welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : التوسّل مفهومه وأقسامه وحكمه في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

التوسّل مفهومه وأقسامه وحكمه في الشريعة الإسلامية الغرّاء

التوسّل
مفهومه وأقسامه وحكمه
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

تأليف

العلامة الفقيه
الشيخ جعفر السبحاني


(2)

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه وأفضل سفرائه محمد وآله الطاهرين وعلى عباد الله الصالحين.

أمّا بعد: فقد خلق الله سبحانه العالم التكويني على أساس الاَسباب والمسبّبات، فلكل ظاهرة في الكون سبب عادي يؤثّر فيها بإذنه سبحانه، وليس للعلم والعالم التجريبي شأن سوى الكشف عن تلك الروابط الموجودة بين الظواهر الكونية، وكلّما تقدّم العلم في ميادين الكشف، تتجلّى تلك الروابط بأعمق صورة لدينا والكلُّ يدلّ على أنّه سبحانه خلق النظام الكوني على أساس وسائل وأسباب تتبنّى مسبّباتها بتنظيم منه سبحانه إذ « هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً »(1) والماء سبباً للحياة فالكل مؤثرات فيما سواه حسب مشيئته وإذنه، قال سبحانه: « وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ »(2)والباء في الآية بمعنى السببية والضمير يرجع إلى الماء، وقال أيضاً: « أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ


(1) يونس: 5.
(2) البقرة: 22.


(3)

الْمَاءَ إِلَى الاََْرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ »(1)، فالآية صريحة في تأثير الماء على الزرع، وأنّه سبحانه أعطى له تلك المقدرة وكلٌّ من الاَسباب جنود له سبحانه، قال: «وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ »(2) فإذا كانت الملائكة جنوداً لله تبارك وتعالى كما يقول سبحانه: «فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا »(3)فالاَسباب العادية التي تعتمد عليها الحياة الجسمانية للاِنسان، جنوده سبحانه في عالم المادة ومظاهر إرادته ومشيئته.
وهذا ليس بمعنى تفويض النظام لهذه الظواهر المادية، والقول بتأصّلها في التأثير واستقلالها في العمل، بل الكل متدلٍّ بوجوده سبحانه، قائم به، تابع لمشيئته وإرادته وأمره.

هذا هو الذي نفهمه من الكون ويفهمه كل من أمعن النظر فيه، فكما أنّ الحياة الجسمانية قائمة على أساس الاَسباب والوسائل، فهكذا نزول فيضه المعنوي سبحانه إلى العباد تابع لنظام خاص كشف عنه الوحي، فهدايته سبحانه تصل إلى الاِنسان عن طريق ملائكته وأنبيائه ورسله وكتبه، فالله سبحانه هو الهادي، والقرآن أيضاً هادٍ، والنبي الاَكرم أيضاً هادٍ ولكن في ظل إرادة الله سبحانه، قال سبحانه: «وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ »(4)وقال سبحانه: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ »(5)وقال سبحانه في حقّ نبيّه: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ »(6).


(1) السجدة: 27.
(2) المدثّر : 31.
(3) التوبة: 40.
(4) الاَحزاب: 4.
(5) الاِسراء: 9.
(6) الشورى: 52.


(4)

فهداية الله تعالى تصل إلى الاِنسان عن طريق الاَسباب والوسائل التي جعلها الله سبحانه طريقاً لها وإلى هذا الاَصل القويم يشير الاِمام الصادق _ عليه السلام _ في كلامه ويقول: «أبى الله أن تجري الاَشياء إلاّ بأسباب فجعل لكل شيءٍ سبباً، وجعل لكل سبب شرحاً»(1).

فعلى ضوء هذا الاَساس فالعالم المعنوي يكون على غرار العالم المادي فللاَسباب سيادة وتأثير بإذنه سبحانه، وقد شاء الله أن يكون لها دور في كلتا النشأتين، فلا ضير على من يطلب رضا الله أن يتمسّك بالوسيلة، قال الله سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »(2).

فالله سبحانه حثّنا للتقرب إليه على التمسّك بالوسائل وابتغائها، والآية دعوة عامة لا تختص بسبب دون سبب، بل تأمر بالتمسّك بكل وسيلة توجب التقرّب إليه سبحانه، وعندئذٍ يجب علينا التتبّع في الكتاب والسنّة، حتّى نقف على الوسائل المقرّبة إليه سبحانه، وهذا ممّا لا يعلم إلاّ من جانب الوحي، والتنصيص عليه في الشريعة، ولولا ورود النص لكان تسمية شيء بأنّه سبب للتقرّب، بدعة في الدين؛ لاَنّه من قبيل إدخال ما ليس من الدين في الدين.

