welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء_ الجزء الثاني*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء_ الجزء الثاني

الصوم
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء

الثاني الأول

تأليف

العلامة الفقيه

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

سبحاني تبريزى، جعفر 1308 ـ ، اتقباس كننده.
الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، 1420 ق . = 1378 ـ .
ج.    (ج.1) ISBN: 964-6243-68-1
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
منبع اصلى كتاب حاضر عروة الوثقى نوشته محمد كاظم اليزدى است.
عربى.
كتابنامه.
ج. 2 (1421 ق. = 1379) 2) ISBN: 964-6243-94-0
20000 ريال: (ج. .
1. روزه. 2. روزه. ـ ـ فلسفه. الف. يزدى، محمد كاظم بن عبد العظيم، 1247؟ ـ 1338؟ ق. العروة الوثقى. ب. مؤسسه امام صادق ـ عليه السَّلام ـ . ج. عنوان.
9 ص 2 س / 1 / 188 BP    354 / 297
كتابخانه ـ ملّى ايران    12911 ـ 78 م
اسم الكتاب:    الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء ج / 2
المؤلف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   الأُولى
المطبعة:   اعتماد ـ قم
الجزء:   الثاني
التاريخ:   1421 هـ .ق
الكمية:   1500 نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ
الصفّ والإخراج باللاينوترون:   مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(3)

الصوم
في الشريعة الإسلامية الغرّاء


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّ وآله الطيّبين الطاهرين، عيبة علمه، ومستودع سرّه، وحفظة سُننه.

اما بعد:

فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا الموسوم «الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء» يبحث فيه عن شرائط وجوب الصوم، ومن رُخِّص له الافطار، وطرق ثبوت هلال رمضان، وأحكام قضاء الصوم وشروطه، وصوم الكفّارة وأقسامها، وأقسام الصوم: الواجب، المكروه، المندوب، والمحظور.

ثمّ يعقبه كتاب الاعتكاف ـ الّذي نال شهرة واسعة ـ وأحكامه.

فارجو من الله سبحانه أن يكون الكتاب مفيداً للطالب، ومنيراً له الدرب، ومصباحاً لبُغاة الفقه، وقد سرنا في هذا الكتاب على نهج كتاب «العُروة الوُثقى» لفقيه الطائفة السيد محمد كاظم الطباطبائي (قدس الله سرّه).

المؤلّف


(5)

الفصل العاشر
في شرائط وجوب الصوم

وهي أُمور: الأوّل والثاني: البلوغ والعقل فلا يجب على الصبيّ والمجنون، إلاّ أن يكملا قبل طلوع الفجر، دون ما إذا كملا بعده، فإنّه لا يجب عليهما وإن لم يأتيا بالمفطر، بل وإن نوى الصبيّ الصوم ندباً، لكن الأحوط مع عدم إتيان المفطر الإتمام والقضاء إذا كان الصوم واجباً معيّناً. ولا فرق في الجنون بين الإطباقيّ والأدواري إذا كان يحصل في النهار ولو في جزء منه، وأمّا لو كان دور جنونه في اللّيل بحيث يُفيق قبل الفجر فيجب عليه.*


* إنّ النسبة بين شرط الصحّة، والوجوب عموم و خصوص من وجه، فالبلوغ شرط الوجوب دون الصحّة، والإسلام شرط الصحّة دون الوجوب، والعقل شرط للصحّة والوجوب، ولذلك ذكر العقل في كلا الفصلين، إذا عرفت ذلك فاعلم انّ هنا فروعاً ستة:

الأوّل: حكم الصبي و المجنون.

الثاني: إذا بلغ أو أفاق قبل الفجر.

الثالث: إذا بلغ الصبي بعد الفجر وأفطر قبل البلوغ.

الرابع: تلك الصورة ولكنّه لم يفطر إلى أن بلغ.=


(6)

ــــــــــــــــــــــــ
= الخامس: تلك الصورة ولكنّه نوى الصوم ندباً.

السادس: لا فرق في الجنون بين الإطباقي والأدواري إذا كان في جزء من النهار دون ما إذا كان في جزء من الليل.

فلنتناول الجميع بالبحث.

أمّا الأوّل، فلا يجب الصوم على الصبي والمجنون، بالإجماع، و هو من ضروريات الفقه، مضافاً إلى قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، و عن النائم حتى يستيقظ».(1)

وأمّا الثاني، أعني: إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون قبل الفجر، فيجب الصوم عليهما، لكونهما بالغين عاقلين حين التكليف.

وأمّا الثالث: أي إذا بلغ بعد الفجر وقد أفطر قبل البلوغ، فلايجب عليه الصوم، لعدم التبعيض في الصوم; وأمّا وجوب الصوم على ذي العطاش، فليس هو من التبعيض في الصوم في شيء، بل هو من قبيل استثناء مفطر واحد على حد الضرورة طول اليوم مع لزوم الاجتناب عن سائر المفطرات، وسيوافيك تفصيله.

وأمّا الرابع: أي إذا بلغ بعد الفجر ولم يفطر إلى حين البلوغ، فقد أفتى الماتن بعدم وجوب الصوم عليه. خلافاً لابن حمزة حيث حكم بالوجوب، قال: «الصبي إن لم يفطر و بلغ صام واجباً».(2)

ومال إليه السيد الحكيم و قال: «وفي عدم الوجوب تأمّل».

واحتاط السيد الشاهرودي وقال: «ولا ينبغي ترك الاحتياط في صورة عدم الإتيان بالمفطر وإن لم ينو الصوم ندباً».=


1 . الوسائل: 1، الباب الرابع من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 4.
2 . الوسيلة: 147.


(7)

ــــــــــــــــــــــــ
= وعلى كلّ تقدير، فالظاهر ما عليه الماتن، وهو انّ الصوم الواجب عبارة عن نية الصوم من الفجر إلى المغرب، والمفروض عدمه، قال سبحانه: (كُلُوا وَاشرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِالأَسْود مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْل) .(1)

والاكتفاء ببعض اليوم في بعض الصور، كما إذا حضر قبل الزوال، أو برأ المريض قبله، لدليل خاص في الأوّل، وتنقيح المناط في الثاني على إشكال سيأتي.

نعم، الاحتياط حسن حيث نحتمل قيام صوم بعض الأجزاء مكان الجميع، كما في المسافر القادم قبل الزوال.

وأمّا الخامس، أعني: إذا نوى الصبي الصوم من الفجر وبلغ أثناء النهار، فذهب الشيخ الطوسي إلى وجوب الإمساك، قال: «فإن كان الصبي نوى الصوم من أوّله وجب عليه الإمساك، وإن كان المريض نوى ذلك لا يصحّ، لأنّ صوم المريض لا يصحّ عندنا».(2)

ونقل العلاّمة في «المختلف» عدم الوجوب عن ابن الجنيد و ابن إدريس، واختاره هو أيضاً كالماتن.

وجه الوجوب انّه كان مخاطباً بالصوم من أوّل الفجر بناء على أنّ عباداته شرعية، ولكنّه لمّا كان يفقد شرط الوجوب كان الخطاب استحبابياً، ولما تحقّق الشرط في أثناء النهار انقلب الخطاب الندبي إلى الخطاب الوجوبي قهراً، وأمّا حديث «رفع القلم» فالمرفوع هو الحكم الإلزامي لا الندبي، فلا ينافي الخطاب الاستحبابي.

يلاحظ عليه: أنّ الصوم الملفّق من المندوب والواجب على خلاف القاعدة، فهو =


1 . البقرة:187.
2 . الخلاف:2، كتاب الصوم، المسألة 57.


(8)

ــــــــــــــــــــــــ
= إمّا مندوب أو واجب، والملفّق رهن دليل، والقول بانقلاب الأمر الندبي إلى الأمر الوجوبي نفس المدّعى فصار أشبه بالمصادرة، وتصوّر انّ الصوم بعد البلوغ يوصف بالوجوب تماماً، غير صحيح، لأنّ الصوم الواجب عبارة عن صوم من كان بالغاً وقت تعلّق الخطاب الوجوبي، أعني: عند طلوع الفجر، لا البالغ بعد تعلّق الخطاب الندبي، والاجتزاء بالإمساك المباح الملفّق مع الإمساك الواجب في المسافر القادم من السفر خرج بالدليل.

وإلى ما ذكرنا ينظر كلام العلاّمة في «المختلف» من أنّ الصوم عبادة لا تقبل التجزئة، وهو في أوّل النهار لم يكن مكلّفاً فلا يقع التكليف به في باقيه.(1)

نقد دليل آخر للقائلين بالوجوب

ثمّ إنّ القائلين بالوجوب استنبطوا حكم المقام من حكم صبي صلّى آخر الوقت وقد بلغ أثناءه، حيث يجب عليه الاستمرار في الصلاة.

أقول: إنّ للمسألة صوراً أربع نتناولها بالبحث وإن كان بعضها خارجاً عن مصب النزاع.

الصورة الأُولى: إذا صلّى في الوقت و هو غير بالغ ، ثمّ بلغ بعد الفراغ في نفس الوقت، فالظاهر صحّة صلاته و إجزاؤها عن الواجب، لأنّ صلاتي الواجب والمندوب متّحدتان في الماهية، و قد انطبق على المأتي به عنوان الصلاة، وانعقد الإجماع على عدم وجوب أزيد من صلاة واحدة على المكلّف.

مضافاً إلى أنّ الخطاب في قوله :(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل...) (2)، منصرف إلى من لم يصل صلاة شرعية.=


1 . المختلف:3/514، كتاب الصوم.
2 . الإسراء:78.


(9)

ــــــــــــــــــــــــ
= الصورة الثانية: لو صلّى في سعة الوقت و بلغ في أثنائه، فهو مخيّر بين القطع والاستئناف، و بين الإكمال والاجتزاء بها لوحدة الطبيعة وانطباق عنوان الصلاة عليه، وانعقاد الإجماع على عدم وجوب أزيد من صلاة واحدة على المكلّف، مضافاً إلى الانصراف الذي تقدم في الآية .

فإن قلت: فهل ينقلب الأمر الندبي إلى الأمر الوجوبي إذا حاول الإكمال واستمر في الصلاة؟

قلت: لا دليل عليه، والاكتفاء بهذه الصلاة لأجل حصول الملاك لعدم الفرق بين إكمالها أو قطعها واستئنافها.

الصورة الثالثة: إذا صلّى في ضيق الوقت وبلغ أثناءه على وجه لو قطع أمكن له إدراك ركعة في الوقت، و بما انّه متمكن من الصلاة الأدائية ـ ولو تنزيلاً ـ يكون مكلّفاً بالصلاة على وجه الوجوب، و مع ذلك لا يكون مخيّراً بين الاستئناف والإكمال، بل يتعين الثاني لقصور شمول الخطاب في قوله «من أدرك ركعة من الوقت، فقد أدرك الوقت جميعاً».(1) للتعجيز الاختياري، بل هو خاص للعاجز بلا اختيار.

وبعبارة أُخرى: الحكم لا يثبت موضوعه، فلو كان إدراك الركعة سبباً لإدراك جميع الوقت امتناناً، فهو لا يدل على تأخير الصلاة عمداً إلى أن لا يبقى منه إلاّ مقدار ركعة معلومة.

فإن قلت: فعلى هذا لا يكون الحديث شاملاً لحال هذا المصلّي لما قلنا من أنّ الحكم لا يثبت موضوعه، فلا يصحّ له أن يقطع صلاته حتى يدخل تحت قوله: «من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت جميعاً»، فعند ذلك من أين علمنا وجوب الاستمرار عليه؟

قلت: الخطاب وإن لم يكن شاملاً له بلسانه، لكنّه شامل له بملاكه للعلم بعدم =


1 . تاج الأُصول:1/146، كتاب الصلاة.


(10)

ــــــــــــــــــــــــ
= الفرق بين مكلّف قام من النوم و قد أدرك ركعة من الوقت، وحين بلغ قُبيل الركعة الأخيرة من الصلاة; فكل أدرك من الوقت ركعة.

الصورة الرابعة: لو بلغ و هو في الركعة الرابعة من صلاة العصر فلا دليل على وجوب الإتمام، لأنّها إنّما تجب على البالغ المدرك لأربع ركعات في الوقت، إدراكاً تحقيقياً أو تنزيلياً، والمفروض انتفاؤهما.

وبما ذكرنا علم حكم مسألتنا، أعني: إذا بلغ الصائم أثناء النهار، فهو من قبيل الصورة الرابعة من صور الصلاة، لاشتراكهما في عدم إمكان الإتيان بجميع المأمور به وهو بالغ. أمّا الصلاة فلأنّه بلغ ولم يبق من الوقت حتى ركعة، و أمّا الصوم فلأنّه بلغ وقد مضى من النهار شيء، و الخطاب إنّما يتوجه إذا أمكن له الإتيان بالصوم الكامل تحقيقاً أو تنزيلاً و هو بالغ، والمفروض عدمه.

أمّا تحقيقاً فواضح، وأمّا تنزيلاً فلأنّه لم يرد في الصوم انّ من أدرك و بلغ قبل الزوال فقد أدرك الصوم جميعاً.

تنبيه

إنّ عبارة الماتن لا تخلو من إشكال، حيث قال: «ولكن الأحوط مع عدم الإتيان بالمفطر الإتمام والقضاء».

وجه الإشكال: انّه لا وجه لإيجاب القضاء بعد الإتمام، و الصحيح أن يقول:والأحوط الإتمام، و القضاء إذا لم يفعل.

وأمّا السادس من الفروع، فهو إذا صادف جنونه الإدواري جزءاً من النهار لا يجب عليه الصوم إلى الغروب، لأنّه مجنون ولو آناً ما، و لا يصحّ تكليفه، وقد عرفت أنّ الصوم لا يقبل التبعّض.


(11)

الثالث: عدم الإغماء فلا يجب معه الصوم ولو حصل في جزء من النهار. نعم لو كان نوى الصوم قبل الإغماء فالأحوط إتمامه.*

ــــــــــــــــــــــــ
* اختلفت كلمتهم في اشتراط وجوب الصوم «بعدم الإغماء» ، فالظاهر من المفيد في المقنعة والشيخ في الخلاف عدم اشتراطه به.

قال المفيد: فان استهلّ الشهر عليه و هو يعقل، فنوى صيامه و عزم عليه ثم أُغمي عليه، وقد صام شيئاً منه أو لم يصم، ثمّ أفاق بعد ذلك، فلا قضاء عليه، لأنّه في حكم الصائم بالنية والعزيمة على أداء الفرض.(1)

وقال الشيخ الطوسي: إذا نوى الصوم من الليل، فأصبح مغمى عليه يوماً أو يومين أو مازاد عليه، كان صومه صحيحاً.(2)

وذهب العلاّمة في «المنتهى »إلى الاشتراط، قائلاً: بأنّه بزوال عقله يسقط التكليف عنه وجوباً و ندباً، فلا يصحّ منه الصوم مع سقوطه.

