قال في الاستدلال على تناهي القوّة الطّبيعية: والطّبيعي يختلف باختلاف الفاعل (2) لتساوي الصغيرِ والكبيرِ في القبول.

فإذا تحرّكا مع اتّحاد المبدأ يلزم التّناهي.(3)

وتقريره بعدما مرّ من وجوب تناهي الأبعاد يستدعي تمهيد مقدمات:

الأُولى: أنّ الجسم من حيث هو جسم لمّا لم يكن مقتضياً لتحريك، ولا يمنع عنه ; بل كان ذلك (4) لقوّة تحلّه، فإذن كبيره وصغيره ; إذا فرضنا مجرّدين عن تلك القوّة كانا متساويين في قبول التّحريك، وإلاّ لكان الجسم من حيث هو جسم مانعاً عنه .

الثّانية: أنّ القوّة الجسمانيّة المسمّاة بالطّبيعة إذا حرّكت جسمها، ولا محالة يكون ذلك الجسم خالياً عن المعاوقة، وإلاّ لم يكن الطّبيعة طبيعة لذلك الجسم، فلا يجوز أن يعرض بسبب كبر الجسم وصغره تفاوت في القبول، لما مرّ في المقدّمة الأُولى، بل إن عرض تفاوت فهو بسبب القوّة،


1 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 195 ـ 196 .
2 . أي القوّة الموجودة في الجسم.
3 . في أكثر النسخ: «عرض التّناهي».
4 . أي الّذي هي مبدأ التّحريك.


صفحه 390

فإنّها تختلف باختلاف محلّها كما يأتي.

ومن هاهنا يستبين أنّ التّفاوت كما كان في الحركات القسريّة بسبب قوابل لا غير، فهو في الطّبيعة عرض بسبب الفواعل لا غير.

الثّالثة: أنّ القوى الجسمانيّة المتشابهة يختلف باختلاف (1) محالّها المختلفة بالصّغر والكبر، وتتناسب بتناسبها، لكونها حالّة فيها متجزّية بتجزئتها.(2)

وهذه المقدّمات قرّرها الشّيخ في " الإشارات " وشرحها المصنّف كما ذكرنا.

ثمّ نقول مطابقاً لـ " لإشارات وشرحه ": لا يجوز أن يكون في جسم من الأجسام قوّة طبيعيّة تحرّك ذلك الجسم بلا نهاية.

لأنّ قوّة ذلك الجسم أكثر وأقوى من قوّة بعضه لو انفرد، لما مرّ في المقدّمة الثّالثة .(3)

وليس زيادة جسمه في القدر تؤثّر في منع التّحريك حتّى يكون نسبة المتحرّكين والمحرّكين واحدة، فإنّه لو كانت المعاوقة في الكبير أكثر منها في الصّغير مع أنّ القوّة أيضاً في الكبير أقوى منها في الصّغير، لكانت نسبة


1 . الأجسام وتتناسب بتناسب .
2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 199 ـ 200 .
3 . في الإشارات وهي: «القوّة في الجسم الأكبر إذا كانت متشابهة للقوّة في الجسم الأصغر حتّى لو فصّل من الأكبر مثل الأصغر تشابهت القوّتان بالإطلاق. فإنّها في الجسم الأكبر أقوى وأكثر، إذ فيها بالقوّة شبيهة تلك وزيادة».


صفحه 391

المتحرّكين والمحرّكين واحدة، لكن ليس كذلك لما مرّ في المقدّمة الأُولى،(1) بل المتحرّكان في حكم ما لا يختلفان، والمحرّكان مختلفان، لما استبان في المقدّمة الثّانية(2): من كون التّفاوت بسبب الفواعل لا بسبب القوابل .

فلو حرّك كلّ القوّة كلّ الجسم الّذي هو محلّه، وبعض القوّة بعض الجسم الّذي هو محلّه من مبدأ مفروض كلّ منهما حركات بغير نهاية، يجب أن يقع التّفاوت الواجب بينهما في الجانب الّذي فرضناه غير متناه، فيلزم تناهي الأقل، ويلزم منه تناهي الأكثر أيضاً، لكون التّفاوت بينهما بقدر متناه .

وإن لم يحرّك كلّ منهما حركات بغير نهاية ; بل كانت حركات البعض متناهية، فكذلك أيضاً كما لا يخفى .(3)

واعلم: أنّ المصنّف اكتفى في الدّليل الأوّل (4) بوقوع التّفاوت في الجانب المقابل، ولم يشر إلى وجوب تناهي الأكثر .

وفي الدّليل الثّاني أشار إلى ذلك (5) بقوله: «ويلزم التّناهي» اقتداء


1 . وهي: «إذا كان شيءٌ ما يحرّك جسماً ولا ممانعة في ذلك الجسم كان قبول الأكبر للتّحريك مثل قبول الأصغر لا يكون أحدهما أعصى والآخر أطوع، حيث لا معاوقة أصلاً».
2 . وهي: «القوّة الطّبيعيّة لجسم مّا إذا حرّكت جسمها ولم يكن في جسمها معاوقة أصلاً فلا يجوز أن يعرض بسبب الجسم تفاوت في القبول; بل عسى أن يعرض ذلك بسبب القوّة».
3 . لاحظ: شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 201 .
4 . وهو قوله: «والطّبيعي يختلف باختلاف الفاعل لتساوي الصّغير والكبير في القبول».
5 . أي تناهي الأكثر وهو الأكبر.


صفحه 392

بالشّيخ في " الإشارات "حيث فعل كذلك.

ووجّه المصنّف ذلك في شرحه: «بأنّ وقوع التّفاوت في الجانب المقابل، ووجوب تناهي حركات الأقلّ (1) كان خلفاً في الحجّة السّابقة، لأنّ القوّة الواحدة اقتضت من حيث هي غير متناهية فعلاً متناهياً. ولم يكن في الحجّة الثّانية; لأنّ القوّة المحرّكة هاهنا ليست بواحدة. بل إنّما يلزم المحال ههنا من حيث اقتضاء تناهي حركات الأصغر تناهي حركات الأكبر أيضاً; لكونهما على نسبة جسميهما المتناهيين، هذا»(2) .

ثمّ إنّ المصنّف ; قال في " شرح الإشارات ": «إنّ البرهان الأوّل (3) أعمّ مأخذاً ممّا استعمله الشّيخ.

فإنّ الحاصل منه: أنّ القوّة الغير المتناهية لو حركت بالفرض جسمين مختلفين، لوجب أن يكون تحريكها إيّاهما متفاوتاً، ويلزم منه كونها (4) متناهية بالقياس إلى أحدهما (5) بعد أن فرضت غير متناهية مطلقاً(6)، وهذا خلف .

فإذن القوّة الغير المتناهية سواء كانت جسمانيّة، أو غير جسمانيّة;


1 . مراده بالأقلّ هو الأكبر لأنّه أقلّ حركة وهذا من دون ملاحظة حركات الأكثر وهو الأصغر .
2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 201 ـ 202 .
3 . الّذي اجرى في الحركة بالقسر.
4 . أي الحركة.
5 . أي الحركات الأقلّ والأكثر.
6 . أي لا بالنّسبة إلى المحرّك دون متحرّك.


صفحه 393

يمتنع أن يكون مباشرة لتحريك الأجسام بالقسر. والشّيخ خصّصه بالقوى الجسمانيّة، لأنّ غرضه في هذا الموضع هو نفي اللاّنهاية عن القوى الجسمانيّة .

وإنّ البرهان الثّاني أخصّ تناولاً ممّا يجب (1)، لأنّه لم يقم برهان إلاّ على امتناع صدور التّحريك الغير المتناهي عن قوّة حالّة في جسم لا معاوقة فيه، منقسمة بانقسام ذلك الجسم على التّشابه، كالطّبيعة والنّفوس الفلكيّة المنطبعة في أجسامها وبالجملة القوى المتشابهة الحالّة في الأجسام البسيطة(2). والتّحريك بالطّبع الّذي يقابل التّحريك بالقسر يكون أعمّ من ذلك، لكونه متناولاً للتّحريكات الصّادرة عن النّفوس النّباتيّة والحيوانيّة، مع أنّ أجسامها المركّبة لا تخلو عن معاوقات يقتضيها طبائع بسائطها. وأيضاً أكثر تلك النّفوس ممّا لا ينقسم بانقسام محالّها، لكون تلك المحالّ أجساماً آليّة.

لكن لمّا كان المقصود هاهنا بيان امتناع كون الصوّر الفلكيّة المنطبعة في هيوليّاتها مبدأ للتّحريكات غير المتناهية اكتفى الشّيخ بهذا البرهان المشتمل على حصول مقصوده، هذا.(3)

ثمّ إنّ في هذا المقام اعتراضاً مشهوراً أورده الإمام على الشّيخ: وهو أنّه


1 . أي إثباته.
2 . كالنّار، والهواء، والتراب، والماء.
3 . لاحظ: شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 196 و 202 .


صفحه 394

يجوز أن يكون التّفاوت في التّحريكين بالسّرعة والبطء، فلا يلزم انقطاع أحدهما.

وأجاب عنه المصنّف (رحمه الله): بأنّ المراد بالقوّة المذكورة هاهنا هي الّتي لا نهاية لها باعتبار المدّة أو العدّة دون الشدّة.(1)

واعترض عليه (2) العلاّمة الحلّي في شرحه على التّجريد: «بأنّ أخذ القوّة بحسب الاعتبارين لا ينافي وقوع التّفاوت بالاعتبار الثّالث».(3)

وهذا الاعتراض قد تلقّوه بالقبول.

