welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : حوارات عقائدية معاصرة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

حوارات عقائدية معاصرة

صفحه 1

بسم الله الرحمن الرحيم


صفحه 2

صفحه 3

حوارات عقائدية معاصرة

دراسة موضوعيـة تناقش أفكار المفتي العام للمملكـة العربيـة السعـودية الشيـخ عبـد العزيز بن باز حـول التبرّك والتـوسّل وتـرد عليهـا على ضوء القـرآن الكـريم والسنّـة النبويـة والعقـل الحصيـف

تأليف

العلاّمة المحقّق
آية اللّه العظمى جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

قم ـ ايران


صفحه 4

اسم الكتاب: حوارات عقائدية معاصرة

المؤلف: آية الله العظمى جعفر السبحاني

المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الطبعة: الأُولى

التاريخ: 1429 هـ / 1387 ش

الكمّيّة: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة


صفحه 6

صفحه 7

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

أمّا بعد:

فقد وقفت على رسالة لسماحة الشيخ الجليل محمد واعظ3زاده الخراساني كتبها إلى المفتي العام للمملكة العربية السعودية: الشيخ عبد العزيز بن باز بتاريخ 11 ذي الحجة الحرام عام 1413هـ. وقد صدرت إجابة من مكتب المفتي بتاريخ 6 جمادى الأُخرى عام 1416هـ، برقم 1165/1، واشتملت الرسالة الأُولى على أمرين:

الأوّل: مسألة التبرّك والتوسّل بالنبي وبالأولياء في حياتهم ومماتهم.

الثاني: مسألة الصلح مع العدو الصهيوني الّذي أجازه الشيخ ابن باز في بعض بحوثه، إذا لم يكن بإمكان المسلمين الحرب مع هذا الكيان، استناداً إلى صلح النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع المشركين في الحديبية.


صفحه 8

ولكن المفتي أجاب عن المسألة الأُولى ولم يجب بشيء عن المسألة الثانية بتاتاً.

ثمّ إنّي قد وقفت على تعقيب على الرسالتين للأُستاذ حسن بن علي السقاف، والرسائل الثلاث منتشرة في كتيب بعنوان «التبرّك والتوسل والصلح مع العدو الصهيوني» نشرته دار نشر مشعر في قم، عام 1428هـ.

وقد طلب منّي بعض الأعزاء أن أُعلّق على رسالة المفتي ببعض ما يمكن اعتباره جواباً عنها، وأُبيّن موقف الشريعة الإسلامية من التبرّك والتوسّل على ضوء الكتاب والسنّة.

وقد كتبت فيما مضى رسائل وبحوثاً حولهما، والّذي يؤسفني أنّ المفتي وتلامذته ومن على منهجه يقلّدون منهج أُستاذهم محمد بن عبد الوهاب، كما أنّه قلّد أُستاذ منهجه أحمد بن تيمية. ويشهد على ذلك أنّه ملأ رسالته بكلام ابن تيمية واعتمد عليه كليّاً غاضاً الطرف عن الكثير من الردود التي دوّنها الفطاحل من علماء المسلمين في بيان نقاط الخلل في فكره ومجانبته للحقيقة.

وبما أنّ مسألة التبرّك والتوسّل قد صارت ذريعة لرمي جماهير غفيرة من المسلمين بتهمة البدعة والشرك، فلم أجد بُدّاً من إيضاح الموضوع، لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً.

وربّما يوجد في الجيل المعاصر من يؤثر الحق على التعصّب


صفحه 9

المقيت والتقليد الأعمى.

وها نحن نذكر مقاطع من كلام المفتي في رسالته المطبوعة ضمن كتيب «التبرّك والتوسّل والصلح مع العدو الصهيوني» مع ذكر رقم الصفحة، ثم نعرج عليه بالتحليل والدراسة ضمن فصول تسعة.