ونحن إذا رجعنا إلى الشريعة نقف على نوعين من الاَسباب المقرّبة إلى الله سبحانه:

النوع الاَوّل: الفرائض والنوافل التي ندب إليها الكتاب والسنّة، ومنها التقوى، والجهاد الواردان في الآية، وإليه يشير عليّ أمير المؤمنين _ عليه السلام _ ويقول: «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله سبحانه وتعالى، الاِيمان به، وبرسوله،


(1) الكافي 1: 183.
(2) المائدة: 35.


(5)

والجهاد في سبيله؛ فإنّه ذروة الاِسلام، وكلمة الاِخلاص؛ فإنّها الفطرة، وإقام الصلاة؛ فإنّها الملّة، وإيتاء الزكاة؛ فإنّها فريضة واجبة، وصوم شهر رمضان؛ فإنّه جُنّة من العقاب، وحجّ البيت واعتماره؛ فإنّهما ينفيان الفقر، ويرحضان الذنب، وصلة الرحم؛ فإنّها مثراة في المال، ومنسأة في الاَجل، وصدقة السرّ؛ فإنّها تكفّر الخطيئة، وصدقة العلانية؛ فإنّها تدفع ميتة السوء؛ وصنائع المعروف؛ فإنّها تقي مصارع الهوان»(1).

غير أنّ مصاديق هذا النمط من الوسيلة لا تنحصر فيما جاء في الآية أو في تلك الخطبة بل هي من أبرزها.

النوع الثاني: وسائل ورد ذكرها في الكتاب والسنّة الكريمة، وحثّ عليها الرسول وتوسّل بها الصحابة والتابعون وكلّها توجب التقرّب إلى الله سبحانه، وهذا هو الذي نطلبه في هذا الاَصل حتى يعلم أنّ الوسيلة لا تنحصر في الفرائض والمندوبات الرائجة بل هناك وسائل للتقرّب دلّت عليها السنّة، وهي التوسّل بالنبي الاَكرم على أشكاله المختلفة التي سنذكرها، فهذا عليّ _ عليه السلام _ يقول في ذكر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «اللّهمّ أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم لديك نُزُله، وشرِّف عندك منزله وآته الوسيلة وأعطه السناء والفضيلة، واحشرنا في زمرته»(2).

فإذا وقفنا على أنّ النبيّ هوالوسيلة المقرّبة إلى الله، فتجب علينا مراجعة السنّة لنطّلع على كيفية التوسّل به فهي تبيّن لنا تلك الكيفية. فعلى من يطلب استجابة دعائه، أن يتوسّل إلى الله بأسباب جعلها الله سبحانه وسيلة لهذا المبتغى./p>

* * *


(1) نهج البلاغة: الخطبة 110.
(2) المصدر نفسه: الخطبة 106.


(6)

التوسّل لغة واصطلاحاً

التوسّل لغة من وسلت إلى ربّي وسيلة: عملتُ عملاً أتقرّبُ به إليه، وتوسّلت إلى فلان بكتاب أو قرابة، أي تقربتُ به إليه(1).

وقال الجوهري في الصحاح: الوسيلة ما يتقرّب به إلى الغير والجمع: الوُسُل والوسائل(2).

ونحن في غنى عن تحقيق معنى الوسيلة في اللغة؛ لاَنّها من المفاهيم الواضحة لدينا وحقيقتها لا تتجاوز اتّخاذ شيء ذريعة إلى أمر آخر يكون هو المقصود والمبتغى، وهي تختلف حسب اختلاف المقاصد.

فمن ابتغى رضا الله تبارك وتعالى يتوسّل بالاَعمال الصالحة التي بها يكتسب رضاه، ومن طلب استجابة دعائه يتوسّل بشيء جُعِل في الشريعة وسيلة لها، ومن أراد زيارة بيت الله الحرام يتوسّل بما يوصله إليها، فوضوح معناه يبعثنا إلى أن نترك نقل أقوال اللغويين في ذلك المضمار وإن كانت أكثر كلماتهم في المقام متماثلة.


(1) الخليل، ترتيب العين، مادة «وسل».
(2) الصحاح، ج 5، مادة «وسل».


(7)

والمقصود من التوسّل في المقام، هو أن يقدِّم العبدُ إلى ربّه شيئاً، ليكون وسيلةً إلى الله تعالى لاَن يتقبّل دعاءه ويجيبه إلى ما دعا، وينالَ مطلوبه، مثلاً إذا ذكر الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ومجّده وقدّسه وعظّمه، ثم دعا بما بدا له، فقد اتّخذ أسماءه وسيلة لاستجابة دعائه ونيل مطلوبه، ومثله سائر التوسّلات، والتوسّل بالاَسباب في الحياة أمر فطري للاِنسان، فهو لم يزل يدق بابها ليصلَ إلى مسبباتها، وقال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ : «أبى الله أن تجري الاَشياء إلاّ بأسباب فجعل لكل شيء سبباً»(1).