ولقوّة هذا الاعتراض قال الشّارح القديم: والجواب الصّحيح أن يقال: التّفاوت بحسب الشدّة يستدعي التّفاوت بحسب العدّة والمدّة، وحينئذ يلزم انقطاع إحداهما.(4)

وقال المحقّق الشّريف: وذلك (5) لأنّه إذا وقع التّفاوت بين الحركتين في الشدّة ; أي السّرعة: فإمّا أن يكون زمانهما واحداً، أو لا.

فعلى الأوّل يقع التّفاوت في العدّة، لأنّ الأسرع تكون حركاته أكثر قطعاً.


1 . المصدر السّابق: 196 .
2 . أي على الدّليل.
3 . كشف المراد: المسألة الثانية عشرة من الفصل الثالث.
4 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 139 .
5 . أي لزم التّفاوت بحسب الشدّة يستدعي التّفاوت بحسب العدّة والمدّة.


صفحه 395

وعلى الثّاني يقع التّفاوت في المدّة.(1)

قال: وتوضيحه (2): أنّ الكلام في قوّة غير متناهية في المدّة أو العدّة، واللاّزم منه أن يتفاوت الحركتان في الجانب المقابل للمبدأ المفروض في المدّة والعدّة، (3) لا مجرّد التّفاوت في السّرعة والبطء.

فإذا فرضنا قوّة جسمانيّة غير متناهية في المدّة وحرّكت جسماً آخر في زمان غيرِ متناه، وفرضنا أنّها حركت جسماً آخر أصغر بذلك التّحريك، وجب أن يكون زمان حركته غير متناه. ولكن هذا الزّمان ـ أعني: زمان حركة الأصغر ـ يجب أن يكون أطول، لأنّ معاوقته أقلّ مع تساوي التّحريكين. فإنّه إذا كان مدّة حركات الأكبر غير متناهية، وجزّئت تلك المدّة إلى أجزاء غير متناهية ; كان أجزاء الحركة الواقعة في أجزاء تلك المدّة غير متناهية، مع أنّ عدد أجزاء حركة الأصغر يلزم أن يكون أكثر. انتهى.(4)

وهذا كلام حقّ .

ولا يرد عليه ما أورده الشّارح القوشجي(5): «من أنّ كلّ مدّة، فهو أمرٌ متّصلٌ في حدّ نفسه لا جزء له بالفعل، فإذا جزّأ إلى أجزاء بالفعل تكون تلك


1 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 139 .
2 . توضيح لجواب الشارح القديم.
3 . في ب: جملة «واللاّزم منه أن يتفاوت الحركتان في الجانب المقابل للمبدأ المفروض في المدّة والعدّة» ساقطة.
4 . لاحظ: شرح المواقف: 4 / المقصد الخامس من المرصد الخامس .
5 . انظر : شرح تجريد العقائد: 131 .


صفحه 396

الأجزاء متناهية العدد . وأمّا أنّه قابل لانقسامات غير متناهية، فمعناه أنّ قسمته لا تقف عند حدّ».(1)

لما قاله سيد المدقّقين: «من أنّ ما ذكره إنّما هو في المدّة المتناهية لا في المدّة الغير المتناهية، لوجوب أن يتساوى جميع مقادير تلك الأجزاء مقدارَ ما ينقسم إليها .

ولا شك أنّ جميع مقادير الأجزاء الغير المتناهية بالعدد غير متناه، لأنّ ضمّ المتناهي إلى المتناهي مرّات غير متناهية يستلزم اللاّتناهي»(2).

لكن أقول: هذا ـ أعني: ما ذكره (3) في التّوضيح ـ هو بعينه معنى كلام المصنّف في الجواب. ألا ترى أنّه على ما ذكره في التّوضيح يصير حديث الشدّة لغواً محضاً لا دخل له في أطوليّة مدّة حركة الأصغر؟

فكلام المصنّف: هو أنّ الكلام إنّما هو في عدم التّناهي بحسب المدّة أو العدّة .

فإذا فرض أنّ قوّة قسريّة حركت جسماً أكبر في مدّة غير متناهية مثلاً، وحركت بهذه القوّة الغير المتناهية بحسب المدّة جسماً أصغر، يجب أن يكون التّفاوت بينهما في المدّة في الجانب المقابل للمبدأ، أعني: جانب عدم التّناهي .


1 . لا يكون بعده قسمة.
2 . راجع: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 176 .
3 . سيّد المدقّقين.


صفحه 397

فوقوع التّفاوت في الشدّة لا دخل له في ذلك، إذ ليس الكلام فيها، فليتدبّر جدّاً وليتعجّب من هؤلاء المَهَرة، كيف غفلوا عن ذلك؟!

ومن ههنا يظهر اندفاع ما قيل (1) على أصل الدّليل: من أنّ التّفاوت بالزّيادة والنّقصان لا يستلزم الانقطاع، فإنّ حركة فلك الثّامن أنقص عدداً من حركة الفلك التّاسع مع عدم تناهيهما.

وذلك لأنّه ليس هناك أمرٌ يستدعي وقوع التّفاوت في جانب عدم التّناهي، لكون كلّ واحدة من الحركتين صادرة عن قوّة أُخرى، فجاز وقوع عدّة من أحداهما بازاء واحدة من الأُخرى، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ فيه بعد ذلك الاعتبار ـ أعني: اعتبار وقوع عدّة بازاء واحدة ـ لابدّ من وقوع التّفاوت، فيكون لا محالة في جانب اللاّتناهي.

وأمّا الاعتراض عليه: بأنّه لِمَ لا يجوز أن يكون القوى الجسمانيّة أزليّة لا يكون لحركاتها مبدأ، فلا يمكن اتّحاد المبدأين؟

فأُجيب عنه: بأنّ فرض المبدأ الواحد للحركتين، بأن يعتبرا من نقطة واحدة، من أوساطِ المسافة كاف في إثبات المطلوب، ولاخفاء في إمكانه وإن لم يكن للحركة بداية.

وأُجيب أيضاً: بأنّا نعلم بالضّرورة ; أنّ ما كان في قوّته قطع مسافة من أوّلها إلى آخرها كان في قوّته عكس ذلك; أي قطعها من آخرها إلى أوّلها.


1 . ذكره الشّارح القوشجي في شرحه، لاحظ. شرح تجريد العقائد: 131 .


صفحه 398

فالّذي في قوّته الحركة الّتي لا ابتداء لها إلى حدّ معيّن كان في قوّته الحركة من ذلك الحدّ المعيّن إلى ما لا نهاية له، لكن اللاّزم باطل بالبيان (1) المذكور، فيبطل الملزوم أيضاً .

وأمّا النّقض بالحركات الفلكيّة، فإنّها مع عدم تناهيها عندهم مستندة إلى قوى جسمانيّة لها إدراكات جزئية، إذ التعقّل الكلّي غير كاف في جزئيّات الحركة كما مرّ .

فأُجيب عنه: بأنّ حركات الأفلاك إراديّة مستندة إلى نفوسها المجرّدة في ذواتها، المقارنة في أفعالها، المدركة للجزئيّات بواسطة آلات، وكلامنا في تأثيرالقوى الحالّة في الأجسام .

ثمّ إنّ الإمام أورد على الشّيخ: «أنّ القائلين بتناهي الحوادث لمّا استدلّوا بوجوب ازديادها كلّ يوم على تناهيها ردّ الشّيخعليهم: أنّه لمّا لم يكن لها مجموع موجود في وقت من الأوقات لم يكن الحكم بالازدياد عليها صحيحاً، فضلاً عن أن يكون مقتضياً لتناهيها.

فلقائل أن يرد عليه هاهنا بما ردّ هو عليهم بعينه بأن يقول: ليس للحوادث (2) الّتي تقوى هذه القوّة عليها مجموع موجود في وقت مّا. فلا يصحّ الحكم عليها بالزيادة والنّقصان.

ثمّ قال (3) : ولقد أورد عليه بعض تلامذته هذا السؤال، فأجاب: بأنّ المحكوم


1 . في ب: «بالسياق».
2 . في المصدر: «للحركات».
3 . الرّازي.


صفحه 399

عليها هاهنا كون القوّة قويّة على تلك الأفعال. وهذا المعنى حاصل في الحال.

ولا شك أنّ كون القوّة قويّة على تحريك الكلّ أقلّ من كونها قويّة على تحريك الجزء، فوقع التّفاوت في القوّة عليها،(1) بالزيادة والنقصان.

ثمّ قال(2): وللسائل أن يعود فيقول: أنتم إنّما تستدلّون على تفاوت قوّة القوّة على تحريك الكلّ والجزء بوقوع التّفاوت في تلك الأفعال، وحينئذ يعود الإشكال. انتهى كلام الإمام»(3).

ونقل المحقّق الشريف عن بعض الفضلاء: إنّ هذا سهو واقع من الإمام، لأنّ الاستدلال بالعكس .

فإنّا نقول: قوّة القوّة على تحريك الكلّ أضعف منها على تحريك الجزء، لأنّ طبيعة المقسور عايقة عن تحريك القوى، فكلّما كان المعاوق أقوى كانت القوى على تحريكه أضعف بالضّرورة. فلمّا تفاوتت القوّة بالنّسبة إلى تحريك (4) الكلّ والجزء لزم التّفاوت في الحركات الّتي لا تتناهى .

فقد استدللنا بتفاوت القوّة على تفاوت الأفعال دون العكس كما توهّمه، هذا.


