welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : التوسّل مفهومه وأقسامه وحكمه في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

التوسّل مفهومه وأقسامه وحكمه في الشريعة الإسلامية الغرّاء

التوسّل
مفهومه وأقسامه وحكمه
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

تأليف

العلامة الفقيه
الشيخ جعفر السبحاني


(2)

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه وأفضل سفرائه محمد وآله الطاهرين وعلى عباد الله الصالحين.

أمّا بعد: فقد خلق الله سبحانه العالم التكويني على أساس الاَسباب والمسبّبات، فلكل ظاهرة في الكون سبب عادي يؤثّر فيها بإذنه سبحانه، وليس للعلم والعالم التجريبي شأن سوى الكشف عن تلك الروابط الموجودة بين الظواهر الكونية، وكلّما تقدّم العلم في ميادين الكشف، تتجلّى تلك الروابط بأعمق صورة لدينا والكلُّ يدلّ على أنّه سبحانه خلق النظام الكوني على أساس وسائل وأسباب تتبنّى مسبّباتها بتنظيم منه سبحانه إذ « هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً »(1) والماء سبباً للحياة فالكل مؤثرات فيما سواه حسب مشيئته وإذنه، قال سبحانه: « وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ »(2)والباء في الآية بمعنى السببية والضمير يرجع إلى الماء، وقال أيضاً: « أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ


(1) يونس: 5.
(2) البقرة: 22.


(3)

الْمَاءَ إِلَى الاََْرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ »(1)، فالآية صريحة في تأثير الماء على الزرع، وأنّه سبحانه أعطى له تلك المقدرة وكلٌّ من الاَسباب جنود له سبحانه، قال: «وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ »(2) فإذا كانت الملائكة جنوداً لله تبارك وتعالى كما يقول سبحانه: «فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا »(3)فالاَسباب العادية التي تعتمد عليها الحياة الجسمانية للاِنسان، جنوده سبحانه في عالم المادة ومظاهر إرادته ومشيئته.
وهذا ليس بمعنى تفويض النظام لهذه الظواهر المادية، والقول بتأصّلها في التأثير واستقلالها في العمل، بل الكل متدلٍّ بوجوده سبحانه، قائم به، تابع لمشيئته وإرادته وأمره.

هذا هو الذي نفهمه من الكون ويفهمه كل من أمعن النظر فيه، فكما أنّ الحياة الجسمانية قائمة على أساس الاَسباب والوسائل، فهكذا نزول فيضه المعنوي سبحانه إلى العباد تابع لنظام خاص كشف عنه الوحي، فهدايته سبحانه تصل إلى الاِنسان عن طريق ملائكته وأنبيائه ورسله وكتبه، فالله سبحانه هو الهادي، والقرآن أيضاً هادٍ، والنبي الاَكرم أيضاً هادٍ ولكن في ظل إرادة الله سبحانه، قال سبحانه: «وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ »(4)وقال سبحانه: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ »(5)وقال سبحانه في حقّ نبيّه: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ »(6).


(1) السجدة: 27.
(2) المدثّر : 31.
(3) التوبة: 40.
(4) الاَحزاب: 4.
(5) الاِسراء: 9.
(6) الشورى: 52.


(4)

فهداية الله تعالى تصل إلى الاِنسان عن طريق الاَسباب والوسائل التي جعلها الله سبحانه طريقاً لها وإلى هذا الاَصل القويم يشير الاِمام الصادق _ عليه السلام _ في كلامه ويقول: «أبى الله أن تجري الاَشياء إلاّ بأسباب فجعل لكل شيءٍ سبباً، وجعل لكل سبب شرحاً»(1).

فعلى ضوء هذا الاَساس فالعالم المعنوي يكون على غرار العالم المادي فللاَسباب سيادة وتأثير بإذنه سبحانه، وقد شاء الله أن يكون لها دور في كلتا النشأتين، فلا ضير على من يطلب رضا الله أن يتمسّك بالوسيلة، قال الله سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »(2).

فالله سبحانه حثّنا للتقرب إليه على التمسّك بالوسائل وابتغائها، والآية دعوة عامة لا تختص بسبب دون سبب، بل تأمر بالتمسّك بكل وسيلة توجب التقرّب إليه سبحانه، وعندئذٍ يجب علينا التتبّع في الكتاب والسنّة، حتّى نقف على الوسائل المقرّبة إليه سبحانه، وهذا ممّا لا يعلم إلاّ من جانب الوحي، والتنصيص عليه في الشريعة، ولولا ورود النص لكان تسمية شيء بأنّه سبب للتقرّب، بدعة في الدين؛ لاَنّه من قبيل إدخال ما ليس من الدين في الدين.

ونحن إذا رجعنا إلى الشريعة نقف على نوعين من الاَسباب المقرّبة إلى الله سبحانه:

النوع الاَوّل: الفرائض والنوافل التي ندب إليها الكتاب والسنّة، ومنها التقوى، والجهاد الواردان في الآية، وإليه يشير عليّ أمير المؤمنين _ عليه السلام _ ويقول: «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله سبحانه وتعالى، الاِيمان به، وبرسوله،


(1) الكافي 1: 183.
(2) المائدة: 35.


(5)

والجهاد في سبيله؛ فإنّه ذروة الاِسلام، وكلمة الاِخلاص؛ فإنّها الفطرة، وإقام الصلاة؛ فإنّها الملّة، وإيتاء الزكاة؛ فإنّها فريضة واجبة، وصوم شهر رمضان؛ فإنّه جُنّة من العقاب، وحجّ البيت واعتماره؛ فإنّهما ينفيان الفقر، ويرحضان الذنب، وصلة الرحم؛ فإنّها مثراة في المال، ومنسأة في الاَجل، وصدقة السرّ؛ فإنّها تكفّر الخطيئة، وصدقة العلانية؛ فإنّها تدفع ميتة السوء؛ وصنائع المعروف؛ فإنّها تقي مصارع الهوان»(1).

غير أنّ مصاديق هذا النمط من الوسيلة لا تنحصر فيما جاء في الآية أو في تلك الخطبة بل هي من أبرزها.

النوع الثاني: وسائل ورد ذكرها في الكتاب والسنّة الكريمة، وحثّ عليها الرسول وتوسّل بها الصحابة والتابعون وكلّها توجب التقرّب إلى الله سبحانه، وهذا هو الذي نطلبه في هذا الاَصل حتى يعلم أنّ الوسيلة لا تنحصر في الفرائض والمندوبات الرائجة بل هناك وسائل للتقرّب دلّت عليها السنّة، وهي التوسّل بالنبي الاَكرم على أشكاله المختلفة التي سنذكرها، فهذا عليّ _ عليه السلام _ يقول في ذكر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «اللّهمّ أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم لديك نُزُله، وشرِّف عندك منزله وآته الوسيلة وأعطه السناء والفضيلة، واحشرنا في زمرته»(2).

فإذا وقفنا على أنّ النبيّ هوالوسيلة المقرّبة إلى الله، فتجب علينا مراجعة السنّة لنطّلع على كيفية التوسّل به فهي تبيّن لنا تلك الكيفية. فعلى من يطلب استجابة دعائه، أن يتوسّل إلى الله بأسباب جعلها الله سبحانه وسيلة لهذا المبتغى./p>

* * *


(1) نهج البلاغة: الخطبة 110.
(2) المصدر نفسه: الخطبة 106.


(6)

التوسّل لغة واصطلاحاً

التوسّل لغة من وسلت إلى ربّي وسيلة: عملتُ عملاً أتقرّبُ به إليه، وتوسّلت إلى فلان بكتاب أو قرابة، أي تقربتُ به إليه(1).

وقال الجوهري في الصحاح: الوسيلة ما يتقرّب به إلى الغير والجمع: الوُسُل والوسائل(2).

ونحن في غنى عن تحقيق معنى الوسيلة في اللغة؛ لاَنّها من المفاهيم الواضحة لدينا وحقيقتها لا تتجاوز اتّخاذ شيء ذريعة إلى أمر آخر يكون هو المقصود والمبتغى، وهي تختلف حسب اختلاف المقاصد.

فمن ابتغى رضا الله تبارك وتعالى يتوسّل بالاَعمال الصالحة التي بها يكتسب رضاه، ومن طلب استجابة دعائه يتوسّل بشيء جُعِل في الشريعة وسيلة لها، ومن أراد زيارة بيت الله الحرام يتوسّل بما يوصله إليها، فوضوح معناه يبعثنا إلى أن نترك نقل أقوال اللغويين في ذلك المضمار وإن كانت أكثر كلماتهم في المقام متماثلة.


(1) الخليل، ترتيب العين، مادة «وسل».
(2) الصحاح، ج 5، مادة «وسل».


(7)

والمقصود من التوسّل في المقام، هو أن يقدِّم العبدُ إلى ربّه شيئاً، ليكون وسيلةً إلى الله تعالى لاَن يتقبّل دعاءه ويجيبه إلى ما دعا، وينالَ مطلوبه، مثلاً إذا ذكر الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ومجّده وقدّسه وعظّمه، ثم دعا بما بدا له، فقد اتّخذ أسماءه وسيلة لاستجابة دعائه ونيل مطلوبه، ومثله سائر التوسّلات، والتوسّل بالاَسباب في الحياة أمر فطري للاِنسان، فهو لم يزل يدق بابها ليصلَ إلى مسبباتها، وقال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ : «أبى الله أن تجري الاَشياء إلاّ بأسباب فجعل لكل شيء سبباً»(1).

إنّ الوسيلة إذا كانت وسيلة عادية للشيء وسبباً طبيعياً له، فلا يشترط فيها إلاّ وجود الصلة العادية بين الوسيلة والمتوسّل إليه، فمن يريد الشبع فعليه الاَكل ولا يُريحه شربُ الماء؛ إذ لا صلة بين شرب الماء، وسدِّ الجوع، فالعقلاء في حياتهم الدنيوية ينتهجون ذلك المنهج بوازع فطري، أو بعامل تجريبي، نرى أنّ ذا القرنين عندما دُعي إلى دفع شرّ يأجوج ومأجوج اللّذين كانوا يأتيان من وراء الجبل ويفسدان ويقتلان ويغيران عليهم، لبّى دعوتهم وتمسّك بالسبب الطبيعي القويم الذي يدفع به شرّهم فخاطبهم بقوله: «آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً* فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً »(2).

ففي هذا الموقف العصيب توسّل ذوالقرنين ـ ذلك الاِنسان الاِلهي ـ بسبب طبيعي؛ إذ إنّه وقف على الصلة بين الوسيلة وما يهدف إليه، وهو سدّ الوديان بِقِطَعِ الحديد حتى إذا ساوى بين الجبلين أمر الحدّادين أن ينفخوا في نار الحديد التي أُوقدت فيه حتى جعله ناراً، وعند ذلك قال: ائتوني نحاساً مذاباً أو صفراً مذاباً،


(1) الكافي 1: 183.
(2) الكهف: 96 ـ 97.


(8)

حتى أصبَّه على السد بين الجبلين وينسد بذلك النقب ويصير جداراً مصمتاً، فكانت حجارته الحديد وطينه النحاس الذائب.

ففي المورد وأضرابه التي بنيت عليها الحياة الاِنسانية في هذا الكوكب، لا يشترط بين الوسيلة والهدف سوى الرابطة الطبيعية أو العادية التي كشف عنها العلم والتجربة وأمّا التوسّل في الاَُمور الخارجة عن نطاق الاَُمور العادية، فبما أنّ التعرّف على أسبابه خارج عن إطار العلم والتجربة بل يُعدّ من المكنونات الغيبية، فلا يقف عليها الاِنسان إلاّ عن طريق الشرع وتنبيه الوحي، وبيان الاَنبياء والرسل وما ذاك إلاّ لاَنّهم هم الذين يرفعون الستار عن وجه الحقيقة ويصرّحون بالوسيلة ويبيّنون بأنّ هناك صلة بينها وبين ما يبغيه الاِنسان المتوسّل.

وهذا الاَصل يبعثنا إلى أن لا نتوسل بشيء فيما نبتغيه من رضا الربّ، وغفران الذنوب واستجابة الدعاء ونيل المنى، إلاّ عن طريق ما عيّنه الشارع وصرّح بأنّه وسيلة لذلك الاَمر، فالخروج عن ذلك الاِطار يسقطنا في مهاوي التشريع ومهالك البِدع التي تعرّفتَ على مضاعفاتها.

فالمسلمون سلفُهم وخلفهم، صحابيّهم وتابعيّهم، والتابعون لهؤلاء بإحسان في جميع الاَعصار ما كانوا يخرجون عن ذلك الخط الذي رسمناه، فما نَدَب إليه الشرع في مجال التوسّل يأخذون به، وما لم يذكره، أو نهى عنه يتركونه، ولا اعتبار بالبدَعِ المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وها نحن نتلو عليك التوسّلات المشروعة التي ندب إليها الشرع، وحثّ عليها النبي الاَكرم وخلفاؤه مجتنبين عن الاِسهاب في الكلام، مقتصرين على اللبّ تاركين القشر.


(9)

( 1 )
التوسّل بأسمائه وصفاته

أمر الله سبحانه عباده بدعائه بأسمائه الحسنى فقال تعالى: «وَللهِِ الاََْسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ »(1).

إنّ الآية تصف أسماءه كلَّها بالحسنى لحسن معانيها، من غير فرق بين ما يرجع إلى صفات ذاته كالعالم والقادر، والحي، وما يرجع إلى صفات فعله كالخالق والرازق والمحيي والمميت، ومن غير فرق بين ما يفيد التنزيه ورفع النقص كالغنيّ والقدّوس، وما يعرب عن رحمته وعفوه كالغفور والرحيم، فعلى المسلم دعاؤه سبحانه بها فيقول: يا الله يا رحمن يا رحيم، يا خالق السماوات والاَرض، يا غافر الذنوب ويا رازق الطفل الصغير. وتركِ عملِ الذين يعدلون بأسماء الله تعالى عمّا هي عليه فيسمّون بها أصنامهم بالزيادة والنقصان، فيسمّون أصنامهم باللات والعزّى أخذاً من الله العزيز، سيجزون ما كانوا يعملون في الآخرة.

فعندما يذكره العبد بأسمائه التي تضمّنت كل خير وجمال، ورحمة ومغفرة


(1) الاَعراف: 180.


(10)

وعزّة وقدرة، ثم يعقبه بما يطلبه من مغفرة الذنوب وقضاء الحوائج فيستجيب له سبحانه، وقد دلّت على ذلك، الآثار الصحيحة التي نذكر منها ما يلي:

1 ـ أخرج الترمذي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنّ رسول الله سمع رجلاً يقول: اللّهمّ إنّي أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت، الاَحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فقال النبي: «لقد سألتَ الله باسمه الاَعظم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى»(1).

والحديث تضمّن بيان الوسيلة، والتوسّل بالاَسماء، وإن لم يأت فيه الغرض الذي لاَجله سأل الله تعالى بأسمائه.

2 ـ عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تسأله خادماً، فقال لها : «قولي: اللّهمّ ربّ السماوات السبع، وربّ العرش العظيم، ربّنا وربّ كل شيء ومنزل التوراة والاِنجيل والقرآن، فالق الحبّ والنوى، أعوذ بك من شرّ كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الاَوّل فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر»(2).

3 ـ وأخرج أحمد والترمذي عن أنس بن مالك، أنّه كان مع رسول الله جالساً ورجل يصلّي، ثم دعا: اللّهم إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إله إلاّ أنت، أنت المنّان بديع السماوات والاَرض يا ذا الجلال والاِكرام يا حيّ يا قيّوم، فقال النبي: «تدرون بم دعا الله ؟ دعا الله باسمه الاَعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى»(3).


(1) الترمذي، الصحيح 5: 515 برقم 3475، الباب 65 من كتاب الدعوات.
(2) الترمذي، الصحيح 5: 518 برقم 3481، الباب 68 من كتاب الدعوات.
(3) الترمذي، الصحيح 5: 549 ـ 550 برقم 3544، الباب 100 من كتاب الدعوات.


(11)

وفي روايات أئمة أهل البيت: نماذج من هذا النوع من التوسّل يقف عليها الذي يسبر رواياتهم وأحاديثهم.

4 ـ فقد روى الاِمام الرضا _ عليه السلام _ عن جدّه محمد الباقر _ عليه السلام _ أنّه كان يدعو الله تبارك وتعالى في شهر رمضان بدعاء جاء فيه: «اللّهمّ إنّي أسألك بما أنت فيه من الشأن والجبروت، وأسألك بكلّ شأن وحده وجبروت وحدها، اللّهم إنّي أسألك بما تجيبني به حين أسألك فأجبني يا الله»(1).

5 ـ روى الشيخ الطوسي في مصباحه عن الاِمامين الباقر والصادق8 دعاءً باسم دعاء السمات مستهلّه:

«اللّهمّ إنّي أسألك باسمك العظيم الاَعظم، الاَعزّ الاَجلّ الاَكرم، الذي إذا دُعيتَ به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة، انفتحت؛ وإذا دُعيتَ به على مضايق أبواب الاَرض للفرج، انفرجت؛ وإذا دعيت به على العسير لليسر تيسّرت...»(2).

إنّ ثناء الله وتقديسه ووصفه بما وصف به في كتابه وسنّة نبيّه، يوجد أرضية صالحة لاستجابة الدعاء، ويكشف عن استحقاق الداعي لرحمته وعفوه وكرمه. وبما أنّ هذا القسم من التوسّل اتّفقت عليه الاَُمّة سلفها وخلفها ولم يذكر فيه أيّ خلاف فلنتقصر فيه على هذا المقدار.


(1) إقبال الاَعمال : 348، ط 1416 هـ.
(2) مصباح المتهجد: ص 374.