أقول: للمسألة صور:

الصورة الأُولى: إذا أُغمي عليه تمام اليوم، فقد تضافرت الروايات على عدم وجوب القضاء.(3)

وعلى ذلك لا ثمرة في اشتراط وجوب الصوم بعدم الإغماء وعدمه بعد تضافر الروايات على عدم القضاء.

الصورة الثانية: إذا نوى الصيام ثمّ أُغمي عليه(سواء صام شيئاً من النهار أو لم يصم) ثمّ أفاق، فهل يجب الإتمام عليه أو لا؟


1 . المقنعة: 352، باب حكم المغمى عليه.
2 . الخلاف: 2/198، كتاب الصوم، المسألة 51.
3 . الوسائل: 7، الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم.


(12)

الرابع: عدم المرض الّذي يتضرّر معه الصائم، ولو برئ بعد الزوال ولم يفطر لم يجب عليه النيّة والإتمام، وأمّا لو برئ قبله ولم يتناول مفطراً فالأحوط أن ينوي ويصوم، وإن كان الأقوى عدم وجوبه.*

ــــــــــــــــــــــــ
الصورة الثالثة: إذا أُغمي عليه قبل الفجر وصحا قبل الزوال، فهل يجب عليه تجديد النية؟ و بما انّه لم يرد نص في هاتين الصورتين، فالحكم بالوجوب وعدمه مبنيّ على لحوق تلك الصورة بالنوم. لأنّه في حكم الصائم بالنية و العزيمة على أداء فرض الصيام، أو بالجنون للفرق بينه و بين النوم، فانّ الثاني طارئ طبيعي يعدُّ من قبيل تعطيل الحواس، بخلاف الإغماء ففيه زوال العقل على اختلاف مراتبه.

نعم مال السيد الاصفهاني في «الوسيلة» إلى القول بالوجوب، وقال: «نعم الصحة مع سبق النية منهما لا يخلو من قوّة».(1)

الصورة الرابعة: لو أُغمي عليه قبل الفجر ولم ينو حتى صحا بعد الزوال لا يجب الإتمام لفوات محل النية.

* أقول: في المقام فروع:

أ: عدم المرض الذي يضرّه الصوم، من شرائط الوجوب.

ب: لو لم يُفطر وبرئ بعد الزوال لم تجب عليه النية والإتمام.

ج: تلك الصورة ولكن برئ قبل الزوال.

فلنتناول تلك الفروع بالبحث.

أمّا الأوّل، فلتضافر النصوص على الشرطية، مضافاً إلى الذكر الحكيم قال سبحانه: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ على سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر) .(2) =


1 . وسيلة النجاة:169، فصل القول في شرائط صحّة الصوم ووجوبه.
2 . البقرة:184.


(13)

ــــــــــــــــــــــــ
= نعم المانع المرض الذي يضرّه الصوم لا ما لا يضرّه، لمناسبة الموضوع والحكم، مضافاً إلى الإشارة إليه في بعض النصوص من قوله: «ذلك إليه هو أعلم بنفسه».(1) وقوله أيضاً: «فإن وجد ضعفاً فليفطر».(2) وقوله: «إذا رمدت عيناه رمداً شديداً، فقد حلّ له الإفطار».(3)

وأمّا الثاني: إذا لم يفطر وبرئ بعد الزوال، فلا يجب عليه الإتمام لفوات محل النية.

وأمّا الثالث: إذا لم يفطر وبرئ قبل الزوال، فهل يجب عليه الإتمام أو لا؟ فيه قولان:

أ: عدم الوجوب و عليه الشيخ في الخلاف، قال: و إن كان المريض نوى ذلك لا يصحّ، لأنّ صوم المريض لا يصحّ عندنا.(4) وعليه الماتن.

ونقل المحدّث البحراني في «الحدائق» الوجوبَ عن المفيد، و المحقّق في «المعتبر» والعلاّمة في «المنتهى»، و«التذكرة»، وصاحب المدارك في مداركه، و قوّاه أكثر المعلّقين من المشايخ كالسيد البروجردي والشاهرودي، لكن للمسألة صورتان:

الأُولى: فيما إذا كان مريضاً و زعم انّ الصوم يضرّه فلم ينو ولم يكن كذلك في الواقع، فلا شك أنّه يجب عليه الإمساك حينما برئ، فهو أشبه بالجاهل الذي علم في أثناء النهار انّه من رمضان، لأنّه كان محكوماً في الواقع بالإمساك غير انّ الجهل كان عذراً، فإذا ارتفع العذر يكون الحكم فعلياً، وقد ذكر الفقهاء فيما إذا زعم المسافر انّ المسافة مسافة شرعية يجب فيها القصر و الإفطار، فتبيّن خلاف ذلك، فتجب عليه النيّة ويُضمّ الإمساك الفاقد للنية بالإمساك الواجد له.

ثمّ لو تم الدليل على إلحاق هذه الصورة بالمسافر القادم أو الجاهل بكون المسافة =


1 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،2، 6.
2 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،2، 6.
3 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،2، 6.
4 . الخلاف: 2/203، المسألة 57.


(14)

الخامس: الخلوّ من الحيض والنفاس، فلا يجب معهما، وإن كان حصولهما في جزء من النهار.*

السادس: الحضر فلا يجب على المسافر الّذي يجب عليه قصر الصلاة بخلاف من كان وظيفته التمام كالمقيم عشراً والمتردّد ثلاثين يوماً والمكاري ونحوه والعاصي بسفره، فإنّه يجب عليه التمام، إذ المدار في تقصير الصوم على تقصير الصلاة، فكلّ سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم وبالعكس.*

ــــــــــــــــــــــــ
= شرعية، فهو، وإلاّفيمسك ويقضي.

الثانية: إذا كان مريضاً وكان الصوم مضرّاً في الواقع لكنّه برئ في أثناء النهار، وصار الإمساك إلى الغروب غير مضرّ في الواقع، فوقع الكلام في وجوب الإمساك وصحّة صومه وعدمهما الظاهر هو الثاني، لأنّ المفروض انّه كان مريضاً يضرّه إلى أوائل النهار، و معه لا يكون محكوماً بالصوم، لما عرفت من أنّ الصوم الواجب عبارة عمّا إذا كتب الإمساك على الشخص من أوّل الفجر إلى نهاية اليوم والمفروض انّه ليس كذلك، وأقصى ما عند القائل بوجوب الإمساك والصحّة هو ادّعاء الأولوية من أنّ المريض أعذر من المسافر، فإذا صحّ فيه إذا نوى قبل الزوال فليكن المريض كذلك، لكنّه ضعيف لعدم العلم بالمناط، ومعه يكون ادّعاء الأولوية غير صحيح.

* المسألة من ضروريات الفقه، و قد مضى دليله عند البحث في شرائط صحّة الصوم.

* دلّت الروايات على الملازمة بين القصر والإتمام، وهي ضابطة كلّية إلاّ ما خرج بالدليل، كالمسافر بعد الزوال حيث يقصر ولا يفطر، و سيأتي في المسألة الثانية موارد الاستثناء.


(15)

المسألة 1:إذا كان حاضراً فخرج إلى السفر فإن كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار ، وإن كان بعده وجب عليه البقاء على صومه ، وإذا كان مسافراً وحضر بلده أو بلداً يعزم على الإقامة فيه عشرة أيّام، فإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر وجب عليه الصوم، وإن كان بعده أو تناول فلا، وإن استحبّ له الإمساك بقيّة النهار .*

ــــــــــــــــــــــــ
* لا شكّ انّ المسافر في تمام الوقت يجب عليه الإفطار على الشروط المقررة، إنّما الكلام فيما إذا كان مسافراً في بعض الوقت، وهوعلى قسمين:

فتارة يكون حاضراً و يطرأ عليه السفر، وأُخرى على العكس.

أمّا القسم الأوّل، فقد تقدّم البحث فيه في الفصل السابق(شرائط صحّة الصوم: الشرط الخامس) و بقي الكلام في القسم الثاني، أعني: من كان مسافراً فطرأ عليه الحضر، و هو القدوم قبل الزوال فيصوم بشرط عدم تناول مفطر.

وأمّا إذا قدم بعد الزوال، فلا يجب عليه الإمساك سواء تناول المفطر أو لا و إن كان مستحباً.

أمّا إذا قدم من السفر قبل الزوال ولم يتناول المفطر، فيجب عليه الصوم لجملة من الروايات الصحيحة والموثقة:

1. موثقة أبي بصير، قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان؟ فقال: «إن قدم قبل زوال الشمس، فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به».(1)

2. معتبرة سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان و لم يطعم شيئاً قبل الزوال؟ قال: «يصوم».(2)

والمراد من أحمد بن محمد الذي روى عنه «سهل»هو البزنطي الذي مات سنة =


1 . الوسائل: 7، الباب6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6، 4.
2 . الوسائل: 7، الباب6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6، 4.


(16)

ــــــــــــــــــــــــ
= 221 هـ ، و ليس المراد منه البرقي، لأنّه توفّي عام 274هـ، فلا يروي عنه سهل لتعاصره معه، بل تقدّم رتبته عليه.

3. معتبرة محمد بن عيسى، عن يونس في حديث قال: في المسافر يدخل أهله، وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل فعليه أن يتم صومه ولا قضاء عليه، يعني: إذا كانت جنابته من احتلام.(1)

والمراد من يونس هو يونس بن عبدالرحمن ، والراوي عنه هو محمد بن عيسى العبيد الذي ضعّفه ابن الوليد واستثناه من أسانيد كتاب نوادر الحكمة، و قال: ما تفرّد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه.

ولكن وثّقه أُستاذ النجاشي ابن نوح، والفضل بن شاذان، ونقل النجاشي أنّ أصحابنا ينكرون هذا القول(التضعيف)، و يقولون: «من مثل أبي جعفر محمد بن عيسى».(2)

مضافاً إلى أنّ الصدوق روى نفس الرواية باسناده عن يونس بن عبدالرحمن عن موسى بن جعفر، و ليس في اسناده محمد بن عيسى العبيد.

ثمّ إنّ المراد من قوله«ويدخل أهله» أي يريد أن يدخل أهله، كما في قوله سبحانه: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى المَرافقِ) .(3)

4. موثقة علي بن السندي، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ إلى أن قال: إن قدم بعد زوال الشمس أفطر ولا يأكل ظاهراً، وإن قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء.(4)=


1 . الوسائل: 7، الباب6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.
2 . رجال النجاشي:2/218، برقم 897.
3 . المائدة:6.
4 . الوسائل: الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.


(17)

ــــــــــــــــــــــــ
= والمراد من علي بن السندي، هو علي بن إسماعيل السندي; قال الكشي: قال نصر بن الصباح: علي بن إسماعيل ثقة، وهو علي بن السندي.

ويمكن استنباط وثاقته أنّه ورد في أسانيد نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى، ولم يستثنه ابن الوليد عنها.

وربّما يبدو من بعض الروايات انّ الميزان هو الدخول قبل الفجر فيجب عليه الصوم، وإلاّفإن دخل بعد الفجر فهو بالخيار بين الصوم والإفطار، وهذه الروايات عبارة عن صحيحي محمد بن مسلم و معتبر رفاعة بن موسى.

أمّا الاوليان، فقد روى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: «فإذا دخل أرضاً قبل طلوع الفجر وهو يريد الإقامة بها، فعليه صوم ذلك اليوم; وإن دخل بعد طلوع الفجر، فلا صيام عليه و إن شاء صام».(1)

و في رواية أُخرى له، قال: «إذا طلع الفجر و هو خارج و لم يدخل أهله، فهو بالخيار إن شاء صام، و إن شاء أفطر».(2)

وهذه الرواية تتضمن أحد الشقين ممّا ورد في الرواية الأُولى، أعني: من كان خارج البلد و قد طلع الفجر ففيه الخيار، وأمّا إذا دخل البلد قبل طلوع الفجر، فهو يصوم بلا إشكال.

أقول: الظاهر انّ المراد من الخيار هو كونه مخيّراً خارج البلد، بمعنى أنّ من علم انّه يصل البلد قبل الزوال و قد طلع الفجر و هو خارج البلد، فهو بالخيار إن شاء أفطر قبل الدخول، و إن شاء أمسك حتى يدخل فيصوم، فليس الخيار بعد دخول البلد وإنّما هو قبل دخوله.

وهذا النوع من التأويل قريب بالنظر إلى الروايات الصريحة، ومنه يظهر حال =


1 . الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 3.
2 . الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 3.


(18)

ــــــــــــــــــــــــ
= رواية رفاعة بن موسى.(1)

هذا كلّه إذا قدم قبل الزوال ولم يتناول شيئاً، و أمّا إذا قدم بعد الزوال فإن أكل شيئاً فلا كلام في وجوب القضاء عليه و الإمساك تأدّباً ً(2)، و أمّا إذا دخل بعد الزوال و لم يتناول، فعليه القضاء لزوال وقت النية بشهادة ما مرّمن الروايات الصحاح التي كانت تركّز على شرطية الدخول قبل الزوال، إنّما الكلام في استحباب الإمساك.

الإمساك التأدبيّ

أفتى الماتن باستحباب الإمساك لمن أفطر في الطريق و دخل قبل الزوال، و من دخل بعد الزوال مطلقاً سواء أفطر أم لم يفطر.

وقد ورد النص في الصورة الأُولى، ففي موثّق سماعة قال: سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل؟ قال: «لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئاً، ولا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل».(3)

وأمّا الصورة الثانية، أي الدخول بعد الزوال، فيدل على استحباب الإمساك فيما إذا أكل، إطلاق صحيح يونس، قال: في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان، وقد أكل قبل الدخول؟ قال: «يكفّ عن الأكل بقية يومه وعليه القضاء».(4) فانّ قوله: «يدخل أهله في شهر رمضان» مطلق يعم ما إذا دخل بعد الزوال، لكن أكل في الطريق.

بقي الكلام فيما إذا دخل بعده و لم يأكل، فيمكن استفادة استحباب الإمساك بطريق الأولوية، لأنّه إذا استحب الإمساك لمن أكل، فيكون من لم يأكل أولى بذلك


1 . الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
2 . لاحظ الوسائل: الجزء 7، الباب 7، من أبواب من يصحّ منه الصوم.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1و2.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1و2.


(19)

والظاهر أنّ المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده لا الخروج عن حدّ الترخّص و كذا في الرجوع المناط دخول البلد لكن لا يترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع قبل الزوال والخروج عن حدّ الترخّص بعده وكذا في العود إذا كان الوصول إلى حدّ الترخّص قبل الزوال والدخول في المنزل بعده.*

ــــــــــــــــــــــــ
= البتة، لكونه أقرب إلى الصائم من الأكل.