1 . بخلاف الحوادث، فإنّ مجموعها لمّا لم يكن موجوداً في وقت مّا استحال الحكم عليها بالزّيادة والنّقصان.
2 . فخر الدين الرّازي.
3 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 196 ـ 197 .
4 . في ج: جملة «القوى فكلّما كان المعاوق أقوى كانت ـ إلى ـ بالنسبة إلى تحريك» ساقطة.


صفحه 400

المسألة الخامسة

في الإشارة إلى بعض أحوال العلّة الماديّة والصوريّة

قال: والمحلّ المتقوّم بالحالّ قابلٌ له ومادّة للمركّب، وقبولُه ذاتيٌّ .

وقد يحصل القربُ والبعدُ باستعدادات يكسبها الحالّ .

وهذا الحالُ صورةٌ للمركّب وجزءُ فاعل لمحلّه، وهو واحدٌ.

أقول: اعلم: أنّ الهيولى الأُولى القابلة للصوّر يقال لها المادّة أيضاً، وأنّ الصّورة الحالّة فيها المقوّمة لها يقال لها الصّورة.

فلفظة المادّة مشتركة بين الهيولى والعلّة الماديّة، أعني: الجزء المادّي.

وكذا لفظة الصّورة مشتركة بين الحالّ المقوّم للهيولى، وبين العلّة الصوريّة، أعني: الجزء الصّوري .

وقد صرّحوا:(1) بأنّ الهيولى مادّة وقابل بالقياس إلى الصّورة الحالّة فيها، وعلّة ماديّة بالقياس إلى الجسم المركّب من الهيولى والصّورة.

وكذا الصّورة صورة بالقياس إلى المادّة نفسها، وعلّة صوريّة بالقياس إلى المركّب .


1 . الشيخ الرّئيس .


صفحه 401

وإلى هذا (1) أشار بقوله: والمحلّ المتقوّم بالحالّ; أي المحلّ الّذي يحتاج في وجوده وتحصّله إلى ما يحلّ فيه ; إشارة إلى الهيولى الأُولى .

فإنّها لكونها في حدّ ذاتها قوّة محضة، وإبهاماً صرفاً; لأنّ فعليّتها ليس إلاّ أنّها قوّة ومستعدّة لكلّ شيء. و على ما صرّح به الشّيخ، لا يمكن أن يوجد وحدها، لأنّ المبهم على إبهامه لا يقبل الوجود، بل يحتاج إلى أن يحلّ فيها الصّورة، فتصير بها متحصّلة قابلة للوجود.

فإن قيل (2): احتياج الشّيء في وجوده إلى ما تحلّ فيه باطل قطعاً; لأنّ الشّيء ما لم يتشخّص موجوداً لا يمكن حلول شيء آخر فيه، فإذن وجود الذّات في نفسها متقدّم على أحوالها الّتي من جملتها حلول شيء آخر فيها .

لا يقال: المحتاج إليه هو مطلق الحال وطبيعته، وما يحتاج إلى المحلّ هو الحالّ المتعيّن فلامحذور .

لأنّا نقول: الطّبيعة لا وجود لها إلاّ عين الوجود المتعيّن، فقبل وجود المتعيّن لا وجود للطّبيعة، فلا يتصوّر احتياج المحلّ إليها في وجودها.(3)

قلنا: الحالّ على قسمين :

قسم يحتاج في وجوده إلى محلّه، فلا يمكن احتياج المحلّ في الوجود إليه قطعاً، وذلك الحال هو العرض .


1 . أي على ما صرح به الشّيخ الرّئيس .
2 . ذكره الشارح القوشجي في شرحه.
3 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 132 ـ 133.


صفحه 402

وقسم لا يحتاج إلى محلّه في وجوده، بل فيما يلزمه من عوارضه، كالصّورة الجسميّة، فإنّها متحيّزة بذاتها مستغنية في وجودها (1) عن الهيولى، وإنّما يحتاج إليها في قبول ما (2) يلزمها من الاتّصال والانفصال. ومثل هذا الحال يجوز احتياج المحلّ إليه في وجوده ولا محذور.

قابلٌ له(3); أي للحال وبالقياس إليه .

ومادّة(4); أي علّة مادّية للمركّب(5) من المحلّ والحال وبالقياس إليه .

وقبوله(6); أي قبول المحلّ المذكور ; أي قابليّته واستعداده للحال، ذاتيٌّ(7)، فلا ينفكّ عنه، بل هو عين ذاته، كما نقلنا من الشّيخ .

ولما استشعر أنّه يمكن هاهنا أن يقال: إنّ المادّة قد تكون قابلة لشيء، وغير قابلة لآخر، ثمّ تصير قابلة لذلك الآخر، فيعدم عنها قبولها للأوّل، ويوجد قبولها للثّاني، وما يوجد بعد العدم، ويعدم بعد الوجود، كيف يكون ذاتيّاً؟ بل يجب أن يكون عرضيّاً منفكّاً .

أشار إلى الجواب عنه بقوله: وقد يحصل القربُ والبعدُ باستعدادات يكسبها باعتبار الحالّ .(8)

يعني ما يعدم ويوجد ليس هو أصل القبول والاستعداد، بل إنّما هو مراتب للقرب والبعد.


1 . أي في وجودها الدّهري.
2 . أي في وجودها الزّماني.
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
4 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
5 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
6 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
7 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
8 . في متن كشف المراد، وشرح تجريد العقائد، والبراهين القاطعة: «الحالّ فيه».


صفحه 403

فإنّ الاستعداد الذّاتي ; قد يكون بعيداً عن المقبول، ثمّ يصير قريباً منه، ثمّ يصير أقرب منه، كاستعداد مادّة الغذاء للصّورة الإنسانيّة، واستعداد النّطفة لها، واستعداد الجنين لها .

وشيء من هذه الاستعدادت ليس ذاتيّاً للمادّة الأُولى، بل ما هو ذاتيّ لها هو أصل الاستعداد الّذي نسبته إلى الصّورة الغذائيّة والنطفيّة والجنينيّة والإنسانيّة، بل إلى سائر الصّور على السّواء .

والاستعدادات المذكورة أُمور اكتسبتها المادّة الأُولى من مقارنة الصّورة الحالّة فيها واحدة بعد واحدة .

فاستعداد الغذاء للإنسانيّة ليس هو الاستعداد الّذي ذاتيّ للمادّة، بل هذا الاستعداد قد حصل لها زائداً على ما كان من الاستعداد الذّاتي بسبب مقارنة الصّورة الغذائيّة. وكذا استعداد النّطفة حاصل للمادّة زائداً على استعداد الغذائيّة من الصّورة النّطفية، وهكذا .

فالّذي يزول ويحصل هو شيء من هذه الاستعدادات المكتسبة للمادّة باعتبار ما يحلّ فيها من الصّور والأعراض، لا أصل الاستعداد والقبول الّذي هو ذاتيّ للمادّة، فلا إشكال.

وهذا الحالُّ المقوّم لمحلّه صورةٌ; أي علّة صوريّة للمركّب، وبالقياس إليه، وجزءُ فاعل لمحلّه; أي صورة بالمعنى المقابل للمادّة بمعنى الهيولى وبالقياس إلى محله الّذي هو الهيولى .

وإنّما عبّر عن الصّورة بهذه العبارة، لما قرّر في موضعه من أنّ الصّورة


صفحه 404

إنّما هي شريكة لعلّة الهيولى، وليست بعلّة مستقلّة لها.

واعلم: أنّه ليس المراد أنّ العلة المادّية منحصرة في الهيولى، والعلّة الصّوريّة منحصرة في الصّورة المقوّمة للهيولى، كما يوهمه ظاهر العبارة، وذلك لما سيأتي من أنّ الموضوع، كالمادّة، فيكون العرض أيضاً كالصوّرة، كما سنشرحه هناك.

وهو(1) ـ أي هذا الحالّ المقوّم للمحلّ المسمّى بالصوّرة بالمعنى المقابل للمادّة ـ واحدٌ(2); أي لا يكون للهيولى صورتان مقوّمتان في مرتبة واحدة، لأنّ كلاًّ منهما إن استقلّ في تقويمها استغنى عن الآخر، وإلاّ فالمجموع مقوّم واحد وصورة واحدة .

وإنّما قلنا «في مرتبة واحدة» لأنّ الصّورة النّوعية أيضاً مقوّمة للهيولى، لكن بعد تقويم الصّورة الجسميّة إيّاها .

واعلم: أنّ هذه الأُمور المتفرّعة على ثبوت الهيولى ذكرها المصنّف هاهنا على سبيل الحكاية وبمعنى أنّه على تقدير ثبوتها وعند القائلين بها يكون الحالّ هكذا، فلا منافاة بينها وبين ما سيأتي من نفيه الهيولى في هذا الكتاب.


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 405

المسألة السادسة

في أحوال العلّة الغائيّة

وفيها مباحث:


صفحه 406

المبحث الأوّل

في العلّة الغائيّة وإثباتها(1)

قال: والغايةُ علّةٌ بماهيّتها لعلّيةِ الفاعلية، ومعلولةٌ في وجودها العيني للمعلول، وهي ثابتةٌ لكلّ قاصد.

أقول: قال الشّيخ في " طبيعيّات الشفاء ": «أمّا الغاية: فهي المعنى الّذي لأجله (2) تحصل الصّورة في المادّة، وهو الخير الحقيقي، أو الخير المظنون .

فإنّ كلّ تحريك يصدر عن فاعل لا بالعرض، بل بالذّات، فإنّه يروم به ما هو خير بالقياس إليه، فربّما كان بالحقيقة، وربّما كان بالظنّ، فإنّه: إمّا أن يكون كذلك، أو يظنّ به ذلك ظنّاً»(3).