إنّ الوسيلة إذا كانت وسيلة عادية للشيء وسبباً طبيعياً له، فلا يشترط فيها إلاّ وجود الصلة العادية بين الوسيلة والمتوسّل إليه، فمن يريد الشبع فعليه الاَكل ولا يُريحه شربُ الماء؛ إذ لا صلة بين شرب الماء، وسدِّ الجوع، فالعقلاء في حياتهم الدنيوية ينتهجون ذلك المنهج بوازع فطري، أو بعامل تجريبي، نرى أنّ ذا القرنين عندما دُعي إلى دفع شرّ يأجوج ومأجوج اللّذين كانوا يأتيان من وراء الجبل ويفسدان ويقتلان ويغيران عليهم، لبّى دعوتهم وتمسّك بالسبب الطبيعي القويم الذي يدفع به شرّهم فخاطبهم بقوله: «آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً* فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً »(2).

ففي هذا الموقف العصيب توسّل ذوالقرنين ـ ذلك الاِنسان الاِلهي ـ بسبب طبيعي؛ إذ إنّه وقف على الصلة بين الوسيلة وما يهدف إليه، وهو سدّ الوديان بِقِطَعِ الحديد حتى إذا ساوى بين الجبلين أمر الحدّادين أن ينفخوا في نار الحديد التي أُوقدت فيه حتى جعله ناراً، وعند ذلك قال: ائتوني نحاساً مذاباً أو صفراً مذاباً،


(1) الكافي 1: 183.
(2) الكهف: 96 ـ 97.


(8)

حتى أصبَّه على السد بين الجبلين وينسد بذلك النقب ويصير جداراً مصمتاً، فكانت حجارته الحديد وطينه النحاس الذائب.

ففي المورد وأضرابه التي بنيت عليها الحياة الاِنسانية في هذا الكوكب، لا يشترط بين الوسيلة والهدف سوى الرابطة الطبيعية أو العادية التي كشف عنها العلم والتجربة وأمّا التوسّل في الاَُمور الخارجة عن نطاق الاَُمور العادية، فبما أنّ التعرّف على أسبابه خارج عن إطار العلم والتجربة بل يُعدّ من المكنونات الغيبية، فلا يقف عليها الاِنسان إلاّ عن طريق الشرع وتنبيه الوحي، وبيان الاَنبياء والرسل وما ذاك إلاّ لاَنّهم هم الذين يرفعون الستار عن وجه الحقيقة ويصرّحون بالوسيلة ويبيّنون بأنّ هناك صلة بينها وبين ما يبغيه الاِنسان المتوسّل.

وهذا الاَصل يبعثنا إلى أن لا نتوسل بشيء فيما نبتغيه من رضا الربّ، وغفران الذنوب واستجابة الدعاء ونيل المنى، إلاّ عن طريق ما عيّنه الشارع وصرّح بأنّه وسيلة لذلك الاَمر، فالخروج عن ذلك الاِطار يسقطنا في مهاوي التشريع ومهالك البِدع التي تعرّفتَ على مضاعفاتها.

فالمسلمون سلفُهم وخلفهم، صحابيّهم وتابعيّهم، والتابعون لهؤلاء بإحسان في جميع الاَعصار ما كانوا يخرجون عن ذلك الخط الذي رسمناه، فما نَدَب إليه الشرع في مجال التوسّل يأخذون به، وما لم يذكره، أو نهى عنه يتركونه، ولا اعتبار بالبدَعِ المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وها نحن نتلو عليك التوسّلات المشروعة التي ندب إليها الشرع، وحثّ عليها النبي الاَكرم وخلفاؤه مجتنبين عن الاِسهاب في الكلام، مقتصرين على اللبّ تاركين القشر.


(9)

( 1 )
التوسّل بأسمائه وصفاته

أمر الله سبحانه عباده بدعائه بأسمائه الحسنى فقال تعالى: «وَللهِِ الاََْسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ »(1).

إنّ الآية تصف أسماءه كلَّها بالحسنى لحسن معانيها، من غير فرق بين ما يرجع إلى صفات ذاته كالعالم والقادر، والحي، وما يرجع إلى صفات فعله كالخالق والرازق والمحيي والمميت، ومن غير فرق بين ما يفيد التنزيه ورفع النقص كالغنيّ والقدّوس، وما يعرب عن رحمته وعفوه كالغفور والرحيم، فعلى المسلم دعاؤه سبحانه بها فيقول: يا الله يا رحمن يا رحيم، يا خالق السماوات والاَرض، يا غافر الذنوب ويا رازق الطفل الصغير. وتركِ عملِ الذين يعدلون بأسماء الله تعالى عمّا هي عليه فيسمّون بها أصنامهم بالزيادة والنقصان، فيسمّون أصنامهم باللات والعزّى أخذاً من الله العزيز، سيجزون ما كانوا يعملون في الآخرة.

