welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام- الجزء الاول*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام- الجزء الاول

صفحه 1

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

1


صفحه 2

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )

النحل: 125


صفحه 3

تقديم وإشراف

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

الجزء الأوّل

للحكيم المتألّه والمتكلّم البارع عبد الرزاق اللاهيجي

(المتوفّى 1072 هـ )

تحقيق

الشيخ أكبر أسدعلي زاده


صفحه 4

لاهيجي ، عبد الرزاق بن علي، قرن 11 ق .

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / عبد الرزاق اللاهيجي ; تقديم وإشراف جعفر السبحاني ; تحقيق أكبر أسد علي زاده . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)،1428 ق . = 1385 .

ج.    ISBN 964 - 357 - 189 - 0 (ج.1)

ISBN 964 - 357 - 190 - 4(دوره)

انجزت الفهرسة وفقاً لمعلومات فيبا .

1 ـ نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، 597 - 672 ق. تجريد الكلام في تحرير العقايد الإسلام ـ ـ نقد و تفسير. 2. كلام شيعه اماميه ـ ـ متون قديمى تا قرن 14. الف. نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، 597 ـ 672 ق. تجريد الكلام في تحرير العقايد الإسلام. شرح. ب. سبحاني تبريزي، جعفر، 1308 ـ ، مشرف . ج. أسد عليزاده، اكبر، 1343 ـ ، محقق . د. عنوان. هـ . عنوان : تجريد الكلام في تحرير العقايد الإسلام. شرح .

1385 3028ت6ن/ 210 BP    4172 / 297

إسم الكتاب:   … شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام/ الجزء الأوّل

المؤلّــف:   … عبد الرزاق اللاهيجي

تقديم وإشــراف:   … آية الله جعفر السبحاني

المحقّـق:   … أكبر أسد علي زاده

الطبعــة:   … الثانية ـ 1428 هـ ـ طبعة مزيدة ومنقحة

المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

الكمّيّـة:   … 1000 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

توزيع

مكتبة التوحيد

ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء

?7745457 ـ 2925152 فاكس 2922331

:imamsadiq@gmail.comالبريد الإلكتروني

www.imamsadeq.org العنوان في شبكة المعلومات


صفحه 5

تقديم: آية الله جعفر السبحاني

إنّ شرف كلّ علم بشرف موضوعه والغاية الّتي تُتوخى منه ، ولمّا كان موضوع علم الكلام، هو معرفة الله سبحانه وصفاته وأفعاله، فإنّ هذا العلم يعدّ من أشرف العلوم.

ولذلك اشتهر علم الكلام بالفقه الأكبر، ومعرفة الوظائف العمليّة بالفقه الأصغر.

إنّ الكتاب العزيز هو الّذي فتح باب التّفكير في المعارف الإلهيّة، وحثّ الإنسان عليه في نصوص كثيرة، حتّى أنّه أشار في مجال إثبات المبدأ وإبطال بعض الفروض المزعومة إلى أتقن البراهين وألطفها، قال سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَىء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)(1).

ونحن إذا تدبّرنا الذكر الحكيم وقرأنا حِجاجَ إبراهيم (عليه السلام)وحواره مع عبدة الأجرام السماويّة، لوجدنا فيه أنصع البراهين وأتقنها في إبطال ربوبيّتها.


1 . الطور: 35 .


صفحه 6

قال جل شأنه: (وَ كَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَيْلُ رَءَا كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِى رَبِّى لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّى هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّى بَرِىءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ حَنِيفًا وَ مَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَ حَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّى فِى اللهِ وَ قَدْ هَدَانِ وَ لاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّى شَيْئاً وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىء عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَ كَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَ لاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَ هُمْ مُّهْتَدُونَ)(1).

ثمّ يقول: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَات مَّنْ نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ )(2).

إنّ الإمعان في تلك الآيات يرشدنا إلى النقاط المهمّة التّالية:

1. إنّ توحيده سبحانه بمعنى أنّه الربّ، ولا ربّ سواه، هو عبارة أُخرى عن ملكوت السماوات والأرض الّذي أراه سبحانه لإبراهيم (عليه السلام)، فكأنّ لصحيفة الكون من السماوات والأرض وجهين، هما :

أ. وجه ظاهري، وهو ما يشاهده الإنسان ويستكشف أسراره ومكامنه.


1 . الأنعام: 75 ـ 82 .
2 . الأنعام: 83 .


صفحه 7

ب. ووجه غيبي، وهو قيام الكون بالله سبحانه قياماً صدوريّاً لا غنى له عنه حدوثاً وبقاءً. وهذا هو المراد من ملكوتهما.

2. إنّ الحجج الدّامغة والبراهين السّاطعة المعتمدة على أدوات المعرفة الرّصينة، لها من الشرف والكرامة منزلة عالية ومكانة رفيعة بحيث يصفها بكونها حجّته : (وَ تِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا) .

3. إنّ المعرفة القائمة على البراهين السّاطعة الرّصينة تكون سبباً لرفع الدرجة وتفضيل حاملها على غيره، ولذلك فُضِّل إبراهيم (عليه السلام)بها على غيره (نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (1).

4. إنّ المتألّهين في حكمته سبحانه والبراهين الّتي توصلهم إلى معرفته هم مظاهر أسمائه سبحانه وصفاته، ولذلك يقول سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ).

***

إنّ القرآن الكريم هو المنطلق الأوّل لعلم الكلام، ثمّ السنّة النبويّة وخُطب الإمام علي (عليه السلام)، وأحاديث العترة الطّاهرة (عليهم السلام).

فقد روي عنهم(عليهم السلام) في مجال البرهنة على العقائد والأُصول، مايُبهر العقول ويهزّ الشعور. وممّا يثير العجب أنّ جماعة من السّلفيّين في القرون الأُولى منعوا التفكير ودعوا النّاس إلى الأخذ بالظّواهر، بحجّة: «أنّا أُعطينا العقل لإقامة العبوديّة لا لإدراك الرّبوبيّة، فمن شغل ما أُعطي لإقامة العبوديّة


1 . الأنعام: 83 .


صفحه 8

بإدراك الرّبوبيّة، فاتته العبوديّة ولم يدرك الرّبوبيّة» (1).

فلو أخذنا بقول هذا القائل، لَلَزم حذف كثير من الآيات الّتي تحتوي على براهين واضحة في مجال الإلهيّات، ومعرفة الحقّ صفات وأفعالاً.

ولأجل ذلك قام علماء الإسلام (من الشّيعة والسنّة) بتدوين مسائل علم الكلام منذ أواخر القرن الأوّل إلى يومنا هذا، وإن كان سهم الشّيعة في الدّعوة إلى التّفكير ومكافحة الجمود هو السهم الأكبر.

وفي هذا الإطار قامت اللّجنة العلميّة في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)بترجمة متكلّمي الشّيعة منذ القرن الأوّل إلى نهاية القرن الرابع عشر ضمن موسوعة في خمسة أجزاء بتقديم منّا، وذكرنا في مقدّمة الجزء الأوّل أهميّة التّفكير ونقدنا أدلّة المخالفين للتفكّر المنطقي على وجه لا يبقي للقارئ المنصف أيّ شكّ وريب في لزوم التدبّر والتّفكير في المعارف الإلهيّة، فمن أراد التّفصيل فليرجع إلى الجزء الأوّل من كتاب "معجم طبقات المتكلّمين " .

المحقّق الطوسي و " تجريد الكلام "

يُعدّ نصير الدّين المعروف بالمحقّق الطوسي (597 ـ 672 هـ) من النوابغ القلائل الذين لا يسمح بهم الزمان إلاّ في فترات يسيرة. وإليك كلمات بعض الأعلام في حقّه :

قال تلميذه العلاّمة الحليّ (648 ـ 726 هـ) : كان أفضل أهل زمانه في العلوم العقليّة والنقليّة، وله مصنّفات كثيرة في العلوم الحكميّة والأحكام الشرعيّة


1 . الإثبات والتفويض لرضا نعسان معطي نقلاً عن الحجة في بيان المحجة: 33 .


صفحه 9

على مذهب الإماميّة، وكان أشرف مَن شاهدناه في الأخلاق.

وقال الصفدي : كان رأساً في علم الأوائل، لا سيّما في الإرصاد والمجسطي. ثمّ وصفه : بالجود والحلم وحسن العشرة والدهاء.

وقال بروكلمان الألماني: هو أشهر علماء القرن السابع، وأشهر مؤلّفيه إطلاقاً. (1)

وقال الدّكتور مصطفى جواد البغدادي: أنشأ نصير الدّين الطوسي دار العلم والحكمة والرّصد بمراغة من مدن آذربيجان، وهي أوّل مجمع علميّ حقيقيّ " أكاديميّة " في القرون الوسطى بالبلاد الشرقيّة، فضلاً عن الأقطار الغربية الجاهلة أيامئذ.(2)

وقد قام بترجمته العديد من المحقّقين حتّى المستشرقين، ولا يمكن لنا في هذه العجالة بيان ما للمحقّق من علم وفضل وذكاء ودهاء وآثار وتآليف، وما كان له من دور مهم في خدمة الدّين ودفع خطر المغول عن الإسلام والمسلمين بعد استيلائهم على الحواضر الإسلاميّة(3). إذ لا يسع المقام لشرح ذلك، وإنّما المهمّ هو الإشارة إلى أحد آثاره المهمّة .

تجريد الكلام في تحرير عقائد الإسلام

يُعتبر كتاب " تجريد الكلام في تحرير عقائد الإسلام " مع وجازته من


1 . معجم طبقات المتكلّمين: 2 / 410 برقم 279 ; موسوعة طبقات الفقهاء: 7 / 243 برقم 2589 .
2 . في مقدمته لكتاب «مجمع الآداب في معجم الألقاب»: 20 .
3 . راجع الجزء الرابع من موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل» فقد دفعنا عنه سهام التهم والطعن من الحاقدين عليه .


صفحه 10

أشهر كتبه، والّذي لم يزل منذ تأليفه إلى يومنا هذا مطمحاً للمفكّرين وكبار المتكلّمين، وقد توالت عليه الشّروح والتّعاليق عبر ثمانية قرون، وهو مع صغر حجمه يشتمل على أُمّهات المسائل الكلاميّة، ويبحث في ثلاثة محاور :

الأوّل: الأُمور العامّة الّتي يطلق عليها " الإلهيّات بالمعنى الأعمّ"، ويبحث فيه عن الوجود والعدم وأحكام الماهيات، والموادّ الثّلاث ـ الوجود والإمكان والامتناع ـ والقدم والحدوث، والعلة والمعلول، وغيرها من المسائل الّتي تبحث عن أحكام الوجود بما هو هو .

الثاني: الجواهر والأعراض الّتي يطلق عليها " الطبيعيّات " ، ويبحث فيه عن الأقسام الفلكيّة والعنصريّة والأعراض التّسعة، على وجه التفصيل .

الثالث: "الإلهيّات بالمعنى الأخص " ويبحث فيه عن الأُصول الخمسة .

وهذا هو الشيخ علاء الدّين علي بن محمد (المتوفّى 879 هـ) المعروف بـ  " القوشجي " يعرفه في شرحه له بقوله: إنّ كتاب التّجريد الّذي صنّفه في هذا الفنّ المولى الأعظم، والحبر المعظم، قدوة العلماء الرّاسخين، أُسوة الحكماء المتألّهين، نصير الحقّ والملّة والدّين محمّد بن محمّد الطّوسي ـ قدس الله نفسه، وروّح رمسه ـ تصنيف مخزون بالعجائب، وتأليف مشحون بالغرائب، فهو وإن كان صغير الحجم، وجيز النّظم، فهو كثير العلم، عظيم الاسم، جليل البيان، رفيع المكان، حسن النظام، مقبول الأئمّة العظام، لم تظفر بمثله علماء الأعصار، ولم يأت بشبهه الفضلاء في القرون والأدوار، مشتمل على إشارات إلى مطالب هي الأُمّهات، مشحون بتنبيهات على مباحث هي المهمّات مملوّ بجواهر كلّها كالفصوص، ويحتوي على كلمات يجري أكثرها مجرى النّصوص، متضمّن لبيانات معجزة، في عبارات موجزة، وتلويحات رائعة لكلمات شائقة،


صفحه 11

يفجر ينبوع السّلاسة من لفظه، ولكن معانيه لها السّحرة تسجد، وهو في الاشتهار كالشّمس في رائعة النّهار، تداولته أيدي النظّار، وسابقت في ميادينه جياد الأفكار .(1)

أقول: قلّما يتّفق لكتاب أن يكون له ذلك الحظ الّذي ناله كتاب" تجريد الاعتقاد " من إقبال المحقّقين عليه ـ من الفريقين ـ بالشّرح والتّعليق، والتّحشية.

وهذا من فضل الله سبحانه يؤتيه من يشاء من عباده الصالحين. وإليك بيان شروحه وتعاليقه.

شروح التجريد

تصدّى لشرح هذا الكتاب والتّعليق على شروحه الكثير، من العلماء والمفكّرين والطبقة العليا من المتكلّمين والفلاسفة، فلنذكر أسماءهم وأسماء شروحهم :

1. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: للعلاّمة الحلّيّ الحسن بن يوسف (648 ـ 726 هـ) وهو أوّل شرح كُتِبَ عليه .

وقد أصبح المتن والشّرح كتاباً دراسياً في الحوزات العلميّة الشّيعيّة، ولكاتب هذه المقدمّة تعاليق على قسم الإلهيّات منه وقد بيّن معضلاته وأخرج مصادره.(2)


1 . شرح تجريد العقائد للقوشجي: 1 .
2 . تم طبع هذا الكتاب في عام 1418 هـ ضمن منشورات مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).


صفحه 12

2. تعريد الاعتماد في شرح تجريد الاعتقاد: للشّيخ شمس الدّين محمّد البيهقي الإسفرائيني ، على ما في " الذريعة " ; أو أبي العلاء محمّد بن أحمد البهشتي الإسفرائيني البيهقي، على ما في فهرس مخطوطات مجلس الشورى، والّذي كان حيّاً سنة 741 هـ .

وذكر شمس الدّين محمود بن عبد الرّحمن في شرحه على التّجريد: أنّ العلاّمة الحلّيّ هو أوّل من شرحه .

ثمّ قال: ورأيت له شرحاً آخر مزجياً لا يتبيّن المتن منه، وهو للشّيخ شمس الدّين محمّد البيهقي الإسفرائيني.

هذا ما ذكره شيخنا الطّهراني في " الذريعة " (1) وأسماه في فهرس مخطوطات مجلس الشورى بـ " تفريد الاعتماد في شرح تجريدالاعتقاد " .

وجاء في كتاب " وقايع السنين " للخاتون آبادي أنّ الملاّ البهشتي الاسفراييني كان من تلامذة الخواجه، وله شرح على كتابه تجريد العقائد .(2)

وأوّل هذا الشرح: «الحمد لله الفيّاض الجود، الوهّاب الوجود،القيّوم المعبود، الديموم المسجود، والصلاة على محمّد المسعود بالمقام المحمود».

وقال في المقدّمة: وسمّيته " تفريد الاعتماد في شرح تجريد الاعتقاد " .


1 . الذريعة: 3 / 353، برقم 1278.
2 . وقايع السنين: نسخة مكتبة المجلس: 365 .


صفحه 13

وخُتم الشرح المذكور بالعبارة الآتية: «وكان فراغ مؤلّفه من نقله من السواد إلى البياض يوم الأحد، الثاني والعشرين من ربيع الآخر لسنة إحدى وأربعين وسبعمائة ببلدة " إسفراين " شكر الله جميل مساعيه، وقدّر حصول مباحثه، وغفر لذنوبه ومساويه آمين».

وتحتفظ مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بنسختين من هذاالشرح، بالرقم 3830 و 3963، وهما قديمتان جدّاً. وكانتا في عداد كتب المرحوم فضل الله المعروف بـ " شيخ الإسلام الزنجاني " ، الّتي نقلت إلى المكتبة المذكورة.

وقال المرحوم المغفور له شيخ الإسلام الزنجاني ـ طاب ثراه ـ في انتقاداته الّتي وجّهها إلى الصفحات 56 ـ 66 من كتاب آثار الشيعة: «الشرح الموسوم بـ "تفريد الاعتماد في شرح تجريد الاعتقاد" ألّفه حسام الدّين محمّد بن أحمد البهشتي الإسفراييني أحد علماء الشّيعة في القرن الثامن الهجري. ونسخة من هذا الشرح في مكتبتي »(1).

3. تسديد القواعد أو تشييد القواعد في شرح تجريد العقائد: للشيخ شمس الدين محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الاصفهاني الشافعي (694 ـ 749 هـ).

قال الشيخ الطهراني: توجد نسخة منه بخط الشيخ ياسين بن صلاح الدين علي بن ناصر البحراني، شرع في كتابته سنة 1124 هـ وفرغ منها سنة


1 . دائرة المعارف الإسلاميّة، العدد الأوّل، تأليف عبد العزيز جواهر الكلام: 16 .


صفحه 14

1126 هـ في مكتبة الشيخ محمد السماوي، ونقش خاتمه (سلام على آل ياسين)، ويعرف هو بـ " الشرح القديم". (1)

وفي مكتبة مجلس الشورى الإسلامي نسخة منه تاريخ تحريرها 819 هـ ، وفي مكتبة مدرسة الشهيد المطهري العالية نسخة أُخرى تاريخ كتابتها 876 هـ ، وللشريف الجرجاني (المتوفّى سنة 816 هـ) حاشية محقّقة على "الشرح القديم "تعرف بـ " حاشية التّجريد" كما دوّن جمع من العلماء حواشيَ أُخرى على هذه الحاشية ذُكِر أكثرها في كتاب " كشف الظنون ".(2)

وتسميته بـ " الشرح القديم " في قبال الشرح الرابع الّذي سنذكره لاحقاً.

4. شرح تجريد العقائد: للشيخ علاء الدين علي بن محمد القوشجي (المتوفّى 879 هـ)، ويُعرف بـ " الشرح الجديد ".

وقد كثرت الحواشي والتّعليقات على هذين الشّرحين " القديم "و " الجديد" ولاسيّما ثانيهما لمزيد اعتناء المحقّقين به.

ومن أهمّ الحواشي على هذا الشّرح، ثلاث حواش بعنوان "حاشية التّجريد " للملاّ جلال الدّين محمّد بن أسعد الصديقي الدّواني (المتوفّى 907 هـ). واشتهرت حاشيته الأُولى بـ " الحاشية القديمة"، كتبها في البداية باسم السلطان يعقوب بايندري آق قوينلو (883 ـ 896 هـ)، ثمّ أهداها إلى السلطان بايزيد.


1 . الذريعة: 3 / 354 .
2 . كشف الظنون: 1 / 251 .


صفحه 15

كما أنّ هناك حاشية أُخرى للسيّد صدر الدّين محمّد الدشتكي الشيرازي (828 ـ 903 هـ) سجّل فيها مؤاخذاته على حاشية الدّواني المتقدّم، فقام الدّواني بكتابة حاشية ثانية على ذلك الشرح، دوّن فيها اعتراضاته على حاشية الدشتكي الشيرازي، واشتهرت هذه الحاشية بـ "الحاشية الجديدة".

ثمّ كتب صدر الدّين حاشيته الثانية وأجاب فيها عن اعتراضات الدّواني. فردّ عليه الدّواني بحاشيته الثالثة المشهورة بـ " الحاشية الأجد ".

وتعتبر هذه الحواشي أيضاً من أفضل الحواشي المكتوبة على الشرح المذكور. وتعرف حواشي الدّواني الثلاث، وحاشيَتا صدر الدّين بين العلماء باسم " الطبقات الجلاليّة والصدريّة " .

5. شرح التجريد: لزين الدّين عليّ بن عبد الله البدخشي بالفارسيّة، وعنوانه " تحفه شاهي وعطيّه الهي " . وألّفه صاحبه للسلطان محمّدقطب شاه.

وأوّله: «شكر وسپاس پادشاهى راسزد، وحمد وثناى بى قياس خالقى را رسد»(1).

وقد فرغ المؤلّف من تأليفه في جمادى الآخرة سنة 1023 هـ . ويحوم هذا الكتاب حول شرح إلهيّات التجريد. توجد نسخة منه في مكتبة جامعة طهران، وهي من الكتب الّتي أهداها الأُستاذ " مشكوة " إلى المكتبة المذكورة. كما توجد نسخة أُخرى منه في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي


1 . كشف الحجب والأستار: 106. وترجمة أوّله: ينبغي الشكر والحمد والثناء الّذي لا يقاس للخالق ربّ الأرباب.


صفحه 16

رقمها 2058، وتاريخ تحريرها 1207 هـ ، وتبدأ بالمقصد الثالث في إثبات الصانع.

6. شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام : للحكيم المتألّه والمتكلّم الحاذق عبد الرّزاق بن علي بن الحسين اللاّهيجي القمي، وهذا هوالكتاب الماثل بين يدي القارئ، والّذي نحن بصدد تعريفه وتعريف مؤلّفه.

7. مشارق الإلهام في شرح تجريد الكلام: للحكيم عبد الرّزاق اللاّهيجي المذكور، وقد شرح فيه الأُمور العامّة فقط. ذكره "صاحب الرّياض " مشعراً بأنّه غير شوارق الإلهام، ولم نقف على نسخة منه.

ولعلّ الشرحين شرح واحد اختلفا في الاسم مع وحدتهما في المسمّى.

8 . شرح التجريد: لمحمّد جعفر بن سيف الدّين الاسترآبادي المقيم بطهران (المتوفّى 1263 هـ)، وعنوانه: " البراهين القاطعة في شرح تجريد العقايد السّاطعة " . فرغ المؤلّف منه في يوم الجمعة 19 جمادى الأُولى 1254 هـ .

وأوّله: «الحمد لله الواجب الوجود بالذات، الواحد من جميع الجهات، الّذي يكون صفاته الذاتيّة عين الذات».

تحتفظ مكتبة مدرسة الشهيد مطهّري العالية بنسخة تامّة من هذا الشرح رقمها 1352 وتاريخ تحريرها 1258 هـ .

كما أنّ في مكتبة جامعة طهران نسخة أُخرى تحتوي على الجزء الثاني والثالث منه، وهي في عداد الكتب التّي أهداها السيد محمّد المعروف بـ " مشكوة " إلى المكتبة المذكورة.


صفحه 17

9. شرح التجريد: لمحمّد كاظم بن محمّد رضا الطبري، كتبه باسم محمّد شاه قاجار.

وأوّله: «سبحان من أظهر الأشياء لكمال وجوده، وأفاض عليها سجال الآثار لغاية جوده».

تحتفظ مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بنسخة منه، ورد اسم المؤلّف في مقدمّتها كالآتي: «فيقول الراجي إلى رحمة ربّه الوفيّ محمّد قاسم بن الرضا الكاظم الطبري».

ولهذا الشارح كتاب آخر عنوانه " حلّ التركيب " ، فسّر فيه بعض التراكيب العربيّة. توجد منه نسخة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي، رقمها 1176 .

10. شرح الأردبيلي: كتب المولى أحمد بن محمّد الأردبيلي (المتوفّى سنة 993 هـ) شرحاً على إلهيّات التجريد سمّاه: " التوحيد على التجريد " .(1)

11. شرح تجريد : للميرزا عماد الدّين محمود الشريف بن ميرزا مسعود السمناني صدر دار السرور (برهان پور) بالفارسية. فرغ المؤلّف منه سنة 1068 هـ .

12. شرح التجريد: للمولى بلال الشاختي القائني.

13. شرح التجريد: للملاّ محمّد بن سليمان تنكابني مؤلّف " قصص


1 . دانشمندان آذربايجان: 31 ; هديّة العارفين: 1 / 318. وطبع بعضها في حاشية شرح التجريد للقوشجي وطبع مستقلاً ضمن الرسائل للأردبيلي.


صفحه 18

العلماء " (المتوفّى سنة 1302 هـ) بالفارسيّة. وأوّله: «الحمد للمحمود الوجود الفعّال، الّذي لا يحويه ماض ولا استقبال»(1).

14. تحرير تجريد العقايد: للتبريزي، ويحتوي على زبدة المسائل الكلاميّة وفقاً لمذهب الإماميّة الناجية. توجد نسخة منه في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي ورقمها 3968. وأوّلها: وما هو ذاك الشرح المسؤول عن الله تعالى أن ينفع الطلاّب، وأن يجعل ذخراً لي في يوم الحساب المبتدي بأنّه تعالى لما أوجب على كلّ ما أنعم عليه شكر.

15. شرح أبي عمرو أحمد بن محمّد المصريّ (المتوفّى سنة 757 هـ) المسمّى بـ " المفيد" .

وتحتفظ مكتبة الآستانة الرضويّة المقدّسة بنسخة من هذا الشرح رقمها 915، وهي ناقصة من أوّلها وآخرها. ويذكر أبو عمرو أحمد بن محمّد المصري في هذا الشرح أستاذه العلاّمة الحلّي كثيراً.

16. شرح العلاّمة أكمل الدّين محمّد بن محمود البابرتي الحنفي (المتوفّى سنة 786 هـ) وهو بعنوان " عقيدة الطوسي ".(2)

17. شرح الفاضل خضر شاه بن عبد اللطيف المنشوري (المتوفّى سنة 853 هـ) .(3)


1 . فهرس الجامعة: 2729 .
2 . كشف الظنون: 2 / 1158 .
3 . المصدر نفسه: 1 / 351 و 2 / 95 .


صفحه 19

18. شرح قوام الدّين يوسف بن حسن المعروف بقاضي بغداد (المتوفّى 922 هـ) .(1)

19. تنقيح الفصول في شرح تجريد الأُصول: للملاّ أحمد بن محمّد مهدي النّراقي الكاشاني (المتوفّى سنة 1245 هـ ). (2)

20. نهاية التحرير في شرح التجريد: ذهب صاحب الذريعة إلى أنّ الشارح هو السيّد محمّد تقي بن أمير مؤمن بن أمير محمّد تقي بن أمير رضا الحسيني القزويني (المتوفّى سنة 1270 هـ) . توجد نسخة من هذا الشرح المنظوم في مكتبة الآستانة الرضويّة المقدّسة برقم (949)، وذكر منظِّم الفهرس فيها أنّ الناظم مجهول. وتاريخ تحرير هذه النسخة: 1225 هـ . والكتاب المشار إليه أُرجوزة في شرح تجريد الاعتقاد، فرغ الناظم منها سنة 1223 هـ . أوّلها:

وبعد حمد الله واجب الوجود *** على فيوضات مرائي الجود

والصلوات والسّلام مطلقا *** على محمّد وآله التقى

لاسيّما أكرم من به اهتدى *** باب مدينة العلوم والهدى

فهذه نهاية التحرير في *** علم الكلام بالنظام الأشرف(3)

***

21. تجريد التجريد: لابن كمال الدّين باشازاده شمس الدّين أحمد بن


1 . كشف الظنون: 1 / 351 و 2 / 95 .
2 . إيضاح المكنون: 1 / 331 .
3 . الذريعة: 24 / 397 برقم 2122 .


صفحه 20

سليمان (المتوفّى سنة 940 هـ) وهو إصلاح لكتاب التجريد، كما كتب أيضاً شرحاً على تحريره. توجد نسخة من هذا المتن والشرح في مكتبة باريس الوطنيّة .(1)

22. علاقة التجريد: وهو ترجمة وشرح بالفارسية لتجريد العقائد للسيّد محمّد أشرف بن عبد الحسيب بن أحمد بن زين العابدين الحسيني (المتوفّى سنة 1145 هـ) .

وأوّلها: «حمد مر خداى را كه تجريد علايق جسمانيه وتهذيب أخلاق ايمانيّه را صراط مستقيم أبواب جنان قرار داد»(2).

وتحتفظ المكتبة المركزيّة لجامعة طهران بنسخة من هذه الترجمة الفارسيّة.

الحواشي على التجريد وشروحه:

ودُوّنت على متن التجريد وشروحه حواش أُخرى كثيرة أيضاً.

منها: حاشية الخفري على إلهيّات التجريد.

وأوّلها: «الحمد لله ربّ العالمين والصلاة على سيّد المرسلين وآله الطاهرين، فيقول الفقير إلى الله الغنيّ محمّد بن أحمد الخفري: هذه تعليقات...».

ومنها: حاشية فخر الدّين الحسيني.


1 . الذريعة: 15 / 310 برقم 1980 .
2 . الذريعة: 15 / 310 برقم 1980. وترجمة العبارة: الحمد لله الّذي جعل تجريد العلائق الجسمانيّة وتهذيب الأخلاق الإيمانيّة صراطه المستقيم إلى أبواب الجنان.


صفحه 21

وأوّلها: «الحمد لله الغفور الرحيم، والسلام على حبيبه المنعوت بالخلق العظيم محمّد الباقر لعلوم الأوّلين والآخرين، وآله الطيّبين وصحبه الأكرمين وبعد. فيقول الحقير الفقير إلى عفو ربّه الغفور الغنيّ محمّد بن حسين الشهير بفخر الدّين الحسيني».(1)

ترجمة الشارح :

قد عرفت أنّ المحقّق اللاّهجي من شرّاح " تجريد الكلام " فلنذكر شيئاً من ترجمته على وجه الإيجاز كما أوجزنا الكلام في ترجمة الماتن، فنقول:

إنّ التاريخ قد بخس حق هذا العالم الجليل، ولم يذكر شيئاً من حياته إلاّ القليل، ولم يسجّل تاريخ ولادته مع الاختلاف كذلك في تاريخ وفاته.

فقد ذكر صاحب الروضات وتبعه السيد الأمين في أعيانه أنّه توفّي عام 1051 هـ (2)، أي بعد سنة من وفاة صدر المتألّهين، ولكنّ الحق أنّه توفّي عام 1072 هـ .

ويشهد على ذلك أمران:


1 . قد صدرنا في تبين شروح التجريد وشرّاحه وتعليقاته عن المعاجم، كالذريعة، وكشف الظنون، ومعجم التراث الكلامي، الصادر عن مؤسستنا في خمسة أجزاء، وأخص بالذكر ما ألّفه المحقّق: محمد تقي المدرسي الرضوي حول حياة نصير الدين وآثاره، ونقله إلى العربية: الأُستاذ علي هاشم الأسدي في مجمع البحوث الإسلامية في مشهد الإمام الرضا (عليه السلام).
وأمّا التعليقات على شروح التجريد فقد اختصرنا الكلام فيها، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ذيل كتاب «سبع رسائل» .
2 . روضات الجنات: 4 / 197 ; أعيان الشيعة: 7 / 270 .


صفحه 22

أ. أنّه ألف كتاب " گوهر مراد " وأهداه إلى الشاه عباس الصفوي الثاني الّذي حكم بين 1052 ـ 1077 هـ ، فكيف يمكن أن يكون من المتوفّين عام 1051 هـ ؟!

ب. أنّه لخص كتابه گوهر مراد عام 1058 هـ وأسماه بـ " سرمايه إيمان " .

وأمّا ميلاده فلم نقف فيه على شيء، وبما أنّه من تلاميذ المحقّق الداماد (المتوفّى عام 1041 هـ) وصدر المتألّهين (المتوفّى عام 1050 هـ)، فيمكن أن يقال أنّه من مواليد العشرة الأُولى من القرن الحادي عشر .

مكانته في الفلسفة والكلام

إنّ المتتبّع لآثار اللاهيجي الفلسفية والكلامية يعرف أنّه قد بلغ في فلسفة المشاء والإشراق، والإحاطة بأقوال المتكلّمين من المعتزلة والأشاعرة مرتبة سامية لا تجد لها نظيراً بعد أُستاذيه المذكورين، فهو بحق ثالث الحكماء المتكلّمين .

وحيث إنّ الرائج في المدارس الفلسفية هو مؤلّفات صدر المتألّهين أو المحقّق الداماد، فقد صار ذلك سبباً لخفاء مكانة الحكيم اللاهيجي، وإن كان هو قد تربّى في أحضان أُستاذيه المذكورين .

خصائصه الفكرية

إنّ الحكيم المتألّه اللاهيجي قد بحث وتتبع آراء وأفكار الفلاسفة والمتكلّمين، كابن سينا والفخر الرازي والمحقّق نصير الدين الطوسي وعضد


صفحه 23

الدين الإيجي وسعد الدين التفتازاني وعلاء الدين القوشجي وسائر متكلّمي الفرق والمذاهب الإسلامية، وناقشهم في بعض الموارد، ونشير إلى أبرز ما يتميّز به بحثه وتفكيره ضمن أُمور:

1. الاستقلال في التفكير:

إنّ تعمّق الحكيم اللاهيجي في تلك المناهج والمشارب لم يجعله ناقلاً وتابعاً فقط، وإنما جعله ناقداً للأقوال ومحقّقاً للأفكار ومستقلاً في التفكير والتحقيق .

ولذلك نرى أنّه لم يقفُ تماماً آراء أُستاذيه، وإنّما سلك في بعض الموارد مسلكاً يخالف منهجهما، كما نلاحظه في مسألة أصالة الوجود أو الماهية الّتي تعتبر من رؤوس المسائل الفلسفية والّتي تترتب عليها آثار وفروع مختلفة.

فالسيد الداماد من المتحمّسين لأصالة الماهية، ولكنّ صدر المتألّهين من القائلين بأصالة الوجود بعدما ظل مدة معتقداً بأصالة الماهية.

أمّا شارحنا الجليل فقد ألّف كتاباً سمّاه " الكلمات الطيبة " حاكم فيه النظريتين، وانتهى أخيراً إلى الجمع بين الرأيين، وانّ القول بأصالة الماهية لغاية رد نظرية المعتزلة القائلة بتقرر الماهيات في مواطنها قبل الوجود. كما سيوافيك تفصيله .


صفحه 24

2. الاستشهاد بالكتاب والسنّة:

إنّ الحكيم المتألّه اللاهيجي استهدى بهدى الكتاب والسنّة في غير مورد، فهو من القائلين بأنّ الكتاب والسنّة والعقل تصب في مصب واحد وليس بينها أي خلاف، وما يتراءى من بعض الظواهر ما يخالف البرهان فانّما هي ظواهر بدئية غير مستقرة: كقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(1)، ولكن لو أعطى القائل حق النظر في هذه الآية ، لوقف على أنّها كناية عن معاني سامية، وهي استيلاؤه سبحانه على صحيفة الكون بعد انشائه.

3. الاهتمام بكلتا اللغتين :

كانت الكتابة باللغة العربية في عصر المؤلف دليلاً على ثقافة المؤلف وسموّ مقامه في المعارف والعقائد، وقلّما يتّفق لعالم أن يؤلّف كتاباً بلغة أهله، لعامة الناس أو لطائفة خاصة،ولكن الشارح الشهم قد تحرر من ذلك القيد وأخذ يؤلف باللغتين: العربية والفارسية، فألّف "شوارق الإلهام " في الكلام بالعربية، كما ألّف " گوهر مراد " الّذي هو نسخة ثانية للشوارق باللغة الفارسية، ثمّ لخّصه في كتاب وأسماه " سرمايه ايمان " .

فهذه الطبقة من العلماء الذين يحملون هموم أمّتهم هم المكرّمون عند الله سبحانه، ولذلك نرى أنّه قد توالى التأليف باللغة الفارسية من عصر المؤلف وعصر المجلسي إلى يومنا هذا في مختلف البلاد.


1 . طه: 5 .


صفحه 25

آثاره العلمية:

ترك الحكيم اللاهيجي آثاراً علمية تتلألأ على جبين الدهر، وإليك سرداً لما وقفنا عليه من مؤلّفاته (رحمه الله) :

1 . شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام (مطبوع).

2 . مشارق الإلهام في شرح تجريد الكلام.

3 . تعليقته على حاشية شمس الدين الخفري على قسم الإلهيات من شرح القوشجي للتجريد المذكور (مخطوط).

4 . گوهرمراد (بالفارسية) (مطبوع).

5 . سرمايه ايمان بالفارسية (مطبوع).

6 . التشريقات (مخطوط) في التوحيد والعدل والمحبة.

7 . رسالة حدوث العالم.

8 . الكلمات الطيبة في المحاكمة بين الداماد وملا صدرا.

9 . تعليقته على شرح الإشارات في الفلسفة للمحقّق الطوسي .

10 . ديوان شعره بالفارسية (مطبوع).

11 . مختصر حاشية الشرح الجديد للتجريد. يوجد في مكتبة الوزيري في يزد.

12 . حدوث العالم .

وللأسف أنّ أكثرها رهين محبسين: محبس عدم معرفة الأكثر بكتبه،


صفحه 26

ومحبس رداءة الطبع أو عدمه، الأمر الّذي جعلها بعيدةً عن متناول الأيدي.

وهذا ما دعا مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)إلى تحقيق كتاب " شوارق الإلهام " وتصحيحه والتعليق عليه وطبعه طبعة جديدة لائقة.

التعاليق على الشوارق

وقد علّق على هذا الشرح من جاء بعده من المحقّقين، نذكر منهم ما يلي:

1. التعليقة عليه للمولى إسماعيل بن المولى سميع الاصفهاني من تلاميذ المولى علي النوري (المتوفّى عام 1277 هـ ).

2. التعليقة عليه للمولى عبد الرحمن بن الميرزا نصر الله الشيرازي المدرس في الرضوية، ولد عام 1268 هـ .

3. التعليقة عليه للمولى محمد نصير بن زين العابدين اللاهيجي الچهاردهي، والد الشيخ الميزرا محمد علي المدرسي (المتوفّى عام 1270 هـ)، كتبه في بلدة اصفهان .

وقد علّق على كلا المقصدين: الأُمور العامة، والجواهر والأعراض، وفرغ منه عام 1243 هـ ، نقل كثيراً من حواشي المولى إسماعيل الاصفهاني المذكور.(1)

4. وهناك تعليقة أُخرى للمولى آقا علي المدرس الزنوزي، كما سيوافيك بيانه.


1 . الذريعة: 6 / 144 .


صفحه 27

بعض آرائه وأفكاره:

وها نحن نذكر نموذجين من آرائه وأفكاره، وهما يدلاّن على نبوغه واستقلاله في التفكير، وهما:

أ. الجمع بين الرأيين: أصالة الماهية والوجود

كان النزاع بين الرأيين: أصالة الوجود وأصالة الماهية، على قدم وساق إلى عصر أُستاذيه: السيد المحقّق الداماد وصدر المتألّهين، فقد كان أُستاذه الأوّل قائلاً بأصالة الماهية ذابَّاً عن رأيه بحماس.

وكان أُستاذه الثاني صدر المتألّهين قائلاً بأصالة الوجود بعدما كان قائلاً بأصالة الماهية، وقد شاد صَرحَ رأيه بأدلّة محكمة رصينة في أسفاره، وذكر ملخّص الأدلّة في كتابه المشاعر .

والمحقّق اللاهيجي قد تتلمذ لديهما، وفي الوقت نفسه كان صهراً لصدر المتألّهين، الّذي لقّبه بـ " الفيّاض " كما لقّب صهره الآخر بـ "الفيض " ، أعني: "ملا محسن " المعروف بـ " الفيض الكاشاني " .

وقد اختار نظرية أُستاذه الثاني وقال بأصالة الوجود، ومع ذلك فقد فسر نظرية أصالة الماهية الّتي كان عليها أُستاذه الآخر، ووجّهها بشكل يلائم النظرية الأُخرى، ولا يتعارض معها. وخلاصة التوجيه كالآتي :

إنّ هنا مسألتين :

الأُولى: ما هو الأصيل في الخارج هل الوجود أو الماهية؟


صفحه 28

الثانية: ما هو المجعول والصادر عن المبدأ الأوّل ومبدأ المبادئ؟

ومن المعلوم أنّ ما هو الأصيل هو الصادر من المبدأ الأوّل. هذا من جانب. ومن جانب آخر فإنّ المعتزلة ذهبت إلى تقرر الماهيات منفكة عن الوجود في ظروفها الخاصة.

ولمّا كان هذا القول يضاد أُصول التوحيد، إذ معنى ذلك غناء الماهيات في وعائها وتقررها عن المبدأ، وكان القول بأصالة الوجود، بظاهره يدعم نظرية المعتزلة، من كون الماهيات فوق الجعل وانّها متقررة في وعائها، جنح بعض الحكماء إلى القول بأصالة الماهية ردّاً لنظرية المعتزلة .

ولو أُغمض النظر عن هذا فلا شك في أن الاصيل والمجعول هو الوجود، وهذا هو الّذي يصرح به المحقق اللاهيجي في عبارته التالية:

«إنّ المراد بكون المجعول هو الماهيات هو نفي توهم أن تكون الماهيات ثابتات في العدم، بلا جعل ووجود; ثمّ يصدر عن الجاعل، الوجود أواتّصاف الماهية بالوجود، فإذا ارتفع التوهّم فلا مضايقة في الذهاب إلى جعل الوجود أو الاتّصاف بعد أن تيقّن أن لا ماهيات قبل الجعل، وإلى هذايؤول مذهب أُستاذنا الحكيم المحقّق الإلهي (قدس سره)في القول بجعل الوجود، فإنّه يصرّح بكون الوجود مجعولاً بالذات والماهيات مجعولة بالعرض على عكس ما يقوله القوم».

ثمّ إنّه استشهد بكلام المحقّق الطوسي التالي:

«إذا صدر عن المبدأ الأوّل شيء كان لذلك الشيء هوية مغايرة للأوّل


صفحه 29

بالضرورة، ومفهوم كونه صادراً عن الأوّل، غير مفهوم كونه ذا هوية ما، فإذن هاهنا أمران معقولان: أحدهما: الأمر الصادر عن الأوّل وهو المسمّى بالوجود; الثاني: هو الهوية اللازمة لذلك الوجود وهو المسمّى بالماهية»(1).

وهذه التعابير تحكي عن أنّ القول بأصالة الماهية إشارة إلى مجعوليتها، والقول بمجعوليتها لأجل الردّ على النظرية الّتي تذهب إلى ثبوتها قبل الوجود.

ولولا أنّ القول بأصالة الوجود يوهم غناء الماهية عن الجعل، الموهم أيضاً لتقررها قبل الوجود، لم يكن هناك أيّ داع للقول بأصالة الماهية، وإنّما اختاروا هذا العنوان (أصالة الماهية) لأجل نفي الثبوت لها قبل الوجود، وذلك لأجل تعلّقها بالجعل.

ب. ملاك التحسين والتقبيح العقليين .

إنّ مسألة التحسين والتقبيح العقليين من أهم المسائل الكلامية التي تبتني عليها أُصول أُخرى ولها ثمرات كثيرة ذكرناها في موضعها (2).

وقد اختلفت كلمة المثبتين والنافين في ما هو الملاك لقضاء العقل بالحسن والقبح، فقد ذكروا للحسن والقبح ملاكات نذكرها إجمالاً:

1. ملائمة الطبع ومنافرته.

فالمشهد الجميل بما أنّه يلائم الطبع يعدّ حسناً، كما أنّ المشهد المخوف بما أنّه منافر للطبع يعدّ قبيحاً، والطعام اللذيذ والصوت الناعم لأجل موافقتهما


1 . الشوارق: 1 / 108 طبع طهران، المسألة 27. وانظر هذا الجزء ص 465 و 466 .
2 . انظر كتاب رسالة في التحسين والتقبيح العقليين ـ لكاتب هذه السطور : 86 ـ 98، الفصل 11.


صفحه 30

الطبع حسنان كما أن الدواء المرّ ونهيق الحمار قبيحان.

2. موافقة الغرض والمصلحة الشخصية أو النوعية ومخالفتهما .

فالعدل بما أنّه حافظ لنظام المجتمع حسن، والظلم بما أنّه هادم للنظام ومخالف لمصلحة النوع فهو قبيح .

3. كون الشيء كمالاً للنفس أو نقصاً لها، كالعلم والجهل، فالأوّل زين لها والثاني شين.

4. كون الشيء حسناً أو قبيحاً عادة، كتحسين خروج الجندي بالبزة العسكرية وتقبيح خروج العالم بنفس ذلك اللباس .

وليعلم أنّ هذه الملاكات التي تكلّم بها المثبت والنافي ليست ملاكاً للتحسين والتقبيح العقليين، وذلك لأنّ الغرض من القاعدة معرفة أفعاله سبحانه تبارك وتعالى ومعرفة ما هو حسن أو قبيح بالنسبة له، فلو كانت الغاية هي تلك، فلا معنى لجعل طبع الإنسان المادّي ملاكاً للحسن والقبح كما هو الملاك الأوّل.

كما لا معنى لاتّخاذ الثاني (كونه محصّلاً لغرض النوع أو هادماً له) ملاكاً للحسن والقبح وذلك لأن الغاية هي معرفة صفاته سبحانه وأفعاله قبل أن يخلق العالم والمجتمع الإنساني. فكون العدل حافظاً للنظام، والظلم هادماً، لا صلة لهما بفعل الله تعالى .

وأمّا الثالث، أي كونه كمالاً للنفس أو شيناً له فلا أظن أنّه محل للنزاع.

وأما الرابع فهو واضح البطلان، لأنّ الأُمور العادية تختلف حسب الظروف والبيئات.


صفحه 31

ولأجل هذا فقد أنكر مؤلّفنا البارع المحقّق اللاهيجي تلك الملاكات كلّها وأبدع نظراً خاصاً حاصله: أنّ نفس الشيء بما هو هو ـ مع قطع النظر عن كون فاعله واجباً أو ممكناً، ومع قطع النظر عمّا يترتب عليه من المصالح والمفاسد ـ إذا لاحظه العقل يستقل بحسنه أو قبحه مطلقاً.

وإن شئت قلت: إنّ الفعل الصادر من الفاعل المختار ـ سواء أكان واجباً أم ممكناً ـ إذا نظر إليه العقل وتجرّد عن كل شيء يستقل إمّا بحسنه وأنّه يجب أن يفعل، أو بقبحه وأنّه يجب أن يترك بغض النظر عمّا يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، أو بغض النظر عن موافقته لغرض الفاعل أو مخالفته، فإنّ كل هذه الضمائم ممّا لا حاجة إليها في قضاء العقل بالحسن والقبح، فكأنّ نفس الفعل علّة تامة ـ عند اللحاظ ـ لحكم العقل بالحسن أو القبح .(1)

نبوغ الشارح في الأدب الفارسي

ربّما يتصوّر القارئ أنّ المحقّق اللاهيجي، كان متوقّد الفكر في الجانب الفلسفي والمناقشات الكلامية فقط، ولم يكن له حظ في القريض ونظم الشعر، ولكنّه سرعان ما يرجع عن تلك الفكرة الخاطئة إذا عطف نظره إلى ديوانه الضخم الّذي يقع في حدود 780 صفحة، ويشتمل على الكثير من الغزليات والقصائد والمدائح باللغة الفارسية، نقتطف منه ما يلي:

يقول في مدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) :

چشم دارد بر متاع ما سپهر چنبرى *** يوسف ما بهتر از گرگى ندارد مشترى


1 . سرمايه ايمان: 60 ـ 62 .


صفحه 32

ويقول في منقبة بنت المصطفى فاطمة الزهراء (عليها السلام) :

چنان بصحن چمن شد نسيم روح افزا *** كه دم ز معجز عيسى زند نسيم صبا

ويقول في مدح صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف):

كنون خوشست كشيدن شراب خنده گل *** كه شسته است چمن رو در آب خنده گل

إلى غير ذلك من المدائح والقصائد الّتي تسمو به (قدس سره) إلى الطبقة العليا من الشعراء الهادفين الذين وصفهم سبحانه بقوله: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ ذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ )(1).

النسخ المعتمدة في التحقيق

اعتمد المحقق في تحقيق الكتاب وتصحيحه على ثمان نسخ مخطوطة ومطبوعة .

أمّا المخطوطة فهي أربع:

1. نسخة مصوّرة من الأصل المحفوظ في مكتبة الروضة الرضوية المقدسة في مشهد ، برقم 14583، والّتي يرجع تاريخ نسخها إلى سنة 1233 هـ ، وتشمل المقصد الأوّل من الكتاب، أعني: الأُمور العامّة، وتقع في 276


1 . الشعراء: 227 .


صفحه 33

صفحة، وكل صفحة تتكون من 22 سطراً، أبعادها 24 × 13 سم ، ورمز لها المحقّق بحرف (أ).

2. نسخة مصورة من الأصل المحفوظ في مكتبة السيد المرعشي فيقم المشرفة برقم 7087 م، ويرجع تاريخ نسخها إلى سنة 1233 هـ ،وتشمل المقصد الأوّل، أعني: الأُمور العامّة، وتقع في 380 صفحة،وكل صفحة تتكون من 22 سطراً، أبعادها 24 × 13 سم ، ورمز لها المحقّق بحرف (ب) .

3. نسخة مصورة من الأصل المحفوظ في مكتبة السيد المرعشيأيضاً في قم المشرفة برقم 897، وتشمل المقصد الأوّل (الأُمور العامّة)،وتقع في 454 صفحة وزيري، وكل صفحة تتكون من 22 سطراً، أبعادها19 × 12 سم . ورمز لها المحقق بحرف (ج).

4. نسخة مصورة من الأصل المحفوظ في مكتبة الروضة الرضوية المقدسة في مشهد ، برقم 167 وهي بدون تاريخ ، وتشمل المقصد الثاني ـ أي الجواهر والأعراض ـ وشيئاً من المقصد الثالث، أعني: إثبات الصانع وصفاته وآثاره إلى المسألة السادسة في كلام الله تعالى. تقع في 388 صفحة،وكل صفحة تتكون من 22 سطراً، أبعادها 24 × 13 سم ورمز لها المحقّق بحرف (د).

وأمّا المطبوعة فقد اعتمد على أربع نسخ، هي:

5. النسخة المطبوعة عام 1299 هـ ، على الحجر، وتشمل المقصد الأوّل .


صفحه 34

6. النسخة المطبوعة عام 1303 هـ ، على الحجر، وتشمل المقصد الثاني .

وهاتان النسختان هما المختارتان كأصل للتحقيق.

7. النسخة المطبوعة في اصفهان في حدود 1280، وتشمل المقصد الأوّل، وأما المقصد الثاني فهو ذات النسخة المذكورة برقم 6.

8. النسخة المطبوعة عام 1311 هـ ، وعليها تعاليق آقا علي المدرس الزنوزي والشيخ علي النوري وغيرهما.

***

وممّا يجدر ذكره، هو أن كتاب التجريد يشتمل على مقاصد ستة:

المقصد الأوّل: في الأُمور العامّة.

المقصد الثاني: في الجواهر والأعراض.

المقصد الثالث: في إثبات الصانع تعالى وصفاته وآثاره.

المقصد الرابع: في النبوة العامّة والخاصّة.

المقصد الخامس: في الإمامة.

المقصد السادس: في المعاد والوعد والوعيد وما يتّصل بذلك .

وقد وُفِّق المحقّق اللاهيجي في الشوارق لشرح المقصدين الأوّلين بتمامهما وشيئاً من المقصد الثالث، وقد جفَ قلمه في نهاية المسألة السادسة في أنّه تعالى متكلم، وبذلك صار الكتاب شرحاً غير كامل.

ومن اللائق أن يتصدّى عباقرة علم الكلام لإكمال هذا الشرح (الشوارق)،


صفحه 35

ولكنّنا لم نعثر على مَن تصدّى لذلك، إلاّ ما قام به العلامة الحجة آية الله محمد المحمديّ الكيلاني دامت بركاته، حيث شرح ما بقي من الكتاب، واسماه بـ «تكملة شوارق الالهام» طبع عام 1421 هـ . ق، فسدّ بذلك الفراغ الموجود في هذا الشرح ، وقد أعاننا ـ حفظه الله ـ في تحقيق هذا المشروع بوضع النسخ المطبوعة والمصورة الّتي كانت بحوزته، في متناول المحققين في المؤسسة ، فشكر الله مساعيه ومساعي الجميع في إرساء صرح هذا العلم والذب عن حياض الدين بالبيان والبنان.

كما نقدِّر جهود العلاّمة المحقق زين العابدين « قرباني » اللاهيجي ـ دامت بركاته ـ في إحياء ذكرى المؤلف باقامته مؤتمراً في مدينة «لاهيجان» في شمال إيران عام 1414 هـ ، باسم المحقّق اللاهيجي، شارك فيه جمع من العلماء والمفكرين ببحوث اشادوا فيها بمكانة المؤلف وفضله وتفوقه الفكري، كما أنّه قام بطبع أحد كتب المؤلف اعني «گوهر مراد» بعد أن ترجم له في مقدمته ترجمة ضافية... فحيّاه الله وبيّاه.

ان إحياء ذكرى علمائنا أمر مرغوب جدّاً، إذ فيه إحياء للعلم وترغيب الجيل الحاضر للتعرّف على نتاج افكار عظماء هذه الأُمّة، وخاصّة إذا قام المشرفون على هذه المؤتمرات بنشر آثار أصحاب الذكرى بعد تحقيقها بالشكل الصحيح واللائق بهم.

ooo


صفحه 36

 

شكر وتقدير

إنّ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)تعتز بمجموعة من الأفاضل الذين أخذوا على عاتقهم تحقيق الآثار العلمية الّتي لم تزل مخطوطة أو أنّها رهينة الطبع الرديء، والذين نهضوا خلال عبر ربع قرن بمهمّة اخراج عدد من المخطوطات منقحة محقّقة، شكر الله مساعيهم، وسدّد خطاهم.

وأخصّ بالذكر منهم الفاضل المحقّق الشيخ أكبر أسد علي زاده حيث بذل جهوده في تقويم نص هذا الكتاب، ومقابلة النسخ وانتخاب الاصحّ، واستخراج الآيات والروايات والمتون الكلامية من مصادرها، وتزيينه بكلمات الأعلام من المعلّقين على الكتاب في ايضاح مقاصده ورموزه ، حسب ما يقتضيه المقام .

كما لا ننسى أن نثمّن جهود السيد محسن السيد هاشم البطاط الذي قام بطباعة هذا الأثر بدقة وجدّ، وسعى في إخراج هذا الكتاب بهذه الحلّة القشيبة، فجزى الله الجميع خير الجزاء، ووفقهم لخدمة الإسلام وإعلاء كلمته انّه وليّ التوفيق .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

جعفر السبحاني

قم: مؤسسة الإمام الصادق 7

18 شوال المكرم من شهور عام 1425 هـ


صفحه 37

ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ

وأنت خير الفاتحين.

الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصّلاة والسّلام(1) على من لكمال رسالته (صلى الله عليه وآله وسلم) اختاره، ولختم نبوّته اصطفاه، والتّسليم(2) لمن آثره على أمّته لوصيّه وارتضاه، ولسائر أوصيائه الهادين بنوره وهداه .

أما بعد: فيقول العبد الرّاجي وبباب ربّه الملتجي: عبد الرّزاق بن علي بن الحسين اللاّهيجي تجاوز الله عن سيّئاتهم، إنّه كما أنّ خاتم المحقّقين أفضل الحكماء والمتكلّمين، سُلطان العالِمين في العالَمين نصير الحقّ والملّة والدّين محمّد بن محمّد الطوسي ـ أعلى الله مقامه في علّيّين ـ قد كان متفرداً فيما بين علماء الشّريعة وشركاء الصّناعة، بتحقيق قلّما سبقه فيه أحد من السّابقين، وتدقيق لم يتّفق مثله لواحد من اللاّحقين، كذلك كتاب " التجريد " من مصنّفاته،


1 . أ، ب و ج: «والسّلام» ساقطة.
2 . أ: «والسّلام» .


صفحه 38

ممتاز من بين الكتب المؤلّفة في الفنّ بأشياء قد خلت عنها مصنّفات الأوّلين، ولم يحتو(1) بما يدانيها(2) صحائف الآخرين، من جودة ترتيب للمسائل، ووجازة تقرير للدّلائل، وغاية تجريد للعقائد، ونهاية تهذيب للأُصول عن الزّوائد، وضبط ضابط للأوائد (3) الفوائد، وربط رابط على شوارد العوائد مع إشارات هادية إلى الحقائق، وتنبيهات منبّهة على الدّقائق، ولوامع كاشفة عن المقاصد، وتلويحات لائحة إلى المواقف والمَراصد (4)، وكنوز تحقيقات تشير إلى المطالب العالية، ورموز تدقيقات تنبئ عن ملخّص الحكمة المتعالية بعبارات على طوالع أسرار المطالب كالتنزيل، وألفاظ هي مطالع لأنوار التحصيل، وتقريرات يلوح عن مجملها تفصيل المفصّل، وتعبيرات مَن فاز(5) بمغزاها، فاز بالنقد المحَصَّل(6).

وبالجملة ذلك الكتاب، مع ماله من الشّأن أجلّ ـ كما قيل ـ من أن يصدر إلاّ عن مثل هذا المحقّق العظيم الشّأن.

ولقد دَعتْ جلالةُ ذلك التّصنيف دواعي جميع أصحاب الكمال إلى الاشتغال به، وصرفت همم كافّتهم إلى الخوض في مطالبه، بعضها بتصدّي تأليف لعلّه يقرب منه أو لَيْته يدانيه، وبعضها باقتحام(7) تكلّف في تفسير ألفاظه


1 . أي لم يشتمل بما يقارب تلك الأشياء.
2 . أي يقرب منها.
3 . جمع «أود» وهو الثقيل أي الفوائد الثّقيلة الّتي قلّ من يحملها لأجل ثقلها.
4 . جمع «مَرصد» وهومحلّ الانتظار أي المطالب الدّقيقة الّتي ينتظر فيها للكشف والوضوح.
5 . فاز: «يَفُورُ» «فَوْزاً» أي: ظفر ونَجا، المصباح المنير .
6 . «تلخيص المحصّل» المعروف بـ «نقد المحصّل»، تأليف نصير الدّين الطوسي المتوفى (672 هـ) وهو نقد لكتاب «محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، من العلماء والحكماء والمتكلّمين» لفخر الدين الرازي المتوفى ( 606 هـ) .
7 . ب: «باهتمام» .


صفحه 39

وشرح معانيه، وبعضها بتعلّيق معلّقات تفصح عن معانيه.

ولعمري كلّهم أوجُلّهم ينادون من مكان بعيد، ولم يهتد إلى مغزي مآربه، أحد منهم من قديم أو جديد.

وإنّ هذا الضّعيف القليل البِضاعة، وذلك القاصر الباع(1) في الصّناعة، لطال لما يجول في نيّته، ويخلد على سريرته، أن يشرحه من مظانّه ومآخذه الّتي يسّره الله تعالى بمنّه وفضله، للاطّلاع عليها شرحاً من غير أن يلتفت إلى كثير ممّا قيل، أو يقال تعديلاً أو جرحاً إلى أن تأكّد ذلك العزم بتكرّر التّماس صَدَر عن لسان حال الطّالبين، وتواتر اقتباس ظَهَر من ضمير استعداد المستعدّين، وانضاف إلى ذلك العزم تأكيد أخ لي من أبناء الزّمان يظنّ بي شأنه (2)، وتصديق مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، فأخذتُ في ذلك وشرعت خائضاً سلوك أضيق المسالك مع علمي بأنّي قد استهدفت نفسي لرماة المجون(3)، واستعرضتُ ذاتي دون أسنّة الطعون.

ولكن على الله في كلّ الأُمور اتّكالي، وإليه توكّلي في جميع أحوالي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلّي العظيم، وهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وسمّيته «بشوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام» .

وقبل إفاضتي في المقصود، فلأقدّم مقدّمة في تعريف علم الكلام، وبيان موضوعه، وغايته، ومرتبته، فإنّه كالواجب تقديم هذه الأربعة في كلّ علم،


1 . الباع مدّ اليدين .
2 . في ب: «لي شأنه».
3 . المجون مصدر «مجن»، يعني: مزح وقل حياءً هو ماجن.


صفحه 40

ليكون طالبه على بصيرة في طلبه حيث يتصوّره بتعريفه الرّسمي، فيحيط على مسائله إجمالاً بخلاف ما إذا تصوّره بغيره(1)، فإنّه وإن كان لطلبه يكفيه، لكنّه لا يفيده بصيرة فيه، وليتميّز في نظره العلم المطلوب، إذ بتمائز الموضوعات يتمايز العلوم، وليمكنه الشروع الاختياريّ فيه، ولا يبطل سعيه وتزداد رغبته وليَعرِفْ قدرَه فيوفي حقَّه، ففيها مطالب أربعة :


1 . أي بغير تعريفه الرّسمي.


صفحه 41

المطلب الأوّل:

في تعريف علم الكلام

فأقول: قال صاحب المواقف: «والكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدّينيّة بإيراد الحجج عليها ودفع الشّبهة عنها».(1)

والمراد علم بأُمور كما حمل عليه شارح المواقف(2)، ليكون المراد من العلم نفس المسائل أو التصديق بها، ويجوز أن يكون المراد الملكة الحاصلة من ممارسة المسائل، كما أشار إلى ذلك الحمل شارح المقاصد حيث نقل تعريف " المواقف " فحينئذ لا حاجة إلى تقدير «أُمور» (3).

ثمّ قال شارح المواقف في شرح هذا التّعريف: «أراد بالعلم معناه الأعمّ، أو التصديق مطلقاً(4)، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها.

ونبَّه بصيغة الاقتدار (5) على القدرة التّامّة، وبإطلاق المعيّة(6) على


1 . المواقف في علم الكلام: 7 .
2 . قال: والكلام: علم بأمور يقتدر معه. أي يحصل مع ذلك العلم حصولاً دائميّاً عاديّاً قدرة تامّة على إثبات العقائد الدّينيّة على الغير. لاحظ : شرح المواقف: 1 / 34 .
3 . إذا كان المراد من «العلم» هو الملكة يرجع واقع التعريف إلى قولنا: ملكة يقتدر بها.
4 . أي اعمّ من أن يكون مطابقاً لنفس الأمر أو لا.
5 . أي قال «يقتدر» دون «يقدر» للتّنبيه على القدرة التّامّة، لأنّ زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني.
6 . في قوله: «يقتدر معه».


صفحه 42

المصاحبة الدّائمة،(1) فينطبق التّعريف على العلم بجميع العقائد مع ما يتوقّف عليه إثباتها من الأدلّة، وردّ الشّبه، لأنّ تلك القدرة على ذلك الإثبات، إنّما تصاحب دائماً هذا العلم، دون العلم بالقوانين الّتي يستفاد منها صور الأدّلة(2) فقط، ودون العلم بالجدل(3) الّذي يتوسّل(4) به إلى حفظ أيّ وضع يراد، إذ ليس فيه اقتدار تامّ على ذلك.

وإن سُلِّم، فلا اختصاص له بإثبات هذه العقائد.

والمتبادر من هذا الحدّ ما له نوع اختصاص به، ودون علم النّحو المجامع لعلم الكلام مثلاً، إذ ليس يترتّب عليه تلك القدرة دائماً على جميع التقادير، بل لا مدخل له في ذلك الترتّب العادي أصلاً.

واختار «يقتدر» على «يثبت» لأنّ الإثبات بالفعل غير لازم.

واختار «معه» على «به» مع شيوع استعماله تنبيهاً على انتفاء السّببيّة الحقيقيّة المتبادرة من «الباء» هاهنا يعني كما هو(5) مذهب الأشعري.

واختار «إثبات العقائد» على «تحصيلها» إشعاراً بأنّ ثمرة علم الكلام إثباتها على الغير.


1 . لأنّ الاطلاق ينصرف إلى الفرد الكامل والمصاحبة الدّائمة أكمل افرادها.
2 . كعلم الميزان.
3 . قضايا مؤلّفة من المشهورات أو من مسلّمات المنازع. يقول الحكيم السبزواري:
فالجدل مؤلّف ممّا اشتهر *** أو ما تسلّمت له ممّن شجر

شرح المنظومة: 1 / 342 .
4 . ب و ج: «يتوصّل».
5 . أي انتفاء السببيّة الحقيقيّة. أنّ الأشعري ينفي السببيّة للاشياء والأفعال ويحصرها في الله سبحانه، فيُفسّر سببّية النّار للحرارة بجريان عادة الله على إيجاد الحرارة بعد النّار دون وجود أيّة صلة بينهما .


صفحه 43

وأنّ العقائد يجب أن يؤخذ من الشّرع ليعتدّ بها، وإن كانت ممّا يستقّل العقل فيه».(1)

وأقول: لا يخفى ما فيه، إذ مجرد الأخذ تقليد غير معتبر، كيف ومن العقائد ما يتوقف ثبوت الشرع عليه، بل الأولى أن يقال: لا اعتداد بالعقائد الحاصلة من الأدلّة الكلاميّة من حيث هي كلاميّة كما سيأتي، بل إن(2) ثمرتها إلاّ الإثبات على الغير.

وقال شارح المقاصد: «معنى إثبات العقائد، تحصيلها واكتسابها بحيث يحصل الترقي من التقليد إلى التحقيق».(3)

وأورد عليه شارح المواقف: «أنّه يلزم منه أن يكون العلم بالعقائد خارجاً عن الكلام، ثمرة له، ولا شكّ في بطلانه(4).

والمراد «بالعقائد» ما يقصد فيه نفس الاعتقاد دون العمل، فإنّ الأحكام المأخوذة من الشّرع قسمان:

أحدهما: ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا الله تعالى عالم، قادر، سميع، بصير، وهذه تسمّى اعتقاديّة وأصليّة وعقائد، وقد دوّن علم الكلام لحفظها .

الثّاني: ما يقصد به العمل كقولنا الصلاة واجبة والوتر مندوب والزكاة فريضة وهذه تُسمّي عمليّة وفرعيّة وأحكاماً ظاهريّة، وقد دوّن لها علم الفقه.


1 . انظر : شرح المواقف: 1 / 35 و 36 .
2 . نافية.
3 . شرح المقاصد: 1/ 166 .
4 . لأنّ قولنا الواجب الوجود عالم مثلاً، لاشكّ في كونه مسألة كلاميّة، وعلى توجيه شارح المقاصد، يلزم كونه خارجاً عن علم الكلام، وثمرة له .


صفحه 44

والمراد «بالدّينيّة» المنسوب(1) إلى دين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، صواباً كانت ذلك الاعتقاد المنسوب أو خطاء، فإنّ الخصم مع كونه مخطأ لا يخرج عن علماء الكلام»(2).

فليس المراد من الحجج والشّبه ما هي كذلك في نفس الأمر، بل بحسب زعم المتصدّى للإثبات.

وهو ـ أعني: «بايراد الحجج» إلى آخره ـ متعلّق بالإثبات ; أي يكون الإثبات بهذا الطّريق لا بطريق آخر كالمعجزة، فخرج علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلوم المعصومين(عليهم السلام)، بل علم الله تعالى وعلوم الملائكة أيضاً .

وقال شارح المقاصد: «الأحكام المنسوبة إلى الشّرع:

منها: ما يتعلّق بالعمل وتسمّى فرعيّة وعمليّة .

ومنها: ما يتعلّق بالاعتقاد، وتسمّى أصليّة واعتقاديّة.

وكانت الأوائل من العلماء ببركة صحبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقرب العهد بزمانه، وسماع الأخبار منه، ومشاهدة الآثار مع قلّة الوقائع والاختلافات، وسهولة المراجعة إلى الثّقات مستغنين عن تدوين الأحكام، وترتيبها أبواباً وفصولاً، وتكثير المسائل فروعاً وأُصولاً إلى أن ظهر اختلاف الآراء، والميل إلى البِدَع(3) والأهواء، وكثرة الفتاوى والواقعات، ومسّت الحاجة فيها إلى زيادة نظر والتفات، فأخذ أرباب النظر والاستدلال في استنباط الأحكام، وبذلوا جهدهم في تحقيق عقائد الإسلام، وأقبلوا على تمهيد أُصولها وقوانينها، وتلخيص حججها


1 . أي الدّين المنسوب...».
2 . صححنا العبارة على المصدر. شرح المواقف : 1 / 36 ـ 38 .
3 . البِدْعة: إحداث أمر في الشّريعة، لم يرد فيها نصّ، إمّا في اصلها أو في خصوصيّاتها. لاحظ: كتاب البدعة: مفهومها، حدها وآثارها ومواردها، لشيخنا جعفر السبحاني .


صفحه 45

وبراهينها، وتدوين المسائل بأدلّتها، وإيراد (1) الشّبه بأجوبتها، وسمّوا العلم بها فقهاً، وخصّوا الاعتقادّيات بإسم الفقه الأكبر.

والأكثرون خصّوا العمليّات بإسم الفقه، والاعتقاديّات بعلم التّوحيد والصّفات تسمية بأشهر أجزائه وأشرفها وبعلم الكلام(2)، لأنّ مباحثه كانت مصدَّرة بقولهم; الكلام في كذا وكذا.

ولأنّ أشهر الاختلافات فيه(3) كانت في مسألة كلام الله تعالى: أنّه قديمٌ أو حادثٌ.

ولأنّه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيّات، كالمنطق في الفلسفيات.

ولأنّه كثر فيه الكلام مع المخالفين والردّ عليهم، مالم يكثر في غيره.

ولأنّه لقوّة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه، كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.

واعتبروا في أدلّتها اليقين، لأنّه لا عبرة بالظنّ في الاعتقاديّات; بل في العمليّات، فظهر أنّه العلم بالقواعد الشّرعيّة الاعتقاديّة المكتسب من أدلّتها اليقينيّة.

وهذا هو معنى العقائد الدّينيّة; أي المنسوبة إلى دين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، سواء توقّف على الشّرع أم لا، وسواء كان من الدّين في الواقع ككلام أهل الحق أم لا، ككلام المخالف.


1 . في نسخة ب: لفظ «إيراد» ساقط.
2 . للتفصيل في سبب تسميته بعلم الكلام يُراجع إلى : نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 8 ـ 9 .
3 . أي في علم الكلام.


صفحه 46

وصار قولنا: «هو العلم بالعقائد الدّينيّة عن أدلّتها اليقينيّة» مناسباً لقولهم في الفقه; إنّه العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة، وموافقاً لما نقل عن بعض عظماء الملّة: إنّ الفقه معرفة النّفس مالها وما عليها، وأنّ ما يتعلّق بالاعتقاديّات هو الفقه الأكبر.

وخرج(1) العلم بغير الشّرعيّات وبالشّرعيّات الفرعيّة، وعلم الله تعالى، وعلم الرسّول (صلى الله عليه وآله وسلم)بالاعتقاديّات، وكذا اعتقاد المقلّد عند من يسمّيه علماً، ودخل علم علماء الصحابة بذلك، فإنّه كلام، وإن لم يكن يسمّى في ذلك الزمان بهذا الاسم(2)، كما أنّ علمهم بالفرعيات فقه، وإن لم يكن ثَمَّةَ هذا التّدوين والتّرتيب.

وذلك(3) إذا كان متعلّقاً بجميع العقائد بقدر الطّاقة البشريّة، مكتسباً من النّظر في الأدلّة اليقينيّة. انتهى كلام " شرح المقاصد" ».(4)

وقال (5) في شرحه للعقائد النَّسفية (6) بعد ما ذكر قريباً ممّا نقلناه: « وهذاهو كلام القدماء (7) ومعظم خلافيّاته مع الفرق الإسلاميّة خصوصاًالمعتزلة(8)، لأنّهم أوّل فرقة اسّسوا قواعد الخلاف لما ورد به ظاهر


1 . أي خرج بقولنا «العلم بالعقائد الدينيّة عن أدلّتها اليقينيّة»، العلم بغير الشّرعيّات .
2 . أي بإسم الكلام .
3 . أي دخول علم علماء الصحابة .
4 . لاحظ : شرح المقاصد : 1 / 164 و 165 .
5 . أي قال شارح المقاصد .
6 . العقائد للشيخ نجم الدّين أبي حفص عمر بن محمد النّسفي المتوفّى (537 هـ) والشرح لسعد الدّين التفتازاني.
7 . أي الملكة الّتي لها اختصاص بافادة العقائد الدّينيّة عن أدلّتها اليقينيّة، هو العلم الموسوم بالكلام عند القدماء، فيكون المذكور في كتبهم هو العقائد الدّينيّة. انظر : حاشية الكستلي على هامش شرح العقائد النَّسفيّة ص: 16.
8 . المعتزلة: من أشهر الفرق الكلاميّة، وهي تعتمد بالدرجة الأولى على العقل في فهم الأدلّة الشرعيّة، وأصول الإسلام. ومؤسس الفرقة: هو واصل بن عطاء المتوفى (131 هـ) .


صفحه 47

السّنة، وجرى عليه جماعة الصحابة في باب العقائد.

وذلك لأنّ رئيسهم واصل بن عطاء اعتزل عن مجلس الحسن البصريّ، يُقرّرُ أنّ مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، ويُثْبِت المنزلة بين المنزلتين، فقال الحسن: اعتزل عنّا، فسمّوا المعتزلة،(1) وهم سمّوا أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد، لقولهم بوجوب ثواب المطيع، وعقاب العاصي على الله تعالى، ونفي الصّفات(2) القديمة عنه تعالى.

ثمّ إنّهم توغّلوا(3) في علم الكلام، وتشبّثوا(4) بأذيال(5) الفلاسفة في كثير من الأُصول، وشاع مذهبهم فيما بين النّاس إلى أن خالف الشّيخ أبو الحسن


1 . ذكر اصحاب المقالات أنّه دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا إمام الدّين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملّة; وهم «وعيدية الخوارج»، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضرّ مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ولا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة; وهم «مرجئة الأُمّة»، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً ؟
فتفكّر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً; بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن، ولا كافر; ثمّ قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرّر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه معتزلة. وفي ذيل عبارته ما يدلّ على أنّ تسميتهم بها لأمر آخر. الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 52 .
2 . يريد الزائدة القديمة وإلاّ فالمعتزلة ليسوا من نفاة الصفات بتاتا. لاحظ التفصيل في «بحوث في الملل والنحل: 3 / 266 ـ 274 .
3 . وغل: الواغل: الداخل في قوم على طعام أو شراب من غير دعوة. كتاب العين : 4 / 448. ماده «وغل».
4 . التشبّث بالشيء: التعلّق به. لسان العرب ، مادة «شبث».
5 . «أذيال جمع الذيل». الصحاح : 4/ 1702 .


صفحه 48

الأشعري(1) لاستاذه أبي علي الجبّائي ـ في مسألة ذكرها شارح العقائد، وأنّا أطوي ذكرها لعدم الحاجة إليها هاهنا، وسأذكرها إن شاء الله تعالى في موضع يليق بها، وأُحقّق ما عندي فيها ـ فترك الأشعري مذهبه (2) واشتغل هو ومن تبعه بإبطال رأي المعتزلة، وإثبات ما ورد به السّنة، ومضى عليه الجماعة .

ثمّ لمّا نُقِلَت الفلسفة إلى العربيّة، وخاض فيه الإسلاميّون(3)، حاولوا الرّد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشّريعة، فخلطوا بالكلام كثيراً من الفلسفة، ليتحقّقوا مقاصدها، فيتمكّنوا من إبطالها، وهلمّ جراً إلى أن أدرجوا فيه معظم الطبيعيّات والإلهيّات، وخاضوا في الريّاضيّات حتّى كاد لايتميّز عن الفلسفة لو لا اشتماله على السمعيّات، وهذا هو كلام المتأخرين. انتهى كلام شارح العقائد».(4)

وهو صريح في أنّ مخالفة المعتزلة مع أهل السّنة المسمّين بالأشاعرة، إنّما في ظواهر السّنة(5)، و(6) قد صرّح في كلامه الأوّل،(7) أنّ المعتبر فيما


1 . أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (260 ـ 324) وهو من أحفاد أبي موسى الأشعريّ، أحد صحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). كان تلميذ أبي علي الجبّائي حتّى الأربعين من عمره، ودرس عليه أصول المعتزلة وطرق الاستدلال عليها. كان أبو الحسن الأشعريّ على مذهب الشافعي في فروع الفقه. أسسّ المذهب الأشعريّ العقائد، ونشر علم الكلام بصورة جديدة بين أهل السنة والجماعة في مقابل المنهج البرهانيّ والكلامي للمعتزلة. بحوث في الملل والنحل: الجزء الثاني; مذاهب الإسلاميين: 487 ـ 748 ; الملل والنحل، للشهرستاني: 1 / 85 ـ 94.
2 . أي مذهب الجبائي، أو مذهب نفسه أعني الاعتزال .
3 . أي الأشعريّون.
4 . شرح العقائد النَّسفية: 1 / 17 .
5 . لأنّ الأشاعرة تأخذ بظاهر الشّرع بلا تأويل .
6 . الواو: حالية .
7 . أي فيما تقدم من التفتازاني في شرح المقاصد. كما مرّ.


صفحه 49

يتعلّق بالاعتقاديّات، إنّما هو اليقين دون الظنّ، ولا شكّ في أنّ الظنّ لا يفيد إلاّ الظنّ، فمخالفته لليقين(1) لا تكون بدعة، بل صواباً، فتسميتهم(2) إيّاهم أهل البِدَع والأهواء خطأً وغفلة عن الدّين، بل جمودهم على الظواهر المخالفة للمعلوم في كثير من المسائل الاعتقاديّة بدعةٌ وهَوى، لأنّ المعلوم من الدّين بحيث لا يشك فيه أحد، تأويل كثير من الظّواهر لمخالفتها ما في العقول(3)، فيكون منعه مخالفاً لما هو ثابت في الدّين، بل هذا أفحش من البدعة، لأنّ البدعة، هو القول بما لا يكون في الدّين، لا هو ولا نقيضه، وهذا(4) قول بخلاف ما هُو ثابت في الدّين.

وظهر أيضاً من كلامه(5) أنّ خلط الكلام بالفلسفة من المعتزلة، إنّما هو لاستمدادهم من الفلسفة في مطالبهم.

وخلط الأشاعرة، إنّما هو لإبطال قواعد الفلسفة.

وهذا صريح في أنّ عَداوة الفلسفة، إنّما شاعت في أهل الإسلام من الأشاعرة، لا من المعتزلة، فضلاً عن الإماميّة.

كيف وأكثر الأُصول الثّابتة عند الإماميّة عن أئمتهم المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، مطابق لما هو الثابت من أساطين الفلاسفة، ومتقدّميهم،


1 . أي لتحصيل اليقين.
2 . أي تسمية الأشاعرة، المعتزلة بأهل البِدَع.
3 . لشيخنا آية الله السبحاني تعليق على المقام، حاصله: أنهّ ليس لنا ظهور مستقر يخالف العقل لاحظ آخر الكتاب، برقم 1 .
4 . أي العمل بظاهر السّنة من دون تأويل .
5 . أي من كلام شارح العقائد النَّسفية.


صفحه 50

ومبني على قواعد الفلسفة الحقّة كما لا يخفى على المحقّقين.

وينبغي أن يعلم أنّ موافقة الإماميّة مع المعتزلة في أكثر الأُصول الكلاميّة، إنّما هو لاستمداد المعتزلة من الفلسفة(1)، لا لأنّ أُصول الإماميّة مأخوذة من علوم المعتزلة، بل أُصولهم، إنّما أُخذت من أئمّتهم وهم صلوات الله عليهم يمنعون أصحابهم من الكلام، إلاّ ما يكون مأخوذاً منهم(عليهم السلام)، جميع ذلك ظاهر لمن مارس أُصول الإماميّة رضوان الله عليهم، هذا .

واعلم: أنّ الظّاهر أنّ كلاًّ من التّعريفين المذكورين، يصلح لكلّ واحد من كلامي القدماء والمتأخّرين، ولا تفاوت بين الكلاميّن في ذلك.

ثمّ الفرق بين التعريفين، هو أنّ مقتضى(2) تعريف " المقاصد " علم الكلام، إنّما هو نفس العلم بالعقائد الدّينية، مثل عِلْمُنا بأنّ الله تعالى واحدٌ، وأنّه قادرٌ، وأنّه عالمٌ إلى غير ذلك.

وأمّا سائر ما يذكرفي الكتب الكلاميّة من مسائل الجواهر والأعراض وأمثال ذلك، ممّا يتوقّف عليه العلم بنفس العقائد، فليس من علم الكلام، بخلاف تعريف " المواقف " فإنّ مقتضاه ; أن يكون نفس العلم بالعقائد، جزء من علم الكلام، إذ له مدخل في الإثبات على الغير لا محالة، فلا يتوهّم كونه(3) خارجاً من الكلام.


1 . لاحظ تعليقة شيخنا آخر الكتاب، برقم 2 .
2 . أ، ب، و ج: «بمقتضى» .
3 . أي كون نفس العلم.


صفحه 51

ثمّ أقول: الأولى أن يقال: الكلام صناعة نظريّة يقتدر بها على إثبات العقائد الدّينيّة .(1)


1 . هذا التّعريف يشتمل على أمور ثلاثة:
الأوّل: أنّ علم الكلام صناعة نظريّة وليس صناعة عمليّة.
والثّاني: موضوعه، العقائد الدّينيّة.
والثّالث: غايته، إثبات العقائد الدّينيّة.
وأولوية هذا التّعريف، لاختصاره، وذلك لأنّ صاحب المواقف اخرج «بايراد الحجج ورفع الشّبه»، علم الله تعالى وعلم النبيّ والملائكة، وفي هذا التّعريف خرج بقوله «صناعة نظريّة» .


صفحه 52

المطلب الثّاني:

في موضوع علم الكلام

اعلم أوّلاً: أنّ موضوع كلّ علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذّاتيّة، أي العوارض الّتي تعرضه لذاته أو لأمر يساويه لا ما يعرضه لأمر أعمّ أو أخصّ، فالتّعجب والضّحك مثلاً، عرضان ذاتيّان للإنسان، وغريبان عن الحيوان، لأنّ عروُضهما له، إنّما هو لأجل الإنسان الّذي هو أخصّ منه.

والحسّ والحركة الإراديّة، بالعكس من ذلك ـ أعني: أنّهما ذاتيّان للحيوان، وغريبان عن الإنسان ـ لأنّ عرُوضهما له، إنّما هو لأجل الحيوان الّذي هو أعمّ منه، ولا يجب كون العرض الذّاتي مساوياً لما هو عرض ذاتيّ له، بل قد يكون أُخصّ منه، كالاستقامة والانحناء للخط، كما صرّح به الشّيخ الرّئيس،(1) بل جميع الفصول الذّاتيّة، أعراض ذاتّية للجنس، كالنّاطق والصّاهل للحيوان مع كونهما أخصّ منه.

والمعتبر في ذلك، عروضه للمعروض من حيث ذاته، من غير أن يتوقّف عروضه له على صيرورته نوعاً معيّناً، أوّلاً: ليعرضه ذلك العارض، ثانياً: كالتّعجب بالنّسبة إلى الحيوان، فإنّه لا يعرض الحيوان إلاّ بعد صيرورته إنساناً ; وإن كان المعروض بعروض ذلك العارض يصير نوعاً معيّناً، كالنّاطق للحيوان،


1 . لاحظ : منطق الشفاء: 3 / 128 ـ 131 /كتاب البرهان / المقالة الثّانية .


صفحه 53

فهو عرض ذاتّي له، لأنّ عروضه له لا يتوقّف على صيرورته نوعاً معيّناً، بل يصير بذلك نوعاً معيّناً.

ثمّ إنّه قد أشرنا إلى وجوب تقديم معرفة الموضوع في كلّ علم، والمراد منها التّصديق بموضوعيّة الموضوع، بمعنى أنّ الشيء الفلاني موضوع لهذا العلم، وهومفاد هلّية المركّبة.

وأمّا هلّية البسيطة: ـ أعني: التّصديق بأنّ ذات الموضوع موجودة ـ فقد عدّوها جزءاً من العلم، وعلّلوا ذلك، بأنّ ما لا يعلم ثبوته، كيف يطلب ثبوت شيء له، لكن إثبات ذلك التّصديق وبيانه، لا يكون من ذلك العلم; بل يجب أن يكون: إمّا بديهيّاً، كالموجود بما هو موجود الّذي هو موضوع للفلسفة الأُولى.

وإمّا مُبيّناً في علم آخر ; كالعدد للحساب، والمقدار للهندسة، المبيّن وجودهما في الفلسفة الأُولى.

وأمّا تصوّر ذات الموضوع; فهو من المبادئ التصوريّة للعلم، وإنّما لم يجعلوا التصديق بهليّة البسيطة أيضاً من المبادئ ـ أعني: المبادئ التصديقيّة للعلم ـ لأنّ المراد من المبادئ التصديقيّة، المقدّمات الّتي يتألّف منها قياسات العلم .

وإنّما لم يجعلوا هليّة المركّبة ـ أعني: التصديق بموضوعيّة الموضوع ـمن الأجزاء، لأنّه إنّما يتحقق بعد كمال العلم، فهو بثمراته أشبه منه بأجزائه، مثلاً، إذا قلنا: العدد موضوع علم الحساب، لأنّه إنّما ينظر في أعراضه الذاتيّة، لم يتحقق ذلك، إلاّ بعد الإحاطة بعلم الحساب، فكان التّصديق بالموضوعيّة إجمالاً من سوابق العلم وتحقيقاً من لواحقه.


صفحه 54

وأمّا تصوّر مفهوم الموضوع: ـ أعني: ما يبحث في العلم عن عوارضه الذّاتية ـ فإنّما هو في صناعة البرهان من المنطق(1).

وإنّما جعلوا التّصديق بموضوعيّة الموضوع من مقدّمات الشّروع في العلم، لأنّهم اتّفقوا على أنّ تمايز العلوم في أنفسها، إنّما هو بحسب تمايز الموضوعات، فناسب تصدير العلم ببيان الموضوع، إفادة لما به يتميّز بحسب الذّات بعدما أفاد التّعريف التّمييز بحسب المفهوم .

وأيضاً في معرفة جهة الوحدة للكثرة المطلوبة إحاطةٌ بها إجمالاً، بحيث إذا قصد تحصيل تفاصيلها لم ينصرف الطّلب عمّا هو منها إلى ما ليس منها.

ولا شكّ أنّ جهة وحدة مسائل العلم أوّلاً وبالذّات، هو الموضوع، إذ فيه اشتراكها، وبه اتّحادها .

وتحقيق المقام على نحو يتضمّن بيان كلا الأمرين ـ أعني: كون تمايز العلوم بحسب تمايز الموضوعات، وكون جهة وحدة المسائل أوّلاً وبالذّات هو الموضوع ـ إنّهم لمّا حاولوا معرفة أحوال الأشياء بقدر الطّاقة البشريّة، على ما هوالمراد بالحكمة، وضعوا الحقائق أنواعاً وأجناساً وغيرها، كالإنسان والحيوان والموجود، وبحثوا عن أحوالها المختصّة، وأثبتوها لها بالأدلّة، فحصلت لهم قضايا كسبيّة محمولاتها أعراض ذاتيّة لتلك الحقائق، سمّوها بالمسائل.

وجعلوا كلّ طائفة منها يرجع إلى واحد من تلك الأشياء، بأن تكون موضوعاتها نفسه، أو جزءاً له، أو نوعاً منه، أو عرضاً ذاتيّاً له علماً خاصّاً يفرد


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 171 .


صفحه 55

بالتّدوين والتّسمية والتّعليم، نظراً إلى ما لتلك الطائفة على كثرتها، واختلاف محمولاتها من الاتّحاد من جهة الموضوع ; أي الاشتراك فيه على الوجه المذكور.

ثمّ إنّه قد يتّحد من جهات أُخرى، كالمنفعة، والغاية، ونحوهما، ويؤخذ لها(1) من بعض تلك الجهات ما يفيد تصوّرها إجمالاً، ومن حيث إنّ لها وحدة، فيكون حدّاً للعلم، إن دلّ على حقيقة مسمّاه ـ أعني: ذلك المركّب الاعتباري ـ كما يقال: هو علم يبحث فيه عن كذا أو علم بقواعد كذا، وإلاّ فرسماً، كما يقال: هو علم يقتدر به على كذا، ويحترز به عن كذا، أو يكون آلة لكذا.

فظهر أنّ الموضوع هو جهة وحدة مسائل العلم الواحد، نظراً إلى ذاتها، وإن عرضت لها جهات أُخرى كالتّعريف والغاية، وأنّه لا معنى لكون هذا علماً، وذاك علماً آخر سوى أنّه يبحث عن أحوال شيء، وذلك عن أحوال شيء آخر مغاير له بالذّات أو بالاعتبار، فلا يكون تمايز العلوم في أنفسها، وبالنّظر إلى ذواتها إلاّ بحسب الموضوع، وإن كانت يتميّز عند الطّالب بما لها من التّعريفات والغايات ونحوهما.

ولهذا جعلوا تباين العلوم وتناسبها وتداخلها أيضاً بحسب الموضوع، بمعنى أنّ موضوع أحد العلمين، إن كان مبايناً لموضوع الآخر من كلّ وجه، فالعلمان متباينان على الإطلاق(2).

وإن كان أعمّ منه، فالعلمان متداخلان(3).


1 . أي للمسائل .
2 . كالنّحو والمنطق، فإنّ موضوعهما متباينان، لأنّ موضوع علم النّحو: الكلمة والكلام. وموضوع علم المنطق: المعرّف والحجّة.
3 . مثلاً الجسم موضوع للعلم الطّبيعي، وبدن الإنسان موضوع لعلم الطبّ، والجسم أعمّ منه.


صفحه 56

وإن كان موضوعهما شيئاً واحداً بالذّات متغايراً بالاعتبار، أو شيئين متشاركين في جنس واحد، وغيره فالعلمان متناسبان(1)، على تفاصيل ذكرت في موضعها .

وبالجملة: فقد أطبقوا على امتناع أن يكون شيء واحد موضوعاً لعلمين من غير اعتبار تغاير، بأن يؤخذ في أحدهما مطلقاً وفي الآخر مقيّداً، أو يؤخذ في كلّ منهما مقيّداً بقيد آخر، وامتناع أن يكون هو موضوع علم واحد شيئين من غير اعتبار اتّحادهما في جنس أو غاية أو غيرهما، إذ لا معنى لاتحاد العلم واختلافه بدون ذلك(2).

والضّابط(3) أنّه إذا كان البحث عن أشياء متكثّرة بالذّات، فإن كان البحث عنها من جهة اشتراكها في أمر واحد ذاتيّ أو عرضيّ، فالعلم واحد.

وإن كان البحث لا من جهة اشتراكها، بل يكون عن كلّ منها من جهة تخصّه، فالعلم متكثّر، سواء كانت تلك الأشياء مشتركة في ذاتيّ أو عرضيّ مخصوص، كالعدد والمقدار المشتركين في الكمّ للحساب والهندسة أو لا .

وإذا كان البحث عن شيء واحد بالذّات، فإن كان البحث من جهتين متغايرتين، فالعلم متكثّرٌ وإلاّ فواحدٌ، سواء كان لذلك الشّيء الواحد جهات متغايرة أو لا .

لا يقال: العلم يختلف باختلاف المعلوم ـ أعني: المسائل، وهي كما


1 . كموضوعي الحساب والهندسة. فإنّ موضوع الأوّل الكمّ المنفصل ، والثّاني الكمّ المتصل، وهما مشاركان في الكمّ.
2 . انظر : شرح المقاصد: 1 / 167 ـ 169 .
3 . أي ضابط الاتّحاد والاختلاف .


صفحه 57

يختلف باختلاف الموضوع ـ فكذا يختلف باختلاف المحمول.

فَلِمَ لَم يجعل هذا وجه التّمايز، بأن يكون البحث عن بعض من الأعراض الذّاتيّة علماً، وعن بعض آخر علماً آخر مع اتّحاد الموضوع، على أنّ هذا أقرب، بناء على كون الموضوع بمنزلة المادّة، وهي مَأخذٌ للجنس، والأعراض الذّاتيّة بمنزلة الصّورة، وهي مَأخذٌ للفصل الّذي به كمال التّمايز؟

لأنّا نقول: حينئذ لاينضبط أمر الاتّحاد والاختلاف، ويكون كلُّ علم علوماً جَمّة، ضرورة اشتماله على أنواع جَمَّة من الأعراض الذّاتيّة، والغلط، إنّما نشأ من عدم تفرقة بين العلم بمعنى الصّناعة ـ أعني: جميع المباحث المتعلّقة بموضوع ما ـ وبين العلم بمعنى حصول صورة الشيء، ولو أُريد هذا، لكان كلّ مسألة علماً على حدّة.