1 . لاحظ لمزيد التّحقيق في هذا المبحث : الإشارات والتّنبيهات: 3 / 138 / النمط السادس; المشارع والمطارحات: الفصل الرابع عشر من المشرع الثالث والفصل الأوّل والثّاني من المشرع السادس ; والمعتبر في الحكمة: 2 / 15 ـ 18 / الفصل الخامس من الجزء الأوّل ; والمباحث المشرقيّة: 1 / الفصل الرابع والسادس ـ إلى ـ الفصل العاشر من القسم الرابع من الفنّ الرابع ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 2 / الفصل الواحد والعشرين، والثّاني والعشرين والثالث والعشرين من المرحلة السادسة ; والتحصيل: الفصل الثالث والرابع من المقالة الخامسة; وشرح غرر الفرائد: 161 ـ 165 / الفريدة السابعة.
2 . أي لأجل تحصيله لا لأجل حصوله أو الأعم .
3 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 52 / الفصل العاشر من المقالة الأُولى.


صفحه 407

وقال في الإلهيات: «ونعني بالغائيّة، العلّة الّتي لأجلها يحصل وجود شيء مباين (1) لها».(2)

وقال أيضاً: «وأما الغاية فهي ما لأجله يكون الشّيء، وقد علمته فيما سلف .

وقد تكون الغاية (3) في بعض الأشياء في نفس الفاعل، كالفرح بالغلبة.

وقد تكون الغاية في بعض الأشياء في شيء غير الفاعل .

وذلك: تارةً في الموضوع، مثل: غايات الحركات التّي تصدر من رويّة أو طبيعة .(4)

وتارةً في شيء ثالث، كمن يفعل شيئاً ليرضى به فلان، فيكون رضاء فلان غاية خارجة عن الفاعل والقابل، وإن كان الفرح بذلك الرّضا أيضاً غاية أُخرى.

ومن الغايات التشبّه بشيء، والمتشبّه به من حيث هو متشوق إليه غاية، والتشبّه نفسه أيضاً غاية. انتهى »(5).


1 . أي لا يكون ذلك الوجود حالاًّ فيها أو محلاًّ لها.
2 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 257 / الفصل الأوّل من المقالة السّادسة.
3 . أي الغاية الأُولى كما يدلّ عليه قوله في ما يأتي: «وإن كان الفرح بذلك الرّضا أيضاً غاية أُخرى.
4 . كالحركة في الكمّ الصّادر من النّفس النّباتية إذ غايتها حصول الازدياد في المقدار والزّيادة كمال للجسم الّذي هو الموضوع للنّفس النّباتية لا لها نفسها.
5 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 283 / الفصل الرّابع من المقالة السّادسة.


صفحه 408

فظهر حينئذ من تضاعيف ما نقلنا: إنّ الغاية يجب أن يكون ممّا يتأدّى إليه فعل الفاعل، فتكون مترتبة على فعل الفاعل ومتأخّرة عنه، ومع ذلك فكونها علّة له ومتقدّمة عليه يحتاج إلى بيان .

وهو أنّ معنى كون غاية الشّيء علّة له هو أنّ ذلك الشّيء يفتقر في وجوده العيني إلى وجوده (1) العقلي بواسطة أنّه يحتاج إلى علّة فاعليّة لا محالة، وهي في كونها علّة تحتاج إلى صورة الغائيّة، ضرورة أنّ الفاعل ما لم يتصوّر غاية مّا; لا يفعل .

ومن هاهنا قالوا: أنّ الغاية بماهيّتها ; أي بصورتها الذّهنية ; علّة لفاعليّة الفاعل، وبإنيّتها ; أي بهويّتها الخارجيّة معلول للفاعل .

وبعبارة أُخرى: أنّ الغاية بالوجود الذّهني علّة وبالوجود العيني معلول.

وهذا كما قيل:(2) معنى قولهم أوّل الفكر آخر العمل .(3)

قال الشّيخ في " الطبيعيّات ": «الفاعل من جهة سبب للغاية، وكيف لا يكون كذلك؟ والفاعل هو الّذي يجعل الغاية موجودة .(4)


1 . أي ما هو غاية الشّيء.
2 . القائل هو الشّارح القوشجي، لاحظ: شرح تجريد العقائد: 133 .
3 . كما قال العارف الرّومي في المثنوي:
   ظاهراً آنشاخ اصل ميوه است *** باطناً بهر ثمرشد شاخ هست
گرنبودى ميل واميد ثمر *** كى نشاندى باغبان بيخ شجر
اول فكر آخر آمد در عمل *** خاصّه فكرى كو بود وصف ازل
4 . في أ، ب وج: «يحصل» كما في المصدر .


صفحه 409

والغاية من جهة هي سبب للفاعل، وكيف لا تكون كذلك؟ وإنّمايفعل الفاعل لأجلها وإلاّ لما كان يفعل. فالغاية تحرّك الفاعل إلى أن يكون فاعلاً.

ثمّ قال: والفاعل ليس علّة لصيرورة الغاية غاية، ولا لماهيّة الغاية في نفسها، ولكن علّة لوجود ماهيّة الغاية في الأعيان. وفرق بين الماهيّة والوجود كما علمته .(1) والغاية علّة لكون الفاعل فاعلاً. فهي علّة له في كونه علّة، وليس الفاعل علّة للغاية في كونها علّة »(2).

وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: والغايةُ علّةٌ بماهيّتها (3) لعليّة العلّة الفاعليّة (4)، ومعلولةٌ في وجودها العيني (5)للمعلول.

وإنّما قال «للمعلول» لأنّ وجودالغاية مترتّب على وجود المعلول، فهي معلولة للفاعل بالواسطة، كما أنّ المعلول معلول لها بالواسطة.

فإن قلت: غاية الحركة: قد تكون نهاية لها، وقد لا تكون، كـ «لقاء الحبيب» كما سيأتي عن قريب، فليس كلّ غاية هي معلولة للمعلول بحسب الوجود العيني.


1 . في المسألة الخامسة والثّلاثين من الفصل الأوّل في الجزء الأوّل من هذا الكتاب .
2 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 53 / الفصل الحادي عشر من المقالة الأُولى.
3 . أي بصورتها الذّهنيّة لا وجودها الخارجيّة.
4 . إذ الفاعل إنّما يفعل الفعل بعد تصوّر الغاية، فتصوّر الغاية سبب لفاعلية الفاعل.
5 . في متن تجريد العقائد; وكشف المراد; والبراهين القاطعة: «في وجودها للمعلول».


صفحه 410

قلت: لقاء الحبيب مثلاً، وإن لم يكن معلولاً للحركة، كالنّهاية، لكنّه مترتّب على النّهاية، فهو معلول للحركة بالعرض لا بالذّات، فليتدبرّ .

فإن قيل: إنّهم يقولون إنّ الغاية في أفعال الله تعالى إنّما هي ذاته تعالى، وظاهر أنّها لا تترتّب على وجود المعلول.

أُجيب: بأنّهم اتّفقوا على أنّ الغاية مسلوبة (1) عن فعل الله تعالى مطلقاً، لأنّ الفاعل الّذي يفعل لغاية يكون غير تامٍّ من وجهين:

الأوّل: من حيث إنّه يقصد به وجود تلك الغاية، فلابدّ أن يكون وجودها أولى به وأليق، وإلاّ لم يكن غاية له أصلاً، فيكون مستكملاً بذلك الوجود ومستفيداً منه تلك الأولويّة.

الثّاني: من حيث إنّه يتمّ بماهيّة تلك الغاية فاعليّته، فيكون هو ناقصاً في فاعليّته .

ولمّا كان تعالى تامّاً بذاته لا يتطرّق إليه نقصان أصلاً، فإذن لا غاية لفعله، بل هو فاعل بذاته، هذا ما ذكروه.(2)

ومن ذلك يظهر أنّ قولهم: إنّه لا غاية لفعله، أو أنّه غاية للوجود كلّه، أو أنّه غاية الغايات، على اختلاف العبارات ; معناه في الحقيقة نفي الغاية عن فعله تعالى، والإشارة إلى أنّ ذاته سبب لفاعليّته كما أنّ الغاية سبب لفاعليّة


1 . في ب: «مسلولة» وفي ج: «مساوية».
2 . راجع: الإشارات والتنبيهات: 3 / 143 ـ 144 / النمط السّادس ; وشرح المواقف: 8 / 204 ـ 205 / المقصد الثامن من المرصد السّادس; وشرح المقاصد: 4 / 301 ـ 302 .


صفحه 411

الفاعل الّذي يفعل (1) لغاية، فذاته بمنزلة الغاية. فلذلك أطلق عليها الغاية لا أنّها غاية حقيقة، كذا ذكره المحقّق الشريف.

ولا يبعد أن يحمل على الإشارة إلى ذلك قوله: وهي (2) ثابتةٌ لكلّ قاصد(3); أي لكلّ فاعل يفعل بالقصد ; أي بالاختيار الزّائد على الذّات كما هو مصطلح الحكماء.

فإن قلت: أليس أفعال الله تعالى عند الإماميّة معلّلة بالأغراض ؟

قلت: نعم، لكنّهم يفرّقون بين الغرض والغاية، فلا يجعلون الغرض علّة لفاعليّته تعالى، فيعنون بالغرض الحِكم والمصالح (4) الّتي تشتمل عليها الأفعال ممّا يجده العقل ويحكم به ويصير به الفعل حسناً أو قبيحاً.

فهم (5) في ذلك يوافقون الحكماء بحسب المعنى، وإن لم يطلق عند الحكماء (6) لفظ الغرض عليها، بل يجعلون لفظي الغرض والغاية مترادفين.