* لماّ ذهب الماتن في كتاب صلاة المسافر إلى أنّ مبدأ حساب المسافة سور البلد أو آخر البيوت من البلدان الصغار، و آخر المحل في البلدان الكبار الخارقة للعادة، وجعل الميزان في الخارج عن البلد، هو الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده، ليعمّ البلدان الصغيرة والكبيرة، فانّ الشروع في الأوّل بالخروج عن البلد، و في الثانية بالخروج عن آخر المحلّة.

ويرد عليه: انّه جعل المناط في الرجوع،الدخول في البلد مع أنّه لا يتم إلاّ في البلاد الصغيرة لا الكبيرة، بل انّ المناط فيها على مذهبه هو الدخول في المحلة، فالتعبيران في الدخول والخروج غير متوازنين، ولكن الحقّ انّ المناط في الصغيرة والكبيرة واحد بشرط أن تكون المحلات فيها متصلة بعضها مع بعض يصدق عليها اسم واحد، و هذا المناط المشترك عبارة عن الخروج عن البلد أو الدخول فيه.

والدليل على ذلك أمران:

الأوّل: انّ مبدأ التحديد في جميع الأزمنة هو سور المدينة، فيقال بين بغداد والحلة كذا فرسخ، والمقياس للمبدأ والمنتهى هو سور المدينتين، ولذلك ينصبون علائم الطريق في مدخل المدينة لا في داخلها.

الثاني: انّ المتبادر من الأحاديث الواردة هو كون المبدأ آخر المدينة، قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «ولقد سافر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى ذي خشب ـ وهو مسيرة يوم من المدينة =


(20)

ــــــــــــــــــــــــ
= يكون إليها بريدان: أربعة و عشرون ميلاً ـ فقصّر وأفطر، فصار سنّة».(1)

فلو كان المقياس هو الخروج عن منزله أو آخر المحلّة لما كان الحديث مقياساً عامّاً مع أنّ الإمام بصدد بيان الضابطة العامة، ولا تتحقّق إلاّ بجعل المبدأ آخر البلد الذي يشترك فيه جميع أهل البلدة من دون فرق بين كون المسافر قاطناً وسط المدينة أو أطرافها.

ومثلها رواية أبي ولاّد، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة، وهو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخاً في الماء.(2)

فإنّ المتبادر انّ المبدأ لمحاسبة عشرين فرسخاً هو مرسى السفن، ومن الواضح انّ مراسي السفن تبتعد عن المنازل والمحلات بفواصل كبيرة.

هذا موجز ما ذكرناه في كتاب «ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر».(3)

والحاصل: انّ على المختار في صلاة المسافر من عدم الفرق بين الصغير والكبير، إذا كانت المحلات متصلة، واقعة تحت عنوان واسم واحد، فالميزان هو الخروج عن البلد، لا آخر المحلة، بل يمكن أن يقال أنّه لا يصدق اسم المسافر إلاّ لمن ترك بلده من غير فرق بين الكبير والصغير.

وعلى كلّ تقدير فالميزان هو الخروج عن البلد ـ أو آخر المحل ـ قبل الزوال أو بعده، لا الخروج عن حدّالترخّص، إذ يصدق عليه عنوان المسافر وإن لم يصل إلى حد الترخّص، نعم ذلك الحد، تحديد لحكم المسافر من جهة القصر والإفطار، فلا يجوزان =


1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.
2 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
3 . انظر ص 30ـ 35.


(21)

المسألة 2: قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة والصوم وقصرها والإفطار، لكن يستثنى من ذلك موارد:أحدها: الأماكن الأربعة، فإنّ المسافر يتخيّـر فيها بين القصر والتمام في الصلاة، وفي الصوم يتعيّن الإفطار.الثاني: ما مرّ من الخارج إلى السفر بعد الزوال، فانّه يتعيّن عليه البقاء على الصوم مع أنّه يقصر في الصلاة.

الثالث: ما مرّ من الراجع من سفره، فإنّه إن رجع بعد الزوال يجب عليه الإتمام، مع أنّه يتعيّن عليه الإفطار.*

ــــــــــــــــــــــــ
= إلاّ بعد الوصول إلى النقطة التي لا يرى فيها آثار البلد ولا يسمع أذانه.

ومنه يعلم حال الرجوع إلى البلد، فالميزان في صدق الدخول قبل الزوال أو بعده هو الخروج عن كونه مسافراً و هو فرع الوصول إلى البلد، لا الوصول إلى حد الترخّص وإن لم يصل إليه، كما إذا وصل إلى نقطة يرى آثار البلد أو يسمع أذانه مع وجود المسافة بينه و بين البلد. فلو وصل إلى حد الترخّص قبل الزوال ووصل إلى نفس البلد، بعده فيفطر.

والحاصل حدّ الترخّص ليس مبدأ للمسافة وإنّما هو تحديد لحكم الإفطار والتقصير، بمعنى انّ صدق عنوان المسافر لا يكفي في التقصير والإفطار مالم يصل إلى حد الترخّص، فهو مبدأ للحكم بالإفطار والتقصير وليس مبدأً لمحاسبة المسافة.

نعم، الاحتياط حسن كما ذكره الماتن، وهو الجمع بين الصوم والقضاء، فمن خرج عن البلد قبل الزوال و عن حدّ الترخّص بعده يحتاط بالجمع، كما أنّ من تجاوز حدّ الترخّص عند الإياب قبل الزوال ودخل البلد بعده يجمع بين الصوم والقضاء.

* انّ هذه الموارد الثلاثة يفطر فيها المسافر ويتم صلاته.

أمّا الأوّل: فلاختصاص ما دلّ على جواز الإتمام بالصلاة دون الصوم، وقد سأل الراوي ـ على ما في بعض الروايات ـ عن الصلاة والصوم في الحرمين، فأجاب الإمام =


(22)

المسألة 3: إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلاّ بعد الوصول إلى حدّ الترخّص، وقد مرّ سابقاً وجوب الكفّارة عليه إن أفطر قبله.*

المسألة 4: يجوز السفر اختياراً في شهر رمضان، بل ولو كان للفرار من الصوم كما مرّ، وأمّا غيره من الواجب المعيّن فالأقوى عدم جوازه إلاّ مع الضرورة كما أنّه لو كان مسافراً وجب عليه الإقامة لإتيانه مع الإمكان.*

ــــــــــــــــــــــــ
= بخصوص الصلاة، قال: «أتمها ولو صلاة واحدة».(1)

وأمّا الثاني والثالث: فيصوم الخارج بعد الزوال ويفطر القادم بعده لما دلّ عليه من الروايات الماضية.

وأمّا الصلاة فهي تفارق الصوم بدليل خاص. وهو انّ العبرة في التقصير والإتمام هو وقت أدائها لا وقت وجوبها. وعليه يقصر الخارج بعد الزوال، لأنّه في حال الأداء مسافر، ويتمُّ القادم بعد الزوال، لأنّه في حال الأداء حاضر.

وليعلم أنّ التفكيك بين الصلاة والصوم لا ينحصر بالموارد الثلاثة، بل هناك موارد أُخرى يجب الصوم، ولكنّه يقصر الصلاة.(2)

* مضى الكلام في ذلك في الفصل السادس ـ المسألة 11 ـ و يدلّ عليه ما دلّ على الملازمة بين الإتمام والصيام، و القصر والإفطار، وبما انّه لا يجوز التقصير قبل الوصول إلى حد الترخّص، فلا يجوز الإفطار إلاّكذلك.

نعم ما دلّ على شرطية الوصول إلى حدّ الترخّص إنّما ورد في مورد الصلاة لكن قاعدة الملازمة أوجبت مشاركة الصيام مع الصوم في ذلك الحكم.

* المسألة تشتمل على فرعين، وقد مرّالكلام في الفرع الأوّل و هو جواز السفر في =


1 . الوسائل: 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.
2 . انظر الجزء الأوّل من هذا الكتاب، ص 408.


(23)

ــــــــــــــــــــــــ
= شهر رمضان للفرار عن الصوم ولا نعود إليه، و سيوافيك في المستقبل أنّ كراهة السفر مختص بما قبل الثالث والعشرين من شهر رمضان.

بقي الكلام في الفرع الثاني وهو حكم السفر في الواجب المعيّن، فهل يجوز السفر اختياراً وبلا ضرورة أو لا؟ وعلى فرض عدم الجواز تجب عليه الإقامة لو كان في السفر.

ثمّ إنّ الواجب المعيّن ينقسم إلى واجب بالنذر، كما إذا نذر صوم أيّام البيض; وإلى آخر واجب لأجل ضيق الوقت، كما إذا كان عليه قضاء صوم رمضان ولم يصم حتى ضاق الوقت; وإلى ثالث واجب لتقييد الصوم بيوم معين في عقد الإجارة، كما إذا قال: استأجرك على صيام يوم عرفة، فهل يجوز له السفر أو لا؟ فلنأخذ كلّ واحد بالبحث.

الصوم الواجب المعيّن بالنذر

إنّ للصوم الواجب بالنذر صوراً ثلاث:

1. أن يتعلّق النذر بالصوم مشروطاً بالحضور أو عدم السفر، أي إذا كنت حاضراً أو لم أُسافر.

2. أن يتعلّق النذر بكلا الأمرين: الصوم و الإقامة.

3. أن يتعلّق النذر بالصوم من غير تعليق بالحضور غير انّه علم من الخارج انّ صحّة الصوم مشروطة بالحضور.

أمّا الأُولى، فلا كلام في جواز السفر وعدم وجوب الحضور في الوطن أو قصد الإقامة في السفر.

كما لا كلام في حرمة السفر في الصورة الثانية، بل يجب عليه تحصيل العمل =


(24)

ــــــــــــــــــــــــ
= بالنذر بالحضور في البلد أو قصد الإقامة في السفر.

إنّما الكلام في الصورة الثالثة، فهل يجب تحصيل الحضور أو لا؟ والمسألة معنونة في كتاب النذر.

قال المحقّق : لو نذر يوماً معيّناً فاتّفق له السفر أفطر وقضاه، وكذا لو مرض وحاضت المرأة أو نفست.(1)

و عن المدارك: أمّا وجوب الإفطار فلا ريب فيه، وأمّا وجوب القضاء فمقطوع في كلام الأصحاب.(2)

فيقع الكلام تارة في مقتضى القاعدة الأُولى، وأُخرى في مقتضى النصوص الواردة .

أمّا الأُولى: فلا شكّ انّ الحضور شرط لوجوب الصوم، كما هو شرط لصحته .

وبعبارة أُخرى: الحضور مقدّمة وجوبية ومقدّمة وجودية. قال سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر) (3)، وقد ذكرنا سابقاً انّ الآية بصدد بيان واجب الحاضر وواجب المسافر والمريض، وانّ واجب الأوّل هو الصوم، وواجب الثاني والثالث هو الصيام في أيّام أُخر، وكأنّه لم يكتب له إلاّالصيام بعد شهر رمضان، وانّ إطلاق القضاء عليه مع عدم وجوب الصوم فهو لأجل فوت الملاك.

لكن دليل الوفاء بالنذر مطلق غير مشروط بالحضور، قال تعالى: (ثُمّ لْيَقْضُوا تفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ ليَطَوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيق) (4)، فإطلاق الوفاء بالنذر يقتضي =


1 . المختصر النافع 246، ط مصر.
2 . و كان عليه أن يتكلم حول جواز السفر، ولكنّه تلقّاه أمراً مسلّماً فتكلم في حكم الإفطار.
3 . البقرة:185.
4 . الحج:29.


(25)

ــــــــــــــــــــــــ
= وجوب الوفاء بالنذر و تحصيل شرطه، و هو الحضور وعدم السفر.

وعلى ذلك فمقتضى الإطلاق هو حرمة السفر ووجوب الإقامة إذا كان مسافراً.

هذا ما يستفاد من كلام بعض المحقّقين.(1)

ولكنّ هنا إشكالين:

الأوّل: انّ المهم في المقام وجود الإطلاق في صيغة الناذر وإلاّفلا يفيد إطلاق الآية، فلو كان نذر الناذر منصرفاً إلى صورة الحضور الاتّفاقي، فلا يكون إطلاق الآية دليلاً على لزوم الحضور، أو دليلاً على وجوب الإقامة في السفر.

وبعبارة أُخرى: قوله سبحانه: (وَلْيُوفُوا نُذورهم) كبرى كلّية لا يحتج بها إلاّ إذا كان نذر الناذر مطلقاً غير منصرف إلى صورة الحضور، ولا مشكوك الانصراف، وإلاّ فإذا كان إنشاء الناذر مختصاً بحال الحضور، أو منصرفاً إليه، أو شككنا في الإطلاق، فلا يمكن أن يحتج بالكبرى على لزوم الحضور في الصغرى، فاللازم هو التحقيق في جانب الصغرى و تعيين حدود دلالة صيغة النذر حسب القرائن الحافّة بها. وبما انّ أكثر الناس غافلون عن شرطية الحضور في صحة الصوم، يكون منصرف إنشائهم هو اجتماع الشرائط على وجه الاتفاق لا تحصيلها، فالواجب على المحقّق التركيز على مقدار إنشاء الناذر مكان التركيز على إطلاق الآية.

وبذلك يمكن أن يقال انّ مقتضى القاعدة الأُولى حسب أغلبية حال الناذرين شرطية الحضور لوجوب الوفاء بالنذر ، على خلاف ما اختاره.

هذا كلّه حول القاعدة الأُولى، وأمّا القاعدة الثانية فمقتضاها عدم وجوب الحضور وتحصيله فتكون موافقة لما هو مقتضى القاعدة الأُولى حسب ما استفدناه من إنشاء الناذرين، وهناك روايات ثلاث نذكر ها واحدة تلو الأُخرى:=


1 . مستند العروة الوثقى:2/29


(26)

ــــــــــــــــــــــــ
= 1. صحيح علي بن مهزيار في حديث: كتب إليه بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت، فان أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟!

فكتب ـ عليه السَّلام ـ وقرأته: «لا تتركه إلاّمن علّة، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض، إلاّأن تكون نويت ذلك. وإن كنت أفطرت منه من غير علّة، فتصدّق بقدر كلّ يوم على سبعة مساكين. نسأل اللّه التوفيق لما يحب و يرضى».(1)

ومجهولية «بندار» أو كونه مهملاً لا يضرُّ بصحة الحديث، لأنّ العبرة بقراءة ابن مهزيار خط الإمام، والمتبادر من الحديث انّه نذر صوم يوم السبت من كلّ اسبوع وقد صادف ذلك اليومُ أحد العيدين، أو سافر. فأجاب الإمام قائلاً: «... وليس عليك صومه في سفر...».

نعم الحديث ساكت عن القضاء، ولكن الأمر بالتصدّق على سبعة مساكين دليل على وجوبه، لأنّ الكفارة فرع وجوب القضاء، وقد مرّ عند البحث في كفّارة حنث النذر انّ الصحيح عشرة مساكين.