وأيضاً مبنى الاتّحاد والاختلاف، وما يتبعه من التّباين والتّناسب والتّداخل، يجب أن يكون أمراً معيّناً، بيّناً أو مبيّناً، وذلك هو الموضوع، إذ لاضبط للأعراض الذّاتيّة، فلا حصر، بل لكلّ أحد أن يثبت ما استطاع وإنّما يتبيّن تحقّقها في العلم نفسه.

ولهذا كانت حدودها في صدر العلم حدوداً رسميّة، ربما تصير بعد إثباتها حدوداً حقيقيّة، بخلاف حدود الموضوع وأجزائه، فإنّها حقيقيّة.

وأمّا حديث المادّة والصّورة، فكاذب، لأنّ كلاًّ من الموضوع والمحمول جزء مادّيّ من القضية.

وإنّما الصّوري: هو الحكم على أنّ الكلام ليس في المسألة، بل في


صفحه 58

المركّب الاعتباري الّذي هو العمل بمعنى الصّناعة، ولاخفاء في أنّ المسائل مادّة له، ويرجع الصّورة إلى جهة الاتّحاد، إذ بها تصير المسائل تلك الصّناعة المخصوصة .

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ المتقدّمين(1) من علماء الكلام(2) جَعَلوا موضوعه، «الموجود بما هو موجود» (3) لرجوع مباحثه إليه.

قالوا: إنّ المتكلّم ينظر في أعمّ الأشياء، وهو الموجود، فيقسّمه إلى قديم ومُحْدَث، والمحدَث إلى جوهر وعرض، والعرض إلى ما يشترط فيه الحياة، كالعلم والقدرة، وإلى ما لا يشترط فيه الحياة، كالطعم واللّون، ويقسّم الجوهر إلى الحيوان والنّبات والجماد، ويبيّن أنّ اختلافها بالأنواع أو بالأعراض.

وينظر في القديم، فيتبيّن أنّه لا يتكثّر ولا يتركّب، وأنّه يتميّز عن المحدث بصفات تجب له، وأُمور تمتنع عليه، وأحكام تجوز في حقّه من غير وجوب أو امتناع، ويبيّن أنّ أصل الفعل جائز عليه، وأنّ العالم فعله الجائز فيفتقر لجوازه إلى محدث، وأنّه تعالى قادر على بعث الرّسل وعلى تعريف صدقهم بالمعجزات، وإنّ هذا واقع، وحينئذ ينتهي تصرّف العقل، ويأخذ في التّلقي من النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الثّابت عنده صدقه، لقبول ما يقوله من الله تعالى، في أمر المبدأ والمعاد .

ثمّ لمّا كان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، قيّدوا الموجود هاهنا بحيثيّة كونه متعلّقاً للمباحث الجارية، على قانون الإسلام; أي الطّريقة المعهودة المسمّاة بالدّين والملّة، والقواعد المعلومة قطعاً من الكتاب والسّنة، مثل: كون الواحد


1 . لاحظ: شرح المقاصد: 1 / 176 و 177 .
2 . منهم أبو حَامد الغَزالي المتوفى سنة (505 هـ) .
3 . أي من حيث هو غير مقيّد بشيء.


صفحه 59

موجداً للكثير(1)، وكون الملك نازلاً من السّماء(2)، وكون العالم مسبوقاً بالعدم(3) وفانياً بعد الوجود، إلى غير ذلك من القواعد الّتي يقطع بها في الإسلام دون الفلسفة، فيتميّز الكلام عن الإلهي(4) بهذا الاعتبار .

أقول: وهذا الاعتبار(5) هو الّذي أخرج الأدلّة الكلاميّة من البرهان إلى الجدل، فإنّ أمثال هذه أحكام ظاهريّة مقبولة ليست بقطعيّة غير محتملة للتأويل، سيّما فيما يتعلّق بأحوال المبدأ والأُمور الغائبة عنّا، بل الظّاهر أنّ أكثرها تمثيلات للحقائق، وتنبيهات على الدّقائق، لا ينبغي الوقوف على ظواهرها والجمود على متبادرها، فإنّ من ذلك، قد تولّد التّشبيه والتجسيم فيما بينهم، كما في قوله تعالى:(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(6).

وكما في الحديث: الّذي يَروُونَه إنّكم سَتَروُنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ كَمَا تَروُنَ القَمَر ليلة البدر(7). إلى غير ذلك.


1 . خلافا لقول الفلاسفة: الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد.
2 . أي خلافا لقولهم: الملك مجرّد لا يصدق عليه إنّه نازل وصاعدٌ.
3 . أي خلافا لقولهم العالم قديم زمانا.
4 . لأنّ موضوع الفلسفة الموجود بما هو موجود اعمّ من أن يمكن متعلّقاً للمباحث الجارية على قانون الإسلام أو لا فصار الكلام والحكمة علمان متميزان.
5 . أي: باعتبار كون المباحث على قانون الإسلام .
6 . طه: 5 .
7 . صحيح البخاري: 1 / 138 و 142 / باب فضل صلاة العصر، رقم 554، وباب فضل صلاة الفجر، رقم 573. متن الحديث: عن قيس، عن جرير، قال: كنّا عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «أما إنّكم سترون ربّكمْ، كما ترون هذا القمر...». نقله مسلم بن الحجاج في كتابه بعبارات شتّى. لاحظ : صحيح مسلم: 1 / 112 ـ 117، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربّهم، وباب معرفة طريق الرؤية. وكذلك نقله القاضي عبد الجبار وأجاب عنه، لاحظ: شرح الأُصول الخمسة: 268 .


صفحه 60

نعم، كان الأصوب أن لا يقع الاستكشاف عنها والكلام فيها، بل كان ينبغي الإيمان بحقائقها على حدّ(1) ما يفهمُونه على تفاوت عقولهم، ومراتب أفهامهم، كما كان في الصّدر الأوّل، فلمّا وَقَعَ الاستكشاف عنها وحدث الكلام، وشاع الاختلاف، فالواجب أن يصار إلى مقتضى العقول الصّريحة والآراء الصّحيحة، ويرجع إلى قوانين النّظر والاستدلال البرهاني الموجب لليقين المبتني على المقدّمات البرهانيّة القطعيّة العقليّة الصرفة، لمن أراد الترقّي عن حضيض التّقليد إلى ذروة التّحصيل، وإن أدّى إلى ترك الظّواهر ورفض المتبادر، لاستقلال العقل في أحوال المبدأ وسائر العقليّات، بخلاف ما يتعلّق بالعمليّات، والأُمور الّتي لا يستقلّ مجرّد العقل فيها.

وهذا ما وعدناك في صدر المقدّمة، من أنّ الاعتماد على الدّلائل الكلاميّة من حيث هي كلاميّة غير مجد في تحصيل العقائد الدّينية، بل جَدْواها إنّما هو حفظ العقائد إجمالاً على العقول القاصرة الغير القادرة على البلوغ إلى درجة اليقين التّفصيلي والتّحقيق التّحصيلي(2)، هذا .

ثمّ إنّه اعترض في المواقف (3): على كون موضوع الكلام، هو الموجود بما هو موجود، بأنّه قد يبحث في الكلام عن أحوال المعدوم والحال، وعن أحوال أُمور لا تتوقّف تلك الأحوال على كون تلك الأُمور موجودة في الخارج، سواء كانت موجودة فيه أم لا، كالنّظر والدّليل (4)، فيقال مثلاً: النّظر الصحيح يفيد


1 . متعلّق بقوله «لا يقع».
2 . ب، «والتّحصيل التّحقيقي».
3 . لاحظ: المواقف في علم الكلام: 7 ـ 8 .
4 . الدّليل: في اللّغة: هو المرشد إلى المطلوب، وما به الإرشاد.
ومنه يا دليل المتحيّرين أي هاديهم إلى ما تزول به حيرتهم. ويذكر ويراد به العلامة المنصوبة لمعرفة المدلول.
وفي الاصطلاح: هو الّذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.
ثمّ اعلم أنّ الدّليل، تحقيقي وإلزامي.
والدّليل التحقيقي: ما يكون في نفس الأمر ومسلّماً عند الخصمين .
والدّليل الإلزامي: ما ليس كذلك بل ما سلّم عند الخصم، سواء كان مسلّما عند المستدل أم لا، فيقال هذا عندكم لا عندي. لاحظ : مصطلحات جامع العلوم: 427 ; وكتاب التعريفات: 140 / رقم 692 و 693 .


صفحه 61

العلم أم لا، والدّليل وجه دلالته كذا، وينقسم إلى كذا.

فإنّ هذه كلّها مسائل كلاميّة ولا يعتبر فيها وجود موضوعاتها في الخارج، ولا يجوز أن يؤخذ الموجود أعمّ من الذّهني والخارجي ليعمّ الكلّ، لأنّ المتكلّمين لا يقولون بالوجود الذّهني .

وبأنّ المبني(1) على قانون الإسلام، ما هو الحقّ من المسائل الكلاميّة، إذ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الإسلام قطعاً.

فإن زَعَم القائلُ بهذا القول(2) إنّ الكلام هو المسائل الحقّة دون الباطلة، فلا يتميّز علم الكلام عمّا ليس بعلم الكلام، كيف وكلّ من صاحبي المسائل الحقّة والباطلة يدعي كون مسائله حقّة على قانون الإسلام (3).

وأجاب في شرح المقاصد عن الأوّل (4): بأنّا لا نسلّم، كون هذه المباحث من مسائل الكلام; بل مباحث النّظر والدّليل من مباديه، وبحث المعدوم والحال


1 . أ، ب و ج: «المبتني» .
2 . أي الموجود موضوع للكلام .
3 . انظر : شرح المواقف: 1 / 47 و 48 .
4 . أي بأنّه قد يبحث في الكلام عن أحوال المعدوم والحال وعن أحوال أمور لا تتوقّف تلك الأحوال على كون تلك الأُمور موجودة في الخارج الخ.


صفحه 62

من لواحق مسألة الوجود، توضيحاً للمقصود وتتميماً له بالتّعرض لما يقابله .

لا يقال: بحث إعادة المعدوم، واستحالة التّسلسل، ونفي الهيولى(1)، وأمثال ذلك من المسائل قطعاً.

لأنّا نقول: هي راجعة إلى أحوال الموجود بأنّه:

هل يعاد بعد العدم؟

وهل يتسلسل إلى غير النهاية؟

وهل يتركّب الجسمُ من الهيُولى والصّورة؟

ولو سلّم أنّها من المسائل، فكثير من المتكلمين يقولون ; بالوجُود الذّهني، فعندهم يصحّ جعل الموجود من حيث هو أعمّ من الخارج والذّهني موضوعاً للكلام، ومن لم يقل بالوجود الذّهني، فعليه العدول من الموجود إلى المعلوم، كما سيأتي.

وعن الثّاني (2): بأنّ المراد بقانون الإسلام، أُصول مأخوذة من الكتاب، والسّنة، والإجماع، والمعقول الّذي لا يخالفها.(3)

وبالجملة: فحاصله أن يحافظ في جميع المباحث على القواعد الشّرعيّة، ولا يخالف القطعيّات منها جرياً على مقتضى نظر العقول القاصرة على ما هو


1 . الهيولي لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادّة. وفي الاصطلاح: هي جوهر قوة محضة وإنّما يتحصلُ بقبوله الصورة الجسمانيّة كقوّة قابلة للصور، وسمّوا الهيولي " العنصر "أيضاً. وربّما استعملوا " العنصر " مكان الهيولي. كتاب الحروف: 159 ; ومعيار العلم: 382 .
2 . أي وبأنّ المبني على قانون الإسلام ما هو الحقّ من المسائل الكلاميّة الخ.
3 . مثل كون الواحد موجداً للكثير، وكون الملك نازلاً مِن السّماء، وكون العالم مسبوقاً بالعدم، وفانياً بعد الوجود به، إلى غير ذلك .


صفحه 63

قانون الفلسفة، لا أن يكون جميع المسائل حقّة في نفس الأمر، منتسبة إلى الإسلام بالتّحقيق(1) .

وقال شارح المواقف: «ولقائل أن يقول: إن لم تجعل حيثيّة كون البحث على قانون الإسلام، قيداً للموضوع، لم يتوقف تمايز العلوم على تمايز الموضوعات، وهو باطل لما مرّ، وإن جعلت قيداً له، اتّجه أنّ تلك الحيثيّة لا مدخل لها في عروض المحمولات لموضوعاتها».(2)

وذهب بعضهم(3) كالقاضي الأُرموي(4) من المتأخّرين: إلى أنّ موضوع الكلام ذات الله تعالى، لأنّه يبحث عن صفاته الثبوتيّة والسّلبيّة، وأفعاله المتعلّقة بأمر الدّنيا، ككيفيّة صدور العالم عنه بالاختيار، وحدوث العالم، وخلق الأعمال، وكيفية نظام العالم، كالبحث عن النبوات(5) وما يتبعها، أو بأمر الآخرة، كبحث المعاد، وسائر السمعيّات.

فيكون الكلام; هو العلم الباحث عن أحوال الصّانع، من صفاته الثبوتيّة والسّلبيّة، وأفعاله المتعلّقة بأمر الدّنيا والآخرة.


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 177 ـ 179 .
2 . شرح المواقف: 1 / 49 .
3 . لاحظ: شرح المقاصد: 1 / 180 ـ 182 .
4 . محمود بن أبي بكر بن أحمد، أبو الثناء سراج الدين الأرموي الشافعي المتوفي (682 هـ)، عالم بالأصول والمنطق، له تصانيف، منها: «مطالع الأنوار» و «التحصيل من المحصول» و «لطائف الحكمة» و «بيان الحق» و «لباب الأربعين في أصول الدين» و «شرح الإشارات» و....
انظر : هدية العارفين: 1 / 406 ; والأعلام قاموس تراجم: 7 / 166. ومعجم المطبوعات العربية: 1 / 427 .
5 . أ وب: «النبوّة».


صفحه 64

وتبعه صاحب الصّحائف(1)، إلاّ أنّه زاد، فجعل الموضوع، ذات الله تعالى من حيث هي، وذوات الممكنات من حيث أنّها تحتاج إلى الله تعالى، وجهة الوحدة هي الوجود.

فكان هو:(2) العلم الباحث عن أحوال الصّانع، وأحوال الممكنات من حيث أنّها تحتاج إلى الله تعالى، على قانون الإسلام.

فإن قيل (3): لو كان الموضوع ذات الله تعالى وحده، أو مع ذوات الممكنات من حيث الاستناد إليه، لما وقع البحث في المسائل إلاّ عن أحوالها، واللاّزم باطل، لأنّ كثيراً من مباحث الأُمور العامّة، والجواهر والأعراض، بحث عن أحوال الممكنات، لا من حيث استنادها إلى الواجب .

يجاب: بأنّه يجوز أن يكون ذلك على سبيل الاستطراد، قصداً إلى تكميل الصّناعة، بأن يذكر مع المطلوب ما له نوع تعلّق به من اللّواحق، والفروع والمقابلات، وما أشبه ذلك، كمباحث المعدوم، والحال، وأقسام الماهيّة والحركات والأجسام، أو على سبيل الحكاية لكلام المخالف، قصداً إلى تزييفه، كبحث العلل والمعلولات، والآثار العلويّة، والجواهر المجرّدة، أو على سبيل المبدئيّة، بأن يتوقّف عليه بعض المسائل، فيذكر لتحقيق المقصود، بأن لا يتوقف بيانه على ما ليس يبيّن، كاشتراك الوجود، واستحالة التّسلسل، وجواز كون الشّيء فاعلاً وقابلاً، وإمكان الخلأ وتناهي الأبعاد.

وأمّا ما سوى ذلك، فيكون من فضول الكلام، يقصد به تكثير المباحث، كما اشتهر بين المتأخرين من خلط كثير من مسائل الطّبيعي والرّياضي بالكلام.


1 . هو: شمس الدّين محمد بن اشرف الحسيني السمرقندي المتوفى ( 600 هـ).
2 . قوله: «فكان هو» أي كان علم الكلام.
3 . نقله شارح المقاصد وأجاب عنه. لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 181 ـ 182 .


صفحه 65

فإن قيل (1): لا يجوز أن يكون للكلام مبادئ تفتقر إلى البيان وتثبت البرهان، لأنّ مبادئ العلم، إنّما يتبيّن في علم أعلى منه.

وليس في العلوم الشرعيّة ما هو أعلى من الكلام، بل الكلّ جزئيّ بالنّسبة إليه، ومتوقّف بالآخرة عليه، فمبادئه لا تكون إلاّ بيّنة بنفسها .

يجاب: بأنّ ما تبيّن فيه مبادئ العلم الشرعي، لايجب أن يكون علماً أعلى منه، ولا أن يكون علماً شرعيّاً، للإطباق على أنّ علم الأُصول يستمد من العربيّة، ويبيّن فيها بعض مبادئه .

قال شارح المقاصد: «إنّ المفهوم من " شرح الصحائف " (2) أن ليس معنى البحث عن أحوال الممكنات على وجه الاستناد أن يكون ملاحظاً في جميع المسائل ; بل (3) أن يكون البحث عن أحوال تعرض الممكنات من جهة استنادها إلى الله تعالى .

فإنّه قال: إنّ أحوال الممكنات الّتي يبحث عنها في الكلام، أحوال مخصوصة معلومة، يُحكم بفيضانها عن تأثير قدرة الله تعالى.

وذلك إنّما يكون لحاجتها، فيكون عروضها(4) للممكنات ناشئاً عن جهة حاجتها إليه، هذا ».(5)


1 . نقله شارح المقاصد وأجاب عنه. أنظر : شرح المقاصد: 182 ـ 183 .
2 . المعارف في شرح الصحائف، لشمس الدّين محمد السمرقندي والشارح هو البهشتي. راجع: كشف الظنون: 2 / 1075 .
3 . «بل» كما في المصدر وسيوافيك رقمه فانتظر .
4 . أي الأحوال .
5 . شرح المقاصد: 1 / 183 .


صفحه 66

ثمّ إنّ القوم قد أبطلوا هذا المذهب ـ أعني: كون موضوع الكلام ذات الله وحده أو مع ذوات الممكنات من جهة الاستناد إليه ـ بأنّه لو كان كذلك لما كان إثباته من مطالب الكلام، لأنّ موضوع العلم لا يتبيّن فيه، بل في علم أعلى إلى أن ينتهي إلى ما موضوعه بين الثبوت كالموجود.

وذلك لأنّ حقيقة العلم إثبات الأعراض الذاتيّة للشّيء على ما هومعنى الهليّة المركّبة، ولاخفاء في أنّها بعد الهليّة البسيطة، لأنّ ما لا يعلم ثبوته لا يعلم ثبوت شيء له، لكن لا نزاع في أنّ إثبات الواجب بمعنى إقامة البرهان على وجوده من أعلى مطالب علم الكلام.

ثمّ كونه مبدأً للممكنات بالاختيار أو الإيجاب بلا وسط(1) في الكلّ أو بوسط(2) في البعض(3) بحث آخر منه.

والقول بأنّ إثباته إنّما هو من مسائل الإلهي(4) دون الكلام، ظاهر الفساد، وإلاّ لكان هو أحد العلوم الإسلاميّة ; بل رئيسها ورأسها .

وأجاب عنه بعضهم: بأنّه جاز هاهنا إثبات الموضوع في العلم لوجهين:

الأوّل: أنّ الوجود من أعراضه الذاتيّة، لكونه واجب الوجود، بخلاف سائر العلوم، فإنّ الوجود إنّما يلحق بموضوعاتها لأمر مباين.

والثّاني: أنّه لا علم شرعي فوقه تبيّن فيه موضوعه، فلا بدّ من بيانه فيه.


1 . كما هو مذهب الأشاعرة.
2 . وهو افعال العباد .
3 . كما هو مذهب المعتزلة .
4 . أي الالهيات بالمعنى الاعّم.


صفحه 67

وقال شارح المقاصد: «وفيه نظر:

أمّا أوّلاً: فلأنّه ليس من شرط العرض الذّاتي أن لا يكون معلولاً للغير، بل أن لا يكون لحوقه للشيء بتوسط لحوقه لأمر خارج عنه غير مساو للاتّفاق، على كون الصحّة والمرض عرضاً ذاتيّاً للإنسان، والحركة والسّكون للجسم، والاستقامة والانحناء للخط، إلى غير ذلك .

وأمّا ثانياً: فلأنّه يلزم أن لا يكون بيان وجود شيء من الممكنات مسألة من شيء من العلوم، فلا يصحّ أنّ موضوع العلم إنّما يبيّن وجوده في علم أعلى .

وأمّا ثالثاً: فلأنّ قولهم، موضوع العلم لا يبيّن فيه بعد تقدير أنّه لا يثبت في العلم غير الأعراض الذاتيّة للموضوع، يكون لغواً من الكلام، لأنّ ما وجوده عرض ذاتي يبيّن فيه، وما لا يبيّن ليس بعرض ذاتي .

وأمّا رابعاً: فلأنّه لا يبقى قولهم لكلّ علم موضوع ومبادئ ومسائل على عمومه، لأنّ معناه التّصديق بآنيّة الموضوعة وهليّة البسيطة، وقد صار في علم الكلام من جملة المسائل .

وأمّا خامساً:(1) فلأنّ تصاعد العلوم، إنّما هو بتصاعد الموضوعات، فلا معنى لكون علم أعلى من آخر، سوى أنّ موضوعه أعمّ.

فينبغي أن يؤخذ موضوع الكلام، الموجود أو المعلوم، وإلاّ فالإلهي أعلى رتبة منه، وإن كان أشرف من جهة.

وقد عرفت أنّ ما يبيّن فيه موضوع علم شرعي، أو مبادئه، لا يلزم أن يكون علماً شرعيّاً، بل يكفي كونه يقينيّاً وعلى وفق الشّرع .


1 . هذا إيراد على الوجه الثّاني.


صفحه 68

ثمّ قال(1): فإن قيل: فقد آل الكلام إلى أنّ الوجود المخصّص لموضوع الصّناعة، وإن كان من أعراضه الذاتيّة، لا يبيّن فيها لكون نظرها مقصوراً على بيان هليّة المركّبة، بل يكون مسلّماً في نظرها لكونه بيّناً أو مبيّناً في صناعة أعلى. وحينئذ يعود الإشكال(2)، بأنّ بيانه هناك(3)، لا يكون من الهليّة المركّبة، وموضوع هذا العرض الذّاتي لا يكون ممّا هو مسلّم الوجود.

قلنا: موضوع الصّناعة الأعلى أعمّ، ووجوده لا يستلزم وجود الأخصّ، فيبيّن فيها وجود الأخصّ، بأن يبيّن انقسام الأعمّ إليه وإلى غيره، وأنّه يوجد له هذا القسم، ويكون ذلك عائداً إلى الهليّة المركّبة للأعمّ، مثلاً يبيّن في الإلهي أنّ بعض الموجود جسم، فيتبيّن وجود الجسم، وفي الطبيعي أنّ بعض الجسم كرة، فيتبيّن وجود الكرة، وعلى هذا القياس، هذا».(4)

وذهب أكثر المتأخّرين (5) إلى أنّ موضوع علم الكلام: هو المعلوم من حيث يتعلّق به إثبات العقائد الدّينيّة، لما أنّه يبحث عن أحوال الصّانع تعالى من القِدم والوحدة والقدرة والإرادة وغيرها، وأحوال الجسم والعرض من الحدوث والافتقار والتّركّب من الاجزاء وقبول الفناء، ونحو ذلك ممّا هي عقيدة إسلاميّة أو وسيلة إليها.

وكلّ هذا بحث عن أحوال المعلوم وهو كالموجود بين الهليّة والشّمول


1 . أي شارح المقاصد .
2 . في موضوع غير العلم الأعلى .
3 . فـي علـم الأعلى .
4 . شرح المقاصد: 1 / 185 ـ 186 .
5 . انظر: شرح المواقف: 1 / 40 ; وشرح المقاصد: 1 / 173 ـ 174 .


صفحه 69

لموضوعات سائر الأُمور الإسلاميّة، فيكون الكلام فوق الكلّ، إلاّ أنّه أُوثر على الموجود ليصح على رأي من لا يقول بالوجود الذّهني، ولا يفسّر العلم بحصول الصّورة في العقل، ويرى مباحث المعدوم والحال من مسائل الكلام .

لا يقال: إن أريد بالمعلوم مفهومه فأكثر محمولات المسائل أخصّ منه، فلا يكون عرضاً ذاتّياً له، وإن أُريد به ما صدق عليه من أفراده كان أعمّ منه، فلا يكون أيضاً عرضاً ذاتيّاً مبحوثاً عنه ما لم يقيّد بما يجعله مساوياً له، كما حقّق في موضعه.

لأنّا نقول: قد حقّق هناك أيضاً أنّ العرض الذّاتي يجوز أن يكون أخصّ من معروضه كما ذكرنا .

ثمّ إنّ شارح المواقف: أورد على كون المعلوم موضوعاً للكلام مثل ما أورده على كون الموجود موضوعاً له; وهو أنّ الحيثيّة المذكورة لا مدخل لها في عروض القدرة مثلاً للمعلوم، فلا يكون عرضاً ذاتيّاً له من تلك الحيثيّة، وإن كان بحث المتكلّم عن قدرته تعالى لإثبات عقيدة دينيّة (1).

أقول: فظهر أنّ شيئاً من المذاهب الثّلاثة(2) لا يخلو عن خدشة.


1 . شرح المواقف: 1 / 41 ـ 42 .
2 . قوله: " المذاهب الثلاثة " أي في موضوع علم الكلام كما مرّ وهي:
أ. على رأي المتقدمين: أنّ موضوع علم الكلام، الموجود بما هو موجود .
ب. وعلى رأي بعض المتأخرين كالقاضي الأرموي: أنّ موضوع علم الكلام ذات الله تعالى.
ج. وعلى رأي أكثر المتأخرين: أنّ موضوعه، هو المعلوم من حيث يتعلّق به إثبات العقائد الدّينيّة.


صفحه 70

فالصّواب: أن لا يفرق بين الكلام والإلهي بحسب الموضوع، بل يجب أن يجعل موضوع كلا العلمين، «الموجود بما هو موجود» .

فإنّ الحيثيّة(1) المعلوميّة أيضاً لا مدخل لها في عروض محمولات مسائل الكلام لموضوعاتها، ويجعل الفرق بينهما من حيث قانون البحث، وبحسب المبادئ الّتي يؤخذ منها الأدلّة والقياسات، فإنّ مبادئ الأدلّة الكلاميّة في الكلام، يجب أن يكون على قانون يطابق ما ثبت من ظواهر الشريعة، بخلاف مبادئ العلم الإلهي، فإنّها لا يعتبر فيها مطابقة ظواهر الشّرع; بل المعتبر فيها مطابقة القوانين العقليّة الصّرفة، سواء طابقت الظّواهر أم لا، فإن طابقت فذاك، وإلاّ فيأوّلون الظّواهر إلى ما يطابق قوانين المعقول، فهذا هو الفرق بين الكلام والإلهي.

فأمّا حديث تمايز العلوم بحسب تمايز الموضوعات، فلا يجب مراعاته بين العلوم الشّرعيّة والعلوم الفلسفيّة معاً; بل يكفي في اعتباره اطّراده في كلّ منهما على حدّة، بأن يكون تمايز العلوم الشّرعيّة فيما بينها بحسب تمايز موضوعاتها.

وكذا يكون تمايز العلوم الفلسفيّة فيما بينها بحسب تمايز موضوعاتها، لا أن يكون تمايز العلم الشّرعي عن العلم الفلسفي أيضاً بحسب تمايز الموضوعين .


1 . قوله: «فإنّ الحيثيّة المعلوميّة الخ» جواب عن سؤال مقدّر: وهو انّه لِمَ لا يجوزُ أن يكون المعلوم بما هو معلوم موضوعاً لعلم الكلام، كما تقول، الموجود بما هو موجود، هو الموضوع لعلم الكلام؟! فأجاب: بأنّ حيثيّة المعلوميّة...».


صفحه 71

المطلب الثّالث:

في بيان فائدة علم الكلام

قالوا: إنّما وجب تقديم فائدة العلم دفعاً للعبث، فإنّ الطالب إن لم يعتقد فيه فائدة أصلاً، لم يتصوّر منه الشروع فيه بالضرورة، وإن اعتقد فيه فائدة غير ما هو فائدته، أمكنه الشروع فيه، إلاّ أنّه لا يترتب عليه ما اعتقده، بل ما هو فائدته.

وربّما لم تكن موافقة لغرضه، فيُعدَّ سعيه في تحصيله عبثاً وأيضاً ازدياد الرّغبة(1) فيه حيث كانت مهمّة(2) له، فيُوفيه حقّه من الجدّ والاجتهاد، وهي أُمور :

الأوّل: بالنّظر إلى الطّالب في قوّته النّظّريّة، وهو التّرقي من حضيض التّقليد إلى ذروة الإيقان.

قال الله تعالى: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)(3).

خصّ العلماء بالذّكر مع اندراجهم في المؤمنين رفعاً لمنزلتهم.

الثّاني: بالنّظر إلى تكميل الغير، وهو إرشاد المسترشدين بإيضاح الحجّة


1 . ب: «ازدياداً لرغبة».
2 . ب: «كانت فائدة مهمّة».
3 . المجادلة / 11 .


صفحه 72

لهم إلى عقائد الدّين، وإلزام المعاندين بإقامة البرهان والحجّة عليهم، فإنّه ربّما يجرّه إلى الاذعان والاسترشاد .

الثّالث: بالنّسبة إلى أصول الإسلام، وهو حفظ عقائد الدّين عن أن يُزَلزِلها شبه المُبطلين.

الرّابع: بالنّظر إلى فروع الإسلام الشّرعيّة، وهو أن تُبني عليه ما عداه من العلوم الشّرعيّة. فإنّه أساسها (1)، وإليه يؤول أخذها واقتباسها، لأنّه ما لم يثبت وجود صانع عالم، قدير، مكلِّف، مرسِل للرّسل، ومنزِل للكتب، لم يتصوّر علم تفسير وحديث، ولا علم فقه وأُصول.

الخامس: أيضاً للطالب في قوّته العمليّة، وهو صحة النّية بإخلاصها في الأعمال وصحة الاعتقاد وبقوّته في الأحكام المتعلّقة بالافعال. إذ بهذه الصحّة في النيّة والاعتقاد، يرجى قبول العمل، وترتّب الثّواب عليه.

وغاية ذلك كلّه: هي الفوز بسعادة الدّارين. فإنّ هذا الفوز مطلوب لذاته، فهو منتهى الأغراض وغاية الغايات(2).


1 . أي أنّ علم الكلام أساس لفروع الإسلام.
2 . لاحظ : شرح المواقف: 1 / 49 ـ 52 .


صفحه 73

المطلب الرّابع:

في مرتبة علم الكلام وشرفه

قالوا: (1) وإنّما وجب تقديمها ليعرف قدره، ورتبته فيما بين العلوم، فيسعى بقدره في اكتسابه، ويعتنى بحسبه في اقتنائه .

ولمّا كان كما علمت موضوعه، أعمّ الأُمور وأعلاها، وغايته أشرف الغايات وأجداها، ودلائله يقينيّة، يحكم بصحّة مقدّماتها صريح العقل.

وقد تأيّدت بالنّقل، وهي; أي شهادة العقل بصحّتها مع تأيّدها بالنّقل هي الغاية في الوثاقة.

وهذه هي جهات شرف العلم لا تعدّوها، فهو أشرف العلوم بحسب جهات الشّرف كلّها(2).

وهذا ما أوردنا إيراده في المقدّمة، فلنخض في شرح الكتاب.


1 . لاحظ: شرح المواقف: 1 / 52 و 53 .
2 . ومن أراد التفصيل في مرتبة علم الكلام وشرفه، فليراجع: نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 6 ـ 8 و 13 .


صفحه 74

 

شرح خطبة تجريد الاعتقاد

قال المصنف أعلى الله مقامه:

بسم الله الرحمن الرحيم (1)

أمّا بعد: حمد واجب الوجود على نعمائه، والصّلاة على سيّد أنبيائه ، وعلى أكرم اُمنائه.

فإنّي مجيب إلى ما سُئلت من تحرير مسائل الكلام، وترتيبها على أبلغ النّظام، مشيراً إلى غُررِ فرائد الاعتقاد، ونُكت مسائل الاجتهاد، ممّا قادني الدّليلُ إليه، وقوّى اعتقادي عليه.

والله أسأل العِصمة والسّداد، وأن يجعله ذخراً ليوم المعاد، وسمّيته بتجريد العقائد ورتّبتُهُ على ستّة مقاصد .

أقول: أمّا: كلمة شرط.

قال في الصحّاح: «وقولهم أمّا بالفتح فهو لافتتاح الكلام، ولا بدّ من الفاء في جوابه، تقول: أمّا عبد الله فقائم، وإنّما أُحتيجَ إلى الفاء في جوابه لأنّ فيه تأويل الجزاء، كأنّك قلت: مهما يكن من شيء فعبد الله قائم »(2).

بعد: منصوب على الظرفية لوجود المضاف إليه.


1 . بالنَّظر إلى أنّ كتاب شوارق الإلهام شرح لكتاب تجريد الاعتقاد للمحقق الطوسي، ذكر المصنّف المتن لغاية الشّرح، لكنّ جزّأ المتن وقطّعه بشكل لا يتميّز عن الشّرح، فلذلك قمنا بنقل المتن كافّة في صدر كلّ مبحث باضافة لفظة «قال» .
2 . الصحاح تاج اللغة: 6 / 2272 .


صفحه 75

قال في الصحاح: «وبعد: نقيض قبل: وهما اسمان يكونان ظرفين إذا أُضيفا، وأصلهما الإضافة، فمتى حذفت المضاف إليه ; لعِلِم المخاطب بُينهما(1) على الضمّ ليعلم أنّه مبنيّ. إذ كان الضمّ لا يدخلها إعراباً، لأنّهما لا يصلح وقوعهما موقع الفاعل، ولا موقع المبتدأ ولا الخبر»(2).

حمد: هو لغة نقيض الذمّ، كالمدح. وهو الثناء الحسَنَ.

وهو أعمّ من الشّكر اللّغوي. وهو الثناء على الإحسان، وعرفاً الوصف بالجميل على الجميل لقصد التبجيل.

وهو أعمّ من الشّكر العرفي.

وهو الفعل المُنبئُ عن تعظيم المنعم لكونه منعماً بحسب المتعلّق ـ أعني: ما يقعان بإزائه ـ فإنّه يقع بإزاء الفضائل والفواضل بخلافه ; حيث يختصّ وقوعه بإزاء الفواضل وأخصّ(3) بحسب المورد. فإنّه يقع باللّسان وحده، وهو(4) بالجنان والأركان أيضاً.

فالحمد اللّغوي أعمّ مطلقاً من الشّكر اللّغوي.

والحمد العرفي أعمّ من وجه من الشّكر العرفي.

والمشهور كما في " شرح المطالع " (5) وحاشيته(6): هو العموم


1 . أ، ب و ج: «بُنيا».
2 . الصحاح: 2 / 448 .
3 . أي الحمد .
4 . أي يقع الشكر.
5 . قال في شرح المطالع: الحمد هو الوصف بالجميل على جهة التّعظيم والتّجليل، وهو باللّسان وحده، والشّكر على النّعمة خاصّة لكن مورده يعمّ اللّسان والجنان والأركان، فبينهما عموم وخصوص من وجه، لأنّ الحمد قد يترتّب على الفضائل، والشّكر يختصّ بالفواضل .
6 . قال السّيد الشريف في حاشيته على شرح المطالع; النّسبة بين الحمدين عموم وخصوص من وجه، وبين الشّكرين عموم مطلق، وكذا بين الشّكر العرفي والحمد اللّغوي، وبين الحمد العرفي والشّكر اللّغوي أيضاً. لاحظ : شرح المطالع في المنطق: 4 .


صفحه 76

والخصوص من وجه بين اللّغويين، بجعل الشّكر اللّغوي هو الفعل المُنبئُ، والعموم مطلقاً بين العرفييّن لكونهما عامّين للموارد كلّها ; حيث لا عبرة بمجردالقول بدون مطابقة الاعتقاد والعمل، وكون الحمد بإزاء النّعمة مطلقاً، وتخصيص الشّكر بالنّعمة الواصلة إلى الشّاكر.

والتحقيق ما ذكرنا.

أمّا الأوّل(1): فلأنّه هو المطابق لما صرّح به أئمّة اللّغة.

وأمّا الثاني(2): فلأنّ المعتبر في الحمد، هو عدم مخالفة الاعتقاد والعمل لما يصدر من اللّسان، فكلّ منهما(3) شرط لكون ما من اللّسان حمداً وليس بفرد له ولا بجزء منه.

وأمّا في الشّكر، فكلّ منهما على ما ذكرنا فرد منه وهو الأشهر .

وقد يعرف بصرف العبد جميع ما أعطاه الله إلى ما أعطاه لأجله، وحينئذ يكون كلّ منهما جزء منه.

وكذا تخصيص الشّكر بالنّعمة الواصلة، إنّما هو على هذا التّعريف.

واجب الوجود: أي لذاته، فإنّه المتبادر عند الإطلاق.


1 . أي الحمد أعمّ مطلقاً من الشّكر في اللّغة.
2 . أي الحمد أعمّ من وجه من الشّكر في العرف .
3 . أي كلّ من الاعتقاد والعمل .


صفحه 77

وهو(1) أخصّ صفاته تعالى، إذ لا يصدق(2) على شيء من الممكنات، بخلاف سائر صفاته تعالى.

وإنّما حذف الموصوف(3) للتّعيين وللإشارة إلى كون صفاته تعالى عين ذاته، فيحصل براعتان(4). وإلى أنّه لا يمكن تصوّر ذاته بكنهها، بل بوجهها، وهو بالصّفات، وهو اخصّها كما عرفت. فيحصل براعة ثالثة بالنّسبة إلى الفنّ، فإنّه من مطالبه دون الكتاب، إذ ليس مذكوراً فيه.

وأمّا لزوم توهّم التّكرار، لو ذكر لكونه بمنزلة الموصوف لاختصاصه به، فإنّما يتمّ لو لم يصدق على شيء أصلاً(5)، وليس إلاّ ادّعاء، فيرجع إلى ما ذكرنا أوّلاً(6)، وإنّما لم يعرّفه(7)، لأنّه لم يقدّر الموصوف، بل وضعه موضعه، أو قدّره غير معرّف مثل: إله واجب الوجود.

على نعمائه: بتخصيص النعماء الّتي من الفواضل مع الحمد الّذي يعمّها.

والفضائل، إشارة إلى أنّ حمدنا ليس إلاّ شكراً، لاستغراقنا في نعمه الغير


1 . واجب الوجود .
2 . أي بحسب نفس الأمر.
3 . أي الله .
4 . أحدهما في ذكر الصّفة سواأ ذكر الموصوف أو لا.
وثانيهما في ذكر الموصوف مع ذكر الصّفة. واعلم: البراعة في اللّغة: هي الذهاب إلى مكان مرتفع للاستهلال.
وفي الاصطلاح: ذكر الشيء في الابتداء.
5 . أي لا بحسب نفس الأمر ولا بحسب فرض العقل .
6 . أي من كونه أخصّ صفاته.
7 . الواجب .


صفحه 78

المتناهية، بحيث لو عمّرنا إلى الأبد حامدين لم يفضل حمدنا على ما وصل إلينا من نعمه ليمكن أن يقع بإزاء غيرها، فلا يكون إلاّ شكراً.

والصّلاة: هي لغة الدّعاء. وإذا اُسند إلى الله تعالى، فالمراد الرّحمة .

قال في " الصحّاح " : الصّلاة الدّعاء، ومن الله الرّحمة .

وفي " القاموس " : الصّلاة; الدّعاء والرّحمة والاستغفار وحسن الثّناء من الله على رسوله.

وقيل: هي من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن النّاس الدّعاء، وهي تستعمل بعلى مطلقاً.

قال الله تعالى: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(1) .

على سيّد: أصله سَيْيد على فعيل، من ساد قومه، يسودهم سيادة، وسوددا وسيدودة، فهو سيّد.

وعند البصريّين: أصله فيعل. كذا في " الصّحاح " .

أنبيائه (2): جمع نبيّ، وأصله نبئ، بالهمزة على فعيل من النبأ، بمعنى الخبر، لأنّه انبأ عن الله تعالى، أو نبيّ، بدون الهمزة على فعيل بمعنى مفعول من النّبوة، وهي ما ارتفع من الأرض، أيّ شرّف على سائر الخلق، وكلّ ذلك في "الصّحاح " .


1 . الأحزاب: 56 .
2 . في أكثر النسخ: «على سيّد أنبيائه محمّد المصطفى».


صفحه 79

وهو ـ أعني: سيّد أنبياء الله ـ هو نبيّنا محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكونه خاتمهم بالنصّ(1) من الله المستلزم للفضل عليهم، ولإجماع الأُمّة على ذلك، ولكونه سيّد البشر كما اشتهر في الخبر، فيكون سيّد الأنبياء أيضاً.

ولذلك(2) ترك الموصوف لتعيّنه بهذا الوصف، كما في القرينة السّابقة.

وما قد يوجد في بعض النّسخ هاهنا، وفي القرينة السّابقة من التّصريح بذكر الموصوف، فليس بمعتمد.

وعلى: حرف جرٍّ، لا إسم مجرور معطوف على سيّد أنبيائه، إذ لا وجه له.

وما روى في منع دخول على، على الآل، فغير معمول جدّاً(3)، أو معارض بما يدلّ على خلافه.

أكرم: إسم تفضيل من الكرم، وهو نقيض اللُّؤمُ بالهمزة، على فعل بمعنى الدّناءة، عطف على «سيّد».


1 . النصّ في اللّغة: الإظهار والإبانة، وفي الإصطلاح: هو اللّفظ الّذي لا يحتمل غير ما فهم منه كقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب / 40).
والنصّ على ضربين: الأوّل: النصّ الجلّي: وهو النصّ الّذي يستفاد من ظاهره ولفظه الصريح بالإمامة والخلافة كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)«هذا خليفتي من بعدي» .
الثاني: النصّ الخفيّ: هو الّذي ليس لفظه صريحاً في النصّ بالإمامة، وإنّما ذلك فحواه ومعناه كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي». لاحظ : رسائل الشريف المرتضى: 1 / 338 و 339; والشافي في الإمامة: 2 / 67 ; وارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 338 .
2 . أي لتعدد الوجوه في كونه سيّد الأنبياء بحيث لا يخطر بالبال عند الاطلاق إلاّ هو .
3 . لعدم اسناده وعدم وجدانه في الكتب المشهورة.


صفحه 80

أحبّائه: جمع حبيب على فعيل بمعنى محبوب أو محبّ على ما في "القاموس " . والأنسب هاهنا، هو الأوّل.

والمراد بالأحبّاء، إمّا أصحابه خاصّة، وإمّا جميع أُمّته.

والضّمير راجع إلى سيّد أنبيائه، ولا بأس بتفكيك الضّمير في مثل هذا المقام لظهور المقصود، ولا معنى لرجوعه إلى واجب الوجود.

وإسم التّفضيل المضاف، قد يراد به الزّيادة على جميع من أُضيف إليه، وهو الأكثر.

وقد يراد به الزّيادة على جميع ما عداه مطلقاً.

وبالمعنى الأوّل يجوز أن يقصد بالفرد المتعدّد، دون الثّاني.

ومراد المصنف(رحمه الله) ; يصحّ أن يكون هاهنا هو الفرد، فيريد عليّاً(عليه السلام)، اكتفاء بما هو الأصل، ويصحّ أن يكون المتعدّد، فيريد الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام)، الّذين هم المرادون بآل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته، وهذا هو الأظهر.

ووجه صحّته: إرادة زيادة كلّ واحد منهم على ما عدا المجموع، أو زيادة كلّ واحد منهم على مجموع ما عداه، بأن يكون المراد من الأكرميّة، نفى الأكرميّة من الغير، فلا ينافي مساواة البعض، أو يكون المراد الأكرميّة في وقت وهو وقت إمامة كلّ منهم. وإنّما لم يحمل على الأكرميّة في الجملة ـ أعني: من بعض الوجوه ـ ليصحّ في المتعدّد، لأنّه ليس من مذهبنا في الأئمّة(عليهم السلام).

ثمّ إنّه ترك الموصوف في هذه القرينة أيضاً للتّعيّن باعتقاده، كما في القرينتين السّابقتين باعتقاد الجميع، هذا .


صفحه 81

ثمّ إنّ السّيد الشريف (1) قال في حواشيه على الشّرح القديم: لم يرد به معيّناً، بل ما يتناول متعدّداً ـ أعني : من اتّصف من محبوبيه بزيادة الكرم في الجملة ـ ومراده الزّيادة بوجه مّا، ليصحّ حمله على المتعدّد على ما هو مذهب أهل السّنة في كرام الصّحابة.

والشّارح القوشجي(2): لم يتفطّن بمراده وتوهّم أنّ مراده مِنْ «في الجملة » أعمّ من كلّ واحد من المعنيين المذكورين لإسم التّفضيل المضاف.

فقال: إسم التّفضيل إذا أضيف قد يراد به هذا، وقد يراد به هذا.

وأمّا التّفضيل بمعنى الزيّادة في الجملة، فلم يرد قطّ، هذا .

ثمّ إنّ المحشّين المحقّقين قد طوّلا الجدال وأكثرا المقال في ذلك بما لا يقضي منه إلاّ العجب.

وما ذكرنا هو حقّ هذا(3) المقام، وما زاد عليه، فهو هَذِرٌ من الكلام.

فَإنيّ: جواب أمّا.

مجيب إلى ما سُئلتُ: أي سُألِتهُ من سَأَلته الشّيء، لا من سألته عن الشّيء.


1 . هو علي بن محمد الجرجاني (م / 816 هـ) له حاشية مبسوطة على التجريد قد اشتهرت بين العلماء بحاشية التجريد. لاحظ : كشف الظنون: 1 / 346 .
2 . قال القوشجي: «قوله: وعلى اكرم احبائه» أي على آله واصحابه الّذين هم موصوفون بزيادة الكرم على من عداهم من محبوبيه، فافعل التفضيل هاهنا بمعنى الزيادة على من اضيف إليه وحينئذ لا يجب المطابقة لمن هو له افراداً وجمعاً ويحتمل بناء على مذهبه ان يريد به عليّاً(عليه السلام)، بل وان لا يكون المكتوب بصورة على حرفاً جارّاً بل اسماً مجروراً معطوفاً على سيد انبيائه، ويؤيّده ما يوجد في بعض النسخ من التصريح باسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). شرح تجريد العقائد: 4.
3 . في ب: «هذا» ساقط.


صفحه 82

من تحرير: هو التّقرير المهذّب الخالي عن الإملال والإخلال .

مسائل الكلام: أي مقاصد علم الكلام ومطالبه، يسمّى كلّ مطلب مسألة، لأنّه يسأل عنه، وقد عرفت تعريف علم الكلام والفرق بينه وبين الحكمة .

وترتيبها: أي وضع كلّ مسألة في موضعها اللاّئق بها .

على أبلغ النّظام: بمعنى التّرتيب .

مشيراً إلى غُرَرِ: جمع أَغرّ، وهو في الأصل، فَرسٌ في جبهته بياض، ثمّ نقل إلى الأشرف من كلّ شيء .

فرائد: جميع فريدة، وهي اللّؤلؤة النّفيسة، وفرائد الدّر كبارها استعارها لأُصول الاعتقادات.

الاعتقاد: وهو في اللّغة; العقد على الشّيء بالقلب، وفي العرف التّصديق الجازم، وفي الشّرع الحكم الشّرعي الغير المتعلّق بالعمل، كما عرفت في المقدّمة، وهو المراد هاهنا.

ونُكت: جمع نكتة، وهي في اللّغة ; ما تنكته من الأرض بقصب ونحوه أُستعير لكلّ معنى دقيق .

مسائل الاجتهاد: أراد بها ما يتعلّق بالاعتقادات من المباحث النّظرّية المختلفة فيها الّتي يحتاج إصابة الحقّ فيها إلى زيادة سعي.

فالمراد من الاجتهاد، هو المعنى اللّغوي، كما أنّه أراد بـ «غرر فرائد الاعتقاد» أُصول الاعتقادات الّتي هي المتّفق عليها.


صفحه 83

ممّا قادني الدّليل، بحسب قوانين الكلام إليه .

وقوّى اعتمادي (1)، بحسب هذه القوانين عليه.

والله: مفعول مقدم لقصد التخصيص .

أَسأل العصمة عن الزّلل والطّغيان .

والسَّداد في التّقرير والبيان .

وأن يجعله: عطف على المفعول الثّاني لأسأل، ذخراً ليوم المعاد.

وسميّته بتجريد العقائد; لاشتماله على عقائد الفرقة المحقّة مقتصراً عليها .

ورتّبتُهُ على ستّة مقاصد: لأنّ البحث في علم الكلام:

إمّا عن نفس العقائد ـ أعني: التّوحيد والنّبوّة والإمامة والمعاد ـ فإنّ التّوحيد مشتمل على العدل أيضاً فهي أربعة.

وإمّا ما يتوقف إثباتها عليه; وهو أحوال الممكن المنحصر في الجوهر والعرض، وجميع ذلك يتوقّف على الأُمور العامّة.

فمجموع مقاصد علم الكلام منحصر في ستّة مقاصد :

المقصد الأوّل: في الأُمور العامّة(2).


1 . في كتاب تجريد الاعتقاد ومتن كشف المراد: «وقوّى اعتقادي عليه وسمّيته بتجريد الاعتقاد والله أسال الخ».
2 . هي نعوت كلّية تعرض للموجود بما هوهو، من غير أن يتخصصّ بحيثيّة طبيعيّة أو رياضيّة كانقسام الموجود إلى واجب وممكن، والممكن إلى مجرد ومادي وهكذا .


صفحه 84

والثّاني: في الجواهر والأعراض .

والثّالث: في إثبات الصّانع وصفاته .

والرّابع: في النبّوة.

والخامس: في الإمامة.

والسّادس: في المعاد.

ووجه التّرتيب: أنّ ما يتوقّف عليه الكلّ متقدّم على الكلّ، وهو باب أُمور العامّة، وأحوال الجوهر والعرض على التّوحيد لتوقّفه عليها، وهو على النبوّة لتوقّفها عليه، وهي على الإمامة لتوقّفها عليها، وهما على المعاد، لأنّ المراد هو المعاد الجسماني، والعقل لا يستقل فيه، بل يحتاج إلى تعريف من الله تعالى والمعرّف هو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام .

وفي شرح القديم: لمّا كان علم الكلام باحثاً عن المعاد، وما يتعلّق به، من الجنّة والنّار والصّراط والميزان والثّواب والعقاب، وذلك يتوقّف على النبوّة والإمامة، وهما يتوقّفان على إثبات الصّانع وصفاته، وهو يتوقّف على المحدَث الّذي هو الجوهر والعرض، وجميع ذلك يتوقف على الأُمور العامّة، لا جرم رتّبهُ على ستّة مقاصد .

وفي شرح القوشجي: لمّا كان المقصد الأقصى، والمطلب الأعلى في علم الكلام ; هو العلم بأحوال المبدأ والمعاد، وأحوال المعاد ممّا لا يستقل بإثباتها العقل، بل يحتاج فيه إلى السّماع من النّبي بالاتّفاق، والإمام (1) أيضاً عند بعض، وما يستقّل به العقل .


1 . أي الرّازي.


صفحه 85

إنّما يستنبط من البحث عن أحوال الممكن المنقسم إلى الجوهر والعرض: إمّا بأُمور عامّة أو غيرها، لا جرم رتّب المصنف كتابه على ستّة مقاصد.(1)

وما ذكرنا أولى منهما، لأنّه يلزم منهما أن يكون المقصود بالذّات من الكلام منحصراً في واحد أو اثنين مع ما في الأخير من جعل الأُمور العامّة بحثاًعن الجوهر والعرض .


1 . انظر : شرح تجريد العقائد : 4 .


صفحه 86

صفحه 87

المقصد الأوّل

في الأُمور العامّة

وفيه فصول ثلاثة:

الفصل الأوّل: في الوجود والعدم

الفصل الثّاني: في الماهيّة ولواحقها

الفصل الثّالث: في العلّة والمعلول.


صفحه 88

صفحه 89

المدخل

قال صاحب المواقف: «أيّ ما لا يختص بقسم من أقسام الموجود الّتي هي الواجب والجوهر والعرض، يعني أعمّ من أن يكون شاملاً لجميع الموجودات، كالوجود والعلّيّة .

وكذا الوحدة، فإنّ كلّ موجود وإن كان كثيراً له وحدة ما باعتبار أو يكون شاملاً للإثنين منها كالإمكان الخاصّ والحدوث والوجوب بالغير، والكثرة والمعلوليّة، فإنّ جميعها مشتركة بين الجوهر والعرض»(1).

وقال شارح المقاصد: «وجه إفراد باب الأُمور العامّة هو أنّه لمّا كان البحث عن أحوال الموجود; وقد انقسم إلى الواجب، والجوهر، والعرض، واختصّ كلّ منها بأحوال تعرف في بابه، احتيج إلى باب لمعرفة الأحوال المشتركة بين الثّلاثة، كالوجود والوحدة، أو الإثنين فقط، كالحدوث والكثرة.

قال: وبهذا يظهر أنّ المراد بأكثر الموجودات في قولهم الأُمور العامّة، ما يعمّ أكثر الموجودات هو الأقسام الثّلاثة الّتي هي الواجب والجوهر والعرض، لا أفراده الّتي لا سبيل إلى حصرها وتعيين الأكثر منها.

ثمّ قال: ولاخفاء في أنّ المقصود بالنّظر ما يتعلّق به غرض علمي ويترتّب


1 . لاحظ : شرح المواقف: 2 / 58 ـ 60 .


صفحه 90

عليه مقصود أصلي من الفنّ، ولا يكون له ذكر في أحد المقاصد بالأصالة، وإلاّ فكثير من الأُمور الشّاملة ممّا لا يبحث عنه في الباب كالكميّة، والكيفيّة، وإضافة، والمعلوميّة، والمقدوريّة، وسائر مباحث الكلّيات الخمس، والحدّ، والرّسم، والوضع، والحمل، بل عامّة المعقولات الثّانية »(1).

أقول: في هذا الكلام جواب عمّا أورده المحقّق الدّواني(2) على تعريف " المواقف " بقوله: ولقائل أن يقول: فيدخل فيه الكمّ المطلق، فإنّه يوجد في الجوهر والعرض. وكذا الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسّمع والبصر، فإنّها توجَد في الجوهر والواجب، فليتدبّر.(3)

ثمّ قال (4): «فإن قيل: قد يبحث عمّا لا يشمل الموجود أصلاً كالامتناع والعدم وعمّا يخص الواجب قطعاً، كالوجوب والقدم.

قلنا: لمّا كان البحث مقصوراً على أحوال الموجود، كان بحث العدم والامتناع بالعرض، لكونهما في مقابلة الوجُود والإمكان، وبحث الوجوب والقدم، من جهة كونهما من أقسام مطلق الوجوب والقدم ـ أعني:ضرورة الوجود بالذّات أو بالغير وعدم المسبوقيّة بالعدم ـ وهما من الأُمور الشّاملة.


1 . انظر : شرح المقاصد: 1 / 289 و 290 .
2 . هو الفاضل العلامة المحقق جلال الدّين محمد بن اسعد الصديقي الدّواني المتوفى ( 907 هـ) له حاشية لطيفة على الشرح الجديد ـ أي شرح تجريد العقائد للقوشجي ـ وقد اشتهرت هذه بين الطلاّب بالحاشية الجلالية. لاحظ : كشف الظنون: 1 / 349 .
3 . لم نعثر على مصدره.
4 . أي ثمّ قال شارح المقاصد .


صفحه 91

أمّا الوجوب: فظاهر.(1)

وأمّا القدم: فعلى رأي الفلاسفة، حيث يقولون بقدم المجرّدات(2) ، والحركة(3)، والزّمان(4) وغيرها من الجواهر والأعراض، ونَظَرُ الكلامِ فيه من جهة النّفي لا الإثبات (5)، كبحث الحال عند من ينفيه .

ثمّ قال: وقد يفسّر الأُمور العامّة بما يعمّ أكثر الموجودات والمعدومات، ليشمل العدم والامتناع . انتهى»(6).


1 . هذا مبنيّ على مذهب المحققين من الحكماء والمتكلّمين القائلين بأنّ الشّيء ما لم يجب لم يوجد وعلى ما ذهب إليه الأشاعرة من جواز الترجيح بلا مرجح وبعض شيوخ المعتزلة من جواز الأولوية الغيريّة ففي عموم الوجوب وشموله للواجب والممكن.
2 . المجرّد: إسم مفعول من التجريد. وهو في اللّغة التعرية والخلوّ. وهو عند الحكماء: عبارة عن كون الشيء بحيث لا يكون مادّة ولا مقارناً للمادة، مقارنة الصورة والأعراض، وقال في التعريفات: هو ما لا يكون محلاًّ لجوهر، وحالاًّ في جوهر آخر ولا مركّباً منهما .
      وعند المتكلمين: هو الممكن الّذي لاَ يكون متحيّزاً، ولا حالاًّ في المتحيّز، ويسمّى مفارقاً أيضاً.
      لاحظ : شرح تجريد العقائد، للقُوشجي: 271 ; كشاف اصطلاحات الفنون: 260 / رقم 1284 ; والتعريفات: 260 رقم 1284.
3 . الحركة: ضد السكون، وهي عند الحكماء: عبارة عن كمال أوّل بالقوّة من جهة ما هو بالقوة.
وعند المتكلّمين: وهي عبارة عن حصول الجوهر في حيّز بعد أن كان في حيّز آخر. انظر: النجاة في المنطق والالهيات: 1 / 132; نقد المحصل: 148 .
4 . الزّمان: وهو عند الحكماء: عبارة عن كلّ حركة تفرض في مسافة على مقدار من السرعة. وعند المتكلمين: عبارة عن متجدد مَعلوم يُقدَّر به متجدد آخر مَوهوم، كما يقال: آتيك عند طلوع الشّمس، فإنّ طلوع الشمس معلوم ومجيئه موهوم، فإذا قُرن ذلك الموهوم بذلك المعلوم زال الإبهام.
      لاحظ : النجاة : 1 / 143 ; كتاب التعريفات : 152. وفي بيان الفرق بين الزمان، والدهر، والمدة، والوقت، والساعة، والعصر، انظر : الفروق اللغويّة،: 223 ـ 225 .
5 . يعني أنّه ليس من الأُمور العامّة كبحث الحال الخ.
6 . شرح المقاصد : 1 / 290 ـ 291 .


صفحه 92

ثمّ إنّ كلامه(1) هذا يتضمّن أنّهم عرّفوا الأُمور العامّة بما يعمّ أكثر الموجودات.

وهذا التّعريف في الظّاهر غير جامع، لعدم شموله لما هو شامل لجميع الموجودات والمشهور، هو أنّها (2) ما يعمّ جميع الموجودات أو أكثرها، وهذا هو التّعريف الجامع .

والجواب: أنّ الشّمول لأكثر الموجودات لا ينافي الشّمول لجميعها، فيصدق على الشّامل لجميع الموجودات، أنّه شامل لأكثرها والتّقييد بالأكثر، إِنّما هو لإخراج ما يختصّ بواحد من أقسام الموجودات، فلا يضّر الشّمول للجميع.

وقيل: هي(3) الشّاملة لجميع الموجودات: إمّا على الإطلاق، أو على سبيل التّقابل. ولمّا كان هذا صادقاً على الأحوال المختصّة أيضاً، إذ يصدق على كلّ منهما(4) أنّه مع مقابله شامل لجميع الموجودات.

زاد بعضهم: ويتعلّق بكلّ من المتقابلين غرض علميّ .

وقد يبدّل في هذا التّعريف، لفظ الموجودات بالمفهومات، لئلاّ يصير البحث عن العدم والامتناع استطراديّاً، ولا حاجة إليه(5) لأنّ العدم بمعنى رفع الوجود سواء كان عدوليّاً أو سلبيّاً من أحوال الموجود ومشترك بين الجوهر والعرض.


1 . أي: كلام شارح المقاصد .
2 . أي: أنّ الأمور العامّة .
3 . أي الأُمور العامّة .
4 . أ، ب و ج: «منها» .
5 . أي لا حاجة إلى التبديل .


صفحه 93

وكذا الامتناع، إذا أُريد به ما بالغير، أو المطلق الشّامل له.

وليس المراد من أحوال الموجود ما يختصّ بالموجود، وإلاّ لخرج الإمكان والماهيّة، ولا يجب أن يراد بها(1) ما لا ينافي الوجود، ليلزم كون بعض المباحث استطراديّاً، ولا أن يراد بالعدم رفع الوجود المطلق أو الذهني.

ثمّ إنّ المحقّق الدّواني: أورد على هذا التّعريف أنّه، إن أراد بالمقابلة في قوله: «مع ما يقابلها» المعنى الاصطلاحي المنحصر في الأقسام الأربعة، فالإمكان والوجوب ليسا من تلك الأقسام ضرورة أنّ أحدهما سلب الضّرورة عن الطّرفين والآخر الضّرورة في الطّرف الموافق، ومقابل كلّ منهما بهذا المعنى كاللاّوجوب واللاّإمكان، أو ضرورة الطّرفين وسلب ضرورة الطّرف الموافق لايتعلّق به غرض علمي .


1 . أي بأحوال الموجود .


صفحه 94

وإن أراد مطلق المبائنة، والمنافاة، فالأحوال المختصّة بكلّ واحد من الثّلاثة مع الأحوال المختصّة بالأخيرين، يشمل جميع الموجودات، ويتعلّق بجميعها الغرض العلميّ، فإنّها من مقاصد الفنّ .(1)

أقول: والجواب عنه أيضاً يستفاد ممّا نقلنا من " شرح المقاصد"، وهو أنّ المعتبر، أن يتعلّق به غرض علميّ، ولا يكون له ذكر بالأصالة في أحد المقاصد، أي في الأحوال الخاصّة، فنختار مطلق المبائنة ويخرج الأحوال المختصّة الّتي قد تعلّق بها غرض علميّ بسبب كونها مذكورة بالأصالة في أحد المقاصد، والأحوال الغير المذكورة بالأصالة في أحد المقاصد، بسبب كونها ممّا لا يتعلّق به غرض علميّ .

ويجاب عنه أيضاً: بأنّ المراد بالتّقابل ما يذكر في مقابله، ويجعل قريناً له في عنوان الفصل كما يقال في القدم والحدوث، وفي العلّة والمعلول، إلى غير ذلك.

وفيه(2) فصول ثلاثة، لانحصار الأُمور العامّة المبحوث عنها الّتي تعلّق بها غرض علمي بالاستقراء في الوجود والعدم، وأحوالهما وفي الماهيّة وأحوالها، وفي المركّب من الماهيّة، والوجود أو العدم وأحواله، وهو العلّة والمعلول .


1 . لم نعثر على مصدره.
2 . أي في المقصد الأوّل .


صفحه 95

الفصل الأوّل

 

في الوجود والعدم

وفيه مسائل كثيرة:


صفحه 96

صفحه 97

المسألة الأُولى

في بداهة الوجود

قال: وتحديدُهما بالثّابت العين، والمنفيّ العين، أو الّذي يمكن أن يُخبر عنه ونقيضه، أو بغير ذلك، يشتملُ على دور ظاهر.

بل المرادُ: تعريف اللّفظ، إذ لا شيءَ أعرفُ من الوجود .

والاستدلالُ بتوقّف التّصديق بالتّنافي عليه.

أقول: وقد اختلفوا فيها:

فقيل: إنّه بديهي التصوّر(1) فلا يجوز أن يعرّف إلاّ تعريفاً لفظيّاً وعليه المحقّقون.

وقيل: إنّه كسبيّ.

وقيل: لا يتصوّر اصلاً لا بداهة ولا كسباً .(2)

واختلفوا أيضاً في أنّ الحكم ببداهته بديهي أو كسبيّ .

والحقّ: أنّه بديهيّ. وهومختار المصنّف وأكثر المحقّقين.


1 . هذا قول جمع من المتكلّمين، منهم ابن ميثم البحراني، والعلاّمة الحلّي، والفاضل المقداد. لاحظ : قواعد المرام في علم الكلام: 38 ; نهاية المرام في علم الكلام : 1 / 17 ; مناهج اليقين في اصول الدين : 56 ; إرشاد الطّالبين إلى نهج المسترشدين : 43 .
2 . لاحظ : شرح المواقف: 2 / 74 ـ 94 .


صفحه 98

قال شارح المقاصد: «الحقّ أنّ تصوّر الوجود بديهيّ، وأنّ هذاالحكم أيضاً بديهيّ، يقطع به كلّ عاقل يلتفت إليه، وإن لم يمارس طرق الاكتساب، حتّى ذهب جمهور الحكماء، إلى أنّه لا شيء أعرف من الوجود(1)، وعوّلوا على الاستقراء وهو كاف في هذا المطلوب، لأنّ العقل إذا لم يجد في معقولاته ما هو أعرف منه; بل ما هو في مرتبته ثبت أنّه أوضح الأشياء عند العقل»(2) هذا .

ومع ذلك: فقد عرّف جماعة من المتكلّمين والحكماء الوجود; فمرادهم به ليس إلاّ التّعريف اللفظي، فإنّ المعنى الواضح قد يعرف من حيث انّه مدلول لفظ دون لفظ.

فالمصنف أراد أوّلاً; أن يبيّن أنّ مراد المحقّقين من الحكماء والمتكلّمين من تعريف الوجود لا يمكن أن يكون تعريفاً حقيقيّاً وإلاّ لزم الدّور، لكونه تعريفاً بالمرادف، بخلاف ما إذا كان المراد تعريفاً لفظيّاً، فإنّه ليس الغرض منه إفادة ماهيّة المعرَّف، ليكون حصول تصوّره الغير الحاصل، موقوفاً على حصول تصور المعرِّف المشتمل على ما يرادفه، فيلزم توقّف الشّيء على نفسه، ليظهر أنّ مرادهم من هذه التعريفات هو التّعريف اللفّظي .


1 . كما قال صدر المتألّهين: يجب أن يكون الموجود المطلق بيّناً بنفسه، مستغنياً عن التّعريف والإثبات، لأنّ التّعريف ; إمّا أن يكون بالحدّ أو بالرّسم، وكلا القسمين باطل في الموجود.
أمّا الأوّل: فلأنّه إنّما يكون بالجنس والفصل، والوجود لكونه أعمّ الأشياء لا جنس له فلا فصل له فلا حدّ له. وأمّا الثّاني: فلأنّه تعريف بالأعرف، وَلا أعرف من الوجود .
انظر : الحكمة المتعالية في الأسفار : 1 / 25 .
2 . شرح المقاصد : 1 / 295 .


صفحه 99

فقال(1): وتحديدهما: أي الوجود والعدم، كما هو الظاهر، بالثّابت العين(2) والمنفي العين(3).

وهذا للمتكلمين; أي تحديد الوجود بالثّابت العين وتحديد العدم بالمنفي العين.

قال شارح المقاصد: «وقد يتكلّف لعدم صدق الثابت العين على الوجود بأنّ المراد الثّابت عينه أيّ نفسه من حيث هي لا باعتبار أمر آخر بخلاف الموجود، فإنّه ثابت من حيث اتّصافه بالوجود، والثّابت أعم من أن يكون ثابتاً بنفسه وهو الوجود، أو بالوجود وهو الموجود.

ثمّ قال: وأنت خبير ; بأنّه لا دلالة للفظ عينه على هذا المعنى، ولا يعقل من الثّابت إلاّ ما له الثّبوت معنى، وهو الموجود» .(4)

أقول: نعم الثّابت، كذلك بحسب اللّغة، لكن بحسب العرف أعمّ، كما ذكره الموجّه، وسيأتي ما يؤيّده.

ولعمري هذا توجيه لطيف سيّما إذا كان الغرض تعريفاً لفظيّاً .

ثمّ قال:(5) و «كون هذه التّعريفات للوجود والعدم، هو ظاهر " كلام التّجريد " و " المباحث المشرقيّة " (6).


1 . المصنّف (رحمه الله) .
2 . في الوجود .
3 . في العدم.
4 . شرح المقاصد، 1 / 266 .
5 . أي شارح المقاصد .
6 . لاحظ : المباحث المشرقيّة في علم الإلهيّات والطبيعيّات: 1 / 10 ـ 18 .


صفحه 100

وفي كلام المتقدّمين: أنّ الموجود هو الثّابت العين، والمعدوم هو المنفي العين (1).

فكأنّ زيادة لفظ العين لدفع توهم أن يراد الثّابت لشيء أو المنفي عن شيء، فإنّ ذلك معنى المحمول.

وفي كلام الفارابي: أنّ الوجود إمكان الفعل(2) والانفعال والموجود ما أمكنه الفعل والانفعال»(3) هذا .

وقال الشارح القديم(4): وقول المصنف (رحمه الله): «وتحديدهما بالثّابت العين والمنفي العين »مستدرك ، أي مختلّ، إذ الوجود والعدم لم يعرّفا بهما، بل الموجود والمعدوم عُرِّفا بهما.

وأمّا الوجود والعدم، فيعرّفان بثبوت العين ونفي العين.

ثمّ قال:(5) ويمكن أن يقال لمّا كان الوجود والعدم مساوياً للموجود والمعدوم في المعرفة والجهالة عند من عرف معنى صيغة المفعول، كان بطلان تعريف الموجود والمعدوم بما ذكر دالاًّ على بطلان تعريف الوجود والعدم


1 . انظر : رسائل الشريف المرتضى : 2 / 283 ; والرسائل العشر: للشيخ الطوسي: 66 ; نهج المسترشدين في أصول الدّين : 18 وإرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 17 .
2 . أنّ المراد بهذا الإمكان هو الإمكان العام المقابل للامتناع فإنّ العدم هو امتناع الفعل والانفعال والموجود مقابله .
3 . شرح المقاصد : 1 / 296 و 297 .
4 . وهو الشيخ شمس الديّن محمود بن عبد الرّحمن أحمد العامي الاصفهاني المتوفى (746 هـ). قال الحجة الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة، في عنوان تجريد الكلام وعليه (أي على كشف المراد) حواش لا تحصى وشروح كثيرة، فأوّل الشروح شرح تلميذ المصنف العلاّمة الحلّي المتوفى ( 726 هـ)، إلى أن قال: الثالث: شرح الشيخ شمس الدين الخ. ج 3، ص 352 ; والشرح مخطوط لم ير النور .
5 . أي قال الشارح القديم .


صفحه 101

بثبوت العين ونفي العين، فلذلك لم يتحاش عن ذلك(1) .

وأورد(2) في محلّ تعريف الوجود والمعدوم إفادة لهذا المعنى. انتهى.(3)

أقول: وهذا هو مراد من اعتذر عنه بأنّ مفهوم الموجود يشتمل على شيئين مفهوم الوجود، ومفهوم(4) صيغة المفعول، لكن مفهوم صيغ المشتّقات معلوم لكلّ من يَعرف اللّغة.

فإذا عُلِمَ مفهوم الوجود عُلِمَ مفهوم الموجود.

وإذا جُهِلَ جُهِلَ، فلو احتاج الموجود إلى التّعريف، كان ذلك لاحتياج الوجود إليه، فتعريف الموجود بالثّابت العين، تعريف في الحقيقة للوجود بثبوت العين، لأنّه(5) المحتاج إلى التّعريف.

وكذا تعريفه بما يمكن أن يخبر عنه تعريف له بثبوت الخبر له بالإمكان، وكما أنّ تعريف الموجود المذكور صريحاً دَوري، كذلك تعريف الوجود المذكور ضمناً دوري.

فقوله(6): وتحديدهما: أيّ تحديد الوجود والعدم بالثّابت العين ; أي بما علم منه تحديده به(7) انتهى(8).


1 . أي على هذا البطلان لم يتحاش المصنّف عن القول بان التحديد المذكور مستدرك .
2 . أي أورد المصنف .
3 . أي انتهى كلام الشّارح القديم. لم نعثر على مصدره .
4 . ب: «مفهوم» ساقطة.
5 . أي لأنّ الموجود .
6 . أي قول المصنف (رحمه الله) .
7 . ضمير «منه» في قوله «علم منه» راجع إلى الثّابت، وضمير «تحديده» راجع إلى الوجود، وضمير «به» ناظر إلى الثبوت .
8 . أي انتهى كلام من اعتذر.


صفحه 102

وحاصلهما(1): أنّ حاجة المشتقّ من مفهوم، من حيث إنّه مشتقّ من هذا المفهوم إلى التّعريف، ليس إلاّ لاحتياج هذا المفهوم إلى التّعريف، وإلاّ فصيغة المشتقّ معلوم لغة.

فلا يرد عليه ; أنّه يجوز تعريف النّاطق بالضّاحك، ولا يجوز تعريف النّطق بالضّحك، فلا يكون تعريف كلّ مشتقّ بمشتقّ تعريفاً في الحقيقة، لمأخذ الاشتقاق بمأخذ الاشتقاق.

وذلك لأنّه لا يجوز تعريف النّاطق من حيث هو ناطق ـ أعني: من حيث هو مشتقّ من النّطق ـ بالضّاحك بالضّرورة، هذا .

ووجّه(2) أيضاً ; بإرجاع الضمير(3) إلى الموجود والمعدوم، لدلالة الوجود والعدم عليهما، أو لأنّهما أطلقا عليهما تسامحاً، بإطلاق المشتقّ منه على المشتقّ، كما أشرنا إليه.

أو الّذي يمكن أن يخبر عنه ونقيضه: أي الّذي لا يمكن أن يخبر عنه .

أو بغير ذلك: مثل قولهم: الموجود هو الّذي يكون فاعلاً أو منفعلاً،(4) أو الّذي ينقسم إلى الفاعل


1 . أي حاصل كلام الشارح القديم وكلام من اعتذر.
2 . أي وجّه الشارح القديم .
3 . في قوله: تحديدهما.
4 . لاحظ: إلهيّات الشّفاء: 1 / 30 / الفصل الخامس من المقالة الأُولى ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 10.


صفحه 103

والمنفعل،(1) أو ينقسم إلى الحادث والقديم.(2)

والمعدوم ما لا يكون فاعلاً ولا منفعلاً، أو ما لا ينقسم إلى الفاعل والمنفعل، أو ما لا ينقسم إلى الحادث والقديم.

وهذه التّعريفات للحكماء، يشتمل على دور ظاهر .(3)

قال شارح المقاصد: «إذ لا يعقل معنى الّذي ثبت والّذي يمكن، ونحو ذلك إلاّ بعد تعقّل معنى الحصول في الأعيان، أو الأذهان.

ثمّ قال: وقد يقرّر الدّور، بأنّ الموصوف المقدّر لهذه الصّفات ـ أعني: الّذي يثبت، والّذي يمكن أن يخبر، والّذي ينقسم هو الوجود لا غير، إذ غيره: إمّا الموجود، أو العدم، أو المعدوم ـ ولا شيء منها يصدق على الوجود وهو ضعيف، لأنّ المفهومات لا تنحصر فيما ذكر، فيجوز أن يقدّر مثل المعنى والأمر والشّيء، ممّا يصدق على الوجود(4) وغيره. انتهى».(5)

هذا في تعريفات الوجود.

وأمّا في تعريفات العدم: فيقال بإزائه، إذ لا يعقل معنى الّذي نفى، والّذي لا يمكن، ونحو ذلك، إلاّ بعد تعقّل مثل معنى الانتفاء.

ولعلّ هذا(6) هو مراد الشّارح القديم حيث قال: إذ كلّ من المعرّفات الثّلاثة للوجود يعرّف بالموجود.

وكذا كلّ من المعرّفات الثّلاثة للمعدوم يعرّف بالمعدوم، وعلى هذا


1 . أنظر: شرح المقاصد: 1 / 295 .
2 . لاحظ: نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 18 .
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
4 . أي يحمل عليه بالحمل الأوّلي الذّاتي، لا الحمل الشّايع الصّناعي الّذي مفاده الاتّحاد في الوجود، وهو حمـل الكلّـي على الفرد، ومفاد الحمل الأوّلي الاتّحاد في المفهوم كما هوالحال في حمل المعرّف على المعرّف .
5 . شرح المقاصد: 1 / 296 .
6 . أي قول شارح المقاصد: «إذ لا يعقل الخ».


صفحه 104

يكون المراد من قوله(1): دور ظاهر; أي غير مضمر، كما صرّح به الشّارح القديم بقوله: «وهو الدّور بمرتبة واحدة ».

وأمّا الشّارح الجديد(2) فقال: «أمّا اشتمال التحديد الأوّل، فظاهر، لأنّ الثبوت مرادف للوجود وكذا النفي للعدم.

وأمّا الثّاني: فلأنّ الإمكان قد أُخِذَ في كلّ من حدّي الوجود والعدم، وهو عبارة عن سلب الضّرورة عن طرفي الوجود والعدم (3).

وأمّا الثّالث: فلأنّه قد أخذ الكون في تعريف الوجود المرادف له وسلب الكون في تعريف العدم المرادف له».(4)

وعلى هذا يكون المراد من قوله: «ظاهر» أي غير خفيّ لا غير مضمر، فإنّ الدّور في بعضها مضمر.

وأورد المحقّق الدّواني عليه(5) : أنّ الموادّ الثّلاث(6) لا ينحصر في الوجود، بل يتحقّق في كلّ محمول نُسِب إلى موضوع، فإمكان الإخبار عنه عبارة عن سلب الضّرورة عن الإخبار عنه وعدمه.

لا يقال: معنى كلّ قضيّة يرجع إلى ثبوت المحمول للموضوع أو سلب


1 . أي قول المصنّف (رحمه الله) .
2 . هو علي بن محمّد المعروف بالفاضل القوشجي.
3 . لأنّ معرفة الإمكان موقوفة على معرفة سلب الضّرورة عن طرف الوجود والعدم، ومعرفة السّلب موقوفة على معرفة الوجود والعدم، فلو كان معرفة الوجود والعدم موقوفة على معرفة الإمكان لزم الدّور.
4 . شرح تجريد العقائد : 4 .
5 . هذا إيراد على ما وجّه به الدّور في التّعريف الثّاني. لم نعثر على مصدره.
6 . وهي الوجوب والإمكان والامتناع .


صفحه 105

ثبوته عنه، فإمكان الإخبار عنه يرجع إلى سلب ضرورة ثبوت الإخبار عنه، وعدم ثبوته له .

لأنّا نقول: الثبوت معنى رابطي(1) والمُعرَّف وجود الشيء في نفسه، وعلى تقدير أن يكون المطلق الشّامل له(2) وللنّسبي يكون تعريفاً بما يصدق هو(3) عليه، ولا استحالة فيه إلاّ بالشّرطين المشهورين، وهما: كون العام ذاتيّاً للخاصّ، وكون الخاص معلوماً بالكنه، وكلاهما ممنوع في صورة النّزاع، وأنّ الكون المأخوذ في التّعريف أمرٌ نسبيٌّ بمعنى ثبوت الشّيء على صفة.

والمُعرَّف: هو وجود الشّيء في نفسه على ما هو الظاهر، فأين هما من التّرادف ؟

لا يقال: قول المصنف (رحمه الله) بعد ذلك; وإذا حُمِل الوجود أو جُعِل رابطة، يدلّ على أنّ المعرَّف مطلق الكون الشّامل للنّسبي.(4)

لأنّا نقول: المعرّف(5) أن يقول بعد تسليم، أنّ للوجود معنى شاملاً للقسمين، إنّما عرفت الوجود في نفسه.


1 . أي النّسبة الملحوظة بين الطّرفين الحاكية عن الوجود النّسبي الرّابط. وتسميته بالرابط اوفق بمصطلح الفلسفة المتعالية.
2 . أي على تقدير أن يكون الوجود المطلق شّاملاً للأمرين.
3 . أي المطلق .
4 . ربّما يقال: وعلى تقدير كون المعرّف هو الكون النّسبي وعدمه; يمكن أن يدفع لزوم الدّور; بأنّ المعتبـر فـي التّعريـف هـو الكـون النّسبـي المعيّن الّذي وقـع رابطاً في القضيّة المعيّنة المخصوصة، والمعرّف هو الكون النّسبي المطلق فيكون تعريفاًبما صدق عليه أيضاً ولا يلزم الدّور إلاّ بشرطين، وكذا العدم الرّابطي المعيّن الجزئي الواقع رابطاً في القضية المخصوصة.
5 . ب و ج: للمعرِّف .


صفحه 106

وعلى تقدير أن يكون المعرَّف مطلق الوجود الشّامل للنّسبي، فلا ترادف أيضاً; بل يكون تعريفاً للشّيء بما يصدق هو عليه، ولا يلزم فساده، كما مرّ، وأنّه على تقدير أن يكون العدم سلب الكون لا يكون بينهما ترادف للتّفاوت بالإجمال والتّقصير، كما بين الإنسان والحيوان النّاطق.

والأولى أن يقال: العدم مرادف للسّلب والكون للوجود، فإذا أخذ العدم مضافاً إلى الوجود كان سلب الكون مرادفاً له، والمراد هاهنا عدم الوجود بقرينة المقابلة والشُّهرة .(1)

بل المرادُ تعريفُ اللّفظ(2); أي لمّا(3) كانت الحدود المذكورة على تقدير كونها حدوداً حقيقية مشتملة على الدّور، فمراد هؤلاء المحقّقين من الحكماء والمتكلّمين هو التّعريف اللّفظي الّذي هو تبديل لفظ بلفظ، أعرف عند السّامع لا التّعريف الحقيقي، إذ لا شيء(4) أعرفُ من الوجود: حتّى يجعل معرّفاً حقيقيّاً له، فكيف يمكنهم التّصدي للتّعريف الحقيقي لما لا أعرف منه؟ وهم عقلاء


1 . محصّل الكلام: أنّ جماعة من المتكلّمين والحكماء حدّوا الوجود والعدم، أمّا المتكلّمون فقالوا: الموجود هو الثّابت العيّن، والمعدوم هو المنفي العيّن. والحكماء قالوا: الموجود هو الّذي يمكن أن يُخبر عنه، والعدم هو الّذي لا يمكن ان يُخبر عنه، إلى غير ذلك من حدود فاسدة لا فائدة في ذكرها، وهذه الحدود كلّها باطلة لاشتمالها على الدّور.
لاحظ : كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، المقصد الأول. ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 17 و 18 .
2 . قال المصنّف (رحمه الله) : بل المراد تعريفُ اللّفظ، إذ لا شيءَ أعرفُ من الوجود.
3 . لمّا أبطل تحديد الوجود والعدم، أشار المصنّف (رحمه الله) إلى وجه الإعتذار للقدماء من الحكماء والمتكلّمين في تحديدهم له، فقال: إنّهم أرادوا بذلك تعريف لفظ الوجود، لأنّه لا شيء أعرف من الوجود، إذ لا معنى أعمّ منه .
4 . في المفهومات .


صفحه 107

محقّقون وكلّ عاقل إذا رجع عقله يجد أنّه لا أعرف عنده من الوجود كما مرّ(1).

قال الشّيخ في الشّفاء: «إنّ الموجود، والشّيء، والضّروري، معانيها ترتسم في النّفس إرتساماً أوّلياً، ليس ذلك الإرتسام ممّا يحتاج إلى أن يُجلب بأشياء أعرف منها، فإنّه كما أنّ في باب التّصديق مبادئ أوّلية، يقع التّصديق بها بذاتها، وبغيرها، بسببها.

وإذا لم تخطر بالبال أو لم يُفهَّم اللّفظ الدّال عليها، لم يمكن التّوصل إلى معرفة ما يُعرَّفُ بها، وإن لم يكن التّعريف الّذي يحاول إخطارها بالبال أو تفهيم ما يدلّ به عليها من الألفاظ تعريفاً محاولاً لإفادة علم ليس في الغريزة; بل منبّهاً على تفهيم ما يريده القائل.

وربّما كان ذلك بأشياء هي في أنفسها أخفى، كذلك في التّصوّرات أشياء هي مبادئ التّصوّر وهي متصوّرة بذواتها.

وإذا أُريد أن يدلّ عليها لم يكن ذلك بالحقيقة تعريفاً لمجهول، بل تنبيهاً وإخطاراً بالبال، باسم أو بعلامة، وربّما كانت في نفسها أخفى منه، لكنّها لخصوصية ما يكون أظهر دلالة.

فإذا استعملت تلك العلامة تنبهت النّفس على إخطار ذلك المعنى بالبال، من حيث إنّه هو المراد لا غيره، ولو كان كلّ تصوّر يحتاج إلى أن يسبقه تصوّر قبله لذهب الأمر في ذلك إلى غير النهاية أو لَدَار، وأولى الأشياء بأن تكون متصوّرة لأنفسها الأشياء العامّة للأُمور كلّها، كالموجود، والشّيء والواحد وغيره.

ولهذا ليس يمكن أن يبيّن شيء منها بِبَيان لا دور فيه ألبتة، أو ببيان شيء أعرف منها.


1 . في كلام شارح المقاصد .


صفحه 108

ولذلك من حاولَ أن يقول فيها شيئاً وقع في اضطراب، كمن يقول: إنّ من حقيقة الموجود أن يكون فاعلاً ومنفعلاً; وهذا إن كان ولابدّ فمن أقسام الموجود، والموجود أعرف من الفاعل والمنفعل.

وجمهور النّاس يتصوّرون حقيقة الموجود، ولا يعرفون ألبتة أنّه يجب أن يكون فاعلاً أو منفعلاً، وأنّا إلى هذه الغاية لم يتّضح لي ذلك إلاّ بقياس، فكيف حال من يروم أن يعرّف الشّيء الظاهر بصفة له، يحتاج إلى بيان حتّى يثبت وجودها له؟

وكذلك قول من قال: إنّ الشّيء هو الّذي يصحّ عنه الخبر، فإن يصحّ أخفى من الشيء، والخبر أخفى من الشّيء، فكيف يكون هذا تعريفاً للشيء؟

وإنّما يعرف الصحّة ويعرف الخبر، بعد أن يستعمل في بيان كلّ واحد منهما أنّه «شيء» أو أنّه «أمر» أو أنّه «ما» أو أنّه «الّذي»، وجميع هذه، كالمرادفات لإسم الشّيء، فكيف يصحّ أن يعرف الشّيء تعريفاً حقيقيّاً بما لا يعرف إلاّ به؟

نعم، ربّما كان في ذلك وأمثاله تنبّه مّا. انتهى كلام الشفاء »(1).

لا يقال: إن أراد أنّ تصوّر الوجود بوجه يمتاز عن جميع ما عداه بديهيّ وانّه لا أعرف منه، فلا يمكن تعريفه بهذا الوجه، فذلك مسلّم(2) .

وإن أراد أنّ تصوّره بكنه حقيقته بديهيّ، فذلك ممنوع، بل يمنع كونه متصوّراً أيضاً .(3)

لأنّا نقول: أردنا إنّ هذا المفهوم العامّ سيأتي كونه مشتركاً معنويّاً بين


1 . لاحظ : إلهيات الشفاء: المقالة الأولى، الفصل الخامس .
2 . بحكم الاستقراء والرّجوع إلى الوجدان فلا نزاع فيه .
3 . انظر : شرح تجريد العقائد: 5 .


صفحه 109

الموجودات وكونه من الاعتبارات العقليّة متصوّر بالكُنْهِ بديهيّة، إذ لا معنى لكونه(1) أمراً ذهنيّاً إلاّ مفهومه الحاصل في الذّهن، وليس من الأُمور الواقعة في الأعيان، ليحتمل كون ما حصل منه في الذّهن وجهاً من وجوهه لا كُنهه، سواء كان لهذا المفهوم العام أفراد عارضة للماهيّات أو لا، إذ على تقدير أن يكون له أفراد عارضة للماهيّات، وكون هذا المفهوم العام عارضاً لتلك الأفراد، وفرض كون تلك الأفراد غير متعقّلة بالكُنه لا يقدح ذلك في كون هذا العارض متعقّلاً بالكُنه، لأنّ كُنه العارض غير كُنه المعروض .

ثمّ إنّ الإمام الرّازي: ذهب(2) مع اختياره كون الوجود متصوّراً بالبديهة إلى أنّ الحكم بكونه بديهيّاً كسبيّ واستدلّ عليه بوجوه:

الأوّل: أنّ التصديق بأنّ الوجود والعدم متنافيان، لا يصدقان على أمر، بل كلّ أمر: إمّا موجود وإمّا معدوم، بديهي ومسبوق بتصوّر الوجود والعدم، فهو أولى بالبداهة.

قال صاحب المواقف: «فإن قيل: إن زعمت أنّ هذا التصديق بديهيّ مطلقاً أي بجميع أجزائه، فمصادرة، لأنّ الوجود من أجزائه.

وإن زعمت أنّ الحكم(3) بعد تصوّر الطرفين بديهيّ، لم ينفع لجواز كون تصوّر الطرفين كسبيّاً مع كون الحكم بديهيّاً.

قلنا: هذا التصديق بديهيّ مطلقاً، ولا مصادرة، لأنّ بداهته في نفس الأمر يتوقّف على بداهة أجزائه في نفس الأمر ولكن لا يتوقف العلم ببداهته على


1 . أ، ب وج: «لِكُنهِ امر ذهني».
2 . لاحظ : المباحث المشرقية: 1 / 10 و 11.
3 . في هذا التصديق .


صفحه 110

العلم ببداهة أجزائه، بل يستتبعه .

ثمّ أجاب عن هذا الاستدلال: بأنّ تصوّر الطرفين بوجه ما يكفي في هذا التّصديق البديهيّ، والنّزاع إنّما هو في التصوّر بالكنه»(1).

وقال شارح المقاصد: الجواب عن هذا الاستدلال، أنّه إن أُريد أنّ هذا الحكم بديهي بجميع أجزائه ومتعلّقاته على ما هو رأي الإمام(2)في التصديق، فممنوعٌ، بل مصادرةٌ .(3)

وإن أُريد أنّ نفس الحكم بديهيّ فهو مسلّم، لكّنه لا يثبت المدّعى .

قال (4): وإنّما قلنا ممنوعٌ، بل مصادرة ولم تقتصر على أحدهما تنبيهاً على تمام الجواب بدون المصادرة،(5) وتحقيقاً للزوم المصادرة، بأنّ بداهة كلّ جزء من أجزاء هذا التّصديق، جزء من أجزاء هذا التّصديق، لأنّه لا معنى لبداهة هذا التّصديق، سوى أن ما يتضمّنه من الحكم والطّرفين بديهيّ، والعلم بالكلّ: إمّا نفس العلم بالاجزاء، أو حاصل به، فبالضّرورة يكون العلم بكلّ جزء سابقاً على العلم بالكلّ، لا تابعاً له ممكن الاستفادة منه.

قال:(6) فيبطل ما ذكر في " المواقف "، من أنّا نختار أنّ هذا التّصديق بديهيّ مطلقاً، أي; بجميع أجزائه، ولا مصادرة إلى آخر ما نقلناه منه.

ثمّ قال: فإن قيل: قد يعقل المركّب من غير ملاحظة الأجزاء على التّفصيل.


1 . لاحظ : شرح المواقف : 2 / 86 و 87 .
2 . فخر الدين الرازي.
3 . على المطلوب، حيث جعل المدّعي وهو بداهة تصوّر الوجود جزءاً من الدّليل.
4 . شارح المقاصد.
5 . أي بدون بيان المصادرة.
6 . أي قال شارح المقاصد.


صفحه 111

قلنا: لو سلّم ففي المركّب الحقيقي، إذ لا معنى لتعقّل المركّب الاعتباري سوى تعقّل الأُمور المتعدّدة، الّتي وضع الاسم بإزائها، ولو سلّم ففي التصوّر للقطع بأنّه لا معنى للتصديق ببداهة هذا المركّب بجميع أجزائه، سوى التّصديق بأنّ هذا الجزء بديهيّ، وذاك وذاك، ولو سلّم، فلا يلزم المصادرة في شيء من الصوّر لجواز أن يعلم الدّليل مطلقاً من غير توقّف على العلم بجزئه الّذي هو نفس المدّعى هذا (1).