1 . في ج: جملة «مستكملاً بذلك الوجود ومستفيداً منه تلك الأولويّة ـ إلى ـ كما أنّ الغاية سبب لفاعليّة الفاعل الّذي يفعل» ساقطة.
2 . أي الغاية.
3 . فإنّ من يفعل بالقصد والاختيار إنّما يفعله لغاية وغرض .
4 . في ج: «الصّالح».
5 . أي الإماميّة.
6 . يعني أنّ الحكماء يقولون: إنّ أفعال الله تعالى لا يكون بلا حِكم ومصالح إلاّ أنّ الحكماء يطلقون الغرض والغاية بمعنى واحد، والإماميّون يطلقون الغاية بمعناها والغرض على الحكم والمصالح، بخلاف الأشاعرة، فإنّهم يجعلون الغرض والغاية كليهما بمعنى واحد لا يقولون بالمصالح والحكم، فالحكماء يخالفون الإماميّة في اللّفظ فقط، والأشاعرة يخالفونهم في اللّفظ والمعنى كليهما.


صفحه 412

بخلاف الأشاعرة ،(1) فإنّهم يوافقون الحكماء في هذه المسألة بحسب اللّفظ فقط، كما سيأتي تحقيق ذلك في الإلهيات إن شاء الله العزيز.


1 . إنّهم ذهبوا إلى أنّه لا يجوز تعليل أفعاله بشيء من الأغراض والعلل الغائيّة لانّه كلّ فاعل لغرض وقصد، فإنّه ناقص بذاته مستكمل بذلك الغرض، والله تعالى يستحيل عليه النّقصان . لاحظ البحث في : المواقف في علم الكلام: 331 ـ 332 ; وشرح تجريد العقائد: 340 ; وكشف المراد: المسألة الرابعة من الفصل الثالث من المقصد الثالث; ومفتاح الباب: 160 ـ 161 ; والنّافع يوم الحشر: 29 ; وشرح المقاصد: 4 / 301 ـ 302 . وذهب إليه أيضاً بعض الفلاسفة كشيخ الإشراق في المشارع والمطارحات: 427 ـ 429 .


صفحه 413

المبحث الثّاني

في إثبات الغايات للحركات الإراديّة

قال: وأمّا القوّةُ الحيوانيّةُ المحرّكةُ فغايتُها الوصولُ إلى المنتهى، وهو قد يكون غايةَ الشّوقيّة، وقد لا يكون، فإن لم تحصل فالحركةُ باطلةٌ وإلاّ فهو إمّا خيرٌ أو عادةٌ أو قصدٌ ضروريٌّ أو عبثٌ وجزافٌ.

أقول: واعلم: أنّ الحكماء أثبتوا ; لكلّ تحريك وفعل ـ سواء كان إراديّاً، أو طبيعيّاً ـ غاية .

والمصنّف خصّ هذا الحكم بالإراديّات.

وبالجملة: فإنّ في هذا المقام شكوكاً صَعبة:

منها: أنّه قد قيل: إنّه لا يجب أن يكون لكلّ فعل غايةٌ، فإنّ من الأفعال ما هو عبثٌ وليس له غاية ألبتة، (1) أو ليس له غاية هي خيرٌ أو مظنونةٌ خيراً.

والشّيخ في دفع هذه الشّبهة قال في " إلهيات الشّفاء " بهذه العبارة: «وأمّا بيان أمر العبث: فيجب أن يعرف انّ كلّ حركة إراديّة فلها مبدأ قريبٌ، ومبدأ بعيدٌ.(2)


1 . في ج: جملة «وليس له غاية ألبتة» ساقطة.
2 . ومبدأ أبعد.


صفحه 414

فالمبدأ القريب: هو القوّة المحرّكة الّتي في عضلة العضو .

والمبدأ الّذي يليه: هو الإجماع من القوّة الشّوقيّة .

والأبعد من ذلك: هو التخيّل أو التفكّر.(1)

فإذا ارتسم في التخيّل، أو الفكر النطقي صورة مّا، فحركت القوّة الشّوقيّة إلى الإجماع، خدمتها القوّة المحرّكة الّتي في الأعضاء.

فربّما كانت الصّورة المرتسمة في التخيّل، أو الفكر ; هي نفس الغاية الّتي ينتهي إليها الحركة .

وربّما كانت شيئاً غير ذلك، إلاّ أنّه لا يتوصّل إليه إلاّ بالحركة إلى ما تنتهي إليه الحركة،(2) أو يدوم عليه الحركة.(3)

مثال الأوّل: أنّ الإنسان ربّما زجر (4) عن المقام في موضع مّا، وتخيّل في نفسه صورة موضع آخر، فاشتاق إلى المقام فيه، فيتحرّك نحوه، وانتهت حركته إليه، فكان متشوّقه نفس ما انتهى إليه بتحريك القوى المحرّكة للعضلة.


1 . إشارة إلى أنّ تصوّر الغاية وأنّها قد تكون جزئيّة متخيّلة، وقد تكون عقليّة كليّة، وإدراك الغاية على وجه جزئي أو الكلّي من تتّمة تصوّر الفعل من حيث أنّه ملائم أو منافر، فلا يلزم أن يكون المبادي للأفعال الاختياريّة.
2 . لكونه مرتّباً على ما تنتهي إليه الحركة وموقوفاً عليه .
3 . إشارة إلى القوّة المحرّكة الفلكيّة، فإنّها ليست غايتها الوصول إلى المنتهى بل غايتها الدّوام على الحركة.
4 . في أ، ب و ج: «ضَجر» كما في المصدر.


صفحه 415

ومثال الثّاني: أنّ الإنسان قد يتخيّل في نفسه صورة لقائه لصديق له، فيشتاقه، فيتحرّك إلى المكان الّذي يقدّر مصادفته فيه، فينتهي حركته إلى ذلك المكان. ولا يكون نفس ما انتهت إليه حركته نفس المتشوّق الأوّل الّذي نزع إليه، بل معنى آخر، لكن المتشوّق يتّبعه أن يحصل بعده، وهو لقاء الصّديق.

فقد عرفت هذين القسمين، وتبيّن لك من ذلك بأدنى تأمّل أنّ الغاية الّتي ينتهي إليها الحركة في كلّ حال (1) من حيث هي غاية حركته، هي غاية أُولى حقيقيّة للقوّة الفاعليّة المحركة الّتي في الأعضاء .

وليس للقوّة المحرّكة في الأعضاء غاية غيرها، لكنّه ربّما كان للقوّة الّتي قبلها غاية غيرها .

فليس يجب دائماً أن يكون ذلك الأمر غاية للقوّة الشّوقيّة: تخييليّة كانت، أو فكريّة. ولا يجب أيضاً دائماً أن لا يكون، بل ربّما كانت، وربّما لم تكن، كما قد تبيّن لك في المثالين .

أمّا الأوّل منهما: فكانت الغاية فيهما (2) واحدة.

وأمّا الثّاني: فكانت مختلفة .

والقوّة المحرّكة الّتي في الأعضاء مبدأ حركة لا محالة،(3) والقوّة


1 . سواء كانت الغاية نفسَ ما انتهى إليه الحركة كالمثال الأوّل، أو لا يكون كذلك كما في المثال الثاني .
2 . أي في القوّة الشّوقيّة وفي القوّة المحرّكة الّتي في الأعضاء.
3 . في الصّورتين.


صفحه 416

الشّوقيّة أيضاً مبدأ أوّل لتلك الحركة، فإنّه لا يمكن أن تكون حركة نفسانيّة لا عن شوق ألبتة، لأنّ الشّيء الّذي لا ينبعث إليه القوّة،(1) ثمّ تنبعث إليه انبعاثاً نفسانيّاً يكون لشوق نفسانيّ لا محالة، قد حدث بعد ما لم يكن .

فإذن كلّ حركة نفسانيّة، فيكون مبدأها الأقرب قوّة محرّكة في عضل الأعضاء، ومبدؤها الّذي يليه شوق، والشّوق ـ كما علم في علم النّفس ـ تابع لتخيّل، أو فكر لا محالة، فيكون المبدأ الأبعد تخيّلاً، أو فكراً.

فإذن هاهنا مباد للحركة النفسانيّة .

منها واجبة بأعيانها ضرورة.

ومنها غير واجبة بأعيانها ضرورة.

والواجبة ضرورة: هي القوى المحرّكة في الاعضاء والقوّة الشّوقيّة.

وغير الواجبة: هي التخيّل والفكر، فإنّه ليس يجب (2) لا محالة أن يكون تخيّل و (3) لا فكر، أو فكر ولا تخيّل (4).

فلكلّ مبدأ حركة غاية لا محالة.


1 . أي الشّيء الّذي لا تنبعث إليه القوّة الشّوقيّة بشوق لم تنبعث إليه القوّة المحرّكة بتحريك الفعل.
2 . أي ليس يجب أن يكون شيء من التّخيّل فقط بدون الفكر، أو الفكر فقط بدون التّخيّل بل الواجب أحدهما.
3 . الواو: حالية. والفكر فاعل للفعل المحذوف بقرينة ذكره سابقاً أي لا يكون فكر.
4 . بل قد يجتمعان أي التخيّل والفكر وقد يفترقان وجوداً على سبيل منع الخلوّ.


صفحه 417

والمبدأ الّذي لابدّ (1) منه في الحركة (2) الإراديّة له غاية لابدّ منها.

والمبدأ الأوّل (3) الّذي منه (4) بدّ ; قد يوجد الحركة خالية عن غايته.