2. موثقة زرارة، قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : إنّ أُمي كانت جعلت عليها نذراً إن ردّ اللّه عليها بعض ولدها من شيء كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكة، فأشكل علينا لمكان النذر، أتصوم أو تفطر؟ فقال: «لا تصوم، قد وضع اللّه عنها حقه و تصوم هي ما جعلت على نفسها»، قلت: فما ترى إذا هي رجعت إلى المنزل أتقضيه؟ قال: «لا»، قلت: أفتترك ذلك؟ قال: «لا، لأنّي أخاف أن ترى في الذي نذرت فيه ما تكره».(2)=


1 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1.
2 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.


(27)

ــــــــــــــــــــــــ
= ونقله صاحب الوسائل في كتاب النذر(1) عن الكافي بالسند التالي، وهو «صحيح: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة، غير انّه لم يذكر اسم الإمام الذي روي عنه الحديث.

3. روى الكليني، عن محمد بن يحيى، عن يعقوب بن يزيد ،عن يحييبن المبارك، عن عبد اللّه بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن عبد اللّه بن جندب، قال: سأل عبّاد بن ميمون وأنا حاضر عن رجل جعل على نفسه نذراً صوماً وأراد الخروج إلى مكة؟ فقال عبد اللّه بن جندب: سمعت من رواه عن أبي عبد اللّه انّه سأله عن رجل جعل على نفسه نذراً صوماً، فحضرته نيّه في زيارة أبي عبد اللّه؟ قال: «يخرج ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك».(2)

ونقله الشيخ عن الكليني على النحو الذي مرّ.(3)

وقد نقله صاحب الوسائل (4) بتصرّف غير يسير حيث:

أ: توسط أبوجميلة بين عبد اللّه بن جبلة، و إسحاق بن عمار، مع أنّه ليس منه أثر في الكافي والتهذيب.

ب: انّ الوارد في الكافي والتهذيب (سمعت من رواه عن أبي عبد اللّه) و في نسخة الوسائل: (سمعت من زرارة).

ج: انّ المسؤول لسؤال عبّاد بن ميمون غير مذكور في الكتابين، وعلى ما في الوسائل فالمسؤول هو أبو عبد اللّه حيث قال: سأل أبا عبد اللّه عباد بن ميمون، ولكنّه غير صحيح، إذ لو كان المسؤول هو الإمام لما أجاب عبد اللّه بن جندب، كلّ ذلك=


1 . الوسائل: 16، الباب 13 من أبواب النذر والعهد، الحديث 2.
2 . الكافي: 7/457، الحديث 16.
3 . التهذيب: 8/422، باب النذور، الحديث 16.
4 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 5.


(28)

ــــــــــــــــــــــــ
= يعرب عن طروء الخطأ إلى نسخ الوسائل أو إلى نسخة الشيخ الحر العاملي; ولكن الظاهر هو الأوّل، لأنّه نقله في كتاب النذر بصورة نقيّة عن هذه الأخطاء.(1)

ثمّ إنّ المشار إليه في قوله: «وأنا حاضر» هو إسحاق بن عمار; و حاصل الحديث: انّ عباد بن ميمون سأل عبد اللّه بن جندب، وكان عمار حاضراً في المجلس، فأجاب عبد اللّه بن جندب بما سمعه ممّن رواه عن أبي عبد اللّه; وحاصل الجواب: انّه يسافر ولا يصوم في الطريق و إذا رجع قضى.

والحديث يوجب القضاء خلافاً لما مرّ. نعم في السند يحيى بن المبارك، وهو من أصحاب الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، وله سبع و سبعون رواية في الكتب الأربعة، و ممّن ورد اسمه في أسانيد تفسير القمي.

ولذلك قال السيد الخوئي: لم تثبت وثاقة يحيى بن المبارك على المشهور.(2) والتقييد بقوله: على المشهور، إشارة إلى أنّ الرواية صحيحة على مبناه، لورودها في أسانيد التفسير المذكور.

نعم الحديث مرسل، لأنّه لم يسم من رواه عن أبي عبد اللّه، ولذلك يكون الحديث معاضداً لما سبق.

ولعلّ هذه الأحاديث المتفقة على جواز السفر لأجل انّ إنشاء الناذر لم يكن مطلقاً بل ناظراً إلى بعض الظروف و منصرفاً إلى ما اتفق له الحضور، والشك في سعة الإنشاء وضيقه يكفي في الحكم بجواز السفر.

بقي الكلام في موردين:

1. إذا كان عليه صوم قضاء رمضان وقد ضاق الوقت، فهل يجوز له السفر أو =


1 . الوسائل: 16، الباب 13 من أبواب النذر، الحديث 1.
2 . مستند العروة: 2/40.


(29)

المسألة 5: الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان قبل أن تمضي ثلاثة وعشرون يوماً إلاّ في حجّ أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه.*

ــــــــــــــــــــــــ
= لا؟ الظاهر لا، وذلك لأنّ الحضور شرط الوجوب في صيام رمضان، دون القضاء وإن كان شرطاً لصحته، و ليس هناك ما يدل على شرطية الحضور في مورد القضاء، فإطلاق دليله الدال على عدم جواز تأخيره وانّه موجب للعصيان بدليل تعلّق الكفارة لدى التأخير، دليل لزوم إحراز شرط الصحة، أعني: الحضور، اللّهمّ إلاّإذا قلنا بإلغاء الخصوصية وعطف القضاء على الأداء في عامة الأحكام.

2. لو كان أجيراً لشخص و لصيام يوم معين، فهل يجوز له السفر أو لا؟ الظاهر لا، لإطلاق صيغة الإجارة وعدم كونها مشروطة بالحضور وقد ملك الموجر، الصوم في ذمة الأجير على وجه الإطلاق، فليس له تضييع حق الناس بالسفر بما دل على جواز السفر في شهر رمضان أو اليوم المعيّن للصيام، فالصوم فيها حق إلهيّ رخّص سبحانه السفر، بخلاف المقام فهو من مقولة حق الناس، فلا يمكن الاستشهاد بما في المورد الأوّل ، على الثاني.

* قد مضى الكلام في كراهة السفر في شهر رمضان في الفصل السادس، المسألة 25. و قد استثني منها موردان:

1. السفر بعد مضي ثلاثة و عشرين يوماً.

2. السفر لغايات مهمة كالحج والعمرة أو حاجات فائقة.

أمّا الأوّل: فقد ورد في مرسل علي بن أسباط، عن رجل، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: إذا دخل شهر رمضان فللّه فيه شرط ، قال تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ) ، فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلاّفي حج ـ إلى أن قال: ـ فإذا مضت ليلة ثلاث وعشرون، فليخرج حيث شاء.(1)والاعتماد عليه مع إرساله في رفع =


1 . الوسائل: الجزء7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.


(30)

المسألة 6: يكره للمسافر في شهر رمضان بل كلّ من يجوز له الإفطار، التملّي من الطعام والشراب وكذا يكره له الجماع في النهار، بل الأحوط تركه وإن

ــــــــــــــــــــــــ
= الكراهة تأمّل.

وأمّا الثاني، فقد ورد الاستثناء في عدّة من الروايات:

1. ففي خبر أبي بصير، (1) ومرسلة علي بن أسباط،(2) استثناء الخروج إلى مكة، أو غزو في سبيل اللّه، أو مال تخاف هلاكه، أو أخ تخاف من هلاكه.

2. وفي موثقة الحسين بن المختار استثناء الخروج للحج، أو العمرة، أو مال تخاف عليه الفوت، أو لزرع يحين حصاده.(3) فجاء الخروج للحصاد مكان الخروج إلى نجاة أخ يخاف هلاكه.

3. وفي صحيح الحلبي: استثناء الحاجة الشديدة، أو الخوف على المال.(4)

4. وفي مرسلة المقنع استثناء تشييع الأخ المؤمن.(5)

والظاهر انّ ما جاء في هذه الروايات من باب المثال والميزان هو أحد الأمرين، إمّا لكونه أهم من الصوم في شهر رمضان، كالخروج إلى الجهاد، أو لكونه حاجة تفوت بالتأخير وإن لم يكن أهم.


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3. وفي سند الصدوق إلى أبي بصير: علي بن حمزة البطائني، و لذا عبّرنا عنه بالخبر، والحديث 6.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3. وفي سند الصدوق إلى أبي بصير: علي بن حمزة البطائني، و لذا عبّرنا عنه بالخبر، والحديث 6.
3 . الوسائل: الجزء7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8. الحسين بن المختار واقفي ثقة.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم ، الحديث 1. وطريق الصدوق إلى الحلبي صحيح.
5 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3، من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.


(31)

كان الأقوى جوازه.*

ــــــــــــــــــــــــ
* امّا كراهة التملّي، فلصحيح ابن سنان، حيث جاء في ذيله:«وإنّي إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلاّالقوت، وما أشرب كل الري».(1) ومورد الحديث و إن كان هو المسافر، لكن المفهوم من مجموع الحديث انّ السبب هو حرمة شهر رمضان ـ ولا خصوصية للمسافر ـ لذلك قال الماتن: بل كلّ من يجوز له الإفطار.

أمّا كراهة الجماع فالمشهور بين الأصحاب هو الكراهة إلاّالشيخ في النهاية قال: لا يجوز للمسافر أن يجامع النساء نهاراً إلاّ عند الحاجة، ولا ينبغي أن يمتلئ من الطعام والشراب.(2)

و نقل العلاّمة عن ابن الجنيد وابن إدريس الكراهة، وعن أبي الصلاح الحرمة مالم يخف فساداً في الدين، ثمّ قال: الأقرب عندي الكراهة.(3)

والتتبّع في كلمات الأصحاب قديماً و حديثاً يكشف عن كون الكراهة هو المشهور بينهم قبل الشيخ و بعده، أمّا الأوّل قال الكليني: الفضل عندي أن يوقِّر الرجل شهر رمضان ويمسك عن النساء في السفر بالنهار، إلاّ أن يكون تغلبه الشهوة ويخاف على نفسه.(4)

وقال الصدوق: النهي عن الجماع للمنصرف من السفر إنّما هو نهي كراهة لا نهي تحريم. و أكثر الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت تدلّ على الجواز، و هو يكشف عن كون الجواز هو المشهور بين أصحاب الأئمّة، و هو يدل على أنّه مذهب الأئمّة، =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 5.
2 . النهاية و نكتها :1/45.
3 . مختلف الشيعة:3/477ـ 478.
4 . الكافي: 4/ 135.


(32)

ــــــــــــــــــــــــ
= فانّ مذهبهم يعلم بنقل شيعتهم وأتباعهم، كما أنّ مذهب أبي حنيفة يعلم من نقل أتباعه، ولذلك عدّ المحقّق الجواز أشبه بأُصول المذهب وقواعده.(1)

وما يدلّ على الجواز يناهز سبع روايات بين صحيح و غيره.

ففي صحيح عمر بن يزيد(أي عمر بن محمد بن يزيد الثقة، و كلّما أطلق فهو المراد، دون عمر بن يزيد الصيقل الذي ترجمه النجاشي و لم يوثّقه) سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يسافر في شهر رمضان أله أن يصيب من النساء؟ قال : «نعم».(2)

و موثق محمد بن مسلم (لوجود عثمان بن عيسى شيخ الواقفة في سنده) قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يقدم من سفر، بعد العصر من شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض أيواقعها؟ قال: «لا بأس به»(3) ولاحظ غيرهما.

ويعارضهما روايتان صحيحتان:

إحداهما عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فلا يقرب النساء بالنهار في شهر رمضان، فانّ ذلك محرّم».(4)

والأُخرى عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية له أفله أن يصيب منها بالنهار؟ فقال : «سبحان اللّه أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان، إنّ له في الليل سبحاً طويلاً» قلت: أليس له أن يأكل ويشرب و يقصّر؟ قال: «إنّ اللّه تبارك و تعالى قد رخّص المسافر في الإفطار، و التقصير


1 . الجواهر:17/156.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1ـ10. ولاحظ الأحاديث 1، 3، 4، 7، 9.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1ـ10. ولاحظ الأحاديث 1، 3، 4، 7، 9.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 8.


(33)

ــــــــــــــــــــــــ
= رحمة و تخفيفاً لموضع التعب والنصب و وعث السفر ولم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، وأوجب عليه قضاء الصيام، ولم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة، إذا آب من سفره» ثمّ قال:«والسنّة لا تقاس».(1) وأمّا روايته الأُخرى فهي متحدة مع هذا.

أمّا صحيحة محمد بن مسلم، فهو ظاهر في التحريم وحملها على الكراهة بعيد جداً، نعم صحيحة ابن سنان قابلة للحمل عليها حيث قال: «أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان»و لا ينافيه ردّالإمام استدلال الراوي حيث قال: الجماع بالأكل و الشرب فقال: «والسنّة لا تقاس»، إذ يحتمل أن يكون الردّ لغاية إبطال ما تخيّله الراوي من نفي الكراهة عن الجماع كنفيها عن الأكل و الشرب، فلم يبق إلاّ صحيحة ابن مسلم مع أنّها معارضة بنفس ما روي عنه كما عرفت، و يكفي في شذوذها إعراض الأصحاب عنها في الأعصار المعاصرة للأئمة وبعدها، فالكراهة هي الأقرب.


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 5.


(34)


(35)

الفصل الحادي عشر
في من وردت الرخصة في إفطارهم

وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص بل قد يجب الأوّل والثاني: الشيخ والشيخة إذا تعذّر عليهما الصوم أو كان حرجاً ومشقّة فيجوز لهما الإفطار، لكن يجب عليهما في صورة المشقّة، بل في صورة التعذّر أيضاً، التكفير بدل كلّ يوم بمدّ من طعام والأحْوط مدّان والأفضل كونهما من حنطة، والأقوى وجوب القضاء عليهما لو تمكّنا بعد ذلك.*

ــــــــــــــــــــــــ
*تتضمن المسألة فروعاً:

1. هل الإفطار لهما رخصة أو عزيمة؟

2. وجوب التكفير في صورتي التعذّر والمشقة.

3. كفاية المد و الأفضل المدّان، كما أنّ الأفضل أن يكون من حنطة.

4. وجوب القضاء إذا تمكن بعد ذلك.

ولنتاول كلّ واحد بالبحث.

1.هل الإفطار عزيمة أو رخصة ؟

هل يتخيّر معها المكلّف بين الإفطار والفدية، أو الصوم؟ محل الكلام فيما إذا =


(36)

ــــــــــــــــــــــــ
= كان الصوم أمراً شاقّاً عليهما لا متعذراً على نحو يكونان عاجزين عنه، إذ لا كلام في هذه الصورة في تعيّن الفدية للعجز عن الصوم. لو قلنا بها فيها، كما سيوافيك:

إنّ دراسة الآيات الواردة حول الصوم في سورة البقرة تثبت أنّ الإفطار عزيمة لا رخصة، ومجموعها لا يتجاوز عن ثلاث آيات:

1. قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .(1)

2.(أَيّاماً مَعْدُودات فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَإِنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون) .(2)

3. (شَهْرُ رَمضانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآن هُدًى لِلنّاسِ وَبَيِّنات مِنَ الهُدى وَالْفُرقان فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَرَ يُريدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلتُكَبِّروا اللّهَ عَلى ما هَداكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(3)

فلنشرح هذه الآيات واحدة تلو الأُخرى.