ثمّ إنّ شارح المواقف أراد دفع هذا الاعتراض، فقال في شرحه لكلام المواقف: «بل يستتبعه بهذه العبارات مثلاً إذا علم أنّ هذا التصديق حاصل لمن لا يتصوّر منه كسب، كالبُله والصّبيان علم إجمالاً أنّ كلّ واحد من أجزائه بديهيّ.

فإذا أُريد أن يعلم حال الوجود بخصوصه، قيل: الوجود جزء من أجزاء هذا التصديق، وكلّ جزء من أجزائه بديهي، فالوجود بديهيّ. فظهر أنّ العلم بالكلّية القائلة بأنّ كلّ جزء من أجزائه بديهيّ، لا يتوقّف على العلم ببداهة جزء معيّن منه بخصوصه، حتّى يلزم المصادرة.

وهذا بعينه ما قيل: من أنّ العلم بكليّة كبرى الشّكل الأوّل لا يتوقّف على العلم بالنّتيجة، فإنّ الحكم على «زيد» من حيث إنّه فرد من أفراد الإنسان إجمالاً غير الحكم عليه باعتبار خصوصيّته، فإنّ الحكم يختلف باختلاف العنوان، فالأحكام الجارية على خصوصيّات أفراد موضوع الكلّية مندرجة فيها بالقوّة، فيستدلّ بالكلّية عليها، حتّى يخرج من القوّة إلى الفعل.

نعم، إذا كان العلم بالكليّة مستفاداً من العلم بحال كلّ فرد بخصوصه، لم


1 . انتهى كلام شارح المقاصد ملخصاً. انظر : شرح المقاصد : 1 / 298 و 299 .


صفحه 112

يمكن الاستدلال بها على حكم الأفراد، كما إذا علم أنّ الوجود والعدم والشيء الّذي ردد بينهما كلّها بديهيّة. وعلم بذلك أنّ هذا التّصديق بديهيّ مطلقاً لم يصحّ الاستدلال ببداهته على شيء منها، لأنّه دور. انتهى كلام شارح المواقف»(1).

أقول: فرق بين تعقّل الأُمور المتعددة بعنوان واحد كما في كبرى الأوّل، وبين تعقّلها بعنوانات متعدّدة، ولكنّها معاً، وعلى الاجتماع كما في أجزاء القضيّة الواحدة.

ففي الصّورة الأُولى يمكن أن يستتبع تعقّل المجموع لتعقّل كلّ واحد، ويستدلّ به عليه، بخلاف الصوّرة الثّانية.

ففي كبرى الأوّل، مثل قولنا: «كلّ متغيّر حادث»، قد تعقّل كلّ واحد من أفراد الموضوع الّتي من جملتها العالم بعنوان واحد هو كونه بصفة التغيّر لا بعنوان مخصوص، مثل كونه عالماً، ولو كان كلّ واحد منها متعقّلاً بعنوان مخصوص، مثل أن يعد جميع أفراد الموضوع.

فيقال: العالم وهذا وذاك حادث، لم يمكن الاستدلال بهذه الكبرى على أنّ العالم حادث، فظهر أنّ شارح المواقف في هذا الدّفع مغالط(2).

والحقّ مع شارح المقاصد، هذا.

الثّاني: من وجوه استدلال الإمام على بداهة تصوّر الوجود، وهوناهض على من يعترف بأنّ الوجود متصوّر بالكنه لكنّه بالاكتساب،


1 . شرح المواقف : 2 / 86 و 87 .
2 . حيث أخذ تعقّل الأُمور المتعدّدة بعنوان واحد كما في كبرى الأوّل موقع تعقّل الأُمور المتعددة بعنوانات متعدّدة، ولكن معاً وعلى سبيل الاجتماع كما في اجزاء القضيّة الواحدة، إذ ما نحن فيه من قبيل الثاني لا الأوّل.


صفحه 113

وبأنّ حصول العلم منحصر في الضرورة والاكتساب.(1)

تقريره(2) على ما في شرح المقاصد: هو، «أنّ الوجود معلوم بحقيقته، وحصول العلم: إمّا بالضّرورة أو الاكتساب، وطريق الاكتساب إمّا الحدّ أو الرّسم، والوجود يمتنع اكتسابه:

أمّا بالحدّ: فلأنّه إنّما يكون للمركّب، والوجود ليس بمركّب، وإلاّ فأجزاؤه إمّا وجودات أو غيرها، فإن كانت وجودات لزم تقدّم الشّيء على نفسه، ومساواة الجزء للكلّ في تمام ماهيّته; وكلاهما محال.

أمّا الأوّل: فظاهر.

وأمّا الثّاني: فلأنّ الجزء داخل في ماهية الكلّ، وليس بداخل في نفسه.

وهذا اللّزوم بناء على أنّ الوجود المطلق الّذي فرض التّركيب فيه ليس خارجاً عن الوجودات الخاصّة; بل إمّا نفس ماهيّتها، ليلزم الثّاني، أو مقوّم لها ليلزم الأوّل، وإلاّ فيجوز أن تكون الأجزاء وجودات خاصّة هي نفس الماهيّات أو زائدة عليها، والمطلق خارج عنها، فلا يلزم شيء من المحالين.

وإن لم تكن الأجزاء وجودات: فإمّا أن يحصل عند اجتماعها أمر زائد يكون هو الوجود، أو لا يحصل، فإن لم يحصل كان الوجود محض ما ليس بوجود وهو محال، وإن حصل، لم يكن التّركيب في الوجود الّذي هو نفس ذلك الزّائد العارض; بل في معروضه، هذا خلف »(3).

وهذا بناء على أنّ الظاهر أن يكون الأمر الزّائد هو الهيئة الاجتماعيّة


1 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 11 .
2 . أي تقرير الرازي .
3 . شرح المقاصد: 1 / 299 و 300 .


صفحه 114

العارضة لتلك الأجزاء، فإن لم يكن ذلك الأمر الزّائد عارضاً للأجزاء:

فإمّا أن يكون معروضاً لها، فيكون (1) التّركيب في عارضه لا فيه.

وكذا إذا كانا عارضين لمعروض واحد، أو معروضين لعارض واحد.

وإمّا أن يكون لا عارضاً ولا معروضاً، فلا يكون هناك تركيب لا في الوجود، ولا في عارضه، ولا في معروضه، بل في أمر أجنبيٍّ، فيكون الخلف أفحش.(2)

وأمّا بالرّسم: فلمّا ثَبَت في موضعه من أنّه إنّما يفيد بعد العلم باختصاص الخارج بالمرسوم، وهذا متوقّف على العلم به، وهو دورٌ وبما عداه مفصّلاً وهو محال، ولو سَلّم، فلا يفيد معرفة الحقيقة والكُنه(3) .

والجواب (4) عمّا ذكر في امتناع تركّب الوجود:

النّقض: أي لو صحّ بجميع مقدّماته، لزم أن لا يكون شيء من الماهيّات مركّباً لجريانه فيها. بأن يقال: أجزاء البيت: إمّا بيوت، وهو محال، وإمّا غير بيوت، وحينئذ: إمّا أن يحصل عند اجتماعها أمر زائد، هو البيت، فلا يكون التّركيب في البيت، هذا خلف، أو لا يحصل، فيكون البيت محض ما ليس ببيت .

والحلّ: بأنّا نختار أنّه يحصل أمر زائد على كلّ جزء وهو المجموع الّذي هو نفس الوجود، فلا يكون التّركيب إلاّ فيه، ولا حاجة إلى حصول أمر زائد على


1 . ب: «فيلزم».
2 . كما صّرح به المحقّق الدّواني. لاحظ : حاشية المحقّق الدّواني المطبوعة على هامش شرح تجريد العقائد: 6 .
3 . والمفروض إنّ الوجود متصوّر بالحقيقة والكُنه.
4 . أي جواب شارح المقاصد.


صفحه 115

المجموع، فالوجود محض المجموع الّذي ليس شيء من أجزائه بوجود، كما أنّ البيت محض الأجسام والهيئة الّتي ليس شيء منها ببيت والعشرة محض الآحاد الّتي ليس شيء منها بعشرة .

فإن قيل: هذا إنّما يستقيم في الأجزاء الخارجيّة، وكلامنا في الأجزاء العقليّة الّتي يقع بها التّحديد إلزاماً لمن اعترف بزيادة الوجود على الماهيّة، إذ ليس على القول بالاشتراك اللّفظي وجود مطلق، يدعى بداهته، أو اكتسابه، بل له معان بعضها كسبيّ، وبعضها بديهيّ، وحينئذ لا يصحّ الحلّ، بأنّ أجزاء الوجود أُمور يتّصف بالعدم، أو بوجود هو عين الماهيّة، أو لا يتّصف، بالوجود ولا بالعدم.

قلنا: فالحلّ، ما أشرنا إليه من أنّها وجودات، أي أُمور يصدق عليها الوجود صدق العارض على المعروض، وحينئذ لا يلزم شيء من المحالين ولا اتّصاف الشّيء بالوجود قبل تحقّق الوجود، لأنّه لا تمايز بين الجنس، والفصل، والنوع، إلاّ بحسب العقل دون الخارج.

فمعنى قولنا: «يكون الوجود محض ما ليس شيء من الأجزاء بوجود» أنّه لا يكون شيء من الأجزاء نفس الوجود.

وإن كان يصدق عليه الوجود كسائر المركّبات بالنّسبة إلى الأجزاء العقليّة، فإنّها لا تكون نفس ذلك المركّب، لكنّه يصدق عليها صدق العارض .(1)

وقد يقال: صرّح الشّيخ في " الحكمة المشرقيّة "(2) بأنّ التّحديد لا


1 . لاحظ: شرح المقاصد : 1 / 300 و 301 .
2 . لم نعثر عليه .


صفحه 116

يختصّ بالأجزاء الذّهنيّة المحمولة(1)، بل ربّما يكون بالأجزاء الخارجيّة كما في تحديد البيت بالجدران والسّقف .

واعلم: أنّ المقصود إبطال الاستدلال، وإلاّ فالحقّ أنّ الوجود معنى بسيط ليس له أجزاء خارجية ولا عقلية كما سيأتي.

وعمّا(2) ذكر في امتناع اكتسابه(3) بالرّسم ما ثبت في موضعه من أنّه إنّما يتوقّف على الاختصاص(4) لا على العلم بالاختصاص، وأنّه وإن لم يستلزم إفادة معرفة الحقيقة، لكنّه قد يفيدها سلّمناه لكن العلم بالمساواة لا يتوقف إلاّ على تصوّر الشيء(5) بوجه مّا، وتصور ما عداه كذلك فلا يلزم الدّور، ولا الإحاطة بما لايتناهى.

وقد يستدلّ على امتناع اكتسابه بالرّسم، بوجهين آخرين :

أحدهما: أنّه يتوقف على العلم بوجود اللاّزم وثبوته للمرسوم، وهو أخصّ من مطلق الوجود فيدور .

وثانيهما: أنّ الرّسم إنّما يكون بالأعرف، ولا أعرف من الوجود بحكم الاستقراء، أو لأنّه أعمّ الأشياء، أيّ بحسب التحقّق دون الصّدق، والأعم أعرف، لكون شروطه ومعانداته أقلّ .(6)


1 . ولكن قال الشيخ في منطق المشرقيّين: «واعلم أنّك لست تطلب في التّحديد إلاّ المفهوم. لاحظ : منطق المشرقيّين: 45 .
2 . أي: «والجواب عمّا ذكر...» كما في المصدر .
3 . أي اكتساب الوجود .
4 . أي على اختصاص المرسوم بالرّسم .
5 . أي تصوّر الشيء المرسوم .
6 . لاحظ : شرح المقاصد : 1 / 302 .


صفحه 117

ويجاب أمّا عن الأوّل: فبأنّه على تقدير تسليم التوقّف يكون تعريفاً بالأخصّ، وهو لا يستلزم الدّور إلاّ بالشّرطين المذكورين سابقاً، وكلاهما في محل المنع.

وأمّا عن الثّاني: فبأنّ الحكم بأنّه لا أعرف من الوجود إنّما يصحّ على القول ببداهة الحكم بكون تصوّر الوجود بديهيّاً كما هو مذهب المصنف وغيره من المحقّقين.

وأمّا على القول بكونه نظريّاً، لا يكون فرق بين الحكمين، ويصحّ منع كون الوجود أعرف الأشياء هذا، وإلى هذين الاستدلالين للإمام على بداهة الوجود.

والجواب عنهما(1) ما أشار المصنّف بقوله: والاستدلالُ(2) بتوقّف التّصديق بالتّنافي عليه.

هذا إشارة إلى الدّليل الأوّل; أي الاستدلال على بداهة تصوّر الوجود بكون التّصديق بالمنافاة بين الوجود والعدم متوقّفاً على تصوّر الوجود .

قال: أو بتوقف الشّيء على نفسه، أو عدم تركّب الوجود مع فرضه مركّباً وإبطال الرّسم باطلٌ.(3)

أقول: هذا إشارة إلى الدّليل الثّاني; أي أو الاستدلال عليه بامتناع اكتسابه لو لم يكن بديهيّاً، لأنّ الاكتساب :


1 . أي الجواب عن هذين الاستدلالين .
2 . والاستدلال، مبتدأ وخبره باطل .
3 . وفي متن كشف المراد: أو عدم تركيب الوجود مع فرضه أو إبطالِ الرّسم باطل .


صفحه 118

إمّا بالحدّ: وهو بالأجزاء، فيلزم توقّف الشّيء على نفسه، أو خلاف الفرض.

وإمّا بالرّسم: وهو باطلٌ. كما عرفت جميع ذلك تفصيلاً.

فقوله: «أو عدم تركّب الوجود» عطف على قوله: «توقّف الشّيء على نفسه» على سبيل التّرديد، لأنّ اللاّزم على تقدير كون الاكتساب بالتّحديد هو أحد الأمرين لا مجموعهما.

وقوله: «وإبطال الرّسم» بالواو دون عطف على أحد الأمرين على سبيل الجمع، لأنّ امتناع الاكتساب يتوقّف على مجموعهما، فتدبّر.

وقوله: «باطلٌ» إشارة إلى الجواب عنهما، وهو خبرعن الاستدلال، هذا .

الثّالث: من وجوه استدلال الإمام: أنّ الوجود المطلق جزء من وجودي، لأنّ معناه الوجود مع الإضافة إلى المتكلّم والعلم بوجودي بديهيّ، لا يتوقّف على كسب أصلاً فيكون الوجود المطلق بديهيّاً .(1)

وأُجيب: بأنّه إن أُريد أنّ تصور وجودي بالحقيقة بديهيّ فممنوع.

ولو سلّم، فلا نسلّم أنّ المطلق جزء منه، وتصوّره جزء من تصوّره.(2)

وإن أُريد أنّ التّصديق; أي العلم بأنّي موجود بديهي، فغير مفيد، لأنّ كونه بديهيّاً بجميع أجزائه غير مسلّم، وكون حكمه بديهيّاً، غير مستلزم لتصوّر الطرفين بالحقيقة، فضلاً عن بداهته.


1 . لأنّ ما يتوقف عليه البديهيّ يكون بديهياً.
2 . لأنّ الوجود المطلق يقع على الوجودات وقوع لازم خارجي غير مقوّم، وليس العارض جزءاً للمعروض ولا تصوّره لتصوره. لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 302 .


صفحه 119

وظاهر تقرير الإمام، بل صريحه على ما في شرح المقاصد (1): أنّ المراد هو تصديق الإنسان، بأنّه موجود، ثمّ أورد منع بداهته، فأجاب بأنّه على تقدير كونه كسبيّاً، لا بدّ من الانتهاء إلى دليل يعلم وجوده بالضّرورة قطعاً للتّسلسل، والعلم بالوجود جزء من ذلك العلم، فيكون ضروريّاً.

وصرّح صاحب المواقف: بأنّه جزء وجوديّ، وهو متصوّر بالبديهة.

ثمّ أورد جواب الإمام عن المنع المذكور، وزاد عليه فقال(2): وأيضاً لا دليل عن سالبتين، فلا بدّ من الانتهاء إلى موجبة يحكم فيها بوجود المحمول للموضوع ضرورة.

ثمّ دفعهما، بأنّ الّذي لابدّ من الانتهاء إليه دليل هو ضروريّ لا وجوده.

فإنّا نستدلّ بصدق المقدّمتين، لا بوجودهما في الخارج، وبأنّ الموجبة ما حكم فيها بصدق المحمول على ما صدق عليه الموضوع لا بوجوده له. (3)

فأورد شارح المقاصد عليه: «بأنّه لا دخل للدّليل وترتيب المقدّمتين في الإيصال إلى التصوّر، وأنّ كلامه صريح في أنّه يريد بالدّليل الموصل إلى التّصديق لا الموصل في الجملة .


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 302 ـ 303 .
2 . قال شارح المواقف : ولا دليل عن سالبتين فلابدّ في الدليل من مقدمة موجبة قد حكم فيها بوجود المحمول للموضوع، ولا يمكن أن يكون العلم بوجود كلّ محمول للموضوع مستفاداً من دليل آخر، بل لابدّ من الانتهاء إلى دليل مشتمل على موجبة يكون العلم بوجود محمولها لموضوعها بديهياً وأنّه يستدعى تصور الوجود المطلق بطريق البداهة. لاحظ : شرح المواقف : 2 / 79 و 80 .
3 . انتهى كلام صاحب المواقف ملخصاً. لاحظ : المواقف في علم الكلام: 43 .


صفحه 120

وإنّ مراد الإمام من الدّليل الّذي لابدّ من العلم بوجوده هو الأمر الّذي يستدلّ به، كالعالم للصّانع، لا المقدّمات المترتّبة، وأنّه لا معنى لصدق المحمول على الموضوع، سوى وجوده له، وثبوته له.

نعم يتّجه أن يقال: الوجود هنا رابطة، وليس الكلام فيه ».(1)

وقال شارح المواقف في توجيه كلامه(2): «لعلّه أراد كما أنّه لا دليل عن سالبتين كذلك لا تعريف عن مفهومين سلبيّين، لأنّ السّلب لا يعقل إلاّ بالقياس إلى الثبوت، فلابدّ في المعرفة من مفهوم وجودي إمّا ضروريّ، أو منته إليه. فيكون العلم بوجوده ضروريّاً. فكذا الوجود المطلق في ضمنه».(3)

ولا يخفى بُعدهُ.

هذه هي وجوه استدلال الإمام مع أجوبتها.(4)

وإنّما لم يتعرّض المصنّف للوجه الثّالث لكونه راجعاً في الحقيقة إلى الأوّل، فإنّ مناطهما ليس إلاّ الاستدلال على بداهة تصوّر الوجود، لكونه جزء المعلوم بالبديهة، سواء كان تصوّراً أو تصديقاً أيّ تصديق كان .

فإن قيل (5): تصوّر الوجود إذا حصل للنّفس من غير كسب، فإذا التفتت إلى حصوله، عرفت بمجرّد التفاتها إليه أنّه بغير كسب، فأيّ حاجة إلى الاستدلال.


1 . انظر : شرح المقاصد : 1 / 302 و 303 .
2 . أي في توجيه كلام صاحب المواقف .
3 . شرح المواقف : 2 / 81 و 82 .
4 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 11 ـ 13 .
5 . نقله الشارح القوشجي وأجاب عنه. شرح تجريد العقائد: 6 .


صفحه 121

بل نقول: بداهة كلّ بديهي، وكذا كسبيّة كلّ كسبيّ، كلتاهما بديهيّتان بغير ما ذكر.

قلنا: إنّما يكون كذلك لو كانت البداهة والكسبيّة لازمتين بيّنتين للمعلوم ليلزم من الالتفات إليه، الالتفات إليهما وليس ببيّن.

وما ذكر، إنّما يجزي في حال الحصول. وأمّا بعده فلا، إذ لا يجب بقاء كيفيّة الحصول في الذّكر.

قال الشّارح القوشجي: «قد يحصل صورة في النّفس ولا تلتفت إلى كيفيّة حصولها .

ثمّ تحصل فيهما صُورة أُخرى، ولا تلتفت أيضاً إلى كيفيّة حصولها.

وهكذا حتّى إذا تطاولت المدّة وتكثّرت الصّور توجّهت إليها، فالتبست عليها في بعض الصّور كيفيّة حصولها، فاحتاجت إلى الاستدلال .

وذلك(1) بالبديهيات أولى، إذ في الكسبيّات اعتمال قلّما يَنْسى»(2).

وقال المحقّق الدّواني: «وفيه بحث، لأنّه إذا كان عدم تذكّر المشقّة الّتي قد كانت قليلاً كان اشتباه البديهي بالنّظري قليلاً، لأنّ هذا الاشتباه، إنّما يحصل بالتردّد في أنّه هل كان فيه مشقّة الكسب أو لم يكن؟

والمفروض أنّ نسيان المشقّة الحاصلة، قليل(3)، فالتّردّد في حصول المشقّة مع أنّها قد كانت قليل، فالشكّ في بداهة البديهيّ مبنيّ على احتمال قليل الوقوع، فيكون قليلاً.


1 . أي الالتباس في البديهيّات أولى من النظريات .
2 . شرح تجريد العقائد: 6 و 7 .
3 . ب: «قليل الوقوع».


صفحه 122

ثمّ قال(1): والجواب: أنّ المدّعى أنّ المشقّة الحاصلة قلّما تنسى، فحصول المشقّة لا ينفكّ في الغالب عن تذكّرها، وحينئذ يحصل الجزم بالكسبيّة، ولا يلزم من ذلك أن يكون الغالب على تقدير عدم حصول المشقّة تذكّر عدم المشقّة حتّى يحصل الجزم بالبداهة; بل كثيراً مّا يقع التردّد، في أنّه هل كان هناك مشقّة فنسَيْت أم لم يكن؟

وإن كان وقوع الشقّ الأوّل قليلاً، فإنّ نُدرة الوقوع لا يستلزم نُدرة احتمال الوقوع عند العقل، واحتمال وقوع النّادر يُقدح في الجزم بعدم وقوعه.

وتوضيحه: أنّ غالب الأحوال تذكّر المشقّة، وهو يوجب الجزم في الكسبيّات، ونادرها عدم التّذكّر، وهو لا يوجب الجزم بالبديهيّات، لاحتمال أن يكون المشقّة حاصلة. وقد نسيت، فيكون الشّكّ في بداهة البديهيّات، أكثر من الشّكّ في كسبيّة الكسبيّات ، هذا» (2).

وأعلم: أنّ للمنكرين لبداهة الوجود أيضاً متمسّكات وهم فرقتان:

الأُولى: من يقول إنّه متصوّر لكن لا بالبديهة بل بالكسب، ولهم وجوه:

الأوّل: أنّ الوجود: إمّا نفس الماهيّة، أو زائدٌ عليها.

فإن كان نفس الماهيّة، والماهيّات ليست ببديهيّة، كان الوجود غيربديهي.

وإن كان زائداً عليها، كان عارضاً لها، لأنّ ذلك(3) معناه، فيكون تابعاًلها في المعقوليّة، إذ لا استقلال للعارض بدون المعروض، وهي غير


1 . أي المحقّق الدّواني.
2 . حاشية المحقّق الدّواني المطبوعة على هامش شرح تجريد العقائد للفاضل القوشجي : 7 .
3 . أي معنى كونه زائداً .


صفحه 123

بديهيّة، فكذا الوجود العارض لها; بل هو أولى .

فإن قيل (1): الكلام في الوجود المطلق، لا في الوجودات الخاصة الّتي هي العوارض للماهيّات.

ولو سلّم(2)، فالوجود المطلق يكون عارضاً لمطلق الماهيّة.

والكسبيّات، إنّما هي الماهيّات المخصوصة، فعلى تقدير كون الوجود المطلق عارضاً لا يلزم كونه تابعاً للماهيّات المكتسبة.

أجيب: بأنّ الوجود المطلق عارض للوجودات الخاصّة على ما سيجيء فيكون تابعاً لها، وهي تابعة للماهيّات المكتسبة، فيكون المطلق تابعاً لها بالواسطة.(3)

وكذا مطلق الماهيّة عارض المخصوصة، لكونه صادقاً عليها غير مقوّم لها، فيكون تابعاً لها، فيكون الوجود المطلق العارض لمطلق الماهيّة عارضاً لها بالواسطة.

الثّاني (4): أنّ الوجود لو كان بديهيّاً لم يشتغل العقلاء بتعريفه، كما لم يشتغلوا بإقامة البرهان على القضايا البديهيّة، لكنّهم عرفوه بوجوه كما مر.

الثّالث: أنّه لو كان بديهيّاً لم يختلف العقلاء في بداهته، ولم يفتقر المثبتون منهم إلى الاحتجاج عليها.(5)


1 . نقله شارح المقاصد وأجاب عنه. لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 304 ـ 306 .
2 . أي كون الوجود المطلق عارضاً.
3 . وهذا معنى زيادة التبعية.
4 . أي الدليل الثّاني من دلائل الفرقة الأُولى من المنكرين ببداهة الوجود.
5 . لكنّهم اختلفوا واحتجّوا فلم يكن بديهياً.


صفحه 124

والجواب عن الأوّل: أنّا لا نسلّم أنّ العارض يكون تابعاً للمعروض في المعقولية، بل ربّما يعقل العارض دون المعروض، وعدم استقلاله إنّما هو في التحقّق في الأعيان. ولو سلّم، فلا نزاع في بداهة بعض الماهيّات، فيكفي في تعقّل الوجود من غير اكتساب.

وعن الثّاني: أنّ البديهي لا يعرف تعريفاً حقيقيّاً لا لفظياً كما مر.

وعن الثّالث: أنّ الّذي لا يقع فيه اختلاف العقلاء هو الحكم البديهي الواضح، وبداهة تصوّر الوجود لا يستلزم بداهة الحكم كما عرفت، فيجوز أن يكون الحكم بها كسبيّاً أو بديهيّاً خفيّاً فيحتاج إلى تنبيه.

والثّانية(1): من يقول إنّ الوجود لا يتصوّر أصلاً(2) وهو في مقابل القول بأنّه أظهر الأشياء.

قال شارح المقاصد: واخترع الإمام لذلك تمسكات:(3)

منها(4): أنّه لو كان متصوّراً لكان الواجب متصوّراً إلزاماً للقائلين بأنّ حقيقته الوجود المجرد، فإنّ معنى التّجرّد معلوم قطعاً ومبناه على أنّ الوجود طبيعة نوعيّة لا يختلف إلاّ بالإضافات وسيجيء القول في ذلك.


1 . أي الفرقة الثانية الّتي مرّ الايعاز عليها: .
2 . أي لا كسباً ولا بداهة .
3 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 13 ـ 14 .
4 . مبناه الخلط بين المفهوم والحقيقة وعدم الامتياز بينهما فإنّك قد عرفت أنّ المتنازع فيه هو الوجود المطلق الّذي هو مشترك معنى وهو ليس حقيقة الواجب تعالى حتّى يلزم من تصوره، تصورها، وما هوعين حقيقة الواجب تعالى عبارة عن حقيقة الوجود وهو الوجود الحقيقي الّذي هو الصّمد لكلّ شيء والملجأ لكلّ ما سواه. وهو فوق ان يتصور ويحيط به، الغرض وللك اشتهر: «وكُنْهه في غاية الخفاء».


صفحه 125

ومنها: أنّه لو تصوّر لارتسم في النّفس صورة مساوية له، مع أنّ للنّفس وجوداً، فيجتمع مثلان .

والجواب: منع التماثل بين وجود النّفس والصّورة الكلّية الموجودة، فيها على أنّ الممتنع من اجتماع المثلين، هو قيامهما بمحلّ، كقيام العرض، وهاهنا لو سلّم قيام الصّورة، كذلك، فظاهر أن ليس قيام الوجود كذلك لما سيجيء.

ومنها: أنّ تصوّره بالحقيقة لا يكون إلاّ إذا علم تميّزه عمّا عداه، بمعنى أنّه ليس غيره.

وهذا سلب مخصوص لا يعقل إلاّ بعد تعقّل السّلب المطلق، وهو نفي صرف لا يعقل إلاّ بالإضافة إلى وجود، فيدور .

والجواب: أنّ تصوّره يتوقّف على تميّزه، لا على العلم بتميّزه.

ولو سلّم، فالسّلب المخصوص، إنّما يتوقّف تعقّله على تعقّل السّلب المطلق، لو كان ذاتيّاً له وهو ممنوعٌ.

ولو سلّم، فلا نسلّم أنّ النّفي الصّرف لا يعقل. ولو سلّم، فالسّلب يضاف إلى الإيجاب وهو غير(1) الوجود(2).


1 . أي الوجود الرابط وهو غير الوجود المحمولي. قال الحكيم السبزواري: «ثمّ الوجود رابط ورابطي».
2 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 304 ـ 306 .


صفحه 126

 

المسألة الثّانية

في اشتراك الوجود معنى(1)

قال: وتردُّدُ الذّهن حالَ الجزم بمطلق الوجود.

واتحادُ مفهومِ نقيضه.

وقبولُهُ القسمةَ، يُعطي الشّركةَ.

أقول: لمّا فرغ المصنّف من البحث عن حدّ الوجود والعدم شرع في البحث عن أحكامهما وبدأ باشتراك الوجود بين أقسامه من الوجود العيني والذّهني، والواجب والممكن .

اعلم: أنّ العلماء اختلفوا في هذه المسألة على قولين:

الأوّل: اتّفق جمهور المحقّقين (2) على أنّ الوجود مفهوماً واحداً مشتركاً بين الوجودات.

الثّاني: وخالفهم فيه أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري(3)


1 . راجع لمزيد الاطّلاع: المباحث المشرقيّة: 1 / 18 ـ 23 / الفصل الثّاني من الباب الأوّل; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 30 ـ 37 ; وايضاح المقاصد: 5 / 9 / المسألة الثّانية من البحث الأوّل ; وقواعد المرام في علم الكلام: 38 ـ 40 ; وشرح حكمة العين: 31 ـ 37 .
2 . من الحكماء والمتكلّمين من الإماميّة وبعض المعتزلة كأبو هاشم وأصحابه وجمع من الأشاعرة. لاحظ: محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 47 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 9 ـ 10 ; وارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 37 ـ 41 .
3 . هو: أبو الحسين بن علي الطيب البصري المتوفى (436 هـ). المتكلم على مذهب المعتزلة وهو أحد أئمتهم الأعلام. انظر: وفيات الأعيان: 3 / 401 / الترجمة 581 .


صفحه 127

وذهبا إلى أنّ وجود كلّ شيء عين ماهيّته ولا اشتراك إلاّ في لفظ الوجود.

واستدلّ الجمهور بوجوه ثلاثة:

أشار المصنف إليها بقوله: وتردُّدُ الذّهن حالَ الجزم بمطلق الوجود، واتحادُ مفهومِ نقيضه، وقبولُهُ القسمةَ يُعطي الشّركةَ; أي وتردّد الذّهن في خصوصيّات الماهيّات مع الجزم بالوجود المطلق(1)، وهذا إشارة إلى أوّل الوجوه.

وكون نقيض الوجود; أي العدم مفهوماً واحداً(2)، وهذا إشارة إلى ثانيها(3).

وكون الوجود قابلاً للقسمة إلى الواجب، والجوهر، والعرض(4)، وهذا إشارة إلى ثالثها.


1 . أي أنّا قد نجزم بوجود ماهيّة، ونتردّد في خصوصيّاتها مع بقاء الجزم بالوجود، فإنّا إذا شاهدنا أثراً حكمنا بوجود مؤثّره، فإذا اعتقدنا أنّه ممكن، ثمّ زال اعتقادنا بامكانه، وتجدّد اعتقادنا بوجوبه، لم يزل الحكم الأوّل، فبقاء الاعتقاد بالوجود عند زوال اعتقاد الخصوصيّات يدلّ على الاشتراك. لاحظ : كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، المقصد الأوّل، المسألة الثانية في أنّ الوجود مشترك.
2 . أي إنّ مفهوم العدم واحد، فلو لم يكن مفهوم الوجود أيضاً واحداً، لبطل الحصر العقلي بين الوجود والعدم، فإنّا إذا قلنا زيد إمّا موجود وإمّا معدوم، له يجزم العقل بالانحصار لجواز أن لا يكون معدوماً ولاموجوداً بالمعنى الّذي قُصد، بل موجوداً بمعنى آخر. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 7 .
3 . أي إلى الوجه الثاني.
4 . أي لأنّا يمكننا أن نقسّم الوجود إلى وجود الواجب ووجود الممكن وإلى وجود الجوهر ووجود العرض; ويقبل العقل هذه القسمة، ومورد القسمة مشترك بين اقسامه. انظر : نهاية المرام في علم الكلام :1 / 30 وشرح تجريد العقائد: 7 و 8 .


صفحه 128

يُعطي(1) ; أي يفيد كلّ واحد من هذه الوجوه الثّلاثة الشّركة(2) ; أي اشتراك الوجود معنى بين الموجودات .

تقرير الأوّل منها: أنّه لو لم يكن مشتركاً لامتنع الجزم به عند التّردّد في الخصوصّيات ضرورة أنّه على تقدير عدم الاشتراك، إمّا نفس الخصوصيّات أو مختصّ بها، ذاتيّاً كان أو عرضيّاً، فيزول اعتقاده مع زوال اعتقادها.

أمّا على الأوّل:(3) فلأنّ التّردّد في الخصوصيّات يكون عين التّردّد في الوجودات الّتي هي اعيان تلك الخصوصيّات .

وأمّا على الثّاني: فلأنّ التّردّد في شيء، يستلزم التّردّد فيما يختصّ به قطعاً، سواء كان معلوم الاختصاص أو مشكوكه، فالباقي ليس إلاّ معلوم عدم الاختصاص والتّالي ـ أعني: امتناع الجزم بالوجود عند التّردّد في الخصوصيّات ـ باطلٌ، لأنّا إذا نظرنا في الحادث جزمنا بأنّ له مؤثّراً مع التردّد في كونه واجباً أو ممكناً، جوهراً أو عرضاً، متحيّزاً أو غير متحيّز.

ومع تبدّل اعتقاد كونه ممكناً إلى اعتقاد كونه واجباً، إلى غير ذلك من الخصوصيّات، فبالضّرورة يكون الأمر المجزوم به الباقي مع التّردّد في الخصوصيّات، وتبدّل الاعتقادات، مشتركاً بين الكلّ، فالمقدّم; أي عدم كونه مشتركاً مثله، فالوجودُ مشتركٌ، وهو المطلوب.

فإن قيل: إن أُريد بالجزم الجزم بأحد الوجودات المتخالفة الذّوات، فلا يجدي نفعاً لأنّ مفهوم احدها(4) ليس الوجود المشترك.


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
3 . أي كون الوجود نفس الخصوصيّات .
4 . أي أحد الوجودات المتخالفة.


صفحه 129

وإن أريد الجزم بخصوصيّة ذات مّا بعينها، فهو ظاهر البطلان.

وإن أُريد الجزم بمعنى آخر، فهو ممنوعٌ.

أُجيب بتلخيص الدّليل، وهو أن يقال: إذا جزمنا بوجود ممكن، وجزمنا مع ذلك، بأنّ علّته جوهر مثلاً، فلاشكّ إنّا نجزم حينئذ بأنّ العلّة موجودة، وبأنّها خصوصيّة الجوهر.

فإذا فرضنا زوال اعتقاد خصوصيّة الجوهر، باعتقاد أنّ العلّة خصوصيّة العرض، وجدنا الاعتقاد بأنّ العلّة موجودة، باقياً بحاله، لم يتغيّر ولم يتبدّل باعتقاد آخر أصلاً. فلولا أنّ الوجود مشترك معنىً لم يتصوّر ذلك قطعاً .

فإن قيل: هذا الدّليل، يستلزم أن يكون للوجود وجود آخر مشترك بينه وبين غيره، فإنّا قد نجزم بوجود علّة شيء، ونتردّد في أنّها مفهوم الوجود أو غيره.(1)

قلنا: أوّلاً: إنّ هذا لا يضرّنا، فإنّ الوجود لو كان موجوداً لكان له وجود مشترك بينه وبين غيره لا محالة، ولهذا أحال المحقّقون وجوده، كما ستعرف .

وثانياً(2): أنّ التّردّد إنّما يقع فيما هو من الموجودات، لأنّا نجزم، بأنّ علّة الموجود يجب أن تكون موجودة، ومفهوم الوجود ليس من الموجودات، بل هو من المعقولات الذّهنيّة كما سيأتي.

فإن قلت: التّردّد تجويز العقل، وهو لا يستلزم المطابقة للواقع، وكون


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 7 .
2 . ذكره الفاضل القوشجي في شرحه .


صفحه 130

الوجود(1) من المعقولات الثّانية(2)، وغير موجود في الخارج، ليس بيّناً، بحيث لا يمكن للعقل أن يشكّ فيه.

وأيضاً الكلام في الوجود المطلق الشّامل للذّهن والخارج، ومفهوم الوجود موجود بهذا المعنى.

قلت: التّردّد إنّما وقع في خصوصيّة شيء يجزم بوجوده في الخارج، لما أشرنا إليه من الجزم، بأنّ علّة الموجود موجودة، فيستلزم المطابقة للواقع، من حيث الوجود في الخارج، بمعنى أنّ ما يعلم أنّه ليس بموجود في الخارج، لا يجوز أن يشمله التّردّد في شيء نعلم وجوب كونه موجوداً في الخارج، فليتفطّن.

وقد يجاب أيضاً: بأنّه إن أراد أنّه يلزم أن يكون الوجود مشتركاً في الواقع بين تلك الخصوصيّات وبين الوجود، فذلك غير لازم، إلاّ إذا كان الوجود موجوداً في الواقع، وهو ممنوعٌ.

وإن أراد أنّه يلزم كون الوجود قابلاً للاشتراك بين نفسه وغيره، فالجواب بتغاير الاعتبارين، كما في سائر المفهومات العامّة.

ومن سخيف الاعتراض على هذا الدّليل، النّقض بالماهيّة وبالتّشخص،


1 . أي مفهوم الوجود .
2 . المعقول: هو الصوّرة الحاصلة في الذّهن. والمعقولات على قسمين:
المعقولات الأولى: ما يكون مصداقه وما يحاذيه موجوداً في الخارج; كطبيعة الإنسان والحيوان; فإنّهما يتصوّران أوّلاً، ويحملان على الموجود الخارجي، كقولنا: زيد إنسان والفرس حيوان.
المعقولات الثانية: هي ما يتصوّر ثانياً ولا يحاذيه أمر في الخارج; كالنوع والجنس والفصل، فإنّها لا تحمل على شيء من الموجودات الخارجيّة. لاحظ : جامع العلوم: 865 ، وكتاب التعريفات: 283 و 284 .


صفحه 131

بأن يقال: نجزم أنّ هذه العلّة لها ماهيّة وتشخّص، ونتردّد في خصوصيّاتهما، فيلزم كونهما(1) مشتركين بين الماهيّات والتّشخصات.

والجواب التزام الاشتراك فيهما أيضاً.

قال صاحب المواقف : والتّحقيق، أنّه إن أُريد مجرد اشتراك الوجود بين الماهيّات، معنى لا تماثل الوجودات في الحقيقة، فالماهيّة والتّشخّص أيضاً كذلك. وإن أُريد التّماثل فالنّقض بهما وارد.(2)

وأنت خبير: بأنّه لم يدع أحد التّماثل بهذا الدّليل، ولا بسائر الأدّلة; فهذا التّحقيق ممّا جدوى له(3).

وتقرير الدّليل الثّاني: أنّ مفهوم نقيض الوجود، وهوالعدم واحد بالضّرورة، فلو لم يكن الوجود أيضاً معنى واحداً ; لزم بطلان الحصر بين الوجود والعدم، لأنّه إذا كان الوجود مشتركاً لفظيّاً، كان قولنا: هذا الشّيء، إمّا موجود، وإمّا معدوم، بمنزلة قولنا: هذا الشيء، إمّا إنسان مثلاً، وإمّا معدوم.

وهذا الحصر الأخير باطلٌ بالضّرورة. فكذا الحصر الأوّل; بخلاف ما إذا كان العدم أيضاً مشتركاً لفظياً، فإنّه يصير قولنا: هذا الشّيء إمّا موجود، وإمّا معدوم، بمنزلة قولنا: هذا الشّيء إمّا إنسان، وإمّا ليس بإنسان، لأنّ العدم حينئذ يكون رفعاً للإنسان، لأنّه رفع للوجود المقابل وهو الإنسان في هذا الفرض.

وظاهر تحقّق الحصر في قولنا: هذا الشّيء إمّا إنسان، وإمّا ليس بإنسان،


1 . أي الماهيّة والتشخيص .
2 . لاحظ: المواقف في علم الكلام: 47 .
3 . أ، ب و ج: «ممّا لا جدوى له».


صفحه 132

فظهر أنّه لابدّ في هذا الدّليل، من أخذ اتّحاد مفهوم العدم، لكن بطلان الحصر بين الوجود والعدم، باطل بالضرورة، فكون الوجود مشتركاً لفظيّاً باطلٌ. فالوجود مشترك معنى، وهو المطلوب.

ثمّ إنّ شارح المقاصد، قرّر هذا الدّليل: «بأنّه لو لم يكن للوجود مفهوم مشترك، لم يتمّ الحصر في الموجود والمعدوم، لأنّا إذا قلنا: الإنسان متّصف بالوجود بأحد المعاني أو معدوم، كان عند العقل تجويز أن يكون متّصفاً بالوجود بمعنى آخر.

ثمّ قال: وهذا لا يتوقّف على اتّحاد مفهوم العدم، إذ على تقدير تعدّده، كان عدم الحصر أظهر، لجواز أن يكون متّصفاً بالعدم بمعنى آخر»(1).

يعني أنّه إذا كان حين تعدّد الوجود، بطلان الحصر باعتبار جواز اتّصافه بوجود آخر، فحين تعدّد العدم، يزيد جواز اتّصافه بعدم آخر، فيصير البطلان أظهر(2).

أقول: وهذا عجيبٌ، لأنّ جواز اتّصافه بوجود آخر، إنّما يكون، بأن لا يتّصف بهذا الوجود


1 . شرح المقاصد : 1 / 309 .
2 . لكون الواسطة أكثر.


صفحه 133

المعيّن، وهو اتّصاف برفع هذا الوجود المعيّن الّذي هو العدم المعيّن، فجواز اتّصافه بعدم آخر، لو كان مع الاتّصاف بهذا العدم المعيّن، فكيف يمكن أن يقدح في الحصر بين هذا العدم المعيّن وبين الوجود المعيّن الّذي هو رفعه؟

ولو كان مع عدم الاتّصاف بهذا العدم المعيّن، فيكون متّصفاً بهذا الوجود المعيّن، فكيف يمكن أن يكون متّصفاً بوجود آخر؟

ولو سلّم، فكيف يكون اتّصافه بوجود آخر قادحاً في الحصر بين هذا الوجود المعيّن ورفعه؟

وظهر أيضاً ممّا ذكرنا بطلان ما توهّمه الشارح القوشجي: «من أنّ جزم العقل بالانحصار بين الوجود الخاصّ وعدمه على تقدير تعدّد مفهوم العدم أيضاً(1)، إنّما هو بواسطة مقدّمة أجنبيّة، هي انّ الشّيء لا يكون موجوداً بوجود غيره، ولا معدوماً بعدم غيره، إذ لو قطع النّظر عن هذه المقدّمة ; لم يكن قولنا: زيد معدوم بعدمه الخاصّ، في معنى قولنا: زيد ليس موجوداً بوجوده الخاصّ، بل كان أخصّ منه، فانّه إذا وجد زيد بوجود آخر، أو عدم بعدم آخر، صدق أنّه ليس موجوداً بوجوده الخاص، وكذب أنّه معدومٌ بعدمه الخاصّ، فالعقل يجزم بالانحصار في قولنا: الشّيء: إمّا موجود بوجوده الخاصّ; وإمّا ليس موجوداً بوجوده الخاصّ; ولا يجزم بالانحصار في قولنا: الشّيء: إمّا موجود بوجوده الخاصّ; وإمّا معدوم بعدمه الخاصّ، إلاّ بعد ملاحظة تلك المقدمة الأجنبيّة. انتهى».(2)

وذلك(3) لأنّ الشّيء حين يتّصف بوجود غيره، لو لم يتّصف بوجود نفسه، فقد اتّصف بعدم نفسه; أي بعدم يقابل وجود نفسه،، فلم يخلّ الموضوع عن وجود نفسه وعدمه المتقابلين.

ولو اتّصف بوجود نفسه مع اتّصافه بوجود غيره، لم يكن اتّصافه بوجود


1 . كلمة «أيضاً» متعلقة بكلمة «تعدد» لا بقوله «جزم العقل».
2 . لاحظ : شرح تجريد العقائد : 7. وقد نقل باختلاف يسير.
3 . أي ظهور البطلان .


صفحه 134

غيره واسطة، وحين يتّصف بعدم غيره، لو لم يتّصف بعدم نفسه، فقد اتّصف بوجود نفسه المتقابل له، فلم يخلّ عن المتقابلين.

ولو اتّصف بعدم نفسه مع اتّصافه بعدم غيره، لم يكن اتّصافه بعدم غيره واسطة، فسواء لوحظت تلك المقدّمة الأجنبيّة، أو لم تلحظ، لم يكن الموضوع خالياً عن وجود نفسه وعدمه المتقابلين، وذلك هو معنى الحصر العقلي .

وأيضاً لا معنى لقوله(1): صدق أنّه(2) ليس موجوداً بوجوده الخاصّ، وكَذِب أنّه معدوم بعدمه الخاصّ» إذ لا معنى لعدمه الخاصّ إلاّ سلب وجوده الخاصّ، فكيف يمكن أن يصدق سلب وجوده الخاصّ ويكذب عدمه الخاصّ، وحمل عدمه(3) الخاصّ على سلب جميع الوجودات مع فرض تعدّد كلا مفهومي الوجود والعدم كما نقل منه ؟

ووَجَّهَ به كلامَه المحقّق الدّواني(4); ممّا لا يمكن أن يذهب إليه ذو مسكة.

ثمّ قال شارح المقاصد: «فلذا عدلنا عمّا ذكره القوم، من أنّ مفهوم العدم واحد، فلو لم يتّحد مفهوم مقابله، لبطل الحصر العقليّ(5) وجَعَلنا اتّحاد مفهوم العدم دليلاً رابعاً.

تقريره: أنّ مفهوم العدم واحد، فلو لم يكن للوجود مفهوم واحد لما كانا


1 . أي قول القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 7 .
2 . أي زيد مثلاً.
3 . زيد مثلاً.
4 . انظر: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 7 .
5 . الحصر العقليّ: أي ما هو الدّائر بين النّفي والإثبات .


صفحه 135

نقيضين ضرورة ارتفاعهما عن الوجود بمعنى آخر، واللاّزم باطلٌ قطعاً»(1).

أقول: وهذا أعجب، فإنّه لا فرق بين ما ذكره القوم، وما جَعَله دليلاً رابعاً سوى، أنّ التّالي في أحدهما بطلان التّناقض بين الوجود والعدم، وفي الآخر بطلان الحصر العقليّ بينهما، وما(2) نعرف فرقاً بينهما، فلأيّ سَبَب احتاج أحدهما إلى اعتبار وحدة مفهوم العدم دون الآخر ؟!

ثمّ إنّ الشّارح القوشجي قرّر الدّليل الرّابع: «بأنّ مفهوم العدم واحد، فلو لم يكن مفهوم الوجود أيضاً واحداً، لكان العدم الواحد نقيضاً لكلّ من الوجودات المتعدّدة، وذلك باطلٌ، لأنّ التّناقض لا يتحقّق إلاّ بين مفهومين»(3).

أقول: معناه أنّه لا يمكن أن يكون أحد طرفي التّناقض مفهوماً واحداً والطرف الآخر مفهومات متعدّدة، كلّ منها نقيض للطرف الأوّل، وذلك لأنّه يلزم أن لا يكون شيء منها نقيضاً للطرف الأوّل، لإمكان خلوّ الموضوع عنهما، بأن يكون واحداً آخر من تلك المفهومات المتعدّدة، فهذا التّقرير يرجع إلى تقرير شارح المقاصد.

ويرد عليه أيضاً ما أوردناه عليه: فإنّه كما لا يمكن تحقّق التّناقض بين أكثر من مفهومين، كذلك لا يمكن تحقّق الحصر العقليّ أيضاً بين أكثر من مفهومين، فلا فرق بينهما في اعتبار وحدة العدم وعدمه .

فإن قيل (4): عليه الوجود نقيض للعدم، وهو ظاهر، وعدم العدم أيضاً


1 . شرح المقاصد : 1 / 309 و 310 .
2 . نافية.
3 . شرح تجريد العقائد: 7 .
4 . تعرّض له المحقّق الدّواني وأجاب عنه. لاحظ: حاشية المحقّق الدواني على هامش شرح تجريد العقائد: 7 .


صفحه 136

نقيض للعدم، لأنّه رفعه، وليس عدم العدم هو الوجود، لأنّ تصوّر عدم العدم موقوف على العدم، بخلاف تصوّر الوجود(1)، فيتحقّق للعدم نقيضان(2)، الوجود وعدم العدم، فبطل أنّ التّناقض لا يتحقّق إلاّ بين مفهومين .

يجاب بأنّ العدم يؤخذ باعتبارين:

أحدهما: بمعنى سلب الوجود(3) فيكون في قوّة السّالبة(4).

وثانيهما: بمعنى ثبوت سلب الوجود، فيكون في قوّة الموجبة السّالبة المحمول(5) .

فبالاعتبار الأوّل: نقيضه(6) الوجود، لأنّه في قوّة الموجبة(7) لا عدم العدم، لأنّه في قوة السّالبة، السّالبة المحمول، وليس بين السّالبتين(8) تناقض.

وبالاعتبار الثّاني:(9) نقيضه عدم العدم الّذي في قوّة السّالبة، السّالبة المحمول، وهي تناقض مع الموجبة، هذا .

فإن قيل: لا نُسلّم أنّ مفهوم السّلب واحدٌ، بل سلب كلّ شيء مفهوم مخالف لسلب غيره .


1 . فإنّه لا يتوقّف على العدم .
2 . لأنّ العدم نقيض للوجود، لأنّه رفعه، ورفع كلّ شيء نقيض له، فيكون نقيضاً للعدم، لأنّ كون كلّ واحد من المفهومين نقيضاً له يستلزم كون الآخر نقيضاً له .
3 . كزيد معدوم .
4 . أي ليس زيد بموجود .
5 . كزيد هو ليس بموجود.
6 . أي نقيض العدم.
7 . كزيد موجود .
8 . أي العدم وعدم العدم.
9 . أي ثبوت سلب الوجود .


صفحه 137

قلنا: لا تمايز بين سلب وسلب من حيث هو سلب بالضّرورة، وإنّما التّعدّد بين المسلوب، بالإضافة إلى ما هي سلوب لها، كيف، ولو كان للسّلب خصوصيّة سوى الإضافة إلى ما هو سلب له، لم يكن نقيضاً له لتجويز العقل خلوّ الواقع عنهما بتحقّق خصوصيّة سلبيّة أُخرى، سواء كان السّلب مضافاً إلى الوجود أو إلى غير الوجود.

والحقّ: أنّ وحدة مفهوم السّلب من حيث هو سلب، من أجلى الضّروريات الّتي لا يحتاج إلى تنبيه أصلاً، ولا يصحّ قياسه بالوجود، فلا يرد أنّ من لا يسلّم الاشتراك في الوجود، لا يسلّم الاشتراك في مطلق السّلب، بل المشترك بين السّلوب عنده هو لفظ السّلب كما في الوجود.

وتقرير الدّليل الثّالث: أنّا نقسّم الوجود: إلى وجود الواجب ووجود الممكن.

ووجود الممكن: إلى وجود الجوهر ووجود العرض.

ووجود كلّ من الجوهر والعرض: إلى وجودات أجناسه.

ووجود كلّ جنس: إلى وجودات أنواعه.

ووجود كلّ نوع: إلى وجودات أفراده.

فيجب أن يكون الوجود مشتركاً بين جميع أقسامه ضرورة وجوب اشتراك مورد القسمة بين الأقسام، لأنّ التّقسيم(1) عبارة عن ضمّ القيود المتخالفة إلى مورد القسمة، ليحصل بانضمام كلّ قيد إليه، قسم.


1 . فإن قيل: اشتراك مورد القسمة بين جميع أفراد الاقسام غير لازم فإنّا نقسّم الحيوان إلى الأبيض وغير الأبيض، مع أنّ من كلّ منهما غيرالحيوان. أجيب: بأنّ التّقسيم عبارة عن ضمّ... لاحظ : شرح تجريد العقائد: 8 .


صفحه 138

فالقسم: عبارة عن مجموع مورد القسمة مع القيد، فلا يتحقّق بدون مورد القسمة.

وحيث اعتبرنا في جميع هذه التّقسيمات تقسيم الوجود إلى الوجودات، فلا يرد، أنّا لا نسلّم من قبول الوجود القسمة بين الواجب والممكن كونه مشتركاً بين جميع الموجودات، إذ يصدق قولنا: العالم: إمّا واجب أو ممكن، ولا يلزم كون العالم مشتركاً بين جميع الموجودات الممكنة، لكون البعض غير عالم بالضّرورة.

وكذا يصحّ تقسيم كلّ من الأمرين اللّذين بينهما عموم من وجه إلى الآخر، وقسيمه مع عدم الاشتراك بين الجميع، كقولنا: الحيوان: إمّا أبيض أو غير أبيض، والأبيض: إمّا حيوان أو غير حيوان، ومن لم يعتبر ما اعتبرناه صريحاً، فإنّه لا محالة مراده. فإنّ من قال الموجود: إمّا واجب أو ممكن، مراده الموجود: إمّا موجود واجب، أو موجود ممكن، وهكذا.

وكذا المراد في المثالين.

فإنّ معنى قولنا: العالم: إمّا واجب أو ممكن، هو أنّ العالم: إمّا عالم واجب أو عالم ممكن، فلمّا لم يصحّ تقسيم العالم الممكن إلى العالم الجوهر والعالم العرض، وهكذا لم يلزم اشتراك العالم بين جميع الممكنات.

وكذا معنى قولنا: الحيوان: إما أبيض أو غير أبيض، هو الحيوان: إمّا حيوان أبيض أو حيوان غير أبيض.

وكذا معنى قولنا: الأبيض: إمّا حيوان أو غير حيوان، هو الأبيض: إما أبيض حيوان أو أبيض غير حيوان، فلا يلزم اشتراك الحيوان بين جميع أفراد الأبيض،


صفحه 139

ولا اشتراك الأبيض بين جميع أفراد الحيوان، ويلزم اشتراك الوجود بين جميع الموجودات .

ثمّ إنّه (1) اعترض على الأدلّة الثّلاثة:

أمّا على الأوّل: فبأنّ الأمر المقطوع به الباقي، هو أنّه موجود بأحد الوجودات المتخالفة مطلقاً.

وأمّا على الثّاني: فبأنّ معنى قولنا: زيد: إمّا موجود وإمّا معدوم، انّه إمّا موجود بأحد الوجودات المتخالفة أو ليس بموجود أصلاً .

وأمّا على الثّالث: فبأنّ تقسيم الوجود بتأويل المسمّى بلفظ الوجود.

وأُجيب: بأنّ جميع ذلك، إنّما هو بملاحظة لفظ الوجود وشموله لتلك المعاني المتخالفة الّتي وضع لفظ الوجود بازائها .

ونحن نجد من أنفسنا هذا الجزم والحصر العقليّ، وصحة التّقسيم مع النّظر عن اللّغات وأوضاعها، هذا .(2)

واعلم: أنّ الحقّ كما صرّح به كثير من المحقّقين(3); هو أنّ المطلوب في هذه المسألة ـ أعني: اشتراك الوجود معنى بيّن جميع الموجودات ـ بديهيّ جدّاً.

وهذه الوجوه ; تنبيهات عليه، فإنّ بعض البديهيات يجوز أن يحتاج إلى تنبيه، سيّما بالنّسبة إلى بعض الأذهان.


1 . أي الشّارح القوشجي.
2 . لاحظ : شرح تجريد العقائد : 7 ـ 8 .
3 . منهم العلاّمة الحلّي (رحمه الله). انظر : نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 35 .


صفحه 140

ونقل في المواقف عن بعض الفضلاء: أنّ هذه القضيّة ; أي يكون الوجود مشتركاً معنى، ضروريّة، إذ نعلم بالضّرورة أنّ بين الموجود والموجود من الشّركة في الكون في الأعيان ما ليس بين الموجود والمعدوم. ولا يمنعه إلاّ المعاند.

ومن زعم أنّه غير مشترك، فقد اعترف بأنّه مشترك من حيث لا يدري، إذ لولا أنّه تصوّر مفهوماً واحداً يحكم عليه بأنّه غير مشترك للزمه البرهان في كلّ وجود وجود أنّه غير مشترك وإذا لم يكن الدّعوى عامّة لم يمكن إثباتها بدليل عام.

ثمّ أجاب عن هذا: بأنّا نأخذها سالبة لا موجبة معدولة.

فنقول: لا يوجد معنى مشترك بينها يُسمّى الوجود، وذلك لا يقتضي وجوداً مشتركاً بينها، فإنّ السّالبة لا تقضي وجود الموضوع(1).

وقال شارح المواقف: «ويمكن أن يجاب أيضاً بأنّ المراد بالوجود هو المسمّى بلفظ الوجود، وهذا معنى واحد شامل لجميع الخصوصيات»(2).


1 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 47 .
2 . شرح المواقف: 2 / 125 .


صفحه 141

 

المسألة الثّالثة(1)

في زيادة الوجود على الماهيّة(2)

قال : فيَغايِر الماهيّةَ وإلاّ اتّحدت الماهيّاتُ أو لم تنحصر أجزاؤها.

ولإنفكاكهما تَعقُّلاً.

ولتحقُّق الإمكان.

وفائِدة الحملِ، والحاجة إلى الاستدلال.

وانتفاء التّناقض، وتركّب الواجب.

أقول: إنّ هذا الوجود العامّ البديهي الّذي قد ثبت بداهته واشتراكه معنى في المسألتين السّابقتين زائد على الماهيّة(3) في جميع الموجودات، سواء كان واجباً أو ممكناً.

والمخالف في هذه المسألة أيضاً هو أبو الحسن الأشعري وأبو


1 . واعلم أنّ هذه المسألة فرع على المسألة الأُولى .
2 . راجع لمزيد التحقيق في هذا البحث الكتب التالية: نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 37 ـ 45 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 23 ـ 41 / الفصل الثالث إلى الفصل السادس من الباب الأوّل; وايضاح المقاصد: 9 ـ 11 ; وارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 32 ـ 36 ; وشرح حكمة العين: 38 ـ 42 ; وإشراق اللاّهوت في نقد شرح الياقوت: 150 ـ 155 ; والأسفار: 1 / 243 ـ 262 .
3 . المراد بالماهيّة هاهنا معناها الأعمّ، وهو ما به الشيء هو هو ليشمل الواجب، إذ ليس له الماهيّة بالمعنى الأخصّ، وهو ما يقال في جواب ما هو .


صفحه 142

الحسين البصري، وأتباعهما، القائلون: بأنّ وجود كلّ ماهيّة عبارة عن نفس حقيقتها.

وهذا أخصّ من الاشتراك اللّفظي لاحتمال الاشتراك أن يكون الوجود في كلّ ماهيّة أمراً زائداً على الماهيّة مختصّاً بها لا نفسها.

وأمّا الحكماء: فإنّهم وإن قالوا بعينيّة الوجود في الواجب، إلاّ أنّهم لم يريدوا هذا المفهوم المشترك، بل أرادوا معنى آخر(1) كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.


1 . محصل الكلام: أنّ النّاس اختلفوا في أنّ الوجود هل هو نفس الماهيّة، أو زائد عليها؟
فقال أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري وجماعة تبعوهما: إنّ وجود كلّ ماهيّة نفس تلك الماهيّة.
وقال جماعة من المتكلّمين والحكماء: إنّ وجود كلّ ماهيّة مغاير لها إلاّ واجب الوجود تعالى.
فإنّ أكثر الحكماء قالوا: إنّ وجوده نفس حقيقته، وسيأتي تحقيق كلامهم فيه. لاحظ : كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : المقصد الأوّل، المسألة الثّالثة.


صفحه 143

 

أدّلة الحكماء

على زيادة الوجود على الماهيّة

واستدلّ الجمهور على زيادة الوجود في الجميع بوجوه كثيرة، أشار المصنّف أعلى الله مقامه، إلى خمسة (1) منها.

فقوله: فيُغايِر(2) الماهيّة، تصريح بالدّعوى على سبيل التّفريع على المسألة السّابقة، أي لمّا عرفت كون الوجود معنى مشتركاً بين الموجودات، فهو مغاير لماهيّاتها، بمعنى أنّه ليس نفس شيء منها ولا جزء لها، فإنّ المغايرة، وإن كانت شاملة للجزئيّة أيضاً، إلاّ أنّ المراد هاهنا هو المغايرة المخصوصة قطعاً.(3)

وما قيل هذه «الفاء» للتّعقيب لا للتّفريع. فإنّ تخصيص المدّعى بزيادة الوجود المشترك فيه، لا بدَفعِ مذهب الأشعري، وهو عينيّة الوجودات الخاصّة ليس بشيء، لأنّ المشهور; أنّ الأشعري لا يقول بمعنى للوجود إلاّالماهيّة المخصوصة، فعنده، لفظ الوجود في كلّ ماهيّة مخصوصة، يرادف الإسم الموضوع لتلك الماهيّة بخصوصها، كالإنسان والفرس، فليس عنده، وجود خاصّ، فإنّ الخاصّ، إنّما يكون بازاء العام، وهو ليس قائلاً به.

فمذهب الأشعري مركّب من جزئين :


1 . بل إلى سبعة كما في كشف المراد.
2 . أي فيغاير الوجود الماهيّة يعني يكون زائداً عليها لا عينها ولا جزءها.
3 . نظراً إلى الأدّلة الّتي ستذكر.


صفحه 144

أحدهما: أنّ الوجود ليس له معنى مشترك، بل هو في كلّ ماهيّة بمعنى آخر.

وثانيها: أنّه في كلّ ماهيّة نفس ذاتها لا أمر زائد عليها.

ففي المسألة السّابقة بطل الجزء الأوّل; وبقي احتمال أن يكون الوجود مع كونه مشتركاً عين الماهيّات جميعاً، فقصد إبطاله أيضاً في هذه المسألة، ليبطل مذهبه بكلا جزئيه.

الوجه الأوّل: وقوله: وإلاّ(1) لاتّحدت الماهيّاتُ أو لم تنحصر أجزاؤها، إشارة إلى أوّل الدّلائل(2).

وتقريره(3): أنّه لو لم يكن الوجود زائداً على الماهيّات بالمعنى المذكور، لكان إمّا عينها أو جزء لها. وكلاهما محالان:

أمّا الأوّل: فلأنّه لو كان الوجود عيناً للماهيّات لاتّحدت الماهيّات، ولم يتحقّق مغايرة ذاتيّة بين ماهيّة، وماهيّة أُخرى ضرورة كونها عين الوجود الّذي هو معنى واحد، والتّالي باطل بالضّرورة.

وما قيل عليه(4): من أنّه ذهب جماعة من الصّوفية، إلى أن ليس في الواقع إلاّ ذات واحدة، لا تركيب فيها أصلاً، بل لها صفات(5) هي عينها، وهي حقيقة


1 . أي وإن لم يغاير لكان إمّا عينها وحينئذ اتّحدت الماهيّات ضرورة اتحادها مع الوجود الّذي هو مفهومه واحد، أو جزئها وحينئذ لم ينحصر اجزاؤها بل يترتب اجزاء الماهيّة الواحدة إلى غير النّهاية. انظر : شرح تجريد العقائد: 8 .
2 . الخمسة.
3 . أي وتقرير الدليل الأوّل .
4 . أي على بطلان التالي.
5 . إشارة إلى الصّفات الحقيقيّة الّتي هي صفات الذات .


صفحه 145

الوجود المنزّهة في حدّ ذاتها عن شوائب العدم، وسمات الإمكان(1)، ولها تقيّدات(2) بقيود اعتباريّة بحسب ذلك تترا; أي موجودات متمايزة، فيتوهم من ذلك، تعدّد حقيقيّ فيما لم يقم برهان على بطلان ذلك لم يتمّ ما ذكره(3) من عدم اتّحاد الماهيّات.

ولا نسلّم أيضاً اشتراك الوجود، بل لا يثبت وجود ممكن أصلاً .

فأجاب عنه المحقّق الشريف (4): بأنّ هذا خروج عن طور العقل، فإنّ البديهة شاهدة بتعدّد الموجودات تعدّداً حقيقيّاً، وإنّها ذوات وحقائق متخالفة بالحقيقة، دون الاعتبار فقط.

والذّاهبون إلى تلك المقالة ; يدّعون استنادها إلى مكاشفاتهم إلى ومشاهداتهم، وأنّه لا يمكن الوصول إليها بمباحث العقل ودلالته، بل هو معزول هناك، كالحسّ في إدراك المعقولات.

وأمّا المقيّدون بدرجات العقل، والقائلون: بأنّ ما شهد له فمقبول، وما شهد عليه فمردود، وأنّه لا طور وراءه، فيزعمون أنّ تلك المكاشفات والمشاهدات على تقدير صحّتها، مأوّلة بما يوافق العقل، فهم بشهادته، بديهة عندهم مستغنون عن إقامة البرهان على بطلان أمثال ذلك، ويعدّون تجويزها مكابرة لا يلتفت إليها.

وأمّا الثّاني: فلأنّ الوجود لو كان جزءاً للماهيّات لكان لها أجزاء أُخر


1 . اشارة إلى الصّفات السّلبيَّة الّتي مرجعها إلى سلب الامكان.
2 . إشارة إلى الصّفات الاضافيّة.
3 . أي ما ذكره المصنّف (رحمه الله) .
4 . لاحظ : شرح المواقف: 2 / 148 .


صفحه 146

بالضّرورة موجودة لامتناع تقوّم الموجود بالمعدوم، فيلزم كون الوجود جزءاً لتلك الأجزاء أيضاً وهكذا، فيلزم أن لا ينحصر أجزاء الماهيّة، بل تكون غير متناهية، وهو محال.

أمّا إذا فرض كون الوجود جزءاً خارجيّاً للماهيّة مع كون هذا الفرض محالاً، لما سيأتي من أنّه من المعقولات الثّانية، فللزوم التسلسل ضرورة كون تلك الأجزاء مترتّبة في الوجود.

وأمّا إذا فرض كونه جزءاً عقليّاً، والظّاهر أنّه حينئذ يكون جنساً، أو يكون هناك جنس، فهناك فصل موجود هو جزء له أيضاً، وهكذا إلى غير النهاية، فللزوم امتناع تعقّل ماهيّة من الماهيّات بالكنه وهو باطل، لأنّا نَعقِل بالضّرورة كثيراً من الماهيّات بالكنه، بمعنى نتصوّر جميع ذاتيّاتها الأوّلية والثّانويّة، وإنكار ذلك مكابرة صريحة على أنّها يجب كونها معلومة للمبادئ العالية، ومرتسمة فيها مع كونها مترتّبة، وهو تسلسل محال. هذا إذا قلنا بعدم تحقّق الأجزاء العقليّة متمايزة في الخارج، كما هو المشهور، لأنّ الأجزاء العقليّة لكونها متّحدة في الوجود، لا تقدّم لها على الكلّ في الخارج.

وأمّا على رأي سيد المدقّقين(1): فلها تقدّم على الكلّ بحسب الخارج، بناء على مذهبه(2)، من أنّ التقدّم راجع إلى الأحقيّة في الوجود، فحينئذ يكون


1 . هو مير صدر الدّين محمد الشيرازي المتوفى (930 هـ) له حاشية على شرح تجريد العقائد للقوشجي، وفيها اعتراضات على المحقق الدّواني. لاحظ : كشف الظنون: 1 / 349 .
2 . ذهب سيد المدقّقين: إلى انّه لا منافاة بين الاتّحاد في الوجود الخارجي وبين التقدّم، فإنّه راجع إلى الأحقيّة في الوجود، وهو لا ينافي اتّحاد المتقدم والمتأخر ذاتاً، لجواز أن يكون نسبة الوجود إليه من حيث انّه جزء أحقّ من نسبته إليه (من حاشيته (رحمه الله) ).


صفحه 147

تلك الأجزاء مترتّبة في الخارج، فيلزم التّسلسل .

وأيضاً على التّقديرين(1): لابدّ من الانتهاء إلى البسيط، فإنّ الكثرة مطلقاً لابدّ من اشتمالها على واحد غير كثير هو مبدؤها، فينتهي سلسلة التّركيب إليه لا محالة، هذا خلف .

فإن قيل: على تقدير كون الأجزاء عقليّة لا يلزم الانتهاء إلى البسيط، لأنّ معنى التّركيب العقلي أنّ للعقل أن يُحلّله إلى أُمور هي تلك الأجزاء العقليّة، فتلك الأجزاء في الحقيقة أجزاء تحليليّة لا يحتاج الماهيّة إلى تفصيلها، لا في الخارج، وهو ظاهرٌ، ولا في الذّهن، لإمكان وجودها فيه من دون تلك التفاصيل.

نعم، يحتاج إليها في النحو التّفصيلي من الذّهن لا في الوجود الذّهني مطلقاً، ولا محذور في كون التّحليل غير واقف عند حدّ معيّن كما في انقسام المقادير.

أقول: يجب كون الأجزاء العقليّة مطلقاً متمايزة في حدّ ذواتها ضرورة كونها منحصرة(2) فيما به الاشتراك وما به الامتياز، وهاتان صفتان ثابتتان لها في نفس الأمر، لا بمجرّد تعمّل العقل.

ومعنى كونها تحليليّة(3) : أنّه لا يجب كونها(4) متمايزة في الوجود الخارجي; بل هي مخلوطة بحسب هذا النّحو من الوجود، وليس معناه أنّ كونها


1 . أي على تقدير كون الوجود جزئيّاً خارجيّاً وتقدير كونه جزئيّاً عقليّاً، أو على تقدير عدم تمايز الأجزاء العقليّة في الوجود وترتّبهما في الخارج، والأوّل أظهر، والثّاني أقرب .
2 . بناء على بطلان تركيب الماهيّة من المتساويين .
3 . أي انّ امتيازها في الوجود تحليليّ مبنيّ على تحليل العقل .
4 . أي الأجزاء العقليّة.


صفحه 148

أجزاء، إنّما هو بتعمّل العقل وتحليله(1)، بل هي أجزاء في نفس الأمر متمايزة فيها، بخلاف أجزاء المقادير، فإنّ كونها أجزاء، إنّما هو بتحليل العقل وتعمّله، ولا يلزم من ذلك كونها غير مطابقة لما في نفس الأمر، لأنّ لها منشأ انتزاع(2) في نفس الأمر، هو كون المقسوم مقدّاراً قابلاً للتّحليل، بخلاف فرض التّحليل في مثل النّقطة، ولا يجب بمجرّد ذلك(3) كونها(4) متمايزة متكثّرة في نفس الأمر.

وأمّا الأجزاء العقليّة: فإنّها يجب كونها متمايزة متكثّرة في نفس الأمر، لما عرفت. فإذا كانت متكثّرة بالفعل في نفس الأمر، يجب لا محالة اشتمالها على الواحد .

لا يقال: لا نسلّم وجوب انتهاء كلّ كثرة إلى واحد حقيقيٍّ، فإنّ القدر الضّروري هو أنّ الكثرة لابدّ فيها من واحد عددي، لا من واحد حقيقيٍّ.

والواحد العددي يجوز اشتماله على آحاد أُخر، مثلاً الكثرة من الإنسان، لابدّ لها من الإشتمال على إنسان واحد، وظاهر أنّه مركّب من أجزاء لا يقدح في كونه مبدأ لتلك الكثرة.

لأنّي أقول: كلّ كثرة لابدّ أن ينتهي إلى واحد لا يكون مركّباً من أفراد من جنس(5) أفراد تلك الكثرة، سواء كان واحداً حقيقيّاً أو مركّباً، لكن لا من أفراد من جنس تلك الكثرة، فأجزاء الماهيّة، يجب أن ينتهي إلى ما هو جزء واحد


1 . وإلاّ لزم كون المركّب منها مركّباً كاذباً غير مطابق لما في نفس الأمر .
2 . للأجزاء.
3 . أي كونها مطابقة لما في نفس الأمر بالمعنى المذكور .
4 . أي كون الأجزاء المقادير.
5 . وإلاّ لزم أن يكون ذلك الواحد مبدأً لكثرة لأنّ آحاد ذلك الواحد أولى بالبداهة.


صفحه 149

للماهيّة من حيث هو جزء للماهيّة، ولا يكون مشتملاً على ما هو جزء للماهيّة، هذا .

ويرد(1) على هذا الدّليل: أنّه إنّما يدلّ على أنّ الوجود ليس عيناً في جميع الماهيّات ولا جزءاً لجميعها، ولا يلزم من ذلك كونه زائداً على الجميع، لاحتمال أن يكون زائداً في البعض، وعيناً أو جزءاً في البعض فلا يتمّ شيء ممّا ذكرتم.

أمّا عدم لزوم اتّحاد جميع الماهيّات، فظاهر.

وأمّا عدم لزوم تركّبها من أجزاء غيرمتناهية، فلجواز الإنتهاء إلى أجزاء وجوداتها زائدة عليها.

فإن قيل: اختلاف الوجود في العروض والعينيّة والدّخول غير متصوّر، لأنّه مفهوم واحد، فلا يمكن اختلاف مقتضاه.

يُقال: إنّا لا نقول إنّ الوجود يقتضي ذلك، بل المقتضي لذلك هو الماهيّات.

ولو سلّم أنّ المقتضي هو الوجود، فلا نسلّم وجوب الاستواء في مقتضاه، وإنّما يلزم لو كان(2) متواطياً، وهو ممنوعٌ، والتّشكيك لايثبت مطلوبكم، وهو إدّعاء الكلّية، لأنّ اللاّزم من التّشكيك، أن لا يكون ذاتيّاً في الجميع، ولا يلزم منه أن يكون عرضيّاً في الجميع(3).

والحقّ: أنّ الدّعوى بديهيّةٌ .


1 . ذكره الفاضل القوشجي مع الجواب في شرحه.
2 . أي لو كان الوجود .
3 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 8 و 9 .


صفحه 150

وهذه الوجوه تنبيهات عليها، فلا يضرّها عدم تماميّتها، كما صرّح به شارح المقاصد(1) وغيره من المحقّقين، هذا.

الوجه الثّاني وقوله: ولإنفكاكهما(2) تعقّلاً ; إشارة إلى الدّليل الثّاني.

وتقريره: أنّ تعقّل الوجود ينفك عن تعقّل الماهيّات، أي نعقِّل الماهيّة ولا نعَقِّل الوجود، ذهنيّاً كان أو خارجيّاً فلايكون الوجود نفس الماهيّة ولا داخلاً فيها، وإلاّ لامتنع انفكاك(3) تعقّله عن تعقّلها.

فإن قيل: تعقّل الماهيّة كيف ينفكّ عن تعقّل وجودها الذّهني، وتعقّلها عبارة عن وجودها في الذّهن .(4)

أجيب: بأنّ تعقّلها وإن كان عبارة عن وجودها في الذّهن لكن تعقّلها غير تعقّل وجودها في الذّهن، فانّ تعقّل وجودها في الذّهن غير وجودها في الذّهن بالاعتبار، لأنّ التعقّل غيرالمتعقّل بالاعتبار وإن كان عينه بالذّات في بعض الصوّر.

فإن قيل: لا نسلّم إنّا نعقل الماهيّة مع الغفلة عن وجودها، فإنّه كلّما تمثّل الماهيّة في الذّهن تمثّل وجودها فيه .

اُجيب: بأنّه لو كان تمثّل الماهيّة مستلزماً لتمثّل وجودها لاستحال الشك في أنّ الماهيّة موجودة عند تمثّلها في الذّهن، إذ يستحيل الشّك في إتّصاف الشّيء بمقوّمه عند تمثّله في الذّهن، وليس كذلك، فإنّا نعقل ماهيّة المثلّث وغيرها ونشكّ في وجودها الخارجيّ والذّهنيّ.


1 . انظر : شرح المقاصد: 1 / 305 و 306 .
2 . أي لإنفكاك الوجود والماهيّة، هذا هو الوجه الثّاني الدالّ على زيادة الوجود .
3 . أي لامتناع إنفكاك الشّيء عن نفسه وعن جزئه .
4 . فلو إنفكّ تعقّلها عن تعقّل وجودها في الذّهن، لزم إنفكاك تعقّلها عن تعقّلها .


صفحه 151

فإن قيل: محصّل هذا الوجه، إنّا نتصوّر الماهيّة، ولا نصدّق بوجودها، فالماهيّة معلومة ; أي تصوّراً، والوجود ليس بمعلوم ; أيّ تصديقاً، فلا(1) يتحدّ الوسط .

أقول: التّعقّل أعمّ من التّصديق(2)، فلا باعث على حمل الكلام على ما ذكرت، بل المعنى، أنّا نتصوّر الماهيّة، ولا نتصوّر وجودها، أو أنّا نصدّق بثبوت الماهيّة وذاتيّاتها لها، بمعنى أنّها هي هي من غير تصديق بثبوت الوجود العيني أو الذّهني لها، كما صرّح به شارح المقاصد(3).

لا يقال: حاصل هذا الدّليل ; أنّا نعقل الماهيّة مَعَ الغفلة عن كلا قسمي الوجود الخارجيّ والذّهني، وهو لا يدّل على زيادة الوجود المطلق، فإنّه يمكن زيادة كلّ من القسمين بدون المطلق(4).

لأنّا نقول: زيادة الوجود المطلق، بمعنى مغائرة مفهومه مع مفهوم الماهيّة، ظاهر جدّاً، بحيث لا يحتاج إلى تنبيه أيضاً(5)، بل المحتاج إلى التّنبيه، إنّما هو زيادة قسميه(6)، لا من حيث مفهومهما أيضاً، بل من حيث(7) حصَصِهما، وما يظنّ كونها(8) افراداً لهما بحسب ماهيّة ماهيّة، فليتدبّر .


1 . فلا تثبت النّتيجة.
2 . لأنّه مرادف للعلم المطلق .
3 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 311 .
4 . أي فإنّ مفهوم الوجود المطلق عين نفسه مع انّ كلاّ من قسميه الخارجيّ أو الذّهنيّ زائدان عليه .
5 . أ و ب: «أصلاً» .
6 . أي الوجود الخارجيّ والذّهنيّ .
7 . أ و ب: «بحسب» .
8 . أي الحصص .


صفحه 152

ثمّ، إنّه يرد على هذا الدّليل أيضاً، أنّه لا يثبت الكلّية، فإنّ الماهيّات الّتي لا نتصوّرها، لعلّ تعقّلها غير منفكّ عن تعقّل الوجود، هذا.

الوجه الثّالث: وقوله: ولتحقّق الإمكان(1): إشارة إلى الدّليل الثّالث.

وتقريره: أنّ الإمكان ثابت للماهيّة ضرورة، أنّ بعض الماهيّات محتاج إلى الغير في الوجود.

والظّاهر أنّ حاجة الشّيء إلى غيره في الوجود، إنّما يتحقّق إذا جاز عدمه لذاته ضرورة أنّ ما امتنع عدمه لذاته لا يصحّ أن يحتاج إلى الغير في الوجود .

وهذا المعنى ـ أعني: جواز الوجود والعدم كلاهما ـ نظر إلى ذات الشّيء، هو معنى الإمكان، فلو كان الوجود عين الماهيّة أو جزء لها، لم يمكن عدمها نظراً إلى ذاتها ضرورة امتناع سلب الشّيء عن نفسه، وكذا سلب جزئه عنه، فلم يمكن أن يثبت لها الإمكان .

والمشهور في تقرير هذا الدّليل: هو أنّ الإمكان عبارة عن تساوي نسبة الماهيّة إلى الوجود والعدم، فلو كان الوجود نفس الماهيّة لم يتصوّر نسبة هناك، فضلاً عن التّساوي، إذ النّسبة إنّما يتحقّق بين المتغايرين.

ولو سلّم، فنسبة الشّيء إلى نفسه لا يكون كنسبته إلى سلبه، وكذا لو كان الوجود جزءاً لها(2)، وإنّما عدلنا عنه(3) لابتنائه على التّساوي، وهو يتوقّف على


1 . في بعض نسخ التجريد «ولتحقّق الإمكان الخاص». انظر : كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، مع تصحيح وتعليق العلاّمة حسن زاده الآملي.
2 . انظر : شرح تجريد العقائد: 10 .
3 . أي عن تقرير المشهور.


صفحه 153

نفي الأولويّة الذاتيّة(1)، فتطوّل المسافة وتصعّب، اللّهم إلاّ أن يراد المساواة في أصل الجواز، فيعود إلى ما ذكرنا، هذا.

فإن قيل (2): من يزعم أنّ الوجود نفس الماهيّة، يقول: إنّ بعض الماهيّات تقتضي لذاتها أن يكون تلك الماهيّة في الخارج، وهو الواجب لذاته، وبعضها كالإنسان مثلاً يحتاج في كونه إنساناً في الخارج، إلى غيره، لا في تحقّق أمر زائد على ذاته.

وذلك(3) هو الممكن، وليس هناك أمر يكون نسبة الماهيّة إليه وإلى سلبه سواء.

وإن سلّم، فالمغايرة الإعتباريّة كافية، كما في إدراك الإنسان نَفسَه، فلا يلزم من تحقّق الإمكان، تحقّق وجود مغاير للماهيّة في المفهوم، كما ادّعاه .

أجيب: بأنّ كون الماهيّة تلك الماهيّة في الخارج، مفهوم مغاير لمفهوم الماهيّة قطعاً.

وهذا المفهوم هو المسمّى بالوجود، لأنّه كون الماهيّة، إلاّ أنّه زيد عليه قيد، وهو قوله: «تلك الماهيّة».

وحينئذ نقول: إذا لم يقتض الماهيّة لذاتها الإتّصاف بذلك المفهوم، ولا


1 . أي سواء أكانت كافية للوقوع أم غير كافية.
2 . هذا منع لتحقق الإمكان بمعنى التساوي في المقام بل المراد به هنا، هو الإمكان الإفتقاري، وذلك لانّه ربّما يطلق الإمكان ويراد به ما للوجود المعلولي من التعلّق والتقوّم بالوجود العلّيّ وخاصّة الفقر الذاتّي للوجود الإمكانيّ بالنّسبة إلى الوجود الواجبيّ جلّ وعلا ويسمّى الإمكان الفقريّ والوجودّي قِبَال الإمكان الماهويّ. لاحظ : نهاية الحكمة: 48 .
3 . أي الزّائد .


صفحه 154

عدم الإتّصاف به، كان هناك مفهوم وراء الماهيّة نسبة الماهيّة إليه(1) وإلى سلبه سواء، فقد تحقّق الإمكان بمعنى تساوي النّسبة.

ثمّ لا نستدلّ بكون الإمكان نسبة يقتضي الطّرفين حتّى يكون التّغاير الاعتباري كافياً، وإلاّ لكان تخصيص الاستدلال بالإمكان لغواً، لجريانه في الوجوب بعينه; بل نستدلّ بما ذكرناه ; من أنّ نسبة الشّيء إلى نفسه أو جزئه لا يكون كنسبته إلى سلبهما(2) ضرورةً .

الوجه الرّابع: وقوله: وفائدةِ الحملِ، والحاجةِ إلى الاستدلالِ: إشارة إلى الدّليل الرّابع .

وتقريره: أنّه لو لم يكن الوجود زائداً لكان :

إمّا عين الماهيّة; فلا يكون لحمل الوجود عليها في قولنا: السّواد موجود فائدة، إذ يكون بمنزلة قولنا: «السّواد سواد»، لكن فائدة الحمل ثابتة بالضّرورة، فكون الوجود عين الماهيّة منتف، وهو المطلوب.

وإمّا جزئها; فلم يتوقّف حمله على الماهيّة على الاستدلال، لأنّ ذاتيّ الشّيء بيّن الثّبوت له عند تعقّله بالكُنه، ولا شكّ في كون بعض الماهيّات متعقّلة بالكُنه تفصيلاً(3) كما مرّ، لكنّا كثيراً مّا نحتاج في حمل الوجود على الماهيّة المتعقّلة بالكُنه إلى الاستدلال، فلم يكن الوجود جزءاً لها أيضاً، وهو المطلوب.

ويرد على هذا الدّليل أيضاً أنّه لا يثبت الكلّية .


1 . أي إلى الوجود.
2 . أي سلب النفس والجزء.
3 . ب: «مفصّلاً» .


صفحه 155

الوجه الخامس وقوله: وانتفاءِ التّناقضِ، وتركّبِ الواجبِ:(1) إشارة إلى الدّليل الخامس .

وتقريره: أنّه لو لم يكن الوجود زائداً لكان:

إمّا نفس الماهيّة; فيلزم التّناقضِ; أي الحكم باجتماع النّقيضين، سواء كان الحكم صادقاً أو كاذباً عند سلب الوجود عنها، لأنّ قولنا: «الماهيّة ليست بموجودة» يكون حينئذ بمنزلة قولنا: «الماهيّة ليست بماهيّة» ومعناه أنّ شيئاً ما ثبت له السّواد مثلاً ارتفع عنه السّواد .

والمراد التّناقض المصطلح; أي اجتماع النّقيضين، لأنّ لنا قضيّة صادقة في نفس الأمر، وهي قولنا: «السّواد سواد» و «الموجود موجود ».

ولمّا كان قولنا: «السّواد ليس بموجود» بمنزلة قولنا: «السّواد ليس بسواد» و «الموجود ليس بموجود» كان مناقضاً(2) لتلك القضيّة الصّادقة في نفس الأمر، فيلزم اجتماع النقيضين، لكنّا نعلم أنّ قولنا: «السّواد، ليس بموجود» ليس تناقضاً(3) بشيء من المعنيين .

وإمّا جزئها: وهو مشترك بين الواجب والممكن، فيلزم تركّب الواجب، إذ كلّ ما له جزء، فله جزء آخر بالضّرورة، وهو معنى التركّب.

فقوله: «وتركّب الواجب» عطف على «التّناقض».

فإن قيل: الّذي لاشك(4) في صدقه هو قولنا: «السّواد سواد ما دام موجوداً


1 . مجرور معطوف على التّناقض أي انتفاء تركّب الوجود .
2 . أي إذا كان الوجود عين الماهيّة كان متناقضاً .
3 . ب: «مناقضاً».
4 . ب: «لا يشكّ».


صفحه 156

لا مطلقاً»(1) إذ السّواد المعدوم ليس بسواد(2)، لما تقرّر من أنّ صدق الموجبة يستدعيوجود الموضوع، فعلى تقدير أن يكون الوجود عين الماهيّة يكون الصّادق هو قولنا: «السّواد سواد ما دام سواداً» ولا ينافيه قولنا: «السّواد ليس بسواد»(3) بل ما ينافيه هو قولنا: «السّواد ليس بسواد ما دام سواداً» وصدقه ممنوع، ولا يلزم من جواز(4) سلب الوجود عن الماهيّة، إذ هو في الماهيّة المعدومة لا في ماهيّة السّواد الموجود(5)، فالسّواد المعدوم، كما أنّه ليس بموجود ليس بسواد، والسّواد الموجود كما هو سواد، فهو موجود.

أُجيب: بأنّ هذا الفرق(6) إنّما يتأتى على تقدير مغايرة الوجود للماهيّة، لا على تقدير العينيّة، إذ على تقدير العينيّة لا فرق بين المقيّد بالوجود وبين المطلق، فإنّ الفرق اعتراف بمغايرة الوجود للماهيّة، فلا فرق بين قولنا: «كلّ سواد موجود فهو سواد» وبين قولنا: «كلّ سواد فهو سواد» هذا.

وقريب من ذلك ما قيل: إنّ معنى قولنا: الماهيّة ليست بماهيّة في الخارج، أنّ الماهيّة المعقولة ليس من أفرادها ما له ذات خارجيّة، ولا تناقض في ذلك.

وأُجيب: بأنّ قولك ما له ذات خارجيّة يشتمل على معنى الكون في الخارج، فقد اعتبرت مفهوماً وراء الماهيّة.


1 . أي دون بقولنا ما دام موجوداً.
2 . إذ لو كان السّواد المعدوم سواداً لزم صدق الموجبة بدون وجود الموضوع وهو باطل .
3 . لأنّ رفع المطلق ليس نقيضاً للمقيّد بل نقيضه رفع المقيّد، لأنّ نقيض كل شيء رفعه .
4 . أ: «ولا يلزم ذلك من جواز...» وفي ب: «ولا يلزم من ذلك جواز...» .
5 . أ، ب و ج: «لا في الماهيّة الموجودة» .
6 . أي الفرق بين السّواد سواد وبين السّواد سواد ما دام موجوداً .


صفحه 157

وحاصله:(1) أنّ الماهيّة ليست بموجودة في الخارج، فلو كان الوجود الخارجي عين الماهيّة، لكان المفهوم من سلب الوجود عنها سلبها عن نفسها بالمعنى المتبادر عن سلب الشّيء عن نفسه، وهذا تناقض بلا ارتياب.

وما قيل: من أنّ سلب الشّيء عن نفسه بحسب الخارج جائز، لجواز أن لا يكون موجوداً فيه، فلا يكون هو هو فيه، فذلك(2) باطل، لأنّ مآله في الحقيقة إلى سلب الوجود عنه، فلو كان وجوده في الخارج عينه لم يجز أصلاً، هذا.

وهذا الدّليل أيضاً لا يفيد الكلّية(3) .

لا يقال: يمكن أن يجاب عن الوجوه الثّلاثة الأخيرة بالفرق بين إتّصاف شيء بشيء وحمله عليه مواطاة وبين الإتّصاف والحمل إشتقاقاً.

أمّا عن الأوّل: فبأن نقول: الإمكان هو أن لا يقتضي الماهيّة الإتّصاف بالوجود اشتقاقاً ولا العدم كذلك، وهو المراد بتساوي نسبة الماهيّة إلى الوجود والعدم، و(4)النّسبة بين الشّيء ونفسه اشتقاقاً، متصوّرة، بل قد يصير مبحثاً للعقلاء، فإنّ النّسبة بين الوجود ونفسه إشتقاقاً، معركة للآراء(5).

وكذا تساوي نسبة الشّيء إلى جزئه ونسبته إلى سلب ذلك الجزء جائز في الاشتقاقيّة.


1 . أي حاصل الدليل .
2 . أي ما قيل .
3 . لأنّ جواز السَّلب إنّما يصحّ على تقدير عدم عينية الوجود وإلاّ فلا.
4 . الواو : حالية.
5 . حيث ذهب اكثر المتكلّمين إلى أنّ الوجود موجود، وذهب بعضهم وطائفة من الحكماء، كالفارابي وابن سينا، إلى أنّه ليس بموجود، بل من المعقولات الثانية. انظر : شرح تجريد العقائد: 10 .


صفحه 158

وأمّا عن الثّاني: فبأن نمنع قوله: «كان السّواد موجوداً» بمنزلة قولنا: «السّواد سواد» أو «الموجود موجود» بل هو بمنزلة قولنا: «السّواد ذو سواد» و «الوجود ذو وجود».

وأمّا عن الثّالث: فبأن نمنع قوله: «كان السّواد ليس بموجود» بمنزلة قولنا: «السّواد ليس بسواد» و «الموجود ليس بموجود»، بل بمنزلة(1)قولنا: «السّواد ليس بذي سواد» و «الوجود ليس بذي وجود» وليس هذا تناقضاً(2) .

لأنّي أقول: ظاهر إنّ النّزاع ليس في مفهوم الوجود المصدري الّذي هو مبدأ الإشتقاق للفظ الموجود بحسب اللّغة، إذ لا يمكن أن يذهب الوهم إلى كون هذا المعنى عين الماهيّات.