فعندما يذكره العبد بأسمائه التي تضمّنت كل خير وجمال، ورحمة ومغفرة


(1) الاَعراف: 180.


(10)

وعزّة وقدرة، ثم يعقبه بما يطلبه من مغفرة الذنوب وقضاء الحوائج فيستجيب له سبحانه، وقد دلّت على ذلك، الآثار الصحيحة التي نذكر منها ما يلي:

1 ـ أخرج الترمذي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنّ رسول الله سمع رجلاً يقول: اللّهمّ إنّي أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت، الاَحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فقال النبي: «لقد سألتَ الله باسمه الاَعظم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى»(1).

والحديث تضمّن بيان الوسيلة، والتوسّل بالاَسماء، وإن لم يأت فيه الغرض الذي لاَجله سأل الله تعالى بأسمائه.

2 ـ عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تسأله خادماً، فقال لها : «قولي: اللّهمّ ربّ السماوات السبع، وربّ العرش العظيم، ربّنا وربّ كل شيء ومنزل التوراة والاِنجيل والقرآن، فالق الحبّ والنوى، أعوذ بك من شرّ كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الاَوّل فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر»(2).

3 ـ وأخرج أحمد والترمذي عن أنس بن مالك، أنّه كان مع رسول الله جالساً ورجل يصلّي، ثم دعا: اللّهم إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إله إلاّ أنت، أنت المنّان بديع السماوات والاَرض يا ذا الجلال والاِكرام يا حيّ يا قيّوم، فقال النبي: «تدرون بم دعا الله ؟ دعا الله باسمه الاَعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى»(3).


(1) الترمذي، الصحيح 5: 515 برقم 3475، الباب 65 من كتاب الدعوات.
(2) الترمذي، الصحيح 5: 518 برقم 3481، الباب 68 من كتاب الدعوات.
(3) الترمذي، الصحيح 5: 549 ـ 550 برقم 3544، الباب 100 من كتاب الدعوات.


(11)

وفي روايات أئمة أهل البيت: نماذج من هذا النوع من التوسّل يقف عليها الذي يسبر رواياتهم وأحاديثهم.

4 ـ فقد روى الاِمام الرضا _ عليه السلام _ عن جدّه محمد الباقر _ عليه السلام _ أنّه كان يدعو الله تبارك وتعالى في شهر رمضان بدعاء جاء فيه: «اللّهمّ إنّي أسألك بما أنت فيه من الشأن والجبروت، وأسألك بكلّ شأن وحده وجبروت وحدها، اللّهم إنّي أسألك بما تجيبني به حين أسألك فأجبني يا الله»(1).

5 ـ روى الشيخ الطوسي في مصباحه عن الاِمامين الباقر والصادق8 دعاءً باسم دعاء السمات مستهلّه:

«اللّهمّ إنّي أسألك باسمك العظيم الاَعظم، الاَعزّ الاَجلّ الاَكرم، الذي إذا دُعيتَ به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة، انفتحت؛ وإذا دُعيتَ به على مضايق أبواب الاَرض للفرج، انفرجت؛ وإذا دعيت به على العسير لليسر تيسّرت...»(2).

إنّ ثناء الله وتقديسه ووصفه بما وصف به في كتابه وسنّة نبيّه، يوجد أرضية صالحة لاستجابة الدعاء، ويكشف عن استحقاق الداعي لرحمته وعفوه وكرمه. وبما أنّ هذا القسم من التوسّل اتّفقت عليه الاَُمّة سلفها وخلفها ولم يذكر فيه أيّ خلاف فلنتقصر فيه على هذا المقدار.


(1) إقبال الاَعمال : 348، ط 1416 هـ.
(2) مصباح المتهجد: ص 374.


(12)

( 2 )
التوسّل بالقرآن الكريم

إنّ الاِنسان مهما كان مبدعاً في الوصف والتعبير، لا يستطيع أن يصف كلام الله العزيز بمثل ماوصفه به سبحانه، فقد وصف هو كتابه بأنّه نور، وكتاب مبين، وهدىً للمتّقين، نزل بالحق تبياناً لكل شيء، إلى غير ذلك من المواصفات الواردة فيه.

وكتابه سبحانه، فعله، فالتوسّل بالقرآن والسؤال به، توسّل بفعله سبحانه ورحمته التي وسعت كل شيء، ومع ذلك كلّه يجب على المتوسّل، التحقّق من وجود دليل على جواز هذا النوع من التوسّل، لما عرفت من أنّ كل ما يقوم به المسلم من التوسّلات يلزم أن لا يخدش أصل التوحيد وحرمة التشريع، ولحسن الحظ أنَّك ترى وروده في الشرع.