فإن اتّفق أن يتطابق المبدأ الأقرب ـ وهو القوّة المحرّكة ـ (5) والمبدآن اللّذان بعده ـ أعني: الشّوقيّة مع التخيّل، أو (6)الشّوقيّة مع الفكريّة ـ لكانت نهاية الحركة هي الغاية للمبادئ كلّها، وكان ذلك غير عبث لا محالة.

وإن اتّفق أن يختلف ـ أعني: أن لا يكون ما هو الغاية الذّاتيّة للقوّة المحرّكة غاية ذاتيّة للقوّة الشّوقيّة ـ وجب ضرورة أن يكون للقوّة الشّوقيّة غاية أُخرى بعد الغاية الّتي في القوّة المحرّكة الّتي للعضو.

وذلك لأنّا قد أوضحنا أنّ الحركة الإراديّة لا تكون بلا شوق، فكلّ ما هو شوق، فهو شوق لشيء، وإذا لم يكن لمنتهى الحركة كان لشيء آخر غيره لا محالة، وإذا كان ذلك الشّيء يراد لأجله الحركة، فيجب أن يكون بعد انتهاء الحركة.

وكلّ نهاية تنتهي إليها الحركة، أو تحصل بعد نهاية الحركة، ويكون الشّوق التخيّلي أو الفكري قد تطابقا (7) عليها، فبيّن أنّها غايةٌ إراديةٌ، وليست بعبث ألبتة.


1 . كالتّخيّل والفكر.
2 . كالقوّة الشّوقيّة.
3 . وهو المبدأ الأبعد الّذي هو التّخيّل والفكر.
4 . أي من خصوصيّته، وإلاّ فقد عرفت أنّ أحدهما واجب الحصول لكونه علّة للشّوق.
5 . بأن يكون الغاية، غاية لمجموعها.
6 . قوله: «أو» بمعنى الواو .
7 . يعني اتفقا عليه بأن يكون غاية لكليهما.


صفحه 418

وكلّ نهاية تنتهي إليها الحركة وتكون هي بعينها الغاية المتشوّقة المتخيّلة ولا تكون المتشوّقة بحسب الفكر(1)، فهي الّتي تسمّى العبث.

وكلّ غاية ليست هي نهاية الحركة ومبدؤها تشوّق تخيّلي غير فكري، فلا يخلو: إمّا أن يكون التخيّل وحده هو المبدأ لحركة الشّوق، أو التخيّل مع طبيعة أو مزاج مثل النّفس(2) أو حركة المريض، أو التخيّل مع خلق أو ملكة نفسانيّة داعية إلى ذلك الفعل بلا رويّة.

فإن كان التخيّل وحده هو المبدأ للشّوق، سمّي ذلك الفعل جزافاً ولم يسمّ عبثاً.

وإن كان تخيّل مع طبيعة مثل النّفَس، سمّي ذلك الفعل قصداً ضروريّاً أو طبيعياً.(3)

وإن كان تخيّل مع خلق أو ملكة نفسانيّة، سمّي ذلك الفعل عادة، لأنّ الخلق إنّما يتقرّر باستعمال الأفعال، فما يكون بعد الخلق (4) يكون عادة لا محالة.


1 . وإلاّ فهو خيرٌ.
2 . في بعض النسخ «التّنفس».
3 . المراد أنّ الفعل الّذي مبدؤه هو التّخيّل مع طبيعة أو مزاج يسمّى بكلّ من هذين الاسمين سواء كان التّخيّل مع طبيعة أو مزاج.
4 . الفرق بين ما يحصل بالعادة وبين ما يحصل بالصّناعة، أنّ ما يحصل بالصّناعة يكون باختيار الصّانع وما يحصل بالعادة لا يكون بقصد القاصد.


صفحه 419

وإن كانت الغاية الّتي للقوّة المحركة وهي نهاية الحركة موجودة ولم يوجد الغاية الأُخرى الّتي بعدها وينحوها التشوّق، وهي غاية التشوّق، فيسمّى ذلك الفعل باطلاً، كمن حصل في المكان الّذي قدّر فيه مصادفةَ الصّديق ولم يصادفه هناك، فسَمَّى فعله باطلاً (1) بالقياس إلى القوّة المشوّقة، دون القوّة المحرّكة، وبالقياس إلى الغاية الأُولى، دون الغاية الثّانية.

وإذا تقرّرت هذه المقدّمات، فقول القائل «إنّ العبث فعل من غير غاية ألبتة» هو قول كاذب.

وقول القائل أيضاً «إنّ العبث فعل من غير غاية ألبتة، هي خيرٌ أو مظنونةٌ خيراً» هو قول كاذب أيضاً .

أمّا الأوّل: فإنّ الفعل إنّما يكون بلا غاية إذا لم يكن له غاية بالقياس إلى ما هو مبدأ حركته، لا بالقياس إلى ما ليس مبدأ الحركة، وإلى أيّ شيء اتّفق.

وما مثّل به في الشّك (2) من اللّعب باللّحية، فمبدأ حركته القريبة هو القوّة الّتي في العضلة، والّذي قبله شوق تخيّليّ بلا فكر، وليس مبدؤه فكراً ألبتة، فليست فيه غاية فكريّة، وقد حصلت فيه الغاية الّتي للتشوّق التّخيليّ وللقوّة المحرّكة .

فبيَّنٌ أنّ هذا الفعل بحسب مبدئه المحرّك، منته إلى غاية، وأنّه إنّما لا يتحرّك إلى غاية بحسب ما ليس مبدؤه المحرّك .


1 . أي بالقياس إلى مبدأ لم يوجد غايته.
2 . أي في الاعتراض .


صفحه 420

ولا يجب أن يظنّ أنّ هذا يصدر لا عن شوق تخيّلي ألبتة، فإنّ كلّ فعل نفسانيّ كان بعد ما لم يكن، فهناك شوق ما لا محالة وطلب نفسانيّ، وذلك مع تخيّل ما، إلاّ أنّ ذلك التخيّل ربّما كان غير ثابت، بل سريع البطلان، أو كان ثابتاً، ولكن لم نشعر به، فليس كلّ من تخيّل شيئاً يشعر مع ذلك ويحكم أنّه قد تخيّل، وذلك لأنّ التخيّل غير الشّعور بأنّه قد تخيّل. وهذا ظاهر، ولو كان كلّ تخيّل يتبعه شعور بالتخيّل، لذهب الأمر إلى غير النّهاية.

وأمّا الثّاني: فإنّ لانبعاث هذا الشّوق علّة مّا لا محالة:

إمّا عادة.

وإمّا ضجر عن هيئة وإرادة انتقال إلى هيئة أُخرى.

وإمّا حرص من القوى المحرّكة والمُحِسَّة على أن يتجدّد لها (1) فعل تحريك أو (2) إحساس .

والعادة لذيذة، والانتقال عن المملول لذيذ، والحرص على الفعل الجديد لذيذ ، أعني بحسب القوّة الحيوانيّة والتخييليّة.

فاللّذة هي الخير الحسّي والتخيّلي والحيواني بالحقيقة، وهي المظنونة خيراً بحسب الخير الإنساني.

فإذا كان المبدأ تخيّلياً حيوانيّاً فيكون خيره لا محالة خيراً تخيليّاً


1 . أي القوى الّتي توجب الإحساس.
2 . في المصدر: «وإحساس».


صفحه 421

حيوانيّاً، فليس إذن هذا الفعل خالياً عن خير بحسبه، وإن لم يكن خيراً حقيقيّاً ; أي بحسب العقل .

ثمّ وراء هذا علل لتخصيص هيئة دون هيئة من الحركات جزئية لا يضبط»(1). هذا كلام "الشفاء" .

وإلى هذا أشار المصنّف (رحمه الله) بقوله: وأمّا القوّةُ الحيوانيّة المحرّكة فغايتُها الوصول إلى المنتهى.

وإنّما قيّد بـ «الحيوانيّة» لأنّ القوّة المحركة الفلكيّة ليست غايتها الوصول إلى المنتهى، بل غايتها الدّوام على الحركة.

وهذا هو مراد الشّيخ فيما مرّ من قوله: «أو يدوم عليه الحركة».

وهو (2) ; أي الوصول إلى المنتهى(3) قد يكون غاية للقوّة الشّوقيّة أيضاً كما مرّ في المثال الأوّل .(4)

وقد لا يكون الوصول إلى المنتهى غاية للشوقيّة، بل يكون لها مرتبة


1 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 284 ـ 288 / الفصل الخامس من المقالة السّادسة.
2 . ومن هنا إشارة إلى انقسامات الحركة الحيوانيّة وهي ستة أقسام: فالأوّل: وهو ما يتّحد الوصول إلى المنتهى وغاية القوّة الشّوقيّة . وإليه أشار بقوله: «وهو أي الوصول إلى المنتهى قد يكون غاية للقوّة الشّوقيّة الخ».
3 . فقط، مثاله: أنّ الإنسان ربما يضجر عن المقام في بلده فيتخيّل في نفسه صورة موضع آخر فيتحرّك نحوه لرفع ضجره، فإنّ غاية قوّته الشّوقيّة هو نفس الوصول إلى المنتهى.
4 . في كلام الشّيخ .


صفحه 422

أُخرى مترتبة على الوصول إلى المنتهى(1)، كما مرّ في المثال الثاني .(2)

وحينئذ فإن لم يحصل (3) الغاية الّتي هي للشوقيّة مع الوصول إلى المنتهى، فالحركة باطلة بالقياس إلى القوّة الشوقيّة،(4) حيث لم يترتّب عليها ما هو غاية لها بالقياس إليها .