وكذا مفهوم الموجود بحسب اللّغة، أعني: مفهوم هذا المشتّق الّذي هو مفهوم ما ثبت له الوجود ضرورة كونه زائداً بلا خلاف، بل النّزاع إنّما هو في أنّه إذا أطلق على «زيد» مثلاً لفظ «الإنسان» وأطلق عليه أيضاً لفظ «الموجود» فهل المفهوم من إطلاق لفظ «الموجود» عليه بحسب العرف هو عين المفهوم من إطلاق لفظ «الإنسان» عليه، فيكون هذان اللّفظان حين أُطلقا على «زيد» كالمترادفين أم لا، بل أمر زائد عليه فيكونان كالمتباينين؟

فعند القائلين بالزّيادة، يكون مصداق حمل(3) لفظ «الموجود» على «زيد» هو قيام ذلك الأمر الزّائد عليه(4)، وذلك الأمر الزّائد هو المراد بالوجود،


1 . ب: «ونقول بل هو بمنزلة».
2 . أي لقولنا: السّواد سواد والموجود موجود. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 10 .
3 . أي مناط كون الحمل صادقاً .
4 . سواء كان القيام حقيقيّاً أو اعتباريّاً، فإنّ مناط الحمل هو القيام مطلقاً .


صفحه 159

بخلاف حمل لفظ «الإنسان» على «زيد»، فإنّ مناطه، إنّما هو كون المفهوم من لفظ «الإنسان» تمام حقيقة «زيد».

وعند القائل بالعينيّة، يكون حمل الموجود على «زيد» من قبيل حمل «الإنسان» عليه بلا تفاوت، ويُطلق هو لفظ «الوجود» أيضاً على ما يطلق عليه لفظ «الموجود». فعنده المفهوم من لفظ «الموجود» ومن لفظ «الوجود» ومن لفظ «الإنسان» ثلاثتها واحد، بخلاف القائل بالزّيادة، فإنّ لكلّ واحد منها عنده مفهوماً على حدة. فقياس حمل المواطاة وحمل الاشتقاق بالنّسبة إلى الوجود بالمعنى العرفي عند القائل بالعينيّة واحد.

وإذا تحقّقت ذلك، ظهر لك اندفاع الأجوبة الثّلاثة.

وقد يجاب أيضاً: بأنّ مرادهم من الوجود، الموجود على طريقة المسامحة المشهورة، فصدق الحمل :

قد يكون بسبب إتّصاف الموضوع بمبدأ المحمول.

وقد يكون لخصوصيّة ذات الموضوع من غير أن يكون هناك أمر زائد، بمعنى أنّ خصوصيّة الذّات تنوب مناب المبدأ.

مثال الأوّل: حمل العرضيّات(1).

ومثال الثّاني: حمل الذاتيّات(2).

وحمل الموجود على الممكنات من قبيل الأوّل.

وعلى الواجب من قبيل الثّاني.


1 . كالوجود والقيام .
2 . كزيد إنسان .


صفحه 160

فالنّزاع في كون الوجود عيناً أو زائداً يرجع إلى كون حمل الموجود من قبيل الثّاني أو الأوّل.

وحينئذ نقول: إذا كان حمل الموجود على السّواد مثلاً، مثل حمل الإنسان على زيد، في كون خصوصيّة ذات الموضوع كافية في صدق الحمل، كان حمل الموجود عليه واجباً، وحمل نقيضه عليه ممتنعاً، فلم يتحقّق الإمكان الذّاتي.

وكذا حمل الموجود عليه يكون ضروريّاً، فلا يكون مفيداً.

وكذا كان قولنا: «السّواد موجود» بمنزلة قولنا: «السّواد سواد».


صفحه 161

 

أدلّة القائلين بعينيّة الوجود

والجواب عنها

قال: وقيامه بالماهيّة من حيث هي هي، فزيادته في التصوّر .

أقول: ولمّا فرغ المصنّف عن ذكر الأدلّة على زيادة الوجود أراد الإشارة إلى الجواب عن الاستدلال القائلين بعينيّة الوجود، فلنذكر أوّلاً أدلّتهم مع ما أجاب القوم عنها.

قال شارح المقاصد: «احتجّ القائلون بكون الوجود نفس الماهيّة بوجوه:

حاصلها: أنّه لو لم يكن نفس الماهيّة وليس جزءاً منها بالاتّفاق لكان زائداً عليها قائماً بها، قيام الصّفة بالموصوف، وقيام الشّيء بالشّيء، فرع ثبوتهما في أنفسهما، لأنّ ما لا كون له في نفسه، لا يكون محلاًّ، ولا في محلٍّ، وهذا بالنّظر إلى الوجود والماهيّة ممتنع.

أمّا من جانب الماهيّة: فلأنّها لو تحقّقت محلاًّ للوجود، فتحقّقها:

إمّا بذلك الوجود: فيلزم تقدّم الشّيء على نفسه، ضرورة تقدّم وجود المعروض على العارض.

وإمّا بوجود آخر: فيلزم تسلسل الموجودات ضرورة، إلاّ (1) أنّ هذا الوجود أيضاً عارض يقتضي سابقيّة وجود المعروض.


1 . كما في المصدر .


صفحه 162

وأمّا من جانب الوجود: فلأنّه لو تحقّق ـ والتّقدير أنّ تحقّق الشيء، أي وجوده زائد عليه ـ تسلسلت الوجودات، فباعتبار الوجود والعدم في كلّ من المعروض والعارض يمكن الاحتجاج على امتناع زيادة الوجود على الماهيّة بأربعة أوجه:

الوجه الأوّل: أنّه لو قام بها وهي بدون الوجود معدومة، لزم قيام الوجود بالمعدوم، وفيه جمع بين صفتي الوجود والعدم، وهو تناقض.

الوجه الثّاني: أنّه لو قام بها، لزم سبقها بالوجود، كما في سائر المعروضات، فإن كان ذلك الوجود هو الوجود الأوّل، لزم الدّور(1)، وإن كان غيره، لزم التّسلسل(2).

وقيل: هذا التّسلسل مع امتناعه، يستلزم المدّعى وهو كون الوجود نفس الماهيّة، لأنّ قيام جميع الوجودات العارضة بالماهيّة، يستلزم وجوداً لها غير عارض، وإلاّ لم يكن الجميع جميعاً .

وفيه نظر: لأنّا لا نسلّم على تقدير التّسلسل تحقّق جميع لا يكون وراءه


1 . لتوقف قيام الوجود بالماهيّة على الماهيّة الموجودة المتوقّفة على قيام ذلك الوجود بها.
2 . لأنّ هذا الوجود أيضاً عارض يقتضي سبق الماهيّة عليه بوجود آخر وهلمّ جرّاً فيتسلسل .


صفحه 163

وجود آخر، بل كلّ جميع فرضت، فعروضها بواسطة وجود آخر عارض، لأنّ معنى هذا التّسلسل، عدم انتهاء الوجودات إلى وجود، لا يكون بينه وبين الماهيّة وجود آخر .

وأقول: يمكن دفعه ; بأنّ جميع الوجودات غير المتناهية، الملحوظة إجمالاً(1)، جميع متحقّق على فرض تحقّق التّسلسل، ولا يمكن أن يكون وراءه وجود آخر، إذ لا يمكن أن يكون وراء غير المتناهي شيء بالضّرورة.(2)

الوجه الثّالث: أنّ وجود الشّيء، لو كان زائداً عليه، لما كان الوجود موجوداً، لامتناع التّسلسل; بل معدوماً، وفيه إتّصاف الشّيء بنقيضه، وكون ما لا ثبوت له في نفسه ثابتاً في محلّه.

الوجه الرّابع: أنّه لو قام بالماهيّة، لكان(3) موجوداً ضرورة امتناع إتّصاف الشيء بنقيضه(4)، وإن يثبت في المحلّ ما لا ثبوت له في نفسه، فننقل الكلام إلى وجوده ويتسلسل، لأنّ التّقدير، أنّ وجود كلّ شيء زائد عليه .

ثمّ قال(5): والتّحقيق يقتضي ردّ الوجوه الأربعة إلى وجهين بطريق الترديد بين الوجود والعدم، في جانبي المعروض والعارض.

تقرير الأوّل: أنّه لو قام بالماهيّة، فالماهيّة المعروضة: إمّا معدومة، فيتناقض. وإمّا موجودة، فيدور أو يتسلسل.

وتقرير الثّاني: أنّ الوجود العارض: إمّا معدوم: فيتّصف الشّيء بنقيضه ويثبت في المحلّ ما لا ثبوت له في نفسه. وإمّا موجود: فيزيد وجوده عليه، ويتسلسل الوجودات.

ثمّ قال(6): والجواب: إمّا إجمالاً(7)، فهو أنّ زيادة الوجود على الماهيّة


1 . أي فالكليّة الّتي ادّعاها بقوله: «بل كلّ جميع فرضت... الخ» منتقض بجميع الوجودات غير المتناهية الملحوظة اجمالاً .
2 . قوله: «وأقول: يمكن دفعه» إلى قوله: «شيء بالضّرورة» من كلام الشارح (قدس سره).
3 . أي الوجود .
4 . أي الوجود بكونه معدوماً.
5 . أي قال شارح المقاصد.
6 . أي شارح المقاصد .
7 . عن كلا الاستدلالين.


صفحه 164

وقيامه بها، إنّما هو بحسب العقل، بأن يلاحظه كلّ منهما الآخر، ويعتبر الوجود معنى له اختصاص ناعت بالماهيّة، لا بحسب الخارج، بأن يقوم الوجود بالماهيّة قيام البياض بالجسم، ويلزم المحالات. وإمّا تفصيلاً:

فعن الأوّل: بأنّ قيامه بالماهيّة من حيث هي هي لا بالماهيّة المعدومة، ليلزم التّناقض، ولا بالماهيّة الموجودة، ليلزم الدّور أو التّسلسل.

فإن قيل: إن أُريد بالماهيّة من حيث هي(1) ما لا يكون الوجود أو العدم نفسها أو جزئها، على ما قيل فغير مفيد، لأنّ العروض، كاف في لزوم المحالات.

وإن أُريد ما لا يكون موجوداً ولا معدوماً، لا بالعرض ولا بغيره، فالتّناقض فيه أظهر، لأنّ اللاّوجود نقيض للوجود بلا نزاع.

قلنا: المراد ما لا يعتبر فيه الوجود ولا العدم، وإن كان لا ينفكّ من أحدهما في الخارج.

فإن قيل: عدم الإنفكاك عن أحدهما، كاف في لزوم المحال، لأنّه إن قارن العدم فتناقض، أو الوجود فدور(2) أو تسلسل.

قلنا: قيام الوجود بالماهيّة أمر عقلي ليس كقيام البياض بالجسم، فيلزم تقدّمها عليه بالوجود العقلي، ولا استحالة فيه، لجواز أن تلاحظ وحدها من غير ملاحظة وجود خارجيّ أو ذهنيّ، ويكون لها وجود ذهني لا يلاحظه العقل، فإنّ عدم الاعتبار غير اعتبار العدم، وإن اعتبر العقل وجودها الذّهني لم يلزم التّسلسل، بل ينقطع بانقطاع الاعتبار.


1 . أ: «هي هي».
2 . أ: «فيدور».


صفحه 165

وأمّا القائلون بنفي الوجود الذّهني: فجوابهم الاقتصار على منع لزوم تقدّم المعروض على العارض بالوجود على الإطلاق، وإنّما ذلك في عوارض الوجود دون عوارض الماهيّة.

وعن الثّاني:(1) أنّا نختار أنّ الوجود موجود، ولا نسلّم لزوم التّسلسل، وإنّما يلزم لو كان وجوده أيضاً زائداً عليه. وليس كذلك، بل وجوده عينه، وإنّما النّزاع في غيره، والأدلّة إنّما أُقيمت عليه.

وتحقيق ذلك: أنّه لمّا كان تحقّق كلّ شيء بالوجود، فبالضّرورة يكون تحقّقه بنفسه، من غير احتياج إلى وجود آخر يقوم به، كما أنّه لمّا كان التّقدّم والتّأخّر فيما بين الأشياء بالزّمان، كان فيما بين أجزائه من غير افتقار إلى زمان آخر.

فإن قيل: فيكون كلّ وجود واجباً، إذ لا معنى له سوى ما يكون تحقّقه بنفسه .

قلنا: ممنوع، فإنّ معنى وجود الواجب بنفسه أنّه مقتضى ذاته من غير احتياج إلى فاعل، ومعنى تحقّق الوجود بنفسه، أنّه إذا حصل للشيء: إمّامن ذاته: كما في الواجب، أو من غيره: كما في الممكن، لم يفتقر تحقّقه إلى وجود آخر يقوم به، بخلاف الإنسان، فإنّه إنّما يتحقّق بعد تأثير الفاعل بوجود يقوم به عقلاً، أو نختار أنّ الوجود معدوم ولا يلزم منه إتّصاف الشّيء بنقيضه، بمعنى صدقه عليه، لأنّ نقيض الوجود هو العدم، واللاّوجود لا اللاّموجود والمعدوم.


1 . أي جانب الوجود العارضي .


صفحه 166

فغاية الأمر أنّه يلزم أنّ الوجود، ليس بذي وجود، كما أنّ السّواد ليس بذي سواد، والأمر كذلك .

ولا يلزم أيضاً، أن يتحقّق في المحلّ ما لا تحقّق له في نفسه(1)، لما عرفت من أنّ قيام الوجود بالماهيّة ليس بحسب الخارج، كقيام البياض بالجسم، بل بحسب العقل، فلا يلزم إلاّ تحقّقه في العقل.

قال(2): وقد يجاب عن الأوّل: بأنّه منقوض بالأعراض القائمة بالمحال كسواد الجسم، فإنّ قيامه: إمّا بالجسم الأسود: فيدور أو يتسلسل، واجتماع للمثلين، أو اللاّأسود: فتناقض.

وهو ضعيف: لأنّ قيامه بجسم أسود به لا بسواد قبله، ليلزم المحال، وطريانه على محلّ تصير حال طريانه أسود من غير تناقض، ولا كذلك حال الوجود مع الماهيّة، لأنّ الخصم يدّعي أنّ تقدّم المعروض على العارض بالوجود ضروري، فلا يصحّ قيام الوجود بمحلّ موجود بهذا الوجود، فلا محيص سوى المنع، والاستناد بأنّ ذلك، إنّما هو في العروض الخارجي، كسواد الجسم. وهذا ليس كذلك .

وعن الثّاني: بأنّ الوجود ليس بموجود ولا معدوم، وهو أيضاً ضعيف، لما سيأتي من نفي الواسطة. انتهى».(3)

أقول: وسيأتي عند قول المصنّف، والوجود لا يَردُ عليه القسمة ما يتعلّق بذلك هذا، وإذا تحقّقت جميع ما ذكرنا .


1 . فإنّ الوجود محقّق في نفسه وغير محقّق بوجود زائد .
2 . أي شارح المقاصد .
3 . شرح المقاصد: 1 / 323 ـ 327 .


صفحه 167

فقوله: وقيامُه بالماهيّة من حيث هي; إشارة إلى الجواب عن استدلال الخصم من جانب الماهيّة، بأنّ الوجود لو كان زائداً على الماهيّة: فإمّا أن يقوم بالماهيّة الموجودة فيلزم كون الماهيّة موجودة قبل وجودها، أو بالماهيّة المعدومة، فيلزم اجتماع النّقيضين.

والجواب: بمنع الحصر; أي لا نسلّم أنّ قيام الوجود: إمّا بالماهيّة الموجودة، أو بالماهيّة المعدومة، بل قيامه، إنّما هو بالماهيّة من حيث هي، لا من حيث هي موجودة، ولا من حيث هي معدومة.

وقد يقرّر دليل الخصم: بأنّ قيامه بها: إمّا في زمان وجودها، فتحصيل الحاصل، أو في زمان عدمها، فاجتماع النّقيضين حينئذ لايمكن منع الحصر، وإلاّ يلزم الواسطة، بل نختار أنّ القيام في زمان وجودها بهذا الوجود، لا بوجود آخر، ليلزم تحصل الحاصل.

وقوله: فزيادته في التصوّر;(1) إشارة إلى الجواب عن استدلاله من جانب الوجود على سبيل التفريع على الجواب عن الاستدلال الأوّل(2)، أي لمّا كان الوجود إنّما يقوم بالماهيّة من حيث هي لا من حيث هي موجودة، ولا من حيث هي معدومة.

وهذه الحيثيّة ـ أعني : العُراء عن الوجود والعدم ـ إنّما تثبت للماهيّة في العقل لا في الخارج، ضرورة كونها في الخارج غير منفكّة عن أحدهما


1 . هذا نتيجة ما تقدّم، وهو أنّ قيام الوجود بالماهيّة من حيث هي هي إنما يعقل في الذّهن والتصوّر لا في الوجود الخارجي، لاستحالة تحقّق ماهيّة من الماهيّات في الأعيان منفكّة عن الوجود .
2 . أي في جانب الماهيّة.


صفحه 168

أصلاً، فزيادة الوجود على الماهيّة وعروضه لها، إنّما يكون في التصوّر لا في الخارج، ليلزم من كون الوجود في الخارج وزيادة وجوده عليه التّسلسل المحال، بل الوجود ليس إلاّ في الذّهن، وكونه في الذّهن، وجود له زائد عليه، لكن في الذّهن أيضا.

وهكذا كلّما اعتبره العقل، ولا يلزم التّسلسل المحال، لانقطاعه بانقطاع الاعتبار.

ولم يلتفت المصنّف إلى الجواب الذي ذكره شارح المقاصد، من كون وجود الوجود في الخارج عين الوجود، لكونه خلاف الواقع.

لا يقال: التفريع يدلّ على أنّ قيام الوجود بالماهيّة من حيث هي علّة، لكون زيادته في التّصوّر لا في الخارج; والحال أنّ الماهيّة من حيث هي موجودة في الخارج، وإن كانت هذه الحيثيّة ثابتة لها في العقل لا في الخارج، فإذا كانت موجودة في الخارج جاز أن يثبت لها شيء في الخارج، كما أنّ الجزئيّ الحقيقيّ لمّا كان موجوداً في الخارج جاز أن يعرضه الأعراض الخارجيّة، وإن كانت الجزئيّة، إنّما يثبت له في العقل.

وأيضاً منقوض بقيام الأعراض بمحالها، فإنّ البياض مثلاً، ليس بقائم بالجسم الأبيض، ولا بالجسم اللاّأبيض، بل قيامه بالجسم من حيث هو، وهذه الحيثيّة، إنّما تثبت له في العقل.

لأنّا نقول: قولنا(1): للماهيّة من حيث هي مركّبة من موصوف هو الماهيّة، ومن صفة هي الحيثيّة، ومعنى كون هذه الحيثيّة ثابتة لها في العقل، هو أنّ الموجود في الخارج إنّما هو الموصوف فقط.


1 . ب: «قولنا» ساقطة.


صفحه 169

وأمّا الموصوف مع الصّفة، فإنّما هو موجود في العقل فقط، فالماهيّة من حيث هي موجودة لا أنّها موجودة من حيث هي، وفرق ما بينهما .

إذا عرفت ذلك، فإذا ثبت للموصوف باعتبار الصّفة الّتي لا يوجد إلاّ في العقل، أمر لا يمكن أن يكون ثبوت ذلك الأمر له إلاّ في العقل، لأنّ ما ثبت له ذلك الأمر ليس إلاّ في العقل .

وكذا الحال في الجزئيّ الحقيقيّ، فإنّ الأعراض الخارجيّة، إنّما تعرض لذات الجزئي الموجودة في الخارج، لا لها مع وصف الجزئيّة الثّابتة لها في العقل، ولو ثبت لها مع ذلك الوصف أمر، فبالضّرورة يكون ثبوته لها في العقل، لا في الخارج .

والنّقض غير وارد، لأنّ الحيثيّة إذا اعتبرت بالقياس إلى متقابلين غير صفتي الوجود والعدم، لا يجب كونها غير ثابتة إلاّ في العقل، فإنّ الجسم من حيث هو بالقياس إلى السّواد والبياض ـ أعني: لا من حيث هو أسود أو أبيض ـ ليس بأبيض وأسود في الخارج، لكنّه موجود في الخارج من هذه الحيثيّة ـ أعني: لا من حيث هو أسود أو أبيض ـ ضرورة كون الموضوع متقدّماً بالوجود على السّواد والبياض العارضين له، فهذه الحيثيّة، ثابتة له في الخارج لا في العقل.

فإن قيل: إن لم يثبت للماهيّة كون في الخارج كانت عارية عن الكون فيه فتكون معدومة فيه هذا خلف وإن ثبت لها في الخارج كون، ولا شك أنّ الثّابت للشيء في الخارج غير ذلك الشّيء في الخارج، فيكون ممتازاً عنه فيه. وليس عين الماهيّة، ولا جزءها، فهو زائد(1) عليها في الخارج. ولا يلزم من زيادته


1 . أ، ب و ج: «كان زائداً».


صفحه 170

عليها في الخارج انفراد كلّ منهما بوجود إذ لا يلزم من زيادة المقبول على القابل في الخارج أن يكون المقبول موجوداً بوجود مغائر لوجود القابل، بل قد يوجدان بوجود واحد، كالوجود، والماهيّة، فإنّ الوجود موجود بنفسه والماهيّة موجودة به.

أجاب عنه المحقّق الشريف (1): بأنّا إذا قلنا: زيد موجود في الخارج، فقولنا: «في الخارج» إنْ قيس إلى «زيد» كان ظرفاً لوجوده، وإن قيس إلى «وجوده» كان ظرفاً لنفسه لا لوجوده.

ثمّ إنّ الموجود في الخارج، بلا إرتياب هو(2) ما كان الخارج ظرفاً لوجوده، كزيد في مثالنا.

وأمّا الّذي وقع الخارج ظرفاً لنفسه، كالوجود في مثالنا، فلا جزم بكونه موجوداً من الموجودات، فإنّ عاقلاً لا يشك في أنّ زيداً موجود في الخارج.

وأمّا أنّ وجود زيد موجود في الخارج، فليس ممّا لا يشك فيه، فوقوع(3) الخارج ظرفاً لنفس شيء، لا يستلزم وقوعه ظرفاً، لوجود ذلك الشّيء(4).

أوَ لا ترى أنّ قولك: زيد متّصف بالسّواد في الخارج صادق قطعاً؟

وقد وقع الخارج هنا ظرفاً لنفس الإتّصاف، وأنّ قولك: إتّصاف زيد موجود في الخارج، ليس بصادق أصلاً، كيف والسّلوب والنُّسب الّتي لا وجود


1 . لم نعثر على مصدره.
2 . أ، ب و ج: «هو» ساقطة.
3 . ب: «لأنّ وقوع».
4 . إذا كان وجوده زائداً عليه .


صفحه 171

لها في الخارج بلا اشتباه، يقع الخارج ظرفاً لها أنفسها، لا لوجودها.

قال: إذا تمهّد هذا، فنقول: الماهيّة إذا كانت في الخارج، يثبت لها في نفس الأمر الكُون في الخارج، على أنّ الخارج ظرف لنفس الكُون.

ولا يجوز أن يقال: ثبت لها في الخارج الكُون، على أن يكون الخارج ظرفاً لثبوت الكون.

وذلك، لأنّ ثبوت الشّيء الآخر(1) في الخارج، بمعنى إتّصاف الآخر به في الخارج، وإن لم يقتض وجود ذلك الشّيء في الخارج، لجواز اتّصاف الموجودات الخارجيّة في الخارج بالأُمور العدميّة، لكنّه يقتضي وجود ذلك الآخر في الخارج بداهة، فإنّ الشّيء ما لم يثبت في الخارج أوّلاً، لم يتصوّر إتّصافه فيه بمفهوم، سواء كان وجوديّاً أو عدميّاً، فلو كان الكُون ثابتاً في الخارج للماهيّة، لكانت قبل ثبوته لها ثابتة فيه، فكان لها قبل قيام الكون بها في الخارج كُون آخر فيه، وهو باطل .

فقوله: «إن لم يثبت للماهيّة كون في الخارج كانت معدومة فيه» مردودٌ، بأنّها وإن لم يثبت لها في الخارج كون، لكن يثبت لها في حدّ نفسها الكون الخارجيّ، فتكون موجودة فيه.

لما عرفت من أنّ الموجود الخارجيّ ما يكون الخارج ظرفاً لوجوده، ولا يلزم من ذلك أن يكون ظرفاً لوجود وجوده حتّى يكون وجوده موجوداً خارجيّاً، ولا أن يكون ظرفاً لإتّصافه بالوجود ليلزم كون الموصوف ثابتاً فيه قبل الإتّصاف به.


1 . أ، ب و ج: «ثبوت شيء لآخر».


صفحه 172

فظهر أنّ الوجود الخارجيّ لا يكون موجوداً في الخارج، وإلاّ لقام في الخارج بالماهيّة، فكان لها قبل قيامه بها وجود آخر فيه.

وما يقال: من أنّ قيام كلّ صفة في الخارج بموصوفها فرع على وجود موصوفها فيه، سوى الصّفة الّتي هي الوجود، فإنّ الأمر فيها بالعكس ليس بشيء، لأنّ البديهة لا تفرّق في ذلك بين صفة وصفة.

نعم، يشهد بأنّ قيام صفة الوجود بموصوفها لا يجوز أن يتوقّف على وجوده، فوجب(1) أن لا يكون قيامه بها(2) قياماً خارجيّاً على نحو قيام البياض بالجسم، لا أن يستثنى من تلك القاعدة البديهيّة.

وكذا ما يقال: من أنّ الوجود موجود في الخارج بذاته لا بوجود زائد على ذاته، وأنّ غير الوجود موجود بالوجود لا بذاته.

وذلك، لأنّ الوجود هو التحقّق، وما هو عين التحقّق لا يحتاج في كونه متحقّقاً إلى تحقّق آخر، بل هو متحقّق بذاته، وما عدا التحقّق يحتاج في كونه متحقّقاً إلى انضمام التحقّق إليه.

وتمثّل ذلك بالضّوء، فإنّه مضيء بذاته لا بضوء زائد على ذاته في نفس الأمر، وما عداه مضيء بالضّوء لا بذاته. ليس ممّا يُعوّل لما حقّقنا من أنّ الوجود لو كان موجوداً في الخارج لكان قيامه بالماهيّة فيه، فيلزم أن يكون لها قبل قيامه بها فيه وجود آخر فيه. ولما قيل عليه من أنّ اتّصاف الشّيء بنفسه في نفس الأمر غير معقول إلاّ إذا اعتبر هناك تغاير اعتباريّ، فيكون الاتّصاف اعتباريّاً لا بحسب


1 . أي بل وجب أنْ لا يكون بينهما قيام في نفس الأمر على ما عرفت.
2 . ب: «بها» ساقطة.


صفحه 173

نفس الأمر. فوجود الماهيّة في الخارج وجود خارجيّ لا موجود خارجيّ. وكذلك الضّوءُ ضوءٌ في نفسه، لا أنّه مضيء في نفسه .

فإن قلت: إذا لم يتّصف الشيء في نفس الأمر كان مسلوباً عن نفسه في نفس الأمر وإلاّ لارتفع النقيضان .

قلت: إنّ السّلب فرع تصوّر الإيجاب فحيث لا يتصوّر إيجاب لا يتصوّر سلب، وليس ذلك من ارتفاع النّقيضين في شيء، وإنّما ارتفاع النّقيضين أن يتصوّر نسبة لا يصدق إيجابها ولا سلبها، وهاهنا لا يمكن أن يتصوّر نسبة. انتهى كلامه الشريف.

فإن قيل: قولكم ثبوت الشيء للشيء فرع على ثبوت المثبت له منقوض باتّصاف الهيولى بالصّورة، فإنّ الهيولى متأخّرة عن الصّورة بالوجود، لكونها شريكة لعلّة الهيولى.

وأيضاً لو صحّ ذلك، لزم أن لا يصحّ اتّصاف الماهيّة بالوجود في التصوّر أيضاً، لأنّه(1) يلزم كونها موجودة مرّات غير متناهية.

ولو(2) أُجيب، بأنّ هذا التّسلسل في الأُمور الاعتباريّة لكون الوجود اعتباريّاً، لزم عدم امتناع كون إتّصاف الماهيّة متّصفة بالوجود في الخارج أيضاً، لأنّه وإن توقّف على كون الماهيّة قبل كلّ وجود موجودة بوجود آخر ويتسلسل، لكن ذلك أيضاً تسلسل في الاعتباريات، لكون الوجود الخارجي اعتبارياً غير موجود في الخارج على ما ذكرتم.


1 . أي اتّصاف الماهية في الخارج بالوجود.
2 . لو شرطية.


صفحه 174

قلنا: أمّا الأوّل: فمدفوع، بأنّ اتّصاف الهيولى إنّما هو بالصورة المعيّنة، والّتي شريكة لعلّة الهيولى هي صورةٌ مّا، فلا منافاة.

وأمّا الثّاني: فبأنّ مرادنا من كون الماهيّة بالوجود عقليّاً لا خارجيّاً، هو أنّ الوصف اعتباري(1) ليس بموجود في الخارج، لا أنّه(2) ليس بخارجيّ.

وقد عرفت الفرق بينهما، فالاتّصاف ذهنيّ والوصف خارجيّ. وكلّما كان الوصف اعتباريّاً، فالاتّصاف ذهنيّ; ولو فرضت الوجود موجوداً في الخارج، فالتّسلسل اللاّزم هناك ليس تسلسلاً في الاعتباريات.


1 . أي وصفية الوجود للماهيّة واتّصافها به .
2 . الوجود .


صفحه 175

 

تذييلٌ

في توجيه القول بعينيّة الوجود للماهيّات

إنّ جماعة من أتباع الأشعري أرادوا توجيه مذهبه في عينيّة الوجود للماهيّات بحيث يرجع إلى مذهب القوم .

فقال شارح المقاصد، محاذياً لما في "المواقف (1)": «أدلّة القائلين بأنّ وجود الشّيء ليس نفس ذاته لا يفيد سوى، أن ليس المفهوم من وجود الشيء هوالمفهوم من ذلك الشيء من غير دلالة على أنّه(2) عرض قائم به(3) قيام العرض بالمحلّ، فإنّ هذا ممّا لا يقبله العقل، وإن وقع في كلام الإمام(4) وغيره.

وأدلّة القائلين بأنّ وجود الشّيء نفس ذاته لا يفيد سوى أن ليس للشيء هويّة، ولعارضه المسمّى بالوجود هويّة أُخرى، قائمة بالأوّل بحيث يجتمعان اجتماعَ البياض والجسم من غير دلالة على أنّ المفهوم من وجود الشّيء هو المفهوم من ذلك الشّيء، فإنّ هذا بديهيّ البطلان.

فإذاً لا يظهر من كلام الفريقين ولا يتصوّر من المنصف، خلاف في أنّ الوجود زائد على الماهيّة ذهناً; أي عند العقل، وبحسب المفهوم والتصوّر


1 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 48 ـ 49 .
2 . الوجود .
3 . بذلك الشيء.
4 . أي الفخر الرازي. لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 23 / الفصل الثالث والرابع.


صفحه 176

بمعنى أنّ للعقل أن يلاحظ الوجود دون الماهيّة. والماهيّة دون الوجود لا عيناً; أي بحسب الذّات. والهويّة، بمعنى أنّ لكلّ منهما هويّة متميّزة يقوم إحداهما بالأُخرى، كبياض الجسم، فعند تجريد البحث وبيان أنّ المراد الزّيادة في التصوّر لا في الهويّة ; يرتفع النّزاع بين الفريقين ـ فإنّ دليل الأشعري لا يغني زيادته في التصوّر. ودليل الحكماء لا يثبت زيادته في الهويّة ـ ويظهر أنّ القول بكون اشتراك الوجود لفظيّاً، بمعنى أنّ المفهوم من الوجود المضاف إلى الإنسان غير مفهوم الوجود المضاف إلى الفرس، ولا اشتراك بينهما في مفهوم الكُون مكابرةٌ(1) ومخالفة لبديهة العقل. انتهى».(2)

وأنت خبير: بأنّ صريح مذهب الأشعري هو أنّه ليس للوجود قيام بالماهيّة أصلاً، لا خارجاً ولا ذهناً، كما هومقتضى العينيّة، وإن لم يف به أدلّته.

وكلام القوم صريح في أنّ له قياماً بالماهيّة في التعقّل، وهو مرادهم بالزيادة، فمن أين التّوفيق بين المذهبين؟

وأيضاً القوم ليسُوا قائلين: بأنّ ليس للوجود هويّة ممتازة عن هويّة الماهيّة فقط; بل بأنّه ليس له هويّة خارجيّة أصلاً لا ممتازة عن هويّة الماهيّة ولا متّحدة معها، وبناء ما نقلناه على أنّ الهويّة الواحدة هويّة لكلا المفهومين.

قال في المواقف: «هذه الوجوه ـ أي الّتي استدلّ بها القوم ـ إنّما تفيد تغاير المفهومين دون الذّاتين، والنّزاع إنّما وقع في تغاير الذّاتين، فإنّ عاقلاً لا يقول: مفهوم السّواد هو بعينه مفهوم الوجود، بل(3) أنّ ما صدق عليه السّواد هو بعينه ما


1 . قوله: «مكابرةٌ» خبر أنّ.
2 . شرح المقاصد: 1 / 328 ـ 329.
3 . بل يقول العاقل .


صفحه 177

صدق عليه الوجود، وليس لهما هويّتان متمايزتان تقوم إحداهما بالأُخرى (1)، وإنّه الحقّ (2)، وهو معنى كلام الشيخ الأشعري».(3)

وهذا كما ترى صريح فيما ذكرنا(4). والظّاهر أنّه لو كانت هويّة واحدة هويّة لمفهومي الوجود والسّواد مثلاً، لكان الوجود أيضاً محمولاً على تلك الهويّة بالمواطاة كالسّواد .

وأيضاً لم يكن لأحد شكّ في أنّ الوجود موجود، كما لا شكّ في أنّ السّواد موجود.

وأيضاً يلزم: إمّا أن يكون كلّ من المفهومين عرضيّاً لتلك الهويّة، وإمّا أن لا يكون كلّ منهما عرضيّاً لها.

فعلى الأوّل: يلزم أن لا يكون شيء من الماهيّات ذاتيّاً لشيء من الهويّات، وهو ظاهر البطلان .

وعلى الثّاني: إمّا أن يكون كلّ منهما ذاتيّاً، أو يكون أحدهما ذاتيّاً والآخر عرضيّاً .

فأمّا الأوّل: فإمّا أن يكون كلّ منهما تمام الماهيّة، أو كلّ منهما بعض الماهيّة ; أو أحدهما تمام الماهيّة والآخر بعض الماهيّة.

فعلى الأوّل: يلزم أن يكون الهويّة الواحدة ذات تمامي الماهيّة .


1 . كالسّواد بالجسم.
2 . وإلاّ لكان للماهيّة هويّة مع قطع النظر عن الوجود فكان لها قبل الوجود وجود.
3 . المواقف في علم الكلام: 50 .
4 . أي أنّ الهويّة الواحدة هويّة لكلا المفهومين عند الأشعري.


صفحه 178

وعلى الثّاني: أن لا يكون شيء من الماهيّات تمام الماهيّة لشيء من الهويّات.

وعلى الثّالث: أن يكون: إمّا الوجود جزء للماهيّة، أو الماهيّة جزء الوجود.

وأمّا الثّاني: ـ أعني: أن يكون أحدهما ذاتيّاً والآخر عرضيّاً ـ فإمّا يكون تلك الهويّة بنفس ما هي هويّة للذّاتي هويّة للعرضي أيضاً، فيلزم أن لا يكون فرق بين الذّاتي والعرضي كما لا يخفى. أو يكون بما هي هويّة للذّاتي غيرها بما هي هويّة للعرضي، فيكون هويّتين في الحقيقة لا هويّة واحدة، فليتفطّن هذا.

ثمّ إنّ صاحب المواقف(1)، زعم أنّ النّزاع راجع إلى النزاع في الوجود الذّهني.

فمَنْ أثبته، قال بالزّيادة عقلاً، بمعنى أنّ في العقل أمراً هو الوجود وآخر هو الماهيّة.

ومن نفاه، أطلق القول بأنّه نفس الماهيّة، لأنّه لا تغاير، ولا تمايز في الخارج، وليس وراء الخارج أمر يتحقّق فيه أحدهما بدون الآخر، فيتحقّق التّمايز.

وأورد عليه شارح المقاصد: «بأنّه لا نزاع للقائلين بنفي الوجود الذّهني في تعقّل الكلّيات والاعتباريّات، والمعدومات، والممتنعات، ومغايرة بعضها للبعض بحسب المفهوم.

وإنّما نزاعهم في كون التعقّل بحصول شيء في العقل، وفي اقتضائه الثّبوت في الجملة، فلا يتّجه لهم بمجرّد نفي الوجود الذّهني، نفي التّغاير بين


1 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 50 .


صفحه 179

الوجود والماهيّة في التصوّر، بأن يكون المفهوم من أحدهما غير المفهوم من الآخر، ونفي الاشتراك المعنوي بأن يعقل من الوجود معنى كلّي مشترك بين الموجودات كما لا ينفى تغاير مفهوم الإنسان ومفهوم الفرس.

وكذا مفهوم الإمكان ومفهوم الامتناع، ولا اشتراك كلّ من ذلك بين الأفراد، بل غاية الأمر أن لا يقولوا: الوجود زائد في العقل، والمعنى الكلّي لمشترك ثابت فيه، بل يقولوا: زائد ومشترك عقلاً، وفي التعقّل بمعنى أنّ العقل يفهم من أحدهما غير ما يفهم من الآخر، ويدرك منه معنى كلّياً يصدق على الكلّ.

ولهذا اتّفق الجمهور من القائلين بنفي الوجود الذّهني على أنّ الوجود مشترك معنى، وزائد على الماهيّة ذهناً بالمعنى الّذي ذكرنا(1)»(2).


1 . أي ما يفهمه العقل يفهم من أحدهما غير ما يفهمه من الآخر.
2 . شرح المقاصد: 1 / 329 و 330 .


صفحه 180

 

نقل مَقال وتقريرُ إشكال

 

في أنّ زيادة الوجود على الماهيّة في التعقّل

المشهور أنّ الوجود المطلق ـ أعني: هذا المفهوم البديهيّ ـ الّذي ثبت اشتراكه معنىً بين الماهيّات، وزيادته عليها في التعقّل مفهوم كلّي له أفراد عارضة للماهيّات متماثلة أو مختلفة، وتلك الأفراد إنّما تعرض الماهيّات في العقل(1)، وذلك المفهوم الكلّي المسمّى بالوجود المطلق عارض لتلك الأفراد(2) المسمّاة بالوجودات الخاصّة.

وإنّ الخلاف المشهور بين الحكماء والمتكلّمين في عينيّة الوجود للواجب وزيادته عليه، إنّما هو في الوجود الخاصّ لا في الوجود المطلق، إذ هو زائد في الجميع عند الجميع، وناهيك فيما ذكرنا قول المصنّف فيما سيأتي ويقال بالتّشكيك على عوارضها .

وقال شارح المقاصد: «هذا ; أي ما ذكرنا من زيادة الوجود على الماهيّة ذهناً، إنّما في الممكن.

وأمّا في الواجب: فعند المتكلّمين له حقيقة غير مدركة للعقول مقتضية بذاتها لوجودها الخاصّ المغاير لها بحسب المفهوم دون الهويّة، كما في الممكنات.


1 . ب: «التّعقل».
2 . المراد بالافراد، المصاديق .


صفحه 181

وعند الفلاسفة، حقيقته وجود خاصّ قائم بذاته ذهناً وعيناً من غير افتقار إلى فاعل يوجده، أو محلّ يقوم به في العقل، وهو مخالف لوجودات الممكنات بالحقيقة، وإن كان مشاركاً لها في كونه معروضاً للوجود المطلق، ويعبّرون عنه بالوجود البحت(1)، وبالوجود بشرط، لا بمعنى أنّه لا يقوم بماهيّة ولو في العقل، كما في الممكنات» .(2)

وقال بعضهم:(3) «ذهب جمهور المتكلّمين إلى أنّ للوجود مفهوماً واحداً مشتركاً بين الوجودات ، وذلك المفهوم الواحد يتكثّر ويصير حصّة حصّة بإضافته إلى الأشياء الّتي هي حصصه (4) كبياض هذا الثّلج وذاك وذلك، ووجودات الأشياء هي هذه الحصص، وهذه الحصص مع ذلك المفهوم الداخل فيها خارجة من ذوات الأشياء زائدة عليها ذهناً فقط عند محقّقيهم وذهناً وخارجاً عند آخرين .

وحاصل مذهب الحكماء: أنّ للوجود مفهوماً واحداً مشتركاً بين الوجودات، والوجودات حقائق مختلفة متكثّرة بأنفسها لا بمجرّد عارض الإضافة لتكون متماثلة متّفقة الحقائق، ولا بالفصول ليكون الوجود المطلق جنساً لها، بل هو عارض لازم لها، كنور الشّمس ونور السّراج، فإنّهما مختلفان بالحقيقة واللّوازم ومشتركان في عارض النور، وكذا بياض الثّلج والعاج، إلاّ أنّه لمّا لم يكن لكلّ وجود إسم خاصّ به كما في أقسام الممكن، وأقسام العرض.

تُوُهّم أنّ تكثّر الوجودات وكونها حصّة حصّة إنّما هو بمجرّد الإضافة إلى


1 . أي الصرف، الخالص .
2 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 331 .
3 . هو عبد الرحمن الجامي المتوفى (898 هـ) .
4 . أ، ب و ج : «الّتي هي حصصه» ساقطة.


صفحه 182

الماهيّات المعروضة لها، كبياض هذا الثّلج وذلك، ونور هذا السّراج وذاك.

وليس كذلك، بل هي حقائق مختلفة مندرجة تحت هذا المفهوم(1) الخارج عنها العارض لها.

وإذا اعتُبِر تكثّر ذلك المفهوم وصيرورته حصّة حصّة بإضافته إلى الماهيّات، فهذه الحصص أيضاً خارجة عن تلك الوجودات المتخالفة.

فهناك أُمور ثلاثة: مفهوم الوجود، وحصصه المتعيّنة بإضافته إلى الماهيّات، والوجودات الخاصّة المتخالفة الحقائق.

فمفهوم الوجود ذاتيّ داخلٌ في حصصه، وهما خارجان عن الوجودات الخاصّة، والوجود الخاصّ عين الذّات في الواجب تعالى وخارجٌ زائدٌ فيما سواه. انتهى كلامه »(2).

وبالجملة: كتب الجماعة مشحونة بهذا الّذي ذكرنا من كون الوجود المطلق مفهوماً كلّياً له أفراد متكثّرة بحسب تكثّر الماهيّات وبنوا عليه كثيراً من المسائل.

ولعمري أنّ ذلك من أعظم المشكلات، كيف، وقد صرّح كافّتهم بأنّ الوجود ليس إلاّ نفس تحقّق الماهيّة لا ما به يتحقّق الماهيّة .

وسيأتي عن قريب في كلام المصنّف ومذهب قاطبتهم، أنّ التحقّق والكون مفهومٌ واحدٌ بديهيّ التصوّر، فلو كان للوجود فرد يجب أن يكون هو أيضاً نفس تحقّق الماهيّة المخصوصة لا ما به يتحقّق الماهيّة المخصوصة، وكلّ ما يفرض تحقّقاً لا يمكن أن يكون له خصوصيّة في نفس التحقّق، فإنّ معنى


1 . أي الوجود المطلق .
2 . الدُّرّة الفاخرة: 2 و 3 .


صفحه 183

التحقّق واحد في جميع التحقّقات، ولا يمكن أن يخصّص(1) إلاّ بأن يكون تحقّق هذا وتحقّق ذاك .

وهذا التخصّص حاصل بمجرّد الإضافة إلى ما هو متحقّق بذلك التحقّق.

وهذا هو معنى الحصّة، فليس للوجود إلاّ حصص متكثّرة بالإضافة إلى الماهيّات المتكثّرة.

وهذه الحصص ليست إلاّ نفس مفهوم التحقّق مع قيد هذه الإضافة إلى الماهيّة .

ومفهوم التحقّق الّذي هو معنى الوجود ليس له قيام حقيقة بالماهيّة بحسب نفس الأمر لا في الخارج ولا في الذّهن، لأنّه اعتباريّ محض وانتزاعي صرف، فما لم يعتبره العقل ولم ينتزعه لا يمكن أن يكون قائماً بشيء، إذ ليس بشيء إلاّ بعد الانتزاع، فإذا انتزعه العقل من الماهيّات: إمّا من حيث ذاتها كما في الواجب، أو باعتبار أمر زائد عليها كما في الممكن يعتبره قائماً بالماهيّة والماهيّة متّصفة به.

وهذا هو المراد من قيام الوجود بالماهيّة في التصوّر، لا أنّ هناك قياماً حقيقيّاً بلا اعتبار معتبر، إذ لا يتصوّر ذلك في حق الوجود الّذي ليس معناه إلاّ التحقّق كما عرفت.

وهذا هو تقرير الإشكال الوارد على الحكماء وستسمع منّا ما نتفصّي(2) به عن هذا الإشكال، وتقرير مذهبهم على وجه يطابق قواعدهم إن شاء الله تعالى.


1 . أ، ب وج: «أن يتخصّص».
2 . فصّ أي نزع، خرج. المنجد في اللّغة: مادّة «فصّ».


صفحه 184

 

هدايةٌ

في تكثّر الوجودات

قد اشتهر من مشايخ الصّوفية القول: بوحدة الوجود، وأنّ الوجودات، بل الموجودات ليست متكثّرة في الحقيقة، بل هنا موجود واحد قد تعدّدت شؤونه وتكثّرت أطواره، ولما كان ذلك بحسب الظاهر وبالمعنى المتبادر مخالفاً لما يحكم به بديهةُ العقل من تكثّر الموجودات بالحقيقة لا بمجرّد الاعتبار تصدّى كثير من المحقّقين لتوجيه مذهبهم.

فجماعة ممّن لهم خوض في التصوّف وممارسة في طريق النظر، ذهبوا إلى أنّ مرادهم من الموجود الواحد هو حقيقة الوجود العام البديهي ـ أعني: ما هو معروض له حقيقةً، ولكن لا بشرط التعيّن واللاّتعيّن ـ وأنّه هو الواجب تعالى، كما أنّ واجب الوجود عند الحكماء هو تلك الحقيقة، ولكن بشرط اللاّتعيّن .

فقال بعضهم:(1) كما أنّه يجوز أن يكون هذا المفهوم العام زائداًعلى الوجود الواجبيّ وعلى الوجودات الخاصّة الممكنة على تقدير كونها حقائق مختلفة، يجوز أن يكون زائداً على حقيقة واحدة مطلقة موجودة، هي حقيقة الوجود الواجب تعالى، كما ذهب إليه الصّوفيةالقائلون بوحدة الوجود، ويكون هذا المفهوم(2) الزائد أمراً اعتباريّاً غير موجود إلاّ في العقل ويكون معروضه


1 . هو عبد الرحمن الجامي: لاحظ: الدرة الفاخرة: 3 ـ 4 .
2 . أي المفهوم العام .


صفحه 185

موجوداً حقيقيّاً خارجيّاً هو حقيقةُ الوجود، والتّشكيك الواقع فيه(1) لا يدلّ على عرضيّته(2) بالنّسبة إلى أفراده، (3) فإنّه لم يقم البرهان على امتناع الاختلاف في الذّاتيّات .

وأقوى ما ذكروه أنّه إذا اختلفت الماهيّة والذّاتي في الجزئيّات لم تكن ماهيّتها واحدة ولا ذاتيّها واحداً، وهو منقوض بالعارض.

وأيضاً الاختلاف بنفس الماهيّة كالذّراع والذّراعين من المقدار ; لا يوجب تغاير الماهيّة .

ونقل عن بعضهم(4): أنّه «إذا اختلفت حقيقة بكونها في شيء أقوى أو أقدم أو أشدّ أو أولى فكلّ ذلك عند المحقّقين راجع إلى الظّهور دون تعدّد واقع في الحقيقة الظّاهرة أيّة حقيقة كانت من علم أو وجود أو غيرهما، فقابل يستعّد لظهور الحقيقة من حيث هي أتمّ منها من حيث ظهورها في قابل آخر مع أنّ الحقيقة واحدة في الكلّ، والمفاضلة والتّفاوت واقع بين ظهوراتها بسبب الأمر المُظْهرِ المقتضي لتعيين تلك الحقيقة تعيّناً مخالفاً لتعيّنها في أمر آخر، فلا تعدّد في الحقيقة من حيث هي، ولا تجزئة ولا تبعيض.

قال(5): ثمّ إنّ مستند الصّوفية فيما ذهبوا إليه هو الكشف والعيان ; لا النّظر والبرهان.


1 . أي في المفهوم العام.
2 . أي الوجود العام .
3 . الوجود .
4 . المراد هو الشّيخ صدر الدّين القونوي المتوفى (673 هـ) من أبرز تلامذة وشارحي آراء وافكار الشيخ محيي الدين بن عربي المتوفى (638 هـ).
5 . أي قال القونوي.


صفحه 186

فإنّهم لمّا توجّهوا إلى جناب الحقّ سبحانه تعالى بالتعريّة الكاملة وتفريغ القلب بالكليّة عن جميع المتعلّقات(1) الكونيّة، والقوانين العلميّة مع توحيد العَزيمة ودَوام الجمعيّة، والمواظبة على هذه الطّريقة بدون فترة ولا تقسيم خاطر ولا تشتّت عزيمة، مَنَّ الله سبحانه عليهم بنور كاشف يُريهم الأشياء كما هي.

وهذا النّور يظهر في الباطن عند ظهور طور(2) وراء العقل(3)، ولا تستبعدنّ وجود ذلك فوراء العقل أطوار كثيرة يكاد لا يعرف عددها إلاّ الله سبحانه، ونسبة العقل إلى ذلك النّور كنسبة الوهم إلى العقل، وكما يمكن أن يحكم العقل بصحّةِ ما لا يُدركه الوَهم كوجودِ موجود مثلاً لا خارج العالم ولا داخله، كذلك يُمكن أن يحكم ذلك النُور الكاشف بصحّة بعض ما لا يُدركه العقل، كوجود حقيقة مطلقة محيطة لا يُحصرها التقييد ولا يقيّدها التعيين(4) مع أنّ وجود حقيقة كذلك ليس من هذا القبيل، فإنّ كثيراً من الحكماء والمتكلّمين ذهبوا إلى وجود الكلّيّ الطّبيعيّ في الخارج. والمقصود هنا دفع(5) الاستحالة العقليّة، والاستبعادات العاديّة، عن هذه المسألة، لا إثباتها بالبراهين والأدلّة .

قال (6): وأمّا الدّلائل الدّالّة على وجود الكلّي الطبيعي، فليست ممّا يُفيد هذا المطلوب على اليقين، بل على الاحتمال، فلهذا وقع الإعراض عن إيرادها(7) والاشتغال بما يدلّ على إثبات هذا المطلب بعينه .


1 . أ، ب و ج: «التّعينات».
2 . الطور ما كان بحذاء الشيء أو على حدِّه .
3 . أ و ب: «طور العقل».
4 . ب و ج: «التعيّن».
5 . أ، ب و ج: «رفع».
6 . أي قال القونوي .
7 . أي إيراد الأدّلة .


صفحه 187

فنقول(1): لا شكّ أنّ مبدأ الموجودات موجود(2) فلا يخلو: إمّا أن يكون حقيقة الوجود، أو غيرها، لا جائز أن يكون غيرها ضرورة احتياج غيرِ الوجود في وجوده إلى غير هو الوجود، والاحتياجُ يُنافي الوجوب، فتعيّن أن يكون حقيقة الوجود.

فإنْ كان مطلقاً يثبت المطلوب. وإن كان متعيّناً يمتنع أن يكون(3) داخلاً فيه. وإلاّ لتركّب الواجب، فتعيّن أن يكون خارجاً.

فالواجب محض مّا هو الوجود، والتعيّن صفةٌ عارضةٌ له.

فإن قلت: لِمَ لا يجوز أن يكون التعيّن عينه؟

قلت: إن كان التعيّن بمعنى ما به التعيّن يجوز أن يكون عينه، لكن لايضرّنا، فإنّ ما به التعيّن، إذا كان ذاته، ينبغي أن يكون هو(4) في نفسه غير متعيّن، وإلاّ تَسَلسل، وإن كان بمعنى التشخّص، لا يجوز أن يكون عينه، لأنّه من المعقولات الثّانية الّتي لا يحاذي بها أمرٌ في الخارج.

ثمّ إنّه لا يَخفى على من يتتبّع(5) معارفهم المَبْثوثة في كتبهم، أنّ ما يُحكَي من مكاشفاتِهم ومشاهداتهم، لا يدلّ إلاّ على إثبات ذات مطلقة محيطة بالمراتب العقليّة والعينيّة منبسطةٌ على الموجودات الذّهنيّة والخارجيّة، ليس لها تعيّن يمتنع معه ظهورها مع تعيّن آخر من التعيّنات الإلهيّة(6) والخَلقيّة (7)، فلا مانع


1 . هذا من كلام القونوي .
2 . لامتناع تحصّل الموجود بالمعدوم .
3 . أي أن يكون التعيّن .
4 . أي الواجب .
5 . أ، ب و ج: «تتبع».
6 . هـي تعيّنـات الأسماء والصّفات .
7 . هي الماهيّات والحدود .


صفحه 188

أن يُثبَت لها تعيّن يُجامع التعيّنات كلّها، لا يُنافي شيئاً منها، ويكون عينَ ذاته غيرزائد عليه لا ذهناً ولا خارجاً، إذا تصوّرها العقل(1) بهذا التعيّن امتنع عن فرضه مشتركاً بين كثيرين اشتراك الكلّي بين جزئيّاته لا عن تحوّلِهِ(2) وظهوره في الصُّور الكثيرة والمظاهر الغير المتناهية علماً وعيناً وغيباً وشهادة بحسب النِّسب المختلفة والاعتبارات المتغايرة. انتهى كلامه(3).

ولعمري قد بلغ(4) الغاية في تقرير هذا المطلب.

ولكن عندي فيه أنظار كثيرة يجب أن أشير إلى بعضها :

منها: حديث التّشكيك: فإنّه ممتنع في الحقائق والذّاتيات وعلى ذمّتنا إن شاء الله تعالى إتمام البرهان عليه، ودفع النقض عنه في موضع يليق به.

ومع ذلك فليس بضارّ فيما يدّعيه(5) لو لم يكن هناك مانع آخر، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله.

ومنها: حديث طَوْر وراء العقل: فإنّه يمتنع أن يكون طور وراء طور العقل(6) إلاّ النبوّة والرّسالة والوحي، ولو جاز ذلك لبطلت الشّرائع وجميع الأحكام العقليّة والنقليّة وارتفع الأمان وانسدّ باب الإيمان.

وليس نتيجة ما ذكر من الرّياضة والمجاهدة، سوى تلطيف السرّ وتهذيب


1 . أي بأن يجعل له عنواناً بما هو يتعيّن ويدركه بذلك الوجه والعنوان .
2 . أي تجلّيه. وقوله: «ظهوره» عطف تفسير لقوله: «تحوّله» .
3 . راجع: الدّرة الفاخرة: 4 ـ 9 .
4 . أي القونوي.
5 . أي القونوي.
6 . يمكن أن يقال مرادهم بالعقل، العقل المختلط بالوهم .


صفحه 189

الباطن، ليسهل النّظر ويسرع الفكر، ويصفو الذّهن، فيتجرّد المعقولات النّظريّة عن الغواش الوهمية، ويتميّز المعقول عن الموهوم. وذلك هو معنى الكشف، ونور الله الكاشف، بل اِنِ(1) التَصوّف إلاّ الحكمة المترقّية البالغة إلى حدّ المشاهدة التامّة، والمكاشفة الكاملة الّتي هي ارتفاع حُجُب الأوهام الجزئيّة، والأَغشية الحِسيّة عن عين البصيرة العقليّة الّتي هي حقيقة نور الله الكاشف عن الأشياء كما هي.

ومنها: تجويز كون الوجود الواجبي الّذي هو اتمّ أنحاء الوجود فعليّة، وكمالاً على نحو وجود الكلّي الطبيعي الّذي على تقدير وجوده كما فهموه من أضعف الموجودات الغير المستقل في الموجوديّة المحتاج إلى انضمام التعيّنات والعوارض المشخّصة.

ومنها: نفي كون التعيّن عين ذاته تعالى وإثبات تعيّن لا ينافي التعيّنات، بل يجامعها ويختلط معها هو عين ذاته تعالى، وظاهر أنّ مثل هذه الحالة لا يكون إلاّ من ضعف التعيّن والوجود لا من كماليّته وتماميّته، كما في المجرّدات العقليّة، فإنّها يمتنع أن يختلط لتماميّتها مع غيرها، فكيف الوجود الواجبي، بل الحقّ في توجيه مذهبهم وتأويل كلامهم في وحدة الوجود إلى ما يؤول إلى مذهب الحكماء المتألّهين على ما سيتحقّق مذهبهم من كون حقيقة الواجب عين الوجود البحت وعين التعيّن البحت وعين الفعليّة الصّرفة وتعيّنها ووجودها بنفس ذاتها، لا بأمر زائد عليها، وهي حقيقة الوجود ولا حقيقة له غيرها .


1 . قوله: «ان» نافية.


صفحه 190

 

نكتةٌ

في أحوال الوجود واختلاف العقلاء فيها

قال في شرح المقاصد: «وما أعجب حال الوجود من اختلافات العقلاء فيها بعد اتّفاقهم على أنّه أعرف الأشياء مع أنّ الغالب من حال الشّيء أن تتبع ذاته في الجلاء والخفاء.

فمنها: اختلافهم في أنّه جزئيّ أو كلّيّ؟

فقيل: إنّه جزئيّ حقيقيّ لا تعدّد فيه بالذّات، وإنّما التعدّد في الموجودات بواسطة الإضافات، حتّى إن قولنا: «وجود زيد»، و «وجود عمرو»، بمنزلة قولنا: «إله زيد» و «إله عمرو».

وقال: والحقّ(1) أنّه كلّيّ، والوجودات أفراده.

ومنها: اختلافهم في أنّه واجب أو ممكن؟

فقد ذهب جمع كثير من المتأخرين إلى أنّه واجب.

ومنها: اختلافهم في أنّه عرض أو ليس بجوهر ولا عرض؟ لكونهما من أقسام الموجود. وهذا هو الحقّ .

ومنها: اختلافهم في أنّه موجود أو لا؟

فقيل: موجود بوجود هو نفسه، فلا يتسلسل.


1 . فكان الوجود مشتركاً معنوياً.


صفحه 191

وقيل: بل اعتباري محض لا تحقّق له في الأعيان.

ومنها: اختلافهم في أنّه نفس الماهيّة أو زائد عليها؟ كما سبق.

ومنها: اختلافهم في أنّ لفظ الوجود مشترك معنى أو لا؟ كما سبق.

ومنها: اختلافهم في أنّه متواط أو مشكك(1)؟ وسيأتي.

وإنّما أطنبنا الكلام في هذه المسألة بهذه التعقيبات، لكونها من أعظم المهمّات.


1 . لاحظ: شرح المقاصد: 1 / 340 و 341 .


صفحه 192

 

المسألة الرّابعة

في إثبات الوجود الذّهني(1)

قال : وهو ينقسم إلى الذّهني والخارجي، وإلاّ بطلتِ الحقيقة.

أقول: اعلم: أنّ الوجود الّذي ثبت كونه متصوّراً بالبديهة ومشتركاً معنىً بين الموجودات قد يتقيّد بقيد الخارج، فيقال: الوجود الخارجي، أو في الخارج ويرادفه الوجود العيني والوجود الأصيل.

وقد يتقيّد بالذهن فيقال له الوجود الذهنيّ، أو في الذّهن ويرادفه الوجود الظلّي، والوجود الغير الأصيل.

والمراد بالوجود الخارجيّ: هو الوجود الّذي إذا اتّصف به الشيء يصير بحيث يصحّ أن يترتّب عليه آثاره ولوازمه ويكون الشيء بهذا الاعتبار حقيقة من الحقائق وذاتاً من الذوات. فمعنى كون النّار مثلاً موجوداً في الخارج، هو أن يكون بحيث يترتّب عليه الإضاءة والإحراق .

ومن هاهنا قيل: الوجود الخارجي هو كون الشيء مبدأً للآثار، ومصدراً


1 . لاحظ البحث في الكتب التالية: إلهيّات الشّفاء: 1 / 29 ـ 36 / الفصل الخامس من المقالة الأُولى ; نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 45 ـ 51 ; وكشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 47 ـ 49 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 41 ـ 43 ; وايضاح المقاصد: 15 ـ 18 / المسألة الخامسة من البحث الأوّل من المقالة الأُولى; وشرح حكمة العين: 49 ـ 56 ; والأسفار: 1 / 262 ـ 263 / المنهج الثّالث.


صفحه 193

للأحكام، فهذا القسم من الوجود ممّا لا شبهة فيه ولا نزاع في تحقّقه.

والمراد بالوجود الذّهني: هو وجود وكون للشيء لا يكون الشيء به بحيث يترتّب عليه آثاره ولوازمه عليه مع كونه ذا كون وتحقّق مّا، فهذا ممّا فيه خلاف بين الحكماء والمحقّقين من المتكلّمين وبين غيرهم.

قال شارح المواقف: «لا شبهة في أنّ النّار مثلاً لها وجود به يظهرعنها أحكامها، وتصدر عنها آثارها من الإضاءة والإحراق وغيرهما.

وهذا الوجود يسمّى وجوداً عينيّاً وخارجيّاً وأصيلاً.

وهذا ممّا لا نزاع فيه. وإنّما النّزاع في أنّ النّار هل لها سوى هذا الوجود وجود آخر لا يترتب عليها الآثار والأحكام أو لا؟

وهذا الوجود الآخر يسمّى وجوداً ظلّياً وذهنيّاً، وغير أصيل.

وعلى هذا يكون الموجود في الذّهن نفس الماهيّة الّتي توصف بالوجود الخارجي، والاختلاف بينهما بالوجود دون الماهيّة.

ولهذا قال بعض الفضلاء: الأشياء في الخارج أعيان، وفي الذّهن صور، فقد تحقّق محلّ النّزاع بحيث لا مريّة فيه. ويوافقه كلام المثبت والنّافي كما ستطلع عليه. فلا عبرة بما قيل: من أنّ تحريره عسير جدّاً . انتهى كلام شارح المواقف »(1).

فإلى ما ذكرنا أشار المصنّف بقوله: وهو; أي الوجود ينقسم إلى الخارجيّ والذّهنيّ; أي يشتمل على مجموع القسمين بمعنى أنّ كلاًّ منهما ثابت ومتحقّق .


1 . شرح المواقف: 2 / 169 و 170 .


صفحه 194

وإلاّ; أي وإن لم ينقسم إليهما ولم يشتمل على المجموع، بل كان الواقع هو الخارجيّ فقط دون الذّهني لبطلت الحقيقة; أي هذا القسم من القضايا.

أدّلة إثبات الوجود الذّهني

استدلّ مثبتو الوجود الذّهنيّ بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: ما أشار إليه المصنّف، وتقريره يستدعي تقديم مقدّمة، هي أنّ القضيّة:

قد تؤخذ خارجيّة: وهي الّتي حكم فيها(1) على أفراد موضوعها الموجودة في الخارج محقّقة، كقولنا: حركة الفَلك، إمّا شرقيّة، وإمّا غربيّة. وقولنا: هلكت الماشية، وقُتل من في الدار، وأمثال ذلك ممّا الحكم فيه، مقصور على الأفراد المحقّقة الموجودة .

وقد تؤخذ ذهنيّة : وهي الّتي حكم بها على الأفراد الذهنيّة فقط، كقولنا: الكلّي إمّا ذاتيّ أو عرضيّ، والذّاتي إمّا جنس أو فصل، والوجود إمّا مجرد عن الماهيّة أو قائم بها.

وقد تؤخذ حقيقيّة: وهي الّتي حكم فيها على الأفراد النفس الأمريّة الموجودة(2) محققة كانت أو مقدّرةً، كقولنا: كلّ جسم متناه أو حادث، وإمّا مركّب وإمّا بسيط، إلى غير ذلك من القضايا المستعملة في العلوم، فإنّ الحكم فيها غير مقصور على الأفراد المحقّقة الوجود قطعا.

إذا عرفت ذلك فنقول:


1 . أي في القضيّة.
2 . أي الممكنة.


صفحه 195

قال شارح المقاصد في تقرير هذا الدّليل: «إنّ من القضايا موجبة حقيقية، وهي تستدعي وجود الموضوع ضرورة، وليس في الخارج، إذ قد لا يوجد في الخارج أصلاً، كقولنا: العنقاء حيوان، وعلى تقدير الوجود لا ينحصر الأحكام في الأفراد الخارجيّة(1)، في القضايا المستعملة في العلوم، فالحكم على جميع الأفراد لا يكون إلاّ باعتبار الوجود في الذّهن. انتهى»(2).

فخصّص الحقيقية بالموجبة الكلّية، كماترى. وتبعه المحقّق الشريف فقال في شرح كلام المصنّف: يعني أنّ الحكم في الحقيقيّة الكليّة على جميع ما هو في نفس الأمر فرد للكلّي الواقع عنواناً، سواء كان ذلك الفرد موجوداً في الخارج(3) أو لا؟

فإذا قلت: كلّ مثلث فإنّ زواياه متساوية لقائمين على أنّها قضيّةٌ حقيقيّة كان الحكم متناولاً لجميع ما صدق عليه في نفس الأمر أنّه مثلّث لا مقصوراً على المثلّثات الموجودة في الخارج في أحد الأزمنة، بل يتناولها ويتناول ما عداها ممّا لم يوجد في شيء من الأزمنة أصلاً من الأفراد الّتي يصدق المثلّث عليها في حدّ أنفسها. فظهر أنّ الحكم فيها يتناول ما ليس بموجود في الخارج أصلاً، فلو لم يكن له وجود ذهني لم يصدق الإيجاب عليه ضرورة، فلو لم يتحقّق الوجود الذّهني كانت الأحكام الإيجابيّة الكليّة كلّها باطلة قطعاً. انتهى.(4)


1 . كقولنا: كلّ جسم متناه، أو حادث، أو مركّب من أجزاء لا تتجزأ، إلى غير ذلك من القضايا المستعملة في العلوم .
2 . شرح المقاصد: 1 / 347 .
3 . محقّقاً أو مقدّراً، أو لا يكون موجوداً فيه أصلاً .
4 . لاحظ: شرح المواقف: 2 / 179 ـ 181 ; وشرح تجريد العقائد: 12 .


صفحه 196

وهذا معنى ما قيل من أنّ اللاّزم ممّا ذكره بطلان الحقيقيّة الّتي لا وجود لموضوعها في الخارج لا بطلان كلّ الحقيقيّات الذي هو مدّعاه(1). اللّهم إلاّ أن لا يجعل الموجبة الجزئية داخلة في المدّعى يعني يخصّ الدعوى بالموجبة الكليّة.

أقول: فظهر من مجموع ما نقلنا أنّهم خصّصوا الحقيقيّة بالموجبة الكليّة(2)، وأنّ المراد من بطلان الحقيقيّة هو بطلان اعتبارها، أي يلزم أن يكون اعتبار القضيّة الحقيقيّة وأخذها قضيّة على حدة باطلاً ضايعاً بلا فائدة حيث لا يصدق فيما لا وجود لموضوعها أصلاً، وينحصر الحكم فيها على الأفراد الموجودة في الخارج فيما كان لموضوعه وجود، فتُغنِي القضيّة الخارجيّة غناء الحقيقيّة وتصير اعتبار الحقيقيّة لغواً محضاً.

والمحقّق الدّواني حمل البطلان على الكذب، فاعترض على هذا الدّليل بعد التّخصيص بالكليّة: «بأنّه على تقدير انحصار الوجود في الخارج لا يلزم كذب الحقيقيّة الكليّة، فإنّ معناها على ما علم من تفسيرها، الحكم على جميع ما هو فرد له بحسب نفس الأمر، وعلى هذا التّقدير يكون جميع الأفراد الخارجيّة جميع ما هو فرد له في نفس الأمر، فإذا إتّصف جمع الأفراد الخارجيّة بالمحمول، صدق الحكم على جميع ما هو فرد له في نفس الأمر، غاية ما في الباب أن يكون الحقيقيّة مساوية للخارجيّة.

نعم، لو كان (3) معناها، الحكم على جميع الأفراد الخارجيّة وجميع


1 . أي مدعى المصنّف .
2 . سواء كانت افراده موجودة في الخارج أم لا .
3 . في المصدر: «نعم لو كان كذلك لم يصدق الحقيقيّة فيما ليس له فرد خارجيّ».


صفحه 197

الأفراد الذهنيّة، يعني جميع الأفراد الموجودة في الخارج، وغير الموجودة في الخارج، لئلاّ يلزم المصادرة كما قيل لكان كما ذكر، لكن ليس كذلك على أنّه لو كان كذلك لم يصدق الحقيقيّة فيما ليس له فرد خارجي . انتهى »(1).

أقول: الأفراد النفس الأمريّة، لا يمكن أن ينحصر في مادّة من المواد في الأفراد الخارجيّة، فإنّ المراد من الأفراد النفس الأمريّة، ما يكون فرداً لماهيّته(2) مع قطع النظر عن الوجودين، مثلاً حكم المثلث مطرّد على جميع ما هو فرد لماهيّته، سواء اعتبر موجوداً بأحد الوجودين أو لا، كيف وتقرّر الماهيّة متقدّمة بالماهيّة على تقرّر الوجود، كما سيأتي. وهو(3) أيضاً معترف به. والفرد إنّما يكون للماهيّة لا للوجود.

وأمّا ما ليس له فرد خارجيّ فلا يتحقّق هناك الحقيقيّة بهذا المعنى(4)، بل بمعنى آخر(5) كما يأتي عن قريب.

ثمّ قال: «والحقّ أنّ معنى قول المصنّف: «وإلاّ لبطلت الحقيقيّة»: أنّه لم يتحقّق هذا القسم من القضيّة بمعنى أنّه لا يكون لاعتبارها فائدة، فيرتفع هذا القسم بالكليّة»(6).

أقول: قد عرفت أنَّ الظّاهر من كلام من سبقوه(7) ليس إلاّ ذلك، فلا وجه


1 . لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر : 13.
2 . أ، ب و ج: «لماهيّتها».
3 . أي المحقّق الدّواني.
4 . أي بمعنى أنّ الحقيقيّة وهو ما يكون الحكم فيه على الأفراد الموجودة في الخارج .
5 . وهو أنّ الحقيقيّة هي القضيّة الّتي يكون الحكم فيها على ما يصدق في نفس الأمر الكلّي الواقع عنواناً، سواء أكان موجوداً في الخارج محقّقاً أم لا .
6 . لاحظ : شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 13.
7 . أي المحقّق الدواني.


صفحه 198

للاعتراض عليهم. ثمّ التوجيه بما هو الظّاهر من كلامهم ومبناه.

ثمّ إنّه أورد عليه(1): بأنّ غاية الكلام أنّ اعتبارهم القضيّة الحقيقيّة بهذا المعنى مبنيّ على اعتقادهم بثبوت الوجود الذّهني، وليس في اعتقادهم ذلك دليل عليه(2)، بل الكلام في طلب علّة ذهابهم إليه .

أقول: هذا مدفوع، بأنّه إنّما يكون اعتبارهم مبنيّاً على اعتقادهم، لو كان معنى الحقيقيّة هو الحكم على الأفراد الخارجيّة والذهنيّة.

وليس كذلك كما عرفت، بل معناها الحكم على جميع الأفراد بحسب نفس الأمر من غير التفات إلى خصوص الوجود الذّهنيّ والخارجيّ، وإن التفت، فإلى مجرّد الوجود في الخارج، واللاّوجود فيه، لا إلى خصوص الوجود الذّهنيّ.

فإنّا نعلم قطعاً، أنّ في مثال زوايا المثلّث مثلاً نجزم بعموم الحكم لجميع الأفراد في نفس الأمر، ولا يخطر ببالنا خصوص الأفراد الذهنيّة، بل نجزم بذلك وإن لم نكن قائلين بالوجود الذّهنيّ، بل مع القول بعدمه أيضاً، غاية الأمر أن يخطر الوجود في الخارج واللاّوجود فيه .

ثمّ إنّي أقول: إذا علمت معنى الحقيقيّة والمراد من البطلان(3) كما ذكرنا وتأمّلت حق التأمّل ظهر لك أنّه لا حاجة إلى التّخصيص بالكليّة، بل يكفي الإيجاب فقط(4)، إذ يلزم حينئذ على تقدير نفي الموجود الذّهني بطلان


1 . أي على كلام المصنّف .
2 . أي إلى ثبوت الوجود الذهني.
3 . أي بعد العلم بمعنى الحقيقيّة، لو حمل البطلان على الكذب أيضاً لا حاجة إلى التّخصيص بالكليّة .
4 . قد عرفت أنّه لا حاجة إلى هذا التخصيص أيضاً فتذكّر ثمّ انّ الايجاب متفرّع عليه السّلب فإذا ابطل اعتبار الإيجاب بطل اعتبار السّلب أيضاً .


صفحه 199

الحقيقيّة كليّة وجزئيّة، لأنّ المعتبر في القضيّة الجزئيّة، إنّما هو البعض غير المعيّن(1)، فكلّ بعض من الأبعاض، إذا أخذ على نحو الحقيقيّة يكون له أفراد موجودة وأفراد غير موجودة، فلو لم يكن الوجود الذّهني ثابتاً، لزم الانحصار على الأفراد الموجودة في الخارج، فلم يبق فرق بين الجزئيّة الحقيقيّة وبين الجزئيّة الخارجيّة، ولم يكن لاعتبارها(2) حقيقيّة فائدة، فيلزم بطلان الحقيقيّة مطلقاً(3)، وهو المطلوب.

فإن قلت: من القضايا ما ليس لعنوان موضوعها فرد ذهنيّ، بل ينحصر أفراده في الأمر الخارجيّ كمفهومي الواجب بالذّات والموجود الخارجي، فإنّهما لا يصدقان بالفعل إلاّ على الأمر الخارجي، وحينئذ يتحقّق الحقيقيّة الموجبة الكليّة.(4)

قلت: ذلك أيضاً مبنيّ على توهّم الكذب من البطلان، فإذا تذكّرت ما ذكرنا من معنى الحقيقيّة والمراد من البطلان، اندفع ذلك على أنّ المراد بالأفراد الذهنيّة هو الأفراد المقدّرة على أن يكون الذّهن ظرفاً للوجود الفرضي ـ أعني: الوجود الّذي هو نفس الفرض والتّقدير في الذّهن ـ لا للوجود الّذي يكون الأفراد على تقدير وجودها في نفس الأمر موجودة به.

وليس لمفهومي الواجب بالذّات والوجود الخارجيّ فرد بالمعنى الثّاني(5) لا بالمعنى الأوّل(6) فليتفطّن.


1 . أمّا اعتبار المعيّن في الجزئيّة فهو خارج عنه وعارض له .
2 . الجزئية.
3 . كليّة وجزئيّة.
4 . دون الجزئيّة.
5 . أي قوله: «لا للوجود الّذي يكون الأفراد الخ».
6 . أي قوله: «أنّ المراد بالأفراد الذهنيّة هو الأفراد المقدّرة الخ».


صفحه 200

ثمّ إنّ صاحب المواقف: قرّر هذا الدّليل، بأنّه «لولا الوجود الذّهني لم يمكن أخذ القضيّة الحقيقيّة الموضوع، والتّالي باطلٌ.

فإنّا إذا قلنا: الممتنع معدوم، فلا نريد به قطعاً أنّ الممتنع في الخارج معدوم فيه، بل نريد به أنّ الأفراد المعقولة للمتنع من الأفراد المعقولة للمعدوم»(1).

فاعترض عليه شارح المقاصد: «بأنّ قولنا: الممتنع معدوم ليس قضية حقيقيّة في اصطلاح القوم»(2).

والجواب عنه: أنّ المراد من الحقيقيّة هاهنا هي الّتي حكم فيها على ما يصدق عليه في نفس الأمرالكلّي الواقع عنواناً، سواء كان موجوداً في الخارج محقّقاً أو مقدّراً، أو لا يكون موجوداً فيه أصلاً لا المفسّرة بما اشتهر من أنّ الحكم فيها على الأفراد الخارجيّة، فقط إمّا محققّة وإمّا مقدّرة، لكن يرد عليه، أنّ مفهوم المعدوم أمر سلبيّ. هذا حاصل ما ذكره شارح المواقف(3)، وهذا ما وعدناك آنفاً.(4)

وأنت خبير: بأنّ تقرير شارح المقاصد; أوّلاً;(5) ناظر إلى تقرير " المواقف" لكن بتغيره إلى ما يصير الحكم فيه إيجاباً وآخراً (6); ناظر إلى كلام المصنّف.


1 . المواقف في علم الكلام: 52 و 53 .
2 . لاحظ: شرح المقاصد: 1 / 347 .
3 . انظر: شرح المواقف: 2 / 180 .
4 . بقوله: «بل بمعنى آخر يأتي عن قريب».
5 . أي في قوله: «إنّ من القضايا موجبة حقيقيّة الخ».
6 . أي في قوله: «وعلى تقدير الوجود الخ».


صفحه 201

الوجه الثّاني (1): أنّا نحكم حكماً إيجابيّاً على ما لا تحقّق له في الخارج أصلاً(2)، كقولنا: اجتماع النّقيضين مستلزم لكلّ منهما ومغاير لاجتماع الضّدين ونحو ذلك.

ومعنى ذلك الإيجاب الحكم بثبوت أمر لأمر وثبوت الشّيء لما لا ثبوت له في نفسه بديهيّ الاستحالة، فيلزم ثبوت الممتنعات لتصحّ هذه الأحكام، وإذ ليس في الخارج ففي الذّهن .

تقرير آخر: أنّ من الموجبات ما لا تحقق لموضوعه في الخارج، والموجبة تستدعي وجود الموضوع في الجملة، فيكون في الذّهن .

وما يقال: من أنّا نحكم على الممتنعات بأحكام ثبوتيّة فمعناه(3) أحكام إيجابيّة، فلا يرد عليه أنّه إن أُريد الثّبوت في الخارج فمحال أو في الذّهن فمصادرة،(4) على أنّه يجوز أن يقال: المراد الثّبوت في الجملة، وكونه منحصراً في الخارجيّ والذهنيّ(5) لا يستلزم أن يراد أحدهما ليلزم المحال أو المصادرة(6). كذا في " شرح المقاصد".(7)

واعلم: أنّ هذا الإيراد: قد يورد باعتبار الإثبات، وقد يورد باعتبار الثبوت.


1 . أي الدّليل الثّاني على إثبات الوجود الذّهني.
2 . سواء كان حقيقيّة أو ذهنيّة.
3 . خبر لقوله «وما يقال ».
4 . على التقدير الأوّل .
5 . ب: «في الخارج والذّهن» .
6 . على التقدير الثاني.
7 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 346 .


صفحه 202

وعلى الأوّل: يقرّر بأنّك إن زعمت أنّك تُوجب وتُثبت تلك الأحكام(1) في الخارج للموضوع المذكور، فذلك باطل قطعاً، لأنّ صدق مثل هذا الحكم موقوف على وجود الموضوع في الخارج، وإن زعمت أنّك تُثبتها له في الذّهن، فذلك مصادرة.

وعلى الثّاني: يقرّر بأنّك إن أردت بالأحكام الثبوتيّة أحكاماً وأُموراًثابتة في الخارج. فلا نسلّم أنّا نحكم بها على ما لا وجود له في الخارج. ولو سلّم وجب أن يكون المحكوم عليه موجوداً في الخارج وإن أردت بهاأُموراً ثابتة في الذّهن، فذلك مصادرة .

والإيراد المنقول ظاهر في الثّاني(2) ، فلا يتجّه الجواب الأوّل(3)، بل يجاب بالجواب الثّاني.(4)

وقد يجاب(5): بأنّ المراد بالثبوتيّة ما ليس السّلب داخلاً في مفهومها احترازاً عن الموجبة السّالبة المحمول، فإنّ صدقها(6) لا يقتضي وجود موضوعها، لأنّ حقيقتها راجعة إلى معنى السّالبة ضرورة، أنّ انتفاء الشيء عن آخر يستلزم اتّصاف الآخر بانتفاء الشّيء عنه وبالعكس، بل لا اختلاف بينهما إلاّ بالاعتبار. ولا شك أنّ صدق السّالبة لا يقتضي وجود الموضوع، فكذا ما يلازمها.

وإذا كانت الأُمور المحمولة ثبوتيّة لا سلب في مفهومها، كان الحكم بها إيجاباً حقيقيّاً لا راجعاً إلى السّلب.


1 . أي على الممتنعات .
2 . أي الثبوت.
3 . وهو قوله: «فمعناه أحكام إيجابيّة».
4 . وهو قوله: «على أنّه يجوز أن يقال الخ».
5 . انظر : شرح تجريد العقائد: 12 .
6 . أي الموجبة السّالبة المحمول.


صفحه 203

والتحقيق: أنّ سالبة المحمول لا يقتضي وجود الموضوع بمعنى أنّ نفس المحمول السّلبي لا يقتضي ذلك لما ذكر.

وأمّا ربط ذلك المحمول السّلبي بالموضوع، وإيجابه له، فيقتضي وجود الموضوع لا محالة، وإذا كان المعتبر هو الإيجاب فلا فرق بين أن يكون المحمول سلبيّاً أو غيره، فلا جدوى لهذا الجواب، بل لا حاجة إلى اعتبار الثبوت في نفس الأُمور المحمولة، فالمعوّل هو اعتبار الإيجاب والإثبات، سواء كان المثبت وجوديّاً أو سلبيّاً.

وإذا اعتبر(1) فالجواب عن الإيراد المتوجّه إليه هو الأوّل ـ أعني: ثاني جوابيّ شارح المقاصد ـ وحينئذ(2) يظهر اتّجاه أوّلهما أيضاً عليه، لأنّ معناه أنّ المراد من الأحكام الثبوتيّة هو الأحكام الإيجابيّة، سواء كانت الأُمور المحكومة بها ثبوتيّة أو سلبيّة.

واعترض أيضاً: بأنّك إن أردت بالوجود الخارجيّ ما ليس في قوانا المدركة. فلا نسلّم أنّا نحكم على أُمور لا وجود لها في الخارج، بل كلّما نحكم عليه، فهو ثابت في المبادئ العالية، فالمفهومات بأسرها ثابتة خارجة عن قوانا المدركة، فتكون موجودة في الخارج بالمعنى المذكور.

وإن أردت به ما ليس في قوّة إدراكية مطلقاً(3) إلتزمنا وجودها في المدارك العالية، فيكون إلتفات مداركنا إلى تلك المدارك كافياً في أنّ نحكم عليه .

والجواب: أنّا لا نريد بالوجود الذّهني إلاّ وجوداً غير أصيل لا يترتّب عليه


1 . أي الثبوت في نفس الأُمور المحمولة.
2 . أي حين كون المعتبر هو الايجاب والاثبات سواء أكان المحمول ثبوتيّاً أم سلبيّاً .
3 . سواء أكان خارجاً عن المذكور أم لا.


صفحه 204

الآثار، كما عرفت، سواء كان في مداركنا، أو في مدارك أُخر خارجة عنّا.

فإن قيل: هذا الدليل(1) منقوض، بأنّا قد نحكم على الجزئي الحقيقيّ بعد إنعدامه حكماً إيجابياً صادقاً، مثل أنّه معلوم لنا وإذ ليس في الخارج، فهو في الذّهن، فيلزم أن يكون الجزئيّ الخارجيّ وصورته الذّهنيّة شخصاً واحداً، وليس كذلك ضرورة أنّهما شخصان، غاية الأمر أن يكونا من نوع واحد.

قلنا: المعلوم بالذّات إنّما هو الصّورة الذّهنيّة، سواء كان ذو الصورة موجوداً أو معدوماً والموجود الخارجي ليس بمعلوم إلاّ بالعرض، فكلّما نحكم به على الموجود الخارجي فإنّما نحكم به بالذّات على الصّورة الذهنيّة. وقد يسري منها الحكم إلى الموجود في الخارج .

فإن أردت أنّا نحكم على صورته بعد انعدامه على وجه يسري الحكم منها(2) إليه(3)، فممنوعٌ، إذ ذلك فرع وجوده.

وإن أردت أنّا نحكم عليها(4) حكماً لا يسري إليه، أو يسري إليه حال وجوده، فذلك مسلّم، ولا يستلزم وجوده بعد انعدامه.

الوجه الثّالث (5): قال في المواقف: «إنّ من المفهومات ما هو كلّي، أي متّصف بالكليّة الّتي هي صفة ثبوتية، فلا بدّ أن يكون الموصوف بها موجوداً، وإذ ليس في الخارج، لأنّ كل موجود في الخارج فهو متشخّص، فيكون في


1 . أي الوجه الثاني.
2 . أي الصورة الذّهنيّة.
3 . أي إلى الخارج .
4 . أي الصورة الذّهنيّة.
5 . من أدّلة أثبات الوجود الذّهني.


صفحه 205

الذّهن .(1) وأورد عليه بمنع كون الكليّة ثبوتيّة، بل هي سلبيّة، لأنّها عدم المنع من فرض الشركة.(2)

فقرّره شارح المقاصد: «بأنّ الكلّي مفهوم، وكلّ مفهوم ثابت ضرورة تميزه عند العقل، فالكلّي ثابت وليس في الخارج، لأنّ كلّ ما هو في الخارج فهو متشخّص فيكون في الذّهن».(3)

فلا يرد عليه ذلك(4) الإيراد، لأنّ المفهوميّة ثبوتيّة لا محالة.

ويرد على التّقريرين: أنّ هذا داخل في الوجه الثاني فلا وجه لجعله وجهاً على حدّة .

فإن قيل: على الوجوه الثّلاثة لا نسلّم أنّ الإيجاب يقتضي وجود الموضوع قولكم: إنّ ثبوت الشّيء للشّيء فرع ثبوت المثبت له في نفسه .

قلنا: معنى الإيجاب أنّ ما صدق عليه الموضوع ما صدق عليه المحمول من غيرأن يكون هناك ثبوت أمر لأمر بمعنى الوجود، والتحقّق فيه، وإنّما ذلك بحسب العبارة وعلى اعتبار الوجود الذّهني، وهو نفس المتنازع فيه; بل اللاّزم هو تميز الموضوع والمحمول في التعقّل .

ولا نسلّم أنّ التعقّل بحصول الشّيء في العقل، وإلاّ لكان العلم بشيء ما كافياً في إثبات المطلوب .

أُجيب: بأنّه لا بدّ في فهم الشّيء وتعقّله وتميّزه عند العقل من تعلّق بين


1 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 52 .
2 . شرح المواقف: 2 / 178 و 179 .
3 . شرح المقاصد: 1 / 347 .
4 . أي عدم المنع من فرض الشركة.


صفحه 206

العاقل والمعقول، سواء كان العلم عبارة عن حصول صورة الشّيء في العقل، أو عن إضافة مخصوصة بين العاقل والمعقول، أو عن صفة ذات إضافة، والتعلّق بين العاقل و(1)العدم الصرّف محالٌ بالضّرورة، فلابدّ للمعقول من ثبوت في الجملة، وإذ ليس في الخارج، ففي الذّهن .

وقد يجعل هذا استدلالاً على حدة بأن يقال: إنّا نتعقّل أُموراً لا وجود لها في الخارج(2)، ولا بدّ في فهم الشيء وتعقّله. إلى آخر الكلام (3).

قال سيّد المدقّقين (4): وتوضيحه: أنّ موجوديّة الماهيّة متقدّمة على ثبوت سائر أوصافها لها، بل على ثبوت ذاتيّاتها لها في نفس الأمر. كما صرّح به المصنّف في " مصارع المصارع(5) ".

وأيضاً بديهة العقل تشهد بأنّ الماهيّة ما لم يكن لها ضرب من الوجود لم يكن لها صفة أصلاً، بل لا يكون في هذه المرتبة ماهيّة بالفعل، ولا شيء من الأشياء، فكيف يتعلّق بها العاقل؟!

ثمّ قال(6): ولا ينفي ذلك أن يُعيّن العاقل معدوماً باقتضائه أمراً كذا وكذا كما تُعتّن المواد باستعداداتها صوراً وأعراضاً، وحينئذ يتعيّن ذلك المعدوم ويجوز أن يتعلّق به العاقل قبل وجوده.(7)


1 . ب «وبين».
2 . لجواز أنْ تكون صوراً قائمة بأنفسها، كالمُثل المجردة الأفلاطونيّة.
3 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 347 و 348 .
4 . لاحظ تفصيل كلامه في الأسفار: 1 / 317 ـ 324 .
5 . كما قال: واعلم أنّ وجود المعلولات في نفس الأمر متقدّم على ماهيّاتها وعند العقل متأخّر عنها. لاحظ: مصارع المصارع: 189 .
6 . أي سيّد المدققين.
7 . أي السيّد .


صفحه 207

قال: فاعرف ذلك، لأنّه مرقاةٌ إلى معرفة كيفيّة علم الباري تعالى بالمعدومات. انتهى(1).

وفيه كلام: لعلّك ستطلع عليه إن شاء الله تعالى. فهذا الجواب كما ترى جواب بتغييرالدّليل(2) ورجوع إلى استدلال آخر.

فالأولى أن يجاب: بأنّ الإيجاب في قولنا: «هذا ذاك» ليس معناه إلاّ الحكم بثبوت ذاك لهذا بالضّرورة، كيف والحمل الإيجابي ليس إلاّ الحكم بالثّبوت الرابطي، ومنع ذلك مكابرةٌ صريحةٌ.


1 . أي انتهى كلام سيّد المدقّقين. لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصدر: 14 .
2 . أي دليل المثبت للوجود الذّهني.


صفحه 208

 

أدّلة النّافين للوجود الذّهنيّ

والجواب عنها

قال: والمُوجود في الذّهن (1) إنّما هوالصّورةُ المخالفةُ في كثير من اللّوازم .

أقول: هذا إشارة إلى الجواب عن متمسّكات النّافين للوجود الذّهني، وهم جمهور المتكلّمين، فإنّ بعضهم قائلون به(2).

ولمّا كان مَبْنى الوجود الذّهنيّ على استلزام التعقّل إيّاه(3)، وقيام الموجود الذّهني بالذّهن ، اقتصر المانعون على نفيه بوجوه(4):

الأوّل: لو كان تصوّر الشيء مستلزماً لحصوله في العقل لزم من تصوّر الحرارة والبرودة والاستقامة والإعوجاج، أن يكون الذّهن حارّاً، بارداً، مستقيماً، مُعْوِّجاً، وهو محالٌ لما فيه من اجتماع الضّدين، واتّصاف الذّهن بما هومن خواصّ الأجسام.

الثّاني: أنّه يلزم أن يحصل السماوات مثلاً بعظمها في العقل عند تعقّلها، وفي الخيال عند تخيّلها، وهو باطلٌ بالضّرورة.


1 . ليس نفس حقيقة الشّيء حتّى يلزم اتّصاف الذّهن بهذه الصفات الحقيقيّة، بل إنّما هو الصّورة إلى آخره.
2 . أي بالوجود الذّهني.
3 . أي بالوجود الذّهني.
4 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 349 و 350 .


صفحه 209

الثّالث: أنّه يلزم من تعقّلنا للمعدومات وجودها في الخارج لكونها موجودة في العقل الموجود في الخارج، مع القطع بأنّ الموجود في الموجود في الشيء موجود في ذلك الشيء، كالماء الموجود في الكوز الموجود في البيت.

والجواب عن الكلّ: أنّه مبنيّ على عدم التّفرقة بين الوجود المتأصّل الّذي به الهويّة العينيّة، وغير المتأصّل الّذي به الصّورة العقليّة، فإنّ المتّصف بالحرارة مثلاً ما يقوم به هويّة الحرارة لا صورتها، و(1) التضاد إنّما هو بين هويّتي الحرارة والبرودة لا بين صورتيهما، وكذا في الاستقامة والإعوجاج وأمثال ذلك، والمعلوم بالضّرورة استحالة حصوله في العقل والخيال هو هويّات السماوات وأمثالها لا صورها الكليّة والجزئيّة.