روى الاِمام أحمد، عن عمران بن الحصين، أنّه مرّ على رجل يقصّ، فقال عمران: إنّا لله وإنّا إليه راجعون سمعت رسول الله يقول: «اقرأوا القرآن واسألوا الله تبارك وتعالى به قبل أن يجيء قوم يسألون به الناس»(1). فعموم لفظ الحديث


(1) الاِمام أحمد، المسند 4: 445. ورواه في كنز العمال عن الطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الاِيمان، لاحظ ج1: 608 | 2788.


(13)

يدلّ على جواز سؤاله سبحانه بكتابه المنزل ما شاء من الحوائج الدنيوية والاَُخروية.

والاِمعان في الحديث يرشدنا إلى حقيقة واسعة وهي جواز السؤال بكل من له عند الله منزلة وكرامة، وما وجه السؤال بالقرآن إلاّ لكونه عزيزاً عند الله، مكرّماً لديه، وهو كلامه وفعله، وهذا أيضاً متحقّق في رسوله الاَعظم وأوليائه الطاهرين عليهم سلام الله أجمعين.

وورد عن أئمة أهل البيت: أنّه يستحبّ في ليلة القدر أن يفتح القرآن فيقول: «اللّهمّ إنّي أسألك بكتابك المنزل وما فيه، وفيه اسمك الاَكبر وأسماؤك الحسنى وما يخاف ويرجى أن تجعلني من عتقائك من النار»(1).


(1) إقبال الاِعمال: ص 41. رواه حريز بن عبد الله السجستاني عن أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _.


(14)

( 3 )
التوسّل بالاَعمال الصالحة

إذا كان التوسّل بمعنى تقديم شيء إلى ساحة الله ليستجيب الدعاء، فلا شك في أنّ العمل الصالح أحسن شيء يتقرّب به الاِنسان إلى الله تعالى، وأحسنُ وسيلةٍ يُتمسّك بها فتكون نتيجة التقرّب هي نزول رحمته عليه وإجابة دعائه، وفي بعض الآيات الكريمة تلميح إلى ذلك، وإن لم يكن فيها تصريح إلاّ أنّ السنّة النبويّة صرّحت بذلك، أمّا الآيات فنأتي بنموذجين منها:

1 ـ «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ »(1).

ترى أنّ إبراهيم وولده الحليم قدّما إلى الله تبارك وتعالى وسيلة وهي بناء البيت، فعند ذلك طلبا من الله سبحانه عدّة أُمور تجمعها الاَُمور التالية:

تقبّل منّا، واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريّتنا أُمّة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا، وتب علينا.


(1) البقرة: 127 ـ 128.


(15)

والآية وإن لم تكن صريحة فيما نبتغيه غير أنّ دعاء إبراهيم في الظروف التي كان يرفع فيها قواعد البيت مع ابنه، ترشدنا إلى أنّ طلب الدعاء في ذلك الظرف، لم يكن أمراً اعتباطياً، بل كانت هناك صلة بين العمل الصالح والدعاء، وأنّه في قرارة نفسه تمسك بالاَوّل ليستجيب دعاءه.

2 ـ قوله سبحانه: « الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ »(1).

ترى أنّه عطف طلب الغفران بالفاء على قوله: «ربّنا إنّنا آمنّا » ، ففاء التفريع تعرب عن صلة بين الاِيمان وطلب الغفران.

وأنت إذا سبرت الآيات الكريمة تقف على نظير ذلك فكلّها من قبيل التلميح لا التصريح، غير أنّ في السنّة النبوية تصريح على أنّ ذكر العمل الصالح الذي أتى به الاِنسان لله تبارك وتعالى، يثير رحمته، فتنزل رحمته على عبده ويُستجاب دعاؤه، وقد روى الفريقان القصّة التالية وفيها غنى وكفاية:

روى البخاري عن ابن عمران عن _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر، فآووا إلى غارٍ فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلاّ الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه.

فقال واحد منهم: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمِلَ لي على فرق من أرُز، فذهب وتركه، وإنّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقراً، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنّما لي عندك فَرَق من أرُز، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنّها من ذلك


(1) آل عمران: 16.


(16)

الفَرَق، فساقها، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك، ففرّج عنّا، فانساحت عنهم الصخرة.

فقال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأتُ عليهما ليلةً، فجئتُ وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أُوقظهما وكرهت أن أدعهما فَيسْتَكنّا لشربتهما، فلم أزل انتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا، فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.