***


صفحه 10

1

كلام الشيخ في التبرّك بالآثار

فرّق الشيخ المفتي في رسالته بين التبرّك بما مسّ جسده (صلى الله عليه وآله وسلم)فأفتى بجوازه، وما لم يمس جسده فأفتى بأنّه بدعة لا أصل لها، فقال في (ص 40 ـ 41):

فأمّا التبرك بما مسّ جسده ـ عليه الصلاة والسلام ـ من ماء وضوء أو عرق أو شعر ونحو ذلك، فهذا أمر معروف وجائز عند الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ وأتباعهم بإحسان، لما في ذلك من الخير والبركة. وعلى هذا أقرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فأمّا التمسّح بالأبواب والجدران والشبابيك ونحوها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي فبدعة لا أصل لها والواجب تركها، لأنّ العبادات توقيفية لا يجوز منها إلاّ ما أقرّه الشرع لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ».(1)


1 . صحيح مسلم:5/132، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأُمور.

صفحه 11

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه جمع في كلامه بين أمرين، فتارة وصف التبرّك بما لم يمس بدنه(صلى الله عليه وآله وسلم)بكونه بدعة لا أصل لها، وأُخرى بكونه عبادة غير واردة في الشرع، وأنّ العبادات توقيفية، مع أنّ الجمع بينهما في هذا الموضع أمر غير صحيح، لأنّ التبرك بما مس جسده الشريف، إذا لم يكن عبادة للنبي، لا يكون التبرك بما لم يمس جسده الشريف عبادة له أيضاً، بل أقصى ما يمكن أن يقال ـ حسب زعمه ـ أنّه بدعة.

وإذا كان التبرك بالآثار في حدّ ذاته شركاً وعبادة لصاحب الأثر فلا يخرج عن كونه شركاً وعبادة، سواء مسّ جسد النبي أو لم يمسّه، وذلك لأنّ الشرك شرك لا يتبدّل ولا يتغير عن واقعه بمجرد مسّ جسد المعصوم.

وثانياً: أنّ ظاهر كلامه: إنّ لجسده(صلى الله عليه وآله وسلم) تأثيراً في ذلك الشيء الّذي يتبرك به، مع أنّ هذا مخالف لأُصول أهل السنّة الذين يعتقدون بأنّه لا مؤثر في الكون إلاّ اللّه سبحانه، وأنّه ليس لشيء من الأشياء أيّ تأثير في شيء، ومنطقهم هو البيت التالي:

ومن يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفـر عنـد أهل الملّة

يقول الزبيدي:كلّ من أثبت مؤثراً غير اللّه من علّة أو طبع أو ملك أو أنس أو جنّ فقد قال بمقولة المجوس.(1)


1 . إتحاف السادة:2/135.

صفحه 12

وثالثاً: أنّ البدعة تتقوّم بالقيود الآتية:

1. إدخال شيء في الدين عقيدة أو حكماً أو عملاً بزيادة أو نقيصة.

2. أن تكون هناك إشاعة ودعوة.

3. أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدعم جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.

أمّا القيدان الأوّلان، فلا حاجة إلى البحث فيهما، إنّما الكلام في القيد الثالث، وهو أنّ مقوّم البدعة عدم وجود أصل لها في الدين، لا خصوصاً ولا عموماً.

وهذا ممّا أطبق عليه كبار أهل السنّة، قال ابن رجب: المراد بالبدعة ما أحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أمّا ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة.(1)

وقال ابن حجر العسقلاني: ما أحدث وليس له أصل في الشرع يسمّى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة.(2)


1 . جامع العلوم والحكم:160.
2 . فتح الباري:5/158.

صفحه 13

وعلى ضوء ذلك إنّ التمسّح بما لم يمسّ جسده(صلى الله عليه وآله وسلم)له أصل في الدين، وأنّ المسلمين ينطلقون في جواز ذلك من مبدأين:

المبدأ الأوّل: مبدأ الحب والودّ والتعزير والتكريم، إذ لا شكّ أنّ الشرع دعا إلى حب النبي وودّه وتكريمه وتعزيره.

