welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : تذكرة الأعيان / ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

تذكرة الأعيان / ج 2

( 3 )

تذكرة الأعيان

يحتوي على ترجمة

عدد من أعيان المتكلمين والفقهاء

الجزء الثاني

تأليف

العلامة المحقّق
آية الله العظمى جعفر السبحاني


( 4 )

هوية الكتاب

اسم الكتاب:   تذكرة الأعيان / ج 2

المؤلف:    العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الطبعة:    الأُولى

التاريخ:   1429 هـ

الكمية:   1000 نسخة

صف واخراج ونشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

توزيع

مكتبة التوحيد

قم ـ ساحة الشهداء


( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

أمّا بعد:

فقد ألّفت في سالف الزمان كتاباً حول حياة لفيف من أعيان المتكلمين والفقهاء مشتملاً على مباحث مهمة حول مواضيع مختلفة، وقد انتشر عام 1419هـ، غير أنّ حوادث الزمان عاقتني طول هذه المدّة عن تقديم الجزء الثاني هذا الذي يزفّه الطبع للمهتمين بتراجم العلماء وحياة العظماء ورواد الفكر الذين يضن بهم الدهر إلاّ في فترات خاصّة.

ثمّ إنّ الّذي حفّزني إلى دراسة حياة هؤلاء العباقرة من نواح مختلفة هو أنّ من عوامل التربية الناجحة إراءة نماذج من الشخصيات اللامعة الذين كان لهم دور في بناء الحضارة حتّى يتبع أبناء الجيل الحاضر خطواتهم ويقتفوا آثارهم لكي يستغنوا بذلك عن ما تعرضه أمامهم وسائل الإعلام الأجنبية من شخصيات غربية كان للسياسة دور في إكبارهم وتبجيلهم.

وهناك أمر آخر ألا وهو أنّ في دراسة حياة الأعيان والشخصيات العلمية


( 6 )

عرفاناً لحقوقهم وشكراً لما قدموه لنا من العلم الناصع والحكمة النافعة، فيكون المورد من مقولة المثل السائر: «من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق».

هذا وذاك دعاني لأقوم بترجمة مسهبة لعلمائنا الماضين، وفي ثنايا الكتاب يجد القارئ نكات علمية وفوائد جليلة، أفادها صاحب الترجمة أو استخلصناها من سيرته وسلوكه، أو ممّا جاد به الفكر.

والقارئ الكريم يجد أنّ هؤلاء العلماء قد عاشوا في ظروف صعبة وعانوا أزمات متعددة و رغم ذلك فقد تسنّموا ذروة العلم وقمة الفضل، وفي ذلك دروس وعبر لأبناء الجيل الحاضر الّذين غلبت عليهم الدعة وطلب الراحة، ليعلموا أنّ تسنّم مراقي الكمال وتسلق قمم النبوغ رهن بذل الجهد والاجتهاد، ونعم ما قال القائل:

بقـدر الكـد تكتسـب المعالـي *** ومن طلب العلا سهر الليـالي

أرجو من اللّه سبحانه أن يجعل هذا الجزء كسابقه مفيداً للجيل الحاضر ونوراً وضّاءً للدرب حتى يقتدي بحياة من ترجمناه فيه، انّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

والحمد للّه رب العالمين

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


( 7 )

1

أبو هاشم إسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحِمْيري (105 ـ 173 هـ)

يتميّز الإنسان عن سائر الموجودات بالتفكير وهو موهبة عظيمة، كرّمه اللّه بها، وراح يعكس تفكيره من خلال الكلام إمّا منثوراً أو منظوماً، فالكلام المنثور هو ما يتكلّم به ارتجالاً، والثاني عبارة عن الكلام الموزون المقفّى الذي لا يحصل إلاّبالتروّي والأناة.

ثمّ إنّ للإنسان نزوعاً إلى هذا النوع من الكلام قد يبلغ به تهييج العواطف والتذاذ الأسماع بمكان أنّه ربما يفقد وعيه. والشعر في الوقت نفسه سلاح شديد الوقع، فإن استعمله الشاعر في الحماسة هاجت النفس لاقتحام الردى والهلكة، وإن استغله في الاستعطاف والاستعطاء حرك العواطف وهيّجها، وإن استعان به في التشبيب أغرى الأفئدة بالهوى والمجون، إلى غير ذلك من غايات خاصّة للشعر على وجه الإطلاق، كما أنّه سلاح ذو حدين، فالشعر الهادف هو ما يبني المجتمع ويوقظ الشعب ويسوقه نحو العلم والصلاح والفلاح، وغير الهادف منه هو ما يكرّس النزعات الأنانية في المجتمع ويسير به نحو هاوية الانحطاط، ويبعثه نحو الانحلال الخلقي، وللّه در الشيخ محمد رضا الشبيبي شاعر العراق الفحل إذ يقول:


( 8 )

كفى الشعر ذمّاً إنّ للشعر قائلاً *** وما هو إلاّقائل غير فاعل(1)

ولا خير في شعر إذا لم يقم به *** خمولُ نبيه أو بناهةُ خامل

إذا قلت انّ الشعر بحر غبنته *** متى يستقيم البحر من غير ساحل

قرائحنا منها بحور خضارم *** ومنها إذا جربت رشحُ الجداول

وأجمعُ أقوال الرجال أسدُّها *** معان كبار في حروف قلائل(2)

فالحقّ كما قال الشبيبي انّ قيمة الشعر بمعناه وبتأثيره الخطير في إيقاظ المجتمع، فربَّ قصيدة كثيرة الأبيات لا تجد فيها كلمة حكيمة تُسعد الإنسان في حياته أو تصدّه عن مزالقه.

ورب بيت واحد يفضَّل على قصيدة، لأنّه ينشد إلى حكمة بالغة يأخذ بيد الإنسان في مزالق الحياة، وقد أشار إلى ذلك الشاعر المذكور.


1 . إشارة إلى قوله سبحانه: (
أَلَمْ تَرَ انّهُمْ في كُلِّ واد يهيمون* وانّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُون) (الشعراء:225ـ 226).

2 . الأدب الجديد لمحمد جمال الهاشمي: 1ـ2، طبعة النجف الأشرف.


( 9 )

وقد يبلغ البيت البليغ قصيدة *** مطوّلة لكن على غير طائل

وقد يبلغ اللفظ القصير رسالة *** إذا عدَّت الألفاظ روحَ الرسائل

ويا للأسف انّ الشعراء لم يجروا على حلبة واحدة، فهم بين مصلح بنّاء، ومفسد هدّام مثير للميوعات:

يقول امرؤ القيس في معلّقته:

أفاطم مَهْلاً بَعْضَ هذا التَّدلُّل *** وإن كُنتِ قَدْ ازمَعْتِ صَرْمي فاجملي

أغرَّكِ منّي أنّ حُبَّكِ قاتِلي *** وأنّك مهما تأمرى القَلْبَ يفعل

وإن تك قد ساءَتْكِ مِنِّي خليقة *** فسُلِّي ثيابي من ثيابكِ تَنْسُلِ

وما زَرَفَتْ عيْناكِ إلاّلِتَضْربي *** بِسَهميك في أعشار قلب مُقتَّل

وبيضةِ خِدْر لا يُرامُ خِباؤها *** تَمتَّعْتُ من لهو بها غير مُعجَلِ(1)


1 . شرح المعلّقات السبع للحسين بن أحمد بن الحسين الزوزني:13ـ15، ط عام 1381هـ.


( 10 )

وهناك من يبعث روح الشجاعة والتضحية والفداء في المجتمع ويحثّه في المضي قُدماً في سلالم العز والكمال، وهذا ما نلمسه بوضوح في الأبيات التالية لعميد الدين المعروف بالطغرائي (المتوفّى عام 510هـ) في لاميته المعروفة بلامية العجم:

حبّ السلامة يُثني همّ صاحبه *** عن المعالي ويُغري المرء بالكسلِ

فإن جنحتَ إليه فاتخذ نفقاً *** في الأرض أو سُلّماً في الجوِّ واعتزلِ

لو كان في شرف المأوى بلوغُ منى *** لم تبرح الشمس يوماً دارة الحملِ

وشأنَ صدقك عند الناس كذبهم *** وهل يطابق معوجّ بمعتدلِ

ملك القناعة لا يُخشى عليه ولا *** يحتاج فيه إلى الأنصار والخولِ

ترجو البقاء بدار لا ثبات لها *** فهل سمعت بظل غير منتقلِ

و ما نرى في الذكر الحكيم من ذم للشعراء، يقول سبحانه: (وَالشُّعَراءُ يَتِّبعُهُم الغاوُون* أَلَمْ تَرَ أنَّهُمْ فِي كُلِّ واديهيمُون *وَانَّهُمْ يَقُولونَ ما لا يَفْعَلُون)(1)


1 . الشعراء: 224 ـ 226.


( 11 )

فهو راجع إلى الشعراء الذين لا همّ لهم سوى الحصول على المزيد من حطام الدنيا من خلال مدح ذوي الجاه والمقام أملاً في نيل عطائهم، أو إثارة شهواته الجامحة التي تعصف بالمجتمع في ورطة الانحلال الأخلاقي.

ثمّ إنّه سبحانه لا ينظر إلى الجميع على حدّ سواء بل يستثني منهم طائفة، بقوله: (إِلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَروُا اللّه كَثِيراً وَانْتَصروا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الّذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلب يَنْقَلِبُون)(1).

وبذلك يتبين موقف الأحاديث الواردة في هذا المضمار، فهي بين مندِّدة بالشعر وبين مادحة له، كما في قوله:

إنّ من الشعر لحكمة، وإنّ من البيان لسحرا.(2)

وقد كان الشعر هو الوسيلة الوحيدة للإعلام و إثارة العواطف والأحاسيس وبثّ الأفكار من خلاله، وكان للشعر و الشعراء في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده مقام شامخ، وكان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يغدقون عليهم بالعطايا والصلات.

قال البراء بن عازب: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قيل له: إنّ أبا سفيان بن حارث بن عبد المطلب يهجوك، فقام عبد اللّه بن رواحة فقال: يا رسول اللّه: ائذن لي فيه، فقال: «أنت الذي تقول ثبَّت اللّه»، قال: نعم، قلت يا رسول اللّه.

فثبـت اللّه مـا أعطاك مـن حسـن *** تثبيت موسى ونصراً مثل ما نصروا

قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «وأنت يفعل اللّه بك خيراً مثل ذلك».(3)


1 . الشعراء: 227.

2 . مسند أحمد: 1/269، 273; سنن الدارمي: 2/296.

3 . مستدرك الحاكم:3/488.


( 12 )

و قد أنشد كعب بن زهير قصيدته التي قالها في مدح النبي في مسجده الشريف، و التي مطلعها:

بانت سُعادُ فقلبي اليوم متبول *** متيـّم إثرَهـا لم يفـد مكْبـولُ

قال الحاكم: لمّا أنشد كعب قصيدته هذه لرسول اللّه، وبلغ قوله:

إنّ الرسول لسيفٌ يُستضاء به *** وصارمٌ من سيوف اللّه مسلـول

أشار (صلى الله عليه وآله وسلم) بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه.(1)

ويروى أنّ كعباً أنشد «من سيوف الهند» فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من سيوف اللّه.

قال المقريزي في حوادث السنة الثامنة من الهجرة: ففي هذه السنة كان إسلام كعب بن زهير بن أبي سُلمى، فأسلم وقدم على رسول اللّه المدينة وأنشده القصيدة فكساه بُردة كانت عليه، وقال ابن قتيبة: أعطى رسول اللّه كعب بن زهير راحلة وبُردًا، فباع البُرد من معاوية بعشرين ألفاً، فهو عند الخلفاء إلى اليوم.(2)

وقد تأسّى أئمّة العترة الطاهرة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تكريم الشعراء المجاهرين بولائهم، المخلصين من الذين كانوا ينظمون القريض لغايات دينيّة، معرضين عن التردّد على بلاط الخلفاء الأمويين والعباسيين،وقد كان لشعرهم يومذاك تأثير بالغ في قلوب الناس، وإيقاظ ضمائرهم، ولهذا الهدف الأسمى كان أئمّة أهل البيت يبجّلون بشعرهم ويدعون لهم ويغدقون عليهم بالصلات، ولهذه الغاية راجت بين شيعة أئمّة أهل البيت ميميّة الفرزدق، وهاشميّات الكميت، وعينية الحميري، وتائية دعبل الخزاعي، وميميّة الأمير أبي فراس، وكانوا يحفظونها


1 . مستدرك الحاكم: 3/580.

2 . الإمتاع للمقريزي: 1/356، ط عام 1401هـ.


( 13 )

وينشدونها في مجالسهم ومحافلهم، فصارت هذه القصائد كالسيف الصارم بيد الموالين.

ومن هذه الطليعة الشاعر المفلق المكْثر لثناء أهل البيت السيد الحميري الذي نحن بصدد التقديم له وللشرح الذي قام به نابغة عصره الشيخ بهاء الدين الاصبهاني المعروف بـ«الفاضل الهندي»، فيلزم علينا الإلمام بترجمة الشاعر أوّلاً ، ثمّ الشارح ثانياً حسب ما تقتضيه الحال.

السيد الحميري

هو إسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحِمْيري الملقب بالسيد، وكنيته أبو هاشم، وانّه من بني حدّان تزوّج بها أبوه، لأنّه كان نازلاً فيهم، ولد عام 105هـ(1)، بعُمان و نشأ في البصرة في حضانة والديه الإباضيّين إلى أن عقل وشعر فهاجرهما و اتصل بالأمير عقبة بن مسلم و تزلّف لديه حتى مات والداه، فورثهما ـ كما سيوافيك خبره ـ ثمّ غادر البصرة إلى الكوفة وأخذ فيها الحديث عن الأعمش وعاش متردّداً بينهما.(2) و مات عام 173هـ.

ترجمه غير واحد من رجال الفريقين نذكر نصوصهم:

1. فقد ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) ، قال: إسماعيل بن محمد الحميري، السيد الشاعر يكنّى أبا عامر.(3)

2. وذكر في الفهرست، وقال: السيد بن محمد، أخباره تأليف الصولي،


1 . أخبار السيد للمرزباني: 151ـ 152.

2 . لسان الميزان:1/383.

3 . رجال الطوسي برقم 108.


( 14 )

أخبرنا بها ابن عبدون عن أبي بكر الدوري عن الصولي.(1)

3. ولم يترجمه النجاشي مستقلاً، وإنّما ذكر من جمع أخباره وسيوافيك أسماء من جمع أخبار السيد.

4. وقال ابن شهر آشوب في المعالم في فصل الشعراء المجاهدين:

السيد أبو هاشم إسماعيل بن محمد بن يزيد(2) ]بن محمد[(3) بن وداع بن مفرغ الحميري.

من أصحاب الصادق (عليه السلام) ولقي الكاظم (عليه السلام) وكان في بدء الأمر خارجياً ثمّ كيسانيّاً ثمّ إمامياً.(4)

5. وقال العلاّمة في «الخلاصة» في القسم الأوّل من الباب الثاني من فصل الهمزة.

إسماعيل بن محمد الحميري: ثقة، جليل القدر، عظيم الشأن والمنزلة(رحمه الله).(5)

إلى غير ذلك من كلمات الإطراء في حقّه في معاجم أصحابنا، وأمّا ما ذكره غيرهم، فإليك نصوص بعضها:

6. قال ابن عبد ربّه: السيد الحميري وهو رأس الشيعة، وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له الوسادة في مسجد الكوفة.(6)

7. وقال أبو الفرج الاصفهاني (المتوفّى عام 356هـ): كان السيد شاعراً


1 . الفهرست:144 برقم 350.

2 . وفي المصدر مزيد و لعله مصحف يزيد كما في أخبار السيد للمرزباني.

3 . هذه الزيادة ليست في أخبار السيد المرزباني.

4 . معالم العلماء: 146.

5 . الخلاصة:57، باب الهمزة، برقم 22.

6 . العقد الفريد: 2/289.


( 15 )

متقدماً مطبوعاً، يقال: إنّ أكثر الناس شعراً في الجاهلية و الإسلام ثلاثة: بشّار، أبو العتاهية، والسيد، فانّه لا يعلم انّ أحداً قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع.(1)

كان السيد أسمر، تامّ القامة، أشنب(2)، ذا وفرة، حسن الألفاظ، جميل الخطاب، إذا تحدث في محل قوم أعطى كلّ رجل في المجلس نصيبه من حديثه.(3)

8. ونقل عن التوزي، أنّه قال: رأى الأصمعي جزءاً فيه من شعر السيد، فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه، فأقسم عليّ ان أخبره فأخبرته، فقال: أنشدني قصيدة منه، فأنشدته قصيدة ثمّ أُخرى، وهو يستزيدني، ثمّ قال: قبّحه اللّه ما أسلكه لطريق الفحول! لولا مذهبه، ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحداً من طبقته.(4)

أقول: «كلّ إناء بالّذي فيه ينضح»(5)، إنّ الأصمعي ناصبي عنيد يبغض علي بن أبي طالب (عليه السلام) والعترة الطاهرة (عليهم السلام)فلا غرو في أن يدعو على السيد بما عرفت، ولكن مع ذلك لم يستطع أن يُسدل الستار على عظمة السيد في مجال الشعر، وانّه سلك طريق الفحول في عالم القريض، ويتلوه في المذهب والإطراء أبوعبيدة، ومع ذلك يقول في حقّ السيد أشعر المُحْدَثِين السيّد الحميري وبشار.(6)

9. وروى عمر بن شبّة، قال: أتيت أبا عبيدة معمر بن المثنى يوماً وعنده رجل من بني هاشم يقرأ عليه كتاباً، فلمّا رآني أطبقه، فقال له أبو عبيدة: إنّ أبا


1 . الأغاني:7/229.

2 . الشنب: البياض والبريق والتحديد في الأسنان.

3 . الأغاني:7/231.

4 . الأغاني: 7/232.

5 . «مثل يُضرب».

6 . الأغاني: 7/232.


( 16 )

زيد ليس ممن يحتشم منه، فاقرأ، فأخذ الكتاب وجعل يقرأه، فإذا هو شعر السيد، فجعل أبو عبيدة يُعجب منه ويستحسنه، قال أبو زيد: وكان أبو عبيدة يرويه، قال: وسمعت محمد بن أبي بكر المقدمي، سمعت جعفر بن سليمان الضُّبعي ينشد شعر السيد.(1)

10. وحكى عن الموصلي عن عمِّه، قال: جمعت للسيد في بني هاشم ألفين و ثلاثمائة قصيدة فخِلْتُ أن قد استوعبت شعره حتى جلس إليّ يوماً رجل ذو أطمار رثّة، فسمعني أنشد شيئاً من شعره فأنشدني له ثلاث قصائد لم تكن عندي، فقلت في نفسي لو كان هذا يعلم ما عندي كلّه، ثمّ أنشدني بعده ما ليس عندي، لكان عجيباً، فكيف وهو لا يعلم وإنّما أنشد ما حضره، وعرفت حينئذ انّ شعره ممّا لا يدرك ولا يمكن جمعه كلّه.(2)

11. قال غانم الوراق: خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمر بن تميم، فأثبتني بعضهم، فقال: هذا الشيخ واللّه راوية، فجلسوا إليّ وأنسوا بي وأنشدتهم وبدأت بشعر ذي الرمة، فعرفوه، وبشعر جرير فعرفوهما ثمّ أنشدتهم للسيد.

قال: فجعلوا يمرقون لإنشادي ويطربون، وقالوا: لمن هذا، فأعلمتهم، فقالوا: هو واللّه أحد المطبوعين، لا واللّه ما بقي في هذا الزمان مثله.(3)

12. قال الزبير بن بكار: سمعت عمي يقول: لو أنّ قصيدة السيد التي يقول فيها :

انّ يـوم التطهيــر يــوم عظيـم *** خصَّ بالفضـــل فيه أهل الكسا


1 . الأغاني: 7/236.

2 . الأغاني: 7/237.

3 . الأغاني: 7/239.


( 17 )

قرئت على منبر ما كان فيها بأس، ولو أنّ شعره كله كان مثله لرويناه وما عيّبناه.(1)

13.حدث الحسين بن ثابت، قال: قدم علينا بدويّ، وكان أروى الناس لجرير، فكان ينشدني الشيء من شعره، فأُنشد في معناه للسيد حتى أكثرتُ، فقال لي: ويحك! من هذا؟ هو واللّه، أشعر من صاحبنا.(2)

وهذه الكلمات التي نقلها ابو الفرج الاصفهاني تعرب عن تضلّع السيد في الأدب العربي وبلوغه الذروة في القريض بحيث لا يجاريه فيه أحد، وقد نال إعجاب عباقرة الشعر وجهابذة الأدب، ولولا كفاحه ونضاله وتهالكه في حب أهل البيت، ومناهضته للجهاز الأموي و العباسي، لحظي بمكانة مرموقة في بلاط الخلفاء، وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت بفضله الأعداء، والفضل ما شهدت به الأعداء، وقد أتاح سبحانه لسان أعدائه على تمجيده وتعظيمه.

أُسرة السيد

والعجب انّ أُسرة السيد الحميري كانت من بني حمير الذين قطنوا عمان وكانوا أباضية المذهب يكنُّون العداء لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) . وعلى الرغم من كلّ ذلك فقد ظهر من هذا المنبت السوء، موال لأهل البيت (عليهم السلام) ، مخلص في حبهم، ذابّ عن حريم ولايتهم بشعره وبيانه وجسمه وروحه، على نحو لم يُر له مثيل فيمن غبر.

روى سليمان بن أبي شيخ عن أبيه: انّ أبوي السيد كانا إباضيّين، و كان


1 . الأغاني: 7/239.

2 . الأغاني: 7/239.


( 18 )

منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبّة، وكان السيد يقول: طالما سُبّ أمير المؤمنين في هذه الغرفة، فإذا سئل عن التشيّع من أين وقع له؟ قال: غاصت عليَّ الرحمة غوصاً.

وروي عن السيد أنّ أبويه لمّا علما بمذهبه همّا بقتله، فأتى عقبة بن سلم الهنائي، فأخبره بذلك فأجاره وبوّأه منزلاً وهبه له، فكان فيه حتى ماتا فورثهما.(1)

وقال إسماعيل بن الساحر راوية السيد: كنت عنده يوماً في جناح له، فأجال بصره فيه، ثم قال: يا إسماعيل طال و اللّه ما شُتم أمير المؤمنين عليّ في هذا الجناح، قلت: و من كان يفعل؟ قال: أبواي.(2)

وقال المرزباني بسنده عن العباسة بنت السيد، قالت: قال لي أبي : كنت وأنا صبيّ أسمع أبويّ يثلبان أمير المؤمنين (عليه السلام)فأخرج عنهما وأبقى جائعاً، وأوثر ذلك على الرجوع إليهما فأبيت في المساجد جائعاً لحبّي فراقهما وبغضي إياهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعت فأكلت ثمّ خرجت، فلمّا كبرت قليلاً و عقلت وبدأت أقول الشعر، قلت لأبويّ: إنّ لي عليكما حقاً يصغر عند حقّكما عليّ فجنِّباني إذا حضرتكما ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) ، بسوء، فإنّ ذلك يزعجني وأكره عقوقكما بمقالتكما، فتماديا في غيّهما، فانتقلت عنهما، وكتبت إليهما شعراً ،وهو:

خــف يــا محمّـد فــالق الاصبــاح *** وأزل فساد الدين بالإصلاح


1 . الأغاني: 7/230.

2 . الأغاني: 7/235.


( 19 )

أتسبّ صنو محمّد ووصيه *** ترجو بذلك الفوز بالإنجاح

هيهات قد بعدت عليك و قرّبا *** منك العذاب وقابض الأرواح

أوصى النبي له بخير وصية *** يوم الغدير بأبين الأفصاح

فتواعداني بالقتل، فأتيت الأمير عقبة بن مسلم فأخبرته خبري، فقال لي: لا تقربهما، وأعدّ لي منزلاً أمر لي فيه بما أحتاج إليه وأجرى عليَّ جراية تفضل عن مؤنتي.(1)

تفانيه في حبّ أهل البيت (عليهم السلام) ونشر مناقبهم

إنّ الأثر البارز في حياة السيد هو تفانيه في حبّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ونشر مناقبهم بقريظه وشعره وبيانه ولسانه، ونقده اللاذع لأعداء العترة الطاهرة ومناوئيهم، على نحو لا يرضى أن يتبوّأ مجلساً ليس فيه ذكر لأحمد ولا لوصيه(عليه السلام).

روى أبو الفرج الاصبهاني، عن الحسن بن علي بن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي: كنا جلوساً عند أبي عمرو بن العلا فتذاكرنا السيد، فجاء فجلس


1 . أخبار شعراء الشيعة: 154ـ 155، ط عام 1413هـ.


( 20 )

وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض، فقلنا: يا أبا هاشم، مِمّ القيام؟ فقال:

انّي لأكره ان أطيل بمجلس *** لا ذكرَ فيه لفضل آل محمّد

لا ذكر فيه لأحمد ووصيه *** وبنيه ذلك مجلس نظف(1) ردئ

انّ الذي ينساهم في مجلس *** حتى يفارقه لغير مسدّد(2)

وهناك وثائق تاريخية تعرب عن إخلاص السيد وولائه المنقطع النظير للعترة الطاهرة، نقتطف منها هذه الشذرات، فانّ الاستيعاب يطيل بنا الكلام.

1. ذكر التميمي ـ و هو علي بن إسماعيل ـ عن أبيه، قال: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) إذ استأذنه آذنه للسيد، فأمر بإيصاله، وأقعد حرمه خلف ستر، ودخل فسلم وجلس، فاستنشده، فأنشده قوله:

أمْرُر على جدث الحسيـ *** ـن فقل لأعظُمه الزكيّه

آ أعظُمـاً لا زلت من *** وَطفَاء(3) ساكبة رَويّه


1 . النظف: السيء الفاسد.

2 . الأغاني: 7/267.

3 . وطفاء: بينة الوطف، والوطف في السحاب: أن يكون في وجهه كالمحل الثقيل، أو هو استرخاء في جوانبه لكثرة مائه.


( 21 )

وإذا مررت بقـبره *** فأطل به وَقف المطيّه

وأبكِ المطهَّر للمطـ *** ـهّر والمطهَّرة النقيّه

كبُكاء مُعولة أتت *** يوماً لواحدها المنيّه

قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تنحدر على خديه، وارتفع الصراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالإمساك فأمسك.(1)

2. روى الشيخ ابن قولويه(المتوفّى عام 367هـ) بسنده عن أبي هارون المكفوف: قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فقال لي: أنشدني، فأنشدته، فقال: لا، كما تنشدون، وكما ترثيه عند قبره، قال فأنشدته.

امرر على جــدث الحــسين *** فقــل لأعظمــه الـزكيـّه

قال: فلما بكى أمسكت أنا، فقال: مر، فمررت، قال:ثمّ قال: زدني زدني، قال: فأنشدته:

يا مريـم قومـي فانـدبي مـولاك *** وعلى الحسين فاسعدي ببكاك

قال: فبكى وتهايج النساء.(2)

3. روى أبو سليمان الناجي، و محمد بن حليم الأعرج، قالا:


1 . الأغاني: 7/240ـ 241.

2 . كامل الزيارات:210، الباب33 ثواب مَن قال في الحسين(عليه السلام) شعراً، الحديث5.


( 22 )

كان السيد إذا استنشد شيئاً من شعره لم يبدأ بشيء إلاّبقوله:

أجَدّ بآل فاطمةَ البكـورُ *** فدمعُ العين منهمر غزير

وهناك منام صادق ينمُّ عن أنّ البيت المزبور حظى بإعجاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

حدث إبراهيم بن هاشم العبدي البصري، قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام وبين يديه السيد الشاعر وهو ينشد:

أجدّ بآل فاطمة البكـور *** فدمع العين منهمر غزير

حتى أنشده إيّاها على آخرها و هويسمع:

قال: فحدثت هذا الحديث رجلاً جمعتني وإيّاه طوس عند قبر علي بن موسى الرضا، فقال لي: واللّه لقد كنت على خلاف فرأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام و بين يديه رجل ينشد:

أجدّ بآل فاطمة البكور *** ...

إلى آخرها، فاستيقظت من نومي وقد رسخ في قلبي من حبّ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ما كنت أعتقده.(1)

قال إسحاق: وسمعت العتبي ، يقول: ليس في عصرنا هذا أحسن مذهباً في شعره ولا أنقى ألفاظاً من السيد، ثمّ قال لبعض من حضر: أنشدنا قصيدته اللامية التي أنشدتناها اليوم، فأنشده قوله:

هل عند من أحببت تنويل *** أم لا فانّ اللـوم تضـليـل


1 . الأغاني: 7/246.


( 23 )

يقول فيها:

أقسم باللّه وآلائــه *** إنّ علـي بن أبي طــالب

والمرء عمّا قال مسؤول *** علـى التقى والبرِّ مجبول

فقال العتبي:

أحسن واللّه ما شاء، هذا و اللّه الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب.(1)

4. سمع السيد محدّثاً يحدِّث أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ساجداً فركب الحسن والحسين على ظهره، فقال عمر: نعم المطيّ مطيّكما، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ونعم الراكبان هما.

فانصرف السيد من فوره ، وقال في ذلك:

أتى حسناً والحسين النبي *** وقد جلسا حجرةً يلعبان

ففدّاهما ثمّ حيّاهما *** وكانا لديه بذاك المكان

فراحا وتحتهما عاتقاه *** فنعم المطيّة والركبان

وليدان أُمّهما برّة *** حَصَان مطهّرة للحَصَان

وشيخهما ابن أبي طالب *** فنعم الوليد والولدان

خليليّ لا تُرجيا وأعلما *** بأنّ الهدى غير ما تزعُمان

وأنّ عَمَى الشكّ بعد اليقين *** وضعفَ البصيرة بعد العيان

ضلال فلا تَلْجَجا فيهما *** فبئست لعمركُما الخصلتان


1 . الأغاني: 7/258ـ 259.


( 24 )

أيُرجى عليٌّ إمام الهدى *** وعثمانُ ما أعند المُرجيان

ويُرجى ابنُ حرب وأشياعه *** وهُوجُ الخوارج بالنَّهروان

يكون إمامَهم في المعاد *** خبيثُ الهوى مؤمن الشَّيصَبان (1)

إلى غير ذلك من قصائد جمة ذكر فيها فضائل الإمام علي وأهل بيته (عليهم السلام) .

ويكفيك في ذلك ما ذكره المعتز في طبقاته:

كان السيد أحذق الناس بسوق الأحاديث والأخبار والمناقب في الشعر لم يترك لعلي بن أبي طالب فضيلة معروفة إلاّ نقلها إلى الشعر، وكان يملّه الحضور في محتشد لا يذكر فيه آل محمّد صلوات اللّه عليهم، ولم يأنس بحفلة تخلو عن ذكرهم.(2)

وممّا تجدر الإشارة إليه انّ أكثر شعراء العصر الأموي والعباسي قد انكبّوا على عتبة بلاط الجهاز الحاكم رغبة منهم في الصلة والعطايا، ولكن السيد تنزّه عن هذه الوصمة و أناخ راحلته على عتبة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فلم يمدح شخصاً إلاّلضرورة، ولذلك تجد أنّه يعيب بشاراً في شعره لمّا مدح من ليس أهلاً له، فأقبل عليه، وقال:

أيّها المادح العباد ليُعطى *** إنّ لله ما بأيدي العباد

فاسأل اللّه ما طلبت إليهم *** وارجُ نفع المنزِّل العوّاد

لا تقُل في الجواد ما ليس فيه *** وتسمّي البخيل باسم الجواد


1 . الأغاني: 7/258 ـ 259.

2 . طبقات الشعراء:7.


( 25 )

قال بشار: من هذا؟ فعرفَه، فقال لولا أنّ هذا الرجل قد شُغل عنّا بمدح بني هاشم لشغلنا ، ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا.(1)

كما نقل أنّ السيد دخل على المهدي لمّا بايع لابنيه موسى و هارون، فانشأ يقول:

ما بال مجرى دمعك الساجم *** أن قذىّ بات بها لازم

أم من هوى أنت له ساهر *** صبابة من قلبك الهائم

آليت لا أمدح ذا نائل *** من معشر غير بني هاشم

أولتهم عندي يد المصطفى *** ذي الفضل والمنّ أبي القاسم

فانّها بيضاء محمودة *** جزاؤها الشكر على العالم

جزاؤها حفظ أبي جعفر *** خليفة الرحمن والقائم

وطاعة المهدي ثمّ ابنه *** موسى على ذي الإربعة الحازمِ

وللرشيد الرابع المرتضى *** مفترض من حقّه اللاّزم

ملكهُم خمسون معدودة *** برَغم أنف الحاسد الراغم

ليس علينا ما بقُوا غيرهم *** في هذه الأُمّة من حاكم

حتى يَردّوها إلى هابط *** عليه عيسى منهم ناجم (2)

وقد بلغ السيد في إخلاصه لأهل البيت انّه كان يجاهر بعقيدته ومودته لهم في مجلس الخلفاء وإن وُشي عليه ما وشي ولم يكن يتقي في ذلك أبداً.


1 . الأغاني: 7/237.

2 . الأغاني: 7/255ـ256


( 26 )

روى عبد اللّه بن أبي بكر العتكي أنّ أبا الخلاّل العتكي دخل على عقبة بن مسلم والسيد عنده، وقد أمر له بجائزة، وكان أبو الخلاّل شيخ العشيرة وكبيرها، فقال له: أيُّها الأمير، أتعطي هذه العطايا رجلاً ما يَفتُرُ عن سبّ أبي بكر وعمر!، فقال له عقبة: ماعلمت ذاك ولا أعطيته إلاّ على العشرة والمودة القديمة وما يُوجبه حقُّه وجواره مع ما هو عليه من موالاة قوم يلزمنا حقُّهم ورعايتهم.

فقال له أبو الخلاّل: فمره إن كان صادقاً أن يمدح أبا بكر و عمر حتى نعرف براءته مما ينسب إليه من الرفض، فقال: قد سمعك، فإن شاء فعل، فقال السيد:

إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد *** ولا عهده يوم الغدير المؤكّدا

فإنّي كمن يشري الضلالة بالهدى *** تنصَّر من بعد التقى وتهوّدا

ومالي وتيم أو عديَّ و انّما *** أُولو نعمتي في اللّه من آل أحمد

تتم صلاتي بالصلاة عليهم *** وليست صلاتي بعد أن أتشهدا

بكاملة إن لم أصلِّ عليهم *** وأدعُ لهم ربّاً كريماً ممجَّدا

بذلت لهم ودّي ونصحي ونصرتي *** مدى الدهر ما سمّيت ياصاح سيداً

وإنّ أمراً يلحى على صدق ودّهم *** أحقّ وأولى فيهم أن يُفنّدا

فإن شئت فاختر عاجل الغم ضِلّةً *** وإلاّ فأمسك كي تصان وتُحمدا

ثمّ نهض مغضباً، فقام أبو الخلاّل إلى عُقبة، فقال: أعِذْني من شرِّه، أعاذك اللّه من السوء أيّها الأمير.

قال: قد فعلت على ألاّ تعْرضَ له بعدها.(1)


1 . الأغاني: 7/262ـ263.


( 27 )

ارتجاله في إنشاء الشعر

روى أبو الفرج الاصبهاني: كان السيد يأتي الأعمش فيكتب عنه فضائل علي «رضي اللّه عنه» ويخرج من عنده، ويقول في تلك المعاني شعراً، فخرج ذات يوم من عند بعض أُمراء الكوفة وقد حمله على فرس وخلع عليه، فوقف بالكُناسة، ثمّ قال: يا معشر الكوفيّين، من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعراً أعطيته فرسي هذا و ما عليَّ. فجعلوا يحدّثونه و ينشدهم، حتى أتاه رجل منهم، وقال: إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «رضي اللّه تعالى عنه» عزم على الركوب، فلبس ثيابه وأراد لُبس الخُفّ فلبس أحد خُفّيه، ثمّ أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقضّ عقاب من السماء فحلّق به ثمّ ألقاه فسقط منه أسود وانساب فدخل حُجراً، فلبس عليّ رضي اللّه عنه الخُفّ قال: ولم يكن قال في ذلك شيئاً، ففكّر هنيهة، ثمّ قال:

ألا يا قوم للعجب العجاب *** لخُفّ أبي الحسين وللحُبابِ

أتى خُفّاً له وانساب فيه *** لينْهش رجله منه بنابِ

فخرّمن السماء له عُقاب *** من العِقْبان أو شبه العقابِ

فطار به فحلّق ثمّ أهوى *** به للأرض من دون السحابِ

إلى جُحر له فانساب فيه *** بعيد القعر لم يُرتج ببابِ

كريهُ الوجه اسودُذو بصيص *** حديدُ الناب أزرق ذو لُعابِ

ودوفِع عن أبي حسن عليّ *** نقيعُ سمامه بعد انسيابِ(1)


1 . الأغاني: 7/256ـ257.


( 28 )

وزاد المرزباني بعد نقل القصة: ثمّ حرك فرسه وثناها و أعطى ما كان معه من المال والفرس للذي روى له الخبر،وقال: إنّي لم أكن قلت في هذا شيئاً.(1)

صلته الوثيقة بالإمام الصادق (عليه السلام)

إنّ أئمّة أهل البيت كانوا يُثمِّنون جهود الشعراء المخلصين المجاهرين بالولاء الذين نذروا أنفسهم في هذا السبيل، ولبسوا في ذلك جلباب البلايا، منهم شاعرنا المفلق السيد إسماعيل فكان الإمام الصادق يتفقده حيناً بعد حين.

روي أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) لقي السيد بن محمد الحميري، وقال: سمّتك أُمّك سيّداً، وفِّقت في ذلك، وأنت سيّد الشعراء، ثمّ أنشد السيّد في ذلك.

ولقد عجبت لقائل لي مرّة *** علامة فهم من الفقهاء

سماك قومك سيِّداً صدقوا به *** أنت الموفّق سيّد الشعراء

ما أنت حين تخصُّ آل محمّد *** بالمدح منك وشاعر بسواء

مدح الملوك ذوي الغنى لعطائهم *** والمدح منك لهم بغير عطاء

فابشر فانّك فايز في حبّهم *** لو قد وردت عليهم بجزاء

ما يعدل الدنيا جميعاً كلّها *** من حوض أحمد شربة من ماء(2)

مذهبه

كان السيد أباضي المنبت، ثمّ صار شيعياً كيسانياً، يقول بإمامة محمد بن


1 . أخبار شعراء الشيعة: 171، ط عام 1413هـ.

2 . رجال الكشي:245، ط النجف الأشرف.


( 29 )

الحنفية، لكنّه عدل عنه إلى الإمامية على يد الإمام الصادق (عليه السلام) ، وعليه أكثر المؤرّخين.

يقول السيد الحميري عن نفسه: كنت أقول بالغلو واعتقد غيبة محمد بن علي الملقب بابن الحنفية، قد ضللت في ذلك زماناً، فمنَّ اللّه عليَّ بالصادق جعفر ابن محمد (عليهما السلام) وأنقذني به من النار و هداني إلى سواء الصراط... وتبت إلى اللّه تعالى ذكره على يديه وقلت قصيدتي التي أوّلها:

ولمّا رأيت الناس في الدين قد غووا *** تجعفرت باسم اللّه فيمن تجعفروا

وناديت باسم اللّه واللّه أكبر *** وأيقنت ان اللّه يعفو ويغفر

ودنت بدين غير ما كنت دايناً *** به ونهاني سيد الناس جعفر

فقلت: فهبني قد تهوَّدت برهة *** وإلاّفديني دين من يتنصّر

وإنّي إلى الرحمن من ذاك تائب *** وإنّي قد أسلمت واللّه أكبر

فلست بغال ما حييت وراجع *** إلى ما عليه كنت أُخفي وأُضمر

ولا قائلاً حيٌّ برضوى محمّد *** وإن عاب جُهال مقالي فأكثروا

ولكنّه ممّا مضى لسبيله *** على أفضل الحالات يُقفى ويخبر

مع الطيبين الطاهرين الأُولى لهم *** من المصطفى فرعٌ زكيٌّ وعنصر(1)

وهانحن نذكر بعض الكلمات، التي أشارت إلى مذهبه:

1. قال المرزباني: كان السيد بلا شكّ كيسانياً يذهب إلى أنّ محمد بن الحنفية هو القائم المهدي وانّه مقيم في جبال رضوى، وشعره في ذلك يدل على أنّه


1 . الغدير: 2/245ـ 246.


( 30 )

كما ذكرنا كيسانياً فمن قوله:

يا شعب رضوى مالمن بك لا يرى *** وبنا إليه من الصبابة ألوق

حتى متى وإلى متى وكم المدى *** يا ابن الوصي وأنت حي ترزق

إنّي لآمل أن أراك وانّني *** من أن أموت ولا أراك لأفرق

غير أنّه (رحمه الله) رجع عن ذلك وذهب إلى إمامة الصادق (عليه السلام) وقال:

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر *** وأيقنت انّ اللّه يعفو ويغفر

ويثبت مهما شاء ربي بأمره *** ويمحو ويقضي في الأُمور ويقدر(1)

ومن زعم أنّ السيد أقام على الكيسانية فهو بذلك كاذب عليه وطاعن فيه، ومن أوضح ما دل على بطلان ذلك، دعاء الصادق (عليه السلام)وثناؤه عليه.(2)

2. وقال المعتز في طبقات الشعراء: حدّثني محمد بن عبد اللّه، قال: قال السدري راوية السيّد: كان السيّد أوّل زمانه كيسانياً يقول برجعة محمد الحنفيّة، وأنشدني في ذلك:

حتى متى؟ وإلى متى؟ ومتى المدى *** يابن الوصيِّ وأنت حيٌّ ترزق

والقصيدة مشهورة، وحدّثني محمد بن عبد اللّه، قال: قال السدري: ما زال


1 . هذا البيت ذكره المعتز في طبقاته كما سيوافيك.

2 . أخبار شعراء الشيعة: 165.


( 31 )

السيّد يقول بذلك حتى لقي الصادق (عليه السلام)بمكّة أيّام الحجّ فناظره وألزمه الحجّة، فرجع عن ذلك، فذلك قوله في تركه تلك المقالة ورجوعه عمّا كان عليه ويذكر الصادق :

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر *** وأيقنت انّ اللّه يعفو ويغفر

ويثبت مهما شاء ربي بأمره *** ويمحو ويقضي في الأُمور ويقدر(1)

3. وقال الصدوق: فلم يزل السيد ضالاً في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن الحنفية، حتى لقي الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)ورأى منه علامات الإمامة وشاهد منه دلالات الوصية، فسأله عن الغيبة، فذكر له انّها حقٌّ، ولكنّها تقع بالثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) ، وأخبره بموت محمد بن الحنفية وانّ أباه محمد بن علي ابن الحسين بن علي (عليه السلام) شاهد دفنه، فرجع السيد عن مقالته، واستغفر من اعتقاده ورجع إلى الحقّ عند اتضاحه له ودان بالإمامة.(2)

4. وقال المفيد: وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر (رحمه الله) ، وله في مذهبهم أشعار كثيرة، ثمّ رجع عن القول بالكيسانية وتبرّأ منه ودان بالحقّ، لأنّ أبا عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) دعاه إلى إمامته، وأبان له عن فرض طاعته، فاستجاب له فقال بنظام الإمامة وفارق ما كان عليه.(3)


1 . طبقات الشعراء: 7.

2 . كمال الدين: 20.

3 . الفصول المختارة:93.


( 32 )

5. وقال الإربلي: السيد الحميري (رحمه الله) كان كيسانياً يقول برجعة أبي القاسم محمد بن الحنفية فلما عرّفه الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) الحق والقول بمذهب الإمامية الاثني عشرية ترك ما كان عليه ورجع إلى الحقّ وقال به:

وينبئك عن مذهب الحقّ الصحيح قوله:

على آل الرسول وأقربيه *** سلامٌ كلّما سجع الحمام

أليسوا في السماء هم نجوم *** وهم أعلام عزّلا يرام

فيا من قد تحيّر في ضلال *** أمير المؤمنين هو الإمام

رسول اللّه يوم غدير خمّ *** أناف به وقد حضر الأنام

وثاني أمره الحسن المرجّى *** له بيت المشاعر والمقام

وثالثه الحسين فليس يخفى *** سنا بدر إذا اختلط الظلام

ورابعهم علي ذو المساعي *** به للدين والدنيا قوام

***


( 33 )

وخامسهم محمد ارتضاه *** له في المأثرات إذن مقام

وجعفر سادس النجباء بدر *** ببهجته زها البدر التمام

وموسى سابع وله مقام *** تقاصر عن أدانيه الكرام

علي ثامن والقبر منه *** بأرض الطوس إن قحطوا رهام

وتاسعهم طريد بني البغايا *** محمّد الزكيّ له حسام

وعاشرهم عليّ وهو حصن *** يحنُّ لفقده البلد الحرام

وحادى العشر مصباح المعالي *** منير الضوء الحسن الهمام

وثاني العشر حان له القيام *** محمد الزكي به اعتصام

أُولئك في الجنان بهم مساعي *** وجيرتي الخوامس والسلام(1)


1 . كشف الغمة:124، عنهالغدير: 2/251.


( 34 )

وفاته

أثار نبأ وفاة السيد ضجة كبيرة في المجتمع الكوفي، فقد توفّي السيد عام 173هـ، وقيل 178هـ(1).

روى المرزباني باسناده عن ابن أبي حودان، قال: حضرت السيد ببغداد عند موته، فقال لغلام له: إذا متُّ فأت مجمع البصريين وأعلمهم بموتي وما أظنه يجيء منهم إلاّرجل أو رجلان، ثمّ اذهب إلى مجمع الكوفيين فأعلمهم بموتي وأنشدهم:

يا أهل كوفان إنّي وامق لكم *** مذ كنت طفلاً إلى السبعين والكبر

أهواكم وأواليكم وأمدحكم *** حتماً عليَّ كمحتوم من القدر

بحبّكم لوصي المصطفى وكفى *** بالمصطفى وبه من سائر البشر

إلى أن قال:

وكفّنوني بياضاً لا يخالطه *** شيء من الوشي أو من فاخر الحبر

ولا يشيعني النصّاب إنّهم *** شرُّ البريّة من انثى و من ذكر

***


1 . لسان الميزان:1/438.


( 35 )

عسى الإله ينجِّيني برحمته *** ومدحي الغرر الزاكين من سقر

فإنّهم ليسارعون إليَّ ويكبرون ، فلما مات فعل الغلام ذلك، فما أتى من البصريين إلاّثلاثة معهم ثلاثة أكفان وعطر، وأتى من الكوفيين خلق عظيم ومعهم سبعون كفناً ووجّه الرشيد بأخيه علي وبأكفان وطيب، فردت أكفان العامة عليهم وكفن في أكفان الرشيد، وصلّى عليه علي بن المهدي وكبّر خمساً، و وقف على قبره إلى أن سطح ومضى كلّ ذلك بأمر الرشيد.(1)

ونقل أبو الفرج الاصبهاني، عن بشير بن عمّار، قال: حضرت وفاة السيد في الرُّميلة ببغداد، فوجه رسولاً إلى صفّّ الجزّارين الكوفيين يُعلمهم بحاله ووفاته، فغلط الرسول فذهب إلى صف السموسين فشتموه ولعنوه، فعلم أنّه قد غلط، فعاد إلى الكوفيين يُعلمهم بحاله ووفاته، فوافاه سبعون كفناً، قال: وحضرناه جميعاً، وانّه ليتحسّر تحسراً شديداً وإن وجهه لأسود كالقار وما يتكلم، إلى أن أفاق إفاقة، وفتح عينيه، فنظر إلى ناحية القبلة، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا بوليك! قالها ثلاث مرات ، مرة بعد أُخرى.

قال: فتجلّى واللّه في جبهته عرق بياض، فما زال يتسع ويلبس وجهه حتى صار كلّه كالبدر، وتوفي فأخذناه في جهازه و دفناه في الجنينة ببغداد، وذلك في خلافة الرشيد.(2)

نعم ثمة أوهام حيكت حول وفاة السيد نشير إلى بعضها:


1 . أخبار شعراء الشيعة: 170.

2 . الأغاني: 7/278.


( 36 )

قال أبو الفرج الاصبهاني : كنت عند جعفر بن محمد، فأتاه نعي السيد، فدعا له و ترحّم عليه، فقال رجل: يابن رسول اللّه، تدعو له وهو يشرب الخمر ويؤمن بالرَّجعة، فقال: حدثني أبي عن جدّي، انّ محبِّي آل محمّد لا يموتون إلاّ تائبين وقد تاب، ورفع مُصلّى كانت تحته، فأخرج كتاباً من السيد يعرِّفه فيه انّه قد تاب ويسأله الدعاء له.(1)

أقول: إنّ ما ذكره صاحب الأغاني لا يوافق التاريخ القطعي، فإنّ الإمام توفي عام 148هـ، و توفّي السيد عام 173هـ وعلى قول178هـ، فكيف يصحّ ما ذكره ؟!

ويقرب من ذلك ما ذكره الكشي بسنده عن محمد بن النعمان، قال: دخلت على السيد بن محمد، وهو لما به قد اسود وجهه وازرقت عيناه وعطش كبده وسلب الكلام، وهو يومئذ يقول بمحمد بن الحنفية، وهو من حشمه، وكان ممّن يشرب المسكر فجئت، وكان قد قدم أبو عبد اللّه (عليه السلام) الكوفة، لأنّه كان انصرف من عند أبي جعفر المنصور، فدخلت على أبي عبد اللّه، فقلت: جعلت فداك انّي فارقت السيد بن محمد الحميري، وهو لما به قد اسودّ وجهه وازرقت عيناه وعطش كبده وسلب الكلام فانّه كان يشرب المسكر.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : اسرجوا حماري، فاسرج له فركب ومضى، ومضيت معه، حتى دخلنا على السيد وانّ جماعة محدقون به، فجلس أبو عبد اللّه (عليه السلام) عند رأسه، وقال: يا سيد، ففتح عينه ينظر إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ولا يمكنه الكلام وقد اسودّ وجهه، فجعل يبكي وعينه إلى أبي عبد اللّه، ولا يمكنه الكلام، وانا لنتبين فيه انّه يريد الكلام ولا يمكنه ، فرأينا أبا عبد اللّه (عليه السلام)حرك شفتيه فنطق السيد،


1 . الأغاني: 7/277.


( 37 )

فقال: جعلني اللّه فداك، أبأوليائك يفعل هذا؟

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا سيد قل بالحقّ يكشف اللّه ما بك ويرحمك ويدخلك جنته التي وعد أولياءه، فقال في ذلك:

تجعفرت باسم اللّه و اللّه أكبر *** وأيقـنت انّ اللّه يعفـو ويغفـر

فلم يبرح أبو عبد اللّه (عليه السلام) حتى قعد السيد على أسته.(1)

إنّ المتبادر من الخبر انّ السيد كان في حالة الاحتضار، وانّه اعتنق المذهب الإمامي في ذلك الوقت، مع أنّك عرفت انّ السيد قد توفّي بعد وفاة الإمام الصادق بسنوات طويلة.

وليس من البعيد أن يُتّهم السيد بشرب النبيذ للحط من مكانته، و من كان محبّاً للوصي (عليه السلام) ومتفانياً في حبه، كيف يخالفه، وانّه ليعلم أنّ شرب النبيذ أبشع منكر عنده.

ويظهر من الحجاج الذي دار بينه و بين شاعر أهل البيت الكميت الأسدي، انّ السيد كان عارفاً بالكتاب والسنّة وإقامة الحجج الدامغة وإفحام الخصم، فمن تنوّر قلبه بالكتاب والسنّة، كيف يشرب النبيذ أواخر عمره، ونكتفي هنا بسرد هذه الواقعة التاريخية التي تكشف بوضوح عن تضلّعه في العلم والفقه والتاريخ.

قال المرزباني: قيل إنّ السيد حجّ في أيّام هشام، فلقي الكميت فسلّم عليه، وقال: أنت القائل:


1 . رجال الكشي:244ـ 245،ط النجف الأشرف.


( 38 )

ولا أقول إذا لم يعطيا فدكا *** بنت الرسول ولا ميـراثه كفرا

اللّه يعلـم ماذا تـأتيان به *** يوم القيامة من عذر إذا حضرا

قال: نعم، قلته تقية من بني أُميّة، وفي مضمون قولي شهادة عليهما إنّهما أخذا ما كان في يدها.

فقال السيد: لولا إقامة الحجّة لوسعني السكوت لقد ضعفت يا هذا عن الحق، يقول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): فاطمة بضعة منّي يريبني مارابها، وانّ اللّه يغضب لغضبها ويرضى لرضاها، فخالفت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهب لها فدكاً بأمر اللّه له، وشهد لها أمير المؤمنين والحسن والحسين وأُمّ أيمن بأنّ رسول اللّه أقطع فاطمة فدكاً فلم يحكما لها بذلك، واللّه تعالى يقول: (يَرِثُني وَيَرثُ مِنْ آل يَعْقُوب) (1) ويقول: (وَوَرِثَ سُليمان داود)(2). وهم يجعلون سبب مصير الخلافة إليهم، الصلاة وشهادة المرأة لأبيها انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: مروا فلاناً بالصلاة بالناس، فصدقت المرأة لأبيها، ولم تصدق فاطمة والحسن والحسين وأُم أيمن في مثل فدك، وتطالب مثل فاطمة بالبيّنة على ما ادّعت لأبيها.

وتقول أنت مثل هذا القول و بعد فما تقول في رجل حلف بالطلاق انّ الذي طلبت فاطمة (عليها السلام) هو حق وإنّ عليّاً والحسن والحسين وأُمّ أيمن ما شهدوا إلاّ بحق ما تقول في طلاقه؟ قال: ما عليه طلاق.

قال: فإن حلف بالطلاق إنّهم قالوا غير الحقّ؟

قال: يقع الطلاق، لأنّهم لا يقولون إلاّالحقّ، قال: فانظر في أمرك، فقال


1 . النساء: 19.

2 . النمل: 27.


( 39 )

الكميت: أنا تائب إلى اللّه مما قلت، وأنت أبا هاشم أعلم وأفقه منّا.(1)

ومن تتبع شعره الطافح بالكتاب والسنّة ، وثباته على المبدأ وتحمل المصائب والمشاق في سبيل عقيدته، لوقف على سخافة ما اتّهم به من شرب الخمر والنبيذ.

وأين الصامد في سبيل الحق من المخمور الذي لا يبالي بما يدور حوله؟!

هذه نبذة مختصرة من سيرة السيد الحميري و أخباره وشعره، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المصادر التي تعرضت لبيان أخبار السيد وأخص بالذكر منها :

أ: الأغاني(2) لأبي الفرج الاصبهاني المتوفّـى عام 356هـ.

ب: أخبار السيد الحميري، تأليف أبي عبد اللّه محمد بن عمران المرزباني الخراساني (المتوفّى عام 384هـ)، تحقيق الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني.

مضافاً إلى ما في المعاجم والتراجم حول السيد، كأعيان الشيعة للسيد الأمين، والغدير للشيخ الأميني، وقد بلغوا الغاية، شكر اللّه مساعيهم.

ثمّ إنّ هناك من جمع أخبار السيد في كتب خاصة من أصحابنا وغيرهم.

فقد ذكر النجاشي من جمع أخبار السيد، وقال:

أحمد بن عبد الواحد بن أحمد البزاز أبو عبد اللّه شيخنا المعروف بابن عبدون، له كتب منها أخبار السيد بن محمد.(3)

وقال: إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان له كتاب أخبار السيد، وكتاب


1 . الأغاني: 7/229ـ 278 و 4/2 و 6/206و 8/276 و18/254.

2 . أخبار شعراء الشيعة: 178ـ 179.

3 . رجال النجاشي:87 برقم 211.


( 40 )

مجالس هشام.(1)

وقال: عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي، شيخ البصرة واخباريّها، ثمّ ذكر تآليفه الكثيرة، منها: أخبار السيد بن محمد.(2)

وقد عقد الدكتور الشيخ هادي الأميني محقّق كتاب «أخبار السيد الحميري» للمرزباني عنواناً لمن ألف في أخباره وذكر منهم:

1. أحمد بن محمد بن عبيد اللّه بن الحسن بن عباس بن إبراهيم بن أيّوب الجوهري (المتوفّى عام 401هـ).

2. أحمد بن إبراهيم بن المعلّى بن العمي ينسب إلى العم، وهو مرة بن مالك ابن حنظلة بن زيد مناة بني تميم.(3)

3. صالح بن محمد الصرابي شيخ أبي الحسن الجندي.(4)

4. كاظم بن الشيخ باقر بن حسين مظفر، له أخبار وشعر السيد.(5)

قصيدته العينيّة

لقد نالت قصيدتان من قصائد السيد أقبالاً واسعاً من قبل الأُدباء والشعراء، و أكبّ غير واحد من المحقّقين على شرحهما وهما:

1. القصيدة المذهَّبة التي مستهلها:


1 . رجال النجاشي برقم 175.

2 . رجال النجاشي برقم 638.

3 . رجال الطوسي برقم 30; رجال النجاشي برقم 70.

4 . رجال النجاشي برقم 141.

5 . معجم رجال الفكر و الأدب:419.


( 41 )

هلا وقعت على المكان المُعْشب *** بين الطويلع فاللوى من كُبكُب

وتناهز القصيدة 112بيتاً، شرحها السيد الشريف المرتضى (المتوفّى عام 436هـ) وطبع في مصر عام 313هـ، كما شرحها الحافظ النسابة المعروف بتاج العلى الحسيني (المتوفّى عام 610هـ).

2. القصيدة العينية التي مستهلّها:

لأُمّ عمر باللوى مربع *** طامسة أعلامه بلقع

التي تناهز 54 بيتاً شرحها غير واحد من المحقّقين والأُدباء، كما اعتنى بها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بالسماع، و دعوة الآخرين الى سماعها وحفظها كما سيوافيك، وقد شرحها أعلام الطائفة، وقد ناهزت شروح القصيدة 15 شرحاً. وقد وقفنا على بعضها وذكر قسماً منها شيخنا المجيز الطهراني، وبعضاً منها شيخنا المحقّق الأميني وإليك أسماؤهم:

1. الشيخ حسين بن جمال الدين الخوانساري(المتوفّى عام 1099هـ).

2. ميرزا علي خان الگلبايگاني تلميذ العلاّمة المجلسي.

3. المولى محمد قاسم الهزار جريبي(المتوفّى عام 1112هـ) وقد صنّف فيها التحفة الأحمدية.

4. بهاء الدين محمد بن تاج الدين الحسن الاصبهاني الشهير بالفاضل الهندي(1062 ـ 1135هـ) و هذا هو الذي يزفّه الطبع إلى القرّاء الكرام، وسنقوم بترجمة الشارح عن قريب.

5. الحاج المولى محمّد حسين القزويني المتوفّى في القرن الثاني عشر.

6. الحاج المولى صالح بن محمّد البرغاني.


( 42 )

7. الحاج ميرزا محمد رضا القراجة داغي التبريزي، فرغ منه سنة 1289هـ وطبع في تبريز سنة 1301هـ.

8. السيّد محمّد عبّاس بن السيِّد علي أكبر الموسوي (المتوفّى 1306هـ)، أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر.

9. الحاج المولى حسن بن الحاج محمّد إبراهيم بن الحاج محتشم الأردكاني (المتوفّى عام1315هـ).

10. الشيخ بخشعلي اليزدي الحائري (المتوفّى 1320هـ).

11. ميرزا فضل علي بن المولى عبد الكريم الإيرواني التبريزي (المتوفّى سنة 1337هـ) مؤلِّف «حدائق العارفين».

12. الشيخ علي بن علي رضا الخوئي (المتوفّى 1350هـ).

13. السيد أنور حسين الهندي (المتوفّى 1350هـ).

14. السيّد علي أكبر بن السيِّد رضي الرضوي القمي .

15. الحاج المولى علي التبريزي مؤلِّف (وقائع الأيّام) المطبوع.(1)

قد كان لقصيدته العينية التي نحن بصدد التقديم لها دويّ واسع في المجتمع الإسلامي، وهذا هو الإمام الصادق (عليه السلام)يُشيد بهذه القصيدة ويضرب ستراً لتسمعها النساء.

روى في الأغاني عن فُضيل الرسان، قال: دخلت على جعفر بن محمد أُعزيه عن عمّه زيد، ثمّ قلت له: ألا أنشدك شعر السيد؟ فقال: أنشد، فأنشدته قصيدة يقول فيها:


1 . الغدير:2/224.


( 43 )

فالناس يوم البعث رايتهم *** خمس فمنها هالك أربع

قائدها العجل وفرعونهم *** وسامري الأُمّة المفظع

ومارق من دينه مخرج *** أسود عبدٌ لكعٌ أوكع

و راية قائدها وجهه *** كأنّه الشمس إذا تطلع

فسمعت مجيباً من وراء الستور، فقال: من قائل هذا الشعر؟ فقلت: السيّد! فقال: (رحمه الله).(1)

وروى المرزباني، قال: حدثني فضيل بن عمر الحبال، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) بعد قتل زيد (عليه السلام) فجعل يبكي، ويقول: رحم اللّه زيداً انّه العالم الصدوق، ولو ملك أمراً لعرف أين يضعه.

فقلت: أنشدك شعر السيد؟ فقال: امهل قليلاً، وأمر بستور، فسدلت، وفتحت أبواب غير الأُولى، ثمّ قال: هات ما عندك فأنشدته:

لأُمّ عمرو باللوى مربع *** دارسة أعلامه بلقـع(2)


1 . الأغاني:7/252، وما في ذيله من العبارة المشعرة بوفاة السيد حين إنشاء الشعر فموضوعة ،لأنّ السيد توفي بعد وفاة الإمام الصادق (عليه السلام) .

2 . أخبار شعراء الشيعة:159.


( 44 )

وظاهر هذين النصين أنّ المجلس انعقد بعد وفاة زيد الشهيد بقليل. لأنّ فُضيل الرسان دخل على جعفر بن محمد الصادق ليعزِّيه عن عمه، وقد استشهد زيد في صفر عام 122هـ أو 123هـ وعلى ذلك، فقد أنشأ السيد القصيدة في هذه السنة أو قريبة منها و بما انّه ولد عام 105هـ فقد كان في ريعان شبابه حين قتل زيد وأنشأ القصيدة في تلك الأيّام .

ولا غرو في ذلك، وقد نقل المرزباني عن العباسة بنت السيد، أنّها قالت: قال لي أبي: كنت وأنا صبي أسمع أبويَّ يثلبان أمير المؤمنين(عليه السلام) فأخرج عنهما وأبقى جائعاً، وأُوثر ذلك على الرجوع إليهما، فأبيت في المساجد جائعاً لحبّي فراقهما وبغضي إيّاهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعت فأكلت ثمّ خرجت، فلمّا كبرت قليلاً وعقلت وبدأت أقول الشعر....(1)

ونقل المرزباني عن أبي إسماعيل إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن طباطبا، قال: سمعت زيد بن موسى بن جعفر، يقول: رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في النوم و قدّامه رجل جالس عليه ثياب بيض، فنظرت إليه فلم أعرفه، إذ التفت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له: يا سيد، أنشدني قولك:«لأُمِّ عمرو في اللِّوى مَرْبَعُ».

فأنشده إيّاها كلّها ما غادر منها بيتاً واحداً، فحفظتها عنه كلّها في النوم. قال أبو إسماعيل: وكان زيد بن موسى لحّاناً رديّ الإنشاد، فكان إذا أنشد هذه القصيدة لم يتعتع فيها ولم يلحن.(2)

وقد نقل العلاّمة المجلسي مناماً عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، نقله


1 . أخبار شعراء الشيعة:154.

2 . المصدر نفسه:161ـ162، وقريب منه ما نقله الشريف الرضي في خصائص الأئمّة.


( 45 )

عنه سهل ابن ظبيان يتعلق بهذه القصيدة وقائلها.(1)

إلى هنا تم ما كنّا نرمي إليه من ترجمة سيد الشعراء السيد إسماعيل الحميري، و ما يرجع إلى قصيدته العينيّة.

ولهذه القصيدة المعروفة بالعينية شروح كثيرة ذكرها شيخنا العلاّمة الأميني في موسوعته «الغدير» أنهاها إلى خمسة عشر شرحاً.(2)

وللفاضل الهندي بهاء الدين محمد بن الحسن الاصفهاني(1062ـ 1137هـ) ـ نابغة عصره ونادرة دهره الذي ستأتي ترجمته هنا في ص 255 ـ شرح لها حقّق وطبع بإشرافنا، باسم:«اللآلئ العبقرية في شرح القصيدة الحميرية».


1 . بحار الأنوار:47/328ـ 332.

2 . الغدير:2/322.


( 46 )

( 47 )

2

أبو بصير شخصيّته وثقافته (... ـ ... هـ)

السُّنّة الشريفة هي الحجّة الثانية التي استأثرت باهتمام المسلمين بعد الكتاب العزيز، وهي وحي بمعناها لا بلفظها، خلافاً للقرآن فهو وحي بلفظه ومعناه، وقد أمر سبحانه الأخذ بكلّ ما أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو نهى عنه، وقال: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(1).

السنَّة هي الحدّ المائز بين الحقّ والباطل، والمصباح المنير لرواد الحقّوالحقيقة لا يعادلها شيء بعد القرآن الكريم.

السنَّةُ هي المرجع لبيان مجملات الكتاب والموضحة لعموماته ومطلقاته، فلو تُركت السُّنّةُ وأُهملت على الإطلاق أو اقتصرت على السُّنَّة المتواترة لاندثرت الشريعة ومُحيت أحكامها.

السنّة هي فصل الخطاب والحجّة القاطعة في مقام التشريع والقضاء، وتبيين شروط العبادات وموانعها، فلا غنى لمسلم عن السُّنّة، كما لا غنى له عن الكتاب.

وهناك كلمات مأثورة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) تكشف بوضوح عن المقام


1 . الحشر:7.


( 48 )

السامي الذي حازته السُّنّة نقتطف منها ما يلي:

1. قال الإمام الباقر (عليه السلام) : «كلّ من تعدّى السُّنّة رد إلى السُّنّة».

2. وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : «ما من شيء إلاّ فيه كتاب أو سنّة».

3. وقال(عليه السلام) أيضاً في شأن السُّنّة: «فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلاّفيها حتى أرش الخدش».

فقد دوّن حديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بإملاء منه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سمعها من فِلق فمه. وهي المسمّاة بـ«الجامعة».

ارتحل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولبَّى دعوة ربّه وترك للأُمّة كنزين ثمينين، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي» فالعترة هم حفّاظ السُّنّة ومبيِّنيها عبر القرون والأجيال، وقد تلقّاها منهم الأمثل فالأمثل من تلاميذهم وخريجي مدرستهم ما لا يحصيه إلاّ اللّه سبحانه، وقد ذكر الحسن بن الوشّاء انّه أدرك في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ، كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد.(1)

وممّن تخرّج على يدي الإمامين الهمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) هو الراوية المعروف بـ«أبي بصير» وقد وقع في أسناد كثير من الروايات تناهز 2275 مورداً أو أكثر، وهو يروي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) وأبي عبد اللّه الصادق(عليه السلام) و أبي الحسن موسى الكاظم(عليه السلام) .

فإذا كانت هذه مكانة الرجل ومنزلته، فيجب أن نقف على أحواله من خلال كلمات الرجاليين والروايات المأثورة عنه.

فنقول: ادُّعي أنّ أبا بصير كنية مشتركة بين رجال خمسة:


1 . رجال النجاشي: 1/139 برقم 79.


( 49 )

1. يحيى بن أبي القاسم الأسدي.

2. ليث بن البختري المرادي الكوفي.

3. يوسف بن الحارث.

4. عبد اللّه بن محمد الأسدي.

5. حمّاد بن عبد اللّه بن أسيد الهروي.

فلو صحّ اشتراك لفظ «أبي بصير» بين هؤلاء لصار مشتركاً بين الثقة وغيره، وعندئذ تسقط أكثر الروايات المرويّة عنه بلفظة «أبي بصير» من دون أن يقترن بلقب يميّزه عن غيره. فإنّ الأوّلين ثقتان بلا كلام دون الثلاثة الأخيرة، فلم تحرز وثاقتهم غير أنّ بعض المحقّقين ذهب إلى انصراف لفظة «أبي بصير» عند إطلاقه إلى الأوّلين فحسب، وعلى هذا كلّما أُطلق أبو بصير، فإن تبيّن المراد فهو، وإلاّفالأمر يتردّد بين يحيى بن أبي القاسم الثقة، وليث بن البختري المرادي الثقة، فلا أثر للتردّد.(1)

ولأجل تحقيق هذا الكلام، نستعرض كلمات الرجاليّين في هذا الصدد.

1. أبوبصير يوسف بن الحارث

لقد عدّ الشيخ الطوسي يوسف بن الحارث من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) وكنّاه بأبي بصير، وقال: يوسف بن الحارث، بتري يكنّى أبا بصير.(2)

وقد تبعه العلاّمة في «الخلاصة»(3)، وابن داود في رجاله(4)، والميرزا


1 . معجم رجال الحديث: 21/47 برقم 13959.

2 . رجال الشيخ:150، أصحاب الباقر(عليه السلام) ، باب الياء برقم 17.

3 . الخلاصة: 265 برقم 1.

4 . رجال ابن داود:285 برقم 557.


( 50 )

الاسترابادي في «منهج المقال».(1)

والظاهر انّ مصدر الشيخ هو رجال الكشي، فإنّه ذكره في عداد البتريّين، وقال: و قيس بن الربيع بتري، كانت له محبة، فامّا مسعدة بن صدقة بتري ـ إلى أن قال:ـ و أبو نصر بن يوسف بن الحارث بتري.

وعلى هذا فقد تطرق التحريف إلى كلام الشيخ من وجهين:

أ: تصحيف «أبي نصر» بـ«أبي بصير».

ب: إسقاط لفظة «ابن» على وجه صار «أبو بصير» كنية يوسف، مع أنّه في كلام الكشي كنية ابن يوسف.

وأوّل من تنّبه إلى ذلك هو المحقّق القهبائي، و اعتذر عن وقوع التحريف في كلام الشيخ بأنّ عجلته الدينيّة صارت سبباً لهذا التحريف، ثمّ قال: و على هذا التحريف اشتهر عند الطائفة ضعف حديث أبي بصير، لاعتقادهم أنّ أبا بصير مشترك بين أربعة، منهم هذا البتري، فاشترك الحديث بينه و بين غيره.(2)

وقال أيضاً في ترجمة محمد بن إسحاق بن يسار المدني الذي جاء في ترجمته ذكر أبو نصر بن يوسف بن الحارث البتري: « هكذا في نسخ هذا الكتاب (رجال الكشي) وهي متعددة عندنا، واشتبه على الشيخ (قدس سره) في أصحاب الباقر (عليه السلام)وتبعه غيره، مثل العلاّمة في الخلاصة، وابن داود في رجاله، وغيرهما، فقرأوا هكذا: أبو بصير يوسف بن الحارث بتري، فصار حينئذ أبو بصير في مرتبة من يروي عن


1 . منهج المقال: 384، قسم الكنى.

2 . مجمع الرجال: 6/279، قسم التعليقة.


( 51 )

الإمام الصادق (عليه السلام) ، وهذا خلاف الواقع».(1)

واحتمال تطرّق الاشتباه إلى نسخة الكشي بعيد جداً،وقد قام بتصحيحه المحقّق الشيخ حسن المصطفوي بعرضهاعلى سبع نسخ مصححة وغير مصححة والتي يرجع تاريخ كتابة بعضها إلى سنة 577هـ.(2)

وبذلك تبيّن انّ ما يظهر من الشيخ وغيره من كون يوسف بن الحارث من المكنِّين بأبي بصير، ممّا لاوجه له.

2. أبو بصير عبد اللّه بن محمد الأسدي

وممّن كُنّي بأبي بصير من الرواة هو عبد اللّه بن محمد الأسدي، وهذا ما نراه في عنوان رجال الكشي، بهذه الصورة: في أبي بصير عبد اللّه بن محمد الأسدي.

طاهر بن عيسى، قال: حدثني جعفر بن أحمد الشجاعي، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن عبد اللّه بن وضاح، عن أبي بصير، سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسألة في القرآن...(3)

هذا و لكنّ في صحته نظراً.

أوّلاً: أنّ من المحتمل كون العنوان راجعاً إلى النُّسّاخ لا إلى المؤلف أي الكشّي.

ثانياً: لو كان العنوان من المؤلف نفسه، فقد اشتبه الأمر على الكشّي، لأنّ المراد من أبي بصير في السند هو يحيى بن أبي القاسم، لا عبد اللّه بن محمد


1 . مجمع الرجال:5/149، قسم التعليقة بتصرّف يسير.

2 . رجال الكشي: ص 20، قسم التعليقة.

3 . رجال الكشي: 174 برقم 299.


( 52 )

الأسدي، و ذلك لأنّ عبد اللّه بن وضاح ممّن يروي عن يحيى بن أبي القاسم كثيراً، بشهادة قول النجاشي: عبد اللّه بن وضاح، أبو محمد، كوفي، ثقة، من الموالي صاحَبَ أبا بصير يحيى بن القاسم كثيراً و عرف به، له كتب يعرف منها: كتاب الصلاة، أكثره عن أبي بصير.(1)

فالعنوان لا ينطبق على السند الذي نقل بعده.

ويؤيد ذلك ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره في آخر سورة الكهف عن جماعة، منهم: الحسين بن أبي العلاء، و عبد اللّه بن وضاح، وشعيب العقرقوفي، جميعاًعن أبي بصير، عن مولانا أبي عبداللّه(عليه السلام).(2)

فإنّ شعيباً العقرقوفي ابن أُخت أبي بصير يحيى بن أبي القاسم، كما ذكره النجاشي.(3)

و يؤيده أيضاً كون الحسين بن أبي العلاء في تلك الجماعة، فإنّ الشيخ يروي مناسك الحجّ لأبي بصير عن طريقه.

قال في الفهرست: يحيى بن القاسم يكنّى أبا بصير، له مناسك الحجّ، رواه علي بن أبي حمزة، والحسين بن أبي العلاء.(4)

وعلى هذا فلم نجد دليلاً على إطلاق أبي بصير على عبد اللّه بن محمد الأسدي غير وجود لفظ «أبي بصير» في العنوان فقط.

نعم كنّاه الشيخ الطوسي بأبي بصير، وقال: «عبد اللّه بن محمد الأسدي»


1 . رجال النجاشي: 2/10 برقم 558.

2 . تفسير القمي: 2/47.

3 . رجال النجاشي: 1/435 برقم 518.

4 . الفهرست:178 برقم 776.


( 53 )

كوفي، يكنّى أبا بصير.(1)

ولعلّ الشيخ تبع ما وجده من العنوان في رجال الكشي، فكنّاه به.

ثمّ إنّ عبد اللّه بن محمد الأسدي غير عبد اللّه بن محمد الحجّال الذي يصفه النجاشي، بقوله: عبد اللّه بن محمد الأسدي، مولاهم، كوفي، الحجّال، المزخرف «أبو محمد»، و قيل: إنّه من موالي بني تيم، ثقة ثقة، ثبت، له كتاب يرويه عدّة من أصحابنا.(2)

وعدّه البرقي من أصحاب الرضا (عليه السلام) ، قائلاً: عبد اللّه بن محمد الحجّال أخو عبد اللّه، ومن ولده أحمد بن عبد اللّه الكرخي.(3)

كما عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) ، وقال: عبد اللّه بن محمد الحجّال، مولى «بني تيم اللّه» ثقة.(4)

فأين الحجّال من الأسديّ الذي هو من أصحاب الباقرين (عليهما السلام) ؟!

وبذلك ظهر أمران:

الأوّل: عدم صحّة تكنية عبد اللّه بن محمد الأسدي بأبي بصير.

الثاني: عدم ثبوت وثاقة عبد اللّه بن محمد الأسدي، وأمّا الموثّق في كلام النجاشي و الشيخ، فهو الحجّال من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) .


1 . رجال الشيخ129 ، أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) برقم 26.

2 . رجال النجاشي: 2/30 برقم 593.

3 . رجال البرقي: 55.

4 . رجال الشيخ: باب أصحاب الرضا، باب العين، برقم 18. وقد جاءت لفظة : «مولى بني تيم اللّه»في رجال البرقي في موارد لاحظ ص 54.


( 54 )

3. أبو بصير حماد بن عبيد اللّه(1) بن أسيد الهروي

و الأصل في وصفه بـ «أبي بصير» ما نقله الكشي في ترجمة يونس بن عبد الرحمن، قال: روى عن أبي بصير حماد بن عبيد اللّه بن أسيد الهروي، عن داود بن القاسم، أنّ أبا جعفر الجعفري، قال: أدخلت كتاب «يوم و ليلة» الذي ألّفه يونس ابن عبد الرحمن على أبي الحسن العسكري (عليه السلام) فنظر فيه وتصفّحه كلّه ثمّ قال: «هذا ديني ودين آبائي وهو الحقّ كلّه».(2)

والظاهر تطرّق التصحيف إلى العبارة، فإنّ هذه الفقرة من متمّمات الجمل السابقة، و إليك نصها:

«سمعت الفضل يقول: ما نشأ في الإسلام رجل من سائر الناس كان أفقه من سلمان الفارسي ولا نشأ رجل بعده أفقه من يونس بن عبد الرحمن(رحمه الله) ]روى عن أبي بصير[. و أمّا ما بعده، أعني: حماد بن عبيد اللّه بن أسيد الهروي، عن داود بن القاسم إلى أبي جعفر الجعفري، قال: أدخلت كتاب يوم و ليلة... » فهو جملة مستقلة لا صلة لها بما سبق، وإنّما تطرق الخطأ من قبل النسّاخ حيث جعلوا قوله: «روى أبو بصير» مقطوعاً عمّا قبله وراجعاً إلى ما بعده.

مضافاً إلى أنّ في بعض النسخ« أبو نصر» مكان أبو بصير، و على فرض الصحة فهو من مشايخ الكشي، الذي كان من علماء النصف الأوّل من القرن الرابع، ولا صلة له بمن يروي عن الإمامين مباشرة وبلا واسطة.

إلى هنا تبيّن انّه لم يثبت كون أبي بصير كنية أحد من الرواة غير: يحيى بن أبي


1 . من النسخة المصحّحة المحقّقة وفي النسخة القديمة: «عبد اللّه».

2 . رجال الكشي: 484 برقم 915.


( 55 )

القاسم، و ليث البختري، و بما انّ الرجاليين اتفقوا على توثيقهما، فإذا صح السند إليه يحكم عليه بالصحّة سواء علمنا انّ المراد من هو أم لم نعلم.

***

إنّ الكتاب الماثل بين يديك هو مسند أبي بصير المشترك بين شخصين ثقتين، فيلزم علينا تسليط المزيد من الأضواء على ترجمتهما و بيان شيء من أقوال الرجاليين في حقّهما، والإشارة إلى من تخرّج عليهما في الحديث.

1. أبو بصير: يحيى بن أبي القاسم الأسدي

عرّفه الرجاليون بالوثاقة تماماً، قال النجاشي: يحيى بن القاسم أبو بصير الأسدي، وقيل: أبو محمد، ثقة، وجيه، روى عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) ، وقيل: يحيى بن أبي القاسم، و اسم أبي القاسم إسحاق، وروى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) ، له كتاب يوم وليلة، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد ابن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدثنا الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير بكتابه، ومات أبو بصير سنة خمسين ومائة.(1)

وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) قائلاً: يحيى بن القاسم أبو محمد، يعرف بأبي بصير الأسدي مولاهم، كوفي، تابعي، مات سنة خمسين ومائة بعد أبي عبد اللّه (عليه السلام) .(2)

وقال في الفهرست: يحيى بن القاسم، يُكنّى أبا بصير، له كتاب مناسك الحجّ، رواه علي بن أبي حمزة، والحسين بن أبي العلاء، عنه.(3)


1 . رجال النجاشي: 2/411، برقم 1188.

2 . رجال الطوسي: 333، أصحاب الصادق (عليه السلام) ، باب الياء، برقم 9.

3 . الفهرست:362 برقم 787.


( 56 )

وقال العقيقي: يحيى بن القاسم الأسدي، مولاهم، ولد مكفوفاً رأى الدنيا مرتين، مسح أبو عبد اللّه (عليه السلام) على عينيه، وقال أُنظر ما ترى، قال: أرى كوّة في البيت وقد أرانيها أبوك من قبلك.(1)

وعدّه الكشي من أصحاب الإجماع، و قال: اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)وأصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، و انقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأوّلين ستة: زرارة، ومعروف بن خرّبوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: أفقه الستة زرارة، وقال بعضهم: مكان أبي بصير الأسدي: أبو بصير المرادي، وهو ليث بن البختري.(2)

فقد تبيّن من ذلك منزلة الرجل ومكانته وهو ممّن اتفقت العصابة على تصديقه.

غير أنّ هناك إبهامات تحوم حول شخصيته، وهي:

الأوّل: هل اسم والده : القاسم أو أبو القاسم؟

قد وقفت على أنّ الشيخ في الرجال والفهرست وهكذا العقيقي، عبّروا عنه بالقاسم، وهكذا النجاشي، غير انّه نقل قولاً بأنّ كنية أبيه أبو القاسم واسمه إسحاق. والظاهر هو صحة الثاني، لوجوه:

1. انّ الشيخ سمّاه بأبي القاسم عند ذكره في أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) قال: يحيى بن أبي القاسم، يكنّى أبا بصير، مكفوف، واسم أبي القاسم: إسحاق.


1 . الخلاصة:264، القسم الثاني برقم 1687.

2 . رجال الكشي:206.


( 57 )

2. وعدّه الشيخ المفيد من أصحاب أبي جعفر(عليه السلام) قائلاً: وأبو بصير يحيى ابن أبي القاسم، مكفوف، مولى لبني أسد، واسم أبي القاسم إسحاق، وأبوبصير كان يكنّى بأبي محمد.(1)

3. وقال الكشي في ترجمة ليث بن البختري: محمد بن مسعود(العياشي) قال: سألت علي بن الحسن بن فضال عن أبي بصير، قال: كان اسمه يحيى بن أبي القاسم فقال: أبو بصير، كان يكنّى أبا محمد، وكان مولى لبني أسد.(2)

4. وقد ورد في اسناد الفقيه يحيى بن أبي القاسم، روى الصدوق بسنده الصحيح، عن أبان الأحمري، عن أبي بصير يحيى بن أبي القاسم الأسدي، عن أبي جعفر(عليه السلام) .(3)

5. وروى بسنده الصحيح عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن يحيى بن أبي القاسم، عن جعفر بن محمد (عليه السلام).(4)

وهذه الوجوه تثبت انّ اسم أبيه إسحاق، وكنيته أبو القاسم، فهو يحيى بن أبي القاسم لا يحيى بن القاسم.

6. وقد عبر عنه البرقي في رجاله، بقوله: أبو بصير يحيى بن أبي القاسم الأسدي.(5)


1 . الاختصاص: 83.

2 . رجال الكشي: 173 برقم 296.

3 . الفقيه: 4، باب ما يجب من إحياء القصاص، الحديث 221.

4 . الفقيه: 4، باب الوصية من لدن آدم، الحديث 457.

5 . رجال البرقي: 11. نعم ورد بعد الجملة التي أشرنا إليها قوله: واسم أبي القاسم: يحيى بن القاسم، ولعلّه من تصحيف النساخ، ولعلّ الصحيح اسم أبي القاسم إسحاق ثمّ ابتدأ بترجمة شخص آخر، وهو يحيى بن القاسم، ولا صلة له بأبي بصير المتقدم عليه.


( 58 )

الثاني: هل يحيى بن أبي القاسم هو يحيى الحذّاء أو غيره؟

قد وقفت على منزلة أبي بصير عند الأصحاب وأئمّة الحديث، وربما يحكم على حديثه بالضعف بتصور أنّه هو يحيى بن أبي القاسم الحذّاء الذي عدّه الشيخ من أصحاب الكاظم، وقال: يحيى بن القاسم الحذاء واقفي.(1)

وقال الكشي: حمدويه ذكر عن بعض أشياخه يحيى بن القاسم الحذاء الأزدي، واقفي.

ولأجل ذلك نرى أنّ الشهيد الثاني يذكر بأنّ أبا بصير الذي روى عن الصادق(عليه السلام) مشترك بين اثنين: ليث بن البختري المرادي، وهو المشهور بالثقة، و ليث بن القاسم الأسدي وهو واقفي، ضعيف، مخلط.(2)

ولكن الحقّ تعدّدهما، وذلك للوجوه التالية:

الأوّل: ما يظهر من عبارة الكشي انّهما متعدّدان حيث قال في عنوان بحثه.

(في يحيى بن أبي القاسم أبي بصير و يحيى بن القاسم الحذّاء) ثمّ ذكر الأحاديث.(3)

فإنّ مقتضى سياق الكلام تعدّد المعنون، لظهور العطف في المغايرة أوّلاً، وتكنية الأوّل بأبي بصير دون الآخر ثانياً، وتخصيص الرواية التي نقلها عن حمدويه بالحذاء، حيث قال: حمدويه ذكره عن بعض أشياخه: يحيى بن القاسم الحذاء الأزدي، واقفي ثالثاً، وتقييد الثاني بالحذاء دون الأوّل رابعاً.


1 . رجال الشيخ:346، أصحاب الكاظم (عليه السلام) ، باب الياء، برقم 16.

2 . المسالك:2/413.

3 . رجال الكشي:474، برقم 901.


( 59 )

كلّ ذلك يشعر بتعدّد المعنونين.

الثاني: كلام الشيخ في رجاله، فقد جاء فيه:

يحيى بن القاسم الحذاء، واقفي.

يوسف بن يعقوب، واقفي.

يحيى بن أبي القاسم، يكنّى أبا بصير.(1)

فإنّ الفصل بينهما بأجنبي، أي يوسف بن يعقوب دليل التعدّد، مضافاً إلى تكنية الثاني بأبي بصير دون الأوّل.

الثالث: انّ أبا بصير مات سنة خمسين ومائة، والوقف إنّما حصل بعد زمان وفاة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وقد استشهد (عليه السلام)سنة 183هـ، فعلى ذلك فلا يمكن أن يوصف من مات على رأس خمسين بعد المائة بالوقف.

كلّ ذلك يدعم بأنّ أبا بصير الأسدي غير يحيى بن القاسم الحذّاء.

الرابع: قد عرفت أنّ النجاشي عنون أبا بصير الأسدي ووصفه بأنّه ثقة وجيه، ولكن الشيخ وصف يحيى بن القاسم الحذّاء بالوقف، ومن طبيعة الحال انّ النجاشي كان واقفاً على حكم الشيخ بالوقف على الحذّاء، فلو كان المعنونان متحدين كان على النجاشي أن يشير إلى نظر الشيخ، مع أنّه سكت عن ذلك.