فقال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عم من أحبّ الناس إليّ وأنّي راودتها عن نفسها فأبت إلاّ أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرتُ، فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلمّا قعدت بين رجليها فقالت: اتّق الله ولا تفضّ الخاتم إلاّ بحقّه، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا، ففرّج الله عنهم فخرجوا»(1).

لم تكن الغاية من تحديث النبي بما ذكر إلاّ تعليم أُمّته حتى يتّخذوا ذكر العمل الصالح وسيلة لاستجابة دعوتهم. ولو كان ذلك من خصائص الاَُمم الماضية لصرّح بها. وقد رواه الفريقان باختلاف في اللّفظ.

3 ـ روى البرقي أحمد بن خالد (ت 274 هـ) في محاسنه، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن المفضل بن صالح، عن جابر الجعفي، يرفعه قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «خرج ثلاثة نفر يسيحون في الاَرض، فبينما هم يعبدون الله في كهف في قلّة جبل حتى بدت صخرة من أعلى الجبل حتى التقمت باب الكهف، فقال بعضهم


(1) البخاري، الصحيح 4: 173،كتاب الاَنبياء ، الباب 53 ؛ ورواه في كتاب البيوع ، الباب 98، واللفظ لكتاب الاَنبياء.


(17)

لبعض: عباد الله والله ما ينجيكم ممّا وقعتم إلاّ أن تصدقوا الله، فهلمّوا ما عملتم لله خالصاً، فانّما أُسلمتم بالذنوب.

فقال أحدهم: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي طلبت امرأة لحسنها وجمالها، فأعطيت فيها مالاً ضخماً، حتى إذا قدرت عليها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة وذكرت النار، فقمت عنها فزعاً منك، اللّهمّ فارفع عنّا هذه الصخرة، فانصدعت حتى نظروا إلى الصدع.

ثم قال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي استأجرت قوماً يحرثون كل رجل منهم بنصف درهم، فلمّا فرغوا أعطيتهم أُجورهم، فقال أحدهم: قد عملت عمل اثنين والله لا آخذ إلاّ درهماً واحداً، وترك ماله عندي، فبذرت بذلك النصف الدرهم في الاَرض، فأخرج الله من ذلك رزقاً، وجاء صاحب النصف الدرهم فأراده، فدفعت إليه ثمن عشرة آلاف، فإن كنت تعلم أنّما فعلته مخافة منك فارفع عنّا هذه الصخرة، قال: فانفرجت منهم حتى نظر بعضهم إلى بعض.

ثم إنّ الآخر قال: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّ أبي وأُمّي كانا نائمين، فأتيتهما بقعب من لبن، فخفت أن أضعه أن تمج فيه هامة، وكرهت أن أُوقظهما من نومهما، فيشق ذلك عليهما، فلم أزل كذلك حتى استيقظا وشربا، اللّهمّ فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فارفع عنّا هذه الصخرة، فانفرجت لهم حتى سهل لهم طريقهم، ثم قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: من صدق اللهنجا»(1).

4 ـ وقال الاِمام الطبرسي: أصحاب الرقيم هم النفر الثلاثة الذين دخلوا في


(1) نور الثقلين: الجزء 3 في تفسير قوله: ( أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً ) (الكهف: 9) نقلاً عن محاسن البرقي في تفسير الآية.


(18)

غار، فانسدّ عليهم، فقالوا: ليدعُ الله تعالى كل واحد منّا بعمله حتى يفرّج الله عنّا، ففعلوا، فنجّاهم الله. رواه النعمان بن بشر مرفوعاً(1).

ولعل فيها غنىً وكفاية ومن أراد التوسّع فعليه السبر في غضون الروايات.


(1) مجمع البيان 3: 452.


(19)

( 4 )
التوسّل بدعاء الرسول الاَكرم

إنّ للنبي الاَكرم مكانة مرموقة عند ربّه ليس لاَحدٍ مثلها، فهو أفضل الخليقة ، وقد بلغت عناية القرآن الكريم ببيان نواح من مناقبه إلى حد لا ترى مثل ذلك إلاّ في حق القليل من أنبيائه، وربما يطول بنا الكلام إذا قمنا بعرض جميع الآيات الواردة في حقّه، وإنّما نشير إلى بعضها.

فقد أشار الذكر الحكيم إلى مكانته المرموقة ولزوم توقيره وتكريمه وأنّه لا يصلح دعاؤه كدعاء البعض للبعض بقوله سبحانه: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ »(1)وقال سبحانه أيضاً: « لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً »(2).

وإلى كماله الرفيع وإمامته وكونه قدوة وأُسوة للمؤمنين يتأسّون به في قِيَمه ومُثُله العليا، بقوله سبحانه: « لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ


(1) الحجرات: 2.
(2) النور: 63.


(20)

يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الاَْخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً »(1).