قال سبحانه:(قُلْ إِنْ كانَ آبَاؤكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزواجُكُمْ وعَشيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَها وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقينَ).(1)

ويقول أيضاً في مدح الذين يوقّرون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ويحترمونه:

(فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).(2)

روى البخاري عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«فوالّذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده».

وروى عن أنس قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين».(3)

وقد عقد مسلم باباً باسم: «باب وجوب محبة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)»


1 . التوبة:24.
2 . الأعراف:157.
3 . صحيح البخاري:1/9، كتاب الإيمان، برقم 14 و15.

صفحه 14

ونقل في ذلك أحاديث عديدة.(1)

والروايات الحاثّة على حب النبي كثيرة، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى جامع الأُصول.(2)

مظاهر الحب في الحياة

إنّ للحب مظاهر متعددة في الحياة، إذ ليس الحبّ شيئاً يستقر في داخل النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرفاته، بل إنّ من خصائص الحبّ أن يظهر أثره على جسم الإنسان وملامح وجهه، وعلى قوله وفعله بصورة مشهودة وملموسة، ومن مظاهره:

1. الاتّباع

إنّ حبّ الرسول الكريم لا ينفك عن اتّباع دينه والاستنان بسنّته والإتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محبّاً للرسول أشدّ الحب، ومع ذلك فهو يخالفه ويرتكب ما يبغضه ولا يرضيه.

يقول سبحانه:(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ


1 . صحيح مسلم:1/49، باب وجوب محبة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . جامع الأُصول:1/239.

صفحه 15

اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ).(1)

2. حبّ ما يمتّ إليه بصلة

إنّ للحبّ مظاهر أُخرى غير الاتّباع ، في حياة المحبوب وبعد مماته، أمّا في حياته فالمحبّ يزور محبوبه ويكرمه ويعظمه ويقضي حاجته ويدفع عنه كلّ مكروه، ويهيّئ له ما يريحه.

فإذا توفّي المحبوب، حزن عليه أشدّ الحزن، وحفظ آثاره، كما أنّه يحترم أبناءه وأقرباءه ودياره ومثواه وكلّ ما يمتّ إليه بصلة.

وعلى ضوء ذلك فمن يتمسّح بالأبواب والجدران والشبابيك في حرم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يُعد عمله هذا من مظاهر حبه لرسول اللّه، فلمّا لم يتمكّن من أن يقبّل الرسول ويتمسّح به مباشرة اتّجه ليقبّل ويتمسّح بما يمتّ إليه بصلة، وهذا أمر رائج بين العقلاء وداخل في حبّ النبي وتكريمه.

ولذلك نرى أنّه سبحانه يأمرنا بتعظيم بيوت الأنبياء والأولياء ويقول:(فِي بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ)(2).

وحينما نزلت هذه الآية على قلب سيّد المرسلين وهو(صلى الله عليه وآله وسلم)في


1 . المائدة:56.
2 . النور:36.

صفحه 16

المسجد الشريف، قام إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال:«بيوت الأنبياء»، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول اللّه: أهذا البيت منها؟ مشيراً إلى بيت علي وفاطمة(عليهما السلام)، قال:«نعم ومن أفاضلها».(1)

ومن الواضح أنّ تكريم هذه البيوت لا لأجل أنّ جسد النبي أو الولي مسّ جميع أجزائها من الجدران والأبواب والشبابيك وإنّما لأجل انتمائها إلى رجال جاء ذكرهم في الآية التالية بقوله تعالى:(...يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصارُ).(2)

فكلّ ما يمتُّ إلى أولياء اللّه بصلة يكون دافع المسلم إلى لمسه وتقبيله هو حبّه لصاحبه ليس إلاّ، فإظهار هذا الحب المكنون في القلب ليس بدعة، لأنّ له أصلاً في القرآن.