هذه الوجوه وغيرها ممّا ذكرها المحقّق الكلباسي (المتوفّى 1356هـ) في كتابه يثبت تعدد المعنونين وانّ هذا لا يوجب الشك في صحة رواية أبي بصير الأسدي.

وهناك وجه آخر وهو انّ أبا بصير أدرك عصر أبي جعفر الباقر (عليه السلام) الذي


1 . رجال الشيخ:346 أصحاب الكاظم(عليه السلام) ، برقم 16، 17، 18.


( 60 )

توفّي عام 114هـ وأدرك عصر الإمام الصادق (عليه السلام)وبعده بسنتين، وتوفّـي سنة 150هـ.ق.

فلو كان يحيى بن القاسم الحذّاء هو نفسَ أبي بصير الأسدي كان على الشيخ أن يذكره في عداد أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر والصادق (عليه السلام) ، ولا يخصّه بأصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) .

نعم ذكر في أصحاب الإمام الباقر يحيى بن القاسم الحذّاء، ولكنّه لم يصفه بالوقف، وهو يعرب انّ الحذّاء المطلق غير الحذّاء الموصوف بالوقف.

وقد حقّق الموضوع غاية التحقيق الشيخ الكلباسي (المتوفّى عام 1356هـ) في كتابه(1) حيث أثبت تعدّد المعنونين و انّ هذا لا يوجب الشك في صحة رواية أبي بصير الأسدي. وقد صدرنا في هذا البحث عن تحقيقاته الشافية «قدّس اللّه سرّه»، مع المراجعة إلى المصادر والمدارك.

***

2. أبو بصير ليث بن البختري

ليث بن البختري المرادي، أحد الثقات المخبتين.

قال الكشي بعد عنوانه بالنحو التالي:

في أبي بصير ليث بن البختري المرادي.(2)

ثمّ نقل عن جميل بن دراج، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «بشّر


1 . سماء المقال: 1/317ـ 330.

2 . انّ العنوان وإن كان خاصاً بليث بن البختري ولكن الروايات التي أوردها تحت ذلك العنوان تعمّه و أبا بصير الأسدي، و هذا يدلّ على سقوط الأسدي من العنوان .


( 61 )

المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي، و أبا بصير ليث بن البختري، ومحمد بن مسلم، و زرارة; أربعة نجباء، أُمناء اللّه على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست».(1)

وقال النجاشي: ليث بن البختري المرادي(أبو محمد) و قيل أبو بصير الأصغر، يروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام). له كتاب، يرويه جماعة منهم: أبو جميلة المفضل بن صالح.(2)

وقال الشيخ في الفهرست : ليث المرادي، يكنّى أبا بصير، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن موسى (عليهما السلام) ، له كتاب.(3)

وقال في أصحاب الإمام الباقر(عليه السلام) : ليث بن البختري المرادي، يكنّى أبا بصير، كوفي .

وقال في أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) : ليث بن البختري المرادي، أبو يحيى، ويكنّى أبا بصير، أسند عنه.

وذكر في أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) : ليث، يكنّى أبا بصير.

وقد ذكر الكشي روايات في مدحه منها ما عرفت، ومنها ما سنذكر.

قال: روى عن سليمان بن خالد الأقطع، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ما أحد أحيا ذكرنا وأحاديث أبي (عليه السلام)، إلاّزرارة، و أبوبصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم، و بريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط


1 . رجال الكشي: 169 ، برقم 285ـ 286.

2 . رجال النجاشي: 2/193 برقم 874.

3 . الفهرست: 130 برقم 574.


( 62 )

هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأُمناء أبي (عليه السلام) على حلال اللّه وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة.(1)

مميزات المحدِّثَيْن: الأسدي و المرادي

قد عرفت أنّ أبا بصير المذكور في الأسانيد كنية مشتركة بين يحيى الأسدي و ليث المرادي ولا يتجاوز عنهما، وانّ كلاً منهما ثقة بلا كلام، ولذلك لا فائدة مهمة تنطوي على تميز أحدهما عن الآخر. ولكن ثمة قرائن يُستشفّ منها تعيين المراد منه فيما إذا أطلق لفظة أبي بصير.

فيما يميز به الأسدي عن المرادي

إنّ الطريق الواضح لتعيين المراد من أبي بصير عند الإطلاق هو التعرف على الذي ينقل عنه الرواية، فانّ طائفة من الرواة تخرّجوا على يدي يحيى الأسدي، وأُخرى على يدي ليث المرادي. وها نحن نذكر أسماء من تخرّج على الأسدي:

1. علي بن حمزة البطائني

إنّ علي بن حمزة البطائني كان قائد أبي بصير، وقد أكثر الرواية عنه مصرّحاً باسمه.

يقول النجاشي: علي بن أبي حمزة «واسم أبي حمزة سالم البطائني» كوفي، وكان قائدَ أبي بصير يحيى بن القاسم، وله أخ يسمّى جعفر بن أبي حمزة.(2)


1 . رجال الكشي: 136 برقم 219.

2 . رجال النجاشي: 2/69، برقم 654.


( 63 )

وقد روى الصدوق في «كمال الدين» روايات أبي حمزة عن يحيى بن أبي القاسم(1)، كما صرح باسمه فيما رواه الصدوق عن ابن أبي حمزة في الخصال.(2)

2. شعيب العقرقوفي

إنّ شعيباً العقرقوفي ابن أُخت أبي بصير يحيى بن أبي القاسم، قال النجاشي: شعيب العقرقوفي، أبو يعقوب ابن أُخت أبي بصير يحيى بن القاسم، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وأبي الحسن (عليه السلام) ، ثقة، عين.(3)

3. الحسين بن أبي العلاء

ذكر الشيخ في ترجمة يحيى بن القاسم، قال: يكنّى أبا بصير، له كتاب مناسك الحجّ، رواه علي بن أبي حمزة والحسين بن أبي العلاء عنه.(4)

4. الحسن بن علي بن أبي حمزة

ذكر النجاشي انّه يروي عن أبي بصير عن طريق الحسن بن علي بن أبي حمزة، قال في بيان طريقه إلى يحيى بن القاسم الأسدي: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدثنا الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير بكتابه.(5)


1 . لاحظ كمال الدين: 1/259، الحديث 4; وج 2/340، الحديث 20.

2 . الخصال: 2/443، الحديث 36.

3 . رجال النجاشي: 1/435، برقم 518.

4 . الفهرست: 207 برقم 797.

5 . رجال النجاشي: 2/411 برقم 1188.


( 64 )

5. المعلّى بن عثمان

روى الكليني في الكافي في باب «الثوب يصيبه الدم» بسند ينتهي إلى المعلّى ابن عثمان عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) و هو يصلّي، فقال قائدي: إنّ في ثوبه دماً، فلمّا انصرف، قلت له: إنّ قائدي أخبرني أنّ بثوبك دماً، فقال لي: إنّ لي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ. فإنّ الظاهر أنّه الأسدي، لأنّه المحتاج إلى القائد فتأمّل.(1)

فيما يميّز به المرادي عن الأسدي

ليس هناك قرينة خاصة يميّز بها المرادي عن الأسدي سوى ذكر الراوي اسم أبي بصير بعد كنيته، وها نحن نذكر كلّ من روى عن أبي بصير المرادي مصرحاً باسمه وإليك قائمة بأسمائهم:

الأوّل: عبد اللّه بن مسكان

روى عبد اللّه بن مسكان عن أبي بصير 21 حديثاً مصرحاً باسمه وهي مبثوثة في أبواب كثيرة :

1. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الكافي: 2/60، باب الرضا بالقضاء من كتاب الإيمان، الحديث 2.

2. عن ابن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

بحار الأنوار:72/333، باب ذم الشكاية من اللّه تعالى من أبواب الإيمان


1 . سماء المقال:1/384.


( 65 )

والكفر، ح19.

3. عن عبد اللّه بن مسكان عن أبي بصير يعني ليث بن البختري المرادي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 1/26، الباب 2 من أبواب مقدمات العبادات، ح20 نقله عن المحاسن.

4. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 2/899، الباب 75 من أبواب الدفن، ح3، نقله عن الكافي.

5. عن ابن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

التهذيب: 1/209، باب صفة التيمم، ح11.

6. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي ، قال : قلت لأبي عبداللّه(عليه السلام).

التهذيب:1/258، باب تطهير الثياب، ح37.

7. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

التهذيب:1/209، باب التيمم، ح11.

8. عن ابن مسكان، عن ليث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل:3/138، باب 18 من أبواب المواقيت، ح9، نقله عن علل الشرائع.

9. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 3/181، الباب 44 من أبواب المواقيت، ح1.


( 66 )

10. عن ابن مسكان عن ليث، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

التهذيب:2/168، باب تفسير ما تقدم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون، ح125.

11. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي، قال: قلت لأبي عبداللّه(عليه السلام).

الكافي:6/468، باب الخواتيم من كتاب الزي والتجمل، ح6.

12. عن ابن مسكان عن ليث المرادي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 4/909، الباب 7 من أبواب السجود، ح6 نقله عن علل الشرائع.

13. عن عبد اللّه بن مسكان عن أبي بصير المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 5/119، الباب 18 من أبواب صلاة العيد، ح1، نقله عن كتاب الإقبال.

14. عن ابن مسكان عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

الكافي: 4/110، باب الصائم يسعط ويصيب في أُذنه الدخن أو يحتقن، ح4.

15. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الكافي: 4/128، باب من صام في السفر بجهالة، ح3.

16. عن ابن مسكان عن أبي بصير يعني المرادي، قال: قلت لأبي عبداللّه(عليه السلام) .

الفقيه:2/300، باب الحلق والتقصير، ح1.


( 67 )

17. عن ابن مسكان عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

التهذيب: 5/490، باب الزيادات في فقه الحج، ح401.

18. عن ابن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

التهذيب:7/47، باب البيع بالنقد والنسيئة، ح9.

19. عن ابن مسكان عن أبي بصير يعني المرادي، قال: قلت لأبي عبداللّه(عليه السلام) .

الفقيه: 4/207، باب ميراث الأجداد والجدات، ح20.

20. عن ابن مسكان عن ليث المرادي، و عبد الأعلى بن أعين عن أبي عبداللّه (عليه السلام) .

التهذيب: 10/187، باب القود بين الرجال والنساء من كتاب الديات، ح1.

21. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) .

الكافي: 2/60، باب الرضا بالقضاء، ح2.

الثاني: المفضل بن صالح(أبو جميلة)

روى أبو جميلة المفضل بن صالح عن أبي بصير المرادي 16 حديثاً مصرحاً باسمه وهي مبثوثة في أبواب مختلفة:

1. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

التهذيب: 1/349، باب الأحداث الموجبة للطهارة، ح22.

2. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .


( 68 )

الوسائل: 1/251، الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة، ح1.

3. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 2/611، الباب 2 من أبواب النفاس، ح1.

4. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 4/976، الباب 20 من أبواب السجود، ح3.

5. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الكافي: 3/460، باب صلاة العيدين والخطبة، ح4.

6. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

الكافي: 4/342، باب ما يلبس المحرم من الثياب و ما يكره له لباسه من كتاب الحج، ح16.

7. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

التهذيب: 5/339، باب الكفارة من خطأ المحرم من كتاب الحج، ح88.

8. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

الكافي: 6/208، باب صيد البزاة والصقور من كتاب الصيد، ح10.

9. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

التهذيب: 10/252، باب ديات الأعضاء والجوارح والقصاص فيها من كتاب الديات، ح31.

10. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبداللّه(عليه السلام).

الكافي:6/168، كتاب الطلاق، باب العبد إذا تزوج بإذن مولاه، ح2.


( 69 )

11. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبداللّه(عليه السلام).

الوسائل: 19/189، باب 16 من أبواب موجبات الضمان، ح2.

12. عن أبي جميلة عن ليث المرادي، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) .

البحار:22/129، تاريخ نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)، باب ما جرى بينه و بين أهل الكتاب، ح105 نقله عن الكافي.

13.عن أبي جميلة عن ليث المرادي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

البحار: 72، باب الكبر من كتاب الإيمان والكفر، ح5، نقله عن الكافي.

14.عن أبي جميلة عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

التهذيب:1/165، باب حكم الحيض والاستحاضة والنفاس والطهارة، ح45.

15. عن أبي جميلة عن ليث المرادي، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) .

الكافي: 6/403، باب لبس الحرير والديباج من كتاب الزي والتجمّل، ح2.

16. عن أبي جميلة عن ليث المرادي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الكافي: 2/309، باب الكبر من كتاب الإيمان والكفر، ح5.

الثالث: عاصم بن حميد

روى عاصم بن حميد روايات مختلفة عن أبي بصير المرادي مصرحاً باسمه:

1. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي عن أبي جعفر (عليه السلام) .


( 70 )

الوسائل: 15/569، الباب 15 من أبواب الكفارات، ح4، نقله عن فقهالرضا (عليه السلام) .

2. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 18/41، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، ح10.

3. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

البحار: 64/311، باب الذباب والبق والزنبور من كتاب السماء والعالم، ح3 نقله عن التهذيب.

4. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير ليث المرادي ، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) .

التهذيب: 4/185، باب علاقة وقت فرض الصيام وأيّام الشهر، ح3.

5.عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني ليث المرادي عن أبي جعفر(عليه السلام).

الوسائل: 6/55، الباب 1من أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح6.

6. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي ، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 9/129، الباب 47 من أبواب تروك الإحرام، ح6، نقله عن علل الشرائع.

7. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي ، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 13/185، الباب 2 من أحكام المضاربة، ح1، نقله عن الفقيه.


( 71 )

هؤلاء هم الذين أكثروا النقل عن أبي بصير المرادي مصرحين باسمه، وهناك من نقل رواية أو روايتين مصرحين باسمه.

الرابع: حميد بن المثنى العجلي المعروف بأبي المعزا

1. عن أبي المعزا حميد بن المثنى عن أبي بصير يعني المرادي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل:3/14، الباب 5 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، ح2، نقله عن معاني الأخبار.

2. عن أبي المعزا عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل: 8/173، الباب 3 من أبواب أقسام الحجّ، ح7.

الخامس: أبان بن عثمان

عن أبان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

الوسائل:1/669، الباب 40 من أبواب الاحتضار، ح4.

السادس: رفاعة بن موسى الأسدي النخاس

عن رفاعة بن موسى عن ليث المرادي عن أبي بصير(1)، قال سمعته يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).

المحاسن: 37، ثواب ما جاء في التسبيح، ح40.


1 . هكذا في النسخة و لعلّ لفظة «عن» زائدة أو مصحف يعني.


( 72 )

السابع: أبو أيّوب الخزاز و عبد اللّه بن بكير

أبو أيّوب الخزاز وعبد اللّه بن بكير عن ليث المرادي قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) .

الكافي: 7/310، باب المسلم يقتل الذمي أويجرحه والذمي يقتل المسلم أو يجرحه من كتاب الديات، ح11.

التهذيب: 10/186، باب القود بين الرجال والنساء من كتاب الديات، ح27.

ونستخلص ممّا سبق أمرين:

الأوّل: هؤلاء هم الذين رووا عن أبي بصير مصرّحين باسمه في بعض الأحيان، وليكن هذا قرينة على أنّ المراد هو ليث البختري عند الإطلاق فيما إذا انتهت سلسلة السند إليهم.

الثاني: انّ السبر في المسانيد المنتهية إلى أبي بصير يكشف عن حقيقة، وهي أنّهم يطلقون أبا بصير ولا يصرحون باسمه إلاّإذا كان المراد منه هو ليث المرادي.

ولعلّ هذا قرينة على أنّ المطلق ينصرف إلى الأسدي، وكأنّه غني عن التصريح بالاسم لشهرته بين الرواة، دون المرادي فهو بحاجة إلى ذكر الاسم، ويؤيد ذلك تسمية الأسدي بأبي بصير الكبير والمرادي بأبي بصير الصغير، ولعلّ ملاكهما هو كبر السن وصغره أو كثرة نقل الروايات أو قلّتها. واللّه العالم.

***

ولما كان أبو بصير ممن أكثر الرواية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و يعد راوية كبيرة وقد أُثيرت حوله إبهامات قام غير واحد من المحقّقين بتأليف رسائل أو


( 73 )

تدوين بحوث نفيسة حوله، وإليك بعض أسماء تلك الرسائل والبحوث:

1. عديمة النظير في ترجمة أبي بصير: للعلاّمة السيد مهدي الخوانساري (المتوفّى عام 1246هـ) ألّفه عام 1230 هـ.(1)طبعت في آخر الجوامع الفقهية.

2. رسالة في المكنّيين بأبي بصير :تأليف المحقّق الخبير الشيخ محمد تقي التستري(1320ـ1416هـ).

3. سماء المقال في علم الرجال: تأليف المحقّق أبو الهدى الكلباسي (المتوفّى سنة 1356هـ)، و قد أفاض بالبحث في الجزء الأوّل من كتابه.(2)

4. معجم رجال الحديث: تأليف المرجع الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي (1317ـ 1413هـ) فقد عالج في موسوعته الروايات الواردة في حقّ أبي بصير المشعرة بالذم والمدح.(3)

كما أكمل بحوثه في أجزاء أُخر.(4)

ولأجل ذلك لم نستعرض حال الأحاديث التي وردت في حقّ أبي بصير التي نقلها الكشي في ترجمته.

ويشبه أن تكون هذه الروايات مثل ما ورد في حقّ زرارة من الذم صوناً لنفسه ونفيسه، أو من وضع الوضّاعين الحاقدين على شيعة أهل البيت.

وفي الختام نتقدم بالشكر إلى الفاضل الجليل ولدنا الخبير بالحديث الشيخ


1 . الذريعة:4/148.

2 . لاحظ سماء المقال:1/298ـ 392.

3 . لاحظ معجم رجال الحديث:14/140ـ 151.

4 . معجم رجال الحديث: 21/44ـ 64.


( 74 )

بشير المحمدي المازندراني الذي شمَّر عن ساعد الجد بإحياء المسانيد المأثورة عن أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) شكر اللّه سعيه و أجزل أجره. وهو حفظه اللّه دؤوب في عمله، مقبل على شأنه، وقد أتحف المكتبة الإسلامية بمسند يضم في طياته قرابة (3000) حديث من أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

وهذا العدد الهائل من الروايات الذي هو ضعف ما روي عن زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم، فإنّما هو لأجل أنّ المسند جمع أحاديث محدّثَين كبيرَين، هما: يحيى بن أبي القاسم الأسدي، وليث بن البختري المرادي رضوان اللّه عليهما.


( 75 )

3

الشيخ الطبرسي

إمام المفسّرين في القرن السادس، حياته وآثاره (467 ـ 548 هـ )

الشيخ الطبرسي مؤلّف التفاسير الثلاثة

لا تجد كتاباً سماوياً أحدث ضجَّة وتحولاً في الحياة البشرية مثلما أوجده القرآن الكريم في حياة الأُمم، فقد شيّد الحضارةَ الإسلامية وأرسى كيانها وأعطى لها دستوراً جامعاً في مجال الحياة العامّة، ولأجل هذه المكانة السامية لهذا الكتاب، شارك المسلمون عبْر القرون في تسهيل فهم القرآن بتأليف تفاسير بصور مختلفة مذكورة في المعاجم.

وممّن صنف في هذا المجال هو الشيخ الجليل أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، من أعلام الإمامية في القرن السادس الهجري، فقد زوّد المكتبة الإسلامية بتآليفه الثلاثة القيّمة في تفسير القرآن الكريم المعروفة بـ:

1. «مجمع البيان لعلوم القرآن».

2. «الكاف الشاف» اقتصر فيه على الطرائف الأدبية، والظرائف البلاغية الواردة في الكشاف.

3. «جوامع الجامع»، جمع فيه طرائف الكتابين وظرائفهما.

فمجمع البيان أكبر تفاسيره و ما يليه أصغرها والثالث أوسطهما، ولا أظن


( 76 )

أن يكون لهذا المفسر العظيم كتاب آخر في التفسير، وإن كان ربما ينسب إليه غير هذه الثلاثة.

وقد ألّف غير واحد من المحقّقين مقالات ورسائل في ترجمة مفسرنا الكبير غير أنّا نشير في هذا المقال إلى نكات خلت منها أكثر المقالات التي أُلّفت لبيان سيرته.

ولادته

ذكر المترجمون انّه توفّي عام 548 ولم يشيروا إلى ولادته غالباً، ولكن يمكن استكشاف تاريخ ولادته ممّا ذكره هو في آخر الجزء الأوّل من كتابه «مجمع البيان» فانّه أرّخ فراغه عند تفسير قوله سبحانه: (فمن خافَ مِنْ موص جنفاً أو إِثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه إنّ اللّه غفور رحيم).(1) بقوله: وفرغ من تأليفه يوم السبت لثلاث بقين من شعبان سنة 530هـ.(2)

هذا من جانب، ومن جانب آخر انّه ذكر في مقدمة كتابه انّه شرع بهذا التفسير وقد ذرّف سنُّه على الستين واشتعل الرأس شيباً.(3)

وتستعمل تلك الجملة فيما إذا تجاوز السن عن الستين، كما أنّه إذا بلغ نفس الستين يقال: ذرّف سني الستين.

فعلى هذا فهو عند الشروع بهذا الكتاب تجاوز سنّه عن الستين بسنة واحدة أو سنتين، فلنفرض انّه كان ابن 62.


1 . البقرة:182.

2 . مجمع البيان:1/270.

3 . مجمع البيان:1/10.


( 77 )

فلو استغرق تأليف الجزء الأوّل حوالي سنة فقد بلغ سنه عند الفراغ عنه 63 سنة ولا غرو في ذلك، لأنّه ألّف الأجزاء العشرة الباقية في سبع سنوات، وبما انّ تأليف الكتاب في بدء الأمر يواجه صعوبات جمة، فلا عجب أن يستغرق تأليف الجزء الأوّل منه سنة كاملة.

وعلى ضوء هذا فقد كان مؤلّفنا في سنة 530 من أبناء الثالثة والستين فلو نقّصنا 63 سنة من 530 هـ لكانت ولادته نحو 467هـ. 530-63=467.

مجمع البيان كتاب خالد

ربّ كتاب يبذل المؤلف جهده الحثيث لتأليفه ونشره بحُلّة قشيبة ولكن لا يحظى برغبة القرّاء لاقتنائه، فيبقى في زوايا المكتبات ولا ترى أثراً منه إلاّ في المعاجم وفهارس المكتبات، وربّ كتاب يأخذ بمجامع القلوب وينال إعجاب المحقّقين و تتوالى عليه الرغبات طيلة قرون دون أن يُبلى، كـ «الشرائع في الفقه» للمحقّق الحلّي(602ـ 676هـ)، و «لسان العرب في اللغة» لابن منظور الإفريقي(المتوفّى 707هـ)، و«ألفية ابن مالك في النحو» لمحمد بن عبد اللّه بن مالك الطائي(600ـ 672هـ) فهذه الكتب ونظائرها قد كُتب على جبينها الخلود مادامت الحضارة.

وأمّا كتاب «مجمع البيان» فيعتبر من الكتب التفسيرية الخالدة لمزاياه الخاصة، ولأجل ذلك نرى أنّه مضى على تأليفه حوالي تسعة قرون وهو بعد غضّ طريّ يرجع إليه اللغوي في لغة القرآن، و المقرئ في قراءته، والمؤرّخ في قصصه وأسباب نزوله، والفقيه في تفسير آيات الأحكام، والمتكلّم في معارفه وبحوثه الكلامية.


( 78 )

ومن لطيف ما واجهت انّي في سالف الزمان حللت ضيفاً على كلية الإلهيات في استنبول، ودُعيتُ لإلقاء محاضرة حول أحكام السفر، فإذا بأُستاذ التفسير رحّب بي ودعاني إلى غرفته الخاصة المكتظة بالكتب وأراني كتاب «مجمع البيان» وقال بأنّه يرجع إليه في تفسيره.

وهذا هو الشيخ عبد المجيد سليم الشيخ الأسبق لجامع الأزهر ووكيل جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية يصف الكتاب بالنحو التالي ويقول:

«إنّ كتاب «مجمع البيان لعلوم القرآن» الذي ألّفه الشيخ العلاّمة ثقة الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي من علماء القرن السادس الهجري، هو كتاب جليل الشأن، غزير العلم، كثير الفوائد، حسن الترتيب، لا أحسبني مبالغاً إذا قلت إنّه في مقدّمة كتب التفسير التي تعد مراجع لعلومه وبحوثه.

ولقد قرأت في هذا الكتاب كثيراً، ورجعت إليه في مواطن عدة، فوجدته حلاّلَ معضلات، كشّافَ مبهمات، ووجدت صاحبَه عميقَ التفكر، عظيمَ التدبّر، متمكّناً من علمه، قوياً في أُسلوبه وتعبيره، شديد الحرص على أن يجلي للناس كثيراً من المسائل التي يفيدهم علمها».(1)

وهذا هو اعتراف من أحد كبار المشايخ المعاصرين الذي كان من رواد التقريب بين المذاهب، وينظر إلى مذهب الشيعة نظرته إلى سائر المذاهب، فلا غرو في أن يعجبه «مجمع البيان» ويُثني عليه بما ذكر.

إنّ الشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف والشؤون الدينية في مصر ـ


1 . مقدمة مجمع البيان، المطبوع بمصر.


( 79 )

الذي اغتيل عام 1397هـ مؤلّف كتاب «التفسير والمفسرون» ـ تناول التفاسير المعروفة لدى السنّة والشيعة بالبحث والتمحيص من القرن الثالث إلى العصر الحاضر، وأبان النقاط الإيجابية والسلبية لكلّ تفسير تناوله.

فمع أنّه بخس حقوق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) حتّى عدّ عليّاً (عليه السلام) المفسّر الثالث في الإسلام وعدّ تلميذه ابن عباس المفسّر الأوّل و سعيد بن جبير المفسّر الثاني، وكما بخس حقوق مفسّري الشيعة، وعلى الرغم من ذلك فقد خضع لتفسير «مجمع البيان» وأشاد به وقال ما هذا نصّه:

«والحقّ انّ تفسير الطبرسي بصرف النظر عمّا فيه من نزعات تشيعية، وآراء اعتزالية، كتاب عظيم في بابه، يدلّ على تبحّر صاحبه في فنون مختلفة من العلم والمعرفة، والكتاب يجري على الطريقة التي أوضحها لنا صاحبه في تناسق تام، وترتيب جميل، وهو مجيد في كلّ ناحية من النواحي التي يتكلّم عنها، فإذا تكلّم عن القراءات ووجوهها أجاد، وإذا تكلّم عن المعاني اللغوية للمفرد أجاد، وإذا تكلّم عن أسباب النزول وشرح القصص استوفى الأقوال وأفاض، وإذا تكلّم عن الأحكام تعرض لمذاهب الفقهاء وجهر بمذهبه ونصره إن كانت هناك مخالفة منه للفقهاء، وإذا ربط بين الآيات آخى بين الجمل، وأوضح لنا عن حسن السبك وجمال النظم، وإذا عرض لمشكلات القرآن أذهب الإشكال وأراح البال، وهو ينقل أقوال من تقدّمه من المفسّرين معزوة لأصحابها، ويرجح ويوجه ما يختار منها ـ إلى أن قال: ـ و الحقّ أن يقال: انّه ليس غالياً في تشيّعه ولا متطرفاً في عقيدته».(1)


1 . التفسير والمفسرون:2/104.


( 80 )

براعته في الترتيب والتنظيم

إنّ من أهمّ ميزات هذا الكتاب هو الترتيب الفائق المشاهَد فيه، حيث جمع علوم القرآن في كتابه لكن بتنسيق وتهذيب لم يَسبق له أحد، ولم يَلْحقه أحد، فذكر اختلاف القراءات في الآيات وحججها، كما ذكر إعرابها ومعاني لغاتها وأسباب نزولها كلاً في فصل خاص، ولم يخلط بين المباحث، فعلى القارئ الذي يريد الوقوف على موضوع خاص لا يكدّ نفسه في العثور على ما يريد،وهذه الميزة كانت موضع إعجاب الشيخ شلتوت، فقال في هذا الموضوع:

لقد قلتُ: إنّ هذا الكتاب نسيج وحده بين كتب التفسير، وذلك لأنّه مع سعة بحوثه وعمقها وتنوّعها، له خاصية في الترتيب والتبويب، والتنسيق والتهذيب، لم تعرف لكتب التفسير من قبله، ولا تكاد تعرف لكتب التفسير من بعده، فعهدُنا بكتب التفسير الأُولى أنّها تجمع الروايات والآراء في المسائل المختلفة، وتسوقها عند الكلام على الآيات سوقاً متشابكاً، ربما اختلط فيه فنّ بفن، فما يزال القارئ يكدّ نفسه في استخلاص ما يريد من هنا و هناك حتّى يجتمع إليه ما تَفرّق، وربما وجد العناية ببعض النواحي واضحة إلى حد الإملال، والتقصير في بعض آخر واضحاً إلى درجة الإخلال، أمّا الذين جاءوا بعد ذلك من المفسرين، فلئن كان بعضهم قد أطنبوا، وحقّقوا وهذبوا، وفصلوا وبوبّوا، انّ قليلاً منهم أُولئك الذين استطاعوا مع ذلك أن يحتفظوا لتفسيرهم بالجوّ القرآني الذي يشعر معه القارئ بأنّه يجول في مجالات متّصلة بكتاب اللّه اتّصالاً وثيقاً وتتطلبها خدمته حقاً لا لأدنى ملابسة وأقل مناسبة.(1)


1 . مجمع البيان: تقديم الإمام شلتوت:20.


( 81 )

الطبرسي وأداؤه لحقّ معاصره

إنّ السنّة الجارية بين المعاصرين ـ إلاّ مَن عصمهم اللّه ـ عدم الاهتمام بآثار معاصريهم في مجال العلم والفن، بل ربما ينظرون إليه بعين التحقير، ومع ذلك فانّ هناك رجالاً أحراراً خرقوا حجاب التعاصر ويرى للمعاصر حقّاً مثلما لغيره، ويقول في ذلك:

قل لمن لا يرى المعاصر شيئـاً *** ويـــرى للأوائـل التقديمـا

انّ ذاك القـديم كـان حديثـاًً *** وسيبقى هذا الحديث قديمـاً (1)

فمن هذه الطائفة السامية شيخنـا أبـو علي الطبرسي فانّـه بعدما فرغ من كتابه الموسوم بـ«مجمع البيان لعلوم القرآن » عثر على كتاب الكشاف لحقائق التنزيل للزمخشري (471ـ 528هـ) فرأى فيه ظرائف وطرائف أحب أن يجمعها في كتاب خاص، فيقول في هذا الصدد:

إنّي لمّا فرغت من كتابي الكبير في التفسير الموسوم بـ«مجمع البيان لعلوم القرآن»، ثمّ عثرت من بعدُ، بالكتاب الكشّاف لحقائق التنزيل لجار اللّه العلامة، واستصلحت من بدائع معانيه وروائع ألفاظه ومبانيه، ما لا يلفى مثله في كتاب مجتمع الأطراف، ورأيت أن أسمه وأُسمّيه بالكاف الشاف، فخرج الكتابان إلى الوجود، وقد ملكا أزمّة القلوب، إذ أحرزا من فنون العلم غاية المطلوب، وجادت جدواهما، وتراءت ناراهما، وبُعد في استجماع جواهر الألفاظ وزواهر المعاني صداهما، فسارا في الأمصار مسير الأمثال، وسريا في الأقطار مسرى الخيال.


1 . كشف الظنون:1/30.


( 82 )

ثمّ اقترح عليّ ولدي أبو نصر الحسن ـ أحسن اللّه نصره وأرشد أمري وأمره ـ أن أُحرّر من الكتابين كتاباً ثالثاً، يكون مجمع بينهما ومحجر عينهما، يأخذ بأطرافهما ويتّصف بأوصافهما، فيتحقّق ما قيل: إنّ الثالث خير.(1)

اختبار صحّة ما ادّعاه المؤلّف

ادّعى الإمام الطبرسي أنّه ألّف «مجمع البيان» ولم يكن قد اطّلع على تفسير الكشاف للزمخشري، وهذا خبر هو يخبر به، وهو بما انّه عالم صدوق نصدّق خبره، ومع ذلك فلنا أن ندعم هذا الخبر عن طريق الرجوع إلى المواضع المشتركة بين الكشاف ومجمع البيان كي يتبين الأمر في ضوء الواقع، فانّ الزمخشري معتزلي، والطبرسي إمامي، وكلاهما من العدلية يشتركان في أُصول كثيرة كلامية، وهذا هو الذي اختبره شلتوت عند تقديمه لمجمع البيان، فقال:

رجعت إلى أوّل موضع يظن انّهما يتلاقيان فيه، وهو تفسير قوله تعالى: (انّ الّذين كَفَرُوا سَواء عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرتهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤمِنُون* خَتَمَ اللّه عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظيم).

فأمّا الإمام الطبرسي في كتابه «مجمع البيان» فقد تحدث من ناحية المعنى في موضعين:

أحدهما: معنى «لا يؤمنون» وما يتّصل به من بيان عدم التعارض بين العلم الإلهي والتكليف، لأنّ العلم يتناول الشيء على ما هو به، ولا يجعله على ما هو به.

الثاني: معنى (خَتَمَ اللّه عَلى قُلُوبِهِم)وبيان الآراء المختلفة فيه، وقد ذكر أربعة آراء، وأيّد الرابع منها وقوّاه بشواهده.


1 . جوامع الجامع:1/2، المقدّمة.


( 83 )

وهذا هو نصّ كلامه في الوجه الرابع لنضعه موضع المقارنة مع كلام الزمخشري حتّى يتبيّن الفرق بينهما:

«ورابعها: أنّ اللّه وصف من ذمّه بهذا الكلام بأنّ قلبه ضاق عن النظر والاستدلال فلم ينشرح له، فهو خلاف من ذكر في قوله: (أَفَمَنْ شَرَح اللّه صَدْرَهُ للإِسْلام فَهُوَ عَلى نُور مِنْ رَبِّهِ)، ومثل قوله: (أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالُها) وقوله: (وَقالُوا قُلُوبنا غُلف)، (وَقُلُوبنا في أَكنّة)ويقوى ذلك أنّ المطبوع على قلبه، وُصِفَ بقلّة الفهم لما يسمع من أجل الطبع، فقال: (بل طبع اللّه عليها بِكُفرهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَليلاً)وقال: (وطبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُون) ويبيّن ذلك قوله تعالى: (قُل أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّه سَمْعكُمْ وَأَبصاركُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبكم) فعدل الختم على القلوب، بأخذه السمع والبصر، فدلّ هذا على أنّ الختم على القلب هو أن يصير على وصف لا ينتفع به فيما يحتاج فيه إليه، كما لا ينتفع بالسمع والبصر مع أخذهما، وإنّما يكون ضيقه بألا يتسع لما يحتاج إليه فيه من النظر والاستدلال الفاصل بين الحقّ والباطل، وهذا كما يوصف الجبان بأنّه لا قلب له، إذا بولغ في وصفه بالجبن، لأنّ الشجاعة محلّها القلب، فإذا لم يكن القلب الذي هو محلّ الشجاعة لو كانت، فأن لا تكون الشجاعة أولى، قال طرفة:

فالهبيت لا فؤاد له *** والثبيت قلبه قيمه

وكما وصف الجبان بأنّه لا فؤاد له، وأنّه يراعة، وأنّه مجوف; كذلك وصف من بعد عن قبول الإسلام بعد الدعاء إليه، وإقامة الحجة عليه، بأنّه مختوم على قلبه، ومطبوع عليه، وضيّق صدره، وقلبه في كنان وفي غلاف، وهذا من كلام الشيخ أبي علي الفارسي، وإنّما قال ختم اللّه، وطبع اللّه، لأنّ ذلك كان لعصيانهم اللّه تعالى، فجاز ذلك اللفظ، كما يقال: أهلكته فلانة إذا أعجب بها، وهي لا


( 84 )

تفعل به شيئاً ،لأنّه هلك في اتباعها».

هذا هو نصّ كلامه، ومنه يتبيّن:

1. أنّه ممّن يؤيد الرأي القائل بأنّ الختم ليس حقيقياً، وإنّما هو على معنى من المجاز.

2. وأنّه يستعين في بيان ذلك بالآيات المشابهة لهذا الموضع في القرآن الكريم، وبالشعر، وبقول أبي علي الفارسي، وبما هو مألوف في العربية من مثل هذا التعبير بإسناد الفعل إلى من لم يفعله، ولكن وقع بسبب منه، فالختم أسند إلى اللّه لأنّه بمعناه الذي فسر به كان بسبب عصيانهم للّه، كما يقال أهلكته فلانة وهي لم تهلكه وإنّما هلك باتباعها.

وأمّا الإمام الزمخشري في كتابه «الكشاف» فقد عرض لهذا الموضوع في تفصيل أكبر، وضرب له كذلك أمثلة من الشعر والكلام العربي، وأورد فيه بعض الأسئلة وردّ عليها، ومع كون الفكرة التي يؤيّدها الإمام الزمخشري هي نفس الفكرة التي رأينا الإمام الطبرسي يؤيّدها. فانّ عبارة الزمخشري أوسع وأشمل، وأمثلته من الشعر أوضح في بيان المقصود، وتخريجه العربي لهذا التعبير مبني على دراسة فنية بلاغية مقررة المبادئ بين العلماء، فلو كان الطبرسي قد اطّلع على كتاب «الكشاف» لكان قد أيّد ما ذهب إليه بما ذكر الزمخشري نقلاً عنه أو تلخيصاً له، ولكنّنا لا نجد بين العبارات في الكتابين تلاقياً إلاّ على الفكرة، أمّا الأمثلة والعرض واسلوب البحث فمختلفة.

والآن نورد نصّ الإمام الزمخشري، كما أوردنا نصّ الإمام الطبرسي، وندع للقراء أن يتأمّلوا النصّين، على ضوء ما قلناه، فسيتضح لهم أنّ الطبرسي قطعاً لم ير«الكشاف» و هو يؤلّف «مجمع البيان».


( 85 )

قال الزمخشري:

«فإن قلت: ما معنى الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟

قلت: لا ختم ولا تغشية ثَمَّ على الحقيقة، وإنّما هو من باب المجاز، ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه، وهما الاستعارة والتمثيل.

أمّا الاستعارة فأن تُجعل قلوبهُم ـ لأنّ الحقّ لا ينفذ فيها، ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه، واستكبارهم عن قبوله واعتقاده ـ وأسماعُهم ـ لأنّها تمجّه، و تنبو عن الإصغاء إليه، وتعاف استماعه ـ كأنّها مستوثق منها بالختم، وأبصارُهم ـ لأنّها لا تجتلى آيات اللّه المعروضة، ودلائله المنصوبة، كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين ـ كأنّما غُطي عليها، وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك.

وأمّا التمثيل فأن تُمثَّل ـ حيث لم ينتفعوا بها في الأغراض التي كلّفوها وخُلقوا من أجلها ـ بأشياء ضرب حجاب بينها و بين الاستنفاع بها بالختم والتغطية، وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعي ختماً عليه فقال:

ختم الإله على لسان عذافـر *** ختماً فليس على الكلام بقادر

وإذا أراد النطق خلت لسانه *** لحمــاً يحـركـه لصقـر ناقـر!

فإن قلت: لِمَ أسند الختم إلى اللّه تعالى، وإسناده إليه يدلّ على المنع من قبول الحقّ والتوصّل إليه بطرقه، وهو قبيح، واللّه يتعالى عن فعل القبح علواً كبيراً، لعلمه بقبحه، وعلمه بغناه عنه، وقد نصّ على تنزيه ذاته بقوله: (وَما أَنَا بِظَلاّم لِلْعَبيد)، (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمين)، (إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ). ونظائر ذلك ممّا نطق به التنزيل؟


( 86 )

قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنّها كالمختوم عليها، وأمّا إسناد الختم إلى اللّه عزّ وجلّ; فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخِلقي غير العرضي، ألا ترى إلى قولهم فلان مجبول على كذا، ومفطور عليه، يريدون أنّه بليغ في الثبات عليه، وكيف يُتخيّل ما خُيِّل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم، وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيدُ بعذاب عظيم، ويجوز أن تضرب الجملة كما هي ـ و هي (ختم اللّه على قلوبهم) ـ مثلاً، كقولهم : سال به الوادي إذا هلك; وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي، ولا للعنقاء عمل في هلاكه، ولا في طول غيبته، وإنّما هو تمثيل: مُثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، فكذلك مُثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق، بحال قلوب ختم اللّه عليها، نحو قلوب الأغتام(1) التي هي في خلوها من الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدر خَتمُ اللّه عليها حتّى لا تعي شيئاً ولا تفقه، وليس له عزّ وجلّ فعلٌ في تجافيها عن الحقّ ، ونبوها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك، ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير اللّه، فيكون الختم مسنداً إلى اسم اللّه على سبيل المجاز، وهو لغيره حقيقة، تفسير هذا أنّ للفعل ملابسات شتى: يلابس الفاعل، المفعول به، والمصدر، والزمان، والمكان، والمسبب له، فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء عن طريق المجاز المسمّى استعارة، وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل، كما


1 . جمع أغتم، وأصل الغتمة اللون المائل إلى السواد، كأنّه وصف به من ليس له قلب صاف، قال المؤلف في كتابه «أساس البلاغة» :فلان أغتم، من قوم غتم وأغتام، وفيه غتمة، وهي العجمة في المنطق من الغتم، وهو الأخذ بالنفس.


( 87 )

يضاهي الرجل الأسد في جرأته، فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به: عيشة راضية، وماء دافق، وفي عكسه:سيل مفعم، وفي المصدر: شعر شاعر، وذيل ذائل، وفي الزمان: نهاره صائم، وليله قائم، وفي المكان:طريق سائر، ونهر جار; وأهل مكة يقولون: صلّى المقام، وفي المسبب: بنى الأمير المدينة، وناقة ضبوث وحلوب(1) » الخ.

هذا هو نصّ كلام الزمخشري في الكشاف، وبينه و بين كلام الطبرسي فرق بعيد، ومثل هذا هو الذي جعل مؤلف «مجمع البيان» لا يقنع بما وصل إليه، حتّى يصله بما جد له من العلم، فيخرج ما أخرج من كتاب جديد، جمع فيه بين الطريف والتليد!

نفسيات المؤلّف

إنّ ما قام به المفسّر الكبير الشيخ الطبرسي يعرب عن أُمور:

أوّلاً: أنّه أدّى حقّ معاصره الزمخشري ولم يبخس حقّه، وصرح بأنّ في كتاب «الكشاف» طرائف وظرائف خلى عنها كتاب «مجمع البيان».

ثانياً: أنّه خرق بذلك حجاب التعاصر الذي لم يزل سائداً عبر قرون بين الكُتّاب والمحقّقين، حيث إنّ براعة المؤلّف لا تُقدّر في حياته إلاّ نادراً فبعد ما قضى نحبه تتجلّى عبقريّته على ألسن الخطباء والكتاب.

ثمّ إنّ الإمام شلتوت يصف ذلك الخلق العلمي والخصلة المحمودة من المؤلف ويقول:

إنّني أقف هنا موقف الإكبار والإجلال لهذا الخلق العلمي، بل لهذه


1 . ضبث بالشيء وعليه: قبض قبضاً شديداً، وهو مثله في الوزن أيضاً، فالناقة الضبوث ضد الناقة الحلوب.


( 88 )

العظمة في الإخلاص للعلم والمعرفة، فهذا الصنيع يدلّ على أنّ الرجل كان قد بلغ به حب الدراسات القرآنية حداً كبيراً، فهو يتابعها في استقصاء، ثمّ يجهد نفسه في تسجيلها وترتيبها على هذا النحو الفريد الذي ظهر في «مجمع البيان »، ثمّ لا يكتفي بما بذل في ذلك من جهد كفيل بتخليد ذكره، حتّى يضيف إلى آثاره العلمية ما جدّ له بعد ان انتهى من تأليف كتابه، ولعلّه حينئذ كان قد بلغ السبعين أو جاوزها.(1)

ونضيف و نقول: إنّ تلك الخصلة الإنسانية قد لمسناها من بعض مشايخنا المحقّقين نظير السيد الإمام حسين البروجردي(1292ـ 1380) فانّه ألّف موسوعة كبيرة، جمع فيها أسانيد كلّ راو إلى الإمام فقط ورتبها في فهارس كاملة، وبذلك فتح باباً جديداً في التعرف على قيمة الراوي من حيث عدد مشايخه وتلاميذه ومقدار روايته. وقد بذل جهداً شاقاً في هذا السبيل التهمت منه بضع سنين.

ولمّا غادر موطنه«بروجرد» وألقى عصا الإقامة في مدينة قم عام 1364، عرض أثره هذا على مشايخ الحوزة وعلمائهم، ولمّا وقف على أنّه ليس أوّل من تفطن بذلك والتفت إليه، بل سبقه بعض محقّقي علم الرجال كالشيخ محمد الأردبيلي المتوفّى في أوائل القرن الثاني عشر، في كتابه «جامع الرواة» فانّه يختار في ترجمة الرواة جملة من الأسانيد من الكتب الأربعة وغيرها ويستدلّ بها على شيوخ الراوي وتلاميذه وطبقتهم من دون استقصاء، رغب السيّد الاطّلاع على هذا الكتاب المخطوط، ولمّا رجع إليه ووقف على قيمة الكتاب قام بطبعه قبل أن يقوم بنشر كتابه حتّى قدَّم له مقدمة ثمينة أشاد فيها بما لهذا الكتاب من المكانة حيث


1 . مجمع البيان:29، المقدمة.


( 89 )

قال:

الامتياز القيم الذي أوجب تقديرنا له، إنّما لكتابه «جامع الرواة» باعتبار ما فيه من جمع رواة الكتب الأربعة وذكر من رووا منه، و من روى عنهم و تعيين مقدار رواياتهم ورفعه بذلك بعض النقص من كتب الرجال، وانّي حين ما كنت ببروجرد وكنت أراجع ـ في أثناء أبحاثي لمعرفة أسانيد الروايات ـ ما صنّفه علماؤنا من الفهارس والرجال والمشتركات تفطّنت لما تفطّن له هذا الشيخ الجليل ولغيره من النقص في تلك الكتب ولكنّي سلكت في رفعها مسلكاً آخر غير ما سلكه.(1)

تقديره لكتاب «التبيان»

إنّ الإمام الطبرسي من المؤلّفين المخلصين الذين لا يبغون من وراء التأليف والتصنيف إلا وجه اللّه سبحانه، وسدّ الفراغ الهائل في المكتبة الإسلامية دون أن يُعير أهمية للشهرة، فهذا هو الملموس في حياة الإمام الطبرسي فإنّه يُشيد في مقدّمة «مجمع البيان» بكتاب «التبيان» ويصفه على النحو التالي: إنّه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق ويلوح عليه رواء الصدق. قد تضمن من المعاني، الأسرارَ البديعة، واحتضن من الألفاظ، اللغة الوسيعة. ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها.ولا بتنميقها دون تحقيقها. وهو القدوة استضيء بأنواره، وأطأ مواقع آثاره.(2)

فنحن نثمن هذا الخلق العلمي الرفيع الذي ينبغي أن يتحلّى به كلّ محقق مخلص فيعترف بفضل من تقدم عليه واغترف من علومه وصدر عن كتبه.


1 . جامع الرواة: المقدمة ص ز.

2 . مجمع البيان: ج1، المقدمة.


( 90 )

من التبيان إلى الميزان

عاش الإمام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385ـ 460) في القرن الرابع والخامس، و قد أسدى خدمة عظيمة إلى التراث الإسلامي من خلال تأليفه كتاب «التبيان في تفسير القرآن»، وقد تبعه الآخرون ممّن جاء بعده في هذا المنهج فألّفوا كتباً و موسوعات تفسيرية بين مطبوعة ومخطوطة، مع أنّهم ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ قاموا بواجبهم، لكنّا نرى أنّ الفاصلة العلمية بين «التبيان» في القرن الخامس و«الميزان» في القرن الخامس عشر ليست هائلة، وكان المترقّب أن يتطور علم التفسير عبر القرون العشرة في الأوساط الشيعية أكثر من ذلك، ولو انتزعنا من تفسير «الميزان» للعلاّمة الطباطبائي (1321ـ 1402) المباحث الفلسفية والاجتماعية منها لم يبق ثمة فاصلة تذكر بينهما، ونرى عكس ذلك في الحقل الفقهي فأين كتاب النهاية والمبسوط للشيخ الطوسي من كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي(1191ـ1266)، فإنّ الفاصل بينهما هائل جداً، يعكس حجم التطور الذي وصل إليه الفقه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الظروف لم تكن تسمح لعلماء الشيعة بإدخال التطور في حقل التفسير نظير التطوير في الفقه وإن كان ما قاموا به من التفاسير القيمة غنى و كفاية، وقد ألمعنا إلى تاريخ التفسير عند الشيعة والآثار التي خلّفوها في ذلك المجال في كتابنا مفاهيم القرآن.(1)


1 . راجع الجزء العاشر من مفاهيم القرآن، تحت عنوان الشيعة والتفسير تدويناً و تطوراً، ص 300ـ 448.


( 91 )

فقاهة الإمام الطبرسي

إنّ الإمام الطبرسي كان إمام المفسّرين في عصره وبعده، ولكنّه كان إلى جانب ذلك فقيهاً بارعاً في حقل الفقه، حيث نرى أنّه يستدل في مواطن كثيرة من تفسيره على آرائه الفقهية بظواهر الآيات والسنّة الشريفة، فمع أنّه يشير في ذلك الباب إلى آراء الآخرين ولكن يؤيد نظره السامي بوجوه تثبت ما رام إليه.

والذي يدلّ على اضطلاعه في الفقه انّه لخّص كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي وأسماه «المؤتلف من المختلف»، وهو يصف عمله في ذلك الكتاب بقوله: إنّي لمّا تصفّحت كتاب مسائل الخلاف للشيخ الأوحد السعيد، والفذ في دهره، الفريد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي وجدته قد عول في أكثر مسائله على الاستدلال بإجماع الفرقة المحقة، إذ هو المرجوع إليه المعتمد عليه، المذكور وجه الاستدلال به في كتب أُصول الفقه.

ثمّ إن كان في المسألة خلاف بين الطائفة أومأ إليه، وما لم يكن فيه إجماع أشار إلى طريق آخر في الاستدلال عليه من ظاهر قرآن، أو سنّة مقطوع بها، أو دليل خطاب ]أو استصحاب حال ـ على ما يذهب إليه كثير من أصحابنا ـ أو دلالة أصل أو فحوى من خطاب[.

وذكر في بعض مواضع أخباراً من كتب العامّة يلزمهم الانقياد لها والعمل بها، فرأيت تكرار ذكر إجماع الفرقة ممّا لا طائل فيه سوى إطالة الكتاب، فأثبت رؤوس المسائل والخلاف فيها على أوجز الوجوه، فكلّ مسألة عوّل فيها على إجماع الفرقة لم أذكر استدلاله إلاّ إذا اقترن بذلك الإجماع، شيء سواه ممّا أُريد ذكره فأذكره، وإيّاه، وإن لم يكن في المسألة إجماع للفرقة أشرت إلى ما ذكره من الأدلّة أو بعضها وأسقطت من بعض مودعات أدلّته مالم أجد فيه كثير فائدة أو يكون معاداً


( 92 )

ليس في إعادته مزيد عائدة.(1)

ثمّ إنّ الشيخ الطوسي أسمى كتابه باسم«الخلاف» ولكن الإمام الطبرسي لخصّ ذلك الكتاب على النحو الذي مرّ وأسماه بـ«المؤتلف من المختلف» وهذه التسمية تعرب عن سعة صدره وابتعاده عن العصبية المذهبية، وانّ المسلمين أرباب دين واحد وكتاب واحد وأُصول واحدة، وإنّما اختلفوا فيما روي عن الرسول لا في نفس الرسول، فيمكن أن ينتهي الخصام إلى الائتلاف، وذلك من خلال تأسيس مؤتمرات فقهية أو مجالس تشريعية يطرح فيها المختلفات وتدارس براهينها و ما يؤيده البرهان هو المتبع سواء أوافق مذهب إمام أو لا.

آثاره العلمية

إنّ لشيخنا المترجم وراء هذه التفاسير آثاراً ثمينة لها قيمتها العلمية نشير إلى بعضها وإن عبثت بها يدُ التاريخ فلم يبق منها عين ولا أثر.

1. تاج المواليد.

2. غنية العابد.

3. النور المبين.

4. العمدة في أُصول الدين.

5. الفرائض والنوافل.

6. شواهد التنزيل لقواعد التفضيل.

7. عدّة السفر وعمدة الحضر.

8. كنوز النجاح.


1 . المؤتلف من المختلف:1/3ـ4.


( 93 )

9. الكاف الشاف عن كتاب الكشاف.

إلى غير ذلك من الآثار والمؤلفات التي نسبت إليه في المعاجم.

جامعية مجمع البيان

إنّ تفسير «مجمع البيان» كتاب جامع لعلوم القرآن، إذ هو ينقل أكثر الآراء أو جميعها في تفسير الآيات بصدر رحب ثمّ يؤيد ما اختاره، وهذا يدلّ على أنّه كان محيطاً بآراء المفسرين من القدامى والجدد فجمعها ونقلها وبذلك أغنى الباحث عن كثير من التفاسير، ومع ذلك كلّه ففيه مزايا أُخرى ظاهرة نشير إلى بعضها:

1. في غضون ذلك الكتاب مباحث كلامية طرحها المؤلف حسب اقتضاء الآيات، فلو قام المحقّق الكلامي العارف بأُسلوب هذه المباحث، بجمعها وترصيفها وتنظيمها لخرج بكتاب كلامي باهر في مختلف الأبواب. وسيوافيك نماذج من آرائه الكلامية في آخر الرسالة.

كما يمكن إجراء ذلك العمل في كتاب «مفاتيح الغيب» لفخر الدين الرازي(543ـ 608هـ) ففيه مباحث كلامية هامة لمختلف الفرق، فلو انتزعت تلك المباحث بشكل علمي لأصبح كتاباً كلامياً جامعاً بين الأقوال.

وفي تفسير الرازي مزية أُخرى، و هو انّه كثيراً ما أيّد مذهب أئمّة أهل البيت في الفروع والأُصول، وأقام براهين قيّمة على مختارهم وإن عدل عنها بوجوه واهية ـ أو سياسية ـ، فانتزاع هذه المباحث من هذا التفسير يوقفنا على موقف الرازي من اتّباع الحق ودعمه.

2. انّ أبا علي الجبائي ألّف كتاباً باسم «حجة القراءات» والشيخ الطبرسي


( 94 )

قد نقل من ذلك الكتاب عند البحث عن وجوه القراءات، ولعلّ ذلك الكتاب بجملته موجود في غضون «مجمع البيان»، فلو انتزعت حجج القراءات من المجمع وأشرف عليه محقّق بارع لانتهى إلى إحياء ذلك الكتاب المفقود.

3. انّ أوّل من دوّن سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو العالم الشيعي الكبير محمد بن إسحاق (المتوفّى عام 151هـ) واستخرج تفاصيل الوقائع الإسلامية من كتب الماضين، ومن ثنايا رواياتهم ومنقولاتهم واشتهر بسيرة ابن إسحاق، وهي التي لخّصها ابن هشام(المتوفّى 218هـ) وعرفت بالسيرة النبوية.

وقد فقدت سيرة ابن إسحاق، ومع الفحص الأكيد الذي بذله المحقّقون حول العثور على ذلك الكنز لم يقفوا على نسخة كاملة، غير أنّ الإمام الطبرسي قد نشر كلّ ما في هذا الكتاب ممّا يمت إلى المغازي على صفحات كتابه، فللباحث أن يستخرج ما يمت إلى المغازي من سيرة ابن إسحاق من ذلك الكتاب، وبذلك يُعاد الكتاب إلى الساحة ويُعلم المقدار المحذوف منه في سيرة ابن هشام.

تضلّعه في التاريخ والقصص

إنّ من سبر كتاب «مجمع البيان» يقف على أنّ المؤلّف يذكر قصص الأنبياء ومغازي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه يناسب كتابه، وهو يعرب عن إلمامه بالتاريخ، ويشهد على ذلك كتابه القيم «إعلام الورى بأعلام الهدى» عرض فيه مؤلّفه فضائل وحياة أهل بيت العصمة والطهارة بشكل بديع، رتّب كتابه على أربعة أركان، تتفرع منها أبواب وفصول متعدّدة، تناول فيها التفصيل من خلال استعراض حياة المعصوم(عليه السلام) مجملَ ما يختصّ بالتاريخ المتصل به والمعاصر له.

خصّص الركن الأوّل من كتابه لسيرة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) والأحداث الكبرى التي زاملت عصر الرسالة الأُولى، وبترتيب وتنسيق دقيقين، تتبّع من خلال ذلك،


( 95 )

معظمَ الجوانب المتّصلة بحياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والقضايا التي ترتبط ارتباطاً عفوياً بالعقيدة الإسلامية المباركة، ومنها تأكيدات رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتوجيهاته للأُمّة بوجوب التمسك بأهل بيته المعصومين(عليهم السلام)باعتبارهم قرناء القرآن، والأُمناء على الرسالة من بعده.

وأمّا الركن الثاني من الكتاب فقد خصّصه لوصي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وخليفته من بعده علي بن أبي طالب(عليه السلام) بيّن فيه مجملَ جوانب حياته المباركة، ودوره المنير في حياة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، والمحن والفتن التي لازمته حتّى استشهاده.

وخصص المؤلف(رحمه الله) الركن الثالث من الكتاب لباقي الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) حتّى الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)من خلال أبواب وفصول متعدّدة.

وكان نصيب الإمام المهدي الركنَ الرابع والأخير من الكتاب حيث تناول معظم الأخبار والروايات المتّصلة به، مستوفياً من خلال ذلك، الظروف والأحداث التي عاصرها أبّان حضوره الظاهري، منتقلاً منها إلى ما رافق غيبته الصغرى والكبرى، وما يتصل بها، والأحداث والوقائع التي ستصاحب ظهوره المنتظر.(1)

بين إعلام الورى وربيع الشيعة

من غريب الأمر انّ كتاباً واحداً سُمّي باسمين ونسب إلى شخصين، وما هذا إلاّ كتاب «إعلام الورى» الذي هو من مؤلفات الطبرسي، فقد نسب إلى السيد ابن طاووس وسمّي باسم «ربيع الشيعة»، فالكتابان يختلفان اسماً


1 . إعلام الورى:1/21، المقدمة.


( 96 )

ويتحدان من البداية إلى النهاية.

ولذلك نرى أنّ العلاّمة المجلسي توقّف عن النقل عن كتاب ربيع الشيعة، قال: وتركنا منها ـ من كتب ابن طاووس ـ كتاب ربيع الشيعة لموافقته لكتاب «إعلام الورى» في جميع الأبواب والترتيب، وهذا ما يقضى منه العجب!!(1)

وقال الكاظمي في تكملته: وقد وقفت على «إعلام الورى» للطبرسي و «ربيع الشيعة» لابن طاووس وتتبّعتهما من أوّلهما إلى آخرهما فوجدتهما واحداً من غير زيادة ونقصان، ولا تقديم ولا تأخير أبداً إلاّ الخطبة.(2)

إنّ انتساب الكتاب إلى الطبرسي أمر قطعي لا سترة عليه، فلا بدّ من تبيين وجه انتسابه إلى السيد ابن طاووس.

وقد تخلّص شيخنا المجيز من هذه المشكلة بأنّ للنساخ دوراً في المقام فقال ما هذا نصّه:

أقول: الممارس لبيانات السيد ابن طاووس لا يرتاب في أنّ «ربيع الشيعة» ليس له والمراجع له لا يشكّ في اتّحاده مع «إعلام الورى» للطبرسي، وقد احتمل بعض المشايخ كون منشأ هذه الشبهة أنّ السيد ابن طاووس حين شرع في أن يقرأ على السامعين كتاب إعلام الورى هذا حمد اللّه، وأثنى عليه وصلّى على النبيّ وآله صلوات اللّه عليهم على ما هو ديدنه، ثمّ مدح الكتاب وأثنى عليه بقوله: «إنّ هذا الكتاب ربيع الشيعة» والسامع كتب على ما هو ديدنه هكذا«يقول الإمام ـ و ذكر ألقابه واسمه إلى قوله : انّ هذا الكتاب ربيع الشيعة» ثمّ كتب كلّما سمعه


1 . بحارالأنوار:11/30.

2 . تكملة الرجال:1/11.


( 97 )

عنه من الكتاب إلى آخره، فظنّ من رأى النسخة بعد ذلك أنّ «ربيع الشيعة» اسمُه وأنّ مؤلّفه هو السيد ابن طاووس. (1)

وحكى شيخنا في خاتمة المستدرك احتمالاً آخر عن بعض مشايخه، وهو أنّ السيد وجد «إعلام الورى» ناقصاً من أوّله، فاستحسنه وكتبه بخطه من غير اطّلاع له على اسمه أو اسم مؤلّفه، فكتب عليه مدحاً له أنّ هذا الكتاب ربيع الشيعة، ولما وجد بعده بخطه فظنّ أنّه تأليفه وأنّه سماه بربيع الشيعة، كما وقع نظير ذلك في «نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر» حيث استحسنه يحيى بن سعيد و استنسخه بخطه وأسقط منه الخطبة الطويلة لخلوها عن الفائدة، فلمّا وجد بعده بخطه في كتبه ظنّ أنّه تأليفه ونسب إليه.

مشايخه وتلامذته

تتلمذ الإمام الطبرسي على لفيف من العلماء، وقد استقصى ذكرهم السيد محسن الأمين في «أعيان الشيعة»، منهم:

1. أبو علي بن شيخ الطائفة الطوسي.

2. أبو الوفاء عبد الجبار بن علي المقري الرازي عن الشيخ الطوسي.

3. الحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي الرازي، جدّ منتجب الدين صاحب الفهرست.

4. الإمام موفق الدين بن الفتح الواعظ البكر آبادي عن أبي علي الطوسي.

5. أبو طالب محمد بن الحسين الحسيني القصبي الجرجاني.


1 . الذريعة:2/241 برقم 957.


( 98 )

6. أبو الفتح عبد اللّه بن عبد الكريم بن هوازن القشيري.

7. أبو الحسن عبيد اللّه محمد بن الحسين البيهقي.

8. الشيخ جعفر الدوريستي.

وأمّا تلامذته فقد روى عنه جملة من العلماء الأعلام منهم:

1. ولده رضي الدين أبو نصر الحسن بن الفضل صاحب كتاب مكارم الأخلاق.

2. منتجب الدين صاحب الفهرست.

3. أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب صاحب المناقب.

4. القطب الراوندي.

5. السيد فضل اللّه الراوندي.

6. عبد اللّه بن جعفر الدوريستي.

7. شاذان بن جبرئيل القمي.

8. مهدي بن نزار القائيني.

9. شرفشاه بن محمد بن زيادة الافطسي.

وغيرهم ممّن عُرِفوا بكونهم من تلامذته أو ممّن عدّوه من شيوخهم.(1)

كلمات العلماء في حقّه

هذه هي السيرة الذاتية للإمام الطبرسي، ومع الإحاطة بها، فنحن في غنى


1 . أعيان الشيعة:8/399.


( 99 )

عن نقل كلمات الأعاظم في حقّه، فانّك لمست منزلة الشيخ ومكانته عن كثب، وبالتالي نحن في غنى عن مدح وإطراء الآخرين له، ومع ذلك فلأجل أن لايرمينا القارئ بالغفلة عن هذا الجانب، نأتي ببعض كلمات الأعلام.

قال الشيخ منتجب الدين تلميذه والراوي عنه في فهرسته: ثقة، فاضل، ديّن، عين.(1)

وقال الحرّ العاملي في «أمل الآمل»: الشيخ الإمام أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي،ثقة، فاضل، ديّن، عين، له تصانيف وذكر جملة منها.(2)

وقال السيد التفريشي: فاضل، ديّن، عين، من أجلاّء هذه الطائفة، له تصانيف حسنة.(3)

وقال صاحب المقابس: الشيخ الأجل الأوحد، والأكمل الأسعد، قدوة المفسرين وعمدة الفضلاء المتبحرين: أمين الدين أبي علي.(4)

وقال الخوانساري في روضاته: الشيخ الشهيد السعيد، الحبر الفقيه الفريد، الفاضل العالم المفسّر، المحدّث الجليل، الثقة الكامل، النبيل الفاضل.(5)

وقال السيد الأمين في أعيانه: إنّ فضل الرجل وجلالته وتبحره في العلوم ووثاقته أمر غني عن البيان.(6)

وقال الزركلي في أعلامه: وإنّه مفسّر، محقّق، لغوي، من أجلاّء الإمامية.(7)


1 . فهرست منتجب الدين برقم 336.

2 . أمل الآمل:2/216، برقم 650.

3 . نقد الرجال:226.

4 . مقابس الأنوار:10.

5 . روضات الجنات:5/357برقم 544.

6 . أعيان الشيعة:8/398.

7 . الاعلام:5/48.


( 100 )

وقال عمر رضا كحالة: بأنّه مفسر مشارك في بعض العلوم، ثمّ أشار إلى جملة من آثاره.(1)

إلى غير ذلك من الكلمات والإطراءات التي جاءت في المعاجم وفي مقدمة الطبعة اللبنانيّة والمصرية لمجمع البيان.

حديث الجري والتطبيق في «مجمع البيان»

إنّ القرآن الكريم معجزة خالدة يشق طريقه للأجيال بمفاهيمه ومعانيه السامية، فهو حجّة إلهية في كلّ عصر وجيل في عامّة الحوادث المختلفة صوراً والمتحدة مادة، ومع ذلك نرى أنّ لفيفاً من الأحاديث تذكر نزول قسم كبير من الآيات في حقّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ،وبذلك يتجلّى في نظر بعض السُّذَّج انّ القرآن لدى الشيعة الإمامية كتاب طائفي، حتّى أنّ الكاتب الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية» يقترح على علماء الشيعة أن ينقِّحوا تفاسيرهم لكتاب اللّه من تلك الروايات ويقول: أوّلها تفسير علي بن إبراهيم القمي الذي جعل من القرآن كتاباً حزبياً كأنّه نزل للشيعة وحدهم.(2)

ولكنّ الكاتب كبعض أسلافه خلطوا بين تطبيق الآية على أوضح مصاديقها وبين نزولها في حقّ واحد من أئمّة أهل البيت، فانّ أكثر ما ورد في ذلك من قبيل التطبيق لا أنّها نزلت في حقّ شخص خاص، وإن كانت هناك آيات نزلت في حقّ الإمام علي(عليه السلام)بالخصوص، ومع ذلك فأكثر ما يتراءى فيها الفكر


1 . معجم المؤلفين:8/66.

2 . نظرية الإمامة:505.


( 101 )

الطائفي من باب الجري والتطبيق، وهذا هو الذي عالج به شيخنا الإمام المفسر ذلك الجانب في مجال التفسير، نذكر منها نموذجاً:

يقول في تفسير قوله: (اهدنا الصراط المستقيم).

وقيل في الصراط المستقيم وجوه:

أحدها: انّه كتاب اللّه، وهو المروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) و عن علي(عليه السلام) وابن مسعود.

وثانيها: انّه الإسلام، وهو المروي عن جابر و ابن عباس.

وثالثها: انّه دين اللّه الذي لا يقبل من العباد غيره، عن محمد بن الحنفية.

والرابع: انّه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة القائمون مقامه، وهو المرويّ في أخبارنا.

والأولى حمل الآية على العموم حتّى يدخل جميع ذلك فيه، لأنّ الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر اللّه به من التوحيد والعدل، وولاية من أوجب اللّه طاعته.(1)

وقد سلك هذا المنهج بعد الإمام الطبرسي، المفسر الكبير العلاّمة الطباطبائي في تفسير «الميزان» فانّه حمل أكثر هذه الروايات على الجري والتطبيق، كيف و هذا الإمام الصادق(عليه السلام) يقول: «إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرجل ماتت الآية، مات الكتاب، ولكنّه حي يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى».(2)

وهذا النوع من التطبيق يسمّى التأويل في مقابل التنزيل، ولأجل أن نرى نموذجاً من هذا النوع من التأويل نذكر ما يلي:

نص القرآن الكريم بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشخصه منذر كما نصّ بأنّ لكلّ قوم


1 . مجمع البيان:1/48، ط مصر.

2 . نور الثقلين:2/483، برقم 22.


( 102 )

هاد، و قال:(إِنّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوم هاد)(1)، و قد قام النبي بتعيين مصداق الهادي في حديثه، وقال: «أنا المنذر وعلي الهادي إلى أمري» و لكن المصداق لا ينحصر بعلي، بل الهداة الذين تواردوا عبر الزمان هم المصاديق للآية المباركة، ولذلك نرى أنّ الإمام الباقر(عليه السلام) يقول:«رسول اللّه المنذر، وعلي الهادي، وكلّ إمام هاد للقرن الذي هو فيه».(2)

وفاته

عاش المترجم بالمشهد الرضوي في خراسان مدة طويلة ثمّ انتقل إلى مدينة سبزوار من مدن خراسان سنة 523هـ، و بها ألّف كتابه هذا مجمع البيان و بها توفّي سنة 548هـ، ثمّ نقل جثمانه إلى المشهد الرضوي حيث دفن، و قبره معروف يزار.

يقول السيد حسين البروجردي مؤلف «نخبة المقال في معرفة علم الرجال»:

وفضل بن الحسن بــن فضـل *** أبـو عـلي الطبـرسي العـدل

شيخ بن شهر آشوب عنه ينشر *** مفسـر عـام الـوفـاة «محشـر»

فقوله «محشر» إشارة إلى عام وفاته فانّه بالحساب الأبجدي يكون 548هـ.

بيت الطبرسي شجرة طيّبة

إنّ بيت الطبرسي بيت عامر بالعلم والتقى وإلاّ فلا غرو أن نقول إنّه من


1 . الرعد:7.

2 . نور الثقلين:2/482و 485.


( 103 )

مصاديق قوله سبحانه: (أَلَم تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثلاً كَلمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرة طَيِّبَة أَصْلُها ثابتٌ وفَرْعُها في السَّماء* تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون).(1)

فمفسرنا الكبير شجرة طيبة تؤتي أُكلها كلّ حين، وهكذا فروعها وأغصانها فقد ترك ذرية طيّبة تعد نجوماً في سماء العلم نذكر منها ولده وحفيده، أعني بهما :

1. ولده البار الشيخ رضي الدين أبو نصر الحسن بن الفضل مؤلف كتاب «مكارم الأخلاق» الذي طبع في إيران ومصر مراراً.

يعرّفه شيخنا المجيز الطهراني بقوله: «مكارم الأخلاق» للشيخ أبي نصر رضي الدين الحسن بن الفضل بن الحسن الطبرسي وقد أخذ فيه عن الآداب الدينية لوالده المفسر وأورد فيه بعض ما في الآداب، رتّبه على 12 باباً على أُسلوب المحدّثين من الشيعة، أوّله: «الحمد للّه الواحد الأحد الصمد» ولولده علي تتميمه الموسوم بـ«مشكاة الأنوار».(2)

2. حفيده الشيخ أبو الفضل علي بن الشيخ رضي الدين أبي نصر الحسن بن أبي علي المفسر الطبرسي الملقب بـ «أمين الإسلام الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي» صاحب «مشكاة الأنوار» و هو ممّا ينقل عنه في البحار قال:وهو كتاب ظريف.(3)

قال الأفندي التبريزي: وكان(قدس سره) وولده رضي الدين أبو نصر حسن بن الفضل صاحب «مكارم الأخلاق»، وسبطه (4)، علي بن الحسن صاحب «مشكاة الأنوار» وسائر سلسلته وأقرباؤه من أكابر العلماء، وعندي انّ الشيخ أحمد بن علي


1 . إبراهيم:24ـ 25.

2 . الذريعة:22/146.

3 . الذريعة: 21/54.

4 . الصحيح«حفيده» لأنّه ابن ابنه، لا ابن بنته.


( 104 )

بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج أيضاً من أقربائه.(1)

ما نسب في حقّ الطبرسي من أوهام

ثمّ إنّه نسب إلى الطبرسي أُمور لم تثبت صحّتها ، والمصدر له هو كتاب رياض العلماء للأفندي التبريزي نشير إليها:

1. انّه مات شهيداً

قال الأفندي التبريزي: قد رأيت نسخة من «مجمع البيان» بخط الشيخ قطب الدين الكيدري، وقد قرأها نفسه على الخواجه نصيرالدين الطوسي، ثمّ إنّ على ظهرها بخطه أيضاً هكذا: تأليف الشيخ الإمام الأجل السعيد الشهيد وهو صار شهيداً.(2)

وهذا ممّا لم نقـف عليـه في كتـاب قبـل تـأليف الرياض، وقد توفّي الأفندي حوالي عام 1034هـ و توفّي صاحب مجمع البيان عام 548هـ، و بينهما قرابة خمسة قرون، فلو كان المترجم له توفّي شهيداً لبان وجاء ذكره في كتب التراجم.

نعم ذكره العلاّمة الأميني في كتاب «شهداء الفضيلة» من تلك الزمرة، وقال: صرّح بشهادته في الروضات والرياض.(3)

2. انّه قام من القبر حيّاً

ومن الأوهام التي حيكت حول حياة المؤلّف ما ذكره الأفندي أيضاً وتبعه


1 . رياض العلماء:4/341.

2 . رياض العلماء:4/344.

3 . شهداء الفضيلة:46.


( 105 )

المحدّث القمي في كتابه «الفوائد الرضوية»، حيث قال الأوّل: ومن عجيب الأمر بل من غريب كراماته ـ قدس اللّه روحه القدوسي ـ ما اشتهر بين الخاص والعام أنّه(رحمه الله) قد أصابته السكتة، فظنّوا به الوفاة، فغسّلوه وكفنوه ودفنوه ثمّ رجعوا، فأفاق في القبر وقد صار عاجزاً عن الخروج أو الاستعانة بأحد لخروجه، فنذر في تلك الحالة بأنّ اللّه إن خلّصه من هذه البلية ألّف كتاباً في تفسير القرآن، فاتّفق انّ بعض النبّاشين قد قصد نبشَ قبره لأجل أخذ كفنه، فلمّا نبش قبره وشرع في نزع كفنه أخذ (قدس سره) بيد النبّاش، فتحيّر النبّاش وخاف خوفاً عظيماً، ثمّ تكلّم(قدس سره) معه، فزاد اضطراب النبّاش وخوفه، فقال له: لا تخف أنا حيّ وقد أصابني السكتة فظنّوا بي الموت ولذلك دفنوني، ثمّ قام من قبره واطمأن قلب النبّاش، ولم يكن (قدس سره) قادراً على المشي لغاية ضعفه التمس من النبّاش أن يحمله على ظهره ويبلغه إلى بيته، فحمله وجاء به إلى بيته، ثمّ أعطاه الخلعة وأولاه مالاً جزيلاً، وأناب النباش على يده ببركته عن فعله ذلك القبيح وحسن حال النبّاش، ثمّ إنّه(قدس سره) بعد ذلك قد وفى بنذره و شرع في تأليف كتاب «مجمع البيان» إلى أن وفّقه اللّه تعالى لإتمامه.(1)

وفي هامش نسخة المؤلف التعليق التالي، وقد ينسب هذا إلى المولى فتح اللّه الكاشاني صاحب التفسير الكبير الفارسي وقبره بهمدان، وهذه الحكاية سمعت من أهالي همدان في حقّه.

أقول: إنّي لا أنكر صحّة الواقعة فإنّها أمر ممكن،وقد ينقل عن المرتاضين أُمور أكثر عجباً من ذلك، ولكن المفسر الكبير لم يكن من


1 . رياض العلماء:4/357ـ 358. ولاحظ الفوائد الرضوية:351، ولكنّه نقل عبارة شيخه في «مستدرك الوسائل» وهو يعرب عن تردده في صحّة المطلب.


( 106 )

المرتاضين أوّلاً، ولو صحّت الواقعة كان عليه أن يذكرها في ديباجة كتابه ثانياً، إذ ليست الواقعة أمراً حقيراً حتى يمر عليها دون أن يذكرها بل كان على الآخرين أيضاً نقلها.

وأوّل من شكّك في صحّتها هو المحدّث النوري (المتوفّى 1320هـ) فقال في مستدركه :

ومع هذا الاشتهار لم أجدها في مؤلّف أحد قبله، وربّما نسب إلى العالم الجليل المولى فتح اللّه الكاشاني صاحب تفسير منهج الصادقين.(1)

وقد نقل شيخنا المدرس الخياباني(1294ـ 1373هـ) مؤلّف «ريحانة الأدب» في كتابه هذا نظير هذه الواقعة في حقّ محمد هادي بن ملا صالح المازندراني.(2)

ولو كان الذهبي مؤلف «التفسير والمفسّرون» واقفاً على أنّ بعض مشايخ الشيعة تلقّوا الواقعة أمراً موهوماً لم يذكرها بطعن حيث قال: ومن العجيب انّهم يذكرون قصة في غاية الطرافة والغرابة في سبب تأليفه لتفسيره «مجمع البيان» الذي نحن بصدده فيقولون : ومن عجيب أمر هذا الطبرسي، بل من غريب كراماته وما اشتهر بين الخاص والعام انّه قد أصابته السكتة ... الخ.(3)

3. انّه رأى موسى(عليه السلام) في منامه

ذكر الأفندي في ترجمته انّه من جملة مقاماته بعض مناماته الطريفة، وقد حكاه نفسه في كتابه «مجمع البيان في تفسير سورة طه أو سورة ... الخ في تفسير قوله تعالى: (وَما تِلْكَ بِيَمينك يا مُوسى)(4) الآية، من رؤيته موسى كليم


1 . خاتمة المستدرك:3/70.

2 . ريحانة الأدب:4/37ـ 38.

3 . التفسير والمفسرون:2/100.

4 . طه:17.


( 107 )

اللّه تعالى و مباحثته صلوات اللّه عليه بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال المنام، وشرح ذلك انّه قال: «رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام و كان معه موسى كليم اللّه، فسأل موسى رسول اللّه عن معنى قوله: «علماء أُمّتي كأنبياء بني إسرائيل».

وقال: كيف قلت: إنّ علماء أُمّتك مثل أنبياء بني إسرائيل مع علوهم وكثرة علومهم،وأيّ العلماء أردت من قولك؟ فدخلتُ في تلك الحالة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأشار إلى جانبي وقال: هذا واحد منهم. فلمّا سمع موسى(عليه السلام) ذلك من رسول اللّه توجّه إليّ وسألني.

فقال موسى: أنا سألتك عن فلان وأجبت بفلان وأطلت في الكلام، فقلتُ في جواب موسى(عليه السلام) :إنّ اللّه تعالى قد سألك عن عصاك بقوله: (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) فلأي سبب أطلت في جوابه تعالى و قلت: (هي عَصايَ أَتوَكأ عَليها وَأَهُشُّ بها عَلى غَنَمي وَلِيَ فِيها مَ آرِبُ أُخرى) وكان أن يكفيك أن تقول في جوابه عزّ من قائل «هي عصاي».

فقال موسى(عليه السلام) في جوابه: نعم ما قلت، ثمّ تلطّف بي و قال: صدق رسول اللّه في قوله: «علماء أُمتي كأنبياء بني إسرائيل».(1)

هذا وليس ما بأيدينا من نسخ المجمع، أثر من هذا المقال.(2)


1 . رياض العلماء:4/358ـ 359.

2 . فقد راجعنا إلى هذه الطبعات التالية:   1. الطبعة الحجرية المطبوعة بإيران عام 1282هـ.   2. طبعة صيدا، المطبوعة فيها عام 1354هـ.   3. الطبعة الإسلامية بطهران، عام 1380هـ.   4. طبعة مصر، عام 1394هـ.   5. طبعة دار المعرفة بيروت1406هـ.   ولم أتوفق لمراجعة النسخ الخطية في المكتبات.


( 108 )

بعض الآراء الكلامية

للشيخ الطبرسي

يُعدّ الشيخ الطبرسي في الرعيل الأوّل من مفسّري القرآن العظيم و في الوقت نفسه، هو إمام مقدام في حقل الكلام والعقائد والمعارف فتفسيره هذا بحر عظيم يغترف منه كلّ من حاول تفسير الذكر الحكيم والمعارف التي جاء بها القرآن العظيم بثنايا آياته في مختلف سوره، فها نحن نذكر في هذا الفصل شيئاً من آرائه ونظرياته، ليكون كنموذج لما لم نذكر. وربما يقال: إنّ الموضوعات الكلامية في مجمع البيان يناهز335 موضوعاً، وقد بحث عنها المؤلّف، إسهاباً تارة، وإيجازاً أُخرى.

وقد أُشير إلى كثيرمن هذه الموضوعات في المجموعة التي نشرناها في الجزء الأوّل من مجلة علم الكلام، وقد قام بتدوين هذه المجموعة لفيف من طلاب مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في قسم علم الكلام، شكر اللّه مساعيهم.


( 109 )

1

الجهاد العلمي جهاد أكبر

يعتقد شيخنا الطبرسي بأنّ الجهاد العلمي جهاد أكبر، لأنّه جهاد في طريق مقارعة المبطلين ودفع شبه الأعداء، يقول في تفسير قوله سبحانه: (وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كبِيراً).(1)

وفي هذا دلالة على أنّ من أجلّ الجهاد وأعظمه منزلة عند اللّه سبحانه جهاد المتكلّمين في حلّ شبه المبطلين وأعداء الدين، ويمكن أن يتأوّل عليه قوله: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.(2)

2

رفض التقليد في أُصول الدين

الإسلام عقيدة وشريعة، فالمطلوب في الأوّل الاعتقاد الجازم، كما أنّ المطلوب في الثاني هو العمل بالأحكام، ولماّ كانت الأُصول أساساً للشريعة دعا القرآن الكريم إلى تحصيل العلم ورفض التقليد فيها،ولذلك كثيراً ما نرى أنّه يندِّد


1 . الفرقان:52.

2 . مجمع البيان:7/273، دار المعرفة، بيروت.


( 110 )

بالمشركين في تقليدهم للآباء في عبادة الأصنام، وقد استفاد شيخنا الطبرسي لزوم تحصيل العلم في الأُصول والمعارف من آيات كثيرة ربما لا نتمكن من إيراد جميعها وما قاله حولها، بل نقتصر على ما يلي:

يقول في تفسير قوله سبحانه: (لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنون)(1) : أي لكي توقنوا بالبعث والنشور وتعلموا أنّ القادر على هذه الأشياء قادر على البعث بعد الموت، وفي هذا دلالة على وجوب النظر المؤدّي إلى معرفة اللّه تعالى وعلى بطلان التقليد، ولولا ذلك لم يكن لتفصيل الآيات معنى.(2)

وقال عند تفسير قوله: (لولا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطان بيّن)(3) أي هلا يأتون على عبادتهم غير اللّه بحجّة ظاهرة، وفي هذا ذم وزجر للتقليد وإشارة إلى أنّه لا يجوز أن يقبل دين إلاّ بحجّة واضحة.(4)

وقال عند تفسير قوله: (قُلْ هاتُوا بُرهانَكُم).(5)

وفي هذا دلالة على فساد التقليد، لأنّه طالبهم بالحجة على صحة قولهم، والبرهان هو الدليل المؤدّي إلى العلم.(6)


1 . الرعد:2.

2 . مجمع البيان:6/421.

3 . الكهف:15.

4 . مجمع البيان:6/700.

5 . الأنبياء:24.

6 . مجمع البيان:7/71.


( 111 )

3

ضرورة معرفة اللّه

تعدّ معرفة اللّه سبحانه من أُمّهات المسائل الكلامية، التي حازت مساحة شاسعة من الأبحاث الكلامية، واستقطبت اهتمام كبار العلماء والمفكّرين لا سيّما شيخنا الطبرسي حيث قال عند تفسير قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذي حاجّ إِبراهيمَ في رَبّهِ أَن آتاهُ اللّهُ المُلكَ إِذْ قالَ إِبراهيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِيِ وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِ وَأُميتُ قالَ إِبْراهيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الظّالِمين).(1)

وفي هذه الآية دلالة على أنّ المعارف غير ضرورية، إذ لو كانت كذلك لما صحت المحاجّة في إثبات الصانع، وفيها دلالة على فساد التقليد وحسن الحجاج.(2)

وقال أيضاً عند قوله: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزل اللّهُ وَإِلى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيه آباءَنا أَوََ لَوْ كانَ آباؤهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُون).(3)

وفي هذه الآية دلالة أيضاً على وجوب المعرفة وأنّها ليست بضرورية على ما قاله أصحاب المعارف، فانّه سبحانه بيّن الحجاج عليهم فيها ليعرفوا صحّة ما


1 . البقرة:258.

2 . مجمع البيان:2/636.

3 . المائدة:103.


( 112 )

دعاهم الرسول إليه، ولو كانوا يعرفون الحقّ ضرورة لم يكونوا مقلّدين لآبائهم، ونفى سبحانه عنهم الاهتداء والعلم معاً، لأنّ بينهما فرقاً، فانّ الاهتداء لا يكون إلاّ عن حجّة وبيان، والعلم قد يكون ابتداء عن ضرورة.(1)

4

برهان التمانع

وحاصله: انّ وحدة النظام وانسجامه وتلاحمه لا تتحقّق إلاّ إذا كان الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبّر واحد، ولو خضع الكون لإدارة مدبّرين لما كان من النظام الموحّد أي أثر، لأنّ تعدّد المدبّر والمنظم بحكم اختلافهما في الذات أو في المصنّفات والمشخصات يستلزم بالضرورة الاختلاف في التدبير والإدارة، ويستلزم تعدّد التدبير فناء النظام الموحّد وغيابه.

وبعبارة أُخرى: انّ المدبرين إن كانا متساويين من كلّ الجهات لم يكن هنا اثنينية في المدبِّر، و إن لم يكونا متساويين بل كان هناك اختلاف بينهما في الذات أو في عوارضها، فالاختلاف فيها يؤثر اختلافاً في التدبير وهو خلاف الحس.

وقد استفاد من هذا البرهان شيخنا المفسّر حينما فسر قوله سبحانه: ( لَوْ كانَ فِيهما آلهةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسدَتا)(2) وقال في تقرير ذلك:

وهذا هو دليل التمانع الذي بنى عليه المتكلّمون مسألة التوحيد. وتقرير ذلك: انّه لو كان مع اللّه سبحانه إله آخر لكانا قديمين، والقدم من أخصّ


1 . مجمع البيان:3/391.

2 . الأنبياء:22


( 113 )

الصفات، فالاشتراك فيه يوجب التماثل، فيجب أن يكونا قادرين عالمين حيّين، ومن حقّ كلّ قادرين أن يصح كون أحدهما مريداً لضد ما يريده الآخر من إماتة وإحياء، أو تحريك وتسكين، أو إفقار وإغناء، ونحو ذلك.