(12)

( 2 )
التوسّل بالقرآن الكريم

إنّ الاِنسان مهما كان مبدعاً في الوصف والتعبير، لا يستطيع أن يصف كلام الله العزيز بمثل ماوصفه به سبحانه، فقد وصف هو كتابه بأنّه نور، وكتاب مبين، وهدىً للمتّقين، نزل بالحق تبياناً لكل شيء، إلى غير ذلك من المواصفات الواردة فيه.

وكتابه سبحانه، فعله، فالتوسّل بالقرآن والسؤال به، توسّل بفعله سبحانه ورحمته التي وسعت كل شيء، ومع ذلك كلّه يجب على المتوسّل، التحقّق من وجود دليل على جواز هذا النوع من التوسّل، لما عرفت من أنّ كل ما يقوم به المسلم من التوسّلات يلزم أن لا يخدش أصل التوحيد وحرمة التشريع، ولحسن الحظ أنَّك ترى وروده في الشرع.

روى الاِمام أحمد، عن عمران بن الحصين، أنّه مرّ على رجل يقصّ، فقال عمران: إنّا لله وإنّا إليه راجعون سمعت رسول الله يقول: «اقرأوا القرآن واسألوا الله تبارك وتعالى به قبل أن يجيء قوم يسألون به الناس»(1). فعموم لفظ الحديث


(1) الاِمام أحمد، المسند 4: 445. ورواه في كنز العمال عن الطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الاِيمان، لاحظ ج1: 608 | 2788.


(13)

يدلّ على جواز سؤاله سبحانه بكتابه المنزل ما شاء من الحوائج الدنيوية والاَُخروية.

والاِمعان في الحديث يرشدنا إلى حقيقة واسعة وهي جواز السؤال بكل من له عند الله منزلة وكرامة، وما وجه السؤال بالقرآن إلاّ لكونه عزيزاً عند الله، مكرّماً لديه، وهو كلامه وفعله، وهذا أيضاً متحقّق في رسوله الاَعظم وأوليائه الطاهرين عليهم سلام الله أجمعين.

وورد عن أئمة أهل البيت: أنّه يستحبّ في ليلة القدر أن يفتح القرآن فيقول: «اللّهمّ إنّي أسألك بكتابك المنزل وما فيه، وفيه اسمك الاَكبر وأسماؤك الحسنى وما يخاف ويرجى أن تجعلني من عتقائك من النار»(1).


(1) إقبال الاِعمال: ص 41. رواه حريز بن عبد الله السجستاني عن أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _.


(14)

( 3 )
التوسّل بالاَعمال الصالحة

إذا كان التوسّل بمعنى تقديم شيء إلى ساحة الله ليستجيب الدعاء، فلا شك في أنّ العمل الصالح أحسن شيء يتقرّب به الاِنسان إلى الله تعالى، وأحسنُ وسيلةٍ يُتمسّك بها فتكون نتيجة التقرّب هي نزول رحمته عليه وإجابة دعائه، وفي بعض الآيات الكريمة تلميح إلى ذلك، وإن لم يكن فيها تصريح إلاّ أنّ السنّة النبويّة صرّحت بذلك، أمّا الآيات فنأتي بنموذجين منها:

1 ـ «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ »(1).

ترى أنّ إبراهيم وولده الحليم قدّما إلى الله تبارك وتعالى وسيلة وهي بناء البيت، فعند ذلك طلبا من الله سبحانه عدّة أُمور تجمعها الاَُمور التالية:

تقبّل منّا، واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريّتنا أُمّة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا، وتب علينا.


(1) البقرة: 127 ـ 128.


(15)

والآية وإن لم تكن صريحة فيما نبتغيه غير أنّ دعاء إبراهيم في الظروف التي كان يرفع فيها قواعد البيت مع ابنه، ترشدنا إلى أنّ طلب الدعاء في ذلك الظرف، لم يكن أمراً اعتباطياً، بل كانت هناك صلة بين العمل الصالح والدعاء، وأنّه في قرارة نفسه تمسك بالاَوّل ليستجيب دعاءه.

2 ـ قوله سبحانه: « الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ »(1).

ترى أنّه عطف طلب الغفران بالفاء على قوله: «ربّنا إنّنا آمنّا » ، ففاء التفريع تعرب عن صلة بين الاِيمان وطلب الغفران.

وأنت إذا سبرت الآيات الكريمة تقف على نظير ذلك فكلّها من قبيل التلميح لا التصريح، غير أنّ في السنّة النبوية تصريح على أنّ ذكر العمل الصالح الذي أتى به الاِنسان لله تبارك وتعالى، يثير رحمته، فتنزل رحمته على عبده ويُستجاب دعاؤه، وقد روى الفريقان القصّة التالية وفيها غنى وكفاية:

روى البخاري عن ابن عمران عن _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر، فآووا إلى غارٍ فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلاّ الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه.

فقال واحد منهم: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمِلَ لي على فرق من أرُز، فذهب وتركه، وإنّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقراً، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنّما لي عندك فَرَق من أرُز، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنّها من ذلك


(1) آل عمران: 16.


(16)

الفَرَق، فساقها، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك، ففرّج عنّا، فانساحت عنهم الصخرة.

فقال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأتُ عليهما ليلةً، فجئتُ وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أُوقظهما وكرهت أن أدعهما فَيسْتَكنّا لشربتهما، فلم أزل انتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا، فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.

فقال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عم من أحبّ الناس إليّ وأنّي راودتها عن نفسها فأبت إلاّ أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرتُ، فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلمّا قعدت بين رجليها فقالت: اتّق الله ولا تفضّ الخاتم إلاّ بحقّه، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا، ففرّج الله عنهم فخرجوا»(1).

لم تكن الغاية من تحديث النبي بما ذكر إلاّ تعليم أُمّته حتى يتّخذوا ذكر العمل الصالح وسيلة لاستجابة دعوتهم. ولو كان ذلك من خصائص الاَُمم الماضية لصرّح بها. وقد رواه الفريقان باختلاف في اللّفظ.

3 ـ روى البرقي أحمد بن خالد (ت 274 هـ) في محاسنه، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن المفضل بن صالح، عن جابر الجعفي، يرفعه قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «خرج ثلاثة نفر يسيحون في الاَرض، فبينما هم يعبدون الله في كهف في قلّة جبل حتى بدت صخرة من أعلى الجبل حتى التقمت باب الكهف، فقال بعضهم


(1) البخاري، الصحيح 4: 173،كتاب الاَنبياء ، الباب 53 ؛ ورواه في كتاب البيوع ، الباب 98، واللفظ لكتاب الاَنبياء.


(17)

لبعض: عباد الله والله ما ينجيكم ممّا وقعتم إلاّ أن تصدقوا الله، فهلمّوا ما عملتم لله خالصاً، فانّما أُسلمتم بالذنوب.

فقال أحدهم: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي طلبت امرأة لحسنها وجمالها، فأعطيت فيها مالاً ضخماً، حتى إذا قدرت عليها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة وذكرت النار، فقمت عنها فزعاً منك، اللّهمّ فارفع عنّا هذه الصخرة، فانصدعت حتى نظروا إلى الصدع.

ثم قال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي استأجرت قوماً يحرثون كل رجل منهم بنصف درهم، فلمّا فرغوا أعطيتهم أُجورهم، فقال أحدهم: قد عملت عمل اثنين والله لا آخذ إلاّ درهماً واحداً، وترك ماله عندي، فبذرت بذلك النصف الدرهم في الاَرض، فأخرج الله من ذلك رزقاً، وجاء صاحب النصف الدرهم فأراده، فدفعت إليه ثمن عشرة آلاف، فإن كنت تعلم أنّما فعلته مخافة منك فارفع عنّا هذه الصخرة، قال: فانفرجت منهم حتى نظر بعضهم إلى بعض.

ثم إنّ الآخر قال: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّ أبي وأُمّي كانا نائمين، فأتيتهما بقعب من لبن، فخفت أن أضعه أن تمج فيه هامة، وكرهت أن أُوقظهما من نومهما، فيشق ذلك عليهما، فلم أزل كذلك حتى استيقظا وشربا، اللّهمّ فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فارفع عنّا هذه الصخرة، فانفرجت لهم حتى سهل لهم طريقهم، ثم قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: من صدق اللهنجا»(1).

4 ـ وقال الاِمام الطبرسي: أصحاب الرقيم هم النفر الثلاثة الذين دخلوا في


(1) نور الثقلين: الجزء 3 في تفسير قوله: ( أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً ) (الكهف: 9) نقلاً عن محاسن البرقي في تفسير الآية.


(18)

غار، فانسدّ عليهم، فقالوا: ليدعُ الله تعالى كل واحد منّا بعمله حتى يفرّج الله عنّا، ففعلوا، فنجّاهم الله. رواه النعمان بن بشر مرفوعاً(1).

ولعل فيها غنىً وكفاية ومن أراد التوسّع فعليه السبر في غضون الروايات.


(1) مجمع البيان 3: 452.


(19)

( 4 )
التوسّل بدعاء الرسول الاَكرم

إنّ للنبي الاَكرم مكانة مرموقة عند ربّه ليس لاَحدٍ مثلها، فهو أفضل الخليقة ، وقد بلغت عناية القرآن الكريم ببيان نواح من مناقبه إلى حد لا ترى مثل ذلك إلاّ في حق القليل من أنبيائه، وربما يطول بنا الكلام إذا قمنا بعرض جميع الآيات الواردة في حقّه، وإنّما نشير إلى بعضها.

فقد أشار الذكر الحكيم إلى مكانته المرموقة ولزوم توقيره وتكريمه وأنّه لا يصلح دعاؤه كدعاء البعض للبعض بقوله سبحانه: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ »(1)وقال سبحانه أيضاً: « لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً »(2).

وإلى كماله الرفيع وإمامته وكونه قدوة وأُسوة للمؤمنين يتأسّون به في قِيَمه ومُثُله العليا، بقوله سبحانه: « لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ


(1) الحجرات: 2.
(2) النور: 63.


(20)

يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الاَْخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً »(1).

وإلى عظمته وكرامته عند الله بحيث يصلّي عليه سبحانه وملائكته فأمر المؤمنين أن يصلّوا عليه بقوله: « إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً »(2).

وإلىصفاء نفسه وقوة روحه وجمال خلقه بقوله: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ »(3).

وإلى عكوفه على عبادة ربّه وتهجّده في الليل وسهره في طريق طاعة الله بقوله: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ »(4).

وإلى غزارة علمه بقوله: «وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً »(5).

وإلى أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أحد الاَمانين في الاَرض بقوله: «وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ »(6).

وقد بلغت كرامة الرسول ـ عند الله ـ إلى حدّ يتلو اسمه اسمَ الله وينسب إليهما فعلواحدويقول: «وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادةِ »(7).

وقال سبحانه: «وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً »(8).


(1) الاَحزاب: 21.
(2) الاَحزاب: 56.
(3) القلم: 4.
(4) المزمل: 20.
(5) النساء: 113.
(6) الاَنفال: 33.
(7) التوبة: 94.
(8) الاَحزاب: 71.


(21)

وقال الله سبحانه: «وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ »(1).

إلى غير ذلك من الآيات التي اقترن فيها اسم نبيه باسمه سبحانه ونسب إليهما فعل واحد وشهدت بكرامته عند الله وقربه منه، فإذا كانت هذه منزلته عند الله، فلا يرد دعاؤه، وتستجاب دعوته، فيكون دعاء مثل تلك النفس غير مردود، والمتمسك بدعائه متمسكاً بركن وثيق وعماد رصين، ولاَجل تلك الخصوصية نرى أنّه سبحانه يأمر المذنبين من المسلمين بالتمسّك بذيل دعائه، ويأمرهم بأن يحضروا الرسول الاَعظم ويستغفروا الله في مجلسه ويسألوه أن يستغفر لهم أيضاً، فكان استغفاره لهم سبباً لنزول رحمته وقبوله توبتهم، قال سبحانه: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً »(2).

كما نرى أنّه سبحانه في آية أُخرى يندّد بالمنافقين بأنّه، إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله، لوّوا رؤوسهم، يقول سبحانه: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ »(3).

وما هذا إلاّ لاَنّ دعاء الرسول دعاء مستجاب، ودعوته مقبولة، واستغاثته مستجابة، لاَنّه نابع من نفس طاهرة مؤمنة راضية مرضية.

إنّ من الظلم الواضح تسوية دعاء النبي بدعاء سائر المسلمين والتعبير عن دعائه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بدعاء الاَخ المؤمن ! وجعل الجميع تحت عنوان واحد، فانّ لدعاء الاَخ المؤمن مقاماً رفيعاً، ولكن أين هو من دعاء الرسول ؟!

إنّ التوسّل بدعاء الاِنسان الاَمثل كان رائجاً في الرسالات السابقة، فنرى أنّ


(1) التوبة: 74.
(2) النساء: 64.
(3) المنافقون: 5.


(22)

أبناء يعقوب بعدما كُشِفَ أمرهم وبان ظلمهم توسّلوا بدعاء أبيهم النبيّ وقالوا له: «يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ* قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ »(1).

ففي هذه الآيات دلالة واضحة على أنّ رحمة الله الواسعة تارة تنزل على العبد مباشرة وبدون واسطة، واُخرى تنزل عن طريق أفضل خلائقه وأشرف رسله، بل مطلق رسله وسفرائه.

وفي ذلك دلالة على وهن ما يلوكه بعض أشداق الناس فيقولون: إنّه سبحانه أعرف بحال عبده وأقرب إليه من حبل الوريد يراه ويسمع دعاءه؛ فلا حاجة لتوسط سبب والتوسّل بمخلوق و... هذه الكلمات تصدر عمّن ليس له إلمام بالقرآن الكريم ولا بالسنّة النبوية ولا بسيرة السلف الصالح؛ إذ ليس الكلام في علمه سبحانه، بل الكلام في أمر آخر وهو أنّ دعاء الاِنسان الظالم لنفسه ربما لا يكون صاعداً إلى الله تبارك وتعالى ومقبولاً عنده، ولكنّه إذا ضمّ إليه دعاء الرسول أصبح دعاؤه مستجاباً وصاعداً إليه سبحانه.

وللشيخ محمد الفقي ـ من علماء الاَزهر الشريف ـ كلام في المقام نأتي بملخّصه .

لقد شرّف الله تعالى نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بأسمى آيات التشريف، وكرّمه بأكمل وأعلى آيات التكريم، فأسبغ عليه نِعَمه ظاهرة وباطنة، وتوّجه بأعظم أنواع التيجان قدراً وذكراً، وأرفع الاَكاليل شأناً وخطراً. فذكر منزلته منه جلّ شأنه حيّاً وميتاً في قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً »(2)فأيّ تشريف أرفع وأعظم من صلاته سبحانه وتعالى هو وملائكته عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟ وأيّ تكريم أسمى بعد ذلك من دعوة عباده وأمره لهم بالصلاة


(1) يوسف: 97 ـ 98.
(2) الاَحزاب: 56.


(23)

والسلام عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟

ولم يقف تقدير الله تعالى له عند هذا التقدير الرائع، بل هناك ما يدعو إلى الاِعجاب ويلفت الاَنظار إلى تعظيم على جانب من الاَهمية، ألم تر في قوله تعالى:« لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ »(1)ما يأخذ بالاَلباب ويدهش العقول، فقد أقسم سبحانه وتعالى بنبيّه في هذه الآية: « وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ »(2)قال ابن عباس 2: ما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفساً أكرم على الله من محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

وما سمعتُ أنّه تعالى أقسم بحياة أحد غيره، والقرآن الكريم تفيض آياته بسموّ مقامه، وتوحي بعلوّ قدره، وجميل ذكره، فقد جعل طاعته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ طاعة له تعالى وقوله عزّ من قائل: «مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ »(3)وعلّق حبّه تعالى لعباده على اتّباعه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيما بعث به وأرسل للعالمين، إذ يقول سبحانه: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ »(4).

وممّا يدل على مبلغ تقديره، ومدى محبة الله تعالى، وتشريفه لرسوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قوله تعالى: ص وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ش(5)الآية، قال عليّ 2: «لم يبعث الله نبياً من آدم فمن بعده إلاّ أخذ عليه العهد في محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لئن بعث وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه ويأخذ العهد».

ففي ملازمة جبريل له _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من مكّة إلى بيت المقدس أكبر مظهر من مظاهر الشرف والفخار، وأسمى آية من آيات التقدير للرسول الاَعظم في حياة الاَُمم


(1) الحجر:72.
(2) الواقعة: 76.
(3) النساء: 80.
(4) آل عمران: 31.
(5) آل عمران: 81.


(24)

وتأريخها. فهذه الآيات التي قصصتها وجئتكم بها وإن كانت كلّها بصائر وهدى ورحمة لقوم يؤمنون لا أرى مانعاً من ذكر ما عداها، ففيها تنبيه الغافلين إلى مزيد من النظر فيما عساه أن يقنعهم ويهديهم إلى الاِيمان بما جاءت به الآيات البيّنات، وما يوحي به الدين وتعاليمه القويمة، فمن روائع ما يتمتع به من العظمة الصلاة عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عند بدء الدعاء وختمه؛ فانّ في ذلك القبول والاستجابة، فقد صحّ عن عمر وعليّـرضي الله عنهما ـ أنّهما قالا لرجل دعا ولم يصلِّ على _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «إنّ الدعاء موقوف بين السماء والاَرض لا يرفع ولا تفتح له الاَبواب حتى يصلّي الداعي على _ صلى الله عليه وآله وسلم _»، ومثل هذا لا يقال من قبيل الرأي فهو في حكم المرفوع، بل قد ثبت هذا مرفوعاً إلى _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

وأخيراً قد دلّ قوله تعالى: «وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ »(1)على علوّ مكانته وجليل قدره وعظم شأنه؛ إذ المعنى في ذلك أنّنا قرنّا اسمك باسمنا، وجعلنا الاِيمان لا يتحقّق إلاّ بالنطق بالشهادتين، وغير ذلك من براهين الشريعة وأدلّتها التي لا تحصى ولا يمكن أن تستقصى.