وإلى عظمته وكرامته عند الله بحيث يصلّي عليه سبحانه وملائكته فأمر المؤمنين أن يصلّوا عليه بقوله: « إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً »(2).

وإلىصفاء نفسه وقوة روحه وجمال خلقه بقوله: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ »(3).

وإلى عكوفه على عبادة ربّه وتهجّده في الليل وسهره في طريق طاعة الله بقوله: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ »(4).

وإلى غزارة علمه بقوله: «وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً »(5).

وإلى أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أحد الاَمانين في الاَرض بقوله: «وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ »(6).

وقد بلغت كرامة الرسول ـ عند الله ـ إلى حدّ يتلو اسمه اسمَ الله وينسب إليهما فعلواحدويقول: «وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادةِ »(7).

وقال سبحانه: «وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً »(8).


(1) الاَحزاب: 21.
(2) الاَحزاب: 56.
(3) القلم: 4.
(4) المزمل: 20.
(5) النساء: 113.
(6) الاَنفال: 33.
(7) التوبة: 94.
(8) الاَحزاب: 71.


(21)

وقال الله سبحانه: «وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ »(1).

إلى غير ذلك من الآيات التي اقترن فيها اسم نبيه باسمه سبحانه ونسب إليهما فعل واحد وشهدت بكرامته عند الله وقربه منه، فإذا كانت هذه منزلته عند الله، فلا يرد دعاؤه، وتستجاب دعوته، فيكون دعاء مثل تلك النفس غير مردود، والمتمسك بدعائه متمسكاً بركن وثيق وعماد رصين، ولاَجل تلك الخصوصية نرى أنّه سبحانه يأمر المذنبين من المسلمين بالتمسّك بذيل دعائه، ويأمرهم بأن يحضروا الرسول الاَعظم ويستغفروا الله في مجلسه ويسألوه أن يستغفر لهم أيضاً، فكان استغفاره لهم سبباً لنزول رحمته وقبوله توبتهم، قال سبحانه: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً »(2).

كما نرى أنّه سبحانه في آية أُخرى يندّد بالمنافقين بأنّه، إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله، لوّوا رؤوسهم، يقول سبحانه: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ »(3).

وما هذا إلاّ لاَنّ دعاء الرسول دعاء مستجاب، ودعوته مقبولة، واستغاثته مستجابة، لاَنّه نابع من نفس طاهرة مؤمنة راضية مرضية.

إنّ من الظلم الواضح تسوية دعاء النبي بدعاء سائر المسلمين والتعبير عن دعائه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بدعاء الاَخ المؤمن ! وجعل الجميع تحت عنوان واحد، فانّ لدعاء الاَخ المؤمن مقاماً رفيعاً، ولكن أين هو من دعاء الرسول ؟!

إنّ التوسّل بدعاء الاِنسان الاَمثل كان رائجاً في الرسالات السابقة، فنرى أنّ


(1) التوبة: 74.
(2) النساء: 64.
(3) المنافقون: 5.


(22)

أبناء يعقوب بعدما كُشِفَ أمرهم وبان ظلمهم توسّلوا بدعاء أبيهم النبيّ وقالوا له: «يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ* قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ »(1).

ففي هذه الآيات دلالة واضحة على أنّ رحمة الله الواسعة تارة تنزل على العبد مباشرة وبدون واسطة، واُخرى تنزل عن طريق أفضل خلائقه وأشرف رسله، بل مطلق رسله وسفرائه.

وفي ذلك دلالة على وهن ما يلوكه بعض أشداق الناس فيقولون: إنّه سبحانه أعرف بحال عبده وأقرب إليه من حبل الوريد يراه ويسمع دعاءه؛ فلا حاجة لتوسط سبب والتوسّل بمخلوق و... هذه الكلمات تصدر عمّن ليس له إلمام بالقرآن الكريم ولا بالسنّة النبوية ولا بسيرة السلف الصالح؛ إذ ليس الكلام في علمه سبحانه، بل الكلام في أمر آخر وهو أنّ دعاء الاِنسان الظالم لنفسه ربما لا يكون صاعداً إلى الله تبارك وتعالى ومقبولاً عنده، ولكنّه إذا ضمّ إليه دعاء الرسول أصبح دعاؤه مستجاباً وصاعداً إليه سبحانه.

وللشيخ محمد الفقي ـ من علماء الاَزهر الشريف ـ كلام في المقام نأتي بملخّصه .

لقد شرّف الله تعالى نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بأسمى آيات التشريف، وكرّمه بأكمل وأعلى آيات التكريم، فأسبغ عليه نِعَمه ظاهرة وباطنة، وتوّجه بأعظم أنواع التيجان قدراً وذكراً، وأرفع الاَكاليل شأناً وخطراً. فذكر منزلته منه جلّ شأنه حيّاً وميتاً في قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً »(2)فأيّ تشريف أرفع وأعظم من صلاته سبحانه وتعالى هو وملائكته عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟ وأيّ تكريم أسمى بعد ذلك من دعوة عباده وأمره لهم بالصلاة


(1) يوسف: 97 ـ 98.
(2) الاَحزاب: 56.