والموجود (2) في الموجود في الشيء، إنّما يكون موجوداً في ذلك الشيء، إذا كان الوجودان متأصّلين، ويكون الموجودان هويّتين كوجود الماء في الكوز، والكوز في البيت، بخلاف وجود المعدوم في الذّهن، فإنّ الحاصل في الذّهن من المعدوم صورة والوجود غير متأصّل، ومن الذّهن في الخارج هويّة ووجود متأصّل.

وبالجملة: فماهيّة الشّيء ـ أعني: صورته العقليّة ـ مخالفة لهويّته العينيّة في كثير من اللّوازم، فإنّ اللّوازم: قد تكون لوازم الماهيّة في الوجود الأصيل.

وقد تكون لوازم لها بحسب الوجود غير الأصيل.

وقد تكون لوازم لها من حيث هي مع قطع النظر عن أحد الوجودين.


1 . الواو: حالية.
2 . قوله: «والموجود في الموجود في الشيء الخ» جواب عن الثالث .


صفحه 210

فالموافقة بين الصّورة والهويّة إنّما تجب في القسم الأخير بخلاف القسمين الأوّلين.

ومعنى المطابقة بين الصّورة الهويّة: هو أنَّ الصّورة إذا وجدت في الخارج كانت تلك الهويّة، والهويّة إذا جرّدت عن العوارض المشخّصة واللّواحق الغريبة، كانت تلك الصوّرة، فلا يرد أنّ الصّورة العقليّة إن تساوت الصّورة الخارجيّة، لزم المحالات(1)، وإلاّ لم يكن صّورة لها .

فإن قيل (2): هذا الجواب عن الوجه الأوّل(3) مخصوص بما إذا ادّعى الخصم اتّصاف الذّهن بالصّفات الموجودة في الخارج، كالحرارة والبرودة، فلو تشبّث بلوازم الماهيّات، كالزّوجيّة والفرديّة، أو بصفات المعدومات، كالامتناع ونحوه (4)، لم يمكن التفصّي عنه بهذا الجواب، بل الجواب الحاسم لمادّة الشّبهة، هو أن يفرق بين الحصول في الذّهن والقيام به، والموجب لاتّصاف شيء بشيء هو قيامه به لا حصوله فيه، فإنّ حصول الشيء في الزّمان والمكان لا يوجب اتّصافهما به.

وبهذا الفرق يندفع أيضاً إشكالٌ قويٌّ يرد على القائلين بوجود الأشياء أنفسها في الذّهن لا بأشباحها(5)، وهو أنّ مفهوم الحيوان مثلاً إذا وجد في الذّهن، فهناك أمران:


1 . الثلاثة المذكورة .
2 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 13 / 14 .
3 . أي لو كان تصوّر الشّيء مستلزماً لحصوله في العقل الخ .
4 . بأن يقول: لو حصلت الزّوجيّة والفرديّة في الذّهن لزم أن يكون الذّهن زوجاً وفرداً، إذ لا معنى للزّوج والفرد إلاّ ما حصل فيه الزوجيّة والفرديّة. وكذا لو حصل الامتناع في الذّهن لزم أن يكون الذّهن ممتنعاً، إذ لامعنى للممتنع إلاّ ما حصل فيه الامتناع.
5 . ومن اراد التفصيل في نقد القول بالشّبح، فليرجع إلى : الحكمة المتعالية : 1 / 314 ـ 326 .


صفحه 211

أحدهما: موجود في الذّهن وهو معلوم، وكلّي وجوهر وهو مفهوم الحيوان.

وثانيهما: موجود في الخارج وهو عِلمٌ وجزئيّ وعرض، فعلى القول بالشّبح الموجود في الذّهن الّذي هو كلّي وجوهر ومعلوم هو مفهوم الحيوان الّذي شّبحه قائم بالذّهن، إذ على هذه الطريقة ذلك هو معنى الوجود في الذّهن والموجود في الخارج الّذي هو جزئيّ وعرض من الكيفيّات النفسانيّة، وعلم هو الشّبح القائم بالذّهن، فلا إشكال.

وأمّا على القول بحصول حقائق الأشياء أنفسها في الذّهن، فيشكل أنّ الموجود في الخارج الّذي هو جزئيّ وعرض ما هو، إذ ليس على هذه الطريقة إلاّ مفهوم الحيوان الّذي هو قائمٌ به ومعلوم، فعلى الفرق المذكور يكون مفهوم الحيوان حاصل في الذّهن لا قائماً به، والقائم به هو صورته المطابقة له في الماهيّة، ومن وجود الشّيء في الذّهن يلزم اتّصاف الذّهن بالعلم بذلك الشّيء، إذ هو القائم بالذّهن لا بذلك الشّيء إذ هو حاصلٌ فيه لا قائمٌ به .

قلت: أمّا الجواب عن لزوم اتّصاف الذّهن بلوازم الماهيّة كالزوجيّة والفرديّة، فهو أنّ لوازم الماهيّة إنّما هي من الأُمور الانتزاعيّة.

ومعنى قيام الصّفة الانتزاعيّة بالشّيء واتّصافه بها، هو كون الشّيء بحيث يمكن أن ينتزع منه العقل تلك الصّفة ثمّ يصفه بها. والزوجيّة وأمثالها بالقياس إلى الذّهن، ليست من هذا القبيل، فإنّ الذّهن ليس بحيث يمكن للعقل أن ينتزع منه(1) الزّوجيّة أو الفرديّة حتّى يصفه بهما، بل هما بالقياس إلى الأربعة والخمسة مثلاً كذلك.


1 . أي الذّهن .


صفحه 212

ومعنى الوجود العيني للأمر الانتزاعي هو كون المنتزع منه بحيث يمكن أن ينتزع منه ذلك الأمر، فالزوجيّة الحاصلة في الذّهن مثلاً بالقياس إلى الأربعة الحاصلة، فيه موجود خارجيّ، وبالقياس إلى الذّهن موجود ذهنيّ.

فصحّ أنّ مناط اتّصاف الشّيء بالشّيء إنّما هو قيامه به بحسب وجوده العيني ; لا بحسب وجوده الذّهني .

وأمّا الفرق بين الحصول والقيام في الوجود الذّهني، فباطلٌ، فإنّ مبنى الوجود الذّهني إنّما هو على قيام الموجود الذّهنيّ بالذّهن كما أشرنا إليه، لا على مجرّد حصوله فيه من غير قيامه به، كيف ولو كان الموجود في الذّهن هو الحاصل فيه، لا القائم به لزم من تصوّرنا الغرض كالسواد مثلاً بدون الموضوع أن يكون صورة السّواد الحاصلة في الذّهن قائمة بذاتها لا بالموضوع، فيكون لا جوهراً، لأنّ الجوهر ماهيّة إذا وجدت في الخارج كانت لا في موضوع وهي في الخارج موجودة في الموضوع، ولا عرضاً، لقيامها في الذّهن بذاتها لا في الموضوع.

والعرض: هو الموجود بالفعل في الموضوع، فلا يشكل بقيام صورة الجوهر بالذّهن بناء على عدم الفرق بين الحصول والقيام، فإنّ صورة الجوهر جوهر لوجود حدّه فيها.

وأمّا الإشكال المورد على القائلين بوجود الأشياء أنفسها في الذّهن.، فالجواب عنه: أنّ في المثال المذكور مفهوم «الحيوان» من حيث هو شيء، ومن حيث الوجود في الذّهن ـ أعني: القيام به شيء ثان ـ ومن حيث الوجود في خارج الذّهن شيء ثالث، فهو من حيث هو معلوم بالذّات وجوهرٌ ; أي ماهيّة جوهر وكلّي وموجود في الذّهن.


صفحه 213

ومن حيث خصوص الوجود الذّهني عِلمٌ.

ومن حيث القيام بالذّهن الشّخصي والمحفوفيّة بعوارض ذلك الذّهن جزئيّ وعرض من الكيفيّات النفسانيّة، وموجود خارجيّ بالمعنى المقابل للوجود الظلّي، لا أنّه موجودٌ في خارج الذّهن.

ومن حيث الوجود في خارج الذّهن معلومٌ بالعرض وجزئيّ وشخص من الجوهر وموجود في خارج الذّهن.

وليس هو من حيث هو موجود في الذّهن منفصلاً عمّا هو قائم بالذّهن، بل هذا القائم بالذّهن إذا اعتبر من حيث هو، فهو موجود في الذّهن وجوهر .

وإذا اعتبر من حيث خصوص قيامه بالذّهن، فهو موجود خارجيّ وعرض، فلمفهوم الحيوان مثلاً فردان: فردٌ موجودٌ في خارج الذّهن، وفردٌ موجودٌ في الذّهن.

وقد عرض المفرد الموجود في الذّهن إنْ قام بالذّهن. وذلك لأنّ هذا هو معنى الوجود في الذّهن، فالفرد الموجود في الخارج جوهر خارجيّ، والفرد الموجود في الذّهن جوهر ذهني لكنّه عرض خارجيّ، ولا منافاة بين كون الشّيء جوهراً ذهنيّاً وعرضاً خارجيّاً، لأنّ معنى الجوهر الذّهني هو أنّه صورة مطابقة لموجود في خارج الذّهن لا في موضوع، وإن كانت في الذّهن في موضوع(1).

ومعنى العرض الخارجيّ: هو أنّه بالفعل موجود في موضوع موجود في الخارج هو الذّهن، وإن كان إذا كان لا في الذّهن كان لا في موضوع، وإنّما


1 . في أ: «وإن كانت في الذّهن في موضوع» غير موجود.


صفحه 214

المنافاة بين كون الشّيء جوهراً ذهنيّاً وعرضاً ذهنيّاً، أو بين كونه جوهراً خارجيّاً وعرضاً خارجيّاً، بخلاف فردي مفهوم السّواد مثلاً، فإنّ فرده الموجود في الذّهن عرض ذهنيّ، كما أنّه عرض خارجيّ، لأنّ معنى العرض الذّهني هو أنّه صورة مطابقة لموجود خارج الذّهن في موضوع، وهي أيضاً موجودة في موضوع هو الذّهن.

وهذا معنى ما قاله المصنف في " شرح رسالة العلم " من «أنّه إذاسمّينا الصّور الذهنيّة علوماً فتلك الصّور من حيث وجودها في الأذهان مساوية الماهيّات للمدركات، ومن حيث هي كذلك(1)، فبعضها جواهر وبعضها أعراض، لكن جواهرها جواهر ذهنيّة، وأعراضها أعراض ذهنيّة،ومن حيث وجودها في الخارج، فالجميع أعراض(2). انتهى كلامه أعلى الله مقامه »(3).

وقد أفصح عمّا ذكرنا أيضاً الشيخ في " إلهيات الشفاء " بقوله: «وأمّا العلم فإنّ فيه شبهة، وذلك أنّ لقائل أن يقول: إنّ العلم هو المكتسب من صور الموجودات مجردة عن موادّها، وهي صور جواهر وأعراض .

فإن كانت صور الأعراض أعراضاً، فصور الجواهر كيف تكون أعراضاً؟ فإنّ الجوهر لذاته جوهر ; فماهيّته جوهر، لا تكون في موضوع ألبتة وماهيّته محفوظة سواء نسبت إلى إدراك العقل لها أو نسبت إلى الوجود الخارجيّ .


1 . أي مساوياً للماهيّات.
2 . لأنّها موجودة في موضوع موجود في الخارج هو الذّهن أو العقل، والموجود في موضوع هوالعرض.
3 . لاحظ : شرح مسألة العلم: 33 .


صفحه 215

فنقول: إنّ ماهيّة الجوهر جوهر بمعنى أنّه الموجود في الأعيان لا في موضوع، وهذه الصّفة موجودة لماهيّة الجوهر المعقولة، فإنّها ماهيّة من شأنها أن تكون موجودة في الأعيان لا في موضوع، أيّ أنّ هذه الماهيّة معقولة عن أمر وجوده في الأعيان أنْ لا يكون في موضوع.

وأمّا وجوده في العقل بهذه الصّفة فليس ذلك في حدّه من حيث هو جوهر .(1)

ثمّ قال: فإن قيل: قد جعلتم أنّها(2) تارة تكون عرضاً، وتارة تكون جوهراً، وقد منعتم هذا .

فنقول: إنّا منعنا أن تكون ماهيّة شيء توجد في الأعيان مرة عرضاً ومرة جوهراً حتّى تكون في الأعيان تحتاج إلى موضوع ما، و(3) فيها لا تحتاج إلى موضوع ما ألبتة، ولم نمنع أن يكون معقول تلك الماهيّات يصير عرضاً، أي تكون موجودة في النفس لا كجزء منه»(4) .

وقال أيضاً: في " قاطيغورياس الشفاء ": «فإذن الأشخاص في الأعيان جواهر، والمعقول الكلّي أيضاً جوهر، إذ صحيح عليه أنّه ماهيّة حقّها في الوجود في الأعيان أن لا تكون في الموضوع، ليس لأنّه معقول الجوهر، فإنّ معقول الجوهر ربّما يشكك في أمره فَظُنّ به أنّه علمٌ وعرض، بل كونه علماً أمرٌ عَرَضَ


1 . أي ليس حدّ الجوهر أنّه في العقل لا في موضوع، بل حدّه أنّه سواء كان في العقل أم لم يكن، فإنّ وجوده في الأعيان ليس في موضوع.
2 . أي ماهيّة الجوهر.
3 . حالية.
4 . إلهيّات الشفاء: 1 / 140 ـ 142 / الفصل الثّامن من المقالة الثّالثة .


صفحه 216

لماهيّة(1) وهو العرض، وأمّا ماهيّته فماهيّة الجوهر، والمشارك للجوهر بماهيّته جوهر.

ثمّ قال: فكلّيات الجواهر جواهر في ماهيّاتها. انتهى كلام الشفاء».(2)

وينطبق أيضاً على ما ذكرنا ما نقل عن بعضهم: من أنّ العلم باعتبار كيفيّة(3)، وباعتبار من مقولة المعلوم(4)، هو اعتبار تلك الصّورة من حيث إنّها مطابقة لما أخذت منه وحصلت عنه في الذّهن.

وبالجملة: فالحاصل أنّ مغايرة الأمر الأوّل(5) والأمر الثّاني(6) في كلام الفارق بين الحصول والقيام، إنّما هي مغايرة الماهيّة من حيث هي مع ما هو فرد لها، فإنّهما(7) متّحدان لا محالة بالذّات والوجود ومتغايران بالاعتبار. كيف، ولو كانا متغايرين بالذّات لكان ذلك هو القول بالشبح والمثال، بل جمعاً بين المذهبين(8)، ولم يقل به أحد، فقيام الفرد بالموضوع مستلزم لقيام الماهيّة به.

وممّا يجب أن يعلم: أنّ وجود الصّورة العلميّة في الذّهن وقيامها به إنّما هو وجود ذهنيّ للمعلوم الّذي هو ذو الصّورة، وليس هو وجوداً ذهنيّاً لنفس هذه الصّورة، فإنّ الموجود في الذّهن هو ما تكون صورته وماهيّته معرّاة(9) عن العوارض، وعن وجوده الأصيل الّذي هو مبدأ آثاره ولوازمه قائمة بالذّهن لا ما


1 . أ، ب و ج: «لماهيّته». كذلك في نفس المصدر .
2 . منطق الشّفاء : 1 / 95 / المقولات / المقالة الثّالثة / الفصل الأوّل .
3 . أي عرض .
4 . أي جوهر .
5 . هو الماهيّة.
6 . هو الفرد .
7 . أي الماهيّة والفرد منها.
8 . أي القول بالشّبح والقول بوجود الأشياء بأنفسها في الذّهن .
9 . حال من قوله «صورته».


صفحه 217

يكون هو مع عوارضه ولوازمه قائماً بالذّهن، وتلك الصّورة(1) القائمة بالذّهن نفسها قائمة بالذّهن مع عوارضها من حيث كونها صورة، لا صورة منها(2) مجرّدة عن عوارضها من حيث هي صورة، فهي من حيث هي وباعتبار أنّها شيء ما من الأشياء، له آثار وأحكام موجودة في الخارج، فإنّ الذّهن ـ أعني: النّفس الناطقة ـ موجودة في الخارج.

وقد قامت بها تلك الصّورة وترتّبت على تلك الصّورة آثارها ولوازمها، ولا معنى للوجود الخارجيّ إلاّ ذلك. وذلك كما أنّ التلفّظ بلفظ «زيد» وجود لفظيّ لذات «زيد» لكنّه وجود خارجيّ لذلك اللّفظ لا محالة. وكذلك نقش هذا اللّفظ في الكتابة وجود كتبيّ لهذا اللّفظ، ووجود خارجيّ لذلك النّقش، وحينئذ يظهر أنّ الصّورة العلميّة من مقولة الكيف حقيقة لا مسامحة وتشبّهاً للأُمور(3) الذّهنيّة بالأُمور العينيّة كما ذهب إليه المحقّق الدواني.

ولا أنّها مع كونها كيفاً حقيقة موجود ذهنيّ لا عينيّ، ويمنع انحصار المقولات في الموجودات العينيّة، كما ذهب إليه سيد المدقّقين .

وبذلك منعا وجود الأمر الثّاني(4) في كلام الفارق.

ولعمري أنّ ذلك بمعزل من التحقيق وإنّما أطنبنا الكلام في هذا المقام لكونه من مزال أقدام الأفهام.

واعلم: أنّ المشهور أنّ للقائلين بالوجود الذّهني مذهبين :


1 . أي العلميّة.
2 . أي الصورة العلميّة.
3 . أي الأُمور الموجودة في الذّهن .
4 . أي القائم بالذّهن الّذي هو موجود خارجي.


صفحه 218

أحدهما: القول بأنّ معنى وجود الأشياء في الذّهن هو حصول صورها وأشباحها الموافقة لها في بعض العوارض في الذّهن، كالصّورة المنقوشة من الفرس مثلاً في الجدار، وهذا القول للقدماء .

وثانيهما: القول بأنّ حقائق الأشياء وماهيّاتها حاصلة في الذّهن، وهذا القول للمتأخّرين.

فالأوّلون: إذا قالوا صورة الشيء موجودة في الذّهن، أرادوا بها شبحه وشبيهه.

والآخرون: يريدون بها حقيقة الشيء وماهيّته.

وأنت خبير: بأنّ الوجوه الدالّة على ثبوت الوجود الذّهني، إنّما دلالتها على وجود حقائق الأشياء وماهيّاتها في الذّهن لا الأمر المغاير لها في الماهيّة الموافق لها في بعض الأعراض، فإنّ الحكم على شيء إنّما يستدعي وجود ذلك الشيء، وثبوته لا ثبوت أمر مغاير له، وإن وافقه في بعض الأعراض .

فالحق: أنّ ماهيّات الأشياء في الذّهن لمّا لم يظهر عنها آثارها، ولم يصدر عنها أحكامها. أطلق القدماء عليها لفظ الأشباح، لأنّ شبح الشّيء، لا يصدر عنه أثر ذلك الشيء لا أنّهم قائلون بحصول أشباح الأشياء في الذّهن وأنّ هناك مذهبين .


صفحه 219

 

المسألة الخامسة

في أنّ الوجود هو نفس تحقّق الماهيّة

قال: وليس الوجود معنى به يحصل الماهيّة في العين بل الحصول.

أقوال: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ الوجود ليس أمراً ينضمّ إلى الماهيّة ; فيحقّق به الماهيّة، بل هو نفس تحقّق الماهيّة وحصولها وكونها، كما أشرنا إليه فيما سبق .

وهذا ردّ لما ذهب إليه جماعة من أتباع المشّائين من كون الوجود صفة موجودة في الخارج منضمّة إلى الماهيّة وكون الماهيّة موجودة بها، فعندهم المجعول بالذّات والصّادر من الجاعل بالحقيقة إنّما هو الوجود والماهيّة من حيث هي غير مجعولة، ومن حيث الاتّصاف بالوجود مجعولة بالعرض .

وهذا المذهب بظاهره سخيف جدّاً .

وقد أبطله شيخ الاشراق في كتاب " الاشراق" (1) وغيره بما لا مزيد عليه وحاصله: أنّ ثبوت الصّفة العينيّة للموصوف يتوقّف على ثبوت الموصوف في العين، فيلزم كون الماهيّة موجودة في الخارج قبل وجودها في الخارج.

وأيضاً لو كان الوجود موجوداً في الخارج: فإمّا يوجد غيره فيلزم التسلسل في الوجودات، وإمّا بوجود هو نفسه فيلزم أن لا يكون حمل الموجود


1 . لاحظ: مجموعة مصنفات شيخ الاشراق: 2 / 64 ـ 68 كتاب حكمة الاشراق .


صفحه 220

على الوجود وغيره بمعنى واحد، إذ مفهومه فيه أنّه نفس الوجود، وفي غيره أنّه شيء له الوجود، والحال أنّه لا يطلق على الجميع إلاّ بمعنى واحد.

ومستندهم هو أنّ الماهيّة إن لم ينضمّ إليها أمر من الجاعل فهي على العدم(1).

وجوابه: أنّكم فرضتم ماهيّة في الخارج ثمّ يضم الجاعل الوجود إليها، وهذا باطلٌ، لأنّ الماهيّة إذا كانت (2) أوّلاً فهي موجودة، إذ لا نفهم من الوجود إلاّ كون الماهيّة فايّ حاجة إلى ضمّ الوجود إليها بل نفس الماهيّة إنّما صدرت من الجاعل فكانت(3) في الخارج، فكان كونها في الخارج بعد الصّدور هو وجودها.

والمصنّف (رحمه الله)أشاربهذا الكلام إلى أنّه لا حاجة في إبطال ذلك المذهب إلى هذه المؤنة، بل يكفي أن يقال: إنّا لا نعني ولا نفهم من الوجود إلاّ كون الماهيّة وحصولها بالضّرورة، لا أمراً ينضمّ الى الماهيّة فتصير موجودة، فلو انضم إليها أمر من الجاعل لا يكون ذلك الأمر وجوداً(4) بالمعنى المفهوم للكلّ(5).

ولا ينبغي أن يتوهّم المنافاة بين ما ذكر هاهنا، وبين ما أشرنا إليه سابقاً، وسيأتي تحقيقه من كون الوجود عند الحكماء ذا أفراد حقيقيّة، إذ ليست تلك الأفراد عندهم ما ينضمّ إلى الماهيّة فتصير موجودة به، بل إن هي إلاّ أكوان خاصّة للماهيّات المتخالفة كلّ منها نفس كون ماهيّة مخصوصة بحسب الخارج كما ستعرف إن شاء الله تعالى.


1 . لاحظ : شرح حكمة الاشراق: 184 ـ 186 .
2 . أي حصلت .
3 . أي حصلت .
4 . ب: «وجوديّاً» .
5 . أي الماهيّة والوجود .


صفحه 221

 

المسألة السّادسة(1)

في أنّ الوجود لا تزايد ولا اشتداد فيه

قال: ولاتزايد فيه، ولا اشتداد .

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ الماهيّة لا تتحرّك في الوجود إلى الزّيادة والنّقصان ولا إلى الشدّة والضّعف.

وإليه أشار المصنّف بقوله: ولا تزايد فيه ; أي في الوجود ولا اشتداد. فالتّزايد في الوجود هو حركة الماهيّة متوجّهة من وجود ناقص إلى وجود أزيد منه. وعكس ذلك هو التنقّص، أعني: حركة الماهيّة متوجّهة من وجود زائد إلى انقص منه .

والاشتداد (2) في الوجود هو حركة الماهيّة من وجود ضعيف إلى وجود أشدّ منه، وعكس ذلك هو التضعّف، أعني: حركة الماهيّة من وجود شديد إلى وجود أضعف منه.

وهذا ـ أعني: التّزايد في الشّيء والاشتداد فيه ـ غير الزّيادة والنقص والشدّة والضّعف ـ أعني: كون الشّيء ناقصاً أو زائداً أو ضعيفاً وشديداً ـ فإنّ معناه أن يكون فرد من الشّيء ناقصاً أو ضعيفاً، وفرد آخر منه زائداً أو شديداً،


1 . اعلم أنّ هذه المسألة والمسألة السّابعة والثّامنة في بيان أحكام الوجود .
2 . وقد شرح المصنّف (رحمه الله) معنى الاشتداد في الجوهر النضيد: 27 / الفصل الثّاني من المقولات.


صفحه 222

وجواز ذلك في الشيء لا يستلزم جواز حركة شيء آخر فيه من فرد إلى فرد آخر، ولهذا جوّزوا أن يكون الوجود، ذا شدّة وضعف وزيادة ونقص، على ما سيأتي من أنّ الوجود مقول بالتّشكيك على أفراده، ولم يجوّزوا أن يقبل الوجود التّزايد والاشتداد، ولا التنقّص والتّضعيف.

والدّليل على ذلك: هو أنّ الحركة في كلّ شيء معناها أنْ يكون المتحرّك متقوّماً وموجوداً من دون ذلك الشّيء وباقياً بعينه، ويتوارد عليه في كلّ آن من الآنات المفروضة في زمان الحركة فرد من أفراد ذلك الشّيء، فإنّ معنى حركة الجسم في الأين هو أنّ الجسم موجود ومتقوّم بدون الأين، وباق بحاله من التقوّم والتعيّن والوجود، ويتوارد عليه في كلّ آن أين آخر.

وكذا معنى حركة الماء في السّخونة، هو أنّ الماء باق بعينه ويتبدّل عليه في كلّ آن فرد من السّخونة.

وظاهر أنّ مثل ذلك التّبدّل والتّوارد لا يمكن في الماهيّة بالقياس إلى الوجود، فإنّ الماهيّة لا يتصوّر كونها متقوّمة وموجودة وباقية من دون الوجود ليتصوّر توارد الوجود عليها.

ولهذا السبب لا يمكن أيضاً أن يتحرّك الهيولى في الصّورة، إذ ليس لها تقوّم بدون الصّورة، ليمكّن توارد الصّور عليها.

ومن ذلك ظهر أنّه لا يمكن الازدياد والنّقص والاشتداد والتّضعيف في الجوهر والماهيّة والذّاتيّ.

وبالجملة: في كلّ ما لا يمكن تقوّم الموضوع بدونه(1)، وذلك(2) غير


1 . أي بدون الوجود .
2 . أي عدم الإمكان.


صفحه 223

كون شيء منها(1) غير قابل للتّشكيك كما عرفت.

وأيضاً(2) أنّ الوجود ليس له فرد قائم بالماهيّة، بمعنى كونه صفة موجودة ممتازة عن الماهيّة(3); بل هو مجرّد كون الماهيّة، وإنّما مغايرة وجود لوجود تَبع لمغايرة ما هو وجود له، كما سيأتي. فلا يتصوّر تبديل الماهيّة في الوجود إلاّ بعد تبدّلها في نفسها أو في تشخّصها، فلا يكون باقية بعينها.

فإن قيل: على الوجه الأوّل(4) الماهيّة لا تتقوّم بدون واحد من أفراد الوجود، كما أنّ الهيولى إنّما يتقومّ بواحد من أفراد الصّورة، فيجوز أن يتوارد على الماهيّة وجودات متعاقبة، بحيث إذا انتفى عن الماهيّة وجود في آن حصل لها في ذلك الآن بعينه وجود آخر أشد أو أزيد أو أضعف أو أنقص وكذلك في الهيولى.

قلت: وجوب بقاء الموضوع في الحركة بعينه يستدعي بقاء وجود بعينه مع الماهيّة بالضّرورة، وإلاّ لكانت الماهيّة مع كلّ وجود فرداً آخر منها، فلا تكون باقية بعينها، وكذا الحال في الهيولى بالقياس إلى الصّورة .

وقد يجاب أيضاً:(5) بأنّ الحركة لما استلزمت أن يكون جميع أفراد المقولة الّتي هي واقعة فيها بالقوّة لا بالفعل، لأنّها لو كانت بالفعل:


1 . أي الجوهر والماهيّة والذّاتي.
2 . ب: «قد عرفت».
3 . المتحرّكة.
4 . أي والتزايد في الوجود وهو حركة الماهيّة متوجهة من وجود ناقص إلى وجود أزيد منه .
5 . هذا الجواب للمحقّق الدّواني. لاحظ : حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقايد: 14 .


صفحه 224

فإمّا أن يستقرّ المتحرّك في واحد منها أكثر من آن مّا فيلزم انقطاع الحركة.

وإمّا أن لا يكون في شيء منها إلاّ آناً واحداً فيلزم تتالي الآنات.

وكون الأُمور الموجودة المترتّبة الغير المتناهية محصورة بين حاصرين، فلو تحرّكت الماهيّة في الوجود، لزم أن يكون جميع أفراد وجودها في زمان الحركة بالقوّة، فيلزم كون الماهيّة حال الحركة في الوجود موجودة بالقوّة .

لا يقال: يلزم ممّا ذكرت من وجوب كون جميع أفراد ما تقع فيه الحركة بالقوّة لا بالفعل، أن لا يكون للمتحرّك في الأين مثلاً أين بالفعل، وهو باطلٌ لامتناع خلوّ الجسم عن أين مّا .

لأنّه يجاب: بأنّا لا نسلّم بطلان ذلك، فإنّ القدر الضروري عدم خلوّ الجسم عن جميع أفراد الأين، وعن التوسّط بين تلك الأفراد معاً، وفي حال الحركة يثبت التوسّط بين تلك الأفراد بالفعل، وإن لم يكن شيء منها بالفعل .

فإن قلت: لعلّ بعضها(1) بالقوّة، وبعضها بالفعل، وهو كلّ فرد يصل إليه المتحرّك في آن مفروض، ولا يلزم تتالي الآنات، إذ كلّ آنين بينهما زمان لا محالة.

قلت: فيلزم أن يكون الماهيّة في ذلك الزّمان الّذي بين ذينك الآنين موجودة بالقوّة لا بالفعل، فتدبّر.


1 . أي حركة الماهيّة.


صفحه 225

 

المسألة السّابعة

في أنّ الوجود خير محض

قال: وهو خيرٌ محض

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ الوجود خير محض لا شرّية فيه من حيث هو وجود.

وإليه أشار المصنّف بقوله: وهو أي الوجود خيرٌ محض.(1)

وهذه المقدّمة ضروريّة جدّاً، فإن كان فيها خفاء، فلعدم تحقّيق ماهيّة الخير والشرّ، فيجب أن نذكر ما لعلّه يزول به ذلك الخفاء .

فنقول: لمّا بحثنا عن ماهيّة الشّيء الّذي يعبّر عنه الجمهور بالخيروعن ماهيّة الشّيء الّذي يعبّرون عنه بالشرّ، وفحصّنا عمّا دخل فيهما بالذّات، وعمّا نسب إليها بالعرض وجدنا الخير بالذّات هو الوجود، والشرّ بالذّات هو العدم .

بيان ذلك على ما قاله المصنّف في شرح الإشارات: «هو أنّ الشرّ يطلق على أُمور عدميّة من حيث هي غير مؤثّرة، كفقدان كلّ شيء ما من شأنه أن يكون له مثل الموت والفقر والجهل، وعلى أُمور وجوديّة كذلك، كوجود ما يقتضي منع المتوجّه إلى كمال عن الوصول إليه، مثل البرد المفسد للثّمار،


1 . قال في البراهين القاطعة: هذه قضيّة وجدانيّة، لا برهانيّة ولا استقرائيّة.


صفحه 226

والسّحاب الّذي يمنع القصّار عن فعله، وكالأفعال المذمومة، مثل الظلم والزّنا، وكالأخلاق الرذيلة، مثل الجبن والبخل، وكالآلام والغموم، وغير ذلك .

وإذا تأمّلنا في ذلك، وجدنا البرد في نفسه من حيث هو كيفيّة ما أو بالقياس إلى علّته الموجبة له ليس بشرّ; بل هو كمال من الكمالات، إنّما هو شرّ بالقياس إلى الثّمار لإفساده أمزجتها، فالشّر بالذّات هو فقدان الثّمار كمالاتها اللاّئقة بها. والبرد إنّما صار شرّاً بالعرض لاقتضائه ذلك. وكذلك السّحاب .

وأيضاً القتل ليس بشرّ من حيث إنّ القاتل كان قادراً عليه، ولا من حيث إنّ الآلة كانت قاطعة، ولا من حيث إنّ عضو المقتول كان قابلاً للقطع، بل من حيث إنّه أزال الحياة عن ذلك الشخص، وهو قيد عدميّ وباقي القيود الوجوديّة خيرات.(1)

وأيضاً الظّلم والزّنا ليسا من حيث هما أمران يصدران عن قوّتين كالغضبيّة والشهويّة مثلا بشرّ، بل هما من تلك الحيثيّة كمالان لِتَيْنِك القوّتين، وإنّما يكونان شرّاً بالقياس إلى المظلوم، أو إلى السياسة المدنيّة، أو إلى النّفس النّاطقة الضّعيفة عن ضبط قوّتيه الحيوانيّتين، فالشرّ بالذّات هو فقدان أحد تلك الأشياء كماله، وإنّما أُطلق على أسبابه بالعرض لتأديتها إلى ذلك.

وكذلك القول في الأخلاق الّتي هي مباديها.

وكذلك الآلام، فإنّها ليست بشرور من حيث هي إدراكات لأُمور، ولا من حيث وجود تلك الأُمور في أنفسها أو صدورها عن عللها. إنّما هي شرور بالقياس إلى المتألّم الفاقد لاتّصال عضو من شأنه أن يتّصل .


1 . قوله: «وأيضاً القتل ليس بشرّ ـ إلى ـ الوجوديّة خيرات» من بيان الشارح الفاضل (قدس سره).


صفحه 227

فإذن قد حصل من ذلك(1) أنّ الشرّ في ماهيّته عدم وجود أو عدم كمال لموجود من حيث إنّ ذلك العدم غير لائق به أو غير مؤثّر عنده، وأنّ الموجودات ليست من حيث موجودات بشرور، إنّما هي شرور بالقياس إلى الأشياء العادمة لكمالاتها لا لذواتها، بل لكونها مؤدّية إلى تلك الأعدام».(2)

فظهر من التفتيش في هذه الأمثلة أنّ الوجود خير محض، وأنّ الشرّ ليس إلاّ العدم، وأنّ إيرادها ليس لإثبات هذه المقدّمة وتصحيحها، بل للتّنبيه عليها وتوضيحها، فالمناقشة في أمثال ذلك ليست بقادحة في شيء.


1 . أي ممّا تقدم أنّ الشرّ يطلق على عدم شيء من حيث هو غير مؤثر وهو فقدان كمال الشيء، وإذا أطلق على أمر وجودي مانع عن الكمال فالشرّ بالحقيقة هو فقدان الكمال أيضاً. فقد حصل مفهوم الشرّ وهو عدم كمال لموجود من حيث هو غير لائق به .
2 . شرح الاشارات والتنبيهات: 3 / 320 و 321 .


صفحه 228

 

المسألة الثامنة

في أنّ الوجود لا ضدّ له ولا مثل له

قال: ولا ضدّ له ولا مثل، فتحقّقت مخالفته مع المعقولات، ولا يُنافيها .

أقول: إنّ هذه المسألة في نفي المضادّة والمماثلة عن الوجود مع شيء من الأشياء ليبقى مجرّد مخالفته بدون المنافاة مع جميع المعقولات.

وإلى ذلك أشار المصنّف بقوله: ولا ضدّ له، ولا مثل، فتحقَّقت مخالفتُه مع المعقولات، ولا يُنافيها .

بيان ذلك: أنّ الضدّ، وكذا المثل، وكذا المخالف، يقال لما له ماهيّة، ويكون مشاركاً لغيره في الموضوع، ولا يجتمعان فيه أو في تمام الماهيّة أو غير مشارك بشيء من الوجهين.

والوجود ليس بماهيّة أصلاً، بل هو تحقّق الماهيّة وكونها.

فإذا اعتبر التحقّق من حيث إنّه شيء من الأشياء، ومفهوم من المفهومات، لا يكون بذلك الاعتبار تحقّق ماهيّة، بل يكون هو ماهيّة. فالوجود من حيث هو وجود ليس بماهيّة ليتصور كونها ضدّاً أو مِثلاً أو مخالفاً لغيرها، ومن حيث هو مفهوم من المفهومات يتصوّر فيه ذلك، لكنّه ليس بضدّ أو مثل لشيء من المعقولات.

أمّا أنّه ليس بضدّ: فلأنّ الوجود معتبر في الضدّ، والوجود ليس له وجود.


صفحه 229

وأمّا أنّه ليس بمثل: فلأنّ الوجود قائم بمحلّ لا محالة فما هو مثل له يكون في محلّ أيضاً، إذ حكم الأمثال واحد بالضّرورة، وكلّ محلّ موجود، فيلزم اجتماع المثلين في محلّ ما هو مماثل للوجود، بل مخالف لها، إذ لا مانع من المخالفة من هذه الحيثيّة، وإنّما تثبت المخالفة من نفي المضادّة والمماثلة، لأنّ النّسبة بين الاثنين منحصرة في هذه الثّلاثة(1). فإذا انتفت الاثنتان بقيت واحدة منها.(2)

ولمّا كانت المنافاة أعّم من المضادّة ومن نفي الضدّ، لا يلزم نفي المنافاة.

ومن إثبات المخالفة، يتوهّم ثبوت المنافاة، لكونهما ممّا يجتمعان معاً. وهو ليس بواقع.

صرّح بنفي المنافاة أيضاً بقوله: ولا ينافيها، فإنّ الوجود المطلق الّذي الكلام فيه يعرض لكلّ شيء حتّى لنفسه من حيث إنّه معقول وحتّى لنقيضه ـ أعني: العدم من حيث هو كذلك ـ والمنافي لا يمكن أن يعرض لما هو مناف له .


1 . أي التّضاد والتّماثل والتّخالف. وجه الحصر أنّ الاثنين إمّا أن يكون بينهما غاية الخلاف أو لا، والأوّل هو التّضادّ، والثّاني: إمّا أن يكونا مندرجين تحت طبيعة واحدة نوعيّة أو لا، والأوّل هو التّماثل والثّاني هو الاختلاف .
والمختلفان إن لم يجتمعا كالحجر والحركة الإراديّة مثلاً فهما متنافيان وإلاّ فهما المختلفان محضاً. وسيأتي ما له بما هاهنا في الجزء الثّاني من هذا الكتاب المبحث الخامس والسادس والسّابع من المسألة السّابعة من الفصل الثّاني.
2 . أي فإذا تبيّن أنّ الوجود لا تضادّ له مع المعقولات ولا تماثل له تحقق القسم الثالث أعني التّخالف .


صفحه 230

 

المسألة التّاسعة

في مساوقة الشيئيّة والوجود (1)

قال : ويُساوِق الشيئيّة، فلا تَتَحقَّقُ بدونه، والمنازعُ مكابرٌ مقتضي عقِلِهِ .

أقول: إنّ المعدوم ليس بشيء، وأنّ الشيئيّة مساوقة(2) للوجود، بمعنى أنّ كلّ موجود شيء، وبالعكس كما ذهب إليه الحكماء وأكثر المتكلّمين.

ولفظ «المساوقة» يستعمل فيما يعمّ الاتّحاد في المفهوم(3)، فيكون اللّفظان(4) مترادفين والمساواة في الصدق(5) فيكونان متباينين(6)، ولهم تردّد في ترادف لفظي الوجود والشيئيّة.


1 . راجع لمزيد التحقيق: الأسفار: 1 / 75 ـ 82 / الفصل الثامن، من المنهج الأوّل، وشرح المقاصد: 1 / 351 ـ 354 ; وشرح تجريد العقائد: 15 ـ 16 .
2 . المساوقة: هي التلازم بين الشيئين بحيث لا يختلف أحدهما عن الآخر في مرتبة، وقد تستعمل المساوقة فيما يعمّه الاتحاد في المفهوم. لاحظ : المعجم الفلسفي: 2 / 368. وإنّما عبّر بالمساواقة إشارة إلى تغاير الوجود والشيء مفهوماً وتلازمهما خارجاً. وبعبارة أُخرى اشارة إلى أنّ النزاع ليس في إطلاق اللّفظ بل إنّما هو بحسب المعنى.
3 . كالإنسان والبشر.
4 . أي الشيئيّة والوجود .
5 . المساواة: هي اتّحاد في الكميّة والتّرتيب الّذي أخذ في حدّ العدد. انظر: إلهيات الشفاء: 1 / 106 / المقالة الثّالثة / الفصل الثّالث.
6 . في النسخ الّتي بأيدينا: «والمساواة فيكونان متباينين» لكن الصحيح ما اثبتناه في المتن تبعاً لما في شرح الفاضل القوشجي على تجريد الاعتقاد، أي «والمساواة في الصدق فيكونان متساويين».


صفحه 231

بل ربّما يدّعى نفيه بناء على أنّ قولنا: «السّواد موجود» يفيد فائدة معتدّاً بها، بخلاف قولنا: «السّواد شيء».

وأيضاً يستعمل أحدهما فيما لا يستعمل فيه الآخر، إذ يقال: وجود الماهيّة من الفاعل، ولا يقال شيئيّتها من الفاعل.

ويقال: هي واجبةُ الوجود، وممكنة الوجود، ولا يقال: هي واجبة الشيئيّة وممكنة الشيئيّة .

وخالف في هذه المسألة أكثر المعتزلة(1)، وذهبوا إلى أنّ المعدوم الممكن شيء; أي ثابت متقرّر في الخارج منفكّاً عن صفة الوجود، فعندهم الثّبوت والتّقرّر أعمٌّ من الوجود ومساوق للشيئيّة، بخلاف المعدوم الممتنع،فإنّه عندهم منفيّ وليس بثابت، فالنّفي عندهم أخصّ من العدم، ومقابلللثبوت.

قال الإمام(2): هذه المسألة ـ أي القول بأنّ المعدوم شيء ـ متفرعة على القول بزيادة الوجود على الماهيّة، فإنّ القائل باتّحادهما لا يمكنه القول بها .(3)

وقيل: يمكن أن يعكس، فإنّ من قال بها يجب عليه القول بزيادة الوجود قطعاً، فليتدبّر.

ثمّ إنّ الحّق أنّ الدّعوى ـ : أعني: امتناع كون الماهيّة متفرّدة في الخارج منفكّة عن الوجود ـ بديهيّة غير محتاجة إلى الاستدلال بعد ملاحظة ما عني من


1 . لاحظ : اوائل المقالات: 98 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 53 ـ 76; وشرح المقاصد: 1 / 352 ـ 354 ; وشرح المواقف: 1 / 190 ـ 219.
2 . الرازي. هذا على ما نقله شارح المواقف. لاحظ : شرح المواقف: 1 / 189 .
3 . المسألة.


صفحه 232

لفظ الوجود، فإنّ بعد ملاحظة إنّ المراد من الوجود، إنّما هو مجرّد تحقّق الماهيّة وكونها لا أمر زائد على ذلك، لا مجال لتجويز أن يكون الماهيّة في الخارج بلا كون فيه ، ولو جوّزه مجوّز بعد تلك الملاحظة فقد كابر عقله .

وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: ويساوق; أي الوجود الشيئيّة (1)، فلا يتحقّق ; أيّ الشيئيّة بدونه ; أي بدون الوجود، والمنازع مكابِرُ مقتضى عقله.

فإن قيل (2): مذهب المعتزلة أنّ التقرّر على ضربين:

أحدهما: تقرّر الماهيّة في حدّ ذاتها، ويسمّونه ثبوتاً ومقابله نفيا.

وثانيهما: تقرّرها بحيث يترتّب عليها آثارها كإحراق النّار، وترطيب الماء ويسمّونه وجوداً ومقابله عدماً، ويطلقون العدم على النّفي أيضاً.

والأوّل: بازاء ما يسمّيه الحكماء وجوداً ذهنيّاً.

والثّاني: بازاء ما يسمّونه وجوداً خارجيّاً.

ويؤيّده ما قيل: إنّ المعتزلة إنّما وَقعوا في إثبات المعدوم في الخارج لتفهيم الوجود الذّهني، فهم يوافقون الحكماء في أنّ ثبوت الماهيّات وتحقّقها على وجهين، لكنّهم ينسبُون الوجهين إلى الخارج ويختصّون الثّبوت الّذي لا يصدر عنها بحسبه آثارها بالممكنات ولا يسمّونه وجوداً.

فإن أردتم أنّ تجويز كون ماهيّة المعدوم متقررة في الخارج بالمعنى الأوّل مكابرةٌ، فظاهرٌ أنّه ليس كذلك، كيف وهذا التّقرير ممّا أثبته الحكماء إلاّ أنّهم لم ينسبوه إلى الخارج، بل إلى الذّهن .


1 . أي فكلّما صدق الوجود صدقت الشّيئيّة وبالعكس، إذ كلّ وجود شيء وكلّ شيء وجود .
2 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 15 .


صفحه 233

وإن أردتم التقرّر بالمعنى الثّاني، فلا شك في كونه مكابرةٌ(1)، لكن المعتزلة لم يجوّزوه .

قلنا: المراد هو المعنى الأوّل(2) وهو مكابرةٌ ظاهرةٌ من حيث نسبته إلى الخارج، إذ لا يفرق بديهة العقل بين كون وكون بحسب الخارج، بحيث يكون أحدهما منشأ للآثار دون الآخر، وتجويز ذلك الفرق مكابرة صريحة، بل نقول حينئذ: لا فرق بين المعنى الأوّل والثّاني، ويلزم تجويزهم الثّاني(3) أيضاً، ولا نسبة لذلك إلى ما ذهب الحكماء إليه من الوجود الذّهني، لأنّه إنّما هو في قوّة مدركة لا في الخارج، ولا استبعاد في الفرق بين الكون(4) في القوّة المدركة، والكون في الخارج، بكون أحدهما منشأ الآثار(5) دون الآخر، بل المعلوم عدمه بديهة(6) في ذلك هو الفرق بين كونين بحسب الخارج فقط.

وأمّا ما قيل: من أنّهم إنّما وقعوا فيه لما وقع لأجله الحكماء في إثبات الوجود الذهني.

ففيه: أنّه لو كان كذلك لزمهم القول بثبوت الممتنعات أيضاً في الخارج وهم لا يقولون به .

لا يقال (7): لا ينفع الحكماء أيضاً إثبات الوجود الذهني، لأنّ مدار ما


1 . لأنّ التقرّر الّذي يترتّب عليه الآثار بدون الوجود محال .
2 . أي تقرّر الماهيّة في حد ذاتها.
3 . أي تقرّر الماهيّة بحيث يترتّب عليها آثارها.
4 . على طريق الحكماء.
5 . أ، ب و ج: «للآثار».
6 . أ: «بديهيّةً».
7 . القائل هو الشارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 15 .


صفحه 234

استدلّوا به على أنّ معنى الإيجاب هو الحكم بثبوت أمر لأمر، وأنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له.

وهاتان المقدّمتان لو تمّتا لدلّتا على أنّ للمعدومات والممتنعات ثبوتاً وتحقّقاً في الخارج لا في القوّة المدركة، لأنّا نعلم قطعاً، أنّ اجتماع النّقيضين محالٌ، وشريك الباري ممتنع، ولو لم يوجد ذهن ولا قوّة مدركة أصلاً، فبحكم تينك المقدّمتين، يلزم ثبوت الممتنع في الخارج .

وأيضاً الصّدق هو مطابقة النّسبة النّفسيّة(1) للنّسبة الخارجية، فصدق الحكمين المذكورين يستدعي ثبوت نسبتهما في الخارج، ولا يكفي مجرّد الثبوت في الذّهن .

وما يقال (2): من أنّ صحّة الحكم مطابقته لما في العقل، فإنّ صور جميع الموجودات وأحكامها ، وكذا صور المعدومات والممتنعات وأحكامهما مرتسمة فيه باطلٌ، لأنّ كلّ أحد يعرف أنّ قولنا: اجتماع النقيضين محالٌ، حقّ وصدقّ، وإن لم يتصوّر العقل الفعّال(3)، بل كان ممّن ينكره .

وكذا ما يقال: من أنّ كلّ نسبة ايجابيّة أو سلبيّة من حيث كونها نتيجة الضّرورة أو البرهان هي المرادة من النّسبة الخارجيّة، ومن حيث كونها مدلولة


1 . أي الذهنيّة.
2 . أي وما قال الشارح القوشجي.
3 . وهو العقل العاشر المعبّر في الشّرع بالنّاموس الأكبر وجبرئيل (عليه السلام)، وإنّما سمّي فعّالاً لكثرة أفعاله وتصرفاته في عالم العناصر، أو هو القوّة الإلهية الّتي يهتدي بها كلّ شيء في العالم العلويّ والسّفلي من الأفلاك والكواكب والجماد والحيوان غير النّاطق والإنسان، أو هو كلّ ما يخرج من القوّة إلى الفعل. لاحظ : مصطلحات جامع العلوم: 600; مفاتيح العلوم: 81 ; رسالة في اثبات المفارقات، الدّعاوي القلبية: 10 ; عيون الحكمة: 43 .


صفحه 235

للخبر هي المرادة من النّسبة النّفسيّة، فهي من حيث هي مدلولة للخبر مطابقة لنفسها من حيث هي نتيجة الضّرورة أو البرهان، فصحّتها(1) من حيث هي مدلولة للخبر إنّما هي باعتبار المطابقة، وصحّتها من حيث اقتضتها الضّرورة أو البرهان إنّما هي بكونها نفس ما في الواقع.

وذلك(2) لأنّ هذا القول مخالفٌ لما صرّحوُا به في تقسيم الكلام إلى الخبر والإنشاء، من أنّه إن كان لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه فخبر، وإلاّ فإنشاء، إذ على هذا القول(3) يلزم أن لا يكون للضّروريّات وللحكم الّذي يستنبطه الحاكم من البرهان خارجٌ يطابقه، فظهر أنّ ثبوت أمر للمعدومات والممتنعات يستدعي ثبوتها في الخارج.

بل نقول: على تقدير كون الإيجاب هو ثبوت أمر لامر مرفوعاً على ثبوت المثبت له يلزم أن لا يصدق إيجاب أصلاً، لأنّه لو ثبت «آ» مثلا لـ «ب» لكان «ب» ثابتاً وهذا إيجاب أيضاً ، فكان ثبوت «ب» أيضاً ثابتاً لـ «ب» وهو فرع ثبوت «ب» قبل هذا الثبوت، فيكون ذلك الثبوت الثّاني أيضاً ثابتاً لـ «ب» وفرعاً على ثبوت ثالث له، وهكذا إلى غير النهاية.

وهذه الثبوتات الغير المتناهية متحقّقة، وإن لم يوجد قوّة مدركة أصلاً كما عرفت، فيلزم تحققها في الخارج، فيلزم التسلسل المحال لا محالة.

لأنّا نقول: علمك القطعي هذا مع فرض عدم الذّهن والقوّة المدركة لا


1 . أي النّسبة.
2 . أي وجه البطلان.
3 . أي على القول في تقسيم الكلام إلى الخبر والإنشاء .


صفحه 236

يستلزم علمك القطعي(1) مع عدم الذّهن والقوّة المدركة، كيف وفرض العدم لا يستلزم العدم، ولا جوازه لجواز أن يكون محالاً في نفس الأمر، وجواز الفرض لا يستلزم جواز المفروض، وهل هذا إلاّ كما يقال، إنّا نعلم بديهة أنّ طوفان نوح مثلاً متقدّم على بعثة موسى على نبيّنا وعليه السلام، وإن لم يكن فلك وحركة وزمانٌ هو مقدارها؟ وظاهر أنّ ذلك بديهة الوهم لا بديهة العقل، فكذا هذا.

والحاصل: أنّ ثبوت الموضوع في الحكمين المذكورين يجوز أن يكون باعتبار وجوده في القوى المذكورة(2)، وإن لم يكن لنا علم بوجودها، بل وإن ننكر وجودها. وذلك لا يدلّ على عدمها في الواقع، ليكون متنافياً لوجود الموضوع فيها(3)، فليتفطّن .

ومن هذا(4) ظهر بطلان ما أبطلتَ به القول الأوّل(5): فإنّ عدم تصوّرك العقل الفعّال، لا يستلزم عدم العقل الفعّال، ولا يلزم في الحكم بصحة الحكم(6) تصوّر العقل الفعال بعنوان كونه عقلاً فعالاً، بل يكفي تصوّره بعنوان كونه هو الواقع ونفس الأمر ومطابَق الصوادق.(7)

وأمّا ما أبطلت به القول الثّاني، فالجواب عنه: أنّ تقسيم الكلام إلى الخبر والإنشاء يقتضي أن يكون لكلّ نسبة هي مدلولة للكلام الخبري من حيث إنّها


1 . والنّافع لك هو هذا العلم القطعي في الخارج .
2 . أ و ب: «المدركة».
3 . أي في القوّة المدركة.
4 . أي ومن هذا الاستدلال .
5 . من أنّ صحّة الحكم مطابقة لما في العقل الفعّال .
6 . أي بأنّ اجتماع النقيضين محالٌ .
7 . جمع الصّدق .


صفحه 237

مدلولة له خارج، ولا يقتضي أن يكون لكلّ نسبة مطلقاً ومن أيّ جهة كانت خارج، و(1)يكفي في كون النّسبة (2) خارجيّة مجرَّد المغايرة الاعتباريّة لما هي مدلولة للخبر، فكلّ نسبة سواء كانت ضروريّة أو نظريّة، من حيث هي مدلولة للخبر مطابِقةٌ بكسر الباء، ومن حيث مقتضاه للضّرورة أو النّظر مطابَقةٌ بفتحها، فهي من الحيثيّة الأُولى ذات(3) خارج، ومن الحيثيّة الثّانية نفس الخارج، باعتبار نفس الأمر باعتبار آخر، وإلاّ فالنّسبة لا يمكن كونها موجودة(4) خارجيّة بمعنى كونها موجودة خارج الذّهن(5).

وإذا ظهر بطلان جميع ما بَنَيْتَ عليه وجوب كون ثبوت المثبت له في الأحكام الإيجابيّة في الخارج ظهر بطلان ما بنيت عليه(6) أيضاً، هذا .

وسيأتي ما يزيد لهذا المقام إيضاحاً، حيث نتكلّم في تحقيق معنى نفس الأمر إن شاء الله تعالى.


1 . الواو: حالية.
2 . في أ و ب: «النّسبة الخبريّة».
3 . أي صاحب .
4 . في أ، ب و ج: «موجودة» ساقطة.
5 . لأن النّسبة أمر اعتباريّ.
6 . أي على وجوب كون ثبوت المثبت له في الأحكام الإيجابيّة في الخارج .


صفحه 238

 

أدّلة امتناع ثبوت المعدومات في الخارج

قال: وكيف تتحقّق الشيئيّة بدونه مع إثبات القدرة، ومع انتفاء الاتّصاف؟!

وانحصار الوجود مع عدم تعقُّلِ الزّائِد.

أقول: ثمّ إنّ مَنْ جعل الدّعوى ـ أعني: امتناع ثبوت المعدومات في الخارج ـ نظريّةً، استدلّ عليها بوجوه مُوجَّهة، ووجوه مُزَيَّفة.(1)

أمّا الوجوه الموجهّة، فاثنان:

تقرير الأوّل: أنّه لو كان المعدوم ثابتاً ; لامتنع تأثير القدرة في شيء من الممكنات، واللاّزم باطلٌ ضرورة واتّفاقاً .

بيان اللّزوم: أنّ التّأثير:

إمّا في نفس الذّات; وهي أزليّة، والأزليّة ينافي المقدوريّة(2) عند المتكلمين كافّة.

وإمّا في الوجود; وهو أيضاً باطلٌ(3)، إذ الوجود ليس بموجود ولامعدوم حتّى يتصوّر تعلّق القدرة والتّأثير به، أمّا عند القائلين(4)بالحال(5) فظاهر. وأمّا


1 . انظر: شرح المقاصد: 1 / 356 ـ 361 .
2 . لأنّ الذّوات ثابتة أزليّة، فلا تتعلّق القدرة بالذّوات أنفسها. راجع: شرح المواقف: 2 / 200 .
3 . هذا إنّما يتمّ لو كان الزاميّاً، وأمّا إذا كان برهانيّاً، فباطل. لما عرفت من أنّ المجعول بالذّات هو الوجود .
4 . أي المثبتين بالحال .
5 . الحال عند المتكلّمين يطلق على ما هوالواسطة بين الموجود والمعدوم، وهو عبارة عن صفة للموجود لكن لا تكون موجودة بذاتها ولا معدومة، كالعالميّة، وهي النّسبة بين العالم والمعلوم.
وهو عند الفلاسفة صفة غير راسخة للنّفس كالكتابة في الابتداء، وبعد الرّسوخ تُسمّى مَلَكة. لاحظ : المعجم الفلسفي: 1 / 437 و 438; وجامع العلوم: 348 .


صفحه 239

عند غيرهم(1)، فلأنّ الوجود لايرد عليه القسمة كما سيأتي.

وإمّا في الاتّصاف: أي اتّصاف الماهيّة بالوجود، وهو أيضاً باطلٌ، لأنّ الاتّصاف منتف في الخارج، وإلاّ كان ثابتاً فيه، فكان متّصفاً بالثّبوت فيه واتّصافه بالثّبوت أيضاً كان ثابتاً فيه متّصفاً بالثّبوت، وهكذا إلى غير النهاية، وهو تسلسل محال، إذ لا فرق في إجراء براهين إبطال التّسلسل بين الموجودات في الخارج والثّابتات فيه بالضّرورة.

وإذا كان الاتّصاف منتفياً في الخارج بالمعنى المقابل للثّابت على ما هو مصطلحهم كان ممتنعاً، والممتنع غير مقدور بالاتفاق.

وأيضاً لا يمكن تعلّق القدرة بالاتّصاف بمعنى جعل الماهيّة متّصفة بالوجود، بمعنى جعل الوجود حاصلاً فيها ثابتاً لها لامتناع عروض الوجود للماهيّة على ما مرّ، ولا بمعنى جعل الماهيّة بحيث ينتزع منها الوجود لتوقف الانتزاع على الوجود الذهني، وهم لا يقولون به .

وإلى ما ذكرنا أشار المصنّف بقوله: وكيف يتحقّق الشيئيّة بدونه مع إثبات القدرة; أي مع إثباتهم وجود القادر المختار المؤثر في الممكناتبالقدرة والاختيار، وكون الماهيّة لثبوتها أذلاً غير متعلّقة للقدرة ومع انتفاء


1 . أي عند النّافين .


صفحه 240

الاتّصاف(1)، وكونه(2) نفياً محضاً وممتنعاً صرفاً على زعمهم(3) غير صالح، لتعلّق القدرة .

فالقول بتحقّق الشيئيّة بدون الوجود، ينافي القول بثبوت القدرة مع انتفاء الاتّصاف، وإنّما لم يتعرّض(4) للوجود لكونه على تقدير كونه(5) متعلّقاً لتأثير القدرة مستلزماً لاتّصاف الماهيّة به مع أنّه غير معقول كما مرّ.

وتقرير الوجه الثّاني من الاستدلال (6): هو أنّ الموجودات منحصرة متناهية اتّفاقاً من المتكلّمين لاجرائهم براهين امتناع التسلسل مطلقاً من غير اشتراط الاجتماع في الوجود والتّرتيبُ كما سيأتي مع عدم تعقّل أمر زائد على الثّبوت له مدخل في صحّة جريان البراهين في الموجودات دون الثابتات، إذ مناط ذلك هو مطلق الكون والتقرّر في الخارج، وهو حاصل في كليهما.

واعتبارهم كون الوجود أخصّ(7) ومعتبراً فيه ما لا يعتبر في الثّبوت لا ينافي ذلك، إذ لا مدخل لهذه الخصوصيّة في صحة إجراء البراهين لا محالة، فيلزمهم القول بانحصار الثّابتات وتناهيها(8) مع أنّه خلاف مذهبهم من القول بثبوت أشخاص غير متناهية في العدم لكلّ ماهيّة نوعيّة.


1 . أي اتّصاف الماهيّة بالوجود .
2 . المعدوم .
3 . أي على زعم المعتزلة .
4 . المصنّف (رحمه الله) .
5 . المعدوم .
6 . هذا دليل آخر على امتناع ثبوت المعدومات في الخارج.
7 . من الثّبوت .
8 . المعدومات .


صفحه 241

وإلى هذا أشار بقوله: وانحصارِ الموجود مع عدم تعقُّلِ الزائد.

واعلم: أنّ الغرض من هذا الوجه هو بيان مناقضة بعض أحكامهم لبعض، فلا يرد أنّه لا يلزم من بطلان القول بعدم تناهيها بطلان القول بثبوتها .

وأمّا الوجوه المزيّفة فأربع:

الأوّل: أنّ المعدوم متّصف بالعدم الّذي هو صفة نفي، لكونه رفعاً للوجود الّذي هو ثبوت، و(1) المتّصف بصفة النّفي منفي، كما أنّ المتصّف بصفة الإثبات ثابت .

والجواب: أنّه إن أُريد بصفة النّفي صفة هي في نفسه نفي وسلب حتّى يكون المعنى المتّصف به هو المنفيّ .

فلا نسلّم أنّ كلّ معدوم متّصف بصفة النّفي، وإنّما يلزم لو كان العدم هو النّفي، وليس كذلك، بل أعمّ منه، لكونه نقيضاً للوجود الّذي هو أخصّ من الثّبوت .

وإن أُريد بها صفة هي نفي شيء وسلبه كاللاتحيّز واللاّحدوث مثلاً، فظاهر أنّ المتّصف به لا يلزم أن يكون منفيّاً، كالواجب يتصّف بكثير من الصّفات السّلبيّة، إذ ليس يمتنع اتّصاف الموجود بالصّفات العدميّة، كما يمتنع اتّصاف المعدوم بالصّفات الوجوديّة.

الثّاني: أنّه لو كانت الذّوات ثابتة في العدم، وعندكم أنّ ثبوتها ليس من غيرها كانت واجبة، إذ لا معنى للواجب سوى هذا، فيلزم وجوب الممكنات، وتعدّد الواجب .


1 . الواو: حالية.


صفحه 242

والجواب: أنّ الواجب ما يستغني عن الغير في وجوده لا في ثبوته الّذي هو أعّم من الوجود.

الثّالث: أنّ الذّوات الثّابتة في العدم غير متناهية عندكم، وهو محالٌ. لأنّ ما دخل في الوجود متناه بالاتّفاق، فالكلّ زائد على الباقي في العدم بقدر متناه، والزائد على الغير بقدر متناه متناه فيكون الباقي في العدم الّذي هو جزء من الكلّ المتناهي متناهياً.

والجواب: أنّا لا نسلّم أنّ الزائد على الغير بقدر متناه متناه، بل الزائد على المتناهي بقدر متناه متناه.

الرّابع: أنّ المعدوم إمّا مساو للمنّفي، أو أخصّ منه، أو أعمّ، إذ لا تباين لظهور التصادق، فعلى الأوّلين صدق كلّ معدوم منفي، ولا شيء من المنفي بثابت، فلا شيء من المعدوم بثابت. وعلى الأخير لم يكن نفياً صرفاً، وإلاّ لما بقى فرق بين العام والخاص، بل ثابتاً .

وقد صدق على المنفي، فيلزم كونه ثابتاً ضرورة أنّ ما صدق عليه الأمر الثابت ثابت، وهو باطلٌ .

والجواب: أنّا لا نسلّم أنّه إذا لم يكن نفياً صرفاً، كان ثبوتيّاً محضاً، لجواز أن يكون بعض أفراده ثابتاً كالمعدومات الممكنة، وبعضها منفيّاً كالممتنعات.

وهذا كاف في الفرق، وحينئذ لا يصدق أنّ كلّ معدوم ثابت، ليلزم كون المنفي ثابتاً، وهذه الوجوه لم يلتفت إليها المصنّف لما ذكرنا.


صفحه 243

 

أدّلة القائلين بشيئيّة المعدوم

والجواب عنها

قال: ولو اقتضى التميُّز الثبوت عيناً لَزِمَ منه محالاتٌ .

والإمكانُ اعتباريٌّ يعرضُ لما وافَقُونا على انتِفائِهِ.

أقول: والمعتزلة تمسّكوا في ثبوت المعدومات بوجوه:(1)

الأوّل: أنّ المعدوم متميّز(2)، وكلّ متميّز ثابت.

أمّا الصغرى: فلأنّه قد يكون معلوماً، فيتميّز عن غير المعلوم، ومقدوراً ومراداً فيتميز عن غيرالمقدور وغير المراد .

وأمّا الكبرى: فلأنّ التميّز عند العقل لا يتصوّر إلاّ بالإشارة العقليّة وهي تقتضي ثبوت المشار إليه بالضّرورة .

والجواب عنه بالنّقض والحلّ:

أمّا النّقض: فأشار إليه المصنّف بقوله: ولو اقتضى التميُّزُ الثبوتَ عيناً لَزمَ محالاتٌ، فإنّ الممتنعات كشريك الباري، واجتماع النقيضين، وكون الجسم في


1 . لاحظ تفصيل قول المعتزلة في هذا الباب في نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 66 ـ 76 ; وشرح المقاصد: 1 / 361 ـ 364 .
2 . لأنّه معلوم ومراد ومقدور، وكلّ متميّز ثابت، لأنّ التميّز إنّما يكون بالإشارة العقليّة، والإشارة إلى النّفي الصّرف محال.


صفحه 244

آن واحد في حيّزين بعضها متميّز عن البعض، وعن الأُمور الموجودة مع أنّها منتفية قطعاً، ومثل جبل من الياقوت، وبحر من الزئبق، إلى غير ذلك من المركبات الخياليّة من الممكنات متميّز بعضها عن بعض مع كونها منتفية وفاقاً.

وأمّا الحلّ: فهو أنّه إن أُريد أنّ التميّز يقتضي الثبوت في الخارج، فممنوع، وإنّما يلزم لو كان التميّز بحسب الخارج.

وإن أُريد الثّبوت في الذّهن فمسلّم، ولا يفيد الثّاني ان المعدوم الممكن متّصف بالإمكان وكلّ ممكن ثابت، لأنّ الإمكان وصف ثبوتي لما سيأتي، فيكون الموصوف به ثابتاً كما مرّ .

والجواب: لا نسلّم كون الإمكان ثبوتياً بمعنى كونه ثابتاً في الخارج، بل هو اعتباري عقلي يكفي ثبوت الموصوف به في العقل، على أنّه منقوض بما وافقتمونا على انتفائه من المركّبات الخيالية، كما مرّ .

وإلى هذا المنع والنّقض أشار المصنّف بقوله: والإمكانُ اعتباريٌّ يعرضُ لما وافَقُونا على انْتِفائِهِ .


صفحه 245

 

المسألة العاشرة

في نفي الحال

قال : وهو يُرادف الثّبوتَ، والعدمُ النّفيَ، فلا واسطةَ .

أقول: ذهب أبو هاشم(1)، وأتباعه من المعتزلة، وإمام الحرمين(2)، والقاضي أبو بكر(3) من الأشاعرة(4)، إلى أنّ المعلوم إن لم يكن له ثبوت أصلاً(5) في الخارج فهو المعدوم .

وإن كان له ثبوت في الخارج:

فإمّا باستقلاله وباعتبار ذاته فهو الموجود .

وإمّا باعتبار التبعيّة لغيره فهو الحال.

فالحال: واسطة بين الموجود والمعدوم، لأنّه عبارة عن صفة للموجود لا


1 . أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمّد الجُبائي، كان هو من كبار المعتزلة المتوفّى (321 هـ). لاحظ : الفهرست ابن النديم : 217 و 222 ; وميزان الاعتدال: 4 / 618 .
2 . أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي الملقّب بـ «ضياء الدين» المعروف بـ «إمام الحرمين» المتوفي (478 هـ). لاحظ : سير اعلام النبلاء: 18 / 468 .
3 . محمد بن الطيب المعروف بالباقلاني البصري المتوفّى (403 هـ). لاحظ : إيضاح المكنون: 2 / 691 ; الأنساب: 1 / 266 .
4 . لاحظ : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 53 ; وكشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 45 ; وارشاد الطالبين: 18 .
5 . في أ، ب و ج: «أصلاً» ساقط.


صفحه 246

تكون موجودة ولا معدومة(1)، مثل العالميّة والقادريّة ونحو ذلك.

والمراد بالصّفة ما لا يُعلم ولا يُخبر عنه بالاستقلال، بل بتبعيّة الغير، والذّات يخالفها، وهي لا تكون إلاّ موجودة أو معدومة، بل لا معنى للموجود إلاّ ذات لها صفة الوجود، والصّفة لا تكون ذاتاً فلا تكون موجودة، فلذا قيّدوا (2) بالصّفة.

وإذا كانت صفة للموجود لا تكون معدومة أيضاً، لكونها ثابتة في الجملة، فهي(3) واسطة بين الموجود والمعدوم.

واحترزوا بقولهم: للموجود عن صفات المعدوم، فإنّها تكون معدومة لا حالاًّ، وبقولهم: لا موجودة، عن الصّفات الوجوديّة(4)، وبقولهم: ولا معدومة عن الصّفات السّلبية .

واعترض الكاتبي(5) على هذا الحدّ للحالّ، بأنّه لا يصحّ على مذهب المعتزلة، لأنّهم جعلوا الجوهّرية من الأحوال مع أنّها حاصلة للذات حالتي الوجود والعدم(6) .

وقال شارح المقاصد:(7) إنّما يتمّ هذا الاعتراض لو ثبت ذلك من أبي


1 . قال إمام الحرمين: الحال; صفة لموجود غير متّصفة بالوجود ولا بالعدم. وأقام الدائل المتعدة على إثبات الأحوال. من اراد التفصيل فليراجع: كتاب الارشاد إلى قواطع الأدلة في أُصول الاعتقاد: 92 فصل في إثبات الأحوال والرد على منكريها; والشّامل في أُصول الدّين: 21 / فصل في حال الناظر .
2 . أي الحال .
3 . أي الحال .
4 . مثل السّواد والبياض .
5 . نجم الدّين ملك المناظرين، علي بن عمر الكاتبي القزويني الشافعي المعروف بدبيران المنطقي، تلميذ المحقق الطوسي، صاحب كتاب حكمة عين القواعد، المتوفّى (675 هـ). لاحظ : الفوائد الرّجاليّة: 2 / 284 .
6 . انظر : إيضاح المقاصد من حكمة عين القواعد (شرح حكمة العين): 28 المسألة العاشرة.
7 . انظر : شرح المقاصد: 1 / 353 و 355 .


صفحه 247

هاشم، وإلاّ فمن المعتزلة من لا يقول بالحال، ومنهم: من يقول به لا على هذا الوجه(1).

وذهب غيرهم إلى نفي الحالّ وانحصار المعلوم في الموجود والمعدوم، فإنّ الضّرورة قاضية بذلك، إذ لا تعقل من الثّبوت إلاّ الوجود ذهناً أو خارجاً، ومن العدم إلاّ نفي ذلك، فالوجود يرادف الثّبوت، والعدم يرادف النفي، فكمالا واسطة بين الثابت والمنفي اتفاقاً، فكذا بين الموجود والمعدوم.

وإلى ذلك أشار المصنّف بقوله: وهو; أي الوجود يُرادِف الثبوتَ، والعدمُ النفيَ، فلا واسطة .

قال صاحب المواقف: وبطلانه ـ أي بطلان الحالّ بالمعنى الّذي عرفت ـ ضروريّ لما عرفت من أنّ الموجود ما له تحقّق، والمعدوم ما ليس كذلك، ولا واسطة بين النّفي والإثبات.

فإن أُريد نفي ذلك ; أي نفي أنّه لا واسطة بين النّفي والإثبات، وقصد إثبات الواسطة بينهما، فهو سَفْسَطَةٌ.(2)

وإن أُريد معنى آخر ; بأن يفسّر الموجود بما له تحقّق أصالة، والمعدوم بما لا تحقّق له أصلاً، فيتصوّر هناك واسطة بينهما هي ما يتحقّق تبعاً، لم يكن النّفي والإثبات في المنازعة متوجّهين إلى معنى واحد. انتهى كلام " المواقف".(3)


1 . لاحظ، للاطلاع الوسيع على آراء الفلاسفة والمعتزلة في هذا المباحث في كتاب: محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي: 50 ـ 56 ; نقد المحصل: 76 ـ 94 المسألة الثانية والثالثة ; ونهاية الأقدام في علم الكلام للشهرستاني: 131 ـ 149 القاعدة السادسة.
2 . أي باطلةٌ.
3 . لاحظ : المواقف في علم الكلام : 57 المقصد السابع .


صفحه 248

 

أدّلة المثبتين للحال

والجواب عنها

قال: والوجودُ لا تردُ عليه القسمةُ.

والكلّيُّ ثابتٌ ذهناً ويجوز قيام العرضِ بالعرض.

ونُوقِضُوا بالحال نفسِها.

أقول: ثمّ إنّ المثبتين للحال تمسّكوا بوجوه:

الأوّل: أنّ الوجود ليس بموجود وإلاّ تساوى غيره في الوجود، فيزيد وجوده عليه ويتسلسل. كما مرّ، ولا بمعدوم وإلاّ اتّصف بنقيضه .

والجواب عنه ما أشار إليه المصنّف بقوله: والوجود لا تردُ عليه القسمةُ، فإنّ الوجود كما عرفت إنّما هو كون الشيء وتحقّقه، وليس هو من حيث هو وجود وكون الشيء بشيء من الأشياء، فلا يتّصف من هذه الحيثيّة بالكون أو بنقيضه، وإنّما المتّصف بالكون أو بنقيضه والمنقسم إليهما ما هو شيء من الأشياء.

وأمّا الوجود لا من حيث هو كون أو وجود، بل من حيث إنّه مفهوم في العقل ومنتزع من الشيء ـ أعني: هذا المفهوم الانتزاعي الحاصل في العقل بعد الانتزاع ـ فهو شيء وقابل للاتّصاف بالوجود، والكون مطلقاً أو في العقل، فهو من هذه الحيثيّة ليس ممّا لا يتصّف بالوجود أو بنقيضه ليلزم كونه لا موجوداًولا معدوماً، فيثبت الحالّ .


صفحه 249

ومن الحيثيّة الأُولى ـ أعني: من حيث إنّه كون وتحقّق للشيء ـ ليس بشيء من الأشياء ولا يعقل نسبة الوجود أو نقيضه إليه ليصح أن يقال: إنّه من هذه الحيثيّة موجوداً ولا موجوداً ويقال: معدوم أو لا معدوم. وهذا هو المراد من عدم.

ورود القسمة عليه يعني أنّ الوجود ليس من حيث هو وجود شيء من الأشياء، ولا من شأنه قبول القسمة إلى الوجود واللاّوجود، والاتّصاف بأحدهما، والّذي سمّيتموه حالاً هو شيء من الأشياء ومعقول نسبة الوجود واللاّوجود إليه لكنّه ليس بمتّصف عندكم بأحدهما.

والحاصل: أنّ الحال عندهم واسطة بين الموجود والمعدوم، والواسطة يجب كونها بحيث يتصوّر كونها أحد الطّرفين; والوجود من حيث هو وجود لا يتصوّر كونه موجوداً أو معدوماً، فهو لا يمكن أن يكون واسطة بينهما .

وعلى هذا التّقرير الّذي قرّرناه، اندفع ما توهّمه شارح المقاصد: من أنّ هذا الجواب(1) تسليم للمدّعي، واعتراف بالواسطة .(2)

وقد يدفع هذا التوهّم بأنّ مدار حجّتهم(3) هذه على أنّ الوجود: إمّا موجود. وإمّا معدوم، وإمّا لا موجود ولا معدوم .

والأوّلان باطلان(4)، فتعيّن الثّالث.


1 . أي كلام المصنّف (رحمه الله) بقوله: والوجود لا ترد عليه القسمة، فالوجود حينئذ كان حالاً، فثبت المطلوب .
2 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 367 .
3 . أي مدار حجّة المثبتين للحال.
4 . لأنّ الأوّل يلزم التّسلسل، والثّاني يلزم منه اتّصاف الشّيء بنقيضه .


صفحه 250

فمدار هذا الجواب; على أنّ هذه المنفصلة ذات الأجزاء الثّلاثة خاليةٌ عن القضيّة المعقولة، لأنّ كلّ جزء منها يتوقّف على تصوّر نسبة بحسب الحقيقة لا بمجرد الاعتبار، وإلاّ لا يلزم التّسلسل، فلا يتمّ حجّتهم بين الوجود ونفسه(1)، وإن كان حمل الوجود على الوجود على سبيل الاشتقاق(2) كما لا يخفى، وهي(3) غير معقولة، فالمراد أنّ الوجود لا يرد عليه القسمة إلى هذه الأجزاء الثّلاثة، لكونها غير متصوّرة، فمن أين يلزم الاعتراف بالواسطة؟

وقد يُوجّه(4) كلام المصنّف أيضاً بعد اعتبار الأجزاء الثلاثة، بأنّ الوجود لا يرد عليه القسمة الثلاثيّة، لكون القسم الثالث غير محتمل عقلاً، لما مرّ(5) من أنّ الوجود يرادف الثّبوت والعدم النفي، فكما أنّ ما لا يكون ثابتاً ولا منفيّاً غير محتمل، كذلك ما لا يكون موجوداً ولا معدوماً .

وقد يوجّه أيضاً: بأنّ القسمة المثبتة للحاليّة هي القسمة الواردة على الأمر الثابت والوجود ليس بثابت على مذهبهم أيضاً والوجه هو ما ذكرنا.

وأجاب الإمام(6) عن هذه الحجّة باختيار أنّ الوجود معدوم في الخارج ومنع امتناع اتّصاف الشيء بنقيضه على سبيل الاشتقاق(7)وتوجيهه أنّه يصدق


1 . لاستحالة انقسام الشيء إلى نفسه وإلى غيره، فكما لا يقال السّواد إمّا أن يكون سواداً أو بياضاً، كذلك لا يقال: الوجود إمّا أن يكون موجوداً أو لايكون، ولأنّ المنقسم إلى الشيئين أعمّ منهما، ويستحيل أن يكون الشّيء أعمّ من نفسه. راجع: كشف المراد: المقصد الأوّل المسألة الثانية عشرة.
2 . أي على سبيل العمل بالواسطة كالوجود وذو وجود.
3 . أي تلك النّسبة بين الوجود ونفسه .
4 . الموجّه هو شارح المقاصد. لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 367 .
5 . في المسألة التّاسعة.
6 . الرازي.
7 . مثل إنّ الوجود ذو عدم .


صفحه 251

على الوجود في الذّهن أنّه معدوم في الخارج ومرتفع عنه، ولا استحالة فيه، وإنّما الاستحالة في اجتماع الوجود والعدم في محلّ واحد، أو ثبوت أحدهما متّصفاً بالآخر، أو حمل أحدهما مواطاة(1) على الآخر.

وأمّا ارتفاع أحدهما رأساً بطريان الآخر، فليس بمستحيل .

وأُجيب أيضاً باختيار أنّ الوجود موجود بوجود هو عينه، وليس بشيء، لاستلزامه تقدم الماهيّة عليه بالوجود. كما مرّ سابقاً .

وبالجملة: هذه الشّبهة ليست بتلك القوّة الّتي توهّمها شارح المقاصد.

الثّاني: أنّ الكلّي الّذي له جزئيات متحقّقة في الخارج كالإنسان، ليس بموجود، وإلاّ لكان متشخّصاً، فلا يكون كليّاً، ولا بمعدوم، وإلاّ لما كان جزءاً من جزئياته الموجودة، كزيد مثلاً، لامتناع تقوم الموجود بالمعدوم .(2)

والجواب عنه ما أشار المصنّف بقوله: والكليّ ثابت ذهناً.

وتقريره: أنّ الكلّي وإن كان جزءاً من جزئيّاته الموجودة في الخارج لكنّه من الأجزاء العقليّة لا الخارجيّة، فإنّ نسبة التشخّص إلى طبيعة الكلّي نسبة الفصل إلى طبيعة الجنس، فكما أنّ الجنس والفصل من الأجزاء العقليّة للطّبيعة النوعيّة دون الخارجيّة، كذلك الكلّي والتشخّص بالقياس إلى الشخص.

وهذا لا ينافي كون الكلّي الطبيعي موجوداً في الخارج، كما هو مذهب المحقّقين، فإنّ معنى وجود الكلّي الطبيعي في الخارج ليس أنّه جزء خارجيّ للشخص ومتميّز فيه عن الجزء الآخر الّذي هو التشخّص، بل كلاهما موجودان


1 . مثل إنّ الوجود عدم، والموجود معدوم .
2 . انظر : شرح المقاصد: 1 / 368 .


صفحه 252

فيه، بوجود واحد، والعقل يحلّله إلى طبيعة معروضة وإلى تشخّص عارض، وكلّ واحد من العارضيّة والمعروضيّة إنّما هوبحسب العقل دون الخارج.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن أردت أنّ الكلّي من حيث هو جزء للشخص ليس بموجود في الخارج فمسلّم، بل هو من هذه الحيثيّة معدوم فيه(1)، ولا يلزم تقوّم الموجود بالمعدوم، وإنّما يلزم لو كان جزءاً خارجيّاً له، وليس كذلك كما عرفت.

وإن أردت أنّه من حيث هو جزء ليس بموجود أصلاً، فدليلك لا يدلّ عليه، إذ كلّ ما هو موجود مطلقاً، لا يلزم أن يكون متشخّصاً .

الثّالث: أنّ جنس الماهيّات الحقيّقة العرضيّة كلونيّة السّواد ليس بمعدوم، وإلاّ لتقوّم الموجود بالمعدوم كما مرّ، ولا بموجود، لأنه جزء من حقيقة السّواد، ولها جزء آخر هو الفصل، ولابدّ من قيام أحدهما بالآخر ليمكن أن يَلتئم منهما ماهيّة حقيقيّة لوجوب احتياج بعض أجزاء الماهيّة الحقيقيّة إلى بعض، وهما عرضان لا محالة، فيلزم قيام العرض بالعرض، وهو محال باتّفاق المتكلّمين .

لا يقال: هذا إنّما يتمّ لو ثبت انحصار أجزاء السّواد في الجنس والفصل، وهو ممنوعٌ; بل الهيئة الاجتماعيّة جزء آخر قائم بهما، ويكفي في التيام الماهيّة الحقيقية احتياج بعض أجزائها في الجملة، فلا يلزم قيام الجنس بالفصل، ولا العكس، ليلزم قيام العرض بالعرض.

لأنّا نقول: قد ثبت في موضعه انحصار الأجزاء المحمولة في الجنس والفصل، على أنّا ننقل الكلام إلى الهيئة الاجتماعيّة، فإنّها على تقدير كونها


1 . أي في الخارج .


صفحه 253

موجودة يكون عرضاً، فيلزم قيام العرض بالعرض، وعلى تقدير كونها معدومة، يلزم تقوّم الموجود بالمعدوم.

وما قيل: من أنّه يجوز أن يكون الاحتياج بين الجزئين، بأن يتوقف قيام أحدهما بالجسم على قيام آخر بذلك الجسم من غير أن يقوم أحدهما بالآخر .

فأورد عليه: أنّ التّركيب الحقيقيّ يقتضي الاحتياج والقيام بين الأجزاء، ولا يكفي فيه ما ذكره، وإلاّ لزم أن يحصل التّركيب بين الحركة والسخونة القائمتين بالجسم، لتوقّف قيام السخونة به على قيام الحركة به لا محالة.

وهذا ليس بوارد: لأنّ التّركيب الحقيقيّ يقتضي الاحتياج ولا يلزم منه، أنّه كلّما تحقّق الاحتياج تحقّق التّركيب الحقيقيّ، وهو ظاهرٌ .

بل يرد عليه: أنّ هذا هو جواب المصنّف الّذي أشار إليه بقوله: ويجوز قيامُ العرض بالعرض، فإنّ قيام العرض بالعرض الّذي جوّزه المصنّف ليس إلاّ أن يقوم عرض بمحلّ بتوسط عرض آخر، كما سنحقّقه إن شاء الله تعالى في المقصد الثّاني عند قوله: «وقد يفتقر الحالّ إلى المحل بتوسّط»(1).

واعلم: أنّ هذا الجواب إنّما هو على سبيل التنزّل، وإلاّ فالجواب عن هذا الوجه أيضاً، هو الجواب عن الوجه الثّاني، كما لا يخفى، ولم يذكره هاهنا اكتفاء.

وتقريره(2) هاهنا أن يقال: إن أردتَ أنّ جنس السّواد لو كان معدوماً في الخارج لتقوّم الموجود بالمعدوم، فممنوع، وإنّما يلزم لو كان السّواد في الخارج متقوّماً من اللّونيّة، وليس كذلك، لأنّ اللّونيّة من الأجزاء العقليّة للسّواد، فاللّونيّة


1 . لاحظ : الجزء الثّالث من هذا الكتاب / المسألة التّاسعة من الفصل الأوّل .
2 . أي تقرير الجواب .


صفحه 254

من حيث أنّها جزء للسّواد ممتازة عن قابضيّة البصر الّتي هي فصله(1)، ليست موجودة في الخارج، بل معدومة فيه،ولا ينافي ذلك وجود طبيعة اللّون في الخارج، كما أشرنا إليه .

وإن أردتَ أنّه(2) ليس بمعدوم مطلقاً(3) فمسلّم ، بل هو موجود في العقل، ولا يلزم من كونه موجوداً في العقل التيام حقيقة السّواد بحسب الخارج منه(4) ليلزم الاحتياج وقيام العرض بالعرض، إذ لا التيام حقيقة من الأجزاء العقليّة، لكونها منتزعة من حقيقة بسيطة، ولا تمايز بينها إلاّ بعد الانتزاع وبحسب العقل .

ثمّ اعلم: أنّ هذين الوجهين(5) مأخذهما واحدٌ، كما لا يخفى.

ولذلك جمعهما شارح المقاصد في وجه واحد، وأجاب عنه بالجواب المشترك(6).

وصاحب المواقف اقتصر على الوجه الأخير، وأجاب عنه بكلا الجوابين المشترك، والمختصّ بالأخير(7).

وكذا الشّارحان القديمان(8) اتّفقا في شرح كلام المصنّف على الاقتصار


1 . أي القابضيّة فصل السّواد .
2 . أي جنس السّواد وهو اللّونيّة.
3 . ذهناً أو خارجاً .
4 . أي جنس السّواد وهو اللّونية.
5 . أي الوجه الثاني والثالث .
6 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 368 ـ 371 .
7 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 57 و 58 .
8 . أي العلاّمة الحلّي (رحمه الله) والشارح الاصفهاني .


صفحه 255

بثاني الوجهين، وجعل(1) الجوابين، جوابين عنه، ولا يخفى بعده عن سوق كلام للمصنّف.

ثمّ إنّ الإمام الرّازي; اعترض على ما يبتني عليه أصل الجواب من قولهم لا تمايز بين الأجناس والفصول في الأعيان، بل في الأذهان، بأنّ حكم العقل بالتّمايز إنْ طابق الخارج، عاد كلام مثبتي الحال وإن لم يطابق، كان جهلاً، لاعبرة به .

والجواب عنه: أنّه إن أُريد بالمطابقة، أن يكون في الخارج بازاء كلّ صورة ذهنيّة هويّة على حدة، فلا نسلّم، لزوم الجهل على تقدير عدمها(2)، وإلاّ لم يصدق الحكم بشيء من الاعتباريات، وإنّما يلزم الجهل لو حكم بأنّ كلّ صورة ذهنيّة صورة لهويّة عينيّة على حدة وليس كذلك .

وإن أُريد أن يكون بازاء كلّ صورة هويّة يكون المتحقّق من تلك الصوّرة في الخارج تلك الهويّة، والحاصل من تلك الهويّة في الذّهن، تلك الصورة، فلا نسلّم أنّ المطابقة بهذا المعنى يستلزم أن يكون هناك أُمور متمايزة بحسب الخارج، وإنّما يلزم ذلك لو لم ينتزع العقل من هويّة واحدة صوراً مختلفة باعتبارات مختلفة، كما سيأتي تحقيق ذلك .

ثمّ إنّ المصنّف لمّا أشار إلى الأجوبة عن وجوههم بالمنع أراد أن يشير إلى الجواب عنها بطريق النّقض أيضاً، فقال: ونُوقِضوا بالحالّ نفسها; يعني أنّ مثبتي الحالّ نوقضوا في هذه الوجوه بالحالّ نفسها.


1 . كلّ واحد من الشارحين .
2 . أي عدم تلك الهويّة في الخارج .


صفحه 256

وبيانه: أنّ حاصل أدلّتكم هو أنّ الموجودات مشتملة على ما به الاشتراك وما به الامتياز ممّا ليس بموجود ولا بمعدوم فهو حالّ.

وهذا بعينه وارد عليكم، فإنّ الأحوال كلّها مشتركة في الحاليّة، ومختصٌّ كلٌّ منها بما به امتاز عن الأحوال الأُخر، وهما ليسا بموجودين، وإلاّ لزم قيام الصّفة بالصّفة وهو محالٌ كقيام العرض بالعرض بلا فرق، ولا بمعدومين، وإلاّ لتقوّم ما ليس بموجود ولا بمعدوم بالمعدوم، وهو أيضاً محالٌ، كتقوّم الموجود بالمعدوم بالضّرورة، فهما(1) حالان ويشتركان مع سائر الأحوال في الحاليّة، ويمتازان بما به الامتياز، وهكذا إلى غير النهاية فيلزم التّسلسل، هذا هو تقرير النّقض على ما يوافق المشهور، ولا يخفى توقّفه على كون ما به الاشتراك جنساً، وعليه منعٌ ظاهرٌ، ولعلّ المصنّف للإشارة إلى ذلك(2) قال: «ونوقضوا بالحال نفسها» تدبّر.

ودفعه الإمام الرّازي (3): بأنّ الحاليّة ليست صفة ثبوتيّة حتّى يلزم أن يكون للحالّ حالّ أُخرى، إذ لا معنى للحالّ (4) إلاّ ما لا يكون موجوداً ولا معدوماً، وهو صفة سلبيّة، فلا يكون الاشتراك فيها(5) اشتراكاً في حالّ ليلزم تسلسل الأحوال .

وردّه المصنّف على ما في شرح المقاصد: «بأنّ الحالّ ليس عندهم سلبيّاً


1 . أي ما به الاشتراك والاميتاز .
2 . أي توقّفه على كون ما به الاشتراك جنساً.
3 . لاحظ : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: 55 ; وشرح المقاصد: 1 / 373 .
4 . في المصدر: «لأنّه لا نعني بالحال».
5 . أي الحاليّة .


صفحه 257

محضاً، بل هو وصف ثابت للموجود ليس بموجود ولا بمعدوم.

ولهذا لم يجعلوا المستحيل حالاًّ، مع أنّه ليس بموجود ولا بمعدوم.

فإذن الحالّ يشتمل عندهم على معنى غير سلب الوجود والعدم يختصّ بتلك الأُمور الّتي يسمّونها حالاًّ، وتشترك الأحوال فيه ، هذا»(1).


1 . شرح المقاصد: 1 / 373 .


صفحه 258

 

بطلان اعتذار القائلين بالحال

قال: والعذرُ بعدم قبولِ التّماثلِ والاختلافِ والتزامُ التسلسلِ باطلٌ.

أقول: ثمّ إنّ القائلين بالحال اعتذروا عن هذا النّقض بوجهين:

الأوّل: منع قبول الحال التّماثل والاختلاف، فإنّ ذلك عندهم من خواصّ الموجود.

والثّاني: التزام التّسلسل في الثّابتات ومنع استحالته، والبرهان قائم في الأُمور الموجودة دون الثّابتة.

والمصنّف أشار إلى بطلان هذين الوجهين بقوله: والعذرُ بعدم قبولِ التّماثلِ والاختلافِ والتزام التّسلسل باطلٌ.

أمّا بطلان الأوّل(1): فلأنّ قبول الحالّ التّماثل والاختلاف ضروريّ، فإنّ كلّ شيئين يشير العقل إليهما، فإمّا أن يكون المعقول من أحدهما هو المعقول من الآخر، أو لا.