وإليك ما قاله حسان بن ثابت صاحب الرسول وشاعره:

أغرَّ عليه للنبوّة خاتم * من الله من نور يلوح ويشهد
وضمّ الاِله اسم النبيّ إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشقَّ له من اسمه لِيُجلَّه * فذو العرش محمود وهذا محمد(2)

إنّ السبب الواقعي لاستجابة دعائه إنّما هو روحه الطاهرة ونفسه الكريمة


(1) الانشراح: 4.
(2) التوسّل والزيارة ص 156 ـ 160، وقد أورد في بحثه كثيراً من الآيات التي تشهد على عظمة رسول الله ومكانته وقربه وقد لخّصنا كلامه.


(25)

وقربها من الله سبحانه، وهي التي تضفي على الدعاء أثراً وتجعله صاعداً ومدعماً لدعاء الغير.

نعم هناك كلام في اختصاص ذلك الاَمر بحياة النبي الجسمانية، أو يعمّ حياته البرزخية التي فيها يُرزق ويفرح ويستبشر، فهناك من يخص الآية بحياته الجسمانية بحجة وروده فيها، ولكن الاَدلة التي سنبيّنها توقفك على جلي الحال، فانتظر...


(26)

5
التوسّل بدعاء النبيّ في حياته البرزخية

ذكرنا لك دعوة القرآن الكريم المذنبين للتوسّل بدعاء النبي الاَكرم، وهناك من يخصّ مفاد الآيات بحياة النبي الجسمانية قائلاً بانقطاعه عنّا بموته وانتقاله إلى الحياة البرزخية، وما ذلك إلاّ أخذاً بظاهر الآية الواردة في حياته الدنيوية، وهذه الفكرة لها قيمتها لدى أصحابها، ولكن للمناقشة فيها مجال واسع. فاذا دلّت الآيات الكريمة والسنّة النبوية على امتداد حياته بعد انتقاله إلى البرزخ ووجود الصلة بينه وبيننا، لزم القول بعموم مفاد الآية وشمولها لما بعد الموت، خصوصاً إذا دعمها عمل السلف الصالح والتابعين لهم بإحسان، فهناك مواضيع من البحث لا يمكن القضاء البات فيها إلاّ بعد دراستها في ضوء الكتاب والسنّة، وهذه المواضيع هي:

1 ـ حياة الاَنبياء والاَولياء بعد انتقالهم إلى البرزخ.

2 ـ وجود الصلة بيننا وبينهم، حيث يسمعون كلامنا ويجيبون دعوتنا.

3 ـ سيرة السلف الصالح على التوسّل ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد انتقاله إلى البرزخ.

وإليك دراسة المواضيع واحداً تلو الآخر.


(27)

الاَوّل: حياة الاَنبياء والأولياء بعد انتقالهم إلى البرزخ:

هذا الموضوع هو المهم بين المواضيع التي ذكرت، ويمكن الاستدلال عليه من خلال أُمور بعضها يدلّ على حياتهم بصورة مباشرة وأُخرى غير مباشرة، وإذا لاحظنا مجموع الاَدلّة نقطع بحياتهم البرزخية بلا ريب، وإليك هذه الاَُمور:

أ ـ دلّت الآيات الشريفة على حياة الشهداء ؛ حياة حقيقية مقترنة بآثارها من الرزق والفرح والاستبشار ودرك المعاني والحقائق، قال سبحانه: « وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ »(1).

فالآية تدل على حياة الشهداء وارتزاقهم عند ربهم مقترنة بالآثار الروحية من الفرح والاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وتبشيرهم على أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، إلى غير ذلك ممّا جاء في الآيتين.

إنّ الله سبحانه يطرح حياتهم لاَجل إظهار إكرامه ونعمته عليهم، وبذلك يرد الفكرة السائدة في صدر الرسالة من أن موت الشهيد انتهاءُ حياته. وإذا كان الشهداء أحياءً لاَجل استشهادهم في سبيل دين الله الذي جاء به النبي الاَكرم، فهل يُتصوّر أن يكون الشهداء أحياءً، ولا يكون النبيّ ـ الاَفضل ـ القائد حيّاً، وهذا ما لا تقبله الفطرة السليمة، وأيّ مسلم لهج بخلافه فانّما يلهج بلسانه وينكره بقلبه وعقله.


(1) آل عمران: 169 ـ 171.


(28)

ب ـ هذا هو حبيب النجار لم يكن له شأن سوى أنّه صدّق المرسلين ولقى من قومه أذىً شديداً حتى قضى نحبه شهيداً. فنرى أنّه بعد موته خوطب بقوله سبحانه: «قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ » ثم إنّه بعد دخوله الجنة يتمنّى عرفان قومه مقامه ومصيره بعد الموت فيقول: «قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ »(1)فهو يتمنّى في ذلك الحال لو أنّ قومه الموجودين في الدنيا علموا أنّ الله سبحانه غفر له وجعله من المكرمين، يتمنّى ذلك لاَجل أن يرغب قومه في مثل ثوابه وليؤمنوا لينالوا ذلك.

ومن المعلوم أنّ الجنة التي حلّ فيها حبيب النجار كانت قبل يوم القيامة، بشهادة أنّه تمنّى عرفان أهله مقامه وإكرام الله له وهم على قيد الحياة الدنيوية، وإن لحقهم العذاب بعد ذلك، قال: «وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ* إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ »(2)فإذا كان الشهداء والصالحون ـ أمثال حبيب النجار المصدِّق للرسل ـ أحياءً يرزقون فما ظنّك بالاَنبياء والصدّيقين المتقدّمين على الشهداء، قال سبحانه: « وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً »(3)فلو كان الشهيد حياً يرزق فالرسول الاَكرم الذي ربّى الشهداءَ واستوجب لهم تلك المنزلة العليا، أولى بالحياة بعد الوفاة وبعدهم الصدّيقون.

ج ـ دلّت الآيات الكريمة والبراهين العقلية على أنّ الموت ليس فناء الاِنسان ونفاده، وإنّما هو انتقال من عالم إلى آخر، نعم الماديون المنكرون لعالمِ الاَرواح،


(1) يس: 26 ـ 27.
(2) يس: 28 ـ 29.
(3) النساء: 69.


(29)

والنافون لما وراء الطبيعة يعتقدون بأنّ الموت فناء الاِنسان وضلاله في الاَرض بحيث لا يبقى شيء من بعد ذلك إلاّ الذرّات المادية المبعثرة في الاَرض، ولهذا كانوا ينكرون إمكان إعادة الشخصية البشرية؛ إذ ليس هناك شيء متوسط بين المبتدأ والمعاد.

ولهذا جاء الوحي يندد بتلك الفكرة ويفنِّد دليلهم المبني على قولهم: «أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الاََْرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ » فردّهم بقوله: « قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ »(1).

وتوضيح الردّ أنّ الموت ليس ضلالاً في الاَرض وأنّ شخصية الاِنسان ليست هي الضالة الضائعة في ثنايا التراب، وإنّما الضال في الاَرض هو أجزاء البدن المادّي، فهذه الاَجزاء هي التي تتبعثر في الاَجواء والاَرض، ولكن هذه لا تشكّل شخصية الاِنسان، بل شخصيته شيء آخر هو الذي يأخذه ملك الموت، وهو عند الله محفوظ، كما يقول: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » فإذاً لا معنى للتوفّي إلاّ الاَخذ وهو أخذ الاَرواح والاَنفس ونزعها من الاَبدان وحفظها عند الله.

وهناك آية أُخرى تفسّر لنا معنى التوفّي بوضوح وأنّه ليس بمعنى الموت والفناء، بلالاَخذ والقبض أيقبض شيءموجودوأخذشيءواقعي،يقول سبحانه: «اللهُ يَتَوَفَّى الاََْنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاَُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِيذَلِكَ لاََيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »(2) فمفاد الآية أنّ الله يقبض الاَنفس ويأخذها في مرحلتين: حين الموت وحين النوم، فما قضى عليها بعدم الرجوع إلى الدنيا أمسكها، ولم يردّها إلى الجسد، وما لم يقض


(1) السجدة: 10 ـ 11.
(2) الزمر : 42.


(30)

عليها كذلك أرسلها إلى أجل مسمّى. كل ذلك يكشف عن أنّ الموت ليس فناءَ الاِنسانِ وآية العدم، بل هناك انخلاع عن الجسد وارتحال إلى عالم آخر.

د ـ وهناك كلمة قيّمة لاَبي الشهداء الحسين بن علي _ عليه السلام _ توضح هذه الحقيقة إذ قال لاَصحابه في يوم عاشوراء: «صبراً يا بني الكرام فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء، إلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر، وما هو لاَعدائكم إلاّ كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب، إنّ أبي حدّثني عن رسول الله: أنّ الدنيا سجن المؤمن، وجنّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ما كذبتُ ولا كُذِّبتُ»(1).

وفي هذه الآيات غنى وكفاية لثبوت الحياة البرزخية للاَنبياء والشهداء والصدّيقين، بل لغيرهم وقد شهدت بذلك الآيات الكريمة التي لا مجال لنقلها(2)، وهذه الحقيقة ممّا أجمع عليها أئمة أهل السنّة، فهذا الاِمام الاَشعري يقول: «ومن عقائدنا أنّ الاَنبياء: أحياءٌ» وقد ألّف كتاباً أسماه «حياة الاَنبياء»(3).

فلنقتصر بهذا البيان في إثبات الموضوع الاَوّل وقد تركنا الاحتجاج على حياتهم بما ورد في السنّة النبويّة وسيوافيك بعضها في المستقبل.

الثاني: الصلة بين الحياة الدنيوية والحياة البرزخية:

هذا هو الموضوع الثاني من المواضيع الثلاثة التي يتوقف عليها إثبات ما هو المقصود في هذا المبحث.


(1) بلاغة الحسين: ص 47.
(2) وقد أشبعنا الكلام في ذلك عند البحث في الحياة البرزخيّة فلاحظ.
(3) طبقات الشافعية 3: 406.


(31)

القول بالحياة البرزخية للاَنبياء والصدّيقين لا يفي وحده بما هو المهم هنا ما لم يثبت أنّ هناك صلة بيننا وبينهم في البرزخ، بحيث يسمعوننا ويستطيعون أن يردّوا علينا، وهذا هو الموضوع الثاني الذي أشرنا إليه وهنا نكتفي بأبرز الآيات الواردة في هذا المضمار التي تدلّ على إمكان الاتصال بالاَرواح المقدسة الموجودة في عالم البرزخ، وهذا وإن أثبته علم النفس بعد تجارب كثيرة، ولكنّنا أخذنا على أنفسنا أن نستدلّ بالكتاب والسنّة، ولو كان هناك شيء في العلم فهو أيضاً يدعم مدلول الكتاب والسنّة.

إنّ الكتاب والسنّة تضافرا على إمكان اتصال الاِنسان الموجود في الدنيا بالاِنسان الحي في عالم البرزخ وقد مرّت البرهنة على وجود الصلة بين الحياتين عند البحث في الحياة البرزخية فراجع(1).

الثالث: سيرة السلف الصالح في التوسّل بدعاء النبي بعد رحيله:

النظر إلى سيرة المسلمين بعد لحوق النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالرفيق الاَعلى يثبت أنّهم كانوا يتوسّلون بدعائه، كتوسّلهم به قبل لحوقه به فما كانوا يرون فرقاً بين الحالتين، فمن تصفّح سيرة المسلمين ورجع إلى غضون الكتب وشاهد عملهم في المسجد النبوي قرب مزاره الشريف، يلمس بسهولة استقرار السيرة على التوسّل بدعائه من غير فرق بين حياته وانتقاله، وها نحن نذكر من أعمال بعض الصحابة والتابعين شيئاً يسيراً ونترك الباقي للمتصفّح في غضون الكتب.

إنّنا لا يمكننا تصديق جميع ما روي لكنّ بين المرويات قضايا صادقة صدرت


(1) يراجع ص430 من هذا الكتاب .


(32)

عن أُناس صالحين ثم إنّها بكثرتها تدل على أنّ التوسّل كان أمراً رائجاً منذ عصر الصحابة إلى زماننا هذا، ولم يكن أمراً غريباً عند المسلمين.

ولو فرضنا أنّ بعض هذه القضايا تخالف الواقع، فلا ريب أنّه من باب استغلال الوضّاعين لاَصل مسَلَّم صحيح بين المسلمين، وهو صحّة التوسّل بدعاء النبي الاَكرم بعد رحيله؛ فانّهم نسجوا بعض القضايا في ظل ذلك الاَصل.

ولو فرضنا أنّه لم يكن أمراً رائجاً بين المسلمين بل كان أمراً غريباً أو محظوراً لما تجرّأ المستغِل أن ينسج قضية كاذبة على نول الشرك أو المحرم، فانّ الذي يحفّز الوضّاع على نسج الخرافة هو استعداد العامة لقبول تلك الخرافة ولولاه لما تجرّأ عليه لعدم حصول الغاية المتوخّاة من نسجها.

فهذه القضايا الكثيرة تدلّ ـ على كلا التقديرين ـ على المطلوب، فإن كانت صادقة فبصدقها، وإن كانت كاذبة فلاَجل حكايتها عن وجود أصل مسلّم بين المسلمين وهو التوسّل بدعاء النبي الاَكرم قبل وبعد موته، وكان هذا الاَصل ربما يستغل أحياناً من بعض المتاجرين بالدين.

على أنّ بعضها ممّا رواه الاِمام البخاري وسائر أصحاب الصحاح فلنذكر نماذج:

1 ـ هذا أبوبكر: أقبل على فرسه من مسكنه بالسنخ حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلّم الناس حتى دخل على عائشة ـرضي الله عنها ـ فتيمم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهو مسجّى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبّله ثم بكى، فقال: بأبي أنت يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها(1).

فلو لم تكن هناك صلة بين الحياتين فما معنى قوله: «بأبي أنت يا نبي الله» لو لم يكن سماع فماذا قصد ذلك الصحابي من قوله: «لا يجمع الله عليك موتتين».


(1) البخاري، الصحيح 2: 17، كتاب الجنائز.


(33)

2 ـ روى أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي (508 ـ 581 هـ) في الروض الاَنف: «دخل أبو بكر على رسول الله في بيت عائشة ورسول الله مسجّى في ناحية البيت، عليه برد حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ثم أقبل عليه فقبّله، ثم قال: بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذُقتها ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً»(1).

3 ـ روى الحلبي علي بن برهان الدين (975 ـ 1044 هـ) في سيرته وقال: «جاء أبو بكر من السنخ وعيناه تهملان فقبّل _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: بأبي أنت وأُمّي طبت حياً وميتاً»(2).

4 ـ روى مفتي مكّة المشرّفة زيني دحلان في سيرته فذكر ما ذكراه، وقال: قال أبوبكر: طبت حياً وميتاً، وانقطع بموتك ما لم ينقطع للاَنبياء قبلك، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أنّ موتك كان اختياراً لجدنا لموتك بالنفوس، اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن على بالك(3).

5 ـ قال أميرالمؤمنين علي _ عليه السلام _ عندما ولي غسل _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والاِنباء وأخبار السماء ـ إلى أن قال: ـ بأبي أنت وأُمّي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك»(4)

وقد أوضح السبكي أمر الاِجماع على الزيارة قولاً وفعلاً، وسرد كلام الاَئمة في ذلك، وبيّن أنّها قربة بالكتاب والسنّة، والاِجماع، والقياس.


(1) الروض الاَُنف 4: 260.
(2) السيرة الحلبية 3: 474 طـ. دار المعرفة، بيروت.
(3) سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية 3: 391، طـ. مصر.
(4) نهج البلاغة: الخطبة 235.


(34)

وأمّا الكتاب فقوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ » الآية دالّة على الحث بالمجيء إلى الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، والاستغفار عنده، واستغفاره لهم وهذه رتبة لا تنقطع بموته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وقد حصل استغفاره لجميع المؤمنين، لقوله تعالى: «اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ » فإذا وجد مجيئهم، فاستغفارهم، كملت الاَُمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ولرحمته. وقوله: «واستغفر لهم » معطوف عليه قوله:« جاءوك » فلا يقتضي أن يكون استغفار الرسول بعد استغفارهم مع أنّا لا نسلّم أنّه لا يستغفر بعد الموت، لما سبق الدليل على حياته وعلى استغفاره لاَُمَّته بعد الموت عند عرض أعمالهم عليه، ويعلم من كمال رحمته أنّه لا يترك ذلك لمن جاءه مستغفراً ربّه.

والعلماء فهموا من الآية العموم لحالتي الموت والحياة، واستحبّوا لمن أتى القبر أن يتلوها ويستغفر الله تعالى، وحكاية الاَعرابي في ذلك نقلها جماعة من الاَئمة عن العُتبى، واسمه محمد بن عبد الله بن عمرو، أدرك ابن عيينة وروى عنه، وهي مشهورة حكاها المصنّفون في المناسك من جميع المذاهب، واستحسنوها، ورأوها من أدب الزائر، وذكرها ابن عساكر في تاريخه، وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن، وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي، قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر _ صلى الله عليه وآله وسلم _، فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثم قال: يا خير الرسل إنّ الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ـ إلى قوله ـ رحيماً » وإنّي جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي، متشفعاً بك، وفي رواية: وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي، ثم بكى وأنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهنّ القاع والاَكم
نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم استغفر وانصرف، قال: فرقدت فرأيت _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في نومي وهو يقول: إلحق


(35)

الرجل وبشّره بأنّ الله غفر له بشفاعتي، فاستيقظت، فخرجت أطلبه فلم أجده.