(23)

والسلام عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟

ولم يقف تقدير الله تعالى له عند هذا التقدير الرائع، بل هناك ما يدعو إلى الاِعجاب ويلفت الاَنظار إلى تعظيم على جانب من الاَهمية، ألم تر في قوله تعالى:« لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ »(1)ما يأخذ بالاَلباب ويدهش العقول، فقد أقسم سبحانه وتعالى بنبيّه في هذه الآية: « وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ »(2)قال ابن عباس 2: ما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفساً أكرم على الله من محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

وما سمعتُ أنّه تعالى أقسم بحياة أحد غيره، والقرآن الكريم تفيض آياته بسموّ مقامه، وتوحي بعلوّ قدره، وجميل ذكره، فقد جعل طاعته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ طاعة له تعالى وقوله عزّ من قائل: «مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ »(3)وعلّق حبّه تعالى لعباده على اتّباعه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيما بعث به وأرسل للعالمين، إذ يقول سبحانه: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ »(4).

وممّا يدل على مبلغ تقديره، ومدى محبة الله تعالى، وتشريفه لرسوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قوله تعالى: ص وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ش(5)الآية، قال عليّ 2: «لم يبعث الله نبياً من آدم فمن بعده إلاّ أخذ عليه العهد في محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لئن بعث وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه ويأخذ العهد».

ففي ملازمة جبريل له _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من مكّة إلى بيت المقدس أكبر مظهر من مظاهر الشرف والفخار، وأسمى آية من آيات التقدير للرسول الاَعظم في حياة الاَُمم


(1) الحجر:72.
(2) الواقعة: 76.
(3) النساء: 80.
(4) آل عمران: 31.
(5) آل عمران: 81.


(24)

وتأريخها. فهذه الآيات التي قصصتها وجئتكم بها وإن كانت كلّها بصائر وهدى ورحمة لقوم يؤمنون لا أرى مانعاً من ذكر ما عداها، ففيها تنبيه الغافلين إلى مزيد من النظر فيما عساه أن يقنعهم ويهديهم إلى الاِيمان بما جاءت به الآيات البيّنات، وما يوحي به الدين وتعاليمه القويمة، فمن روائع ما يتمتع به من العظمة الصلاة عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عند بدء الدعاء وختمه؛ فانّ في ذلك القبول والاستجابة، فقد صحّ عن عمر وعليّـرضي الله عنهما ـ أنّهما قالا لرجل دعا ولم يصلِّ على _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «إنّ الدعاء موقوف بين السماء والاَرض لا يرفع ولا تفتح له الاَبواب حتى يصلّي الداعي على _ صلى الله عليه وآله وسلم _»، ومثل هذا لا يقال من قبيل الرأي فهو في حكم المرفوع، بل قد ثبت هذا مرفوعاً إلى _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

وأخيراً قد دلّ قوله تعالى: «وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ »(1)على علوّ مكانته وجليل قدره وعظم شأنه؛ إذ المعنى في ذلك أنّنا قرنّا اسمك باسمنا، وجعلنا الاِيمان لا يتحقّق إلاّ بالنطق بالشهادتين، وغير ذلك من براهين الشريعة وأدلّتها التي لا تحصى ولا يمكن أن تستقصى.

وإليك ما قاله حسان بن ثابت صاحب الرسول وشاعره:

أغرَّ عليه للنبوّة خاتم * من الله من نور يلوح ويشهد
وضمّ الاِله اسم النبيّ إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشقَّ له من اسمه لِيُجلَّه * فذو العرش محمود وهذا محمد(2)

إنّ السبب الواقعي لاستجابة دعائه إنّما هو روحه الطاهرة ونفسه الكريمة


(1) الانشراح: 4.
(2) التوسّل والزيارة ص 156 ـ 160، وقد أورد في بحثه كثيراً من الآيات التي تشهد على عظمة رسول الله ومكانته وقربه وقد لخّصنا كلامه.


(25)

وقربها من الله سبحانه، وهي التي تضفي على الدعاء أثراً وتجعله صاعداً ومدعماً لدعاء الغير.

نعم هناك كلام في اختصاص ذلك الاَمر بحياة النبي الجسمانية، أو يعمّ حياته البرزخية التي فيها يُرزق ويفرح ويستبشر، فهناك من يخص الآية بحياته الجسمانية بحجة وروده فيها، ولكن الاَدلة التي سنبيّنها توقفك على جلي الحال، فانتظر...