فعلى الأوّل: هما المتماثلان.

وعلى الثّاني: هما المتغايران .

فإن قيل: هذان هما التّماثل والاختلاف باصطلاحكم، ونحن إنّما أخذنا في دليلنا التّماثل والاختلاف باصطلاحنا، وهو ما يكون بين موجودين، فلا نقض علينا، إذ النّقض هو إجراء الدّليل بعينه لا مع التغيير .


1 . أي منع قبول الحال التّماثل والاختلاف الخ .


صفحه 259

أجاب (1) المحقّق الشريف: بأنّ هذا(2) نقض للملخّص دليلكم المشتمل على الاشتراك والتباين، فلا يقدح فيه التّغيير من بعض الوجوه، مثلاً إذا قال: المستدل(3) هاهنا ليس ما به الاشتراك، وما به الامتياز معدومين، لاستحالة تركّب الموجود من المعدوم.

وقال النّاقض(4): ليسا معدومين، لاستحالة تركّب ما ليس بموجود ولا معدوم من المعدوم، لم يكن ذلك قادحاً في كونه نقضاً لملخّص الدليل، ومثل هذا كثير في موارد النقوض .

وأمّا بطلان الثّاني: فلأنّه لا فرق في اجراء براهين امتناع التّسلسل سيّما برهان التّطبيق بين الأُمور الموجودة والأمور الثّابتة.

وأمّا ما ذكره الإمام(5): من أنّ في تجويز التّسلسل انسداد إبطال حوادث لا أوّل لها، وإثبات الصانع (6).

ففيه: أنّ المتّصف بالحدوث والمحتاج إلى الصّانع عندهم إنّما هو الوجود دون الثّبوت، على أنّ إلى إثبات الصانع طريقاً آخر، لا يتوقّف على إبطال التّسلسل، كما سيأتي في موضعه، فلا إنسداد .

إلاّ أن يقال: إنّ المتكلمين عن آخرهم ذهبوا إلى امتناع أُمور غير متناهية


1 . لم نعثر على مصدره.
2 . أي الدّليل المذكور للمستدلّ هو قوله: فإنّ كلّ شيئين الخ .
3 . أي القائل بالحال .
4 . في جواب هذا الاستدلال .
5 . لاحظ: محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: 55 .
6 . أي وانسد باب إثبات الصانع القديم.


صفحه 260

مطلقاً، سواء كانت مجتمعة في الوجود أو متعاقبة فيه، واعتمدوا في ذلك على برهان التّطبيق.

ولا شك أنّ جريانه في الأُمور الثابتة المجتمعة في الثّبوت أظهر من جريانه في الأُمور المتعاقبة في الوجود، فلو جوّزوا التّسلسل في الأُمور الثّابتة، وهي الأحوال انتقض به ذلك البرهان، وانسد عليهم باب إبطال حوادث لا أوّل لها، وانسد عليهم أيضاً إثبات الصّانع لاعتمادهم فيه على إبطال حوادث لا أوّل لها .


صفحه 261

 

المسألة الحادية عشرة

في تفريعات على القول بثبوت المعدوم والحال

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان تفريع بطلان ما فرَّعوا على القول بثبوت المعدوم والقول بالحال على بطلانهما.

وإليه أشار المصنّف بقوله:

فبطل ما فرّعوُا عليهما من تحقّق الذّوات الغير المتناهيةِ في العدم، وانتفاءِ تأثير المؤثّر فيها وتبايُنِها.

واختلافِهم في إثبات صفةِ الجنس وما يتبعها في الوجود.

ومغايرةِ التخيُّرِ للجوهريّة.

وإثبات صفةِ المعدوم بكونه معدوماً.

وإمكانِ وصفِهِ بالجسميّة.

ووقوعِ الشكّ في إثبات الصّانع بعد اتّصافِهِ بالقدرة والعلم والحياة .

وهذه هي فروع القول بثبوت المعدوم .

وقسمة الحالِ(1) إلى المعلّل وغيره، وتعليلِ الاختلاف بها .(2)


1 . مجرور عطفاً على قوله: «من تحقّق الذّوات»، أي فبطل ما فرّعوا عليهما من تحقّق الذوات غير المتناهية في العدم، ومن قسمة الحال إلى المعلّل وغيره .
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 262

وهذان فرعان على القول بالحال .

أمّا فروع القول الأوّل: فمنها ما هو متّفق عليه بينهم، ومنها ما هو ممّا اختلفوا فيه.

فالمتّفق عليه أُمور:

الأوّل: أنّ الذّوات الثّابتة في العدم من كلّ نوع غير متناهية.

الثّاني: أن لا تأثير للمؤثّر في تلك الذّوات لكونها ثابتة أزلاً(1)، ومستغنية في ثبوتها عن المؤثر، بل إنّما تأثير المؤثر في إخراجها إلى الوجود وإعطائها صفة الوجود.

الثّالث: أنّ تلك الذّوات(2) متّفقة في الماهّية، وإنّما اختلافها(3) بحسب التشخّص والأُمور العارضة فقط، فقوله(4): «وتباينها» عطف على «تأثير» أي وانتفاء تباينها.

والمختلف فيها أيضاً أُمور:

الأوّل: أنّ المعدوم، هل هو متّصف في العدم بصفة الجنس كالجوهريّة للجوهر، والسّواديّة للسّواد إلى غير ذلك، وما يتبعها في الوجود كالحلول في المحلّ التابع للسّواديّة، مثلاً أم لا ؟


1 . والأزلية ينافي المقدوريّة.
2 . أي الذّوات الثّابتة في العدم من كلّ نوع متّفقة في الماهيّة النوعيّة، وإنّما اختلافها هناك بحسب التشخّص الثبوتي والأُمور العارضة الثبوتيّة فقط .
3 . الذّوات .
4 . أي قول المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 263

فجمهورهم على الأوّل، وبعضهم(1) على الثّاني .

الثّاني: أنّ التحيّز، هل هو مغاير للجوهرية تابع لها في الوجود، كما هو مذهب جمهورهم(2)، أم هو عينها، كما هو مذهب بعضهم(3) ؟

الثّالث: أنّ المعدوميّة، هل هي صفة ثابتة للمعدوم، ويتّصف المعدوم بها في العدم، كما ذهب إليه بعضهم، أم لا، كما ذهب إليه جمهورهم ؟

الرّابع: أنّ المعدوم كالجوهر، هل هو جسم حال كونه معدوماً، ويتّصف بالجسميّة في العدم، كما ذهب إليه بعضهم، أم لا، وهو مذهب جمهورهم ؟

الخامس: أنّه هل يجوز القطع بأنّ للعالم صانعاً متّصفاً بالعلم والقدرة والحياة، مع الشّك في أنّه(4) موجود، كما هو مذهبُ مَنْ ذهب منهم(5) إلى جواز اتّصاف المعدوم بصفة، أم لا، كما هو مذهب غيره ؟


1 . وهو أبو اسحاق بن عياش لم اعثر على تاريخ وفاته ; قال: انّ الذّوات المعدومة عارية عن جميع الصّفات في حال العدم، لانها متساوية في الذات فيصح أن تحصل لها في حال الوجود. لاحظ : مناهج اليقين في أُصول الدين للعلاّمة الحلي: 15 و شرح المواقف: 2 / 214 .
2 . أي ذهب جمهور المعتزلة ـ وهم أبو علي الجبائي المتوفّى (303 هـ) وابنه أبو هاشم المتوفّى (326 هـ)، والقاضي عبد الجبّار ، والمتوفّى (415 هـ) ومن البغداديين أبو القاسم البلخي المتوفّى (219 هـ) وأبو الحسين الخياط المتوفّى (311 هـ) ـ إلى اتّصافها بصفة الأجناس. انظر : مناهج اليقين في أُصول الدين: 16 وشرح المواقف: 2 / 215 .
3 . ومنهم أبو يعقوب الشّحام المتوفّى (280 هـ)، وأبو عبد الله البصري المتوفّى (370 هـ) وأبو اسحاق بن عيّاش، فإنّهم قالوا: إنّ التحيّز هي الجوهّريّة. لاحظ : مناهج اليقين في أُصول الدين: 17 وشرح المقاصد: 1 / 377 .
4 . أي الصّانع .
5 . فإنّهم جوّزوا اتّصال المعدومات بالصّفات الثبوتيّة، ولم يلزم عندهم من اتّصافه بالعلم، والقدرة، والحياة، وغيرها كونه موجوداً كما لا يخفى .


صفحه 264

وأمّا فرعا القول الثّاني :

فأحدهما: تقسيم الحالّ، إلى حالّ; هو معلّل بصفة موجودة في الذّات، كالعالميّة المعلّلة بالعلم، والقادريّة المعلّلة بالقدرة، وإلى حالّ; ليس كذلك كلونيّة السّواد، فإنّها لا تعلّل بصفة في السّواد، وكذا وجود الأشياء.

وثانيهما: تعليلهم اختلاف الذّوات في العدم بالأحوال: فإنّ القائلين(1) بكون الذّوات المعدومة متخالفة بالصّفات، جعلوا تلك الصّفات أحوالاً، ودلّ ذلك على أنّ الحالّ عندهم لا يجب أن يكون صفة لموجود .

وغير ذلك ممّا لا فائدة لذكره، (2) إشارة إلى فروع أُخرى له، كتقسيمهم تلك الصّفات الثّابتة للذّوات في العدم الّتي جعلوها أحوالاً في الجواهر إلى ما يعود إلى الجملة، أي مجموع ما يتركّب عنه(3) البُنية، كالحياة، وما هو مشروط بها، كالعلم والقدرة، وإلى ما يعود إلى التّفصيل أي الأفراد، كالجوهريّة، والوجود، والكون(4)، وفي الأغراض إلى الصّفة النّفسيّة، كالسواديّة، والصّفة الحاصلة بالفاعل، كالوجود، وإلى ما يتبع العرض بشرط الوجود، كالحلول في المحل .


1 . قالوا الذّوات متساوية في أنفسها والامتياز إنّما هو بالأُمور القائمة بها.
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله).
3 . وما يتبعها، كالعلم، والقدرة، والأرادة، وغيرها، فإنّها محتاجة إلى بُنْية مخصوصة مركّبة من جواهر فردة. لاحظ : شرح المواقف: 2 / 215 .
4 . المراد بالكون هو حصول الجسم أو الجوهر في الحيّز. وقال بعض المتكلمين: انّه عبارة عن خروج الشيء من العدم إلى الوجود، أو من العدم إلى الصورة، أو من القوّة إلى الفعل. وقال الفارابي: هو حدوث صورة جوهرية في المادّة.
انظر : كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 94 ; رسائل الشريف المرتضى: 2 / 280 ; ارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 69 ; أُصول الدين للرّازي: 34 ; رسائل إخوان الصفاء: 2 / 13 والدّعاوي القلبيّة للفارابي: 9 .


صفحه 265

 

تذنيبٌ

في أدلّة بطلان المعدوم والحال

لمّا كان القول بثبوت المعدوم في الخارج ; وتحقّق الواسطة بينه وبين الموجود ضروريّاً بطلانه، واضحاً فساده.

وقد ذهب إليهما جمع كثير من العلماء المتبحّرين، فلا بدّ من تحصيل شيء يصلح مظنّة للاشتباه .

فقال صاحب المواقف في المقام الثّاني(1): «والّذي أحسبهم أرادوه حسباناً يتاخم اليقين، أنّهم لمّا وجدوا مفهومات يتصوّر عروض الوجود لها; أي بأنّ يحاذي لها أمر في الخارج، فسمّوا تحقّقها وجوداً، وارتفاعها عدماً، ومفهومات ليس من شأنها ذلك(2)، كالأُمور الاعتباريّة الّتي يسمّيها الحكماء معقولات ثانية، فجعلوها لا موجودة ولا معدومة، فنحن نجعل العدم للوجود سلب إيجاب. وهم يجعلونه له(3) عدم ملكة. ولا ننازعهم في المعنى ولا في التّسمية . انتهى كلام المواقف »(4).

وقال شارح المقاصد: «والحقّ أنّ هذا الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً.


1 . أي في مقام اثبات الواسطة بين الموجود والمعدوم .
2 . أي عروض الوجود .
3 . أي الحكماء يجعلون العدم لمقابل الوجود ويسمّونه تقابل ملكة وعدم .
4 . المواقف في علم الكلام: 57 .


صفحه 266

أمّا أوّلاً: فلأنّه إنّما يصحّ لو كان المعدوم عندهم مبايناً للممتنع ولا يطلق عليه أصلاً، كما ذكره بعضهم، لا أعمّ على ما قرّره صاحب المواقف وغيره، لظهور أنّه لا يعرض له الوجود أصلاً(1).

وأمّا ثانياً: فلأنّ الحال حينئذ تكون أبعد عن الوجود من المعدوم، لما أنّه ليس له التحقّق ولا إمكان التحقّق وليس كذلك لِما أنّهم يجعلونه(2) قد تجاوز في التقرّر والتحقّق والثبوت حدّ العدم ولم يبلغ حد الوجود، ولهذا جوّزوا كونه جزءاً للموجود كلونية السواد .

وأمّا ثالثاً: فلأنّه ينافي ما ذكره في تفسير الواسطة، من أنّه المعلوم الّذي له التّحقّق لا باعتبار ذاته، بل تبعاً لغيره، أو الكائن في الأعيان، لا بالاستقلال، بل تبعاً لغيره .

ثمّ قال: ويمكن دفع الأخيرين، بأنّ المراد بالتّحقّق الذي يتصور عروضه للمعدوم دون الواسطة، هو التّحقّق بالاستقلال(3)، وأنّ الواسطة تكون أقرب إلى الوجود من جهة أنّ التّحقّق بالتبعيّة حاصل له بالفعل(4).

ثمّ حاول(5) التّنبيه على ما يصلح مظنّة للاشتباه في المقامين، فقال :

أمّا في الأوّل: فهو أنّ العقل جازم بأنّ السّواد سواد في الواقع، وإن لم يوجد أسباب الوجود من الفاعل والقابل، فإنّ أسباب الماهيّة غير أسباب الوجود، على ما سيأتي فعبّروا عن هذا المعنى بالثبوت في الخارج، لما رأوا فيه


1 . فلا يصحّ قوله: وهم يجعلونه له عدم ملكة .
2 . أي الحال .
3 . هذا دفع للوجه الثالث .
4 . هذا دفع للوجه الثاني.
5 . صاحب المقاصد .


صفحه 267

من شائبة التقرّر والتّحقّق، مع نفيهم الوجود الذهنيّ.

وهو قريب من قول الفلاسفة: أنّ الماهيّات ليست بجعل الجاعل، وحاصله: أنّهم وجدوا تفرقة بين الممتنعات والمعدومات الممكنة بأنّ لها ماهيّات تتّصف بالوجود تارة، وتتعرّى عنه(1) أُخرى بحسب حصول أسباب الوجود ولا حصولها، فعبّروا عن ذلك بالشيئيّة والثّبوت في الخارج .

وأمّا في الثّاني: فهو أنّهم وجدوا بعض ما يتّصف به الموجود كوجود الإنسان، وإيجاد الله تعالى إيّاه، وعالميّة زيد، ولونيّة السواد.

وقد قام الدّليل على أنّه ليس بموجود، ولم يكن له سبيل إلى الحكم بأنّه لا تحقّق له أصلاً، لما رأوا الموجودات يتّصف به سواء، وجد اعتبار العقل أو لم يوجد، على أنّه لو وجد اعتبار العقل وفرضه، فهو(2) عندهم ليس بموجود في العقل، فجزموا بأنّ لهذا النّوع من المعاني تحقّقاً ما في الخارج، وليس بموجود ولا معدوم، بل واسطة وسمّوه بالحالّ .

وتوضيحه: أنّه إذا صَدَرَ المعلول عن العلّة، فنحن نجد في كلّ منهما(3) صفة كانت معدومة قبل الصدور ـ أعني: الموجوديّة(4)والوجود(5) ـ فلا تكون حينئذ معدومة، ضرورة التفرقة بين الحالين(6)، وقد قام الدّليل على أنّها ليست بموجودة ، فيكون واسطة . انتهى كلام شارح المقاصد.(7)


1 . الوجود .
2 . أي ما يتصف بموجود .
3 . من العلّة والمعلول .
4 . بالنّسبة إلى العلّة .
5 . بالنّسبة إلى المعلول .
6 . أي بعد الصدور وقبله .
7 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 379 ـ 381 .


صفحه 268

 

المسألة الثّانية عشرة

في الوجود المطلق والمقيّد

ومقابليهما

وفيها بحثان:

البحث الأوّل

في الوجود المطلق والمقيّد

قال : ثمّ الوجودُ، قد يُؤخَذ على الاطلاق فيُقابله عدمٌ مثله.

وقد يجتمعان لاباعتبار التّقابل ويُعْقَلان معاً.

وقد يُؤخَذ مقيّداً فيُقابِله عدمٌ مثلهُ .

أقول: اعلم، أنّك قد عرفت غير مرّة أنّ المراد من الوجود(1) ليس إلاّ كون الماهيّة وتحقّقها(2)، فلا يمكن أن يتحقّق الوجود إلاّ ويلزمه إضافة إلى ماهيّة مّا وشيء مّا، ولا يلزم من ذلك أن يكون الوجود معنى إضافياً،(3) بل معنى


1 . أي مفهوم الوجود .
2 . مثل الإنسان موجود .
3 . كــالأُبوّة والبُنُوّة .


صفحه 269

يلزمه إضافة وفرقٌ ما بين المعنيين، وكلّ معنى غيرِ إضافيّ وإن كان ممّا يلزمه إضافة، فلا شكّ في إمكان تعقّله من حيث هو غيرُ مضاف إلى شيء مّا، لكنّ المراد بالوجود المطلق هاهنا ليس هو الوجود من حيث هو غير مضاف أصلاً، بل المراد ما هو غير منسوب ومضاف إلى شيء بعينه وماهيّة بخصوصها، وإن كان منسوباً ومضافاً إلى شيء مّا وماهيّة مّا مطلقاً.

وذلك لأنّا نعلم قطعاً أنّ المبحوث عنه ليس إلاّ الوجود من حيث هو وجود لشيء، وكونٌ وتحقّقٌ لماهيّة، لا مفهوم الوجود من حيث هو .

وكذا المراد من العدم المطلق إنّما هو رفع الوجود لا بنسبته(1) وإضافته إلى ماهيّة مخصوصة، وإن كان منسوباً إلى ماهيّة مّا لا من حيث هو غير مضاف إلى شيء مّا أصلاً، كيف ولو لم يؤخذ(2) مضافاً إلى الوجود لم يكن مقابلاً له.

فإذا وَجَب اعتبار إضافته(3) ونسبته إلى الوجود، فالإطلاق المعتبر فيه(4) إنَّما هو الإطلاق المعتبر في الوجود لا محالة.

وهذا هو المراد من قوله: ثمّ الوجود قد يؤخذ على الإطلاق; أي غير منسوب ومضاف إلى ماهيّة مخصوصة، كالكتابة، أو الضّحك، أو غير ذلك .

بيان ذلك: أنّ الوجود على قسمين:

وجود الشّيء في نفسه.

ووجود الشّيء لغيره .

ففي الأوّل: إذا قصد إثباته(5) للشيء جُعِل الشيء موضوعاً، وجُعل


1 . ب: «لا نسبتّه».
2 . الضمائر الثلاثة ترجع إلى العدم .
3 . الضمائر الثلاثة ترجع إلى العدم .
4 . الضمائر الثلاثة ترجع إلى العدم .
5 . الوجود .


صفحه 270

المشتقّ من لفظ الوجود محمولاً من غير تقييده، أو اعتبار تقييده بشيء مخصوص، فيقال مثلاً: الإنسان موجود من غير أن يعتبر تقييد الوجود بشيء بخصوصه حتّى بكونه وجود الإنسان سوى ما يقتضيه كون الوجود نفس تحقّق الشيء وكونه من إضافته إلى شيء مّا كما بيّنا. وهذا هوالمراد بالوجود المطلق.(1)

وفي الثّاني: إذا قصد إثبات وجود ذلك(2) الشيء لغير ذلك الشيء جعل ذلك الغير موضوعاً وذلك الشيء أو وجود ذلك الشيء محمولاً على سبيل الحمل الاشتقاقي، فيقال: الإنسان كاتب أو موجود كاتباً أو موجود له الكتابة، فهذا ـ أعني: وجود هذا المحمول لذلك الموضوع ـ هو الوجود المقيّد .

وكذا العدم على قسمين:

عدم الشّيء في نفسه، وهو مقابل للوجود في نفسه .

وعدم الشّيء عن غيره وهو مقابل الوجود لغيره.

فقوله: فيقابله عدمٌ مثلهُ; أي في عدم اعتبار إضافته ونسبته إلى ماهيّة بخصوصها، فيقال: زيد معدوم من غير أن يقصد أنّه معدوم عنه شيء كالكتابة، بخلاف زيد معدوم عنه الكتابة، أو لا كاتب، أو غير كاتب .

وبالجملة: العدم المقيّد بشيء بخصوصه. وهذا ـ أعني: العدم في قولنا زيد معدوم مطلقاً ـ هو العدم المطلق، المقابل للوجود المطلق، ومقابلته(3)


1 . وبعبارة أُخرى الوجود المطلق ما هو محمول في الهليّة البسيطة كالإنسان موجود. والمقيّد ما هو المحمول في الهليّة المركّبة كالانسان كاتب. شرح المنظومة: 2 / 171 .
2 . الكتابة مثلاً .
3 . أي العدم المطلّق .


صفحه 271

للوجود المطلق هو المعروف بتقابل السّلب والإيجاب، وهو باعتبار كونه وفعاله، فهو(1) بهذا الاعتبار لا يمكن أن يجامعه(2)، بأن يكون موضوع واحد باعتبار واحد موضوعاً للوجود المطلق وللعدم المطلق الّذي هو رفعه، باعتبار كونه رفعه، كما هو(3) المعتبر في اجتماع المتقابلين.

ولكن قد يمكن أن يجامعه لا من حيث هومقابله ورفعه، بأن نفرض موضوعاً هو موصوف بالوجود المطلق في الواقع يرفع عنه الوجود المطلق، ويتّصف حينئذ بالعدم المطلق، فهذا الموضوع موضوع للوجود المطلق الواقعيّ، وللعدم المطلق الفرضيّ معاً.

فقد اجتمع في هذا الموضوع الوجود المطلق والعدم المطلق معاً.(4) وهذا العدم المطلق وإن كان مقيساً إلى هذا الوجود المطلق المجامع له ومقابلاً إيّاه، ولكنّ مجامعته له ليس من حيث هو مقابل له، لأنّ مقابلته له، إنّما هو من حيث كونه رفعاً له، وكونه رفعاً له، إنّما هو بحسب الفرض لا بالفعل.

وهذا معنى قوله: وقد يجتمعان; أي الوجود المطلق والعدم المطلق في موضوع واحد، لا باعتبار التّقابل.

قال الفاضل القوشجي: «فإنّا إذا قلنا كلّ معدوم مطلقاً يمتنع الحكم عليه، فإنّ ذات الموضوع في هذه القضيّة يكون موصوفاً بالعدم المطلق، لكونه عنواناً له، وبالوجود المطلق، لأنّه متصور موجود في الذّهن، لكن هذا الاجتماع لا


1 . العدم .
2 . الوجود .
3 . أي عدم الاجتماع .
4 . لكن أحدهما واقعي والآخر فرضيّ فيفقد وحدة الجهة .


صفحه 272

يقدح في تقابلهما، إذ المعتبر في التّقابل أن لا يجتمع المتقابلان في محلٍّ واحد بحسب نفس الأمر; أي يتّصف بكلّ منهما في نفس الأمر، لكن اتّصافه بالعدم ليس بحسب نفس الأمر، بل بحسب فرض العقل.

وهذا ليس من اجتماع المتقابلين المستحيل، كما إذا كان كلا الاتّصافين بحسب فرض العقل، فإنّ العقل قد يفرض ذاتاً موصوفة بالوجود والعدم معاً.

وليس ذلك من الاجتماع المستحيل للمتقابلين.

وإلى هذا المعنى أشار المصنّف بقوله: وقد يعقلان; أي الوجود والعدم معاً; أي مجتمعين في محلّ واحد . انتهى كلام الشّارح القوشجي» (1).

وفيه: أنّه كان ينبغي على هذا أن تقول كما قد يعقلان معاً كما لا يخفى على أنّه كما لا يقدح كون أحد المتقابلين مفروضاً(2) في اجتماعهما لا يقدح كون كليهما مفروضين أيضاً في ذلك، فما الفرق بين هذه الصورة والصورة الأُولى ليكون الثّانية توضيحاً للأُولى .

وأمّا ما في الشرّح القديم والحواشي الشريفيّة في شرح هذا المقام (3): من أنّه قد يجتمع الوجود المطلق والعدم المطلق، لأنّ العدم المطلق قد يتصوّر فيعرض له(4) الكون المطلق، لكن اعتبار التقابل غير اعتبار الاجتماع، لأنّ العدم المطلق من حيث إنّه سلب الوجود المطلق متقابل له، ومن حيث إنّ الوجود المطلق عارض له مجتمع معه، فباعتبار أنّه سلب له لا يجتمع معه، بل يقابله، وباعتبار أنّه معروض له لا يقابله، بل يجتمع معه.


1 . شرح تجريد العقائد: 22 .
2 . والآخر واقعيّاً .
3 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 23 .
4 . الوجود .


صفحه 273

وقوله(1): «وقد يعقلان معاً» ردٌّ لما يتوّهم من أنّ العدم المطلق لا يمكن أن يتصوّر، إذ لا تميّز له في نفسه أصلاً .(2)

وتقرير الردّ: أنّه كما يمكن أن يتصوّر الوجود المطلق يمكن أن يتصوّر رفعه أيضاً، وهو العدم المضاف إلى الوجود المطلق، وذلك لا ينافي كونه عدماً مطلقاً.

فأورد عليه(3) الشّارح القوشجي:

«أمّا أوّلاً: فلأنّ اجتماع المقابلين بعروض أحدهما للآخر ليس مستحيلاً حتّى يحتاج إلى الاعتذار بتغاير الجهة إنّما المستحيل اجتماعهما بعروضهما لمحلّ واحد.

وأمّا ثانياً: فإنّه لو اجتمع الوجود والعدم في محل واحد بأن يكون موجوداً ومعدوماً معاً، يمكن إجراء هذا العُذر فيه، بأن يقال: العدم من حيث إنّه سلب الموجود مقابل له، ومن حيث انّ الوجود عارض لمحلّه مجتمع معه .

وأمّا ثالثاً: فإنّه لو كان معنى قوله: «وقد يعقلان معاً» ما ذكره(4)، لكان لفظة معاً لغوا(5).

وأقول: يمكن أن يقال: معنى قول المصنّف « لا باعتبار التّقابل» على حلّهما(6)، ليس أنّه لو اجتمعا باعتبار التقابل يلزم اجتماع المتقابلين، بل معناه


1 . أي قول المصنّف (رحمه الله) .
2 . في ب لفظة «أصلاً» ساقطة.
3 . على كلام الشارح القديم .
4 . أي ما ذكره الشارح القديم .
5 . شرح تجريد العقائد: 23 .
6 . أي على حل كلام الشّارح القديم والمحشي الشريف .


صفحه 274

حينئذ، أنّه لو اجتمعا باعتبار التقابل لم يكونا مطلقين، لأنّ العدم لا يكون حينئذ رفعاً للوجود العارض له، فلا يكون رفعاً لمطلق الوجود، فلا يكون عدماً مطلقاً.

وعلى هذا لا يرد عليه شيء ممّا أورده.

أمّا الأوّل والثّاني: فظاهر(1).

وأمّا الثّالث: فلأنّ قوله: «قد يُعْقلان معاً» إذا كان دفعاً للرّد المذكور، فلا بدّ من قوله: «معاً» إذ ذلك الردّ يندفع بأن يضاف العدم إلى الوجود ليصير متميّزاً، فلابدّ من تعقّل الوجود أيضاً .

ثمّ أقول: لا يبعد أن يكون، قوله: «وقد يعقلان معاً» إشارة إلى ما أشرنا إليه من إمكان تعقّل كلّ من مفهومي الوجود والعدم من دون إضافته ونسبته إلى شيء مّا أصلاً، فإنّ ذلك(2) وإن كان في الوجود أظهر، لكون العدم يحتاج في تعقّله إلى تعقّل الوجود، لكونه رفعاً له، لكن بعد تعقّل الوجود لا يحتاج إلى تعقّل شيء آخر، فعند تعقّل الوجود والعدم معاً لا يحتاج إلى شيء من الأشياء أصلاً فليتدّبر.(3)

وقد يُؤخَذ الوجود مقيّداً باعتبار إضافته ونسبته إلى ماهيّة معيّنة، كوجود البصر لزيد، ووجود الكتابة للإنسان، فيقال: زيد موجود بَصيِراً، والإنسان موجود كاتباً، أو زيد موجود له البصر، أو الإنسان موجود له الكتابة.

وقد يشتّق من ذلك القيد الّذي هو ماهيّة مخصوصة، كالبصر والكتابة،


1 . أي ظاهر البطلان .
2 . الامكان .
3 . أي في قول المصنّف (رحمه الله): وَقد يُؤخذ مقيّداً .


صفحه 275

إسم مثل البصير والكاتب. فيقال: زيد بصير، والإنسان كاتب، أو يضاف لفظة ذو إلى ذلك القيد فيقالُ: زيد ذو بصر، والإنسان ذو كتابة، والجسم ذو سواد، وهذا هو الوجود المقيّد كما عرفت .

فيُقابِله عدمٌ مثله(1) في اعتبار التقييد والإضافة إلى ماهيّة بعينها، وهو العدم المقيّد ويقال له عدم الملكة.

فإنّ الملكة: عبارة عن ذلك الأمر الوجودي الّذي قيّد به الوجود المقيّد، أعني: الماهيّة المخصوصة.

وقد يوضع لذلك العدم إسم خاصّ مثل: العمى لعدم البصر، والأُميّة لعدم الكتابة. فيقال: زيد أعمى أو أُمّيٌّ، ومقابلة ذلك العدم مع الوجود الّذي هو رفع له ومنسوب إليه، هو المعروف بتقابل العدم والملكة.


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 276

البحث الثّاني

في أنّ عدم الملكة يفتقر إلى الموضوع

قال: ويفتقر ذلك العدم(1) إلى الموضوع كافتقار ملكته إليه، ويُؤخذ شخصيّاً ونوعيّاً وجنسيّاً.

أقول: فإنّ الملكة لمّا كانت موجودة لغيرها، فذلك الغير هو موضوعها، فهي محتاجة لا محالة في وجودها إلى ذلك الموضوع، ولابدّ في ذلك الموضوع من قابلية لتلك الملكة ضرورة امتناع أن يكون كلّ شيء موضوعاً لكلّ شيء، فوجود الملكة لمّا كان لموضوع قابل كان عدمها أيضاً عن موضوع قابل، فهو ليس عدماً صرفاً، بل معتبر فيه(2) النّسبة إلى أمر وجودي لذلك الاعتبار(3)، فلابدّ له من موضوع موجود يقوم ذلك العدم به، كما في الملكة. فالمراد من الموضوع هو الموضوع الموجود في الخارج، وإلاّ لما اختصّ هذا الحكم بالوجود والعدم المقيّدين، ولما اعتبر في عدم الملكة، كون الموضوع قابلاً للملكة. وقابلية الشّيء للشيء :

قد يكون بالشّخص ، أعني: أن يكون شخص ذلك الشّيء قابلاً له.


1 . المقيّد وهو عدم الملكة وكذلك ضمير ملكته .
2 . أي العدم .
3 . أي باعتبار ملاحظة كون ذلك العدم عن موضوع قابل .


صفحه 277

وقد يكون بالنّوع، أعني: أن يكون نوع ذلك الشّيء قابلاً له، وإن لم يكن ذلك الشخص منه قابلاً له.

وقد يكون بالجنس، أعني: أن يكون جنس ذلك الشّيء، وإن كان في ضمن أنواع أُخر قابلاً له، ولم يكن ذلك النّوع قابلاً له.

مثال الأوّل: أعمى لمن وُلِدَ بصيراً ثمّ زال بصره .

ومثال الثّاني: هو لمن وُلِدَ غير بصير .

ومثال الثّالث: هو العقرب (1) مثلاً.

وأشار(2) المصنّف إلى هذا بقوله: وقد يُؤخَذُ; أي الموضوعُ، شخصيّاً ونوعيّاً وجنسيّاً .

فعلى الأوّل: إذا كانت قابليّة الشخص للملكة في وقت اتّصافه(3) بالعدم كما في عدم اللّحية لمن جاوز حدّ الأمرديّة، فيقال لهما(4): العدم والملكة المشهوران.

وعلى الأخيرين(5): وكذا على الأوّل، إذا لم يكن القابليّة في وقت الاتّصاف كما في عدم اللحيّة لِلأَمْرَد، ويقال لهما(6): العدم والملكة الحقيقيّان .

واعلم: أنّ الملكة وعدمها، إذا اُخِذا بسيطَيْن، فالتّقابل بينهما، تقابل العدم والملكة، مثل الكتابة، واللاكتابة، والبصر، والعمى.

وإذا أوجب أو سُلِبَ أحدهما بعينه، كان التّقابل بينهما ـ أعني: بين


1 . لأنّ النّوع لم يكن قابلاً للبصر لكن جنسه وهو الحيوان من شأنه أن يكون قابلاً للبصر.
2 . قوله: أشار، جواب «لما» في قوله «ولّما اعتبر في عدم الملكة...» .
3 . أي الشخص .
4 . أي العدم والملكة .
5 . أي بالنّوع والجنس .
6 . أي الوصفين .


صفحه 278

النّسبتين ـ تقابل السّلب والإيجاب، مثل: زيدٌ كاتبٌ، وزيدٌ ليس بكتاب.

وإذا أوجِبَ أو سُلِبَ كلاهما، فالنّسبتان متنافيتان، وليستا بمتقابلتين، مثل زيد كاتب، وزيد لا كاتب، أو زيد ليس بكاتب، أو زيد ليس بلا كاتب.

واعلم أيضاً: أنّ وجود الملكة ـ أعني: الوجود المقيّد ـ وكذا العدم المقيد، إذا حُمِل على الملكة، يصير وجوداً مطلقاً، وعدماً مطلقاً، مثل الكتابة موجودةٌ، أو معدومة. وإذا حُمِلَ على موضوع غيرها، يكون مقيّداً، مثل زيد موجود كاتباً، أو كاتب، وزيد لا كاتب، أو أُمّيّ; كما عرفت.

وينبغي أن يعلم أيضاً: أنّ المراد من الوجود المقيّد والعدم المقيد، غير ما هو المراد من الوجود الخاصّ والعدم الخاصّ، وأنّه لا فرق بين المطلق والخاصّ في الحمل، وعند الإطلاق والاستعمال، وإنّما الفرق بمجرّد اعتبار العقل. فكلّ وجود مطلق، فهو وجود خاصّ باعتبار، وإنّ التّقابل بين الخاصّين; هو تقابل السّلب والإيجاب، بخلاف المقيّدين، فإنّ التّقابل بينهما، تقابل العدم والملكة، كما عرفت.

فعليك بالتامّل الصّادق في جميع ما ذكرنا في هذه المسألة من الكلام، فإنّ الناظرين في هذا الكتاب قاطبة قد غفلوا عمّا هو الحقّ في هذا المقام.


صفحه 279

 

المسألة الثّالثة عشرة

في بساطة الوجود

قال: ولا جنسَ له، بل هو بسيط .

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان بساطة الوجود وعدم تركّبه لا من الأجزاء المحمولة ولا من الأجزاء مطلقاً.

فأشار إلى الأوّل بقوله: ولا جنسَ له;(1) أي للوجود، إذ الوجود كما مرّ، هو تحقّق الأشياء، وليس من جنس الأشياء، فلا مشاركة له مع الأشياء، وجنس الشّيء إنّما هو ما به مشاركته مع غيره.

وأشار إلى الثّاني بقوله: بل هو بسيطٌ ; أي ليس له جزء أصلاً، لا الجنس الّذي هو من الأجزاء المحمولة، ولا غيره مطلقاً، لأنّ الجزء مطلقاً لا محالة شيء، ويعرضه كون وتحقّق، فالوجود إنّما هو كون ذلك الشّيء، وتحقّقه لا هو ولا ما هو مركبّ منه، ومن غيره، لأنّه أيضاً لا محالة شيء، ويعرضه تحقّق.

والحاصل: أنّه بعد ملاحظة إنّ المراد من الوجود إنّما هو كون الشيء، وتحقّقه لا أمر آخر وراء ذلك، يحكم العقل ضرورة بأنّه لا يمكن أن يكون له جزء أصلاً، فما يستدلّ به على ذلك من أنّه، لا أعمّ من الوجود ليتصوَّر كونه


1 . قال المصنف (رحمه الله): ولا جنس له بل هو بسيطٌ. وفي متن كشف المراد و شرح تجريد العقائد وكتاب تجريد الاعتقاد : فلا فصل له. لكن النسخ الموجودة بايدينا لفظة «فلا فصل له» ساقطة.


صفحه 280

جنساً له، ومن أنّ الوجود، كما مرّ; يعرض جميع المعقولات، فلو كان له جزء، لكان معروضاً للوجود، فيلزم أن يكون الشيء عارضاً لنفسه، أو لا يكون العارض بتمامه عارضاً.

وأنّه لو كان له جزء: فإمّا أن يكون موجوداً، فيلزم تقدّم الشيء على نفسه .

وإمّا معدوماً، فيلزم تقوّم الشيء بنقيضه، لعلّ الغرض منه تنبيه على ذلك، فلا يَضرّ المناقشة فيه.

وقد يقال: مراد المصنّف بالوجود(1)، الموجود، فلو كان للموجود جنس، لكان مقولاً عليه، وعلى ما بازائه(2) في جواب ما هو، لكن ما بازاء الموجود المطلق، هو المعدوم المطلق، وليس له ذات ولا تَعَيّنٌ، بل هو لا شيء محض، فكيف يستقيم أن يكون جزئه(3) مفهوماً محصّلاً معيّناً ؟


1 . المطلق .
2 . الموجود .
3 . أي الموجود .


صفحه 281

 

المسألة الرّابعة عشرة

في تكثّر الوجود وتشكيكه

قال : ويتكثّر بتكثّر الموضوعات.

ويقال بالتّشكيك على عوارضها.

فليس جزءاً من غيره مطلقاً.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ الوجود يتكثّر بالذّات، أعني: أنّ له أفراداً في نفس الأمر متكثّرة بالذّات حسب تكثّر الماهيّات، ومتخالفة كتخالفها، كما هو مذهب الحكماء على ما عرفت سابقاً (1)، لا أن يتكثّر بالحصص بسبب الإضافة(2) إلى الماهيّات كما هو مذهب المتكلمين .(3)

بيان ذلك: أنّه لا محالة لكلّ ماهيّة كانت، فلها كونٌ، يصدر عنها بحسبه آثار مخصوصة، هي آثار تلك الماهيّة، وهو كونها بحيث يصدر عنها تلك الآثار.

ولا شكّ في أنّ حيثيّة صدور آثار مخصوصة مخالفةٌ ومتباينةٌ لحيثيّة صدور آثار مخصوصة أُخرى مخالفة الماهيّة الّتي يصدر عنها تلك الآثار للماهيّة


1 . في المسألة الثّالثة.
2 . لا بالذّات ولا في نفس الأمر .
3 . لأنّ الوجود عندهم أمرٌ اعتباري .


صفحه 282

الّتي تصدر عنها هذه الآثار، وهذه مخالفة ومباينة بالذّات، لا بمجرّد الإضافة(1) مع اشتراك الكونين المخصوصين في مطلق الكون.

ولا شك في أنّ كلّ واحد من هذه الأكوان المخصوصة، كُونٌ خارجيّ بمعنى كون الخارج ظرفاً لنفس الكون، لا لوجوده على ما عرفت سابقاً،(2) وكون عروض الوجود للماهيّة في العقل، ليس معناه أنّ الوجود الّذي هو بمعنى الكون عقلي، بمعنى كون العقل ظرفاً لنفس الكون، بل بمعنى كونه ظرفاً لوجود الكون.

ومعنى العروض، هو كون الشّيء موجوداً لغيره، فلمّا لم يكن الوجود موجوداً في الخارج للماهيّاتِ، منعنا عروض الوجود للماهيّة في الخارج، وحَكمنا بأنّه عارض لها في العقل، بمعنى أنّ موجوديّة الوجود للماهيّة إنّما هي في العقل لا في الخارج، فما هو فرد للوجود المطلق، هو كون الماهيّة في الخارج، بمعنى أن يكون في الخارج ظرفاً لنفس الكون(3)، وهو(4) موجود للماهيّة وثابت لها في العقل(5)، بمعنى أن يكون في العقل ظرفاً(6) لوجوده وثبوته لا لنفسه.


1 . أي إضافة تلك الآثار إلى الماهيّة.
2 . لاحظ : المسألة الثّالثة من هذا الجزء.
3 . لا ظرفاً للماهيّة نفسها.
4 . الفرد .
5 . لأنّ الوجود من حيث هو وجود لا يكون له ماهيّة ولايحاذي له شيء في الخارج، فلايكون الخارج إلاّ ظرفاً لنفسه لا لوجوده لأنّ كلّما يكون كذلك فحاله كذلك .
6 . أي ظرفاً لعروض الوجود لذلك الفرد أي الماهيّة.


صفحه 283

ولا شك في أنّ هذا الفرد فردٌ بحسب نفس الأمر لا بمجرّد تعمّل العقل، وإنّما يكون بمجرّد تعمّل العقل، لو كان العقل ظرفاً لنفسه لا لوجوده، فثبوت هذا الفرد من الوجود للماهيّة لا يتوقف على ثبوت الماهيّة قبل ثبوته لها إلاّ في العقل، ولا يلزم بمجرّد ذلك أن لا يكون للوجود(1) فرد ثابت للماهيّة في نفس الأمر.

فاندفع الإشكال الّذي ذكرنا سابقاً، أنّه وارد على الحكماء في قولهم: «بأنّ للوجود أفراداً مخالفة بالذّات(2)». وذلك لأنّ مدار ذلك الإشكال كان على أمرين:

أحدهما: أنّ ثبوت الفرد للوجود قائماً على الماهيّة في نفس الأمر يتوقّف على وجود الماهيّة في نفس الأمر(3) بوجود سابق.

وثانيهما: أنّ تخصّص كون، وامتيازه من كون آخر، لا يمكن أن يكون بأمر خارج عن الكون سِوى مجرّد الإضافة إلى الماهيّة.

وقد ظهر ممّا ذكرنا، ثبوت الامتياز وعدم التوقّف كليهما، فليتفطّن .

وهذا الّذي ذكرنا هو مراد المصنّف بقوله: ويتكثّر ; أي الوجود المطلق بتكثّر الموضوعات; أي بسبب تكثّر الماهيّات الّتي يحمل عليها الوجود وعلى حسب تكثّرها.

ثمّ إنّ الوجود المطلق المشترك بين هذه الأفراد ـ أعني: مطلق الكون


1 . المطلق .
2 . مع أنّ مخالفة افراد الوجود إنّما كانت بحسب مخالفة الماهيّات.
3 . في أ، ب و ج: قوله: «في نفس الأمر» ساقط.


صفحه 284

المشترك بين هذه الأكوان المخصوصة ـ إنّما هو(1) مقول عليها بالتّشكيك على وجهين:

أحدهما: التّقدم والتّأخر.

وثانيهما: الأولويّة وعدمها .

كما قال الشّيخ في الشفاء: «من أنّ الوجود بما هو وجود لا يختلف في الشّدة والضّعف، ولا يقبل الأكمل والأنقص، وإنّما يختلف في ثلاثةأحكام وهي: التقدّم والتأخر، والاستغناء والحاجة، والوجوب والإمكان. انتهى».(2)

فإنّ الأولويّة وعدمها يشتمل الاستغناء والحاجة والوجوب والإمكان كما لا يخفى.

وبيان التّشكيك: أنّ العقل لا ينتزع هذا الفرد من المعلول، ولا يعتبره وصفاً له إلاّ وقد انتزع واعتبر فرداً آخر وصفاً للعلّة، وينتزعه ويعتبره وصفاً للعّلة، ولم ينتزع ولم يعتبر فرداً آخر وصفاً للمعلول، وذلك هو معنى التّقدم والتّأخر بالعليّة، كما سيأتي .(3)

ولمّا كان وجود الفرد المتقدّم باعتبار العقل لا في الخارج، كان صدق مفهوم الوجود المطلق عليه أيضاً في اعتبار العقل ومتقدّماً على صدقه على الفرد المتأخّر، بخلاف ما إذا كان المتقدّم موجوداً في الخارج، فإنّه لا يلزم هناك أن


1 . أي الوجود المطلق .
2 . إلهيّات الشفاء: 1 / 276 المقالة السادسة، الفصل الثالث .
3 . في المسألة السّادسة والعشرين.


صفحه 285

يكون صدق مفهوم عليه أيضاً متقدّماً على صدقه على الفرد المتأخّر.

وهكذا الكلام في الأولويّة، فلا يتّجه ; أنّ كون صدق مفهوم الوجود على وجود العلّة، أقدم من صدقه على وجود المعلول، وعلى وجود الجوهر أولى من وجود العرض، ممنوعٌ، وإنّما المسلّم أقدميّة وجود العلّة على وجود المعلول، وأولويّة وجود الجوهر على وجود العرض، لا أقدميّة الصّدق وأولويّته، فتفطّن.

وهذا الّذي ذكرنا، هو معنى قول المصنّف: ويقال; أي الوجود المطلق بالتشكيك على عوارضها; أي على أفراد الوجود العارضة بحسب اعتبار العقل للموضوعات الّتي هي الماهيّات المخصوصة في قولنا: الإنسان موجود، والفرس موجود، إلى غير ذلك .

فهذا تصريح من المصنّف: بأنّ للوجود أفراداً واقعيّة متخالفة عارضة للماهيّات في نفس الأمر، كما أومَأنا إليه فيما سبق.

فإذا أثبت أنّ الوجود المطلق، مقول بالتّشكيك على أفراده، ثبت أنّه عرضيّ بالنّسبة إليها، لا ذاتيّ، كما على تقدير كون الأفراد عبارة عن الحصص الحاصلة بالإضافة إلى الماهيّات على ما هو مذهب المتكلّمين.

وقد مرّ في مسألة زيادة الوجود ; أنّه ليس جزءاً من الماهيّات، فليس(1) الوجود جزءاً من غيره مطلقاً; أي لا من المعروضات، كما سبق، ولا من أفراده النّفس الأمريّة، لكونه مقولاً بالتّشكيك بالقياس إليها.


1 . إي كما قال المصنّف (رحمه الله): فليس الخ .


صفحه 286

فهذا التفريع إنّما هو على مجموع ما سبق وقوله(1): «ويقال بالتّشكيك على عوارضها»(2).

هذا ما تقرّر عندي في شرح هذا المقام العويص، ولا اظنّ أن تجد من غيري ما فيه من محيص.


1 . أي المصنّف (رحمه الله) .
2 . أي على افراده العارضة للماهيّات.


صفحه 287

 

المسألة الخامسة عشرة

في الشّيئيّة

قال : والشّيئيّةُ من المعقولات الثانية، وليست متأصلةً في الخارج فلا شيءَ مطلقاً ثابتٌ، بل هي تعرض لخصوصيّاتِ الماهيّاتِ.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ الشيئيّة من المعقولات الثّانية.

ولنقدّم مقدّمة في بيان المعقول الثّاني، فنقول: قد وجدناهم يستعملون هذه اللّفِظة(1) في طائفتين من المعاني:

إحداهما: ما يجعلونه موضوعاً للمنطق، وذلك مثل: الكلّيّة، والجزئيّة، والذّاتيّة، والعرضيّة، والجنسيّة، والفصليّة، والموضوعيّة، والمحموليّة، والقياس والقضيّة، إلى غير ذلك من المعاني الّتي يبحثون عنها في علم المنطق.

وثانيهما: الأُمور العامّة المبحوث عنها في الحكمة والكلام، وذلك مثل الوجود، والشيئيّة، والوحدة، والكثرة، والماهيّة، والعليّة والمعلوليّة، إلى غير ذلك ممّا يأتي في هذا الكتاب.

وكلتا الطائفتين مشتركتان في أنّهما معان معقولة(2) يتّصف بها الأشياء


1 . أي المعقولات الثانية. هي الّتي لم يكن لها ما بحذاها في الخارج .
2 . أي موجودة في العقل باعتبار وجودها الرابطي للموضوعات لا باعتبار وجودها في انفسها .


صفحه 288

الخارجيّة(1). وليست لها هويّات خارجيّة متأصّلة قائمة بموضوعاتها في الخارج(2)، بل إنّما عروضها لها وقيامها بها يكون حين وجودها ـ أعني: الموضوعات ـ في الذّهن فقط .

لكن الطّائفة الأُولى (3); تعرض لموضوعاتها في الذّهن، من حيث هي موجودة في الذّهن، على أن يكون التقييد بالوجود في الذّهن داخلاً في الموضوع،(4) وبالجملة ينتزعها العقل من الماهيّة الموجودة في الذّهن باعتبار وجودها في الذّهن، لا باعتبار وقوعها في الخارج. ولذلك لا يتّصف المعروض به بحسب الخارج، فإنّ الجنسيّة عارضة للحيوان الموجود في الذّهن، ولا يتصّف بها الحيوان الموجود في الخارج بحسب الخارج .

والطائفة الثّانية(5); عارضة للموضوعات من حيث هي، لا مع التقييد بوجودها في الذّهن، وإن كان ذلك العروض لا يكون إلاّ حين وجود الموضوعات في الذّهن، لأنّ حيثيته من حيث هي، لا يكون إلاّ في الذّهن، كما عرفت في مسألة من قيام الوجود بالماهيّة من حيث هي، لا لكون وجود الموضوع في الذّهن قيداً في المعروض، وبالجملة ينتزعها العقل من الماهيّة حين وجودها في الذّهن لا باعتبار وجودها في الذّهن; بل باعتبار وقوعها في الخارج، وفرق بيّن بين المعنيين(6). ولذلك يتصّف الموضوعات بهذه الطائفة


1 . كالوجود مثلاً فإنّ العقل إنّما ينتزعه عن الماهيّة.
2 . فلا يكون الخارج ظرفاً لقيامها بموضوعاتها وإن كان ظرفاً لنفسها.
3 . أي الكليّة والجزئيّة ونحوهما.
4 . لأنّ الوجود عارض لها في الذّهن .
5 . أي الأمور العامة المبحوث عنها في الحكمة والكلام .
6 . الأوّل عبارة عما يكون العروض والاتّصاف ذهنيّين، والثّاني ما يكون العروض ذهنياً والاتّصاف خارجياً .


صفحه 289

من العوارض بحسب الخارج مع كون العروض في الذّهن، فإنّ الماهيّة متّصفة بالوجود في الخارج مع أنّ الوجود لايعرضها إلاّ في الذّهن كما مرّ.

ولذلك(1) يرى القوم في تشويش عظيم في تفسير المعقول الثّاني وتعيين ما هو المراد منه، فقد يُعرَّف سيّما(2) للوجود الذّهني بخصوصه مدخل في عروضه.

وقريب منه ما هو قيل: ما لا يعقل إلاّ عارضاً لمعقول آخر.

ولعلّ المراد ما إذا عقل عارضاً لا يعقل إلا عارضاً لمعقول آخر، فلا يرد عليه أنّه لِمَ لا يجوز أن يكون العوارض الذّهنيّة قد ينفكّ تعقّلها عن تعقّل معروضاتها ؟

وقد يعرّف بأنّها ما يعرض للمعقولات الأُولى في الذّهن، ولا يحاذي بها أمر في الخارج.

وظاهر أنّ هذا التّعريف أعمّ من الأوّل، لشموله مجموع الطّائفتين، دون الأوّل، حيث يختصّ بالطّائفة الأُولى. ولهذا قد يظنّ أنّ في المعقولات الثّانية اصطلاحين .

قال سيد المدققين: تعريفها الموروث من القدماء، هو أنّها العوارض العقليّة الّتي لا يحاذي بها أمر في الخارج .

وقد عدّوا منها الكلّي، والجزئي، والقضيّة، والشيء، والذّات، والماهيّة، والعلّة، والمعلول، والممكن، ونظائرها.


1 . أي لأجل استعمال هذه اللّفظة في كلتا الطائفتين واشتراكهما في معنى واختصاص كلّ منهما بمعنى .
2 . أ، ب وج: اضافة «بما» .


صفحه 290

والمصنّف تبعهم في ذلك وعَدَّ بعض المذكورات منها(1) في الكتاب.

وجمهور المتأخّرين فسّروا ذلك بوجه يخرج عنها أكثر ما عند القدماء منها، حيث اشترطوا أن يكون تعقّل المعقولات الثّانية، بعد تعقّل شيء آخر، رعايةً لوجه التّسمية.

ويَخْرجُ بذلك كثير من الأُمور المعدودة منها، عنها كالكلّي، والجزئي، والقضيّة، والشّيء، والعلّة، ونظائرها.

وحملوا العوارض العقليّة على ما يقابل العوارض الخارجيّة، ولوازم الماهيّة، وأرادوا بالعوارض الخارجيّة، ما لو حملت على معروضاتها، لصدقت القضيّة خارجيّة، فكلّ ما هو كذلك من المعدود منها، يخْرُجُ عنها، ومثل الجزئيّ والشّيء، والعلّة، تكون بهذا القيد(2)خارجاً أيضاً، ضرورة أنّ زيداً جزئيّ وشيء وعلّة في الخارج.

ثمّ لمّا رأوا خروج هذه الأُمور(3) عنها(4)، اعترض بعضهم على القدماء بعدّهم هذه الأُمور منها. وبعض آخر ارتكبوا تكلّفات بعيدة ليندرج هذه الأُمور فيها، ولم يظفروا على ذلك. انتهى ما أردنا من كلامه .(5)

وأقول: التّحقيق في هذا المقام أن يقال: العوارض على ثلاثة أقسام:

عارض يكون الخارج ظرفاً لوجوده كالسواد .


1 . أي المعقولات .
2 . أي بقيد «لصدق».
3 . أي الكلّي والجزئي ونحوهما.
4 . أي عن المعقولات الثانية.
5 . أي من كلام سيّد المدققين. لم نعثر على مصدره .


صفحه 291

وعارض لا يكون الخارج ظرفاً لوجوده، ولكن يكون ظرفاً لنفسه كالوجود .

وعارض لا يكون الخارج ظرفاً لوجوده ولا لنفسه كالكليّة.

والأوّل: يكون الخارج ظرفاً للاتّصاف به لا محالة، أو(1) يكون له ما يحاذي به في الخارج .

والثّاني: يكون الخارج ظرفاً للاتّصاف به أيضاً، لكن لا يكون له ما يحاذي به في الخارج، لأنّ المراد أن يكون ما يحاذي به موجوداً في الخارج، بأن يكون الخارج ظرفاً لوجود ما يحاذي به، لا ظرفاً لنفسه .

والثّالث: لا يكون الخارج ظرفاً للاتّصاف به، ولا له ما يحاذي في الخارج.

فالأوّل: يكون عروضه للمعروض في الخارج لا محالة، بخلاف الثّاني والثّالث، فإنّ عروضهما إنّما يكون في العقل.

أمّا الثّالث: فظاهر.

وأمّا الثّاني: فلأنّه لو كان له عروض في الخارج، لكان له ثبوت ووجود لمعروضه في الخارج، فإنّ ذلك هو معنى العروض في الخارج، فيكون الخارج ظرفاً لوجوده(2)، وهوخلاف المفروض، فجميع ما لا يكون الخارج ظرفاً لوجوده يكون عروضه في العقل، فيكون من المعقولات الثّانية، لكونه في الدرجة الثّانية من التعقّل، لأنّ عروضه لما كان في العقل، وثبوت الشّيء للشّيء يتوقّف على ثبوت المثبت له، فمعروضه يجب أن يعقل ليعقل عروض العارض


1 . أ، ب وج: «و».
2 . لا لنفسه .


صفحه 292

له، سواء كان منشأ عروضه هو وجود المعروض في العقل، كما في العوارض الذهنيّة كالكلّية أو لا، كما في سائر الأُمور الاعتباريّة حتّى الإضافات، فإنّ الأُبّوة تعرض لذات الأب في العقل ; وإن كان اتّصافها بها في الخارج، فحصلَتْ رعاية وجه التّسمية في الجميع، ولا حاجة لذلك إلى التخصيص(1) بما يكون منشأ عروضه هو الوجود في العقل.

وأمّا قولهم:(2) لا يحاذي بها أمر في الخارج، فلإخراج المحمولات الذّاتيّة، فإنّها ليست بأجزاء حقيقيّة، بل هي من الأجزاء التحليليّة، فهي بعد التّحليل في الحقيقة عوارض عقليّة منشأ انتزاعها نفس الذّات، بخلاف غيرها من العوارض العقليّة، فإنّ منشأ انتزاعها أمر خارج عن نفس الذّات، لكن يصدق أنّ لها ما يحاذي بها في الخارج، وهو الهويّة البَسيطة الخارجيّة كالسّواد مثلاً، فإنّ هويته في الخارج بحذاء اللّونيّة الّتي هي جنس لها باعتبار، وبحذاء القابضيّة الّتي هي فصلها باعتبار آخر. فظهر صحة التّعريف الموروث من القدماء، ودخل جميع العوارض الاعتباريّة العقليّة فيه، ولا يرد على مِنْ عَدِّ الأُمور المعدودة منها ما أوُرِدوا عليه، ولا حاجة في دفعه إلى تكلّف أصلاً.

إذا عرفت ذلك، فمعنى قول المصنّف: والشيئيّة من المعقولات الثّانية، أنّها من العوارض الّتي تعقل ثانية، بأن يكون عروضها للمعروضات حين كونها معقولة، فيكون هي في الدرجة الثّانية من التعقّل.

وليست ; أي الشيئيّة متأصّلة في الخارج(3) أي موجودة فيه، بأن يكون


1 . تخصيص المعقولات الثّانية.
2 . أي قول القدماء في تفسير المعقولات الثّانية.
3 . أكثر النسخ: «متأصّلة في الوجود ».


صفحه 293

الخارج ظرفاً لوجودها، وإن كان ظرفاً لنفسها. ولعلّ لإفادة هذا المعنى لم يكتف بأن يقول: وليست في الخارج، أو ليست متأصّلة، فتفطّن.

ويمكن أن يكون هذه الجملة معطوفة على معنى قوله: «من المعقولات الثانيّة» أي من العوارض الّتي تعقل ثانية، ولا تكون متأصّلة في الخارج; أي لا يكون بحذائها شيء أصيل في الخارج، فيكون هذه الجملة(1) بمعنى قولهم: «لا يحاذي بها أمر في الخارج» فيكون إشارة إلى تعريف المعقولات الثّانية، لكونه(2) أوّل ما أطلق(3) هذه اللفّظة، ولذلك اكتفى في سائر المواضع، بأن يقول من المعقولات الثّانية .(4)

وإذا لم يكن الشّيئيّة متأصّلة في الوجود فلا شيء مطلقاً ; أي لا بشرط خصوصيّات الماهيّات ثابت ; أي في الخارج، وإلاّ لزم ثبوت الشّيئيّة فيه، بل هي تعرض لخصوصيات الماهيّات; أي في العقل، كما هو شأن المعقولات الثّانية على ما عرفت.

وأمّا بيان كون الشّيئيّة المطلقة من المعقولات الثّانية، فهو لو كانت الشّيئيّة المطلقة متأصّلة في الوجود لحاذى بها أمر في الخارج في الأشياء المخصوصة يكون بازائها وليس كذلك، فإنّ الموجودات الخارجيّة، أشياء مخصوصة، مثل الإنسان والفرس والسّواد والبياض وأمثال ذلك.

وليس في شيء منها أمرٌ موجودٌ في الخارج هو بازاء الشّيئيّة المطلقة، إنّما


1 . المعطوفة.
2 . أي مفهوم المعقولات الثّانية.
3 . أي المصنف (رحمه الله) .
4 . بدون ذكر هذه اللفظة.


صفحه 294

ينتزعها العقل من الشّيء المخصوص إذا حصل في الذّهن، بأن يجرّده العقل من جميع الخصوصيات، فيبقى الشّيئيّة المطلقة .

وأمّا ما قيل في بيانه ; من أنّه لو كان الشّيء المطلق موجوداً في الخارج، لكان مشاركاً لغيره في الشّيئيّة، ومخالفاً له بخصوصه، فيكون له شيئيّة ; فهكذا، فيلزم التّسلسل .

فقد اعترض عليه: بأنّا لا نسلّم المخالفة بخصوصيّة غير ذات المشترك، فإنّ كلّ عامٍّ يشارك الخاصّ في مفهومه ويمتاز عن الخاصّ بنفس مفهومه المجرّد عن الخصوصيّات، فمطلق الشّيء، على تقدير وجوده، يمتاز عن الأشياء المخصوصة بنفس مفهومه، لا بأمر زائد عليه، حتّى يلزم أن يكون لمطلق الشّيء شيئيّة أُخرى.

وأيضاً لو صحّ هذا الدّليل لم يوجد عامّ أصلاً، إذ يقال: لو وجد الحيوان مثلاً، لشارك الحيوانات الخاصة في الحيوانيّة، وخالفها بخصوصيّة، فللحيوان حيوان ويتسلسل .

وأمّا ما توهّمه الشارح القوشجي من أنّه: «إن أُريد انّ مفهوم الشيء الكلّي ليس بموجود في الخارج فلا وجه للتّفريع والتّخصيص بمفهوم الشيء، فانّ طبائع الكلّيّات ليست بموجودة في الخارج، سواء كانت معقولات أُوَل أو ثواني»(1).

فجوابه: أنّ طبائع الكلّيّات الّتي هي المعقولات الأُوَل، موجودة في الخارج عند المحقّقين، وهو مختار المصنّف كما سيأتي.


1 . شرح تجريد العقائد: 24 ـ 25 .


صفحه 295

وأمّا تخصيص الشّيئيّة بهذا الحكم من بين سائر المعقولات الثّانية مع كون جميعها مشتركة فيه، فهو لكونها مساوقة للوجود ومبحوثاً عنها هاهنا.

وهو ليس بصدد عدّ جميع ما هو من المعقولات الثّانية، بل يشير في كلّ ما يبحث عنه إلى كونه منها، أو لعلّه، كما قيل لدفع ما توهّمه بعض النّاس من كون الشّيئيّة جنس الأجناس .


صفحه 296

 

المسألة السّادسة عشرة

في تمايز الأعدام(1)

قال : وقد يتمايز الأعدامُ ولهذا استند عدمُ المعلول إلى عدم العلّة لا غيره، وينافي عدمُ الشرط وجود المشروط وصحّح عدمُ الضد وجودَ الآخَر بخلاف باقي الأعدام.

إنّ العدم قد يعرض لنفسه فيصدق النوعيّةُ، والتقابلُ عليه باعتبارين.

وعدمُ المعلول ليس علّة لعدمِ العلّة في الخارج، وإن جاز في الذّهن على أنّه برهانٌ إنّيٌّ وبالعكس لمّيٌّ.

أقول: لا شبهة في كون الموجودات متمايزة بحسب الخارج.

وأمّا الوجودات: فمن قال بكونها أفراداً حقيقيّة للوجود للمطلق ; فلا شك(2) في تمايزها أيضاً:

إمّا في الخارج، عند من يقول بتحقّقها فيه.

وإمّا في حَدّ ذواتها، عند من لا يقول بتحقّقها فيه.

ومن لا يقول بكونها(3) أفراداً حقيقيّة، بل انتزاعيّة واعتباريّة محضة، فلا


1 . راجع لمزيد التحقيق الكتب التالية: إيضاح المقاصد: 26 ـ 28 ; وشرح المقاصد: 1 / 382 ـ 385 ; وشرح حكمة العين: 66 ـ 70 ; وشرح تجريد العقائد: 25 ـ 27 ; والأسفار: 1 / 348 ـ 353 .
2 . أ، ب وج: «فلا يشك».
3 . أي الوجودات .


صفحه 297

يقول بتمايزها في حَدّ ذواتها، لا في الخارج، ولا في نفس الأمر، بل باعتبار إضافتها إلى الماهيّات كما عرفت.

وأمّا المعدومات الّتي من جملتها العدمات: ففي تمايزها وعدم تمايزها خلاف، فالحكماء وكثير من محقّقي المتكلّمين قالوا بتمايزها.

واختاره المصنّف وقال: وقد يتمايز الأعدامُ، وهو يستلزم تمايز المعدومات أيضاً لا محالة من وجهين.

واستدلّوا عليه بوجوه:

أحدها: أنّ عدم المعلول يستند إلى عدم العلّة، دون غيره، ولا غيره إليه(1)، ولو لا التّمايز لما صحّ ذلك.

وثانيها: أنّ عدم الشّرط ينافي وجود مشروطه، وعدم غير الشّرط لا ينافيه، فالعدم المنافي متميّز عن العدم الغير المنافي.

وثالثها: أنّ عدم الضدّ كالسّواد عن المحلّ، يصحّح وجود الضدّالآخر كالبياض فيه، وعدم غير الضّد لا يُصحّحه، فعدم الضدّ متميّز عن عدم غير الضّد.

وإلى هذه الوجوه الثّلاثة أشار المصنّف بقوله: ولهذا استند عدمُ المعلول إلى عدم العلّة لا غيره (2); أي لاغير عدَم المعلول، ولا إلى غير عدَم العلّة.(3)


1 . ولا غير عدم المعلول مستند إلى عدم العلّة.
2 . هذا إشارة إلى الوجه الأوّل .
3 . أي لا يستند عدم المعلول إلى غير عدم العلّة.


صفحه 298

وينافي(1) عدمُ الشّرط وجودَ المشروط(2)، وصحّح عدمُ الضدّ (3) وجودَ الضّدّ الآخر (4)، بخلاف باقي الأعدام (5); أي بخلاف عدم غير الشّرط، فإنّه لا ينافي وجود المشروط، وبخلاف عدم غير الضّد، فإنّه لا يصحّح وجود الضدّ الآخر، فلو لا امتياز تلك الأعدام الثّلاثة لما اختلفت مقتضياتها.

واستدلّت النفاة: بأنّ المعدومات والعدمات نفي صرف، لا إشارة إليها أصلاً، وكلّ ما هو متميّزٌ، فله وجود لا محالة، لأنّ التميّز صفة ثبوتيّة تستدعي ثبوت الموصوف بالضّرورة.

والجواب عنه: إن أريد أن ليس التّمايز بين المعدومات أمراً متحقّقاً في الخارج، أو ليست للمعدومات، أو العدمات هويّات عينيّة متمايزة فلا نزاع فيه، لكن التميّز لا يستدعي ذلك.

وإن أريد أن ليس لمفهوم العدم أفراد متمايزة عند العقل، يختصّ كلّ منها بأحكام مخصوصة صادقة في نفس الأمر، وإلاّ لكان لها ثبوت عند العقل، فبطلانه(6) ممنوعٌ.

قال صاحب المواقف: والحقّ أنّ هذا الخلاف فرع في الوجود الذّهني، إذ لا تمايز للمعدمات إلاّ في العقل(7)، فإن كان ذلك التّمايز(8)لكونها موجودة في


1 . في أكثر النسخ «ونافى».
2 . هذا إشارة إلى الوجه الثّاني.
3 . كعدم السّواد في الماء.
4 . كالبياض في الماء، إذ لا يمكن اجتماع الضدّين.
5 . هذا إشارة إلى الوجه الثّالث .
6 . أي ثبوته عند العقل .
7 . لأنّ تلك الأحكام إنّما تتصف بها المعدومات بحسب نفس الأمر في العقل، لا في الخارج.
إذ لا ثبوت للمعدوم الخارجي في الخارج، حتّى يمكن اتّصافه فيه بشيء، فلذا لا تمايز بينها إلاّ في العقل. لاحظ : شرح المواقف: 2 / 187 .
8 . الحاصل لها في العقل .


صفحه 299

الذّهن، اختصّ التّمايز بالموجود(1) ولم يتصوّر معدومٌ مطلقاً ; أي معدوم ليس شائبة الوجود، وإن لم يكن ذلك التّمايز لكونها موجودة فيه، ففي المعدومات الصّرفة تمايز، وأمكن أن يتصوّر ما هو معدوم مطلق .(2)

واعترض عليه شارح المقاصد: «بأنّ الأمر بالعكس، لأنّ الفلاسفة المثبتين للوجود الذّهني، يقولون: بتمايز الأعدام، وجمهور المتكلّمين النّافين له هم القائلون بعدم تمايزها.

ثمّ قال: فالأولى أن يقال في بيان التفريع: أنّه لمّا كان التّميّز عندهم وصفاً ثبوتيّاً، يستدعي ثبوت الموصوف به، فمن أثبت الوجود الذّهني حكم بتمايز الأعدام عند تصوّرها لما لها من الثّبوت الذّهني، وإن كانت هي أعداماً في أنفسها، ومن نفاه حكم بعدم التّمايز، لعدم الثّبوت أصلاً، انتهى» (3).(4)

وقد يقال: لعلّ غرض صاحب المواقف، انّه كان ينبغي أن يقع التفريع هكذا، لا ما وقع وهو العكس، وفي كلام شارح المقاصد إيماء إلى ذلك ،(5) بل وفي كلام " المواقف" أيضاً، فتدبّر.(6)

ثمّ لمّا كان الحكم بتمايز الأعدام في التّصوّر مظنّة الاعتراض، بأنّ التّمايز


1 . في الذّهن.
2 . انظر : المواقف في علم الكلام: 53 .
3 . هذا إنّما يصحّ إذا كان الثّبوت عند النّافين للوجود الذّهني هو الوجود أمّا إذا كان اعمّ من الوجود فلا يصحّ ، إذ نفي الخاصّ لايستلزم نفي العامّ .
4 . شرح المقاصد: 1 / 383 .
5 . أي حيث قال: فالأولى دون أن يقول والصّواب أو معناه .
6 . أي حيث قال: «والحقّ» يعني ما هو التّحقيق بين الحكماء والمتكلّمين من هذا الخلاف ليس بحقّ بل الحقّ أنّ هذا خلاف فتدبّر.


صفحه 300

حينئذ يكون للموجودات الذّهنيّة على ما هو رأي المحققين من الحكماء والمتكلمين، لاللمعدومات .

حاول المصنّف التّنبيه على الجواب بذكر بعض أحكام تدلّ على أنّ العدم بالذّات لا ينافي الوجود باعتبار منها(1).

قال: إنّ(2) العدم قد يعرض لنفسه، بأن يتصوّر العدم، وذلك التصوّر وجود له في الذّهن.

ثمّ يفرض أن يزول ذلك التصوّر، بل المتصوّر عن الذّهن، فذلك الزّوال هو عدم عارض لهذا المتصوّر الّذي هو في نفسه عدم ومعدوم، وإن كان من جهة كونه متصوّراً موجوداً، فالعدم في هذا الفرض قد عرض لنفسه .

فإن قيل (3): معنى عرُوض العدم للعدم أن يكون ماهيّة العدم متحقّقة، ويكون العدمُ والرّفعُ قائماً بها، والمفروض هاهنا هو زوال ماهيّة العدم عن الذّهن، لا كونها متحققة في الذّهن، وعرُوض عدم ورفع لها .

ولو سلّم أنّ هناك عروضاً، فالعارض ليس نفس العدم، بل جزئيّ من جزئيّاته، وذلك ظاهر.

أجاب المحقّق الشّريف عن الأوّل: بأنّه لا فرق بين مفهوم العدم وساير المفاهيم في أنّ كونها متّصفة بالعدم، إنّما هو(4) بزوال ماهيّاتها، لا بأنّها تكون متحقّقة وعدمها قائماً بها قيامَ الأعراض بمحالها، فليس المراد بعروض العدم


1 . الاحكام.
2 . في أكثر النسخ : «ثمّ العدُم».
3 . القائل هو الشارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 25 .
4 . أي الاتّصاف بالعدم .


صفحه 301

لشيء عدماً كان أو غيره، إلاّ اتّصافه(1) به وصدقه عليه اشتقاقاً.

وعن الثّاني(2): بأنّ الجزئيّ العارض لمفهوم العدم المطلق متضمّن له، فيلزم عروض أيضاً في ضمن ذلك الجزئيّ لنفسه، وإلاّ لم يكن العارض بتمامه عارضاً .

اللّهم إلاّ أن يقال: مفهوم العدم عرضيّ لجزئيّاته لا ذاتيّ لها، انتهى .(3)

والتّحقيق: أنّ اتّصاف أمر بما هو جزئيّ لمفهوم، يقتضي اتّصاف ذلك الأمر بذلك المفهوم، سواء كان ذاتيّاً له أو عرضيّاً، إذا كان اتّصاف ذلك الجزئيّ المفهوم الكلّي كليّاً .

قال الشّيخ في منطق الشفا: «أيُّ شيء وجدت فيه طبيعة عرض من الأعراض، فتوجد فيه طبايع الأُمور الّتي يوصف بها ذلك العرض وصفاً كلّيّاً».(4)

لايقال: فيلزم أن يكون جميع الماهيّات متّصفة بنقايض ماهي متّصفة بها مثلاً، يلزم كون الجسم المتحرّك لا متحركاً، ضرورة اتّصافه(5)بالشكل مثلاً، الّذي هو فرد للاحركة .

لأنّا نقول: نقيض الحركة هو سلب الحركة ورفعها، وظاهر أنّ الشّكل ليس فرداً له(6)، بل هو(7) موصوف به، فهو فرد للاحركة، بمعنى ما ليس بحركة، لا بمعنى سلب الحركة .


1 . أي العدم .
2 . أي قوله: ولو سلّم أنّ هناك الخ .
3 . أي انتهى كلام المحقّق الشّريف. لم نعثر على مصدره.
4 . منطق الشفاء: 1 / المقولات / 42 / المقالة الأولى / الفصل الخامس .
5 . أي الجسم المتحرك.
6 . أي للسلب .
7 . أي الشكل .


صفحه 302

ومنها: أنّ العدم العارض لنفسه ـ أعني: زوال العدم عن الذّهن ـ نوع من العدم المطلق من حيث كونه(1) مضافاً إلى العدم، ومقابل له(2)من حيث كونه(3) رفعاً له(4)، فيصدق النّوعيّة والتّقابل عليه; أي على هذا العدم العارض لنفسه، باعتبارين مكثّرين لذات موضوع النوعيّة والتّقابل .

بيان ذلك: أنّ النّوعيّة والتّقابل، وصفان متقابلان، لأنّ مقتضى النّوعيّة هو الاجتماع، ومقتضى التّقابل عدم الاجتماع، والمتقابلان إذا اتّصف بهما أمرٌ واحدٌ باعتبارين، يجب كون الاعتبارين تقييديين ليتكثّر بهما ذات الموصوف، فيصح إتّصافه بالمتقابلين، ولا يكفي كونهما تعليليّين، لأنّ التّعليل غير مكثّر لذات المعلّل، فاجتماع النّوعيّة والتّقابل فيما نحن فيه، يَجب أن يكون باعتبارين، يتكثرّ بهما ذات الموضوع، ليصحّ اجتماعهما فيه(5)، وهو كذلك، لأنّ للعدم المضاف إليه ـ أعني: العدم الّذي أُضيف إليه الزوال ـ اعتبارين:

أحدهما: كونه عدماً.

وثانيهما: كونه موجوداً في الذّهن.

وظاهر كونهما متغايرين بالذّات لا محالة، فللعدم المضاف ـ أعني: زوال العدم ـ أيضاً اعتباران بحسب الاعتبارين اللّذين للمضاف إليه :

أحدهما: كونه مضافاً إلى العدم من حيث هو عدم، وبهذا الاعتبار يعرضه النّوعيّة.


1 . أي الزوال .
2 . أي للعدم المطلق .
3 . أي زوال العدم .
4 . أي للعدم المطلق .
5 . أي اجتماع النّوعيّة والتّقابل في العدم .


صفحه 303

وثانيهما: كونه مضافاً إلى العدم من حيث كونه موجوداً في الذّهن.

وبهذا الاعتبار يعرضه التّقابل، فإنّ التّقابل إنّما يعرضه(1)، لكونه زوالاً ورفعاً للعدم المضاف إليه عن الذّهن، فكما أنّ حيثيّة كونه عدماً متغايرة بالذّات، لحيثيّة كونه موجوداً في الذّهن، كذلك ما أضيف إليه من الحيثيّة الأُولى من حيث هو كذلك مغاير بالذّات لما أضيف إليه من الحيثيّة الثانيّة، من حيث هو كذلك.

ثمّ إنّ المصنّف لما ذكر أنّ عدم المعلول يستند إلى عدم العلّة، استشعر أن يقال: أنّ العدمين متلازمان، فليس استناد أحدهما إلى الآخر أولى من العكس.

فأشار إلى دفعه بقوله: وعدمُ المعلول ليس علّة لعدم العلّة، أنّ التلازم بين العدمين لا يمنع من أولويّة أحد الاستنادين، فإنّ العقل يحكم بديهة صحّة قولنا: إرتفعت حركة اليد، فارتفعت حركة المفتاح، دون قولنا: إرتفعت حركة المفتاح، فارتفعت حركة اليد. فظهر أنّه لا يصحّ استناد عدم العلّة إلى عدم المعلول، وكون عدم المعلول علّة لعدم العلّة، بخلاف العكس (2).

وقوله: في الخارج، ظرف العلّيّة، وإن جاز ; كون عدم المعلول علّة لعدم العلّة في الذّهن، بأن يكون حصول ارتفاع حركة المفتاح في الذّهنعلّة، لحصول ارتفاع حركة اليد فيه .

فيستدل بالأوّل على الثّاني: كما أنّه جاز العكس (3) ـ أعني: أن يكون


1 . أي العدم .
2 . كما في طلوع الشّمس ووجود النهار، فإنّ عدم طلوع الشّمس علّة لعدم وجود النّهار لا العكس .
3 . إشارة إلى دفع انّ الجواز المذكور في المتن هو الجواز الخاصّ .


صفحه 304

عدم العلّة علّة ـ كعدم المعلول في الذّهن.

فيستدل بالثّاني(1) على الأوّل: على أنّه; أي هذا الاستدلال اللاّزم للكون المذكور برهان إنّيّ، وهو الاستدلال من المعلول على العلّة .

وبالعكس ; أي يعكس هذا الاستدلال، وهو الّذي ذكرنا برهان لميّ وهو الاستدلال من العلةّ على المعلوم .

وبيان ذلك: أنّ الحدّ الأوسط في القياس يجب أنْ يكون علّة لثبوت الأكبر للأصغر في الذّهن، فإنّ كان مع ذلك علّة له في الخارج أيضاً سمّي ذلك القياس برهاناً لميّاً، وإن لم يكن علّة له في الخارج، بأن لا يكون له علّة لكون ثبوته له لذاته، لا لسبب، لكنّه لا يكون بين الوجود له، بل يكون معلولاً له سمّي برهاناً إنيّاً.

ولا ينافي تسميته بالبرهان الّذي يعتبر فيه إفادته لليقين، تصريحُهُم بكون اليقين غير حاصل إلاّ من العلّة، فإنّ معنى ذلك، أنّ العلم اليقيني الكلّي والدائم(2) لكلّ ما له سبب وعلّة لا يحصل إلاّ من سببه وعلّته لا مطلقا، صرّح بذلك الشيخ في " برهان الشّفاء " (3).


1 . أي في المثال المذكور وهو ارتفاع حركة اليد .
2 . ب و ج: لفظا «الكلّي والدائم» ساقطان .
3 . لاحظ : منطق الشفاء: 3 / البرهان من كتاب الشفاء / الفصل السابع .


صفحه 305

 

المسألة السابعة عشرة

في تعاكس الأعم والأخصّ

قال: والأشياء المرتّبةُ في العموم والخصوص وجوداً تتعاكسُ عدماً.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان تعاكس الأعم والأخصّ إيجاباً وسلباً في العموم والخصوص.

وإليه أشار بقوله: والأشياء المرتّبةُ في العموم والخصوص وجوداً; أي إيجاباً يتعاكسُ فيهما عدماً ; أي سلباً .

والحاصل: أنّ كلّ شيئين بينهما عموم وخصوص مطلق، يكون بين نقيضيهما عموم أيضاً وخصوص مطلق، لكن على عكس العينين; أي نقيض الأخصّ مطلقاً، أعمّ من نقيض الأعمّ مطلقاً.

وحمل الشّارح القوشجي، العموم والخصوص(1)، على ما هما بحسب التَّحقُّق دون الصّدق، كالحياة والنّطق فإنّ الأعمّ وجوداً منهما كالحياة أخصّ عدماً والأخصّ وجوداً كالنّطق أعّم عدماً، لأنّه كلّما عدم الأعمّ وجوداً عدم الأخصّ وجوداً.

وقد يعدم الأخصّ وجوداً ولا يعدم الأعّم وجوداً، وذلك، لأنّ الحمل على ما هو بحسب الصّدق، يحتاج إلى تكلّف تأويل الوجود، والعدم إلى الوجود


1 . المذكور في كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 306

لغيره والعدم من غيره; أي الإثبات والسّلب، وتصير المسألة من المسائل المشهورة في علم المنطق.(1)

وردّه المحقّق الدّواني: بأنّ إطلاق الوجود والعدم على الإيجاب والسّلب غير عزيز، وحمله على مسألة مشهورة في المنطق، أولى من حمله على غيرها ممّا لا جدوى فيه يعتدّ بها، ولا يتعارف البحث عنه، على أنّ المصنّف ذكر كثيراً من المسائل المشهورة المنطقيّة في هذا الكتاب.(2)

وأقول: أيضاً حمل الوجود والعدم على الإيجاب والسّلب، ليس بأبعد من حمل العموم والخصوص المتبادر منهما ما هو بحسب الصّدق على ما هو بحسب التّحقّق.


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 27 .
2 . لم نعثر على مصدره.


صفحه 307

 

المسألة الثّامنة عشرة

في قسمة الوجود والعدم إلى المحتاج والغنيّ

قال: وقسمةُ كلّ منهما إلى الاحتياج والغنيّ حقيقةٌ .

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان عدم الواسطة بين الحاجة والغنيّ في كلّ من الوجود والعدم.

وإليه أشار بقوله: وقسمةُ كلّ منهما ; أي الوجود والعدم إلى الاحتياج والغنى حقيقةٌ ; أي منفصلة حقيقيّة دائرة بين الإثبات والنّفي، ولا يتصوّر فيهما اجتماع القسمين، ولا ارتفاعهما.

فإنّ كلّ واحد من الوجود والعدم: إمّا أن يكون بالغير وهو المحتاج، أو لا وهو الغنيّ، واستحالة الجمع بينهما والخلوّ عنهما ضروريّة .


صفحه 308

 

المسألة التّاسعة عشرة

في الموادّ الثّلاث (1)

إنّ هذه المسألة في تحصيل الموادّ الثّلاث ـ أعني: الوجوب والإمكان والامتناع ـ وبيان مفهوماتها، والإشارة إلى بداهتها، وبيان اعتبارها بحسب الذّات، وبحسب الغير، وما يتعلّق بذلك.

وهذه الثّلاثة هي الّتي يبحث عنها المنطقيّون ويَجعلُونها موادّ القضايا باعتبار، وجهاتها باعتبار.

هاهنا مباحث:


1 . راجع لمزيد التحقيق: كتاب المشارع والمطارحات: 199 / الفصل الأوّل من المشرع الأوّل ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 113 / الباب الرّابع من الكتاب الأوّل ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 87 / المقصد الثّاني من القاعدة الأُولى ; وإيضاح المقاصد: 7 / البحث الرّابع من المقالة الأُولى ; وشرح حكمة العين: 134 / البحث الرّابع من المقالة الأُولى ; وشرح تجريد العقائد: 28 وما بعدها ; والأسفار: 1 / 83 / المنهج الثّاني من المرحلة الأُولى ; وشرح المقاصد: 1 / 453 / المنهج الثّاني.


صفحه 309

المبحث الأوّل

في مفهوم الموادّ الثّلاث

قال : وإذا حُمِلَ الوجودُ أو جُعِل رابطةً، تثبت موادُّ ثلاثٌ في أنفسها جهاتٌ في التّعقّل دالّةٌ على وثاقة الرّابطةِ وضعفها هي الوجوبُ والامتناع والإمكان، وكذلك العدمُ.

أقول: إنّ هذا المبحث في بيان معنى الوجود والإمكان والامتناع.

فالوجوب: هو ضرورة ثبوت المحمول، سواء كان وجوداً أو غيره للموضوع.

والامتناع: استحالة ثبوت المحمول كذلك للموضوع.

والإمكان: هو لا ضرورة ولا استحالة ثبوت المحمول كذلك للموضوع، وهذه بينها هي الّتي يبحث عنها في الأُمور العامّة ; لكن باعتبارها في قضايا محمولاتها الوجود أو العدم لا غير.

وزعم صاحب المواقف: أنّ المبحوث عنها هاهنا غير المبحوث عنها في المنطق فقال: «واعلم أنّ هذه غير الوجوب والإمكان والامتناع الّتي هي جهات القضايا وموادّها، وإلاّ لكانت لوازم الماهيّات واجبة لذواتها»(1).

واعترض عليه شارح المقاصد: «بأنّه إن أراد كونها(2) واجبة لذوات


1 . المواقف في علم الكلام: 69 .
2 . أي اللوازم .


صفحه 310

اللّوازم، فالملازمة ممنوعة، أو لذوات الماهيّات فبطلان التالي ممنوع، فإنّ معناه أنّها واجبةُ الثبوت للماهيّة نظراً إلى ذواتها، من غير احتياج إلى أمر آخر.

ثمّ قال: وكأنّه(1) يجعل بعض القضايا خِلْواً عن كون الوجود فيه محمولاً أو رابطة. كقولنا: الإنسان كاتب، ويمنع أن يكون معناه أنّه يوجد كاتباً أو توجد له الكتابة، بل معناه أنّ ما صدق عليه هذا، يصدق عليه ذلك، أو يحمل .

والمحقّقون على أنّه لا فرق بين قولنا: يوجد له ذلك ويثبت ويصدق عليه، ويحمل ونحو ذلك إلاّ بحسب العبارة . انتهى»(2).

ووجّه شارح المواقف كلام صاحبه: بأنّه أراد أنّ المبحوث عنها في هذا الفّن(3) أخصّ من جهات القضايا لا عينها، وإلاّ لكانت لوازم الماهّية من قبيل الواجب الذي نحن نبحث عنه، وليست كذلك.(4)

وهذا بعينه ما صرّح به صاحب المواقف بقوله «فإذا قلنا: الزّوجيّة واجبة للأربعة، فنعني به وجوب الحمل. وامتناع الانفكاك، وهو غير الوجوب الذّاتي»،(5) يعني أنّ المتبادر من الوجوب الذّاتي هو وجوب الوجود لذاته، لا وجوب الحمل لذاته.

وعلى هذا التّوجيه لا يرد أنّ الزّوجيّة مثلاً واجبة الوجود، لكن واجبة الوجود للأربعة، لا واجبة الوجود في نفسها، ولا حاجة إلى القول بأنّه يجعل


1 . أي صاحب المواقف .
2 . شرح المقاصد: 1 / 460 و 461 .
3 . أي الأُمور العامة.
4 . لاحظ : شرح المواقف: 3 / 121 و 122 .
5 . انظر : المواقف في علم الكلام: 69 .


صفحه 311

بعض القضايا خِلْواً عن كون الوجود فيه محمولاً أو رابطة، ومع ذلك لا يخفى فساده.

ولذلك قال في حاشية الشّرح القديم: لا وجه لما قيل من أنّها(1) لو كانت هي المذكورة في الجهات، والموادّ لكانت لوازم الماهيّات واجبة لذواتها.

وذلك(2) لأنّ الأربعة واجبة الزوّجيّة، لا واجبة الوجود، فاختلاف المعنى بحسب اختلاف المحمول، لا بسبب اختلاف مفهوم الواجب الّذي هو المادّة والجهة فيهما، يعني أنّ كون المتبادر في هذا الفنّ، هو وجوب الوجود لذاته، إنّما هو لاعتبارهم هذا المعنى بعينه في محمول خاصّ هو الوجود، لا لأجل التفاوت في المعنى .(3)

وفي هذا الكلام، إشارة إلى أنّ مراد صاحب المواقف من قوله: «لكانت لوازم الماهيّات واجبة لذواتها» هو لكانت الماهيّات واجبة لأجل وجوب اللّوازم لها، فليتدّبر .

وللإشارة إلى ما ذكرنا من الاتّحاد قال المصنّف 1: وإذا حُمِل الوجود، كقولنا: الإنسان موجود ، وهذا الوجود المحمولي يقال له وجود الشّيء في نفسه، ويسمّى ذلك التّصديق بسيطاً، ويسأل عنه بـ «هل البسيطة».

أو جُعِل رابطةً، كقولنا: الإنسان كاتب، فإنّ معناه الإنسان يوجد كاتباً ، كما مرّ غير مرّة، وهذا الوجود يقال له وجود الشّيء لغيره والوجود الرّابطي، أو


1 . الموادّ الثلاث .
2 . أي عدم الوجه .
3 . أي الوجوب في المقامين .


صفحه 312

يسمّى ذلك التّصديق مركّباً، ويسأل عنه بـ «هل المركّبة» .

فإنْ قيل: فعند حمل الوجود أيضاً، لا بدّ من اعتبار الوجود الرّابطي، فيلزم أن يكون للوجود وجود آخر .

قلنا: إنّما يلزم أن يكون له وجود لغيره، ولا استحالة فيه، والمحال هو أن يكون له وجود في نفسه وهو غير لازم، لأنّ ثبوت شيء لا يستلزم ثبوت الثابت في نفسه، وعلى التّقديرين ـ أعني: تقديري حمل الوجود وجعله رابطة ـ يكون بين الموضوع والمحمول نسبة لا تخلو عن كيفيّة بحسب نفس الأمر يسمّى مادّة وعن كيفيّة في التعقّل يسمّى جهة .

وإلى هذه أشار (1) بقوله : تثبت موادُّ ثلاثٌ في أنفسها; أي تثبت في أنفس تلك الموادّ; أي في نفس الأمر.

والمادّةُ: هي كيفيّةٌ نسبة المحمول إلى الموضوع، إذا اعتُبِرَتْ من حيث نفسها لا من حيث حصَلَتْ في التّعقّل أو التّلفّظ.

فالموادّ الثّلاثة كيفيّات ثلاث ثابتةٌ في نفس الأمر، مسمّاة بالموادّ باعتبارها كذلك .

وجهات في التّعقّل(2); أي وتثبت جهاتٌ ثلاث في التّعقّل، هي الصّور العقليّة الّتي تجعل دالّة على تلك الكيفيّات الثّلاث، سواء كانت(3)موافقة لتلك الكيفيّات ويكون الجهة مطابقة للمادّة، أو كانت مخالفة لتلك الكيفيّات وحينئذ يكون الجهة غير مطابقة للمادّة.


1 . المصنّف (رحمه الله).
2 . من كلام المصنف (رحمه الله) .
3 . أي الكيفيّات في العقل .


صفحه 313

وما قيل (1): ممّا حاصله، وتثبت كيفيّات تسمّى بالموادّ، إذا اعتبرت في أنفسها، وتسمّى بالجهات إذا اعتبرت في التّعقّل(2)، فبعيد عن التوجيه .

ومع ذلك يلزم منه كون الجهة مطابقة للمادّة دائماً ويحتاج إلى أن يتكلّف.

ويجاب: بأنّ الشّيء قد يتعقّل بصورة مطابقة، وقد يتعقّل بصورة غير مطابقة، فعند مخالفة الجهة يكون المادّة متعقّلة بصورة غير مطابقة.

وقد يجاب عن هذا:(3) بأنّ كون الكيفيّة النفّس الأمريّة إذا عقلت جهة لا يقتضي كون الجهة منحصرة فيها، ولا ينافي كون كلّ كيفية معقولة للنّسبة، وإن لم تكن مطابقاً للواقع جهة، إلاّ أنّه(4) لم يتعرض لذلك، ولم يفصّل الجهة(5)، كما لم يتعرّض للجهة بالملفوظة أيضاً اعتماداً على ما علم في فنّ آخر .