المبدأ الثاني: انّ الصحابة كانوا يتبركون بكلّ ما يمتُّ إلى النبي بصلة وإن لم يمس جسده، ونذكر في ذلك قليلاً من كثير حتّى يعلم أنّ تفريق الشيخ بين ما مسّ جسده وما لم يمسّه ليس له أصل شرعي، بل هو اجتهاد خاطئ.


1 . الدر المنثور:6/303; روح المعاني:18/174.
2 . النور:36ـ 37.

صفحه 17

1. التبرك بقبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عند الجدب

إليك بعض ما نقل:

1. عن أوس بن عبد اللّه قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاجعلوا منه كوّة إلى السماء حتّى لا يكون بينه وبين السماء سقف. قال: ففعلوا فمطرنا مطراً حتّى نبت العشب وسمنت الإبل.(1)

وروى ابن تيمية: أنّ عائشة كشفت عن قبر النبي لينزل المطر، فإنّه رحمة تنزل على قبره.(2)

ومن المعلوم أنّ التراب الّذي وارى قبره الشريف لم يمسّ جسد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يظهر سوى ظاهر قبره للسماء، فالتفصيل بين ما مس جسده، وما لم يمسه يضادّ هذا الأثر الذي روي بإسناد صحيح.

2. التبرك بالمواضع الّتي صلّى فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

عقد البخاري باباً باسم «باب المساجد الّتي على طرق المدينة والمواضع الّتي صلى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)» ونقل فيه عن موسى بن عقبة،


1 . السنن للدارمي:1/43ـ 44، وقال: اسناده صحيح; اقتضاء الصراط المستقيم:338.
2 . اقتضاء الصراط المستقيم:338.

صفحه 18

قال: رأيت سالم بن عبداللّه ـ ابن عمر ـ يتحرى أماكن من الطريق فيصلّي فيها، ويحدّث أنّ أباه كان يصلّي فيها، وأنّه رأى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي في تلك الأمكنة. ثم ذكر أسماء المساجد الّتي كان يصلّي فيها ابن عمر، ثم ابنه سالم.(1)

وعندئذ نسأل الشيخ: فما هو الوجه في المواظبة على الصلاة في مساجد صلّى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ولماذا كان ابن عمر يداوم على الصلاة فيها؟ فهل كان جسد النبي مسّ عامّة أجزاء تلك المساجد؟! وهل بقي الرمل والتراب على حاله بعد مضي سنين طويلة من رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

كلّ ذلك يدلّ على أنّ التبرك بآثار الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، سواء مسّت جسده أو لا، أمر مشروع بين الصحابة والتابعين.

3. تبرك الصحابي بقبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الزيارة

أخرج الحاكم عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته فقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم.

فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري فقال: جئت رسول


1 . صحيح البخاري:1/492، الحديث 483، باب المساجد الّتي على طرق المدينة.

صفحه 19

اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم آت الحجر، سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:«لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن أبكوا عليه إذا وليه غير أهله».(1)

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرّجاه.

وقد أقرّه الذهبي في تلخيص المستدرك(المطبوع مع المستدرك)، فقال: صحيح.

هذا عمل الصحابي العظيم أبي أيوب الأنصاري، فقد تبرّك بوضع وجهه على القبر اتّباعاً لسنّة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وصحبه في التبرّك كما تقدّم.

وهذه فتوى الأموي طريد رسول اللّه، وابن طريده المشهور ببغض البيت الهاشمي الرفيع، والحاقد المنافق المتهاون بشأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يعترض على أبي أيوب على عمله المشروع وهو يجابهه بقوله: نعم جئت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحيّ المرزوق عند ربّه بصريح القرآن، ثم يعقبه بما يسؤوه من قوله: سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)... ،تعريضاً بما فيه من عدم الأهلية والصلاحية.