وإلاّ; أي وإن حصلت فهو(5); أي تلك الحركة والتّذكير باعتبار الخير: إمّا خيرٌ(6) إن كان مبدأ التّشوّق هو التفكّر .

أو عادةٌ (7) إن كان (8) هو التخيّل مع خلق وملكة نفسانيّة كـ «اللّعب باللّحية » .

أو قصدٌ ضروريٌّ(9) إن كان (10) هو التخيّل مع طبيعة كـ «التنفّس»، أو مع مزاج كـ « حركة المريض » .


1 . كما لو تحرّك الإنسان إلى مكان للقاء حبيبه، فإنّ غاية القوّة الشّوقيّة هي لقاء الحبيب وهومغائر للوصول إلى المنتهى فقط .
2 . أي في كلام الشّيخ .
3 . هذا إشارة إلى القسم الثاني من أقسام الحركة الحيوانيّة.
4 . وذلك كما لو تحرّك إلى بلد للقاء حبيبه فلم يجده .
5 . هذا إشارة إلى القسم الثالث من أقسام الحركة الحيوانيّة.
6 . كما لو ذهب للقاء الصديق فرآه.
7 . هذا إشارة إلى القسم الرابع من أقسام الحركة الحيوانيّة.
8 . المبدأ.
9 . هذا إشارة إلى القسم الخامس من الحركة الحيوانيّة.
10 . المبدأ.


صفحه 423

أو عبثٌ وجزافٌ (1) إن كان المبدأ هو التخيّل وحده من غير انضمام شيء آخر إليه.(2)

فعلى هذا; العبث والجزاف مترادفان. وهذا يخالف ما مرّ في كلام الشّيخ; فإنّ العبث في كلام الشّيخ كان هو الفعل الّذي يكون نهاية الحركة فيه هي غاية للشوق التخيّلي دون الفكري. والجزاف ما يكون أمراً آخر غير نهاية الحركة كذلك.(3) وصرّح بأنّ ذلك الفعل سمّي جزافاً ولم يسمّ عبثاً.

والشّارح القديم تفطّن لذلك،(4) ولعلّه نظر في كلام الشّيخ، فأورد الأقسام على ما يطابق كلام الشّيخ إلاّ أنّه لم ينسب ذلك إلى الشّيخ ولا إلى غيره.

ثمّ قال (5): وبعض ما ذكرنا يخالف ما في المتن لكن الصّحيح هذا.

وقال المحشّي الشّريف بهذه العبارة(6) : واعلم أنّ المذكور في " المباحث المشرقيّة "(7) و " الملخّص "موافق لما في المتن .


1 . هذا إشارة إلى القسم السّادس من الحركة الحيوانية.
2 . كمن يخطّ على الأرض عبثاً، فإنّ غاية القوّة الشّوقيّة ـ وهي الخطّ على الأرض ـ تغائر الوصول إلى المنتهى الّذي هو عبارة عن وصول اليد المتحرّكة إلى الأرض .
3 . أي غاية للشّوق التخيّلي دون الفكري.
4 . أي مخالفة المتن لكلام الشّيخ .
5 . الشّارح القديم.
6 . لم نعثر عليها في المصدر.
7 . لاحظ: المباحث المشرقيّة: 1 / 535 ـ 537 / الفصل الخامس من القسم الرّابع.


صفحه 424

ومن ثمّ قيل: إن أراد الشّارح (1) أنّه اصطلح على ما ذكره ; فلا نزاع معه، إذ لكلّ أحد أن يصطلح على ما يشاء.

وإن أراد نقل اصطلاح آخرين ; فالإمام أعرف به منه، فما وجه جزمه بصحة قوله دون غيره ؟

وقد ذكر في " شرح الملخّص" ما يؤيّد كلام الشّارح: وهو أنّ «الجزاف لا يسمّى عبثاً، لكن الإمام سمّاه في هذا الكتاب أيضاً عبثاً». انتهى كلام الشّريف. وهو موضع تعجّب .(2)


1 . أي الشارح القديم.
2 . حيث غفل عن عبارة الشّيخ في الشّفاء، وكان ما ذكره في الشرح مخالفاً لما ذكره في الحاشية.


صفحه 425

المبحث الثالث

في إثبات الغايات للحركات الطبيعيّة

قال: وأثبتوا للطبيعيّات غايات.

أقول: ومنها (1): ما أورد على إثبات الغايات للطبيعيّات :

أمّا بيان إثباتها لها ; فهو أنّا نشاهد في الأُمور الطبيعيّة من قواها وطبائعها تحريكات وتأثيرات متأدّية إلى أُمور مترتّبة عليها ترتّب الغاية على ذي الغاية، بحيث يحكم العقل حكماً جزميّاً بأنّ تلك التّحريكات إنّما كانت لأجل الأُمور المتأدّية هي إليها .

ولا نعني بالغاية إلاّ ما لأجله تحرّك الشّيء كما مرّ.

وذلك ـ أعني: تأدّي تلك التّحريكات إلى تلك الأُمور تأدّي ذي الغاية إلى الغاية ـ ظاهر جدّاً لمن تأمّل فيها حق التأمّل.

ألا ترى أنّه لا ينبت من حبّة البُرّ إلاّ البُرّ. ومن حبّة الشّعير إلاّ الشّعير. ولا يلد من نطفة الإنسان غير الإنسان. ومن نطفة الحمار غير الحمار ـ إلى غير ذلك ـ على سبيل اللّزوم والدّوام، بحيث لا يتخلّف إلاّ لمانع.


1 . أي من الشّكوك الواردة.


صفحه 426

وليس ذلك إلاّ لقوّة مودعة في حبّة البرّ مثلاً متوجهة تحريكاتها نحو حصول البرّ، فيترتّب عليها ذلك حيث لا عائق عنه.

هذا هو بيان إثبات الغاية للطّبيعة على سبيل الإجمال. وسيظهر لك في تضاعيف ما يورد في دفع الشّكوك بيانه على وجه التّفصيل .

شكوك في عدم ثبوت الغايات للطبيعيّات وجوابها

وأمّا تقرير الشك المورد عليه، فهو أنّه لا يمكن أن يكون لتحريكات الطبيّعة غاية لوجوه:

الأوّل: أنّ الغاية يجب أن تكون بوجودها الذّهني علّة لفاعليّة الفاعل كما مرّ. والطبيّعة لا شعور لها ليكون للغاية وجود ذهنيّ عندها، ولا رويّة لها ليمكنها ارتياد غاية دون غاية واختيارها .

والجواب عنه: أنّ صور الغايات في الحركات الطبيعيّة ووجوداتها الذّهنيّة إنّما هي عند مبدأ أَجلّ وأَعلى من الطبيعة لا عند الطبيعة، وإن كانت هي مباشرة للتّحريك، لكونها مسخّرة لمبدأ آخر هو فوقها.

وصورة الغاية إنّما يجب كونها عند الفاعل المباشر إذا لم يكن مسخّراً لغيره. وأمّا إذا كان المبدأ في الحقيقة هو غيره على سبيل تسخيره إيّاه(1)،


1 . كما في القوّة المحرّكة الحيوانيّة أيضاً، فإنّ صورة الغاية ووجودها الذّهني ليس عندها بل في مبدأ أعلى منها مسخّراً إيّاها وهو إمّا الخيال أو الفكر.


صفحه 427

فيكفي كون الصّورة عند المسخِّر إيّاه، فإنّه قد جعله بحيث يؤدّي تحريكه إلى غاية .

على أن كون صورة الغاية عند الفاعل لا يجب أن يكون على سبيل الشّعور النّفساني، بل يكفي أن يكون على سبيل الاقتضاء الجِبِلّي. وقد ذهبوا إلى أنّ للطّبيعة شوقاً جبليّاً طبيعيّاً تسخّريّاً إلى كمالاتها وغاياتها، وهو الّذي يقتضي حركتها إليها (1)وإن لم يكن لها شعور نفسانيّ بها. صرّح بذلك الشّيخ في " طبيعيّات الشّفاء " .

وإلى هذا أشار في " إلهيّات الشّفاء " بقوله: «ويشبه أن تكون الأُمور الطبيعيّة صورها عند العلل المتقدّمة للطّبيعة بنوع، وعند الطّبيعة على طريق سبيل التّسخير بنوع. انتهى»(2).

وأمّا الرّويّة. فقال الشّيخ في " طبيعيّات الشّفاء " في جواب ذلك: «إنّ الرّويّة ليست لتجعل الفعل ذا غاية، بل لتعيّن الفعل الّذي نختار من بين سائر أفعال جائز اختيارها، لكلّ واحد منها غاية تخصّه، فالرّويّة لأجل تخصيص الفعل لا لجعله ذا غاية .

ولو كانت النّفس مسلّمة عن النّوازع المختلفة والمعارضات المتفننة، لكان يصدر عنها فعل متشابه على نهج واحد من غير رويّة.

وإن شئت أن تستظهر في هذا الباب، فتأمّل حال الصّناعة، فإنّ الصّناعة


1 . قوله: «إليها» متعلّق بحركات.
2 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 283 / الفصل الرابع من المقالة السّادسة.


صفحه 428

لا يشكّ في أنّها لغاية وإذا صارت ملكة لم يحتج في استعمالها إلى الرويّة وصارت بحيث إذا حضرت الرويّة تعذّرت(1) وتبلد الماهر فيها عن النفاذ فيما يزاوله(2) كمن يكتب أو يضرب بالعود .

فإنّه إذا أخذ يروي في اختيار حرف حرف، أو نغمة نغمة، وأراد أن يقف على عددها تبلّد وتعطل .