وليس المقصود هاهنا بيان تفصيل أحوال الموادّ والجهات، بل بيان أنّ الكيفيّات الثّلاث الثابتة في نفس الأمر، موادّ في أنفسها، وجهات في التّعقّل، فإنّ هذا القدر كاف هاهنا، هذا .

قال المصنّف في شرح الإشارات: «واعلم; أنّ المادّة غير الجهة، والفرق بينهما:

أنّ المادّة: هي كيفيّة تلك النّسبة في نفس الأمر .

والجهة: هي ما يفهم ويتصوّر منه عند النّظر في تلك القضيّة من نسبة


1 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 28 .
2 . أي بحسب الاعتبار وفي الحقيقة شيء واحد.
3 . أ، ب وج: «عن هذا أيضاً».
4 . أي المصنف (رحمه الله) .
5 . بأنّ كون الجهة مطابقة للمادّة أم لا؟


صفحه 314

محمولها إلى موضوعها، سواء تلفّظ بها أو لم يتلفّظ، وسواء طابقت المادّة أو لم تطابق، وذلك لأنّا إذا وجدنا قضيّة، هي مثلاً كلّ «ج» لا يمتنع أن يكون «ب»، فإنّا نفهم ونتصوّر منه، أنّ نسبة «ب» إلى «ج» هي نسبة المسمّاة بالإمكان العامّ المتناول للوجوب والإمكان الحقيقيّ.

وليست تلك النّسبة في نفس الأمر شيئاً متناولاً للوجوب والإمكان الحقيقيّ، بل هي أحدهما بالضّرورة.

فإذن ظهر الفرق بين تلك النّسبة في نفس الأمر الّتي هي المادّة، وبين ما يفهم ويتصوّر منها بحسب ما يعطيه العبارة من القضيّة الّتي هي الجهة»(1).

دالّة تلك الموادّ والجهات على وثاقة الرّابطة وضعفها هي الوجوبُ والإمكان والامتناع.(2)

فإنّ الإمكان يدلّ على ضعف النّسبة .

والوجوب والامتناع يدلاّن على وثاقتها، لكنّ الوجوب على وثاقة النّسبة المعروضة له، والامتناع على وثاقة ما يقابل النّسبة المعروضة له.

وكذا العدم; أي وكذا إذا حُمِل العدم، أو جُعِل رابطة تثبت موادّ وجهات(3). ولا يخفى أنّه إذا جعل الوجود رابطة يكون القضيّة موجبة .

وإذا جعل العدم رابطة يكون القضيّة سالبة، سواء كان المحمول وجوداً أو عدماً، أو مفهوماً آخر غيرهما، فإذا حمل أحدهما(4) يحتمل الأمران، فإنّ حمل


1 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 1 / 143 .
2 . دالّة على وثاقة الرّابطة الخ من قوله (رحمه الله) .
3 . أي إذا جُعل العدم محمولاً أو رابطة كقولنا: الإنسان معدوم أو معدوم عند الكتابة أو ليس الإنسان كاتباً، تكثرت الجهات الّتي عند العقل والموادّ في نفس الأمر .
4 . أي الوجود والعدم.


صفحه 315

الوجود أو العدم لا يغني عن اعتبار الرّابطة، إذ لا ينبغي أن يشك أحد في أنّ أيّ مفهوم نُسب إلى غيره بالإيجاب أو السّلب، فلابدّ بينهما من الرّابطة والتّفرقة بين مفهوم، ومفهوم في ذلك بديهيّ البطلان.

قال شارح المقاصد: «المحقّقون على أنّ في كلّ قضيّة الوجود، واللاّوجود رابطةٌ، والوجوب والامتناع والإمكان جهةٌ سواء، صرّح بها أو لم يصرح، وسواء كان المحمول أحد هذه الأُمور، أو غيرها، حتّى أنّ قولنا: «الباري تعالى واجب وموجود» في معنى يوجد واجباً، ويوجد موجوداً.

وقولنا: «اجتماع النقيضين ممتنع أو معدوم» في معنى يوجد ممتنعاً معدوماً أو لا يوجد ممكناً وموجوداً.

وقولنا: «الإنسان ممكن وموجود» في معنى يوجد ممكناً وموجوداً.

فإذا كان المحمول أحد هذه الأُمور تتعدّد الاعتبارات; أي يعتبر وجود هو المحمول وآخر هو الرّابطة .

ووجوب أو إمكان أو امتناع هو المحمول، وآخر هو الجهة. انتهى».(1)

وعندهم(2) تردّدٌ واختلاف في أنّ المعتبر في المادّة هو الرّبط(3) الإيجابي فقط، بأن يكون المادّة هي كيفيّة النّسبة الإيجابيّة دون السّلبيّة، فيكون مادّة نسبة الحيوان إلى الإنسان هو الوجوب، سواء قلنا: «الإنسان حيوان» أو «ليس بحيوان» أو أعمّ من الإيجابي والسّلبي، حتّى تكون المادّة في قولنا: «الإنسان حيوان» هو الوجوب.


1 . شرح المقاصد: 1 / 469 .
2 . أي عند المحقّقين تردّد على ما في شرح المقاصد .
3 . ب: «الرابطة».


صفحه 316

وفي قولنا: «الإنسان ليس بحيوان» هو الامتناع.

والأظهر هو الأوّل(1).

وهو المطابق لكلام الشّيخ حيث قال في الشّفاء: «واعلم: أنّ حال المحمول في نفسه عند الموضوع، لا الّتي بحسب بياننا وتصريحنا به بالفعل، أنّه كيف هو(2) ولا الّتي تكون في كلّ نسبة إلى الموضوع،(3) بل الحال الّتي للمحمول عند الموضوع بالنّسبة الإيجابيّة من دوام صدق أو كذب أو لادوامهما، تسمّى مادّة.

فإمّا أن يكون الحال هو أنّ المحمول يدوم ويجب صدق إيجابه، فيسمّى مادّة الوجوب، كحال الحيوان عند الإنسان، أو يدوم ويجب كذب إيجابه، ويسمّى مادّة الامتناع، كحال الحجر عند الإنسان، أو لا يدوم ولا يجب أحدهما، ويسمّى مادّة الإمكان.(4)

وهذه الحال لا تختلف بالإيجاب والسّلب، فإنّ القضيّة السّالبة توجد لمحمولها هذه الحال بعينها، فإنّ محمولها يكون مستحقّاً عند الإيجاب أحد الأُمور المذكورة(5)، وإن لم يكن أوجب ».(6)

وقال في الإشارات: «لا يخلو المحمول في القضيّة أو ما يشبهه ـ سواء كانت موجبة أو سالبة ـ من أن تكون نسبته إلى الموضوع نسبة ضروريّ الوجود


1 . أي في أنّ المعتبر في المادّة هو الربط الإيجابي فقط .
2 . في المصدر: «هي له».
3 . في المصدر: «المحمول».
4 . كحال الكتابة عند الإنسان .
5 . أي يدوم ويجب الإيجاب، أو يدوم ويجب كذب الإيجاب، أو لا يجب ولا يدوم أحدهما.
6 . منطق الشفاء: 1 / العبارة / 47 / الفصل السّابع .


صفحه 317

في نفس الأمر، مثل «الحيوان» في قولنا: «الإنسان حيوان» أو «الإنسان ليس بحيوان» أو نسبةَ ما ليس بضروريّ، لا وجوده ولا عدمه، مثل «الكاتب» في قولنا: «الإنسان كاتب» أو «ليس بكاتب» أو نسبةَ ضروريّ العدم، مثل «الحجر» في قولنا: «الإنسان حجر»، «الإنسان ليس بحجر».

فجميع موادّ القضايا هي هذه: مادّة واجبة، ومادّة ممكنة، ومادّة ممتنعة. انتهى»(1).

وقد يتوهّم كون كلام المصنّف مخالفاً لذلك(2)، و(3)ليس كذلك، فإنَّ معناه على ما قيل: إنّ الموادّ الثّلاث ثابتة في القضايا الموجبة والسّالبة. وذلك لا يقتضي كونها(4) في الموجبة، كيفيّة النّسبة الإيجابيّة، وفي السّالبة، كيفيّة النّسبة السّلبيّة، بل يصدق ذلك(5) إذا كان الموادّ مطلقاً كيفيّة النّسبة الإيجابيّة، كما ذكره الشّيخ في " الإشارات".

فإنّ قوله(6): «وكذا العدم». يشعر بثبوت الموادّ على هذا التّقدير(7)، وهو أعمّ من أن يكون هي بعينها الموادّ الثّابتة على التقدير الأوّل، أو غيرها(8)، على أنّه في كلّ من التقديرين، يحتمل حملُ الوجود والعدم، على الإيجاب والسّلب كما ذكرنا.


1 . الإشارات والتنبيهات: 87 .
2 . أي ما هو الأظهر .
3 . الواو : حالية.
4 . الموادّ الثّلاث .
5 . أي كون الموادّ الثلاث ثابتة في القضايا السّالبة والموجبة.
6 . أي قول المصنّف .
7 . أي يشعر بثبوت الموادّ لا بسلبها على تقدير «العدم».
8 . أي غير عينها.


صفحه 318

المبحث الثّاني

في تعريف الموادّ الثّلاث

قال: والبحثُ في تعريفها كالوجود .

أقول: إنّ هذا المبحث في بيان بداهة تعريف موادّ القضايا الثّلاث وأشار المصنّف إلى هذا بقوله: والبحثُ في تعريفها كالوجود ;(1) أي تصوّرات هذه المعاني الثلاثة ضروريّة، إلاّ أنّها قد تعرّف تعريفات لفظيّة كالوجود.

فيقال: الوجوب: ضرورة الوجود، أو اقتضائه، أو استحالة العدم.

والامتناع : ضرورة العدم، أو اقتضائه، أو استحالة الوجود.

والإمكان: جواز الوجود والعدم، أو عدم ضرورتهما، أو عدم اقتضاء شيء منهما، ولكون تصوّراتها ضروريّة، وتعريفاتها لفظيّة، لا يتحاشّى عن أن يؤخذ كلّ منها في تعريف الآخر، فيعرف الوجوب بامتناع الانفكاك، ثمّ الامتناع بعدم الإمكان، ثمّ الإمكان بعدم الوجوب.

وكذا يعرف كلّ من الثّلاثة بسلب الآخرين، فيقال: الوجوب سلب الإمكان والامتناع، وكذا في الإمكان والامتناع.


1 . أي أنّ تعريف هذه المواد الثّلاثة أي الوجوب والإمكان والامتناع، كتعريف الوجود بديهيّ لاستلزامه الدّور، إذ الوجوب: إمّا يعرّف بضرورة الوجود فهو تعريف لفظيّ، أو بامتناع الانفكاك، ثمّ يعرّف الامتناع بوجوب العدم فهو دور.


صفحه 319

وكذا يقال : الواجب: ما يمتنع عدمه أو ما لا يمكن عدمه، والممتنع: ما يجب عدمه أو ما لا يمكن وجوده، والممكن: ما لا يجبوجوده ولا عدمه أو يمتنع له الوجود والعدم، (1) ولو كان القصد إلى إفادة تصّور هذه المعاني لكان دوراً ظاهراً.


1 . أ، ب و ج: «أو ما لا يمتنع وجوده ولا عدمه».


صفحه 320

المبحث الثّالث

في أقسام الموادّ الثّلاث

قال: وقد تؤخذ ذاتيّةً، فتكون القسمةُ حقيقيّة لا يمكن انقلابُها.

وقد يؤخذ الأوّلان باعتبار بالغير، فالقسمة مانعةُ الجمع بينهما يمكن انقلابُها، ومانعةُ الخلوّ بين الثّلاثةِ في الممكنات.

أقول: إنّ هذا المبحث في بيان تقسيم الوجوب والامتناع والإمكان .

وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: وقد تؤخذ ذاتيّة فيكون القسمة حقيقيّة; أي كلّ واحد من الوجوب والامتناع والإمكان، قد يؤخذ بحسب الذّات; أي نظراً إلى ذات ما يوصف به، فيكون قسمة المفهوم(1)، بحسب هذه الأُمور إلى الواجب والممتنع والممكن قسمة حقيقيّة لا يمكن اجتماع أقسامها لا في الصّدق ولا في الكذب، بل يكون الصّادق منها على المفهوم واحداً أبداً.

وذلك، لأنّ كلّ مفهوم إذا التفت إليه من غيرالتفات إلى غيره: فإمّا أن يكون بحيث يجب له الوجود، أو لا يجب .


1 . أي مطلق المفهوم .


صفحه 321

والثّاني: إمّا أن يكون بحيث يمتنع له الوجود، أو لا يمتنع.

فالأوّل: هو الواجب بذاته.

والثّاني: هو الممتنع بذاته.

والثّالث: هو الممكن بذاته.

وهذه أقسام ثلاثة لا يخرج عنها مفهوم من المفهومات، ويمتنع صدق اثنين منها(1) على واحد من المفهومات، وهذه القسمة جارية في المفهوم بالقياس إلى أيّ محمول كان، فإنّ كلّ مفهوم: إمّا واجب الحيوانيّة مثلاً، أو ممتنعها، أو ممكنها، لما مرّ من أنّ الّتي (2) يبحث عنها هاهنا هي الّتي يذكر في جهات القضايا وموادّها .

فإن قيل: هذه القسمة غير حاصرة، لاحتمال أن يكون المفهوم بحيث إذا التفت إليه من غير التفات إلى غيره يجب له الوجود والعدم.

لا يقال: هذه القسمة دائرة بين النّفي والإثبات، فكيف لا يكون حاصرة ؟

لأنّا نقول: إن أُريد بقوله: «فإمّا أن يكون بحيث يجب له الوجود» أعمّ من أن يجب له مع ذلك العدم أيضاً، أو لا، فهذا القسم يندرج فيه قسمان: الواجب(3)، وما يجب(4) له الطرفان معاً،(5) فلا يصحّ قوله: «فالأوّل هو الواجب بذاته» وإن أُريد أنّه يجب له الوجود فقط .

فإن أُريد بقوله: «فإمّا أن يكون بحيث يمتنع له الوجود» أعمّ من أن يمتنع له مع ذلك العدم أيضاً، أو لا،

فقد اندرج في هذا القسم أمران، الممتنع، وما يمتنع له الطّرفان، فلا يصحّ قوله: «والثّاني: هو الممتنع بذاته».


1 . أي الموادّ الثّلاث .
2 . أي المواد الّتي .
3 . أي الأوّل .
4 . أي الثاني.
5 . أي الوجود والعدم .


صفحه 322

وإن أُريد به أنّه يمتنع له الوجود فقط، فيدخل الممتنع الطّرفين والضروري الطّرفين في القسم الثّالث، فلا يصحّ قوله: «والثّالث هو الممكن بذاته» .

وبالجملة: المفهوم: إمّا أن لا يقتضي لذاته شيئاً من طرفي الوجود والعدم، أو يقتضيهما معاً، أو يقتضي اللاّوجود واللأعدم معاً، أو يقتضي الوجود دون العدم، أو يقتضي العدم دون الوجود .

ولمّا كان اقتضاء اللاّوجود واللاّعدم بعينه اقتضاء الوجود والعدم، فالأقسام أربعة بلا مريّة .

قلنا: هذه قسمة بالقياس إلى الوجود الخارجي وما يجب له الوجود والعدم يمتنع وجوده في الخارج لذاته لامتناع اجتماع النّقيضين فيه لذاته، فهذا القسم داخل في الممتنع، إذ لا نعني بالممتنع سوى ذلك .

والحاصل: أنّ هذا القسم وإن كان محتملاً في بادئ الرأي لكنّ العقل يجزم بامتناع وجوده عند ملاحظة مفهومه من غير نظر إلى أمر خارج، فمثل هذا الاحتمال لا يقدح في كون الحصر عقليّاً. ولو فرض احتياجه إلى تنبيه أو استدلال، فلا ريبة في كونه مقطوعاً به وبذلك يتمّ المقصود .

فإن قيل: كون الواجب ما يجب له الوجود، أو ما يقتضي وجوده على ما خرج من القسمة ينافي كون الوجود عين ذاته تعالى على ما هو مذهب الحكماء وغيرهم من المحقّقين ; لاستحالة كون الشّيء مقتضياً لنفسه أو حاصلاً لنفسه، سواء كان بالوجوب أو لا.

قلنا: المراد ما يجب له ثبوت الوجود بالحمل الاشتقاقي أو ما يقتضي


صفحه 323

الوجود كذلك، فالواجب ما يجب له هذا المحمول المشتق.

ومفهوم هذا المشتق بحسب العرف ; ما ثبت له مبدأ الاشتقاق، أعمّ من أن يكون بقيامه به أو بكونه نفس المبدأ إذا كان قائماً بذاته، فالوجود إذا كان قائماً بذاته يصدق عليه أنّ الوجود ثابت له عرفاً، بمعنى كونه غير فاقد للوجود، وثبوت الشّيء لنفسه; بهذا المعنى ضروريّ.

وسيأتي تحقيق مذهب الحكماء إن شاء الله تعالى.

وقد يجاب أيضاً: بأنّ المراد من اقتضاء ذاته الوجود كونه موجوداً لا باقتضاء الغير على نحو ما قالوا: الجوهر قائم بذاته، وأرادوا به سلب قيامه بالغير،(1) وبأنّ الأمر هاهنا مبنيٌّ على ما يبدو في بادئ الرّأي من أنّ الموجود(2) إمّا أن يقتضي ذاته الوجود، كاقتضاء الماهيّة لوازمها أو لا.

ثمّ إذا انتهت النّوبة إلى الفحص البالغ، يظهر أنّ حقيقة التّقسيم; أنّ الموجود: إمّا عين الوجود، أو لا، وأنّه ما ليس عين الوجود، لا يمكن اقتضائه إيّاه(3).

لا يمكن انقلابها (4)، بدل عن قوله: «بكون القسمة حقيقيّةً»، يعني إذا أخذ هذه الثّلاثة ذاتيّة(5). لا يمكن انقلاب واحد منها إلى آخر منها، بأن يصير


1 . كاقتضاء الأربعة الزّوجيّة.
2 . الّذي هو الموضوع لا انّه غير قائم بالغير مطلقاً حتّى بعلّته .
3 . لامتناع أن يكون الوجود من قبيل لوازم الماهيّات.
4 . يعني لا يمكن انقلاب أحد هذه المفهومات الثّلاثة إلى الآخر، بمعنى أن يزول أحدها عن الذّات ويتّصف الذّات بالآخر مكانه فيصير الواجب بالذّات مثلاً ممكناً بالذّات وبالعكس، وذلك لأنّ ما بالذّات يمتنع أن يزول. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 31 .
5 . أي الوجوب لذاته، والممتنع لذاته، والممكن لذاته .


صفحه 324

الواجب لذاته ممكناً لذاته وبالعكس، أو ممتنعاً لذاته وبالعكس، أو يصير الممكن لذاته ممتنعاً لذاته وبالعكس. وذلك ; لامتناع أن يزول ما بحسب الذّات أو يصير الذّات غير الذّات بالضّرورة.

وقد يؤخذ الأوّلان; أي الوجود والامتناع باعتبار الغير(1)، بأن يكون كلّ واحد منهما مستفاداً من الغير، ولا يكون ثابتاً بحسب الذّات مع قطع النّظر عن الغير. وحينئذ يكون القسمة بينهما مانعة الجمع; أي في المفهومات(2) مطلقاً، لاستلزام اجتماعهما(3) في مفهوم واحد، اجتماع الوجود والعدم فيه، دون الخلوّ، لأنّ المفهوم الواحد يجوز خلوّه عن الوجوب بالغير والامتناع بالغير معاً، إذا كان واجباً بالذّات، أو ممتنعاً بالذّات.

يمكن انقلابهما، بدل من قوله: «القسمة بينهما مانعةُ الجمع». وذلك ; لأنّ الواجب بالغير، قد يعدم علّته، فيصير ممتنعاً بالغير الّذي هو عدم علتّه، والممتنع بالغير ; قد يوجد علّته، فيكون واجباً بالغير .

ومانعةُ الخلوّ بينَ الثّلاثة(4)، عطف على «مانعةُ الجمع» أي إذا أخذ الأوّلان باعتبار الغير، يكون القسمة بينهما وبين الثّالث الّذي هو الإمكان الذّاتي مانعةُ الخلوّ، لكن في الممكنات الّتي هي أخصّ من المفهومات، إذ الإمكان لازم للممكن مع امتناع خلوّه عن أحد الباقيين، لأنّه لا يخلو الحال عن وجود علّته أو عدمها .


1 . لا بالقياس إلى أن يكون الغير مقتضياً لوجود الشّيء أو لعدمه، لأنّه ثابت للثّلاثة جميعاً.
2 . أي المفهومات الممكنة مطلقاً، سواء كانت من المواد أو الجهة، وسواء كان المحمول من الوجود أو العدم، وسواء كان بملاحظة الأفراد أو لا .
3 . أي الوجود الغيري وامتناع الغيري.
4 . أي الإمكان الذّاتي والوجوب والامتناع .


صفحه 325

وليس بين الثّلاثة منع الجمع، لاجتماع الإمكان الذّاتي مع كلّ واحد من الغيريّين.

فإن قيل(1): هذه القسمة المثلّثة قسمة للشّيء إلى نفسه وقسيميه(2).

أُجيب(3): «بحمل القسمة على التّرديد كما هو الظّاهر من وصفها بمنع الخلو مع قوله في الممكنات، إذ لو كان المراد التقسيم لقال في الممكن، لأنّ التّقسيم للمفهوم لا للأفراد والشائع هو تقسيم الكلّي بين الجزئيات لا الكلّ بين الأجزاء.

لا يقال: فيكون ترديداً للشّيء بين نفسه وغيره.

لأنّا نقول: هذا ترديد في الماهيّات المعروضة للإمكان في الواقع، لا المأخوذة بعنوان الإمكان».(4)

وعلى هذا أيضاً لا يجوز التّقسيم(5)، لأنّ الظاهر الشائع كون القسم أخصّ مطلقاً من المقسم في نفس الأمر .


1 . القائل هو الشّارح القوشجي. انظر : شرح تجريد العقائد: 31 .
2 . أ، ب و ج: «قسيمه».
3 . المجيب هو المحقق الدّواني .
4 . لاحظ: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد : 31 .
5 . أي التّقسيم الشّائع لدلالة الدليل عليه وإلاّ فالتعليل عليل .


صفحه 326

المبحث الرّابع

في أقسام الضّرورة والإمكان

قال: ويشترك الوجود والامتناع في اسم الضّرورة، وإن اختلفا بالسّلب والإيجاب.

وكلُّ منهما يصدق على الآخر إذا تقابلا في المضاف إليه .

وقد يُؤخذ الإمكانُ بمعنى سلب الضّرورة عن أحد الطّرفين، فيعمّ الأُخرى والخاصّ.

وقد تؤخذ بالنّسبة إلى الاستقبال ،ولا يشترط العدمُ في الحال إلاّ اجتمع النّقيضان .

أقول: الضّرورة تطلق على الوجوب والامتناع وتشملهما، فإنّ كلّ واحد من الوجوب والامتناع يقال له ضروريّ، لكنهما يختلفان بالسّلب والإيجاب، فالوجوب ضرورة الوجود، والامتناع ضرورة السّلب، واسم الضّرورة شامل لهما.

وإليه أشار بقوله: ويشترك الوجوب والامتناع في إسم الضّرورة، وإن اختلفا في السّلب والإيجاب، فإنّ أحدهما ضرورة الإيجاب والآخر ضرورة السّلب .

وكلّ منهما يصدق على الآخر، إذا تقابلا في المضاف إليه، يعني إذا كان ما


صفحه 327

أُضيف إليه الوجوب والامتناع أمرين متقابلين كالوجود والعدم، يصدق كلّ منهما على الآخر; أي ما يشتق من أحدهما على ما يشتق من الآخر، فيقال: واجب الوجود ممتنع العدم، وبالعكس .

وكذا واجب العدم ممتنع الوجود، وبالعكس .

وأمّا حمل أحدهما على الآخر كأن يقال: وجوب الوجود امتناع العدم، فليس بصحيح إلاّ مبالغة في الاستلزام، لأنّ أحدهما كيفيّة لنسبة الوجود إلى الماهيّة والآخر لنسبة العدم إليها، وهما(1) متبائنتان، فكذا كيفيتاهما.(2)

فإن قيل: الكيفيتان(3) هما الوجوب والامتناع المطلقان لا المقيّدان، و(4) المراد هو تصادق المقيّدين لا المطلقين، فوجوب الوجود وامتناع العدم، مأخوذين مع الإضافة إلى ما أُضيفا إليه، حال كونهما وصفين لذات واحدة متصادقان.

فإنّا إذا قلنا: إكرام أعداء زيد إهانة أوليائه، لم يقل هذا الحمل ليس بصحيح، لأنّ الإكرام وصف للأعداء، والإهانة وصف للأولياء، وهما متغايران.

وأيضاً الوجوب: عبارة عن ضرورة نسبة المحمول إلى الموضوع.

والامتناع: عبارة عن ضرورة ما يقابل تلك النّسبة.

فإذا أُضيف الامتناع إلى ما يقابل ما أُضيف إليه الوجوب، كان الامتناع ;


1 . أي الوجوب والامتناع .
2 . أ و ب: «كيفيّاتهما».
3 . يعني أنّ الكيفيّتان اللّتان بينهما تبائن إنّما هما الوجوب والامتناع إذا أُخذا مطلقين لا مقيدين .
4 . الواو : حالية.


صفحه 328

عبارة عن ضرورة ما يقابل مقابل ما أُضيف إليه الوجوب، ومقابل، مقابلِ نسبة عينُ تلك النّسبة، فكان الامتناع ; عبارة عن ضرورة نسبة. كان الوجوب عبارة ; عن ضرورتها، فكان الامتناع عين الوجوب .

قلنا: إن أُريد بالمقيّدين، المقيّد بالوجود والعدم، وبالمطلقين ما لم يقيّد بهما، فظاهر أنّ المراد، هو تصادق المقيّدين.

وإن أُريد بهما ما ذكر مع التقييد بذات واحدة، فغاية ما فيه أنّ الموضوع في القضيّتين واحد، ولا يلزم من مجرّد اتّحاد الموضوع، اتّحاد النّسبة.

وعلى أيّ التقديرين، فلا يخرجان عن كونهما كيفيّتين لنسبتين متغائرتين ليصيرا متصادقتين، بخلاف المطلقين، كيف ; و(1) تصادق المقيّدين مستلزم لتصادق المطلقين؟

وأمّا ما ذكر من المثال فلا يجدي، فإنّ الإكرام والإهانة وصفان لفعل واحد(2) كالقيام من جهتين. وليسا بمتصادقين حقيقةً، على أنّ مثل ذلك فيما نحن فيه، ليس بمتصوّر.

وأمّا ما استدلّ به، فمندفع: بأنّ الأمتناع ليس عبارة عن ضرورة ما يقابل تلك النسبة، وإلاّ لم يكن الامتناع كيفيّة تلك النّسبة، بل للنّسبة المقابلة لتلك النّسبة، بل ضرورة مقابل تلك النّسبة يصير منشأ لكيفيّة عارضة لتلك النّسبة، هي عبارة عن الامتناع، ولا شكّ أنّ النّسبتين متبائنتان، وكذا كيفيّتاهما .

وقد يؤخذ الإمكان بمعنى سلب الضّرورة عن أحد الطّرفين; أي الطرف


1 . الواو : حالية.
2 . لأنّ الإكرام فعل واحد، لكن بالنّسبة إلى زيد لطف وإكرام، وبالنّسبة إلى الآخر إهانة واضرار .


صفحه 329

المخالف، وكان ما(1) مضى بمعنى سلب الضّرورة عن كلا الطّرفين المسمّى بالإمكان الخاصّ .

فيعمّ الإمكان بهذا المعنى الثّاني(2) ضرورة(3)، الأُخرى; أي ضرورة الطرف الموافق، والإمكان الخاصّ(4) الّذي قد مضى جميعاً.

وهذا المعنى الثّاني هو المسمّى بالإمكان العامّي لفهم العرف العامّ(5)، هذا المعنى من إطلاق لفظ الإمكان، بخلاف المعنى الأوّل، فإنّه عُرف خاصّ، ولذا نسب إليه.

وقد يسمّى العامّي عامّاً والخاصّي خاصّاً أيضاً، لكونهما أعمّ وأخصّ مطلقاً.

والمراد بالعموم هاهنا أيضاً عموم ما يشتّق منه لما مرّ.

وللإمكان معنى ثالث يسمّى أخصّ، وهو سلب الضّرورة الذّاتيّة والوصفيّة والوقتيّة من الطّرفين. وهو أيضاً ممّا اعتبره الخاصّة، بناء على أنّ إسم الإمكان لمّا كان بمعنى سلب الضّرورة، فكلّ ما كان طرفاه خاليين عن جميع هذه الضّرورات كان أولى به، وأقرب إلى الوسط .


1 . أي إمكان المذكور سابقاً في كلام المصنف (رحمه الله) .
2 . أي سلب الضّرورة عن الطرف المخالف للحكم يعمّ الضّرورة الأُخرى أيّ الطرف الموافق للحكم.
3 . أ، ب و ج: «الضرورة».
4 . أي ويعمّ الإمكان الخاصّ.
5 . لأنّ العرف العام يستعمل الإمكان بهذا المعنى، فإنّهم يفهمون من الممكن الوجود ما ليس بممتنع الوجود، وممّا ليس بممكن الوجود، الممتنع الوجود، وكذا يفهمون من الممكن العدم، ما ليس بممتنع العدم وممّا ليس بممكن العدم، الممتنع العدم. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 32 .


صفحه 330

قال الشّيخ في الإشارات: «وقد يقال: «ممكن» ويُفهم منه معنى ثالث، فكأنّه أخصّ من الوجهين المذكورين ; وهو أن يكون الحكم غير ضروريّ النسّبة البتة، ولا في وقت كالكسوف، ولا في حال كالتّغيّر للمتحرّك، بل يكون كالكتابة للإنسان ».(1)

وقال المصنّف في شرحه: «فهذا الإمكان يقابل(2) جميع الضرورّيات الذّاتيّة والوصفيّة والوقتيّة. وهو أحقّ بهذا الإسم من المذكورين قبله، لأنّ الممكن بهذا المعنى أقرب إلى حاقّ الوسط بين طرفي الإيجاب والسّلب.

وقد يمثّل فيه بالكتابة للإنسان، لأنّ طبيعة الإنسانيّة متساوية النّسبة إلى وجود الكتابة له ولا وجودها.

ثمّ قال: وإنّما قال: «فكأنّه أخصّ من الوجهين» ولم يقل وهو أخصّ من الوجهين، لأنّ الأخصّ والأعمّ هما اللّذان يدلاّن على معنى واحد ويختلفان بأنّ أحدهما أقلّ تناولاً من الآخر، أمّا إذا دلّ أحدهما على بعض ما يدلّ عليه الآخر باشتراك اللّفظ، فإنّه لا يقال: له إنّه أخصّ من الآخر».(3)

وقد تؤخذ بالنسّبة إلى الاستقبال.(4)

قال في الإشارات: «وقد يقال: «ممكن» ويفهم منه معنى آخر، وهو أن يكون الالتفات في الاعتبار ليس لما يوصف به الشيء في حال من أحوال


1 . الإشارات والتنبيهات: 91 .
2 . في المصدر: «ما يقابل».
3 . شرح الإشارات والتنبيهات: 1 / 154 و 155 .
4 . بمعنى جواز وجود الشّيء في المستقبل من غير نظر إلى الماضي والحال نظراً إلى أنّ الممكن الحقيقي المتّصف بصرافة الإمكان ما لا ضرورة في شيء من ظرفيه أصلاً. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 32 .


صفحه 331

الوجود من إيجاب أو سلب; بل بحسب الالتفات إلى حاله في الاستقبال. فإذا كان المعنى(1) غير ضروريّ الوجود في أيّ وقت فُرض له في المستقبل، فهو ممكن»(2).

وقال المصنّف في شرحه: «وهذا معنى رابع للإمكان; وهو الإمكان الاستقباليّ. وإنّما اعتبره من اعتبره لكون ما ينسب إلى الماضي والحال من الأُمور الممكنة; إمّا موجوداً، وإمّا معدوماً، فيكون إنّما ساقها من حاقّ الوسط إلى أحد الطرفين ضرورة ما، والباقي على الإمكان الصّرف لا يكون إلاّ ما ينسب إلى الإستقبال من الممكنات الّتي لا تعرف حالها; أتكون موجودة إذا حان وقتها، أم لا تكون ؟

وينبغي أن يكون هذا الممكن ممكناً بالمعنى الأخصّ مع تقييده بالإستقبال، لأنّ الأوّلين ربّما يقعان على ما يتعيّن أحد طرفيه لضرورة ما، كالكسوف، فلا يكون ممكناً صرفاً. انتهى.»(3)

ويظهر منه أنّ الإستقبال ليس ظرفاً للإمكان، بل ظرفاً للوجود أو العدم، وظرف الإمكان هو الحال، وانّ عدم تعيّن الوجود أو العدم في الإستقبال وبقاء الممكن في صرافة الإمكان، إنّما هو بحسب علمنا، لا بحسب نفس الأمر، فلا ينافي تعيّن أحدهما في نفس الأمر من حيث وجوب استناد الحوادث إلى العلل السّابقة.

وهاهنا سرّ لعلّنا نشير إليه في موضع أليق إن شاء الله تعالى.


1 . في المصدر «ذلك المعنى» .
2 . الإشارات والتنبيهات: 91 و 92 .
3 . شرح الإشارات والتنبيهات: 1 / 156 و 157 .


صفحه 332

ثمّ إنّ بعض (1) من اعتبر الإمكان الاستقبالي، اشترط في كون الوجود ممكناً في زمان الإستقبال العدم في الحال،(2) لأنّ الشّيء إذا كان موجوداً في الحال، كان وجوده ضروريّاً بشرط المحمول، فلا يكون ممكناً صرفاً.

وردّ عليه: بأنّ ضرورة وجوده في الحال، لا ينافي إمكان عدمه في الإستقبال .

وأيضاً لو وجب اشتراط عدمه في الحال، لئلاّ يكون ضروريّ الوجود، لوجب اشتراط وجوده في الحال أيضاً، لئلاّ يكون ضروريّ العدم، فوجب أن يكون في الحال موجوداً ومعدوماً معاً.

وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: ولا يشترط العدمُ في الحال وإلاّ اجتمع النّقيضان .

قال في الإشارات: «ومن يشترط في هذا أن يكون معدوماً في الحال، فإنّه يشترط ما لا ينبغي. وذلك أنّه يحسب أنّه إذا جعله موجوداً أخرجه إلى ضرورة الوجود. ولا يعلم أنّه إذا لم يجعله موجوداً، بل فرضه معدوماً، فقد أخرجه إلى ضرورة العدم، فإن لم يضرّ هذا لم يضرّنا ذاك . انتهى ».(3)

وقيل: الظاهر أنّ من اشترط ذلك(4)، أراد بالإمكان الإستقبالي، إمكان حدوث الوجود، وطريانه في الإستقبال، وهو إنّما يستلزم إمكان عدم الحدوث،


1 . نقل الشّارح القوشجي كلام البعض وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 32 ـ 33 .
2 . أيّ في زمان الحال.
3 . الإشارات والتنبيهات: 92 .
4 . أيّ العدم في الحال.


صفحه 333

لا إمكان حدوث العدم، ليلزم اشتراط الوجود في الحال، بل لو اعتبر الإمكان الإستقبالي في جانب العدم، بمعنى إمكان طريان العدم وحدوثه، يشترط الوجود في الحال من غير لزوم محال.

وفيه: أنّ الغرض من اعتبار الإمكان الإستقبالي، لمّا كان تحصيل الإمكان الصّرف الواقع في حاقّ الوسط، فلا وجه لهذه الإرادة، حتّى يحتاج إلى ذلك الاشتراط.

وظهر من هذا أيضاً فساد ما يقال: من أنّ الإمكان الإستقبالي، إنّما يعتبر في أحد طرفي الوجود والعدم، لا فيهما معاً، فالشّيء: إمّا ممكن الوجود بالإمكان الإستقباليّ ; وإمّا ممكن العدم به.

قال: فالأوّل: مشروط بالعدم في الحال.

والثّاني: مشروط بالوجود في الحال. وذلك لأنّ المقصود من اعتبار الإمكان الإستقباليّ ; خلوّ الممكن في طرفيه عن جميع الضروريّات، وكونه في حاقّ الوسط ; غير مائل إلى أحدهما، كما مرّ.


صفحه 334

 

المسألة العشرون

في اعتباريّة الموادّ الثّلاث

قال : والثّلاثةُ اعتباريّة لصدقها على المعدوم واستحالة التّسلسل.

ولو كان الامتناعُ ثبوتيّاً لزم الممتنع.

ولو كان الإمكانُ ثبوتيّاً لزم سبقُ وجود كلّ ممكن على إمكانه.

والفرقُ بين نفي الإمكان والإمكان المنفي لا يستلزم ثبوتَه.

أقول: إنّ الوجوب والامتناع والإمكان أُمور اعتباريّة غير متأصّلة في الوجود.

وإليه أشار بقوله: والثّلاثةُ اعتباريّة(1); لوجوه بعضها مشترك بين الثّلاثة وبعضها مختصّ بواحد واحد .

أمّا المشترك فوجهان:

الوجه الأوّل: ما أشار إليه بقوله: لصدقها على المعدوم، يعني أنّ كلاًّ من هذه الثّلاثة يصدق على المعدوم، فإنّ المعدوم الممتنع، يصدق عليه أنّه ممتنع الوجود وواجب العدم، والمعدوم الممكن ; يصدق عليه أنّه ممكن الوجود والعدم .


1 . أيّ أنّ هذه الجهات الثلاثة أعني الوجوب والإمكان والامتناع، أمور اعتباريّة يعتبرها العقل عند نسبة الوجود إلى الماهيّة، وليس لها تحقّق في الأعيان لوجوه....


صفحه 335

وإذا صدقت هذه الأُمور على المعدوم، يجب أن لا تكون متحققة في الأعيان، لاستحالة اتّصاف المعدوم بالموجود.

فإن قيل: يجوز أن يكون بعض أفراد طبيعة واحدة موجوداً وبعضها معدوماً، فيصدق تلك الطبيعة على الأفراد الموجودة والمعدومة، فباعتبار صدقها على الأفراد الموجُودة; تكون موجودة، وباعتبار صدقها على الأفراد المعدومة تكون معدومة، فاعتبر الإنسان، فإنّ بعض أفراده موجودة، وبعضها معدومة ; مع أنّ الإنسان صادق على الجميع، فإنّ الإنسان باعتبار صدقه على الأفراد الموجودة ; يكون موجوداً، وباعتبار صدقه على الأفراد المعدومة ; يكون معدوماً، ولا يلزم منه اتّصاف المعدوم بالموجود، ولا كون تلك الطبيعة معدومة .

قلنا: إن أُريد أنّ تلك الطبيعة باعتبار الأفراد الموجودة متأصّلة، وباعتبار الأفراد المعدومة غير متأصّلة، فظاهر بطلان ذلك ضرورة امتناع اختلاف الطبيعة الواحدة بالتأصّل وعدمه .

وإن أُريد كونها في الصّورة الأُولى موجودة، وفي الصورة الثّانية معدومة .

فيرد أنّ كلّما كان من شأنه الوجود الأصيل، فاتّصاف شيء به بالحمل الاشتقاقي، إنّما يكون بوجوده فيه وجوداً عينياً، فيمتنع اتّصاف المعدومات بالإمكان.

والوجه الثّاني: أنّه لو كانت هذه الأُمور متحقّقة في الأعيان، لكانت مشاركة لغيرها في الوجود، ومتميّزة عنه بالخصوصيّات، فوجودها غير ماهيّاتها، فاتّصاف ماهيّاتها بوجودها، لا يخلو عن أحد هذه الأُمور ويتسلسل.


صفحه 336

وإليه أشار بقوله: واستحالة التّسلسل.

فإن قيل: يجوز أن يكون الوجوب العارض لذات الواجب مثلاً ; ثبوتيّاً موجوداً في الأعيان، والوجوب العارض لهذا الوجوب عدميّاً، فلا يلزم التّسلسل.

وأيضاً يجوز أن يكون وجوب الوجوب مثلا ; عينه.

فالجواب عن الأوّل: ما مرّ من امتناع اختلاف الطبيعة الواحدة بالتأصّل، وعدمه .

وعن الثّاني: أنّ جواز كون الشّيء نعتاً لنفسه، إنّما هو على تقدير قيامه بذاته، كما في وجود الواجب تعالى، لا على تقدير كونه قائماً بغيره، كما في وجود الممكنات، على أنّ الكلام في الوجوب مثلاً الّذي هو كيفية النّسبة، فلا يتصّور كونها نفس ذات الموضوع.

وهذا الوجه يدّل على استحالة عينيّة مجموع الثّلاثة لا البعض دون البعض، إذ حينئذ(1) يجوز أن يكون الوجوب مثلاً عينيّاً، والإمكان اعتباريّاً، ويكون اتّصاف ماهيّة الوجوب بالوجود بالإمكان، فلا يلزم التّسلسل.

ولو حمل على ضابطة (2) صاحب التلويحات (3) ـ من أنّ كلّ ما تكرّر نوعه; أي يكون أيّ فرد يوجَد منه موصوفاً بذلك النّوع، كالوحدة والقدم والحدوث والبقاء واللزّوم ونحو ذلك، يجب أن يكون اعتباريّاً، لئلاّ يلزم


1 . أي استحالة عينيّة البعض دون البعض.
2 . لاحظ : التلويحات: 26.
3 . كتاب " التلويحات في المنطق والحكمة " للشيخ شهاب الدين الحكيم السهروردي المتوفّى (587 هـ).


صفحه 337

التّسلسل(1) ـ يمتنع(2) أجراؤه في الامتناع، بل في الوجوب أيضاً، بحيث لا يرجع إلى الوجه المختصّ الآتي.

وأمّا الوجوه المختصّة بواحد واحد:

فالمختصّ بالوجوب(3): ما أشار إليه بقوله: ولو كان الوجوب ثبوتياً لزم إمكان الواجب.

بيان الملازمة: أنّ الوجوب صفة عرضيّة، لأنّه كيفية النّسبة كما مرّ، والصّفة العرضية مفتقرة إلى موصوفها الّذي هو موضوعها، والمفتقرة إلى الغير ممكن، والواجب إنّما يجب به، فهو من حيث هو واجب مفتقر إلى الوجوب الّذي هو ممكن، فهو أولى بأن يكون ممكناً، لأنّ المحتاج إلى الواجب ممكن، فكيف إلى الممكن ؟

فإن قيل: إمكان صفة الوجوب في نفسها المستلزم لجواز زوالها (4) إنّما يستلزم إمكان الواجب من حيث هو واجب المستلزم لجواز زواله، لو كان مستلزماً لجواز انعدامها بعد الوجود.

وليس كذلك(5) لجواز امتناع الممكن عن الإنعدام بعد الوجود، كما في الزّمان.


1 . وما في المتن موافق للمواقف وشرحه، وشرح المقاصد، لاحظ: المواقف في علم الكلام: 69; وشرح المقاصد: 1 / 471 ; وشرح المواقف: 3 / 116 ـ 117 .
2 . قوله: «يمتنع» جواب لقوله: «لو حمل».
3 . لمّا ذكر الأدّلة الشّاملة في الدّلالة على أنّ هذه الأُمور ليست ثبوتيّة في الأعيان شرع في الدّلالة على كلّ واحد من الثّلاثة، فبدأ بالوجوب الّذي هو أقر بها إلى الوجود.
4 . أي صفة الوجوب .
5 . في أ، ب وج: لفظة «كذلك» ساقطة.


صفحه 338

وأمّا جواز إنعدامها مطلقاً(1)، فلا يستلزم ذلك، لجواز اتّصاف الموصوف بالصّفة العدميّة.

وأيضاً كون الواجب من حيث هو واجب ممكناً غير محال، لأنّ إمكان الشّيء من حيث أنّه بصفة، لا يقتضي إمكان ذات الشّيء، ولا يلزم من ذلك جواز زوال الوجوب عن الذّات، وإنّما يلزم ذلك، لو لم يكن علّة الوجوب هي الذّات الّتي يمتنع زوالها، وهو ممنوع، فيمتنع زوال الوجوب عن الذّات مع كونه ممكناً بسبب امتناع زوال علّته الّتي هي الذّات .

قلنا: أمّا الجواب عن الأوّل: فهو أنّ الكلام على تقدير كون الوجوب من الأُمور العينيّة، ولا شك أنّ الأُمور العينيّة، إذا كانت معدومة لا يمكن اتّصاف محل الموجود بها .

وأمّا الجواب عن الثّاني: فهو أنّ علّة الوجوب لو كانت هي الذّات لزم تقدمها على الوجوب بالوجوب، والوجود كما هو شأن العلّة، فيلزم أن يكون للواجب وجوب آخر، أو تقدم الوجوب على نفسه، وكلاهما محال.

أمّا الثّاني: فظاهر.

وأمّا الأوّل: فللزوم اجتماع المثلين، وأن لا يكون الوجوب المتأخّر وجوباً، لكون الواجب واجباً بالآخر، وأيضاً ننقل الكلام إلى ذلك الوجوب ويلزم التّسلسل .

فإن قيل: الوجوب ممكن لا محالة ـ سواء كان عينيّاً أو اعتباريّاً ـ فعلى


1 . أعمّ من انقضاء الوجود ومن انقطاعه .


صفحه 339

تقدير كونه اعتباريّاً أيضاً يكون الواجب محتاجاً إليه، ويلزم إمكانه بالطريق الأولى.

قلنا: إذا كان الوجوب اعتباريّاً انتزاعيّاً، ويكون منشأ انتزاعه ذات الواجب من حيث ذاته، لا من حيثيّة أُخرى، يكون مناط الحكم بالواجبيّة، هو نفس الذّات بذاته لا المفهوم المنتزع كما في سائر الانتزاعيّات، حيث يكون مناط الحكم بها نفس ما هو منشأ الانتزاع، فتكون واجبيّة الواجب بذاته، لا بأمر زائد عليه، ليلزم الإمكان، فتفطّن.

ولا يمكن أن يقال: على تقدير عينيّة الوجوب أيضاً يكون واجبيّة الواجب بذاته، لا بالوجوب ; كما توهمّه شارح المقاصد، لأنّ مناط الاتّصاف في الصّفات العينيّة، إنّما يكون قيام الصّفة بالموصوف بالضّرورة .

والوجه المختصّ بالامتناع ما أشار إليه بقوله: ولو كان الامتناعُ ثبوتيّاً لزم إمكان الممتنع، لأنّ الامتناع(1)، إذا كان ثبوتيّاً ; من شأنه الوجود في الخارج يكون ممكناً بإمكان العام بالضّرورة، وهو صفة لا محالة، فيفتقر إلى موصوفها، فيجب أن يكون موصوفها ممكناً كذلك بالضّرورة، والموصوف بالامتناع ; هو الممتنع، فيلزم إمكان الممتنع.

فهذا الدّليل يبطل ثبوتيّة امتناع الوجود، ويلزم منه بطلان ثبوتيّة امتناع العدم أيضاً، لأنّ الامتناع ـ كما أشرنا إليه سابقاً في أوّل المشتركَيْن(2) ـ معنى


1 . اشارة إلى أنّ الامتناع ثبوتيّاً ليس أنّه موجود بالفعل في الخارج، بل ما يكون من شأنه الوجود فيه.
2 . من الوجهين .


صفحه 340

واحد يضاف تارة إلى الوجود، وأُخرى إلى العدم، والمعنى الواحد، إذا بطل ثبوتيّة بعض أفراده، بطل ثبوتيّة الجميع، لإمتناع كون المعنى الواحد متأصّلاً وغير متأصّل .

فاندفع ما توهّم: من أنّ في كلام المصنّف اضطراباً، لأنّ أوّل المشتركين; يبتني على كون المراد من الامتناع، أعّم من امتناع الوجود وامتناع العدم.

وهذا الدّليل لأخذ الإمكان فيه ،(1) ووجوب حمله(2) على الإمكان العامّ(3)، يبتني على كون المراد(4) امتناع الوجود(5)، ليقابل الإمكان العامّ المقيّد بطرف الوجود، وذلك لأنّ إبطال ثبوتيّة امتناع الوجود ; لمّا استلزم بطلان ثبوتيّة امتناع العدم أيضاً، فالامتناع المطلوب ; إبطال ثبوتيّته باق على عمومه.

فإن قيل: لِمَ أخذ الإمكان، ولم يكتفّ بمجرّد الوجود مع كونه أخصرٌ، بأن يقال: لو كان الامتناع ثبوتيّاً لزم وجود الممتنع ضرورة وجود الموصوف عند وجود الصفة؟

قلنا: المراد بكون الامتناع وجوديّاً، ليس كونه موجوداً بالفعل في الخارج، بل ما من شأنه الوجود العيني، وحينئذ، فالملازمة ممنوعة.

وإن أراد(6) وجود الممتنع بالإمكان، فيصير عين الوجه الأطول، (7) وإن تمسّك(8) بأنّ الاتّصاف بالصّفة العيّنية ; يستدعي وجود الموصوف، لم يكن


1 . أيّ في الامتناع.
2 . أيّ حمل الإمكان.
3 . لأنّ اللاّزم على تقدير ثبوتيّة الامتناع بالضّرورة هو كونه ممكناً بالإمكان العامّ.
4 . من الامتناع .
5 . فقط .
6 . المصنّف (رحمه الله).
7 . أيّ الأوّل .
8 . المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 341

هذا الوجه اختصاراً للأوّل، بل صار دليلاً برأسه، فتدبرّ.(1)

والوجه المختصّ بالإمكان ما أشار إليه بقوله: ولو كان الإمكانُ ثبوتيّاً لزم سبقُ وجودِ كلّ ممكن على إمكانِهِ، لأنّ الإمكان حينئذ يكون صفة ثبوتيّة، فتتأخّر عن وجود موصوفها بالضرّورة مع أنّ الإمكان سابق على الوجود، لأن الشّيء يمكن وجوده في نفسه، فيوجد من غيره(2).

وقد يستعمل هذا الوجه في الوجوب أيضاً يقال: الوجوب سابق على الوجود بالّذات، لأنّ إيجاب شيء لوجوده يستتبع وجوده عقلاً، ولذلك صحّ أن يقال: اقتضى ذاته وجوده، فوجد والصّفة الثبوتيّة يستحيل أن يسبق على وجود موصوفها، فيستحيل كون الوجوب ثبوتيّاً .

واعلم: أنّه لا حاجة في هذا الوجه، سواء استعمل في الإمكان أو الوجوب إلى بيان التقدّم، بل يكفي امتناع التأخّر.

فيقال: لا شبهة في أنّ الإمكان أو الوجوب، يمتنع تأخّره عن وجود موصوفه، وكلّ صفة ثبوتيّة يجب تأخّرها عن وجود موصوفها.

وهذا مطّرد في كلّ صفة ثبوتيّة يمتنع تأخّرها عن وجود موصوفها كالحدوث والوجود والذّاتيّة والعرضيّة ونظائرها.

ولذلك جعله صاحب التّلويحات قانوناً، فقال: كلّ ما لا يجب من


1 . إشارة إلى أنّ هذا الوجه أخصر من الدّليل الّذي ذكره المصنّف، يعني أنّ مقدّماته أقلّ من مقدمات الدّليل المذكور، وليس من الواجب في الأخصريّة كون الشّيء الثّاني إختصاراً للأوّل وبعضاً منه.
2 . يعني أنّ الإمكان له بالّذات والوجود له بالغير وما بالّذات مقدم على ما بالغير.


صفحه 342

الصّفات ; تأخّره عن وجود الموصوف، يجب أن يكون اعتباريّاً .(1)

والفرق (2) بين نفي الإمكان والإمكان المنفي لا يستلزم ثبوتَه(3)، أي ثبوته الإمكان، إشارة إلى الجواب عمّا تمسّك به الذّاهب إلى كون الإمكان ثبوتيّاً، وهو أنّه لو لم يكن الإمكان ثابتاً، لم يكن فرق بين نفي الإمكان والإمكان المنفي، والتّالي باطل، لأنّا نفرق بين الإمكان، ونفيه بالضّرورة .

وأيضاً إذا لم يكن بينهما فرق لم يكن بين قولنا: إمكانه لا وقولنا: لا إمكان له فرق، فيلزم أن لا يكون الممكن ممكناً هذا خلف.

أمّا الملازمة: فلأنّه لو لم يكن ثابتاً لكان منفياً، فلا يكون بين نفي الإمكان والإمكان فرق، إذ الأعدام لا تتمايز .

وتقرير الجواب: أنّا لا نسلّم الملازمة، فإنّ الفرق بين نفي الإمكان على تقدير كونه منفيّاً ثابت، فإنّ الإمكان على هذا التّقدير هو الإمكان العدمي، ونفي الإمكان هو نفي ذلك الإمكان العدمي، وفرق بين الشّيء العدمي وبين رفع الشّيء العدمي، كما أنّ فرقاً بين الأمر الوجوديّ وبين رفع الأمر الوجوديّ، ضرورة أنّ الشّيء ورفعه متناقضان، سواء كان الشّيء عدميّاً أو وجودّياً، فهما متمايزان قطعاً، قوله: «الأعدام لا تتمايز».


1 . وما في المتن موافق للمواقف وشرحه. لاحظ : شرح المواقف: 3 / 119 ـ 120 .
2 . من كلامه (رحمه الله) .
3 . هذا جواب عن استدلال الشيخ أبي علي بن سينا على ثبوت الإمكان، فإنّه قال: لو كان الإمكان عدميّاً لما بقى فرق بين الإمكان والإمكان المنفي لعدم التّمايز في العدمات، والجواب: المنع من الملازمة، فإنّ الفرق واقع، ولكن لا يستدعي الفرق الثّبوت، كما في الامتناع. لاحظ: كشف المراد: المسألة السادسة والعشرين .


صفحه 343

قلنا: ممنوع كما مرّ.

وقال الشّارح القديم: لفظ المنفي بعد لفظ الإمكان زائد، لعلّه وقع سهواً من الناسخين، فإنّ الخصم لم يدّع استلزام عدميّة الإمكان، لعدم الفرق بين نفي الإمكان والإمكان المنفي ; حتّى يلزم من الفرق بينهما ثبوت الإمكان بحكم استلزام نقيض التّالي لنقيض المقدّم،(1) فإنّ الفرق بين نفي الإمكان والإمكان المنفي، غير ثابت على زعمه(2)، بناء على أنّ الأعدام لا تتمايز عنده، فلا يكون استثناء نقيض التّالي صادقاً عنده على تقدير أن يكون التّالي عدم الفرق بين نفي الإمكان والإمكان المنفي، فلا يلزم نقيض المقدّم الّذي هو مطلوبه، لكن لو حذف المنفي عن الإمكان، ويكون اللاّزم لنقيض مُدّعي الخصم هو عدم الفرق بين نفي الإمكان والإمكان لَصَدَق(3) استثناء نقيض التّالي على زعمه، فيصدق نقيض المقدّم(4) الّذي هو المدعى.

وقال المحقق الشريف: قد يتمحّل لتصحيح صدق استثناء نقيض التّالي عنده، بأنّ وصف الإمكان بالمنفي، ليس بحسب نفس الأمر، بل بحسب الفرض.(5)

فكأنّه قال: لو لم يكن الإمكان ثابتاً بل منفيّاً ; لم يكن فرق بين نفي الإمكان والإمكان الذيّ فرضناه منفيّاً، لكنّ الفرق ثابت في الواقع، فلا يكون


1 . نظير قولنا: إنّ كان هذا إنساناً لكان حيواناً، لكنّه لم يكن حيواناً، فلم يكن إنساناً.
2 . أي على زعم الخصم.
3 . جواب «لو».
4 . أي كان الإمكان ثبوتيّاً.
5 . لاحظ : شرح المواقف: 3 / 123 ـ 124 .


صفحه 344

فرض كونه منفيّاً مطابقاً للواقع وفائدة وصفه بالمنفي فرضاً إظهار الملازمة(1)، لأنّه بهذا الفرض اندرج هو ونفيه تحت الأعدام الّتي لا تمايز فيها، هذا .

فإن قيل:(2) يمكن أن يفرض الدّليل هكذا: لو لم يكن فرق بين نفي الإمكان والإمكان المنفي ; لكان الإمكان ثبوتيّاً، لكن المقدّم(3) حقّ، لعدم التمايز في الأعدام، فالتّالي مثله .

بيان الملازمة: أنّه لو لم يكن ثبوتيّاً على ذلك التّقدير، لكان عدميّاً، فيلزم أنّ الممكن لا إمكان له، إذ التّقدير عدم الفرق بين الإمكان المنفيّ ونفي الإمكان، فإذا تحقّق الأوّل، ـ أعني: الإمكان المنفي ـ تحقّق الثّاني ـ أعني: نفي الإمكان ـ لكن كون الممكن لا إمكان له تناقض، وحينئذ لا يكون لفظ المنفيّ مستدركاً.

وتقرير الجواب: أنّا نمنع المقدّم، وما ذكر في بيانه غير مسلّم، بل المحقّق(4) نقيضه وهو الفرق بين نفي الإمكان والإمكان المنفيّ.

قلنا: بعيد حمل كلام المصنّف عليه حجّةً وجواباً.

أمّا حجّةً: فلأنّ الملازمة الّتي ادّعاها المستدلّ إنّما هي بين عدم الفرق والثّبوت، لا بين الفرق والثّبوت، وكلام المصنّف يدلّ على منع الملازمة بين الفرق والثّبوت، وهي غير الملازمة الّتي ادّعاها المستدلّ.

وأمّا جواباً: فلأنّ كلام المصنّف صريح في منع الملازمة، وهذا الجواب منع لاستثناء غير المقدم، فأين هذا من ذاك؟!


1 . بين ثبوت الفرق وبين كون الإمكان ثبوتيّاً.
2 . القائل هو المحقّق الشريف في حاشيته على الشرح القديم.
3 . أي عدم الفرق.
4 . أ و ج: «المتحقّق» .


صفحه 345

والحاصل: أنّ المصنّف أشار إلى استدلال وجواب عنه بكلام لا يوافق تقرير هذا الاستدلال ولا تقرير هذا الجواب.

قال المحقّق الدّواني: «والظّاهر أنّ مقصود هذا القائل أنّ مراد المصنّف، أنّ المحقَّق(1) نقيض المقدّم وهو الفرق، وهو لا يستلزم ثبوت الإمكان، فليس كلامه منعاً للملازمة، بل منعاً لثبوت المقدّم، وقولاً بتحقّق نقيضه، إلاّ أنّه زاد عليه أنّه لا يستلزم مدّعي الخصم».(2)

وحينئذ يرد عليه: أنّ دلالة هذه العبارة على ثبوت الفرق بينهما غير ظاهرة، بل صريحها أنّ مجرّد الفرق لا يستلزم الثّبوت، والظّاهر على هذا التّوجيه أن يقال: وفرق بين نفي الإمكان والإمكان المنفيّ، فلا يلزم ثبوته، هذا.

فإن قلت: قد تمسّك الشّيخ في " الشّفاء " بهذا الدّليل، على أنّ الإمكان معنى موجود حيث قال ـ عند بيان أنّ كلّ حادث مسبوق بمادّة، أو موضوع، بهذه العبارة: «كلّ حادث، فإنّه قبل حدوثه: إمّا أن يكون في نفسه ممكناً أن يوجد، أو محالاً أن يوجد، والمحال أن يوجد لا يوجد، والممكن أن يوجد، قد سَبَقه إمكان(3) وجوده(4)، ولا يخلو إمكان وجوده من أن يكون معنى معدوماً أو معنى موجوداً، ومحال أن يكون معنى معدوماً وإلاّ فلم يسبقه إمكان وجوده. إلى آخر ما قال»(5).


1 . أ ، ب و ج: «المتحقّق».
2 . لاحظ: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 36 .
3 . فهذا الإمكان استعدادي لا ذاتي.
4 . وفي المصدر: «وأنّه ممكن الوجود».
5 . إلهيات الشّفاء : 1 / 182، المقالة الرابعة، الفصل الثّاني.


صفحه 346

وهذا بعينه عدم الفرق بين إمكانه لا ولا إمكان له، فكيف ذلك؟

قلت: ليس غرض الشّيخ من كون الإمكان معنىً موجوداً ; أنّ الإمكان صفة وجوديّة، أيّ موجودة في الخارج بنفسها، بل غرضه أنّه معنى موجود أيّ له منشأ انتزاع في الوجود الخارجي ; هو مادّة للحادث أو موضوع له، وظاهر أنّه لو لم يكن له منشأ انتزاع في الخارج، لم يكن في نفس الأمر، فلا يمكن أن يتصّف به شيء في نفس الأمر، لأنّ مناط صدق الحكم بالأُمور الاعتباريّة ; هو مطابقته لما في نفس الأمر، كما سيأتي في الكتاب .

وإذا لم يكن الشّيء متّصفاً به في نفس الأمر; لم يكن ممكناً في نفس الأمر، فهو معنى كونه لا إمكان له، لكن صاحب المواقف(1) لم يتفطّن لما ذكرنا.

فنسب هذا الوجه إلى الشّيخ، لإثبات كون الإمكان صفة ثبوتية بالمعنى المراد في محل النزاع، وذلك خبط عظيم منه.

واعلم: أنّ للمخالف ـ أعني: الذّاهب إلى ثبوتيّة الوجوب والإمكان لا الامتناع، إذ لم يذهب إليه أحد ـ متمسكاتٌ بعضها مختصّ بالوجوب، وبعضها مشترك بين الوجوب والإمكان.

أمّا المختّص بالوجوب: فهو أنّه لو كان عدمّياً، لكان العدم مقتضياً للوجود، لأنّ الوجوب عبارة عن اقتضاء الوجود، لكنّ العدم مناف للوجود، فيستحيل أن يقتضيه.

والجواب: أنّ الوجوب على تقدير كونه اعتباريّاً معدومٌ لا عَدَمَ، واقتضاءٌ


1 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 70 .


صفحه 347

لا مقتضى(1)، ولا استحالة في أن يكون مفهومٌ معدومٌ في الخارج عبارة عن اقتضاء أمر موجود فضلاً عن أمر معدوم في الخارج هو الوجود على ما مّر أنّ الوجود ليس بموجود في الخارج، وإنّما المحال هو أن يكون العدم اقتضاء للوجود أو يكون المعدوم مقتضياً له وليس كذلك.

وأمّا المشترك بين الوجوب والإمكان فوجوه:

الأوّل: أنّهما لو كان عدميّين، لزم ارتفاع النقيضين، لأنّ نقيضيهما ـ أعني: اللاّوجوب واللاّإمكان ـ أيضاً عدميّان، لصدقهما على الممتنع، بل على المعدوم مطلقاً(2) مع القطع بأنّ الوجودي لا يصدق على المعدوم، ولأنّ العدم جزء منهما(3)، وما جزؤه معدوم فهو معدوم، و(4) كون النّقيضين عدمييّن ـ أعني: المعدومين ـ هو معنى ارتفاعهما.

والجواب: أنّا لا نسلّم استحالة كون النّقيضين عدميّين، كيف وهو واقع كالامتناع واللاّامتناع والعمى واللاّعمى، وما اشتهر من أنّه لا تقابل بين العدميّين؟

على تقدير التّسليم، فالمراد بالعدمي هناك(5) ما يكون السّلب داخلاً في مفهومه، لا ما يكون معدوماً كما فيما نحن فيه.

وما ذكر من أنّه ارتفاع النّقيضين ممنوعٌ; بل معنى ارتفاع النّقيضين في المفردات هو أن لا يصدقا على شيء، فلو لم يصدق الوجوب واللاّوجوب مثلاً


1 . لأنّه لو كان مقتضياً لزم كونه موجوداً في الخارج، لأنّ المقتضى معناه: شيء ثبت له الاقتضاء، بخلاف لو كان نفس اقتضاء.
2 . أي ممتنعاً أو لا.
3 . أي اللاّوجوب واللاّإمكان.
4 . الواو : حالية.
5 . أي في التّقابل .


صفحه 348

على شيء، بل كانا مسلوبين عنه، كان ذلك ارتفاع النّقيضين .

وليس معناه خلوّ النّقيضين عن الوجود، والثّبوت في أنفسهما.

نعم، معنى ارتفاع النّقيضين في القضايا هو أن لا يصدق القضيّتان المتناقضتان في أنفسهما، ولا يثبت مدلولاهما، بأن يكذب مثلاً قولنا: هذا ممكنٌ، وهذا ليس بممكن، وهذا كسائر النّسب من المساواة والعموم والخصوص والمباينة، فإنّها في المفردات يكون باعتبار صدقها على الشّيء، وفي القضايا باعتبار صدقها في أنفسها، وثبوت مدلولاتها.

الثّاني: أنّهما لو كانا عدميّين اعتباريّين، لا تحقّق لهما إلاّ بحسب العقل لزم أن لا يكون الواجب واجباً ولا الممكن ممكناً، إلاّ عند فرض العقل واعتباره وصفي الوجوب والإمكان، لأنّ ما لا تحقّق له إلاّ باعتبار العقل لا يقع وصفاً للشّيء إلاّ باعتباره، واللازم باطل للقطع بكون الواجب واجباً والممكن ممكناً، سواء وجد العقل أو لا، وسواء فرضهما أو لا.

والجواب النّقض: بالعدم والامتناع .

والحلّ: بأنّ اتّصاف الذّات بصفة في ظرف لا يقتضي كون تلك الصّفة موجودة على ما مرّ.

الثّالث: ما مرّ في كلام المصنّف، فإنّه غير مختص بالإمكان، بل جار في الوجوب أيضاً كما لا يخفى.


صفحه 349

 

المسألة الحادية والعشرون

في بعض أحوال الموادّ الثّلاث

وفيها بحثان:

البحث الأوّل

في أقسام الوجوب والامتناع

قال : والوجوب شاملٌ للذاتي وغيره وكذا الامتناعُ .

ومعروض ما بالغير منهما ممكنٌ.

ولا ممكنَ بالغير لِما تقدّم في القسمة الحقيقيّة .

أقول: إنّ كلاًّ من الوجوب والامتناع ينقسم إلى ما بالذّات، وإلى ما بالغير، بخلاف الإمكان، فإنّه يكون بالذّات فقط.

فهذان حكمان أشار إلى الأوّل منهما بقوله: والوجوب شاملٌ للذّاتيّ وغيره، وكذا الامتناعُ ومعروض ما بالغير منهما ممكن، فالوجوب الذّاتي، وكذا الامتناع الذّاتي هو الّذي يستند إلى الذّات مع قطع النظر عن الغير والوجوب الغيري، وكذا الامتناع الغيري هو الّذي حصل للذّات بسبب الغير، كما يحصل للممكن بالنّظر إلى وجود علّته أو عدم علَّته كما سيأتي.

فالممكن لمّا لم يكن ذاته سبباً لوجوده ولا لعدمه، فيعرض له الوجوب


صفحه 350

من وجود علّته والامتناع من عدمها فمعروض الغير بيّن، ليس إلاّ الممكن لا الواجب بالذّات ولا الممتنع بالذّات، لكون كلّ منهما سبباً(1) لما له من الوجوب أو الامتناع، فلو استند الوجوب أو الامتناع مع كونه مستنداً إلى الذّات إلى الغير ; أيضاً لزم توارد العلّتين على معلول واحد، وهو محال لما سيأتي.

وأشار إلى الثّاني منهما بقوله: ولا ممكن بالغير لما تقدّم(2) في القسمة الحقيقية، يعني لو أمكن أن يحصل لشيء ما إمكان بسبب الغير، فإمّا أن يكون في حدّ ذاته ممكناً بالذّات أو واجباً بالذّات أو ممتنعاً بالذّات، إذ لا خِلْو من الثّلاثة لما تقدّم من أنّ القسمة بين الثلاثة حقيقية، فيلزم الانقلاب على الأخيرين.

فإن قلت (3): امتناع الانقلاب إنّما هو في الذّاتي بأن ينقلب الوجوب بالذّات مثلاً إلى الإمكان بالذّات، و(4) هذا الإمكان الحاصل بالغير ليس إمكاناً بالذّات، فلا يمتنع انقلاب الواجب بالذّات أو الممتنع بالذّات إليه .(5)

قلت: معنى الإمكان بالذّات هو أن لا يقتضي الذّات الوجود ولا العدم ويكون نسبتها إليهما على السّواء، فهذا المعنى سواء كان بسبب الذّات أو بسبب الغير يمتنع انقلاب الوجوب أو الامتناع الذّاتيين إليه، إذ معنى الوجوب الذّاتي هو أن يقتضي الذّات الوجود، ومعنى الامتناع الذّاتي أن يقتضي الذّات العدم، فيمتنع انقلاب عدم اقتضاء أحدهما(6) إلى اقتضاء أحدهما وبالعكس .


1 . أي كافياً لما يصدق ما، له من الوجوب والامتناع.
2 . تقدّم في المسألة الثّامنة عشرة .
3 . تعرّض له الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 36 ـ 37 .
4 . الواو : حالية.
5 . أي الإمكان بالغير .
6 . أي الوجود أو العدم .


صفحه 351

فإن قيل: ما الفرق بين الوجوب بالغير والامتناع بالغير، وبين الإمكان بالغير، حيث لا يلزم من طريان واحد من الأوّلين على الممكن بالذّات الانقلاب، ويلزم من طريان الثّالث على الواجب بالذّات، أو الممتنع بالذّات الانقلاب.

قلنا: الفرق هو أن الإمكان الذّاتي عدم اقتضاء الذّات الوجودَ والعدمَ لا اقتضائها لعدمهما(1)، فلا ينافي الوجوب الغيري أو الامتناع الغيري(2) الّذي هو اقتضاء الغير لأحدهما للذّات، بخلاف الوجوب والامتناع الذاتيّين، فإنّ أحدهما اقتضاء الذّات الوجود وإبائها عن العدم، والآخر اقتضاء الذّات العدم وإبائها عن الوجود، فينافيان اقتضاء الغير، لمساواتهما بالنّظر إلى الذّات، لأنّ مساواتهما يقتضي جواز زوال كلّ منهما عن الذّات مع اقتضاء الذّات إيّاه، وإبائها عن زواله، وما بالذّات لا يجوز زواله بالغير، ويلزم على الأوّل أن يكون اعتبار الغير لغواً في حصول معنى الإمكان حيث فرض حصوله مع عدمه أيضاً .

فإن قلت: لعلّ حصول الإمكان للذّات بالذّات مشروط على انتفاء الغير، فإذا وجد(3) يكون حاصلاً له بالغير ويكون من قبيل توارد العلتّين على سبيل التعاقب، وهو جايز.

قلت: فللغير مطلقاً، سواء كان وجود الغير أو انتفاؤه أو القدر المشترك بينهما، بل القدر المشترك بين الذّات والغير بهذا المعنى الّذي هو غير الذّات أيضاً لا محالة مدخل في حصول الإمكان للذّات، فلا يكون بالذّات، فتفطّن.

وحينئذ يمكن استناد بطلان الأوّل(4) إلى لزوم توارد العلّتين أيضاً كما لا يخفى.


1 . أي لعدم الوجوب والامتناع .
2 . للإمكان بالذّات .
3 . أ، ب وج: «وجد الغير».
4 . أي الإمكان الغيري.


صفحه 352

البحث الثّاني

في كيفيّة عروض الإمكان

قال: وعروضُ الإمكان عند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى الماهيّة وعلّتها.

وعند اعتبارهما بالنّظر إليهما يَثْبُتُ ما بالغير.

ولا منافاة بين الإمكان والغيري.

وكلُّ ممكنِ العروض ذاتيّ ولا عكسَ.

أقول: ولما ظهر من قوله :(1) «ومعروضُ ما بالغير منهما ممكنٌ» أنّ الممكن مع كونه معروضاً للإمكان الذّاتي معروض للوجوب والامتناع الغيريين، أراد أن يشير إلى جهة عروض كلّ منهما، فقال: وعروض الإمكان عند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنّظر إلى الماهيّة وعلّتها، يعني عروض الإمكان للماهيّة الممكنة إنّما هو من جهة كون الماهيّة مقطوعة النظر عن اعتبار الوجود وعلّته والعدم وعلّته معها(2)، وإن كانت مجامعة معهما(3).

وقوله: «وعلّتها» أي علّة الماهيّة، لأنّ علّة الماهيّة علّة لوجودها أو لعدمها،


1 . أي قول المصنّف (رحمه الله) .
2 . الماهيّة.
3 . أي وإن كانت العلّة مجامعة مع الوجود والعدم.


صفحه 353

وعند اعتبارهما ; أي الوجود والعدم بالنّظر إليهما ; أي الماهيّة وعلّتها يثبت ما بالغير ; أي الوجوب بالغير أو الامتناع بالغير، فبالنّظر إلى علّة الماهيّة يعرض الوجوب والامتناع السّابقين، وبالنّظر إلى الماهيّة يعرض الوجوب والامتناع اللاّحقين، فإنّ الوجود مثلاً، إذا اعتبر مع الماهيّة يلحقها الوجوب اللاّحق الّذي هو الوجوب بشرط المحمول.

وإذا اعتبر مع علّة الماهيّة يلحق الماهيّة الوجوب السّابق الّذي هو المراد من قولهم الممكن ما لم يجب بعلّته لم يوجد.

واعلم: أنّه ظاهر أنّ الوجوب السّابق مختصّ بالممكن لكونه حاصلاً باعتبار العلّة.

وأمّا الوجوب اللاّحقّ فالظّاهر أنّه أيضاً كذلك، لأنّه بازاء الوجوب السّابق، فلا يتصوّر إلاّ حيث يتصّور فيه الوجوب السّابق، والوجوب اللاّحق إنّما يحصّل بعد انضمام الوجود إلى الماهيّة، وهو إنّما يتصوّر حيث يكون الوجود زائداً على الماهيّة حاصلاً من غيرها، فلا يتصوّر حيث يكون الوجود عين الماهيّة. فاعتبار الوجود في الواجب بالذّات الّذي وجوده عين ماهيّته ـ كما سيأتي مع ذات الواجب ـ لا يصير منشأ للوجوب اللاّحق.

وقول المصنّف فيما بعد(1) «ويلحقه وجوبٌ آخرُ، لا يخلو عنه قضيّةٌ فعليّة» لا يدّل على كون الوجوب اللاّحق متحقّقاً في الواجب، فإنّ القضيّة الفعليّة إنّما يكون بازاء الممكنة، فلا يطلق في الواجب، ولو سلّم، فالمراد ما يكون من الممكنات لكون الكلام هناك في الممكن.


1 . سيأتي في المسألة الرّابعة والعشرين .


صفحه 354

وبهذا التّحقيق، يندفع ما أورده المحقّق الدّواني على المصنّف: من «أنّه صرّح هاهنا بأنّ الوجوب بشرط الوجود وجوب بالغير، ولا شكّ أنّه يشمل الواجب بالذّات أيضاً إذا أخذ مع الوجود.

وقد صرّح بذلك، فيما بعد بقوله: «لا يخلو عنه قضيّة فعليّة» فيلزم أن يكون الواجب بالذّات واجباً بالغير، وهو ينافي قوله(1): «ومعروض ما بالغير منهما ممكنٌ» هذا»(2).

وقوله: ولا منافاة بين الإمكان والغيري ـ أي بين الإمكان الذّاتي والوجوب أو الامتناع الغيري ـ تصريح بما علم التزاماً من قوله: «ومعروض ما بالغير منهما ممكن»، والغرض هو الإشارة إلى دفع ما يتوهّم من المنافاة.

ولو قال: «فلا منافاة» بـ «الفاء» ليكون متفرّعاً على القول السّابق، ويكون المجموع مسوّقاً لبيان دفع ذلك التّوهم، لكان أولى .

ولمّا كان الإمكان كيفيّة النّسبة بين الماهيّة والوجود وهو على قسمين: وجود الشّيء في نفسه، ووجود الشّيء لغيره، فكان الإمكان على قسمين: إمكان وجود الشّيء في نفسه، وإمكان وجوده لغيره، وكان كلّ موجود في غيره موجوداً مطلقاً من غير عكس، أراد أن يشير إلى أنّ كلّ ممكن الوجود في غيره أيضاً ممكن الوجود مطلقاً من غير عكس، فقال: وكلُّ ممكن العروض ; أي الوجود للغير بالحلول فيه لا مطلقاً ذاتيّ ; أي ممكن ذاتيّ على الإطلاق من غير عكس ; أي ليس كلّ ممكن ذاتيّ على الإطلاق ممكن الوجود والحلول في غيره.


1 . المصنّف .
2 . لاحظ: حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 37 .


صفحه 355

أما الأوّل: فلأنّ الوجود في غيره قسم من الوجود المطلق، فالممكن الوجود لغيره لا يكون الممتنع الوجود، وهو ظاهر، ولا الواجب الوجود، لأنّ الموجود في غيره محتاج إليه بالضّرورة، فهو ممكن الوجود على الإطلاق .

وأمّا الثّاني: فلأنّ من الممكنات ما هو محلّ أخير كالهيولى.

وأمّا كلّ ممكن الوجود للغير على الإطلاق، سواء كان بالحلول أو لا، فلا يجب أن يكون ممكن الوجود في نفسه، لما اشتهر من أنّ ثبوت الشّيء لغيره لا يستدعي ثبوت الثّابت في نفسه كما في العمى .

والحقّ: أنّ ثبوت الشّيء لغيره يستدعي ثبوته في نفسه، إلاّ أنّ الثّبوت في نفسه أعمّ من أن يكون بعينه، أي بعين ذلك الثّابت كما في الموجودات الحالّة، أو بمنشأ انتزاعه، كما في المحمولات الاعتباريّة .

لا يقال: فحينئذ لا حاجة إلى تخصيص الوجود للغير بالحلول فيه.

نعم، ينبغي حمل الإمكان على الإمكان العامّ لئلاّ ينتقض بالواجب الوجود، فإنّه ممكن الوجود والحمل(1) على الغير وليس بممكن الوجود في نفسه بالإمكان الخاصّ.

لأنّا نقول: الحاجة إلى التّخصيص باقية لنفي العكس كما لا يخفى.


1 . أي الحمل الاشتقاقي .


صفحه 356

 

المسألة الثانية والعشرون

في أنّ علّة افتقار الممكن إلى العلّة ماذا؟ (1)

قال : وإذا لاحظ الذّهن الممكنَ موجوداً طلب العلّةَ وإن لم يتصوّر غيرَه .

وقد يَتَصوَّرُ وجودَ الحادث فلا يطلبها.

ثمّ الحدوثُ كيفيّةُ الوجودِ، فليس علّة لما يتقدّم عليه بمراتب .

أقول: فقد اختلفوا فيه:

فذهب الحكماء والمحقّقون من متأخّري المتكلّمين إلى أنّها الإمكان.

والقدماء منهم إلى أنّها الحدوث.(2)

وبعضهم إلى أنّها الإمكان مع الحدوث شطراً.(3)

وبعضهم إلى أنّها هو معه شرطاً.(4)


1 . راجع في ايضاح المقام : نقد المحصل: 120 ; نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 153 ـ 156 والمباحث المشرقيّة: 1 / 125، الفصل التاسع ; أبواب الملكوت في شرح الياقوت: 57 / المسألة السابعة ; شرح المواقف: 3 / 178 / المقصد الرابع ; وشرح المقاصد: 1 / 489 ـ 491 / المبحث السادس .
2 . كأبي هاشم الجبّائي المعتزلي المتوفى (321 هـ). لاحظ : قواعد المرام في علم الكلام: 47 / البحث التاسع .
3 . عند أبي الحسين البصري المعتزلي المتوفى (436 هـ) علّة افتقار الممكن إلى العلّة هي الإمكان والحدوث معاً، وعند الأشعري أنّها الإمكان بشرط الحدوث. لاحظ: ارشاد الطالبين: 156 .
4 . عند أبي الحسين البصري المعتزلي المتوفى (436 هـ) علّة افتقار الممكن إلى العلّة هي الإمكان والحدوث معاً، وعند الأشعري أنّها الإمكان بشرط الحدوث. لاحظ: ارشاد الطالبين: 156 .


صفحه 357

واختار المصنّف (قدس سره) مذهب الحكماء، واحتجّ عليه بقوله: وإذا لاحظ الذّهنُ الممكنَ موجوداً طلب العلّة أي علّة وجوده وإن لم يتصوّر غيره ; أي غير الإمكان كالحدوث وغيره.(1)

تقرير هذه الحجّة: أنّ العقل إذا لاحظ مثلاً من حيث إنّه ممكن يتساوى وجوده وعدمه بالنّظر إلى ذاته، وإن لم يلاحظ أمراً آخر طلب لا محالة علّة وجوده، وذلك لجزمه بالبديهة بأنّ أحد المتساويين(2) لا يمكن أن يترجّح إلاّ لمرجح، وذلك المرجّح هو المراد من العلّة هاهنا، فالعلم بالإمكان يستلزم العلم بالافتقار، كما هو شأن العلّة مع المعلول .

فإن قيل: العلم بالمعلول أيضاً يستلزم العلم بالعلّة، وبمعلول آخر لها ; فلا يحصل الجزم، بأنّ الإمكان علّة للافتقار .

قلنا: العلم بالمعلول يستلزم العلم بعلّة مّا، لا بعلّة معيّنة، على أنّ كون الإمكان معلولاً للافتقار ظاهر البطلان لا يذهب إليه وهم ولا يستلزم وحدة العلم بمعلول آخر لها، بل مع العلم بصدوره عنها، والعلم بالإمكان وحده يستلزم العلم بالافتقار وبخصوصه.

وقد يَتَصوَّر العقل وجود الحادث، فلا يطلبها; أي علّة وجوده دليلٌ لإبطال مذهبُ القائلين بأنّ الحدوثَ علّةٌ مستقّلةٌ للافتقار.


1 . سيأتي تمام الكلام في مسألتي الخامسة والثلاثون والسادسة والثلاثون من هذا الفصل، وفي أوّل الفصل الثالث(في مباحث العلّة والمعلول) من هذا المقصد، في الجزء الثاني .
2 . والحكم بأنّ أحد المتساويين لا يترجّح على الآخر إلاّ بمرجّح، ضروريّ يجزم به الصّبيان، بل هو مركوز في طبايع البهائم، ولذلك تراها تتنفر من صوت الخشب. لاحظ : شرح تجريد العقايد: 38 .


صفحه 358

تقريره: أنّ العقل قد يتصوّر الموجود من حيث هو حادث; أي موجود بعد عدم من دون أن يلاحظ أنّ عدمَه السّابق مساو لوجوده اللاّحق نظراً إلى ذاته، فلا يطلب علّة لوجوده. وذلك لأنّه لا يجزم حينئذ بأنّ له علّة البتة لتجويزه في هذه الملاحظة كون الوجود ضروريّاً له غير مساو لعدمه نظراً إلى ذاته وإن كان ذلك التّجويز غير مطابق للواقع، فالعلم بالحدوث فقط يتخلفّ عنه العلم بالافتقار، فليس علّة له، لأنّ العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول.

وقد يتكلّف بجعل هذا الدّليل عامّاً لإبطال الجزئيّة والشّرطيّة أيضاً،(1) بأنّ المراد، فلا يطلبها من جهة العلم بالحدوث لا استقلالاً ولا جزءاً ولا شرطاً(2)، فتدبّر .

ثمّ الحدوث كيفيّة الوجود، فليس علّةً لما تقدّم عليه بمراتب(3)، حجّة لابطال كون الحدوث له مدخل في علّية الافتقار مطلقا، سواء كان بالاستقلال أو بالجزئيّة أو بالشّرطيّة.

تقريرها: أنّ الحدوث كيفيّة للوجود، لأنّه عبارة عن مسبوقيّة الوجود بالعدم، فيتأخّر عن الوجود المتأخّر من الإيجاد المتأخّر عن الحاجة المتأخّرة عن علّتها، فلو كان(4) علّة للحاجة أو جزءاً وشرطاً، لتقدّم على نفسه بمراتب(5).


1 . أي فيبطل القول بشرطيّة الحدوث وشطريّة الحدوث .
2 . أي أنّ الحدوث لا يكون علّة مستقلة، ولا جزءاً من العلّة ولا شرطاً لها.
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
4 . أي الحدوث .
5 . أي بمراتب أربع على تقدير الأوّل والثّالث، وبمراتب خمسة على تقدير الثّاني لأنّ جزء العلّة متقدّمة عليها.


صفحه 359

فإن قيل: الإمكان أيضاً لكونه كيفيّة النّسبة بين الماهيّة والوجود متأخّر عن الوجود، فلا يكون علّة للافتقار المتقدّم عليه بمراتب .

قلنا: الإمكان إنّما هو كيفيّة النّسبة بين الماهيّة ومفهوم الوجود من حيث هو متصوّر، لا بين الماهيّة والوجود الحاصل لها.

ولهذا يوصف الماهيّة بالإمكان قبل اتّصافها بالوجود، بخلاف الحدوث، فإنّه مسبوقيّة الوجود الحاصل للماهيّة بالعدم، ولاشك في تأخّره(1) عن الإيجاد لصّحة أن يقال: «أوجد فحدث»، وبذلك يتمّ المطلق، سواء قلنا بتأخّره عن الوجود أيضاً، أو لا.

وبالجملة: لا يتّصف الماهيّة به إلاّ حال الوجود، لا قبله.

فإن قيل: هذا إنّما يتمّ إذا كان مرادهم(2) كون الحدوث بالفعل علّة للحاجة(3)، ويستبعد أن يقول به عاقل.

أمّا لو أرادوا أنّ علّة الحاجة كونه بحيث لو وجد لكان حادثاً فلا، لأنّ هذه الحيثيّة لا يتأخّر عن الوجود; أي كون الماهيّة موجودة، بل عن الماهيّة ومفهوم الوجود كما في الإمكان بعينه.

قلنا: إذا فسّر الحدوث بذلك لزم أن يكون الممكن المعدوم حال عدمه حادثاً كما كان ممكناً، وهو باطل بالضّرورة.

لا يقال: إنّما يلزم جواز إطلاق الحادث عليه بمعنى الحيثيّة المذكورة ولا


1 . أي الحدوث .
2 . أي القائلين بأنّ الحدوث علّة.
3 . لأنّ الحدوث حينئذ متأخّر عن الوجود بمراتب.


صفحه 360

فساد فيه، وليس ذلك اصطلاحاً جديداً، بل هو مسامحة في المعنى الاصطلاحي، كما قالوا: الجوهر هو الموجود لا في الموضوع.

ثمّ قالوا: إنّ المراد منه ماهيّة إذا وجدت كانت لا في الموضوع على أنّه يمكن أن يقال: المراد هو الحدوث بالقوّة، فيندفع هذا التوهّم رأساً .

لأنّا نقول: معلوم بالضّرورة امتناعهم عن إطلاق الحادث على الممكن حال عدمه.

وليس ذلك إلاّ أنّ مرادهم من الحدوث هو الحدوث بالفعل. كيف، ولو كان مرادهم ما ذكرتَ لوجد ذلك أحياناً في كلامهم ولو نادراً، ولا معنى للاصطلاح الجديد سوى ذلك. وليس كذلك حال الجوهر كما لا يخفى.

فاعلم: أنّ هذه المسألة فرع على مسألة حاجة الممكن(1)، وهي سيأتي في الكتاب بعد عدّة مسائل، فكان الأولى(2) أن تتأخّر عنها.

وقد وقع في نسخة شرحها العلاّمةُ الحلّيّ (رحمه الله)، مسألة الحاجة هاهنا، لكنّ عقيب مسألة علّة الحاجة مع كونها واقعة فيما سيأتي أيضاً، ولعلّه سهو.


1 . يأتي في المسألة الخامسة والثلاثين .
2 . إنّما قال الأولى دون الصّواب، لأنّ مسألة الحاجة كانّها ضروريّة لا حاجة في بيانها إلى اقامة البرهان عليها.


صفحه 361

 

المسألة الثّالثة والعشرون

في نفي الأولويّة الذّاتيّة عن الممكن (1)

قال : ولا تُتَصوَّر الأولويّة لأحدِ الطّرفين بالنّظر إلى ذاته.

أقول: إنّ البحث هاهنا في نفي الأولويّة الذاتيّة ليتبيّن تساوي طرفي الممكن بالنّظر إلى ذاته، فإنّ ذلك لم يلزم من القسمة، فإنّ الممكن الخارج منها(2) هو ما لا يقتضي بذاته الوجود ولا العدم، بحيث يكون واحد منهما ضروريّاً له، ولا ينافي ذلك كونه أولى بالنّظر إلى ذاته أولويّة غير بالغة إلى حدّ الضّرورة.

فالجمهور على أنّ وجود الممكن وعدمه بالنّظر إلى ذاته على السّواء ; ولا أولويّة لأحدهما على الآخر.

وقيل: العدم أولى بالممكن مطلقا:(3) إمّا لتوهم عدم الحاجة في حصول العدم إلى سبب .

وإمّا لأنّ الحاجة في طرف العدم أقلّ لحصوله بانتفاء شيء من أجزاء العلّة


1 . لاحظ البحث في الكتب التالية: نقد المحصّل: 119 ; و شرح المقاصد: 1 / 492 ـ 497 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 146 ـ 150 ; وشرح تجريد العقائد: 39 ـ 40 ; والأسفار: 1 / 199 ـ 215 .
2 . أي القسمة .
3 . بالغة إلى حدّ الضّرورة أو لا .


صفحه 362

التّامة للوجود، فهو أسهل وقوعاً، والحاجة في طرف الوجود إنّما هي إلى تحقّق جميعها.

ولا يخفي ضعف الوجهين:

أمّا الأوّل: فلأنّ الممكن كما يستند وجوده إلى وجود علّته يستند عدمه إلى عدمها.

وأمّا الثّاني: فلأنّه لا معنى لعدم المركّب سوى أن لا يتحقّق جميع أجزائه، سواء تحقّق البعض أو لم يتحقّق.

وهذا لا يقتضي أولويّة العدم نظراً إلى ذاته بمعنى أن يكون له نوع اقتضاء للعدم.

والحاصل: أنّ سهولة عدمها بالنّظر إلى غيرها لا يقتضي أولويّة لذاتها.

وقيل: إذا وجد المؤثّر وعدم الشّرط كان الوجود أولى بالممكن من العدم.

وقيل: إذا وجد العلَّة، فالوجود أولى به وإلاّ فالعدم وفسادهما أيضاً ظاهر، لأنّ تلك الأولويّة مستندة إلى الغير لا إلى ذات الممكن.

وقيل: العدم أولى بالاعراض السيّالة كالحركة والزّمان والصّوت وصفاتها، بدليل امتناع البقاء عليها.

ولا يخفى فساد ذلك، فإنّ الوجود غير البقاء وغير مستلزم له وماهيّة تلك الأشياء، لاقتضائها التقضيّ والتّجدد غير قابلة للبقاء .

قال شارح المقاصد: والّذي يقضتيه النّظر الصّائب، أنّه إن أُريد بأولويّة الوجود أو العدم ترجّحه بالنّظر إلى ذات الممكن، بحيث يقع بلا سبب خارج، فبطلانه ضروريّ، لأنّه حينئذ يكون واجباً أو ممتنعاً .


صفحه 363

فإن قيل: هذا إنّما يلزم لو لم يمكن وقوع الطرف الآخر بمرجّح خارجيّ.

قلنا: فيتوقّف وقوع الطرف الأولى إلى عدم المرجّح الخارجيّ.

وإن أُريد بالأولويّة كونه أقرب إلى الوقوع لقلّة شروطه وموانعه، وكثرة اتّفاق أسبابه، فهذه أولويّة بالغير لا بالذّات، وهو ظاهر .

وإن أُريد أنّ الممكن قد يكون بحيث إذا لاحظ العقل وجد فيه نوع اقتضاء للوجود أو العدم لا إلى حدّ الوقوع، ليلزم كونه واجباً أو ممتنعاً، فلا يظهر إمتناعه.