فإذا فرضنا ذلك فلا يخلو إمّا أن يحصل مرادهما، وذلك محال; و إمّا أن لا يحصل مرادهما، فينتقض كونهما قادرين; وإمّا أن يقع مراد أحدهما ولا يقع مراد الآخر فينتقض كون من لم يقع مراده من غير وجه منع معقول قادراً، فإذاً لا يجوز أن يكون الإله إلاّ واحداً.(1)

وما قرره وإن كان رائعاً، غير انّا نقوم بإيضاحه بوجه آخر ونقول هنا سؤال وإجابة:

السؤال

إنّ الأرباب المفروضين وإن كانوا متكثري الذوات ومتغايريها ، ويؤدّي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال وتدافعها، لكن من الممكن أن يتواطؤوا على التسالم وهم عقلاء، ويتوافقوا على التلاؤم رعاية لمصلحة النظام الواحد وتحفظاً على بقائه. هذا هو الإشكال.

الجواب

وأمّا الإجابة فبوجود الفرق الواضح بين العقلاء والأرباب المفروضين، فإنّ عمل العقلاء مبني على علومهم، وليست هي إلاّ قوانين كلية مأخوذة من النظام الخارجي الجاري في العالم. فللنظام الخارجي نوع تقدّم على تلك الصور العلمية وهي تابعة لنفس النظام الخارجي، فعند ذلك يتصالح العقلاء المتنازعون حسب


1 . مجمع البيان:7/70.


( 114 )

ما تنكشف لهم المصلحة، فيأخذون بالطريق الوسط الذي تجتمع فيه مصالحهم وأغراضهم وغاياتهم. هذا هو حكم العقلاء المتنازعين أوّلاً فالمتنازلين ثانياً حسب تطابق أعمالهم على النظام السائد.

وأمّا الأرباب المفروضون فالأمر فيهم على العكس، لأنّ الكيفية الخارجية تتبع علمهم، لما عرفت من أنّ التدبير ليس منفكّاً عن الخلق والإيجاد، وليس شأنهم شأن مُدَراء الدوائر والمنش آت حيث إنّ شأنهم التبعية للسنن السائدة فيها كما عرفت، فإنّ تدبير الآلهة تدبير تكويني ينشأ عن الخلق والإيجاد ولو بقاءً لا حدوثاً، فعند ذلك يكون الخارج تابعاً لعلمهم لا أنّهم يتّبعون الخارج و السنن الموجودة فيه. وعلى ضوء ذلك فلا معنى للتوافق في التدبير.

وباختصار هناك فرق بين تدبير خال عن الإيجاد والخلق كرئيسين بالنسبة إلى مرؤوسيهما، فيمكن تصالحهما على كيفية الاستفادة منها، وبين تدبير ملازم للخلق والإيجاد وإدامة الحياة واستمرار الوجود، فالرئيس في الأوّل يقتفي السنن السائدة والرئيس في الثاني يوجد السنن ويبدعها.(1)

5

برهان النظم

إنّ برهان النظم من أوضح البراهين على أنّ العالم مخلوق خالق عالم حكيم عارف بسنن الحياة وانسجام النظام وبقائه، وقد استخدمه القرآن الكريم في غير واحد من آياته على أنّ العالم له صانع قدير عليم، يقول الطبرسي في تفسير قوله


1 . لاحظ الإلهيات:2/66ـ67.


( 115 )

سبحانه: (إِنّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ وَاختلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ لآيات لأُولي الأَلْباب).(1)

قال(قدس سره) في تقرير البرهان: وجه الدلالة في خلق السماوات والأرض انّ وجودهما متضمن بأعراض حادثة، وما لا ينفك عن الحادث فهو حادث مثله، والمحدَث لابدّ له من محدِث يحدثه، وموجِد يوجده، فدلّ وجودُهما وحدوثهما على أنّ لهما محدثاً قادراً ، ودلّ إبداعهما بما فيهما من البدائع والأُمور الجارية على غاية الانتظام والاتّساق على أنّ مُبدِعَهما عالم، لأنّ الفعل المحكم المنتظم لا يصحّ إلاّ من عالم، كما أنّ الإيجاد لا يصحّ إلاّ من قادر، و دلّ ذلك أيضاً على أنّ صانعهما قديم لم يزل، لأنّه لو كان محدثاً لاحتاج إلى محدث فيؤدّي إلى التسلسل، ووجه الدلالة في تعاقب الليل والنهار أنّ في ترادفهما على مقدار معلوم لا يزيدان عليه ولا ينقصان منه، ونقصان كلّ واحد منهما عن الآخر في حال وزيادته عليه في حال، وازدياد أحدهما بقدر نقصان الآخر، دلالة ظاهرة على أنّ لهما صانعاً قادراً حكيماً لا يدركه عجز ولا يلحقه سهو.(2)

6

امتناع رؤية اللّه

في الدنيا والآخرة

اتّفق المسلمون على امتناع رؤية اللّه في الدنيا غير أنّ الأشاعرة تبعاً لأهل الحديث جوّزوا رؤيته سبحانه في الآخرة متمسّكين بقوله سبحانه: (وُجُوهٌ يَومَئِذ


1 . آل عمران:190.

2 . مجمع البيان:2/909.


( 116 )

ناظِرَةٌ * إِلى ربّها ناظِرَة)(1)، وقد أوضحنا دلالة الآية على أنّها لا تدلّ على الرؤية حتّى ولو قلنا إنّ النظر بمعنى الرؤية، لأنّه سبحانه ينسب النظر إلى الوجوه لا العيون، ويقول:(وُجُوهٌ يَومَئِذ ناظِرَة)، فمن أراد الوقوف على تفصيله فليرجع إلى كتابنا الإلهيات.(2)

غير أنّ شيخنا الطبرسي استدلّ على امتناع الرؤية بالدليل العقلي وقال:

قوله سبحانه: (إِلى ربّها ناظرة) اختلف فيه على وجهين:

أحدهما: انّ معناه نظر العين.

الثاني: انّه الانتظار.

واختلف مَن حمله على نظر العين على قولين:

1. المراد النظر إلى ثواب ربّها ونعيم الجنة.

2. النظر بمعنى الرؤية، والمعنى تنظر إلى اللّه معاينة. ثمّ أخذ في ردّ الاحتمال بقوله:

وهذا لا يجوز، لأنّ كلّ منظور إليه بالعين، مشار إليه بالحدقة واللحاظ، واللّه يتعالى عن أن يشار إليه بالعين، كما يجلّ سبحانه عن أن يشار إليه بالأصابع، وأيضاً فانّ الرؤية بالحاسة لاتتم إلاّ بالمقابلة والتوجه واللّه يتعالى عن ذلك، بالاتّفاق، وأيضاً فانّ رؤية الحاسّة لا تتمّ إلاّ باتصال الشعاع بالمرئي واللّه منزّه عن اتّصال الشعاع به على أنّ النظر لا يفيد الرؤية في اللغة، فانّه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية كما أنّه إذا علق بالقلب أفاد طلب المعرفة، بدلالة قولهم: نظرت إلى الهلال فلم أره، فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطاً متناقضاً، وقولهم: ما


1 . القيامة:22ـ23.

2 . الإلهيات:2/133.


( 117 )

زلت أنظر إليه حتّى رأيته، والشيء لا يجعل غاية لنفسه فلا يقال: مازلت أراه حتّى رأيته، ولأنّا نعلم الناظر ناظراً بالضرورة، ولا نعلمه رائياً بالضرورة بدلالة انّا نسأله هل رأيت أم لا؟(1)

7

اللّه عادل

اتّفق المسلمون على أنّه سبحانه عادل واختلفوا في معنى العدل، فقالت الإمامية والمعتزلة: إنّ العقل الحصيف يدرك معنى العدل والظلم والحسن والقبح، فهو سبحانه بحكم كونه حكيماً يفعل ما هو الحسن عند العقل ويترك ما هو القبيح عنده والعدل حسن والظلم قبيح.

وقالت الأشاعرة : إنّه سبحانه عادل بمعنى أنّ كلّ ما يفعله فهو عدل، فلو عذّب الطائع فهو عدل، لأنّ العالم ملكه والمالك مختار في التصرّف فيما يملك. وهذا صار سبباً لانقسام المتكلّمين إلى عدلية وغير عدلية، وقد أوضحنا مقالة العدلية في محاضراتنا.(2)

وقد استدلّ شيخنا الطبرسي على نفي الظلم عن ساحته سبحانه بقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لا يَظلمُ مِثْقالَ ذَرّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً).(3)


1 . مجمع البيان:10/601.

2 . الإلهيات:2/253.

3 . النساء:40.


( 118 )

فقال: وإنّما لا يختار اللّه تعالى الظلم ولا يجوز عليه الظلم، لأنّه عالم بقبحه، مستغن عنه وعالم بغنائه عنه; وإنّما يختار القبيح من يختاره لجهله بقبحه، أو لحاجته إليه لدفع ضرر أو لجرّ نفع، أو لجهله باستغنائه عنه، و اللّه سبحانه منزّة عن جميع ذلك وعن سائر صفات النقص والعجز، ولم يذكر سبحانه الذرة ليقصر الحكم عليها، بل إنّما خصّها بالذكر لأنّها أقل ّ شيء ممّا يدخل في وهم البشر.(1)

8

القرآن محدث

لقد أحدثت فكرة حدوث القرآن وقِدمَه في عصر المأمون العباسي جدالاً واسعاً، وانقسم المحدّثون والعلماء إلى طائفتين. فأهل الحديث وتبعهم الأشاعرة إلى أنّ القرآن قديم، والعدلية إلى أنّ القرآن حادث. ومن عجيب الأمر انّهم لم ينقحوا موضع النزاع وما هو المراد من القرآن الذي حكم عليه بالقدم أو الحدوث؟ فإن أرادوا به علم اللّه سبحانه، فلا شكّ انّه قديم لا يختلف فيه اثنان; وإن أرادوا به ألفاظه وقسطاً وافراً من معانيه، فلا شكّ انّها محدثة لكون الألفاظ والوضع حادث.

إنّ أهل الحديث والأشاعرة جعلوا للّه نداً من خلال تبنّيهم قدم القرآن، فلو قالت النصارى بالأقانيم والقدماء الثلاثة فانّ أهل الحديث حسب ظواهر كلماتهم ذهبوا إلى تعدّد القدماء حسب تعدّد نسخ القرآن.


1 . مجمع البيان:3/76.


( 119 )

ولمّا وقف الإمام الأشعري على مضاعفات القول بقدم القرآن عدل عن القول بحدوث القرآن الملفوظ، وقال بأنّ القديم هو الكلام النفسي، وهذا الكلام على إجماله أثار ضجة كبيرة في الأوساط العلمية وزاد الطين بلّة وأكثر الجدل واللغط حول حقيقة الكلام النفسي.

نعم عدّ من الألغاز كسب الأشعري وحال البهشمي، وطفرة النظام حتّى قال قائلهم:

ممّـا يقـال و لا حقيقـة عنـد *** معقـولـة تدنـوا إلـى الأفهـام

الكسب عند الأشعري،والحال *** عند البهشمي، وطفرة النظـام

وكان على القائل أن يضيف إلى الثلاثة الكلام النفسي الذي أبداه الإمام الأشعري حفظاً لعقائد أهل السنّة وفراراً عن مضاعفات القول بقدم القرآن الملفوظ!!

وعلى كلّ تقدير يستدلّ شيخنا الطبرسي بالآية التالية على أنّ القرآن محدث، فقال عند تفسير قوله: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيء قَدير).(1)

فقال: وفي هذه الآية دلالة على أنّ القرآن محدث وانّه غير اللّه تعالى، لأنّ القديم لا يصحّ نسخه، ولأنّه أثبت له مثلاً واللّه سبحانه قادر عليه، وما كان داخلاً تحت القدرة فهو فعل، والفعل لا يكون إلاّ محدثاً.(2)


1 . البقرة:106.

2 . مجمع البيان:1/349.


( 120 )

9

الأنبياء أفضل من الملائكة

إنّ الرأي السائد بين المتكلّمين هو أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة، غير أنّ هناك من ذهب إلى أفضلية الملائكة على الأنبياء، مستدلاً بقوله سبحانه: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسيحُ أَنْ يَكُونَ عَبداً للّهِ ولاَ الْمَلائِكةُ المُقرّبُون).(1)

قال شيخنا الطبرسي: واستدلّ بهذه الآية من قال بأنّ الملائكة أفضل من الأنبياء، قالوا : إنّ تأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم، لأنّ العادة لم تجر بأن يقال لن يستنكف الأمير بأن يفعل كذا ولا الحارس، بل يقدّم الأدون ويؤخّر الأعظم، فيقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل كذا ولا السلطان، وهذا يقتضي فضل الملائكة على الأنبياء.

وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن قالوا إنّما أخّر ذكر الملائكة عن ذكر المسيح لأنّ جميع الملائكة أفضل وأكثر ثواباً من المسيح، وهذا لا يقتضي أن يكون كلّ واحد منهم أفضل من المسيح، وإنّما الخلاف في ذلك، وأيضاً فانّا وإن ذهبنا إلى أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة فانّا نقول: مع قولنا بالتفاوت أنّه لا تفاوت في الفضل بين الأنبياء والملائكة، ومع التقارب والتداني يحسن أن يقدّم ذكر الأفضل، ألا ترى انّه يحسن أن يقال ما يستنكف الأمير


1 . النساء:172.


( 121 )

فلان من كذا، ولا الأمير فلان، إذا كانا متساويين في المنزلة أو متقاربين، وإنّما لا يحسن أن يقال ما يستنكف الأمير فلان من كذا ولا الحارس، لأجل التفاوت.(1)

واستدلّ (قدس سره) أيضاً على أفضلية الأنبياء بقوله سبحانه: (وَإِذْ قُلْنا للمَلائِكةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجُدوا).(2)

فقال: وفي هذه الآية دلالة على أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة من حيث إنّه أمرهم بالسجود لآدم، وذلك يقتضي تعظيمه وتفضيله عليهم، وإذا كان المفضول لا يجوز تقديمه على الفاضل، علمنا أنّه أفضل من الملائكة.(3)

10

الأنبياء لا يجوز لهم التقية

إنّ التقيّة من المفاهيم السامية في الإسلام، ولها حدود وضوابط، وربّما تكون التقية حراماً إذا صارت ذريعة لمفاسد كبيرة، وقد أوضحنا حالها وأقسامها وفوائدها في كتابنا «الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف».(4)

وعلى ضوء ما ذكرنا يحرم على الأنبياء التقية في تبليغ الرسالة، لأنّها لا تواكب أهدافهم ومقاصدهم، وقد استدلّ الشيخ الطبرسي على عدم جواز التقية عليهم بقوله سبحانه : (الّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّه وَيخشَونَهُ وَلا يخْشونَ أَحداً إِلاّ اللّه).(5)


1 . مجمع البيان:3/225.

2 . البقرة:34 .

3 . مجمع البيان:1/189.

4 . الجزء الثاني، ص231ـ346.

5 . الأحزاب:39.


( 122 )

قال: وفي هذا دلالة على أنّ الأنبياء لا يجوز عليهم التقية في تبليغ الرسالة، ومتى قيل: فكيف ما قال لنبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم): (وتخشى الناس واللّهُ أَحقّ أَن تخشاه)(1)، فالقول إنّه لم يكن ذلك فيما يتعلق بالتبليغ وإنّما خشي المقالة القبيحة فيه، والعاقل كما يتحرز عن المضار يتحرز من إساءة الظنون به والقول السيء فيه، ولا يتعلّق شيء من ذلك بالتكليف.(2)

11

إعجاز القرآن من منظار عدم الاختلاف

إنّ القرآن المجيد من المعجزات الخالدة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ذكر المحقّقون وجوهاً لإعجاز القرآن أوضحنا حالها في الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة.ومن وجوه إعجازه عدم وجود التناقض فيه مع أنّه نزل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نجوماً في فترات مختلفة وظروف حرجة تختل فيه أحوال الإنسان، ومع ذلك فالآيات القرآنية كسبيكة واحدة تقع فوق ما يحوم الإنسان حوله من الكلام، وقد استدلّ الطبرسي على إعجاز القرآن من منظار عدم الاختلاف بقوله سبحانه: (أَفَلا يَتَدبَّرُونَ الْقُرآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اختلافاً كَثيراً).(3) حيث قال:

أيّ كلام غير اللّه أي لو كان من عند النبي أو كان يعلمه بشر كما زعموا (لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)قيل: فيه أقوال:


1 . الأحزاب:37.

2 . مجمع البيان:8/566.

3 . النساء:82 .


( 123 )

أحدها: انّ معناه لوجدوا فيه اختلاف تناقض من جهة حق وباطل. عن قتادة وابن عباس .

والثاني: اختلافاً في الأخبار عمّا يسرّون عن الزجاج.

والثالث: من جهة بليغ ومرذول عن أبي علي.

والرابع: تناقضاً كثيراً عن ابن عباس، وذلك كلام البشر إذا طال وتضمن من المعاني ما تضمنه القرآن لم يخل من التناقض في المعاني والاختلاف في اللفظ، وكلّ هذه المعاني منفي عن كلام اللّه كما قال: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه).(1)

12

إخبار القرآن بالغيب

من وجوه إعجازه

ذكر المحقّقون انّ من وجوه إعجاز القرآن هو إخباره بالغيب في مواطن كثيرة، وقد جمعنا شيئاً من أخباره الغيبية في محاضراتنا.(2)

وقد ذكر شيخنا الطبرسي في تفسير سورة الكوثر خبراً غيبياً و قال: إنّ في هذه السورة ـ (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر) دلالات على صدق نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحّة نبوته:

أحدها: انّه أخبر عمّا في نفوس أعدائه وما جرى على ألسنتهم ولم يكن بلغه ذلك، فكان على ما أخبر.


1 . مجمع البيان:3/125.

2 . لاحظ الإلهيات:3/413.


( 124 )

وثانيها: انّه قال : (إِنّا أَعْطَيْناكَ الكَوثر)فانظر كيف انتشر دينه وعلا أمره وكثرت ذرّيته، حتّى صار نسبه أكثر من كلّ نسب، ولم يكن شيء من ذلك في تلك الحال.

وثالثها: انّ جميع فصحاء العرب والعجم قد عجزوا عن الإتيان بمثل هذه السورة على وجازة ألفاظها مع تحدّيه إيّاهم بذلك وحرصهم على بطلان أمره منذ بعث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا، وهذا غاية الإعجاز.

ورابعها: انّه سبحانه وعده بالنصر على أعدائه وأخبره بسقوط أمرهم وانقطاع دينهم أو عقبهم، فكان المخبر على ما أخبر به.(1)

13

النسخ في الشريعة

اتّفق المسلمون إلاّ من شذّ على جواز النسخ في الشريعة، وليس النسخ دليلاً على جهل الشارع، بل هو بعلمه بعاقبة الأُمور يشرع حكماً ظاهراً في الاستمرار، ومؤقتاً في الواقع، فإذا جاء أمد الحكم ينسخه بحكم آخر. وقد استدلّ شيخنا الطبرسي على جواز النسخ بقوله سبحانه: (وَما جَعَلْنا الْقِبْلَةَ الّتي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعلَم مَنْ يَتَّبعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْه)(2).

قال: وفي هذه الآية دلالة على جواز النسخ في الشريعة، بل على وقوعه، لأنّه قال:(وما جَعَلنا الْقِبلة الّتي كنت عليها)فأخبر أنّه تعالى هو الجاعل لتلك القبلة، وأنّه هو الذي نقله عنها، وذلك هو النسخ.(3)


1 . مجمع البيان:10/838.

2 . البقرة:143.

3 . مجمع البيان:1/418.


( 125 )

14

نسخ السنّة بالقرآن

اتّفق القائلون بالنسخ على أنّ القرآن ينسخ السنّة، وقد استشهد الشيخ الطبرسي على هذه الضابطة بالآية التالية: (واللاّتي يأتينَ الْفاحِشة مِنْ نِسائكُمْ فَاسْتَشهدوُا عَلَيْهِنَّ أَربَعةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت حَتّى يَتَوفّاهُنَّ الْمَوت).(1)

وكان في مبدأ الإسلام إذا فجرت المرأة وقام عليها أربعة شهود حُبسَت في البيت أبداً حتّى تموت، ثمّ نسخ ذلك بالرجم في المحصنين والجلد في البكرين ومنسوخة بسورة النور.(2)

15

نسخ القرآن بالسنّة

اختلف العلماء في نسخ القرآن بالسنّة ، فلو كان المراد من السنّة هو خبر الواحد فلا شكّ انّه دليل ظنّي لا يُنسخ به الدليل القطعي.

إنّ للقرآن الكريم مكانة سامية في الشريعة الإسلامية لا يمكن نسخه


1 . النساء:15.

2 . مجمع البيان:3/34.


( 126 )

بالنقول المظنونة حتّى بالخبر المستفيض، ولو جاز النسخ فإنّما يجوز بالسنّة القطعية، أي الخبر المتواتر أو الخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم.

ثمّ إنّ شيخنا الطبرسي ذكر دليل من قال بأنّه لا يجوز نسخ القرآن بالسنّة، وهو قوله سبحانه: (قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لقاءَنا ائتِ بِقُرآن غَيرِ هذا أَو بَدّلْهُ قُل ما يَكُونُ لِي أَن أُبَدِّلهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفسِي إن أتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحَى إِليّ)(1).

قال: استدلّ بالآية على أنّ نسخ القرآن بالسنّة لا يجوز..

ولكنّه(قدس سره) عدّه أمراً بعيداً وأجاب عن الاستدلال بقوله: لأنّه إذا نسخ القرآن بالسنّة وما يقوله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه يقوله بالوحي من اللّه، فلم ينسخ القرآن ولم يبدِّله من قبل نفسه، بل يكون تبديله من قبل اللّه تعالى، ولكن لا يكون قرآناً، ويؤيّد ذلك قوله :(وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى).(2)

16

رأيه في التصوير

رسماً كان أو مجسَّماً

ذهب الشيخ الطبرسي إلى كراهة التصوير مطلقاً، وقال في تفسير قوله سبحانه: (ثُمَّ اتَّخذتُمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُون)(3) ما هذا لفظه:


1 . يونس:15.

2 . مجمع البيان:5/147.

3 . البقرة:51.


( 127 )

قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْل) أي اتّخذتموه إلهاً، لأنّهم بنفس فعلهم لصورة العجل لا يكونون ظالمين، لأنّ فعل ذلك ليس بمحظور وإنّما هو مكروه، وأمّا الخبر الذي روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لَعَنَ المصوّرين، فالمراد به من شبّه اللّه بخلقه، أو اعتقد فيه انّه صورة .(1)

17

الاتّهام بإنكار علم الغيب

وقد اتّهم شيخ المفسّرين وإمامهم بأنّه من المنكرين لعلم الأئمّة(عليهم السلام) بالغيب تمسّكاً بما قاله في تفسير قوله سبحانه: (يَومَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الغُيُوب).(2)

قال ما هذا لفظه:

وذكر الحاكم أبو سعيد في تفسيره: انّها تدلّ على بطلان قول الإمامية: انّ الأئمّة يعلمون الغيب وأقول: إنّ هذا القول ظلم منه لهؤلاء القوم، فانّا لا نعلم أحداً منهم بل أحداً من أهل الإسلام يصف أحداً من الناس بعلم الغيب ومن وصف مخلوقاً بذلك فقد فارق الدين، والشيعة الإمامية برآء من هذا القول، ومن نسبهم إلى ذلك فاللّه في ما بينه و بينهم.(3)

أقول: ما ذكره أمين الإسلام لا يهدف إلاّ إلى نفي علم الغيب عنهم(عليهم السلام) على


1 . مجمع البيان:1/233.

2 . المائدة:109.

3 . مجمع البيان:3/403.


( 128 )

غرار علمه سبحانه به، وأمّا علم الغيب المكتسب بإذن اللّه سبحانه فلا ينفيه بشهادة قوله: «ومن وصف مخلوقاً بذلك فقد فارق الدين» إذ أيُّ صلة بين مفارقة الدين والقول بأنّ اللّه سبحانه علم شيئاً من العيوب لبعض عباده الصالحين.

والذي يدلّنا إلى مرامه ومقصده ما ذكره في تفسير قوله سبحانه: (وَللّهِ غَيْبُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَليهِ وَما رَبُّكَ بِغافِل عَمّا تَعْمَلُون).(1)

فقال في ذيل هذه الآية ما هذا لفظه: وجدت بعض المشايخ ممّن يتّسم بالعدوان والتشنيع قد ظلم الشيعة الإمامية في هذا الموضع من تفسيره فقال: «هذا يدلّ على أنّ اللّه سبحانه يختص بعلم الغيب خلافاً لما تقول الرافضة: إنّ الأئمّة يعلمون الغيب» ولا شك أنّه عنى بذلك من يقول بإمامة الاثني عشر ويدين بأنّهم أفضل الأنام بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ هذا دأبه وديدنه فيهم، يشنع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم، وينسب الفضائح والقبائح إليهم، ولا نعلم أحداً منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق، فإنّما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد، وهذه صفة القديم سبحانه، العالم لذاته لا يشركه فيها أحد من المخلوقين ومن اعتقد أنّ غير اللّه سبحانه يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملّة الإسلام.

فأمّا ما نقل عن أمير المؤمنين(عليه السلام)ورواه عنه الخاص والعام من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها، مثل قوله وهو يومي به إلى صاحب الزنج: «كأنّي يا أحنف وقد سار بالجيش الذي ليس له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم ، ولا صهيل خيل يثيرون الأرض بأقدامهم كأنّها أقدام النعام».


1 . هود:123.


( 129 )

وقوله يشير إلى مروان:« أمّا أنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبش الأربعة وستلقي الأُمّة منه ومن ولده موتاً أحمر».

وما نقل من هذا الفن عن أئمّة الهدى(عليهم السلام) من أولاده، مثل ما قاله أبو عبد اللّه(عليه السلام) لعبد اللّه بن الحسن وقد اجتمع هو وجماعة من العلوية والعباسية ليبايعوا ابنه محمداً:«واللّه ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنّها لهم ـ وأشار إلى العباسيّة ـ وأنّ ابنيك لمقتولان»، ثمّ نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال له: «أرأيت صاحب الرداء الأصفر؟»ـ يعني أبا جعفر المنصور ـ قال: نعم، فقال:«إنّا واللّه نجده يقتله». فكان كما قال.

ومثل قول الرضا (عليه السلام) : بورك قبر بطوس، وقبران ببغداد، فقيل له: قد عرفنا واحداً فما الآخر؟ قال: ستعرفونه، ثمّ قال: قبري وقبر هارون هكذا ـ وضم أصبعيهـ. (1)

وقوله في القصة المشهورة لأبي حبيب النباحي وقد ناوله قبضة من التمر: «لو زادك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لزدناك».

وقوله من حديث علي بن أحمد الوشاء حين قدم مرو من الكوفة: «معك حلّة في السفط الفلاني دفعتها إليك ابنتك وقالت اشتر لي بثمنها فيروزجاً». والحديث مشهور.

إلى غير ذلك ممّا روي عنهم(عليهم السلام) . فإنّ جميع ذلك متلقّى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أطلعه اللّه عليه، فلا معنى لنسبة من روي عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه


1 . نظير قوله لموسى بن مهران في مسجد المدينة عندما كان هارون يخطب: «أترونني وإيّاه ندفن في بيت واحد». عيون أخبار الرضا:2/226.


( 130 )

يعتقد كونهم عالمين بالغيب، وهل هذا إلاّ سب قبيح وتضليل لهم، بل تكفير لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، اللّه يحكم بينه وبينهم وإليه المصير. (1)

18

ترتيب السور

على رؤية الإمام الطبرسي

نزل القرآن المجيد نجوماً على قلب سيّد المرسلين في فترة تربو على 23 سنة، وقد قضى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من تلك الفترة 13 عاماً في مكة المكرمة و10 في المدينة المنورة، فالسور النازلة في الفترة الأُولى مكية وفي الثانية مدنية، غير أنّ المهم تمييز المكي عن المدني.

وقد أخرج الإمام الطبرسي بسنده عن ابن عباس حديثاً جامعاً يتميّز بها المكي عن المدني ويُزاح بها بعض الأوهام والشبهات التي دارت حول الآيات النازلة في حقّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، وإليك نص الحديث الذي رواه الإمام الطبرسي و لا يستغني عنه أي مفسر، قال:

حدثنا السيّد أبو الحمد محمد بن نزار الحسيني القائيني. قال أخبرنا الحاكم أبو القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه الحسكاني قال: حدثنا أبو نصر المفسر قال: حدّثني عمي أبو حامد إملاء قال: حدّثني الفزاري أبو يوسف يعقوب بن محمد


1 . مجمع البيان:5/313ـ314.


( 131 )

المقري قال: حدّثنا محمد بن يزيد السلمي قال: حدّثنا زيد بن موسى قال: حدّثنا عمرو بن هارون عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس.

قال: أوّل ما أنزل بمكة (اقرأ باسم ربّك)، ثمّ (ن والقلم)، ثمّ المزمّل ،ثمّ المدثر، ثمّ (تبت)، ثمّ (إِذا الشَّمس كوّرت)، ثمّ (سبّح اسم ربك الأعلى)، ثمّ (والليل إذا يغشى)، ثمّ (والفجر)، ثمّ (والضحى)، ثمّ (ألم نشرح)، ثمّ (والعصر)، ثمّ (والعاديات)، ثمّ (إِنّا أَعطَيناك الكوثر)، ثمّ (الهاكم التكاثر)، ثمّ (أرأيت) ثمّ الكافرون، ثمّ (أَلم تر كيف)، ثمّ (قل أعوذ بربّ الفلق)، ثمّ (قُل أعوذ بربّ الناس)، ثمّ (قل هُوا للّه أحد)، ثمّ (والنجم)، ثمّ (عبس)، ثمّ (إنّا أنزلناه)، ثمّ (والشمس)، ثمّ البروج، ثم والتين، ثمّ لإيلاف، ثم ّالقارعة، ثمّ القيامة، ثمّ الهمزة، ثمّ والمرسلات، ثم ق، ثم (لا أُقسم بهذا البلد)، ثمّ الطارق، ثمّ (اقتربت الساعة)، ثم «ص»، ثم «الأعراف»، ثمّ (قل أُوحي)، ثمّ يس، ثمّ الفرقان، ثمّ الملائكة، ثمّ كهيعص، ثم طه، ثمّ الواقعة، ثم الشعراء، ثمّ النمل، ثمّ القصص، ثمّ بني إسرائيل، ثمّ يونس، ثمّ هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثمّ الأنعام، ثمّ الصافات، ثمّ لقمان، ثم القمر، ثم سبأ، ثم الزمر، ثمّ حم المؤمن، ثمّ حم السجدة، ثمّ حمعسق، ثمّ الزخرف، ثمّ الدخان، ثمّ الجاثية، ثمّ الأحقاف، ثمّ الذاريات، ثم الغاشية، ثمّ الكهف، ثم النحل، ثمّ نوح، ثمّ إبراهيم، ثم الأنبياء، ثمّ المؤمنون، ثم ألم تنزيل، ثمّ الطور، ثم الملك، ثم الحاقة، ثم ذو المعارج، ثم عمّ يتساءلون، ثم النازعات، ثم انفطرت، ثم انشقت، ثم الروح، ثم العنكبوت، ثم المطففين، فهذه أنزلت بمكة وهي خمس وثمانون سورة.

ثمّ أنزلت بالمدينة: البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثم الحديد، ثم سورة محمد، ثم الرعد، ثم


( 132 )

سورة الرحمن، ثم هل أتى، ثم ّ الطلاق، ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم إذا جاء نصر اللّه، ثم النور ثم الحجّ، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم سورة الصف، ثم سورة الفتح، ثم سورة المائدة، ثمّ سورة التوبة فهذه ثمان وعشرون سورة.

وقد رواه الأُستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس في كتاب الإيضاح و زاد فيه: وكانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثمّ يزيد اللّه فيها ما يشاء بالمدينة.

وبإسناده عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن البصري: إنّ أوّل ما أنزل اللّه من القرآن بمكة على الترتيب: اقرأ باسم ربّك، و ن، والمزمل ـ إلى قوله:ـ وما نزل بالمدينة ويل للمطففين والبقرة والأنفال وآل عمران والأحزاب و المائدة والممتحنة والنساء وإذا زلزلت والحديد وسورة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) والرعد والرحمن وهل أتى على الإنسان إلى آخره.

و باسناده عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) انّه قال: «سألت النبي عن ثواب القرآن؟ فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء، فأوّل ما نزل عليه بمكة فاتحة الكتاب ثمّ اقرأ باسم ربّك ثمّ ن ـ إلى أن قال: ـ وأوّل ما نزل بالمدينة سورة البقرة ثمّ الأنفال ثمّ آل عمران ثم ّ الأحزاب ثمّ الممتحنة ثمّ النساء ثمّ إذا زلزلت ثمّ الحديد ثم سورة محمد ثم الرعد ثمّ سورة الرحمن ثم هل أتى ـ إلى قوله: ـ فهذا ما أنزل بالمدينة، ثمّ قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف واحد وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً، لا يرغب في تعلم القرآن إلاّ السعداء، ولا يتعهد


( 133 )

قراءته إلاّ أولياء الرحمن.(1)

ثمّ إنّه(قدس سره) استمد بهذا الحديث وغيره على ردّ من زعم انّ سورة الإنسان (هل أتى) مكية فلا يصحّ ما اشتهر من نزول آيات من هذه السورة في حقّ علي وفاطمة والحسنين، أعني قوله سبحانه: (يُوفُونَ بِالنَّذْر وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مَسْتَطيراً)(2)الخ.

حيث أنكر بعض المعاندين نزول هذه الآيات في حقّهم(عليهم السلام) بحجة انّ السورة مكية لا مدنية والحسنان ولدا في المدينة لا في مكة.

ويظهر من شيخ المفسرين انّ هذه الشبهة كانت ذائعة في عصره، فبهذا الحديث حاول أن يردها بأنّ السورة مدنية لا مكية.

وقال في هذا الصدد بعد نقل الحديث: إنّ بعض أهل العصبية قد طعن في هذه القصة بأن قال: هذه السورة مكية، فكيف يتعلّق بها ما كان بالمدينة؟! واستدلّ بذلك على أنّها مخترعة جرأة على اللّه سبحانه وعداوة لأهل بيت رسوله، فأحببتُ إيضاح الحق في ذلك، وإيراد البرهان في معناه وكشف القناع عن عناد هذا المعاند في دعواه على أنّه كما نرى يحتوي على السر المخزون والدر المكنون من هذا العلم الذي يستضاء بنوره ويتلألأ بزهوره، وهو معرفة ترتيب السور في التنزيل وحصر عددها على الجملة والتفصيل، اللّهم أمددنا بتأييدك وأيّدنا بتوفيقك فأنت الرجاء والأمل وعلى فضلك المعول والمتّكل.(3)

ولم تزل هذه الشبهة تدور بين المعاندين والمشككين حتّى أنّ ابن تيمية كرر


1 . مجمع البيان:10/612 ـ 614.

2 . الدهر:7.

3 . مجمع البيان:10/614.


( 134 )

هذه الشبهة وأدان بها العلامة الحلي، فقال: ذكر هذا الرجل (العلامة الحلي) أشياءً في الكذب تدلّ على جهل ناقلها مثل قوله: نزل في حقهم ـ في حق أهل البيت ـ هل أتى، فإنّ هل أتى مكية باتّفاق العلماء، وعلي إنّما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة، وولد الحسن والحسين بعد نزول هل أتى، فقوله: إنّها نزلت فيهم من الكذب الذي لايخفى على من له علم بنزول القرآن وأحوال هذه السادة الأخيار.(1)

وقال ابن حزم: لسنا من كذب الرافضة في تأويلهم (ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) وانّ المراد بذلك علي(رض)، بل هذا لا يصحّ، بل الآية على عمومها وظاهرها لكلّ ما فعل ذلك.(2)

ومع الأسف انّ هؤلاء الذين يرفضون نزول هذه الآيات في حقّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) يصدرون عن الهدى و النص الخفي، وإلاّ فقد نقل نزوله كبار المحدّثين وفطاحل المفسرين حتّى أنّ الحافظ أبا محمد العاصمي أفرد كتاباً في هذا الموضوع أسماه «زين الفتى في تفسير سورة هل أتى» وهو مخطوط لم يطبع، مضافاً إلى أنّه نقله غيره بوفرة وقد أخرج العلاّمة الأميني في غديره مصادر نزول هذه الآيات في حقّ أئمّة أهل البيت ربما تناهز الـ 34 مصدراً.(3)


1 . منهاج الكرامة:2/117.

2 . الفصل في الملل والنحل:4/146.

3 . لاحظ الغدير:3/155ـ 160، ط مركز الغدير للدراسات الإسلامية.


( 135 )

19

الاستدلال على ما تنفرد به الإمامية

إنّ الإمام الطبرسي يذكر في مقدمة الكتاب خصائص تفسيره ويقول: ...والكلام على مطاعن المبطلين فيه وذكر ما يتفرّد به أصحابنا رضي اللّه عنهم من الاستدلالات في مواضع كثيرة،منه على صحّة ما يعتقدونه من الأُصول والفروع، والمعقول والمسموع على وجه الاعتدال والاختصار، فوق الإيجاز ودون الإكثار.(1)

والسابر في مجمع البيان يجد انّ الشيخ الطبرسي أفاض الكلام فيما تنفرد به الإمامية على النحو الذي وصف أي على وجه الاعتدال والاختصار فوق الإيجاز ودون الإكثار، ونحن نذكر نماذج من استدلالاته.

1. الاستدلال على المسح بالقرآن الكريم

من المواضع التي تنفرد بها الشيعة الإمامية هو مسح الرجلين في الوضوء دون غسلهما، و قد كان المسْحُ هو الأمر الرائج في عصر الرسول وبعده بفترة، وكان قسم كبيرمن الصحابة يمسحون الأرجل إلى أن غلبت المصلحة المزعومة على النصّ فصار الغسل هو الرائج بين السنّة، وقد ذكرنا تفسير ذلك في كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف» والشيخ الطبرسي عندما وصل إلى تفسير قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فَاغسِلُوا وُجُوهكُمْ) بيّن


1 . مجمع البيان:1/76.


( 136 )

كيفيّة دلالة الآية المباركة على المسح ، وقال في ذلك الصدد:

اختلف في ذلك فقال جمهور الفقهاء: إنّ فرضهما الغسل، وقالت الإمامية: فرضهما المسح دون غيره، وبه قال عكرمة وقد روي القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عباس وأنس وأبي العالية والشعبي، وقال الحسن البصري بالتخيير بين المسح والغسل، وإليه ذهب الطبري والجبائي إلاّ أنّهما قالا يجب مسح جميع القدمين ولا يجوز الاقتصار على مسح ظاهر القدمُ .

وقال ناصر الحق من جملة أئمة الزيدية: يجب الجمع بين المسح والغسل.

وروي عن ابن عباس انّه وصف وضوء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فمسح على رجليه، وروي عنه أنّه قال: إنّ في كتاب اللّه المسح ويأبى الناس إلاّ الغسل وقال: الوضوء غسلتان ومسحتان.

وقال قتادة: فرض اللّه غسلتين ومسحتين.

وروى ابن علية عن حميد عن موسى بن أنس أنّه قال لأنس ونحن عنده: إنّ الحجاج خطبنا بالأهواز فذكر الطهر، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم واسمحو برؤوسكم وانّه ليس شيء من بني آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبها(1)، فقال أنس: صدق اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)قال فكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.

وقال الشعبي: نزل جبرئيل(عليه السلام) بالمسح، ثمّ قال: إنّ في التيمم يُمسح ما كان غَسْلاً، ويلقى ما كان مَسْحاً.


1 . وفي المطبوع: «عواقيبيهما» والصحيح ما أثبتناه، وهي جمع «عرقوب» وفي الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «ويل للعراقيب من النار».


( 137 )

وقال يونس: حدّثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه إنّما كان يمسح عليها.

وأمّا ما روي عن سادة أهل البيت(عليهم السلام) في ذلك فأكثر من أن يحصى.(1)

تفسير القراءتين على القولين

فمن أوجب الغسل حمل قراءة النصب على أنّه معطوف على وجوهكم في قوله سبحانه: (فاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيديكُمْ) ، كما أنّه حمل قراءة الجر على الخفض بالجوار وربما فسّروا وجه الجر بما عن أبي زيد انّه قال: المسح خفيف الغسل، فقد قالوا تمسحت للصلاة، وقوّى ذلك بأنّ التحديد والتوقيت إنّما جاء في المغسول ولم يجئ في الممسوح، فلمّا وقع التحديد في المسح علم أنّه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد وهذا قول أبي علي الفارسي.

ولا يخفى انّ الجميع لا يخلو من تعسف.

أمّا الأوّل فيلزم الفصل بين المعطوف (وأرجلكم) والمعطوف عليه (وجوهكم) بجملة معترضة تامة، أعني:(وامسحوا برءُوسكم) و هو غير جائز.

وأمّا الثاني: فلأنّ الخفض بالجوار لايجوز في كتاب اللّه، لأنّه لغة شاذة، ومجرد وروده في مثل معروف«حُجر ضب خرب» لا يكون دليلاً على تفسير أفصح الكلام به.

وأمّا الثالث: فلأنّ القول بأنّ التحديد جاء في المغسول ولم يجئ في الممسوح من غرائب الكلام.

فإنّ الممسوح كالمغسول، فالوجه مغسول غير محدد والأيدي مغسولة،


1 . مجمع البيان:3/255.


( 138 )

محددة.

والرأس ممسوح غير محدد، والأرجل ممسوحة محددة بالكعبين.

نفترض صحّة ما ذكره فهل يصحح ما ذكره، التصرفَ في المسح، المقابل للغسل، بحمله على الغسل الخفيف، كلاّ ولا.

ثمّ إنّ الشيخ الطبرسي ذكر وجه القراءتين على القول بالمسح وقال:

وأمّا من قال بوجوب مسح الرجلين حمل الجر والنصب في (وأرجلكم) على ظاهره من غير تعسف.

أمّا الجرّ فللعطف على الرؤوس.

وأمّا النصب فللعطف على موضع الجار والمجرور في برؤوسكم.

وأمثال ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى، ثمّ استشهد بقول القائل:

معاوية اننا بشر فاسجح *** فلسنـا بالجبال ولا الحديدا

حيث عطف الحديد المنصوب على موضع الجبال بالجوار، لأنّه خبر ليس.

ثمّ إنّه(قدس سره) أفاض الكلام في ذلك فمن أراد فليرجع إلى المصدر.(1)

2. الاستدلال على حلية المتعة بالكتاب

اتّفق المسلمون على حلية المتعة في فترة من أعصار الرسالة ثمّ اختلفوا في نسخها في عصر الرسول أو بقائها على الحلية كما كانت، فالشيعة الإمامية ولفيف من الصحابة على الثاني والأكثرية الساحقة من السنّة على الأوّل.

فاستدلّوا على حلية المتعة وشرعيتها ففي عصر الرسالة بقوله سبحانه: (فَمَا


1 . مجمع البيان:3/255ـ256 بتلخيص وتصرّف.


( 139 )

اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنّ فَريضة).(1)

فالأكثر على أنّ المراد بقوله: (فما استمتعتم) هو عقد المتعة، يقول الشيخ الطبرسي في تفسير الآية: والمراد به نكاح المتعة وهو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معين عن ابن عباس والسدي وابن سعيد وجماعة من التابعين، وهو مذهب أصحابنا، وهو الواضح لماذا؟

أقول: إنّ هنا ادّعاءين:

1. المراد من قوله: (وما استمتعتم) هو عقد النكاح سواء أكان عقد دائم أو عقد منقطع، لا الانتفاع والالتذاذ.

2. إذا ثبت انّ المقصود من قوله (وما استمتعتم) هو العقد، لا الاستمتاع العملي، فالمراد هو عقد المتعة، لا عقد الدائم.

أمّا الأوّل فلوجهين:

1. أنّ لفظ الاستمتاع والتمتع وإن كان يطلق على الانتفاع والالتذاذ، لكنّه صار بعرف الشرع مخصوصاً بهذا العقد، لا الاستمتاع العملي، لا سيما إذا أُضيف إلى النساء، فعلى هذا يكون معناه: متى عقدتم عليهن هذا العقد فآتوهن أُجورهن.

2. انّه علّق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع، وهذا يقتضي أن يكون المراد به، هو العقد لا الاستمتاع العملي، لأنّ المهر يجب بالعقد ولا يتوقّف على الجماع.

إلى هنا تبيّن انّ المراد به هو العقد، لا الاستمتاع العملي.


1 . النساء:24.


( 140 )

وأمّا الثاني: أي كون المراد عقد المتعة، لا عقد النكاح الدائم، فلأنّ إيجاب دفع المهر بتمامه بمجرّد العقد من خصائص المتعة، وأمّا عقد النكاح الدائم، فالجميع يثبت بالعقد، ولكن لا يجب دفع الكلّ إلاّ لعد المسّ، فإيجاب دفع الكلّ بمجرّد العقد من خصائص عقد المتعة.

بعض القرائن على أنّ المراد هو عقد المتعة

وقد روي عن جماعة من الصحابة منهم أُبي بن كعب وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن مسعود انّهم قرأوا:«فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى فآتوهن أُجورهن» وفي ذلك تصريح بأنّ المراد به عقد المتعة.

وقد أورد الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت قال: أعطاني ابن عباس مصحفاً فقال: هذا على قراءة أُبيّ، فرأيت في المصحف: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى.

وبإسناده عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ فقلت: بلى، فقال: فما تقرأ «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى»، قلت: لا أقرأها هكذا، قال ابن عباس: واللّه هكذا أنزلها اللّه تعالى ثلاث مرات.

وبما انّ المسلمين اتّفقوا على صيانة القرآن من التحريف، فكلام ابن عباس محمول على تفسير الآية لا انّ قوله«إلى أجل مسمّى» جزء من الآية.

ثمّ نقـل عـن علي(عليه السلام) انّه قـال:لـولا انّ عمر نهى عن المتعة ما زنا إلاّ شقي.

كما نقل عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ولم تنزل


( 141 )

آية بعدها تنسخها فأمرنا بها رسول اللّه وتمتعنا مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ومات ولم ينهنا عنها، فقال بعد رجل برأيه ما شاء.(1)

3. الاستدلال على أنّ الأنبياء يورّثون

اشتهر بعد رحيل الرسول على أنّ الأنبياء لا يورّثون خلافاً لظاهر الكتاب العزيز واتّفاق أئمّة أهل البيت ويدلّ عليه قوله سبحانه ناقلاً عن زكريا(فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُني وَيَرثُ مِنْ آل يَعْقُوب واجعلهُ رَبِّ رَضِيّاً).(2)

قال الطبرسي: واستدلّ أصحابنا بالآية على انّ الأنبياء يورثون المال وأنّ المراد بالإرث المذكور فيها المال دون العلم والنبوّة بأن قالوا إنّ لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلاّ على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال ولا يستعمل في غير دعائه(وَاجْعَلهُ رَبِّ رَضِيّاً) أي اجعل يا ربّ ذلك الولي الذي يرثني مرضياً عندك ممتثلاً لأمرك ومتى حملنا الإرث على النبوة لم يكن لذلك معنى وكان لغواً عبثاً ألا ترى انّه لا يحسن أن يقول أحد اللّهم ابعث لنا نبياً واجعله عاقلاً مرضياً في أخلاقه لأنّه إذا كان نبيّاً فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في النبوة.

ويقوّي ما قلناه أنّ زكريا صرّح بأنّه يخاف بني عمه بعده بقوله: «وإنّي خفت الموالي من ورائي» وإنّما يطلب وارثاً لأجل خوفه ولا يليق خوفه منهم إلاّ بالمال دون النبوّة والعلم لأنّه(عليه السلام) كان أعلم باللّه تعالى من أن يخاف أن يبعث نبياً من ليس بأهل للنبوة وأن يورث علمه وحكمته من ليس لهما بأهل ولأنّه إنّما بعث


1 . مجمع البيان:3/52، دار المعرفة، مع تلخيص وتصرّف.

2 . مريم:5و6.


( 142 )

لإذاعة العلم ونشره في الناس فكيف يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته.

فإن قيل: إنّ هذا يرجع عليكم في وراثة المال لأنّ في ذلك إضافة الضن والبخل إليه.

قلنا: معاذ اللّه أن يستوي الأمران فإنّ المال قد يُرزق المؤمن والكافر والصالح والطالح ولا يمتنع أن يأسى على بني عمه إذا كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا ينبغي بل في ذلك غاية الحكمة فإنّ تقوية الفساق وإعانتهم على أفعالهم المذمومة محظورة في الدين فمن عدّ ذلك بخلاً وضناً فهو غير منصف وقوله: «خفت الموالي من ورائي» يفهم منه انّ خوفه إنّما كان من أخلاقهم وأفعالهم ومعاني فيهم لا من أعيانهم كما أنّ من خاف اللّه تعالى فإنّه خاف عقابه فالمراد به خفت تضييع الموالي مالي وإنفاقهم إيّاه في معصية اللّه تعالى.

20

آزر لم يكن والد إبراهيم

اتّفقت الإمامية على أنّ آباء النبي كانوا موحّدين(1)

وربّما يورد عليهم بأنّ آزر كان أبا إبراهيم وكان مشركاً ومات عليه، قال تعالى: (وَما كانَ استِغْفارُ إِبراهيمَ لأَبيه إلاّ عَنْ مَوْعِدة وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أنّهُ عَدُوٌّ للّهِ تَبَرَّأ مِنْهُ إِنّ إبراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيم).(2)


1 . أوائل المقالات:45.

2 . التوبة:114.


( 143 )

فأجاب أصحابنا بأنّ آزر لم يكن والد إبراهيم، بل كان عمه أو خاله، والأب يستعمل ـ مجازاً ـ في غير الوالد.

وأمّا الوالد، فلا يستعمل إلاّ فيمن ولد الإنسان، والشاهد على أنّه لم يكن والده، انّه(عليه السلام) بشهادة الآية السابقة، تبرّأ منه، ولكنّه في الوقت نفسه دعا في آخريات عمره لوالده، قال سبحانه حاكياً عنه :(ربّنا اغْفِر لِي وَلِوالدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَومَ يَقومُ الحِساب).(1)

وقد صدر عنه هذا الدعاء وهو كبير طاعن في السن كما يحكي عنه سبحانه قبل هذه الآية (الحمدُ للّهِ الّذِي وَهبَ لِي عَلى الكِبرِ إِسْماعِيلَ وَإِسحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَميعُ الدُّعاء).(2)

يقول إمام المفسّرين في هذا الصدد:

واستدلّ أصحابنا بهذا على ما ذهبوا إليه من أنّ أبوي إبراهيم(عليه السلام) لم يكونا كافرين، لأنّه إنّما يسأل المغفرة لهما يوم القيامة، فلو كانا كافرين لما سأل ذلك، لأنّه قال: فلمّا تبيّـن له انّه عدوّ للّه تبرأ منه، فصحّ انّ أباه الذي كان كافراً إنّما هو جدّه لأُمّه أو عمّه على الخلاف فيه.

ومن قال إنّما دعا لأبيه، لأنّه كان وعده أن يسلم فلما مات على الكفر تبرّأ منه على ما روى الحسن، فقوله فاسد، لأنّ إبراهيم(عليه السلام)إنّما دعا بهذا الدعاء بعد الكبر وبعد أن وهب له إسماعيل وإسحاق، وقد تبيّن له في هذا الوقت عداوة أبيه الكافر للّه، فلا يجوز أن يقصده بدعائه.(3)


1 . إبراهيم:41.

2 . إبراهيم:39.

3 . مجمع البيان:5/491.


( 144 )

( 145 )

4

المحقّق علي بن عبدالعالي الكركي

رجل العلم والسياسة (... ـ 940 هـ)

العلماء حصون الإسلام وقلاعه المنيعة وعزّ الدين، فلم يزل الدين مصوناً ببيانهم وبنانهم من هجمات الأعداء ودسائس الأغيار.

العلماء هم البدور المنيرة، والمصابيح الزاهرة، والأنجم الساطعة في غياهب الدُّجى ومتاهات البيداء.

العلماء هم الذين ينفون عن الدين تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد.

وبالتالي العالم في المجتمع كالشمعة المضيئة، ينير الدرب بإذابة ذاته وشخصه ويعبِّد الطريق للسالكين.

هكذا شأن العلماء ووصفهم. وحياتهم طافحة بالتضيحات وبذل النفس والنفيس في طريق هداية الأُمّة.

وقد زخر تاريخ أُمّتنا المجيدة بعلماء كبار أخذوا على عاتقهم صيانة الشريعة عن الدس والانحراف وهداية المجتمع إلى الحقّ اللباب، وقد بذلوا في سبيل ذلك كلّ ما يملكون حتّى أنّ قسماً منهم خاض غمار الشهادة لغاية حفظ الدين.

نعم التاريخ مليء بذكر الحوادث الحلوة والمرة، فالحلوة منها هي حياة


( 146 )

العلماء والمصلحين المحنكين الذين تركوا آثاراً ومواقف في بيئتهم وثنايا أُمّتهم.

ولسنا غالين إذا قلنا: إنّ حياة هذه الجماعة هي الّتي تمثل السطور الذهبية للتاريخ، فعلى الناشئة الاهتمام بتراجمهم والوقوف على ما تركوا من بصمات في حياة أُمّتهم.

***

إنّ الزعيم الكبير أُستاذ الفقهاء والمحقّقين الشيخ علي بن عبد العالي الكركي (عليه سحائب الرحمة والرضوان) الّذي نحن بصدد الإشارة إلى جانب من جوانب حياته، أحد هؤلاء الأفذاذ الذين كتبوا صحائف تاريخهم بخدماتهم الجليلة في المجالات المختلفة: العلمية والاجتماعية والسياسية.

وليس هذا من العجب، إذ هو نبغ في أرض خصبة بالعلم والثقافة وعرفت بالصمود والكفاح منذ أمد بعيد، فهو وليد جبل عامل الّذي أطل على العالم بعلمائه ومفكريه وأبطاله ومجاهديه الذين نذروا أنفسهم للحقّ ووقفوا حياتهم على إعلاء كلمة اللّه في الأرض، ولهم في كلّ زمان زعيم يُقتدى به.

لو افترضنا انّ جبل عامل كان جبلاً من ذهب أو فضة أو سائر الأحجار الكريمة لما كان له تلك القيمة الّتي يثمنها التاريخ، وذلك لأنّ الذهب والفضة زهرتا الحياة الدنيا (وَالْبَاقِياتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلا).

وقد شهد غير واحد من المؤرّخين بدوره في ضخّ الأُمّة بالعلماء والفقهاء الأعلام، وهذا هو القاضي الشهيد التستري يقول في «مجالس المؤمنين»:

ما من قرية هناك إلاّ وقد خرج منها جماعة من علماء الإمامية وفقهائهم.(1)


1 . مجالس المؤمنين:31.


( 147 )

وقد نقل الشيخ الحر العاملي أنّه سمع من بعض مشايخه:

اجتمع في جنازة في قرية من قرى جبل عامل سبعون مجتهداً في عصر الشهيد وما قاربه.

ثمّ يقول: إنّ عدد علمائهم يقارب خمس عدد علماء المتأخّرين، وكذا مؤلفاتهم بالنسبة إلى مؤلفات الآخرين مع أنّ بلادهم بالنسبة إلى باقي البلدان أقلّ من عُشر العشر، أعني: جزءاً من مائة جزء من البلدان.(1)

وما عساني أقول في بلاد ذكرها الإمام الصادق(عليه السلام) حيث إنّه سئل كيف يكون حال الناس في حال قيام القائم(عليه السلام)،وفي حال غيبته، ومَن أولياؤه وشيعته المصابين منهم، المتمثلين أمر أئمّتهم والمقتفين لآثارهم والآخذين بأقوالهم؟

قال(عليه السلام): «بلدة بالشام».

قيل: يابن رسول اللّه إنّ أعمال الشام متسعة؟ قال: «بلدة بأعمال الشقيف أوتون و بيوت و ربوع تعرف بسواحل البحار وأوطئة الجبال».

قيل يابن رسول اللّه هؤلاء شيعتكم؟ قال(عليه السلام): «هؤلاء شيعتنا حقاً، وهم أنصارنا وإخواننا والمواسون لغريبنا والحافظون لسرنا، واللينة قلوبهم لنا والقاسية قلوبهم على أعدائنا، وهم كسكان السفينة في حال غيبتنا، تمحل البلاد دون بلادهم، ولا يصابون بالصواعق، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعرفون حقوق اللّه ويساوون بين إخوانهم، أُولئك المرحومون المغفور لحيهم وميتهم وذكرهم وأُنثاهم، ولأسودهم وأبيضهم وحرّهم وعبدهم وانّ فيهم رجالاً ينتظرون، واللّه يحبّ المنتظرين».

ثمّ يقول شيخنا الحرّ العاملي بعد نقل هذا الحديث:


1 . أمل الآمل، القسم الأوّل:15.


( 148 )

وإن لم أجده في كتاب معتمد لكنّه لم يتضمن حكماً شرعياً وهناك قرائن على ثبوت مضمونه والصفات المذكورة صفات أكثرهم وأغلبهم.(1)

العامليون في إيران

حمل لواء الدولة الشيعية في إبّان ظهورها لفيف من علماء جبل عامل الذين لم يدّخروا جهداً في تعزيز كيانها وتقويمها وتثقيفها بالثقافة الشيعية ولولاهم لما كان لها حظّ من الرقي والتقدّم في مجال الدين والثقافة، فأوّل من هاجر إليها الشيخ المحقّق الكركي الذي أُقيم لتكريمه هذا المؤتمر الكبير.

وهو بهذه الهجرة قد فتح الباب للآخرين، فاقتفوا أثره ويمّموا وجوههم شطر إيران، وإليك أسماء بعض المهاجرين الذين كان لهم دور في تطوير الدولة وتثقيف الشعب الإيراني ونشر الولاء بينهم:

1. الشيخ حسين بن عبد الصمد الجباعي (918ـ 984هـ) والد الشيخ البهائي، هاجر إلى إيران بعد شهادة أُستاذه الشهيد الثاني عام (966هـ)، وعيّن شيخاً للإسلام في قزوين ونُقل إلى مشهد ثمّ إلى هراة ثمّ غادر إيران عام 983هـ إلى البحرين وتوفّي هناك بعد سنة.

2. الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد(953ـ 1030هـ) المشتهر ببهاء الدين العاملي، وهو أحد نوابغ العالم فقد عُين شيخاً للإسلام في اصفهان أيّام حكم الشاه عباس الكبير أعظم ملوك الصفوية فأقام فيها منش آت ومساجد ومدارس.

ويشهد على علو كعبه، آثاره ومصنفاته، كما تشهد على تبحره في العرفان،


1 . أمل الآمل:1/16.


( 149 )

منظومته الّتي يصف فيها الحب الإلهي بقوله:

عشاق جمالك قد غرقوا *** في بحر صفاتك احترقوا

في باب نوالك قد وقفوا *** وبغير صفاتك ما عرفوا(1)

3. الشيخ لطف اللّه بن عبد الكريم الميسي(المتوفّى عام 1032هـ).

حيث بنى له الشاه عباس الكبير المسجد المعروف بمسجد الشيخ لطف اللّه. وهو يعدّ من آثار اصفهان الجميلة.

4. الحرّ العاملي محمد بن الحسن(1030ـ 1104هـ).

المحدّث الإمامي الشهير صاحب وسائل الشيعة، وأحد كبار علماء الإمامية. ولم يزل كتابه «وسائل الشيعـة» مرجعاً للعلماء والفقهاء إلى يومنا هذا.

إلى غير ذلك من فطاحل العلماء الذين كان لهم مواقف مشهودة في تسيير الدولة الصفوية في طريق الكمال.

ولا يظنّ القارئ الكريم أنّ عدد المهاجرين يقف على ما ذكرنا، بل انّ عددهم أكثر من ذلك، وهذا هو الشيخ جعفر المهاجر«حفظه اللّه» قد ذكر في كتابه «الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي» أسماء سبع وتسعين عالماً هاجروا إلى إيران وغذّوا بعلومهم الشعب الإيراني.

وبحقّ أنّ الأُمّة الإيرانية بعامة طبقاتها مرهونة في ولائها وثقافتها الدينيّة لهؤلاء المهاجرين الذين تركوا بلادهم وأوطانهم حبّاً للمبادئ ورغبة في إقامة دولة الحق.


1 . شير و شكر لبهاء الدين العاملي:13.


( 150 )

البلاء للولاء

وبما أنّ «البلاء للولاء» فقد شهدت تلك المنطقة ـ منطقة جبل عامل ـ الموالية لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) اضطهاداً وسياسةً دموية في العهدين: العثماني والفرنسي وقد أُريقت فيها دماءٌ طاهرة وهتكت حرمات كثيرة وقد سبب ذلك مهاجرة لفيف منهم إلى ديار بعيدة.

وهذا هو العالم الشاعر إبراهيم يحيى يصف مظالم «الجزار» وفظائعه على الشيعة في جبل عامل تلك المنطقة الخصبة بالعلم والفضل، وجمال الطبيعة وكانت ولم تزل داراً للشيعة منذ عصور، تلمع كشقيقتها «حلب» في خريطة الشامات، وقد صوّر الشاعر ما جرى عليهم في قصيدته على وجه يدمي الأفئدة والقلوب، وقد هاجر من موطنه إلى دمشق ونظم فيها القصيدة الميميّة نقتطف منها ما يلي:

يعزّ علينا أن نروحَ ومصرنا *** لفرعونَ مغنى يصطفيه ومغنم

منازلُ أهل العدل منهم خليّة *** وفيها لأهل الجور جيش عرمرم

وعاثت يدُ الأيام فينا ومجدنا *** وبالرغم مني أن أقول مهدَّم

ولستَ ترى إلاّ قتيلاً وهارباً *** سليباً ومكبوباً يُغَلّ ويُرغم

وكم علم في عامل طُوّحت به *** طوائح خطب جرحها ليس يلأم

وأصبح في قيد الهوان مكبّلاً *** وأعظمُ شيء عالم، لا يعظّم

وكم من عزيز ناله الضيم فاغتدى *** وفي جيده حبل من الذلّ محكم

وكم هائم في الأرض تهفوا بلبّه *** قوادم أفكار تغور وتتهم

ولما رأيتُ الظلم طال ظلامه *** وانّ صباح العدل لا يتبسم

***


( 151 )

ترحلتْ عن دار الهوان وقلّما *** يَطيب الثوى في الدار والجار، أرقم

تملّكها ـ والملك للّه ـ فاجر *** سواء لديه ما يحلّ ويحرم

عتلّ زنيم، يُظهر الدين كاذباً *** وهيهات أن يخفى على اللّه مجرم(1)

ومع ذلك كلّه نرى الصمود والكفاح مكتوباً على جباه العامليين حيث إنّ سيطرة أمثال الجزّار وأشباهه لم يثن عزمهم عن الاستمرار في الدفاع عن مبدئهم وشرفهم وكيانهم. كما أنّهم لم يغترّوا أخيراً بوعود الأعداء، وتلقوها في كلّ عصر وزمان وعوداً جوفاء وخدعاً فارغة، وهذا هو علاّمة العلماء وسيّد المؤرخين السيّد محسن الأمين(قدس سره) يصف خداعهم ووعودهم في هذين البيتين:

قالوا الشعوب نَفُكّها من رقِّها *** كلاّ بل استِعْبادَها قد راموا

باسم الحماية والوِصايةِ يُجْترى *** حقٌّ لكم وتدوسُكُم أقدامُ

هكذا كان الأجداد في الدفاع عن العز والشرف وقد ورثه الأبناء كابراً عن كابر.

وكفانا في البرهنة على ذلك مشاهدة المقاومة الإسلامية الّتي يقودها أبناء هذه التربة الطيبة، وما يبثّه منارها من روح الجهاد وعزم الكفاح.

نعم هذا العطاء الثرّ للعامليين في كلّ عصر وزمان، إنّما هو ثمرة اقتفائهم لفقهائهم وعلمائهم الواعين بالظروف والعارفين بمسؤولياتهم الملقاة على عاتقهم في كلّ زمان، قال الإمام الصادق(عليه السلام):«العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس».

وعلى رأس هؤلاء ومقدّمهم زعيم الإمامية و محقّقها ومروّج مذهبها في زمانه


1 . الشيعة والحاكمون:196.


( 152 )

علي بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد العالي الكركي العاملي، المعروف بالمحقّق الكركي وبالمحقّق الثاني، ويقال له: علي بن عبد العالي اختصاراً، المولود عام 868هـ والمتوفّى 940هـ.

وتدلّ آثاره وتآليفه ومواقفه السياسية والاجتماعية على أنّه كعبة العلم ومناره، ولجّة الفضل وتيّاره، عالم محقّق، وفاضل مضطلع، حاز قصب السبق في حلبات مختلفة، وما من علم من علوم الشريعة إلاّ وقد شرب من عذبه، وما من فن إلاّ خاض في أعماقه، فهو ذو همة قعساء تناطح السماء.

ففي مجال الكلام متكلم بارع له أفكاره وآراءه، وفي مجال الفقه متخصص قليل النظير بل مبتكر في قواعده وأُصوله، وفي مجال الدراية والرجال فارس حلبتهما ومرتكز لوائهما، وفي دور السياسة وقيادة الأُمّة قائد محنّك عارفٌ بزمانه وظروفه، فلا غرو إذا وصفناه بقول الشاعر:

هو البحر من أي النواحي أتيته *** فلجّته المعروف والجـود ساحله

كما لا عتب على اليراع إذا وقف عن تعريف شخصيته وتبيين مواقفه وتقييم آثاره.

إنّ الإلمام بحياة الشيخ الكركي بكافة جوانبها رهن كتاب مفرد، غير أنّا نشير في هذا الكتاب إلى زوايا خاصة من حياته العلمية والسياسية ليقف القارئ عن كثب على ما للشيخ من فضائل ومناقب وآثار ومؤلفات فتأتي ترجمته الإجمالية ضمن فصول:

الفصل الأوّل: في حياته الشخصية منذ ولادته إلى وفاته.

الفصل الثاني: كلمات الثناء في حقّ المحقّق.


( 153 )

الفصل الثالث: تصانيفه ومؤلفاته.

الفصل الرابع: آراؤه الفقهية.

الفصل الخامس: تلاميذه والمستجيزون منه.

الفصل السادس: حياته السياسية والخدمات الّتي قدّمها للمجتمع.


( 154 )

الفصل الأوّل

حياته الشخصيّة

منذ

ولادته إلى وفاته

هو علي بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد العالي العاملي، زعيم الإماميّة ومفتيها ومروّج مذهبها في عصره، المعروف بالمحقّق الكركي، وبالمحقّق الثاني، ويقال له علي بن عبد العالي اختصاراً، وربما يشتبه بعلي بن عبد العالي بن محمد بن أحمد بن علي بن مفلح الميسي العاملي الشهير بابن مفلح(المتوفّى 938هـ) أحد كبار فقهاء الإمامية وعلمائها الربانيّين وهو والد زوجة الشهيد الثاني.

مولده، وتجواله في البلاد طلباً للعلم والحديث

ولد في «كرك نوح» سنة 868هـ، وبعد ما درس في مسقط رأسه الفقه الشيعي على يد كبار علمائها آنذاك، لم تقتنع نفسه الطموحة بما أخذ فشدّ الرحال إلى سائر البلدان الإسلاميّة، يقول الأفندي التبريزي: قد سافر إلى بلاد الشام ثمّ


( 155 )

إلى بلاد مصر وأخذ عن علمائها.(1)

وقد صرح في بعض إجازاته لتلاميذه بذلك، يقول في إجازته المفصّلة للشيخ إبراهيم الخانيساريّ: وأمّا كتب أهل السنّة في الفقه، فأنّي أروي الكثير منها عن مشايخنا ـ رضوان اللّه عليهم ـ وعن مشايخ أهل السنّة، خصوصاً «الصحاح الستّة» و خصوصاً «الجامع الصحيح» للبخاريّ، و«صحيح أبي الحسن بن الحجّاج القشيريّ النيسابوريّ».

فأمّا روايتي لذلك عن أصحابنا فإنّما هي بالإجازة، وأمّا عن مشايخ أهل السنّة فبالقراءة لبعض المكمّلة بالمناولة، وبالسماع لبعض، وبالإجارة لبعض، فقرأت بعض «صحيح البخاري» على عدّة:

منهم: الشيخ الأجلّ العلاّمة، أبو يحيى زكريا الأنصاريّ،وناولني مجموعة مناولة مقرونة بالإجازة، وأخبرني أنّه يرويه عن جمع من العلماء، منهم: قدوة الحفّاظ ومحقّق الوقت أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر، قال:

أنبأنا به العفيف أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد بن محمّد بن سليمان النيسابوريّ، سماعاً لمعظمه، وإجازة لسائره، قال:

أنبأنا به الرضي أبو إبراهيم بن محمّد الطبريّ، أنبأنا به أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي حرقي، سماعاً إلاّ شيئاً يسيراً، قال:

أنبأنا به أبو الحسن عليّ بن حميد بن عمّار الطرابلسيّ، أنبأنا به أبو مكتوم عيسى بن الحافظ أبي ذرّ عبد بن أحمد الهرويّ، قال:

أنبأنا به أبي، قال: أنبأنا به أبو العبّاس أحمد بن أبي طالب ابن أبي النعم


1 . رياض العلماء:6/441.


( 156 )

نعمة بن حسن بن عليّ بن بيان الصالحيّ الحجّار، عرف بابن الشحنة، سماعاً لجميعه، قال أيضاً:

وأنبأتنا به أُمّ محمّد ستّ الوزراء، وزيرة ابنة عمر بن أسعد بن المنجا التنوخيّة، سماعاً لجميعه إلاّ يسيراً مجبوراً بالإجازة، قالت:

أنبأنا به أبو عبد اللّه الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمّد بن يحيى الزبيديّ، سماعاً، قال:

أنبأنا به أبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى بن شعبة الشجريّ الهرويّ، سماعاً عليه لجميعه، قال:

أخبرنا به أبو الحسن عبد الرحمن بن محمّد بن المظفّر بن داود الداوديّ، قال:

أنبأنا به أبو محمّد عبد اللّه بن حمويه، أنبأنا أبو عبد اللّه محمّد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الغريريّ، قال:

أنبأنا به مؤلّفه الحافظ الناقد أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاريّ.

وأمّا «صحيح مسلم» فإنّي قرأت بعضه على الشيخ العلاّمة الرحلة عبد الرحمن بن الإبانة الأنصاريّ، بمصر في ثاني عشر من شعبان من سنة خمس وتسعمائة، وناولني باقيه مناولة مقرونة بالإجازة. وله إسناد عال مشهور بالصحيح المذكور، وسمعته إلاّ مواضع بدمشق بالجامع الأمويّ على العلاّمة الشيخ علاء الدين البصرويّ، وأجازني روايته ورواية جميع مروياته، وكذا سمعت عليه معظم مسند الفقيه الرئيس الأعظم محمّد بن إدريس الشافعيّ المطّلبيّ.

وأمّا موطأ الإمام العالم مالك بن أنس، نزيل دار الهجرة المقدّسة، فإنّي أرويه بعدّة طرق عن أشياخ علماء الخاصّة والعامّة، وكذا «مسند الإمام المحدّث


( 157 )

الجليل أحمد بن حنبل» و «مسند أبي يعلى» و «سنن البيهقي» و «سنن الدارقطنيّ» و غير ذلك من المصنّفات الكثيرة الشهيرة، وقد اشتمل عليها مواضع ومظانّ هي معادنها، فليرجع إليها عند الحاجة.(1)

كما صرح بذلك أيضاً في إجازته للشيخ أحمد بن محمد خاتون العاملي قال: وقد أخذتُ عن علماء العامّة كثيراً من مشاهير كتبهم.

ففي الفقه مثل «المنهاج» للشيخ الإمام محيي الدين النواويّ، ومثل «الحاوي الصغير» للإمام عبد الغفّار القزوينيّ، ومثل «الشرحين الكبير والصغير على الوجيز» للشيخ المحقّق الإمام عبد الكريم القزوينيّ، وغير ذلك.

وفي الحديث مثل «الصحيحين» للإمامين الحافظين الناقدين البخاريّ ومسلم، وغيرهما من الصحاح، ومثل «المصابيح» للبغويّ، و «مسند الشافعي» و«مسند أحمد بن حنبل».

وفي التفسير مثل «معالم التنزيل» للبغوي أيضاً، و«تفسير العلاّمة القرطبيّ» و «تفسير القاضي البيضاويّ»، و غير ذلك.

فبعض هذه بالقراءة، وبعضها بالسماع، وبعضها بالإجازة، وربّما كان في بعض مع الإجازة مناولة.

وأسانيد هذه موجودة في متون الإجازات الّتي لي من أشياخ أهل السنّة، وبعضها مكتوبة بخطّي وعليها تصحيح من أخذتُ عنه، منهم بخطّه.(2)

كلّ ذلك يدلّ على أنّ المحقّق الكركي قد تحمل مشاق السفر إلى البلدان


1 . كشف الغمّة، مخطوط، نسخة مدرسة النمازيّ في خوي، رقم 161. كما في حياة المحقّق الكركي وآثاره:2/268.

2 . أعيان الشيعة:6/137.


( 158 )

لتحمّل الحديث وغيره عن أساتذة الوقت.

عودته إلى كرك

ثمّ إنّه بعدما طاف البلاد وأخذ ما احتاج إليه من العلوم عاد إلى كرك وبقي فيها فترة قصيرة، وقد شهد على اجتهاده وتوسّعه في العلوم عالمان كبيران من أعيان العصر، هما:

1. علي بن أحمد بن محمد هلال الكركي العاملي الشهير بعلي بن هلال الجزائري(المتوفّى نحو عام 910هـ)، أجازه عام 909هـ قبل هجرته إلى العراق. وسيوافيك نصّ الإجازة في الفصل القادم.

2. إبراهيم بن الحسن الدراق الّذي هو أوثق مشايخ الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي ـ أحد المعارضين للمحقّق الكركي في بعض المسائل الفقهية الّتي لها طابع سياسي، كالخراج وصلاة الجمعة ـ ، و أمّا اجازة الدرّاق للمحقّق الكركي فقد ذكر صاحب «الروضات» أنّه رأى هذه الإجازة، وتاريخها شهر رمضان سنة (909هـ).(1)

ولم يكتفِ صاحبنا بذلك، بل قرّر الذهاب إلى النجف الأشرف المدرسة الكبرى للشيعة، فسار إليها وهو يحمل الإجازتين اللّتين تشهدان على علوّ كعبه ومكانته.

ولكن لم نجد في مصادر ترجمته ما يدلّ على حضوره أبحاث أحد من مشايخ النجف الأشرف، بل لعلّه غادر كرك لأجل نشر ما أخذه على طلاب تلك المدرسة.


1 . لاحظ: الذريعة:10/133.


( 159 )

نزل المحقّق الكركي على النجف الأشرف مدينة العلم وهو يدرِّس، ويفيض و يربي إلى أن احتلت جيوش الدولة الصفوية العراق، ودخل سلطانها بغداد في الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة(عام 914هـ)، وزار العتبات المقدّسة في كربلاء والنجف الأشرف ثمّ عاد إلى إيران.

وطبع الحال يقتضي انّه تعرّف في تلك الفترة على المحقّق الكركي، لأنّه الفقيه البارز المشار إليه بالبنان.

فلما عاد الملك إلى إيران أمر بإرسال الهدايا والصلات إلى المحقّق الكركي حتّى أنّ المصادر تؤكد على أنّه كان يصل إليه في كلّ سنة سبعون ألف دينار شرعي لينفقها على الطلاب والمشتغلين.(1)

كان المحقّق الكركي يدرّس و يؤلف إلى أن وصلت إليه الدعوة من ملك الدولة الصفوية للتوجّه إلى إيران، فلبى دعوته لنوايا دينية، وبقصد تغيير مسيرة الدولة والسعي إلى إقامتها على أساس الموازين الشرعية، وبجعل الحوار الديني بديلاً عن منطق القوة والتسلّط، فأعدّ العدّة للهجرة إلى إيران في أواخر عام (916هـ).

دخل المحقّق الكركي على الشاه إسماعيل بعد فتحه مدينة «هراة»، ثمّ استقر في مدينة مشهد المقدسة فألّف فيها الرسالة الجعفرية الّتي أتمّها في العاشر من جمادى الآخرة، كما انتهى من تأليف «نفحات اللاهوت» في السادس عشر من شهر ذي الحجّة سنة (917هـ).

وظل يرافق الملك في تجواله في البلاد، وتدلّ المصادر على وجوده في منطقة


1 . روضات الجنات:4/360; أعيان الشيعة:8/209.


( 160 )

«سلطانية» التابعة لزنجان عام 918هـ. ومع ذلك كلّه لم يكن النجاح حليفاً للمحقّق في جميع خطواته، ولم تحقّق له رحلته هذه ما كان ينشده من أهداف، لأنّ النوازع النفسية للملك وأخلاقه الخاصة عاقته عن التطوير الّذي كان يتوخّاه في ركائز الدولة، فلم يجد بدّاً من الرجوع إلى العراق في أواخر عام (919هـ) أو عام (920هـ).

الهجرة الثانية إلى إيران

عاد المحقّق إلى العراق بقلب موجَع ونفس حزينة، ومع ذلك كلّه كان يشعر بالارتياح، لأنّه أدى وظيفته الشرعية، فاستقر في النجف الأشرف مشتغلاً بالتدريس والتأليف وتربية الجيل كما يظهر من الإجازات الّتي أصدرها في تلك المرحلة لكثير من العلماء.

وقد توفّي الملك إسماعيل عام (930هـ) وفُوِّض الأمر إلى ولده طهماسب الّذي كان صغيراً عند وفاة والده ولما بلغ استلم الحكم عام (936هـ). وأوّل ما كان يحلم به الملك الجديد هو إعادة العراق لسيطرة الدولة الصفوية بعدما انتزعه منها العثمانيون، فاحتل بغداد في الرابع والعشرين من شهر جمادى الأُولى سنة 936هـ.(1)

ثمّ زار العتبات المقدسة في مدينة كربلاء والنجف وطلب من المحقّق الكركي صحبته، فهاجر إلى إيران في نفس السنة، وبقي فيها ثلاث سنوات وقد وصل الكركي في هذه المرحلة إلى قمة الهرم وحقّق ما كان يطلبه.


1 . أحسن التواريخ:153.


( 161 )

وكان الملك طهماسب على خلاف والده ذا صدر رحب، يحترم آراء وتوجيهات المحقّق الكركي، وفي ضوء ذلك أصدر الملك عام (936هـ) بلاغاً أمر فيه كافة الأمراء والقادة بامتثال أوامره، وتطبيق إرشاداته.

وفي هذا الجو الهادئ والقدرة غير المنازع عليها وجد الكركي أُمنيته فأخذ يوجه إلى حكّام الولايات رسائل مباشرة تتضمّن قوانين العدل وكيفيّة سلوك العمّال مع الرعيّة في أخذ الخراج وكميّته ومدّته، وأخذ يتجول في أنحاء المدن الإيرانية الواسعة، فيعزل من الولاة من لا يراه صالحاً لذلك، ويولي من يراه صالحاً للولاية.

وأمر بإنشاء المدارس وتقوية الحوزات العلميّة، وعيّن في كلّ مدرسة معلّماً يعلّمهم أحكام دينهم، كما أخذ هو على نفسه تعليم كبار رجال الدولة من الأمراء والقادة.

وتشهد الإجازات الّتي منحها لكثير من العلماء على أنّه كان يتجول في البلاد، حيث نرى أنّه أجاز للسيد محمد مهدي ابن السيد محسن الرضوي المشهدي في مدينة قم، كما أنّه أجاز لكمال الدين درويش محمد بن الحسن العاملي في مدينة أصفهان.

ومع أنّه أحرز نجاحاً باهراً في هذه المرّة، إلاّ أنّه ـ و بسبب بعض القلاقل ـ عاد إلى العراق عام (939هـ)، قائماً بوظائفه إلى أن وافته المنية في مدينة النجف بعد سنة ونصف من عودته، وذلك في عام (940هـ). وأرخ عام وفاته بمادة «مقتداى شيعة» المساوية لعام 940هـ.

يقول السيد حسين البروجردي في منظومته الرجالية:


( 162 )

ثمّ علي بن عبد العالي *** محقّق ثان وذو المعالي

بالحق امحى السنة الشنيعة *** لفوته قد قيل «مقتداى شيعه»

ما ذكرناه، ترجمة موجزة لحياة فقيه كبير، كرّس نفسه للعلم وأهله، وتحمل مشاق الأسفار لإقامة لواء العدل وبسط القسط.

فسلام اللّه عليه يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حيّاً.


( 163 )

الفصل الثاني

كلمات الثناء في حقّ المحقّق

اعتقد انّ المحقّق الكركي غني عن نقل أي مدح وثناء في حقّه من غير فرق بين ما صدر عن أساتذته أو معاصريه أو المتأخّرين عنه.

غير أنّ إيقاف القارئ على مكانته العلمية والاجتماعية عن كثب، يقتضي ذكر بعض ما قيل في حقّه من المدح والثناء، وقد جمع الفاضل المعاصر الشيخ محمد الحسون كلمات العلماء في حقّه فبلغت أربعين كلمة لأربعين شخصاً، نقتطف منها ما يلي:

1. ثناء أُستاذه محمد بن علي العاملي

يُعتبر الشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي من أعلام أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر وقد أجاز للمحقّق الكركي وممّا جاء في إجازته:

أمّا بعد فإنّ العلم لا يخفى شرفه وسموّه ومقداره، ولمّا كانت الرواية هي أكبر الوصلة إليه والسبيل إليه. وكان ممّن يشمّ أعلى ذراه، وأحاط بصريحه وفحواه، وهو أهل أن يؤخذ منه، وينقل عنه، ذلك الشيخ الفاضل، والعالم العامل، والرئيس الكامل، زين الإسلام، الشيخ زين الدين علي ولد الشيخ الورع التقي


( 164 )

النقي الزاهد العابد عزّ الدين حسين بن عبد العالي، أعلى اللّه شأنه وصانه عمّا شانه.(1)

2. ثناء أُستاذه علي بن هلال الجزائري

لما استجاز المحقّق أُستاذه عليّ بن هلال الجزائري، أجازه بالتكريم والاجلال، وقال:

وكان بتوفيق اللّه العظيم، وفضل منحه الجسيم، من طلاب هذه الإفادة، والراغبين في نيل هذه السعادة، الشيخ العالم العامل، الفاضل الكامل، المؤيد بالنفس الزكية، والأخلاق المرضية، من منحه اللّه العظيم، بالعقل السليم، والنظر الصائب، والحدس الثاقب، المولى الشيخ زين الدين علي ـ أعلى اللّه مجده ـ ، ابن الشيخ عزّ الدين حسين بن الشيخ زين الدين علي بن عبد العالي، التمس من المملوك إجازة، ولم أكن لذلك أهلاً، لولا خلوّ الزمان من أهل الفضل والكمال، لقلّة البضاعة، وقصور باعي في هذه الصناعة، فأنشدت عند ذلك ما قاله المعلّى وقد مدحه بعض الفضلاء:

لعمر أبيك ما نسب المعلّى *** إلى كرم وفي الدنيا كريم

ولكن البلاد إذا اقشعرّت *** وصوّح نبتها رعي الهشيم

ولكنّي لم أجد المنع جميلاً، ولا إلى ترك الإجابة سبيلاً لتحريم منع العلم عن الطالبين ووجوب بذله لأهله المستحقّين، فأجبت ما التمس بالسمع والطاعة، مع قصور باعي في الصناعة، وقلّة ما معي من البضاعة، وأجزت له أدام


1 . بحار الأنوار:105/20، ط بيروت.


( 165 )

اللّه أيّامه وفضائله وأسبغ عليه نعمه وفواضله، ومدّ له في العمر السعيد ومتّعه بالعيش الرغيد، ورفع ذكره في الخافقين، وبلّغه اللّه بمنّه سعادة الدارين، إنّه خير موفّق ومعين، أن يروي عنّي عن شيخي المولى الشيخ الأعظم العالم العامل الفاضل الكامل الشيخ عزّ الدين حسن بن يوسف الشهير بابن العشرة، وعن شيخي المولى الإمام الأعظم البارز على أقرانه في زمانه ذي النفس القدسيّة، والأخلاق المرضية الشيخ عز الدّين حسن بن الشيخ عزّ الدين حسين الشهير بابن مطر، وعن شيخي المولى الإمام الأجل الأعظم الأفضل الأكمل الأعلم علاّمة علماء الإسلام وخلاصة فضلاء الزمان في زمانه المبرّز على أقرانه أبي العباس جمال الملّة والحقّ والدّنيا والدين، أحمد بن فهد تغمّده اللّه بسوابغ رحمته وأسكنه بأعلى منازل جنّته كتاب قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام من تصانيف الشيخ المولى الإمام الأعظم الأفضل الأكمل الأعلم الشيخ جمال الملّة والحقّ والدّنيا والدين الشيخ الإمام سديد الدين يوسف ابن المطهّر عن والده عن ولده الشيخ فخر الدين.(1)

وفي آخر الإجازة وكتب العبد الفقير إلى رحمة ربّه الغني عليّ بن هلال الجزائري مولداً العراقي أصلاً ومحتداً يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان من شهور سنة تسع وتسعمائة والحمد للّه وحده، وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد المصطفى وآله الطاهرين.(2)

وتعبّـر الإجازة عن مكانته السامية عند أُستاذه وعن إحرازه مرتبة الاجتهاد.


1 . بحار الأنوار:105/28 و 34.

2 . بحار الأنوار:105/28 و 34.


( 166 )

3. ثناء الشهيد الثاني (المتوفّى 965هـ)

قال الشهيد الثاني ـ الغني عن التعريف ـ في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي الجبعي الصادرة له في ليلة الخميس الثالث من جمادى الآخر سنة 941هـ: وعن الشيخ جمال الدين أحمد وجماعة من الأصحاب الأخيار، عن الشيخ الإمام المحقّق نادرة الزمان ويتيمة الأوان، الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي(قدس سره).

وفي مكان آخر من الإجازة قال: ومنها عن شيخنا الجليل المتقن الفاضل جمال الدين أحمد... عن الشيخ الإمام ملك العلماء والمحقّقين نور الدين علي بن عبد العالي الكركي المولد الغروي الخاتمة.(1)

الشيخ الإمام ملك العلماء والمحقّقين.(2)

4. ثناء المجلسي الثاني (المتوفّى 1110هـ)

وصف محمد باقر المجلسي المحقّق الكركي في أوّل كتابه «بحار الأنوار» ـ بعد ذكر مؤلفاته ـ و بقوله:

أفضل المحقّقين، مروّج مذهب الأئمّة الطاهرين نور الدين علي بن عبد العالي الكركي أجزل اللّه تشريفه.