قلت: بل قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام»: إنّ الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علي بن أبي طالب2 قال: قدم علينا أعرابي بعدما دفنّا رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وحثا من ترابه على رأسه، وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه وما وعينا عنك، وكان فيما أُنزل عليك: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ... » وقد ظلمت، وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر: انّه قد غفر لك، انتهى.

وروى ذلك أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله الكرخي عن علي بن محمد ابن علي، قال: حدثّنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن ابن صادق، عن علي بن أبي طالب 2، فذكره، ولا منافاة بين النقلين؛ لاِمكان التعدّد، وعلى فرض الوحدة فأحد الناقلين اقتصر؛ والآخر أسهب في النقل، فنقل جميع القصة. وقد أدرك ذلك الاَعرابي بسلامة فطرته أنّ الآية الكريمة التي تدعو المسلمين إلى المجيء إلى النبي حتى يطلبوا منه أن يستغفر لهم، ليست خاصة بحياة النبي الدنيوية، بل تعم الحياة الاَُخروية، فلاَجل ذلك قام يطلب من النبي أن يستغفر له.

وقال عياض في الشفاء بسند جيد عن ابن حميد ـ أحد الرواة ـ عن مالك فيما يظهر، قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد _ صلى الله عليه وآله وسلم _، فقال له مالك: «يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فانّ الله تعالى أدّب قوماً فقال: «لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىي » الآية، ومدح قوماً فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ » الآية، وذمّ قوماً فقال: «إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ » الآية، وإنّ حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان لها


(36)

أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله أستقبلُ القبلة وأدعو أم أستقبلُ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟ فقال: لِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم _ عليه السلام _ إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعّه الله تعالى قال الله تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ » الآية(1).

فانظر هذا الكلام من مالك، وما اشتمل عليه من أمر الزيارة والتوسّل ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _ واستقباله عند الدعاء وحسن الاَدب التام معه.

وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الحنبلي في المستوعب «باب زيارة قبر _ صلى الله عليه وآله وسلم _» وذكر آداب الزيارة، وقال: ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره ، وذكر كيفية السلام والدعاء.

منه: اللّهم إنّك قلت في كتابك لنبيك _ عليه السلام _: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ » الآية، وإنّي قد أتيت نبيّك مسغفراً، فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللّهمّ إنّي أتوجه إليك بنبيّك _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وذكر دعاءً طويلاً(2).

هذه نماذج قدمناها إليك لتكون على بيّنة من هذا الاَمر وأنّه لم يكن هناك فرق بين الحياتين، وقد نقل المؤرّخون أُموراً كثيرة يضيق الوقت بنقلها ولو كنّا شاكّين في صدق بعض هذه التوسّلات، ولكن نقل علماء السيرة والتاريخ المقدار الهائل من التوسّلات بدعاء النبي ـ بعد رحيله ـ يكشف عن أنّ التوسّل بدعاء النبي الاَكرم كان أمراً رائجاً بين المسلمين ولم يكن أمراً غريباً ولا محظوراً وإلاّ لما صحّ أن ينقل المؤرّخ ما يراه المسلمون أمراً مرغوباً عنه. وقد ذكرها بعض من المحقّقين في


(1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2: 92.
(2) وفاء الوفا 4: 1360 ـ 1362.


(37)

كتبهم فراجعها(1).

وليس لنا أن نترك السيرة المستمرة الهائلة التي يلمسها من توقف هنيئة لدى القبر الشريف النبوي وقد قال سبحانه: « وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىوَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً »(2).

وقد نقل السمهودي نبذاً ممّا وقع لمن استغاث بالنبي أو طلب منه شيئاً عند قبره فأُعطي مطلوبه ونال مرغوبه ممّا ذكره الاِمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الاَنام»(3).

التلوّن في الاستدلال

نرى أنّ المانعين عن التوسّل بدعاء النبي في حياته البرزخية يتلوّنون في الاستدلال، فتارة ينفون حياة النبي بعد الموت، وأُخرى ينفون إمكان الاتصال، وثالثة يدعون لغوية هذا العمل، ونعوذ بالله من قولهم الرابع إذ يعدّون العمل شركاً وعبادة للرسول، أمّا الثلاث الاَُول فقد ظهرت حالها، وأمّا الشرك فلا يدرى كيف يوصف به، مع أنّ هذا عمل واحد يُطلَب في حياة النبي ويُطلَب بعد انتقاله إلى الرفيق الاَعلى أفيمكن أن يكون شيء واحد توحيداً في حالة وشركاً في أُخرى؟ مع أنّه لا يسأل الرسولُ بما أنّه إله أو ربّ، أو بيده مصير الداعي، وإنّما يسأله بما أنّه عبد صالح ذو نفس طاهرة وكريمة وهو أفضل الخلائق وأحد الاَمانين في الاَرض يستجاب دعاؤه ولا يرد.


(1) لاحظ شفاء السقام في زيارة خير الاَنام للسبكي، والدرر السنية لزيني دحلان، والمبرد المبكي في ردّ الصارم المنكي لابن علان، ونصرة الاِمام السبكي برد الصارم المنكي للسمهودي.
(2) النساء: 115.
(3) وفاء الوفا 4: 1380 ـ 1387. طالع ذلك الفصل تجد فيه حكايات وقضايا كثيرة تدل على جريان السيرة بين المسلمين على التوسّل بدعاء النبي الاَكرم.


(38)

( 6 )
التوسّل بدعاء الاَخ المؤمن

التوسّل بدعاء الاَخ المؤمن تمسّك بما جعله الله سبحانه سبباً لاستجابة الدعاء، وقد دلّت الآيات على أنّ الملائكة يستغفرون للّذين آمنوا، وأنَّ المؤمنين اللاحقين يستغفرون للسابقين، وهذا يدلّ على أنّ دعاء الاَخ في حقّ أخيه، أمر مرغوب فيه ومطلوب ومستجاب، فإذا كان كذلك فعلى المذنب أن يتوسّل بهذا السبب المشروع ويطلب من أخيه الدعاء له، قال سبحانه: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ »(1).

وقال سبحانه: «وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالاِِْيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ »(2).


(1) غافر: 7.
(2) الحشر: 10.


(39)

فدعاء حملة العرش واللاحقين من المؤمنين سبب صالح لاِجابة الدعاء، فعلى المسلم الواعي التمسك بمثل هذا السبب وطلب الدعاء منهم.

وفي السنّة الشريفة ما يدلّ على ذلك، روى مسلم والترمذي عن عبد الله عن عمرو بن العاص أنّه سمع رسول الله يقول: «إذا سمعتم المؤذّن، فقولوا مثلما يقول، ثم صلّوا عليّ؛ فانّه من صلّى عليّ صلاة، صلّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلاّ لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة»(1).

فهذا الحديث يدلّ بظاهره على أنّ الرسول يتوسّل إلى الله تعالى بدعاء أُمّته له، أن يؤتيه الوسيلة والمقام المحمود في الجنة، ويكون جزاؤه شفاعتَه في حقّهم. فإذا كان هذا حال النبي فنحن من باب أولى يحقّ لنا أن نتمسك بهذه الوسيلة:

وفي روايات أئمة أهل البيت تصاريح بذلك، نذكر بعضها لتتجلّى الحقيقة بأجلِّ مظاهرها، فانّ العترة الطاهرة أحد الثقلين اللّذين أمر النبي بالتمسّك بهما والمتمسّك بهما لن يضل:

1 ـ روى أبو بصير، عن أبي جعفر، قال: «إنّ عليّ بن الحسين قال لاَحد غلمانه: يا بنيّ اذهب إلى قبر رسول الله فصلِّ ركعتين، ثم قل: اللّهمّ اغفر لعليّ بن الحسين خطيئته يوم الدين، ثم قال للغلام: اذهب فأنت حرّ لوجه الله»(2).

2 ـ روى محمد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «كان علي بن الحسين إذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبداً له ولا أمة، وكان إذا أذنب العبد يكتب عنده: أذنب فلان، أذنبت فلانة يوم كذا وكذا ولم يعاقبه، فيجتمع عليهم الاَدب


(1) مسلم: الصحيح 2: 4، كتاب الصلاة، الباب 6 ؛ الترمذي الجامع الصحيح 5: 589، كتاب المناقب، الباب الاَوّل، واللفظ للاَوّل.
(2) البحار 46: 92، نقلاً عن كتاب الزهد لحسين بن سعيد الاَهوازي.


(40)

حتى إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان دعاهم وجمعهم حوله ثم أظهر الكتاب، ثم قال يا فلان: فعلت كذا وكذا ولم أُؤدِّبك أتذكر ذلك ؟ فيقول: بلى يابن رسولالله، ويقررهم جميعاً، ثم يقوم وسطهم ويقول لهم: ارفعوا أصواتكم وقولوا: يا علي بن الحسين إنّ ربّك قد أحصى عليك كل ما عملت كما أحصيت علينا... فاعف واصفح كما ترجو من المليك العفو، وكما تحب أن يعفو المليك عنك، فاعف عنّا تجده عفوّاً ربك رحيماً ـ إلى أن قال: ـ فيقول لهم: قولوا اللّهمّ اعف عن علي بن الحسين كما عفا عنّا، فأعتِقه من النار كما أعتق رقابنا من الرقّ، فيقولون ذلك، فيقول: اللّهمّ آمين ربّ العالمين، اذهبوا فقد عفوتُ عنكم وأعتقتُ رقابكم رجاءً للعفو عنّي وعتق رقبتي»(1).

3 ـ وكان أصحاب أئمة أهل البيت يتوسّلون بدعائهم، وهذا هو علي بن محمد الحجال كتب إلى أبي الحسن الاِمام الهادي وجاء في كتابه: «أصابتني علّة في رجلي ولا أقدر على النهوض والقيام بما يجب فإن رأيت أن تدعو الله أن يكشف علّتي ويعينني على القيام بما يجب عليّ وأداء الاَمانة في ذلك...»(2).


(1) البحار 46: 102، نقلاً عن كتاب الاِقبال للسيد ابن طاووس المتوفّى عام 664هـ.
(2) كشف الغمة 3: 251.


(41)

( 7 )
التوسّل بالأنبياء والصالحين أنفسهم

هناك قسم آخر من التوسّل وهو التوسّل بذوات الاَنبياء والصالحين وجعلهم وسيلة لاستجابة الدعاء، والتنويه بما لهم من المقام والمنزلة عند الله سبحانه، وهذا غير القسم الخامس، ففي القسم الماضي كنّا نتوسّل بدعاء النبي ونجعل دعاءه وسيلة إلى الرب وفي هذا القسم نجعل نفس الرسول وكرامته عند الله وسيلة إلى الرب.

ومن الاِمعان في القسم السابق يُعرف مفهوم هذا التوسّل؛ لاَنّ التوسّل بدعائه لاَجل أنّه دعاء روح طاهرة، ونفس كريمة، وشخصية مثالية وأفضل الخلائق، ففي الحقيقة ليس الدعاء بما هو دعاء وسيلة، وإنّما الوسيلة هي الدعاء النابع عن تلك الشخصية الاِلهية التي كرّمها الله وعظّمها ورفع مقامها وذكرها وقال : «وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ »(1).

وأمر المسلمين بتكريمه وتعزيره حيث قال: «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ


(1) الانشراح: 4.


(42)

وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ »(1)فقوله «عزَّروه » بمعنى أكرموه.

فإذا كان رصيد استجابة الدعاء هو شخصيته الفذّة المثالية، ومنزلته عندالله فالاَولى أن يتوسّل بها الاِنسان كما يتوسّل بدعائه، فمن اعترف بجواز الاَوّل ومنع الثانيفقد فرّق بينأمرين متلازمين، ومادعاهمإلىالتفريقبينهماإلاّصيانة لمعتقدهم.

وبدورنا نغض النظر عن هذا الدليل ونذكر ما ورد في السنّة النبوية مروياً عن طريق صحيح أقرّ به الاَقطاب من أهل الحديث.

توسلّ الضرير بنبيّ الرحمة

عن عثمان بن حنيف أنّه قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى النبي فقال: أُدعُ الله أن يعافيني فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إن شئتَ دعوتُ وإن شئتَ صبرتَ وهو خير».

قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضّأ فيُحسن وضوءه ويصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللّهمّ شفّعه فيَّ».

قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضرّ(2).

إنّ الاستدلال بالرواية مبني على صحّتها سنداً وتمامية دلالتها مضموناً.

أمّا الاَوّل: فلم يناقش في صحّتها إلاّ الجاهل بعلم الرجال، حتى أنّ ابن تيمية


(1) الاَعراف: 157.
(2) الترمذي، الصحيح كتاب الدعوات، الباب 119، برقم 3578؛ وسنن ابن ماجة 1: 441 برقم 1385؛ مسند أحمد 4: 138 إلى غير ذلك من المصادر وسيأتي في المتن نصوصهم حول وصف الحديث.


(43)

قال: قد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي أنّه علّم رجلاً أن يدعو فيقول: اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك. وروى النسائي نحو هذا الدعاء»(1).

وقال الترمذي: هذا حديث حق حسن صحيح.

وقال ابن ماجة: هذا حديث صحيح.

وقال الرفاعي: لا شك أنّ هذا الحديث صحيح ومشهور(2).

وبعد ذلك فلم يبق لاَحد التشكيك في صحّة سند الحديث إنّما الكلام في دلالته وإليك البيان:

إنّ الحديث يدل بوضوح على أنّ الاَعمى توسّل بذات النبي بتعليم منه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والاَعمى وإن طلب الدعاء من النبي الاَكرم في بدء الاَمر إلاّ أنّ النبي علّمه دعاء تضمن التوسّل بذات النبي، وهذا هو المهم في تبيين معنى الحديث.

وبعبارة ثانية: أنّ الذي لا ينكر عند الاِمعان في الحديث أمران:

الاَوّل: أنّ الرجل طلب من _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الدعاء ولم يظهر منه توسّل بذات النبي.

الثاني: أنّ الدعاء الذي علّمه النبي، تضمّن التوسّل بذات النبي بالصراحة التامة، فيكون ذلك دليلاً على جواز التوسّل بالذات.

وإليك الجمل والعبارات التي هي صريحة في المقصود.

1 ـ اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك:

إنّ كلمة «بنبيّك» متعلقة بفعلين هما «أسألك» و «أتوجّه إليك» والمراد من _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاؤه.

وتقدير كلمة «دعاء» قبل لفظ «بنبيّك» حتى يكون المراد هو «أسألك بدعاء نبيّك أو أتوجّه إليك بدعاء نبيّك» تحكّم وتقدير بلا دليل، وتأويل بدون مبرّر، ولو


(1) مجموعة الرسائل والمسائل 1: 13.
(2) التوصل إلى حقيقة التوسّل: ص 158.


(44)

أنّ محدثاً ارتكب مثله في غير هذا الحديث لرموه بالجَهْمية والقدريّة.

2 ـ محمد نبي الرحمة:

لكي يتّضح أنّ المقصود هو السؤال من الله بواسطة _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وشخصيته فقد جاءت بعد كلمة «بنبيّك» جملة «محمد نبي الرحمة» لكي يتّضح نوع التوسّل والمتوسّل به بأكثر ما يمكن.

3 ـ يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي:

إنّ جملة «يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي» تدلّ على أنّ الرجل الضرير ـ حسب تعليم الرسول ـ اتّخذ النبي نفسَه، وسيلة في دعائه أي أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

4 ـ وشفّعه فيّ:

إنّ قوله «وشفّعه فيّ» معناه يا رب اجعل النبي شفيعي، وتقبّل شفاعته في حقّي، وليس معناه تقبل دعاءه في حقّي؛ فإنّه لم يرد في الحديث أنّ النبي دعا بنفسه حتى يكون معنى هذه الجملة: استجب دعاءه في حقّي.

ولو كان هناك دعاء من النبي لذكره الراوي؛ إذ ليس دعاؤه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من الاَُمور غير المهمّة حتى يتسامح الراوي في حقّه.

وحتى لو فرضنا أنّ معناه «تقبّل دعاءه في حقّي» فلا يضر ذلك بالمقصود أيضاً؛ إذ يكون على هذا الفرض هناك دعاءان: دعاء الرسول ولم يُنْقَل لفظه، والدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، وقد جاء فيه التصريح بالتوسّل بذات النبي وشخصه وصفاته، وليس لنا التصرّف في الدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، بحجّة أنّه كان هناك للرسول دعاء.

لقد أورد هذا الحديث النسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم في مستدركه، ولكن الترمذي والحاكم ذكرا جملة «اللّهمّ شفّعه فيه» بدل «وشفّعه فيّ».


(45)

إجابة عن سؤال

إنّ من يمنع التوسّل بشخصية الرسول المثالية لمّا وقع أمام هذا الحديث تعجّب عاضّاً على أُنملته، فحمل الحديث على أنّه من قبيل التوسّل بدعاء الرسول لا بشخصه وذاته الكريمة مستدلاًّ بقول الضرير «ادع الله أن يعافيني» وقد خلط بين أمرين:

الاَوّل: المحاورة الابتدائية التي وقعت بين النبي والضرير، فكان المطلوب بلا شك هو طلب الدعاء من النبي، وهذا ما لا ينكره أحد، إنّما الكلام فيما يأتي.

الثاني: الدعاء الذي علّمه الرسول للضرير؛ فإنّه تضمّن التوسّل بذات النبي ولا يمكن لاَحد أن ينكر التصاريح الموجودة في الحديث.