1 . المستدرك على الصحيحين:4/515; مسند أحمد:5/422. والسند في المسند صحيح، رواه عن أبي عامر عبد الملك بن عمر العقدي عن كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح.

صفحه 20

4. التبرّك بمنبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

التبرّّك بمنبر النبي كان أمراً رائجاً بين أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أقرّه أحمد بن حنبل، ففي كتاب «العلل»: سأل عبد اللّه أباه (أحمد بن حنبل) قال: سألته عن الرجل يمسّ منبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ويتبرّك بمسه ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرّب إلى اللّه جلّ وعز؟ فقال: لا بأس بذلك.(1)

وجاء في عمدة القاري: قال شيخنا زين الدين: أخبرني الحافظ أبـو سعيـد بـن العلائي قـال: رأيـت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خطّ ابن ناصر وغيره من الحفاظ: إنّ الإمام أحمد سُئل عن تقبيل قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتقبيل منبره فقال: لا بأس بذلك.(2)

قال: فأريناه للشيخ تقي الدين ابن تيمية فصار يتعجّب من ذلك ويقول: عجبت، أحمد عندي جليل يقوله ]كذا[ هذا كلامه أو معنى كلامه، وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة وكيف بآثار


1 . كتاب العلل ومعرفة الرجال:2/492، الرقم 3243.
2 . عمدة القاري:9/241، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود.

صفحه 21

الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.(1)

والعجب أنّ ابن تيمية أثبت ذلك في «الجواب الباهر».(2)

ومن المعلوم أنّ فتوى الإمام أحمد بجواز التبرّك بمنبر النبي بالمس لم تكن إلاّ على السيرة السائدة بين المسلمين حيث كانوا يتبركون بمنبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). ويدلّ على ذلك ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب، قال: حدّثني أبو مودود، قال: حدّثني يزيد بن عبد الملك بن قسيط، قال: رأيت نفراً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمّانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا، قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك.(3)

وهذا العمل كان سائداً عندما كان منبره الّذي لامس جسمه الشريف موجوداً. فهل كان المنبر الّذي أفتى الإمام أحمد بمسّه والتبرك به هو نفس المنبر الموجود في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! أو أنّ حوادث الدهر بدّلته وجاءت بغيره؟!

والعجب أنّ محقّق كتاب «العلل ومعرفة الرجال» لمّا وقف على النص الأوّل من إمامه أحمد ورأى أنّ ذلك لا يوافق رأيه أخذ بتأويله


1 . عمدة القاري:9/241; مناقب أحمد لابن الجوزي:455; تاريخ ابن كثير:10/331.
2 . الجواب الباهر لزوّار المقابر:31.
3 . المصنف:4/121.

صفحه 22

وقال: وهذا كان لمّا كان منبره الّذي لامس جسمه الشريف، وأمّا الآن بعدما تغيّر، لا يقال بمشروعية مسّه تبركاً به.(1)

وكأنّ القوم لمّا فوجئوا بهذا الكم الهائل من الأحاديث الدالّة على التبرك بآثار النبي من غير فرق بين مسّ جسده الشريف وغيره، أخذوا بالتأويل والتفصيل بين ما مسّ جسده وغيره، غافلين أنّهم فرّوا بذلك من المطر إلى الميزاب، فهدموا ما بنوه في مجال التوحيد حيث قالوا بأنّ مقتضى توحيد الربوبية خلع الأشياء عن التأثير، ذاتياً وتبعيّاً.

5. تبرّك ريحانة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بقبر أبيها

ذكر جمع من المؤرّخين أنّ فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين(عليها السلام)حضرت عند قبر أبيها، وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي قائلة:

ماذا على من شم تـربـة أحمـد *** ألاّ يشمّ مدى الزمان غـواليا؟

صبـّت عليّ مصـائب لـو أنّها *** صبّت على الأيام صرن لياليا(2)


1 . العلل ومعرفة الرجال:2/492، التعليقة.
2 . رواه غير واحد من المؤرخين والمؤلّفين، منهم: القسطلاني في إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري:2/390; والسمهودي في وفاء الوفا:2/444، ونقله أيضاً في ج4/1405عن تحفة ابن عساكر.