وقال في موضع آخر منه: والشيخ مروّج المذهب نور الدين ـ حشره اللّه مع الأئمّة الطاهرين ـ حقوقه على الإيمان وأهله أكثر من أن تُشكر على أقله وتصانيفه في نهاية الرزانة والمتانة.(3)


1 . بحار الأنوار:105/156.

2 . بحار الأنوار:105/151 و 156.

3 . بحار الأنوار:1/21و 41.


( 167 )

5. ثناء الأفندي التبريزي(المتوفّـى 1134هـ)

وقال الميرزا عبد اللّه أفندي التبريزي حجة التاريخ في عصره في كتابه «رياض العلماء»:

الفقيه المجتهد الكبير العالم العلاّمة شيخ المذهب ومدمّر دين أهل النصب والنواصب.(1)

6. ثناء المحدِّث البحراني(المتوفّـى 1186هـ)

أمّا الشيخ يوسف البحراني فقيه الأخباريّين في عصره، فقد وصفه في كتابه «لؤلؤة البحرين» بقوله:

هو في الفضل والتحقيق وجودة التحبير والتدقيق أشهر من أن يكن، وكفاك اشتهاره بالمحقّق الثاني، وكان مجتهداً صرفاً أُصولياً بحتاً.(2)

7. ثناء شيخ الشريعة الاصفهاني (المتوفّـى 1339هـ)

يعدّ شيخ الشريعة الاصفهاني أحد النوابغ القلائل في القرن الرابع عشر(3) وقد جمع من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلدان، وقد تخرّج عليه أكثر من تأخّر عنه ممّن تسنّم منصة المرجعية للشيعة.

حكى الوالد(قدس سره) وهو ممّن عكف على دروس الشيخ عشر سنين وكتب شيئاً كثيراً من محاضراته الّتي كان يلقيها على تلاميذه في مسجد الطوسي أحد المساجد


1 . رياض العلماء:3/441.

2 . لؤلؤة البحرين:151.

3 . أفرد ترجمته في موسوعة طبقات الفقهاء: القرن الرابع عشر:14/483.


( 168 )

المعروفة في النجف الأشرف.

حكى عن أُستاذه أنّه قال و هو على منبر التدريس: إنّ لعلمين جليلين، حقاً عظيماً في بيان مذهب الشيعة في حقلي العقيدة والشريعة ألا و هما: الشيخ المفيد (336ـ 413هـ)، و المحقّق الكركي.

أمّا الأوّل فقد بذل جهوده في تنقيح عقائد الشيعة، وتهذيبها ممّا ألصقه بها الغلاة عبر الزمان، حيث قام بتصحيح عقائد الصدوق وناقش بعض أُصوله، فبجهوده ازدهر المذهب في حقل العقيدة وعنه صدر من تأخّر عنه.

وأمّا الثاني، فهو برسائله الّتي ألّفها حول مسائل فقهية مختلفة، وبشرحه على القواعد، المسمّى بجامع المقاصد قدأكمل الأُسس والمباني الّتي يرتكز عليها قسم من المسائل الفقهية. فهو و الشيخ المفيد، صنوان على أصل واحد تكاملت بهما مباني المذهب في كلا المجالين.(1)

إلى غير ذلك من كلمات الثناء والتقدير والتبجيل في حقّ شيخنا المحقّق على نحو يتبين للقارئ انّ العلماء على اختلاف مسالكهم ومشاربهم في الفقه اتّفقوا على جلالة قدره وعلوّ كعبه في الفقه وأُصوله، وخدماته الصادقة على الدين وأهله.


1 . سمعته عن الوالد الشيخ محمد حسين السبحاني(قدس سره).


( 169 )

الفصل الثالث

جولة في آثاره وتصانيفه

حقيقة الإنسان هي آراؤه وأفكاره فهي التي تمثِّل شخصيته وثقافته، فالآثار الّتي يتركها العلماء والمحقّقون خير دليل على مدى ما يتمتعون به من اطّلاع ووعي.

إنّ علماءنا الماضين ـ رضوان اللّه عليهم ـ على أصناف:

فمنهم من بلغ القمة في التفكير والمعرفة ولكن قل أثره ونَدَر تأليفه، فهؤلاء هم المتوغلون في المطالعة والدراسة، الحائدون عن الكتابة والضبط.

ومنهم من توغل في التصنيف والتآليف دون تحقيق وتحليل وكان همّه جمع الكلمات من هنا و هناك، فلا يوجد فيها شيء يعد من منتجاته الفكرية، وهذا كأكثر من كتب في التاريخ والتراجم.

ومنهم من جمع بين المنقبتين وصار ذا رئاستين فجمع بين الفكر والقلم فأودع أفكاره في قوالب تآليف تنير الدرب للجيل الآتي، وهم اللامعون بين العلماء لمعان النجوم في الليالي المظلمة كالشيخ المفيد والمرتضى والرضي (الكوكبان في سماء العلم والأدب) والشيخ الطوسي و الطبرسي إلى غير ذلك من الشهب الثاقبة.


( 170 )

إنّ شيخنا المحقّق الكركي في الرعيل الأوّل من الصنف الثالث، فألّف وحقّق فبلغ في التحقيق إلى درجة عالية حتّى سمّي بالمحقّق الثاني، فلم يترك ما جاد به ذهنه الوقّاد للضياع، بل أودعه في قالب التأليف وإن كان أكثر تآليفه يدور حول الفقه والأُصول.

والحقّ أنّ الشيخ الكركي هو الرجل الأمثل في سماء التحقيق، قلّما يسمح الدهر بمثله إلاّ في فترات يسيرة، فهلمّ معي نقف على بعض أسماء كتبه، ممّا له دور في فتاوى الفقهاء المتأخرين ونقدّم الأهم على المهم في الذكر:

1. جامع المقاصد

هذا الكتاب هو بيت القصيد بين مؤلفاته، ألفه في النجف الأشرف أيّام الدولة الصفوية كما أشار إليه في مقدمة الكتاب، وهو شرح لكتاب قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي(المتوفّى سنة 726هـ).

وقد وصل فيه إلى بحث تفويض البضع من كتاب النكاح. وفرغ من هذا الجزء عام 935هـ. ولم يحالفه التوفيق لإكماله، ولعلّ من أحد أسبابه هو مغادرة العراق متوجهاً إلى إيران لإصلاح دفّة الحكم وتطبيقه على صعيد الشريعة.

والكتاب غني عن كلّ تعريف وعن كلّ إطراء وثناء، فهو من أوثق المراجع الفقهية للفقهاء العظام حيث جمع بين العمق والوضوح في التعبير، وقد حكي عن الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر أنّه قال: من كان عنده «جامع المقاصد» و «الوسائل» و «الجواهر» فلا يحتاج إلى كتاب آخر للخروج عن عهدة الفحص الواجب على الفقيه في آحاد المسائل الفرعيّة».(1)


1 . جواهر الكلام(المقدّمة): 1/14.


( 171 )

وكفى في فضله أنّ شيخنا الشهيد الثاني الّذي يضرب به المثل في الفقه والأُصول، صدّر في كتابه «المسالك» عن هذا الكتاب كثيراً.

وبما أنّ «جامع المقاصد» لم يتجاوز عن كتاب النكاح، فقد قام الفاضل الاصفهاني(1136هـ) بإتمامه بتأليف كتاب أسماه «كشف اللثام والإبهام عن قواعد الأحكام»، فابتدأ فيه من حيث انتهى إليه الكركي وأنهاه إلى آخر«القواعد» ثمّ ابتدأ من أوّله، فخرج منه الطهارة والصلاة والحجّ.

2. قاطعة اللجاج في حلّ الخراج

وقد نسبها إليه غير واحد ممّن ترجم للشيخ المحقّق (1) ، وهي وإن كانت رسالة صغيرة في حجمها لكنّها كبيرة في محتواها، تعرّض فيها مصنّفها لمسألة مهمة جدّاً وهي مسألة الخراج وحليّة أخذه من السلطان الجائر، وتعيين الأراضي الخراجية عن غيرها.

انتهى من تأليفه سنة 916هـ، ولعلّ شيخنا المحقّق أوّل فقيه تكلّم عن الخراج على وجه مبسوط، ولما ثقل حكمه بالحليّة على بعض معاصريه ـ أعني: الشيخ إبراهيم القطيفي (المتوفّى عام 945هـ) ـ قام بنقضه بشكل عنيف وأسمى كتابه «السراج الوهّاج لدفع قاطعة اللجاج»، فرغ منه عام 924هـ، و أسلوبه لا يناسب أسلوب التحقيق، البعيد عن التعصب، وسيوافيك التفصيل عن الكتاب في الفصل الخاص بالإشارة إلى آراء المحقّق وأفكاره.

3. صلاة الجمعة

وهي رسالة لطيفة تتّسم بالعمق والشمولية تبحث عن صلاة الجمعة في


1 . أمل الآمل:1/121; رياض العلماء:2/444 إلى غير ذلك.


( 172 )

ثلاث أبواب وخاتمة، وقد انتهى من تأليفها عام 921هـ.

وقد نال الكتاب مكانة عالية بين الفقهاء وقد قام بترجمته من العربية إلى الفارسية الأُستاذ محمد صادق سركاني الّذي كان حيّاً عام 1033هـ.

ثمّ إنّ لشيخنا المحقّق ألواناً من التآليف يتخذها خطوة لما يتبنّاه، فتارة يؤلّف رسائل في مجال الإجابة عن الأسئلة، وأُخرى يُعلِّق على الكتب، وثالثة يفرد بعض المسائل المهمة بالتأليف فنذكر من كلّ قسم بعضه.

أمّا الأجوبة فكالتالي:

1. جواب السؤال عن إثبات المعدوم.

2. جواب السؤال عن أبي مسلم الخراساني.

3. جواب الشيخ حسين الصيمري.

4. جوابات الشيخ يوسف المازندراني

5. جوابات المسائل الفقهية الأُولى.

6. جوابات المسائل الفقهية الثانية.

وأمّا القسم الثاني فهذه حواشيه وتعاليقه على الكتب الفقهية نكتفي بذكر أسمائها:

7. حاشية الألفية، 8. حاشية تحرير الأحكام، 9. حاشية الجعفرية، 10. حاشية شرائع الإسلام، 11. حاشية قواعد الأحكام، 12. حاشية اللمعة الدمشقية، 13. حاشية المختصر النافع، 14. حاشية مختلف الشيعة، 15. حاشية ميراث المختصر النافع.

وأمّا اللون الثالث ـ أعني: إفراد بعض المسائل بالتأليف ـ فكالتالي:


( 173 )

16. السجود على التربة المشوية، 17. شروط النكاح، 18. ملاقي الشبهة المحصورة.

إلى غير ذلك من التآليف الّتي أنهاها المحقّق الشيخ محمد الحسون إلى 82 تأليفاً.(1)

ثمرة ناضجة لحوزة الشهيد الأوّل

إنّ المحقّق الكركي ثمرة ناضجة للحوزة العلمية التي أرساها الشهيد الأوّل محمد مكي العاملي(734ـ 786هـ) وخرّجت جيلاً كبيراً من الفقهاء والمحقّقين وفي طليعتهم:

1. السيد أبو طالب أحمد بن قاسم بن زهرة الحسيني.

2. الشيخ جمال الدين أحمد بن النجار صاحب التعليقة على قواعد العلاّمة الحلّي.

3. الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن بن محمد المكي، وهو ابنه والمجاز منه.

4. الشيخ ضياء الدين أبو القاسم علي بن الشهيد (الأوسط).

5. الشيخ رضي الدين أبو طالب محمد (وهو أكبر أولاده).

6. ولم يقتصر على تربية الرجال بل ربّى ابنته فاطمة التي اشتهرت فيما بعد بلقب ست المشايخ ولما توفيت شارك في تشييع جثمانها سبعون مجتهداً.

7. وأخيرهم لا آخرهم شرف الدين أبو عبد اللّه مقداد بن عبد اللّه (المتوفّى


1 . آثار المحقّق الكركي:2/525.


( 174 )

سنة 826 هـ) ، صاحب المؤلّفات الممتعة.

إلى غير ذلك من عباقرة العصر وأساطين الفقه، وقد أنهاهم محمد رضا شمس الدين في كتابه إلى 32 عالماً كبيراً، ويدلّ هذا العدد على كثرة التلاميذ الكبار الذين تربّو على يديه.

كانت الحوزة العلمية التي أسّسها الشهيد كشجرة مثمرة تؤتي أُكلها كلّ حين ومن ثمراتها الشيخ المحقّق الكركي.

فقد صار في فقهه وأُصوله على ضوء ما تلقّاه من مشايخه الكبار الذين تربّوا في أحضان تلك الحوزة.

وقد كانت الحوزة تتسع وتفيض قرناً بعد قرن إلى أن قضى عليها (الجزار) في أواخر القرن الثاني عشر، الذي قام بأعمال يندى لها الجبين، وهو أخو الحجاج في السفك والقتل.

يحكي الشيخ محمد جواد مغنية تلك الحالة المأساوية التي حلّت بجبل عامل و علمائها وآثارها فيقول:

«وفعل الجزار والي عكا بجبل عامل فعل الحجاج في العراق، فبعد أن قتل الشيخ ناصيف النصار رئيس البلاد العاملية قبض الجزار على عدد من العلماء والرؤساء، وقتل جماعة، منهم العالم السيد هبة الدين الموسى، والسيد محمد آل شكر، والشيخ محمد العسيلي، ومنهم الشيخ علي خاتون الفقيه الطبيب، قال صاحب «أعيان الشيعة» ج41:

«كان عالماً فاضلاً فقيهاً جليلاً متبحراً في علم الطب، وهو من علماء عصر الشيخ ناصيف النصار الوائلي، شيخ مشايخ جبل عامل، قبض عليه أحمد باشا الجزار فيمن قبض من علماء ووجوه جبل عامل، وحبسه في عكا، وعذبه، ثمّ


( 175 )

قتله، وكان يحمي له الساج حتى يحمر، ثمّ يضعه على رأسه».

وانتهب الجزار أموال العامليين، ومكتباتهم، وكان في مكتبة آل خاتون خمسة آلاف مجلد، وبقيت أفران عكا توقد اسبوعاً كاملاً من كتب العامليين،ولم يسلم من ظلم الجزار إلاّ من استطاع الفرار، وفي عهده هاجر علماء جبل عامل مشردين في الأقطار، ومن هؤلاء العالم الشاعر الشيخ إبراهيم يحيى هرب من الجزار إلى دمشق، وفي نفسه لوعة وحسرة، وذكر فظائع الجزار لا تفارقه بحال، وقد صورها، وهو شاهد عيان، في قصائد تدمي الأفئدة والقلوب».(1)


1 . الشيعة والحاكمون:195ـ 196.


( 176 )

الفصل الرابع

تلاميذه والمستجيزون منه

إنّ تربية جيل كبير في مجال من المجالات العلمية، دليل على أنّ المربي ذو كفاءة عالية ومواهب فذة تتجلّى في مقدرته على النهوض بهذه المهمة وتخريج الجمّاء الغفير في حقل من الحقول.

ولا أنسى قول الشيخ المصلح محمد حسين كاشف الغطاء (1295ـ 1373هـ) حينما سُئل عن الأعلم بعد رحيل السيّد الاصفهاني في النجف الأشرف قال: إنّ الموفق في مجال التعليم والتأليف في مجال الفقه والأُصول هو الأعلم.

ولعلّ القارئ يتصوّر واهماً أنّ بيان الشيخ بيان خطابي، والحقّ أنّه بيان موضوعي مطابق للقوانين العلمية. نعم ليست القاعدة هي ضابطة كلية بل غالبية.

وممّا حباه اللّه سبحانه للمحقّق الكركي انّ التوفيق حالفه في كلا المجالين: مجال التأليف والتصنيف ومجال التعليم والتربية، فقد تخرّج من مدرسته جمع كبير، يعدون من الرعيل الأوّل من فقهاء القرن العاشر وممّن يشار إليهم بالبنان.

وانبرى هؤلاء التلامذة لنقل آراء شيخهم وأُستاذهم إلى الآخرين، وقد


( 177 )

تصدّى الفاضل المحقّق محمد الحسون في موسوعته لاستخراج أسماء تلاميذ شيخنا، فأحصى56 شخصية علمية انتهلت من معين علمه، ونحن نذكر بعض مشاهيرهم، ولعلّ هناك شخصيات أُخرى تتلمذت عليه ولكن أهمل التاريخ أسماءهم.

1. الشيخ عبد اللّه اليزدي(المتوفّى 981هـ)

هو عبد اللّه بن حسين اليزدي نزيل النجف الأشرف العالم الإمامي المنطقي صاحب الحاشية على تهذيب المنطق المعروفة بحاشية ملاّ عبد اللّه، ويلقب بـ«نجم الدين».

وصفه المحبّي في «خلاصة الأثر» بعلاّمة زمانه وقال: كان منهمكاً على المطالعة والاشتغال بالعلم ومنحه لمستحقيه، وكان مبارك التدريس ما اشتغل عليه أحد إلاّ انتفع به.

وقال الأفندي التبريزي: العلاّمة المتكلّم الفقيه المنطقي. و كانت له مدرسة دينية في النجف الأشرف.(1)

2. عبد العلي بن علي الاسترآبادي(كان حياً 929هـ)

ضياء الدين عبد العلي بن نور الدين علي الاسترآبادي. صحب المحقّق الكركي ـ لما ورد عليهم أستراباد ـ مدّة من الزمان.

ثمّ ارتحل إلى النجف الأشرف، وجاور بها مدّة، عاكفاً على الخوض في علوم الشريعة، فلازم الكركي المذكور، وقرأ عليه بعض الكتب الفقهية، وسمع بقراءة


1 . انظر ترجمته في موسوعة طبقات الفقهاء:10/133.


( 178 )

غيره جملة كثيرة، فممّا سمعه كتاب «إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان» للعلاّمة الحلّي، وحواشي أُستاذه على الكتاب المذكور، والجزء الأوّل من كتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام للمحقّق الحلّي وغير ذلك.

ثمّ أجاز له في شهر رمضان سنة (929هـ) بالتدريس والإفادة ورواية جميع ما للرواية فيه مدخل من معقول ومنقول وفروع وأُصول وفقه وحديث وتفسير، واصفاً إياه بالشيخ الأجل... قدوة الفضلاء، زبدة العلماء.(1)

3. أسد اللّه التستري(المتوفّى 966هـ)

هو أسد اللّه بن زين الدين المرعشي التستري الفقيه الإمامي المعروف بشاه مير. أخذ عن المحقّق علي بن عبد العالي الكركي وبرز في العلوم، ثمّ تقلد منصب الصدارة في البلاد الإيرانية في عهد طهماسب الصفوي في حدود سنة 946هـ.

وكان فقيهاً متكلّماً محدثاً زاهداً، شاعراً.

كتب حواشي على عدة كتب منها: قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي، وشرائع الإسلام للمحقّق الحلّي، الكافي للكليني، شرح تجريد الاعتقاد وشرح الجغميني في الهيئة.(2)

4. ابن خاتون(كان حيّاً عام 934هـ)

أحمد بن محمد بن خاتون العاملي العيناثي، وصفه الشهيد الثاني بالإمام


1 . انظر ترجمته في موسوعة طبقات الفقهاء: 10/129.

2 . موسوعة طبقات الفقهاء:10/65.


( 179 )

الحافظ المتقن، خلاصة الأتقياء والفضلاء والنبلاء.(1)

قرأ على المحقّق الكركي وأجاز له ولولديه نعمة اللّه علي، وزين الدين جعفر في الخامس عشر من شهر جمادى الأُولى سنة (931هـ).

نذكر من الإجازة ما يلي: وبعد: فإنّ الأخ في اللّه المرتضى للأُخوّة الشيخ العالم الفاضل الكامل بقية العلماء ومرجع الفضلاء جامع الكمالات، حاوي محاسن الصفات، بركة المسلمين، عمدة المحصّلين،ملاذ الطالبين، جمال الملّة والدين أبي عبد اللّه أحمد بن محمّد، الشهير بابن أبي خاتون العاملي، أدام اللّه تعالى أيّام الخلف الكريم، وتغمّد بمراحمه السلف البرّ الرحيم.

التمس من هذا الضعيف، كاتب هذه الأحرف بيده الجانية، علي بن عبد العالي ـ تجاوز اللّه عن ذنوبه، وأسبل ستره الضافي على سيّئاته وعيوبه ـ أن أُجيزه مع ولديه السعيدين النجيبين، المؤيّدين من اللّه سبحانه بكمال عنايته: الشيخ نعمة اللّه علي، والشيخ زين الدين جعفر ـ أبقاهما اللّه بقاء جميلاً في ظل والدهما، لا زال ظلّه ظليلاً ـ برواية جميع ما يجوز لي و عنّي روايته، ممّا للرواية فيه مدخل، من معقول ومنقول، خصوصاً ما أملاه خاطري الفاتر على قلم العجز والتقصير من مؤلّف اقتفيت به أثر مَن تقدّمني، ومصنّف، حاولت فيه سلوك من سبقني، على ما أنا فيه من قصور الهمّة، وسكون الفكرة، وفتور العزيمة، وتباعد الرواية، وكثرة الشواغل، ومضادة الزمان.

فلم أجد بدّاً من مقابلة التماسه بالإجابة; لأُمور عديدة توجب عليّ ذلك وإن كنت حريّاً بأن لا أفعل.(2)


1 . بحار الأنوار:105/151 ضمن الإجازة 53.

2 . موسوعة طبقات الفقهاء:10/52; أعيان الشيعة:3/137.


( 180 )

5. علي بن عبد الصمد(كان حيّاً 935هـ)

ابن محمد بن علي الحارثي الهمداني، نور الدين أبو القاسم الجبعي العاملي، عمّ العالم الشهير بهاء الدين العاملي.

قرأ على المحقّق الكركي بالنجف الأشرف جملة من رسالته «الجعفرية» في فقه الصلاة وسمع معظمها، فأجاز له في سنة (935هـ) روايتها ورخّصه بالعمل بما تضمنته من الفتاوى.

وأخذ أيضاً عن الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي (المتوفّى966هـ).

وكان فقيهاً محدثاً شاعراً، من جلّة علماء الإمامية.

صنّف كتاب الدرة الصفية في نظم «الألفية» في فقه الصلاة للشهيد الأوّل.

ولم نظفر بتاريخ وفاته.

وهو أكبر من أخيه الحسين (المتوفّى 984هـ) والد بهاء الدين، لكنّه أقلّ شهرة منه.

وقد أجاز له المحقّق الكركي وإليك نصّ الإجازة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

وبعد، فقد قرأ عليّ جملة من الرسالة الموسومة بـ«الجعفريّة» في فقه الصلاة وسمع معظمها، الصالح الفاضل الشيخ نور الدين ابن الشيخ الفاضل عمدة الأخيار ضياء الدين عبد الصمد، ابن المرحوم المقدّس، قدوة الأجلاّء في العالمين، شمس الدين محمّد الجبعيّ، أدام اللّه تعالى له التوفيق وسلك به الطريق.

وقد أجزتُ له روايتها عنّي، ورخّصته بالعمل بما تضمّنته من الفتاوى الّتي


( 181 )

استقرّ عليها رأيي وقوي عليها اعتمادي، فليروها كما شاء وأحبّ موفّقاً.

وكَتَبَ هذه الأحرف بيده الفانية، مؤلّفها الفقير إلى اللّه، عليّ بن عبد العالي، بالمشهد المقدّس الغرويّ، في خامس شهر رجب سنة خمس وثلاثين وتسعمائة.(1)

هذه نماذج من تلاميذ شيخنا المحقّق الكركي ومن أراد التوسع فليرجع إلى موسوعة طبقات الفقهاء في القرن العاشر ليرى أنّ قسماً كبيراً من فقهاء الشيعة تتلمذوا عليه، وتخرّجوا من مدرسته.

ونحن إكمالاً للموضوع نستخرج أسماء من تخرج عليه:

1. إبراهيم الميسي، 2. إبراهيم الخوانساري (الخانيساري)، 3. أبوالبركات، 4. أبو المعالي الاسترابادي، 5. أسد اللّه التُّستري، 6. أحمد الجامعي، 7. أحمد بن خاتون، 8. أحمد الخوانساري(الخانيساري)، 9. بابا شيخ علي، 10. باختيار، 11.جابر العاملي، 12. جعفر بن خاتون، 13. حسن العزيزي، 14. حسن الاسترابادي الجرجاني، 15. حسن الموسوي الكركي، 16. حسن الجامعي، 17. حسين الموسوي الكركي، 18. حسين بن عدار، 19. حسين الهجري، 20.حسين الحرّ، 21. درويش محمّد العاملي، 22. رحمة الفتّال، 23. زين الدّين الفقعاني، 24. عبد الحيّ الاسترابادي، 25. عبد العالي الكركي، 26. عبد العباس الجزائري، 27. عبد العلي بن أحمد الاسترابادي، 28. عبد اللّه اليزدي، 29. عطاء اللّه الآملي، 30. علي بن خاتون، 31. علي الجزائري، 32. علي الزواري، 33. علي الاسترابادي، 34. علي الجبعي، 35. علي الميسي، 36. علي البسطامي، 37. علي بن هلال الكركي، 38. القاضي صفي الدين عيسى، 39. فخر الدين الاسترابادي، 40. قاسم عذافة، 41. محمّد الاسترابادي، 42. محمّد


1 . رياض العلماء:4/115.


( 182 )

الأبهري الحموي، 43. محمّد الحسيني الاسترابادي، 44. محمّد الجزائري، 45. محمّد الكاشاني، 46. محمّد الرلاس، 47. محمّد بن خاتون، 48. محمّد الاسترابادي، 49. محمّد الحافظ الزواري، 50. محمّد علي بن مقصود علي، 51. محمّد مهدي الرضوي، 52. محمود الجاپلقي، 53. محمود الميبدي، 54. نعمة اللّه الحلّي، 55. يحيى البحراني المفتي.

(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ).(1)


1 . الأنعام:90.


( 183 )

الفصل الخامس

آراؤه الكلامية والأُصولية والفقهية

إنّ شيخنا الكركي(قدس سره) وإن كان من أكابر الفقهاء وأعاظم المجتهدين، ولكنّه في شبابه ومقتبل عمره طوى مسافات شاسعة لتحصيل شتى العلوم : العقلية والنقلية، وجدّ حتّى ضرب في كلّ علم بسهم وافر. فلا عجب ـ إذن ـ أن نجد له آراء في الكلام والأُصول والرجال، وفي الأدب العربي أيضاً، إلاّ أنّنا نقتصر هنا على بيان بعض آرائه في الحقول التالية:

1. الكلام.

2. أُصول الفقه.

3. الفقه.

وإليك البيان:


( 184 )

آراؤه الكلامية

1. موضوع علم الكلام

اختلفت كلمة المتكلّمين في تحديد موضوع علم الكلام وبالتالي في تعريفه. تجد كلماتهم في بداية كتبهم، وقد عرّف المحقّق الكركي علم الكلام وأوضح في ثناياه موضوعه وقال: علم الكلام هو الباحث عن وجوب وجود اللّه تعالى وصفاته وعدله والنبوة والإمامة والمعاد على قانون الإسلام.(1)

وبعبارة أُخرى: هو العلم الباحث عن وجوب وجود اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله.

فالبحث عن وجود الواجب وصفاته وأفعاله هو موضوع علم الكلام، والنبوة والإمامة وإن ذكرتا مستقلتين لكنّهما من شعب أفعاله، حيث إنّ النبوة عبارة عن بعث الأنبياء للتبشير والإنذار، والإمامة عبارة عن نصب الإمام من جانبه تعالى أو تنفيذ ما نصبته الأُمّة في مجال رئاسة الدين والدنيا.

كما أنّ المعاد شعبة من شعب أفعاله وهو إحياء الموتى يوم الحشر والنشر لأجل الحساب والجزاء، فاللّه سبحانه بما له من الصفات والأفعال موضوع الفقه الأكبر.


1 . حاشية الألفية:25.


( 185 )

وقد جاء بهذا التعريف في مكان آخر وقال: علم الكلام هو العلم الباحث عن الذات الإلهية وصفاتها وأفعالها والنبوة والإمامة والمعاد على قانون الإسلام(1)، ومن سبر الكتب الكلامية واختلاف المتكلّمين في تبيين(2) الموضوع في ذلك المجال يقف على أنّ المحقّق الكركي أتى بالتعبير الواضح مع الإدلاء بموضوع العلم.

وأمّا البحث في الطبيعيات أو الأُمور العامّة فهما خارجان عن علم الكلام وإنّما يبحث عنهما المتكلّم استطراداً، أو لغرض المجاراة مع الحكماء، حيث إنّ الحكمة تنقسم إلى أقسام ثلاثة:

1. الأُمور العامة: وهي نعوت كلّيّة تعرض الموجود من حيث هو موجود، ككونه واجباً أو ممكناً، أو علّة أو معلولاً، وهكذا.

2. الطبيعيات والفلكيات.

3. الإلهيات.

فهذا القسم الأخير، يشكّل علم الكلام.

2. كونه سبحانه عادلاً مع الإلماع إلى دليله

العدلية من المتكلّمين كالإمامية والمعتزلة يصفونه سبحانه بالعدل، كما يصفون أفعاله بالحكمة، وغيرهم كالسلفية والأشاعرة يقولون: إنّ كلّ ما يصدر منه عدل وحكمة وإن كان عند العقل ظلماً وعبثاً، فلو عذّب البريء فهو عدل وحكمة، ولو أثاب الجاني وأدخله الجنة فهو أيضاً عدل وحكمة، وليس


1 . شرح الألفية:26.

2 . لاحظ شرح المواقف للسيد الشريف الجرجاني، وشرح المقاصد للتفتازاني.


( 186 )

للإنسان أن يحكم على اللّه بشيء.

ولكنّهم لا يفرّقون بين الحكم على اللّه وبين استكشاف حال أفعاله من التدبّر في صفاته; والعدلية لا يحكمون على اللّه سبحانه بشيء، إذ (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ)ولكن يستكشفون حال أعماله من خلال صفاته، فهو بما أنّه حكيم لا يصدر منه العبث، وبما أنّه غني لا يصدر منه الظلم.

وقد عرّف المحقّق الثاني العدلَ بأوضح الوجوه مع الإشارة إلى دليله، قال: العدل هو العلم بكونه لا يفعل القبيح، ولا يرضى به، ولا يأمر بالقبائح، ولا يُخلّ بواجب تقتضيه حكمته، ولا يكلّف بما ليس بمقدور، لأنّ فاعل القبيح: إمّا جاهل بقبحه، أو محتاج إليه، واللّه سبحانه منزّه عن الجهل والحاجة.

وبأنّ الطاعات والمعاصي الصادرة عن العباد باختيارهم، ولهذا استحقّ المطيع الثواب والعاصي العقاب.(1)

فقوله:«لأنّ فاعل القبيح...» برهان كونه عادلاً، فلاحظ.

3. الغرض للفعل لا للفاعل

اختلف المتكلّمون في أنّ أفعاله سبحانه معلّلة بالأغراض أو لا؟ فالأشاعرة على الثاني قائلين بأنّ إثبات الغرض لفعله سبحانه آية الحاجة، وهو الغني المطلق، وفعله غنيّ عن الغرض.

وقد غاب عنهم أنّ نفي الغرض عن فعله سبحانه على الإطلاق، يستلزم أن يكون فعله عبثاً، وسدى، مع أنّه سبحانه حكيم وفعله نزيه من العبث، يقول


1 . الرسالة النجمية:7.


( 187 )

سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ).(1)

إنّ الغرض الّذي تثبته العدلية هو الغرض المترتّب على الفعل لا الغرض العائد إلى الفاعل. وكم هو الفارق بين أن نقول: للفاعل غرض يطلبه من خلال ايجاد الفعل وأن نقول: للفعل غاية، تترتّب عليه، دون أن يطلبها الفاعل لنفسه وإذا أردنا أن نصبّ الفكرة في صورة المثال، نقول:

الإنسان الثريّ يقوم بتأسيس مستشفى لعلاج الفقراء والمساكين، فالفاعل غنيّ عن هذا العمل، لأنّه ثريّ يقوم الأطباء بعلاجه كلّما مرض، ولا يدخل ذلك المستشفى طيلة عمره، ومع ذلك كلّه فليس لنا أن نشبّه عمله بعمل الصبيان الفارغ عن الغرض والهدف، بل لفعله غرض عقلائي يترتّب عليه، وإنّما الفارق أنّ النفع في العمل لا يعود إليه شخصياً، بل يعود إلى غيره.

وقد أشار إلى تفسير ما ذكرنا شيخنا المحقّق بقوله: العقل يحكم بأنّ المختار لابدّ من فعله للغرض(2)، وإن لم يكن لفاعله غرض.

4. الإمامة من الأُصول

اختلفت كلمة المتكلّمين في أنّ الإمامة هل هي من الأُصول أو من الفروع؟

ذهب أهل السنّة إلى أنّها من الفروع، لأنّها من أقسام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يجب على الأُمّة القيام بهذين الواجبين، ولا يتم إلاّ بنصب الإمام; وذهبت الشيعة إلى أنّها من الأُصول، وذلك لأنّ الإمامة عبارة عن استمرار


1 . المؤمنون:115.

2 . اثنتا عشرة مسألة:60.


( 188 )

وظائف النبوة(لا استمرار النبوّة) فيقوم الإمام مقام النبي في أداء ما كان يجب على النبيّ في مجال تبيين الشريعة وهداية الأُمّة وتأمين البلاد وسدّ ثغورها، سوى الوحي فإنّه ينقطع بموته(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا كان واجب الإمام نفس واجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فليكن البدل بحكم المبدل.

قال المحقّق:«إنّها خلافة عن النبوة الّتي هي من الأُصول فتكون الإمامة كالنبوّة».(1)

ثمّ استدلّ على أنّها من الأُصول بوجه آخر ـ أعني الحديث المعروف : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» ـ حيث قال: إنّه صريح في الدلالة على أنّ الإمامة من الأُصول، لأنّ الجاهل بشيء من فروع الدين ـ وإن كان واجباً ـ لا تكون ميتته ميتة جاهلية، إذ لا يقدح ذلك في إسلامه وإيمانه.(2)

5. عدالة الصحابة بين العاطفة والبرهان

ذهب أهل السنّة إلى عدالة الصحابة كلّهم أجمعين، وذهبت الإمامية إلى أنّ حكم الصحابة حكم التابعين، ففيهم الصالح والطالح والعادل والفاسق. فلو كان أخذ الدين عن الصحابة دليلاً على عدالتهم فليكن أخذه عن التابعين دليلاً على عدالتهم.

وقد استدلّ شيخنا المحقّق على إبطال القضيّة الكلّية (عدالة الصحابة كلّهم بلا استثناء) بالعلم الإجمالي بوجود المنافقين المندسّين بين الصحابة ولم يكن عددهم قليلاً كما أنّهم لم يكونوا معروفين ولا متميّزين،لقوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ


1 . نفحات اللاهوت:46ـ 50.

2 . نفس المصدر.


( 189 )

لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ).

وقوله سبحانه(1): (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).(2)

ومع تواجد المنافقين بينهم بكثرة، يمتنع الحكم بعدالة كلّ مَن يُدْعى صحابيّاً إلاّ أن يقوم عليها دليل من الخارج.

فإن قيل: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عارفاً بهم، لقوله تعالى:(فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ).(3)

قلنا: ليس كلامنا في معرفته، بل في معرفة باقي الخلق.

وقد استدلّ أهل السنّة بآيات الترضّي على السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، وقد أجاب عنها المحقّق بأنّه لو افترضنا دلالتها على ثبوت العدالة، لكنّها إذا ثبتت في زمان لا يمتنع زوالها، بل لا يمتنع زوال الإسلام، كما في صاحب موسى. قال اللّه تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آياتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).(4)

وكان قد أُوتي علم بعض كتب اللّه، وقيل: كان يعرف اسم اللّه الأعظم، ثمّ كفر بآيات اللّه، وإذا كان كذلك فلابدّ من تتبع أحوال الصحابة في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد موته ليعلم من مات منهم على العدالة، ولا طريق لذلك إلاّ ما ورد في السير والتواريخ.


1 . محمد:30.

2 . التوبة:101.

3 . محمّد:30.

4 . الأعراف:175ـ 176.


( 190 )

ثمّ إنّه(قدس سره) أيّد كلامه بما أخرجه البخاري من حديث الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّه كان يحدّث عن بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:

«يرد عليّ الحوض رجال من أُمّتي فيحلّؤون عنه فأقول: يا ربّ أصحابي!! فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى».

قال: وأخرجه أيضاً تعليقاً من حديث ابن شهاب مثله.(1)

قلت: قال في الصحاح: حلأت الإبل عن الماء تحلئة وتحليئاً: إذا طرحتها عنه ومنعتها أن تروى. قال الشاعر:

محلأ عن سبيل الماء مطرود.(2)


1 . صحيح مسلم:4/2194ـ 2195/58.

2 . الصحاح:1/45، مادة حلأ.


( 191 )

آراؤه الأُصولية

لشيخنا المحقّق آراء أُصولية، نذكر منها ما يلي:

6. من علامات الوضع، حسن الاستفهام

ذكر الأُصوليون علامات للوضع وبالتالي لكون اللفظ حقيقة في المعنى المستعمل فيه، وتلك العلائم عبارة عن:

1. التبادر، 2. صحة الحمل، 3. الاطراد.

وقد بسطوا الكلام في تبيين هذه العلامات.

وقد أضاف شيخنا المحقّق علامة أُخرى وهو حسن الاستفهام، وإن شئت قلت: حسن التقسيم.

وقال في توضيحه: حسن الاستفهام عن كلّ من الأمرين آية كون اللفظ حقيقة في كلّ منهما، مثلاً إذا قال القائل: هذه تربة فإنّه يحسن أن يقال: هي تربة مشوية أو غير مشوية؟! وحسن الاستفهام دليل الحقيقة.(1)

ولك أن تقول: إنّ حسن التقسيم آية الحقيقة، وكلا التعبيرين يهدفان إلى أمر واحد.


1 . السجود على التربة المشوية:19.


( 192 )

وقد طبّق شيخنا المحقّق تلك القاعدة على كون صيغة الأمر حقيقة في الواجب العيني والكفائي والتعييني والتخييري وقال: ويؤيّده أنّه يقبل القسمة إلى الأقسام كلّها، ومورد القسمة يجب اشتراكه بين الأقسام.

7. الأصل يقدّم على الظاهر

إذا كان مقتضى الأصل مخالفاً لمقتضى الظاهر فالضابطة عند شيخنا المحقّق هو تقديم الأصل على الظاهر وإنّما يعدل عنها في مواضع نادرة كغسالة الحمام ـ على القول بنجاستها ـ و نظيرها حيث إنّ مقتضى الأصل هو الطهارة ومقتضى الظاهر هو النجاسة، وأمّا في غير هذا المورد فالأمر على العكس.

يقول شيخنا المحقّق في تبيين تلك الضابطة: إنّ العمل بالظاهر في الحقيقة رجوع إلى قرائن الأحوال وما استفيد من العادات المتكررة فينبغي لذلك أن يكون بينه و بين جنس الحكم ـ الذي يطلب جعله دليلاً عليه ـ ملائمة....

مثلاً: لمّا لم يعتبر الشارع الظاهر بالنسبة إلى النجاسات في غالب الأحوال حكم بطهارة ثياب مدمني الخمر، وطهارة سؤر الحائض المتّهمة، وطهارة أواني المشركين وما بأيديهم،وطين الطريق واستحباب إزالته بعد ثلاثة أيام من انقطاع المطر، والحكم بنجاسة البئر بالجيفة حين الوجدان لا قبله، وطهارة ما تناله أيدي الناس على اختلاف فرقهم وتباين آرائهم في الطهارات والنجاسات، وطهارة ما لا يكاد ينفك من النجاسات كحافّات البئر، والرِّشا وحافات العين، وغير ذلك من الأُمور التي تقتضي الظاهر، بل يكاد يحصل اليقين عادةً بعدم انفكاكها من النجاسة.

وقد بلغ عمله بالأصل إلى درجة أخذ به أمام الظاهر في المثالين التاليين:


( 193 )

أ. لو وجدنا حيواناً غير مأكول اللحم قد بال في ماء كثير، ووجدنا متغيّراً ولم نقطع باسناد التغيّر إلى هذه النجاسة، يُحكم بالطهارة ولا يلتفت إلى الظاهر.

ب. لو وجدنا كلباً خارجاً من مكان فيه إناء ماء وهو يضطرب ورشراش الماء حوله، لا نحكم بالنجاسة، ولا نلتفت إلى الظاهر.

وعلى ضوء ذلك حمل فتوى الأصحاب في زوجة المفقود إذا انقطع خبره فإنّها إذا رفعت أمرها إلى الحاكم أجلها أربع سنين للبحث عنه، وظاهره عدم الفرق بين من شهدت القرائن بموته أو غيره، ويكون إجماعاً، بل الرواية الواردة في ذلك ـ و هي رواية بُريد بن معاوية العجليّ في الصحيح عن الصادق(عليه السلام)، وقد سأله عن المفقود كيف تصنع امرأته؟ قال: «ما سكتت عنه وصبرت يخلّى عنها، فإن رفعت أمرها إلى الحاكم أجلها أربع سنين» الحديث(1) ـ دالّة بعمومها على عدم الفرق في الحكم المذكور بين وجود الظاهر الدالّ على موته وعدمه، لأنّ ترك الاستفصال في حكاية الحال عن الاحتمال، فإنّ ما حكاه السائل ـ و هو فقدان الزوج وطلب الحكم فيه ـ يحتمل هذا الفرد، فإذا أجاب ولم يستفصل كان ذلك دليل العموم.(2)

8. الفرق بين الحكم والإفتاء

قد ذكر المحقّق الكركي الفرق بين الحكم والإفتاء بأنّ الثاني حكم كلّي والأوّل حكم جزئيّ مستمد من حكم كلّي ويقول في توضيح ذلك:


1 . الكافي:6/147 ح2; الفقيه:3/354، الحديث 1696; التهذيب:7/479، الحديث 1922.

2 . جوابات الشيخ حسين الصيمري:11.والمراد من الأصل في المقام، هو الأصل اللفظي الذي هو دليل اجتهادي، بخلاف الأُصول في المسائل السابقة.


( 194 )

إنّ الحكم إنشاء قول في حكم شرعيّ يتعلّق بواقعة شخصية، كالحكم على زيد بثبوت دين عمرو في ذمّته.(1)

هذا ونزيد بياناً ونقول: إنّ الفتوى إخبار عن الحكم الكلي، وليس لها أثر إلاّ تنجّز الواقع، وأمّا القضاء فهو إنشاء حكم جزئي مطابق للحكم الكلّي الصادر من اللّه.

وإن شئت قلت: إنّه حكم جزئي في مورد شخصيّ ويفترق حكم القاضي عن حكم الحاكم باشتراط سبق النزاع في حكم الأوّل دون حكم الحاكم في الأُمور العامّة.

والحكم الصادر من القاضي له أحكام مثل عدم جواز نقضه إلاّ في موارد جزئية، ووجوب تنفيذ حكمه على الآخرين، وإن خالف اجتهاده ما لم يخالف دليلاً قطعياً، وعدم ضمانه إذا لم يكن مقصّراً، وكون الضرر على بيت المال، وله ولاية على كلّ مولّى عليه إذا لم يكن له وليّ إلى غير ذلك من الشؤون.(2)

9. تأسيس قاعدة الترتّب

إنّ قاعدة الترتّب من القواعد الّتي اكتشفها شيخنا المحقّق وهي بين آرائه كبيت القصيد، وقد أشار إليها في كتاب الدين الّذي هو جزء من موسوعته الفقهية المسمّـاة بـ«جامع المقاصد في شرح القواعد»، والّتي قيل في حقّها: لم يؤلف مثلها.

والكتاب دليل بارز على جودة ذهنه ونبوغ فكره وأنّه من المؤسّسين


1 . طريق استنباط الأحكام: 14ـ17.

2 . نظام القضاء والشهادة، للمؤلف: 1/14.


( 195 )

والمحقّقين لا الناقلين والشارحين، وقد فرض الكتاب نفسه منذ برز إلى الساحة في أوساط الدراسات العليا في كافة الحوزات الفقهية، ألّفه في مدينة النجف الأشرف في العقد الثالث من القرن العاشر وقد فرغ من بعض أبوابه عام 935هـ.

وفي وسع القارئ أن يسأل عن ماهية قاعدة الترتب، وهي كالتالي:

ما هي قاعدة الترتّب؟

لو افترضنا واجباً فورياً وواجباً موسعاً كالأمر بإزالة النجاسة عن المسجد إذا صادف دخول الوقت لصلاة الظهر. فالأمر الأوّل فوريّ والثاني موسع، فعندئذ يقع الكلام في أنّ الأمر بالواجب المضيق هل يقتضي النهي عن الواجب الموسّع (الصلاة) لكي تكون منهياً عنها أو لا؟

هنا قولان فمنهم من ذهب إلى الاقتضاء ومنهم من نفاه.

وتظهر ثمرة البحث في بطلان الصلاة على القول بالاقتضاء، وصحّتها على القول بعدم الاقتضاء.

هذا ما كان عليه العلماء منذ قرون، وربما يقال بأنّ النزاع عديم الثمرة، وأنّ الصلاة باطلة سواء أقلنا بالاقتضاء أم لا.

أمّا إذا قلنا بالاقتضاء فواضح، لأنّ النهيّ عن العبادة يقتضي فسادها.

وأمّا إذا قلنا بعدم الاقتضاء، فغايته عدم تعلّق النهي بالصلاة، غير أنّ عدم تعلّقه بها لا يكفي في الصحة، بل الصحة رهن الأمر بها، والمفروض عدمه، إذ لا يمكن الأمر بواجبين في وقت لا يسع إلاّ لأحدهما، فظهر بطلان الصلاة إمّا لأجل النهي أو لعدم تعلّق الأمر.

لكن شيخنا المحقّق قام في وجه هذا الإشكال وأحيا الثمرة المذكرة قائلاً:


( 196 )

لو لم نقل بالاقتضاء جاز لنا القول بتوجّه الأمر إلى الصلاة ولكن مترتّباً على عصيان الأمر الأوّل، كما إذا قال: أزل النجاسة وإن عصيتَ فصلِّ، وعلى ذلك فالصلاة يتعلّق بها الأمر الترتّبي وإنّما سمّي به لترتّب الأمر بالصلاة على عصيان الأمر الأوّل.

وإلى هذه القاعدة يشير المحقّق الكركي في العبارة التالية:

قلنا: لا نسلم لزوم تكليف ما لا يطاق، إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: أوجبت عليك كلاً من الأمرين، لكن أحدهما مضيق، والآخر موسع، فإن قدّمت المضيق فقد امتثلت وسلمت من الإثم، وإن قدّمت الموسع فقد امتثلت وأثمت بالمخالفة في التقديم.(1)

ثمّ إنّ المتأخرين من الأُصوليين بسطوا الكلام في قاعدة الترتب بين مثبت وناف. وقد ألفت في هذا المضمار رسائل ومقالات، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول»(2) الّذي هو محاضراتنا في أُصول الفقه، وقد قام بتقريره ولدنا الروحاني الشيخ محمد حسين الحاج العاملي ـ حفظه اللّه ـ.

10. لا يُنسخ الكتاب بخبر الواحد

إنّ للكتاب العزيز مكانة خاصة عند المسلمين، لا يعدلُ عنه إلى غيره إلاّ بدليل قطعيّ وعلى ضوء ذلك، ذهب المحقّق الكركي إلى عدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، لأنّه دليل ظنّي، لا تُرفع به اليد، عن الكتاب القطعي، ولنأت بمثال:


1 . جامع المقاصد:5/14.

2 . الجزء الثاني: فصل الترتّب.


( 197 )

قال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقينَ).(1)

ويدلّ لحن الآية على أنّ الوصية أمر قطعي لا تزول عبر الزمان، بشهادة قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) الحاكي عن الثبوت واللزوم، كما أنّ تذييل الآية بقوله: (حَقّاً عَلَى الْمُتَّقين)دليل على أنّه حقّ ثابت على خصوص المتَّقين.

ومع ذلك فقد ذهب أكثر فقهاء السنّة إلى أنّه منسوخ بخبر الواحد، أي ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم):«لاوصية لوارث»، وقد أوضحنا حال الرواية سنداً ودلالة في محاضراتنا الفقهية.(2)


1 . البقرة:180.

2 . الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:2/157ـ 180.


( 198 )

آراؤه الفقهية

إنّ شيخنا المحقّق، أحد أئمّة الفقه، وفارس حلبته لا يسمح به الزمان إلاّ في فترات خاصة، وها نحن نذكر بعض آرائه الفقهية ليكون نموذجاً لما لم نذكر.

11. لا يجوز تقليد الميّت

إنّ ازدهار فقه الشيعة عبر العصور و استعداده في كلّ زمان للإجابة عن الحوادث المستجدّة، رهن أُمور منها: تحريم تقليد الميت، وإيجاب الرجوع إلى المجتهد الحيّ، فأوجد ذلك رغبة ملحّة لدى طلاب العلوم الدينية في تحصيل ملكة الاجتهاد، ووضع ربقة التقليد عن الأعناق وبذلك حفظوا للفقه نضارته، وأضفوا على الشريعة استعداداً للبقاء، وأصبح العلماء في غنى عن التطفّل على موائد الآخرين.

وممّن خاض غمار هذا البحث شيخنا المحقّق، فقد حقّق الموضوع في غير واحدة من رسائله، ونحن نذكر موجز ما ذكره في بعض رسائله، قال:

لا يجوز العمل بقول المجتهد بعد موته لوجوه:

1. إنّ المجتهد إذا مات سقط بموته اعتبار قوله شرعاً بحيث لا يُعتد به، وما هذا شأنه لا يجوز الاستناد إليه شرعاً.

أمّا الأُولى فللإجماع على أنّ خلاف الفقيه الواحد لسائر أهل عصره يمنع


( 199 )

من انعقاد الإجماع، اعتداداً بقوله واعتباراً لخلافه إذا مات وانحصر أهل العصر في المخالفين له انعقد الإجماع، وصار قوله غير منظور إليه شرعاً ولا يُعتدّ به.

وأمّا الثانية فظاهرة.

2. لو جاز العمل بقول الفقيه بعد موته امتنع في زماننا هذا للإجماع على وجوب تقليد الأعلم والأورع من المجتهدين والوقوف لأهل هذا العصر على الأعلم والأورع بالنسبة إلى الأعصار السابقة كاد يكون ممتنعاً.

ثمّ إنّه إذا وجد للفقيه في مسألة قولان، إنّما يجوز تقليده والرجوع إليه في القول الأخير; لوجوب رجوعه هو عن الأوّل إليه، ووجوب إعلامه لمن كان قد قلّده في الأوّل برجوعه عنه. وأكثر المسائل يختلف قول الفقيه الواحد فيها، ولا يكاد يفرّق بين القول الأوّل والأخير إلاّ نادراً، فيتعذّر الرجوع من هذا الوجه أيضاً.

ولنقتصر على هذين الوجهين، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى رسائله.(1)

12. وجوب تقليد الأعلم

من العوامل الّتي سبّبت تطور الفقه الإمامي ونضوجه هو إيجاب تقليد الأعلم، فإن مثل هذا الإلزام يثير همّة الآخرين لحيازة ذلك المقام بالبحث والدراسة المضنية.

وممّن ركّز على لزوم تقليد الأعلم شيخنا المحقّق الكركي قال في رسالته الجعفرية: «وطريقة معرفة أحكام الصلاة لمن كان بعيداً عن الإمام، الأخذ بالأدلّة التفصيلية في أعيان المسائل إن كان مجتهداً، والرجوع إلى المجتهد ولو بواسطة وإن تعددت، إن كان مقلداً، واشترط الأكثر كونه حياً ومع التعدّد يرجع إلى الأعلم ثمّ


1 . شرح الألفية:29; جامع المقاصد: 3/491.


( 200 )

الأورع».(1)

وقال في حاشية الشرائع: «وقد صرح جمع من الأُصوليين والفقهاء باشتراط كون المجتهد حياً، ليجوز العمل بفتياه... ولو جاز العمل بقول الفقيه بعد موته، امتنع في زماننا هذا; للإجماع على وجوب الأعلم والأورع من المجتهدين، والوقوف لأهل هذا العصر على الأعلم والأورع بالنسبة إلى الأعصار السابقة كاد يكون ممتنعاً».(2)

13. المعاطاة مفيدة للملكية المتزلزلة

المعاطاة مفاعلة من الإعطاء، وتتمحض في إعطاء الثمن وأخذ المثمن من دون أن يكون هناك إيجاب وقبول، وقد اختلفت كلمة الفقهاء في حكمها، إلى أقوال ستة:

1. اللزوم مطلقاً و هو ظاهر المفيد.

2. اللزوم بشرط وجود اللفظ الدالّ على التراضي.

3. الملك غير اللازم.

4. عدم الملك مع إباحة جميع التصرفات حتّى المتوقفة على الملك.

5. إباحة مالا يتوقف على الملك.

6. عدم إباحة التصرف مطلقاً.

وقد كان الحكم السائد عند فقهائنا إلى زمان المحقّق الثاني عدم إفادة المعاطاة الملكية وأوّل من أفتى بكونها مفيدة للملكية هو شيخنا المحقّق الكركي،


1 . الرسالة الجعفرية:17.

2 . حاشية الشرائع:11/113.


( 201 )

لكنّها ملكية متزلزلة، كالبيع مع الخيار. وهناك نكتة نذكرها:

إنّ فقهاءنا جعلوا البيع بالصيغة أصلاً والمعاطاة فرعاً فاتّفقوا على أنّ البيع بالصيغة مفيد للملكية اللازمة، واختلفوا في البيع بالمعاطاة إلى أقوال مختلفة مرّ ذكرها.

ولكن دراسة الحضارة البشرية ومعرفة أنّ الإنسان بلغ إلى هذا المبلغ شيئاً فشيئاً ـ بعد أن كانت حياته بسيطة جدّاً وهو لا يعرف من القانون شيئاً ـ تقضي أنّ الحقّ هو العكس يعني: إنّ البيع بالمعاطاة أصل والبيع بالصيغة فرع، لما عرفت من أنّ مقتضى بساطة الحياة هو اكتفاء الإنسان في مقام المبادلة ورفع الحاجة بالمعاطاة، ولمّا تقدّم في معترك الحياة تمسك بالقانون، واقتصر على البيع بالصيغة دون العمل الكثير وهو المعاطاة فقامت الصيغة مكان المعاطاة.

فإذا كان الفرع مفيداً للزوم فكيف يقصر عنه الأصل؟

والقول بأنّ المعاطاة مفيدة للملكية اللازمة كان قولاً شاذاً منسوباً إلى المفيد، وكان الرأي السائد هو إفادة المعاطاة الإباحة، وأوّل من أخرج القول بالملكية عن الشذوذ هو شيخنا المحقّق فأفتى بإفادتها الملكية غير أنّ الإجماع على عدم اللزوم صدّه عن الإفتاء بالملكية اللازمة.

قال: إنّ المعروف بين الأصحاب أنّها بيع وإن لم تكن كالعقد في اللزوم خلافاً لظاهر المفيد ولا يقول أحدٌ من الأصحاب بأنّها بيع فاسد سوى العلاّمة في نهايته وقد رجع عنه.

ثمّ استدلّ على إفادة الملكية بأنّ قوله تعالى: (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ)(1) يتناولها لأنّها بيع بالاتفاق كما أنّ قوله: (إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض)(2) يتناولها.


1 . البقرة:275.

2 . النساء:29.


( 202 )

ثمّ إنّه أوّل قول القائلين بالإباحة إلى ما ذهب إليه من الملكية غير اللازمة، قال: وما يوجد في عبارة جمع من متأخري الأصحاب: من أنّها تفيد الإباحة وتلزم بذهاب إحدى العينين، يريدون به عدم اللزوم في أوّل الأمر وبالذهاب يتحقّق اللزوم.(1)

وفي ظل إظهار المحقّق الكركي القول بالملكية خرج القول بها عن الشذوذ، بل صار ذلك سبباً لإفتاء بعض المتأخرين عنه بالملكية اللازمة.

هذا هو الشهيد الثاني يقول: انعقاد البيع بكلّ ما دلّ على التراضي وعدّه الناس بيعاً فهو قريب من قول المفيد، وما أحسنه وأمتن دليله إن لم ينعقد الإجماع على خلافه.(2)

وأنت خبير بأنّ مثل هذا الإجماع لا ينبغي أن يصدّ الفقيه عن الإفتاء بما استنبطه من الكتاب، لأنّه إجماع مدركي يعتمد على الأدلّة. والإجماع المستند إلى الأدلّة الشرعية لا يكون دليلاً برأسه، بل يكون هو تعبير آخرعمّا استند إليه المجمعون، فإذا تبيّن لنا فساد استنباطهم، لا يعتد بإجماعهم.

14. نقد عموم المنزلة في الرضاع

اتّفق الفقهاء ـ تبعاً للنصوص ـ على أنّه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

ثمّ إنّ ما يحرم من النسب عبارة عن العناوين السبعة الواردة في الآية الكريمة، أعني قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ


1 . جامع المقاصد:4/58.

2 . المسالك:3/152.


( 203 )

وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ).(1)

والمستفاد من عمومات الرضاع هو نشر الحرمة بتحقق أحد العناوين المذكورة ـ في الكتاب العزيز ـ بالرضاع مثلاً.

البنت في الرضاع كلّ أُنثى رضعت من لبنك أو لبن من ولدته أو أرضعتها امرأة ولدتها، وكذا بناتها من النسب والرضاع.

والعمات والخالات أخوات الفحل والمرضعة وهكذا، فلو تحقّق بالرضاع أحد هذه العناوين السبعة يحكم بالحرمة.

وأمّا إذا لم يحصل هو بنفسه بل حصل عنوان ملازم له، بحيث لو حصل في النسب لنشر الحرمة، لما كان محرّماً، لأنّ المتيقن من التنزيل هو ما عرفت، وغيره يحتاج إلى دليل.

ويظهر من الرسالة الرضاعية للمحقّق الكركي انّه شاع في عصره على ألسنة الطلبة، القول بالتعميم وانّ الملازمات النسبية كالعناوين تنشر الحرمة فقال:

اعلم وفّقك اللّه، أنّه قد اشتهر على ألسنة الطلبة في هذا العصر تحريم المرأة على بعلها بإرضاع بعض ما سنذكره، ولا نعرف لهم في ذلك أصلاً يرجعون إليه من كتاب، أو سنّة، أو إجماع، أو قول لأحد من المعتبرين، أو عبارة يُعتدّ بها تُشعر بذلك، أو دليل مستنبط في الجملة يعوّل على مثله بين الفقهاء.

وإنّما الّذين شاهدناهم من الطلبة وجدناهم يزعمون أنّه من فتاوى شيخنا الشهيد(قدس سره)، ونحن لأجل مباينة هذه الفتوى لأُصول المذهب، استبعدنا كونها


1 . النساء:23.


( 204 )

مقالة لمثل شيخنا على غزارة علمه وثقوب فهمه، لا سيّما ولا نجد لهؤلاء المدّعين لذلك إسناداً يتّصل بشيخنا في هذه الفتوى يُعتدّ به، ولا مرجعاً يركن إليه.

ولسنا نافين لهذه النسبة عنه(قدس سره); استعانة على القول بفساد هذه الفتوى، فإنّ الأدلّة على ما هو الحقّ اليقين واختيارنا المبين بحمد اللّه كثيرة جدّاً، لا يستوحش معها من قلّة الرفيق.

ثمّ إنّه(قدس سره) أبطل القاعدة المسمّاة بعموم المنزلة في هذه الرسالة بذكر ثلاث عشرة صورة، وها نحن نذكر بعض الصور ليكون كالنموذج لما لم نذكره.

الصورة الأُولى

إذا أرضعت المرضعة أخاها وأُختها، تحرم على فحلها، لأنّها عندئذ صارت أُخت الولد وهو محرم في النسب، لأنّ أُخت الولد بنت.

أمّا كونها أُختاً، فلفرض انّها أرضعت أُختها; وأمّا كون المرتضع ولداً، فلافتراض انّه ارتضع بلبن الفحل، فالمرتضع يُعد ولداً لأجل الرضاع، والمرتضعة أُخت بالنسب، فبإرضاعها إيّاه تصير أُخت الولد، ومن المعلوم أنّ أُخت الولد حرام للإنسان لأنّها بنته.

يلاحظ عليه: بأنّ أُخت الولد في النسب لا تخلو من حالتين:

أ. أمّا أنّها بنت حقيقة، ولكن المرضعة في المقام ليست بنتاً للفحل، لا تكويناً ولا اعتباراً.

ب. ربيبة ولكن تحرم الربيبة على الزوج إذا دخل بأُمّها فيحتاج إلى المصاهرة والمفروض انتفاؤها.


( 205 )

الصورة الثانية

إذا أرضعت المرضعة ولد أخيها فتحرم على فحلها، لأنّها تصير عندئذ عمّة الولد.

أمّا كونها عمّة فهو حاصل بالنسب وإنّما حصل بالرضاع كونه ولداً للفحل.

يلاحظ عليه: أنّ المحرّم إنّما هو أُخت الرجل نسباً أو رضاعاً وليست المرضعة أحدهما، وهكذا سائر الصور.

ومع أنّه ألّف رسالة في الموضوع، طرح المسألة أيضاً في «جامع المقاصد» نقتطف منه ما يلي:

قال(قدس سره): وقد شاهدنا بعض من عاصرناه يروي عن بعض الأصحاب: أنّ المرأة إذا أرضعت ابن أخيها تحرم على زوجها صاحب اللبن، لأنّها عمة ابنه، وهي بمنزلة أُخته، ونحو ذلك.

وهذا من الأوهام الفاسدة قطعاً، لأنّ هذه ليست بينها و بين زوجها بسبب الرضاع علاقة نسب ولا علاقة مصاهرة، لأنّ المحرّم صيرورتها أُختاً ونحو ذلك، أمّا صيرورتها كالأُخت فلا دليل يدلّ عليه.

ولو تخيّل متخيّل أنّ التعليل في الروايات لتحريم أولاد الفحل على أب المرتضع: بأنّهم بمنزلة أولاده، يشعر بأنّ من كان بمنزلة إحدى المحرمات نسباً يحرم، فتحرم المرأة إذا صارت بمنزلة الأُخت والعمة والخالة.

لقلنا: إنّ هذا من الخيالات الفاسدة والأوهام الباطلة،لأنّ الّذي يعتبر العلّة المنصوصة ويحكم بتعديتها، إنّما يعتبر نفس المعلّل به، فيرتب عليه الحكم


( 206 )

إن وجد، لا على ما شابهه.

ولا شكّ أنّ هذا من المجازفات في الدين، والعدول عن صريح الكتاب والسنّة والدلائل القاطعة عند أهل الشرع، مثل الاستصحاب، إلى القول بالرأي من غير دليل ولا إثارة علم.

وقد أفردنا لهذه المسألة رسالة حسنة تسمّى «الرضاعية»، من أراد تحقيقها فليطالع تلك الرسالة.(1)

15. حلية الخراج

هذه المسألة التي طرحها شيخنا المحقّق على صعيد البحث، من المسائل التي أثارت نزالاً و جدالاً كثيراً بينه و بين معاصره الشيخ إبراهيم القطيفي ولم يقف الجدال بموت الشيخ المحقّق بل دام بعده عن طريق غيرهم.

هكذا كانت سيرة علمائنا في البحث والتنقيب، فيؤلف الشيخ الكركي رسالة في حل الخراج في عصر الغيبة يسميها «قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج» عام 916هـ، ويأتي بعده الفاضل القطيفي فيؤلف في ردها رسالة أسماها«السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج»، ثمّ إنّ البحث دام بعد وفاة المتعاصرين ـ الكركي والقطيفي ـ فقام المحقّق الأردبيلي بتأليف رسالة في الخراج أيّد فيها موقف الشيخ القطيفي، ثمّ ألّف الفاضل الشيباني رسالة انتصر فيها للشيخ الكركي ورد مناقشات القطيفي وناصره الأردبيلي.

اتّفق العلماء على حل الخراج في عصر ظهور الإمام، لأنّ إدارتها جزء من


1 . جامع المقاصد:12/244ـ 245.


( 207 )

شؤون الولاية والحكومة التي يتحمّلها الإمام المعصوم في عصره، وإنّما الكلام في حكم الخراج في زمان الغيبة وأنّه هل يحلّ للفقيه الجامع للشرائط أخذ الخراج أو المقاسمة من هذه الأراضي وصرفها في الموارد الّتي كان الإمام يصرفه فيها، أو أنّها تترك سدى وليس للفقيه فيها شأن؟

فالمحقّق الكركي على الرأي الأوّل ومخالفوه على الرأي الثاني، ولا بأس أن نتحدث عن رسالة المحقّق الكركي الخراجية على وجه الإجمال:

يقول في المقدّمة الأُولى إنّ الأراضي على قسمين:

أحدهما: أرض بلاد الإسلام وهي على قسمين أيضاً: عامر، و موات.

فالعامر ملك لأهله، لا يجوز التصرّف فيه إلاّ بإذن مُلاّكه.

والموات إن لم يجر عليه ملك مسلم فهو لإمام المسلمين يفعل به ما يشاء، وليس هذا القسم من محلّ البحث المقصود.

القسم الثاني: ما ليس كذلك، وهو أربعة أقسام:

أحدها: ما يملك بالاستغنام ويؤخذ قهراً بالسيف، وهو المسمّى بالمفتوح عنوة.

وهذه الأراضي للمسلمين قاطبة، لا يختصّ بها المقاتلة عند أصحابنا كافة، ويقبلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو غير ذلك.

ثانيها: أرض من أسلم أهلها عليها طوعاً من غير قتال وحكمها أن تترك في أيديهم ملكاً لهم يتصرفون فيها بالبيع والشراء والوقف وسائر أنواع التصرّف إذا قاموا بعمارتها ويؤخذ منهم العشر أو نصفه زكاةً بالشرائط، نعم لو تركوا عمارتها


( 208 )

وتركوها خراباً كانت للمسلمين قاطبة، وجاز للإمام أن يقبلها ممّن يعمرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع.

ثالثها: أرض الصلح وهي كل أرض صالح أهلها عليها وهي أرض الجزية، فيلزمهم ما يصالحهم الإمام عليه من نصف أو ثلث أو ربع.

رابعها: أرض الأنفال وهي كلّ أرض انجلى أهلها عنها وتركوها أو كانت مواتاً لغير ذلك فأُحييت أو كانت آجاماً أو غيرها ممّا لا يزرع فاستحدثت مزارع فإنّها كلّها للإمام خاصة.

والفرق بين المقاسمة والخراج هو:

ما يؤخذ من هذه الأراضي إمّا مقاسمة بالحصة أو ضريبة تسمّى الخراج.

فلو أُخذ من نفس الحاصل يسمّى مقاسمة، وإن أخذ القيمة مكان العين فهو خراج، وربما يطلق الخراج ويراد المعنى الأعمّ من القيمة وغيرها.

فالخراج هو المأخوذ من أحد الأراضي الثلاثة:

أ. المأخوذ عنوة.

ب. الأرض الّتي أسلم أهلها عليها من غير قتال ثمّ تركوها فقبلها الإمام لغيرهم بالثلث ونحوه.

ج. أرض الصلح وهي كلّ أرض صالح أهلها عليها بالجزية، من نصف أو ثلث أو ربع.

ثمّ إنّ الشيخ أفاض في آخر الرسالة في حكم الخراج في زمان الغيبة وقال: وأمّا في حال الغيبة فهو موضوع الكلام ومطرح النظر ولو تأمل المنصف لوجد الأمر فيه أيضاً بيّناً جلياً، فإنّ هذا النوع من المال مصرفه ما ذكر وليس للإمام(عليه السلام)


( 209 )

قليل ولا كثير، وهذه المصارف(1) الّتي عدّدنا لم تتعطل كلّها في حال الغيبة وإن تعطل بعضها.

وكون ضرب الخراج وتقبيل الأرضين وأخذه وصرفه موكولاً إلى نظره (عليه السلام) لا يقتضي تحريمه حال الغيبة; لبقاء الحقّ ووجود المستحق. مع تضافر الأخبار عن الأئمّة الأطهار، وتطابق كلام أجلّة الأصحاب، ومتقدّمي السلف ومتأخّريهم، بالترخيص لشيعة أهل البيت(عليهم السلام) في تناول ذلك حال الغيبة بأمر الجائر.

ثمّ إنّه استدلّ على ما رامه من حلّ الخراج بروايات كثيرة:

1. رواية الشيخ الطوسي عن أبي بكر الحضرمي.

2. ما رواه أيضاً عن عبد الرحمن بن الحجاج.

3. ما رواه الشيخ أيضاً عن أبي المعزى.

إلى غير ذلك من الروايات المتعدّدة.

ثمّ استدلّ بفتاوى الأصحاب كشيخ الطائفة في النهاية(ص:358)، والمحقّق في الشرائع(ج2، ص 13)، والعلاّمة في المنتهى:(ج2، ص 1027)، ثمّ استدل أيضاً بسيرة العلماءفي أدوار مختلفة كالشريفين في عصر البويهيين، ونصير الدين الطوسي أيام التتر.

ثمّ قال(قدس سره) : ثمّ انظر إلى ما اشتهر من أحوال آية اللّه في المتأخّرين، بحر العلوم، مفتي الفرق، جمال الملّة والدين أبي منصور الحسن المطهّر(قدس سره)، وكيف كان ملازمته للسلطان المقدّس المبرور محمّد خدابنده، وأنّه كان له عدّة قُرى، وكانت نفقات السلطان وجوائزه واصلة إليه، وغير ذلك ممّا لو عدّد لطال.


1 . ذكر أصحابنا مصرف الخراج انّ الإمام يجعل منه أرزاق الغزاة والولاة والحكام وسائر وجوه الولايات. لاحظ المبسوط:2/75.


( 210 )

ولو شئت أن أحكي من أحوال عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن جعفر، وكيف كانت أحوالهما في دول زمانهما، لحكيت شيئاً عظيماً.

بل لو تأمّل الخالي من المرض قلبه، لوَجَدَ المربّي للعلماء والمروّج لأحوالهم إنّما هم الملوك وأركان دولهم.

ولهذا لمّا قلّت العناية بهم، وانقطع توجّههم بالتربية إليهم، ضعفت أحوالهم، وتضعضعت أركانهم، وخلت أندية العلم ومحافله في جميع الأرض.(1)

ويظهر من صدر الرسالة، أنّ المحقّق الكركي صار في حرج وقلق شديد عندما أفتى بحل الخراج بحيث صار غرضاً للمخالف، يقول(قدس سره):

فإنّي لما توالى على سمعي تصدّي جماعة من المتسمّين بسمة الصلاح، ولُمّة من غوغاء الهمج الرُّعاع،أتباع كلّ ناعق، الذين أخذوا من الجهالة بحظّ وافر، واستولى عليهم الشيطان، فحلّ منهم في سويداء الخاطر، لتقريض العرض وتمزيق الأديم، والقدح بمخالفة الشرع الكريم، والخروج عن سواء المنهج القويم.(2)

فتوى الكركي في قفص الاتّهام

ولعلّ هناك من يتوهم أنّ الحافز لهذه الفتيا والدفاع عن حلية الخراج هو تولّيه شيخوخة الإسلام في الدولة الصفوية ولم يكن له بُدّ إلاّ الإفتاء بحلّيته، لأنّ الخراج كان يوم ذاك من أهمّ المنابع المالية للدولة الصفوية.

لكنّه توهّم باطل، لأنّ الشيخ فرغ من تأليف هذه الرسالة في الحادي عشر من شهر ربيع الثاني من شهور عام 916هـ و هو بعد في العراق لم يهاجر إلى


1 . قاطعة ا للجاج في تحقيق حل الخراج التي طبعت ضمن مجموع مؤلفاته:4/490ـ 493.

2 . المصدر السابق:447ـ 448.


( 211 )

إيران، وإنّما هاجر إليها في أواخر هذه السنة. والشاهد على هذا أنّه يقول في بدء الرسالة:

حيث إنّنا ألزمنا الإقامة ببلاد العراق، وتعذّر علينا الانتشار في الآفاق، لأسباب ليس هذا محلّ ذكرها،...(1). نعم تصل إليه من الحاكم الصفوي صلات وأموال يصرفها في حاجات الحوزة ولعلّها كانت من الخراج.

16. الإفتاء بوجوب صلاة الجمعة التخييري

عند إطلالة القرن العاشر سادت الربوع الإسلامية دولتان عظيمتان وهما: الدولة الصفوية والدولة العثمانية.

وقد حكمت الأُولى أصقاعاً من الشرق الإسلامي من عام 950ـ 1135هـ، كما حكمت الثانية رقعة كبيرة من الغرب الإسلامي وغالب البلاد العربية.

وقد اهتمت الدولتان بإضفاء الشرعية على حكمهما لكسب قلوب الناس.

وكانت الدولة الصفوية تتبنّى المذهب الشيعي، كما أنّ العثمانيين كانوا يتبنّون المذهب السنّي. ومع ذلك فالدولتان كانتا واقفتين على أنّ إقامة الدولة الشرعية رهن سيادة العلماء عليها. وأن لا تصدر الدولة الإسلامية في الأُمور السياسية والاجتماعية إلاّ عن رأيهم وإفتائهم، ولذلك ازدهر الفقه والفتيا بل العلوم الإسلامية في عهد الدولتين إلى حدّ بعيد.

ولما كانت الأُمور السياسية والاجتماعية ـ الّتي كان الإمام المعصوم يتولاّها في عصر الحضور ـ فوّضت في عصر الغيبة إلى الفقيه الجامع للشرائط، وكانت


1 . الرسالة الخراجية:448، ضمن مجموعة آثار المحقّق.


( 212 )

إقامة صلاة الجمعة في عامة العصور داخلة في هذا الإطار، لم يكن بدّ للدولة الشيعية من إقامتها بإذن فقيه جامع للشرائط، ومن سوء الحظ اختلاف كلمة فقهاء الشيعة في عصر الغيبة في إقامتها إلى حدّ بعيد.

فمنهم من ذهب إلى حرمتها ورأى أنّ إقامتها منوط بإذن الإمام المعصوم من غير فرق بين العصرين: عصر الظهور، وعصر الغيبة.

وفي قبال ذلك ذهب بعضهم إلى وجوبها العيني وانّه لا فرق بين الزمانين، انّها تقام بإذن الفقيه الجامع للشرائط.

لكن شيخنا المحقّق اختار المذهب الوسط فأفتى بوجوبها التخييري، وألف في هذا المضمار رسالة عام 921هـ، بعد رجوعه من الهجرة الأُولى من بلاد فارس، وإقامته في النجف الأشرف.

وقد كان لهذه الرسالة تأثير في رجوع المسألة إلى ساحة الدراسة والتأليف، فقد قام لفيف من الفقهاء بتأليف رسائل حول الموضوع في القرون الثلاثة: العاشر والحادي عشر والثاني عشر، ربما تناهز الثلاثين.(1)

وبما انّ الرسالة من أهمّ رسائله، وتقع في عداد رسالته حول الخراج حيث أثارت حفيظة الآخرين عليه، فإنّنا نودّ أن نذكر خلاصتها، وكان قد رتّبها على مقدمات.

الأُولى: إذا رفع الوجوب في عصر الغيبة، فالمرفوع هو اللزوم، وأمّا الجنس ـ أعني: الجواز ـ فهو باق بحاله.

الثانية: انّ الفقيه الجامع للشرائط يمارس ما كان الإمام المعصوم يمارسه إلاّ


1 . ذكر أسماءها الشيخ محمد الحسون في موسوعته حياة المحقّق الكركي وآثاره:2/62ـ 70.


( 213 )

ما خرج بالدليل كما تدلّ عليه مقبولة عمر بن حنظلة.

الثالثة: يشترط في إقامة صلاة الجمعة وجود الإمام المعصوم أو نائبه، ثمّ ذكر كلمات العلماء.

وتعرّض في آخر الرسالة لصفات الفقه الجامع للشرائط، فذكر ثلاث عشرة صفة، أعني:

الإيمان، العدالة، العلم بالكتاب، والسنّة، والإجماع، والقواعد الكلاميّة، وشرائط الحدود والبرهان،واللغة والنحو والصرف، والناسخ والمنسوخ وأحكامهما، والتعارض والترجيح، والجرح والتعديل وأحوال الرواة، وأنّ له نفساً قدسيّة وملكة نفسانية يقتدر معها على اقتناص الفروع من الأُصول، وأن يكون حافظاً بحيث لا يغلب عليه النسيان.

ولا يتوهّم القارئ: «انّ المحقّق الكركي في إفتائه بالوجوب التخييري والدعوة إلى إقامتها في البلاد والقرى، نزل على رغبة الدولة الفتية التي أقامتها الصفوية في إيران وحواليها، ولولا توليه لشيخوخة الإسلام، لما قام بهذا الأمر».

كلا هذا توهّم فاسد ، وإنّما صدرت الفتوى، عن صميم رغبته، ببيان ما أدّى إليه اجتهاده.

ويشهد على ذلك أنّه ألّف الرسالة، بعد رجوعه من إيران، بقلب مكمد وحزن كبير لمّا واجه تيارات في البلاط الصفوية معادية لما يتبنّاه من التطوير في الدولة.

فرجع من إيران أوائل 920هـ، ثمّ ألف الرسالة.

والمحقّق الكركي عالم رباني لا يصدر إلاّ عن الكتاب والسنّة ولا يفتي إلاّ بما استنبطه من المصادر، سواء أوافق رأي الحكام أم خالفه.


( 214 )

وعلى هذا الخط، مشى عامة فقهاء الشيعة حتّى أنّ الشهيد الثاني، هو ممّن رفض دعوة الصفوية إلى إيران، ومع ذلك ألّف رسالة في صلاة الجمعة قائلاً بوجوبها العيني.

17. ولاية الفقيه في مدرسة المحقّق الكركي

إنّ البحث في ولاية الفقيه وتوضيح حقيقتها وأدلّتها رهن تأليف مفرد لا يسعه المقام وإنّما نشير إليها على وجه الإيجاز، ثمّ نذكر نظرية المحقّق حول هذا الأصل في الحكومة الإسلامية. والّذي أدهش الغربيّين وتلقوه عنصراً جديداً في الحقوق السياسية.

ممّا يجدر ذكره أنّه زارني في بدايات الثورة الإسلامية في إيران في مكتبي شابّ من فرنسا كان يدرس الحقوق السياسية في إحدى جامعاتها، وقال ما هذا خلاصته:

بعثني أساتذة الجامعة لدراسة «ولاية الفقيه» دراسة معمّقة مع أدلّتها،وما ذلك لأنّ هذا الأصل أدهش أساتذتنا، إذ لم يقرع سمعهم إلى الآن.

وكان الشابّ ملّماً باللغة العربية وأظن أنّه كان وليد لبنان أو من أُسرة لبنانية. ثمّ إنّي شرحت له ماهية ولاية الفقيه، وانّها زعامة الفقيه وفق القوانين الإسلامية. وبعبارة أُخرى: يشترط في الحاكم الأعلى أن يكون فقيهاً عارفاً بالأحكام مستنبطاً إيّاها من الكتاب والسنّة إلى غير ذلك من الشروط، وأمّا كيفية ممارسة الحكم فهو لا يمتّ إلى الاستبداد بصلة أبداً، كما لا يمتّ إلى القيمومة على الأُمّة.

إنّ للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة مناصب ثلاثة:

الأوّل: منصب الإفتاء: فإنّ الأحكام الشرعية لما كانت أمراً نظرياً لا يتمكن


( 215 )

كلّ أحد من معرفتها، عمد الإسلام إلى إرجاع نظام الإفتاء إلى فقيه عالم بشرائع دينه، وهذا هو الّذي يطلق عليه في اصطلاح المتشرعة بـ«المفتي» ليكون مرجعاً لأخذ الأحكام.

الثاني: القضاء: فإنّ من مقتضى القوى والغرائز النفسانيّة والطبيعيّة التوجّه إلى المنافع، والتباعد عن المضارّ، وهو بدوره يوجب نزاعاً على المنافع الّذي قد ينجرّ إلى الحروب، فلدفع هذه المفسدة ترك أمر القضاء إلى الفقيه الجامع للشرائط.

الثالث: الحكومة: فإنّ من أهمّ ما يحتاج إليه البشر في حفظ نواميسه، ونفوسه واجتماع أمره; وجود قائد بينهم يجب على الجميع إطاعة قوله واتّباع فعله، وهو الّذي يعبّر عنه في لسان الشرع والمتشرعة بالحاكم والسائس.

فالأوّلان من هذه المناصب الثلاثة ثابتان للفقيه باتّفاق الكلمة، وأمّا الولاية والحكومة ـ أعني القيام بنظم البلاد والدعوة إلى الجهاد والدفاع وسدّ الثغور وإجراء الحدود وجباية الزكاة وإقامة الجمعة إلى غير ذلك ـ فهي في نظر مشاهير الفقهاء ثابتة للفقيه الجامع للشرائط، غير أنّه ينهض بممارسة ذلك المنصب بأحد وجهين:

أ. تارة يقوم بتشكيل الحكومة فيجب على الناس إطاعته.

ب. إذا نهض الناس بتشكيل الحكومة تحت الضوابط الإسلامية فللفقيه العادل أن يراقب سلوك الحكومة وتصرفاتها فيصحّح سيرتها إذا انحرفت ويُعدِّل سلوكها إذا شذ.

إنّ الفقيه بحكم مسؤوليّته تجاه الإسلام والمسلمين يتحرّى في جميع الظروف مصالح الأُمّة، فإذا كانت الحكومة الّتي أقامتها الأُمّة الإسلامية موافقةً للمعايير


( 216 )

الإسلامية، و مطابقةً للمصلحة الاجتماعية العليا وجب عليه إمضاؤها، وإقرارها، وليس له أن يردّها، ولأجل ذلك لا يترتّب على (ولاية الفقيه) إلاّ استقرار الحكومة الإسلامية الصالحة، ولا يتغير بولايته أيّ من الأركان والمؤسسات الحكوميّة، ولا تتعارض مع حريّة الأُمّة واختيارها.

ذلك هو مجمل حقيقة ولاية الفقيه، وهذه هي كيفيّة ممارستها.

ولاية الفقيه في كلمات المحقّق الكركي

إنّ استنباط رأي المحقّق الكركي في ولاية الفقيه رهن دراسة أمرين:

الأوّل: إنّ المحقّق هاجر إلى إيران وتعاون مع الدولة الصفوية، على وجه سيوافيك بيانه.

الثاني: دراسة آرائه في غير موضع من كتبه، ومن حاول أن يقف على رأيه فليلاحظ بحوثه في الجهاد والقضاء وإقامة الحدود والتعزيرات وتولّي أموال القُصّر إلى غير ذلك، وها نحن نذكر موجزاً من كلماته ليقف القارئ على أنّه ممّن جهر بولاية الفقيه مستنداً إلى الأدلّة.

1. كلامه في صلاة الجمعة

قال: «اتّفق أصحابنا ـ رضوان اللّه عليهم ـ على أنّ الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمّة الهدى صلوات اللّه وسلامه عليهم في حال الغيبة، في جميع ما للنيابة فيه مدخل، وربّما استثنى الأصحاب القتلَ والحدود مطلقاً.

فيجب التحاكم إليه، والانقياد إلى حكمه، وله أن يبيع مال الممتنع من أداء الحقّ إن احتيج إليه، ويلي أموال الغيّاب والأطفال والسُّفهاء والمفلسين، ويتصرّف


( 217 )

على المحجور عليهم، إلى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الإمام(عليه السلام).

والأصل فيه ما رواه الشيخ في «التهذيب» باسناد إلى عمر بن حنظلة عن مولانا الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) أنّه قال: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً. فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه، فإنّما بحكم اللّه استخفّ، وعلينا ردّ والرادّ علينا رادّ على اللّه، وهو على حدّ الشرك باللّه».

وفي معناه أحاديث كثيرة.

والمقصود من هذا الحديث هنا: أنّ الفقيه الموصوف بالأوصاف المعيّنة، منصوب من قبل أئمّتنا(عليهم السلام)، نائب عنهم في جميع ما للنيابة فيه مدخل بمقتضى قوله: «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»، وهذه استنابة على وجه كلّي.

ولا يقدح كون ذلك في زمن الصادق(عليه السلام); لأنّ حكمهم وأمرهم(عليهم السلام) واحد، كما دلّت عليه أخبار أُخرى.

ولا كون الخطاب لأهل ذلك العصر; لأنّ حكم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام(عليه السلام) على الواحد حكم على الجماعة بغير تفاوت، كما ورد في حديث آخر».(1)

2. قال في الرسالة الخراجية

«فإن قلت:» فهل يجوز أن يتولى من له النيابة حال الغيبة ذلك، أعني الفقيه الجامع للشرائط؟

قلنا: لا نعرف للأصحاب في ذلك تصريحاً، ولكن من جوّز للفقهاء حال الغيبة تولّي استيفاء الحدود، وغير ذلك من توابع منصب الإمامة، ينبغي تجويزه


1 . صلاة الجمعة المطبوع في ضمن رسائله:4/263ـ 264.


( 218 )

لهذا بالطريق الأولى; لأنّ هذا أقلّ منه خطراً، لاسيّما والمستحقون لذلك موجودون في كلّ عصر، إذ ليس هذا الحقّ مقصوراً على الغزاة والمجاهدين كما يأتي.

ومن تأمّل في كثير من أحوال كبراء علمائنا السالفين، مثل السيّد الشريف المرتضى علم الهدى، وأعلم المحقّقين من المتقدّمين والمتأخّرين نصير الحقّ والدين الطوسي، وبحر العلوم مفتي الفرق جمال الملة والدين الحسن بن مطهر وغيرهم رضوان اللّه عليهم، نظر متأمّل منصف لم يعترضه الشكّ في أنّهم كانوا يسلكون هذا المنهج ويبيحون هذا السبيل، وما كانوا ليودعوا بطون كتبهم إلاّ ما يعتقدون صحته.(1)

وما زلنا نسمع خلال المذاكرة في مجالس التحصيل من أخبار علمائنا الماضين وسلفنا الصالحين، ما هو من جملة الشواهد على ما ندّعيه، والدلائل الدالّة على حقيقة ما ننتحيه.

فمن ذلك ما تكرّر سماعنا له من أحوال الشريف المرتضى علم الهدى ذي المجدين، أعظم العلماء في زمانه، الفائز بعلوّ المرتبتين في أوانه، علي بن الحسين الموسوي(قدس سره)، فإنّه مع ما اشتهر من جلالة قدره في العلوم، وأنّه في المرتبة الّتي تنقطع أنفاس العلماء على أثرها، وقد اقتدى به كلّ من تأخّر عنه من علماء أصحابنا، بلغنا أنّه كان في بعض دول الجور ذا حشمة عظيمة وثروة جسيمة وصورة معجبة، وأنّه قد كان له ثمانون قرية، وقد وجدنا في بعض كتب الآثار ذكر بعضها.