أمّا الآية الأُولى، فجاءت تخاطب المؤمنين وتفرض عليهم وجوب الصوم (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام) ، و تصرّح بأنّه ليس أمراً بديعاً، بل كان مكتوباً على الأُمم السابقة(كَما كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )، وتُبيّن انّ الغاية من هذه الفريضة هي التحلّي بالتقوى.=


1 . البقرة:183.
2 . البقرة:184.
3 . البقرة:185


(37)

ــــــــــــــــــــــــ
= وأمّا الآية الثانية، فتتشكل من أربع فقرات بعد بيان انّ الواجب لا يتجاوز عن كونه أيّاماً معدودات.

الأُولى: ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر ) .

الثانية: ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَة طَعام مِسْكِين) .

الثالثة: ( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ) .

الرابعة: (وَإِنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون) .

وجاءت الفقرات الثلاث الأُول بصيغة الغائب بخلاف الأخيرة فجاءت بصيغة الخطاب.

فالفقرة الأُولى تصرح بأنّ الواجب على الصنفين هو الصيام في أيّام أُخر، وكأنّه لم يُكتب عليهم الصيام في شهر رمضان، بل كتب في تلك الأيّام، كما هو صريح قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر) .

وعلى ذلك فالمكلّف يُصنَّف إلى حاضر ومسافر ومريض، فالحاضر وظيفته الصوم في شهر رمضان، والآخران واجبهما الصيام في أيام أُخر.

نعم ربّما يقدّر بعد قوله: (فمن كان مريضاً أو على سفر) لفظة «فافطر»(1) إشعاراً بأنّه يمكن للمسافر الصوم في شهر رمضان، لكن لو أفطر وجب عليه القضاء في أيام أُخر.

ولكن التقدير على خلاف الظاهر أوّلاً، وإنّما لتصحيح فتوى أهل السنة ثانياً حيث يجوّزون الصوم للمسافر في شهر رمضان ، بل الحقّ انّ المتبادر هو انّ المفروض من أوّل الأمر هو الصوم في أيّام أُخر. =


1 . تفسير الجلالين في تفسير الآية وغيره من سائر التفاسير.


(38)

ــــــــــــــــــــــــ
= وأمّا الفقرة الثانية، فهي أيضاً جاءت بصيغة الغائب تفرض على الذين يطيقون الصوم فدية طعام مسكين، فيقع الكلام في مفاد هذه الفقرة.

فقوله تعالى:(يطيقونه) بمعنى من يقدر على الصوم بجهد ومشقة وببذل جميع طاقاته، وليس بمعنى الاستطاعة والقدرة كما ربما يتوهم.

قال ابن منظور: الطوق، الطاقة، أي أقصى غايته، و هو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقة منه.(1)

وفي النهاية عند تفسير شعر عامر بن فهيرة:

كل امرئ مجاهد بطوقـه والثور يحمي أنفه بروقه

قال: أي أقصى غايته، و هو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقة منه.(2)

ومن هنا يعلم أنّ تفسير تلك الفقرة بغير هذا الوجه على خلاف الظاهر، حيث فسّرت بوجوه غير تامّة، نذكر منها اثنين.

الأوّل: انّه سبحانه خيّر المطيقين من الناس كلّهم بين أن يصوموا ولا يكفِّروا وبين أن يفطروا ويكفِّروا عن كلّ يوم بإطعام مسكين، لأنّهم كانوا لم يتعودوا الصوم، ثمّ نسخ ذلك بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ) .

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ تفسير (يطيقون) بالمستطيعين والقادرين على الصوم خلاف ظاهر اللغة كما عرفت. وإن وافقهم الطبرسي في تفسيره، حيث قال: أطاقه: إذا قوي عليه، فلو صحّ هذا الاستعمال فهو استعمال غير ذائع، وإنّما الشائع هو ما ذكرنا أي من يقدر لكن ببذل جهد ومشقة كبيرة يلحقه في نظر العرف بالعاجز و إن لم يكن =


1 . لسان العرب:8/225، مادة طوق.
2 . النهاية: 3/144، مادة طوق.


(39)

ــــــــــــــــــــــــ
= عاجزاً عقلاً.

وثانياً: أنّ هذا التفسير أشبه بالتفسير بالرأي، فلا يصحّ الاعتماد عليه إلاّ إذا وجد عليه شاهد من الكتاب والسنة. ولم نعثر على دليل يؤيد ذلك.

وثالثاً: أنّ الناظر في الآيات يقف على أنّها كسبيكة واحدة نزلت مرة واحدة لغايات تشريعية من دون أن يكون هناك ناسخ و منسوخ، أو تناف ومخالفة، ولازم القول بالنسخ وجود فاصل زماني بين المنسوخ والناسخ و هو ينافي ظهور الآيات بنزولها دفعة واحدة.

رابعاً: لو كانت هذه الفقرة ناظرة إلى عامة المسلمين القادرين، لما كان هناك وجه للعدول عن الخطاب إلى الغيبة حيث نرى أنّه سبحانه عندما يحكم على المؤمنين قاطبة يخاطبهم بقوله: (يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصيام) ، فلو كان هذا الحكم في هذه الفقرة حكماً شمولياً لكلّ المستطيعين، لكان الأُولى صياغة الحكم في قالب الخطاب، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ تلك الفقرة ترجع إلى صنف خاص وهم المتحمّلون للصوم بجهد ومشقة، فيكون هذا الصنف كالمسافر و المريض، صنفاً خاصاً يصلح لبيان الحكم في صيغة الغائب.

الثاني: انّ تلك الفقرة ناظرة إلى الذين أفطروا بلا عذر ثمّ عجزوا، ويؤيد ذلك رواية شاذة مرسلة.

روى ابن بكير عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في قول اللّه عزّ وجلّ: (وَعَلى الّذينَ يُطِيقُونهُ فِدْية طَعامُ مِسْكِين) قال: «الذين كانوا يطيقون الصوم وأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك، فعليهم لكلّ يوم مد».(1)

وهذا التفسير يشاطر التفسير السابق في كونه خلاف ظاهر الآية، لحاجتها إلى =


1 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.


(40)

ــــــــــــــــــــــــ
= تقدير «افطروا».

فالتفسير الصحيح هو ما قدّمناه، و يؤيده روايات عديدة، منها :

1. صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ يقول: «الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، و يتصدق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمد».(1)

2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان؟ قال: «يتصدق كلّ يوم بما يجزي من طعام مسكين».(2)

وبذلك تبيّن انّ ظاهر الآية هو العزيمة حيث إنّ ظاهرها انّ المكتوب على المطيقين هو الفدية لا غير، نظير ما ذكرنا في المريض و المسافر.

وأمّا الروايات فأكثرها أو جميعها بصدد بيان الفدية، وليست بصدد بيان كونها عزيمة أو رخصة. ومع ذلك تصحّ استفادة العزيمة وتعيّن الدية بالبيان التالي: انّ قوله : «يتصدّق كلّ يوم بما يجزي من طعام مسكين» في صحيحة ابن سنان، أو قوله: «ويتصدق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمُدّ من طعام» في صحيح محمد بن مسلم، ظاهر في كون التصدّق واجباً تعيينياًلا تخييرياً، إذ لو كان كذلك كان عليه أن يأتي بالعِدْل الآخر، فالسكوت مع كونه في مقام البيان آية كونه تعيينياً مع أنّه لم يرد في رواية ضعيفة فضلاً عن غيرها انّه مخيّر بين الأمرين.

وبذلك لا يمكن الاعتماد على ظهور قوله في الرواية الأُولى: «لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان»، لأنّه ورد في محل توهم الحظر، فالهدف رفع ذلك التوهّم، أي لا يحرم الإفطار، وأمّا كونه واجباً أو رخصة فخارج عن مصب الكلام. =


1 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1و5. ولاحظ الأحاديث :2، 3، 4، 7، 8، 9، 10، 11، 12من ذلك الباب.
2 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1و5. ولاحظ الأحاديث :2، 3، 4، 7، 8، 9، 10، 11، 12من ذلك الباب.


(41)

ــــــــــــــــــــــــ
= نعم ذهب جماعة منهم المحدّث البحراني والماتن إلى التخيير، قال في الحدائق: إنّ المراد من الآية هو من أمكنه الصوم بمشقة، فانّه قد جوّز له الإفطار والفدية. (1) وقد عرفت مدلول الآية.

وأمّا الفقرة الثالثة، أي قوله: (وَمَنْ تَطوّع خيراً فَهُو خَيْرٌ لَهُ)، فهوبمعنى انّ من زاد في الفدية فهو خير له، فلو زاد في الإطعام على مسكين واحد أو أطعم المسكين الواحد أكثر من الواجب فهو خير، والتطوع من الطوع بمعنى الانقياد، و المقصود من قوله :«خيراً» ما يقارب معنى المال، مثل قوله سبحانه: (إِنْ تَرَكَ خَيراً الوَصيَّة للوالِدين والأَقْرَبين بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى المُتَّقين) .(2)

ومن غريب القول تفسير تلك الفقرة بالصوم، وهو كما ترى لا صلة لها به.

وأمّا الفقرة الرابعة، أعني قوله: (وان تَصُومُوا خَيراً لَكُمْ)، فقد وقعت ذريعة لطائفتين:

الأُولى: من قال بأنّ الإفطار رخصة للمطيق.

الثانية: من قال بأنّ الإفطار رخصة للمسافر.

ولكن الإمعان فيها يثبت أنّها تتعلّق بالآية الأُولى، أعني قوله سبحانه: (يا أيّها الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام) ، والشاهد على ذلك ورودهما بصيغة الخطاب في كلا المقامين. فالفقرة ناظرة إلى أنّ التشريع الماضي بعامة خصوصياته خير لكم أيّها المؤمنون، فلو قلنا بأنّ الحاضر يصوم، والمريض والمسافر يصومان في أيّام أُخر، والمطيق ليس عليه صوم كلّ هذا من أجل خيركم وسعادتكم.

فلو كانت الفقرة الرابعة راجعة إلى المطيق أو المسافر والمريض، لكان الأنسب =


1 . الحدائق: 13/421.
2 . البقرة:180.


(42)

ــــــــــــــــــــــــ
= أن ترد الفقرة بصيغة الغائب، والحال انّها جاءت بصيغة الخطاب مشعرة بأنّها تخاطب عامة المسلمين لا صنفاً خاصاً.

هذا كلّه حول الآية الثانية، وأمّا الآية الثالثة فتتشكّل من الفقرات التالية:

أ: (شهر رمضان الّذي انزل فيه القرآن هدى للنّاس وبيّنات من الهدى وَالفُرقان) تريد الآية بيان تخصيص تلك الأيام بفريضة الصوم، وانّه شهر نزل فيه القرآن الذي فيه هدى للناس وآيات بيّنات واضحات فيها من الهداية والفرقان بين الحقّ والباطل.

(فَمَن شَهد مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْْهُ وَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْعَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر) أعاد سبحانه ذكر ما سبقه في الآية الثانية ردّاً على المتزمّتين الذين يظنون انّ الإفطار غير جائز بحال، ولقد صدّق الخَبَرَ الخُبْرُ.

روى مسلم عن جابر بن عبد اللّه، أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان ، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام ؟ فقال:«أُولئك العصاة، أُولئك العصاة».(1)

ج:(يُرِيدُ اللّه بِكُمُ اليُسْر وَلا يُرِيدُبِكُمُ العُسْر) ، وهو بيان لحكمة رفع الصيام عن الأصناف الثلاثة الذين أمروا بالإفطار، وتلك الحكمة طلب يسر الحياة لهم و دفع العسر عنهم من غير فرق بين المريض و المسافر و من يشقّ عليه الصيام.

وربما يستظهر منه بأنّ الإفطار رخصة حتى قال بعض المفسرين الشيعة بأنّه لولا الروايات الصحيحة عن أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ عن جدّهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لجزمنا بأنّ الإفطار =


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:7/232.


(43)

ــــــــــــــــــــــــ
= في السفر رخصة لا عزيمة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الإرادة في الآية إرادة تشريعية، ومعنى ذلك انّ المشروع هو الميسور لا المعسور، ومعه كيف يكون الصوم المعسور مشروعاً؟ كيف، و قد قال سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبيكُمْ إِبْراهيمَ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمينَ مِنْ قَبْل) (2) ، فالمجعول هو الحكم الذي ليس فيه حرج و ما على خلافه فليس بمجعول أي بمشروع.

د: (وَلِتُكْمُلُوا العِدَّة) ، وهي راجعة إلى لزوم القضاء للمريض والمسافر، أي انّ الموضوع منهما هو حكم الصيام في شهر رمضان، وأمّا القضاء بعدد الأيام المعدودات فلا وقد عرفت معنى القضاء في المقام.

هـ: (وَلِتُكَبِّروا اللّه عَلى ما هَداكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون)، الفقرة غاية لوجوب عقد الصيام، واللّه سبحانه يطلب من عباده تكبيره في مقابل هدايتهم حتى يكونوا شاكرين لنعمه.

تمّ الكلام في الفرع الأوّل.

2. وجوب الفدية وعمومه للعاجز والمطيق

اتّفقت كلمتهم على وجوب الفدية، إلاّما يحكى عن أبي الصلاح حيث اختار القول بالاستحباب، وعليه فلا يجب عليه الفدية كما لا يجب عليه الصوم.(3) وهو قول شاذّ، مخالف لصريح الآية من جعل الفدية على ذمة المطيقين حيث يقول: (وَعَلى الّذين يطيقونه فدية طعام مسكين) حيث تحكي عن ثبوتها عليهم، وما ربّما يستدل على =


1 . الكافي:1/285.
2 . الحج:78.
3 . عبارته في الكافي: 182 هكذا.


(44)

ــــــــــــــــــــــــ
= قوله برواية إبراهيم الكوفي، فسيوافيك توضيحها عن قريب.

ثمّ اختلفوا ـ بعد ما اتفقوا على وجوب الفدية ـ في وجوبها على خصوص المطيق، أو عمومها له و للعاجز. الأشهر هو الثاني.

ذهب ابن أبي عقيل، و ابن الجنيد، وابن بابويه في رسالته، والصدوق في المقنع، و الشيخ في النهاية والمبسوط والاقتصاد، وابن البراج، خلافاً للمفيد والسيد المرتضى وأبي الصلاح و سلاّر و ابن إدريس، و العلاّمة في مختلفه.(1)

وقد استدلّ على القول بالاختصاص بوجوه:

1.مقتضى الأصل هو البراءة وعدم الوجوب، وعلى القائل به إقامة الدليل عليه.