صفحه 23

إنّ عمل السيدة الزهراء المعصومة(عليها السلام) هذا لا يدلّ إلاّ على جواز التبرّك بقبر رسول اللّه وتربته الطاهرة.

6. تبرّك الشيخين بتربة قبره

لقد أوصى الشيخان بالدفن في حجرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)ليصبحا ضجيعيه في قبره الشريف، فهل النقطة الّتي دفن فيها كلّ من الشيخين مست جسد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو أنّ الشيخين اكتفيا بالانتماء بالقرب من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

وهذا أمر معروف في التاريخ ومشهود لكلّ عارف لا يحتاج إلى ذكر مصدر.(1)

إلى هنا تبيّن أنّه لا فرق في التبرك بآثار النبي في كلّ ما ينتمي إليه ويمّت إليه بصلة، من غير فرق بين ما مسّ جسده الشريف وبين غيره. وهلم معي إلى دراسة بقية كلام المفتي.

***


1 . نكتفي بالقليل عن الكثير ومنه، صحيح البخاري، ج8، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، برقم 7328.

صفحه 24

2

كلام الشيخ في استلام الحجر الأسود

قال الشيخ في (ص41ـ 42): والأحاديث في ذلك كثيرة، فالواجب على المسلمين التقيد في ذلك بما شرعه اللّه كاستلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني، فلهذا صحّ عن عمر بن الخطاب أنّه قال لمّا قبل الحجر الأسود: إنّـي اعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أنّـي رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقبلّك ما قبلتك.(1)

وبذلك يعلم أنّ استلام بقية أركان الكعبة، وبقية الجدران والأعمدة غير مشروع، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفعله ولم يرشد إليه، ولأنّ ذلك من وسائل التبرك، وهكذا الجدران والأعمدة والشبابيك وجدران الحجرة النبوية من باب أولى، لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشرع ذلك ولم يرشد إليه ولم يفعله أصحابه.


1 . صحيح مسلم:4/66، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف.

صفحه 25

يلاحظ عليه: أنّ ما نقل عن عمر بن الخطاب، وإن كان مشهوراً لكن المظنون أنّه نقل مبتوراً، وقد روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّه بعد ما قال عمر بن الخطاب ما قال، قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): كيف يابن الخطاب، فواللّه ليبعثنّه يوم القيامة وله لسان وشفتان فيشهد لمن وافاه، وهو عين اللّه عزّوجلّ في أرضه يُبايع بها خلقُه، فقال عمر: لا أبقانا اللّه في بلد لا يكون فيه علي بن أبي طالب.(1)

وجاء في (عمدة القاري) بعد كلام عمر: قال عليٌّ: إنّه يضرّ وينفع... إلى أن قال: وإنّي أشهد لسمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق، يشهد لمن استلمه بالتوحيد، فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: أعوذ باللّه من قوم ليس فيهم أبو الحسن.

ونقل عن ابن عباس انّ هذا الركن الأسود هو يمين اللّه في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه.(2)

ولا بأس فيما روي، لأنّه سبحانه يُنطقه كما أنّه يُنطق كل الأشياء ويُنطق جوارحنا بأعمالنا. قال سبحانه:(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قَالُوا أَنْطَقَنا اللّهُ الّذي أَنْطَقَ كُلَّ شَيء).(3)


1 . علل الشرائع للصدوق:426.
2 . عمدة القاري:9/240.
3 . فصلت:21.