والتصرّف في النصّ الثاني بحجة أنّ الموضوع في المحاورة الاَُولى هو طلب الدعاء، تصرف نابع من اتخاذ موقف مسبق قبل النظر إلى الحديث؛ فإنّ الاَعمى لم يدُر في خلده في البداية سوى دعاء الرسول المستجاب، ولكن الدعاء الذي علّمه الرسول أن يدعوَ به بعد التوضّؤ، مشتمل على التوسّل بذات النبي.

قال الدكتور عبد الملك السعدي: وقد ظهر في الآونة الاَخيرة أُناس ينكرون التوسّل بالذات مطلقاً، سواء كان صاحبها حيّاً أو ميّتاً، وقد أوّلوا حديث الاَعمى وقالوا: إنّ الاَعمى لم يتوسّل ولم يأمره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ به بل قال له: صلِّ ركعتين ثم اطلب منّي أن أدعو لك ففعل.

وأنت يا أخي عليك أن تقرأ نص الحديث هل يحتمل هذا التأويل، وهل فيه هذا المدّعى ؟ أم أنّه أخذ يطلب من الله مستشفعاً ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ولم يدع له _ صلى الله عليه وآله وسلم _ . ولو أراد منه ذلك لاستجاب له أوّل مرّة حيث طلب منه الدعاء بالكشف عن بصره فأبى إلاّ أن يصلّي ويتولّى الاَعمى بنفسه الدعاء(1).


(1) البدعة في مفهومها الاِسلامي الدقيق: ص 46 طـبغداد.


(46)

التوسّل بذات النبيّ بعد رحيله

إنّ الصحابي الجليل عثمان بن حنيف فهم من الحديث السابق أنّ التوسّل بذات النبي وشخصه يعمّ حياته ومماته، فلاَجل ذلك عندما رجع إليه بعضُ أصحاب الحاجة علّمه نفس الدعاء الذي علّمه الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ للضرير لحسن الحظ كان ما توصّل إليه ناجحاً.

روى الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (ت 360 هـ) عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمّه عثمان بن حنيف، أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان2 في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى ابن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضّأ، ثمّ ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فتقضي لي حاجتي» فتذكر حاجتك ورح إليَّ حتى أروح معك.

فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان2، فجاء البوّاب حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفان2، فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كانت الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها.

ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلّمته، ولكنّي شهدت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له _ صلى الله عليه وآله وسلم _: أفتبصر ؟ فقال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شقّ عليّ.

فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: ائت الميضأة فتوضّأ ثمّ صلّ ركعتين، ثمّ ادع بهذه الدعوات .


(47)

قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط(1).

إنّ دلالة الحديث على جواز التوسّل بذوات الصالحين وأخصّ منهم الاَنبياء أمر لا سترة فيه، نعم بعض من لا يروقه هذا النوع من التوسّل، أراد التشكيك في الرواية بوجهين، فقال:

أوّلاً: إنّ معنى التوسّل عند الصحابة هو دعاء الشخص المتوسّل به إلى الله تعالى بقضاء حاجة المتوسّل لا كما يعرفه القوم في زماننا هذا من التوسّل بذات المتوسّل به.

ثانياً: لو كان دعاء الاَعمى الذي علّمه رسول الله دعاءً ينفع في كلّ زمان ومكان لما رأينا أيّ أعمى على وجه البسيطة(2).

يلاحظ على كلامه الاَوّل: بأنّه من غرائب الكلام فقد جعل من مذهبه دليلاً على ضعف الرواية، وهو أنّ معنى التوسّل عند الصحابة هو التوسّل بدعاء الشخص لا بذاته. فمن أين علم أنّه مذهب الصحابة؟! وهل يعرف مذهبهم إلاّ من خلال أحاديثهم، مع أنّ الحديثين المرويين عن طريق الصحابي الجليل عثمان بن حنيف يدلاّن على خلافه ؟

وأمّا الثاني: فهو إطّراح للوحي، وازدراء به، ولو صحّ ما ذكره فلقائل أن يقول: لو صحّ قوله سبحانه: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »(3)يجب أن لا يبقى على وجه البسيط ذو عاهة.

والجواب عن تلك الوسوسة في كلا المقامين واحد، وهو أنّ الدعاء مقتض


(1) المعجم الكبير 9: 16 ـ 17، باب ما أُسند إلى عثمان بن حنيف، برقم 8310، والمعجم الصغير له أيضاً 1:183 ـ 184.
(2) التوصل إلى حقيقة التوسّل: ص 335.
(3) غافر: 60.


(48)

لنزول الرحمة ودفع الكُربة ولكن ليس السبب تاماً لنجاح المقصود، بل له شروط وله موانع وعوائق، ولاَجل ذلك نرى أنّ بعض الاَدعية لا تستجاب، مع أنّه سبحانه يحثّ على الدعاء وأنّه يستجيب دعاء من دعاه، ويقول: « وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »(1).

مناقشة في سند الرواية

لقد تعرّفت على تمامية دلالة الرواية وهناك من يريد المناقشة في سندها، ولا يخدش فيها إلاّ لاَنّ الرواية تضاد عقيدته فيقول:

إنّ في سند هذا الحديث رجلاً اسمه روح بن صلاح وقد ضعّفه الجمهور وابن عديّ وقال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة(2).

أظنّ أنّ الكاتب لم يرجع إلى مصدرها وإنّما تبع تقوّل الآخرين، ونحن نضع أمامك سند الحديث من المصدرين اللّذين روي عنهما الحديث ولا ترى فيهما أثراً من روح بن صلاح وإليك السند:

روى الطبراني في المعجم الكبير، قال: حدّثنا طاهر بن عيسى بن قريش المصري المقري: ثنا أصبغ بن الفرح: ثنا ابن وهب عن أبي سعيد المكي، عن روح ابن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن عمّه عثمان بن حنيف(3).

ورواه البيهقي بالسند التالي:

أخبرنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد ؛: أنبأنا الاِمام أبو بكر محمد ابن علي بن الشاشي القفال قال: أنبأنا أبو عروبة: حدّثنا العباس بن الفرج: حدّثنا


(1) غافر: 60.
(2) التوصل إلى حقيقة التوسّل: ص 237.
(3) المعجم الكبير 9: 17، وفي المعجم الصغير له «أصبغ بن الفرج» مكان «أصبغ بن الفرح».


(49)

إسماعيل بن شبيب: حدّثنا أبي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني... إلخ السند(1).

وأنت ترى أنّه ليس في طريق الرواية روح بن صلاح بل هو روح بن القاسم والكاتب صرّح بأنّ الرواية رواها الطبراني والبيهقي، وهذا يعرب عن أنّ الكاتب لم يرجع إلى المصدرين وإنّما اعتمد على تقوّل الآخرين.

نحن نفترض أنّه ورد في سند الرواية روح بن صلاح ولكن ما ذكره من أنّ الجمهور ضعّفوه أمر لا تصدّقه المعاجم الموجودة فيما بين أيدينا، وإنّما ضعّفه ابن عدي وفي الوقت نفسه وثّقه ابن حِبّان والحاكم. قال الذهبي: روح بن صلاح المصري يقال له ابن سيّابة ضعّفه ابن عدي، يكنّى أبا الحارث وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال الحاكم: ثقة مأمون(2).

سيرة الاَُمم في توسّلهم بالذوات الطاهرة

لم يكن التوسّل بالصالحين والطيبين والمعصومين والمخلصين من عباد الله أمراً جديداً في زمن النبي وبعده، بل كان ذلك امتداداً للسيرة الموجودة قبل الاِسلام، ونحن نضع أمامك قسماً من هذه التوسلات لتكون على علم بأنّ الفطرة السليمة تدعو الاِنسان إلى التوسّل بالموجودات الطاهرة لجلب رحمته تعالى.

1 ـ استسقاء عبد المطلب بالنبي وهو رضيع

إنّ عبد المطلب استسقى بالنبي الاَكرم وهو طفل صغير، حتى قال ابن حجر: إنّ


(1) دلائل النبوة 6: 168.
(2) ميزان الاعتدال 2: 85 | 2801.


(50)

أبا طالب يشير بقوله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمةٌ للاَرامل

إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش والنبي معه غلام(1).

2 ـ استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام

أخرج ابن عساكر عن أبي عرفة، قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش، يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام يعني _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كأنّه شمس دجى تجلّت عن سحابة قتماء، وحوله أُغيلمه، فأخذ النبيَّ أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذَ إلى الغلام وما في السماء قزعة، قأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغدودق، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمةٌ للاَرامل(2)

وقد كان استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام، بل استسقاء عبد المطلب به وهو صبي أمراً معروفاً بين العرب، وكان شعر أبي طالب في هذه الواقعة ممّا يحفظه أكثر الناس.

ويظهر من الروايات أنّ استسقاء أبي طالب ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان موضع رضا منه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فانّه بعدما بعث للرسالة استسقى للناس فجاء المطر وأخصب الوادي فقال النبي: لو كان أبو طالب حيّاً لقرّت عيناه، ومن ينشدنا قوله ؟ فقام علي _ عليه السلام _ وقال: يا _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كأنّك أردت قوله:


(1) فتح الباري 2: 398؛ دلائل النبوة 2: 126.
(2) فتح الباري 2: 494؛ السيرة الحلبية 1: 116.


(51)

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمةٌ للاَرامل(1)

إنّ التوسّل بالاَطفال في الاستسقاء أمر ندب إليه الشارع، قال الدكتور عبد الملك السعدي: من السنّة أن نُخرج معنا إلى الصحراء الشيوخ والصبيان والبهائم لعلَّ الله يسقينا بسببهم(2).

وهذا هو الاِمام الشافعي يقول في آداب صلاة الاستسقاء: «وأُحب أن يخرج الصبيان، ويتنظفوا للاستسقاء، وكبار النساء، ومن لا هيبة منهنّ، ولا أُحبّ خروج ذات الهيبة، ولا آمر بإخراج البهائم»(3).

فما الهدف من إخراج الصبيان والنساء الطاعنات في السن، إلاّ استنزال الرحمة بهم وبقداستهم وطهارتهم ؟ كل ذلك يعرب عن أنّ التوسّل بالاَبرياء والصلحاء والمعصومين مفتاح استنزال الرحمة وكأنّ المتوسّل يقول: ربّي وسيّدي !! الصغير معصوم من الذنب، والكبير الطاعن في السن أسيرك في أرضك، وكلتا الطائفتين أحقّ بالرحمة والمرحمة. فلاَجلهم أنزل رحمتك علينا، حتى تعمّنا في ظلّهم .

إنّ الساقي ربّما يسقي مساحة كبيرة لاَجل شجرة واحدة، وفي ظلّها تُسقى الاَعشاب وسائر الخضراوات غير المفيدة.

3 ـ توسّل الخليفة بعمّ النبي: العباس

روى البخاري في صحيحه قال: كان عمر بن الخطاب إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ـ رصى الله عنه ـ وقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا، قال: فيُسقون(4).


(1) إرشاد الساري 2: 338.
(2) البدعة: ص 49.
(3) الاَُم 1: 230.
(4) البخاري، الصحيح 2: 32 باب صلاة الاستسقاء.


(52)

والحديث صحيح السند، فما ظنك برواية رواها الاِمام البخاري، لكن من لا يروق له التوسّل بالذوات الطاهرة أخذ يؤوّل الحديث بأنّ الخليفة توسّل بدعاء العباس لا بشخصه ومنزلته عند الله. وأضاف على ذلك أنّه لو كان قصده ذات العباس لكانت ذات _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أفضل وأعظم وأقرب إلى الله من ذات العباس، بلا شك ولا ريب، فثبت أنّ القصد كان الدعاء(1).

لا أظنّ أن أحداً يحمل شيئاً من الاِنصاف، يسوِّغ لنفسه أن يفسر الحديث بما ذكره أي التوسّل بالدعاء؛ لاَنّ في الموضوع نصوصاً تردُّ ذلك، وإليك الاِشارة إليها:

1 ـ قول الخليفة عند الدعاء... قال: «اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا». وهذا ظاهر في أنّ الخليفة قام بالدعاء في مقام الاستسقاء، وتوسّل بعمّ الرسول في دعائه، ولو كان المقصود هو التوسّل بدعائه، كان عليه أن يقول: يا عمّ رسول الله كنّا نطلب الدعاء من الرسول فيسقينا الله، والآن نطلب منك الدعاء فادع لنا.

2 ـ روى ابن الاَثير كيفية الاستسقاء فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة لمّا اشتدّ القحط، فسقاهم الله تعالى به، وأخصبت الاَرض، فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه. وقال حسّان:

سأل الاِمام وقد تتابع جدبنا * فسقى الغمامُ بغُرّة العباسِ
عمِّ النّبي وصنوِ والده الذي * ورث النبي بذاك دون الناسِ
أحيى الاِله به البلاد فأصبحت * مخضرّة الاَجناب بعد الياسِ

ولمّا سُقي طفقوا يتمسّحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين(2).


(1) التوصل إلى حقيقة التوسّل: ص 253.
(2) اُسد الغابة 3: 111 طـ مصر.


(53)

أمعن النظر في قول الخليفة: هذا والله الوسيلة.

3 ـ ويظهر من شعر حسّان أنّ المستسقي كان هو نفس الخليفة وهو الداعي حيث قال: «سأل الاِمام...» وكان العباس وسيلته لاستجابة الدعاء.

قال الدكتور عبد الملك السعدي: وقد أوّلوا حديث العباس بأنّ عمر طلب من العباس أن يدعو لاَنّهم كانوا إذا أجدبوا طلبوا من _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يدعو لهم فكذا هنا طلب الدعاء من العباس. وهذا التأويل غير مقبول لوجهين:

الوجه الاَوّل: إنّ السنّة أن يدعو الاِمام نفسه والقوم يؤمَّنون وهذا ما حصل حيث كان الداعي هو سيدنا عمر لا العباس.

الوجه الثاني: إنّ نص الحديث لا يدلّ على أنّ عمر طلب الدعاء من العباس بل كان هو الداعي، بدليل قوله: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل... وهذا عين الدعاء ولم يرد أيّ لفظ يشير إلى أنّه قال للعباس: ادع لنا بالسقيا.

ومع ذلك فأيّ خلل يحصل في الدين أو العقيدة إذا أجرينا النص على ظاهره وتركنا العناد والتعصّب ؟

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ويستبين من قصة العباس استحباب الاستسقاء بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوّة وفيه فضل العباس، وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقّه(1).

وأظنّ أنّ هذه الروايات الصحيحة لا تبقي شكّاً ولا ريباً في خلد أحد في جواز التوسّل بالصالحين.

وأمّا ما ذكره من أنّه لو كان المقصود التوسّل بذات العباس لكان النبي بذلك أفضل وأعلم، فيلاحظ عليه أنّ الهدف من إخراج عمّ النبي إلى المصلّى وضمّه إلى


(1) البدعة: ص 46.


(54)

الناس هو استنزال الرحمة، فكأنّ المصلّين يقولون ربّنا إذا لم نكن مستحقّين لنزول الرحمة، فإنّ عمّ النبيّ مستحقّ لها، فأنزل رحمتك إليه لتريحه من أزمة القحط والغلاء وعندئذٍ تعمّ الرحمة لغير العباس، ومن المعلوم أنّ هذا لا يتحقق إلاّ بالتوسّل بإنسان حيّ يكون شريكاً مع الجماعة في المصير وفي هناء العيش ورغده لا مثل النبيّ الراحل الخارج عن الدنيا والنازل في الآخرة، نعم يجوز التوسّل بشخصه أيضاً ولكن لا بهذا الملاك بل بملاك آخر لم يكن مطروحاً للخليفة في المقام.

ولو افترضنا صحّة ما يُدَّعى من أنّ الخليفة توسّل بدعاء عمّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فهو عبارة أُخرى عن التوسّل بذات النبيّ لبّاً؛ إذ لولا صلته به لما قُدِّم للدعاء.


(55)

( 8 )
التوسّل بحقّ الصالحين وحرمتهم ومنزلتهم

إنّ من التوسّلات الرائجة بين المسلمين منذ وقعوا في إطار التعليم الاِسلامي ، التوسّل بمنازل الصالحين وحقوقهم على الله، وهناك سؤال يطرح نفسه وهو أنّه: كيف يمكن أن يكون لاِنسان حقٌّ على الله ؟

بل الحقوق كلّها لله على العباد، ولكن الاِجابة على السؤال واضحة؛ إذ ليس معنى ذلك أنّ للعباد أو لبعضهم على الله سبحانه حقّاً ذاتياً يلزم عليه سبحانه الخروج عنه، بل لله سبحانه الحقّ كلّه، فله على الناس حقّ العبادة والطاعة إلى غير ذلك، بل المراد المقام والمنزلة التي منحها سبحانه عباده تكريماً لهم، وليس لاَحد على الله حقّ إلاّ ما جعله الله سبحانه حقّاً على ذمّته لهم تفضّلاً وتكريماً، قال سبحانه: «وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ »(1).

روى مسلم عن معاذ بن جبل 2 قال: قال لي _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «هل تدري ما حقّ الله على العباد ؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنّ حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً»، ثم سار ساعة قال: «يا معاذ» قلت: لبيك رسول الله


(1) الروم: 47.


(56)

وسعديك قال: «هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «أن لا يعذبهم»(1).

وروى الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، عن أبي هريرة 2 قال: قال رسولالله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «ثلاثة حقّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الاَداء، والناكح الذي يريد العفاف»(2).

فهذان الحديثان قد ثبت بهما وجود حقّ للعباد على الله تعالى، إلاّ أنّه حقّ تكريم لا حقّ إلزام وإيجاب.