وهذا أخوه ذو الفضل الشهير، والعلم الغزير، والعفّة الهاشميّة، والنخوة القرشيّة، السيّد الشريف الرضيّ المرضيّ روّح اللّه روحه، كان له ثلاث ولايات.


1 . آثار المحقّق الكركي:4/489ـ 490، قسم الرسائل.


( 219 )

ولم يبلغنا عن أحد من صلحاء ذلك العصر الإنكار عليهما، ولا الغض منهما، ولا نسبتهما إلى فعل حرام أو مكروه أو خلاف الأولى، مع أنّ الّذين في هذا العصر ممّن يزاحم بدعواه الصلحاء، لا يبلغون درجات أتباع أُولئك والمقتدين بهم.

ومتى خفي شيء، فلا يخفى حال أُستاذ العلماء والمحقّقين، والسابق في الفضل على المتقدّمين والمتأخّرين، العلاّمة نصير الملّة والحقّ والدين، محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي قدّس اللّه نفسه وطهّر رمسه، وأنّه كان المتولّي لأحوال الملك والقائم بأعباء السلطنة، وهذا وأمثاله إنّما يصدر عن أوامره ونواهيه.

ثمّ انظر إلى ما اشتهر من أحوال آية اللّه في المتأخّرين، بحر العلوم، مفتي الفرق، جمال الملّة والدين أبي منصور الحسن بن المطهّر(قدس سره)، وكيف كانت ملازمته للسلطان المقدّس المبرور محمّد خدابنده، وأنّه كان له عدّة قُرى، وكانت نفقات السلطان وجوائزه واصلة إليه، وغير ذلك ممّا لو عدّد لطال.

ولو شئتُ أن أحكي من أحوال عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن جعفر، وكيف كانت أحوالهما في دول زمانهما، لحكيت شيئاً عظيماً.(1)

3. ولاية الفقيه في جامع المقاصد

قال: الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى منصوب من قبل الإمام، ولهذا تمضي أحكامه وتجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء.

لا يقال: الفقيه منصوب للحكم والإفتاء، والصلاة أمر خارج عنهما.

لأنّا نقول: هذا في غاية السقوط; لأنّ الفقيه منصوب من قبلهم(عليهم السلام) حاكماً


1 . آثار المحقّق الكركي:4/503ـ504، قسم الرسائل.


( 220 )

كما نطقت به الأخبار، وقريباً من هذا أجاب المصنّف وغيره.(1)

أقول: ما ذكره هنا هو قريب ممّا نقلناه عنه في رسالة صلاة الجمعة، وعلى الجملة فكونه معتقداً بولاية الفقيه ومفتياً وممارساً لها في إقامته في النجف الأشرف وفي رحلته إلى إيران وتعاونه مع الدولة، من الأُمور الواضحة، وسيوافيك بعض الكلام عند البحث عن آرائه السياسية.


1 . جامع المقاصد:2/374.


( 221 )

الفصل السادس

حياته السياسية والخدمات الّتي قدمها للمجتمع

أسّس النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أوّل حكومة إسلامية وأقامها في المدينة المنورة، وهي و إن لم تكن من حيث التنظيمات الإدارية على النحو المتعارف الآن إلاّ أنّها كانت تمثِّل ـ آنذاك ـ حكومة كاملة الأركان، واضحة السمات والملامح، وهذا يُعلم من دراسة حياة النبي من هذا المنظار.

إنّ الإسلام ليس مجرّد طقوس ومراسيم فردية يقوم بها كلّ فرد في بيته ومعبده، بل هو نظام اجتماعي، حقوقي، اقتصادي، وسياسي. فما سنّه في هذه الحقول رهن سلطة تنفيذية تتعهد بإجرائها.

ولقد بلغت أهمية الدولة والحكومة في نظر نبي الإسلام حداً، أن جُعلت هي السبب الأساس في فساد أو صلاح الأُمّة، حيث قال: «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت الأُمّة، وإذا فسدا فسدت الأُمّة».

قيل يا رسول اللّه: ومن هم؟ قال:

«الفقهاء والأُمراء».(1)


1 . علل الشرائع:253.


( 222 )

إنّ دراسة فقه الإسلام من بدايته إلى نهايته تكشف للدارس الحقيقة التالية، وهي أنّ تنفيذ هذه الأحكام يتطلّب بنفسه حكومة متكاملة الجوانب من حيث التقنين والتشريع أوّلاً، والقضاء وفصل الخصومات ثانياً، والإجراء والتنفيذ ثالثاً.

وقد ذكر سبحانه القوة التنفيذية وملامحها في قوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمورِ).(1)

الحكومة حق للّه سبحانه

إنّ من مراتب التوحيد تخصيص الحكومة للّه سبحانه وأنّه لا حكم إلاّ للّه ولا حاكم سواه، يقول سبحانه:(إِنِ الْحُكْمُ إِلا للّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلينَ).(2)

وذلك لأنّ الحكومة تستدعي التصرّف في النفوس والأموال وغيرها وليس لأحد حقّ على أحد إلاّ اللّه سبحانه الّذي هو خالق النفوس.

وبما أنّه سبحانه لا يحكم في الأرض مباشرة فقد اقتضى الحال أن يعيّن الحاكم من البشر إمّا بالاسم والشخص أو من خلال توفّر الصفات والشروط اللازمة فيه.

أمّا التصريح بالاسم والشخص فهذا كالنبي وأئمّة أهل البيت الاثني عشر(عليهم السلام)، وأمّا الثاني فهذا فيما إذا لم يكن هناك تصريح بالاسم فيؤخذ


1 . الحج:41.

2 . الأنعام:57.


( 223 )

بالمواصفات أينما وجدت، وهذا يختص بعصر الغيبة فإنّ الحاكم منصوب من جانبه سبحانه لكن لا بالاسم، بل من جانب المواصفات فعلى الأُمّة الإسلامية إطاعة من وجدت فيه مواصفات الحاكم الأعلى.

أمّا صفات الحاكم الإسلامي فهي إجمالاً عبارة عن:

1. الإيمان.

2. حسن الولاية والقدرة على الإدارة.

3. التفوّق في الإدارة السياسية.

4. العدالة.

5. الرجولة.

6. أن يكون فقيهاً في الدين عالماً بالشريعة عن اجتهاد.

هذه هي عمدة الصفات اللازمة في الفقيه وهي توجد في الفقيه المجتهد الجامع للشرائط، فللفقيه مناصب ثلاثة:

1. منصب الإفتاء.

2. منصب القضاء.

3. منصب الحكومة.

نعم ليست حكومة الفقيه وولايتها بمعنى استصغار الأُمّة ولا الاستبداد بمقدراتها، وإنّما هي ممارسة الحكم على ضوء ما أقره الإسلام للناس من الحقوق، وذلك بالبيان التالي:

إذا نهض الفقيه بتشكيل الحكومة وجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوه، إذ كلّ ما يشترط من المواصفات في الحاكم الّتي مرّ بيانها; موجود في الفقيه العادل.


( 224 )

كما أنّه إذا نهض الناس بتشكيل الحكومة تحت الضوابط الإسلامية ، فللفقيه العادل حينئذ أن يراقب سلوك الحكومة وتصرّفاتها; فيصحّح سيرتها إذا انحرفت ويعدّل سلوكها إذا شذّ... وعندئذ تكون ولاية الفقيه ضمانة لاستقامة الدولة ومانعاً عن عدولها عن جادّة الحقّ وسنن الدين، فهو بما انّه متخصص في الشريعة، أعرف بالأحكام والحدود، وبما أنّه ورع يتّقي اللّه ويخشاه أكثر من سواه، كما يقول اللّه سبحانه: (إِنّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ)(1)، فولايته تمنع الحكومة عن الخروج عن المعايير الإسلامية. وارتكاب ما يخالف مصالح الإسلام والمسلمين دون أن ينحرف هو عن صراط الحقّ المستقيم.

***

لقد أُقصي أهل البيت(عليهم السلام) عن الحكم يوم السقيفة وبعده، حيث تولى الحكم بعد خلافة الخلفاء، الأمويون والعباسيون، يتلقّفونه كالكرة، ويتوارثه الأبناء عن الآباء، ومع ذلك كلّه أقام الشيعة لهم كيانات سياسية خلال هذه الحكومات لا بصورة الخلافة بل بصورة الملوكية، وربما اتخذ بعضها لنفسه طابع الخلافة، وأبرز هذه الكيانات:

1. الحمدانيون

بنو حمدان أُمراء حلب والموصل والعواصم، منهم: سيف الدولة علي بن حمدان وابنه سعد الدولة وأخوه ناصر الدولة وابن عمّه أبو فراس الشاعر الطائر الصيت.


1 . فاطر:28.


( 225 )

2. بنو مزيد

أُمراء الحلة منهم: الأمير سيف الدولة(صدقة بن دبيس الأسدي) صاحب الحلة السيفية، المنسوبة له، وابنه دبيس، وأخوه بدران بن صدقة.

3. أئمّة الزيدية ودولتهم في اليمن

أسّس يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا حكومة شيعية زيدية في اليمن، استمرت قائمة حوالي 12قرناً وآخر أئمتهم هو بدر بن الإمام يحيى، وقد انقرضت هذه الدولة بقيام ثورة داخلية ساندتها دول خارجية.

4. الدولة الزيدية في المغرب

أسّس إدريس بن محمد بن عبد اللّه الحسني، دولة في المغرب عرفت بدولة الأدارسة حكمها نحو (18) شخصاً، ودام ملكهم نحو (70) سنة.

5. الدولة الزيدية في طبرستان

أسّسها الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المتوفّى سنة (270هـ). ودام حكمها إلى سنة (360هـ).

6. الفاطميّون

أسّسها الإمام عبيد اللّه الملقّب بالمهدي، بويع بالخلافة سنة (296هـ)، وتوفّي عام (322هـ)ودامت خلافة الفاطميين إلى أن قضى عليهم صلاح الدين سنة (567هـ).


( 226 )

7. دولة البويهيين

آل بويه أُسرة إيرانية خرجت من الديلم، وحكمت إيران والعراق من عام 320ـ 448هـ، ومؤسسها علي(عماد الدولة)، وحسن (ركن الدولة) وأحمد(عز الدولة) وهم أبناء بويه الديلمي، وقد شمل حكمهم فارس والعراق والأهواز وكرمان والري وهمدان وأصفهان.

إلى غير ذلك من الحكومات التي أسّسها الشيعة في أكثر من قطر، للتخلّص من ظلم الحكام الذين كانوا يحكمون باسم الإسلام ولا يحترمون لشيعة أهل البيت دماءهم ولا نفوسهم وأعراضهم.

ومن تلك الحكومات حكومة (السربدارية) وهي حكومة شيعية استولت على الحكم في خراسان بعد وفاة (محمد خدابنده) في سنة(716هـ) وهو من ملوك المغول ، واستقرت حكومتهم بعد معارك دامية سنة 738هـ واستمرت إلى سنة 783هـ، واندمجت في حكومة التتر الّتي كانت تغطي سلطتهم أكثر الرقعة الإسلامية.

وممّن تولى الحكم من السربداريين علي بن محمد بن المؤيد، المعروف بالعدل والإحسان إلى الضعفاء والاهتمام بنشر التشيّع وولاء أهل البيت، وذلك عام 766هـ، إلى أن وافته المنيّة سنة 795هـ.

وكان لأخبار حكومته دويٌ في ربوع جبل عامل، وكان الملك المذكور يُكنّ احتراماً كبيراً للشهيد الأوّل وكانت العلاقات بينهم قائمة عن طريق الرسائل والرسل.

كان الملك يرغب في أن يغادر الشهيد الأوّل موطنه إلى خراسان ليكون


( 227 )

مرجعاً فقهياً للفقهاء في تلك المنطقة، وقد كتب في ذلك الموضوع رسالة إلى الشهيد الأوّل.

وبما أنّ تلك الرسالة تعتبر من الوثائق التاريخية الّتي تعرب عن مكانة الشهيد الأوّل وعمّا بلغت إليه منطقة جبل عامل من الشهرة في الفقه والفقاهة، نورد هنا نصّ الرسالة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

سلامٌ كنشر العنبر المتضوعِ *** يخلِّف ريح المسك في كلّ موضع

سلام يباهي البدر في كلّ منزل *** سلام يضاهي الشمس في كلّ مطلعِ

على شمس دين الحق دامت ظلاله *** بجدّ سعيد في نعيم ممتِّع

أدام اللّه تعالى مجلس المولى الهمام العالم العامل الفاضل الكامل السالك الناسك، رضيّ الأخلاق، وفيّ الأعراق، علامة العالم، مرشد الأُمم، قدوة العلماء الراسخين، أُسوة الفضلاء والمحقّقين، مفتي الفرق، الفارق بالحق، حاوي الفضائل والمعالي، حائز قصب السبق في حلبة الأعاظم والأعالي، وارث علوم الأنبياء والمرسلين، محيي مراسم الأئمّة الطاهرين، سرّ اللّه في الأرضين، مولانا شمس الملة والدين، مدّ اللّه أطناب ظلاله بمحمد وآله من دولة راسية الأوتاد ونعمة متصلة الأمداد إلى يوم التناد.

وبعد: فالمحب المشتاق، مشتاق إلى كريم لقائه غاية الاشتياق وأن يمنَّ بعد البُعد بقرب التلاق:


( 228 )

حرم الطرف من محياك لكن *** حظي القلب من محياك ريّا

ينهي إلى ذلك الجناب ـ لا زال مرجعاً لأُولي الألباب ـ انّ (شيعة خراسان) صانها اللّه عن الحدثان متعطشون إلى زلال وصاله، والاغتراف من بحر فضائله وأفضاله، وأفاضل هذه الديار قد مزقت شملهم أيدي الأدوار، وفرَّقت جلهم أو كلّهم صنوف صروف الليل والنهار، قال أمير المؤمنين عليه سلام ربّ العالمين: «ثلمة الدين موت العلماء» وإنّا لا نجد فينا من يوثق بعلمه في فتياه، ويهتدي الناس برشده وهداه، فهم يسألون اللّه تعالى شرف حضوره، والاستضاءة بأشعة نوره، والاقتداء بعلومه الشريفة، والاهتداء برسومه المنيفة، واليقين بكرمه العميم وفضله الجسيم أن لا يخيب رجاءهم، ولا يرد دعاءهم، بل يُسعف مسؤولهم، وينجح مأمولهم، قال اللّه تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ).

ولا شكّ أنّ أُولي الأرحام أولى بصلة الرحم الإسلامية الروحانية، و أحرى القرابات بالرعاية القرابة الإيمانية. ثمّ الجسمانية، فهما عُقدتان لا تحلهما الأدوار والأطوار، بل شعبتان لا يهدمهما إعصار الأعصار.

ونحن نخاف غضب اللّه على هذه البلاد لفقدان الرشد وعدم الإرشاد والمأمول من انعامه العام وإكرامه التام أن يتفضّل علينا ويتوجّه إلينا متوكلاً على اللّه القدير، غير متعلل بنوع من المعاذير إن شاء اللّه تعالى.

والمتوقع من مكارم صفاته ومحاسن ذاته إسبال ذيل العفو على هذا الهفو، والسلام على أهل الإسلام. المحب المشتاق

علي بن مؤيّد(1)


1 . روضات الجنات:3/2، الطبعة الحجرية نقلاً عن الدروس:1/61ـ 62، المقدمة.


( 229 )

إنّ الشهيد الأوّل وإن لم يجب دعوة الملك لكنّه زود الرسول بكتاب اللمعة الدمشقية ليكون مرجعاً لفقهاء المنطقة فيما يعرض لهم من مسائل الفقه.

هكذا يجب أن يكون العلماء مهتمين بأُمور الأُمّة فإن سنحت الفرصة شاركوا في تأسيس الحكومة وإدارتها وإلاّ دعموها بقدر المستطاع، ولذلك نرى أنّ الشهيد أجاب دعوة الملك بتأليف رسالة فقهية كاملة أرسلها إليه لتكون مبنى لعمل المفتين والقضاة.

وهذه هي الضابطة الكلية والسيرة المتعارفة لفقهاء الشيعة، ومن هذا المنطلق نرى أنّ المحقّق الكركي أجاب دعوة الملك إسماعيل عندما قام بتأسيس الحكومة العلوية في إيران، وإليك شرح هذا المقطع من تاريخ حياة المحقّق.

المحقّق الكركي والتدخل في شؤون الحكم

إنّ المحقّق الكركي لما رأى أنّ أُمّة كبيرة نهضت بتشكيل حكومة إسلامية، واتخذت منهج التشيع الإمامي طابعاً لها، أحسّ بمسؤوليته تجاه هذه الدولة الفتية الّتي رفعت راية التشيع بعدما غابت عن مسرح الحياة (منذ شهادة الوصيّ في محرابه) قرابة تسعة قرون.

وهذه الدولة قامت على يد إسماعيل الصفوي الّذي ولد عام 892هـ، وبدأ بالتحرك في شهر محرم الحرام سنة 905هـ من آذربايجان، معتمداً على سبع قبائل تركية وهي: (استاجلو، وشاملو، وروملو، وتوكلو، وذو القدر، وأفشار، وقاجار)، وفي سنة 906هـ احتلّ باكو كما أنّه في سنة 907هـ استولى على تبريز وجعلها عاصمه له، وفي سنة 910هـ استولى على أصفهان و يزد وكرمان وجنوبي خراسان، و في سنة 914هـ في اليوم الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة احتل بغداد وقضى على حكم أُسرة (آق قيون لو) قضاءً نهائياً، وذهب في أوائل


( 230 )

رجب لزيارة العتبات المقدّسة في مدينتي النجف وكربلاء المقدّستين. وهناك تعرّف على المحقّق الكركي، وأدرك أنّه هو الرجل الوحيد الّذي يمكن أن يساعده في تطبيق الشريعة في مملكته.

وفي ضوء ذلك استقدمه الشاه إسماعيل إلى إيران في أواخر 916هـ، وقد دخل عليه في مدينة (هراة) ولكنه لم تطل اقامته في إيران أزيد من ثلاث سنين. لأنّه لم يجد بغيته لدى الشاه، لأنّ لكلّ ثقافته الخاصة، فالصفوي كان رجلاً عسكرياً لا يعرف إلاّ منطق القوة فلا يفكر إلاّ في الفتح ونشر القدرة، ولكن المحقّق الكركي ولد في عائلة علمية في أحضان العلم والمعرفة وكان والده عالماً فاضلاً و نشأ نشأة هادئة محباً للسلام داعياً لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) بالحكمةوالموعظة الحسنة، ولا يُفكر بشيء سوى مرضاة اللّه تعالى. والدعوة بأخذ الطرق الثلاثة: 1. الحكمة، 2. الموعظة الحسنة، 3. المجادلة بالتي هي أحسن.

وبما انّ طريق الحاكم الّذي كان بيده القوة والقدرة كان غير ذلك. لم يجد بداً من العودة إلى العراق.

نعم كان هنا عامل أو عوامل أُخرى لمغادرة إيران يأتي تفصيلها في الهجرة الثانية.

الهجرة الثانية إلى إيران

لقد غادر المحقّق الكركي إيران ـ لبعض ما ذكرنا ـ متوجّهاً إلى النجف الأشرف وعاش فيها إلى عام 936هـ وقد توفّي في أثناء هذه الفترة أيّ سنة 930هـ شاه إسماعيل وتغلّب العثمانيون على الصفويين في العراق.


( 231 )

مات الملك الأوّل واستلم الحكم ولده الصغير طهماسب فلما بلغ وأخذ بزمام الحكم، وكان أوّل شيء حَلُم به هو تحرير العراق من سلطة العثمانيين واستردادها منهم، فأعدّ العدّة لذلك عام 936هـ. فتحقّق حلمه في ذلك العام وطرد العثمانيين عن أرض العراق وصفا بلاد ما بين النهرين لحكمه، وقد زار في سفره هذا الأعتاب المقدسة، واجتمع مع المحقّق الكركي في النجف الأشرف ورأى أنّ آماله معقودة بناصية المحقّق فدعاه إلى مغادرة العراق والتوجّه إلى إيران بصحبته.

وقد أحسّ المحقّق أنّه يتمكّن من إجراء إصلاحات في السياسة والحكم، فلبّى دعوة الملك وقد أصدر الملك مرسوماً في نفس النجف الأشرف تعضيداً له وهذه هي ترجمة نص المرسوم من الفارسية إلى العربية.

المرسوم الملكي الأوّل

بسم اللّه الرحمن الرحيم

حيث يبدو و يتّضح من الحديث صحيح النسبة إلى الإمام الصادق(عليه السلام) :«انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكماً، فإنّي قدجعلته حاكماً. فإذا حكم بحكم فمَن لم يقبله منه فإنّما بحكم اللّه استخفّ، وعلينا ردّ، وهو رادّ على اللّه، وهو على حدّ الشرك».

وواضح أنّ مخالفة حكم المجتهدين، الحافظين لشرع سيّد المرسلين، هو والشرك في درجة واحدة. لذلك فإنّ كلّ من يخالف حكم خاتم المجتهدين، ووارث علوم سيّد المرسلين، ونائب الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، لا يزال كاسمه العلي


( 232 )

عليّاً عالياً، ومن لا يتابعه، فإنّه لا محالة مردود، وعن مهبط الملائكة مطرود، وسيؤاخذ بالتأديبات البليغة والتدبيرات العظيمة.

كتبه طهماسب ابن شاه إسماعيل الصفويّ الموسويّ(1)

ويلاحظ أنّ التعابير الواردة في المرسوم هي تعابير فقهية وليست بسياسية، وهذا يعرب عن أنّ الكاتب هو أحد الفقهاء البارزين في الفقه.

وهذا المرسوم الملكي يفقد التاريخ ولعل النسّاخ تصرفوا فيه ولكن يظهر من المرسوم الملكي الثاني أنّ الأوّل كان مؤرّخاً عام 936هـ.(2)

نزل المحقّق الكركي إيران ومعه المرسوم السلطاني الّذي أمر به السلطان أتباعه بإطاعته وأنّ من خالفه فهو مردود وعن مهبط الملائكة مطرود وسيؤاخذ بالتأديبات البليغة... فاستغل المحقّق هذا المرسوم وأجرى ما كان يتوخّاه في السلطة الصفوية من الإصلاحات، وصار المناخ صالحاً لأن يلقّب بواضع الأُسس الدستورية للدولة الصفوية.

وإليك ما قدّم من الخدمات في هذه العودة الّتي طالت حوالي ثلاث سنين:

الأُولى: نشر الأحكام الشرعية وترويجها على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وذلك بواسطة مجموعة من العلماء، حيث عيّن في كلّ مدينة رجل دين يعلّمهم مسائل الشرع الحنيف، ويقوم بكافة ما يتعلّق بالأُمور الشرعية كصلاة الجمعة والجماعة، والنظر في مشاكلهم الاجتماعية، والفصل في خلافاتهم الدنيويّة.

الثانية: تأسيس حوزات علمية مبنية على أُسس وقواعد مذهب أهل


1 . رياض العلماء:3/455; و روضات الجنات:4/364.

2 . لاحظ رياض العلماء:3/459، ذيل المرسوم الثاني.


( 233 )

البيت، فقد أسّس عدّة حوزات أهمّها كانت في كاشان واصفهان، وعين رواتب للدارسين فيها ليتفرغوا لطلب العلم.

الثالثة: العناية بالحكام والمسؤولين بتثقيفهم بأحكام الشرع وعدم الخروج عنها عند المعاملة مع الناس.

الرابعة: عزل المتخلّفين عن العمل بالأحكام الشرعية عن مناصبهم فعزل الأمير غياث الدين منصور الدشتكي الشيرازي (المتوفّى 946هـ) من منصب الصدارة، ونصب بدله تلميذه الأمير معز الدين الأصفهاني (المتوفّى 952هـ)، ثمّ عزل هذا أيضاً ونصب بدله الأمير أسد اللّه الشوشتري (المتوفّى 963هـ).

الخامسة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أوساط الناس، فقد كان الغناء مباحاً عند الصوفية وأماكن القمار واللهو منتشرة. فقد وضع المحقّق الكركي خطةً لمحاربة الفساد وقد حظى بدعم الملك الّذي كان يُعد أكثر تديّناً بين الصفويين، فأمر بإغلاق أماكن اللهو والفساد، وكسر آلات الغناء والموسيقى. وفي ذلك أصدر الملك مرسومين (الثاني والثالث) نأتي بنصيهما.

المرسوم الثاني:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، والصلاة والسلام على سيّد البشر، والأئمّة الاثني عشر، المبعوثين لترويج الشرع الأطهر إلى يوم الحشر.

وبعد، لا يخفى على الضمير الأنور، ذي الجوهرة الكبريائية، بأنّ الجميع...


( 234 )

لا يزال اعتناء الملك باسط الفيض، حاكم أهل الإيمان ـ المهنّا ـ و ماحي معالم الفسق والعصيان، المؤيّد أسعد السعداء، حاكم الربع المسكون، بتأييد اللّه الملك المنّان أبو المظفر السلطان شاه طهماسب بهادر خان ـ خلّد اللّه ملكه وسلطانه وأفاض على العالمين برّه وعدله وإحسانه ـ الّذي لا تزال شجرة إقباله ورفعته تروى من منهل شريعة سيّد المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنهج الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) من غير توان، لا زال منصباً على ترويج الدين المبين والشرع المستبين.

وفي هذا البلد، وبميامن توفيقات اللّه الأزليّة، وبركات تقبيل العتبة الرضيّة الرضويّة ـ على صاحبها آلاف التحيّة والثناء ـ وبما تقتضيه دعوة مبشّر الهداية رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ذات العنايات اللامتناهية والّتي تُفرح القلوب وهي (تُوبُوا إِلى اللّه تَوْبَةً نَصُوحاً)(1)، والآية الكريمة: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(2) ، فقد طرقت المسامع المعزّزة، وأصغى إليها بكلّ إخلاص، حيث أدّى هذا الأمر إلى ترك المناهي والمنكرات وإلى التوبة النصوحة.

فقد صدر حكم واجب الاتّباع في كافّة الممالك المحروسة بغلق أماكن شرب الخمر والترياق، ومحلّ اجتماع القصاصين، ودور الدعارة، وأماكن اللعب بالطيور.

والجباة المكرّمون يأخذون رواتبهم الشهريّة من ديوان الجباية، والأُمور المذكورة ـ المنهيّات ـ لابدّ أن تُلغى في جميع البلاد لا سيّما دار الإيمان كاشان، وأن لا يسمح للناس بارتكاب هذه المناهي من هذا الوقت، وكذلك


1 . التحريم:8.

2 . آل عمران:110.


( 235 )

سائر اللامشروعات مثل حلق اللحية، والعزف على الطنبور وغير ذلك من آلات اللهو.

ومن مارس هذه الأعمال يُزجر ويؤدّب بزجر وتأديب بليغين حسب ما قرّره الشرع الشريف.

وأيضاً يُمنع استخدام النقّارة في البقاع المتبرّكة، وتُمنع مراودة الغلمان، وأيضاً يُمنع عمل المُرد في الحمامات.

وعلى الغزاة العظام والعساكر ـ ختم اللّه م آلهم بالظفر ـ وعامّة السكان، وعموم الرعايا في تلك البلاد، أن يعتبروا كلّ من قام بالأعمال المذكورة من المطرودين والمرجومين ومن عليه لعنة اللّه وسخطه (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ)(1) عليه لعنة اللّه ولعنة اللاعنين من الإنس والجنّ أجمعين.

فإذا انصبت جهود القوة التنفيذية والقوة التشريعية على نشر الأمر بالمعروف ومكافحة الفساد، لأصبح المجتمع كمدينة فاضلة يسوده الأمن والسلام، ويصل كلّ فرد إلى كماله الّذي خُلق له، بخلاف ما إذا ساد بينهما التناحر، انعكس ذلك المجتمع بالفوضى والفساد.

ولأجل تلك النتائج الباهرة الملموسة، عزز الملك المرسوم، بثالث، وهذا نصه:


1 . البقرة:181.


( 236 )

مرسوم ملكي ثالث

بسم اللّه الرحمن الرحيم

لمّا منحنا اللّه الحكم حسب الآيات (إِنّي جاعِلٌ فِي الأَرضِ خَليفَةً)(1) (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرضِ)(2)(لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).(3) صدر هذا المرسوم عن دار الخلافة الرفيعة المختوم بختم السلطان، الموشّح باسم دار الخلافة الساميّة.

وأداءً لشكر هذه الموهبة العليّة السنيّة ألزمنا ذمّتنا أن ننصب في جميع الأقطار وكلاء ملتزمين بالدين والشريعة، متوسّمين بوسام (أُخرجت لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(4)(وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّه)(5)، ـ إلى أن قال:ـ

وأنّ السلطان قد كلّف كلّ من يريد الولاية بدوام ذكر اللّه، وإحياء الليالي الشريفة، والترغيب في الصلاة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنسيق أُمور المساجد والمدارس والتكايا والزوايات وبقاع الخير، وكسر الآلات المحرّمة، ومنع الفسقة والفجرة وأهل البدع وزجرهم، وكسر الأواني والآلات المحرّمة، وتحريض الناس على ذلك، والتمسّك بالطاعات والعبادات، ومنع الأجانب من رؤية النساء، وهدم الدور الّتي تُعمل فيها المعاصي، وأن لا يتهاون لحظة في السعي في الأُمور المذكورة.


1 . البقرة:30.

2 . الأنعام:165.

3 . النور:55.

4 . آل عمران:110.

5 . التوبة:112.


( 237 )

لماذا ترك إيران؟

هذا هو السؤال المهم في حياة المحقّق الكركي حيث إنّه عاد إلى العراق عام 939هـ، مع أنّه كان قد احتل موقعاً مهماً عند الملك حتّى صار الملك بيده أداة طيّعة.

والّذي يستفاد من التاريخ انّه لم يترك إيران مختاراً وهو يرى بأُمّ عينيه ثمرة جهاده ودؤوب عمله.

والّذي صار سبباً لمغادرته إيران ظهور معارضة له في داخل البلاط وخارجه كانوا يحسدونه لخضوع البلاط له بعامّة وجوده، وهؤلاء شكّلوا جبهة قوية ضد الكركي، فلم يجد الشيخ بداً من ترك إيران.

وتتلخص القوى المعادية للمحقّق في ما يلي:(1)

1. رجال الفرقة الصوفية المعروفة بـ«القزلباش»

كان لرجال الفرقة الصوفية المعروفة بـ«قزلباش» دور مهم في إنجاح ثورة الشاه إسماعيل وإيصال العائلة الصفويّة إلى الحكم، حيث خاضوا معارك ضارية ضدّ أعدائهم، وقدّموا أعداداً كبيرة من الضحايا، وضربوا أروع آيات الفداء والتضحية والإخلاص لقائدهم الشاه إسماعيل، وقد كان المحقّق يعارض الصوفية ويكافحهم.


1 . وقد استفدنا في هذا البحث ممّا كتبه محقّق آثار الكركي الشيخ محمد الحسون التبريزي، وإليه يرجع الفضل.


( 238 )

2. أتباع مدرسة الخلفاء الذين أظهروا التشيّع

قد وقف بعض رجا ل الدين (الذين كانوا من أتباع مدرسة الخلفاء وعند إعلان الشاه إسماعيل الصفوي رسميّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في البلاد، استجابوا لدعوته وأعلنوا تأييدهم للشاه والمذهب الجديد).

ووقف بعض هؤلاء موقف المعادي والمعاند للكركي، حيث يعتبرون أنفسهم أصحاب البلاد، وأحقّ بمناصبها السياسية والدينية من الأجانب الذين جاءوا من وراء الحدود، كالمحقّق الكركي الرجل العربي الغريب الّذي جاء من قرية صغيرة من لبنان واحتلّ أعلى المناصب في الدولة الصفوية واستطاع الحصول على صلاحيات كبيرة من الشاه طهماسب.

لذلك نُشاهدهم يحاولون الوقوف أمام إصلاحات الكركيّ الاجتماعية كتغيير القبلة حيث أعلن الأمير غياث الدين منصور الدشتكي ـ الّذي كان يحتل منصب الصدارة في زمن الشاه طهماسب ـ معارضته للكركي في هذا التغيير، وأدّى الأمر إلى إجراء المناقشات الحادّة بينه و بين الكركي بحضور الشاه، والّتي كانت الغلبة فيها للكركيّ، إلاّ أنّ الدشتكي أصرّ على رأيه وعناده، ممّا أدّى إلى قيام الشاه طهماسب بعزله من منصب الصدارة.(1)

يقول الأفندي التبريزي ما هذا مثاله: إنّ الأمير غياث الدين منصور الدشتكي ممّن يجادله في بعض الإصلاحات الّتي كان الشيخ يجريها على المجتمع ومنها تغيير قبلة البلاد، حيث أراد الشيخ علي أن يصلح قبلة بلاد إيران و كان الأمير يسكن شيراز حيث اغتاظ من أن يقوم غيره ويتدخل في الأُمور الدينية


1 . آثار المحقّق الكركي:1/463.


( 239 )

بالبلد الّذي يسكن فيه خصوصاً أنّ في تغيير القبلة تجهيلاً للأمير غياث الدين منصور، ولذلك خالف إصلاحه ولم يمكنه ممّا أراد، واحتج بأنّ تعيين القبلة منوط بالدائرة الهندية الّتي لا يقوم باعمالها إلاّ الرياضيون لا الفقهاء.

ولمّا وقف الشيخ على معارضته كتب إليه الآية التالية:(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الّتي كانُوا عَلَيْها قُل للّهِ الْمَشْرُقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقيم).(1)

ولمّا وصل الكتاب إلى الأمير أجابه بالآية التالية:(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَة مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِع قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِع قِبْلَةَ بَعْض وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمينَ).(2)

وكان هذا هو أحد الأسباب لمغادرة المحقّق إيران في المرة الأُولى عام 919هـ.

ولما جاء للمرة الثانية إيران عام 936هـ ثار عليه الأمير غياث الدين منصور ثانية، وقد كانت رواسب الكدورة باقية في زوايا نفسه. وقد صارت في الهجرة الثانية رقعة الشيخ أوسع حيث عيّن كثيراً من العلماء العامليين لقطع الأُمور الشرعية وفصلها دون أن يتوقفوا في ذلك على تأييد ديوان الصدارة والّذي كان الأمير يرأسه صار ذلك سبباً لنشوب العداء بينهما حتّى آل الأمر إلى المناقشة في مجلس السلطان وظهرت أمارات الغلبة العلمية للمحقّق على الأمير، فعزله السلطان عن الصدارة ومع ذلك لم ينكر السلطان جهود غياث الدين، فلمّا توجّه الأمير إلى شيراز كتب إليه أحكاماً مشتملة على الشفقة والعناية وأرسلها مع الحُلل النادرة وقلّده حكومة الشرعيات في رقعة فارس، كما فوّض إليه عزل القضاة


1 . البقرة:142.

2 . البقرة:145.


( 240 )

والمتصدّين للشرعيات في تلك البلاد.(1)

3. مخالفة رجال الدين الشيعة

وقد اختلف مع المحقّق بعض رجال الدين الشيعة في بعض المسائل الفقهية، كصلاة الجمعة وأخذ الخراج حال غيبة الإمام (عليه السلام) والتعامل مع السلاطين وقبول جوائزهم وهداياهم.

هؤلاء شكّلوا جبهة علمائية قوّية ضدّ الكركي وبدأوا بردّ مبانيه وآرائه في مجالس البحث، وألفوا رسائل ناقشوا فيها أقواله في تلك المسائل الّتي يعتبر بعضها جديداً على الحوزة العلمية، وفي مقدّمتهم الشيخ إبراهيم القطيفي (المتوفّى 945هـ)، والشيخ نعمة اللّه الحلّي (المتوفّى 940هـ) ومع أنّه كان من تلاميذ المحقّق الكركي إلاّ أنّه اتّصل أخيراً بالشيخ القطيفي وصار من أعوانه.

4. بعض رجال البلاط

هذه القوى المعادية أوجدت جرأةً لبعض أهل البلاط لحياكة مؤامرات تستهدف حياة المحقّق، وهناك نصوص تاريخية تؤيد ذلك.

يقول حسن بك روملو: وكان من جملة الكرامات الّتي ظهرت في شأن الشيخ علي، أنّ محمود بيك «مهردار»(2) كان من ألدّ الخصام وأشدّ الأعداء للشيخ علي، فكان يوماً بتبريز في ميدان صاحب آباد يلعب بالصولجان بحضرة ذلك السلطان يوم الجمعة وقت العصر.


1 . رياض العلماء:3/454ـ455.

2 . أي من بيده خاتم الملك وهو كان مقاماً سامياً يطلب لنفسه أمانة الحامل وثقة الملك به.


( 241 )

وكان الشيخ علي في ذلك العصر ـ حيث إنّ الدعاء فيه مستجاب ـ يشتغل لدفع شرّه وفتنته وفساده بالدعاء السيفي ودعاء الانتصاف للمظلوم من الظالم المنسوب إلى الحسين(عليه السلام)، ولم يتمّ الدعاء الثاني بعد، وكان على لسانه قوله(عليه السلام): «قرّب أجله وأيتم ولده» حتّى سقط محمود بيك المذكور عن فرسه في أثناء ملاعبته بالصولجان وجرح رأسه على أنّه قضى على حياته.

وقال ميرزا عبد اللّه الأفندي التبريزي بعد نقل هذا الكلام:

قد رأيت في بعض التواريخ الفارسيّة المؤلفة في ذلك العصر أيضاً، أنّ محمود بيك المخذول المذكور كان قد خمر في خاطره المشؤوم في عصر ذلك اليوم أن يذهب إلى بيت الشيخ علي بعد ما فرغ السلطان من لعب الصولجان ويقتل الشيخ علي بسيفه في ذلك الوقت بعينه، وواضع في ذلك مع جماعة من الأُمراء المعادين للشيخ علي، فاتّفق بكرامة الشيخ علي أن وقعت يد فرس محمود بيك في بئر كانت في عرض الطريق بعد الفراغ من تلك الملاعبة وقبل التوجّه إلى جانب بيت الشيخ علي، فطار هو مع فرسه في تلك البئر وانكسر رأسه وعنقه ومات في ساعته.(1)

هذه القوى المعادية شكلت سبباً تاماً لمغادرة إيران متوجّهاً إلى العراق عام 939هـ وظل فيها قرابة سنة ونصف حتّى لبى دعوة ربّه عام 940هـ،، وصحيفة أعماله مكتظة بالحسنات والخدمات الجليلة للمذهب والمجتمع الّتي شملت كافة الجوانب المهمة في حياة الناس وإدارة المجتمع.

فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً


1 . رياض العلماء:3/453.


( 242 )

( 243 )

5

المولى محمد باقر المجلسي مجدّد المذهب في القرن الحادي عشر (1037 ـ 1110 هـ)

هذه مقالة موجزة في ترجمة الإمام العلاّمة شيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي(رحمه الله) (1037ـ 1110هـ).

ولا تعني الكلمة بترجمة سيرته وآثاره العلمية التي تركها، فانّ ذلك يحوجنا إلى تأليف مفرد، بل تعني بتسليط الأضواء على جانب خاص من جوانب حياته كما يتّضح فيما بعد.

وقد قام غير واحد من أعلام الطائفة بتأليف كتاب أو مقال أو ترجمة مفصّلة حول حياته.

فقد ألّف شيخنا العلاّمة النوري (1254ـ 1320هـ) كتاباً باسم «الفيض القدسي في ترجمة العلاّمة المجلسي» ألّفه عام 1302هـ، ذكر فيها ترجمته وتصانيفه، كما ذكر ترجمة مشايخه وتلاميذه وجملة من أقربائه، وقد طبع في الجزء الأوّل من أجزاء البحار ذي الطبعة القديمة.

كما قام زميلنا الشيخ عبد الرحيم الربّاني الشيرازي بترجمته ترجمة وافية،


( 244 )

وطبع مع الجزء الأوّل من البحار ذي الطبعة الحديثة.

وقد كفانا هذان التأليفان،مضافاً إلى ما ذكره أصحاب المعاجم والتراجم في حقّه.

ولذلك فقد كرّسنا البحث على جانب خاص بقي مغمور الذكر عند معظم أصحاب التراجم وإن أشاروا إليه على وجه الإجمال في ثنايا كلامهم. ألا وهو الجانب الإبداعي والابتكاري من شخصية العلاّمة المجلسي قدّس اللّه نفسه الزكيّة.

وقبل استعراض هذا الجانب، لابدّ من الإشارة إلى نكتة وهي: انّ العبقري هو من تمتّع بذكاء مفرط وحدّة في الذهن جعله متفوّقاً على الآخرين بكماله وحذقه وبراعته،ويعلم ذلك من خلال منجزاته العلمية.

فلو كان هذا هو الملاك لوصف المرء بالعبقرية، فشيخنا المجلسي يعدُّ في طليعتهم، فقد نال إعجاب العلماء بموسوعته الكبيرة المسمّاة بـ«بحار الأنوار» وفاق الآخرين بآثاره التي قلّما يوجد لها نظير.

وناهيك عن ذلك فانّ الإبداعات والابتكارات العلمية التي قام بها والتي خلّدته في التاريخ جعلته من النوادر الذين يُشار إليهم بالبنان ، ها ونحن نشير إلى أهمّها:

1. ابتكار دائرة معارف شيعيّة

إنّ كتاب البحار دائرة معارف إسلامية بصبغة شيعية جمع فيها و لأوّل مرّة ما يرجع إلى الكتاب والسنّة من فنون الفقه والتفسير والحديث والرجال و أُصول العقائد و الكلام وأُصول الفقه والتاريخ إلى غير ذلك من فنون رائجة بين


( 245 )

المسلمين إلى عصره.

لقد ظهر هذا النمط من تدوين العلوم وضمّها في دوائر المعارف عند اليونانيين، ثمّ أعقبهم المسلمون حيث قاموا بتأليف دوائر معارف مختلفة ضمّوا فيها جميع العلوم الرائجة، ونذكر منها ما يلي:

1. رسائل إخوان الصفا :وهي مجموعة تشتمل على إحدى وخمسين رسالة في علوم مختلفة ألّفتها جمعيّة إخوان الصفا أواسط القرن الرابع.

2. إحصاء العلوم للمعلم الثاني أبو نصر محمد بن طارخان الفارابي (المتوفّى عام 339هـ).

3. «شمس العلوم» لنشوان بن سعيد بن نشوان الحميري (المتوفّى 573هـ) في 18 مجلداً.

4. «نفائس الفنون في عرائس العيون» لمحمد بن محمود الآملي (المتوفّى 753هـ).

5. «لسان الخواص» لآقا رضي القزويني محمد بن الحسن(المتوفى 1096هـ) في عدّة أجزاء.(1)

إلى غير ذلك من موسوعات كبيرة بين ما يختص بقسم من العلوم كالفلسفة والآداب وبين ما يعم أغلب العلوم.

غير أنّ جميع دوائر المعارف تلك تتمحور حول العلوم والأفكار البشرية التي لها قيمتها الخاصة، إلاّانّ شيخنا المجلسي اتخذ طريقاً آخر، وهو جمع ما ورد


1 . لاحظ الذريعة:8/3ـ15 حيث ذكر فيها لمحة تاريخية عن دوائر المعارف.


( 246 )

في دائرة الوحي من الآيات والروايات، والتحقيق حولها وبسط الكلام في مضامينها ومعضلاتها .

وعلى كلّ تقدير فالموسوعة صورة ناطقة عن عبقريّة مؤلِّفها وطول باعه وقوة تفكيره وعلوّ همته،وقد استسهل في سبيل تأليفها كل المشاقّ والمصاعب.

فها هو شيخنا المؤلف يصف جهوده المبذولة في ترصيف هذا الأثر يقول: فطفقت أسأل عنها ـ عن الكتب ـ في شرق البلاد و غربها حيناً، وألحّ في الطلب لدى كلّ من أظن عنده شيئاً من ذلك، وإن كان به ضنينا، وقد ساعدني على ذلك جماعة من الإخوان، ضربوا في البلاد لتحصيلها، وطلبوها في الأصقاع والأقطار طلباً حثيثاً حتى اجتمع عندي بفضل ربّي كثير من الأُصول المعتبرة التي كان عليها معوّل العلماء في الأعصار الماضية، وإليها رجوع الأفاضل في القرون الخالية، فألفيتها مشتملة على فوائد جمة خلت عنها الكتب المشهورة المتداولة، واطّلعت فيها على مدارك كثير من الأحكام، اعترف الأكثرون بخلو كلّ منها عما يصلح أن يكون مأخذاً له، فبذلت غاية جهدي في ترويجها وتصحيحها وتنسيقها وتنقيحها.(1)

2. ابتكاره للتفسير الموضوعي

كان التفسير الرائج بين المفسرين هو تفسير القرآن الكريم حسبَ ترتيب السور، فيبادر المفسر إلى تفسير سورة الحمد ثمّ سورة البقرة وهكذا. فمنهم من يحالفه النجاح و ينهي تفسيره إلى نهاية القرآن الكريم، ومنهم من يَخفق في إتمام


1 . بحار الأنوار: 1/4.


( 247 )

هذه المهمة.

وعلى كلّ حال فقد كان هذا هو التفسير المتداول بين معظم المفسرين إلى عصر المجلسي. إلاّ أنّ المجلسي ابتكر أُسلوباً جديداً في التفسير، وهو تفسير القرآن حسب الموضوعات التي يطرحها من خلال جمع آيات كلّ موضوع في محل واحد، ثمّ تفسيرها دفعة واحدة، وحلّ إبهام الآيات بعضها ببعض.

وهذا النمط من التفسير له مزيّته الخاصة كما أنّ للتفسير الترتيبي مزية، غير أنّ الوقوف على الهدف المنشود من الآيات التي تحوم حول موضوع واحد إنّما يتبيّن من خلال التفسير الموضوعي، حيث يقف المفسِّر على ما هو المقصود دفعة واحدة، بعرض الآيات بعضها على بعض والخروج بحصيلة معينة.

هذا هو الذي قام به شيخنا المجلسي على وجه موجز حيث صنف الآيات القرآنية حسب الموضوعات وبثّها في أبواب بحار الأنوار، وفسرها على وجه الإيجاز حسب ما سمح به الوقت، وقد اعتمد في ذلك على تفسير «مجمع البيان» للطبرسي (المتوفّى 548هـ) وتفسير «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» للبيضاوي (المتوفّى 685هـ) وغيرهما من التفاسير.

نعم التفسير الموضوعي في إطار ضيّق قد سبقه إليه الفقهاء في تفسير خصوص آيات الأحكام، فقد ألّف جمال الدين المقداد بن عبد اللّه السيوري الحلي (المتوفّى 826هـ) كتاب «كنز العرفان في فقه القرآن» فهو يتعرض لآيات الأحكام فقط، ولا يفسر الآيات سورة فسورة على حسب ترتيب المصحف ذاكراً ما لكلّ سورة من آيات الأحكام، كما فعل الجصاص وابن العربي، بل طريقته في تفسيره انّه يعقد أبواباً كأبواب الفقه، ويدرج في كلّ باب منها الآيات التي تدخل تحت موضوع واحد، فمثلاً يقول: باب الطهارة ثمّ يذكر ما ورد في الطهارة من


( 248 )

الآيات القرآنية، شارحاً كلّ آية منها على حدة، مبيّناً ما فيها من الأحكام، على حسب ما تذهب إليه الإمامية الاثنا عشرية في فروعهم مع تعرضه للمذاهب الأُخرى، وردّه على من يخالف ما يذهب إليه الإمامية الاثنا عشرية.(1)

وجاء بعده المحقّق الأردبيلي فألّف «زبدة البيان في أحكام القرآن» على غرار «كنز العرفان».

وعلى كلّ حال فهذا النمط من التفسير الموضوعي كان في إطار خاص، كما قام بعض علماء الأخلاق بهذا النوع في التفسير الموضوعي، لكن في إطار الموضوعات الأخلاقية، كما فعله الغزالي (المتوفّى 505هـ) في «إحياء العلوم».

وأمّا المنهج الذي سلكه الشيخ المجلسي فقد استوعب جميع الموضوعات الواردة في القرآن الكريم، حسب نظره وحسب ما ورد فيه الروايات، فصدر كلّ باب بآياته وتفسيره ثمّ نقل رواياتهم، فهذا النوع ابتكار منه في هذا المضمار، ولو قام باحث بإخراج ما في بحار الأنوار من التفسير الموضوعي لجاء بموسوعة كبيرة وإن كان تفسيره على وجه الإيجاز.

3. ابتكار العمل الجَماعيّ في التأليف

إنّ الرائج بين العلماء في التأليف و التصنيف هو العمل الفردي، فيتصدّى كلّ واحد منهم بهمة قعساء لتأليف موسوعة كبيرة وربما ينجح فيها بعض النجاح،ولكن العمل الفردي مهما كابد فيه المؤلف لا يخلو من نقص.


1 . التفسير والمفسرون: 2/465.


( 249 )

وأمّا إذا أشرف على هذا العمل فريق من المحقّقين ذوي اختصاصات مختلفة فربما يكون أقلّ نقصاً وأكثر فائدة، وقد تقدم انّ جماعة إخوان الصفا شاركوا في تأليف موسوعة فلسفية كبيرة، و تسربت تلك الفكرة إلى الغرب وراجت بينهم المشاركة في تأليف الموسوعات كما في دوائر المعارف، وقد جسّد شيخنا المجلسي تلك الفكرة في موسوعته «بحار الأنوار»، فاستعان بلفيف من تلامذته الذين ناهز عددهم المائتين بين مجتهد، ومحدث، ومفسر، ولغوي، ومؤرخ، وناسخ، ومصحح، إلى غير ذلك، وانفرد هو بتفسير معضلات الأحاديث ومشكلاتها،ولذلك نرى في النسخ الأصلية انّ الحديث كتب بخط، وشرحه بخط آخر هو خطّ المجلسي نفسه، و هذا يعرب عن وجود برنامج منسَّق للتأليف يبين فيه مسؤولية كلّ واحد في ترصيف هذه الموسوعة الإسلامية الكبيرة.

4. إبداع التأليف باللغة الفارسية

لا شكّ انّ اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والحديث النبوي وحديث الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) ، وهي إحدى الأواصر التي تجمع المسلمين، ولذلك انبرى علماء الإسلام على اختلاف ألسنتهم على التأليف بلغة الضاد، وهيمنت اللغةُ العربية على معظم مصنّفاتهم وتآليفهم.

وهناك من لم يقتصر على التأليف باللغة العربية فحسب، بل صنف بلغة أبناء جلدته غير العرب، لماّ أحسَّ من أنّ كثيراً من المسلمين لا يجيدون اللغة العربية وهم بحاجة ماسّة إلى فهم مقاصد الشريعة وتعاليمها، ولذلك عادوا يؤلّفون كتباً كثيرة بلغة قومهم خدمة لهم.

وشيخنا المجلسي أحد من شارك في هذا المضمار، فقد ألف كتباً باللغة


( 250 )

الفارسية يناهز عددها 53 بين كتاب ورسالة منها «عين الحياة» و«حقّ اليقين» و«حلية المتقين» و«حياة القلوب» و«جلاء العيون» إلى غير ذلك من الكتب والرسائل التي ذكرت في ترجمته.(1)

5. الاهتمام بشرح الأحاديث

إنّ مقاصد الشريعة تتجلّى في القرآن الكريم والحديث الشريف، وقد قام المسلمون بتفسير القرآن الكريم، وجمع الحديث، ولكن لم يكن اهتمامهم بتفسير الحديث كاهتمامهم بتفسير القرآن الكريم .

نعم قام غير واحد من أهل السنة بتبيين غوامض أحاديث البخاري، منهم أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773ـ 852هـ) حيث قام بشرح صحيح البخاري أسماه «فتح الباري»، وقد طبع في عشرة أجزاء.

كما قام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي(631 ـ 676هـ) بشرح صحيح مسلم.

إلى غير ذلك من الشروح على الصحاح والسنن التي يطول ذكرها.

وأمّا الشيعة الإمامية فقد كان الرائج في أوساطهم هو تدوين الحديث دون شرحه، وقد راج تفسير الحديث وشرحه بصورة موسوعات كبيرة في القرن العاشر الذي نشطت فيه الحركة الاخبارية، فقد قام والد الشيخ المجلسي محمد تقي بن مقصود علي المجلسي (1003ـ 1070هـ) بشرح «من لا يحضره الفقيه» وأسماه «روضة المتّقين في شرح من لا يحضره الفقيه» في 12 جزءاً.


1 . مقدمة بحار الأنوار: 1/13ـ 14.


( 251 )

كما قام نجله محمد باقر المجلسي بشرح أُصول الكافي أسماه «مرآة العقول» في 26جزءاً، كما شرح «تهذيب الأحكام» للشيخ الطوسي وأسماه «ملاذ الأخيار في شرح تهذيب الأخبار» وقد طبع في عشرة أجزاء.

كما وسار على نفس المنهج أيضاً في موسوعته «بحار الأنوار» وبذلك أسدى للشيعة خدمة كبيرة في حلّ معضلات الأخبار ومشاكلها، وتمييز صحيحها عن سقيمها خصوصاً في كتاب «مرآة العقول».

فمن راجع ذلك الكتاب الذي طبع في 26 جزءاً يرى أنّه تحمل عبئاً ثقيلاً في تفسير لغات الأحاديث وتبيين غوامضها إلى غير ذلك من المباحث الهامة التي يزخر بها الكتاب الذي يعد من أنفس ما تركه المجلسي في حقل الحديث.

نعم، كتابه الآخر، أعني: «ملاذ الأخيار في شرح تهذيب الأخبار» دون هذا الكتاب في الشرح والبسط، والتوضيح والتحقيق وإن كان له قيمته الخاصة.

وقد سبق العلاّمة المجلسي والده كما أشرنا إليه، والمحدث الفيض الكاشاني(1007ـ 1091هـ) في كتابه «الوافي» حيث جمع أحاديث الكتب الأربعة، فكان لا يمرّ بحديث إذا كان فيه إعضال إلاّوقد أحلّه، ولا إبهام إلاّرفعه.

وهذا النهج الذي سلكه هؤلاء الأعلام الثلاثة لو اختطّه من أعقبهم من المحدثين واستمروا على ضوئه ،لاتّضح كثير من المعضلات والمشاكل التي تواجه الأحاديث،ولزاد التراث الحديثي غنى.

6. إحياء التراث الحديثي

كان مطلع القرن الحادي عشر مسرحاً للتيارات الفكرية المختلفة، فمن


( 252 )

مكب على العلوم الطبيعية كالنجوم والرياضيات والطب، إلى آخر متوغّل في الحكمة والعرفان والمعارف العقلية التي لا تدرك إلاّ بقسطاس العقل، إلى ثالث مقبل على علم الشريعة من خلال نافذة العقل مع يسير من النقل.

هذا وذاك صار سبباً إلى ظهور الحركة الاخبارية التي كانت تعارض هذه العلوم ومبادءها، وبالرغم من ذلك كان لها دور مهم في تفعيل النشاط الحديثي، وقد ربّت تلك الحركة محدّثين كبار، أمثال: الفيض الكاشاني ، الشيخ محمد تقي المجلسي، الشيخ الحرّ العاملي، السيد هاشم البحراني. وفي مطلع الأكمة شيخنا المجلسي (قدس سره) ، فقد أحيا التراث الديني بمنجزاته الحديثيةوراج سوق الحديث ومدارسته وكتابته، حتى ألّف بعض تلاميذه، أعني: الشيخ عبد اللّه بن نور الدين البحراني موسوعة «عوالم العلوم» الّتي تبلغ مائة مجلد،وقد سلك منهج أُستاذه في البحار، إلاّ أنّ هذه الموسوعة لم تر النور إلاّبعض أجزائها عسى أن يقيض اللّه سبحانه ذوي الهمم العالية بإخراجها بحلة قشيبة.

لم يقتصر العلاّمة المجلسي على التأليف والتصنيف فحسب بل أكبَّ على التدريس وتربية جيل من رواد العلم، والإجازات الموجودة تكشف عن أنّه كان مدرساً معروفاً سنة (1070هـ) أي قبل أربعين سنة من وفاته، وبقي مكبّاً على الدرس والتدريس حتى أيّامه الأخيرة على الرغم من كثرة مسؤولياته بسبب زعامته الدينية التي غطت دنيا الشيعة في ذلك العصر، فلم تمنعه الشواغل الاجتماعية عن تربية جيل ممتاز من العلماء والمحدّثين ناهز عددهم حسب ما ذكره المحدّث النوري في كتابه المعروف «الفيض القدسي»29 تلميذاً وسرد أسماءهم وترجم لهم.

وأعقبه شيخنا المجيز الطهراني في كتابه «طبقات أعلام الشيعة» فذكر ما


( 253 )

كتبه النوري، وأضاف عليه ما وجده من المعلومات في المصادر المتوفرة لديه.

وكان السيد مصلح الدين الاصبهاني أكثر استيعاباً في كتابه الفارسي «زندگينامه علاّمه مجلسى» فانّه ترجم لمائة وواحد وثمانين تلميذاً بالإضافة إلى عدد ممن احتمل أنّهم من تلامذته.

كما قام السيد أحمد الحسيني الأشكوري بترجمة مائتين و أحد عشر تلميذاً في كتابه «تلامذة العلاّمة المجلسي والمجازون منه».

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على أنّه بذل جهوداً جبّارة في تنشيط الحركة العلمية الحديثية فتركت بصمات واضحة على التراث الشيعي برّمته.

كلمة ختامية

وقبل أن نختم البحث نود الإشارة إلى أمرين:

الأوّل: ربما يثار سؤال حول كتاب بحار الأنوار وسائر كتبه وهو انّ كتاب البحار يضمّ في طيّاته أخباراً ضعافاً مخالفة لأكثر الموازين العلمية، فلِمَ نقلها الشيخ المجلسي في كتابه؟

والإجابة عن هذا السؤال واضح، وهي انّ المؤلف قبل كلّ شيء كان بصدد الجمع والنظم وصيانة التراث الشيعي من الضياع، ولم يكن بصدد النقد، وقد جمع مكتبات كثيرة في موسوعة كبيرة،وترك التحقيق للأجيال التي تعقبه.

مضافاً إلى أنّه لم يترك التعرض إلى ضعف الخبر أو نقده كلّما سمح له الوقت، ولذلك ترى أنّ منهج بحثه في «البحار» غير منهجه في «مرآة العقول»، فقد صار في الكتاب الأخير بصدد التحقيق والنقد فلا يمرَ بحديث إلاّ ويوضح


( 254 )

سنده ومتنه ومدى اعتباره ومقدار دلالته وموافقته أو مخالفته للموازين العلمية.

فعلى القارئ الكريم أن ينشد الغرض المتوخّى من تأليف الكتاب، فالغرض من تأليف البحار غالباً هو النضد والجمع، ولكن الهدف من تأليف مرآة العقول هو النقد والتحقيق.

الثاني: انّ بعض المستشرقين كـ«ادوارد برون» مؤلف تاريخ «أدبيات إيران» والكتّاب الجُددَ الذين لا يروق لهم نشر م آثر أهل البيت (عليهم السلام) استهدفوا المجلسي بسهام النقد، ولم يكن في كنانتهم إلاّرميه بسباب مقذع، بعيداً عن روح النقد الموضوعي، وما هذا إلاّ لأنّهم لم يجدوا ثغرة ينفذون من خلالها إلى شخصية المجلسي، فعادوا يقرعونه بالترهات والسفاسف دون جدوى، و كلّ ذلك لا يحطّ من منزلة شيخ الإسلام المجلسي فقد قيل: «من ألّف فقد استهدف».

ولو كان شيخنا المؤلف بصدد جلب رضا هؤلاء لكان عليه أن يعزف عن كلّ جهوده،ولكن لم يكن رائده في هذا السبيل إلاّ رضا اللّه سبحانه ورسوله ورضا الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) ، ولسان حاله:

إذا رضيت عني كرام عشيرتي *** فلا زال غضبـاناً عليّ لئامها


( 255 )

6

أبوالفضل بهاء الدين محمد بن الحسن الاصفهاني

المشهور بالفاضل الهندي (1062 ـ 1137 هـ)

قد قام بشرح القصيدة العينية نابغة عصره وفريد دهره أبو الفضل بهاء الدين محمد بن الحسن الاصفهاني المشهور بالفاضل الهندي(1062ـ 1137هـ) مؤلف الموسوعة الفقهية الضخمة المسماة بـ«كشف اللثام عن قواعد الأحكام» إلى غير ذلك من الآثار العلمية.

يحدّثنا التاريخ انّ لفيفاً من نوابغ المجتهدين، قد نالوا درجة الاجتهاد وهم بعدُ في سن مبكر لم يبلغوا الحلم.

منهم على سبيل المثال: العلاّمة الحلّي.

قال سيدنا الأمين في «أعيان الشيعة»: برع في المعقول والمنقول وتقدم وهو في عصر الصبا على العلماء الفحول.(1)

ومنهم نجله محمد بن الحسن المعروف بفخر المحقّقين(683ـ 772) وذلك لأنّ والده ألّف كتاب القواعد باستدعاء ولده فخر المحقّقين.

وقال العلاّمة في خطبة القواعد: فهذا كتاب «قواعد الأحكام في معرفة


1 . أعيان الشيعة:24/279.


( 256 )

الحلال والحرام» لخصت فيه لبّ الفتاوى خاصة، وبينت فيه قواعد أحكام الخاصة، إجابة لالتماس أحبّ الناس إليّ وأعزّهم عليّ، وهو الولد العزيز محمد الذي أرجو من اللّه طول عمره بعدي.(1)

وذكر ذلك أيضاً نفس فخر المحقّقين في شرحه لهذا الكتاب، قال في شرح خطبة القواعد:

إنّي لما اشتغلت على والدي قدّس اللّه سرّه في المعقول والمنقول وقرأت عليه كثيراً من كتب أصحابنا، فالتمست منه أن يعمل لي كتاباً في الفقه جامعاً لقواعده حاوياً لفرائده، مشتملاً على غوامضه ودقائقه، جامعاً لأسراره وحقائقه، يبني مسائله على علم الأُصولين وعلى علم البرهان.(2)

هذا من جانب،ومن جانب آخر فانّ العلاّمة يصرّح في خاتمة كتاب القواعد انّه فرغ منه بعد ان بلغ من العمر الخمسين ودخل في عشرة الستين.

وبما انّ العلاّمة من مواليد عام 648 هـ فقد فرغ منه عام 698هـ فيكون عمر ولده فخر المحقّقين عند إتمام الكتاب 15 سنة أو 16 سنة ، فلو استغرق تأليف هذا الكتاب سنتين فقد ألفه لولده وهو ابن 14 سنة.

ويؤيد ذلك انّ العلاّمة فهرس أسماء كتبه في «خلاصة الأقوال في معرفة الرجال»، وذكر منها «قواعد الاحكام في معرفة الحلال والحرام»، وقد ألّف الخلاصة عام 693(3)، فلولده فخر المحقّقين من العمر يومذاك 11 سنة.


1 . قواعد الأحكام:1/174، مقدّمة المؤلّف.

2 . إيضاح الفوائد: 1/9.

3 . خلاصة الأقوال:112برقم 53.


( 257 )

ومنهم شيخنا المترجم شارح القصيدة فانّه بعد ما ذكر قصة تأليف العلاّمة كتابه القواعد لولده، قال: وقد يستبعد ذلك، ثمّ شرع في رفع الاستبعاد، وقال: وقد فرغت من تحصيل العلوم معقولها ومنقولها ولم أكمل ثلاث عشرة سنة، وشرعت في التصنيف ولم أكمل احدى عشرة، وصنفت « منية الحريص على فهم شرح التلخيص» ولم أكمل تسع عشرة سنة. وقد كنت عملت قبله من كتبي ما ينيف على عشرة من متون وشروح وحواشي، كـ«التلخيص في البلاغة» وتوابعها،و«الزبدة في أُصول الدين»، و«الخود البريعة في أُصول الشريعة» وشروحها و«الكاشف»، وحواشي شرح عقائد النسفية، وكنت ألقي من الدروس وأنا ابن عشر سنين شرحي التلخيص للتفتازاني مختصره ومطوله.(1)

هذا ولكن الذي يدل على نبوغ مؤلفنا الشارح هي الآثار العلمية التي تركها للأجيال الآتية، فإنّ كتابه «كشف اللثام» آية نبوغه في الفقه وبراعته في الاستنباط.

ويكفي في قيمة هذا الكتاب ما نقله المحدّث القمي، عن أُستاذه المحدث النوري، عن شيخه الشيخ عبد الحسين انّ صاحب الجواهر كان يعتمد على كتاب «كشف اللثام» على نحو لا يكتب شيئاًمن موسوعته إلاّ بعد الرجوع إلى ذلك الكتاب.

ومن لاحظ كتاب الجواهر أيقن أنّه اعتمد على كشف اللثام في موارد كثيرة، كما اعتمد هو على موسوعات أُخرى أبرزها كتاب «الرياض» للسيد علي الطباطبائي، و «مجمع الفائدة» للأردبيلي و «المسالك» للشهيد الثاني، وفي


1 . كشف اللثام: المقدمة:1/112.


( 258 )

الحقيقة كتاب الجواهر يشكل عصارة هذه الموسوعات مضافاً إلى تحقيقاته الرشيقة.

وقد برز نبوغ الفاضل الهندي وراح يشق طريقه وسط أجواء سادتها الحركة الاخبارية وهيمنت على معظم الأفكار، وكان هو أحد القلائل الذين ظلّوا أوفياء للحركة الفقهية الموروثة من المحقّقين الكبار نظير: المحقّق الكركي(المتوفّى عام 940هـ)، و زين الدين الشهيد الثاني(المتوفّى عام 965هـ)، والمحقّق الأردبيلي(المتوفّى عام 993هـ)، وصاحب المدارك السيد محمد بن علي الموسوي (المتوفّـى عام 1009هـ)، ونجل الشهيد الثاني الشيخ حسن بن زين الدين (المتوفّـى عام 1111هـ)، والمحقّق السبزواري صاحب كفاية الأحكام (المتوفّـى عام 1090هـ)، والآقا حسين الخوانساري (المتوفّـى عام 1098هـ)، و المحقّق الشيرواني (المتوفّـى عام 1099هـ) إلى أن وصلت النوبة إلى الشارح تاج المحقّقين والفقهاء فخر المدققين والعلماء الفاضل الهندي، وبكتابه هذا حفظ التراث الفقهي الاجتهادي.

المرء بأفكاره وآرائه

إنّ الآثار الجلائل التي تركها شيخنا المؤلف تعرب عن تضلعه في أكثر العلوم الإسلامية، لا سيما في الفقه والأُصول والأدب العربي، وقد امتاز بالتنوع في الموضوع، وقد برز من قلمه ما يناهز 80 كتاباً.(1)

ولو أضيف إليه ما ألّفه من رسائل وكتيبات ربما ناهز المائة والخمسين بين كتاب ورسالة، وقد استقصى صديقنا الجليل الشيخ عبد الرسول جعفريان أسماء


1 . الفوائد الرضوية:487.


( 259 )

تآليفه في تقديمه لكتاب «كشف اللثام» فوقف منها على42 كتاباً.(1)

وقد لعب الزمان بآثاره كما لعب بآثار الآخرين. فاللازم تركيز البحث على كتابه الذي نحن بصدد التقديم له وهو: «اللآلئ العبقرية في شرح العينية الحميرية» وقبل الحديث عن هذا الشرح ومميزاته أود أن أُشير إلى بعض الكلمات التي قيلت في حقّه من قبل العلماء:

1. يقول المحقق الشيخ أسد اللّه التستري (المتوفّى عام 1237هـ):

ومنهم الاصفهاني المحقّق المدقق، النحرير الفقيه، الحكيم المتكلم، المولى بهاء الدين محمد بن الحسن الاصفهاني الشهير بالفاضل الهندي... وكان مولده سنة 62 بعد الألف ونشؤه في بدو حاله وصغره في بلاد الهند ولذا نسب إليها وجرت له فيها مع المخالفين مناظرة في الإمامة معروفة على الألسنة.

وصنف من أوائل دخوله في العشر الثاني كتباً ورسائل وتعليقات في العلوم الأدبية والأُصول الدينيةوالفقهية أيضاً.

منها ملخص التلخيص وشرحه، كلاهما في مجلد صغير جداً، وهو موجود عندي، ولعلّه أوّل مصنّفاته، وفرغ من المعقول و المنقول ولم يكمل ثلاث عشرة سنة كما صرح نفسه به، وهو صاحب المناهج السوية في شرح الروضة البهية، رأيت جملة من مجلداتها في العبادات وهي مبسوطة ومشحونة بالفوائد والتحقيقات وتاريخ ختام كتاب الصلاة منها سنة الثماني وثمانين بعد الألف، فيكون عمره خمساً وعشرين سنة.

وله أيضاً «كشف اللثام عن قواعد الأحكام» شرع فيه أوّلاً من النكاح


1 . كشف اللثام، قسم التقديم:46ـ 65.


( 260 )

وأنهاه إلى الختام وسلك فيه النمط الأوسط الذي هو أقرب إلى الاختصار، ثمّ بدأ من الأوّل مع استيفاء للمهم من الأدلّة والأقوال ولا سيما أقوال القدماء الأبرار، ولم يبرز منه قيماً وجدنا ونقل إلاّ الطهارة والحج وكذا الصلاة إلاّ أنّها ناقصة.

وله ملخص الشفاء لابن سينا.(1)

2. يقول الخوانساري: إنّ المستفاد من بعض خطوطه التي ألقيناها بالعيان كونه في سنة سبع وسبعين بعد الألف في عداد فضلائنا الأعيان، والمشار إليهم بين الطائفة وغيرها بالبنان.(2)

3. يقول السيد جلال الدين الاشتياني: إنّي عثرت على عبارة في الماضي منقولة عن شخص كان يعيش في أواخر الدولة الصفوية كتب: فيها: إنّي رأيت في المدرسة صبياً مراهقاً، ماهراً في الأبحاث العلمية، وحائزاً لمرتبة عالية في العلوم العصرية، وآثار النبوغ تلوح من ناصيته بوضوح، فسألت عن نسبه، فقالوا: هو ابن الملا تاج الدين، اسمه محمد بهاء الدين.(3)

وقبل أن أذكر انطباعي عن هذا الكتاب، أود أن أُشير إلى ما كتبه صاحب الروضات تعليقاً على ذلك الكتاب، قال: إنّ هذا الكتاب أقوى دليل على كون الرجل قد وجد من كلّ فن من فنون العربية كنزه.(4)

فرغ منها سنة 1089هـ.


1 . مقابس الأنوار:18، الطبعة الحجرية.

2 . روضات الجنات:7/116.

3 . منتخبات آثار الحكماء:3/544 في الهامش.

4 . روضات الجنات:7/112 ، برقم 608.


( 261 )

ملامح الكتاب و مميّزاته

من ألقى نظرة على ذلك الكتاب، ولو نظرة عابرة يذعن بأنّ الشارح كاتب قدير له إحاطة تامة بمفردات اللغة العربية، وقواعدها، ومعانيها، ويكفيك في ذلك قراءة خطبة الكتاب، فانّ النص الموجود فيه وإن كان على نظام السجع الرائج في القرن الثاني عشر، لكنّه يستخدم غريب الألفاظ بشكل يعرب عن إلمامه باللغة العربية بشكل واسع.

هذا هو أوّل ما يظهر للإنسان من قراءة صفحات من الكتاب، وأمّا إذا قرأه بدقة و إمعان حينها تنكشف له مميزات الكتاب وملامحه التي تتلخص في النقاط التالية:

1. بيان معاني المفردات

لما كانت القصيدة الحميرية لشاعر عربي صميم وقد أخذ بناصية اللغة العربية، فأودع فيها الاصطلاحات الرائجة في البادية، راح الشارح إلى بيان مفردات البيت ومعانيها اللغوية، وما يشتق منها من الأسماء والأفعال وفي كلّ ذلك يشبع الموضوع على وجه لا يترك شاردة ولا واردة إلاّ ويخوض فيها.

ثمّ يشرع ببيان إعرابالكلمات الواردة في البيت، فيذكر جميع الوجوه المحتملة مشيراً إلى آراء أكابر العلماء، ثمّ يذكر رأيه بعد ذلك مع ذكر الدليل الذي دعاه إلى تبنّي هذا الرأي أو ذاك.

والنكتة الجديرة بالذكر انّه ربما يوافق رأي القائل الذي لا يتفق معه في العقيدة، ويرفض قول الآخر وإن كان ينسجم معه في المبدأ.


( 262 )

ثمّ بعد أن ينهي اعراب البيت يأخذ ببيان النكات الأدبية والبلاغية في القصيدة تحت عنوان (مسائل) أو البيان ويتمتع كلّ ذلك بدقة الملاحظة وجودة التفكير.

2. استعراض التفاسير المطروحة وتقييمها

ومن المميزات البارزة أيضاً في هذا الشرح أنّ القارئ يلتقي فيه مع ذهن وقّاد وعقلية كبيرة، قادرة على التحليق في سماء المعاني وذكر الفروض المحتملة التي يمكن أن تكون مرادة للشاعر، مما يضفي على الشرح جمالية أكبر وقعة للقارئ، فعلى سبيل المثال: نرى أنّه يتطرق إلى سبب تسمية القصيدة بالعينية يذكر لها احتمالات ستة، ويذكر لكلّ وجهه العلمي والأدبي، وبالتالي يعلم أنّ المؤلف ليس ناقلاً للآراء ومدوِّناً لها، بل نراه ناقلاً ومحقّقاً للآراء المطروحة فلا يختار إلاّ عن حجة ولا يرفض إلاّ كذلك.

3. الأمانة في النقل

ومن المميزات البارزة هي الأمانة في النقل، وهذه ميزة شاخصة عند المؤلف حيث حاول الإشارة إلى جميع المصادر التي اعتمدها، ويستنبط منها خاصية أُخرى وهي رجوعه إلى مصادر كثيرة و ما يرافقه من جهود كبيرة ومضنية.

4. محاولة ربط القصيدة بالواقع الموضوعي

ومن ميزات هذا الشرح هو محاولة الشارح الربط بين القصيدة و الواقع الموضوعي السياسي والاجتماعي الذي عاشه أمير المؤمنين (عليه السلام) مما يُضفي على


( 263 )

القصيدة صفة كونها وثيقة تاريخية واجتماعية تحكي عن تلك الفترة التي عاشها الإمام (عليه السلام)وعن طبيعة المجتمع الذي كان يحيط به (عليه السلام).

5. دعم موقفه بآيات الذكر الحكيم

ومن المميزات الأُخرى هي قدرة المؤلف على دعم آرائه بآيات الذكر الحكيم، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على تبحر الشارح في فهم القرآن الكريم، ولذلك تراه في أكثر البحوث التي يوردها يستنجد بالقرآن الكريم لدعم حجته وتأييد رأيه .

إلى غير ذلك من المميزات التي يقف عليها القارئ حين مطالعته.


( 264 )

( 265 )

7

العلاّمة البلاغي

سيرته الذاتية وآثاره العلمية (1282 ـ 1352 هـ)

يعتبر القرن الرابع عشر الهجري(1300ـ 1400هـ) من أخطر القرون التي مرّ بها العالم الإسلامي وأكثرها ضرراً على الأُمّة الإسلامية، ويتضح ذلك من خلال دراسة العوامل المسببة لذلك وهي:

1. التقدم الصناعي الغربي الّذي سهّل الاستيلاء على الشرق الإسلامي ونهب كنوزه وثرواته، ومهد الطريق للمستعمرين من قبل، المستشرقون أوّلاً ثم جيش التبشير ثانياً فعرفوا مكامن البلاد واكتشفوا عوامل الضعف والقوة في المجتمع المسلم.

2. اندلاع الحرب العالمية الأُولى الّتي عمّ شررُها كافة البلاد الإسلامية والّتي سبّبت انحلال الدولة العثمانية ـ حيث كانت تمثل الحكم الإسلامي الرسمي في أكثر البلاد ـ وما نشأ بعد ذلك من دويلات صغيرة ضعيفة، يحارب بعضها البعض الآخر وقد زرع العدوّ فيما بينها عوامل الخلاف والاختلاف والّتي بقيت آثارها حتّى بعد الاستقلال المزعوم.

3. الهجمة الثقافية المتمثلة بالأفكار المادية والتيارات الملحدة والأحزاب السياسية العميلة، والّتي خدعت الشباب المسلم وتصوروا أنّها طريق السعادة.


( 266 )

4. الهزيمة النفسية والحيرة أمام التّيار الاستعماري العارم حيث هوجم المسلمون بقوة مادة لم يكونوا على استعداد لها.

5. أخيرها لا آخرها تطور وسائل الإعلام، وانحدار سيل المطبوعات اليومية والشهرية، بألوانها المختلفة الخداعة للعقول والأفكار.

ولمواجهة هذه الأخطار المحدقة بالإسلام والمسلمين لابدّ من توفر سد منيع يقف بوجهها وقوفاً قوياً حتّى يمنع من نفوذها ويقلّل من آثارها ولا يقوم بذلك إلاّ العلماء العارفين بزمانهم والقائمين بوظائفهم والمخلصين في أعمالهم، المضحّين بأنفسهم وأموالهم في سبيل دين اللّه، فهم حصون الإسلام وسوره. وقد قال الإمام الكاظم(عليهم السلام) عنهم:...لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها.(1)

إنّ القلاع المحيطة بالمدن تصد الأعداء من التسلل إلى داخلها، وترد كيدهم إلى نحورهم، وهكذا العلماء الأُمناء بعلومهم وأفكارهم وأقلامهم ودروسهم وما يملكون في طريق إرشاد الأُمّة من حول وقوة، يمثلون أمام الهجمة الثقافية والفكرية الكافرة حصناً معنوياً، ويغذون الأُمة بالأفكار الصالحة، ويرشدونها إلى مكائد الأعداء ومخططاتهم الغاشمة.

ولذا أصبح مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء فإنّ الشهيد إنّما يتسامى نفسياً ويختار الشهادة بفضل مواعظ العلماء وإرشادهم.

ومن هؤلاء العلماء الأماثل الذين أفنوا عمرهم في الذب عن حياض الإسلام، وإنقاذ المسلمين من براثن الاستعمار الفكري، العلاّمة الشيخ محمد جواد البلاغي الّذي عمّر عمراً ناهز السبعين، وترك من بعده ثروة علمية تفتخر


1 . الكافي:1/38، في باب فقد العلماء.


( 267 )

بها الأُمّة وتتخذها سلاحاً مؤثراً يتدرع به العلماء والمفكرون إلى يومنا هذا.

مولده ونشأته

ولد(رحمه الله)(عام 1282هـ) في محلة البراق في النجف الأشرف، في بيت عربي رفيع عريق، ويعود نسبه إلى قبيلة ربيعة.

وقد وفد إلى ربه سنة (1352هـ) بعد أن عاش عمراً أمضاه في العلم والجهاد والتأليف والبيان، ويمكن تقسيم حياته إلى المراحل التالية:

مراحل حياته

نشأ الشيخ البلاغي في بيت رفيع وفي بلد زاخر بالعلم والأدب، ومع ذلك فلم يكن مقيماً في مكان واحد بل تنقّل من مدينة إلى أُخرى حتى استقر ـ في أواخر عقده الخامس ـ في النجف الأشرف، وسنستعرض مراحل حياته الّتي مرّ بها.

1. نشأ الشيخ في النجف الأشرف منذ نعومة أظفاره إلى أن بلغ الرابعة والعشرين من عمره (1282ـ 1306هـ)، وفي هذه المرحلة تبلورت شخصيته العلمية في أبعاد مختلفة.

2. لم يكتف بما تلقاه عن أساتذة النجف بل هاجر إلى الكاظمية وبقي فيها ست سنوات (1306ـ 1312هـ).

3. عاد إلى النجف الأشرف وبقي فيها إلى عام (1326هـ) وفي هذه المرحلة حضر دروس أعلام الفقه، وفي مقدمهم الشيخ آغا رضا الهمداني مؤلف «مصباح الفقيه»، والمحقّق الخراساني الطائر الصيت.

4. ترك النجف الأشرف للاستفادة من المحقّق الشيرازي، فأقام في سامراء


( 268 )

حوالي عشر سنوات (1326ـ 1336هـ).

5. ولما احتل الحلفاء مدينة سامراء لم يجد بداً من مغادرتها ونزل الكاظمية وكان ساعداً معيناً لأُستاذه الأخير مفجر ثورة العشرين، ولذلك مكث فيها سنتين أدى رسالته السياسية ضد الاحتلال.

6. وفي سنة 1338هـ غادر الكاظمية ونزل مسقط رأسه (النجف الأشرف) وواصل نشاطه العلمي مكباً على التدريس والكتابة وعلى الإجابة عن الأسئلة الّتي ترده من العراق والخارج. إلى أن توفّـي رحمة اللّه عليه يوم الاثنين الثاني والعشرين من شهر شعبان المعظم سنة 1353هـ.

هذه حياة الشيخ الجليل الإجمالية، ومراحلها الّتي مرّ بها، والمهم هو الآثار الّتي تركها والخدمات الّتي قدمها إلى الأُمّة الإسلامية، وهذا هو الذي نشير إليه تالياً وذلك من خلال دراسة بعض كتبه الّتي ألفها إستجابة للحاجات الدينية الّتي أحسّ بها.

آثاره وتآليفه

حقيقة المرء تكمن في آثاره وآرائه، والأفكار الّتي يتركها بعد رحيله، والتعرف على شخصية الإنسان من هذا الطريق هو من أفضل الطرق المأمونة من الدس والتحريف، فالمرور على آثاره العلمية في جوانب مختلفة يوقفنا على أنّ المسؤولية الّتي كان يحس بها شيخنا الراحل هي الّتي دفعته إلى الكتابة في هذه المواضيع وهذا هو المهم في حياة شيخنا الجليل.

بلغ عدد كتبه المطبوعة ستة عشر كتاباً، وأمّا غير المطبوعة فيناهز ثلاثاً وعشرين كتاباً أو رسالة.


( 269 )

أساتيذه ومشايخه

درس شيخنا الراحل(رحمه الله) في النجف والكاظمية وسامراء على عدد من أعلام عصره ـ أو روى عنهم بالإجازة ـ نذكر منهم:

1. الميرزا محمد تقي الشيرازي (المتوفّى 1338هـ).

2. السيد حسن الصدر الكاظمي(المتوفّى 1354هـ).

3. الميرزا حسين النوري الطبرسي النجفي(المتوفّى 1320هـ).

4. الشيخ آقا رضا ابن الشيخ محمد هادي الهمداني (المتوفّى 1322هـ).

5. الشيخ محمد حسن ابن الشيخ عبد اللّه المامقاني النجفي (المتوفّـى 1323هـ).

6. الشيخ محمد طه ابن الشيخ مهدي نجف(المتوفّى 1323هـ).

7. المولى محمد كاظم ابن المولى حسين الخراساني النجفي، المعروف بالآخوند(المتوفّى 1329هـ).

8. السيد محمد ابن هاشم الرضوي الهندي(المتوفّى 1323هـ).

تلامذته والراوون عنه

تتلمذ على الشيخ البلاغي ونهل من معين علمه، أو روى عنه عدد من أعيان الطائفة وعلمائها المشهورين، وكان يحضر درسه عدد غفير من طلاب المعرفة بمستويات علمية مختلفة وتخصّصات متنوّعة، ولنذكر هنا عدداً منهم:

1. الشيخ إبراهيم بن مهدي القرشي، المعروف بـ«أطميش»(المتوفّى 1360هـ).

2. السيد أبو القاسم الخوئي(المتوفّى 1413هـ).


( 270 )

3. الشيخ جعفر بن باقر محبوبة النجفي(المتوفّى1377هـ).

4. الشيخ نجم الدين جعفر ابن الميرزا محمد العسكري الطهراني (المتوفّى1397هـ).

5. الشيخ ذبيح اللّه بن محمد علي المحلاّتي(المتوفّى 1411هـ).

6. السيد صدر الدين الجزائري(المتوفّى 1394هـ).

وغير هؤلاء من الأعلام.

مؤلفاته وآثاره

ترك(رحمه الله) كتباً وتصانيف عديدة لم يطبع أكثرها، وسوف نسرد أسماء المطبوع منها وبعض ما لم يطبع ونترك ذكر بقية الكتب إلى محلّه.

أ. الكتب المطبوعة:

1. الرحلة المدرسية والمدرسة السيّارة.

2. آلاء الرحمن في تفسير القرآن.

3. أعاجيب الأكاذيب.

4. أنوار الهدى.

5. البداء.

6. البلاغ المبين.

7. تعليقة على بيع المكاسب للشيخ الأنصاري.

8. رسالة في شأن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري(عليه السلام).

9. رسالة التوحيد والتثليث.

10. رسالة حرمة حلق اللحية.


( 271 )

11. دعوة الهدى إلى الورع في الأفعال والفتوى.

12. الرد على الوهابية.

13. العقود المفصّلة.

14. نسمات الهدى ونفحات المهدي.

15. نصائح الهدى.

16. الهدى إلى دين المصطفى.

ب. الكتب غير المطبوعة

1. أجوبة المسائل البغدادية.

2. أجوبة المسائل التبريزية.

3. أجوبة المسائل الحلّية.

4. الاحتجاج لكلّ من انفردت به الإمامية من أحاديث أهل السنة في أبواب الفقه.

5. رسالة في الأوامر.

6. رسالة في إبطال العول والتعصيب.

7. تعليقة على العروة الوثقى.(1)

وقد عرض الفاضلان العزيزان : السيد منذر الحكيم والشيخ محمد الحسون ـ حفظهما اللّه ـ آثار شيخنا الراحل ـ المطبوع منها والمخطوط ـ و بيّنا خصائصها وطبعاتها، شكر اللّه مساعيهما.(2) ولذا نقتصر على عرض بعض كتبه الّتي لها صدى واسع في الأوساط العلمية الإسلامية.


1 . وقد تم ذكر بقية كتبه غير المطبوعة وقد بلغت 23 رسالة، في مدخل موسوعة العلامة البلاغي:1/277ـ 284، فراجع.

2 . موسوعة العلامة البلاغي(المدخل):225ـ 285.


( 272 )

1. الرحلة المدرسية أو المدرسة السيارة

ألّف الشيخ هذا الكتاب في ردّ الديانة النصرانية بلسان عصري ووضعه على شكل حوار جرى بين جماعة اجتمعوا للدرس النزيه في الكتب السماوية; التوراة والإنجيل والزبور والقرآن المجيد، والمقارنة بين هذه الكتب واستخراج الحقائق.

وقد طبع في ثلاثة أجزاء; الجزء الأوّل خصصه لمناقشة عبارات العهدين القديم والجديد، ويخرج بالنتيجة إلى مخالفتها للوقائع التاريخية وانّ أكثرها موضوع منحول.

وخصص الجزء الثاني ببيان حقيقة الدين الإسلامي ومراحل تطوره والحروب الّتي خاضها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)دفاعاً عن نفسه وأصحابه وشريعته.

والجزء الثالث يختص ببيان الأُصول الإسلامية الثلاثية: التوحيد والنبوة والمعاد، وقسماً من المسائل الكلامية.