ثمّ قال: واستدلّ الجمهور على امتناعه; أي على امتناع المعنى الأخير بوجوه.

ثمّ نقل تلك الوجوه وأجاب عنها بابتنائها على أخذ الوقوع، فهي غير واردة على محل النّزاع.(1)

أقول: فهو جَعَلَ بطلان الأولويّة الكافية في الوقوع بديهيّاً غير قابل للنّزاع، وبطلان الأولويّة الغير البالغة إلى حدّ الوقوع محلاً للنّزاع.

والظّاهر أنّ محل النّزاع والمسألة هو الأوّل لا الثّاني.

فإنّهم جعلوه مقدّمة لحاجة الممكن إلى المؤثّر واهتمّوا فيه غاية الاهتمام لئلاّ يلزم انسداد باب إثبات الصّانع. كيف، وابتناء الأدلّة الدالّة على بطلان الأولويّة الذاتيّة على أخذ الوقوع أدلّ دليل على كون محل النّزاع هو الأولويّة الكافية في الوقوع.


1 . انتهى كلام شارح المقاصد لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 493 و 494 .


صفحه 364

نعم، من قال بأولويّة العدم بالممكن مطلقا أو بالاعراض السيّالة كما مرّ، الظّاهر أنّ مراده من الأولويّة هي الأولويّة بالمعنى الأخير لا الأولويّة الكافية.

وأمّا ما ادّعاه من كون بطلان الأولويّة الكافية ضروريّاً، فعلى تقدير التّسليم ليس ضروريّاً جليّاً لا يقبل النّزاع.

والحق: أنّ استلزام الوقوع بلا سبب خارج لكون الواقع واجباً وممتنعاً غير ضروري، فإنّ الواجب مثلاً ليس مجرّد ما يستغني في الوجود عن الغير، بل ما يستغني في ضرورة الوجود عن الغير.

فظهر أنّ الدّعوى قابلة للنّزاع، لكن الحقّ أنّها قريبة من الضّروري، كما أشار إليه المصنّف بقوله: ولا تُتَصوَّر أولويّة أحدِ طرفي الممكن لذاته.

فحيث قال: «ولا تتصور» ولم يشر إلى الاستدلال أراد أنّها غير معقولة. وذلك لأنّا لو فرضنا أنّ للممكن أولويّة ذاتيّة بمعنى كون الذّات كافية فيها، وفرضنا كون تلك الأولويّة كافية في وقوع أحد طرفيه، يلزم:

إمّا أن لا يكون تلك الأولويّة أولويّة، بل وجوباً ويلزم الانقلاب(1).

وإمّا أن لا يكون ذاتيّة، وحينئذ، فكون الأولويّة أولويّةً وذاتيةً غير متصوّر.

بيان الملازمة: أنّه لو تحقّق أولويّة أحد الطرفين لذاته، فإن لم يمكن طريان الطّرف الآخر كان ذلك الطّرف ممتنعاً والطّرف الرّاجح واجباً، فيلزم الأمر الأوّل،(2) وإن أمكن طريان الطّرف الآخر، فإمّا لا بسبب، فيلزم ترجّح المرجوح بلا سبب وهو أفحش من ترجّح أحد المتساويين بلا سبب، أو بسبب، فإن لم


1 . أي انقلاب الممكن إلى الواجب أو الممتنع .
2 . أي الانقلاب .


صفحه 365

يصر ذلك الطّرف أولى به، لم يكن السّبب سبباً(1)، وإن صار، يلزم مرجوحيّة الطّرف الأولى لذاته، فلم يكن الأولويّة ذاتيّة لامتناع زوال ما بالذّات، فيلزم الأمر الثّاني.(2)

فإن قيل: إن أُريد إمكان طريان الطرف الآخر وعدم إمكانه نظراً إلى ذات الممكن(3).

فيرد: أنّ امتناع زوال ما بالذّات إنّما يلزم، لو كانت ذات الممكن مقتضية للأولويّة على سبيل الوجوب.(4)

وأمّا إذا كان اقتضاؤها لها على سبيل الأولوية أيضاً فلا، إذ الخصم لا يسلّم امتناع زوال ما يقتضيه الذّات على سبيل الأولويّة .

وهل النّزاع إلاّ في أنّ الممكن يجوز أن يقتضي أولويّة أحد طرفيه مع عدم امتناع الطّرف الآخر(5) أم لا؟

وإن أُريد إمكان الطريان(6) وعدمه في نفس الأمر لا بالنّظر إلى ذات الممكن.

فيرد: أنّا لا نسلّم أنّ امتناع طريان الطّرف الآخر في نفس الأمر يستلزم كون الطّرف الرّاجح واجباً، فإنّ الواجب ما يمتنع مقابله نظراً إلى الذّات لا مطلق.


1 . لانّ وجوده كعدمه.
2 . أي أولويّة غير متصوّرة.
3 . لا لأجل السبب أي مع قطع النّظر عن ملاحظة السّبب لأنّ المفروض وجود السّبب فيه .
4 . لأنّ الأولويّة قسمان أحدها على سبيل الوجوب وثانيها على سبيل الأولويّة أيضاً .
5 . فعلم انّ المراد بالأولويّة إنّما هو على سبيل الأولويّة أيضاً .
6 . الطّرف الآخر.


صفحه 366

وهاهنا يجوز أن يكون طريان الطّرف المقابل ممكناً نظراً إلى ذات الممكن، وممتنعاً نظراً إلى الرّجحان الّذي اقتضته الذّات، فيكون الذّات بواسطة ذلك الرّجحان يقتضي الوجوب والواجب على ما خرج من القسمة ما يجب وجوده من غير التفات إلى غيره، فما يجب وجوده نظراً إلى الغير الّذي هو الرّجحان لا يكون واجباً.

وأيضاً السّبب إنّما يجعل مسبّبه أولى إذا كان واقعاً، إذ لو اقتضى ذات السّبب مع قطع النّظر عن وقوعه أولويّة المسبّب لكان كلّ واحد من طرفي الممكن أولى في زمان واحد ضرورة احتياجهما إلى سبب، وذلك محال.

وحينئذ نقول: جاز أن لا يقع سبب الطّرف المرجّح أصلاً، فلا يصير المرجوح أولى، فلا يزول الاولويّة المستندة إلى الذّات.

لا يقال: يكفينا إمكان وقوع السبّب(1)، فإنّه يستلزم إمكان زوال ما بالذّات، وهو أيضاً محال.

لأنّا نقول: نمنع إمكان سبب الممكن، فإنّه كما جاز أن يكون علّة الممكن واجبة بالذّات، جاز أن تكون ممتنعة بالذّات كعدم الواجب بالنّسبة إلى عدم العقل الأوّل .

قلنا: نختار أوّلاً: انّ المراد إمكان الطريان(2) وعدمه بالنّظر إلى ذات الممكن.

ونقول: ذات الممكن يقتضي الأولويّة على سبيل الوجوب حيث


1 . في طرف المرجوح .
2 . الآخر.


صفحه 367

فرضناها كافية في اقتضاء الأولويّة، فلا يجوز تخلّف الرّجحان عن الذّات. فإنّه لو جاز تخلّفه عنها: فإمّا بلا سبب فيلزم ترجح المرجوح بلا سبب، أو بسبب، فَلِعدم هذا السّبب دخلٌ في ذلك الرّجحان، فلم يكن الذّات كافية فيه، هذا خلف.

ونختار ثانياً: أنّ المراد إمكان الطريان وعدمه في نفس الأمر.

ونجيب عن الاعتراض الأوّل: بأنّ الذّات مع الرّجحان المستند إليها(1) إذا كان مقتضية لوجوب الوجود كانت مبدءاً لاستحالة انفكاك الوجود عنها، ولا نعني بالوجوب إلاّ هذا، ولا يقدح في ذلك اعتبار الواسطة إذا كانت مستندة إليها.

وعن الإعتراض الثّاني: بأنّ الطّرف المرجوح إذا كان ممكناً، كان له سبب قطعاً، سواء كان ممكناً أو ممتنعاً، فيتوقف أولويّة الطّرف الرّاجح على عدم ذلك السبّب، فلا يكون الذّات كافية فيها.

فإن قيل: فالأولويّة المنفيّة كما ذكرت هي الأولويّة الّتي تكون الذّات كافية فيها، وتكون تلك الأولويّة كافية في وقوع الممكن.

وحينئذ فلقائل أن يقول: يجوز أن يكون هاهنا أولويّة لا يكون الذّات كافية فيها، بل تحتاج في اقتضائها إلى عدم سبب الطّرف المرجوح، أو يكون الذّات كافية فيها، ولا يكون هي كافية في الوقوع، بل يحتاج الوقوع إلى العدم المذكور، ونفرض على أيّ التقديرين أن يكون الطّرف الأولى هو الوجود، وإن ليس هناك سبب للعدم، فيوجد الممكن من غير حاجة إلى مؤثّر موجود، فينسد باب إثبات الصّانع كما في صورة الأولويّة الكافية.


1 . ب و ج: «إليه» .


صفحه 368

قلت: الذّات إذا كانت غير كافية في الأولويّة أو الأولويّة غير كافية في الوقوع، لم يكن مبدءاً فعليّة الطرف الأولى من الذّات، فوقوع الأولى إذا كان هو الوجود يحتاج إلى فاعل موجود بالضّرورة، كما إذا لم يكن هناك أولويّة أصلاً .

فظهر أيضاً أنّ بعد نفي الأولويّة الكافية يكون طرفا الممكن متساويين في الحاجة إلى العلّة، ولا أثر لفرض الأولويّة إذا لم تكن كافية في انتفاء التّساوي.

فثبت مذهب الجمهور من أنّ طرفي الممكن بالنّظر إلى ذاته على السّواء، أي في الوقوع والحاجة إلى علّة في الوقوع، سواء فرض هناك أولويّة بالنّظر إلى ذات الممكن غير كافية في الوقوع أو لا، هذا.

ثمّ اعلم: أنّ سيد المدقّقين أخذ الأولويّة الذّاتية على وجه آخر، وهو أنّه كما أنّ الواجب والممتنع ما يجب الوجود أو العدم بالقياس إليه نفسه، لا ما يقتضي ذاته، وجوب أحدهما كذلك.

يقول الخصم: إنّ الممكن موجود، لأنّ الوجود أولى وأليق به بالنّظر إلى ذاته من العدم في نفس الأمر، من غير أن يكون هناك علّية واقتضاء من الذات، وحينئذ لا يمكن إبطال هذا الاحتمال بالدّلائل المشتملة على حديث الاقتضاء والعلّية إلاّ بعناية كما قيل.

وهي أن يقال: لمّا وجب كون الذّات كافية لوقوع الأولويّة والأولويّة كافية لوقوع الطّرف الرّاجح، سواء كانت الكفاية على سبيل العلّية أو الاستصحاب.

فنقول: إن امتنع الطّرف الآخر نظراً إلى الذّات، لزم خلاف الفرض، وإن جاز نظراً إليها يلزم جواز تخلّف ما يكفي الذّات في تحقّقه عن الذّات، وذلك


صفحه 369

محال كتخلّف المقتضى عن المقتضي، فإنّ ذلك إنّما يستحيل لأنّ المقتضي إذا كان تامّاً في الاقتضاء كان كافياً في وقوع المقتضى .

والأوجه في إبطاله: هو أنّ الحصول من دون الاقتضاء مطلقاً ممّا لا معنى له، وقياسه(1) على الواجب ليس بصحيح، فإنّ الوجود في الواجب عين ذاته، فلذلك لا يمكن أن يكون هناك اقتضاء وعلّيّة.

وأمّا هاهنا، فلا يمكن كون الوجود الأولى عين ذات الممكن، وإلاّ فيستحيل انفكاكه عنه، فلا يكون أولى، بل واجباً كما لا يخفى.


1 . الممكن .


صفحه 370

 

المسألة الرّابعة والعشرون

في أنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد(1)

قال: ولا تكفي الخارجيّةُ لأنّ فرضها لا يُحيل المقابلَ، فلابدّ من الانتهاء إلى الوجوب .

وهو سابق ويلحقه وجوب آخرُ لا يخلو عنه قضيةٌ فعليّة .

والإمكان لازم وإلاّ تجب الماهيّة أو تمتنع .

ووجوبُ الفعليات يُقارنه جوازُ العدم، فليس بلازم .

ونسبةُ الوجوب إلى الإمكان نسبةُ تمام إلى نقص .

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ الممكن ما لم يجب وجوده من العلّة لم يوجد.

وكذا ما لم يجب عدمه من العلّة لم يعدم.

وإليه أشار المصنّف بقوله: ولا تكفي الخارجيّة ; أي لا يكفي الأولويّة النّاشئة من العلّة الخارجيّة عن ذات الممكن في وقوع أحد طرفيه اللّذين هما الوجود والعدم، بل ما لم يجب أحدهما من العلّة لم يقع.

وهذا إشارة إلى أنّ الأولويّة الخارجيّة متصوّرة لكنّها ليست بكافية في


1 . راجع لمزيد التحقيق الكتب التالية: النجاة: 2 / 78 ـ 79 ; والمباحث المشرقية: 1 / 131 ـ 132 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 150 ـ 153 ; والأسفار: 1 / 221 ـ 230 .


صفحه 371

الوقوع، بخلاف الأولويّة الذاتيّة، فإنّها لم تكن متصوّرة .

أمّا أنّ الأولويّة الخارجيّة متصوّرة، فلأنّها لو فُرِضَت وفُرض وقوع الممكن بمجرّدها لا يلزم الانقلاب، ولا زوال ما بالذّات، فإنّه حينئذ(1) لو لم يمكن طريان الطّرف الآخر لم يلزم أن تكون الأولويّة وجوباً أي وجوباً ذاتيّاً، فلم يلزم الانقلاب، إذ الوجوب الغيري لا ينافي الإمكان الذّاتي كما مرّ، وإن أمكن لم يلزم جواز ما بالذّات، بل زوال ما بالغير بغير آخر ولا امتناع فيه .

وأمّا أنّها ليست بكافية، فلما أشار إليه المصنّف بقوله: لأنّ فرضها لا يحيل المقابل ; أي لأنّ فرض(2) الأولويّة الخارجيّة لأحد الطرفين لا يجعل(3) الطّرف المقابل للأولى محالاً ممتنع الوقوع وإلاّ لم يكن أولويّة خارجيّة، بل وجوباً بالغير، فيمكن مع تلك الأولويّة وقوع الطّرف المقابل كما يمكن وقوع الطرف الأولى، فالوقوع مع تلك الأولويّة واللاّوقوع معها كلاهما متساويان.

فإنّ الأولويّة قد اعتبرت مع الذّات في كلا الطرفين، فلا يتعيّن أحدهما بها، مثلاً الممكن الأولى الوجود يمكن عدمه كما يمكن وجوده، فليس أحدهما راجحاً على الآخر، فلو فرض وقوع الوجود بمجرّد تلك الأولويّة المأخوذة مع الذّات يلزم ترجّح أحد المتساويين بلا مرجّح، ولو فرض وقوعه بمرجّح آخر غيرها نقلنا الكلام إليه.


1 . أيّ حين فرض وقوع الممكن بمجردها مع فرض عدم طريان طرف المقابل لم يلزم صيرورة تـلك الأولـويّة وجوباً ذاتيّاً، بل تكون تلك الأولويّة في هذة الحالة وجوباً غيريّاً، فلم يلزم الانقلاب .
2 . وقوع .
3 . وقوع .


صفحه 372

فلابدّ من الانتهاء إلى الوجوب; أي إلى مرجّح يجب به وجود الممكن مثلاً لئلاّ يلزم التّسلسل، على أنّا نقول مع جميع تلك المرجّحات المتسلسلة الغير المتناهية، إمّا أن يجب وجود الممكن وهوالمطلوب، أو لا، فيلزم التّرجّح من غير مرجّح. فظهر أنّ الممكن ما لم يجب أحد طرفيه لم يمكن وقوعه، وهو المطلوب.

قال المحقّق الشّريف: وقد يمنع الاحتياج إلى مرجّح، لِم لا يكتفي في وقوع الطرف الرّاجح رجحانُهُ الحاصل من تلك العلّة الخارجيّة؟

وليس هذا بممتنع بديهة، إنّما الممتنع بديهة وقوع أحد المتساويين أو المرجوح. انتهى .

وأنت بما قرّرناه(1) خبير بسقوط هذا المنع رأساً.

ثمّ قال(2): فالأولى أن يقال: العلّة الّتي يقع بها الوجود لا بدّ أن يتعيّن الوجود بها، إذ لو لم يجب لجاز الوجود والعدم معها، فلنفرض معها الوجودفي وقت ; والعدم في وقت آخر، فاختصاص أحدهما بالوقوع إن لم يكن لمرجّح لم يوجد في الوقت الآخر، يلزم ترجّح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجّح.(3)

واعترض عليه المحقّق الدّواني: «بأنّ الممكن ما يكون وجوده وعدمه


1 . بقوله: لأنّ فرض الأولويّة الخارجيّة لأحد الطّرفين لا يجعل الطّرف المقابل للأولى محالاً ممتنع الوقوع الخ .
2 . المحقق الشّريف .
3 . لاحظ : شرح المواقف: 3 / 169 ـ 170 .


صفحه 373

نظراً إلى ذاته جائزاً، لا ما يجوز وجوده تارة وعدمه أُخرى فإنّه قد يمتنع ذلك مع كونه ممكناً كما في الزّمان.

وعلى تقدير تسليم ذلك(1) يمكن أن يقال: إنّه ممتنع بالنّظر إلى الرّجحان الناشئ من العلّة، لأنّ ذلك الرّجحان لمّا كان حاصلاً في جميع ذلك الوقت امتنع تخصيص بعضه بالوجود والآخر بالعدم من دون مرجّح آخر »(2).

أقول: هذا وارد على ذلك التقرير، لكن لو قرّرنا بأنّه لو لم يجب لجاز الوجود والعدم معها ; فيمكن أن يقع بدل الوجود العدم، فاختصاص أحدهما بالوقوع يحتاج إلى مرجّح آخر لتَمّ، ولم يرد عليه ذلك.

واعلم: أنّ هذا الدّليل(3) النّافي للأولويّة الخارجيّة ينفي الأولويّة الذاتيّة أيضاً لو كانت متصوّرة كما لا يخفى .

وهو سابق ويَلحقه وجوب آخر لا يخلو عنه قضيّة فعليّة; يعني أنّ كلّ ممكن فهو محفوف بوجوبين:

أحدهما: سابق على وجوده أو عدمه وهو الوجوب المذكور ـ أعني: الّذي بيَّنا ـ أنّ الممكن ما لم يجب وجوده أو عدمه عن العلّة لم يقع .

وثانيهما: وجوب لاحق بعد حصول الوجود أو العدم بالفعل، وهو الّذي يقال له الوجوب بشرط المحمول أو عدمه ولا يمكن أن يخلو عن هذا الوجوب قضيّة فعليّة(4)، فإنّ كلّ شيء حمل عليه شيء آخر، فهو واجب بثبوت


1 . أي بعد تسليم جواز وقوعه تارة وعدمه أُخرى بالنّظر إلى ذات الممكن.
2 . لاحظ : حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: 40 .
3 . أي لابدّ من الانتهاء إلى الوجوب .
4 . مثلاً انّ الحكم بوجود المشي للإنسان يكون واجباً ما دام المشي موجوداً له، وهذه الضّرورة تسمّى ضرورةً بحسب المحمول ولا يخلو عنها قضيّة فعليّة.


صفحه 374

هذا المحمول بشرط هذا المحمول بالضرورة، فموضوع هذين الوجوبين ليس واحداً بالحقيقة، بل موضوع السّابق هو الماهيّة غير مأخوذة مع الوجود والعدم، وموضوع اللاّحق هي مأخوذة مع أحدهما، فهما متغايران تغاير البسيط والمركّب.

فإن قيل: كيف يتصوّر سبق وجوب الممكن على وجوده(1)، وهو قبل وجوده معدوم، فيكون ممتنعاً بالغير، وبين الامتناع بالغير والوجوب بالغير منع الجمع كما تبيّن؟

أُجيب: بأنّ سبق الوجوب على الوجود سبق بالذّات لا بالزّمان، فليس الوجوب إلاّ في زمان الوجود، والامتناع إلاّ في زمان العدم، فلا اجتماع.

فإن قيل: سبق الوجوب على الوجود بالذّات أيضاً غير متصوّر، لأنّه :

إمّا أن يراد به احتياج الوجود إليه في الخارج، فهو باطلٌ، لأنّهما ليسا متميزين في الخارج، ليتصوّر توقف أحدهما على الآخر، ولو فرض، فالوجوب يتوقّف على الوجود، لكونه صفة له متأخّرة عنه .

أو في الذّهن، وهو أيضاً باطلٌ، لظهور إنّه لا يتوقّف تعقّل الوجود على تعقّل الوجوب، بل ربّما يكون بالعكس.

أُجيب: بأنّ المراد السّبق بمعنى الاحتياج في اعتبار العقل عند ملاحظة هذه المعاني واعتبار التّرتيب(2) فيما بينها، فإنّ العقل يحكم قطعاً بأنّه مالم يتحقّق علّة الممكن لم يجب هو وما لم يجب لم يوجد .


1 . مع انّ الشّيء مالم يجب لم يوجد.
2 . أيّ تقدم الوجوب على الوجود لأنّه ما لم يجب لم يوجد.


صفحه 375

فإن قيل: حكم العقل بهذا التّرتيب باطل، لأنّه لا وجوب بالنّسبة إلى العلّة النّاقصة ; بل التّامّة، والوجوب إذا كان ممّا يتوقّف عليه الوجود كان جزء من العلّة التّامّة، فيكون متقدّماً عليها لا متأخّراً.

أُجيب: بأنّ جزء العلّة التّامّة ما يتوقف عليه المعلول في الخارج لا في اعتبار العقل، ولو سلّم، فالوجوب يعتبر بالنّسبة إلى علّة ناقصة هي جميع ما يتوقّف عليه الوجود سوى الوجوب.

فإن قيل: ما ذكرتم من كون وجود الممكن مسبوقاً بالوجوب لا يصحّ فيما يصدر عن الفاعل المختار، لأنّ الوجوب ينافي الاختيار وحينئذ ينتقض دليلكم.

أُجيب: بأنّ الاختيار إذا كان من تمام العلّة لم يتحقّق الوجوب إلاّ بعد تحقّق الاختيار، وكون المعلول واجباً بالاختيار لا ينافي كونه مختاراً، بل يحقّقه .

والإمكان لازمٌ وإلاّ يجب الماهيّة أو يمتنع ; أي الإمكان لازم لماهيّة الممكن غير منفكّ عنها، وإلاّ لزم صيرورة الماهيّة واجبةً بالذّات أو ممتنعةً بالذّات، لامتناع الخلوّ بين الثّلاثة، فيلزم الانقلاب، بخلاف الوجوب والامتناع الغيريّين(1)، فإنّهما منفكّان لا محالة بزوال الغير .

وهذه مسألة على حدة أوردها في خلال مسألة وجوب الممكن لئلاّ يتوّهم أن عند عروض الوجوب يرتفع الإمكان.

وقد يستدلّ على ذلك:(2) بأنّ الإمكان لو لم يكن لازماً لماهيّة الممكن، بل يكون حادثاً بعد ما لم يكن، فإن كان حدوثه لها لأمر يقتضيه، فيكون الإمكان


1 . وقد بيّن امتناعه في المسألة التاسع عشرة.
2 . أي على كون الإمكان لازماً لماهيّة الممكن.


صفحه 376

ممكناً في نفسه لحدوثه، واستناده إلى الغير، فيكون للإمكان إمكان ويتسلسل، وإن لم يكن حدوثه لأمر يقتضيه، بل جاز حدوثه لا لعلّة، يلزم انسداد باب إثبات الصّانع.

وأيضاً أنّ توقّف حدوثه للماهيّة على حادث آخر يتسلسل وإلاّ فاختصاص الحدوث بوقت دون غيره ترجّح بلا مرجّح.

قال صاحب المواقف: والحقّ أنّ الدعوى أظهر من هذين الدّليلين، وربّما يشكل على لزوم الإمكان لماهيّة الممكن، بأنّ حدوث العالم غير ممكن في الأزل لدلائل الحدوث، ثمّ يصير ممكناً فيما لا يزال، فثبت حدوث الإمكان بعد ما لم يكن. وأيضاً يحدث امتناع المقدوريّة للممكن بعد الوجود، لامتناع تحصيل الحاصل(1).(2)

والجواب عن الأوّل(3): أنّ أزليّة الإمكان ثابتة، وهي غير إمكان الأزليّة، وغير مستلزمة له. وذلك لأنّا إذا قلنا إمكانه أزليٌّ، أي ثابت أزلاً، كان الأزل ظرفاً للإمكان، فيلزم أن يكون ذلك الشّيء متّصفاً بالإمكان اتّصافاً مستمرّاً غير مسبوق بعدم الاتّصاف.

وهذا هو الّذي يقتضيه لزوم الإمكان لماهيّة الممكن، وهو ثابت للعالم.

وإذا قلنا أزليّته ممكنة، كان الأزل ظرفاً لوجوده على معنى أنّ وجوده المستمر الّذي لا يكون مسبوقاً بالعدم ممكن.


1 . فيلزم انفكاك الإمكان عن الماهيّة بعد الوجود .
2 . انظر : المواقف في علم الكلام: 74 .
3 . لاحظ: شرح المواقف: 3 / 174 ـ 176 .


صفحه 377

ومن المعلوم أنّ الأوّل لا يستلزم الثّاني، لجواز أن يكون وجود الشّيء في الجملة ممكناً إمكاناً مستمراً، ولا يكون وجوده على وجه الاستمرار ممكناً أصلاً، بل ممتنعاً، ولا يلزم منه كون ذلك الشّيء من قبيل الممتنعات، لأنّ الممتنع هو الّذي لا يقبل الوجود بوجه من الوجوه .

وقال شارح المواقف: «هذا هو المسطور في كتب القوم، ولنا(1) فيه بحث، وهو أنّ إمكانه إذا كان مستمرّاً أزلاً (2) لم يكن هو في ذاته مانعاً(3) من قبول الوجود في شيء من أجزاء الأزل، فيكون عدم منعه منه أمراً مستمرّاً في جميع تلك الأجزاء (4).

فإذا نظر إلى ذاته من حيث هو، لم يمنع من اتّصافه بالوجود في شيء منها، بل جاز اتّصافه به في كلّ منها لا بدلاً فقط، بل معاً أيضاً. وجواز اتّصافه به في كلّ منها هو إمكان اتّصافه بالوجود المستمرّ في جميع أجزاء الأزل بالنّظر إلى ذاته، فأزليّة الإمكان مستلزمة لإمكان الأزلية.

نعم، ربّما امتنعت بسبب الغير، وذلك لا ينافي الإمكان الذّاتي. انتهى»(5) .

فالحقّ في الجواب: هو التزام إمكان الأزليّة للعالم إمكاناً ذاتيّاً، وذلك لا ينافي الحدوث الثّابت له لمانع غير الذّات.


1 . أي لشارح المواقف .
2 . أي إذا كان جميع أجزاء الأزل ظرفاً للإمكان.
3 . أي يكون الأزل ظرفاً لعدم المنع .
4 . يعني إذا كان الأزل ظرفاً لعدم المنع يكون عدم منعه مستمرّاً في جميع أجزاء الأزل بحيث لا يشدّ منها جزء فيكون الأزل ظرفاً لاستمرار عدم منعه.
5 . شرح المواقف: 3 / 174 ـ 176 .


صفحه 378

والجواب عن الثّاني(1): أنّ كون المقدور مقدوراً، أمر اعتباري، لا يوصف بإمكان الوجود حتّى يتصوّر زواله، وإن وصف بالإمكان من حيث وقوعه صفة لغيره، فما عرض له من الامتناع غير الامتناع الذّاتي، بل هو امتناع ناش من أخذ الوجود مع المقدور، فلا ينافي الإمكان الذّاتي .

ووجوب الفعليّات يقارنه جواز العدم; أي الممكن الواجب بشرط المحمول لبقائه على طبيعة الإمكان ولا منافاة، لأنّ الوجوب ناش من الشّرط والإمكان حال للماهيّة من حيث هي لا بشرط.

وهذا دفع لتوهم المنافاة بين الوجوب اللاّحق والإمكان، كما أنّ الأوّل لدفع توهم المنافاة بين الوجوب السّابق والإمكان، فتدبّر .

فهذا الحكم مختصّ من بين الفعليّات بالممكن بقرينة المقام، فلا يرد أنّ قولنا: «واجب الوجود موجود» قضيّة فعليّة لا يخلو عن الوجوب اللاّحق، مع أنّه لا يقارنه جواز العدم.

والمراد بالعدم في قوله: «جواز العدم »: إمّا عدم الوجود لكون الوهم المذكور ممّا يتأتّى في جانب الوجود دون العدم، أو لأنّ حال العدم يعرف بالمقايسة.

وإمّا عدم المحمول سواء كان وجوداً أو عدماً .

فيكون قوله: وليس بلازم; تأكيداً لمقارنة جواز العدم; أي ليس وجوب الفعليّات لازماً لماهيّة الممكن، لأنّ وجوب الفعليّات لا محالة وجوب بالغير.

وقد عرفت أنّه غير لازم .


1 . لاحظ: شرح المواقف: 3 / 178 .


صفحه 379

وعلى الأوّل:(1) يكون تأسيساً(2)، لأنّ الوجوب أعمّ من وجوب الوجود ووجوب العدم، ومن مقارنة جواز عدم الوجود، لا يلزم جواز عدم الوجوب الّذي هو أعمّ.

ويدلّ على الأوّل قوله(3): ونسبةُ الوجوب إلى الإمكان نسبة تمام إلى نقص، فإنّ التمام والكمال إنّما يطلق في جانب الوجود ولم يتعارف إطلاقه على العدم. ولذلك قالوا: الوجوب إنّما هو تأكّد الوجود وقوّته، والإمكان ضعفه، فإمكان الوجود نقص في الوجوب، ووجوب الوجود تمام وكمال فيه، لأنّ الممكن في حدّ الإمكان موجود بالقوّة. فإذا وجب، صار موجوداً بالفعل.

والغرض من هذا الكلام تحقيق نفي المنافاة بين الإمكان الذّاتي والوجوب الغيري، فليتدبّر.


1 . أيّ عدم الوجود .
2 . لا تأكيداً .
3 . أيّ المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 380

 

المسألة الخامسة والعشرون

في الإمكان الاستعدادي

قال : والاستعدادي قابل للشدّة والضّعف ويعدم ويوجد للمركّبات وهو غير الإمكان الذّاتي.

أقول: اعلم، أنّ لفظ الإمكان قد يطلق على معنى آخر غير المذكور(1)، وهو تهيّؤ الشّيء لصيرورته شيئاً آخر، كتهيّؤ النّطفة لصيرورتها إنساناً وتهيّؤ الطّفل لصيرورته كاتباً.

وهذا المعنى له نسبة إلى الشّيء الأوّل ونسبة إلى الشّيء الثّاني.

فبالاعتبار الأوّل: يقال له الاستعداد، فيقال: إنّ النّطفة مستعدّة لأن تصير إنساناً.

وبالاعتبار الثّاني: يقال له الإمكان الاستعدادي، والإمكان الوقوعي أيضاً، فيقال: إنّ الإنسانيّة يمكن أن توجد في النّطفة، ولا يمكن أن توجد في المُدرة.(2)

ولو قيل: إنّ النّطفة يمكن أن تصير إنساناً ; كان معناه ما ذكرناه.

وهذا(3) ـ أعني: كون الإنسان ممكناً أن يوجد في النّطفة ـ غير الإمكان


1 . أي غير المعاني المذكورة.
2 . المَدَرُ: قِطَعُ الطّين اليابس. لسان العرب: مادة «مدر».
3 . أيّ الاعتبار الثّاني .


صفحه 381

الذّاتي للإنسان، فإنّ معنى ذلك ، أنّ وجود الإنسان قد صار بعض شرائطه متحقّقاً وبعض موانعه مرتفعاً .

وليس ذلك(1) بمعتبر(2) في الإمكان الذّاتي، فإنّ الإمكان الذّاتي للإنسان بالنّسبة إلى النّطفة والمُدْرة على السّواء، بخلاف الإمكان الاستعدادي، فإنّ الإمكان الاستعدادي إمكان ذاتي مأخوذ مع تحقّق بعض الشّرائط وارتفاع بعض الموانع فيغايره لا محالة مغايرة الكلّ للجزء.

فقول المصنّف (رحمه الله): والاستعداد; إشارة إلى الإمكان الاستعدادي، بأن يراد نسبة الاستعداد إلى المستعدّ له لا إلى المستعدّ، قابل للشّدّة والضّعف، لأنّ تحقّق بعض الشّرائط وانتفاء بعض الموانع ممّا يختلف كثرة وقلّة، فإنّ إمكان الإنسانيّة للنّطفة أشدّ من إمكانها للغذاء، وأضعف من إمكانها للمُضْغَة.

وكذا إمكان الكتابة للطّفل أشدّ من إمكانها للجنين وأضعف من إمكانها للمُتَرعِرع.(3)

وهو(4) صفةٌ وجوديّةٌ من شأنها العدم بعد الوجود، والوجود بعد العدم، كما أشار إليه بقوله: ويعدم ; أي بعد إن كان موجوداً: إمّا بحصول الشّيء بالفعل، وإمّا بانتفاء الأسباب وعروض الموانع.

ويوجد، بعد أن كان معدوماً بحدوث بعض الأسباب، وانتفاء بعض الموانع .

وقوله: للمركّبات: إشارة إلى أنّ كلّ ما له إمكان استعدادي، فلابدّ أن


1 . أي ارتفاع بعض الموانع وتحقّق بعض الشّرائط .
2 . لأنّ الإمكان الذّاتي مقدم على الإمكان الاستعدادي، كتقدّم الجزء على الكلّ .
3 . أيّ من كان قريباً على حدّ البلوغ .
4 . أيّ الإمكان الاستعدادي.


صفحه 382

يكون مركّباً بوجه، لأنّ كلّ ما له إمكان الوجود في الغير إمّا صورة وإمّا عرض، فيكون ماديّاً محتاجاً إلى المادّة بالمعنى الأعمّ الشّامل للموضوع، بل المتعلّق أيضاً كالبدن للنّفس، وكلّ مادّي ولو بالمعنى الأعمّ مركّب، ولو بوجه ما، فلا يقدح في حصر الاستعداد على المركّبات ثبوت الاستعداد في النّفوس، وسائر الصّور والأعراض، هذا إذا كان المراد من قوله: «للمركّبات»، أنّ الاستعداد استعداد لها، أمّا إذا كان المراد أنّ محلّه(1) ومعروضه المركّبات، كما قيل، فلا إشكال، إلاّ أن يقال: لاشك أنّ النّفس موضوع للأعراض ومحل لاستعدادها مع عدم تركّبها، فيرجع في الجواب عن ذلك إلى ما ذكرنا، فليتفطّن.

وما قيل(2)، من أنّه(3) أراد بها التّمثيل لا الحصر، فإنّ الحكماء وإن زعموا أنّ الإمكان الاستعدادي لا يكون إلاّ لما له مادّة، وكلّ مادّي مركّب لكن المصنّف سيبطله.

فأورد عليه: أنّ ما سيبطله المصنّف، هو افتقار الحادث إلى المادّة، ولا يلزم منه إثبات الإمكان الاستعدادي بدون المادّة، إذ الحوادث عند المصنّف كما لا يحتاج إلى المادّة، لا يحتاج إلى الاستعداد، فلعله إنّما يتحقّق الاستعداد عنده في بعض الحوادث وهو غير الإمكان الذّاتيّ لما عرفت، ولكونه صفة وجوديّة قابلة للشدّة والضّعف، بخلاف الإمكان الذّاتي.

وأيضاً الإمكان الاستعدادي، قائم بمحلّ الممكن، فإنّ استعداد الصّورة الإنسانيّة قائم بالنّطفة، بخلاف الإمكان الذّاتي.


1 . أي الاستعداد.
2 . القائل هو الشارح القوشجي، لاحظ : شرح تجريد العقائد: 41 .
3 . المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 383

 

المسألة السّادسة والعشرون

في القدم والحدوث (1)

وفيها مباحث:

المبحث الأوّل

في حقيقة الحدوث والقدم وأقسامهما

قال : والموجود إن أُخذ غيرُ مسبوق بغيره أو بالعدم، فقديمٌ وإلاّ فحادثٌ .

أقول: إنّ هذه المسألة في تقسيم الوجود بحسب اتّصافه بالحدوث والقدم، فإنّ المتّصف بهما بالذّات هو الوجود، وأمّا الموجود، فباعتباره وبالعرض.

اعلم: أنّ حقيقة الحدوث والقدم عند الحكماء هي مسبوقيّة الوجود


1 . راجع في ايضاح المقام الكتب التالية: إلهيّات الشّفاء: 1 / 163 / الفصل الأوّل من المقالة الرّابعة; والقبسات: القبس الأوّل والثّاني والثّالث; والنجاة: 2 / 69 ـ 75 ; ونقد المحصّل: 122 ـ 128 ; والمعتبر في الحكمة: 3 / 41 ـ 48 / الفصل التّاسع; والمباحث المشرقيّة: 1 / 123 / الباب الخامس من الكتاب الأوّل; وكشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 67 ـ 72 ; وايضاح المقاصد: 88 / البحث الخامس من المقالة الأُولى ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 217 ـ 263 ; والأسفار: 3 / 244 / المرحلة التّاسعة.


صفحه 384

بالعدم، كما هو المتبادر من لفظ الحدوث عرفاً، وعدم مسبوقيّته به، وكلّ منهما زمانيّ وذاتيّ.

فالحدوث الزّماني: هو مسبوقيّة وجود الممكن بعدمه المقابل له، وهو العدم الّذي يحصل للممكن من عدم علّته التّامة، كما أنّ وجوده يحصل له من وجود علّته التّامة ويقال له: العدم الواقعي.

وقد يقال له: العدم الزّماني أيضاً، لأنّ من شأنه أن يحصل في زمان، لا أنّه لا يكون إلاّ في زمان.

والقدم الزّماني: ما يقابله، أعني: عدم مسبوقيّة الوجود بالعدم المقابل له لا مطلقاً .(1)

والحدوث الذّاتي: هو مسبوقيّة الوجود بالعدم الغير المقابل للوجود، وهو العدم الذّاتي المجامع للوجود الحاصل للممكن من العلّة، وهو عبارة عن عدم اقتضاء الذّات للوجود .

وقد يقال له: لا استحقاقيّة الذّات للوجود عن ذاتها، وهو من لوازم الممكن .

والقدم الذّاتي: ما يقابله وهو مختصّ بالواجب الوجود لذاته، ولمّا كان المتبادر من العدم عرفاً، العدم المقابل للوجود، أعني: العدم الزّماني بالمعنى المذكور.

خصّ المتأخّرون تفسير القدم والحدوث، بعدم المسبوقيّة بالعدم


1 . سواء كان العدم مقابلاً للوجود أم لا.


صفحه 385

والمسبوقيّة به بالزّمانيين، وفسّروا الذّاتيين بعدم المسبوقيّة بالغير والمسبوقيّة به.

وهذان مساوقان لعدم المسبوقيّة بالعدم الذّاتيّ والمسبوقيّة به، لأنّوجود الممكن كما هو مسبوق بالعدم الذّاتي كذلك مسبوق بالعلّة أيضاً وبالعكس.

وعلى هذا، فمطلق الحدوث والقدم(1)، مفسّر بعدم المسبوقيّة بالغير في الجملة(2). وبالمسبوقيّة به كذلك، فإن كان الغير عدماً، فالزّمانيّان وإن كان مطلقاً فالذّاتيان.

وأمّا من قال: إنّ الحدوث هو المسبوقيّة بالعدم، فإن كان السّبق(3) سبقاً بالذّات فالذّاتيّ، وإن كان(4) بالزّمان فالزّمانيّ(5)، فالظّاهر أنّه أراد بالعدم أعمّ من الذّاتيّ والزّمانيّ، إلاّ أنّه جعل سبق الذّاتيّ بالذّات، وسبق الزّمانيّ بالزّمان.

وأمّا ما أورد عليه: من أنّ العدم لا تقدّم له بالذّات على الوجود وإلاّ كان علّة له أو جزء علّة، ولا يمكن ذلك في الممكنات المستمرّة الوجود أزلاً عندهم مع كونها محدثة حدوثاً ذاتيّاً، فسيأتي عن قريب تحقيق ذلك إنشاء الله تعالى.

وأمّا المتكلّمون، فلا يُطِلقون الحدوث إلاّ على مسبوقيّة الوجود بالعدم المقابل له، ولا يعتبرون العدم الذّاتي في الحدوث مطلقاً،(6) ولا يُقسّمِون


1 . كانا ذاتيين أو زمانيين .
2 . سواء كان ذلك الغير هو العدم أو غيره.
3 . أي سبق العدم على الوجود إن كان بالذّات فذاتي.
4 . العدم .
5 . أي الحدوث الزمانيّ.
6 . سواء كان حدوثـاً ذاتيّاً أم زمانيّاً.


صفحه 386

الحدوث إلى الذّاتيّ والزّمانيّ، بل يحصرونه في الزّمانيّ، سواء سبق العدم على الوجود بالزّمان أو بالذّات على اصطلاحهم .

إذا عرفت ذلك فقول المصنّف: والوجود إن أخذ غير مسبوق بغيره أو بالعدم، فقديم وإلاّ فحادث ،(1) تفسير للقديم الذّاتيّ والزّمانيّ; وللحادث الذّاتيّ والزّمانيّ على رأي المتأخّرين.

فالقديم الذّاتيّ: هو الوجود الغير المسبوق بالغير مطلقاً، سواء كان عدماً أو غيره.

والقديم الزّمانيّ: هو الوجود الغير المسبوق بالعدم ; أي العدم الزّمانيّ بالمعنى الّذي عرفته .

والحادث الذّاتيّ: هو الوجود المسبوق بالغير مطلقاً، سواء كان عدماً أو غيره .

والحادث الزّمانيّ: هو الوجود المسبوق بالعدم بالمعنى الّذي عرفته، فتقدير الكلام، فقديم: إمّا ذاتيّ أو زمانيّ، وإلاّ فحادث، إمّا ذاتيّ أو زمانيّ.

ثمّ إنّ كلّ واحد من القدم والحدوث: قد يؤخذ حقيقيّاً، وهو الّذي قد مرّ ذكره، وقد يؤخذ إضافيّاً .

فالقدم الإضافيّ: كون ما مضى من زمان وجود شيء أكثر من ما مضى من زمان وجود شيء آخر.


1 . أي كلّ موجود: فإمّا أن يكون لوجوده أوّل، فيسمّى مُحدثاً، وإمّا أنْ لا يكون لوجوده أوّل، يسمّى قديماً وأزليّاً.


صفحه 387

والحدوث الإضافيّ: كونه أقلّ، فالقديم الذّاتي أخصّ من الزّماني، فإنّ كلّ ما ليس مسبوقاً(1) بالغير أصلاً ليس مسبوقاً بالعدم، ولا عكس(2) كصفات(3) الواجب تعالى عند القائلين بها(4)، والعقول المجرّدة والأفلاك وهيولى العناصر عند الحكماء.

والقديم الزّماني، أخصّ من الإضافي، فإنّ كلّ ما ليس مسبوقاً بالعدم،فما مضى من زمان وجوده يكون أكثر بالنّسبة إلى ما حدث بعده ولا عكس كالأب، فإنّه قديم بالنّسبة إلى الإبن، وليس قديماً بالزّمان .

والحدوث الذّاتي، أعمّ من الحدوث الزّماني، فإنّ كلّ مسبوق بالعدم، فهو مسبوق بالعدم .

وأمّا بين الحدوث الإضافي، والحدوث الزّماني، فمساواة، فإنّ كلّما كان زمان وجوده الماضي أقلّ، فهو مسبوق بالعدم، وكلّ مسبوق بالعدم، فزمان وجوده الماضي أقلّ من زمان وجود ما ليس مسبوقاً بالعدم.

وما يقال، في بيان أخصّيّة الحادث الإضافي من الحادث الزّماني، أنّ القديم الإضافي «كالأب» مقيساً إلى «ابنه» حادث زمانيّ لا محالة .

وليس من هذه الحيثيّة حادثاً إضافيّاً وإن كان حادثاً إضافيّاً من حيثيّة


1 . كما هو شأن القدم الذّاتي.
2 . الكلّي أي ليس كلّ ما ليس مسبوقاً بالعدم ليس مسبوقاً بالغير أصلاً كما في الحادث الذاتي.
3 . أي الصّفات الزّائدة على ذاته تعالى على مذهب الأشاعرة.
4 . القائلون بها، هم الأشاعرة والكرّاميّة لكن الكرّاميّة قائلون بحدوثها، والقائلون بقدمها، هم الأشاعرة. لكن بزيادتها على الذات .


صفحه 388

أُخرى، أي مقيساً إلى أبيه، فالأب مأخوذاً بتلك الحيثيّة هو مادّة افتراق الحادث الزّماني من الحادث الإضافي.

فأورد عليه: أنّ اعتبار الحيثيّة في بيان مادّة الافتراق تكلّفٌ غير متعارف، بل المتعارف فيه إنّما هو اعتبار الذّوات المتبائنة بالذّات لا بالحيثيات، كيف، ولو اعتبر ذلك، فليكن القديم الزّماني أيضاً من حيث عدم مقايسة إلى الحادث الزّماني، مادّة افتراق القديم الإضافي عن القديم الزّماني، فيختلّ النّسبة المذكورة بينهما. وكذا يمكن القدح في كثير من النّسب.


صفحه 389

المبحث الثّاني

في أقسام السّبق

قال: والسّبق ومقابلاه: إمّا بالعليّة، أو بالطّبع، أو بالزّمان، أو بالرّتبة الحسيّة، أو العقليّة، أو بالشّرف، أو بالذّات، والحصر استقرائيٌّ.

أقول: ولمّا كان السّبق معتبر في مفهوم القدم والحدوث وهو على معاني مختلفة مع كونه من عوارض الوجود والعدم، وكونه مسألة على حدة، أراد المصنّف إيراد ذلك في خلال مسألة القدم والحدوث، فقال: والسّبق ومقابلاه ; يعني التأخّر والمعية: إمّا بالعلّية (1)، أو بالطّبع(2)، أو بالزّمان(3)، أو بالرّتبة الحسّية،(4) أو العقليّة،(5) أو بالشّرف،(6) أو بالذّات(7)، فهذه معان ستّة للسّبق على ما اعتبره المتكلّمون.(8)


1 . كتقدّم العلّة التامّة على معلولها.
2 . كتقدّم الواحد على الاثنين.
3 . كتقدّم الأب على الابن.
4 . كتقدم الإمام على المأموم.
5 . كتقدم الجنس على النوع.
6 . كتقدم المعلم على متعلّمه.
7 . كتقدّم المؤِثّرِ على أَثَرِهِ .
8 . لاحظ : مناهج اليقين في أُصول الدّين ; المنهج الثاني / المبحث الأوّل ; مصارع المصارع: 152 / التقدم والتأخر والمعيّة ; ارشاد الطالبين: صفحة 149 وما بعدها; كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: الأصل الرابع; واللّوامع الالهيّة في المباحث الكلاميّة: اللاّمع الثالث / المبحث الخامس والسادس.


صفحه 390

 

أقسام السّبق على مذهب الحكماء

وقد خالفوا الحكماء في العدد بالسّادس وفي مفهوم الثّالث.

بيان ذلك: أنّ أقسام السّبق خمسة عند الحكماء (1) على ما هوالمشهور:

الأوّل: السّبق بالعلّيّة: وهو تقدّم الفاعل المُوجِب لوجود معلوله(2): إمّا بذاته، وإمّا باستجماعه لجميع ما يتوقّف عليه تأثيره، فهو لا ينفكّ عن وجود المعلول، لكن العقل يحكم بأنّ الوجود حاصل للمعلول من العلّة.

وليس حاصلاً للعلّة من المعلول كما في حركة «اليد» وحركة «المفتاح»، فهذا السّبق إنّما هو في العقل لكن بحسب الخارج، ويقال: له السّبق بالذّات أيضاً.

وما قال المحقّق الشّريف: من أنّ تقدّم العلّة التّامّة بالمعنى المركّب على المعلول نظرٌ، لأنّ مجموع المادّة والصّورة اللّتين من العلل هو عين ماهيّة المعلول، فلا يتقدّم عليه، وكذا المشتمل عليه .(3)

فمدفوع ; بالفرق بين مجموع الأجزاء(4) بمعنى المعروض لمعنى التّألّف


1 . لاحظ : منطق أرسطو: 1 / 70 ـ 73 ; ومنطق الشّفاء: 1 / المقولات / 265 ـ 273 / الفصل الرّابع من المقالة السّادسة; والتحصيل: 35 ـ 36 ; وكتاب المشارع والمطارحات: 302 ـ 307 / الفصل الأوّل من المشرع الثّالث ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 446 ـ 447 ; وشرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 110 ـ 113 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 253 ـ 258 .
2 . كتقدّم حركة الإصبع على حركة الخاتم، لأنّه لولا حركة اليد لم تحصل حركة الخاتم، فهذا التّرتّب العقلي هو تقدّم بالعليّة .
3 . لاحظ : شرح المواقف: 4 / 105 ـ 106 .
4 . كالكلّ المجموعي.


صفحه 391

والمعيّة من حيث هو معروض، لا المركّب من العارض والمعروض، فإنّه أمر ذهنيّ، لا محالة خارج عمّا نحن فيه، وبين الأجزاء بالأسر(1) فإنّ الأجزاء بالأسر مغاير لمجموع الأجزاء، إذ الأجزاء بالاَسر غير معتبرة مع الحيثيّة المعروضيّة لمعنى التّألف، بخلاف مجموع الأجزاء المعتبرة مع الحيثيّة المذكورة، كما أنّه مغاير للكلّ الأفرادي، فما هو عين الماهيّة، إنّما هو به مجموع الأجزاء من حيث هو معروض للاجتماع المخصوص، وما يتقدّم على الماهيّة، ويشتمل عليه العلّة التّامّة بالمعنى المركّب هو الأجزاء بالأسر ـ أعني: ما هو معروض للاجتماع مطلقاً ـ فلا اشكال أصلاً.

توضيحه: أنّ لأجزاء الماهيّة أربع اعتبارات:

أحدها: اعتبار كلّ جُزء جزء ـ أعني: مفاد القضيّة الكلّية ـ وهو المراد بالكلّ الأفرادي.

وثانيها: مجموع الأجزاء مع هيئة الاجتماع المخصوص العارض لها، الّذي هو أمرٌ عقليٌّ(2) ـ أعني: مجموع العارض والمعروض ـ وذلك المجموع أيضاً أمر عقليّ لا محالة.

وثالثها: مجموع الأجزاء لا مع الهيئة الاجتماعيّة المخصوصة، بمعنى مجموع العارض والمعروض، بل المعروض فقط، لكنّ من حيث هو معروض للهيئة الاجتماعيّة المخصوصة ; على أن يكون التقيّيد داخلاً والقيد خارجاً.

ورابعها: مجرد المعروض لا مع العارض ولا مع حيثيّة المعروضيّة.


1 . كالكلّ الأفرادي.
2 . أي من الأُمور الاعتباريّة والمعقولات الثّانويّة لأنّها من الطّبايع الّتي إذا فرض وجود فرد منها في الخارج تتولّد من ذلك الفرد، افراد من الطبيعة متسلسلة إلى غير النّهاية.


صفحه 392

وهذه الثّلاثة الأخيرة ; مشتركة في مطلق الاجتماع والمعيّة، بخلاف الاعتبار الأوّل ـ أعني: الكلّ الأفرادي ـ إذ ليس بمعتبر فيه ذلك أصلاً.

ومغايرةٌ في أنّ الأوّل منها معتبر مع الاجتماع المخصوص.

والثّاني من حيث الاجتماع المخصوص لا معه.

والثّالث لا مع الاجتماع المخصوص ولا من حيث الاجتماع المخصوص، بل إمّا مع الاجتماع مطلقاً.

وإمّا من حيث الاجتماع المخصوص مطلقاً، سواء كان هذا الاجتماع المخصوص أو غيره.

وهذا هو المراد من الأجزاء بالأسر.

فإن قلت: المعلول يتوقّف على الاجتماع المخصوص لا محالة، فهو أيضاً داخل في العلّة التامة وإن لم يكن داخلاً في المعلول،(1)فمجموع المادّة والصّورة من حيث الاجتماع المخصوص داخل في العلّة التّامّة، وهو بهذه الحيثيّة عين المعلول، فيعود الإشكال جزعاً.(2)

قلت: كون الاجتماع المخصوص داخلاً في العلّة التّامّة لا يستلزم كون مجموع المادّة والصّورة من حيث الاجتماع المخصوص داخلاً فيها ; كما لا يخفى على المتأمّل.(3)


1 . إذ المعلول عبارة عن مجموع المادّة والصّورة من حيث الاجتماع لا مع الاجتماع، فما هو داخل فيه هو التّقيد بالاجتماع المخصوص لا نفسه .
2 . جزع أي قطع، جزعت الوادي، إذا قطعته عرضاً. يقال: جزع له جزعة من المال، أي قطع له منه قطعة. لاحظ: النهاية في غريب الحديث: 1 / 260 ; الصحاح: مادة «جزع».
3 . فإنّ الاجتماع المخصوص أيضاً مأخوذ على وجه انّه واحد من الاحاد بالاسر.


صفحه 393

وقد يدفع الإشكال المذكور ; بالفرق بين المجموع معاً مجتمعاً، وبينه لا معاً بل منفرداً.

وتوضيحه: أنّ الحكم: قد يكون على كلّ واحد بحيث لا يصحّ على المجموع.

وقد يكون على كلّ واحد وعلى المجموع أيضاً، لكن لا معاً ; كالدّخول في الدّار لمجموع الإنسان.

وقد يكون على المجموع معاً، كالحكم على العسكر بفتح البلاد وكسر الأعداء أو غير ذلك. فمجموع المادّة والصّورة، إن أخذ على الوجه الثّاني، كان داخلاً في العلّة التّامّة، وإن أخذ على الوجه الثّالث ; لم يكن داخلاً فيها، وهو بهذا الاعتبار عين المعلول، فتدبّر.

وأمّا ما يتوهّم، من عدم اعتبار العلّة التّامّة في السّبق بالعلّية مستنداً بما ذكروا في مثاله من حركة «اليد» وحركة المفتاح، فإنّ حركة اليد ليست علّة تامّة لحركة المفتاح ضرورة توقفها على اليد وعلى العضلات وغيرها.

فمدفوع أيضاً: بأنّ المراد من العلّة التّامّة; ما لا يتوقّف وجود المعلول بعد وجودها من حيث هي علّة على أمر آخر، ولا يقدح في ذلك كون وجودها متوقّفاً على شيء آخر.

الثّاني: السّبق بالطّبع: وهو تقدّم العلّة النّاقصة على المعلول ; كتقدّم الواحد على الإثنين، فانّ العقل يحكم، بأنّه لا تحقّق للإثنين إلاّ والواحد متحقّق، ويتحقّق الواحد ولا تحقق للإثنين، وهو ملزوم لجواز الانفكاك بين المتقدّم والمتأخّر من حيث التّقدّم بالطّبع. فإن امتنع، فمن جهة أُخرى لا محالة.


صفحه 394

وهذان التّقدّمان(1) مشتركان في معنى واحد، يقال له التّقدّم بالذّات، وهو تقدّم المحتاج إليه على المحتاج. وقد يقال له التّقدّم بالطّبع أيضاً، فكلّ واحد من لفظي التقدّم بالذّات والتّقدّم بالطّبع مشترك بين المعنى المشترك، وبين واحد من قسمَيْه، واشتراكهما في معنى واحد ; لا يقدح في عدّهما قسمين من السّبق كما سيأتي .

الثّالث: السّبق بالزّمان: وهو تقدم السّابق الغير المجامع للمسبوق: سواء كان عدم اجتماعه معه لذاتي السّابق والمسبوق ; كتقدم الأمس على اليوم، أو لأمر آخر، كتقدّم الحادث الأمسي على الحادث اليومي، ويعود(2) لا محالة إلى أجزاء الزّمان(3).

فهذا التّقدّم يعرض أوّلاً وبالذّات لأجزاء الزّمان، وثانياً وبالعرض لما ينسب إليها، إذ ليس في الموجودات شيء يتقضى ويتصرّم بذاته وينفرض له بحسب التّقضي والتصرّم أجزاء غير مجتمعة في الوجود سوى الزّمان، إذ الحركة أيضاً ليس لها ذلك إلاّ بعد تعيّنها بمقدارها الّذي هو المراد من الزّمان، وذلك بديهيٌّ لمن تصوّر ماهيّة الزّمان.

ونّبه المحقّق الشريف على ذلك بقوله: يدلّك على ذلك أنّه إذا قيل: وجود «زيد» متقدّم على وجود «عمرو»، اتّجه أن يقال: لمإذا قلت إنّه متقدّم عليه؟

فلو أُجيب: بأنّ وجود «زيد» كان مع الحادثة الفلانيّة، ووجود «عمرو» مع الحادثة الأُخرى وتلك الحادثة كانت متقدّمة على هذه، اتّجه أيضاً أن يقال: لِمَ قلت إنّ تلك مقدّمة على هذه؟


1 . أيّ التقدّم بالعلّيّة والتّقدّم بالطّبع .
2 . ذلك التقدّم .
3 . لوجوب انتهاء ما بالعرض إلى ما بالذّات .


صفحه 395

فلو أُجيب: بأنّ تلك كانت «أمس» وهذه كانت «اليوم» و «أمس» متقدّم على «اليوم»، لم يصحّ أن يقال: لماذا قلت بتقدّمه عليه؟

ونوقش معه: بأنّ انقطاع السّؤال عند قولنا: تلك كانت «أمس» وهذه كانت «اليوم» إنّما هو لأجل ; أنّ التّقدّم معتبر في مفهوم لفظة «أمس» وكذا التأخّر في مفهوم لفظة «اليوم».

وأيضاً انقطاع السّؤال يدلّ على عدم الواسطة في الإثبات لا في الثّبوت.

وأجيب عن الأوّل: بأنّ «أمس» إشارة إلى قطعة معيّنة من الزّمان وكذا اليوم.

وعن الثّاني: بأنّ عدم صحة السّؤال; بـ «لِمَ»، يدلّ على عدم الواسطة في الثّبوت أيضاً، فإنّ ظهور الواسطة لا يحيل السّؤال عنها بـ «لِمَ» فتأمّل.

الرّابع: السّبق بالرّتبة: ويقال له التقدّم بالمكان أيضاً كتقدّم «الإمام» على «المأموم»، وتقدّم «من يلي الصّدر» على «من يليه» وذلك تكون بين أشياء مرتبة، بالقياس إلى مبدأ محدود: إمّا بحسب الحسّ كما ذكرنا .

وإمّا بحسب العقل، كما في تقدّم «النّوع العالي» على «المتوسّط».

وهذا معنى قوله(1): «الحسيّة أو العقليّة».

الخامس: السّبق بالشّرف: وهو كتقدّم «الفاضل والرّئيس» على «المفضول والمرؤوس» في اختيار أمر مثلاً.

هذا تقرير أقسام السّبق على مذهب الحكماء.


1 . أي قول المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 396

 

أقسام السّبق على مذهب المتكلّمين

والمتكلّمون وافقوهم في مفهوم السّبق بالعلّيّة، وبالطّبع، وبالرّتبة، وبالشّرف، وخالفوهم في مفهوم السّبق بالزّمان .

فإنّهم اعتبروا في مفهوم السّبق الزّماني، أن يكون الزّمان خارجاً عن السّابق والمسبوق.

فهم يخصّونه بالزّمانيّات، ويجعلون الواقع بين أجزاء الزّمان قسماً سادساً من السّبق، ويسمّونه سبقاً بالذّات، ولا يحصرونه في أجزاء الزّمان، بل يجعلون سبق عدم الحادث كالزّمان على وجوده من هذا القبيل، لكونه غير مجامع للوجود عندهم.

فهم يجعلون السّبق السّابق الغير المجامع مع المسبوق على قسمين:

قسم يعرضه بسبب الزّمان ويسمّونه السّبق الزّماني.

وقسم يعرضه لذاته، ويسمّونه سبقاً بالذّات; كسبق أجزاء الزّمان بعضها على بعض.

قالوا: سبق بعضها على بعض ليس بالعلّية، لأنّه يوجب الاجتماع في الوجود وهو ينافيه; ولا بالطّبع ولا بالرّتبة ولا بالشّرف، لأنّ شيئاً منها لا ينافي الاجتماع في الوجود وهو ينافيه .

لا يقال: سبق العلّة المعدّة سبق بالطّبع ; مع أنّه لا يجوز اجتماعها مع المعلول.


صفحه 397

لأنّا نقول: العلّة المعدّة ما لوجوده وعدمه كليهما مدخل في وجود المعلول، فلكلّ منهما سبق بالطّبع عليه،(1) وسبق العدم(2) يجامعه لا محالة، وما لا يجامعه هو سبق الوجود، وإنّما لزم ذلك(3) بالعرض من حيث إنّ لعدمه الطارئ أيضاً مدخل في وجود المعلول، وإلاّ فهو من حيث هو سابق بالطّبع لا ينافي الاجتماع معه، على أنّه غاية ما في الباب أن يكون لوجود العلّة المعدّة سبقان: بالطّبع وبالزّمان، فمن حيث السّبق بالطبع لا ينافي الاجتماع، ومن حيث السّبق بالزّمان ينافيه، ولا فساد فيه، ولا بالزّمان، وإلاّ لزم أن يكون للزّمان زمان، فهو قسم سادس .

والجواب(4): أنّه إنّما يلزم أن يكون للزّمانِ زمانٌ، لو لزم أن يكون هذا السّبق بزمان زائد على السّابق والمسبوق كما اعتبرتموه، وليس بلازم، لجواز أن يكون السّابق والمسبوق بهذا السّبق نفس الزمان، ويكون عروض السّابقيّة والمسبوقيّة لهما لذاتيهما، ويكون عروضهما لغير أجزاء الزّمان بسبب أجزاء الزّمان، ولا استحالة فيه أصلاً كما عرفت.

وإذا عُلِمَ أقسام السّبق، علم أقسام التأخّر أيضاً، لأنّه مضايفه.

وأمّا أقسام المعيّة: فلا خفاء في معيّة الرّتبة كمفهومين متساويين، وكمتحاذيين، ولا في المعيّة بالطّبع كعلّتين ناقصتين لمعلول واحد، وكمعلولين


1 . أي المعدّ .
2 . أي عدم علّة المعدّة.
3 . أي العدم المجامع.
4 . والجواب أنّ بناءه على كون الزّمان من جملة المشخّصات بالنّسبة إلى السّابق واللاّحق كما سيأتي تحقيقه في مسألة استحالة اعادة المعدوم.


صفحه 398

مشروطين بشرط واحد، ولا بالعلّية كعلّتين مستقلّتين لمعلول واحد نوعي أو كمعلولين لعلّة واحدة مطلقا عند المتكلّمين .

ومن جهتين عند الحكماء على إشكال فيه.

ولا في المعيّة الزّمانيّة عند المتكلمين كحوادث مجتمعة في زمان واحد.

وكذا في الزّمانيّة الغير الحقيقيّة عند الحكماء.

وأمّا في الحقيقيّة عندهم، وفي الذّاتيّة عند المتكلّمين، فلا يتصوّر في أجزاء الزّمان .

وأمّا في غير أجزاء الزّمان، فلا برهان نفياً وإثباتاً .

والحصر ـ في الأقسام الخمسة (1) عند الحكماء، والسّتة عند المتكلّمين ـ استقرائيٌّ، لا عقليٌّ مردّد بين النّفي والإثبات، فيمكن الزّيادة عليها لو وجد قسم آخر كما سيأتي.

نعم، ربّما قيل في وجه الضّبط على مذهب الحكماء، المتقدّمُ: إمّا أن يجامع المتأخّر في الوجود، أو لا.

الثّاني: هو التّقدّم بالزّمان.

والأوّل: إمّا أن يكون بينهما ترتّب، وهو التّقدّم بالرّتبة، أو لا، وهو: إمّا أنْ لا يكون بينهما احتياج وهو التّقدّم بالشّرف، أو يكون; فإمّا أن يكون المحتاج إليه علّة تامّة، وهو التقدّم بالعلّيّة، أو لا، وهو التّقدم بالطّبع.


1 . أعلم، أنّ السيّد الدّاماد زاد قسماً آخر وسمّاه «التقدّم والتّأخّر بالدّهر. لاحظ : القبسات: 89 / القبس الثّالث. ثمّ صدر المتألّهين زاد قسمين آخرين: أحدهما: التقّدم والتأخّر بالحقيقة والمجاز، وثانيها: التقدّم والتأخّر بالحقّ. لاحظ : الحكمة المتعالية في الأسفار: 3 / 257 ـ 258 .


صفحه 399

وما قيل عليه: من أنّه يلزم على هذا أن يكون ; تقدّم العلّة المعدّة على معلولها تقدّماً بالزّمان، لا بالطّبع، فمدفوع بما قد عرفت.

وإن شئت قلت: المتقدّم ; إن احتاج إليه المتأخّر، فإن كان علّة تامّة له، فهو بالعلّيّة وإلاّ فبالطّبع، وإن لم يحتج، فإن لم يمكن اجتماعهما في الوجود، فبالزّمان وإن أمكن، فإن اعتبر بينهما ترتّب، فبالرّتبة وإلاّ فبالشّرف .


صفحه 400

المبحث الثّالث

في كيفيّة مقوليّة التقدّم على أنواعه(1)

قال: ومقوليّتهُ بالتّشكيك، تتحفّظ الإضافة بين المتضايفين في أنواعه.

وحيث وُجد التفاوتُ امتنع جنسيّتهُ.

والتّقدّم دائماً لعارض زمانيّ أو مكانيّ أو غيرهما .

أقول: قد اختلف الحكماء في أنّ إطلاق التقدّم على أقسام السّبق أيكون بمجرّد اللّفظ أو بحسب المعنى؟

وهل بالتواطؤ أم بالتشكيك؟

قال المصنّف (رحمه الله) ومقوليّته بالتّشكيك.

قد يظنّ أنّ السّبق لفظ مشترك بين هذه المعاني.

والتّحقيق: أنّه مشتركٌ معنويٌّ، لكنّه مقول بالتّشكيك.

قال الشّيخ في أوّل رابعة إلهيات الشّفاء: «إنّ التقدّم والتأخّر وإن كان مقولاً على وجوه كثيرة، فإنّها تكاد تجتمع على سبيل التّشكيك في شيء واحد، وهو أن يكون للمتقدّم من حيث هو متقدّم شيء ليس للمتأخّر ولا يكون للمتأخر شيء إلاّ وهو موجود للمتقدّم. انتهى ».(2)


1 . لاحظ البحث في الكتب التالية: نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 260 ـ 263 ; وشرح المقاصد: 2 / 24 ; والأسفار: 3 / 258 ـ 268.
2 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 163 / المقالة الرابعة / الفصل الأوّل.


صفحه 401

فهذا معنى واحد مشترك بين جميع الأقسام وهو الّذي يسمّونه ملاك التّقدّم وما فيه التّقدم.

ثمّ قال: «والمشهور عند الجمهور هو التقدّم في المكان والزّمان .

وكان التقدّم والقبل في أشياء لها ترتيب، كما هو في المكان وما كان في المكان، فالّذي هو أقرب(1) من ابتداء محدود، فيكون له أن يلي ذلك المبدأ حيث ليس يلي ما بعده، والّذي بعده يلي ذلك المبدأ وقد وَليَه هو .

وفي الزّمان كذلك أيضاً بالنّسبة إلى الآن الحاضر أو آن يفرض مبدأ وإن كان مختلفاً في الماضي والمستقبل .

ثمّ نقل إسم القبل من ذلك إلى كلّ ما هو أقرب من مبدأ محدود .

وقد يكون هذا التّقدّم الرّتبي في أُمور بالطّبع، كما أنّ الجسم قبل الحيوان بالقياس إلى الجوهر بعد وضع الجوهر مبدأ .

ثمّ إن جعل المبدأ الشّخصي اختلف، وكذلك الأقرب من المتحرك الأوّل، كالصّبي يكون قبل الرّجل.

وقد يكون في أُمور لا من الطبع، بل إمّا بصناعة كنغم الموسيقى، فإنّك إن أخذت من الحدة كان المتقدّم غير الّذي يكون إذا أخذت من الثّقل، وإمّا ببَخت واتّفاق كيف كان .

ثمّ نقل إلى الأشياء الأُخر، فجعل الفائق والفاضل والسّابق أيضاً ولو في غير الفضل متقدّماً، فجعل نفس المعنى كالمبدء المحدود، فما كان له منه ما ليس


1 . في المصدر: «لها ترتيب فما هو في المكان، فهو الّذي أقرب» .


صفحه 402

للآخر، وأمّا الآخر فليس له إلاّ ما لذلك الأوّل فإنّه جُعِل متقدّماً، فإنّ السّابق في باب ما له ما ليس للتّالي، وما للتّالي منه فهو للسابق وزيادة.

ومن هذا القبيل ما جعلوا المخدوم والرّئيس قبل، فإنّ الاختيار يقع للرّئيس وليس للمرؤوس، وإنّما يقع للمرؤوس حين يقع للرّئيس فيتحرّك باختيار الرّئيس.

ثمّ نقلوا إلى ما يكون هذ الاعتبار له بالقياس إلى الوجود، فجعلوا الشّيء الّذي يكون له الوجود أوّلاً، وإن لم يكن للتّالي، والتّالي لا يكون له إلاّ وقد كان للأوّل وجوداً متقدّماً(1) على الآخر، مثل: الواحد، فإنّه ليس من شرط الوجود للواحد أن تكون الكثرة موجودة، ومن شرط الوجود للكثرة أن يكون الواحد موجوداً .

وليس في هذا أنّ الواحد يفيد الوجود للكثرة أو لا يفيد، بل أنّه يحتاج إليه حتّى يفاد للكثرة وجود بالتّركيب منه.

ثمّ نقل بعد ذلك إلى حصول الوجود من جهة أُخرى فإنّه إذا كان شيئان وليس وجود أحدهما من الآخر، بل وجوده له من نفسه أو من شيء ثالث، لكن وجود الثّاني من هذا الأوّل، فله من الأوّل وجوب الوجود الّذي ليس له لذاته من ذاته، بل له من ذاته الإمكان على تجويز من أن يكون ذلك الأوّل مهما وجد لزم وجوده أن يكون علّة لوجوب وجود هذا الثّاني، فإنّ الأوّل يكون متقدّماً بالوجود لهذا الثّاني.

ولذلك لا يستنكر العقل ألبتة أن يقول: لمّا حرّك زيدٌ يده; تَحرّك المفتاح،


1 . قوله: «متقدماً» خبر لقوله: «جعلوا» .


صفحه 403

أو يقول: حرّك زيد يده، ثمّ تحرّك المفتاح، ويستنكر أن يقول: لمّا تحرّك المفتاح ; حرّك زيدٌ يدَه، وإن كان يقول: لمّا تحرّك المفتاح علمنا أنّه حرّك زيدٌ يده، فالعقل مع وجود الحركتين معاً في الزّمان، يفرض لأحدهما تقدّماً، وللأُخرى تأخّراً، إذ كانت الحركة الأُولى ليس سبب وجودها الحركة الثّانية، والحركة الثّانية سبب وجودها الحركة الأُولى. انتهى كلام الشفاء».(1)

وهو صريح في أنّ المعنى المشترك بين جميع أقسام التقدّم هو كون شيء للمتقدّم، وليس للمتأخّر إلاّ وهو للمتقدّم، لا مجرّد كون شيء للمتقدّم .

وليس للمتأخّر كما توهّمه شارح المقاصد(2) ليرد أنّه صادق على كلّ شيء نسب إلى آخر ضرورة، أنّه يشتمل على أمر لا يوجد في الآخر .

ثمّ ظهر منه أنّ لفظ السّبق وما يرادفه كان مطلقاً في العرف العامّ على الزّماني والمكاني لوجود ذلك المعنى فيهما.

ثمّ نقل في العرف الخاصّ إلى أشياء أُخر باعتبار تحقّق ذلك المعنى فيها، فهذا المعنى المشترك معنى اصطلاحي للفظ السّبق وما يرادفه، فلا ينافي كونه مشتركاً معنويّاً قوله(3): «ثمّ نُقِل إلى كذا وإلى كذا»، فليتفطّن .

وظهر أيضاً أنّ جميع ما يطلق فيه التّقدّم ينبغي أن يعتبر فيه: إمّا مبدءاً محدوداً، أو المجعول كالمبدأ المحدود.

ففي الأوّل: يكون ما فيه التّقدّم هو النّسبة إلى ذلك المبدأ المحدود.


1 . صححنا العبارة على المصدر. انظر: إلهيات الشفاء: 1 / 163 ـ 165 / المقالة الرابعة / الفصل الأوّل .
2 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 24 .
3 . أي قول الشيخ الرئيس.


صفحه 404

وفي الثّاني: يكون ما فيه التّقدّم، هو نفس ذلك المعنى المجعول كالمبدأ المحدود.

وظهر أيضاً أنّ اختلاف أقسام السّبق إنّما هو لاختلاف ما فيه التّقدّم، وأنّه في التقدّم المكانيّ والزّمانيّ، هو النّسبة إلى المبدأ المحدود، وفي الشَّرفي، هو الفضل والمزية، وفي الطبعيّ هو الوجود، وفي العلّي هو الوجود.

فإن قلت: للعلّة النّاقصة أيضاً تقدّم بالوجوب(1)، فإنّ الشّيء ما لم يجب لم يوجد، فما الفرق بينها وبين العلّة التّامّة حتّى جُعِل لأحدهما(2) تقدّم بالطّبع وللأُخرى تقدّم بالعلّية مع كون ما فيه التقدّم في كليهما هو الوجوب؟

قلت: ما فيه التقدّم في العلّة الناقصة ليس له الوجوب، لأنّ وجوب المعلول ليس مستفاداً منها، بل من العلّة التّامّة، بل وجوب المعلول هو وجوب العلّة التامّة من حيث هي علّة تامّة ; فلها الوجوب حين ليس للمعلول.

وليس للمعلول إلاّ حين لها، بخلاف العلّة النّاقصة، فإنّه لا يصحّ أن يقال: ليس للمعلول وجوب إلاّ حين للعلّة النّاقصة وجوب، فإنّ وجوب العلّة النّاقصة لا دخل له في وجوب المعلول، بل وجوبها إنّما هو لتوجد ; فيكون لوجودها مدخل في وجوده، فليتفطّن.

وظهر أيضاً أنّ مقوليّته بالتّشكيك على أقسامه إنّما هو لكون هذا المعنى أظهر في العرف. وعند الجمهور في بعضها دون بعض; وإطلاق التقدّم عليه أولى من


1 . بالنّسبة إلى المعلول.
2 . أي في النّاقصة.


صفحه 405

إطلاقه على ما دونه، فإطلاقه على الرّتبي الشّامل للزّماني ; أولى من إطلاقه على الشَّرفي، وعلى الشّرفي أولى من الطَّبعي، وعلى الطَّبعي أولى من العلّي .

فما قيل (1): ـ من أنّ السّبق بالعلّية أولى بالسّبق من السّبق بالطبع، لأنّ الاحتياج إلى العلّة المؤثّرة الموجبة ; أقوى من الاحتياج إلى علّة غيرها، وكلّ منهما أولى بمفهوم السّبق من السّبق بالشّرف وبالرّتبة وبالزّمان، لأنّ السّابق في هذه الثلاثة يجوز أن يصير متأخّراً، وهو هو بعينه بخلاف العلّية والطّبع ـ محلّ نظر .

وظهر منه(2) أيضاً: أنّ التقدّم بالرّتبة أعمّ من الزّمانيّ والمكانيّ، والمشهور هو تخصيصه بالمكانيّ.

فإن قلت: إذا كان اختلاف أنواع السّبق لاختلاف ما فيه السّبق، فما فيه السّبق في الزّماني والمكاني واحد، وهو النّسبة إلى المبدأ المحدود ; كما ظهر من كلام الشيخ، فينبغي أن يكونا نوعاً واحداً لا نوعين.

قلت: هما مع الاتّفاق في ذلك اختلفا في الاجتماع مع المتأخّر وعدمه، ولذلك جعلا نوعين، كما أنّ التقدّم بالعلّية وبالطّبع اتّفقا في كونهما تقدّما بالذّات، لكن لمّا اختلفا في أنّ أحدهما مفيد وموجب للمتأخّر دون الآخر جعلا نوعين.

فملاك التقدّم في الزّماني هو تلك النّسبة غير قارّة، فالسّابق إلى المبدأ المحدود له تلك النّسبة. وليست لتاليه الّذي ليس بموجود بعد، ولا يكون لتاليه


1 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 45 .
2 . أي من كلام الشيخ .


صفحه 406

إلاّ وقد كانت لسابقه وتقضت مع تقضيه .

وفي المكانيّ هي النّسبة القارّة، فالسّابق إلى المبدأ المحدود له تلك النّسبة إلى المبدأ المحدود. وليست لتاليه الّذي هو موجود معه، ولا يكون لتاليه إلاّ وهي موجودة لسابقه الموجود معه، هذا .

وقيل: الملاك في الزّماني هو الوجود أيضاً كما في الطّبعي إلاّ أنّ في الزّماني لا بدّ من عدم الاجتماع في الوجود بخلاف الطّبعي.

فإن قلت: قول الشّيخ في مثال التقدّم بالشّرف، فإنّ الاختيار يقع للرّئيس وليس للمرؤوس، وإنّما يقع للمرؤوس حين وقع للرّئيس فيتحرّك باختيار الرّئيس ; ليس ممّا ينبغي، فإنّ ذلك إخراج له من التقدّم بالشّرف، وإلحاق له بالتّقدّم بالذّات، بل ينبغي أن يقول: إنّ الاختيار يقع منه للرّئيس ما لا يقع منه للمرؤوس إلاّ بعض منه.

قلت: غرضه بيان جريان ما فيه التّقدّم وهو أصل الاختيار وإلاّ فظاهر أنّ اختيار المرؤوس ; وهو اختيار الجزء بعض من اختيار الرّئيس وهو اختيار الكل.

وأمّا كون اختيار الرّئيس سبباً لاختيار المرؤوس ; وتحقّق التّقدّم بالذّات هناك، فلا ينافي تحقّق التقدّم بالشّرف أيضاً ، وهو ظاهر كما مرّ.(1)

فإن قلت: قد يظنّ أنّ هناك(2) قسماً سادساً للتقدّم على رأي الحكماء أيضاً ، وهو التّقدّم بالماهيّة، كتقدّم الواحد على الاثنين .

وبالجملة: تقدّم الجزء المادّي والصّوري، بل الجنس والفصل أيضاً على


1 . في العلّة المعدّة.
2 . أ، ب و ج: «هاهنا».


صفحه 407

الماهيّة، فإنّ حاجة الماهيّة إلى الاجزاء حاجة في القوام لا في الصدّور بخلاف حاجتها إلى الفاعل، فإنّها حاجة في الصّدور، فكما أنّ الماهيّة في وجوب الوجود يحتاج إلى الفاعل الّذي هو العلّة الصدوريّة، فكذا في تحصل القوام يحتاج إلى الأجزاء الّتي هي العلّة القواميّة، فحصول القوام هو ما فيه التقدّم في هذا القسم، فإنّ القوام حاصل للجزء، وليس بحاصل للكلّ إلاّ وهو حاصل للجزء، فهل لذلك(1) وجه؟

قلت: نعم، وهو الظّاهر من كلام الشّيخ في " الإشارات " حيث قال: «الشّيء قد يكون معلولاً لشيء باعتبار ماهيّته وحقيقته، وقد يكون معلولاً في وجوده .

ولك أن تعتبر ذلك بالمثلّث(2)، فإنّ حقيقته متعلّقة بالسطح أو الخطّ الّذي هو ضلعه، ويقوّمانه من حيث هو مثلّثٌ وله حقيقة المثلّثيّة، كأنّهما علّتاه الماديّة والصّوريّة .

وأمّا من حيث وجوده فقد يتعلّق بعلّة أُخرى أيضاً غير هذه، ليست هي علّة تُقِوّم مثلّثيّته ويكون جزءاً من حدّها. انتهى ».(3)

ولقد بالغ بعض الأعاظم(4) في تقرير ذلك على أبلغ وجه.

لا يقال: حاجة الماهيّة في أن تحصل لها قوام ليست مخالفة لحاجتها في


1 . أي الظنّ .
2 . مثلاً .
3 . الإشارات والتنبيهات: 265 / النّمط الرابع .
4 . المقصود هو السيد المحقّق الداماد المتوفى (1041 هـ). انظر: كتاب القبسات: 54 وما بعدها / القبس الثّاني.


صفحه 408

أن يفاد لها وجود، فإنّ أثر الفاعل ليس إلاّ نفس الماهيّة، والوجود منتزع في العقل.

وليس للفاعل تأثير جديد في الماهيّة المركّبة بعد إفادة جميع أجزائه، بل إفادته للماهيّة نفس إفادته لمجموع الأجزاء، فليس لها إلى الفاعل بعد الحاجة في إفادته جميع الأجزاء ; حاجة أُخرى في إفادته الوجود .

وظهر من هذا أنّ النّزاع في أنّه هل مرتبة تقوّم الماهيّة وفعليتها متقدّمة على مرتبة الوجود ـ كما هو رأي المحقّق الدواني ـ أم بالعكس ـ كما هو رأي سيّد المدققين ـ لا يرجع إلى طائل، فهذا التقدّم(1) ليس سوى التقدّم بالطبع؟

لأنّا نقول: ما ذكرتَ إنّما هو بحسب الوجود في الخارج(2) وكون الماهيّة واقعة فيها.

وكلامنا إنّما هو في نفس الماهيّة مأخوذة باعتبارها في حدّ ذاتها مع قطع النّظر عن الوجودين(3).

ولاشك في صحة هذا الاعتبار، فإنّه الّذي جعلوا اللّوازم الّتي يلزم الماهيّة بحسبه مسمّاةً بلوازم الماهيّة المقابلة للوازم الوجود الخارجي والوجود الذّهني، فتحقّق الماهيّة في هذا الاعتبار; مسبوق بتحقّق ما هو جزء لها لا محالة .

فهذا الاحتياج ليس احتياجاً في الوجود، إذ ليس هاهنا اعتبار للوجود


1 . أي تقدّم جزء الماهيّة على الماهيّة، لأنّه تقدّم العلّة النّاقصة على المعلول.
2 . لأنّ الماهيّة بحدّ تحقّق أجزائها في الخارج لا حاجة إلى فاعل لأنّها حينئذ في عين المرتبة الوجود لا في غيرها.
3 . أي الذّهني والخارجي.


صفحه 409

مطلقاً(1)، وحينئذ يظهر أنّ النّزاع المذكور يرجع إلى طائل .

وأنّ الحقّ هو تقدّم فعليّة الماهيّة، وتقرّرها على مرتبة الوجود تقدّماً بالطّبع(2)، بل بالماهيّة أيضاً.

وذلك بناء على المشهور من جعل الماهيّة وَالتعبير بالفعليّة والتقرّر، إنّما هو لضيق العبارة.

فلا يرد أنّ المراد من الوجود ليس سوى تقرّر الماهيّة وفعليتها، فلا تغفل.

وليعلم أنّ لأجزاء الماهية على هذا، يكون نوعان(3); من التقدّم بالطّبع، وبالماهيّة، فلا ينافي عدّهم تقدّم الواحد على الإثنين من أمثلة التقدّم بالطّبع.

ثمّ إنّ التقدّم بالماهيّة أيضاً داخل في التقدّم بالذّات بالمعنى الأعمّ .

وهو الّذي يكون لعلاقة ذاتيّة، فيكون على ثلاثة أقسام:

التقدّم بالعلّيّة .

والتقدّم بالطّبع.

والتقدّم بالماهيّة.

وملاك التّقدّم في هذه الثلاثة، هو الوجود، وعارضه الّذي هو الوجوب، ومعروضه الّذي هو نفس الماهيّة .

ولمّا كانت هذه مفهومات متغايرة، ومراتب مرتبة ; بحسب الاعتبار في


1 . أي اصلاً.
2 . أي تقدّم المحتاج إليه على المحتاج سواء كان المحتاج إليه هو الوجود أم غيره .
3 . أحدهما باعتبار نفس ماهيّة الأجزاء، والآخر باعتبار وجود ماهيّة الأجزاء.


صفحه 410

نفس الأمر، فإذا جعل كلّ واحد منها ما فيه التّقدّم حصلت أنواع ثّلاثة من التقدّم لا محالة .

ثمّ ما قاله المصنّف في " نقد التّنزيل "(1): من أن الجنس مقدم على نوعه لا لكونه جزءاً له; ليكون تقدّمه عليه تقدّماً بالطّبع، إذ هو من حيث إنّه جزء، لا يحمل على كلّه، فلا يكون جنساً.

والجنس يجب أن يحمل على نوعه ولا لكونه علّة تامّة له وهو ظاهر، ولا لكون كلّ منهما في زمان، ولا في مرتبة عقليّة أو حسيّة، إذ جنس الشّيء لا يجب أن يكون فوقه جنس، ولا لكونه أشرف من نوعه، فهو لكونه عامّاً ممكناً أن يوجد ويُعقل، وإن لم يوجد ويعقل النوع المعيّن، فتقدّم العامّ على الخاصّ نوع آخر من التقدّم ; سوى الخمسة المشهورة.

فالظّاهر أنّ مراده هو التّقدم بالماهيّة، وهو وإن كان حاصلاً للجزء أيضاً إلاّ أنّه أراد إثباته حيث لا يمكن تحقّق نوع آخر من التقدّم، فتدبّر.

وما يقال: إنّ التقدّم بالماهيّة إسم للتقدّم بالطّبع، إذا اُطلق في جزء الماهيّة، لأنّ المتقدّم هاهنا متقدّم محتاج إليه باعتبار الذّات والحقيقة، دون مجرّد الوجود، فإنّ ذات الإثنين لا تتمّ ولا يعقل بدون الواحد، ليس بشيء، لأنّ هذا التّعليل صريح في أنّ الملاك هاهنا هو تقوّم الذّات وتقرّرها دون وجودها، فكيف يكون هذا القسم داخلاً في المتقدّم بالطّبع الّذي ليس الملاك فيه سوى الوجود؟

فإن قلت: قد ظنّ بعض الأعاظم أنّ هاهنا قسماً سابعاً سمّاه التّقدّم الدّهري والسّرمدي وهو التّقدّم بحسب وجوب الوجود في متن الواقع، بخلاف


1 . لاحظ : تعديل المعيار في نقد تنزيل الأفكار = (ضمن كتاب منطق ومباحث الفاظ): 151 ـ 152 .


صفحه 411

التقدّم بالعلّيّة، فإنّه التّقدّم بحسب وجوب الوجود في المرتبة العقليّة، فالمتقدّم بحسب تقدّم الدّهري له الوجوب في متن الواقع.

وليس هذا الوجوب للمتأخّر بحسبه، وليس بحاصل للمتأخّر بحسبه إلاّ وهو حاصل للمتقدّم، كما أنّ المتقدّم بالعلّية له الوجوب بحسب المرتبة العقليّة وليس هذا الوجوب للمتأخّر، وليس بحاصل للمتأخّر(1) إلاّ وهو حاصل للمتقدّم فما ظنك فيه .

قلت: يمكن أن يقال: إنّ ليس ذلك سوى التقدّم بالعلّية، فإنّ معنى كون التقدّم بالعلّية بحسب وجوب الوجود(2) في المرتبة العقليّة، ليس أنّ المتقدّم والمتأخّر أو وجوبهما ليس إلاّ في العقل، بل معناه كون الحكم بهذا التقدّم إنّما هو للعقل فقط، بخلاف سائر التقدّمات، سواء كان المتقدّم والمتأخّر بما هما متقدّم ومتأخّر من شأنهما الوجود في العقل، كما في العلّة والمعلول الممكنين المدركين بالكنه من جهتي العلّيّة والمعلوليّة; كحركتي اليد والمفتاح، أو لا، كما في الواجب بالقياس إلى العقل الأوّل مثلاً، فإنّ العقل الأوّل وإن جاز كونه مدركاً بالكنه ومن جهة كونه معلولاً لكن الواجب ليس بمدرك بالكنه ومن جهة كونه علّة، فالحاكم بالتقدّم في المثالين إنّما هو العقل بحسب الخارج لا بحسب الذّهن، بمعنى أنّ العقل يحكم بأنّ حركة «اليد» متقدّمة بحسب الخارج على حركة «المفتاح» لا بحسب الذّهن.

وكذا في الواجب بالقياس إلى العقل الأوّل، فما تمسّك به في نفي التقدّم العلّي للواجب ليثبت له التقدّم الدّهري ; من أنّ الواجب ليس له مرتبة عقليّة،


1 . في أ و ب: جملة «وليس بحاصل للمتأخر» ساقطة.
2 . أ، ب و ج: «بحسب الوجوب في المرتبة».


صفحه 412

لامتناع حصوله في شيء من المدارك، والتقدّم بالعلّية إنّما هو بحسب المرتبة العقليّة منظور فيه، فليتدبّر.

قال: وتتحفّظ الإضافة بين المتضايفين في أنواعه (1).

لمّا ذكر أنّ السّبق مقول بالتّشكيك على أنواعه، أراد(2) أن يذكر أنّ التأخّر أيضاً مقول بالتّشكيك بين أنواعه بنفس التّشكيك الحاصل بين أنواع السّبق، يعني: أنّ النّسبة بين النّوعين(3) من أنواع السّبق محفوظة بين النّوعين من أنواع التأخّر(4) اللّذين هما متضايفان لذينك النّوعين من أنواع السّبق، مثلاً إذا كان السّبق الرّتبي أولى على ما ذكرنا بالسّبق من السّبق الشّرفي، كان التأخّر الرّتبي أيضاً أولى بالتأخّر من التأخّر الشّرفي، وهكذا في سائر أقسام السّبق.

فقوله: «بين المتضايفين» متعلّق بقوله: «وتتحفّظ».


1 . أي أنواع التّشكيك وهي ثلاثة: التّشكيك بالأولويّة، والتّشكيك بالأقدميّة، والتّشكيك بالأشديّة، مثلاً أنّا إذا فرضنا « أ» متقدماً على « ب» بالعلّيّة و «ج» متقدّماً على «د» بالطّبع كان تقدّم «أ» على «ب» أولى من تقدّم «ج» على «د» وحينئذ «ب» أحد المضافين أولى بتأخّره عن الألف المضاف الآخر من تأخّر «د» عن «ج» فانحفظت الإضافة بين المضافين في الأولويّة وهو النّوع الأوّل من التشكيك.
وكذلك لو فرضنا تقدّم «أ» على «ب» قبل تقدم «ج» على «د» كان تأخّر «ب» عن «أ» قبل تأخّر «د» عن «ج» وهذا هو النّوع الثّاني للتشكيك .
وكذا لو فرضنا تقدّم «أ» على «ب» أشدّ من تقدّم «ج» على «د» كان تأخّر «ب» عن «أ» أشدّ من تأخّر «د» عن «ج» وهذا هو النوع الثّالث للتشكيك. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 45 ; وكشف المراد: 86 .
2 . أي أراد المصنف (رحمه الله) .
3 . كالتّقدم المكانيّ والزّماني مثلاً.
4 . كالتأخّر المكاني والزّماني مثلاً.


صفحه 413

وقوله: «في أنواعه» متعلّق بـ «الإضافة» أي الإضافة الحاصلة في أنواع السّبق ; أي بين نوعين من أنواعه .

وحيث وجد التّفاوت; أي في مقوليّة السّبق على أقسامه امتنع جنسيّته ; أي جنسيّة السّبق لتلك الأقسام، بناء على ما تقرّر من نفي التّشكيك في الذّاتيات.

والتّقدّم دائما