إنّ للاِمام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب كلمة قيّمة في تفسير حقّ العباد على الله، وأنّ هذا الحقّ ممّا منحه سبحانه تفضّلاً على عباده، قال: «فالحقّ أوسع الاَشياء في التواصف وأضيقها في التناصف لا يجري لاَحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له، ولو كان لاَحد أن يجري له ولا يجرى عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت صروف قضائه، ولكنّه سبحانه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلاً منه وتوسّعاً بما هو من المزيد أهله»(3).

وقد أوضح الاِمام معنى حقّ الناس على الله وأنّه ليس حقّاً ذاتياً للناس عليه بل كلّها تفضّل منه سبحانه: وترى مثله في سائر المواضع حيث نرى أنّه يقترض من العباد وهو مالك للعباد وما في أيديهم ويقول: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ »(4).


(1) و (2) الترغيب والترهيب 3: 43؛ وشرح النووي على صحيح مسلم 1: 231.
(3) نهج البلاغة : الخطبة 216 .
(4) البقرة : 245 و الحديد : 11 .


(57)

فبعد هذه التصاريح على أنّ حقّ الناس على الله مقتضى تفضّله سبحانه وتكرّمه على عباده ليس لنا أن نستشكل في تصوير حقّ الناس على الله.

على أنّ هذا النوع من التوسّل لا يفترق عن التوسّل بذات النبي وشخصه فإنّ المنزلة والمقام مرآة لشخصه، وإنّ حرمة الشخص وكرامته نابعة من كرامة ذاته وفضيلتها، فلو صحّ التوسّل بالاَوّل كما تعرّفت عليه من خلال الاَحاديث يصح بالثاني بدون إشكال، ويدل عليه من الاَحاديث ما نذكره:

1 ـ التوسّل بحقّ السائلين

روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: «اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سُمعة إنّما خرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تعيذني من النار وأن تغفر ذنوبي إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت»، إلاّ أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك (1).

إنّ دلالة الحديث واضحة لا يمكن لاَحد التشكيك فيها، وسند الحديث صحيح ورجاله كلّهم ثقات، نعم اشتمل السند على عطية العوفي وقد وثّقه لفيف من أهل الجرح والتعديل.

قال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال ابن معين: صالح، وقال ابن حجر: عطية بن سعيد بن جنادة العوفي الجدلي الكوفي أبو الحسن صدوق، قال ابن عدي: قد روى عن جماعة من الثقات، توفّي سنة إحدى عشرة ومائة، قال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الاَشعث فكتب الحجّاج إلى محمد بن القاسم أن يعرض عليه سبَّ علي ـ إلى


(1) ابن ماجة، السنن 1: 256 | 778؛ الاِمام أحمد، المسند 3: 21.


(58)

أن قال: ـ كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وكان أبوبكر البزّاز يعدّه في التشيّع، روى عن جلّة الناس (1).

نعم، هناك من ضعّفه لا لاَنّه غير صدوق، بل لاَنّه كان يتشيّع، وليس تشيّعه إلاّ ولاؤه لعلي وأهل بيته، وهل هذا ذنب ؟! إنّ لوضع الحديث دوافع خاصة توجد أكثرها في أبواب المناقب والمثالب وخصائص البلدان والقبائل، أو فيما يرجع إلى مجال العقائد، كالبدع الموروثة من اليهود والنصارى في أبواب التجسيم والجهة وصفات الجنة والنار، وأمّا مثل هذا الحديث الذي يعرب بوضوح عن أنّه كلام إنسان خائف من الله سبحانه ترتعد فرائصه من سماع عذابه فبعيد عن الوضع.

2 ـ التوسّل بحقّ النبي وبحقّ من سبقه من الاَنبياء

روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك 2 أنّه لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُمّ علي ـ رضي الله عنها ـ دخل عليها رسول الله فجلس عند رأسها فقال: «رحمكِ الله يا أُمّي كنتِ أُمِّي بعد أُمِّي تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة».

ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله بيده، ثم خلع رسول الله قميصه فألبسها إيّاه وكفّنها ببرد فوقها، ثم دعا رسول الله أُسامة بن زيد وأبا أيوب الاَنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها، فلمّا بلغوا اللحد حفره رسول الله بيده وأخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل رسول الله فاضطجع فيه وقال: «الله الذي يحيي ويميت وهو حي لايموت


(1) تقريب التهذيب 2: 24 | 216، وتهذيب التهذيب 7: 227 | 413.


(59)

اغفر لاَُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجتها، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والاَنبياء الذين من قبلي فإنّك أرحم الراحمين» وكبّر عليها أربعاً وأدخلها اللحد والعباس وأبوبكر.

والاستدلال بالرواية يتوقف على تمامية الرواية سنداً ومضموناً.

أمّا المضمون فلا مجال للخدشة فيه، وأمّا السند فصحيح، رجاله كلّهم ثقات؛ لا يغمز في حقّ أحد منهم، نعم فيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبّان والحاكم؛ وقد عرفت كلام الذهبي فيه(1).

وقد رواه أئمة الحديث وأساتذته، وإليك أسماء من وقفنا على روايتهم:

1 ـ رواه الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في المعجم الاَوسط ص 356 ـ 357.

2 ـ رواه أبو نعيم عن طريق الطبراني في حلية الاَولياء 3: 121.

3 ـ رواه الحاكم في مستدركه 3: 108 وهو لا يروي في هذا الكتاب إلاّ الصحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم.

4 ـ رواه ابن عبد البرّ في الاستيعاب على هامش الاِصابة 4: 382.

5 ـ نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء 2: 118 برقم 7.

6 ـ رواه الحافظ نور الدين الهيثمي المتوفّى 708 في معجم الزوائد ومنبع الفوائد 9: 256 ـ 257، وقال: ورواه الطبراني في الكبير والاَوسط وفيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبان والحاكم.

7 ـ رواه المتّقي الهندي في كنز العمال 13: 636 برقم 37608.

هؤلاء الحفّاظ نقلوا الحديث في جوامعهم، وصرّحوا بأنّ رجال السند رجال الصحيح، ولو كان هناك شيء ففي روح بن صلاح وقد عرفت توثيقه من أساتذة


(1) لاحظ للوقوف على حال روح بن صلاح المصري ميزان الاعتدال 2: 85 | 2801.


(60)

الفن كابن حبان والحاكم.

وأمّا التوسّل بحقّ الاَولياء والشخصيّات الاِلهيّة ففي أدعية أئمة أهل البيت نماذج من أدعية التوسّل، وهي كثيرة وموزعة في الصحيفة العلوية(1)ودعاء عرفة(2) والصحيفة السجادية(3)وغيرها من كتب الدعاء.

وفيما يلي نذكر نماذج من تلك الاَدعية:

1 ـ يقول الاِمام عليّ أمير المؤمنين _ عليه السلام _ في دعاء له:

«... بحقّ محمّد وآل محمّد عليك، وبحقّك العظيم عليهم أن تصلّي عليهم كما أنت أهله، وأن تعطيني أفضل ما أعطيت السائلين من عبادك الماضين من المؤمنين وأفضل ما تعطيا لباقين من المؤمنين..»(4).

2 ـ ويقول الاِمام سيد الشهداء الحسين _ عليه السلام _ في دعاء عرفة:

«... اللّهمّ إنّا نتوجّه إليك ـ في هذه العشية التي فرضتها وعظّمتها ـ بمحمد نبيّك ورسولك وخيرتك من خلقك».

3 ـ ويقول الاِمام زين العابدين _ عليه السلام _ في دعائه بمناسبة حلول شهر رمضان:

«... اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ هذا الشهر وبحقّ من تعبّد فيه»(5).

إلى هنا تمّت بعض الاَدلّة على جواز التوسّل بالشخصيات الطاهرة التي لها منزلة ومكانة، وهناك روايات أُخرى في هذا الصدد نتركها لئلاّ يطول بنا الكلام؛ فإنّ الغرض الاِيجاز لا الاِطناب.


(1) وهي المجموعة التي تضم بعض أدعية الاِمام علي أمير المؤمنين _ عليه السلام _ جمعها الشيخ عبد الله السماهيجي.
(2) وهو دعاء الاِمام الحسين _ عليه السلام _ في عرفات، يوم عرفة.
(3) هي بعض أدعية الاِمام زين العابدين _ عليه السلام _.
(4) الصحيفة العلوية : 51.
(5) الصحيفة السجادية: دعاء رقم 44.


(61)

3 ـ توسّل آدم بحقّ النبي

قد تعرّفت على حقيقة حقّ العبد على الله وربّما يحتمل أن يراد منه منزلته وجاهه عند الله وكرامته لديه قال نور الدين السمهودي:

اعلم أنّ الاستغاثة والتشفّع بالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وبجاهه وبركته عند ربّه تعالى من فعل الاَنبياء وسير السلف الصالح، واقع في كلّ حال، قبل خلقه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وبعد خلقه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في حياته الدنيوية ومدّة البرزخ وعرصات القيامة.

«وإذا جاز السؤال بحق الاَعمال ـ كما في حديث الغار الصحيح وهي مخلوقة ـ فالسؤال ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أولى. وفي العادة أنّ من له عند شخص قدر فتوسّل به إليه من غيبته فإنّه يجيب إكراماً للمتوسل به وقد يكون ذكر المحبوب أو المعظّم سبباً للاِجابة»(1).

قال الدكتور عبد الملك السعدي: «إذا قلت: اللّهمّ إنّي توسّلت إليك بجاه فلان، لنبي أو صالح فهذا أيضاً مما ينبغي أن لا يحصل بجوازه خلاف؛ لاَنّ الجاه ليس له ذات المتوسّل به بل مكانته ومرتبته عند الله وهي حصيلة الاَعمال الصالحة؛ لاَنّ الله تعالى قال عن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ «وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً »(2)وقال عن عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ «وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالاَْخِرَةِ »(3)فلا ينكر على من يتوسّل بالجاه إذا كنّا منصفين؛ لاَنّه لا يحتمل نسبة التأثير إلى المتوسّل به إذ ليس هو المقصود بل المتوسّل به جاهه ومكانته عند الله لا غير(4).


(1) وفاء الوفا 4: 1372.
(2) الاَحزاب: 69.
(3) آل عمران: 45.
(4) البدعة: ص 45.


(62)

وقال أيضاً في قصة استسقاء الخليفة بالعباس: «إنّ عمر لم يقل واليوم نستسقي بالعباس بن عبد المطلب بل قال: بالعباس عمّ نبيّك، فالوجاهة حصلت له لاَنّه عمّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الميّت، وهذا اعتراف بأنّ جاه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد موته ما زال باقياً حتى سرى إلى عمّه العباس(1).

ونحن نضيف إلى ذلك: أنّه إذا جاز التوسّل بالقرآن ـ كما مرّ في الفصل الثاني ـ لمكانته عند الله ومنزلته لديه وهو كلام الله الصامت، فالتوسّل بالنبي الاَكرم وهوكلام الله الناطق بطريق أولى.

عن عمر بن الخطاب قال: قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «اقترف آدم الخطيئة قال: ربّي أسألك بحقّ محمّد لما غفرتَ لي، فقال الله عزّ وجلّ: يا آدم، كيف عرفت محمّداً ولم أخلقه ؟ قال: لاَنّك يا ربّ لمّا خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فعلمت أنّك لم تُضِفْ إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك، فقال الله عزَّ وجلّ: صدقت يا آدم إنّه لاَحبّ الخلق إليَّ، وإذا سألتني بحقّه فقد غفرت لك، ولولا محمّد لما خلقتك»(2).

يقع الكلام في سند الحديث أوّلاً ومتنه ثانياً.

أمّا الاَوّل: فرجاله ثقات، نعم وقع الكلام في واحد منهم وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقد قال البيهقي: وهو ضعيف، ولكن الحاكم صحّح الحديث على شرط الشيخين، ولو قلنا بأنّه لا يعتمد على تصحيح الحاكم وحده فتكون الرواية مؤيّدة؛ إذ ليس معنى كون الراوي ضعيفاً أن الرواية مكذوبة.


(1) المصدر نفسه: 49.
(2) دلائلالنبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، 5: 489 ط دار الكتب العلمية بيروت. لاحظ الدر المنثور1: 59، ونقله كثير من المفسرين فيقصة توبة آدم.


(63)

وهناك نكتة أشرنا إليها سابقاً، وهي أن لو كان التوسّل بشخص النبي أمراً منكراً بين المسلمين لما تجرّأ الواضع بوضع الحديث الذي يتضمّن ذلك الاَمر المنكر؛ لاَنّ هدفه من الوضع إقبال الناس إلى كلامه وتسليمهم بالرواية، وهذا لا يجتمع مع كون المضمون أمراً مخالفاً لما عليه المسلمون في ظرف النقل، وبذلك يُعلم أنّ الرواية سواء أكانت صحيحة أم لا، تُثْبت ما بيّناه في جواز التوسّل بذات النبي.

نعم هنا شبهات حول الرواية، تجب الاِجابة عنها:

الشبهة الاَُولى

إنّ الحديث يتضمّن الاِقسام على الله بمخلوقاته، فالاِقسام على الله بمحمد وهو مخلوق بل وأشرف المخلوقين لا يجوز؛ لاَنّ حلف المخلوق لمخلوق حرام، فالحلف لله بمخلوقاته من باب أولى.

يلاحظ عليه: أنّ ما استدلّ به على حرمة الاِقسام على الله بمخلوقاته عن طريق أنّ الحلف بمخلوق لمخلوق حرام، مردود جداً، لاَنّ القرآن مليء بالحلف بمخلوق لمخلوق، قال سبحانه:

«وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ الاََْمِينِ »(1).

« وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى »(2).

«وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ »(3).

ففي هذه الآيات حلف بمخلوق على مخلوق، والحالف هو الله والمحلوف به هو هذه الموجودات والمحلوف لهم هم الناس أو المسلمون قاطبة.

فلو كان الحلف بمخلوق لمخلوق أمراً خطيراً وبمقربة من الشرك أو هو نفسه كما


(1) التين: 1 ـ 3.
(2) الليل: 1 ـ 2.
(3) الفجر: 1 ـ 4.


(64)

يقوله بعض الناس(1)لما حلف به سبحانه؛ لاَنّ ماهية العمل إذا كانت ماهية شركيّة فلا يفرق بينه وبين عباده كما أنّه إذا كانت ماهية الشيء ظلماً وتجاوزاً على البريء، فالله وعباده فيه سيّان، قال الله تعالى: «قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ »(2).

إنّ الحلف بهذه العظائم ذات الاَسرار إنّما لاَجل أحد الاَمرين: إمّا للدعوة إلى التدبّر والدقة في صنعها والنواميس السائدة عليها واللطائف الموجودة فيها، أو لاِظهار عظمة المحلوف به وكرامته عند الله كما هو الحال في حلفه سبحانه بحياة النبي، قال: «لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ »(3).

ولا عتب علينا إذا عرضنا المسألة على السنّة النبويّة، فقد جاءت فيها موارد قد ورد فيها الحلف بمخلوق على مخلوق، نكتفي بما رواه مسلم في صحيحه، وما ظنّك برواية مسلم في جامعه !

1 ـ روى مسلم في صحيحه:

جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله أيّ الصدقة أعظم أجراً ؟ فقال: «أما وأبيك لَتُنَبَّأنَّهُ: أن تَصَدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل البقاء»(4).

2 ـ روى مسلم أيضاً:

وجاءرجل إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ـ من نجد ـ يسأل عن الاِسلام، فقال رسولالله: «خمس صلوات في اليوم والليل».

فقال: هل عليّ غيرهنّ؟


(1) التوصل إلى حقيقة التوسّل: ص 217.
(2) الاَعراف: 28.
(3) الحجر: 72.
(4) صحيح مسلم 3: 94 كتاب الزكاة، باب أفضل الصدقة.


(65)

قال: «لا... إلاّ أن تطّوع، وصيام شهر رمضان».

فقال: هل عليّ غيره ؟

قال: «لا... إلاّ أن تطّوع»، وذكر له رسول الله الزكاة.

فقال الرجل: هل عليَّ غيرها ؟

قال: «لا... إلاّ أن تطّوع».

فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص.

فقال رسول الله: «أفلح وأبيه(1)إن صدق».

أو قال: «دخل الجنة ـ وأبيه ـ إن صدق»(2).

فإذ بطل الاَصل: حرمة الحلف بمخلوق على مخلوق، بطل ما بُني عليه من حرمة الاِقسام على الله بحقّ مخلوقه.

إلى هنا تمّ بيان أنّ الشبهة شبهة غير صحيحة، وإنّما دعا القائل إلى التمسّك بها لدعم رأيه المسبق.

الشبهة الثانية

إنّ الحوار الوارد في الحديث كان بعد اقتراف الخطيئة ولكنّه قبل أن يخطأ، علّمه الله الاَسماء كلّها، ومن جملة الاَسماء اسم محمد وعَلِم أنّه نبيّ ورسول وأنّه خير الخلق أجمعين، فكان أحرى أن يقول آدم: ربّي إنّك أعلمتني به أنّه كذلك لما علّمتني الاَسماء كلّها(3).

نقول على هامش الشبهة: إنّ ردّ السنّة الشريفة بمثل هذه التشكيكات جرأة عليها؛ إذ أيّ مانع أن يكون هنا عِلْمان: علم جزئي وقف عليه عندما فتح عينيه على


(1) أي حلفاً بأبيه، فالواو للقسم.
(2) صحيح مسلم 1: 32، باب ما هو الاِسلام.
(3) التوصل إلى حقيقة التوسّل: ص 218.


(66)

الحياة في الجنّة، وعلم واسع علّمه سبحانه بعد ذلك الظرف، عندما أراد سبحانه إثبات كرامته على الملائكة.