والكتاب من أفضل ما كتبه الشيخ وأحسنه ـ وإن كان الجميع حسناً ـ ويوقفك على عظمة الكتاب ومدى تأثيره هاتان الكلمتان:

قال الأُستاذ توفيق الفكيكي: الرحلة المدرسية دلّت على خياله الواسع الوثّاب، وتفكيره العميق، وذوقه العالي، وأُسلوبه الروائي الحديث المبتكر، وقد دارت بحوثه ومحاوراته على لسان جماعة من ذوي الرجاحة لتمحيص الحقائق وتنزيه العقائد.(1)

وقال الأُستاذ علي الخاقاني: ولو لم يكن للمترجم له إلاّ كتاب الرحلة


1 . مقدمة الهدى إلى دين المصطفى:11.


( 273 )

المدرسية لكفاه فخراً، فقد تطاول الإسلام فيه على المسيحية وضيّق الخناق عليها فيه، ومن المستحيل أنّ إنساناً أُوتي من التعقّل والتمييز شيئاً لا يستقرّ بعد قراءته على الحقّ، ولا يعتنق الإسلام بعد هضمه له.(1)

وقد طبع هذا الكتاب في جزء واحد في مؤسسة النعمان في النجف الأشرف عام 1382هـ، وقدم له المحقّق السيد أحمد الحسيني وفي التقديم حياة الشيخ وحياته وآثاره.

ومن المسائل الّتي طرحها فيه شيخنا الراحل مسألة «التحسين والتقبيح العقليين» وحقّق ملاك الحسن والقبح الّذي اختلفت فيه كلمات العدلية القائلين بهما والأشاعرة المنكرين لهما وقال: إنّ الملاك في التحسين ليس بالملائمة النفسية ولا بموافقة الشرع، وان تقبيح الفعل ليس بالمنافرة النفسية ولا مخالفة الشرع، بل أنّ الحسن والقبح وصفان ثابتان للفعل بحسب العقلية المشتركة بين البشر يدركها العقل مهما اختلفت النفسيات واضطربت الميول الأهوائية، ولا نمنعك أن تقول إنّ حسن الفعل عقلاً هو ملائمة للعقل المشترك بين البشر وإن قبحه عقلاً هو منافرته للعقل المشترك بين البشر.(2)

ما جاء في هذا الكتاب كلّه مهم ومفيد، ومع ذلك فإنّنا نشير إلى عناوين بعض المسائل الّتي أسهب فيها المؤلف الكلام حتّى يرجع القارئ إليها بنفسه، والّتي نرى لها أهمية خاصة في هذه الأيام:

1. القرآن ميزان الحق.

2. إيمان إبراهيم في القرآن والحجة الواضحة.


1 . شعراء الغري:2/428.

2 . الرحلة المدرسية:443.


( 274 )

3. حاشا جلال اللّه من التعليم بالكذب.

4. من أنباء الغيب في القرآن.

5. القرآن والمسيح والتثليث.

6. خلو التوراة من ذكر القيامة.

7. الطلاق وشريعته.

8. تعليم القرآن بالأخلاق الفاضلة.

9. أصل الأنواع في مذهب دارون.

10. بطلان فرض التسلسل والدور.

11. إثبات حدوث المادة.

12. الثالوث والأقانيم والتثليث.

2. الهدى إلى دين المصطفى

هذا الكتاب ألفه شيخنا البلاغي وهو نزيل سامراء، وقد طبع (في جزأين) لأوّل مرّة عام 1330هـ في صيدا ـ لبنان (مطبعة العرفان)، ولم يكتب المؤلف اسمه على الكتاب، بل اكتفى بقوله: الأقل كاتب الهدى، وذكر عنوان المراسلة هكذا: العراق، سامراء، مدرسة حجة الإسلام وقدوة الأنام الميرزا(رحمه الله). وقد ذكر في وجه قيامه بهذا التأليف ما هذا نصّه:

إنّي وقفت على كتاب عربي أُرخّ طبعه سنة 1891ميلادية، لم تذكر ـ كما هو المعتاد ـ مطبعته، ولا محلها ولا صاحبها، عنوانه أنّه تعريف هاشم العربي، عن اللغة الانجليزية لمقالة في الإسلام لجرجيس صال الانجليزي مولداً ومنشأ المولود في أواخر القرن السابع عشر، وقد ألحق المعرّب هذه المقالة بتذييل مستقل في


( 275 )

آخرها، وتذييلات متفرّقات في أثنائها.

ثم وقفت على كتاب آخر استعير له اسم «الهداية» قد تكلف فيه الردّ على كتابي «إظهار الحق»، و«السيف المحمدي»، فوجدت الكتابين الأوّلين على طريقة ينكرها شرع التحقيق في البحث والأدب في الكلام، والأمانة في البيان، ولا يرتضيها خدّام المعارف، المحافظون على فضلهم ورواج بضاعتهم، المتحذرون من وبال الانتقاد ووصمة ظهور الزيف والزيغ.

وقد أحببت أن أُشير إلى بعض ما فيهما ممّا حاد عن الأمانة، أو تاه في الغفلة، خدمة مني للمعارف، وإحقاقاً للحق، وانتقاداً للزيف، ليثني من يريد الكتابة من جماح تعصّبه، ويأخذ في مزالّ الأقدام وعثرات الأقلام بيد قلمه.

وقد آثرت أن أجعل ذلك في خلال ما هو الأمثل بنا ـ بل الواجب علينا ـ من الإرشاد إلى سبيل الهدى ودين الحق... إلى آخر كلامه (رحمه الله).(1)

وتتوفر عندنا نسخة مصورة من كتاب (مقالة في الإسلام) طبع في مصر عام 1925م، والكتاب تعريف للإسلام في فصول ثمانية. والكتاب أكثر نزاهة وأحسن أدباً من التذييل الّذي ألحقه المعرب على الفصول الثلاثة من الكتاب. وأشدها تحاملاً تذييل الفصل الثالث حول القرآن الكريم.

وسنشير إلى بعض ما قام به الشيخ البلاغي في مقام الإجابة والردّ على هذا التذييل:

الأوّل: قال(قدس سره): ومن مؤاخذاته أنّه تصور الغلط النحوي في القرآن الكريم وقال في سورة المائدة:(إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا والصَّابئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(2) وكان الوجه


1 . الهدى إلى دين المصطفى:1/3، (مقدمة المؤلف).

2 . المائدة:69.


( 276 )

أن يقول «والصابئين»....

وأجاب المؤلف عن ذلك بقوله: من لغة العرب رفع المعطوف على المنصوب ومنه رفع المعطوف في الصورة على اسم «إنّ».

قال الحارث بن ضابئ البرجمي:

ومن يك أمسى بالمدينة رحله *** فـأنـّي وقيـارٌ بهـا لغـريـب

وقد رُفع «قيار» وهو معطوف على اسم «انّ» المنصوب محلاً.

وفي الوقت نفسه جاء هذا اللفظ منصوباً في قوله تعالى:(إِنَّ الّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصارى والصَّابِئينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).(1)

فما وجه ذلك؟ ذكر المؤلف وجه ذلك بقوله: إنّ رفع لفظ «الصابئون» في الآية الأُولى تمييزاً لهم من النسق وتنبيهاً على أنّ الصابئين وإن كانوا أبعد من اليهود والنصارى عن صورة التوحيد إلاّ أنّهم مثل اليهود والنصارى في أنّ من آمن منهم وعمل صالحاً فهو آمن، ولا حاجة إلى هذه الفذلكة في الآية الثانية، وذلك لأجل انّ التناول في الترتيب فيها كاف في الإشارة إلى هذه النكتة. فالآيتان معاً دالتان عليها ولكن كلّ واحدة بنحو من الأُسلوب.(2)

أقول: وبعبارة واضحة أنّه ذكر في سورة البقرة اليهود أوّلاً والنصارى ثانياً والصابئين ثالثاً، فبهذا الترتيب أشار إلى ترتيبهم في عقيدة التوحيد، وبذكر الصابئين في المرتبة الثالثة أثبت أنزلهم مرتبة فيه.

وأمّا سورة المائدة فقد قدم لفظ «الصابئون» على النصارى فبما أنّه خالف الترتيب أشار بتغيير الإعراب إلى أنّهم أقلّ مرتبة من الآخرين، ومع ذلك هؤلاء أيضاً كاليهود والنصارى لو عملوا عملاً صالحاً تكتب لهم النجاة.


1 . البقرة:62.

2 . الهدى إلى دين المصطفى:1/345.


( 277 )

وأمّا قوله تعالى: (إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا والصّابِئينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ عَلى كُّلِّ شَيْء شَهِيدٌ).(1)

فقد قدم لفظ الصابئين على «النصارى» كما هو الحال في الآية 69 من سورة المائدة، ومع ذلك جاء منصوباً والوجه هو انّ الآية ليست بصدد بيان مراتب التوحيد في المعطوف والمعطوف عليه ذلك أنّه ذكر «المجوس» و«الذين أشركوا» فلم يكن فيها محل لهذه النكتة حتّى يميّزه بالرفع.

الثاني: ذكر المذيّل وقال في سورة آل عمران (آية 52):(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(2) والوجه «فكان» لكن هذا يخلّ بالراوي.(3)

قال الشيخ في جوابه: قال جلّ شأنه في مقام الاحتجاج بالتمثيل (فيكون) بالفعل المضارع الدال على الثبوت. وذلك لبيان الملازمة الدائمة بين قوله تعالى:«كن» و بين أنّ الشيء يكون بهذا الأمر لا محالة. وبهذه القدرة التامة والملازمة الدائمة خُلق عيسى من غير فحل إذ قال له «كن».

ولا تقوم الحجة بهذا التمثيل ولا يحصل المراد منه في الاحتجاج إلاّ ببيان الملازمة، بخلاف ما لو قيل: كن فكان، لأنّ هذا الأُسلوب لا يفيد إلاّ أنّ آدم كان، سواء كان ذلك باتفاق أو بملازمة خاصة بذلك الكون أو عامة، وهو أمر معلوم لا فائدة فيه في بيانه ولا حجة فيه على خلق عيسى من غير فحل، فلا يكون التفريع لو قيل: كن فكان، إلاّ لغواً في كلام متهافت.


1 . الحج:17.

2 . آل عمران:59.

3 . مقالة في الإسلام:417.


( 278 )

وبهذين الأُنموذجين الرائعين تستطيع أن تثمّن الكتاب وتقيّمه، وتجد أنّه قد سدّ فراغاً كبيراً أوجدته النصرانية قبل مائتي سنة، فشكر اللّه جهود شيخنا الراحل.

هذا ولنعرج إلى دراسة كتابه الثالث.

3. آلاء الرحمن في تفسير القرآن

شرع الشيخ في كتابة هذا التفسير في عام 1349هـ، واشتغل به إلى أواخر أيام حياته، فاستغرق تأليفه سنتين وتسع أشهر، وقد فسر سورة الفاتحة، والبقرة وآل عمران وإلى الآية 57 من سورة النساء.

وهذا الكتاب تفسير ترتيبي رائع، وقد كتب له مقدمة في أربعة فصول تُعدّ من أفضل ما كتب حول علوم القرآن وإعجازه وجمعه وقراءاته، فتعرض في الفصل الأوّل لموضوع إعجاز القرآن الكريم وذكر وجوه الإعجاز فيه، وفي الفصل الثاني بيّن موضوع جمع القرآن الكريم في مصحف واحد وناقش اضطراب الروايات في ذلك، ثم عرّج على قول الإماميّة بعدم النقيصة في القرآن الكريم.

وأمّا الفصل الثالث فقد جعله (قدس سره) في القراءات، وتعرّض لذكر القراء السبعة أو العشرة وقراءاتهم.

وفي الفصل الرابع تحدث عن الحاجة الّتي دعته لكتابة هذا التفسير.

بحث رائع في معنى التوفّـي

من البحوث الشيّقة في مقدمة هذا التفسير تحقيقه في معنى كلمة «التوفّي»، حيث إنّ المفسرين قالوا في تفسير قوله سبحانه:(يَا عِيسَى إِنّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ


( 279 )

إِلَيَّ)(1) أي مميتك، وقال بعض: مميتك حتف أنفك، مع أنّ معتقد المسلمين هو أنّ عيسى لم يمت ولم يقتل قبل الرفع إلى السماء.

والحقّ أن يقال هو أنّهم لم يفطنوا إلى أنّ معنى «التوفّي» والقدر الجامع المستقيم في محاورة القرآن فيه وفي مشتقّاته، إنّما هو: الأخذ والاستيفاء، وهو يتحقّق بالإماتة وبالنوم، وبالأخذ من الأرض، وعالَم البشر إلى عالَم السماء.

وأنّ محاورة القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك، كما في قوله تعالى في سورة الزمر:(اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حينَ مَوْتِهَا وَالّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الّتي قَضَى عَلَيْها الْمَوتَ وَيُرْسِلُ الأُخرى إِلَى أَجَل مُسَمّىً)(2)، ألا ترى أنّه لا يستقيم الكلام إذا قيل: اللّه يُميت الأنفس حين موتها؟(ويميت الّتي لم تمت في منامها) إذ كيف يصحّ أنّ الّتي تمُت يُميتها في منامها؟!

وكما في قوله تعالى في سورة الأنعام:(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيِهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ)(3); فإنّ توفّي الناس بالليل إنّما يكون بأخذهم بالنوم، ثمّ يبعثهم اللّه باليقظة في النهار; ليقضوا بذلك آجالهم المسمّاة، ثمّ إلى اللّه مرجعهم بالموت والمعاد.

وكما في قوله تعالى في سورة النساء:(حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ)(4); فإنّه لا يستقيم الكلام إذا قيل: يُميتهنّ الموت.

وحاصل الكلام أنّ معنى «التوفّي» في موارد استعماله في القرآن وغيره إنّما هو أخذ الشيء وافياً، أي تامّاً، كما يقال: درهم واف. وهذا المعنى ذكره اللغويّون لـ«التوفّي» في معاجمهم، وقالوا: إنّ توفّاه واستوفاه بمعنى واحد، وأنشدوا له قول


1 . آل عمران:55.

2 . الزمر:42.

3 . الأنعام:60.

4 . النساء:15.


( 280 )

الشاعر:

إنّ بني الأدرِدِ ليسوا لأحَـد *** ولا توَفّاهم قُرَيشٌ في العَدد

أي لا تتوفّاهم وتأخذهم تماماً.

قلت: لكن بين الاستيفاء والتوفّي فرقاً واضحاً من جهة أثر الاشتقاق; فإنّ الاستيفاء استفعال كالاستخراج، يشير إلى طلب الأخذ واستدعائه ومعالجته. والتوفّي يشير إلى القدرة على الأخذ بدون حاجة إلى استدعاء وطلب ومعالجة، ولذا اختصّ القرآن الكريم بلفظ «التوفّي» وعدل عن «الأخذ»; لعدم دلالته على التمام والوفاء، كالتوفّي الدالّ على تمام القدرة، على نحو المعنى في (إِنّا للّهِ وَإِنّا إِليهِ راجِعُونَ)(1).(2)

4. دعوة الهدى إلى الورع في الفعال والتقوى

احتلت الوهابية الحرمين الشريفين عام 1344هـ، وبعد أن استتب الأمر لهم حاولوا تخريب قباب أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ووجهوا خطاباً إلى علماء المدينة ورد فيه السؤال عن البناء على القبور والعجب أنّ السؤال كان يتضمن الجواب أيضاً، فكأنّهم أرادوا أن يجيب العلماء حسب هواهم.

وقد أجاب العلماء ـ لا أدري ـ عن طوع ورغبة أو عن جبن وكراهة بأنّ البناء على القبور ممنوع وانّه يجب هدمها واستندوا في ذلك بحديث علي(عليه السلام) بأنّه قال لأبي الهياج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا تدع تمثالاً إلاّ طمسته ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته.(3)


1 . البقرة:156.

2 . الهدى إلى دين المصطفى:1/79ـ 80.

3 . صحيح مسلم:3/61، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه.


( 281 )

وقد ألقى شيخنا الراحل محاضرة في نقد الجواب الّذي نسب إلى علماء المدينة وطبع باسم: «دعوة الهدى إلى الورع في الأفعال والتقوى».

وسنقتبس من هذا المحاضرة شيئاً ما أفاده (قدس سره) في تبيين الحديث، قال:

وأمّا ألفاظ الحديث، فلا يخفيه من اللغة والعرف أن تسوية الشيء من دون ذكر القرين المساوي معه إنّما جعل الشيء متساوياً في نفسه، فليس لتسوية القبر معنى إلاّ جعل سطحه متساوياً.

ولو كان المراد تسوية القبر مع الأرض لكان الواجب في صحيح الكلام أن يقال إلاّ سويته بالأرض فإنّ التسوية بين الشيئين المتغايرين لابدّ فيها من أن يذكر الشيئان اللذان تُراد مساواتهما.

هذا هو كلام شيخنا في المحاضرة ونحن نذكر توضيحاً له:

إنّ الحديث يدلّ على لزوم تسطيح القبور مقابل تسنمها ولا صلة له ببناء القبور أو البناء عليه وذلك انّ لفظة «التسوية» تستعمل في معنيين:

1. تطلق ويراد منها مساواة شيء بشيء فعندئذ تتعدى إلى المفعول الثاني بحرف التعدية كالباء قال سبحانه: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين).(1)

وقال سبحانه حاكياً عن حال الكافرين يوم القيامة: (يَومَئِذ يَوَدُّ الَّذينَ كَفَروا وَعَصَوُا الرَّسُول لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَديثاً)(2) أي يودّون أن يكونوا تراباً أو أمواتاً تحت الأرض.

2. تطلق ويراد منها ما هو وصف لنفس الشيء لا بمقايسته إلى شيء آخر، فعندئذ تكتفي بمفعول واحد.


1 . الشعراء:98.

2 . النساء:42.


( 282 )

قال سبحانه:(الّذي خَلَقَ فَسَوّى).(1)

وقال سبحانه: (بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ).(2)

ففي هذين الموردين تقع التسوية وصفاً للشيء لا بإضافته إلى غيره.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الحديث فنقول:

لو أراد من قوله: سويته هو مساواة القبر بالأرض ـ كمساواة شيء بشيء ـ يلزم أن يتّخذ مفعولاً ثانياً بحرف الجر كأن يقول سويته بالأرض أي جعلتهما متساويين والمفروض انّه اقتصر بمفعول واحد دون الثاني.

فتعين انّ المراد هو الثاني أي كون المساواة وصفاً لنفس الشيء وهو القبر ومعناه عندئذ تسطيح القبر في مقابل تسنيمه، وبسطه في مقابل اعوجاجه، وهذا هو الذي فهمه شراح الحديث، وبما انّ السنّة هي التسطيح، والتسنيم طرأ بعد ذلك، أمر عليّ (عليه السلام) بأن يكافح البدعة ويسطح كلّ قبر مسنم.

وممّا يؤيد انّ المراد هو تسطيح القبر انّ مسلم في صحيحه عنون الباب هكذا «باب الأمر بتسوية القبر» ثمّ نقل رواية عن ثمامة انّه قال: كنّا مع فضالة بن عبيد في أرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بين عبيد بقبره فسوّي. قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بتسويته ثمّ أورد بعده حديث أبي الهياج المتقدم.(3)

وقد فسره أيضاً بما ذكرنا الفقيه القرطبي حيث قال: قال علماؤنا ظاهر حديث أبي الهياج منع تسنيم القبور ورفعها.(4)


1 . الأعلى:2.

2 . القيامة:4.

3 . صحيح مسلم:3/61، باب الأمر بتسوية القبر.

4 . تفسير القرطبي:10/380.


( 283 )

5. الأسئلة والأجوبة

هذه إلمامة عابرة ببعض آثاره المهمة، فمن أراد أن يحيط بكامل ما تركه شيخنا الراحل من تراثه العلمي القيّم فعليه بمراجعة ما طبع ونشر منه ويسرّني أن أُشير إلى مهمة أُخرى والّتي كان(قدس سره) قد تحملها على عاتقه وهي الإجابة عن الأسئلة الّتي ترده من مدن العراق وخارجه، وإليك أحد هذه الأسئلة وجوابه.

السؤال: انّ البهائية قد استدلت على عدم انغلاق باب النبوة بالآية التالية، قال تعالى:(يَا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).(1)

حيث قالوا: إنّ هذا الخطاب الوارد في القرآن الكريم، النازل على قلب سيد المرسلين ينبئ عن مجيء الرسل بعد نبي الإسلام، ويدلّ بظاهر قوله(يأتيَنَّكُم)الّذي هو بصيغة المضارع، على أنّ باب النبوة لم يوصد وأنّه مفتوح بعد، ومعه كيف يدّعي المسلمون أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيين وآخرهم وكتابهم يشهد على خلافه.(2)

وقد رفع العلاّمة الجرندابي هذا السؤال إلى شيخنا الجليل فأجاب بما هذا نصّه.

قال(قدس سره): لابدّ من بيان أمرين:

الأوّل: إنّ تلك الطائفة لا يعرفون اللغة العربية وخواصها، فإنّ الفعل المضارع غير مختص في المحاورات بالاستقبال، بل يؤتى به منسلخاً عن خصوصيات الزمان للدلالة على الدوام والثبات كقولهم: زيد يكرم الضيف،


1 . الأعراف:35.

2 . الفرائد:314، ط مصر ـ 1315هـ.


( 284 )

ويفك العاني ومن ذلك قول اليشكري في المعلّقة:

يدهدون الرؤوس كما تدهدى *** مـزاورة بـأبطحهـا الكـرينـا

وقوله أيضاً:

علينا البيض واليلب اليماني *** وأسبـاب يقمـن وينحنينـا

وقوله سبحانه:(لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالَ ذَرَّة).(1)

الثاني: إنّ الجملة الشرطية كثيراً ما تجيء غير ناظرة إلى الزمان، بل لمجرد ملازمة الجزاء للشرط وترتّبه عليه في أي زمان وقع الشرط، بمعنى أنّه لابدّ من وقوعه عند وقوع الشرط في أي زمان، ومنه قول القائل:

من يفعل الحسنات اللّه يشكرها *** والـشر بالـشر عنـد اللّه سيـان

ومن قوله سبحانه:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَة خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَه).(2)

ومنه قول زهير في معلّقته:

ومن لم يصانع في أُمور كثيرة *** يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم

ومثله قوله الآخر:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناس تعلم

إذا تقرر هذا: فلا خفاء في أنّ حاصل الآية: أنّه مهما آتى بني آدم رسل، يعني رسل حق، يأتون بآيات اللّه ووحيه ويقصّونها في التبليغ، فمن اتقى حسب ما جاء في الآيات ولم يعص اللّه بالمخالفة به وأصلح وجعل أعماله صالحة، فلا خوف عليهم ولا يحزنون.


1 . سبأ:3.

2 . الزلزلة:7ـ8.


( 285 )

فجيء بالشرط بصيغة المضارع، للدلالة على ثبوت الإتيان بتكرره، بحسب الحكمة، وأنّ الجزاء لازم لهذا الشرط، دون نظر إلى الزمان الخاص، والواقعة الخاصة، وليس نظره إلى خصوص الزمان الماضي ولا خصوص المستقبل. لكن القرآن الكريم بيّن أنّ هذا الشرط لا يقع في المستقبل وذلك بقوله سبحانه:(ولكن رسول اللّه وخاتم النبيّين)، فكان هذا البيان من المحكمات التي هي أُمّ الكتاب.(1)

هذا ما أجاب به شيخنا الراحل، وهناك جواب آخر وهو أنّك إذا لاحظت سياق الآية تذعن بأنّها ليست إنشاء خطاب في ظرف نزول القرآن بل حكاية لخطاب خاطب به سبحانه بني آدم في بدء الخلقة ولقد حكاه في القرآن بعد قرون، فكما أنّه سبحانه يحكي فيه الخطابات الدائرة بين رسله وجبابرة عصورهم من فرعون وقارون من دون إنشاء خطاب في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فهكذا يحكي في هذه الآية وما تقدّمها الخطابات الصادرة منه سبحانه في بدأ الخلقة وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا فلاحظ الآيات الواردة قبل هذه الآية وبعدها.

ابتدأ سبحانه بقصة آدم في سورة الأعراف من الآية 11 وختمها بما استنتج من العير في الآية37، وإليك هذه الآيات:

(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِِبْليسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدينَ* قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَني مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين* قَالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّر فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرينَ* قَالَ انْظُرْني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَال إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرينَ *قَالَ فَبِما أَغْوَيْتَني لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقيمَ* ثُمَّ لآتِينَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ


1 . مجلّة العرفان: المجلد36، ص 771ـ 776.


( 286 )

خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرهُمْ شاكرينَ* قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذمُوماً مَدْحُوراً لِمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعينَ* وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمينَ *فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ ليبديَ لَهُما ما وُريَ عَنْهُما مِنْ سَوءاتِِهما وقالَ ما نَهاكُما رَبّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخالِدينَ *وَقَاسَمَهُما إِنّي لَكُما لَمِنَ النّاصحينَ *فَدلاّهُما بِغُرور فَلمّا ذاقا الشَّجرة بَدَتْ لَهُما سوءاتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ ورقِ الجَنّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجرةِ وَأَقُل لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عدوٌّ مُبينٌ *قَالاَ رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَترحَمْنا لنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ* قالَ اهْبِطُوا بَعْضكُمْ لِبَعض عدوٌّ وَلَكُمْ في الأَرْضِ مستقرٌّ ومتاعٌ إِلى حين* قالَ فِيها تَحْيَونَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخرجُونَ).(1)

وعند ذلك ناسب أن يستنج سبحانه من تلك القصة ويخاطب أبناء آدم بخطابات أربعة، هادفة إلى لزوم طاعة اللّه سبحانه والتجافي عمّا يأمر به الشيطان، وإنّ لهم في قصة أبيهم وأُمّهم لعبرة واضحة فقال سبحانه:

1. (يا بَني آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُواري سوءاتِكُمْ وَريشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلكَ خَيرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللّهِ لَعلَّهُمْ يَذَّكَّرونَ).(2)

2. (يا بَني آدمَ لا يَفْتِننَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخرجَ أَبوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ينزعُ عَنْهُما لباسَهُما ليُريَهُما سَوْءاتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا ترونَهُمْ إِنّا جَعَلْنا الشّياطينَ أَولياءَ لِلّذينَ لا يُؤْمِنُونَ)(3).

3. (يا بَني آدمَ خُذُوا زِينَتكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد وَكُلُوا واشربُوا ولا تُسْرفُوا إِنَّه


1 . الأعراف:11ـ25.

2 . الأعراف:26.

3 . الاعراف: 27 .


( 287 )

لا يُحبُّ الْمُسْرِفينَ).(1)

ولا تجعل قوله سبحانه في ثنايا الخطابات الأربعة: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد...) دليلاً على كونها إنشاء خطاب في عصر القرآن للمسلمين بقرينة ذكر المسجد، لأنّه مردود بوجهين:

الأوّل: لوجود المسجد في الأُمم السابقة وعدم اختصاصه بعصر الرسالة كما يشهد عليه قوله سبحانه:(قَالَ الَّذينَ غلبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).(2)

الثاني: إنّ المراد من المسجد ليس البناء الخاص الدارج في البلاد الإسلامية بل هو كناية ـ باعتبار ذكر المحل واردة الحالّ ـ عن حالة الصلاة والعبادة التي أمر اللّه بها عباده في الأُمم جمعاء على اختلافهم في الأجزاء والشرائط والصور، كما يشهد عليه قوله سبحانه:(وَاذْكُرْ في الكِتابِ إِسماعيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نبيّاً* وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرضِيّاً).(3)

وقوله سبحانه حاكياً عن المسيح:(وَأَوْصاني بِالصَّلاةِ وَالزّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً).(4)

وعليه فالمراد إمّا خذوا ثيابكم التي تتزينون بها للصلاة وألبسوا أجودها في حال العبادة، أو خذوا ما تسترون به عوراتكم حالها، وعلى أيّ تقدير فهذا الحكم لا يختص بالأُمّة الإسلامية بل يعمّ الأُمم جمعاء.

4. (يا بَني آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي فَمَنِ اتَّقى


1 . الأعراف:31.

2 . الكهف21.

3 . مريم:54ـ 55.

4 . مريم:31.


( 288 )

وَأَصْلَحَ فَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(1) ، ثمّ إنّه سبحانه في الآية السادسة والثلاثين والسابعة والثلاثين توعّد من كذّب بآياته واستكبر عنها ومن افترى على اللّه كذباً، وقال سبحانه:(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بآياتِنا وَاستَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* فَمَن أَظْلَمُ مِمّن افْتَرى على اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نصيبُهُمْ مِنَ الْكتابِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يتوفَّونَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تدعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرينَ).

وبعد ذلك ختم القصة مع ما استنتج منها لأبناء آدم من عظات وعبر.

وأنت إذا أحطت خبراً بهذه الآيات، صدرها وذيلها وهدفها ومرماها، لوقفت على أنّ الخطاب الأخير الحاكي عن بعث الرسل إلى بني آدم ليس إنشاء خطاب في عهد الرسالة حتى ينافي صريح قوله الآخر:(ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين)بل هي حكاية لإحدى الخطابات التي ألقاها اللّه في بدء الخلقة، عندما أخرج الشيطان أبانا من الجنة وأهبطه إلى الأرض، وتعلقت مشيئته سبحانه بأن يستقر هو وأبناؤه في الأرض إلى حين، فخاطب سبحانه أبناء آدم بلسان النصح وقال: (يا بني آدم إِمّا يأتينّكم رسل مِنكم يقصّون عليكم آياتي...) فصدّق الخبر الخبر وجاءت الرسل تترى، مبشّرين ومنذرين، تالين على بني آدم آيات اللّه.

ولعل هذا المقدار من العرض من آراء شيخنا الراحل في مواضعها المختلفة يوقفنا على مدى إحاطته بالمسائل الكلامية والقرآنية واطلاعه الواسع على العهدين فلا نطيل الكلام فيه.


1 . الأعراف:35.


( 289 )

انفتاحه على الثقافات الأُخرى

من المواهب الّتي نالها الشيخ البلاغي هو انفتاحه على الثقافات والديانات الأُخرى ولم يقتصر على القراءة بلغة الأُم( العربية) بل انّه تعلم لغات أُخرى كالعبرية والإنجليزية والفارسية، وما دعاه إلى تعلّمها إلاّ الحاجة الماسة للاطلاع على ما في العهدين المتداولين بأيدي اليهود والنصارى الذين كانوا ينشطون كثيراً في إثارة الشبهات ضد الإسلام. وقد تعلم الشيخ العبرية حتّى يتعرف على مكامن ضعفهم فيرد سهامهم بسهام أقوى.

وقد تعلم الإنجليزية والفارسية لأنّ الأسئلة كانت ترده بهاتين اللغتين. وتوجد أيضاً دواع أُخرى حفزته إلى تعلم هذه اللغات.

يقول الشيخ الأُستاذ محسن مظفر في ترجمته:

ألوى العنانَ برهة نحوَ بعض اللغات الأجنبية ففهمها من دون تعسّف ولا كدّ خاطر. هذه العبرانيّة وكان يجيدها أيّما إجادة أتاحها له اختلاط بسيط بالطائفة الإسرائيلية في بغداد، أثناء ارتياده بيعهم وتوراتهم لاستطلاع دفائن الأسرار والإشراف على مواطن الضعف في الكتب المقدسة، ويحسن اللغة الفارسية بصورة فائقة، وحدّثت في التالي بأنّه كان ملمّاً بالإنجليزية.(1)

أدبه الرائع

لم يقتصر شيخنا المترجم بالجهاد في ميدان التأليف والكتابة، بل قرن ذلك بأشعاره الرائعة وأدبه الجم، فنراه قد شارك في جهاده العلمي بشعره الهادف.

ولننقل إليك قصيدتين مليئتين بالعلم والفكر:


1 . موسوعة العلامة البلاغي، المدخل:167ـ 168.


( 290 )

القصيدة الأُولى

نظمها(قدس سره) معارضاً لعينية ابن سينا الّتي كان مطلعها:

هَبطتْ إليك من المحلّ الأرفعِ *** ورقــاءُ ذاتُ تعـــزّز وتمنّـــع

السؤال الذي طرحه الشيخ الرئيس هو أنّه سبحانه لماذا أنزل النفس الإنسانية من عالم التجرد إلى عالم المادة؟ هذا السؤال يكرره الفلاسفة والعرفاء، وكلّ منهما يجيب عنه بشكل خاص، وشيخنا الراحل يجيب بأنّه إنّما أُنزلت إلى عالم المادة لتجيب دعوة ربّها التي يشير إليها قوله سبحانه:(يا أَيَّتُها النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة *ارْجعي إِلَى رَبِّكَ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً).(1)

وإليك القصيدة برمّتها:

نَعِمَتْ بأنْ جَاءَتْ بِخَلْقِ الْمُبْدِعِ *** ثُمَّ السَّعَادَة أنْ يَقُولَ لَها (ارْجَعي)

خُلِقَتْ لأنْفَعِ غَايَة يَاليتَها *** تَبِعَتْ سَبيلَ الرُّشْدِ نَحْوَ الأنْفَعِ

اللّهُ سَوَّاها وَأَلْهَمَها فَهَلْ *** تَنْحُو السَّبيلَ إِلى الْمَحلِ الأرْفَعِ؟!

نَعِمَتْ بِنَعْماءِ الوُجُودِ وَنُودِيتْ *** هَذا هُداكِ وَمَا تَشائي فاصْنَعي

وَدَعِي الهَوى المُرْدي لِئلاّ تَهْبِطي *** فِي الخُسْرِ ذاتَ تُوَجُع وتَفَجُّعِ

إنْ شِئْتِ فارتَفِعي لأرْفَعِ ذُورَة *** وَحَذارِ مِنْ دَرْكِ الحَضِيضِ الأَوضَعِ

إِنَّ السَّعادَةَ وَالْغِنى أَنْ تَقْنَعي *** مَوْفُورَةٌ لَكِ وَالشَّقَا أنْ تَطْمَعي

فَتَنَعَّمي وَتَزَوَّدي وَتَهَذَّبي *** وتَلَّذَّذِي وَتَكَمَّلِي وَتَوَرَّعي

وِبِبَهْجَةِ العِرْفانِ وَالعِلْمِ ابْهَجي *** ولِنَزْعِ أطْمارِ الجَهالاتِ انْزِعي

وَخُذي هُداكِ فَتِلْكَ أعْلامُ الهُدى *** زُهرٌ سَواطِعُ في الطَّريقِ المَهْيَعِ

***


1 . الفجر:27ـ 28.


( 291 )

وَتَروَّحِي بِشَذى الطَّريقِ وأمِّلِي *** عُقْبى سُراكِ إلى الجَنابِ المُمْرعِ

نَجْد وَكُلُّ طَرِيقِها رَوْضٌ وَفِي الـ *** ـمَسْرى إليها بُلْغَةُ الْمُتَمَتِّعِ

وَهُناكَ إدْراكُ المُنى وكَرامةُ الـ *** مأوى لَدى الشَرَفِ الأعزِّ الأمْنَعِ

بَرَزَتْ مُحَجَّبَةً فَتَاهَ ذَوُوا الهَوى *** في كُنْهها وَصفاً وَ«كُلٌّ يَدَّعي»

قَرُبَتْ وباعَدتِ الظُّنونَ وَإِنْ تَكُنْ *** ضَمَّتْ مَخائِلَها حْوانِي الأضْلعِ

أمُؤَمِّلَ الإشراقِ فِي عِرفانِها *** مَهْلاً فإنّكَ في ظَلام أسفَعِ

تَسْعى بِرَأيْكَ نَحْوها يا هَل تَرى *** وجد الهُدى سَاع بِرأي مُضيّعِ

أمْ أينَ مِنْ عرفانها مُتَكلّف *** إنْ ناءَ بالآراءِ صِيحَ بِهِ قَعِ

سَلْ عَنْ حَقِيقَتها وَمَعناها الّذي *** قَد زَقَّها مَحْجُوبَةً لَكَ أو دَعِ

كَمْ قائل فِيها يَقُولُ وَسائِل *** وَجَوابُهُ في (يَسْئَلُونَكَ) إنْ يَعِ

القصيدة الثانية

وقد نضمها ردّاً على قصيدة وردته من بغداد تعرض صاحبها لشأن الإمام المهدي(عجل اللّه تعالى فرجه)، وقد ردّ كذلك عليها غير واحد من الشعراء والعلماء، منهم شيخنا الراحل:

والقصيدة الّتي وردت من بغداد عام 1317هـ، مستهلها:

أيا علماء العصر يا من لهم خبر *** بكل دقيق حال في مثله الفكر

فأجابه الشيخ بقوله:

أطَعْتُ الهُوى فِيهم وعاصانِيَ الصَّبْرُ *** فما أنا مالي فيه نَهْيٌ ولا أمْرُ

أنِسْتُ بِهِمْ سَهْلَ القِفارِ وَوَعْرَها *** فما راعَني مِنْهُنَّ سَهْلٌ ولا وَعْرُ

أخا سَفَر وَلْهان أغْتَنِمُ السُّرى *** مِنَ اللَّيْلِ تَغْلِيساً إذا عَرَّسَ السَّفْرُ

***


( 292 )

بذامِلة ما أنْكَرَتْ ألَمَ الوَجى *** وَمَا صَدَّهَا عَنْ قصدها مَهْمَةٌ قَفْرُ

يَضيقُ بِها صَدْرُ الفَضا فكأنّها *** بِصَدْرِ مُذِيع عَيَّ عَنْ كَتْمِهِ السّرُ

تَحِنُّ إذا ذَكّرتُها بديارِها *** حَنينَ مشُوق هاجَ لوعَتَهُ الذِّكْرُ

وشِملالة أعْدَيتُها بِصَبابَتِي *** إذا هاجَها شَوْقُ الدِيارِ فلا نكرُ

أرُوحُ وَقَلْبِي للّواعِجِ وَالجَوى *** مُباحٌ وأجْفاني عَلَيْها الكَرى حِجْرُ

وَأْحمِلُ أوْزارَ الغَرامِ وإنّهُ *** غَرامٌ بِهِ يَنْحَطُّ عَنْ كاهِلي الوِزْرُ

وَكَمْ لَذَّلِي خَلْعُ العِذارِ وَإنْ يَكُنْ *** لحبّي آل المُصطَفى فَهْوَ لِي عُذْرُ

عَلِقْتُ بِهِمْ طِفْلاً فَكانَتْ تَمائِمي *** مَوَدَّتهُم لا ما يُقَلِّدُهُ النَحْرُ

ومازَجَ دَريّ حُبُّهم يَوْمَ ساغَ لِي *** ولولا مزاجُ الحُبّ ما ساغَ لي دَرُّ

نَعِمْتُ بِحُبِّيهِمْ ولكن بَليّتي *** بِبَينهمُ والبَيْنُ مَطْمَعُهُ مُرُّ

ونائينَ تُدنِيهِم إليّ صَبابَتي *** فعن ناظِري غابُوا وفي خاطِرِي قرّوا

فَمِن نازِح قَدْ غَيَّبَ الرَّمْسُ شَخْصَهُ *** وَمِن غائِب قَد حالَ مِنْ دُونِهِ الستْرُ

أطالَ زَمانُ البَيْنِ وَالصَبرُ خانَنِي *** وما يَصْنَعُ الوَلهانُ إنْ خانَهُ الصَّبْرُ

إلى قم وكم تُنكى بقلبي جِراحُهُ *** من البينِ لا يأتي على قعرها سَبْرُ

فَكَمْ سائل عَنْهُ يُسِيلُ مَدامِعي *** بِتذْكارِهِ وَكْفاً كَما يكِفُ القَطْرُ

فيا سائلاً سَمْعاً لآيَةِ مُعْجِز *** بآياتِهِ لا ما يُزَخْرِفُهُ الشِّعْرُ

إذا رُضْتَ صَعْبَ الفِكْرِ تُهْدى فَقَدْ كَبا *** (لَعاً لكَ) فِي دَحْضِ العثار بِكَ الْكُفْرُ

فمَا الحَجْرُ في التَّقليدِ إلاّ حِجارَةٌ *** وَلَيْسَ بِغَيْرِ الجِدّ يصفو لَكَ الحجرُ

ثمّ يقول في آخر القصيدة:


( 293 )

فَمُذْ قادَنا هادِي الدَليل بِما قَضى *** بِهِ العَقْلُ وَالنَّقْلُ اليَقِينانِ وَالذِّكْرُ

إلى عِصْمَةِ الهادينَ آلِ محمّد *** وأنّهم في عَصْرِهِمْ لَهُمُ الأمرُ

وَقَدْ جاءَ في الآثارِ عَنْ كُلِّ واحِد *** أحاديثُ يَعْيى عَنْ تَواتِرِها الحَصْرُ

تُعرِّفُنا ابنَ العَسكَريّ وأنّهُ *** هُوَ القائِمُ المَهديُّ والواتِرُ الوتْرُ

وقد ذكر (رحمه الله) في ثنايا أبيات هذه القصيدة أسماء الكتب التاريخية ومؤلفيها الّتي وردت فيها الأخبار المتعلقة بظهور الإمام المنتظر المهدي(عجل اللّه فرجه الشريف) كقوله:

فكم في يواقيت البيان كفاية *** يُقلَّد من فصل الخطاب بها النحر

وذي روضة الأحباب فيها مطالب الـ *** ـسؤول وفي كلِّ الفصول لها نشرُ

مناقب آل المصطفى لشواهد الـ *** ـنبوة فيها وهي تذكرة ذكر(1)

المواقف السياسية للشيخ(رحمه الله)

تعد الثورة العراقية الكبرى الّتي اندلعت عام 1920م/1338هـ من أهم أحداث التاريخ العراقي في القرن العشرين، وقد فجّرها الشعب العراقي بكلّ فئاته وطبقاته بقيادة علماء الدين وعلى رأسهم الإمام محمد تقي الشيرازي(المتوفّى 1338هـ)، وذلك بأصداره فتواه الّتي أجازت للثائرين حمل السلاح بقوله: مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسّل بالقوّة الدفاعيّة إذا امتنع


1 . راجع: موسوعة العلاّمة البلاغي:8/96ـ 98، للتعرف على ما قصد المترجم له من أسماء هذه الكتب.


( 294 )

الإنجليز عن قبول مطاليبهم.

لقد أكدت المصادر الّتي ترجمت للشيخ الراحل(رحمه الله) وذكرته أكدت على حضوره المتميّز والفعال إلى جانب العلماء في تحريض الثوار ومساعدتهم في الثورة، حتّى أنّه اضطرّ إلى مغادرة سامراء وترك حلقات الدرس والمكوث في مدينة الكاظمية لمدّة سنتين من 1336هـ إلى 1338هـ مؤازراً للعلماء في الدعاية للثورة ومحرّضاً لهم على طلب الاستقلال.

وقد حضر(رحمه الله) الاجتماع التحضيري لهذه الثورة الّذي عقد في المسجد الهندي في مدينة النجف الأشرف في اليوم الثامن عشر من شهر رمضان سنة 1338هـ، والّذي حضره كبار العلماء ورؤساء عشائر الفرات الأوسط، إذ تمّ في هذا الاجتماع التاريخي دراسة الأوضاع السائدة آنذاك، وإصدار مذكّرة سياسيّة مهمّة تطالب باستقلال العراق، وقد وقّع عليها ثمانية وسبعون شخصاً من كبار الحاضرين في ذلك الاجتماع، وكان من ضمنهم علاّمتنا البلاغي(رحمه الله).(1)


1 . موسوعة العلامة البلاغي، المدخل:1/138ـ 141.


( 295 )

8

الإمام عبدالحسين شرف الدين الموسوي

باحثاً ومجاهداً وداعياً للإصلاح والوفاق (1290 ـ 1377 هـ)

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين.

قال اللّه تعالى: (يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجات).(1)

أمّا بعدُ، فإنّي أتقدّم بالشكر والتقدير إلى الإخوة المسؤولين في مكتب الإعلام الإسلامي لما بذلوه من جهود في عقد هذا المؤتمر الدولي المخصَّص لتكريم العلاّمة السيّد شرف الدين العاملي(قدس سره).

إنّها ـ واللّه ـ لفرصة طيبة وجميلة أن نلتقي في رحاب العلاّمة السيد شرف الدين لنُحيي م آثره الخالدة في حقول الدين والمذهب والأُمّة، ونقتطف منها أزاهير نُعطِّر بأريجها الزاكي، هذا الحفل المبارك الّذي يجتمع فيه العلماء الأعلام والأساتذة والأُدباء والفضلاء، فأهلاً بكم جميعاً ومرحباً.

ونَوَدُّ في هذا الوقت الّذي تهبّ فيه أعاصير الشر والطغيان لتستأصل المبادئ والقيم الرفيعة، وتسلب حقّ الشعوب في تحقيق كرامتها وحريتها


1 . المجادلة:11.


( 296 )

واستقلالها...نودّ في هذا الوقت العصيب أن نحيّي بألسنتنا وقلوبنا وعواطفنا الصادقة الوفدَ الكريم الّذي حلّ علينا ضيفاً من ربوع العلم والفكر والجهاد والتضحية والفداء، تلك الربوع التي أنبتت فطاحل العلماء والفقهاء والمفكّرين والأُدباء، كما نحيّي الإخوة الأفاضل الأماجد الوافدين من العراق، فشكراً للجميع.

لا شكّ في أنّ الأُمّة الّتي تتسلّح بالعلم والإيمان واليقْظة والوحدة، لا يمكن أن تضعُف أو تُستَفَلّ مهما كانت الخطوب والمحن الّتي تداهمها.

وفي هـذا العصر أثبت علماء لبنان المجاهدون وأحرارُه وصناديده أنّهم أعزّ وأمنـع من أن تتطاولَ عليهم الذئاب، أو تنطليَ عليهم أحابيل الأفاعي مهما لان مسُّها، أو تخـدعهم شعارات الديمقراطية المزيفة الّتي رأينا صوراً منها في مُدن العراق المُستباحة، وسجونه الحافلة بكلّ ما يبعث على التقزّز والاشمئزاز.

لقد اتضح تماماً أنّ أحرار لبنان ومجاهديه على مستوى المسؤولية في شتى الظروف والأحداث، فبالأمس وثبَ رجاله الأشاوس لتحرير أرضهم من دنس العدو الصهيوني الّذي ردّد الكثيرون ـ جهلاً وجبناً وطمعاً ـ مقولة أُسطورة جيشه الّذي لا يُقهر، ولكن لم يمضِ وقت طويل حتّى رأى العالم فرارَ جنوده من الميدان فرار الحُمُر من بطشة الليث الهصور.

لقد كان لهذا الانتصار والمظاهرات الحاشدة صدى واسع ووقع مؤثر في نفوس الجماهير الّتي بدأت تقترب من الإيمان بأنّ جولة الباطل لابدّ أن تنتهي بصولة الحق والإيمان والوحدة والإقدام، وأخذت تدنو من الاعتقاد بواقعية قول الشاعر:


( 297 )

إذا الشعب يوماً أراد الحياة *** فلابدّ أن يستجيبَ القَدَر

ولابدّ للّيل أن ينجلي *** ولابدّ للقيد أن ينكسر

واليوم، وثأراً للهزيمة الّتي مُني بها الصهاينة، وتنفيذاً لسياسة إخضاع الشعوب وإذلالها ومسخ هويتها ونهب ثرواتها، تمّت حياكة مؤامرة خبيثة في مصانع الكيان الصهيوني ودوائره العالمية وبتأييد بعض الفئات المخدوعة ببريق الديمقراطية الخادع أو المتاجرة بضمائرها للالتفاف على الإنجازات الكبيرة للشعب اللبناني وسوقِه إلى دائرة الشرق الأوسط الكبير الّذي تسعى أمريكا خاسئة لتحقيقه.

وهنا أيضاً، انطلقت الجموع لصنع ملحمة جديدة لإحباط هذه المؤامرة وإخماد الفتنة، والكشف عن زيف الادّعاءات والشعارات الكاذبة الّتي راحت تنزوي وتختفي أمام الحضور الجماهيري الحاشد الّذي أجبر الأعداء على الاعتراف بمرارة بحقيقة قوة ووعي وتلاحم الشعب، وعلى التفكير بأساليب جديدة تمهّد الطريق لأغراضهم الشريرة، ولكن اللّه تعالى والمؤمنين والأحرار لهم دائماً بالمرصاد«وما النصر إلاّ من عند اللّه العزيز الحكيم».

***

برز في تاريخ الأُمّة الإسلامية عامة والشيعة الإمامية خاصة في كلّ قرن وعصر علماء كبار وعباقرة عظام، بذلوا جهودهم في ترسيخ العقيدة الإسلامية في قلوب الناس وكشف حجب الريب والشكّ عن وجه الحقيقة، فكأنّهم هم المعنيون في حديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ يقول:

«يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف


( 298 )

الغالين، وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد».(1)

وفي القرن الرابع عشر نجد رجالاً أحيوا الدين وأماتوا البدع وصدّوا سهام الأعداء المرشوقة، تشهد على جهادهم العلمي المتواصل كتب التراجم، ومعاجم الرجال.

ومن هؤلاء; الأجلاء الأربعة الذين عاشوا في عصر واحد وبيئة واحدة وتخرجوا من مدرسة واحدة ولمسوا حلو الحياة ومرّها في العراق والشام، أعني:

1. آية اللّه الشيخ محمد جواد البلاغي(1282ـ 1352هـ).

2 . آية السيد محسن الأمين العاملي (1284ـ 1371هـ).

3. آية اللّه الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (1294ـ 1373هـ).

4. آية اللّه السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (1290ـ 1377هـ).

فهؤلاء الأجلّة هم حجج الإسلام بحق، ورافعو ألوية الجهاد العلمي ببيانهم وبنانهم بلا شك، فقد ثابروا في عملهم لأجل هداية الأُمّة، وصبروا على مضض الحياة من غير اكتراث بما يصيبهم في سبيل بلوغ هذا الهدف.

وحيث إنّ هذا المؤتمر ينعقد إجلالاً لأحد هؤلاء العباقرة الأربعة، أعني: العلاّمة الحجّة آية اللّه العظمى السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، فنود أن نلقي أضواءً على جوانب من حياته.


1 . رجال الكشي:10.


( 299 )

1

خصائصه ومنجزاته

العالِم الإسلامي تارة يقتصر سعيه في بلد خاص أو بأقليم معيّن، يبذل جهده من أجل إنارة الطريق لأهله فقط، ولكن هناك القليل من المصلحين ممّن يحملون هموم المسلمين جميعاً، فيحررون أفكارهم عن قيد الإقليمية ويعطفون رغبتهم إلى العالم الإسلامي كلّه، فيكتبون للمسلمين عامة ويحاورونهم كذلك، فالمسلمون لديهم كأسنان المشط، من غير ميز بين أقليم دون أقليم أو فئة دون فئة.

1. كان رجلاً عالمياً

وفي طليعة هؤلاء سيدنا الجليل عبد الحسين شرف الدين العاملي(قدس سره) الذي يهدف في كلّ أثر حبّره يراعه إلى تماسك المسلمين وتعاونهم وتمسّكهم بالكتاب والسنّة، فترى أنّه يؤلّف كتاباً باسم: «الفصول المهمة في تأليف الأُمّة» وهو من أجلّ الكتب الكلامية، تناول فيه مسائل الخلاف بين الطائفتين على ضوء العقل والاستنتاج والتحليل، وقد ألّفه في أيام شبابه، وتمّ في عام 1327هـ.

ومن دلائل كونه رجلاً عالمياً لا إقليمياً أنّه ركب البحر عندما لم تكن أي


( 300 )

طائرة في المنطقة، وتحمّل جهد هذا النوع من السفر، فتوجّه من لبنان إلى مصر عام 1329هـ، والتقى فيها بأفذاذ المدرسة العقلية في مصر وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالكي شيخ الجامع الأزهر ، ودارت بينه و بين رئيس الأزهر مساجلات ومراجعات سوف نتحدّث عنها فيما بعد.

ولم تكن هذه الرحلة فريدة في حياته وإن كان لها آثار جميلة، فقد زار عام 1338هـ دمشق ومصر وفلسطين مرّة أُخرى، وألقى خلالها محاضرات قيّمة واجتمع هناك مع مشايخ العلم وعباقرته.

كما أنّه زار عام 1340هـ الأراضي المقدسة في عهد الشريف حسين وكان الموسم في ذلك العام من أحفل مواسم الحج، وكان للسيد بين جموع الحجاج مكانة شامخة بشهادة أنّه أمّ المسلمين في المسجدالحرام، وكان المسجد مكتظاً بألوان المسلمين، وصلّى من غير تقية.

وقد كان لهذه الرحلات أثر بارز في تعريف الأُمّة وتعريف الشيعة لإخوانهم، وتبيان أنّ الشيعة هم أخوانهم الّذين افتقدوهم منذ قرون.

2. الاهتمام بتوعية الشيعة

إنّ الإمام شرف الدين لمّا أكمل دروسه عند أعلام العصر وجهابذة الوقت، كالمحقّق الخراساني (1255ـ 1329هـ)، والسيد كاظم اليزدي(1247ـ 1337هـ)، وشيخ الشريعة (1266ـ 1339هـ)، وغيرهم من أعلام النجف ومراجعها، غادر العراق ونزل بلاده فوجد أنّ الأُمّية متفشّية بين المسلمين عامّة، وعند الشيعة خاصّة، ولاحظ أيضاً أنّ المناصب العليا بيد المسيحيّين، والمهن الّتي لا يرغب فيها المثقّفون تركت للشيعة، فهم يمارسون المهن والحرف البسيطة.


( 301 )

فأحسّ السيد(قدس سره) بواجبه فجعل توعيتهم وتثقيفهم نصب عينيه، فقام بتأسيس المدرسة الجعفرية في صور وجعلها نواة لفتح مدارس أُخرى في هذا المضمار، وقال عند مراسم الافتتاح كلمة قيّمة دارت على الألسنة منذ أن قيلت إلى يومنا هذا، وهي: «لا ينتشر الهدى إلاّ من حيث ينتشر الضلال».

وقد رسم بذلك الخط الّذي يجب أن يسير عليه قادة المسلمين، فإن التأثّر بالمسيحية أو المادية الّتي راجت في ذلك الزمان أو بعده انّما حدث في أوساط المسلمين عن طريق المراكز الثقافية كالمدارس والجامعات، فأخذ أساتذة العلوم يبشرون بالمسيحية تارة وبالمادية أُخرى في ثنايا دروسهم ومحاضراتهم. فإذا دخل الخصم في تحقيق م آربه عن هذا الطريق، فعلينا أن نسلك نفس هذا المنهج لتحقيق أهدافنا، لأنّه طريق معبّد ومنتج...

وإذا كان في ناموس الخلقة أن يرث الأبناء ما للآباء من الفضائل والمناقب فإنّ كلمة السيد هذه، هي أشبه ما تكون بكلمات جدّه الإمام علي(عليه السلام)، فلو وجدناها مكتوبة في ثنايا قصار الكلم للإمام في «نهج البلاغة» لما شككنا في صدورها عنه (عليه السلام)، وهذه فضيلة رابية للإمام الراحل شرف الدين.

3. فتح باب الحوار بين الطائفتين

سادت على المسلمين بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فكرتان مختلفتان:

إحداهما: أنّ المرجعية السياسية الدينية منصب إلهي يضعه سبحانه أين يشاء، وقد شاء أن تكون مختصة بأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، فهم الذين لهم الحق في تولّي أُمور المسلمين في شتى الحقول والمجالات.

ثانيهما: أنّ هذه المرجعية منصب بشري يمارسها من يختاره الصحابة من


( 302 )

المهاجرين والأنصار، وقد قاموا بدورهم هذا في سقيفة بني ساعدة.

هاتان الفكرتان سادتا على المسلمين إلى يومنا هذا، ولهم في هذا المجال; رسائل وكتب وموسوعات لا يمكن إحصاؤها.

إنّ أتباع هاتين الفكرتين يشتركون في أُصول وفروع كثيرة تسهّل لهم التمسك بعرى الوحدة الوثيقة، ولكنّهم ـ و للأسف ـ تناسوا المشتركات ، وضخّموا الأمر الّذي يفرّق بينهم، فأسفر ذلك عن عدم اطّلاع طائفة على ما عند الطائفة الأُخرى، ولذا نادى سيدنا شرف الدين(قدس سره) بفتح باب الحوار لأجل تقريب الخطى بين الطائفتين، قائلاً: بأنّ ما يجمعنا أكثر ممّا يفرقنا.

إنّ باب الحوار، كان مفتوحاً إلى أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، فهذا هو الشيخ المفيد(336ـ 413هـ) قد ملأ كتبه وأماليه بالحوارات العلمية، وتبعه في ذلك تلميذاه: الشريف المرتضى (355ـ 436هـ) والشيخ الطوسي (385ـ 460هـ)، ولكن بعد هذه الفترة انسد باب الحوار بين أعلام المسلمين ولم يفتح إلاّ في موارد يسيرة لا تكاد تذكر، فنهض السيد الراحل إلى فتحه من جديد عن طريق المكاتبة مع أحد أعلام أهل السنّة، أعني: الشيخ سليم البشري(1284ـ 1335هـ) شيخ الأزهر في عصره، وذلك بعدما هبط مصر أواخر عام 1329هـ مؤملاً في ذلك تحقيق الأُمنية الّتي أمّلها، فوجد تربة مصر تربة خصبة بالعلم والذكاء، وقد جمع الحظ السعيد بينه و بين أحد أعلامها المبرزين المتميزين: «بعقل واسع، وخلق وادع ،وفؤاد حيّ، وعلم عيلم، ومنزل رفيع» كما عبر(رحمه الله) في مقدّمة مراجعاته وهو يصف لقاءه معه بقوله: «شكوت إليه وجدي، وشكا إليّ مثل ذلك وجداً وضيقاً، وكانت ساعة موفقة أوحت إلينا التفكير فيما يجمع اللّه به الكلمة، ويلمّ به شعثَ الأُمّة، فكان ممّا اتفقنا عليه أنّ


( 303 )

الطائفتين ـ الشيعة والسنّة ـ مسلمون يدينون حقاً بدين الإسلام الحنيف، فهم فيما جاء الرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في أصل أساسي يفسد التلبّس بالمبدأ الإسلامي الشريف... ».

فترتّب على ذلك اللقاء الجميل مكاتبات ومراجعات بلغ عددها 65 مراجعة، أي أنّ السيد قد تلقّى خمساً وستين سؤالاً من شيخ الأزهر ليجيب عليها، وقد أجاب بعدد الأسئلة، فصار المجموع كتاباً علمياً تاريخياً حديثياً كلامياً كان له صدى واسع عندما طبع عام 1355هـ.

يُشار إلى أنّ المتحاورين لم يخرجا عن أدب الإسلام وأدب المناظرة قيد شعرة، بل انّهما تبادلا عبارات التقدير والاحترام، وهذا ما نلمسه في ثنايا كلامهما، فهذا شيخ الأزهر يبدأ مراجعته الأُولى بقوله: «سلام على الشريف العلاّمة الشيخ عبد الحسين الموسوي ورحمة اللّه وبركاته» ثمّ إنّه يكتب في ثنايا تلك المراجعة: وإنّي لواقف على ساحل بحرك اللجي، استأذنك في خوض عبابه والغوص على درره، فإن أذنت غصنا على دقائق وغوامض تحوك في صدري منذ أمد بعيد، وإلاّ فالأمر إليك، وما أنا فيما أرفعه بباحث عن عثرة، أو متبع عورة، ولا بمفند أو مندد، وإنّما أنا نشّاد ضالة، وبحّاث عن حقيقة، فإن تبيّن الحقّ فإنّ الحق أحق أن يتّبع، وإلاّ فأنا كما قال القائل:

نحن بما عندنا وأنت بما عنـ *** ـدك راض والرأي مختلف

فبادله السيد(رحمه الله) الجواب الجميل وقال: «رميتني بآمالك ونزعت إليّ برجائك، وأنت قبلة الراجي، وعصمة اللاجي، وقد ركبت من سوريا إليك ظهور الآمال، وحططت بفنائك ما شددت من الرحال، منتجعاً علمك، مستمطراً فضلك، وسأنقلب عنك حي الرجاء، قوي الأمل، ـ ثمّ يقول له ـ : فسل عما


( 304 )

أردت، وقل ما شئت، ولك الفضل، بقولك الفصل، وحكمك العدل».(1)

هكـذا كان العلمان في سماء الأدب، وهذا هو تقديرهما لحقوق كلا الطرفين.

4. اهتمامه بالفقه الأكبر

اهتمّ سيدنا الراحل بالفقه الأكبر نظير اهتمامه بالفقه الأصغر، فإنّ قائمة أسماء مؤلّفاته تشير إلى أنّ اهتمامه بعلم الكلام والعقائد ومسائل البنية التحتيّة للدين الإسلامي كان بنفس مستوى اهتمامه بمسائل الفقه الإسلامي، ويشهد على ذلك كتبه ومحاضراته في العقائد والكلام.

وهو(قدس سره) يذكر في إجازته لآية اللّه السيد شهاب الدين المرعشي النجفي(رحمه الله) أنّ من شيوخ إجازته الإمام الفقيه المحدث محمد المعروف بالشيخ بدر الدين الدمشقي شيخ الإسلام في دمشق وأعلم أعلامها، قال: فقد لقيته في شعبان سنة1338هـ بدمشق وحضرت درسه ليالي رمضان من تلك السنة وجرت بيننا مذاكرة تتعلق بمباحث الحسن والقبح العقليين وبإمكان رؤية اللّه تعالى وامتناعها وبقدم القرآن وحدوثه، فآل البحث إلى ميله التام إلى رأينا في كلّ من المسائل الثلاث....(2)

نعم قد بذل(رحمه الله) جهوده الكثيرة في مسألة الإمامة والخلافة الّتي هي من الأُصول عندنا ومن الفروع عند أهل السنّة، حيث إنّ تنصيب الإمام عندهم من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


1 . المراجعات: الأُولى والثانية.

2 . مجلة آيينه پژوهش« مرآة التحقيق»:206.


( 305 )

5. تبيين المسائل الخلافية

نحن نعتقد بأنّ الخط الفاصل بين الطائفتين السنَّة والشيعة أمر واحد لا غير، وهو أنّ الشيعي يرى أنّ المرجعية السياسية والعلمية بعد رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تعود إلى أئمّة أهل البيت من سلالته، وترى الطائفة الأُخرى خلاف ذلك، هذا هو الفارق الأصيل بين الطائفتين.

وأمّا سائر المسائل فلا تمتّ إلى الخلاف الجوهري بين الطائفتين، فهي إمّا مسائل كلامية أو مسائل فقهية.

مثلاً: المسائل الثلاث الّتي خاض فيها الإمام شرف الدين في دمشق وأقنع المخالف بما يراه الإمامية ليس شيئاً ممّا يختص بالإمامية، فإنّ المعتزلة أيضاً شاركت الإمامية بالتحسين والتقبيح العقليين، وامتناع رؤية اللّه تعالى في الآخرة، وحدوث القرآن وعدم قدمه، ونظير ذلك المسائل الفقهية فإنّ الشيعي يرى عدم نسخ نكاح المتعة أو بطلان العول والتعصيب، كلّ ذلك خلافات فقهية لا تمت إلى أُصول الدين بصلة.

فكلّ من يريد أن يعمّق الخلاف أو الشقاق فإنّما يتمسّك بالمسائل الكلامية أو الفقهية، أو يتّهم الطائفة بما هم براء عنه براءة يوسف من الذنب الّذي أُلصق به.

وعلى ضوء ذلك بحث السيد شرف الدين بعض المسائل الفقهية الخلافية تبعاً للقدماء من كلتا الطائفتين، فهذا هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (المتوفّـى سنة 310هـ) يؤلّف كتاباً باسم «اختلاف الفقهاء»، كما أنّ أبا جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (المتوفّى 321هـ) ألف كتاباً باسم «اختلاف العلماء»، هذا ما عند السنّة.


( 306 )

وعند الشيعة نرى أنّ السيد المرتضى (355ـ 436هـ) ألّف كتاباً باسم «مسائل الخلاف في الفقه»، وتبعه تلميذه أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي(385ـ 460هـ) فألف كتاب «الخلاف في الأحكام»، ذكر فيه آراء الموافق والمخالف بسعة صدره وطول باعه.

إنّ هذه الكتب الّتي قام بتأليفها فطاحل العلماء من الطرفين كانت أداة التقريب بينهما، إذ ما من مسألة إلاّ وللشيعة الإمامية موافق من أحد الطوائف الأربعة أو أحد المذاهب البائدة، ولم يكن لهذه الكتب أي أثر سيِّئ.

كما ألّف محمد بن حسن الشيباني (المتوفّى 298هـ) كتاباً باسم «الحجة على أهل المدينة» وقد طبع في أربعة أجزاء طرح فيه المسائل الخلافية بين مدرسة الرأي الّذي هو من أعاظم أتباعها ومدرسة أهل الحديث الّتي كان عليها المحدثون في المدينة كمالك وأتباعه، ولم توصف هذه الكتب بشق العصا أو توسيع نطاق الخلاف، لأنّها كانت بحوثاً علمية فكرية توجب تقدّم عجلة الفقه إلى الأمام.

وفي القرن السابع قام أحد الفطاحل من علماء الشيعة الّذي قلّما يتّفق في الزمان أن يسمح بمثله وهو الإمام العلاّمة الشيخ الحسن بن يوسف المطهر الحلّي (648ـ 726هـ)، قام بتأليف كتابين قيّمين ، وهما:

1. تذكرة الفقهاء.

2. منتهى المطلب في تحقيق المذهب.

أورد فيهما آراء الصحابة والتابعين والفقهاء، بصدر رحب، ونقلَ دليل كلّ طائفة على رأيه وذكر مذهبه مع دليله.

فنحن نتلقّى هذه الكتب تحقيقاً للفقه وإنارة للمذهب.

فتبعاً لسيرة هؤلاء الأعاظم قام سيدنا شرف الدين بالبحث حول المسائل


( 307 )

الفقهية الخلافية، وهو وإن لم يستقصها جميعاً ولكنّه أدلى بمهمات المسائل الخلافية، وألف في ذلك كتاباً طبع باسم: المسائل الفقهية.

وعلى ضوئه سرنا في كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف» فاستقصينا المسائل الخلافية الّتي اشتهرت بها الشيعة الإمامية كالمنع عن مسح الخفين، وغسل الأرجل والّتي لم تتجاوز عن 26مسألة.

إنّ اختلاف الفقهاء في المسائل العملية نابع عن الاختلاف في المدارك الّتي يعتمدونها في استنباط الأحكام، وكلّ منهم يطلب الوصول إلى الحكم الواقعي بنية خالصة. فرحم اللّه علماءنا الماضين وحفظ اللّه الباقين.

ولعلّ اختلافهم كان مثل اختلاف نبي اللّه داود وسليمان في قصة الحرث الّتي ذكرها اللّه سبحانه في كتابه الكريم، إذ يقول عنها: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدينَ *فَفَهَّمْناهَا سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فَاعِلينَ).(1)

وقد ذكر المفسرون حكمهما على وجه لا يصادم عصمتهما، فمن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى التفاسير.

6. تأسيس منهج لتمييز الصحيح من الأحاديث

إنّ حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كالقرآن الكريم حجّتان عند الأُمّة الإسلامية، غير أنّ القرآن وحي بلفظه ومعناه، وأمّا حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فوحي بالمعنى دون اللفظ، وقد ارتحل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وترك في الأُمّة وديعتين ثمينتين، وهما: كتاب اللّه


1 . الأنبياء:78ـ 79.


( 308 )

وعترته الذين هم حفظة سنّته ومبلّغو أحاديثه.

غير أنّ تحريم كتابة السنّة والتحدّث بها في عصر الخلفاء الثلاثة (خاصّة الثاني منهم) أفرز مشكلةً كبيرة هي ذهاب كثير من حفظَة الحديث مع أحاديثهم دون أن يكتب أو ينقل، فحلّ محلهم مستسلمة أهل الكتاب، فروّجوا الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات، فتلقّتها الأُمّة علماً ناجعاً ملأوا به كتبهم.

وفي نهاية القرن الأوّل تنبّه عمر بن عبد العزيز إلى الخسارة الفادحة المتوجهة إلى التراث النبوي من ترك كتابة الحديث والتحدّث به، فكتب إلى عامله في المدينة المنورة أبي بكر بن حزم قائلاً: أُنظر ما كان من حديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فاكتبه، فإنّي خفتُ دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ حديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتّى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً.(1)

ومع الحثّ الأكيد من جانب الخليفة الأموي لم تكن هناك حركة سريعة بالنسبة إلى هذا الموضوع، إلى أن دالت دولة الأمويين وقامت محلّها دولة العباسيين وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فعندئذ قام المحدّثون بتدوين الحديث عام 143هـ.(2)

وفي خلال الفترة الّتي أُهملت فيها (باستثناء شيء يسير) السنّة النبوية كتابة وتحديثاً، دخلت الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات والمكذوبات على لسان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق تجار الحديث والمستأكلين به، فاحتاج المحقّقون إلى تمييز الصحيح عن غيـره، والصادق عن الكاذب بعلم الرجال الباحث عن


1 . صحيح البخاري:1/27، باب كيف يقبض العلم، من كتاب العلم.

2 . تاريخ الخلفاء للسيوطي:261.


( 309 )

صفات الراوي ضبطاً وثقةً.

فمن ذلك العصر صار المحور في نقد السنّة في ألسن الرواة وتمحيص الأحاديث النبوية هو صفات الراوي، من حيث كونه عادلاً حافظاً ضابطاً مسنداً إلى غير ذلك من الصفات.

ولكن القوم غفلوا عن أنّ هناك طريقاً آخر في جنب الطريق الأوّل وهو نقد مضمون الحديث بأُصول علمية وهي:

1. عرض الحديث على الكتاب.

2. عرض الحديث على السنّة القطعية المتواترة.

3. عرض الحديث على العقل الحصيف الّذي به يخاطبنا سبحانه في كتابه، ويحتج به علينا.

4. عرض الحديث على التاريخ المتواتر المتضافر.

5. عرض الحديث على ما اتّفق عليه المسلمون.

فإذا كان الحديث مخالفاً لأحد هذه الأُسس القطعية فإنّنا نعلم ضعف الحديث وعدم صدقه وتسرب الوضع إليه من إحدى النواحي دون أن يُتَّهم الصحابي أو التابعي أو مؤلّف الكتاب به.

نعم الشرط هو عدم مخالفته، لا موافقته لأحد هذه الموازين، لوجود موضوعات مختلفة حفلت بها الأحاديث الكثيرة، دون أن يرد في القرآن الكريم ـ حسب أفهامنا ـ منها شيء.

فهذا النوع من دراسة الحديث ممّا رسمه سيدنا الراحل في كتابه «أبو هريرة» الّذي نُسب إليه أكثر من خمسة آلاف حديث، مع أنّه لم يدرك من حياة النبي أكثر من ثلاث سنوات.


( 310 )

وهذا النوع من التحقيق بِكر في بابه، وقد سار عليه أحد أعلام مصر ألا وهو محمد الغزالي ، حيث ألّف كتابه «الحديث النبوي بين أهل النقل والفهم» الذي أثار ضجة عند بعض المتحجّرين، وقام أئمة الجمعة والجماعة في بعض المساجد بالتنديد والتشهير بهذا الكتاب، وما ذلك إلاّ لأنّهم ألِفوا وأنِسوا بصحّة عامّة ما في الصحاح والسنن على وجه لا يقبل النقاش.

رحم اللّه سيدنا الراحل الّذي شق لنا هذا الطريق الّذي سرنا على ضوئه في كتابنا «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» حيث درسنا أحاديث ما يربو على أربعين صحابياً ، بعد ذكر نبذة مختصرة عن سيرتهم ونماذج من روائع حديثهم، ثمّ أخذنا بالأحاديث الزائفة المخالفة لأحد هذه الأُسس دون أن نتّهم الصحابي أو التابعي بشيء، وانّما اتّهمنا مضمون الحديث بالوضع والدس، وممّا ذكرناه في هذا الكتاب أُنموذج لما لم نذكر، وإلاّ فهذا النوع من التحقيق يحتاج إلى دراسة منهجية موسّعة تقوم بمهامه لجنة عالمة بأُصول التحديث وقواعده.


( 311 )

2

رسائل متبادلة بين العلمين:

عبد المتعال الصعيدي و السيد شرف الدين

حول كتاب «أبو هريرة»

لما صدر كتاب «أبو هريرة» للإمام شرف الدين إلى الأسواق، والذي سلك فيه مسلكاً جديداً في تقييم الأحاديث النبوية كما عـرفت; أثار اهتماماً كبيراً لدى المحدّثين والباحثين، لأنّ هذا النوع من الدراسة كان يُعـدّ شيئاً غير مألوف في وقته باعتباره يمثّل خطوة جريئة في مجال إزاحة الستار عن وجه الحقيقة، إذ أثبت بوضوح انّ قسماً كبيراً ممّا روي عن أبي هريرة موضوع لا تصحّ نسبته إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد قام عبد المتعال الصعيدي بنقد الكتاب في مقالات ثلاث نشرت في مجلة «الرسالة» الصادرة في القاهرة، وقد أجاب السيد شرف الدين عن نقد الكاتب بالترتيب، و كان ردّه صارماً وواضحاً لكلّ من طالع النقد والرد.

ونحن بدورنا ننشر نصوص النقد والرد وردودهما كما وردت بدون تغيير .


( 312 )

«أبوهريرة» (1)

تأليف: الأُستاذعبد الحسين الموسوي العاملي

بقلم:الأُستاذ عبدالمتعال الصعيدي

اسم كتاب ألفه الأُستاذ الفاضل عبد الحسين الموسوي العاملي، وهو من الشيعة المقيمين بالشام، وقد أراد أن يدرس أبا هريرة درساً علمياً بريئاً من التعصب المذهبي، ولكنّه لم يكد يفتتح كتابه حتى وقع فيما فرّ منه، وابتدأ من أوّل صفحة كتاباً لا ينظر إلى أبي هريرة في ذاته، وإنّما ينظر إليه كشخص يقدسه أهل السنّة المخالفون له في الغلو في التشيع، لأنّا معشر أهل السنّة نتشيع لعلي وأهل بيته رضي اللّه عنهم، ونسلك في ذلك مذهباً وسطاً بين المغالين في التشيع لهم، والذين يكرهونهم من الخوارج ونحوهم، وقد قال علي رضي اللّه عنه: خير هذه الأُمّة النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي.

فقد ذكر المؤلّف أنّ الذي أوقع أهل السنّة في الرضا عن أبي هريرة إنّما هو مذهبهم في تعديل كلّ صحابي، واعتقاد أنّ الصحبة عصمة لا يمسّ صاحبها بجرح وإن فعل ما فعل، ثمّ ذكر انّ الصحبة فضيلة جليلة ولكنّها غير عاصمة، وأنّ الصحابة كان فيهم العدول والأولياء والأصفياء والصديقون، وكان فيهم مجهول الحال، وكان فيهم المنافقون من أهل الجرائم والعظائم، كما قال


1 . مجلة الرسالة، العدد715، السنة 15، المؤرخة17/3/1947م، الصفحة323.


( 313 )

تعالى:(وَمِنْ أَهْلِ الْمَدينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تعْلمهم نَحْن نَعْلمهُم) فعدولهم حجة، ومجهول الحال نتبين أمره، وأهل الجرائم لا وزن لهم ولا لحديثهم، وقد درس المؤلف أبا هريرة على هذا الأساس ليثبت أنّه كان منافقاً كذاباً مجرماً، فيكون عنده من الفريق الثالث الذي عدّه من الصحابة، ولا يكون هناك وزن له ولا لحديثه.

ونحن معشر أهل السنّة لا نعتقد أنّ الصحبة عصمة، لأنّه لا عصمة عندنا إلاّ مع وحي ونبوة، والشيعة هم الذين يقولون بوجود العصمة بعد النبوة، فالمؤلف فيما رمانا به من هذا على حدّ قولهم في أمثالهم: رمتني بدائها وانسلَّت.

فالصحابة عندنا رجال كسائر الرجال، يصيبون كما يصيبون، ويخطئون كما يخطئون، ولهذا كان مذهب الصحابي ليس حجة عند جمهور أهل السنة، وكان الشافعي فيما أظن إذا خالف مذهبه مذهب الصحابي يقول: هم رجال ونحن رجال فالصحابي قد يخطئ في رأيه، وقد يخونه سمعه فيخطئ فيما يرويه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل السنّة يجيزون تخطئة الصحابي فيما يقع فيه من الخطأ، لا فرق في ذلك بين أبي هريرة وغيره من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّهم لا يجيزون تجاوز ذلك إلى الطعن في دينهم، ورميهم بما رمى به المؤلف أبا هريرة من أنّه كان منافقاً مجرماً كذاباً، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مات وهو راض عن أصحابه، ونحن نكرمه برضانا عمن رضى عنه، وبالتأدّب في حقّه وعدم الطعن عليه في دينه، وقد كان أبو هريرة من ألصق الأصحاب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيهمنا أن يكون رضاه عنه في موضعه، وألا يكون رضاه عن منافق كان يخدعه في دينه، ولنخطئ أبا


( 314 )

هريرة بعد ذلك فيما يثبت عليه أنّه أخطأ فيه، مع صون اللسان عن السب والشتم والطعن في الدين، فليس هذا السب من النقد الصحيح في شيء، ولا من أدب الجدال في الدين والعلم، وقد نهانا اللّه عن ذلك في جدالنا مع من يخالفنا في الدين، فقال تعالى في الآية، 108 من سورة الأنعام:(وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم)(1)، و قال تعالى في الآية 46 من سورة العنكبوت:(وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الكِتابِ إِلاّ بِالّتي هِي أَحْسَن)، والمسلم أحقّ بذلك مع المسلم.

وقد ثبت أنّه كان هناك رواة يضعون الحديث على أبي هريرة، ومنهم إسحاق بن نجيح الملطي، وعثمان بن خالد العثماني، وابنه محمد، وهو الذي روى عن أبي هريرة أنّه دخل على رقية بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) امرأة عثمان بن عفان وبيدها مشط، فقالت خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من عندي آنفاً رجّلت شعره، فقال لي: كيف تجدين أبا عبد اللّه ـ يعني عثمان ـ قلت: بخير، قال: أكرميه، فإنّه من أشبه أصحابي بي خلقاً. وهذا حديث باطل، لأنّ رقية ماتت في غزوة بدر، وأبو هريرة إنّما أسلم بعد فتح خيبر، فلنحمل مثل هذا على أُولئك الرواة، ولا داعي إلى الطعن في أبي هريرة.

***

ولمّا قرأ الإمام السيد شرف الدين النقد المذكور كتب رداً عليه وإليك نصّه:


1 . دراسة أحاديث الصحابي وعرضها على الكتاب والسنّة المتواترة والمتضافرة وإجماع المسلمين والتاريخ الصحيح لا يمتّ إلى السبّ بصلة، فاتهام السيد شرف الدين (قدس سره) بالسب صدر غفلة عن معنى السب.


( 315 )

كتاب «أبو هريرة»(1)

نشرت مجلتكم الغراء «الرسالة» ـ في عددها 715 ـ كلمة للأُستاذ الفاضل الشيخ عبد المتعال الصعيدي حول كتابي «أبوهريرة» فأبرأته ممّا نال مني ولم أتعقبه فيما أفرط فيه من التمويه والمغالطة.

ولكن البحث العلمي فرض عليّ أن أمعن في قوله: «وقد ثبت أنّ هناك رواة يضعون الحديث على أبي هريرة ومنهم إسحاق بن نجيح الملطي وعثمان بن خالد العثماني وابنه محمد وهو الذي روى عن أبي هريرة أنّه دخل على رقية بنت رسول اللّه امرأة عثمان بن عفان وبيدها مشط فقالت خرج رسول اللّه من عندي آنفاً رجلت شعره. فقال لي: كيف تجدين أبا عبد اللّه ـ يعني عثمان ـ قلت: بخير. قال: أكرميه فإنّه من أشبه أصحابي بي خلقاً.]قال:[ وهذا حديث باطل، لأنّ رقية ماتت في غزوة بدر وأبو هريرة إنّما أسلم بعد فتح خيبر ]قال[: فلنحمل هذا على أُولئك الرواة ولا داعي إلى الطعن في أبي هريرة».

قلت: لا يمكن حمله على أُولئك الرواة من وجهين:

1. ثبوته عن أبي هريرة بالسند المتصل الصحيح وقد أخرجه وصححه الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الحاكم النيسابوري في كتاب معرفة الصحابة أثناء ذكر وفاة رقية ودفنها في ص 48 من الجزء 4 من المستدرك وأورده الذهبي في تلخيصه معترفاً بصحة سنده وإنكار متنه.

2. أمعنا في البحث عن سند هذا الحديث فلم نجد أحداً قبل اليوم زعم


1 . مجلة الرسالة، العدد718، السنة 15، المؤرخة7/4/1947م، الصفحة409.


( 316 )

أنّه يروى من طريق محمد بن عثمان بن خالد. وإنّما روي بسندين لا ثالث لهما أوردهما الحاكم، وليس في واحد منهما إسحاق بن نجيح الملطي ولا عثمان بن خالد ولا ابنه محمد فكيف نحمله عليهم والحال هذه يا منصفون؟!

وليت الشيخ يدلنا على مأخذه فيما حمله على محمد بن عثمان بن خالد العثماني إذ قال: وهو الذي روى عن أبي هريرة أنّه دخل على رقية وبيدها مشط الخ، ومتى فعله كنا له شاكرين وسدد اللّه من أمعن في نقد كتابي بنصح فنبهني إلى أخطائي محرراً للحق مجرداً من سواه.

عبد الحسين شرف الدين

***

هذا وقد حاول عبد المتعال الصعيدي تصحيح ما أخطأ فيه فكتب مقالاً موجزاً جواباً للسيد، هذا نصّه:

حول أبي هريرة (1)

كتبت كلمة نقد لكتاب أبي هريرة سلكت فيها جادة الإنصاف، ووضعت توجيهاً جديداً لدراسة أبي هريرة دراسة عادلة، ولكن هذا لم يعجب صاحب الكتاب، ولم يعجب بعض إخواننا من الشيعة، فحملوا عليّ في بعض جرائدهم حملة ظالمة، وقد ردّ عليّ صاحب الكتاب بكلمة في «الرسالة» لم يأت فيها بشيء نحو ذلك التوجيه الجديد في دراسة أبي هريرة، ولم يجد فيما يأخذه عليّ إلاّ إسناد حديث دخول أبي هريرة على رقية إلى محمد بن خالد بن عثمان، وقد كنت ذكرت معه بعض أسماء من كان يضع الأحاديث على أبي


1 . مجلة الرسالة، العدد721، السنة 15، ص 492.


( 317 )

هريرة، فسقط في الطبع بعض هذه الأسماء(1)، وترتّب على هذا إسناد ذلك الحديث إلى محمد بن خالد.والحقيقة أنّه من وضع غيره لا من وضعه، وقد ورد هذا الحديث بروايتين في مستدرك الحاكم، جاء في إحداهما محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، وهو من الضعفاء، والمطلب بن عبد اللّه، وهو من الضعفاء أيضاً، ومحمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان، وقد ضعفه النسائي والبخاري.

وجاء في الرواية الثانية عبد المنعم بن إدريس عن وهب بن منبه، وهو قصاص لا يعتمد عليه، وقد ذكر أحمد بن حنبل أنّه كان يكذب على وهب بن منبه، وذكر البخاري أنّه ذاهب الحديث.

فلم يبق إلاّ تصحيح الحاكم لسند هذا الحديث، ولا شكّ أنّ تصحيحه له يشمل أبا هريرة أيضاً، فلا يصحّ لصاحب كتاب أبي هريرة أن يعتمد عليه في رأيه فيه، وقد قال الحاكم عقب هذا الحديث: ولا أشك أنّ أبا هريرة (رحمه الله) تعالى روى هذا الحديث عن متقدم من الصحابة أنّه دخل على رقية رضي اللّه عنها، لكنّي قد طلبته جهدي فلم أجده في الوقت، وهذا هو الإنصاف الذي يجب أن يدرس به أبو هريرة وغيره.

وقد جاءني من حضرة الفاضل الشيخ عبد الرحمن الجمجوني أنّه وجد هذا الحديث في كتاب التاريخ الصغير للبخاري (ص 100) وأنّه ذكر إسناده إلى المطلب بن عبد اللّه عن أبي هريرة، ثم قال: ولا يعرف للمطلب سماع من أبي هريرة، ولا تقوم به الحجة، فأعلّه بالانقطاع. وقد ذكر هذا الأُستاذ الفاضل أنّ الحاكم يروي في كتبه ما لا يعقل، وقد طعن في بعض أحاديثه الإمام


1 . نظن بالكاتب حسناً، لما ورد: ضع أمر أخيك على أحسنه.


( 318 )

السيوطي في كتابه (اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) وكذلك طعن فيه صاحب كتاب (الصارم المنكي). وذكر الشيخ عبد العزيز الخولي في كتابه (مفتاح السنة) أنّ في المستدرك للحاكم كثيراً من الموضوعات، وطعن فيه صاحب المنار في المجلد السادس منها، والشيخ طاهر الجزائري في كتابه (توجيه النظر إلى أُصول الأثر).

وما كان أحرى صاحب كتاب أبي هريرة أن يتناول دراسته بهذا التوسّع الذي يجده في دراسة هذا الحديث، ويثبت منه أنّه موضوع على أبي هريرة، لا أنّ أبا هريرة هو الذي وضعه على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

عبد المتعال الصعيدي

***

وقد أجاب السيد على هذا التصحيح بمقال أكثر تفصيلاً وهذا نصّه:

أبو هريرة والصعيدي(1)

كان الأُستاذ عبد المتعال الصعيدي نشر ـ في العدد 715 من الرسالة الغراء ـ كلمة حول كتابنا «أبو هريرة» فأجبناه بما نشرته الرسالة ـ في عددها 718 ـ جنحنا في جوابه إلى الدعة لا نسأله عن شيء ممّا غالط به أو غلط فيه كالعصمة التي حمل بها حملته على غير روية، فإنّ العصمة من الذنوب ـ التي تثبتها الإمامية للأنبياء وأوصيائهم ـ شيء، والعصمة من الجرح المسقط لعدالة المجروح ـ التي يثبتها أهل السنة لكلّ صحابي ـ شيء آخر.

واليوم وافانا العدد 721 من الرسالة فإذا به يعترف بالغلط في نسبة وضع


1 . مجلة الرسالة، العدد724، السنة 15، المؤرخة19/4/1947م، الصفحة575.


( 319 )

الحديث إلى محمد العثماني المذكور فقال: والحقيقة أنّه من وضع غيره لا من وضعه.

ثمّ ضعف سنده بما لا تتنزّه عن مثله أسانيد كثير من الصحاح، على أنّه لم يستند في تضعيفه إلى أئمة الجرح والتعديل وإنّما أرسل تضعيفه كسائر مرسلاته.