وإنّما تستمر على نهج واحد فيما يفعله بلا رويّة في كلّ واحد واحد ممّا يستمرّ فيه، وإن كان ابتداء ذلك الفعل وقصده إنّما وقع بالرّويّة، وأمّا المبنيّ على ذلك الأوّل والابتداء فلا يروي فيه .

وكذلك حال اعتصام الزالق بما يعصمه ومبادرة اليد إلى حك العضو المستحك من غير فكرة ولا رويّة ولا استحضار لصورة ما يفعله في الخيال.

وأوضح من هذه، القوّة النّفسانيّة إذا حركت عضواً ظاهراً يختار تحريكه، فليس تحريكه بالذّات وبلا واسطة، بل إنّما يحرّك بالحقيقة العضل والوتر، فيتبعه تحريك ذلك العضو، والنفس لا تشعر بتحريكها العضلة، مع أنّ ذلك الفعل اختياريّ وأوّلي. انتهى، فتدبّر فيه جدّاً ينفعك إن شاء الله».(3)

والثّاني:(4) أنّ التحريكات الطّبيعية لا تنتهي إلى حَدٍّ يقف عنده، كما في الكون والفساد، فإنّه لا غاية لهما يقفان عندها، لأنّ بعد كلّ كائن كائناً إلى


1 . في ج: «تعدّدت» كذا في المصدر.
2 . في ب: «يزاد له».
3 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 72 / الفصل الرابع عشر من المقالة الأُولى .
4 . من الشّكوك.


صفحه 429

ما لا يتناهى، والغاية يجب أن يقف عندها تحريك العلّة الفاعليّة .

وقد أجاب الشّيخ عنه في " إلهيات الشّفاء " بالفرق بين الغاية بالذات وبين الضروري الّذي هو أحد الغايات بالعرض، قال: «والفرق بينهما أنّ الغاية بالذّات هي الغاية الّتي تطلب لذاتها، والضّروريّ أحد ثلاثة أُمور:

إمّا أمر (1) لابدّ من وجوده حتّى يوجد الغاية على أنّه علّة للغاية بوجه، مثل صلابة الحديد حتّى يتمّ القطع به .

وإمّا أمر لابدّ من وجوده حتّى يوجد الغاية لا على أنّه علّة للغاية، بل على أنّه لازم للعلّة، مثل أنّه لابدّ من جسم أدكن حتّى يتمّ القطع به، وإنّما لم يكن بدّ من جسم أدكن لا لدكنة، لكن لأنّه كان لازماً للحديد الّذي لابدّ منه.

وإمّا أمر لابدّ من وجوده لازماً للعلّة الغائيّة بنفسها، مثل: أنّ العلّة الغائيّة في أمر التّزويج مثلاً التوليد، ثمّ التوليد يتبعه حبّ الولد ويلزمه، لأنّ التّزويج كان لأجله .

فهذه كلّها غايات بالعرض الضّروري، لا العرض الاتّفاقي .(2)

ثمّ قال: فنقول (3): أمّا أشخاص الكائنات الغير المتناهية، فليست هي بغايات ذاتيّة في الطّبيعة .

ولكن الغاية الذاتيّة هي مثلاً: أن يوجد الجوهر الّذي هو الإنسان، أو


1 . أي أمر مقدّم بحسب الوجود على الغاية.
2 . مثل الوقوف على الكنز في حفر البئر.
3 . هذا شروع في الجواب .


صفحه 430

الفرس، أو النخلة، وأن يكون هذا الوجود وجوداً دائماً ثابتاً. وكان هذا ممتنعاً في الشّخص الواحد المشار إليه، لأنّ كلّ كائن يلزمه ضرورة الفساد ـ أعني: الكائنات من الهيولى الجسمانيّة ـ ولمّا امتنع في الشّخص استبقى بالنّوع.

فالغرض الأوّل إذن هو بقاء الطّبيعة الإنسانيّة مثلاً، أو غيرها (1)، و(2) شخص منتشر غير معيّن، وهو العلّة التّماميّة لفعل الطبيعة الكلّية ; وهو واحد، لكن هذا الواحد (3) لابدّ في حصوله باقياً من أن يكون أشخاص بعد اشخاص بلا نهاية. فيكون لا تناهي الأشخاص بالعدد غرضاً على معنى الضّروري من القسم الأول،(4) لا على أنّه غرض بنفسه، لأنّه لو أمكن أن يبقى الإنسان دائماً كما تبقى الشّمس والقمر لما احتيج إلى التوليد والتكاثر بالنّسل.

على أنّه وإن سلّمنا أنّ الغرض (5) كان لا تناهي الأشخاص، كان لا تناهي الأشخاص معنى غير معنى كلّ شخص شخص، وإنّما يذهب بلا نهاية شخص بعد شخص، لا تناه بعد لا تناه. فإذن الغاية بالحقيقة هاهنا موجودة، وهي وجود شخص منتشر،(6) أو لا تناهي الاشخاص(7).

ثمّ الشّخص الّذي يؤدّي إلى شخص آخر إلى ثالث وإلى رابع ليس هو بعينه غاية للطبيعة الكلية، بل للطبيعة الجزئيّة. فإذن هي غاية للطّبيعة الجزئيّة،


1 . كالفرس.
2 . في المصدر: «أو».
3 . أي الطّبيعة الكلّية.
4 . الّذي يكون الغرض الضّروري فيه علّة للغاية.
5 . أي الغاية بالذّات.
6 . على الأوّل .
7 . على الثّاني.


صفحه 431

فليس غيرها (1) بعدها غرضاً وغاية لتلك الطّبيعة الجزئيّة الّتي هي غايتها.

وأعني: بالطّبيعة الجزئيّة القوّة الخاصّة بالتّدبير بالشخص الواحد.

وأعني: بالطّبيعة الكلّية القوّة الفائضة في جواهر السّماويّات كشيء واحد (2) وهي المدبّرة لكلّية ما في الكون. انتهى كلام " الشّفاء"».(3)

الثّالث:(4) أنّه لو كانت الطّبيعة تفعل لأجل شيء، لما كانت التّشويهات والزّوائد (5) والموت في الطّبيعة ألبتّة، فإذن هذه الأحوال ليست بقصد .

ولو كان تأدّي الأسباب إلى مسبباتها على الدّوام أو الأكثريّة يقتضي أن يكون المتأدّى إليه غاية لتلك الأسباب، كان كلّ ما يتأدّى إليه الطبيعة على الدّوام أو الأكثريّة غاية، فكان جميع ما ذكرنا، وغير ذلك كـ «الهرم والذّبول والفساد» ممّا يتأدّى الطّبيعة إليها غايات للطّبيعة. وفساده ظاهر.(6)

وقد أجاب الشّيخ عن ذلك في " طبيعيّات الشّفاء " بقوله: «وأمّا حديث التشويهات وما يجري مجراها، فإنّ بعضها هو نقص وقبح وقصور عن المجرى الطّبيعي، وبعضها زيادة.


1 . الضّمير في قوله: «غيرها وبعدها» راجع إلى الشّخص وتأنيثها باعتبار كونه غاية.
2 . قوله: «واحد» حال عن قوله: «جواهر السماوات» أي يفيض فيها حال كونها كشيء واحد قوّة واحدة مدبّرة لكليّة ما في الكون، وهي نفس الكلّ.
3 . إلهيّات الشّفاء: 2 / 288 ـ 291 / الفصل الخامس من المقالة السّادسة.
4 . من الشكوك.
5 . في ب: «الزّوايل».
6 . لاستحالة كون الضدّين مثلاً غاية لشيء واحد.


صفحه 432

وما كان نقصاً وقبحاً، فهو عدم فعل لعصيان المادّة، ونحن لم نضمن أنّ الطّبيعة يمكنها أن تحرّك كلّ مادّة إلى الغاية، ولا ضمنّا أنّ لأعدام أفعالها غايات، بل إنّما ضمنّا أنّ أفعالها في المواد الطّبيعيّة المطيعة الّتي لها هي الغايات، وهذا لا يزاحم ذلك .

والموت والذّبول، هو لقصور الطّبيعة البدنيّة عن إلزام المادّة صورتها وحفظها إيّاها عليها بإدخال بدل ما يتحلّل .

ونظام الذّبول ليس أيضاً غير متأدّ إلى غاية ألبتة، فإنّ لنظام الذّبول سبباً غير الطّبيعة الموكّلة بالبدن وذلك السّبب هو الحرارة، وسبباً هو الطّبيعة ولكن بالعرض .(1)

ولكلّ منهما غاية .

فالحرارة غايتها تحليل الرّطوبة وإحالتها، فتشوّق المادّة إليه (2) على النّظام، وذلك غاية .

والطّبيعة الّتي في البدن غايتها حفظ البدن ما أمكن بإمداد بعد إمداد، لكن كلّ مدد يأتي فإنّ الاستمداد منه أخيراً يقع أقلّ من الاستمداد منه بدياً لعلل تذكر في العلوم الجزئيّة، فيكون ذلك الإمداد بالعرض سبباً لنظام الذّبول.

فإنّ الذّبول من حيث هو ذو نظام ومتوجّه إلى غاية فهو فعل


1 . يعني أنّ كلاًّ من السّببين سبب للذبول بالعرض.
2 . أي إلى التّحليل.


صفحه 433

الطّبيعة،(1) وإن لم يكن فعل طبيعة البدن. ونحن لم نضمن أنّ كلّ حال للأُمور الطّبيعيّة يجب أن يكون غاية للطّبيعة الّتي فيها، بل قلنا: إنّ كلّ طبيعة تفعل فعلها، فإنّما يفعله لغاية لها،