2. انّ الكفّارة إمّا بدل عن واجب، أو مسقطة لذنب صدر عن المكلف، وكلاهما منفيان.(2)

يلاحظ عليه: أنّ سبب إيجابها أعم منهما، إذ يمكن أن يكون سببه هو فوت المصلحة منهما، فتتدارك بالفدية.

3. قوله سبحانه (وَعَلى الّذين يُطيقُونه فدية طعام مسكين) ، حيث دلّ بمفهومه على سقوط الفدية عن العاجز الذي لا يطيقه أصلاً.

يلاحظ عليه : أنّ المفهوم في الآية أشبه بمفهوم اللقب، فانّ جعل الوجوب على المطيق لا يكون دليلاً على عدم وجوبه للعاجز.

والمهم في الاستدلال هو أصل البراءة كما مرّ.

وأمّا القول بالوجوب، فليس له دليل سوى توهّم وجود إطلاقات تعم كلا =


1 . لاحظ الأقوال في المختلف:3/542.
2 . المختلف:3/543.


(45)

ــــــــــــــــــــــــ
= الصنفين، وهو موضع تأمّل، فانّ العناوين الواردة فيها لا تتجاوز عمّا يلي:

1. «الشيخ الكبير» كما في حديثي محمد بن مسلم،(1) وحديث رفاعة.(2)

2. «الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم »كما في حديث عبدالملك بن عتبة(3) الهاشمي. والظاهر انّ الضعف قيد لكليهما لا لخصوص العجوز، بقرينة صحيح بن سنان، عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان، (4) و صحيح الحلبي.(5)

3. «الشيخ الكبير الذي لا يستطيع أو لا يقدر» كما في مرسلة العياشي، (6) ومعتبر أبي بصير،(7) و خبره الآخر،(8) ولا يبعد أن يكون المراد من القسم الثالث هو غير القادر عرفاً لا عقلاً، فيتحد مع القسم الثاني، إذ من البعيد أن يركز الحديث على العاجز، دون المطيق بجهد ومشقة، فتعيّن أن يكون المراد هو المطيق بمشقة، ولا جامع بين العاجز القادر ليستعمل فيه.

وبذينك القسمين يقيد القسم الأوّل الذي كان الموضوع فيه هو الشيخ الكبير بوجه مطلق.

بقي الكلام في حديث إبراهيم الكرخي الذي رواها الشيخ في التهذيب عن سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن خالد الطيالسي ، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه ولا يمكنه الركوع والسجود؟ فقال: «ليؤم برأسه إيماء » ـ إلى أن قال: قلت فالصيام؟ قال: «إذا كان في ذلك الحد، فقد وضع اللّه عنه، فإن كانت له مقدرة فصدقة مدّ عن طعام بدل =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 3 ، 8.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 3 ، 8.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4، 5، 9.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4، 5، 9.
5 . الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4، 5، 9.
6 . الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7، 11، 12.
7 . الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7، 11، 12.
8 . الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7، 11، 12.


(46)

ــــــــــــــــــــــــ
= كلّ يوم أحب إلى، وإن لم تكن له يسار ذلك فلا شيء عليه».(1)

أمّا السند، ففيه الطيالسي التميمي; فقد عنونه النجاشي في رجاله، والشيخ أيضاً في رجاله من أصحاب الكاظم و لم يوثقاه. (2)

و امّا إبراهيم الكرخي، فهو ثقة عندنا، لكونه من مشايخ ابن أبي عمير و صفوان ، له روايات في الكتب الأربعة.

وأمّا المتن فالرواية ظاهرة في العاجز دون المطيق، بقرينة قوله: «ولا يمكنه الركوع والسجود»، فلا مانع من الالتزام باستحباب الفدية في حقّه إذا كان له يسار، ولعله لأجل إدراك فضيلة شهر رمضان.

وبذلك يعلم أنّ الاستدلال بها على استحباب الفدية على المطيق في غير محله، لأنّ الموضوع هو العاجز، لا المطيق.

نعم لو قلنا بأنّ المراد هو المطيق بقرينة قوله«لضعفه»، فلا محيص من حمل «افعل» التفضيل على معنى لا ينافي الوجوب مثل قول يوسف (رَبّ السجن أحبّ إليّ مِمّا يدعونني إليه).(3)

أي السجن محبوب دون الآخر، ومثله المقام وهو انّ الفدية محبوبة دون تركها.

3.الواجب مدّ لا مدّان

المشهور أنّ الواجب هو مدّ من طعام، ذهب إليه ابن عقيل و ابن الجنيد وابنا =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث10.
2 . رجال النجاشي: رقم 911; رجال الشيخ برقم 26.
3 . يوسف:33.


(47)

ــــــــــــــــــــــــ
= بابويه و السيد المرتضى وسلاّر وابن إدريس. خلافاً للشيخ في المبسوط وابن البراج في المهذب، والطبرسي في المجمع، حيث قالوا بأنّ الواجب مدّان، فإن لم يتمكّن فمدّواحد.(1)

ولكن الأقوى هو القول الأوّل، وذلك لأنّه سبحانه يقول (فدية طعام مسكين)، والفدية بمعنى البدل و العوض، وقوله (طعام مسكين) عطف تفسير لها، و المراد قدر ما يأكله في موعد، بل يوم واحد، وهو يعادل مدّاً في أغلب الأفراد.

وأمّا الروايات، فهي على أصناف ثلاثة:

أ: ما يُفسِّر قوله سبحانه: (طعام مسكين) بمدّ، كما هو الحال في مرسلة ابن بكير و المروي عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى.(2)

ب: ما يدل على وجوب مدّ واحد، وعليه أكثر روايات الباب.(3)

ج: ما يدل على وجوب مدّين من طعام، و هو المروي عن أبي عبد اللّه بطريق محمد بن مسلم.(4)

وقد روى محمد بن مسلم مدّاً واحداً عن أبي جعفر كما مرّ، و على ذلك لا يمكن توحيد الروايتين، بزعم انّ الخطأ نشأ من جانب الرواة، لأنّه إنّما يتم إذا روى عن إمام واحد، ولكنّه نقله عن إمامين، فلا محيص من حمل المدّين على الاستحباب; وأمّا حمل المدّ الواحد على العاجز عن المدين، فهو جمع تبرّعي.=


1 . المختلف:3/545; مجمع البيان:1/274.
2 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6، 12.
3 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 4، 6، 10.
4 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.


(48)

ــــــــــــــــــــــــ
= جنس الطعام

لقد ورد في القرآن قوله سبحانه: ( طعام مسكين)، و قد مرّ منا(1) انّ الطعام ما يُتغذى من الحنطة وغيره، وهو في العرف اسم لما يؤكل كالشراب لما يُشرب، ومقتضى الإطلاق كفاية كلّ ما يؤكل عادة غداءً و عشاءً.

نعم ورد التقييد بالحنطة في رواية عبد الملك بن عتبة الهاشمي، وقد مرّ انّه لم يوثق.

4. وجوب القضاء إذا تمكّن

هل يجب القضاء لو تمكّنا من القضاء قبل حلول رمضان الآتي؟ ادّعى العلاّمة في «المختلف» الإجماع على عدم الوجوب.(2)

ومع ذلك يقول المحقّق في «الشرائع»: ثمّ إن أمكن القضاء وجب. و علّله في الجواهر بعموم من فاتته فريضة.(3)

يلاحظ عليه: عدم صدق الفوت وجوباً وملاكاً.

أمّا الأوّل فلما عرفت من عدم وجوبه عليه بل الواجب هو الفدية، وأمّا الملاك فلأنّه يُتدارك أو يحتمل تداركه بالفدية.

أضف إلى ذلك انّه يمكن استفادة عدم الوجوب من الوجهين التاليين:

أ: التصريح بعدم القضاء في صحيحة محمد بن مسلم.(4) =


1 . لاحظ الجزء الأوّل، الفصل السادس، المسألة 24.
2 . المختلف:3/545.
3 . الجواهر:17/147.
4 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.


(49)

الثالث:من به داء العطش فإنّه يفطر، سواء كان بحيث لا يقدر على الصبر، أو كان فيه مشقّة، ويجب عليه التصدّق بمدّ، والأحوط مدّان، من غير فرق بين ما إذا كان مرجو الزوال أم لا، والأحوط، بل الأقوى، وجوب القضاء عليه إذا تمكّن بعد ذلك، كما أنّ الأحوط أن يقتصر على مقدار الضرورة.*

ــــــــــــــــــــــــ
= ب: انّه ورد في صحيحة الحلبي و ابن سنان أنّ الفدية تجزي عن الصوم.

ففي صحيحة الحلبي يتصدق بما يجزي عنه (أي عن الصوم) طعام مسكين لكلّ يوم(1)، فقوله: (طعام مسكين) فاعل الفعل يجزي، فكأنّ الفدية تقوم مقام الصوم.

ومثلها صحيحة عبداللّه بن سنان، قال: يتصدّق كلّ يوم بما يجزي [عنه] من طعام مسكين.(2)

فقوله :من طعام مسكين بيان لفاعل الفعل، و الظاهر سقوط كلمة «عنه»، وظاهر الروايتين كفاية الفدية عن الصوم، فلا يبقى مجال للقضاء.

* . انّ من به داء العطش أي ذو العطاش (بضم العين)، وهو داء لا يروي صاحبه، محكوم بأحكام أربعة:

أ: يفطر في صورتي العجز والمشقة.

ب: يتصدّق بمدّ والأحوط مدّان.

ج: وجوب القضاء عند التمكّن.

د: الأحوط الاقتصار في الشرب على قدر الضرورة.

أمّا الأوّل، فالعاجز خارج عن محطّالبحث لعدم القدرة كخروجه عن قوله: (وَعَلى الّذينَ يُطيقُونهُ فِدية طَعام مِسْكِين)، فالأولى التركيز على صورة المشقة، وجواز =


1 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9، 5.
2 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9، 5.


(50)

ــــــــــــــــــــــــ
= إفطاره مورد اتفاق، لقوله سبحانه:(لا يُكَلّفُ اللّه نَفْساً إِلاّوُسعَها)(1)، وقوله سبحانه:(ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبيكُمْ إِبْراهيم هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلمين مِنْ قَبْل) .(2)

من غير فرق بين من يرجى برؤه و بين من لا يرجى، لأنّ الملاك هو المشقة وبرؤه وعدم برئه في المستقبل غير دخيل في الحكم.

أمّا الثاني، أي وجوب الكفّارة، فقد اتّفقت كلمتهم على وجوبها فيمن لا يرجى بُرؤه، ولم يخالف فيه أحد إلاّ ما نقل عن سلاّر.

نعم إنّما الاختلاف فيمن يرجى برؤه ويتوقع زواله.

فمن قائل بأنّه داخل في قوله سبحانه: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْعَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر) فحكم عليه بوجوب القضاء دون الفدية، كما هو حال كلّ مريض. و هو خيرة المفيد والسيد المرتضى وابن إدريس والعلاّمة في المختلف.(3)

إلى آخر قال بأنّه داخل في قوله: (وَعَلى الّذينَ يُطيقُونهُ) فحكم عليه بالفدية، وأمّا القضاء فسيوافيك.

والحقّ هو القول الثاني، وذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: انّ المراد من المريض المحكوم بالإفطار، من يضرّه الصوم فيوجب طولَ برئه أو شدّة مرضه، والصوم بالنسبة إلى داء العطاش ليس كذلك وإنّما هو يوجب المشقة عليه، لأنّه يسكن بشرب الماء، والصوم يخالفه، فلذلك يكون خارجاً عن عنوان المريض. =


1 . البقرة:287.
2 . الحج:78.
3 . مختلف الشيعة:3/547 ـ 548.


(51)

ــــــــــــــــــــــــ
= نعم لو قال الطبيب بأنّ الصوم يضرّ بهذا الداء، فهو موضوع جديد يحكم عليه بما حكم على المريض، ولكنّه نادر أو غير واقع.

الوجه الثاني: انّ الظاهر من الروايات انّ من به داء العطاش غير المريض.

1. صحيحة محمد بن مسلم عند تفسير قوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سَتّينَ مِسْكيناً) (أي في الظهار) قال: من مرض أو عطاش.(1)

2. خبر داود بن فرقد، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : فيمن ترك صوم ثلاثة أيّام في كلّ شهر، فقال: «إن كان من مرض فإذا برئ فليقضه، وإن كان من كبر أو عطش فبدل كلّ يوم مدّ».(2)

3. وخبره الآخر عن أخيه وفيه: «إن كان من مرض فإذا قوي فليصمه، وإن كان من كبر أو عطش فبدل كلّ يوم مدّ».(3)

وأمّا الثالث، أي وجوب القضاء عند التمكن، فقد ظهر عدم وجوبه وإن ذهب الماتن إلى وجوبه، وقد مضى انّ من قال به فقد جعله من أقسام المريض، وأمّا من جعله من أقسام غير المطيق فقد جعل الواجب عليه الفدية دون القضاء، وعلى أيّ تقدير فقد جاء التصريح بعدم القضاء في ذي العطاش في صحيح محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، يقول: «الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان ويتصدّقا كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمد من طعام ولا قضاء عليهما».(4) =


1 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ من الصوم، الحديث 3.
2 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 1.
3 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 8.
4 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث1.


(52)

الرابع: الحامل المقرب التي يضرّها الصوم أو يضرّ حملها فتفطر وتتصدّق من مالها بالمدّ أو المدّين وتقضي بعد ذلك. *

ــــــــــــــــــــــــ
= وأمّا الرابع وهو الاقتصار في الشرب بقدر الضرورة، فلم نجد له دليلاً صالحاً، نعم يكره التملّي من الشراب والغذاء، وهو غير الاقتصار بقدر الضرورة، وما استدل به عليه غير ظاهر.

1. روى عمار، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه ؟ قال: «يشرب بقدر ما يمسك رمقه، ولا يشرب حتى يروى».(1)

2. وما رواه المفضل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : انّ لنا فتيات وشباناً لا يقدرون على الصيام من شدّة ما يصيبهم من العطش، قال:« فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم وما يحذرون».(2)

وجه عدم الدلالة واضح، فانّ الحديثين ناظران إلى من يصيبه العطش لأجل الهواء وغيره فرخّص في الشرب بمقدار الضرورة ، وهو غير من به داء العطش طول العمر، فلا يمكن الاحتجاج بها عليه.

وبعبارة أُخرى: انّ من أصابه العطش يبقى على صومه إلاّبمقدار الضرورة، بخلاف من به داء العطاش فهو يفطر.

نعم لا يتملّى كسائر من رُخِّص لهم بالإفطار.

* الحامل المقرب التي يضرّ الصوم بأحدهما حكم عليها بالأحكام الأربعة:

الإفطار أوّلاً، و القضاء ثانياً، والتصدّق من مالها ثالثاً، بمقدار المدّ أو المدّين رابعاً. والظاهر من الماتن كغيره انّها عنوان مستقل غير داخل «فيما لا يطيقون»، وإلاّ =


1 . الوسائل: 7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1و2.
2 . الوسائل: 7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1و2.