ونحن نستند في تصحيحه إلى إمامين مسلّمي الإمامة في الجرح والتعديل عند أهل السنّة، حجّتين عندهم في السنن لا يدافعان، الحاكم في المستدرك، والذهبي في تلخيصه (ص 48 من الجزء الرابع).

والأُستاذ لا يجهل دأب الذهبي في تعقّب الحاكم وإفراطه بتضعيف كثير من صحاح المستدرك وإسقاط بعضها بأقل شبهة، لكنّه مع ذلك لم يتعقبه في هذا الحديث بل صرح بصحّته عن أبي هريرة. فقال: صحيح منكر المتن، فإنّ رقية ماتت وقت بدر وأبو هريرة أسلم وقت خيبر.

وما كان الذهبي ولا الحاكم مع حسن ظنهما بأبي هريرة ليثبتا عنه هذا الباطل لو وجدا إلى حمله على غيره سبيلاً، لكنّها الأمانة لا يحمل وزرها إلاّ من (كان ظلوماً جهولاً).

وقد حاول الحاكم صرف الباطل عن أبي هريرة ـ كما جاء في كلمة الأُستاذ ـ لكنّه لم يفلح.

نقل الأُستاذ أنّ كلاً من الإمام السيوطي و الشيخ الخولي وصاحب المنار والشيخ الجزائري طعنوا في بعض أحاديث المستدرك ونحن نقول : إنّهم طعنوا في البعض من حديثه، لكنّهم لم يذكروا هذا الحديث بسوء، ولو كان ضعيفاً لنبّهوا إلى ضعفه، ولو كان من الأحاديث الموضوعة لنظمه السيوطي وغيره في


( 320 )

سلك الموضوعات، ما علمنا أحداً من أئمّة الحديث فعل ذلك.

أمّا ما نقله الأُستاذ عن الفاضل الجمجوني ـ من انقطاع الحديث،لأنّ المطلب بن عبد اللّه لا يعرف له سماع عن أبي هريرة ـ ففيه نظر، وقد قيل: إنّ الذي لم يدرك أبا هريرة إنّما هو المطلب بن عبد اللّه بن المطلب بن حنطب، وراوي الحديث إنّما هو المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، فهما ـ على الأصحّ ـ اثنان يروي الأوّل منهما عن أنس وجابر وابن عمر وعائشة وأبي هريرة، وروى عنه الأوزاعي وعمرو بن أبي عمر، وقد وثقه أبو زرعة والدارقطني وحديثه ثابت في السنن الأربعة وغيرها.

وهب أنا صرفنا النظر عن هذا الحديث ولوازمه الباطلة فما رأي الأُستاذ وسائر المنصفين فيما يلزم أبا هريرة من أحاديثه الثابتة عنه في الصحيحين؟ وحسبهم منها ما اشتمل عليه كتابنا «أبو هريرة» في جميع فصوله فليمعن به الأُستاذ، وليدع توجيهه الجديد جانباً وليسلك جادة العلماء المنصفين (الّذينَ يَسْتَمِعُون القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) والذي دعانا إلى هذا إنّما هو الذود عن السنّة المقدّسة والغيرة على الإسلام والمسلمين بتمحيص الحق المتصل بحياتنا العلمية والعقلية اتصالاً مباشراً، إن أُريد إلاّ الإصلاح ما استطعت.

صور ـ لبنان

عبد الحسين شرف الدين

***

وبذلك تمت النقود والردود الأربعة ولكن الأُستاذ الصعيدي حاول أن يحرز الفوز في هذه المساجلة، فكتب رسالة مختصرة هذا نصّها:


( 321 )

كلمة أخيرة في أبي هريرة (1)

قرأت ما كتبه الأُستاذ عبد الحسين شرف الدين في العدد 724 من مجلة الرسالة، فوجدته يدّعي أنّا معشر أهل السنّة نذهب إلى عصمة الصحابة من الجرح المسقط لعدالة المجروح، وهذا ليس بصحيح، لأنّ العصمة خاصة عندنا بالأنبياء، وعدالة الصحابة عندنا لا ترجع إلى عصمتهم، لأنّه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم، وإنّما ترجع إلى ما كان من تحرزهم في دينهم، وما يأخذه أخواننا من الشيعة عليهم يرجع إلى رأيهم في الخلافة، ومثل هذا لا تسقط به عدالة.

ثمّ وجدته يعود إلى حديث دخول أبي هريرة على رقية، وإلى تصحيح الحاكم لسنده، مع أنّ البخاري أعله بالانقطاع، ومع أنّي أثبت له ضعف هذا السند في روايتي الحاكم، واعتمدت في هذا على كتاب ميزان الاعتدال للذهبي، وقد ذكر الأُستاذ أنّي ضعفت هذا السند بما لا يتنزّه عن مثله أسانيد كثير من الصحاح، وفاته أنّه يكفر أبا هريرة بهذا الحديث ويتهمه بوضعه، ولا يصحّ تكفير مثل أبي هريرة إلاّ إذا لم يكن مطعن ما على غيره، فإذا كان هناك مطعن ما على غيره لم يصحّ تكفيره، لأنّ التكفير لا يثبت إلاّ بقاطع فيه.

على أنّ تصحيح الحاكم لسند ذلك الحديث لا يفيد الأُستاذ فيما يريده من إثبات وضعه، ومن أنّ واضعه أبو هريرة، لأنّ الحديث الذي يصحّ سنده دون متنه لا يكون موضوعاً، وإنّما يكون في متنه غلط أو نحوه، كما تقرر هذا


1 . مجلة الرسالة، العدد 725، السنة 15، المؤرخة 16/5/1947م، ص 600.


( 322 )

في علم مصطلح الحديث، أمّا طلب الأُستاذ أن ينظر في غير هذا الحديث من كتابه فيمنع منه أنّ مجلة الرسالة لا تتسع له.

عبد المتعال الصعيدي

***

وقد قمت بوظيفة الأمانة في نقل المقالات نقداً ورداً ولكن بما أنّ الحقيقة بنت البحث نعلّق على المقال الأخير للأُستاذ عبد المتعال الصعيدي حتى يتضح انّ ما أنكره من عصمة الصحابة من الجرح المسقط لعدالة المجروح من الأُصول الثابتة عند غير واحد من رجال الجرح والتعديل.

1. انّ إنكار عصمة الصحابة من الجرح المسقط لعدالة المجروح، في غير محلّه، وهذا هو ابن الأثير يقول:«والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل، فإنّهم كلّهم عدول لا يتطرّق إليهم الجرح».(1)

وقال الحافظ ابن حجر في الفصل السادس من الإصابة، نقلاً عن زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه فاعلم أنّه زنديق وذلك أنّ الرسول حقّ، والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.(2)

2. إن جرح الراوي سواء أكان صحابياً أم لا ، لا يمت إلى تكفيره بصلة، فإنّ التكفير يتعلق بإنكار التوحيد ورسالة النبي الخاتم واليوم الآخر، وأمّا


1 . أُسد الغابة:2/3.

2 . الإصابة:1/17.


( 323 )

القول بأنّ (فلان) الصحابي، كذب على رسول اللّه، فلو كان صادقاً وكان الجرح بنية سليمة كان مأجوراً، لأنّه عرّف للأوساط العلمية من يجب التحرز عنه في أخذ معالم الدين وفروعه وأُصوله. وإن كان كاذباً في جرحه يُعدّ مأثوماً ويعاقب على كذبه .

فالتركيز على أنّ السيد شرف الدين بصدد تكفير أبي هريرة أمر خاطئ وبعيد عن الصواب. وقد روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)انّه قال:«كثرت الكذابة عليّ»(1) ووصف عدة ممّن كان حوله بالكذابة فهل كفّرهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

دفاع عن الحقّ والحقيقة

انتقل العلمان الجليلان: الأُستاذ عبد المتعال الصعيدي، والإمام شرف الدين إلى رحمة اللّه الواسعة ولا نظن بهما إلاّ خيراً، ولا نقول فيما تبادلاه من المساجلات، إلاّ انّه محاولة لنصرة الحقّ، وكشف لوجه الحقيقة، فللمصيب منهما أجران وللمخطئ أجر واحد.

وانطلاقاً من هذا المبدأ، ـ وشهيدي اللّه ـ نذكر وثائق قيّمة تُثبتُ بوضوح، انّ الحقّ مع الإمام شرف الدين وانّ أبا هريرة لم يكن راوياً متثبّتاً، متحرزاً عن القول بغير علم، ولا مكترثاً عن نسبة قول إلى النبي الأعظم مع عدم سماعه منه، أو سماعه من غيره، وربما كان يعتذر عن بعض زلاته وغفلاته بأنّه من كيس أبي هريرة لا من النبي الأعظم، غفر اللّه لنا وله. وإليك تلك الوثائق:

1. أخرج غير واحد من المؤرّخين والمحدّثين، عن السائب بن يزيد انّه سمع عمر يقول لأبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول اللّه وإلاّ لألحقنّك بأرض


1 . الإفصاح للشيخ المفيد:60; الاستنصار للكراجكي:11; الصراط المستقيم للعاملي: 3/258.


( 324 )

الدوس.(1)

وقال لكعب: لتتركنّ الحديث أو لألحقنَّك بأرض القردة.(2)

لم يكن الخليفة مانعاً عن التحديث بقلة، ولذلك كان يقول: «أقلّوا الرواية عن رسول اللّه »وإنّما خالف أبا هريرة في تكثيره.

2. روى ابن عجلان أنّ أبا هريرة، كان يقول: إنّي لأحدِّث أحاديث لو تكلّمت بها في زمن عمر، لشجّ رأسي.

3. روى الشعبي قال: حدث أبو هريرة فسرد عليه سعد حديثاً، فوقع بينهما كلام حتى ارتجَّت الأبواب.

4. روى إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: دخل أبو هريرة على عائشة، فقالت له: أكثرت يا أبا هريرة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: أي واللّه يا أُمّاه، ما كانت تشغلني عنه المرآة، ولا المِكْحَلةُ، ولا الدهن، قالت: لعلّه.

5. لما أرادوا أن يدفنوا الحسن في الحجرة النبوية وقع خصام.

قال الوليد بن رباح: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: واللّه ما أنت وال، وانّ الوالي لغيرك، فدعه ـ يعني حين أرادوا دفن الحسن (عليه السلام) مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ولكنّك تدخل فيما لا يعنيك، إنّما تريد إرضاء من هو غائب عنك ـ يعني معاويةـ.

فأقبل عليه مروان مغضباً، وقال: يا أبا هريرة، إنّ الناس قد قالوا أكثر أبو هريرة الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّما قدم قبل وفاته بيسير.(3)

6.أخرج البخاري عن أبي صالح، قال: حدّثني أبو هريرة، قال: قال النبي


1 . سير أعلام النبلاء: 2/601.

2 . سير أعلام النبلاء: 2/601.

3 . سير أعلام النبلاء: 2/605.


( 325 )

(صلى الله عليه وآله وسلم): أفضل الصدقة ماترك غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلقني.

ويقول العبد: اطعمني واستعملني.

ويقول الابن: اطعمني إلى من تدعني؟

فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.(1)

ورواه الإمام أحمد في مسنده باختلاف طفيف في اللفظ.(2)

انظر إلى الرجل ينسب في صدر الحديث الـرواية إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بضـرس قاطع، ولكنّـه عندما سُئل عـن سمـاع الحديث من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عدل عمّـا ذكره أولاً، وصرح بأنّه من كيسه الخاص أي من موضوعاته.

وبعد هذا فهل يصحّ توثيقه؟!

هذه النصوص تعرب عن أنّ الرجل كان متهماً في عصره، وإن كان هو يبرّر عمله بأنّ الآخرين كانوا منشغلين بالصفق في الأسواق أو بالمرآة والمكحلة والدهن، ولكن كان في القوم من لم يكن له ذلك الشأن، كعلي بن أبي طالب(عليه السلام) وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وأُبيّ بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عمرو، إلى غير ذلك من أقطاب الحديث، الذين كان لهم شغف بنقل الحديث وضبطه وتحديثه، ومع ذلك لم يبلغ حديث أكثرهم معشار ما نقله أبو هريرة.

كان أبو هريرة يجلس إلى حجرة عائشة فيحدِّث، ثمّ يقول: يا صاحبة


1 . صحيح البخاري:7/62، 63، باب وجوب النفقة على الأهل والعيال من كتاب النفقات.

2 . مسند أحمد: 2/252.


( 326 )

الحجرة، أتنكرين مما أقول شيئاً؟

فلما قضت صلاتها، لم تُنكر ما رواه، لكن قالت: لم يكن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يسرد الحديث سردكم.

وكذلك قيل لابن عمر: هل تنكر مما يحدِّث به أبو هريرة شيئاً؟ فقال: لا، ولكنّه اجترأ، وجبُنّا.

فقال أبو هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا.(1)

قال ابن عساكر: إنّ رجلين من بني عامر دخلا على عائشة، فقالا لها: إنّ أبا هريرة يقول: إنّ الطيرة في الدار والمرأة والفرس، فقالت: كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قاله إنّما قال: كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك.

وعن عائشة انّها قالت لأبي هريرة: إنّك تحدّث عن رسول اللّه أشياء ما سمعتها منه؟! فقال لها مجيباً: إنّه كان يشغلك عن تلك الأحاديث، المرآة والمكْحلة.(2)

هذه النصوص توقفك على حقيقة الحال وانّ الرجل كان متّهماً في روايته في عصره، ولكن القول بعدالة الصحابة وترفّعهم عن الجرح والتعديل حال بين المحقّقين والتحقيق في رواياته ومروياته، ولولا ذلك لما أخذوا بكثير ممّا عزاه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

التحديث بنصف ما حفظه

يظهر ممّا رواه أبو هريرة انّه إنّما حدَّث بنصف ما وعاه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحبس النصف الآخر لأنّ الظروف لم تساعد لبثّه.


1 . سير أعلام النبلاء: 2/607.

2 . مختصر تاريخ ابن عساكر:29/195ـ 196.


( 327 )

روى البخاري، عن المقبُري، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول اللّه وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثته وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم.(1) فلو أسعفته الظروف وحدّث بالنصف الآخر، لبلغت أحاديثه عشرة آلاف.

التدليس في الحديث

قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة، يقول: كان أبو هريرة يدلّس.

وذكره ابن عساكر في تاريخه والحافظ ابن كثير في البداية.(2)

ولما كانت شهادة شعبة تحطُّ من مكانة أبي هريرة عاد الذهبي ناقضاً للقاعدة، فقال:

قلت: تدليس الصحابة كثير ولا عيب فيه، فإنّ تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلّهم عدول.

وأنت خبير بأنّ التدليس من أسباب الضعف، فكيف صار هناك من أسباب الفخر، حيث قال: إنّ تدليسهم عن صاحب أكبر منهم.

وقد أشار الحافظ ابن كثير في البداية إلى تفسير كلام شعبة، بقوله: وكان شعبة يشير بهذا إلى حديث: «من أصبح جنباً فلا صيام له» فإنّه لما عوتب عليه، قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأيّ تدليس كان أعظم من ذلك؟ بل كان ينسب ما سمعه من كعب الأحبار إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو من أسوأ التدليسات، وها نحن نوقفك على نموذج من هذا النوع من التدليس الذي كان يرتكبه أبو هريرة.

روى الطبري عن أبي نعيم، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، قال: بينا


1 . صحيح البخاري: 1/31، باب حفظ العلم من كتاب الايمان.

2 . انظر سير أعلام النبلاء:2/608، قسم التعليقة.


( 328 )

ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر.

قال: وكان متكئاً فاحتفز، ثمّ قال: وما ذاك؟ قال: زعم انّه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنّهما ثوران عقيران فيُقذفان في جهنم.

قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفة ووضعت أُخرى غضباً ، ثمّ قال: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب، ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، اللّه أجل وأكرم من أن يعذِّب على طاعته، ألم تسمع قول اللّه تبارك و تعالى (وَسخّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائبَيْن)إنّما يعني دؤوبهما في الطاعة، فكيف يعذِّب عبدين يُثني عليهما انّهما دائبان في طاعته؟! قاتل اللّه هذا الحبر وقبّح حبريته، ما أجرأه على اللّه وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين للّه.

قال: ثمّ استرجع مراراً وأخذ عُوَيداً من الأرض فجعل ينكته في الأرض، فظلّ كذلك ما شاء اللّه، ثمّ إنّه رفع رأسه ورمى بالعويد، فقال: ألا أحدثكم بما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما فقلنا: بلى رحمك اللّه....(1)

وهذا النسج الخرافي للقصة التي حاكتها مخيّلة كعب وأضرابه، رواها أبو هريرة مباشرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

روى ابن كثير في تفسير سورة التكوير:

حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد اللّه الداناج، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمان بن خالد بن عبد اللّه القسري في هذا المسجد، مسجد الكوفة، وجاء الحسن


1 . تاريخ الطبري: 1/44.


( 329 )

فجلس إليه، فحدث، قال: حدثنا أبو هريرة: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: إنّ الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة، فقال الحسن: وما ذنبهما؟

فقال: أُحدّثك عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول أحسبه، قال: وما ذنبهما.(1)

ترى أنّ حديثاً واحداً يرويه رجل عن كعب، وفي الوقت نفسه يرويه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فبما انّ كعباً لم يدرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستطع أن ينسبه إليه، وبما انّ أبا هريرة أدرك عصر الرسالة أخذ بالتدليس فنسب ما سمعه عن كعب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).وأيّ تدليس أسوأ من ذلك؟ وليس هذا إلاّ من مقولة الكذب المنافي للعدالة.

وممّا يقضى منه العجب ما ذكره أبو جعفر الطحاوي لتصحيح هذا الأثر حيث قال: إنّ الشمس والقمر كالملائكة الموكّلين لأهل النار، معذِّبان لأهل النار لا معذَبان فيها، إذ لا ذنوب لهما .(2)

يلاحظ عليه: أنّ التفسير خلاف ما فهمه المخاطبون بهذا الحديث، مضافاً إلى أنّه لا يناسب قوله: «عقيران» وما العقر إلاّ لتعذيبهما.

وحيث إنّ أهل السنّة ذهبوا إلى عدالة الصحابة بأجمعهم أخذوا بروايات أبي هريرة وأمثاله دون أدنى تحقيق، و إذا فتشوا عن اسناد الرواية فإنّما يفتشون عمّن ورد اسمه قبل الصحابة، فإذا وصل الكلام إليهـم يكسر القلم ويُضبط اللسان فلا كلام فيهم و إن صدر عنهـم ما صدر.

وفي الختام، ندعو كلّ من يكتب حول فرقة أو فئة من المسلمين، أو في موضوع من المواضيع الإسلامية، أن يفكر في نتائج ما يكتب وينشر، وهل هو في صالح المسلمين أو لا؟! ومع ذلك فتمحيص الحديث النبوي من أفرض


1 . تفسير ابن كثير: 7/221، تفسير سورة التكوير.

2 . مشكل الآثار: 1/48.


( 330 )

الفرائض، وقد وقع ذريعة بأيدي المستشرقين للطعن بالنبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) وشريعته وسننه.

وقد قام السيد(رحمه الله) بهذا العبء الثقيل في إطار خاص، وهو بذلك قد فتح الطريق للآخرين.

نسأل اللّه سبحانه أن يرزق المسلمين توحيد الكلمة، كما رزقهم كلمة التوحيد.

وشهد شاهد من أهلها

قد عثرت أخيراً على كتاب بعنوان:«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» للكاتب السوري: إسماعيل الكردي والذي طرح بعض ما روي عن أبي هريرة على طاولة البحث، وأدّى حق المقال ونحن نذكره برمّته، ليكون حجّة لمن يتهم الشيعة، بالحقد وهل له أن يتهم كلّ من كتب حول روايات أبي هريرة من تمحيص ونقد، بالحقد؟ قال:

أ. أبو هريرة وروايته عن كعب الأحبار وتدليسه عنه

لقد مرّ معنا ما ذكره بعض المحدّثين، ومنهم الإمام البيهقي والإمام البخاري، في ردِّهم لحديث «خلق اللّه التربة يوم السبت» الذي أخرجه مسلم، بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً، حيث قالوا: إنّ الصحيح أنّه موقوف على كعب(1)


1 . أي كعب الأحبار الذي كان من أحبار اليهود في اليمن، ثمّ دخل في الإسلام بعد وفاة النبي، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر، فجالس أصحاب محمد فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب ، وممّن تتلمذ عليه، وأخذ عنه أخبار أهل الكتاب: أبو هريرة وابن عباس، (سير أعلام النبلاء، ج3، ص 489ـ 490). وكان عمر ينهاه عن التحديث، ويهدده بإرجاعه لأرض القردة (أي اليمن التي جاء منها)!


( 331 )

وأنّه غلط، ليس ممّا رواه أبو هريرة عن النبي، وأنّه ممّا أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه(1). فيبدو أنّ مثل هذا حدث كثيراً عمّن رووا عن أبي هريرة، أي أنّه روى قصصاً وأحاديث سمعها من بعض مسلمة أهل الكتاب ككعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما، فظن السامع منه والراوي عنه أنّه سمعها عن رسو ل اللّه!

وقد ذكر الحافظ الذهبي (748هـ) في موسوعته الرجالية الضخمة «سير أعلام النبلاء» في ترجمته لأبي هريرة ما نصّه: «وقال بكير ابن الأشج عن بسر بن سعيد قال: اتقوا اللّه، وتحفّظوا في الحديث، فواللّه لقد رأيتُنا نجالس أبا هريرة، فيحدِّث عن رسول اللّه، ويحدِّثنا عن كعب (أي اليهودي المسلم كعب الأحبار)، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا، يجعل حديث رسول اللّه عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول اللّه!».(2)

وقال محقّق «سير أعلام النبلاء» الأُستاذ شعيب الأرناؤوط معلِّقاً على هذا الخبر في الحاشية: «أورده ابن كثير في البداية والنهاية: ج8/ص 109(3)، من طريق مسلم بن الحجاج، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الدارمي، عن مروان بن محمد بن حسان الدمشقي عن الليث بن سعد عن بكير بن الأشج. وهذا سند صحيح. وهو في تاريخ ابن عساكر: 19/121/2.» اهـ.

وبعد أن روى ابن كثير تلك الرواية أتبعها بقوله:«وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلِّس، أي يروي ما سمعه من كعب وما


1 . راجع الفصل الخامس (أحاديث انتقد محدثون حفاظ متونها): الحديث الثاني: خلق اللّه التربة يوم السبت.

2 . سير أعلام النبلاء:ج 2، ترجمة أبي هريرة، ص 606.

3 . وهو في الطبعة التي أرجع إليها من البداية والنهاية: 8/112.]بيروت: دار الكتب العلمية[.


( 332 )

سمعه من رسول اللّه ولا يميِّز هذا من هذا، ذكره ابن عساكر».(1)

إنّ وصم شُعْبَة لأبي هريرة بالتدليس، أخرجه عنه مسنداً: «ابن عدي الجرجاني»(المتوفّى 365هـ) في كتابه:«الكامل في ضعفاء الرجال» في أثناء ترجمته للإمام الحافظ شعبة، فقال: أخبرنا الحسن بن عثمان التستري، أخبرنا سلمة بن شبيب قال: سمعت شعبة يقول: أبوهريرة كان يدلِّس».(2)

والمشهور والمتعارف عليه عرفاً وتقليداً أنّ تدليس الصحابي لا إشكال فيه، لأنّه لا يدلِّسُ إلاّ عن صحابي مثله، ولكن لا يخفى ما في تعميم هذه القاعدة من إشكال، لا سيما هنا، فقد رأينا كيف ذكر ابن كثير ـ في البداية والنهاية ـ أنّ تدليس أبي هريرة كان روايته للأحاديث وسرده للأخبار دون تمييزه لما سمعه من كعب الأحبار عما يرويه عن رسول اللّه! فينقل عنه الرواة أحاديث يظنونها عن النبي هي من حديث كعب!!

***

ومن الأمثلة على ذلك، ما أخرجه الترمذي وابن ماجة في سننهما والإمام أحمد في مسنده، بسندهم عن أبي هريرة عن رسول اللّه قال ـ و اللفظ لأحمد في مسنده ـ : «إنّ يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كلّ يوم، حتّى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد اللّه أن يبعثهم على الناس، حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غداً إن شاء اللّه، فيستثني، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه،


1 . البداية والنهاية لابن كثير:8/112.

2 . الكـامـل في ضعفـاء الـرجـال:1/68. (ط3 ، بيـروت، دارالفكر، 1409هـ ، 1988م).


( 333 )

ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم... الحديث».(1)

ذكر الحافظ ابن كثير هذه الرواية عن أبي هريرة بطرقها المختلفة عند تفسيره لقوله تعالى: (فَمَا اسطَعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا استَطَعُوا لَهُ نَقْباً قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِن ْرَبِّي فَإِذَا جاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبّي حَقّاً)(الكهف:97ـ 98)، في تفسيره المعروف، وبعد نقله قول الترمذي عن الحديث بأنّه غريب لا يعرف إلاّ من هذا الوجه، قال(ابن كثير): «وإسناده جيد قوي، ولكن متنه في رفعه (أي إلى النبي) نكارة، لأنّ ظاهر الآية يقتضي أنّهم لم يتمكنوا من ارتقائه، ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد رُوي عن كعب الأحبار أنّهم قبل خروجهم يأتونه، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلاّ القليل، فيقولون غداً نفتحه. فيأتون من الغد، وقد عاد كما كان يلحسونه حتى لا يبقى منه إلاّ القليل. إلخ، (ثمّ قال ابن كثير): وهذا متجه، ولعلّ أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنّه كان كثيراً ما كان يجالسه، ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنّه مرفوع (أي عن النبي) فرفعه، واللّه أعلم».(2)

***

ومثال آخر، ما أخرجه الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره، وذكره ابن كثير في تفسيره بقوله:«وقد أورد ابن أبي حاتم (أي في تفسيره) هاهنا حديثاً غريباً منكراً» فذكروا حديثاً بسند متصل عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه يحكي عن موسى على المنبر قال:«وقع في نفس موسى هل ينام


1 . مسند أحمد:2/510ـ 511.

2 . تفسير القرآن العظيم، لابن كثير:3/102، (طبع الرياض، دار عالم الكتب).


( 334 )

اللّه عزّ وجلّ؟ فأرسل اللّه تعالى إليه ملكاً، فأرَّقه ثلاثاً، وأعطاه قارورتين، في كلّ يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما. فجعل ينام، وتكاد يداه تلتقيان، ثمّ يستيقظ، فيحبس إحداهما عن الأُخرى، حتى نام نومةً، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان!».(1)

قال الحافظ ابن كثير بعد روايته هذا الحديث: «والظاهر أنّ هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات المنكرة. فإنّ موسى عليه الصلاة والسلام أجل من أن يجوِّز على اللّه سبحانه وتعالى النوم، وقد أخبر اللّه عزّ وجلّ في كتابه العزيز بأنّه (الحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)...».(2)

***

ومثال ثالث، ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال: «يخرج من خراسان رايات سود، لا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء».(3) فقد ذكر ابن كثير في تاريخه «البداية والنهاية» هذا الحديث، عند ذكره لما جاء من أحاديث أو أخبار مأثورة عن سقوط دولة بني أمية وقيام دولة بني العباس، نقلاً عن مسند أحمد، ثم قال:«وقد رواه البيهقي في الدلائل (أي دلائل النبوة) من حديث راشد بن سعد المصري. وهو ضعيف. ثمّ قال: قد رُوي قريباً من هذا عن كعب الأحبار وهو أشبه. ثمّ رواه عن كعب أيضاً، قال:


1 . كلهم عند تفسيرهم لقوله تعالى: (
إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّمواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ) الآية41 من سورة فاطر، فانظر تفسير ابن كثير:3/538ـ 539، وقد ذكره ابن كثير أيضاً ذيل تفسيره لقوله تعالى: (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) من آية الكرسي(أي الآية 255) من سورة البقرة كذلك.

2 . المصدر السابق:3/539.

3 . مسند أحمد:2/365.


( 335 )

تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا بالشام، ويقتل اللّه على أيديهم كلّ جبار وعدو لهم!».(1)

***

ب. م آخذ عدد من الصحابة على كثرة رواية أبي هريرة لما يوقعه ذلك في أوهام وأخطاء في بعض ما يرويه

ثبت في الصحيح أنّ عدداً من الصحابة ردُّوا على أبي هريرة بعض ما رواه، ووهَّمُوه في روايته، أو خطَّؤوه في فهمه في أكثر من موضع:

1. من ذلك ما جاء في صحيح مسلم أنّ عائشة وأُمّ سلمة غلَّطتا أبا هريرة في حديث كان يرويه عن رسول اللّه، فلما واجهه بعض التابعين بذلك صرَّح بأنّه لم يكن سمع ذلك الأمر من رسول اللّه حقيقة، بل سمعه من الفضل بن العباس! وهذه هي الرواية:

أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال:]سمعت أبا هريرة يقص، يقول في قصصه:من أدركه الفجر جنباً فلا يصم.(2) فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث (لأبيه) فأنكر ذلك. فانطلق عبد الرحمن، وانطلقت معه. حتى إذا دخلنا على عائشة وأُمّ سلمة، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك. قال: فكلتاهما قالت:«كان النبي يصبح جنباً من غير حلم ثمّ يصوم». قال فانطلقنا


1 . البداية والنهاية لابن كثير:10/67.(طبعة دار أبي حيان بالقاهرة، على نفقة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم). وفي طبعة بيروت:10/51.

2 . وأورد البخاري في صحيحه ـ في رواية معلَّقة عن همام وعبد اللّه بن عمر ـ كلام أبي هريرة هذا بصيغة صريحة في رفعها للرسول فقال:]وقال همام وابن عبداللّه بن عمر عن أبي هريرة:«كان النبي يأمر بالفطر»[: صحيح البخاري،: 30، كتاب الصوم، 22، باب الصائم يصبح جنباً، ح1926.


( 336 )

حتى دخلنا على مروان. فذكر ذلك له عبد الرحمن. فقال مروان: عزمت عليك إلاّ ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددتَ عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كلّه، قال فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال: هما أعلم!

ثمّ رَدَّ أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس. فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي. قال: فرجع أبو هريرة عمّا كان يقول في ذلك.(ثمّ قال الراوي أبو بكر) قلت لعبد الملك: أقالتا: في رمضان؟ قال: كذلك. كان يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم[.(1)

2. ومن ذلك ما مرّ منّا من إقلاع أبي هريرة عن رواية حديث «لا عدوى» وروايته لما يخالفه، ويثبت العدوى!، فلما استغرب بعض سامعيه من ذلك، وقالوا له ألم تكن تروي أنت نفسك أن لا عدوى؟! أنكر ذلك، ورطن بالحبشية، فاستغربوا منه إنكاره روايته رغم أنّهم سمعوها منه، وقالوا: إنّها أوّل مرة نجده فيها نسي!!(2)

3. ومنه ما مرّ منّا من ردّ السيدة عائشة حديث تعذيب الميت المسلم ببكاء أهله عليه ومن رواته أبو هريرة فضلاً عن عمر و ابنه عبد اللّه.

4. ومنه أيضاً ما مرّ منّا من ردّ عائشة بشدة لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب» وقولها:«قد شبهتمونا بالحمير والكلاب!!»


1 . صحيح مسلم، 13، كتاب الصيام، 13، باب صحة صيام من طلع عليه الفجر وهو جنب، ح75; صحيح البخاري، 30، كتاب الصوم، 22، باب الصائم يصبح جنباً، ح 1926.

2 . راجع الفصل الرابع: (مختلف الحديث ومتعارضه في الصحيحين): فقرة هل نفى رسول اللّه العدوى أم أثبتها؟ من هذا الكتاب.


( 337 )

وفي رواية للبخاري: «قد جعلتمونا كلاباً!!».(1)

5. و منه ما مرّ من ردِّ عائشة رواية أبي هريرة التي نقل فيها عن النبي ذمّه للشعر مطلقاً وقوله: «لئن يمتلئ جوف رجل قيحاً حتى يَرِيه خيرٌ من أن يمتلئ شعراً!».

6. وقد روي عن السيدة عائشة أيضاً أنّها ردَّت رواية أبي هريرة عن رسول اللّه عن أنّ الشؤم في المرأة والدابة والدار!(2)

فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده (ج6، ص 246) بسنده عن قتادة عن أبي حسان الأعرج، أنّ رجلين دخلا على عائشة فقالا: إنّ أبا هريرة يحدث أنّ نبي اللّه كان يقول: «إنّما الطيرة في المرأة والدابة والدار» قال: فطارت شقة منها في السماء، وشقة في الأرض، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما كان هكذا يقول، ولكن نبي اللّه كان يقول: «كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة» ثمّ قرأت عائشة:(مَا أَصَابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرٌ)(الحديد:22).

7. وروي كذلك عن عائشة أنّها رَدَّت ما رواه أبو هريرة عن رسول اللّه بشأن ولد الزنا وأنّه هو شرُّ الثلاثة، أي: شرٌّ من أبويه!! فقد أخرج الحاكم في مستدركه (كتاب الأحكام، ج4، ص 100) بسنده: حديثين عن أبي هريرة قال: «سئل النبي عن ولد الزنا؟ فقال: هو شر الثلاثة!».


1 . راجع الفصل الرابع: (مختلف الحديث ومتعارضه في الصحيحين): فقرة8.

2 . هذا الحديث أخرجه الشيخان وأصحاب السنن عن عبد اللّه بن عمر، كما في صحيح البخاري:76، كتاب الطب، 44، باب الفأل، الحديث رقم 5755 و 54 باب لا عدوى، الحديث 5772; صحيح مسلم، 39، كتاب السلام، 34، باب الطيرة والفأل، الحديث115ـ 116.


( 338 )

فخطَّأت عائشة روايته هذه، كما ذكر ذلك الزركشي في الإجابة(1) (ص 108ـ 109) وكما أخرجه الحاكم في مستدركه في الباب نفسه (ج4، ص 100) بسنده عنها قالت: قال رسول اللّه: «ليس على ولد الزنا من وِزْرِ أبويه شيء:(وَلاَ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)». وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي على ذلك في التلخيص، ذيل المستدرك.

وقد أخرج الحاكم في مستدركه بسند صحيح عن عروة بن الزبير عن (خالته) عائشة رواية أشمل في ذلك توضح منبع وهم أبي هريرة فقال:

]بلغ عائشة أنّ أبا هريرة يقول: إنّ رسول اللّه قال: لئن أمتع بسوط في سبيل اللّه أحبّ إليّ من أن أعتق ولد الزنا، وأنّ رسول اللّه قال: ولد الزنا شر الثلاثة، وإنّ الميت يُعذَّب ببكاء الحي.

فقالت عائشة: رحم اللّه أبا هريرة: أساء سمعاً، فأساء إصابة.

أمّا قوله: لئن أُمَتع بسوط في سبيل اللّه أحبّ إليّ من أن أعتق ولد الزنا: إنّها لما نزلت: (فَلاَ اقْتَحْمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَيكَ مَا الْعَقَبَةُ *فَكُّ رَقَبَة) قيل: يا رسول اللّه: ما عندنا ما نعتق، إلاّ أنّ أحدنا له جارية سوداء تخدمه، وتسعى عليه ، فلو أمرناهن فزنَيْن ، فجِئن بالأولاد، فأعتقناهن؟ فقال رسول اللّه: «لئن أُمَتَّع بسوط في سبيل اللّه أحبّ إليّ من أن آمر بالزنا، ثمّ أعتق الولد».

وأمّا قوله: ولد الزنا شرّ الثلاثة، فلم يكن الحديث على هذا إنّما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول اللّه فقال: «مَن يعذرني من فلان؟ » قيل: يا رسول اللّه:(إنّه) مع ما به ولد زنا!، فقال: «هو شر الثلاثة!»( أي لأنّه منافق، لا لأنّه ولد


1 . الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة: ص 108ـ 109، عني بتحقيقه سعيد الأفغاني، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 1، 1405هـ/1985.


( 339 )

زنا)، واللّه عزّ وجلّ يقول: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).(1)

8. وأنكر عليه ابن مسعود قوله : «من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضّأ» وقال فيه قولاً شديداً، وقال: يا أيّها الناس! لا تنجسوا من موتاكم.(2)

ولعل أوهام أبي هريرة الكثيرة هذه هي التي تفسر كلام الزبير بن العوام عن روايات أبي هريرة الذي رواه عنه ابن كثير في تاريخه:«البداية والنهاية» فقال: «وقال ابن خيثمة: حدثنا هارون بن معروف، ثنا محمد بن سلمة، ثنا محمد بن إسحاق عن عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه ـ يعني عروة بن الزبير بن العوام ـ قال: قال لي أبي الزبير: ادنني من هذا اليماني ـ يعني أبا هريرة ـ فإنّه يكثر الحديث عن رسول اللّه، قال: فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، وجعل الزبير يقول: صدق، كذب، صدق، كذب. قال: قلت: يا أبي ما قولك: صدق، كذب؟ قال: يا بُنيّ أمّا أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول اللّه فلا أشك، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه».(3)

ويبدو أنّ هذا هو ما كان عمر يخشاه عندما كان ينهى أبا هريرة عن الرواية عن رسول اللّه كما أخرج ذلك عنه أبو زرعة الدمشقي في «تاريخه(1475)، وأورده الذهبي في سير أعلام نبلائه، من طريق محمد بن زرعة الرعيني، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد اللّه، عن السائب بن يزيد، سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة:«لتتركن الحديث عن رسول اللّه أو لألحقنك بأرض دوس!، وقال لكعب (أي كعب الأحبار):


1 . مستدرك الحاكم:5/215، بسند صحيح، وأقره على تصحيحه الذهبي في التلخيص.

2 . كتاب جامع بيان العلم وفضله للحافظ ابن عبد البر القرطبي:2/105، (بيروت: دار الفكر).

3 . البداية والنهاية:8/112.


( 340 )

لتتركن الأحاديث، أو لألحقنك بأرض القردة!».(1)

وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» بعد أن أورد هذا الخبر: «وهذا محمول من عمر على أنّه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنّهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأنّ الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه، أو نحو ذلك.(2)

ثمّ ذكر الذهبي]في سير أعلام النبلاء:2/601[: عن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان: أنّ أبا هريرة كان يقول:«إنّي لأحدِّث بأحاديث، لو تكلمتُ بها في زمن عمر لشجَّ رأسي».(3)

قال العلاّمة محمد رشيد رضا معلقاً على ذلك:«أقول: فلو طال عمر عمَر


1 . قال الأُستاذ شعيب الأرناؤوط في حاشية تعليقاته على «سير أعلام النبلاء» للذهبي(ج2، ص 601) بعد ذكره هذه الرواية: «وهذا إسناد صحيح، محمد بن زرعة قال أبو زرعة في تاريخه:1/286: ثقة حافظ من أصحاب الوليد بن مسلم مات سنة ست عشرة ومائتين، ومروان بن محمد هو الطاطري: ثقة كما في التقريب، وباقي السند من رجال الصحيح. وروى ذلك عن عمر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» في ترجمته لأبي هريرة (ج2، ص 601) وكذلك ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج8، ص 110) وفي طبعة أُخرى في (ج8، ص 106) وتصحّف في سنده إسماعيل بن عبيد اللّه إلى عبد اللّه، وهو في تاريخ دمشق لابن عساكر(19/117/2) (أفاده الأُستاذ أرناؤوط).

2 . البداية والنهاية:8/110(بيروت: دار الكتب العلمية).

3 . وأورده ابن كثير في «البداية والنهاية» عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب، ورجاله ثقات، إلاّ أنّه منقطع، لأنّ ابن عجلان لم يسمع من أبي هريرة، وفي المصنف لابن عبد الرزاق الصنعاني (20496): أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: قال أبو هريرة لما ولي عمر، قال: أقلوا الرواية عن رسول اللّه إلاّ فيما يعمل به، قال: ثمّ يقول أبو هريرة:«أفإن كنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما واللّه إذاً لألفيت المخفقة ستباشر ظهري!» ]أفاده الأُستاذ الأرناؤوط في تعليقه على سير الأعلام[.


( 341 )

حتى مات أبو هريرة في عصره لما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة عنه ومنها 446 حديثاً في البخاري، ماعدا المكرر».(1)

وقال ابن قتيبة الدينوري (276هـ) راداً على طعن النظّام المعتزلي بأبي هريرة:«وأمّا طعنه على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعلي وعائشة له فإنّ أبا هريرة صحب رسول اللّه نحواً من ثلاث سنين، وأكثر الرواية عنه، وعمّر نحواً من خمسين سنة....

فلما أتى من الرواية عنه، ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الأوّلين إليه، اتّهموه، وأنكروا عليه، وقالوا: كيف سمعت هذا وحدك؟ ومَن سمعه معك؟ وكانت عائشة أيضاً أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه. وكان عمر أيضاً شديداً على من أكثر الرواية... إلخ».(2)

هذا، ومن الجدير بالذكر، أن نقدَ أبي هريرة على كثرة روايته أو تكذيبه في بعضها، لما يقع فيها من وهم منه أو نقل خاطئ، لم يقتصر على عُمَر أو عائشة أو الزبير، بل كان عاماً بين عديد من الصحابة، كما يبدو من هذا الحديث التالي الذي أخرجه مسلم في صحيحه: قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب(واللفظ لأبي كريب) قال: حدثنا ابن إدريس عن الأعمش، عن أبي زرين. قال: خرج إلينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته، فقال: ألا إنّكم تحدثون أني أكذب على رسول اللّه لتهتدوا وأضل؟! ألا وإنّي أشهد لسمعت رسول اللّه يقول:«إذا انقطع شسع نعل أحدكم ، فلا يمشي في الأُخرى حتى يصلحها»!!(3)


1 . مجلة المنار، الجزء 9 من المجلد العاشر، مقالة: نهي الصحابة ورغبتهم عن الرواية، ص 851.

2 . تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري: 41، (ط 1، بيروت، دار الكتب العلمية).

3 . صحيح مسلم:37، كتاب اللباس والزينة، 19، باب استحباب لبس النعل في اليمنى...، ح 69.


( 342 )

ج. علماء الكوفة وتركهم بعض ما يروى عن أبي هريرة

ويبدو أنّ كلّ ما تقدم، كان سبباً في ترك طائفة من علماء الكوفة وعلى رأسهم الإمام «إبراهيم النخعي» شيخ الإمام أبي حنيفة لبعض أحاديث أبي هريرة وعدم أخذه بكلّ ما رواه أو ما رووه عنه. وإليك ما جاء في ذلك بأسانيده:

روى عبد اللّه بن الإمام أحمد بن حنبل قال: «حدثني أبي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، قال: كان إبراهيم (أي النخعي) صيرفياً في الحديث، أجيؤه بالحديث. قال: فكتب مما أخذته عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: كانوا يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة».(1)

وقد رويت هذه الرواية عن النخعي بلفظ أشد، ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه على نهج البلاغة، نقلاً عن الشيخ أبي جعفر الإسكافي المعتزلي (240هـ) قال: «وروى أبو أسامة عن الأعمش، قال: كان إبراهيم (أي النخعي) صحيح الحديث، فكنتُ إذا سمعت الحديث أتيته، فعرضته عليه، فأتيته يوماً بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فقال: دعني من أبي هريرة، إنّهم كانوا يتركون كثيراً من حديثه».(2)

ونسب الفقيه الحنفي الكبير، شارح كتاب الشيباني، شمس الأئمة السرخسي(490هـ) في كتابه المعروف بأُصول السرخسي، بصراحة، للإمام النخعي إخباره عمن سبقه أنّهم: «كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة،


1 . كتاب العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد: 140. وأبو أسامة هو حماد بن أسامة، ثقة جليل المكانة، من رجال الصحيحين.(أفاده عبد المنعم صالح العلي في كتابه: دفاع عن أبي هريرة: 237).

2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:1/360(من الطبعة القديمة) أو ج4/67ـ 69، من الطبعة التي حققها محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ط 2، 1385هـ/1965م.


( 343 )

ويدعون».(1)

وجاء في كتاب «مختصر المؤمل في الردِّ إلى الأمر الأوّل» لأبي شامة المقدسي (665هـ) قال: «وروى محمد بن الحسن (أي الشيباني تلميذ أبي حنيفة) عن أبي حنيفة أنّه قال: «أقلد مَن كان من القضاة من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والعبادلة الثلاثة، ولا أستجيز خلافهم برأيي إلاّ ثلاثة نفر». وفي رواية: «أقلد جميع الصحابة ، ولا أستجيز خلافهم برأي، إلاّ ثلاثة نفر: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب».

فقيل له في ذلك، فقال: «أمّا أنس، فاختلط في آخر عمره، وكان يفتي من عقله، وأنا لا أقلد عقله. وأمّا أبو هريرة، فكان يروي كلّ ما سمع، من غير أن يتأمّل في المعنى، ومن غير أن يعرف «الناسخ والمنسوخ».(2)

وقال ابن كثير في تاريخه:«البداية والنهاية»: «...وقال شريك عن مغيرة عن إبراهيم (النخعي)، قال:]كان أصحابنا يَدَعون من حديث أبي هريرة[. وروى الأعمش عن إبراهيم (النخعي) قال: ]ما كانوا يأخذون بكلّ حديث أبي هريرة[ . وقال الثوري: ]عن منصور عن إبراهيم (النخعي) قال: «كانوا يرون في حديث أبي هريرة شيئاً، وما كانوا يأخذون بكلّ حديث أبي هريرة، إلاّ ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حثّ على عمل صالح، أو نهي عن شرّ جاء القرآن به»[.

وقد انتصر ابن عساكر لأبي هريرة وردَّ هذا الذي قاله إبراهيم النخعي. وقد


1 . أُصول السرخسي:1/341.

2 . مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأوّل، لأبي شامة المقدسي، تحت عنوان:]نصوص الإمام أبي حنيفة في اتّباع السنّة وتأسيس مذهبه[ : 62ـ 63، (قدّم له، وخرّج أحاديثه، وعلّق عليه: صلاح الدين مقبول أحمد، طبع الكويت، مكتبة الصحوة الإسلامية).


( 344 )

قال ما قاله إبراهيم (أي النخعي) طائفة من الكوفيين، والجمهور على خلافهم».(1)

***

د. ارتياب عدد من أعلام المعتزلة القدماء في أحاديث أبي هريرة وتكذيب كثير من رواياته

رغم أنّ ما نقلته كان كافياً لإثبات وجود الشبهة وضرورة التثبت في المرويات الغريبة والإسرائيلية والمستنكرة والمخالفة لظاهر القرآن أو لمدلولات الأحاديث المشتهرة الأُخرى (وبتعبير الحنفية: المخالفة للقياس) المسندة عن طريق أبي هريرة، ووجوب التوقف في نسبتها إلى رسول اللّه; إلاّ أنّ الصورة لا تكتمل إلاّ إذا ذكرنا أقوال العلماء والمجتهدين جميعهم من سلف الأُمة وقرونها الأُولى حول أبي هريرة وغرائب مروياته.

ولا شكّ أنّ المعتزلة يمثلون جزءاً لا يُجتزأ من سلف الأُمة ومجتهديها الأعلام، ولا يمكن لمنصف أن ينكر فضلهم وعلمهم وجهادهم باللسان والقلم في الدفاع عن الإسلام في وجه خصومه ومهاجميه من الملاحدة وأهل الملل والأديان المخالفة، وهذا ما قرره لفيف من علماء الإسلام ومفكّريه في هذا القرن، ومنهم عدد من أعلام علماء الأزهر الشريف، أذكر على سبيل المثال لا الحصر فضيلة الشيخ عبد الجليل عيسى أبو النصر شيخ كلّيتيّ أُصول الدين واللغة العربية بالأزهر الشريف سابقاً وعضو مجمع البحوث الإسلامية فيه في كتابه: «ما لا يجوز الخلاف فيه بين المسلمين».

وقد أحسن العلاّمة محمد رشيد رضا، قبل ذلك، الدفاع عنهم في مجلته


1 . البداية والنهاية لابن كثير:8/113.(وفي الطبعة الأُخرى، ج8/109).


( 345 )

المنار مبيّناً أنّهم من المجتهدين المثابين على اجتهادهم إمّا بأجر واحد إن أخطؤوا، أو بأجرين إن أصابوا، مثلهم مثل سائر المجتهدين من أُمّة محمد(1)، كما بين أنّه من الخطأ تصور أنّ مذهبهم اندثر، فالزيدية والإباضية ثمّ الإمامية، الذين يشكلون مئات الملايين من المسلمين، هم في أغلب آرائهم الكلامية ـ خاصة في التوحيد والصفات والعدل الإلهي ـ مع المعتزلة.

كما أنّ لمنهج المعتزلة العقلاني عديداً من المؤيدين في أوساط أعلام أهل الفكر المعاصرين من أهل السنة في مصر و الأُردن والشام وغيرها من بلاد الإسلام، استحسنوا في كتاباتهم آراء المعتزلة، وأبدوا إعجابهم بعقلانيتهم في التفكير، وصرحوا برجحان كثير من عقائدهم ومواقفهم، انكب بعضهم على تحقيق تراثهم ونشره: أذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر، بعض الأسماء اللامعة: فمنهم الأُستاذ أحمد أمين، والأُستاذ فؤاد السيد (رئيس قسم إرشاد وباحثي المخطوطات بدار الكتب المصرية) والدكتور عبد الكريم عثمان، والدكتور أحمد محمود صبحي (أُستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الإسكندرية) والدكتور محمد عمارة، صاحب المؤلفات العديدة والذي كان عنوان رسالته للماجستير: «المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية» ....(2)

( فَبِـأَيِّ حَـديـث بَعْـده يُـؤْمِنُـون).(3)


1 . راجع دفاعه عنهم وإنصافه بحقهم في الجزء12 من المجلد16 من مجلته المنار: الصفحات:839ـ 848، و 913ـ 928.

2 . نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث لإسماعيل الكردي:243ـ 260، ولكلامه صلة فمن أراد فليرجع إليه.

3 . الأعراف:185.


( 346 )

3

مواجهة المستعمرين

لم يقتصر جهاد السيد (رحمه الله) على الجانب العلمي والفكري فقط، بل ضمّ إليه نضاله ضد الاستعمار، وذلك عندما انسحبت قوات الخلافة العثمانية من البلاد العربية بعد الحرب العالمية الأُولى عام 1917م، وحلّت مكانها قوات الحُلفاء وتقسّم العالم الإسلامي إلى دويلات صغيـرة تقاسمها الحلفاء بينهم، وصارت بلاد الشام تحت الانتداب الفرنسي.

فعند ذلك أحسّ السيد شرف الدين(رحمه الله) بأنّ الأخطار محدقة بالإسلام والمسلمين، فنهض بعزم صارم إلى محاربة الاستعمار ودعوة الجماهير(السنّة منهم والشيعة) إلى طرد الحكام ورفض حكومة الانتداب فلاقى في هذا الطريق ما لاقى ممّا لا يمكن تبيينه في هذا المقال.

يقول المحقّق الخبير بحياة السيد (الشيخ مرتضى آل ياسين): إنّ خدماته العظيمة في العهد التركي، ثمّ في العهد الفرنسي، ثمّ في أيام الاستقلال، كانت امتداداً لحركات التحرير، وارتقاء بها نحو كلّ ما يحقّق العدل ويوطد الأمن،... ولعلّ المحن التي كابدها هذا الإمام الجليل في سبيل إسعاد قومه، لم يكابد نارها إلاّ أفذاذ من زعماء العرب وقادتهم، ممّن أبلوا بلاءه وعانوا


( 347 )

عناءه.

وناهيك بما فاجأته به سلطة الاحتلال الفرنسي حين ضاقت به ذرعاً، إذ أوعزت إلى بعض جفاتها الغلاظ باغتياله. واقتحم ابن الحلاج عليه الدار في غرة، وهو بين أهله وعياله، دون أن يكون لديه أحد من أعوانه ورجاله، ولكن اللّه سبحانه وتعالى أراد له غير ما أرادوا، فكفّ أيديهم عنه، ثمّ تراجعوا عنه صاغرين يتعثرون بأذيال الفشل والهوان، وما كاد يذيع نبأ هذه المباغتة الغادرة في عاملة، حتى خفت جماهيرهم إلى صور، تزحف إليها من كلّ صوب وحدب، لتأتمر مع سيدها فيما يجب اتخاذه من التدابير إزاء هذا الحادث، غير أنّ السيد صرفهم بعد أن شكرهم، وأجزل شكرهم، وارتأى لهم أن يمروا بالحادث كراما.

ثمّ تلا هذا الحادث أحداث وأحداث اتّسع فيها الخرق، وانفجرت فيها شقّة الخلاف، حتى أدّت إلى تشريد السيد بأهله ومن إليه من زعماء عاملة إلى دمشق، وقد وصل إليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصد عليه الطريق، إذ كانت السلطة الغاشمة تتعقّبه بقوة من قواتها المسلحة لتحول بينه و بين الوصول إلى دمشق، وحين يئست من القبض عليه، عادت فسلّطت النار على داره في (شحور) فتركتها هشيماً تذروه الرياح، ثمّ احتلت داره الكبرى الواقعة في (صور) بعد أن أباحتها للأيدي الاثيمة، تعيث بها سلباً ونهباً، حتى لم تترك فيها غالياً ولا رخيصاً، وكان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبة السيد بكلّ ما فيها من نفائس الكتب واعلاقها، ومنها تسعة عشر مؤلفاً من مؤلفاته، كانت لا تزال خطية إلى ذلك التاريخ.


( 348 )

في دمشق

وظل في دمشق تجيش نفسه بالعظائم، وتحيط به المكرمات، في أُبّهة من نفسه، ومن جهاده، ومن إيمانه، وكان في دمشق يومئذ مداولات ملكية، واجتماعات سياسية، وحفلات وطنية، تتبعها اتّصالات بطبقات مختلفة من الحكومة والشعب، كان السيد في جميعها زعيماً من زعماء الفكر، وقائداً من قادة الرأي، ومعقداً من معاقد الأمل في النجاح.

وله في هذه الميادين مواقف مذكورة، وخطابات محفوظة، سجلها له التاريخ بكثير من الفخر والإعجاب.

ولم يكن بد من اصطدام العرب بجيش الاحتلال، فقد كانت الأسباب كلّها مهيّأة لهذا الاصطدام; حتى إذا التقى الجمعان في «ميسلون» واشتبكا في حرب لم يطل أمدها ودارت الدائرة على العرب لأسباب نعرض عنها، غادر السيد دمشق إلى فلسطين ومنها إلى مصر بنفر من أهله، بعد أن وزع أُسرته في فلسطين بين الشام; و بين أنحاء من جبل عامل، في مأساة تضيف أدلة إلى الأدلة على لؤم، فقد ظل ثقل من أهله الذين ذهبوا إلى «عاملة» يجوبون الفلوات والوديان في «عاملة» ليالي وأياماً لا يجدون بلغة من العيش يحشون بها معد صغارهم الفارغة على أنّهم يبذلون من المال أضعاف القيمة، ويبسطون أكفّهم بسخاء نادر، وأخيراً لم يجدوا حلاً بغير توزيع قافلتهم في الأطراف المتباعدة، بين من بقي من أوليائهم وأصدقائهم على شيء من الوفاء أو الشجاعة.

في مصر

وحين وصل مصر احتفلت به، وعرفته بالرغم من تنكره وراء كوفية


( 349 )

وعقال، في طراز من الهندام على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم; وكانت له مواقف في مصر وجهت إليه نظر الخاصة من شيوخ العلم، وأقطاب الأدب، ورجال السياسة، على نحو ما تقتضيه شخصيته الكريمة.

ولم يكن هذا أوّل عهده بمصر فقد عرفته مصر قبل ذلك بثمان سنين، حين زارها في أواخر سنة تسع وعشرين، ودخلت عليه فيها سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية، في رحلة علمية جمعته بأهل البحث، وجمعت به قادة الرأي من علماء مصر، وعقدت فيها بينه و بين شيخ الأزهر يومئذ ـ الشيخ سليم البشري ـ اجتماعات متوالية تجاذبا فيها أطراف الحديث، و تداولا جوانب النظر في أُمّهات المسائل الكلامية والأُصولية، ثمّ كان من نتاج تلك الاجتماعات الكريمة هذه «المراجعات» التي نحن بصددها.

في فلسطين

وحدثت ظروف دعته إلى أن يكون قريباً من عاملة، فغادر مصر في أواخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية إلى قرية من فلسطين تسمى (علما) تقع على حدود جبل عامل، وفي هذه القرية هوى إليه أهله وعشيرته، ولحق به أولياؤه المشردون في هذا الجهاد الديني الوطني، فكانوا حوله في القرى المجاورة. وكان في (علما) كما يكون في جبل عامل من غير فرق، كأنّه غير مبعد عن داره وبلده، يتوافد إليه الناس من قريب ومن بعيد، ولا يكاد يخلو منزله من أفواج الناس، فيهم الضيوف، وفيهم طلاب الحاجات، وفيهم رواد القضاء، والفقه، وفيهم من تستدعه الحياة السياسية أن يعرف ما عند السيد من وجه الرأي.


( 350 )

وانسلخت شهور في (علما) تصرفت فيها الأمور تصرفاً يرضي السيد بعض الرضا، وأُبيح للسيد أن يعود إلى عاملة بعد مفاوضات أدّت إلى العفو عن المجاهدين عفواً عامّاً، وإلى وعد من السلطة بإنصاف جبل عامل، وإنهاضه، وإعطائه حقوقه كاملة.

العودة

وحين اطمأنّت نفسه بما وعدته به السلطة، عاد إلى جبل عامل، ولم تسمح نفسه بأن يعود والمجاهدون مبعدون، لذلك جعل بيروت طريق عودته ـ وطريقه بعيدة عنها ـ ليستنجز العفو العام عن المجاهدين، وكذلك كان، فإنّه لم يخرج من بيروت حتى كان المجاهدون في حل من الرجوع إلى وطنهم وأهليهم.(1)


1 . مقدمة كتاب «المرجعات» بقلم آية اللّه الشيخ مرتضى آل ياسين.


( 351 )

4

كلمات الأعاظم في حقّ السيد

الحق أنّ شخصية شرف الدين ومكانته العلمية وشخصيته الجليلة ونضاله ضد المستعمرين والملحدين أظهر من أن تخفى على من له إلمام بتاريخ العلم والعلماء.

ونقتصر في المقام ـ إكمالاً للبحث ـ ببعض كلمات الثناء والتقدير الّتي ذكرها العلماء في حقّه.

هذا هو آية اللّه المحقّق الخراساني (1255ـ 1329هـ) صاحب المدرسة الأُصولية، المعروف بكثرة الإنتاج والتخريج، يعرّف تلميذه الجليل شرف الدين في إجازة خاصّة له، بما يلي:

كلمة المحقّق الخراساني في حقّه

«وإنّ سيادة السيد السند، والثقة الفقيه المجتهد المنزّه من كلّ شين، سيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي ـ شد اللّه أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه ـ مجتهد مطلق، وعدل موثّق قد أصبح من أهل الذكر الذين ترجع إليهم العباد، وترقّى من حضيض التقليد إلى أوج الاجتهاد، فخفقت ألوية النيابة عليه، وألقت


( 352 )

بأزمّتها إليه، وحرم عليه التقليد، ووجب عليه العمل برأيه السديد، فليمتثل المؤمنون أمره ونهيه، وليرجعوا إليه في أموالهم، ويفزعوا إليه في سائر أفعالهم، فإنّه حجّة عليهم، ماضية فيهم حكومته ونافذ قضاؤه، ويحرم الردّ عليه فإنّ الرادّ عليه رادّ على اللّه، وهو على حدّ الشرك باللّه; والمأمول منه أن يسلك جادّة الاحتياط فإنّها سبيل النجاة، واللّه الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل».

كلمة الحجّة الطهراني

يقول الشيخ آقا بزرگ الطهراني في ترجمته: لقد كان المترجم له مأثرة من م آثر الوقت، وآية كبرى ازدهر بها العصر الحاضر، وحسْب هذا القرن مفخرة أن ينبغ فيه مثل هذا العبقري الفذّ، وحسْب «عاملة» أن تقل باحتها علَماً خفاقاً للدين وسيفاً مشهوراً للهدى مثله من بقايا العترة الطاهرة(عليهم السلام).

فلقد فاق أقرانه بثروة علمية طائلة، وقوة في العارضة، وفلج في الحجة، ورصانة في الاسلوب، وجودة في السرد، واهتداء إلى المغازي الشريفة والدقائق البعيدة المرمى، و الغايات الكريمة، فماذا يقول الواصف فيه، أهو مجتهد فاضل، أم متكلم بارع، أم فيلسوف بحر محقّق، أم أُصولي ضليع، أم مفسر كبير، أم محدث صدوق، أم مؤرخ ثبت، أم خطيب مصقع، أم باحث ناقد، أم أديب كبير؟ نعم هو كلّ ذلك أضف إليه:أنّه ذلك المجاهد الدائب على المناضلة دون الدين والمكافح المتواصل دفاعه عن المذهب الحق، تشهد له بذلك كلّه المحابر والمزابر، والكتب والدفاتر، والخطب والمنابر، وأعماله الناجعة، ومحاضراته البديعة، وحجاجه الدامغ.(1)


1 . نقباء البشر:3/1083.


( 353 )

ولعلّ في هذه الكلمة من معاصره الخبير بالرجال، الغنى والكفاية.

وقد ترجم في «موسوعة طبقات الفقهاء» ووصف فيها بالنحو التالي:

كان فقيهاً مجتهداً محدثاً خطيباً مفوهاً أديباً بارعاً من كبار الدعاة إلى الوفاق بين المسلمين.(1)

الإمام الخميني والسيد شرف الدين

قضى السيد الراحل حياته بجلائل أعماله وعظيم مواقفه إلى أن لبّى دعوة ربه عاشر جمادى الآخرة سنة 1377هـ، فخسره المسلمون زعيماً كبيراً من رجالات الأُمّة وبطلاً من أشهر أبطالها، وقد أحدثت وفاته، ثلمة في الدين، وأُقيمت له الفواتح في مختلف البلاد، ومنها مجلس الفاتحة الذي أقامه السيد البروجردي في مسجد الحرم الشريف لكريمة أهل البيت (عليهم السلام) في قم المقدسة، ولم يطّلع السيد الإمام الخميني(قدس سره) على إقامة الفاتحة ذلك اليوم، فجاء بنية إلقاء درسه اليومي في أحد المساجد المعروفة في قم (مسجد السلماسي)والذي يلقي فيه دروسه يومياً، فأخبرناه بمجلس الفاتحة، فقال: نحن نجمع بين الحقّين: الدراسة والحضور في الفاتحة، فألقى شيئاً من محاضرته، ثمّ تحدّث عن خدمات السيد شرف الدين، وممّا ذكره: «أنّه كان سيفاً مسلولاً على أعداء اللّه»، ثمّ توجّه بعد ذلك هو وطلاب درسه إلى مجلس الفاتحة لأجل المشاركة فيه.

وعند وصولنا إلى المجلس نُبِّئنا أنّ الفاتحة كانت في وقتها الأخير، فلمّا ورد السيد الإمام المجلس والتلاميذ من ورائه فكأنّه قد انعقد مجلس الفاتحة من جديد للسيد الراحل.


1 . موسوعة طبقات الفقهاء: 14/318.


( 354 )

5

مشايخه وأساتذته

نشأ على أبيه السيد يوسف فتعلم القرآن والكتابة ومبادئ العلوم كالصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع والأدب العربي والمنطق، ثم درس فقه الإمامية وشرائع الإسلام عند والده أيضاً. ثمّ قرأ سطوح الفقه والأُصول على لفيف من رجال الفضل والعلم في الكاظمية وسامراء والنجف الأشرف فحضر على:

1. الشيخ حسن الكربلائي.

2. الشيخ محمد طه نجف.

3. الشيخ محمد كاظم الخراساني.

4. السيد محمد كاظم اليزدي.

5. شيخ الشريعة الاصفهاني.

6. الشيخ باقر حيدر.

7. الشيخ علي باقر حفيد صاحب الجواهر.

8. السيد محمد صادق الاصفهاني.

9. الشيخ آقا رضا الهمداني.

10. جده السيد محمد هادي الصدر.


( 355 )

11. خاله السيد أبي محمد الحسن الصدر.

12. السيد إسماعيل الصدر.

13. الشيخ ملاّ فتح اللّه السلطان آبادي.

14. الشيخ عبد اللّه المازندراني.

15. الشيخ المحدّث النوري.

وشهد له جمع من أساتذته بالاجتهاد المطلق الذي يحرّم عليه التقليد ويجيز للآخرين الرجوع إليه والأخذ بفتياه، كالشيخ محمد طه نجف، والشيخ محمد كاظم الخراساني، والشيخ آقا رضا الهمداني، والشيخ عبد اللّه المازندراني، وشيخ الشريعة الاصفهاني، والسيد إسماعيل الصدر.


( 356 )

6

تلامذته والمجازون منه

تتلمذ عليه وأخذ عنه على سبيل الإجازة ثلة من سدنة الدين وأثباته وحملة العلم وثقاته، نذكر منهم الأعلام الهداة:

1و2. السيد صدر الدين الصدر وولده السيد رضا الصدر.

3و4. السيد حيدر الصدر وولده إسماعيل الصدر.

5. أخوه السيد الشريف.

6و7. السيد علي الصدر وولده السيد مهدي الصدر.

8و9. الشيخ مرتضى آل ياسين وصنوه الشيخ راضي آل ياسين.

10. الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ موسى شرارة.

11. الشيخ محمد تقي ابن الشيخ عبد الحسين صادق.

12 و 13. السيد محمد هادي الميلاني وولده السيد نور الدين الميلاني.

14. الشيخ الميرزا محمد الطهراني نزيل سامراء .

15 و 16. السيد أحمد الشبيري الزنجاني و ولده السيد موسى الزنجاني.

17. الميرزا علي الزنجاني.

18. الشيخ محمد حسين المظفر.


( 357 )

19. السيد محمد سعيد بن السيد ناصر حسين بن السيد حامد حسين الهندي صاحب العبقات.

20. السيد محمد حسين الرضوي اللكنهوئي.

21. الشيخ عبد اللّه السبيتي.

22. السيد محمد صادق بحر العلوم .

23. الشيخ محمد رضا الطبسي.

24. السيد شهاب الدين المرعشي النجفي.

25. الشيخ عباس قلي الچرندابي الواعظ التبريزي.

26. السيد محمد علي القاضي الطباطبائي .

27. الشيخ محيي الدين ابن الشيخ عبد اللّه المامقاني.

28. الشيخ حسين آل الواعظ الخراساني.

29. السيد أبو الحسن الشهير بمولانا التبريزي.

30. الشيخ جعفر الإشراقي التبريزي.

ومن السنّة: 31. أبو الفيض أحمد بن محمد الصديق الغماري الحسني الإدريسي.

32 و 33. أخواه أبو المجد عبد اللّه وأبو اليسر عبد العزيز .

34. محمد سعيد دحدوح.


( 358 )

7

مؤلفاته وآثاره

امتازت مؤلفات السيد بالعمق والاستيعاب والمتانة والأدب الرفيع، نذكر منها ما هو الأهم:

1. شرح تبصرة المتعلّمين في الفقه للعلاّمة الحلي، في ثلاثة أجزاء.

2. المسائل الفقهية. مطبوع.

3. تحفة الأصحاب في طهارة أهل الكتاب.

4. رسالة في منجزات المريض.

5. رسالة في المواريث.

6. تعليقة على مبحث الاستصحاب من «فرائد الأُصول» للشيخ الأنصاري.

7. المراجعات. ويعتبر من أشهر كتبه وأروعها، طبع مرات عديدة، آخرها نشر دار المؤرّخ العربي في بيروت ـ 1427هـ ضمن موسوعة الإمام شرف الدين، كما ترجم الكتاب إلى اللغات الفارسية والهندية والإنجليزية.

8. تعليقة على صحيح البخاري في مجلد واحد.

9. تعليقة على صحيح مسلم في مجلد واحد.

10. أبو هريرة. مطبوع.

11. النص والاجتهاد.مطبوع.

12. الفصول المهمة في تأليف الأُمّة.مطبوع.

13. المجالس الفاخرة في م آتم العترة الطاهرة، في أربعة أجزاء.مطبوع.


( 359 )

14. رسالة حول الرؤية.مطبوعة.

15. رسالة فلسفة الميثاق والولاية.مطبوعة.

16. رسالة الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء.مطبوعة.

17. بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين.مطبوع في جزأين.

18. أجوبة مسائل موسى جار اللّه.مطبوع.

19. تحفة المحدّثين في من أخرج عنه الستّة من المضعّفين.

20. سبيل المؤمنين في الإمامة، في ثلاث مجلدات.

21. «إلى المجمع العلمي العربي بدمشق» ردّ به على محمد كرد علي رئيس المجمع عندما تعرض لآل البيت في مقال نشره في مجلة المجمع. طبع في صيدا سنة 1370هـ. مطبوع حديثاً.

22. مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة في صدر الإسلام. نشر بعض فصوله في مجلة العرفان. مطبوع حديثاً.

23. زكاة الأخلاق. نشر بعض فصوله في مجلة العرفان. مطبوع حديثاً.

24. «بغية الفائز في نقل الجنائز» ردّ به على محمد علي هبة الدين الشهرستاني في كتابه تحريم نقل الجنائز المتغيّرة. نشر أكثره في مجلة العرفان. مطبوع حديثاً.

25. تفسير آية :(إِنّما وليّكم اللّه...).

26. النصوص الجلية في الإمامة.

27. «تنزيل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة» في الإمامة، مجلد واحد.

28. تحفة العلماء فيمن أخرج عنه البخاري ومسلم من الضعفاء.

29. الذريعة في الرد على البديعة للنبهاني.

30. بغية السائل عن لثم الأيدي والأنامل.


( 360 )

31. الفوائد والفرائد.

32. ثبت الأسناد في سلسلة الرواة، ذكر فيه شيوخه من أعلام المذاهب الإسلامية ، طبع في صيدا مرتين.

وقد طبعت مؤلّفاته (قدس سره) مجدداً ضمن موسوعة الإمام شرف الدين ، نشر «دار المؤرّخ العربي» في بيروت ـ 1427هـ/2006م في أحد عشر جزءاً، تشتمل على سبعة وعشرين مؤلّفاً من كتبه ورسائله إضافة إلى الخطب والمراسلات والإجازات والتقريظات والفهارس.

السيد البروجردي وكتاب المراجعات

صدر كتاب المراجعات إلى الأسواق عام 1355هـ، ثمّ تلت الطبعة الأُولى طبعات أُخرى بعد مضي عقد من السنين، ولم يكن السيد البروجردي مطّلعاً عليه، وقد قدّم الكتاب إليه أحد أساتذة الحوزة العلمية وهو آية اللّه السلطاني(قدس سره)، فأخذه السيد بإجلال وإكبار، فلمّـا جلس لمطالعته ليلاً أسرته جاذبيته وأخذت بمجامع قلبه، فاستغرق في مطالعته إلى أن بلغ الصفحة الأخيرة من الكتاب وقد مضى هزيعاً من الليل.

ولما التقى صبيحة تلك الليلة بالسيد السلطاني أعرب له عن إعجابه بالكتاب، وتقريره الهادئ وفي الوقت نفسه الصارم والقاطع لحجة المناظر.

ثمّ إنّ السيد السلطاني أخبر السيد البروجردي أنّ للسيد شرف الدين كتاباً آخر وهو كتاب «النص والاجتهاد»، أثبت فيه أنّ المسلمين الأُول خصوصاً المُنتمين منهم لمدرسة الخلفاء كانوا يقدّمون المصالح على النصوص، وانّ السيد(رحمه الله) قد استقصى موارد هذا النوع من الاجتهاد بمعنى العمل بالسلائق في مقابل الكتاب والسنّة، فسعد السيد البروجردي بهذا الكتاب وتحمّل نفقة طبعه، وصدر إلى الأسواق مرات عديدة.


( 361 )

8

نماذج من رشحات قلمه الفياض

إنّ للإمام شرف الدين وراء ما ألّف وصنّف في موضوعات مختلفة، رسائل إخوانية إلى أعلام عصره وفطاحل زمانه، لو جمعت في مكان واحد لشكّلت كتاباً مفرداً.

ونحن نعرض في هذا الفصل نماذج من رشحات قلمه الفياض التي تعلوها بلاغة علوية، وكلمات عذبة وجميلة موجزة تحتوي أرقى المعاني، كما أنّ مكاتباته مع علماء مختلف البلدان تعرب عن أنّه كان قطباً تدور عليه رحى الفضل والأدب، وأنّه كان مفزعاً لحل المشاكل العلمية، غير أنّ المجال لا يتسع لعرض جميع هذه الرسائل، لذا نقتصر على رسائل ثلاث:

الأُولى: رسالته التأبينية إلى آية اللّه صدر الدين الصدر المقيم بمدينة قم.

الثانية: رسالته إلى الخطيب المصقع الحاج عباس قلي الواعظ الچرندابي التبريزي حول نشر كتاب «أوائل المقالات» ، و«تصحيح الاعتقاد » للشيخ المفيد.

الثالثة: تقريظه لكتاب «الغدير» للعلاّمة الأميني.

وهذه الرسائل تعرب عن أدبه الجمّ وقدرته الفائقة على صبّ المعاني والأفكار في قوالب رصينة. وإليك نصوص تلك الرسائل:


( 362 )

أ

رسالته التأبينية إلى آية اللّه

السيد صدر الدين الصدر في وفاة أحد أقربائه:

بسم اللّه تعالى

سندي وكهلي والبقيّة من أهلي، لك البقاء وبك العزاء، وأنت الأُسوة وبك القدوة، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم.

ألا أيّها الموت الّذي ليس تاركي *** أرحـني فقـد أفنيت كلّ خليـل

أراك بصـيراً بـالّـذيـن أُحبّهـم *** كأنّك تنحــو نحـوهم بـدليـل

لا غـرو أن سئمت الحياة الدّنيا، وعزفت نفسي عنها، فإنّ فقدان الأحبة، وثكلان الأعزة، يوجب ذلك بحكم الفطرة والجبلّة، وما عليّ من معرّة إذا ما مللت عمري، وسئمت حياتي، وتفطرت حرقاً، وتفجرت علقاً، فمن لي بالجلد، وأين لا أين يوجد، وأحبابي سَفر، وأترابي ظعن، والدار قفر، والجناب صفر.

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** أنيس ولـم يسمـر بمكـة سـامـر

فآه وأُوّاه على إخواني مصابيح دجى العالم، ومقابيس هدى بني آدم، أعلام الدين من آل الصدر وياسين.

سبقوا هواي وأعنقوا لهواهم *** فتُخِرِّموا ولكلّ جنب مصرع


( 363 )

فللعين القذى، وللحلق بعدهم الشجى، واللّيل مسهد، والحزن سرمد، أو يختار اللّه لي دارهم التي ظعنوا إليها.

أيجيب مني القلب داعـي سلـوة *** وهو الأصم الوقـر عـن نغماتـها

أيقـاد سلس القـود نحـو نـديّها *** فبعـوج شامسـه على أبيــاتـها

هيهــات يقعــده السلو وغـدوة *** عنـه الأحبة هجهجت جسراتها

هيهات هيهات، وقد أومض برق العراق، بصاعقة اقشعرت لهولها الآفاق، فاضطربت الحواس، وانخلعت بها قلوب الناس فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.

قضى إمام الأُمة، ومفزعها في كلّ ملمة، وطريقها الفاصل، بين الحقّ والباطل، قضى واللّه فصل خطابها، ومَفصل صوابها، قضى شخص العلم والعمل، ومناط الرجاء والأمل.

مصاب عظيـم هـو لـه بلـغ السّمـا *** وخطب جسيم صير الدّهر في عمى

اندك الطود الذي يُمسك اللّه به الأرض أن تميد، وبه يُغيث الناس فيمطرهم رحمةً وفضلاً، فإذا صبري قتيل، وأمري عويل، وحياتي شقاء، وكلّ ما حولي ثكل وبكاء.

ويا لهف أرضي وسمائي على بقية سلفنا الهاشمي، وتليّة شرفنا الفاطمي المفداة، تأخذها القارعة تلو القارعة وقد بلغت من الكبر عتيا، رحماك اللّهم ربّنا وحنانيك في أُمتك هذه الضعيفة وابنة عبديك وأنت أعلم بها وارحم ولك عليها


( 364 )

سوابق النعم، أشبلتها الضراغم لتكون بينهم أعزّ من جبهة الأسد، اللّهم فافرغ عليها من الصبر ما تستوجب به أعظم الأجر، وأورف عليها من ظلال علميها ما تتقلب فيه على مهاد الدّعة، وتستظل فيه تحت سماء العز على ما لها من الباقيات الصالحات فإنّها خير عندك ثواباً وخير أملاً.

أمتع ربّنا عبادك بآيتك فيهم وحجتك عليهم «صدر الدين» و إمام المسلمين، واجعله ثمال الباقين كما جعلته مثال الماضين، إنّك ذو الفضل العظيم والمن الجسيم وأنت أرحم الراحمين.

صور ـ 15شعبان المعظم سنة 1370

عبد الحسين شرف الدين الموسوي

وفي هامش الرسالة:

إلى الآن لم تصل هديتكم المشكورة ـ كتاب المهدي عجّل اللّه فرجه ـ ومتى وصلت سنأثر بها جماعة (حول حلب) قد استبصروا ولاية وبراءة فهم بهذه الهدية أولى.

أمّا «بغية الراغبين» فربما نطبعها في إيران حين التشرف بزيارة المشهد المقدس وبخدمتكم، ولعلّ ذلك يكون قريباً إن شاء اللّه تعالى.


( 365 )

ب

رسالته إلى الشيخ الواعظ الچرندابي

حول نشر كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي في اللّه عزّ وجلّ الحاج الشيخ عباس قلي الواعظ الچرندابي

شكر اللّه سعيك الدائب في نصر الحقّ، وعزمك المرهف في نشره، وسلام عليك فاضلاً باسلاً مناضلاً عن الحقيقة، جادّاً فيما يوجب السعادة، مجتهداً في الوعظ نصحاً وإرشاداً وإفادة ورحمة اللّه وبركاته.

فزنا اليوم بكتابك المستطاب مؤرخاً 9 ربيع الثاني سنة 1364 وقبله بأُسبوع كانت لنا الحظوة بالهدية السنية ـ أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، و تصحيح الاعتقاد ـ لمؤلفهما إمام الأُمّة وممثل أهل العصمة شيخنا ومولانا أبي عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان الحارثي المعروف بالشيخ المفيد أعلى اللّه مقامه، ولعمري إنّك اجملت الصنع إذ بعثت هذين المصحفين من مرقدهما المجهول فأوليت الأُمّة بذلك علماً جماً، وازدرعت في الدنيا الإسلامية خيراً كثيراً وخولتها نعمة عظيمة.

تصفحت «أوائل المقالات» أنعم فيها النظر سبراً لغورها، وقلبتها ظهراً لبطن عجماً لعودها، فإذا هي فرقان محكم الوضع، غزير المادة، معتدل الأساليب،


1 . أوائل المقالات; الطبعة الثانية، مكتبة حقيقة في تبريز.


( 366 )

متناسق التبويب، جزيل المباحث، جليل العوائد، داني القطوف، عذب المورد، ناصع البيان، تدرك مقاصده على غير مؤنة ولا إرهاق خاطر، تؤيده الحجج الملزمة والبينات المسلمة، وقد طوى على نحو تسعين مقالة هي موضوع البحث ومحل النزاع بين الشيعة الإمامية وغيرهم من سائر الفرق المسلمة، ظهر فيها مقطع الحق، وبان بها مشعب السداد، وقد استظهر مؤلفها ـ شيخ الأُمّة ومفيدها ـ على خصومه فيها بحكم العقل والنقل، فإذا مقالاته مفصل الصواب وفصل الخطاب، وإذا هي الحد الفاصل بين الحقّ والباطل، وإذا خصمه فيها صاغر قميء قد خصم فخطم والحمد للّه ربّ العالمين.

ثمّ استقرأت «تصحيح الاعتقاد أو شرح عقائد الصدوق» فإذا هو كسابقه لا شبهة فيه لمعتدل، ولا مطعن به لمنصف، ولا سبيل عليه لفاضل فاصل، يستسلم للبيّنات والدلائل من مؤالف أو مخالف، ولا غرو فيما يخرجه قلم شيخنا المفيد أن يكون الغاية ليس وراؤها مذهب لطالب ولا مراغ لمستفيد، فقد كان أعلى اللّه مقامه أقضى قضاة محاكم المعقول والمنقول، وأمضى فياصل الحق من أولياء آل الرسول، ولو وجبت العصمة لغير الأنبياء وأوصيائهم لكان أوّل من وجبت له بعدهم(عليهم السلام)، فكتبه كلّها هدى ونور وشفاء لما في الصدور، ونحن نشكر لك نشر الرسالتين، ونقدر إتحافك إيانا بهما، ونكبر جزيل فوائدك، ولا ننسى جميل عوائدك، وفقك اللّه لتأييد الحقّ ونصره وسهل لك أسباب إذاعته ونشره.

صور ـ لبنان

في 5 جمادى الآخرة سنة 1364

عبد الحسين شرف الدين الموسوي


( 367 )

ج

تقريظه لموسوعة الغدير(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

حجّة الإسلام العلاّمة الثبت المجاهد (الأميني) أعزَّه اللّه وأعزَّ به

تحيّة طيّبة وسلاماً كريماً.

أشعر أنّ لك عليَّ واجباً يتجاوز حدود القول في تقريظ (الغدير) موسوعتك النادرة، والثناء عليها بوصفها مجهوداً ثقافيّاً منقطع النظير.

فالقول في هذا ونحوه أدنى ما يُستقبل به جهادك، وأقلّ ما يوزن به تتبّعك واستيعابك، أمّا الذي يعطيك كفاء حقّك في هذه الموسوعة الفاضلة فتقديرٌ يبلّغ الأُمّة انّك من أبطالها الأقلّين، ويدعوها من أجل هذا إلى شدِّ أزرك وإرهافك في سبيلك النيّر الخيِّر هذا، إنصافاً للقيم التي توشك أن تضيع فتُضيع; ومتى ضاعت وأضاعت فقد خسرت الحياة «مثلها الأعلى» وعادت بعده تافهة، لأنّها تخلو آنذاك من حقّ وخير وجمال، أي تخلو ممّا يحبِّب الحياة ويرفعها، ويدلّ على


1 . نشر هذا التقريظ في مقدّمة الطبعة الثالثة (لموسوعة الغدير) المطبوعة في دار الكتاب العربي، بيروت، 1387هـ ـ 1967م.


( 368 )

أقدارها.

موسوعتك (الغدير) في ميزان النقد وحكم الأدب عملٌ ضخمٌ دون ريب، فهي موسوعةٌ لو اصطلح على إبداعها عدّة من العلماء وتوافروا على إتقانها بمثل هذه الإجادة لكان عملهم مجتمعين فيها كبيراً حقّاً.

ولكنّي ما سقت كلمتي لأقول هذا، وإنّما سقتها لأُشير إلى هذه الناحية الخطيـرة مـن حياتنـا المفكّكة داعياً إلى التشدُّد، والالتفات حول الحفنة الباقية من رجال الفكر الإسلامي ممّن يجيلون أقلامهم في علومنا وآثارنا بفقه وحبّ.

فليس شيء عندي أخطر على هذا الفكر الولود من التفرُّق عن رجاله، لأنّ التفرُّق عنهم نذير بعقم نتاجه، وقطع حلقاته، فالتفرُّق عنهم بمعناه تفريق للحواضر والبواعث التي تتَّصل بها حياة الحقّ في طبائع الأشياء وظواهر السنن.

وليس أفجع لحضارة الشرق بل لحضارة الإنسان من عقم هذا النتاج وقطع هذه الحلقات.

فإذا دعـونا إلى مؤازرتـك والـوقوف إلـى جـانبك في شقّ الطريق بين يدي (غـديرك) فإنّنـا ندعوا في واقع الأمر إلى خدمة فكرة كلّية ترتفع بها شخصيّة الأُمّة كاملة، آملين أن يرى المفكّرون بك مثلاً يشجعهم بحياة الأُمّة حولك، وحسن تقديرها لك، أن يخدموا الحقّ الذي خدمته لوجه الحقّ خالص النيّة.

أقف هنا لأقول: إنّ قمَّة (الهرم) في عملك الجاهد القيِّم إنّما هي حبُّك له حبّاً يدفعك فيه إلى الأمام في زحمة من العوائق والمثبِّطات، وهي خصلةٌ في هذا


( 369 )

العمل الكبير تُعيد إلى الذهن دأب أبطالنا من خدّام أهل البيت وناشري علومهم وآثارهم، ذلك الدأب الذي أمتع الحياة بأفضل مبادئ الإنسانيّة من معارفهم النيِّرة.

أمّا الجوانب الفنيّة فقد نسجتها نسج صناع، وهيّأت لقلمك القويّ فيها عناصر التجويد والإبداع في مادّة الكتاب وصورته، وفي أدواتهما المتوفّرة على سعة باع، وكثرة اطّلاع، وسلامة ذوق، وقوّة محاكمة، أمامك، حفظك اللّه وأعانك.

14 ذو الحجّة 1368

عبد الحسين شرف الدين الموسوي


( 370 )

9

السيد شرف الدين والتقريب بين المسلمين

إنّ التقريب بين المسلمين من الآمال الّتي يطمح إليها كلّ مسلم مخلص عارف بالقضايا الراهنة، وممّا يحز بالنفس أن نرى أبناء أُمّة واحدة تجمعها روابط كثيرة، متشتّتين مختلفين لا يتعاونون تعاون الإخوة، وقد خاطبهم اللّه سبحانه وتعالى بقوله: (إِنَّ هـذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون)(1)، وجعلهم الكتاب إخوة متعاطفين وقال: (إِنّما المُؤْمِنُونَ إِخْوَة)(2)، ومع ذلك نرى التشتت والتمزق متفشّيْن فيهم.

ولدرء هذا الخطر قام في أواسط القرن الرابع عشر جماعة ـ إحساساً منهم بخطورة الموقف ـ بتأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وعلى رأسهم الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر من أهل السنّة والسيد شرف الدين من الشيعة.

وقد نشرا مقالات حول التقريب وتبيين المشتركات، وأنّ المسائل الخلافية لا تضر بوحدة الكلمة وتوحيد الأُمّة.

وهذا ما يظهر من مقالاته المنتشرة في مجلة رسالة الإسلام.


1 . الأنبياء:92.

2 . الحجرات:10.


( 371 )

ومع ذلك كلّه ليس التقريب عنده بمعنى تذويب السنّة في الشيعة أو بالعكس، فإنّ التقريب شيء والتذويب شيء آخر، فالسيد من دعاة التقريب لا من دعاة التذويب، فإنّ الثاني أمر مستحيل في الظروف الحاضرة والأوّل أمر ممكن.