صفحه 26

وقد روى معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق(عليه السلام):«إذا دنوتَ من الحجر الأسود، فارفع يديك وأحمد اللّه وأثن عليه وصلّ على النبي واسأل اللّه أن يتقبل منك، ثم استلم الحجر وقبّله فإن لم تستطع أن تقبله فاستلمه بيدك، فإن لم تستطع أن تستلمه بيدك فأشر إليه، وقل:«اللهم أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدتهُ، لتشهد لي بالموافاة، اللهم تصديقاً بكتابك وعلى سنة نبيك، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله آمنت باللّه، وكفرت بالجبت والطاغوت وباللات والعزّى وعبادة الشيطان وعبادة كلّ ندّ يُدعى من دون اللّه».(1)

ثمّ إنّ في كلام عمر بن الخطاب دليلاً واضحاً على أنّ من مسح وتبرك بشيء من دون أن يعتقد تأثير الممسوح والمستلم فيه أمر جائز، وأنّ من فعل ذلك لا يرمى بالشرك ولا بالبدعة إذا لم ينسبه إلى الدين، ولذلك فإنّ عمر بن الخطاب قبّل الحجر الأسود معتقداً بأنّه لا ينفع ولا يضرّ.

وأمّا تبرير عمله بفعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لأجل أنّه استلم الحجر بما أنّه أحد آداب الزيارة، فلم يجد بداً من أن يذكر دليلاً لما أتى به بتلك الخصوصيّة فقال: لولا أنّي رأيت أنّ رسول اللّه قبّلك ما قبّلتك.


1 . التهذيب للطوسي:5/101، برقم 329.

صفحه 27

فعلى ضوء هذا فليس لأحد أن يمنع أحداً من تقبيل الجدران والشبابيك والأبواب للحجرة النبوية، إذا لم يعتقد فيما يقبله أي نفع ولا ضرر، ولم يجعل عمله جزءاً من الدين ولم ينسبه إلى النبي، وإنّما دفعه إلى ذلك حبه وشوقه لصاحب هذا المقام، أو أن يُمنع من استلام بقية أركان الكعبة إذا لم يكن استلامه لها بدافع أنّها تضر وتنفع ولا أنّ ذلك جزء من الدين والشريعة، بل كان الدافع حبه لهذه المواقع والمشاهد المباركة بما أنّها مطاف الملائكة ومحلّ نزول الرحمة.

***


صفحه 28

3

عبد اللّه بن عمر و تتبع آثار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

قال الشيخ في (ص 42ـ 43): وأمّا ما نقل عن ابن عمر من تتبع آثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واستلامه المنبر فهذا اجتهاد منه لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي، وهم أعلم بهذا الأمر وعملهم موافق لما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة، وقد قطع عمر الشجرة الّتي بويع تحتها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديبية لما بلغه أنّ بعض الناس يذهبون إليها ويصلون عندها خوفاً من الفتنة بها وسداً للذريعة.

إنّ كلامه هذا يشتمل على أمرين:

1. إنّ عبد اللّه بن عمر هو الوحيد الذي تتبع آثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمنبر الّذي جلس عليه، وأنّه لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

2. إنّ عمر بن الخطاب لمّا بلغه أنّ بعض الناس يذهبون إلى


صفحه 29

الشجرة قطعها.

وإليك الكلام في الأمر الأوّل:

يلاحظ عليه أوّلاً: إذا كان التبرّك بما مسّ جسد النبي أمراً مشروعاً وجائزاً ودارجاً بين الصحابة لم يكن عمل ابن عمر خارجاً عن هذه القاعدة حيث كان يقتصّ آثار النبي ويتتبّع ما مسّ جسده الشريف، كالمساجد الّتي صلّى فيها والمنبر الذي جلس عليه وغير ذلك، فبذلك ظهر ما في قول الشيخ:«فهذا اجتهاد منه لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي، وهم أعلم بهذا الأمر»، فإنّ عمله كان على أساس رصين دارج بين الصحابة حيث كانوا يتبرّكون بما مسّ جسده الشريف، وكان عبد اللّه بن عمر في غنى عن موافقة أبيه ولا موافقة غيره إذا كانت سيرة جمهرة الصحابة مصدِّقة لعمله.