(53)

ــــــــــــــــــــــــ
= يكفي التصدّق ولا يجب القضاء، ولا في عنوان المريض وإلاّ يلزم القضاء فقط دون التصدّق، فإيجابهما معاً يكشف عن كونه عنواناً مستقلاً عند الماتن وغيره ممن وافقه في القضاء والتصدّق.

أمّا الأوّل، أي الإفطار فموضع وفاق في كلتا الصورتين، فإذا أضر الصوم بالأُمّ يكفي في جواز الإفطار ما دلّ على أنّ الصوم المضرّ للصائم يفطر، وقد قلنا في محلّه انّ الموضوع إضرار الصوم بالصائم لا المريض سواء أكان مريضاً أو لا، فالصوم المضر موجب لجواز الإفطار، وأمّا إذا أضرّ بالحمل فتفطر لتقديم الأهم على المهم من حفظ النفس المحترمة. فعلى ذلك لو لم يكن للمسألة أصل تكفي القواعد العامّة في إثبات جواز الإفطار، مضافاً إلى وجود النص.

وأمّا الثاني أي وجوب القضاء، فلم يعرف فيه خلاف سوى ما نقل عن ابن بابويه، و سوى ما نقله العلاّمة في «المنتهى»(1) عن سلاّر.

قال ابن بابويه: المرأة الحامل... فعليهم جميعاً الإفطار والتصدّق عن كلّ يوم بمدّمن طعام و ليس عليهم قضاء.

قال العلاّمة: و هذا الكلام يشعر بسقوط القضاء في حقّ الحامل والمرضع والمشهور بين علمائنا وجوب القضاء عليهم.

ويدلّ على وجوب القضاء صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ يقول:« الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان، لأنّهما لا تطيقان الصوم، وعليهما أن تتصدق كلّ واحد منهما في كلّ يوم تفطر فيه بمدّمن طعام، وعليهما قضاء كلّ يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد».(2) =


1 . الحدائق:13/427.
2 . الوسائل: 7، الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.


(54)

ــــــــــــــــــــــــ
= ولعل ابن بابويه اعتمد في نفي القضاء على قوله: «لا تطيقان الصوم» في نفس الرواية، فأدخله في (وعلى الّذين يطيقونه)، ولكنّه إشعار لا يقابل مع التصريح الوارد فيها على القضاء.

ثمّ إنّه ربّما يستدل على عدم وجوب القضاء بصحيحة عبداللّه بن مسكان، عن محمد بن جعفر، قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ : إنّ امرأتي جعلت على نفسها صوم شهرين، فوضعت ولدها وأدركها الحبل فلم تقو على الصوم؟قال: «فلتصدّق مكان يوم بمدّعلى مسكين».(1)

وجه الدلالة عدم تعرضه للقضاء، ولكنّه غير تام، إذ غايتهالاشعار و هو لا يعادل التصريح َالوارد في صحيحة محمد بن مسلم السابقة، مضافاً إلى ورودها في مورد النذر، فلا يقاس عليه شهر رمضان، هذا كلّه حول الدلالة، و أمّا السند فطريق الصدوق إلى ابن مسكان و إن كان صحيحاً، لكن محمد بن جعفر الذي يروي عنه عدّة، مثل ابن مسكان و إبراهيم بن هاشم و أبي العباس الكوفي مجهول لم يُعرف، فلا يصلح للاستدلال.

وأمّا الثالث، أي وجوب التصدّق فهو محل وفاق فيما إذا أضرّ بالولد، وأمّا إذا أضرّ بنفس الحامل فهو محل خلاف.

قال العلاّمة في «المنتهى»: الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وعليهما القضاء، وهو قول فقهاء الإسلام و لا كفارة عليهما; ولو خافتا على الولد من الصوم فلهما الإفطار أيضاً، وهو قول علماء الإسلام، و يجب عليهما القضاء إجماعاً، إلاّ من سلاّر من علمائنا، ويجب عليهما التصدّق في كلّ يوم بمدّ من طعام، ذهب إليه علماؤنا. =


1 . الوسائل: 7، الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.


(55)

ــــــــــــــــــــــــ
= ويظهر من الشهيد في «الدروس» انّ التفصيل هو مذهب الأصحاب، وهو خيرة المحقق الثاني في حاشية الإرشاد، حتى أنّ المتقدمين كالشيخ المفيد في «المقنعة» والطوسي في «المبسوط» وابن إدريس في «السرائر » ذكروا خصوص الخوف على الولد فأوجبوا الإفطار والقضاء والفدية في ذلك، وأمّا الخوف على أنفسهما فلم يذكروا حكمه، وجعلوه من قبيل سائر الأمراض، فاستندوا في حكمه إلى عموم أخبار المرض من وجوب الإفطار والقضاء خاصة.(1)

ولكن ذهب المحقّق في «الشرائع» و«المعتبر» إلى القضاء والفدية معاً، وعليه الماتن، والدليل على وجوب الفدية إطلاق صحيح محمد بن مسلم الماضي.

وربما يقال بانصراف الصحيح إلى ما إذا أضرّالصوم بالحمل بقرينة تقييد الحامل بالمقرب، والمرضعة القليلة اللبن وكلاهما مظنة الضرر به لا بنفسها. وإلاّلكان التقييد بهما لغواً.(2)

يلاحظ عليه: من أين نعلم أنّ صوم المقرب يضرّ بالولد، لا بالأُمّ؟ فانّ هذه الحالة من أخطر الحالات على الأُمّ والولد معاً، لا الولد وحده. نعم لوحصل الوثوق من قول الطبيب وغيره انّ الصوم يضرّ بالأُمّ سواء أكانت حاملاً أم لا على نحو لا يكون للحمل أيّ تأثير في طروء الضرر، فلا مانع من إلحاقه بالمريض والحكم بالقضاء وحده كما يأتي في المرضعة القليلة اللبن.

فإن قلت: إنّ النسبة بين الآية المباركة وصحيح الحلبي، عموم وخصوص من وجه، فانّها تشمل ما يضرّ به الصوم حاملاً كانت أو حائلاً، بخلاف الصحيح فانّه مختص بالحامل، لكنّه أعم من أن يضرّ بالأُمّ أو الولد، فتصدق الآية في مورد غير =


1 . لاحظ في الوقوف على مصادر هذه الأقوال: الحدائق الناضرة: 13/427ـ 428.
2 . مستند العروة:2/56.


(56)

الخامس: المرضعة القليلة اللّبن إذا أضرّ بها الصوم أو أضرّ بالولد ولا فرق بين أن يكون الولد لها أو متبرّعة برضاعه أو مستأجرة ويجب عليها التصدّق بالمدّ أو المدّين أيضاً من مالها والقضاء بعد ذلك، والأحوط، بل الأقوى الاقتصار على صورة عدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع تبرّعاً أو بأُجرة من أبيه أو منها أو من متبرّع.*

ــــــــــــــــــــــــ
= الحامل، دون الصحيح، كما انّه يصدق فيما أضرّ بالولد وحده، دون الأُمّ في الآية، ويجتمعان في الحامل الّتي يضر الصوم بها دون الولد، فمقتضى الآية هو كفاية القضاء، لكن مقتضى الصحيح ضم الفدية إليه فيتساقطان ويرجع في مورد الاجتماع إلى أصل البراءة.

يلاحظ عليه: أنّ مقتضى القاعدة هو تقدّم صراحة النصّ في لزوم الفدية على ظهور الآية في عدم وجوبها من خلال سكوتها فيها، وعلى ذلك فالأحوط لو لم يكن الأقوى ضمّ الكفارة إذا كان يضرّبالأُم وحدها.

وأمّا الرابع، أعني: مقدار الفدية من مالها فهو المدّ، كما في الصحيح، ولا وجه لاحتمال المدّين لتصريح الصحيح بأنّ الواجب هو المدّ، نعم جاء المدّان في الشيخ والشيخة في بعض الروايات، و قد عرفت أنّه محمول على الاستحباب .

ثمّ إنّ ظاهر المتن وغيره انّها تخرج المدّمن مالها لا من مال زوجها وانّها ليست من النفقة و هو بعدُ موضع نظر، لأنّ الكفارة إحدى حاجاتها الضرورية كالدواء، مضافاً إلى أنّ الزوج أيضاً دخيل في لزومها عليها و كون الواجب هو بذل المسكن والمطعم و الملبس، محمول على الغالب، إذ لا تنحصر نفقاتها الضرورية أو ما تناسب حالها بها كما لا يخفى. وقد أوضحنا حالها في كتاب النفقات من النكاح.

*حكم المرضعة القليلة اللبن حكم الحامل في كلتا الصورتين، أي سواء أضرّ =


(57)

ــــــــــــــــــــــــ
= الصوم بها أو بولدها، في أنّها تفطر أوّلاً، و تقضي ثانياً، وتكفّر من مالها ثالثاً، من غير فرق بين كون الولد لها أو متبرعة برضاعه أو مستأجرة، والدليل الوحيد هو إطلاق الصحيح المتقدّم الذي يعمّ الأصناف الثلاثة.

وربما يقال بانصراف الصحيح بقرينة «القليلة اللبن» إلى ما إذا أضرّ بالولد من خلال قلّة اللبن، ضرورة عدم الفرق في الخوف على النفس بين كونها قليلة اللبن أو كثيرته، مرضعة كانت أو غير مرضعة، فانّ الخوف المزبور متى عرض ولأيّ شخص تحقّق، فهو داخل في عنوان المريض، و محكوم بالإفطار والقضاء دون الفداء.(1)

قلت: مرّ الكلام فيه في أنّه لو ثبت انّ الصوم يضرّ بالأُم مطلقاً، مرضعة كانت أو لا، قليلة اللبن كانت أو لا، فهي خارجة عن النص، و أمّا إذا كان لهذه الحالة أي كونها مرضعة، تأثير في إضرار الصوم بها دون ما إذا لم يكن كذلك فهو داخل تحت الصحيح. إنّما الكلام في اختصاص الحكم بصورة عدم وجود المندوحة من مرضعة أُخرى أو الانتفاع من حليب الدواب أو الحليب المجفف.

يظهر اشتراط عدم المندوحة من الشهيدين في الدروس والروضة. قال الأوّل: لا فرق بين المستأجرة والمتبرعة إلاّأن يقوم غيرها مقامها، ـ ثمّ قال: ـلو قام غير الأُم مقامها، روعي صلاح الطفل، ... ثمّ بالأجنبية فالأقرب عدم جواز إفطارها، هذا مع التبرع أو تساوي الأُجرتين، ولو طلبت الأجنبية زيادة لم يجب تسليمه إليها وجاز الإفطار. وقال ثاني الشهيدين : لو قام غيرها مقامها متبرعاً أو أخذ مثلها أو أنقص امتنع الإفطار.(2)

واستدلّ على ذلك مضافاً إلى وجوب المقدمة التي لا تقتضي ضرراً أو قبحاً، بمكاتبة علي بن مهزيار التي رواها صاحب الوسائل عن ابن إدريس في «مستطرفات =


1 . مستند العروة:2/58.
2 . الدروس:1/292،. الروضة البهية:2/130.


(58)

ــــــــــــــــــــــــ
= السرائر» نقلاً عن كتاب «مسائل الرجال» رواية أحمد بن محمد بن الجوهري وعبد اللّه بن جعفر الحميري جميعاً ، عن علي بن مهزيار، قال : كتبت إليه ـ يعني: علي بن محمد ـ عليه السَّلام ـ ـ أسأله عن امرأة ترضع ولدها وغير ولدها في شهر رمضان فيشتدَّ عليها الصوم وهي ترضع حتى يُغشى عليها، ولا تقدر على الصيام، أترضع و تفطر وتقضي صيامها إذا أمكنها، أو تدع الرضاع وتصوم، فإن كانت ممّن لا يمكنها اتّخاذ من يرضع ولدها فكيف تـصنع؟!

فكتب: «إن كانت ممن يمكنها اتخاذ ظئر استرضعت لولدها وأتمت صيامها، وإن كان ذلك لا يمكنها أفطرت وأرضعت ولدها وقضت صيامها متى ما أمكنها».(1)

والحديث ـ لو صحّ ـ دليل على شرطية عدم المندوحة، و في الوقت نفسه دليل على سقوط الكفارة فيما إذا أضرّ الصوم بالأُمّ ، كما أشرنا إليه في مورده.

لا غبار على دلالة الرواية للتفصيل إنّما الكلام في سندها، فانّها أخذت من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا أبي الحسن علي الهادي ـ سلام اللّه عليه ـ والأجوبة عن ذلك. وقد روى تلك الأسئلة والأجوبة عن أصحابه ـ عليه السَّلام ـ اثنان:

1.أحمد بن محمد بن عبيد اللّه بن الحسن بن عياش الجوهري الذي عرّفه النجاشي بقوله: رأيت هذا الشيخ و كان صديقاً لي ولوالدي، وسمعت منه شيئاً كثيراً، ورأيت شيوخنا يضعّفونه، فلم أرو عنه وتجنّبته، مات 401هـ.(2)

2. عبد اللّه بن جعفر الذي يصفه النجاشي بقوله : شيخ القميين ووجههم، قدم الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين، صنف كتباً كثيرة.(3) =


1 . الوسائل:7، الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث3.
2 . رجال النجاشي:1/225، برقم 205.
3 . رجال النجاشي: 2/18 برقم 571.


(59)

ــــــــــــــــــــــــ
= قال الشيخ الطوسي: ثقة، له كتب. وذكره أيضاً في رجال الإمام الرضا والهادي ـ عليهما السَّلام ـ .

و بما انّ الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ توفّي عام 203هـ، فيكون من المعمّرين، لأنّه قدم الكوفة كما عرفت سنة نيف وتسعين ومائتين.

وبذلك يعلم أنّ الراويين غير معاصرين لطول الفاصل الزماني، والأوّل لم يوثّق بخلاف الثاني.

ثمّ إنّهما رويا في ذلك الكتاب أجوبة الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ وجواباته لكتب أصحابه، وممّن سأله أو كتب إليه.

1. أيوب بن نوح.

2. أحمد بن محمد.

3. علي بن الريان.

4. داود الصرمي.

5. بشر بن البشار.

6. علي بن مهزيار.

7. محمد بن علي بن عيسى.

إلى غيرهم ممّن نقلوا الأسئلة والأجوبة مباشرة أو بتوسيط رجال آخرين.(1)

هذا هو حال الكتاب، ومع ذلك ففي الاحتجاج به إشكال.

أوّلاً: الظاهر انّه لم يكن لابن إدريس سند إلى تلك المجموعة وإنّما نقل عنها بالوجادة، إذ لو كان له سند لذكره. =


1 . لاحظ كتاب السرائر:3/281 للاطّلاع على خصوصيات هؤلاء.