ولذا نراه ـ مع أنّه يكتب مقالات في التقريب وألّف كتاب: «الفصول المهمة في تأليف الأُمّة» الّذي طبع في صيدا عام 1330هـ ـ يرد على موسى جار اللّه الّذي افترى على الشيعة برسالة خاصّة أسماها: «أجوبة مسائل موسى جار اللّه» الّتي طبعت في صيدا عام 1355هـ، كما أنّه ألّف رسالة باسم: «رسالة إلى المجمع العلمي العربي بدمشق» والّتي طبعت في صيدا سنة 1370هـ، وقد ردّ بها على الأُستاذ محمد كرد علي رئيس المجمع عندما تعرض لآل البيت(عليهم السلام) في مقال نشره في مجلة المجمع.

هذا بعض ما تيسّر لنا كتابته تقديماً للمؤتمر الّذي أُقيم إجلالاً له في اليومين الثالث و الرابع من صفر المظفر عام 1426هـ في قم المشرفة في قاعة مدرسة الإمام الخميني(رحمه الله).

ونحن نعترف بتقصيرنا أو قصورنا عن بيان ما للسيد الراحل من فضائل ومناقب وخدمات وبطولات.

فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً.

جعفر السبحاني

قم المشرفة

صفر المظفر 1426هـ


( 372 )

( 373 )

9

آية الله العظمى البروجردي والخطوط العريضة لتراثه الفكري(1) (1292 ـ 1380 هـ)

أشعر أنّ للسيد الإمام البروجردي حقّاً كبيراً عليَّ يتجاوز حدود إلقاء محاضرة قصيرة في هذا الحفل الكريم، وقد طويت من عمري لديه سنين متمادية، فارتويت من علمه الغزير، وأدبه الجم، وأخلاقه العالية.

وبما انّي لا أتمكن من أداء هذا الحقّ الكبير، فاكتفي بالميسور آخذاً بقول الإمام علي (عليه السلام) : «الميسور لا يسقط بالمعسور».

تزامنت حياة الأُمّة الإسلامية بعلماء وعباقرة كانوا كالنجوم اللامعة في سماء العلم والعمل، وقد استضاءت بهم الأُمّة الإسلامية في مسيرها التكاملي، فانتعشت بهم حياة العلم والدين فصاروا بحق مصاديق للحديث المأثور عن سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال:

«يحمل هذا الدين في كلّ قرن، عدول يَنفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكيرُ خبث الحديد».(2)


1 . أُلقيت هذه المحاضرة في الملتقى الدولي لتكريم الإمام البروجردي والإمام محمود شلتوت عام 1421، شوال المكرّم في قم المشرفة.

2 . رجال الكشي:10، باب فضل الرواية والحديث.


( 374 )

ومع الاعتراف بفضل الجميع إلاّ أنّ مواقفهم كانت مختلفة.

فمنهم مَن سار على المنهج السائد في حياته في مجال العلم، فخدم الإسلام برأيه وفكره، وقلمه وبنانه .

ومنهم مَن أحاط إحاطة تامة بالمنهج السائد ولم يكتف بذلك، بل طفق يبتكر أُسساً تلبّي حاجات العصر، وهم في كلّ عصر ومصر نزر قليل. ولو أردنا استعراض أسماء بعضهم نذكر على سبيل المثال: شيخنا المفيد في إبداعاته الكلامية ومناظراته العلمية، والسيد المرتضى ـ مضافاً إلى أدبه الجم ـ في انتاجاته الأُصولية، وتلميذهما شيخ الطائفة الطوسي في الحديث والفقه المقارن والتفسير، إلى غير هؤلاء من العباقرة الذين خاضوا عُباب بحار العلوم فأثاروا أمواجاً هائلة، وحالوا دون خمول العلم وركوده، فخرجوا بدرر وجواهر ثمينة أهدوها بكلّ تواضع إلى الأُمة الإسلامية.

وهكذا كانت سيرة فقيدنا الراحل السيد البروجردي (1292ـ1380هـ ق) في حياته التي ناهزت قرابة تسعين عاماً، فلو غضضنا النظر عن مقتبل عمره وأيام دراسته على مشايخه وأساتذته حتى استقلاله بالتدريس، نرى أنّ حياته العلمية حفلت بابتكارات قيّمة، سواء قبل تسنُّمه المرجعية والزعامة الدينية أم بعدها، وها نحن نذكر الخطوط العريضة لتراثه الفكري.

ابتكاراته وخدماته العلمية

إنّه (قدس سره) تمتع بمواهب خارقة، فقد جمع بين الحفظ والفهم، والتصرف في الأفكار والآراء، والأخيرة منها عزيزة الوجود بين أوساط العلماء، فالسيد الراحل بفضل هذه الموهبة ـ أي موهبة التصرف في الأفكار والآراء ـ، جاء بإبداعات تركت بصمات واضحة على العلوم الإسلامية لا سيمافي الرجال والفقه والحديث.


( 375 )

الف. ابتكاراته الرجالية

كان السيد البروجردي متضلّعاً في رجال الفريقين يعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وتلاميذهم ومشايخهم، وقد لمس النقائص الفنية في الجوامع الرجالية للشيعة الإمامية مع ما لها من الأهمية البالغة، وإليك الإشارة إليها:

1. انّ الخطة التي رسمها القدماء وتبعها المتأخّرون في التوثيق والجرح لا تخرج عن إطار التقليد لأئمّة الرجال، وليس طريقاً مباشراً للمستنبط بُغية التعرف على أحوال الراوي بأن يلمس بفهمه وذكائه ويقف عن كثب على كلّ ما يرجع إلى الراوي من حيث الطبقة والعصر أوّلاً، ومدى الضبط والإتقان ثانياً، وكمية روايته كثرة وقلة ثالثاً، ومقدار فضله وعلمه وكماله رابعاً، وهذا ممّا لا تفي به الكتب الرجالية الدارجة.

2.لا شكّ انّ التحريف والتصحيف تطرق إلى قسم من اسناد الأحاديث المروية في الكتب الأربعة وغيرها، وربما سقط الراوي من السند من دون أن يكون هناك دليل يدلّنا عليه، وليست الكتب الرجالية بصورة توقفنا على طبقات الرواة من حيث المشايخ والتلاميذ حتى يقف الباحث ببركة التعرّف على الطبقات على نقصان السند وكماله، لأنّها كتبت وفق حروف المعجم مبتدأة بالألف و منتهية بالياء، لا يُعرف أصل الراوي وطبقته في الحديث ولا أساتذته وتلامذته.

3. انّ أسماء كثير من الرواة مشتركة بين عدّة أشخاص، بين ثقة يُركن إليه، وضعيف ترد روايته، فعندما يلاحظ المستنبط الأسماء المشتركة في الاسناد لا يقدر على تعيين المراد.

ولأجل رفع هذه النقيصة التجأ العلماء إلى تأسيس فرع آخر لعلم الرجال باسم «تمييز المشتركات».


( 376 )

4. انّ هناك رواة جاءت أسماؤهم في اسناد الأحاديث ولا نرى أثراً لهم في الكتب الرجالية، وصار هذا سبباً لوصف كثير من الروايات بالضعف للجهل بالراوي .

5. انّ التصحيف والتقليب طرأ على الأسانيد عبر القرون، فكثيراً ما جاء محمد بن مسلم بصورة محمد بن سالم فأوجد غموضاً في الحديث، كما قلب الحسين بن خالد عن يعقوب بن شعيب، إلى يعقوب بن شعيب عن الحسين بن خالد.

6. توجد إضافات بين الأسماء فـ«أبو علي الأشعري» المعروف بابن إدريس، يروي عن علي بن الحسن الكوفي، ولكن ورد في بعض الأسانيد أبو علي الأشعري، عن (محمد بن) الحسن بن علي الكوفي، فما هو الميزان في التعرّف على زيادة (محمد بن)؟

7. ربما نرى أنّ الراوي يروي عمّن لم يدركه، ولكن في روايات أُخرى نرى أنّه يروي عنه بواسطة شخص خاص.

كلّ هذه المشاكل كان يعاني منها السيد البروجردي، فعاد إلى معالجة هذه النقائص الفنية في كتب الرجال بتأليف كتابين يعدّان من أبرز الأعمال وأعمقها في الرجال.

الأوّل: يعبّر عنه تارة بتجريد الأسانيد، وأُخرى بترتيب الأسانيد، وثالثة بتنقيح الأسانيد.

ويتلخّص عمله في أنّه قام بتجريد أسانيد كلّ من الكتب الأربعة وسمّاها:تجريد أسانيد الكافي، وتجريد أسانيد الفقيه، وتجريد أسانيد


( 377 )

التهذيب، وتجريد أسانيد الاستبصار، ثمّ انصرف إلى تجريد أسانيد الأمالي والخصال وعلل الشرائع للشيخ الصدوق، وتجريد أسانيد الفهرست للطوسي، وأسانيد رجال الكشي والنجاشي وغيرها من الكتب، مراعياً فيها ترتيب الحروف، فباستيفاء الأسانيد وقياس بعضها مع بعض قام بحلّ كافة المشاكل التي كان يُعاني منها.

بالنظر إلى هذه الأسانيد المجرّدة ، يتسنّى الحصول على الفوائد التالية:

1. يعلم مشايخ الراوي وتلاميذه، ومن هو مشاركه في نقل الحديث وكان في طبقته.

2. يعرف مشايخ كلّ من هؤلاء الرواة وطرقهم إلى الإمام.

3. يعرف الفقيه وجود الواسطة الساقطة بين الراوي والمروي عنه.

4. يعرف المصحّف عن الصحيح، والمقلوب عن غيره.

الثاني: قام (قدس سره) بتأليف كتاب باسم «طبقات الرجال» فقد جعل سلسلة الرواة من عصر الرسول الأكرم إلى زمان الشيخ الطوسي اثنتي عشرة طبقة، فجعل الصحابة الطبقة الأُولى، ومن أخذ عنهم الحديث الطبقة الثانية، وهكذا. والعمل الثاني منتزع من العمل الأوّل.

لا أقول إنّ السيد هو الوحيد الذي اختط هذا السبيل; بل سبقه المحقّق الأردبيلي المعاصر للعلاّمة المجلسي مؤلّف «جامع الرواة»، فانّه يلتقط في ترجمة الرواة، جملة من الأسانيد عن الكتب الأربعة وغيرها ويجعلها دليلاً على التعرّف على شيوخ الراوي; كما تبعه السيد محمد شفيع في كتابه: «طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال» فإنّهما بذلا جهدهما في رفع النقائص الفنية الطارئة على رجال الحديث، ولكن الذي قام به المحقّق البروجردي يعدّ من أبرز الأعمال و أعظمها


( 378 )

في هذا الحقل.

كما تبع السيد البروجردي في هذا المشروع، الزعيم الديني السيد الخوئي (قدس سره)، فقد رفع بعض النقائص في كتابه الضخم «معجم رجال الحديث و تفسير طبقات الرواة» حيث إنّ من خصائص و مزايا هذا الكتاب انّه ذكر في ترجمة كلّ شخص أسماء من يروي عنه ومن روى هو عنهم في الكتب الأربعة ، وقد يذكر ما في غيرها، ولا سيّما رجال الكشي فقد ذكر أكثر ما فيه من الرواة والمروي عنهم، وبذلك خدم علم الرجال خدمة كبيرة (شكر اللّه مساعي الجميع).

ب. منهجه الفقهي

إنّ الوقوف على الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة وسائر أدلّتها، هو الفقه الذي كان يمارسه السيد البروجردي منذ شبابه إلى رحيله، فقد قام بتدريس كثير من أبواب الفقه طيلة حياته، كما درس سائر الأبواب بنفسه مرّة بعد أُخرى، وكان يتمتع بذاكرة حادّة بالنسبة إلى المسائل الفقهية والآراء التي دارت حولها من قبل الفريقين. وهو حين إلقائه المحاضرات الفقهية يتّبع النهج التالي:

1. إذا كانت المسألة ذات تاريخ عريق في الفقه الإسلامي من عصر الصحابة والتابعين والأئمّة المعصومين إلى يومنا هذا، درج في بيان سيرها التاريخي وما مرّت عليه من مراحل تاريخية، ولم يكن ذلك من خصائصه في الفقه فحسب، بل كان يدخل من هذا الباب في المسائل الأُصولية أيضاً. مثلاً كان (قدس سره) يدرّس مبحث «العام والخاص» وكانت المسألة المعنونة هي: صيرورة العام مجازاً بعد التخصيص وعدمها، فخاض في لباب تاريخ المسألة حتى وصل إلى النتيجة التالية: بأنّ المسألة عنونت في أوائل القرن الرابع، ثمّ ذكر الآراء من ذلك العصر إلى يومنا هذا. وهذه من خصائصه فكان يرى أنّ الإحاطة بالأقوال من أركان


( 379 )

الاستنباط، ومع أنّه كان يمتلك أكثر الكتب الفقهية للفريقين مخطوطها ومطبوعها، ولكنّه كان يعتمد في نقل الآراء على كتاب «الخلاف» للطوسي و «تذكرة الفقهاء» و «منتهى المطلب» للعلاّمة الحلّي.

وكثيراً ما ينقل الآراء الفقهية لأصحابها حسب تدرّجها الزماني حتى يعلم تطور المسألة، وربما يشير إلى مباني الآراء عند ذكرها إشارة عابرة.

2. ثمّ إنّه بفضل التركيز على نقل آراء فقهاء الفريقين والإشارة إلى بعض الأدلّة، كان لمنهج فقهه صبغة الفقه المقارَن، فيذكر آراء الفقهاء و بعض أدلّتهم وربّما يصحّح وأُخرى يناقش بصدر رحب، وكثيراً ما يعتمد على كتاب «الأُم» للشافعي و «الموطّأ» لمالك، و عندما يجلس على منصة التدريس يحس الطالب أنّه فقيه متضلّع خبير بكافة الآراء الفقهية لجميع المذاهب الإسلامية، وهذا كان من أبرز سمات منهجه، ولم يكن استيعابه للصحاح و المسانيد بأقل من استيعابه للكتب الأربعة.

3. انّ السيد البروجردي كان يقيم للشهرة الفتوائية أو العملية ـ على الفرق الواضح بينهما ـ قيمة كبيرة، فإذا كانت الرواية ممّن أفتى بها القدماء من الفقهاء لم يكن يعدل عنها، بل انّه كان يتبع هذا الأُسلوب فيما لو كانت هناك فتوى مشهورة بين القدماء و إن لم تعضد بالدليل، و كان يقيم الأدلّة على حجّية الشهرة الفتوائية للقدماء بما لا مجال لبيانه.

4. انّه (قدس سره) يذكر حول الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) كلمة معروفة، مضمونها كالتالي: كما أنّ للآيات القرآنية شأن نزول، فهكذا لروايات أئمّة أهل البيت أسباب ورود، ولا يعلم إلاّ بالرجوع إلى فتاوى الفقهاء المعاصرين لهم، فبالتعرف على فتاواهم تعرف إشارات الإمام في كلامه ولطائف مقاله، كما تعرف بها الرواية الصادرة عن مصلحة الراوي من الرواية الواردة لبيان الواقع، وكان


( 380 )

تلاميذ الأئمة على اطّلاع بكلا النوعين من الفتيا; فإذا وصل إليهم فتاوى الصادقين يعرفون ما هو الوارد لبيان الواقع، فيصفونه بأنّه أعطاه من عين صافية. و ما هو الوارد على وفق الواقع لمصالح اقتضت ذلك، فيصفونه بأنّه أعطاه من جراب النورة.

5. ومن مميّزات منهجه الفقهي في استنباط الأحكام هو انّه كان يلتزم بقراءة كلّ رواية وردت حول المسألة في وسائل الشيعة والمستدرك و ما في الصحاح والسنن، و كان يقرأ كلّ رواية بسندها التام، ويذكر خصوصية أكثر الرواة غير المعروفين وانّه من أي طبقة من الطبقات، وكثيراً ما ينبّه على سقوط الواسطة، أو طروء تقليب، أو تصحيف على الرواية أو يشير إلى عدد رواياته قلّة وكثرة.

وفي ظل الإحاطة بالأسانيد كان يجهد في توحيد الروايات، فيُرجع الروايات المتعدّدة ظاهراً إلى أصل واحد، قائلاً: بأنّ التكثّر طرأ عليها من قبل الوسائط. وهذا كان من اختصاصاته في الفقه.

6. كان (قدس سره) يجهد في أن يذكر لكلّ مسألة الدليل المهم الذي يمكن أن يستند إليه المجتهد، وينأى بنفسه عن ذكر الأدلّة الضعيفة ومناقشاتها صيانة لوقت الطالب.

هكذا كانت محاضرات سيدنا الأُستاذ الراحل ومنهجه الفقهي الذي أصبح فيما بعدُ المنهجَ الرسمي السائد على الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة، وأمّا الكلام في منهجه الحديثي والخدمات التي أسداها في هذا المضمار، فنحيله إلى وقت آخر.

ج. نشاطاته الاجتماعية

إنّ الإمام الراحل السيد البروجردي كان من أرومة عريقة ضربت


( 381 )

بجرانهاعبر العصور والقرون، فهو سليل الشجرة الطيّبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء ، فلا عتب على اليراع إن وقف عن سرد محاسنه وفضائله، فإنّ سيدنا المترجم فذّ في كلّ نواحيها. ونسبة الفضائل إليه كأسنان المشط لا تفاضل بينها، لأنّه واقع في نقطة المركز من الدائرة، فخطوط الفضائل إليه متساوية، ومع ذلك نشير إلى بعض ما للسيد من نشاطات ومواقف كريمة، وما كان يحمل من هموم الأُمّة و ما قدّم لها من خدمات.

أ. دعوته إلى التقريب

كان السيد الراحل من دعاة التقريب وعماده، وقد ورث فكره التقريب عن أُستاذه السيد محمد باقر الاصفهاني (المتوفّى عام 1342هـ) ، ويعلم مدى دعمه لمسألة التقريب انّه قد كان للسيد مساهمة فعالة في تأسيس دار التقريب بين المذاهب، ودعم المعنيّين بتأسيسها من دون فرق بين السنّة والشيعة، وقد كان على صلة وثيقة بأخبار دار التقريب عن طريق مندوبه، أعني: الأمين العام لجماعة دار التقريب، الشيخ محمد تقي القمي، كلّ ذلك يدلّ على شدة اهتمامه بأمر التقريب ولمِّ شمل الأُمّة كسائر روّاده من معاصريه، نظير: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(المتوفّى1373هـ) و السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي(المتوفّى 1377هـ) وغيرهم من أقطاب التقريب.

ولم يقتصر نشاطه على متابعة أخبار دار التقريب فحسب، بل أنّه (قدس سره) راح يراسل شيخ الأزهر عبد المجيد سليم لمّا بعث إليه برسالة يستفسر فيها عن صحّته بعدما سمع من المذياع انّ صحته قد تدهورت، و قد اغتنم السيد الفرصة وبعث بجواب إليه، وإليك نصّ رسالة شيخ الأزهر:


( 382 )

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب السماحة آية اللّه الحاج آقا حسين البروجردي

سلام اللّه عليكم ورحمته

أمّا بعد: فقد بلغنا ـ عن طريق المذياع ـ أنّ صحتكم الغالية قد ألم ّبها طارئ من المرض، فأسفنا لذلك أشدّ الأسف لما نعرفه فيكم من العلم والفضل والإخلاص للحق، وإنّا لنسأل اللّه جلّت قدرته أن يعجل بشفائكم،ويلبسكم لباس العافية، حتى تتمكّنوا من العود الحميد إلى نشاطكم المعهود في خدمة الإسلام والمسلمين.

ولقد شاءت إرادة اللّه أن أكون أنا أيضاً في هذه الفترة مريضاً معتكفاً في بيتي أحمل همّين ممضين: همّ نفسي وهمّ قومي،وأطيل التفكير حالياً في حال أُمّتنا العزيزة، فيأخذني من القلق والحزن ما اللّه به عليم، فأرجو أن تسألوا اللّه لي العافية كما أسأله لكم، واللّه يتولاّنا جميعاً برحمته.

إنّ الأُمّة الإسلامية الآن، أحوج ما تكون إلى رجال صادقي العزم، راجحي الوزن، يجاهدون في اللّه حقّ جهاده، ليدرأوا عنها غوائل الفتن، ونوازل المحن، فقد تألّبت قوى الشر، وتجمّعت عناصر الفساد، وزلزل المؤمنون في كلّ قطر من أقطارهم زلزالاً شديداً، وكأن قد أتى الزمان الذي أنبأ الصادق الأمين ـ صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله وصحبهـ : أنّ القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وإنّما مثل أهل العلم من المؤمنين الصادقين كأطواد راسية أو حصون منيعة ألقاها اللّه في الناس أن تميد بهم الأرض من فتنة أو جهالة، أو كنجوم ثاقبة في ليل داج، ترشد السارين، وتهدي الحائرين. فادع اللّه معي أن يحفظ هؤلاء


( 383 )

ويكثر في الأُمّة منهم، وينشر عليهم رحمته، وينزل عليهم سكينته، ويؤيد بهم الحقّ والدين، ويهزم بهم المبطلين والملحدين والمفسدين، إنّه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.(1)

والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

14 من شعبان سنة 1370هـ

ولمّا وصلت رسالة شيخ الأزهر إلى السيد الراحل قام بكتاب جواب يشكر فيه عواطفه تجاهه، وقال:

حضرة صاحب الفضيلة الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم

شيخ الجامع الأزهر ـ دامت إفاضاته ـ

السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أمّا بعد ـ فقد بلغنا كتابكم الكريم الحاوي للعواطف الإسلامية السامية، يحكى لنا أنّه لمّا بلغكم عن طريق المذياع أنّ صحّة هذا العبد قد ألمّ بها طارئ من المرض، أسفتم لذلك، ودعوتم اللّه تعالى أن يعيد له الصحة.

فأشكركم على ذلك، وأسأل اللّه تعالى أن يبدّل التعارف والتعاطف بين المسلمين، ممّا كان بينهم من التناكر والتدابر والتقاطع، إنّه على مايشاء قدير..


1 . رسالة الإسلام: العدد الثالث من السنة الثالثة .وليست هذه الرسالة، الرسالة الوحيدة التي تم تبادلها بين شيخي السنّة والشيعة، بل ثمّة رسالة أُخرى كتبها الشيخ عبد المجيد سليم إلى السيد في جواب رسالة شفوية حملها إليه الأمين العام لدار التقريب، وقد نُشر الجواب على صفحات مجلة رسالة الإسلام العدد الثاني من السنة الرابعة عام 1371هـ.


( 384 )

ويحكي كتابكم أيضاً، أنّه قد ألم ّبصحتكم الغالية طارئ من المرض، كما ألمّ بي، فاعتكفتم في البيت حاملين لهمين ممضين: همّ نفسكم، وهمّ قومكم، وأنّ إطالة التفكير في حالة الأُمّة، توجب لكم من القلق والحزن، ما اللّه به عليم.

هكذا ينبغي أن يكون رجال العلم ورجال الإسلام، مهما حاقت بالمسلمين زلازل الفتن،وأحاطت بهم نوازل المحن، فأسأل اللّه عزّسلطانه، أن يلبسكم لباس العافية، ويوفقكم لخدمة الإسلام والمسلمين،ولما يوجبه الاهتمام بأمر الأُمّة في مثل هذا الزمان، من أمثال جنابكم الذين وقفوا أنفسهم لخدمة هذه الأُمّة، ودرء عوادي المفسدين والملحدين عنها، إنّه قريب مجيب.

إنّ هنا أُموراً كنت أحب إبداءها لكم، لكن حالي لا تساعدني على ذلك.

والسلام عليكم وعلى من أحاط بكم من المؤمنين الصادقين ورحمة اللّه وبركاته.

17 من رمضان سنة 1370هـ.(1)

كان السيد يترصّد الفرص بين حين وحين لأن يُدعم موقف التقريب ومن نماذج ذلك:

إنّ الملك سعود بن عبد العزيز زار إيران وأرسل بهدية سنية للسيد البروجردي، وقام السيد ببعث كتاب إلى سفير المملكة السعودية في طهران كإجابة لما أُهدي إليه، وقد أشار في ذلك الكتاب إلى أنّ مسألة الحجّ من أهم مظاهر الوحدة، فللمسلمين أن يؤدّوا مناسك الحج وفق الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، وإليك نصّ رسالته إلى السفير:


1 . رسالة الإسلام:العدد الثالث من السنة الثالثة.


( 385 )

بسم اللّه الرحمن الرحيم

سلام اللّه عليكم ورحمته

أمّا بعد: فقد بلغنا كتابكم مع السيد يوسف بوعلي، ومعه حقيبة كبيرة ذكرتم أنّها تحتوي على خمس عشرة نسخة من القرآن الكريم، وعلى قطع من حزام ستار الكعبة الشريفة، وأنّ جلالة الملك أمر بإرسالها إليّ، فتحيّرتُ في الأمر، لأنّ سيرتي عدم قبول الهدايا من الملوك والعظماء، ولكن اشتمال هذه الهدية على القرآن الكريم وستار الكعبة الشريفة; ألزمني قبولها، فأخذت نسخ القرآن الكريم والقطع من حزام ستار الكعبة الشريفة، وأرسلت الحقيبة «بما بقى فيها» إلى جنابكم هدية مني إلى شخصكم، لأكون على ذكر منكم في أوقات الصلوات والدعوات، ولمّا كان أمر الحجّ في هذه السنين بيد جلالة الملك; أرسلت حديثاً طويلاً في صفة حج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، رواه مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه ويستفاد منه أكثر أحكام الحجّ إن لم يكن كلّها، لترسله إلى جلالة الملك هدية منّي إليه، وتبلغه سلامي وتحياتي، وأسأل اللّه عزّ شأنه أن يؤلِّف بين قلوب المسلمين، ويجعلهم يداً واحدة على من سواهم، ويوجههم إلى أن يعملوا بقول اللّه تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)(1)وأن يجتنبوا التدابر والتباغض واتّباع الشهوات الموجبة لافتراق الكلمة، وأن يلتزموا بقول اللّه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا)(2).

والسلام عليكم ورحمة اللّه(3)


1 . آل عمران:103.

2 . النساء: 94.

3 . رسالة الإسلام، العدد الأوّل من السنة الثامنة.


( 386 )

ب. مواقفه السياسية

كان السيد الراحل منذ أوان شبابه إلى أواخر حياته ملمّاً بالأوضاع السياسية التي تمرّ على المسلمين في أنحاء العالم، وقد ابتلي المسلمون في أواسط القرن الماضي بفتنة اليهود وإنشائهم لدويلتهم الغاصبة في قلب الأُمّة الإسلامية وعلى مقربة من أُولى القبلتين، وقد كانت هذه الفكرة تراود اليهود منذ عصر الامبراطورية العثمانية إلى أن أُتيحت لهم الفرصة في مختتم الحرب العالمية الثانية حيث أعانتهم القوى الكافرة بتأسيس تلك الدولة الغاصبة، فأخذوا يقتلون المسلمين رجالهم ونساءهم وأطفالهم ويشرّدونهم من أراضيهم إلى أن أُستتبّ لهم الأمر بإنشاء دويلتهم عام 1947م، وقد ضبط التاريخ جرائمهم في دير ياسين وغيره ممّا يندى لها جبين البشرية، وليست جرائمهم هذه الأيام غائبة عن أعيننا فقد أعادوا التاريخ بنفسه.

وقد قام السيد البروجردي يومذاك بإصدار بيان يندّد فيه بتلك الجرائم النكراء، واحتفلت بسماع بيانه الحوزة العلمية وشارك هو (قدس سره) ذلك الاحتفال، وقرأ البيان الخطيب المصقع الشيخ محمد تقي الاشراقي (1313ـ 1368هـ) وإليك نصّ ذلك البيان:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

نحمد اللّه تعالى في السّراء والضّرّاء وعلى كلّ حال، ونشكوإليه ما لقيه إخواننا المسلمون في زماننا هذا من المشركين بباكستان ومن اليهود بفلسطين، ولقد صدق عملهم بالمسلمين ما أخبرنا اللّه تعالى به في كتابه الكريم: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ اَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ


( 387 )

مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنّا نَصَارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينََ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ).(1)

ولكن العجب والأسف كلّه من صنع اليهود، فانّهم بعد ما كانوا تحت حماية الإسلام والمسلمين قريباً من أربعة عشر قرناً، محفوظين بنفوسهم وأعراضهم وأموالهم وشعائرهم الدينية، قد أصبحوا في هذا الزمان ينتقمون من المسلمين ما صنعوه إليهم في تلك المدّة المديدة من الإحسان، فجعلوا يقتلون رجالهم الصالحين بالفتك والغيلة والقتال، ويقتلون ذراريهم، ويهتكون أعراضهم، ويخرّبون معابدهم وبيوتهم ولا يرقبون فيهم إلاًّ ولا ذمّة وأُولئك هم المعتدون.

فنسأل اللّه تعالى أن ينصر المسلمين نصراً عزيزاً، ويجعل لهم من لدنه سلطاناً نصيراً، وأن يخذِّل هذا القوم الذين لم يراعوا حقّ المسلمين، ويضرب عليهم الذلّة والمسكنة، ويجعلهم أذلّ الأُمم، ونرجو من إخواننا المؤمنين ببلاد إيران وغيرها أن يجتمعوا في الدعاء عليهم بالخذلان، ولإخوانهم المسلمين بالنصر والغلبة.

اللّهمّ انصر جيوش المسلمين وسراياهم ومرابطيهم في مشارق الأرض ومغاربها، واخذل أعداءهم وفرِّق بين كلمتهم، والق الرعب في قلوبهم، وأنزل عليهم بأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين، وصلّ على أشرف أنبيائك محمّد وآله المنتجبين.

حسين الطباطبائي


1 . المائدة:82 .


( 388 )

ج. مشاريعه الخيرية

كان السيد البروجردي بحقّ من مصاديق قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمن وُدّاً)(1) فقد كانت له في القلوب محبة عريقة وود أصيل، وفي الوقت نفسه عظمة ومهابة، وكانت مهابته تملأ القلوب، وقد اكتسب ذلك الحب بخدماته الجليلة طيلة عمره لا سيما مشاريعه الخيرية، فقد بُنيت بأمره وتحت إشرافه مساجد في إيران وخارجها ومدارس علمية ومستوصفات، حتى أنّه (قدس سره) في عام المجاعة في بروجرد بذل جلّ ما يملك للفقراء.

ومن أهمّ مشاريعه العمرانية مسجد «هامبورغ» الذي هو ملجأ لعامّة المسلمين في تلك البلاد النائية يقام فيه الجمعة والجماعة، وتحضره عامة الطوائف في مختلف الأوقات.

د. نشر الإسلام

كان السيد البروجردي على إيمان بأنّ الغرب لو اطّلع على حقيقة الإسلام لرغب إليه بشوق، فانّ الغرب وإن كان نهض ضد القيم الأخلاقية، إلاّ أنّ فيه رجالاً واعين لو وقفوا على الإسلام لاعتنقوه، وفي ظل تلك العقيدة بعث نخبة من فضلاء الحوزة إلى ألمانيا، فصار ذلك سبباً لتوثيق الصلة بين جامعة قم الإسلاميةوالمراكز العلمية فيها، كمابعث دعاة إلى سائر نقاط العالم.


1 . مريم:96.


( 389 )

هـ. إحياؤه للتراث الشيعي

إنّ علماء الإمامية قاموا بخدمات جبّارة من خلال تأليف موسوعات وكتب ورسائل في مختلف العلوم، لكن ممّا يؤسف له انّ أكثر هذه الكتب رهينة محبسين:رداءة الطباعة،وعدم اطّلاع المحقّقين على هذه الكتب; فشمّر (قدس سره) عن ساعد الجد وقام بنشر كثير من المخطوطات التي لم تر النور،ويمكن أن تعدّ الكتب التالية من ثمرات جهوده على هذا الصعيد:

ـ «الخلاف» للشيخ الطوسي فقد طبع في جزءين في مجلد واحد.

ـ «قرب الإسناد» للحميري.

ـ «مفتاح الكرامة» للسيد محمد جواد العاملي: الجزء التاسع والعاشر.

ـ «جامع الرواة» للأردبيلي.

ـ«النصّ والاجتهاد» للسيد عبد الحسين شرف الدين العاملي.

ومن أهمّ ما قام به هو انّه أشار إلى الشيخ محمد تقي القمي الأمين العام لجماعة دار التقريب أن يقوم بنشر «المختصر النافع» للمحقّق الحلّي، فقد كان لنشر هذا الكتاب صدى عظيم في الأوساط العلمية في القاهرة، حتى نفذت نسخه الناهزة ستة آلاف خلال شهرين.(1)

و. خلقه

كان السيد الراحل بحق إنساناً أخلاقياً، أبي النفسي، متواضعاً، خائفاً


1 . انظر كيفية نشره ومدى تأثيره في الأوساط العلمية في مصر، رسالة الإسلام ، العدد الثالث من السنة التاسعة.


( 390 )

من اللّه سبحانه و كان في نهاية العام الدراسي يعظ الحاضرين في مجلس درسه ويبتدئ كلامه بتلاوة الآية المباركة: (يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّه وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَميد)(1) فإذا عيناه تمتلئ بالدموع وتسيل على وجهه، وهو بعد لم ينبس ببنت شفة.

وقد بلغ من شعفه بأهل البيت (عليهم السلام) لا سيما الإمام الحسين (عليه السلام) انّ دموعه كانت تتقاطر دون انقطاع كلما ذُكر.

ز. حبه للعلم والعلماء

كان السيد البروجردي يحب العلم والعلماء من كافة الطبقات، وكان يقدّم الحوار العلمي على سائر الحوارات، ومع كبر سنه إذا دخل مجلسه كبير من العلماء يقوم له احتراماً ولو بمعونة الآخرين.

وبما انّ كاتب هذه السطور أدرك من حياة السيد قرابة خمسة عشر سنة، وتتلمذ عليه سنين عديدة، فإنّه يحتفظ بذكريات عطرة عنه يضيق بنقلها المجال.

هكذا كانت حياة سيدنا الراحل، فسلام اللّه عليه يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حيّاً.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

21 رمضان المبارك من شهور عام 1421هـ ق


1 . فاطر:15.


( 391 )

10

العلاّمة المحقّق الشيخ محمد علي بن محمد

طاهر الخياباني التبريزي المشهور بالمدرّس (1296 ـ 1373 هـ)

المدرّس الخياباني رائدالعلم و الأدب

الحمد للّه ربّ العالمين،والصلاة والسلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين ، الغرّ الميامين

أمّا بعد، فإنّه سبحانه ـ بمقتضى حكمته ـ لم يخلق الإنسان سدى، و هو القائل: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً)(1) و(ما خَلَقْتُ الجنّ وَالإِنْس إِلاّ لِيَعْبُدُون) .(2)

ثمّ إنّه سبحانه عزّز تحقيق تلك الغاية السامية ببعث أنبيائه ورسله، وإنزال الكتب معهم ليُري معالم الحق ومزالق الباطل عبر القرون والأجيال، إلى أن بعث اللّه سبحانه محمداً ـ نذيراً و بشيراً بالحق ـ لإنجاز عدته و إتمام نبوته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريماً ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة، بين مشبّه للّه بخلقه، أو ملحد في أسمائه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجلالة.


1 . المؤمنون: 115.

2 . الذاريات: 56.


( 392 )

بعثه سبحانه بدلائل ساطعة، ومعاجز باهرة، يحتج بها على الناس، و من معاجزه الخالدة شريعته المتبلورة في الواجبات والمندوبات والمكروهات والمحرمات على مختلف الأصعدة.

إنّ شريعة كشريعة الإسلام والتي تلبِّي كافة متطلبات الإنسان في ماضيه وحاضره ومستقبله لا يمكن أن تصدر عن إنسان مهما بلغ من الفكر والتعقّل مالم تدعمه السماء، و يتجلّى ذلك بوضوح في شموليتها للأحكام الفردية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها من جوانب حياة الإنسان.

لا شكّ انّ القرآن هو معجزة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخالدة بيد انّ هناك معاجز أُخرى غير القرآن ومن أبرزها تشريعات الإسلام وأحكامه الواردة في الكتاب والسنّة لا سيما المروية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، فإنّ تلك الثمار اليانعة التي تتجاوب مع فطرة الإنسان ولا تختلف عنها قيد شعرة، لدليل واضح على أنّها ليست ثمرة تؤتي أُكلها في حين دون حين، بل هي ثمرة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

ثمّ إنّ الفقهاء على مرّ العصور تداولوا أمر هذه الشريعة بالبحث والدراسة والتحليل حتى خرجوا بنتائج باهرة في مجال الفقه والأحكام فكتبوا موسوعات وكتباً ورسائل لغايات شتى.

فالموسوعة لمن رام خوض غمار الفقه واقتحام لُجَّته، والكتب الفقهية للمتوسطين في هذا الفن، وأمّا الرسائل والمتون الفقهية فقد وضعوها للمبتدئين.

ومن حسن الحظ انّ مؤلفنا الكبير ـ الذي نحن بصدد تسليط الأضواء على جانب من سيرته ـ أعني: الإمام جمال الدين أبا منصور الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ) قد برع في هذا الفن براعة لا يدانيه أحد، فألف موسوعات فقهية ذات مجلدات ضخمة كـ«تذكرة الفقهاء»،


( 393 )

و«منتهى المطلب» وغيرها.

كما ألف كتباً متوسطة في الفقه بين الاختصار والاستيعاب كـ«قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام»، و «تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية»، و «نهاية الاحكام في معرفة الأحكام».

كما قام بتأليف متون مختصرة للمبتدئين كـ«إرشاد الأذهان إلى أحكام الإسلام» و «تبصرة المتعلمين».

وهذا الكتاب الأخير الذي نحن بصدد التقديم لشرح من شروحه قد استأثر باهتمام واسع حيث أكبّ عليه العلماء بالدراسة والتعليقة والشرح حتى تجاوزت الشروح والتعاليق عليه 30 شرحاً، أورد أسماء طائفة كبيرة منها الشيخ الطهراني في ذريعته (1)، كما تجد أسماء 31 شرحاً في مقدمة محقق كتاب شرح التبصرة للشيخ ضياء الدين العراقي.(2)

كما ذكر قسماً منها زميلنا المغفور له السيد عبد العزيز الطباطبائي(3).

وهذا الإقبال الواسع من قبل العلماء والفقهاء دليل على أنّ الكتاب قد حاز شهرة واسعة في الأوساط العلمية.

هذا ويعرفه مؤلّفه العلاّمة الحلي بقوله: هذا الكتاب الموسوم بتبصرة المتعلمين في أحكام الدين وضعناه لإرشاد المبتدئين وإفادة الطالبين مستمدين من اللّه المعونة والتوفيق فانّه أكرم المعطين.(4)


1 . الذريعة: 3/321 ـ 322.

2 . شرح التبصرة للشيخ ضياء الدين العراقي : 1/11، قسم المقدمة.

3 . مكتبة العلامة الحلي: 76.

4 . تبصرة المتعلمين: خطبة الكتاب.


( 394 )

تزامن الجمود والازدهار في عصر واحد

انتاب الفقه في البيئات الشيعية في القرن السادس والسابع موجة من الازدهار والنضوج على يد فقهاء كبار.

كالشيخ نجيب الدين محمد بن جعفر بن هبة اللّه بن نما المشتهر بابن نما (المتوفّى عام 645هـ).

وجعفر بن حسن بن عيسى المشتهر بالمحقّق الحلي(602ـ 676هـ) صاحب كتاب الشرائع وهو غني عن الإطراء والتعريف.

و نجيب الدين يحيى بن سعيد الهذليّ(601ـ 690هـ).

إلى غير ذلك من مشايخ الفقه والاجتهاد.

وقد تربى العلامة على يد الأخيرين من مشايخه في الحلة التي بلغ عدد الفقهاء فيها يومذاك ما يربو على 440 فقيهاً.(1)فكان عصره عصر الازدهار الفقهي حيث تم فيه تخريج حجم هائل من الفروع على وجه لا نجد له مثيلاً من بين سائر العصور.

وهذا كتابه «تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية» مشحون بتخريج الفروع واستنباط الأحكام من الأُصول .

في حين انّ الفقه السنّي في ذينك القرنين دخل مرحلة الخمود والجمود وضمور الإبداع، يقول مصطفى أحمد الزرقاء في معرض حديثه عن القرن السابع: وفي هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط، فقد بدأ في أوائله بالركود وانتهى في أواخره


1 . رياض العلماء: 1/361.


( 395 )

إلى الجمود، وقد ساد في هذا العصر الفكر التقليدي المغلق، وانصرفت الأفكار عن تلمس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الأحكام إلى الحفظ الجاف، والاكتفاء بتقبل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة، وطفق يتضاءل ويغيب ذلك النشاط الذي كان لحركة التخريج والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب، وأصبح مريد الفقه يدرس كتاب فقيه معين من رجال مذهبه فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره، بعد أن كان مريد الفقه قبلاً يدرس القرآن والسنة، وأُصول الشرع ومقاصده.

وقد أصبحت المؤلفات الفقهية ـ إلاّ القليل ـ أواخر هذا العصر اختصاراً لما وجد من المؤلفات السابقة أو شرحاً له، فانحصر العمل الفقهي في ترديد ما سبق، ودراسة الألفاظ وحفظها، وفي أواخر هذا الدور حلّ الفكر العامي محل الفكر العلمي لدى كثير من متأخري رجال المذاهب الفقهية.(1)

المصنف في سطور

إنّ العلاّمة الحلّي غني عن الإطراء والتعريف، فقد ذكره غير واحد من كبار علماء الفريقين.

فهذا هو الصفدي يعرفه بقوله: الإمام العلاّمة ذو الفنون، عالم الشيعة وفقيههم، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته، إلى أن قال: و كان إماماً في الكلام والمعقولات.(2)


1 . المدخل الفقهي العام: 1/186ـ187، ط دارالفكر.

2 . الوافي بالوفيات:13/85، برقم 79.


( 396 )

وعرّفه ابن حجر في لسان الميزان بقوله:عالم الشيعة وإمامهم، ومصنفهم، وكان آية في الذكاء، وكان مشتهر الذكر، حسن الأخلاق.(1)

لقد كان العلاّمة الحلي ملماً بشتى العلوم الإسلامية المعروفة آنذاك دراسة وتدريساً وتأليفاً وكان أثره واضحاً على جميع من تلمذ عنده، أمثال:

1. فخر المحقّقين(682ـ 771هـ)، وكفى في جلالة قدره وطول باعه ما ذكره الفيروز آبادي (729ـ 817هـ) صاحب «القاموس المحيط » في حقه، حيث قال: ...عن شيخي و مولاي، علاّمة الدنيا، بحر العلوم،وطود العلى، فخر الدين، أبي طالب، محمد بن الشيخ الإمام الأعظم، برهان علماء الأُمم، جمال الدين أبي منصور، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي.(2)

2. مجد الدين أبو الفوارس محمد بن علي بن الأعرج الحسيني، يعرفه ابن الفوطي بقوله:اجتمعت به عند النقيب علي بن موسى بن طاووس، و قال: رأيته جميل السمة، وقوراً، ديّناً، عالماً بالفقه.(3)

ورثاه صفي الدين الحلي بقصيدة مطلعها:

صروف الليالي لا يدوم لها عهد *** وأيد المنـايا لا يطـاق لهـا ردّ(4)

3. ولد أبي الفوارس عميد الدين بن عبد المطلب(681ـ 754هـ).

4. نجله الآخر ضياء الدين بن عبد المطلب (كان حياً 740هـ).


1 . لسان الميزان:2/317.

2 . الجاسوس على القاموس، تأليف أحمد فارسي أفندى:130.

3 . مجمع الآداب في معجم الألقاب:4/519.

4 . ديوان صفي الدين الحلي: 371.


( 397 )

5. مهنّا بن سنان بن عبد الوهاب الحسيني المدني (المتوفّى عام 754هـ).

وقد ألّف كتاباً أجاب فيه على عدّة مسائل، أسماه «المسائل المهنائية».

إلى غير ذلك من الشخصيات اللامعة في سماء الفقه والأُصول والكلام.

لا شكّ انّ العلاّمة الحلّي قد خلّف تراثاً علمياً ضخماً أغنى المكتبة الشيعية، تمثل في مؤلفاته وتصانيفه فقد خاض في أكثر العلوم الإسلامية من فقه وكلام وأُصول ورجال وتفسير وفلسفة ومنطق إلى غير ذلك.

وكفى انّه ألّف في حقل المعقول والكلام ما يربو على 20 كتاباً ورسالة، كما أنّه ألّف في حقّل الفقه عدة دورات بين موسوعة وكتاب ومختصر.

فآثاره المتنوعة تنم عن نبوغه ونظره الثاقب واستيعابه كافة العلوم.

وقد سردنا أسماء مصنفاته في المعقول عند تقديمنا لكتاب «نهاية المرام في علم الكلام» كما ذكرنا أسماء مصنفاته في الفقه في كتابنا «تذكرة الأعيان».(1)

و من آثاره الفقهية المختصرة كتاب «تبصرة المتعلمين في أحكام الدين». والكتاب بوجازته وسلاسة ألفاظه صار موضع اهتمام الفقهاء منذ عصر مؤلفه إلى يومنا هذا فتولوه بالشرح والتعليق، والذي منها شرح أُستاذنا الكبير، العلاّمة المحقّق الشيخ محمد علي بن محمد طاهر الخياباني التبريزي المشهور بالمدرس (1296ـ 1373هـ).

وبما انّ الشارح أحد أساتذتي الكبار و كان قدوة لي، و إرشاده معيناً لي على شقّ طريقي الحافل بالأشواك، فيسرني أن أكتب شيئاً عن سيرته وترجمته وما عاناه من الظروف الحالكة التي مرّت به، و زادت عليه انّه بقي مغمور الذكر، مجهول


1 . تذكرة الأعيان:251ـ 262.


( 398 )

القدر رغم تضلّعه وبراعته في أغلب العلوم الإسلامية.

ترجمة الشارح وسيرته الذاتية

ولد (قدس سره) في مدينة تبريز عام 1296هـ ، فقرأ الأدب الفارسي والعربي في مسقط رأسه على مشايخ عصره، فبلغ في الأدب العربي مقاماً شامخاً حيث درس المعلّقات السبع والمقامات الحريرية وغيرها من كتب الأدب، و من فرط شغفه بها انّه راح يحفظ عن ظهر قلب كلّ ما وقع عليه بصره، من المتون ، كتهذيب المنطق، وألفية بن مالك وغيرهما.

وفي ظل اختماره بالأدب العربي ألّف كتاب «غاية المنى في تحقيق الكنى» فقد جمع في ذلك الكنى الرائجة في لغة العرب المستعملة في غير الإنسان.

كما قام بجمع ما آثر من الأشعار عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وجمعها في 12 باباً على عدد الأئمة الاثني عشر، فشرح لغاتها المشكلة.

والحق انّه كان أُستاذاً بارعاً في الأدب العربي بالمعنى الرائج في ذلك الزمان، ولم يكتف بذلك بل انّه راح يتردد على إندية دروس الفقه والأُصول لمراجع عصره وفطاحل دهره، أمثال:

1. المرجع الديني الفقيه السيد أبو الحسن المعروف بالأنگجي(1282ـ 1357هـ).

2. المرجع الديني المحقّق الآغا ميرزا صادق التبريزي(1274ـ 1351هـ).

فقد طوى عليهما من عمره الشريف أعواماً لا يستهان بها فألف في مجال


( 399 )

الفقه طيلة تتلمذه على العلمين الجليلين كتاب «حياض الزلائل في رياض المسائل» تعليقة على الشرح الكبير المعروف بـ«رياض المسائل»، ألفه عام 1324 وقد ناهز من العمر 28 عاماً .

إنّ شيخنا الأُستاذ مع أنّه كان فقيهاً أُصولياً ولكن شغفه بتعلّم ما راج من العلوم دفع به إلى الحضور في دروس المعقول والكلام على يد الشيخ ميرزا علي اللنكراني الذي كان من تلاميذ الفيلسوف الكبير المعروف بـ«جلوة»، كما برع في الرياضيات والهيئة على يد الأُستاذ ميرزا علي المعروف بـ«المنجم» وقد بلغ ولعه بالعلوم الإسلامية بمكان انّه قام بمفرده بكتابة دائرة معارف أسماها «قاموس المعارف» و سيوافيك شرحها.

كلمات العلماء في حقّه

1. يعرّفه معاصره المؤرّخ الحاج ميرزا علي الواعظالخياباني بقوله:

عالم، محقق، نحرير، وفاضل مضطلع خبير، حبر أديب أعلم، وبحر زاخر عيلم، جامع فنون الفضائل والكمالات، حائز قصب السبق في مضامير السعادات، عالم، بارع، جامع، ما من علم من العلوم إلاّقد حلّ في أعماقه، وما من فن من الفنون إلاّوقد شرب من عذبه وزعافه، كانت له في اقتناء العلم والأدب همة تزاحم الأفلاك وتزاعم بعلوّقدرها الأملاك.(1)

2. ويعرّفه أيضاً سيدنا الجليل السيد محمد الحجة في إجازته له بقوله: لقد استجاز منّي في الرواية ونقل أحاديث أهل بيت العصمة العالم العامل، والفاضل


1 . العلماء المعاصرون:405.


( 400 )

الكامل أبو الفواضل والفضائل، قرة عين الفضل والكمال، وقرة جبين العلم والإفضال، صاحب المقامات العلمية والعملية وحاوي المكارم الصورية والمعنوية.(1)

3. كما يعرّفه العلاّمة الحجة السيد هبة الدين الشهرستاني بقوله: شيخنا الأجل الأفضل انموذج عصابتنا البحّاثة في العصر الأوّل، حضرة العالم الفاضل والمحدث المحقّق الكامل، صفوة المؤلفين الأماثل، وليّنا الصفي الروحاني، المولى محمد علي التبريزي الخياباني(حياه اللّه وحباه بنيل الرغائب والأماني).(2)

مشايخ روايته

لقد استجاز(قدس سره) من مشايخ عصره فأجازوا له الرواية بأسانيدهم المذكورة في إجازاتهم، منهم:

1. العلاّمة الحجّة السيد محمد الحجّة الكوهكمري (1301ـ 1372هـ) فقد أجازه وصرّح بكونه ممّن ارتقى من حضيرة التقليد إلى أوج الاجتهاد.

2. السيد السند آية اللّه السيد صدر الدين الموسوي العاملي (1299ـ1373هـ)، فقد أجازه أن يروي عنه كما صرح في اجتهاده.

3. المرجع الديني السيد محسن الحكيم (1306ـ 1389هـ) فقد أجاز له أن يروى عنه كلّما صحت روايته عنه.

4. الشيخ والمصلح الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294ـ 1373هـ) فقد أجازه أن يروي عنه.


1 . ريحانة الأدب: مقدمة الجزء الثامن.

2 . المصدر نفسه.


( 401 )

5. العلاّمة الحجّة الشيخ عبد الحسين الرشتي.

إلى غير ذلك من مشايخ إجازته الذين أجازوا للمؤلف وأطروه و قدروا جهوده و ثمّنوا كتبه.

وقد طبعت صور الإجازات في مقدمة الجزء الثامن من كتابه ريحانة الأدب.

آثاره العلمية

لقد كان شيخنا الفقيد يضنُّ بوقته الثمين منذ أوان شبابه إلى أن وافته المنيّة. فلم يكن يهتم إلاّ بالتدريس والمطالعة والكتابة، وقلما تجده يغادر داره إلاّ لحاجات ضرورية، وبلغ به الأمر انّه كان يعقد أندية دروسه في داره، ولأجل ذلك خلَّف آثاراً جليلة في مختلف العلوم، وكان بعض تآليفه بمفرده يستوعب عمر كاتب، وإليك الإشارة إلى تلك الآثار وفقاً لتسلسلها الزمني:

1. «حياض الزلائل في رياض المسائل» تعليقة على قسم الطهارة من رياض المسائل، الذي كان كتاباً دراسياً في أكثر الجامعات الإسلامية نظراً لعمقه ودقته. وهو مشحون بالأمر بالتأمّل في أكثر مسائله، وقد فرغ شيخنا الأُستاذ من تعليقته عام 1324 هـ، و يقع في 428 صفحة من القطع الوزيري، و هو بعدُ لم ير النور.

2. «غاية المنى في تحقيق الكنى» والكتاب لبيان الكنى العربية المستعملة في غير الإنسان، فرغ منه عام 1331هـ.

3. «قاموس المعارف» وهو بيت القصيد في تآليفه، ويعد دائرة معارف باللغة الفارسية يحتوي على 45000 عنوان دارجاً في اللغة الفارسية سواء أكان


( 402 )

أصيلاً أم دخيلاً ، فقد قام بشرح ما يرجع إلى الكلام والفلسفة، والملل والنحل،والنجوم، والرياضيات،والعروض، والتاريخ، والأدب وغير ذلك، و فرغ منه عام 1345هـ.

وقد سمعت منه (قدس سره) انّه استغرق تأليفه 17 عاماًو اشتملت مقدمتُه على قواعد اللغة الفارسية، وهي جديرة بطبعها على حدة، والكتاب يقع في ستة مجلدات ضخام، يبلغ عدد صفحاتها 4007 صفحات. والكتاب لم ير النور عسى أن يقيِّض اللّه له الهمم العالية لنشره وتحقيقه.

وهو (قدس سره) يصف الظروف الصعبة التي قام بتأليف هذا الكتاب فيها بقوله:

«وشرعت بعد الاستمداد من العناية الإلهية في تأليف كتاب «قاموسالمعارف» الذي يحكي لفظه عن معناه واسمه عن مسمّاه حتى انتهت أيّام حياتي إلى سنة ست وثلاثين من هجرة سيد البشر(1336هـ) التي وقائعها انموذج من وقائع المحشر، فابتليت بحوادث جمَّة وفجائع عمة، واختلت الأحوال بحيث صار الفؤاد في غشاء من نبال، وذلك لتلاطم أمواج الفتن، وتراكم سحائب المحن في كافة بلاد إيران ولا سيما اذربايجان و خصوصاً الأهل والاخوان، فلقد جرّد الدهر عليهم سيف العدوان، فطرحت الأوراق في زوايا الهجران متلهفاً على فراق الأحبة، ومتأسفاً على مفارقة الأعزّة.

مضافاً إلى القحط الشديد والغلاء الأكيد مع شيوع مرض الحصبة فهلك جمع كثير وجم غفير بين الوباء والجوع، فبقيت على تلك الحال غريقاً في لجج الملال، بحيث لا أعرف اليمين من اليسار، ولا الليل من النهار.

ثمّ يذكر انّه عاد إليه شغفه وشوقه بالدراسة والكتابة، فرجع إلى ما جمع


( 403 )

وأكمل الكتاب بفضل من اللّه سبحانه.(1)

ويشير شيخنا الأُستاذ إلى الظروف الصعبة التي مرّ بها، وتتلخص في النقاط التالية:

أ. نشوب الحرب العالمية الأُولى وتطاير شررها من الغرب إلى الشرق حتى وصلت إيران، فأصبحت ميداناً تجول فيه القوات الغازية كالقوات العثمانية والتزارية والانكليزية في ظروف مختلفة.

ب. تفشّي الوباء والجوع في المنطقة.

ج. نشوب الفتن والحروب الداخلية بين مؤيدي ثورة الدستور ومخالفيهم، وكان لاذربايجان السهم الأوفر من هذه الفتن والمحن حيث دارت الحروب الأهلية في مدينة تبريز شهوراً بل أعواماً على قدم وساق.

ففي خضمِّ هذه الأوضاع الصعبة للغاية قام المؤلف بتأليف «قاموسالمعارف» بعد نكسة ألمّت به إبّان تأليفه، مما ينم عن شغفه بالعلم، وتفانيه في التأليف.

4.«فرهنگ نوبهار» معجم باللغة الفارسية يحتوي على 19 ألف كلمة، طبع عام 1348هـ في تبريز في جزءين.

5. «فرهنگ بهارستان» جمع فيه الكلمات المترادفة في اللغة الفارسية على غرار «سرّ الأدب» للثعالبي في اللغة العربية، فرغ منه عام 1348هـ.

6. «الدر الثمين أو ديوان المعصومين» جمع فيه الأشعار المنسوبة إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وبيّـن لغاتها وأوضح معانيها، والكتاب بديع في بابه وهو ينمّ عن


1 . ترجمة المؤلف في آخر التحفة المهدوية بقلمه: 114.


( 404 )

تضلّعه بالأدب العربي، و قد طبع الجزء الثاني منه تحت عنوان «التحفة المهدوية» عام 1354هـ دون الجزء الأوّل.وقد قامت مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في قم المقدسة بتحقيق الكتاب ونشره ، عام 1426هـ.ق/1383هـ.ش.

7. «نثر اللآلي في شرح نظم اللآلي» والمتن للسيد أبي القاسم المقرئ المعروف في عهد شاه عباس الثاني، فرغ من تأليفه 1363هـ و قد طبع على الحجر بخط الكاتب طاهر خوشنويس، و قد قرأت المتن على يد شيخنا الأُستاذ و كان يبيّض في ذلك الحين شرحه.

8. «فرهنگ نگارستان» معجم كبير باللغة الفارسية في 5 مجلدات كبار من القطع الوزيري يحتوي على 55 ألف لغة بين مفرد و مركب، و قد بلغ عدد صفحاته 3315 صفحة، فرغ منه عام 1359هـ، والكتاب نفيس في بابه لم ير النور.

9.« الأمثال والحكم» الدارجة في اللغة التركية الآذرية، يقع في 307 صفحات أورد فيه الأمثال والحكم الشائعة بين الآذريين جمعها من الكتب وأفواه الرجال.

10. «ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية أو اللقب»، و الكتاب يحتوي على تراجم العلماء والفقهاء والفلاسفة والحكماء، والعرفاء والأطباء والشعراء والأُدباء والمحدثين وأصحاب أئمّة أهل البيت الذين اشتهروا بالكنية أو اللقب، والكتاب باللغة الفارسية فريد في بابه، طبع عدة مرات .

وهو من أهم المصادر في التراجم اعتمد عليه ـ منذ نشر ـ العديد من المحقّقين والكتاّب، يقع في ثمانية أجزاء من القطع الوزيري، فرغ من تأليفه عام 1364هـ، و مع ذلك فكان يملأ ما تخلله من نقص بإضافات هامة.

والناظر في الكتاب يقف على مدى ما كابد و عانى في سبيل تأليف هذا


( 405 )

الكتاب وجمع شوارده، وقد ضمَّ إلى ترجمته ما وقف على صور المترجمين وخطوطهم وقدكان هذا النوع من التأليف جديداً في بابه يوم ذاك، و كان يتمثل في التعريف بهذا الكتاب بقول القائل:

وقد اهديت ريحاناً ظريفاً *** به حاجيت مستمعي مقالي

وريحان النبات يعيش يوماً *** وليس يموت ريحان المقال

11. «كفاية المحصلين في تبصرة أحكام الدين» وهو شرح مزجي لتبصرة العلاّمة الحلّي في جزءين فرغ من تأليفه عام 1349هـ.

وهو (قدس سره) يبيّن ملامح شرحه لهذا الكتاب، ويقول:

إنّي رأيت كتاب «تبصرة المتعلمين في أحكام الدين» للعالم البارع، والنور الساطع، حافظ ناموس الهداية، و كاسر ناقوس الغواية، مكسّر شوكة المخالفين جمال الملة والدين آية اللّه في العالمين، العلاّمة على الإطلاق المشتهر في الآفاق أبي منصور حسن بن الشيخ صدر الدين يوسف بن علي بن مطهر الحلي (قدس سره) مع إيجازه محتوياً على رؤوس الأحكام الدينية وأُمّهاتها، مع اختصاره مشتملاً على جلّ الفروعات الفقهيّة ومهمّاتها،ولم يكن له شرح يكشف الحجاب عن معضلاته،ويرفع النقاب عن مشكلاته، فحداني ذلك إلى كتابة وجيزة فاتحة لمغلقه، ومقيّدة لمطلقه. فاستعنت اللّه وتوكلت عليه، و أضفت هذه الفوائد إليه، مراعياً فيه شريطة الاختصار، ومتجافياً عن وصمة الإطالة والإكثار، فإنّ الإيجاز قد يُخلّ، والإطناب قد يُملّ، ولم أعتمد في الأغلب إلاّعلى تنقيح مقاصده ومبانيه، وتوضيح ألفاظه ومعانيه، فانّ التفسير غيرالرد،والتقرير غير النقد.(1)


1 . مقدمة كفاية المحصلين في تبصرة أحكام الدين.


( 406 )

وقد طبع الجزء الأوّل منه عام 1354هـ بالطبعة الحجرية، ومنذ ذاك الحين تداولته الأيدي بالمطالعة والدراسة، وبقي الجزء الثاني مغموراً، محفوظاً في مكتبته (قدس سره) كسائر آثاره التي لم تر النور.

ولما كان لهذا الكتاب عناية خاصة بتبيين مقاصد الماتن على وجه يزيل كلّ إبهام و غموض، وذلك بجعل الشرح ممزوجاً في المتن كأنّهما صدرا من كاتب واحد، طلب غير واحد من أساتذة الجامعات الإسلامية من نجله الفاضل الأُستاذ علي أصغر مدرس طبع الجزءين بصورة تتلاءم مع روح العصر. وقد أوكل ـ حفظه اللّه ـ هذه المهمة إليّ فبعث بالكتاب مع الجزء المخطوط، وبقي عندي إلى أن اقترحت على زميلنا العزيز الدكتور مهدي محقق أُستاذ جامعة طهران، ورئيس قسم صيانة الآثار الوطنية، أن يقوم بنشر هذا الكتاب لما للمؤلف من حقوق على العلم وأهله عامة، وعليه خاصة. وقد استجاب لطلبي مشكوراً على أن يطبع الكتاب تحت إشرافي بحلة قشيبة.

فقامت لجنة التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) بتحقيق الكتاب وتشكيل ما أُبهم من الكلم، و فصل المتون عن الشرح بأقواس خاصة مع تخريج مصادره، وجعل عناوين في الكتاب للمسائل الهامة إلى غير ذلك من المهام الرائجة في تحقيق الآثار الخطية.

ومؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) تقدم باقة الزهور هذه لروّاد الفقه في الجامعة الإسلامية على أمل أن تعطِّر مشامّهم برياحينها شاكرة للأُستاذ الدكتور مهدي محقق مساهمته في سبيل نشر الكتاب على وجه لولاه لبقي الكتاب رهين الرفوف كسائر آثار المؤلف المخطوطة.


( 407 )

ملامح من سيرته

كان لشيخنا الفقيد ملامح خاصة في حياته، تعد من أبرز سمات خُلقه وسلوكه، ونحن نشير إلى ما لمسناه منه طيلة مصاحبتنا وتتلمذنا عليه.

1. كان (قدس سره) مولعاً بالعلم، مشغوفاً بالمطالعة والكتابة، وكان يثمِّن وقته ولا يضيعه ولا يصرفه إلاّ فيما هو ضروري، وقد لازمته عدة سنين فما رأيته إلاّ بين مطالع وكاتب وحافظ للمتون والأسفار، أو محاضر يلقي محاضراته على تلامذته، ويكفي في شغفه بالعلم انّه إذا وقف على نكتة علمية أو كشف مجهولاً يلتذُّ به أكثر مما يلتذّ به الملوك عند فتح البلدان والاستحواذ على كنوزها، وكان لسان حاله في تلك اللحظات السعيدة، قول القائل: أين الملوك وأبناء الملوك.

2. شارك (قدس سره) في أكثر العلوم الرائجة المتداولة في ذلك الزمان فكان متضلِّعاً في بعضها ومشاركاً في البعض الآخر، فهو في الأدب العربيّ أديب ماهر، و في الفقه فقيه بارع، وفي الرياضيات والنجوم أُستاذ محنَّك، وفي التاريخ أُستاذ بلا منازع ، وفي الأدب الفارسي ذا باع طويل قلّما يدانيه أحد.

إلى غير ذلك من العلوم والفنون التي حازها وحفظ نكاتها واستجلى غوامضها، فكنت أتعجب من إحاطته بشوارد العلوم وغوامضها.

ومن الجميل أن نتمثل في حقه بقول شاعر المعرّة حينما زار بغداد و عاد إلى موطنه وسُئل عن الشريف المرتضى بعد عودته فقال:

يا سائلي عنه فيمـا جئت تسألـه *** ألا هو الرجـل العاري مـنالعـار

لو جئته لرأيت النـاس في رجـل *** والدهر في ساعة والأرض في دار


( 408 )

3. غادر المترجَم (قدس سره) موطنه عام 1364هـ ونزل العاصمة «طهران» وسكن في إحدى المدارس القديمة بغية طبع كتابه «ريحانة الأدب» ، وقد قارب عمره السبعين فكان لا يعرف الغربة ولا العزلة ولا الحرمان من الطعام والشراب ولامفارقة الأهل والعيال، وقد تحمل العناء المُضني في سبيل نشر كتابه وقام بمفرده بتقديم ملازم الكتاب إلى المطبعة وتصحيح أخطائه مرة بعد أُخرى، وتنظيمه وترتيبه إلى أن خرج آخر جزء منه من المطبعة، وقد استغرق من عمره سنين.

وفي الوقت نفسه كان يلقي محاضرات لطلاب المدرسة كي يستحلّ بذلك السكن فيها.

وقلّما نجد إنساناً طاعناً في السن يترك الأهل والعيال ويغادر موطنه ويعيش غريباً وحيداً في زاوية من زوايا المدرسة لغاية علميّة إلاّ الأمثل فالأمثل من الرجال الذين لهم همم عالية تسمو على هذه العلائق والرغبات،وتُقدم الأُمنية على الراحة، وكان شيخنا الأُستاذ من أبرز هؤلاء.

4.كان (رحمه الله) مثالاً بارزاً لإباء النفس، وإظهار الغنى ، و كان ذلك سبباً لقضاء معظم حياته بالفقر من دون أن يطّلع عليه أحد من جيرانه ولا أقربائه.

وكان يتموّل بما يرجع إليه الناس في تحرير ما يحتاجون إليه في مجال الزواج والنكاح والأقارير والوصايا إلى غير ذلك ممّا كان دارجاً في عصره، وكان المرجع في ذلك عالم البلد من دون أن يكون هناك مؤسسة خاصة تتبنّى هذه الأعمال.

ولم يكن يستفد من ذلك إلاّ الشيء القليل الذي يسدُّ به رمقه وحياته، لأنّه كان يرى ذلك سبباً لتضييع الوقت.

5. انّه تمتَّع بذهنية منفتحة، وكان يرحِّب بالوسائل والأساليب الجديدة في عالم التعليم والتربية أو سائر مظاهر الحياة، إذا لم يكن مخالفاً للدين، ويرى الرغبة


( 409 )

عنها جهلاً بالمصالح، وقد لاقى في ذلك (قدس سره) من المحن والكوارث ما لا يروقني ذكرها.

6. كان (قدس سره) يتمتع بذاكرة وقّادة لا ينسى ما حفظ ، ولأجل ذلك يقرأ عن ظهر قلب كلّ ما حفظه أوان شبابه وكهولته وشيخوخته من دون أن ينسى كلمة أو يقرأ آية أو شعراً خطأ، و بذلك كنّا نسمع منه غرائب الأمثال وعجائب الحكايات و بدائع الأشعار في جميع الأبواب.

7. بما انّ شخصيته كانت ذائبة في العلم والعرفان والكتابة والتدريس فكانت سائر الأُمور عنده أمراً هامشياً، لذلك كان زاهداً في لباسه ومسكنه ومأكله فلا يظهر الرغبة في شيء من زخارف الدنيا إلاّإذا كان سبباً لنيل بغيته.

ومن عجيب الأمر انّ المترجم عاش في بيئة زخرت بالعلم والعلماء ومراجع التقليد، وعلى الرغم من ذلك فقد شاءت الأقدار أن يغمر ذكر العديد منهم ويجهل قدرهم دون أن يعلم بهم الناس، أمثال:

أ: العلاّمة الأوحد الشيخ موسى بن جعفر بن أحمد التبريزي من تلاميذ شيخنا الأنصاري والمرجع الكبير السيد حسين الكوهكمري مؤلف «أوثق الوسائل في شرح الرسائل» فقد كان بحراً عيلماً في الفقه والأُصول، ومع ذلك كان مغمور الذكر إلاّ شيئاً لا يذكر .

ب: السيد الجليل ميرزا محمود بن شيخ الإسلام ميرزا علي أصغر الطباطبائي (المتوفّى 1310هـ) أحد الأوحديين في الأدب والتفسير والفقه، المعروف بشيخ الإسلام، وقد رأيت له كتاباً في اللغة على غرار «النهاية» لابن الأثير في جزءين كبيرين قدّمه أحد أحفاده إلى السيد الجليل السيد حسين البروجردي(قدس سره) ليقوم بطبعه، ولكن حالت الأقدار بينه و بين ما يرمي إليه،


( 410 )

وكان(رحمه الله)كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات:

تبريز دار لأهل الجهل مُكْرِمة *** ولذي الفضائل دار الضنك والضيق

قد عشت فيها كئيباً خائباً خسراً *** كأنّني مصحف في بيت زنديق(1)

ج: الشيخ العلاّمة علي بن عبد اللّه العلياري(1236ـ 1327هـ) أحد تلاميذ شيخنا الأنصاري كان فقيهاً، أُصولياً، متكلماً، رياضياً، طبيباً، ماهراً جامعاً للمعقول والمنقول مؤلف «إيضاح الغوامض في تقسيم الفرائض»الذي طبع عام 1318هـ.

وكتابه الكبير في الرجال، أعني: «بهجة الآمال في شرح زبدة المقال» يعرب عن تضلّعه في علم الرجال إلى غير ذلك من الآثار التي خلّفها.والمذكورة في مقدمة كتابه «بهجة الآمال».

وهو (قدس سره) يصف موطنه وما لاقى فيه من المصائب والمتاعب، بقوله:

فسكنت في أقصاه حتى لا أرى *** أحداً ولا أحد لذا يلقاني

ضاقت عليّ الأرض بعد رحبها *** فغدت كسَمّ الابرة أوطاني

والمصرع الأخير يعرب عن أنّ البلد مع سعته قد ضاق عليه كسَمِّ الابرة.

د: الفقيه البارع الشيخ محمد إسماعيل المعروف بـ«الفقيه» صاحب الآثار الجليلة في الفقه والهيئة والنجوم(1294ـ 1360هـ) كان أحد أقطاب العلم في تبريز و على الرغم من ذلك فقد جُهل قدره كسائر أقرانه.


1 . ريحانة الأدب:3/297.


( 411 )

والعجب انّه أيضاً كتب شرحاً للتبصرة أسماه «التكملة في شرح التبصرة» وقال في مقدمته: «ولم يكن له شرح يكشف حجابه» (1) و قد ذكر تلك الجملة شيخنا المدرس في مقدمة شرحه مما يعرب عن عدم اطّلاعه على ما كتبه الآخر من الشرح بالرغم من معاصرته له و إقامتهما في نفس البلدة، و قد طبع الجزء الأوّل من شرح الفقيه عام 1338هـ.

إلى غير ذلك من علماء فطاحل أهملهم الناس، ولكنّهم على مضض الزمان كانوا بين التأليف والتدريس والتحقيق ولم يكن بخس الناس حقّهم مانعاً عن أداء الواجب ودفعهم عجلة العلم نحو الأمام.

هذا نزر يسير من أسماء هذه الطبقة الذين جاد بهم الزمان وأنكرت العامة فضلهم وحقوقهم، فعاشوا في زوايا الخمول دون أن يقدّر جهودهم ولعلّها سيرة سائدة في أكثر البلاد، ولذلك نرى أنّ أكثر العلماء يشتكون في كتبهم من مواطنهم و مواطينهم، ونعم ما قال الشاعر:

لو كان للمرء من عزّومكرمة *** في داره لم يهاجر سيد الرسـل

أُسرته

لقد أعقب شيخنا المدرس ولدين بارّين كالكوكبين في سماء العلم والأخلاق، أحدهما صديقنا الأُستاذ علي أصغر (1331ـ ...) أحد خريجي جامعة طهران قسم الحقوق والعلوم السياسية وله آثار، منها:

1. الأحوال الاجتماعية للعرب قبل الإسلام.


1 . التكملة الصفحة الأُولى.


( 412 )

2. تاريخ القضاء في إيران من العهد القديم إلى عهد الدولة القاجارية.

3. تاريخ اليابان.

4. التعاليم الإسلامية.

5. الحق والقانون.

وهو بعدُ كاتب قدير ومحاضر يجذب القلوب، وله في الأدب العربي يد غير قصيرة، وقد سألته مرّة عند ما زار قم المشرفة في الحرم الشريف عن شعر الزمخشري، فقلت: ماذا يعني صاحب الكشاف من هذا البيت.

ومذ أفلح الجهال أيقنت انّني *** أنا الميم والأيام أفلح أعلم(1)

فقال ما هذا مثاله:

إنّ الزمخشري يشتكي زمانه، و يقول: فمن زمن بعيد تصدّر الجهّال منصَّة الأُمور، أيقنت انّ مثلي والأيام كمثل الميم والأفلح والأعلم.

والأفلح من شُقَّت شفته العليا، والأعلم من شُقَّت شفته السفلى، فمن كان كذلك فلا يتمكن من التفوّه بالميم لأنّها من الحروف الشفوية، فبينهما مضادة، فهكذا الحال بيني و بين الأيام.

والأُستاذ بعد حي يُرزق مدّاللّه في عمره.

والنجل الآخر الحاج محمد الشاعر البارع باللغتين الفارسية والتركية.

ومن نماذج شعره ما رثى به والده (قدس سره) .


1 . الكشاف:3/376.


( 413 )

سحرگاه تيرى پريد از كمانى *** تنى زو تبه شد، رها گشت جانى

تنى تا نگردد تبه، طاير جان *** كجا مى تواند شدن آسمانى

به فصل بهاران كه ديده است يا رب؟ *** وزد در چمن زار، باد خزانى

اگر چند او رفت و از درد وارست *** رها شد ز شور و شر دار فانى

ولكن ز بار غم هجر رويش *** دو تا شد خدنگ قدم چون كمانى

گلى بود بشكفت و روزى بيفسرد *** و يا بين اين جمع بُد ميهمانى

بهر حال هر آنچه بُد، رفت وليكن *** بدل ماند اين حسرتم جاودانى

كه در طىّ دوران عمرش نكردم *** بدان سان كه باشد ره ميزبانى

از ين حسرت افسرده بودم كه ناگه *** به گوشم چنين گفت هاتف نهانى

«مدرس نمرده است هرگز» نميرد *** «كه ماندست آثار وى جاودانى»(1)


1 . ريحانة الأدب:8/14ـ15.


( 414 )

هكذا كانت أيّام شيخنا المدرس و هكذا مضت وهكذا طُويت أوراق عمره فقد عاش سعيداً ومات سعيداً، وقد اختطفته المنية عام 1373هـ، و دفن في أحد مقابر تبريز ثمّ نُقل إلى قم المشرفة فدفن في مقبرة «شيخان» و قد حك على صخرة قبره، هاتان البيتان:

إنّ الذي صنع الجميل مخلّد *** لا سيما في العلم والعرفان

وإذا انقضت أيّام مدّة عمره *** فجميل صنع المرء عمر ثان

فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

15 ربيع الثاني من شهور عام 1421هـ


( 415 )

11

المحدّث الكليني (بعد 250 ـ 329 هـ)

وأثره الخالد

محمد بن يعقوب بن إسحاق، ثقة الإسلام وشيخ المحدّثين أبو جعفر الكليني الرازي، البغدادي، صاحب كتاب «الكافي» أحد الكتب الأربعة عند الشيعة الإمامية.

ولد بعد منتصف القرن الثالث، أي بعد عام 250هـ، وتوفّي عام 329هـ.

أُسرته

إنّ للأُسرة الّتي يترعرع فيها الإنسان تأثيراً في تكوين شخصيته ونمو سجاياه، ورسم مؤهّلاته، وقد ولد الشيخ الكليني في أُسرة علمية عريقة، وتربّى في أحضان فاضلة شريفة.

فوالده هو أحد علماء الري وقد انتقل إلى موطنه(كُلين) وبقي فيها إلى أن تُوفّي، وقبره هناك معروف يُزار.

وأخوه إسحاق بن يعقوب


( 416 )

أحد من يروي عنه الكليني على ما في غيبة الشيخ الطوسي باسناده عن محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أُشكلت عليّ، فوقع التوقيع بخط مولانا صاحب الدار(عليه السلام):«أمّا ما سألت عنه ـ أرشدك اللّه تعالى وثبّتك ـ من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا...» وجاء في آخره: «والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب، وعلى من اتّبع الهدى».(1)

وأمّا أُمّه فهي أيضاً من بيت عريق في العلم والحديث، وكانت عالمة فاضلة، تربّت في هذا البيت الّذي أنجب العديد من المحدّثين والعلماء.

فوالدها هو الشيخ محمد بن إبراهيم بن أبان، الذي وصفه الشيخ الطوسي بقوله: محمد بن إبراهيم المعروف بعلاّن الكليني، خيّر.(2)

وعمّها هو الشيخ أحمد بن إبراهيم بن أبان، الذي يعرّفه الشيخ الطوسي بقوله: أحمد بن إبراهيم المعروف بعلاّن الكليني، خيّر، فاضل، من أهل الري.(3)

وأخوها، هو الشيخ علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني، يعرّفه النجاشي بقوله: علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف بعلاّن، يكنّى أبا الحسن، ثقة، عين، له كتاب أخبار القائم(عليه السلام).(4)

وممّا ذكرنا يظهر أنّ «علاّن» لقب للعائلة، حيث إنّ الجد والأب والخال يطلق عليهم علاّن، وخال الكليني هذا من مشايخه.

ويظهر من العلاّمة المامقاني أنّ ابن الخال محمد بن علي وحفيده القاسم بن


1 . الغيبة للشيخ:176.

2 . رجال الطوسي:496، باب من لم يرو عنهم(عليهم السلام)، باب الميم برقم 29.

3 . رجال الطوسي:438، باب من لم يرو عنهم(عليهم السلام)، باب الألف برقم 1.

4 . رجال النجاشي:2/88 رقم 680.


( 417 )

محمد، كانا من علماء عصرهما.(1)

وهذا يدلّ على أن ّ العلم قد ضرب بجرانه في هذه الأُسرة قبل الكليني وبعده، وأنّه نشأ بين ظهرانيهم وتألّق نجمه عندهم، فصار من أكابر المحدّثين وأعظم المجتهدين في عصره على وجه أطلق لسان كلّ موافق ومخالف للثناء عليه وإطرائه.

الظروف الّتي نشأ فيها

إنّ البيئة الّتي عاش فيها الكليني كان يغلب عليها التشيّع، فقد كانت الري وقم من معاقل الشيعة ومراكز تجمّعهم.

ولكنّ الأفكار السائدة في العالم الإسلامي آنذاك، كانت تميل إلى التجسيم والتشبيه وإثبات الجهة للّه سبحانه والقول بالجبر والقدر إلى غير ذلك ممّا طفحت به كتب المحدّثين في ذلك العصر، وذلك بعد أن مات المأمون والمعتصم اللّذان كانا يؤيدان التيّار العقلي ويحاربان تيّار المحدثين الذين طغى عليهم الجمود، ولمّا جاء المتوكّل ومن خلفه انقلبت سياسة البيت العباسي إلى تقريب أهل الحديث المتشدّدين وإقصاء أهل العقل والكلام، وبهذا راجت الروايات المدسوسة من قبل مسلمة أهل الكتاب كما ظهرت طوائف وفرق مختلفة.

فمن محدّث يحمل لواء التشبيه والتجسيم، ويضم في جرابه كلّ غث وسمين لا يبالي عمّن أخذ وما أخذ.

إلى خارجي يكفّر جميع طوائف المسلمين بملء فمه، ويحب الشيخين ويبغض الصهرين.


1 . تنقيح المقال:2/302 برقم 8446.


( 418 )

إلى دُخلاء في الإسلام يتظاهرون به صوناً لدمائهم ويوجهون سهام غدرهم إلى ظهور المسلمين.

إلى غير ذلك من الطوائف والأفكار المنحرفة الّتي نشأت بعد إقصاء العقل والعقليين.

ويكفيك أنّ محمد بن أبي إسحاق بن خزيمة (المتوفّى 311هـ)، كان من ثمرات ذلك العصر، وقد ألّف كتاباً أسماه:«التوحيد في إثبات صفات رب العالمين» و هو في الحقيقة كتاب شرك، وقد قال عنه الرازي: إنّه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(1)

وليس ابن خزيمة هو الوحيد في نشر التجسيم والتشبيه، فقد سبقه في ذلك خشيش بن أصرم (المتوفّى 525هـ) مصنّف كتاب «الاستقامة» والّذي عرّفه الذهبي بأنّه يردّ فيه على أهل البدع.(2)

ويريد الذهبي بـ«أهل البدع» أهل التنزيه الذين لا يُثبتون للّه سبحانه خصائص الموجود الإمكاني وينزّهونه عن الجسم والجسمانية.

ولحقه أحمد بن محمد السجستاني السجزي، وقد اعتمد عليه الذهبي قائلاً: بلغني أن ابن خزيمة حسن الرأي فيه، وكفى بهذا فخراً.(3)

وكان لتلك الأفكار انتشار وصدى في الحواضر الإسلامية، ولأجل نقد هذه المسائل عقد شيخنا الكليني في أُصول الكافي أبواباً وفصولاً عديدة لردّها وإبطالها.(4)


1 . مفاتيح الغيب:27/150.

2 . تذكرة الحفاظ:2/551; سير أعلام النبلاء:2/250.

3 . ميزان الاعتدال:1/132.

4 . انظر: الكافي(كتاب التوحيد):1/137ـ 205.


( 419 )

وكان أبو الحسن الأشعري (المعاصر للكليني) في أوّل أمره معتزلياً رافعاً لواء العقل والتفكير، إلاّ أنّه رجع في عام 305هـ عن ذلك المنهج والتحق بمنهج الإمام أحمد منادياً بأعلى صوته في الجامع الكبير في البصرة: مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا أُعرّفه بنفسي، أنا فلان بن فلان كنت قلتُ بخلق القرآن، وإنّ اللّه لا يُرى بالأبصار، وإنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للردّ على المعتزلة.(1)

وهذا يشير إلى أنّ الجو العام في ذلك العصر لم يكن لصالح الداعين إلى التحرّر من الجمود والتقليد، وإعمال الفكر والنظر.

ثقافته الواسعة

لم يكن الشيخ الكليني متمكّناً من فنّ الحديث فحسب، بل كان مع براعته فيه، ملمّاً بثقافة عصره، مشاركاً أو متخصصاً في أكثر من فرع من فروعها، يظهر ذلك ممّا جاد به قلمه في كتبه العديدة.

فأدبه الراقي تبدو ملامحه من خلال مقدّمة «الكافي» وكذا من ثنايا هذا الكتاب، كقوله:الحمد للّه المحمود لنعمته، المعبود لقدرته، المطاع في سلطانه، المرهوب لجلاله، المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في جميع خلقه، علا فاستعلى، ودنا فتعالى، وارتفع فوق كلّ منظر، الّذي لا بدء لأوّليته، ولا غاية لأزليته.(2)

ومن ملامح أدبه ـ أيضاً ـ أنّه أفرد كتاباً فيما قيل في الأئمّة(عليهم السلام) من الشعر.

أمّا معرفته بالرجال فتبرز واضحة في «الكافي» حيث إنّ الأسانيد الّتي


1 . فهرست ابن النديم:271.

2 . الكافي:1/41.


( 420 )

يسوقها قبل الرواية تعرب عن اطّلاعه الواسع على المشايخ والتلاميذ وطبقاتهم، مضافاً إلى أنّ له كتاباً خاصاً في علم الرجال، ذكره مترجموه، إلاّ أنّه ـ للأسف ـ مفقود، ولو وصلنا هذا الكتاب لنفعنا كثيراً.

هذا ولم تقتصر معرفة الكليني بالأدب والرجال، وإنّما شملت علم الكلام أيضاً، حيث ذكر بعض آرائه الكلامية في ثنايا الأحاديث، خصوصاً في الجزء الأوّل.

أضف إلى ذلك أنّه ألف كتاباً في رد القرامطة أصحاب النحلة الفاسدة المنشقة من الإسماعيلية.

أثره الخالد

إنّ أهم أثر تركه شيخنا المحدث هو «الكافي» الّذي أمضى في تأليفه عشرين عاماً من عمره الشريف، ولذلك أصبح الكتاب من أوثق الكتب الحديثية، وقد وصفه الشيخ المفيد بأنّه من أجلّ كتب الشيعة وأكثرها فائدة.(1)

ويقول الشهيد في إجازته لابن الخازن: كتاب «الكافي» في الحديث الّذي لم يعمل الإمامية مثله.(2)

والمشهور أنّه يحتوي على 16199حديثاً، وهو يزيد على ما في الصحاح الستة من الأحاديث بعد حذف المكررات منها.

ثناء العلماء وأقوالهم فيه

قد سمعت كلمة المفيد والشهيد في حق شيخنا المترجم، وإليك كلمات


1 . تصحيح الاعتقاد:57.

2 . بحارالأنوار:25/76.


( 421 )

أُخرى لعلماء الفريقين ـ وسنقتصر على القليل بدل الكثير ـ:

1. يقول النجاشي: محمد بن يعقوب بن إسحاق، أبو جعفر الكليني، شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، صنّف الكتاب الكبير المعروف الّذي يسمّى «الكافي» في عشرين سنة.(1) ثمّ ذكر كتبه.

2. وقال الشيخ الطوسي: محمد بن يعقوب الكليني يكنّى أبا جعفر، جليل القدر، عالم بالأخبار، وله مصنّفات يشتمل عليها الكتاب المعروف بالكافي.(2)

3. وقال في الفهرست: محمد بن يعقوب الكليني، يكنّى أبا جعفر، ثقة، عارف بالأخبار، له كتب منها كتاب «الكافي» يشتمل على ثلاثين كتاباً.(3)

هذا بعض ما قاله علماء الشيعة في حقّه، وإليك بعض النصوص من علماء السنّة، وقد ذكروه بإجلال من دون أيّ غمز فيه.

4. ذكره مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير (544ـ 606هـ) في «جامع الأُصول» في تفسير ما رواه أبو هريرة عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«إنّ اللّه يبعث لهذه الأُمّة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها». وقال: أخرجه أبو داود.(4)

ثمّ ذكر أنّ العلماء تكلّموا في تأويل هذا الحديث كلّ واحد في زمانه، ثمّ قال: ونحن نذكر الآن المذاهب المشهورة في الإسلام التي عليها مدار المسلمين في


1 . رجال النجاشي:2/290، برقم 1027.

2 . رجال الطوسي:496، باب من لم يرو عن الأئمّة، باب الميم برق