إنّ هذا النوع من التشكيك يستمد من إثبات الرأي والصمود على العقيدة وإن كان الحديث على خلافها.

وهناك نكتتان ننبّه عليهما:

الاَُولى: إنّ أحاديث التوسّل وإن كانت تتراوح بين الصحيح والحسن والضعيف، لكن المجموع يعرب عن تضافر المضمون وتواتره، فعند ذلك تسقط المناقشة في أسنادها بعد ملاحظة ورود كمية كبيرة من الاَحاديث في هذا المجال، وأنت إذا لاحظت ما مضى من الروايات، وما يوافيك تذعن بتضافر المضمون أو تواتره.

الثانية: نحن نفترض أنّ الحديث الراهن مجعول موضوع، ولكنّه يعرب عن أنّ التوسّل بالمخلوق والاِقسام على الله بمخلوقاته ليس شركاً ولا ذريعة إليه، بل ولا حراماً. وذلك لاَنّه لو كان شركاً وذريعة إليه أو حراماً، لما رواه الثقات واحد عن واحد، وهم أعرف بموازين الشرك ومعاييره، ولما أورده الاَكابر من العلماء في المعاجم الحديثية، كالبيهقي في دلائل النبوة والحاكم في مستدركه، والسيوطي في تفسيره، والطبراني في المعجم الصغير، وأكابر المفسّرين في القرون الغابرة؛ لاَنّ الشرك أمر بيّن الغي، فلا معنى ولا مسوغ لنقله بحجة أنّه رواية.

فكل ذلك يعرب عن الفكرة الخاطئة في الحكم على الحلف على الله بمخلوقاته شركاً.


(67)

( 9 )
التوسّل بمقام النبيّ ومنزلته عند الله

إنّ هذا النوع من التوسّل ليس قسماً آخر بل يرجع إلى التوسّل بحقّهم، بل التحقيق هو: أنّ التوسّل ليس له إلاّ قسم واحد وهو توسيط قداسة النبي وشخصيته وحرمته عند الله تبارك وتعالى، حتى يستجيب دعاء الاِنسان لاَجلها، ولو كان لدعاء النبي أثر هو الاِجابة فإنّما هو في ظلّ قداسته وشخصيته، وهناك كلمة قيّمة للشيخ محمد الفقي على هذا الصعيد نأتي بنصّها:

يمتاز الاَنبياء والرسل عن سواهم بمميزات لها خطورتها وعِظَم شأنها، ويتمتعون بخصوصيات تجل عن التقدير والتعبير، فهم يتفاوتون عن الخلائق بشتّى الخوارق، ويختصّون بأنواع رائعة من المعجزات وأسمى المقامات: «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ »(1).

والذي وهبهم هذه العطايا وأنعم عليهم بهذه الامتيازات، كتب لهم في سجل الحوائج قضاء ما يطلبون وما يرجون؛ لاَنّهم رسله إلى خلقه يُلجأ إليهم عند الشدائد، ويستغاث بهم في الملمّات، وقد أكرم الله كذلك من بين خلقه رجالاً لا


(1) الحديد: 21.


(68)

تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب والاَبصار، وهم أولياؤه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فلهم الحظوة لديه، والقبول عنده بتفضيل عليهم بالاستجابة لدعائهم وقبول الاستغاثة منهم.

وفي جواز التشفّع والاستغاثة بجاهه تواترت الاَحاديث، واستفاضت الاَخبار، خصوصاً عندما يطول الموقف ويشتدّ الكرب ويعظم الهول، يوم تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى. فتطلب الخلائق في هذا الموقف من الاَنبياء إغاثتهم، والاستشفاع بهم، فيحيلونهم كل بدوره إلى خير شفيع، وأعظم مغيث فيقصدون كعبة الشفاعة وقبلة الاِغاثة، فيستجيب لرغباتهم ويسارع لاِغاثتهم وإنقاذهم ويهمّ لمرضاتهم بما عهد فيه من فضل، وما عرف عنه من كرم(1).

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «أنا سيّد الناس يوم القيامة. هل تدرون بِمَ ذلك ؟ يجمع الله يوم القيامة الاَوّلين والآخرين في صعيد واحد ويسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنوا الشمس فيبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم ؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربّكم ؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟ فيقول آدم: إنّ ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، وإنّه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح.


(1) التوسّل والزيارة: ص 161.


(69)

فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الاَرض وقد سمّاك الله عبداً شكوراً اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول: إنّ ربّي عزّ وجلّ قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنّه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم.

فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبيّ الله وخليله من أهل الاَرض اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعد مثله (وإنّي قد كنت كذبت ثلاث كذبات ـ فذكرهنّ أبو حيان(1)ـ في الحديث)، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى.

فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضّلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنّي قد قتلت نفساً لم أُؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى.

فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلّمت الناس في المهد صبيّاً، اشفع لنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول عيسى: إنّ ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله (ولم يذكر ذنباً)، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

فيأتون محمّداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الاَنبياء، وقد


(1) ما تفرّد به أبو حيان مخالف للكتاب والعقل فلا عبرة به.


(70)

غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقَعُ ساجداً لربّي عزّ وجلّ ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفّع، فأرفَعُ رأسي فأقولُ: أُمّتي يا ربّ أُمّتي يا ربّ، فيقال: يا محمد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليهم من الباب الاَيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الاَبواب، ثم قال : والذي نفسي بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة كما بين مكة وحميرا وكما بين مكّة وبصرى»(1).

فالحديث يدلّ على جواز التوسّل بالمقام والمنزلة لقولهم: يا من أنت رسول وخاتم الاَنبياء، كما أنّ فيه دلالة على طلب الشفاعة منه لقولهم اشفع لنا إلى ربك.

إنّ التوسّل بالاَنبياء والاَولياء ليس بملاك جسمانيتهم فإنّهم وغيرهم في ذلك المجال سواسية، وإنّما يتوسّل بهم بروحانيتهم العالية؛ وهي محفوظة في حال الحياة وبعد الارتحال إلى البرزخ وإلى الآخرة.

فالتفريق في التوسّل بين الحياة والممات ينشأ من نظرة مادية تعطي الاَصالة للجسم والمادة ولا تقيم للمعنى والروحانية وزناً ولا قيمةً.

فالنبي الاَكرم مدار الفضائل والكمالات وهو يتمتع بأروع الكرامات وكلّها ترجع إلى روحانيته ومعنويته القائمة المحفوظة في جميع الحالات.

فما هذا التفريق بين الحياة المادية والبرزخية والاَُخروية ؟

فمن اتّخذ الاَنبياء والاَولياء وغيرهم ممّن باتوا لربّهم سجّداً وقياماً، أسباباً حال حياتهم أو بعد مماتهم، ووسائل لقضاء حوائجهم ووسائط لجلب الخير ودفع


(1) البخاري، الصحيح 6: 84 ـ 85، صحيح مسلم 1: 127 ـ 130، مسند أحمد 2: 412.


(71)

الشر، لم يحيدوا عمّا تهدف إليه الشريعة ولم يتجاوزوا الخط المشروع ولم يتعدّوا مقصود الرسالة النبوية وغاياتها.

فالاَسباب لا يمكن إنكارها، ولا يعقل تجاهلها، ولا يتأتّى جحودها؛ لاَنّه تعالى هو الذي خلق الاَسباب والمسبّبات ورتّب النتائج على المقدّمات فمن تمسك بالاَسباب فقد تمسّك بما أمر الله سبحانه.


(72)
خاتمة المطاف: آيتان على مائدة التفسير

قد تعرّفت على أدلّة جواز التوسّل بالاَنبياء والصالحين، بأقسامه المختلفة، وربّما تثار شبهة حول التوسّل يُتمسك لها ببعض الآيات، فإكمال البحث يقتضي توضيح بعض هذه الآيات التي وقعت ذريعة للشبهة لاَجل التفسير بالرأي، فحاشا أن يكون بين الآيات تهافت واختلاف بأن يدلّ بعضها على جواز التوسّل وبعضها الآخر على المنع، وحاشا أن تكون السنّة المتواترة على جواز التوسّل مضادّة للقرآن الكريم وإنّما استغلّهما القائل إذ ولج في تفسير الآية من غير بابها وإليك بعض هذه الآيات:

الآية الاَُولى

قوله سبحانه: « قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً »(1).

وتوضيح الآيتين على وجه يقلع الشبهة من رأس:

تردّ الآيتان على الذين كانوا يعبدون الوسائط والوسائل بتخيّل أنّها تستطيع كشف الضرّ وتحويله عنهم، وأنّها تملك ذلك، فلاَجل تلك الغاية كانوا يعبدون الجنّ والملائكة وغيرهم، وكانوا يسمّونهم آلهة، والآيتان تحتجّان على نفي إلوهيتهم بحجة أنّ الاِله المستحقّ للعبادة يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضرر، إذ هو لازم ربوبية الربّ، لكن الذين يدعون هؤلاء ويعبدونهم لا


(1) الاِسراء: 56 ـ 57.


(73)

يستطيعون ذلك، أي كشف ضُرٍّ مسّهم أو تحويله عنهم إلى غيرهم، فعند ذلك تبطل ربوبيتهم فلا يستحقّون العبادة، وإلى ذلك المعنى يشير سبحانه بقوله: « قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ».

هذا هو الدليل الاَوّل الذي أبطل به سبحانه إلوهيتهم وربوبيتهم واستحقاقهم للعبادة.

ثم إنّه سبحانه عاد إلى الاحتجاج عليهم بدليل آخر وحاصله: أنّ الذين تعبدونهم وتزعمون أنّهم يستطيعون كشف الضرّ وتحويله ـ نفس هؤلاء ـ يدعون الله تعالى ويطلبون القربة إليه بفعل الخيرات حتى أنّ الاَقرب منهم يبتغي الوسيلة إلى الله فكيف بغير الاَقرب، والجميع يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، إنّ عذاب ربّك كان محذوراً، فإذا كان الحال كذلك فاللازم عليكم ترك عبادة هؤلاء ورفضهم والاِقبال على عبادة الله تبارك وتعالى وإلى ذلك يشير قوله سبحانه في الآية الثانية:

«أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً » .

فأشار « بأُولئك » إلى آلهتهم، وبقوله: ص الذين يدعون » إلى عبادتهم لهم، ثم وصف آلهتهم بالجمل التالية وهي، هؤلاء الآلهة:

1 ـ يبتغون إلى ربّهم الوسيلة.

2 ـ الذي هو أقربهم إلى الله يبغي الوسيلة فكيف بغير الاَقرب.

3 ـ والجميع الاَقرب وغير الاَقرب «يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً » فالآيتان بصدد إبطال إلوهية هؤلاء وعدم استحقاقهم للعبادة لعدم ثبوت ملاك العبادة فيهم.

فأيّ صلة للآيتين بنفي التوسّل، أي التوسّل بعباد صالحين لا يعتقد المتوسّل


(74)

فيهم شيئاً من الربوبية ولا استطاعة لكشف الضر وتحويله، بل هم عباد صالحون تستجاب دعوتهم، فلو كانت الآية عامة لصورة التوسّل بدعائهم يلزم التهافت بينها وبين قوله سبحانه: « وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً »(1).

فالاِنسان المصر على عقيدته الذي لا يريد أن يعدل عنها أمام الآيات البيّنات ليس له إلاّ إخراج الآية عن مفادها وتفسيرها لاَجل رأي مسبق، فشتّان بين مفاد الآية، أي عبادة الوسائط بزعم أنّهم آلهة يستطيعون كشف الضر وتحويله وقضاء الحاجة، وبين توسيط الشخصيات الصالحة بما هم عباد الله، وبما لهم من منزلة وكرامة عند الله حتى يدعوا للمتوسّل أو يستجيب الله تعالى دعاءه لاَجل قربهم وكرامتهم عنده، فالآية ناظرة إلى المعنى الاَوّل دون الثاني.

الآية الثانية

قال سبحانه: « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »(2).

ربما يقال: إنّ التوسّل نوع من الاستعانة بغير الله سبحانه، وهو ينافي الحصر الموجود في قوله: « إيّاك نستعين ».

والجواب: أنّ الاستعانة بالناس والاستغاثة بهم لا يتنافى مع حصر الاستعانة بالله في قوله: «إيّاك نعبد وإيّاك نستعين » لاَنّ الاستعانة بهم (باعتقاد أنّه سبحانه هو الذي جهزهم بالقوة، فلو قاموا بعمل فإنّما يقومون به بحوله وقوّته سبحانه) يؤكد حصر الاستعانة فيه عزّ وجلّ.

وإنّما ينافي الحصر لو اعتقدنا بأنّ للاَسباب والوسائط أصالة واستقلالاً في


(1) النساء: 64.
(2) الفاتحة: 5.


(75)

العمل والتصرف، وهذا ما لا يليق أن ينسب إلى موحّد أبداً.

إنّ القرآن حافل بحصر أفعال بالله سبحانه، فينسبها إليه في صورة الحصر، ولكنّه يعود فينسبها في نفس الوقت إلى غيره وليس هناك تهافت وتضادّ بين الاِسنادين والنسبتين؛ لاَنّ المحصور في الله سبحانه غير المنسوب إلى غيره.

يقول سبحانه: « إيّاك نستعين ش وفي الوقت نفسه يقول عزّ وجلّ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ »(1).

قال الدكتور عبد الملك السعدي: أمّا من يمنع ذلك ويستدلّ بقوله: «إيّاك نعبد وإيّاك نستعين » وبقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لابن عباس: «وإذا استعنت فاستعن بالله» وبقوله: «لا يستغاث بي وإنّما المغيث هو الله».

فالجواب عنه: أنّ الاِعانة تكون حقيقية ومجازية، فالمعين الحقيقي هو الله وطلب الاِعانة من غيره مجاز، ولولا إمداد الله له بالعون والقوّة لما استطاع أن يعينك، فالاستعانة بالاِنسان هي استعانة بالقوة والملكة والسلطة التي منحه الله إيّاه إذ لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فالآية حصرت الاستعانة الحقيقية بالله تعالى، وكذا وصية _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لابن عباس من هذا القبيل، والآية والحديث فيهما توجيه للعبد، أن لا ينسب إلى المخلوق حولاً ولا قوة، ولو طلب العون المجازي منه وإذا لم توجّه الآية والحديث هذا التوجيه فانّه ستتعارض مع قوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى »(2)وقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه».

أمّا الحديث الاَخير فإنّه ضعيف؛ لاَنّ في سنده ابن لهيعة فلا يقاوم الاَحاديث الصحاح ولا مدلول الآية(3).


(1) البقرة: 45.
(2) المائدة: 2.
(3) البدعة في مفهومها الاِسلامي الدقيق: ص53ـ54.


(76)

والاَولى أن يعبّر عن الحقيقي والمجازي بالاستقلال وعدم الاستقلال، بالاَصالة والتبع، فالله سبحانه يملك كلّ شيء استقلالاً وأصالة والعبد يملك العون والقدرة، ولكن بإذنه ومشيئته في كل آن، فهو الذي أراد أن يقدر العبد ويستطيع على إقامة الفرائض والسنن.

فالعون القائم بالذات غير المفاض هو عون الله سبحانه، وأمّا العون المفاض المحدود فهو عون العبد، فلو استعان بالعبد بما أنّه معين مستقل وبالاَصالة فهو مشرك، لاَنّه جعلَ المخلوق مكان الخالق، ولو طلب منه بما أنّه أقدر الله عليه وأجاز له أن يعين أخاه، فقد طلب شيئاً مشروعاً وهو نفس التوحيد.

هذا من غير فرق بين من يستعين بالاَحياء وبالاَموات، غاية الاَمر إذا كان الميت غير مستطيع على الاِعانة تكون الاستعانة لغواً، وإن كان قادراً فتكون الاستعانة عقلائية، فالحياة والموت ليسا ملاكاً للتوحيد والشرك، بل ملاكان للجدوى وعدمها.

* * *


(77)

( 10 )
التوسّل بالنبي متواتر إجمالاً

إنّ هناك لفيفاً من التوسّلات المبثوثة في كتب التاريخ والتفسير والسيرة وغيرها؛ وهي بأجمعها تدلّ على جريان السيرة على التوسّل بالرسول؛ وهي تدلّ على جواز التوسّل بدعاء الرسول أو بذاته أو بمنزلته حياً وميتاً، والكل يعرب عن كونه أمراً رائجاً بين المسلمين غير منكر، وانّما حدث الاِنكار في الآونة الاَخيرة أي بعد سبعة قرون متكاملة، فلم ينبس فيها أحد ببنت شفة بالاِنكار أبداً.

نعم هناك بعض يمنعون التوسّل، ولكنّهم لمّا وقعوا أمام هذه الروايات الهائلة الدالّة على جواز التوسّل بدعائه أو بذاته وشخصه حيّاً وميتاً، حاولوا أن يناقشوا في أسناد هذه الروايات، غافلين عن أنّ هذه الروايات مستفيضة، بل متواترة في مفادها الاِجمالي؛ أي جواز التوسّل بنفسه، ولا وجه للمناقشة في اسنادها وقال ابن تيميّة: «والمراسيل إذا تعدّدت طرقها وخلت عن المواطأة قصداً أو الاتفاق بغير قصد كانت صحيحة قطعاً»(1).


(1) مقدمة في أُصول التفسير: ص 24.