وثانياً: نفترض أنّ عمله كان خارجاً عن تلك القاعدة، فما هو المبرّر في تقديم اجتهاد الوالد على الولد مع أنّهما مجتهدان، للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد.

وثالثاً: لو كان عمل ابن عمر بدعة أو شركاً أو ذريعة للشرك كان على الصحابة أن يمنعوه وينصّوا على ذلك أو يبدوا مخالفتهم، ولم يرد في ذلك أي ردّ ولا نقد ولا منع، بل كان سكوتهم تقريراً لعمله. ومع ذلك كيف يقول الشيخ: لم يوافقه عليه أحد؟

هذا كلّه حول الأمر الأوّل، وإليك الكلام في الأمر الثاني.


صفحه 30

قصة قطع الشجرة

أمّا ما ذكره من أنّ عمر بن الخطاب لمّا بلغه أنّ بعض الناس يذهبون إليها ويصلّون عندها قطعها خوفاً من الفتنة بها وسدّاً للذريعة ، ففيه مجال للبحث والنقاش.

أمّا أوّلاً: فقد نقل هذه القصة ابن سعد في طبقاته في أحداث غزوة الحديبية عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة الّتي يقال لها شجرة الرضوان فيصلّون عندها، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت.(1)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ السند منقطع، ولم يسنده نافع إلى شيخ من مشايخه فلا يحتج بالسند المقطوع.

وثانياً: أنّ هناك دلائل واضحة على أنّ الشجرة صارت مجهولة لأصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في العام التالي، فكيف يمكن أن تعرف في عهد عمر حتّى يأتي الناس إليها ويصلّون تحتها حتّى يأمر بقطعها؟! ويدل على ذلك أمران:

1. ما رواه البخاري قال: قال ابن عمر: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منّا اثنان على الشجرة الّتي بايعنا تحتها، كانت


1 . الطبقات الكبرى:2/100، طبع دار صادر.

صفحه 31

رحمة من اللّه، فسألت نافعاً على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا، بايعهم على الصبر.(1)

وقد علّل ابن حجر في «فتح الباري» خفاء الشجرة بقوله:إنّ الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان ثم قال: وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: «كانت رحمة من اللّه».

ثم قال: ويحتمل أن يكون معنى قوله:«رحمة من اللّه» أي كانت الشجرة موضع رحمة ومحل رضوانه لنزول الرضا على المؤمنين عندها.(2)

أقول: إنّ التفسير الثاني هو الصحيح، وذلك لتأنيث الفعل فالضمير(ت) يرجع إلى الشجرة لا إلى الخفاء.

وعلى كلّ تقدير فالحديث يدلّ على خفاء الشجرة في العام التالي.

2. انّ ابن سعد ينقل أيضاً نفس هذا الموضوع ويذكر استنكار سعيد بن المسيّب قول من ادّعى بقاءها وتعرفه عليها. فروى عن طارق قال: انطلقت حاجّاً فمررت بقوم يصلّون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بيعة الرضوان; فأتيت سعيد بن المسيّب فأخبرته، فقال: حدّثني أبي أنّه


1 . صحيح البخاري: رقم الحديث 2958، طبع دار الفكر.
2 . فتح الباري:6/89، طبع دار إحياء التراث.

صفحه 32

كان في من بايع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الشجرة، فقال: فلمّا خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. قال سعيد: إن كان أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم.(1)

فقوله: «إن كان أصحاب محمد لم يعلموها...» استنكار لادّعائهم، فإذا كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)غير عارفين بها، فالأولى أن يكون المتأخّرون غير عارفين بها!!

***


1 . الطبقات الكبرى:2/99.