(78)

وأنت إذا لاحظت ما سبق من الصحاح والحسان وما نذكره الآن تذعن لتواترها الاِجمالي:

1 ـ توسّل الاَعرابي بالنبي نفسه

روى جمع من المحدّثين أنّ أعرابياً دخل على _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقال: لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صغير يغط، ثم أنشأ يقول:

أتيناك والعذراء تَدمي لبانها * وقد شغلت أُمّ الصبي عن الطفل
ولا شيء ممّا يأكل الناس عندنا * سوىالحنظلالعاميوالعلهزالفسل
وليس لنا إلاّ إليك فرارنا * وأين فرار الناس إلاّ إلى الرسل ؟

فقام _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يجر رداءه حتى صعد المنبر، فرفع يديه وقال: اللّهمّ اسقنا غيثاً مغيثاً... فما ردّ النبي يديه حتى ألفت السماء... ثم قال: لله درّ أبي طالب، لو كان حياً لقرّت عيناه. من ينشدنا قوله ؟

فقام علي بن أبي طالب ـ عليهما السلام ـ وقال: كأنّك تريد يا رسول الله قوله:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للاَرامل
يطوف به الهلاّك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل

فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: أجل.

فأنشد علي _ عليه السلام _ أبياتاً من القصيدة، والرسول يستغفر لاَبي طالب على المنبر، ثم قام رجل من كنانة وأنشد يقول:

لك الحمد والحمد ممّن شكر * سُقينا بوجه النبي المطر(1)


(1) السيرة الحلبية 1: 116. لاحظ فتح الباري 2: 494، والقصيدة مذكورة في السيرة النبوية لابن هشام 1: 272 ـ 280.


(79)

دلالة الحديث:

إنّ الاِمعان في مجموع الرواية يعرب عن أنّ الاَعرابي توسّل بشخص النبي وطلب منه قضاء حاجته، والدليل على ذلك الاَُمور الآتية:

أ ـ أتيناك وما لنا بعير يئط.

ب ـ أتيناك والعذراء تدمى لبانها.

ج ـ وليس لنا إلاّ إليك فرارنا.

د ـ وأين فرار الناس إلاّ إلى الرسل ؟

هـ ـ إنشاء علي بن أبي طالب شعر والده، وهو يتضمّن قوله: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه.

2 ـ شعر صفيّة في رثاء النبي

أنشدت صفية بنت عبد المطلب عمّة النبي قصيدة بعد وفاة النبي في رثائه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وجاء فيها قولها:


ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا * وكنت بنا برّاً ولم تك جافيا
وكنت بنا برّاً رؤوفاً نبيّنا * ليبك عليك اليوم من كان باكيا(1)

إنّنا نستنتج من هذه المقطوعة الشعرية ـ التي أُنشدت على مسمع من الصحابة وسجّلها المؤرّخون وأصحاب السير ـ أمرين:

الاَوّل: إنّ مخاطبة الاَرواح ـ وبالخصوص مخاطبة رسول الله بعد وفاته ـ كان


(1) ذخائر العقبى : ص 252؛ مجمع الزوائد 9: 36؛ ونشير إلى أنّ جملة: «أنت رجاؤنا» في الشطر الاَوّل جاءت في هذا المصدر هكذا (كنت رجاؤنا).


(80)

أمراً جائزاً وجارياً وقولها: «يا رسول الله» لم يكن لغواً ولا شركاً.

الثاني: إنّقولها: «أنت رجاؤنا» يدلّ على أنّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هو أمل المجتمع الاِسلامي في كل العصور والاَحوال، ولم تنقطع الروابط والعلاقات معه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حتى بعد وفاته.

3 ـ خبر العتيق

روى الاِمام القسطلاني في المواهب اللدنية: وقف أعرابي على قبره الشريف _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقال: اللّهمّ إنّك أمرت بعتق العبيد وهذا حبيبك وأنا عبدك فأعتقني من النار على قبر حبيبك، فهتف به هاتف: يا هذا سألت العتق لك وحدك ؟ هلاّ سألت العتق لجميع المؤمنين اذهب فقد أعتقتك.

ثمّ أنشد القسطلاني البيتين المشهورين وهما:

إنّ الملوك إذا شابت عبيدهم * في رقّهم أعتقوهم عتق أحرار
وأنت يا سيدي أولى بذا كرماً * قد شِبتُ في الرقّ فاعتقني من النار(1)

4 ـ خبر حاتم الاَصمّ

نقل في المواهب عن الحسن البصري، قال: وقف حاتم الاَصم على قبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: يا ربّ إنّا زرنا قبر نبيّك _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلا تردّنا خائبين، فنودي: يا هذا ما أذنّا لك في زيارة قبر حبيبنا إلاّ وقد قبلناك فارجع أنت ومن معك من الزوّار مغفوراً لكم.

ثم ذكر في المواهب كثيراً من البركات التي حصلت له ببركة توسّله بالنبي(2).


(1) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية 4: 584 طـ. دار الكتب الاِسلامي.
(2) المصدر نفسه.


(81)

5 ـ اللّهمّ ربّ جبرئيل وميكائيل

روى النووي أنّ النبي أمر أن يقول العبد بعد ركعتي الفجر: «اللّهمّ ربّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ومحمد أجرني من النار» (أو) «أعوذ بك من النار». وخصّ هؤلاء بالذكر للتوسّل بهم في قبول الدعاء وإلاّ فهو سبحانه ربّ جميع المخلوقات.

والحديث صحّحه الحاكم، وقال ابن حجر: إنّه حسن(1).

6 ـ حديث السؤال بالاَنبياء

يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جدّه أنّ أبا بكر الصدّيق أتى _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: إنّي أتعلّم القرآن وينفلت منّي. فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «قل: اللّهمّ إنّي أسألك بمحمد نبيّك، وإبراهيم خليلك، وبموسى نجيّك، وعيسى روحك وكلمتك، وبتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وفرقان محمد وبكل وحي أوحيته وقضاءً قضيته...».

قال ابن تيمية: هذا الحديث ذكره زرين بن معاوية العبدري في جامعه. ونقله ابن الاَثير في جامع الاَُصول، ولم يعزه لا هذا، ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين، لكنّه رواه من صنَّف في عمل يوم وليلة كابن السنّي، وأبي نعيم. وقد رواه أبو الشيخ الاصبهاني في كتاب «فضائل الاَعمال»(2).


(1) الدرر السنيّة: ص 30؛ التوصل إلى حقيقة التوسّل: 306 عن كتاب الاَذكار للنووي.
(2) التوصّل إلى حقيقة التوسّل: ص 310.


(82)

7 ـ حديث دعاء حفظ القرآن

ذكر موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير باسناده عن ابن عباس مرفوعاً، أنّه قال: من سرّه أن يوعيه الله القرآن فليكتب هذا الدعاء: «... اللّهمّ إنّي أسألك بأنّك مسؤول لم يُسأل مثلك ولا يسأل وأسألك بمحمد نبيّك، وإبراهيم خليلك، وبموسى نجيّك، وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك...»(1).

8 ـ حديث استفتاح اليهود على المشركين بمحمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _

يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان... فكلّما التقوا هزمت يهود، فعاذت بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّا نسألك بحقّ محمد النبي الاَُمّي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلاّ نصرتنا عليهم، فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان... فلما بُعث _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كفروا به فأنزل الله تعالى: «وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا... »(2).

9 ـ توسّل الشافعي بآل البيت

ذكر ابن حجر المكي في كتابه المسمّى بـ «الصواعق المحرقة» من أشعار الاِمام الشافعي هذين البيتين:


(1) التوصّل إلى حقيقة التوسّل: ص 310.
(2) المصدر نفسه، نقلاً عن الحاكم في المستدرك على الصحيحين. ولم نعثر عليه فيه بعد الفحص الاَكيد. والآية في سورة البقرة: 89.


(83)

آل النبي ذريعتي * وهم إليه وسيلتي
أرجو بهم أُعطى غداً * بيدي اليمين صحيفتي(1)

10 ـ استسقاء بلال بن حرث

روى البيهقي وابن أبي شيبة أنّ الناس أصابهم قحط في خلافة عمر 2، فجاء بلال بن الحرث 2 وكان من أصحاب النبي إلى قبر النبي، وقالوا: يا رسول الله استسق لاَُمّتك فإنّهم قد هلكوا، فأتاه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في المنام وأخبره بأنّهم سيسقون(2) ففيه النداء بعد وفاته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والخطاب بالطلب منه أن يستسقي لاَُمّته.

ومراده من الاستسقاء بقرينة الحال دعاؤه سبحانه أن ينزل رحمته، إليهم، لا أن يصلّي صلاة الاستسقاء، وليس العبرة بنوم بلال، وإنّما العبرة بعمل ذلك الصحابي الذي كان في بعض غزواته(3).

قال زيني دحلان: ومن تتبع أذكار السلف والخلف وأدعيتهم وأورادهم وجد فيها شيئاً كثيراً في التوسّل ولم ينكر عليهم أحد في ذلك حتى جاء هؤلاء المنكرون، ولو تتبّعنا أكابر الاَُمّة في التوسّل لامتلاَت بذلك الصحف، وفيما ذكر كفاية ومقنع لمن كان بمرأى من التوفيق ومسمع(4).

تلك عشرة كاملة

ونلفت نظر القارىَ بأنّ الاحتجاج بهذه الاَحاديث العشرة الكاملة وما قبلها مبني على أمرين أُشير إليهما فيما سبق:


(1) الصواعق المحرقة: ص 180، طـ. مكتبة القاهرة، تحقيق عبد الوهاب.
(2) الدرر السنية: ص 18.
(3) تهذيب الكمال 4: 282؛ تهذيب تاريخ دمشق الكبير 3: 301 ـ 303.
(4) الدرر السنية: ص 31.


(84)

1 ـ إنّ أصل التوسّل إذا كان شركاً أو محرّماً لم يتجرأ الوضّاع على أن يجعله أساساً لما يريده من الوضع والدس، فهذا يعرب عن أنّ أساس (جواز التوسّل) كان أمراً مسلّماً فبنى عليه ما بنى من القصص والروايات لو افترضنا عدم صحتها، لكن أنّى لنا هذه الفرية.

2 ـ إنّ مجموع الروايات العشرة وما تقدّم عليها من الصحاح والحسان يثبت كون التوسّل بالنبي الاَعظم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعامة صوره أمر استُفيض جوازه من النبي والصحابة، بل تواتر إجمالاً وإن كانت الخصوصيات غير متواترة.

وليس المورد ممّا يقبل الجرح والدقّة في إسناد الروايات؛ إذ ليس المقصود الاِذعان بصحة كل ما جاء فيها من الخصوصيات، وإنّما المقصود ثبوت جواز التوسّل بصورة عامة ببركة هذه الحكايات والقصص وإن كان بعضها ضعيف السند عند البعض وصحيحاً عند آخر.

ومن أراد ردّ هذه الروايات بضعف السند، فقد ولج البيت من غير باب.

* * *

ما أُلّف حول التوسّل بقلم علماء الاِسلام

لقد أُلّف حول التوسّل بخير الاَنام وأولياء الله الكرام كتبٌ ورسائل قام بتأليفها لفيف من علماء الاِسلام وأكابرهم الذين يعتمد على أقوالهم وآرائهم، فأحببت أن أُنوّه ببعض أسمائها حتى يقف القارىَ عليها، وإذا أراد التوسّع فعليه الرجوع إليها:

1 ـ كتاب الوفا في فضائل المصطفى: لابن الجوزي (المتوفّى سنة 597 هـ) وقد أفرد باباً حول التوسّل ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وباباً حول الاستشفاء بقبره الشريف.

2 ـ مصباح الظلام في المستغيثين بخير الاَنام: تأليف محمد بن نعمان


(85)

المالكي(المتوفّى سنة 673 هـ) وقد نقل السمهودي في كتاب وفاء الوفا، باب التوسّل ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن هذا الكتاب نقلاً كثيراً.

3 ـ البيان والاختصار: لابن داود المالكي الشاذلي، وقد ذكر فيه توسّل العلماء والصلحاء بالرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في المحن والاَزمات.

4 ـ شفاء السقام: لتقي الدين السبكي (المتوفّى عام 756 هـ) وقد تحدّث عن التوسّل ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بشكل تحليلي رائع من ص 120 ـ 133.

5 ـ وفاء الوفا لاَخبار دار المصطفى: للسيد نور الدين السمهودي (المتوفّى سنة 911 هـ) وقد بحث عن التوسّل بحثاً واسعاً في الجزء الرابع من ص 413 ـ 419 .

6 ـ المواهب اللدنية: لاَبي العباس القسطلاني (المتوفّى سنة 932هـ) وسيوافيك كلامه في التوسّل.

7 ـ شرح المواهب اللدنية: للزرقاني المالكي المصري (المتوفّى سنة 1122 هـ) في الجزء الثامن، ص 317.

8 ـ صلح الاِخوان: للخالدي البغدادي (المتوفّى سنة 1299 هـ) وله أيضاً رسالة خاصة في الردّ على الآلوسي حول موضوع التوسّل ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقد طبعت الرسالة في سنة 1306 هـ.

9 ـ كنز المطالب: للعدوي الحمزاوي (المتوفّى سنة 1303 هـ).

10 ـ فرقان القرآن: للعزامي الشافعي القضاعي، وقد طبع هذا الكتاب مع كتاب الاَسماء والصفات للبيهقي في 140 صفحة.

أيُّها القارىَ الكريم: إنّ مطالعة هذه الكتب ـ وخاصة تلك التي تحدّثت بالتفصيل عن التوسّل، ويأتي كتاب صلح الاِخوان وفرقان القرآن في طليعتها ـ تثبت جريان سيرة المسلمين ـ في كلّ عصر ومصر ـ على التوسّل ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولنقتصر على هذا المقدار ففيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.


(86)

كلام لأبي العباس القسطلاني حول التوسل

قال: وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرّع والاستغاثة والتشفّع والتوسّل به _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه.

واعلم أنّ الاستغاثة هي طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبّر بلفظ: الاستغاثة أو التوسّل أو التشفّع أو التجوّه أو التوجّه، لاَنّهما من الجاه والوجاهة، ومعناه: علو القدر والمنزلة .

وقد يتوسّل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه، ثم إنّ كلاًّ من الاستغاثة والتوسّل والتشفّع والتوجّه ب _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كما ذكره في «تحقيق النصرة» و «مصباح الظلام» واقع في كل حال، قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدّة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة.

فأمّا الحالة الاَُولى فحسبك ما قدّمته في المقصد الاَوّل من استشفاع آدم _ عليه السلام _ به لما أُخرج من الجنّة، وقول الله تعالى له: «يا آدم لو تشفّعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والاَرض لشفّعناك».

وفي حديث عمر بن الخطاب عند الحاكم والبيهقي وغيرهما: وإن سألتني بحقّه فقد غفرت لك. ويرحم الله ابن جابر حيث قال:/p>

به قد أجاب الله آدم إذ دعا * ونجا في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنورهو * من أجله نال الفداء ذبيح

وصحّ أنّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ، أسألك بحقّ محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا آدم، وكيف عرفتَ محمّداً ولم أخلقه؟ قال: يا ربّ إنّك لمّا خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت قوائم العرش مكتوباً عليها لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، فعرفت أنّك


(87)

لاتضيف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك. فقال الله تعالى: صدقتَ يا آدم، إنّه لاَحبّ الخلق إليّ، وإذ سألتني بحقّه، فقد غفرت لك ولولا محمّد ما خلقتك». ذكره الطبري، وزاد فيه: «وهو آخر الاَنبياء من ذريتك»(1).

وأمّا التوسّل بعد خلقه في مدّة حياته، فمن ذلك الاستغاثة به _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عند القحط وعدم الاَمطار، وكذلك الاستغاثة به من الجوع ونحو ذلك ممّا ذكرته في مقصد المعجزات ومقصد العبادات في الاستسقاء، ومن ذلك استغاثة ذوي العاهات به، وحسبك ما رواه النسائي والترمذي عن عثمان بن حنيف أنّ رجلاً ضريراً أتى _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمد نبيّ الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّك في حاجتي لتقضى، اللّهمّ شفّعه فيّ» وصحّحه البيهقي وزاد: «فقام وقد أبصر».

وأمّا التوسّل به _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد موته في البرزخ وهو أكثر من أن يحصى أو يدرك باستقصاء وفي كتاب «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الاَنام» للشيخ أبي عبد الله ابن النعمان طُرَف من ذلك.

إنّ لأبي عباس القسطلاني مقاماً شامخاً عند أهل الحديث، لا يعدل عنه إلى غيره إلاّ بدليل وهو خرّيت فن الحديث وأُستاذه، فكلامه يعرب عن تسليمه صحة ما نقل من الاَحاديث التي تقدّمت في الفصول السابقة.

* * *

أخي العزيز: لقد عالجت في هذا الفصل مسألة التوسّل التي قد أثارت في بعض الاَجواء قلقاً واضطراباً، ولو أنَّ إخواننا نظروا إلى كتاب الله وسنّة نبيّه نظرة


(1) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية : 4 / 593 _ 595 .


(88)

فاحصة متجردة عن كل رأي مسبق لوجدوا فيهما بياناً شافياً، لا يدع شكّاً لشاك ولا ريباً لمرتاب، وبما أنّ بعضهم ـ سامحه الله ـ ربّما يرمي المتوسّل بتأليه المتوسِّل به، أو يعد عمله بدعة ؛ وضعنا أمامك بحثاً موجزاً حول التوسّل ليقف القارىَ على أنّ المتوسِّل بالاَسباب ـ مادية كانت أم معنوية ـ يؤمن بالتوحيد في العبادة وحرمة البدعة أتمّ الاِيمان، وأنّه مع إيمانه وتسليمه بهما يتوسل بما سُوِّغ في الشريعة الاِسلامية التمسّك به.

نسأله سبحانه أن يرزقنا توحيد الكلمة، كما تفضّل علينا بكلمة التوحيد إنّه على ذلك قدير وبالاِجابة جدير.

تـمّ الكتاب بيـد مؤلّفه الفقير الـى الله الغنيّ
جعفر السبحاني
عُفي عنه

Website Security Test