(60)

ــــــــــــــــــــــــ
= وثانياً: لم يعلم أنّ المكاتبة هل نقلها كلاهما أو نقلها واحد منهما؟ وإن كان الظاهر ممّا ذكره ابن إدريس في مقدمة كتابه انّها من رواياتهما.

مضافاً إلى أنّ إلزام الأُم بإرضاع ولدها بلبن الدواب أو الحليب المجفّف أمر حرجيّ على الأُمّ لا تطيبه نفسها، إذ كيف تترك لبن ثديها و ترضعه بلبن غيرها.

ولو عملنا بالرواية فلابدّمن حمل المتبرعة على من وجب عليها الإرضاع عيناً، للانحصار، وإلاّ فلا يجوز لها الإفطار مع قيام أُمّ الولد أو غيرها بالإرضاع .


(61)

الفصل الثاني عشر
في طرق ثبوت هلال رمضان وشوّال
للصوم والإفطار

وهي أُمور:

الأوّل: رؤية المكلّف نفسه.

الثاني: التواتر.

الثالث: الشياع المفيد للعلم، وفي حكمه كلّ ما يفيد العلم ولو بمعاونة القرائن، فمن حصل له العلم بأحد الوجوه المذكورة وجب عليه العمل به، وإن لم يوافقه أحد، بل وإن شهد وردّ الحاكم شهادته.

الرابع: مضيّ ثلاثين يوماً من هلال شعبان أو ثلاثين يوماً من هلال رمضان، فإنّه يجب الصوم معه في الأوّل والإفطار في الثاني.*

ــــــــــــــــــــــــ
* تخصيص هذه الطرق لثبوت هلال رمضان وشوال لا يعني اختصاصها بهما، بل لمّا كان البحث منعقداً في ثبوتهما دون غيرهما خُصَّ هلال رمضان وشوال في العنوان بالذكر.

مضافاً إلى أنّه محل الابتلاء لعامة الناس، وإلاّفالطرق المذكورة تشمل ثبوت =


(62)

ــــــــــــــــــــــــ
= مطلق الهلال.

وهذه الطرق الأربعة كلّها مفيدة للعلم، والعلم في المقام طريق محض يكون حجّة مطلقاً، و مع ذلك فلنطرح كلّ واحد على بساط الدراسة.

أمّا الأوّل: أعني رؤية المكلّف، فيكفي في ثبوت الهلال بها لنفس الرائي قوله سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ) .(1)

فإنّ رؤية الهلال مع اجتماع سائر الشروط عبارة أُخرى عن شهود الشهر، مضافاً إلى الروايات الواردة التي نقتصر منها على صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: إنّه سئل عن الأهلة؟ فقال: «هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال، فصم. وإذا رأيته فافطر».(2)

وهل تكفي الرؤية بالعين المسلّحة أو لا ؟ سيوافيك الكلام فيه.

وأمّا الثاني: أي ثبوت الهلال بالتواتر، فلأجل انّه حجّة قطعية إذا اجتمعت فيه شروطها التي بيّنها علماء الدراية.

وأمّا الثالث: أي الشياع المفيد للعلم، فقد علّله في المنتهى بأنّه نوع تواتر يفيد العلم، ومع ذلك فالشياع المفيد للعلم غير الخبر المتواتر.

وقد تضافرت الروايات على حجّية الشياع المفيد للعلم، نذكر منها ما هو المهم في هذا الصدد.

أ: ما رواه عبد الحميد الأزدي، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أكون في الجبل في القرية، فيها خمسمائة من الناس، فقال: «إذا كان كذلك، فصم لصيامهم وأفطر =


1 . البقرة:182.
2 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث6. وهو متحد مع المروي برقم 7 ولاحظ أيضاً في ذلك الصدد، الحديث 3، 8، 9، 11، 13.


(63)

ــــــــــــــــــــــــ
= لفطرهم».(1)

وإطلاقه يعم ما يفيد الظن أو العلم.

ب: خبر زياد بن منذر العبدي، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي ـ عليه السَّلام ـ يقول: «صم حين يصوم الناس وأفطر حين يفطر الناس، فانّ اللّه عزّوجلّ جعل الأهلّة مواقيت».(2)

وإطلاقه مثل ما سبق.

ج: موثقة سماعة انّه سأل أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن اليوم في شهر رمضان، يختلف فيه؟ قال: «إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل مصر خمسمائة إنسان».(3)

ولعلّ ورود الحديث في شرطية إفادة العلم أقوى من إطلاقها حيث يقيد الجماعة بالعدد المزبور.

وعلى كلّ تقدير لا يمكن الأخذ بإطلاقها لما في غير واحد من الروايات انّ شهر رمضان ليس بالرأي ولا بالتظنّي.

ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ :« إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالرأي ولا بالتظنّي ولكن بالرؤية».(4)

وصحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: «إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلا تؤدّوا بالتظنّي».(5)

وبالإمعان في هذه الروايات يعلم الفرق بين التواتر والشياع، فالتواتر عبارة عن =


1 . الوسائل: 7، الباب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3، 4، 6.
2 . الوسائل: 7، الباب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3، 4، 6.
3 . الوسائل: 7، الباب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3، 4، 6.
4 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.
5 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 10.


(64)

الخامس: البيّنة الشرعيّة وهي خبر عدلين، سواء شهدا عند الحاكم وقبل شهادتهما أو لم يشهدا عنده، أو شهدا وردّ شهادتهما، فكلّ من شهد عنده عدلان يجوز بل يجب عليه ترتيب الأثر من الصوم أو الإفطار، ولا فرق بين أن تكون البيّنة من البلد أو من خارجه وبين وجود العلّة في السماء وعدمها. *

ــــــــــــــــــــــــ
= إخبار جماعة عن الرؤية يمتنع تواطؤهم على الكذب، وأمّا الشياع فهو ذياع خبر الرؤية بين الناس دون تكذيب.

ففي موثقة عبداللّه بن بكير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «صم للرؤية ، وأفطر للرؤية، وليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل والرجلان فيقولا رأينا، إنّما الرؤية أن يقول القائل: رأيت فيقول القوم: صدق».(1)

وأمّا الرابع: أي مضي ثلاثين يوماً من هلال شعبان; فيدل عليه مضافاً إلى أنّ الشهر لا يكون أزيد من ثلاثين صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً، أمر الإمام بالإفطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، وإن شهدا بعد زوال الشمس أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم و أخّر الصلاة إلى الغد فصلّى بهم».(2)

هذه هي الطرق العلمية التي لا تحتاج إلى بسط الكلام فيها، إنّما الكلام في غير تلك الطرق.

في حجّية البيّنة

*. الطريق الخامس لثبوت الهلال هو قيام البيّنة على رؤيته، وقد اختلفت =


1 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث 14.
2 . الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1; ولاحظ الباب 8، الحديث 1.


(65)

ــــــــــــــــــــــــ
= الأقوال في حجيتها على التفصيل الآتي:

أ: المشهور هوحجّيّتها مطلقاً، سواء أكانت السماء صافية أم لا، وسواء أكانت من البلد أم من خارجه. وهذا قول ابن الجنيد، والمفيد، والمرتضى، وابن إدريس، والمحقّق في «الشرائع»، ونسبه في الجواهر إلى المشهور.(1)

ب: لا تقبل مطلقاً. نقله المحقّق في «الشرائع» واعترف في الجواهر بأنّه لم يعرف القائل به.

ج: يثبت بالشاهد الواحد في أوّله. وهوخيرة سلاّر في مراسمه.(2)

د: ما اختاره الشيخ ومن تبعه، وهو انّه إذا كانت السماء صافية وطُلب فلم يُر، فالحجة هو شهادة خمسين من خارج البلد دون البيّنة ، وإن كان في السماء غيم أو غبار فيثبت بشهادة خمسين من أهل البلد وعدلين من خارجه.

وعلى ذلك فالشيخ اعتبر قول العدلين في صورتين:

الصورة الأُولى: إذا كانت السماء صافية ولم يُستهلّ فالبيّنة حجّة بلا ريب. نعم لو استهل والسماء صافية فلم يره إلاّ اثنان فليست بحجّة.

الصورة الثانية: إذا لم تكن السماء صافية، فشهادة عدلين من خارج البلد حجّة.

وعلى كلّ حال فقد مال صاحب الحدائق إلى قول الشيخ، و قال: إنّ محل البحث ليست في حجّية البيّنة، وإنّما الكلام فيما إذا كانت السماء خالية من العلّة المانعة للرؤية وتوجه الناس إلى رؤيته، فالمشهور على حجّية قولهما والشيخ على عدم حجّيته.(3)

وأمّا أهل السنّة فهم يفرّقون بين ثبوت هلال رمضان و هلال شوال. =


1 . الجواهر:16/355.
2 . المراسم:96.
3 . الحدائق:13/256.


(66)

ــــــــــــــــــــــــ
= قال الخرقي في متن المغني: وإن كان عدلاً صُوِّم الناس بقوله.

وقال ابن قدامة في شرحه: المشهور عن أحمد انّه يقبل في هلال رمضان قول واحد عدل، ويلزم الناس الصيام بقوله. وهو قول عمر و علي وابن عمر و ابن مالك والشافعي في الصحيح عنه. وروي عن أحمد انّه قال:[قول ]اثنين أعجب إليّ.

قال أبو بكر (يريد الخلاّل): إذا رآه واحد وحده ثمّ قدم المصر صام الناس بقوله، وإن كان الواحد في جماعة الناس فذكر انّه رآه دونهم، لم يقبل إلاّ قول اثنين، لأنّهم يعاينون ما عاين.

وقال أبو حنيفة في الغيم كقولنا: وفي الصحو لا يقبل إلاّ الاستفاضة، لأنّه لا يجوز أن تنظر الجماعة إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة والموانع مرتفعة فيراه واحد دون الباقين.(1)

هذه هي الأقوال.

حجّة القول المشهور

استفاضت الروايات على حجّية قول العدلين في ثبوت الهلال مطلقاً، وهي تناهز حد التضافر، وقد نقل قسماً منها الشيخ الحر العاملي في الباب الحادي عشر، وأحال قسماً منها إلى أبواب أُخرى تقدّم في الكتاب أو يأتي، ولو انضم إلى الروايات الخاصة بحجيّة البيّنة في ثبوت الهلال، ما دل على حجّيتها على وجه الإطلاق هلالاً كان أو غيره لبلغ الدليل إلى حدّ التواتر.

والروايات الواردة في خصوص الهلال على أصناف ثلاثة:

الأوّل: ما ورد لغاية ردّ شهادة النساء أو شهادة الواحد من الرجال أو غير =


1 . المغني:3/92ـ93.


(67)

ــــــــــــــــــــــــ
= العدلين منهم، وليس ناظراً إلى إضفاء الحجّية على البيّنة، وكأنّه يُسلّم انّ البيّنة حجّة، ويركّز الكلام على سلب الحجّية عن غيرها.

وبذلك لا يمكن التمسك بإطلاق هذا الصنف، لأنّها ليست بصدد إضفاء الحجّية عليها حتى يؤخذ بإطلاقه وتكون حجّة في الغيم والصحو.

الثاني: ما ورد لأجل إضفاء الحجّية على البيّنة وانّها حجّة مطلقاً، فيمكن التمسّك بإطلاقه في الموارد المذكورة.

الثالث: ما ورد لبيان انّ البيّنة التي تشهد القرائن على خطئها لا تكون حجّة.

وبعبارة أُخرى أنّها ليست بصدد بيان سلب الحجّية عن البيّنة، وإنّما هي بصدد بيان انّ القرائن إذا شهدت على خطأ العدلين في شهادتهما (وإن كانا صادقين في أنفسهما) لا يُؤخذ بها ، كما إذا كانت السماء صاحية واستهل جمّ غفير فلم ير أحد إلاّالرجلين، فلا يُعتدّ بهما وإن كانا صادقين في ادّعائهما، لأنّه من البعيد بمكان أن يراه اثنان ولا يراه مائة.

هذه هي خلاصة تلك الأقسام، وإليك نقلها حتى يتضح مدى صحّة هذا التقسيم.

الصنف الأوّل: ما هو بصدد سلب الحجّية عن شهادة النساء

1. روى الكليني بسند صحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أنّ علياً كان يقول: «لا أُجيز في الهلال إلاّشهادة رجلين عدلين».(1)

2. وروى أيضاً بسند صحيح عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : لا تجوز شهادة النساء في الهلال، ولا يجوز إلاّ شهادة رجلين =


1 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.


(68)

ــــــــــــــــــــــــ
= عدلين».

3. ما ر(1)واه الحلبي أيضاً عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال علي ـ عليه السَّلام ـ : لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلاّشهادة رجلين عدلين».(2)

4. روى الشيخ بهذا الاسناد عن أبي عبد اللّه أنّ علياً كان يقول: «لا أُجيز في رؤية الهلال إلاّشهادة رجلين عدلين».(3)

5. ما رواه شعيب بن يعقوب، عن جعفر، عن أبيه أنّ علياً، قال: «لا أُجيز في الطلاق ولا في الهلال إلاّرجلين».(4)

6. روى داود بن الحصين، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث طويل قال: «لا تجوز شهادة النساء في الفطر إلاّ شهادة رجلين عدلين، ولا بأس في الصوم بشهادة النساء ولو امرأة واحدة».(5) وسيوافيك توضيح هذا الحديث عن قريب.

هذه الروايات الست التي استدل بها على حجّية البيّنة في ثبوت الهلال لا يخلو من إشكال، لأنّ الجميع بصدد ردّ شهادة النساء أو شهادة الواحد، بشهادة حديث حمّاد ـ وغيره ـ،عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «لا تجوز شهادة النساء في الهلال، ولا يجوز إلاّ شهادة رجلين عدلين».

وعلى ذلك فلا يصحّ الاعتماد على إطلاق هذه الروايات، لأنّها ليست بصدد إعطاء الحجّية للبيّنة الذي نحن نرتئيه.

الصنف الثاني: ما هو بصدد إعطاء الحجية للبيّنة في مورد ثبوت الهلال، و هو كالتالي: =


1 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3، 7، 8.
2 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3، 7، 8.
3 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3، 7، 8.
4 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث9و 15.
5 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث9و 15.


(69)

ــــــــــــــــــــــــ
= 1. كصحيحة منصور بن حازم (إذا كان الحسن الوارد في السند هو الحسن بن محبوب، وأمّا لو كان المراد الحسن بن فضّال فالرواية موثّقة) عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: «صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته، فإن شهد عندكم شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه».(1)

2. و ما رواه حمّاد، عن شعيب (والمراد شعيب أبو يعقوب العقرقوفي الذي وثّقه النجاشي)، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال: «لا يقضه إلاّأن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة، متى كان رأس الشهر».(2)

3. صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه بيّنة عدل من المسلمين».(3)

ومقتضى إطلاق هذه الروايات حجّية البيّنة في جميع الأحوال، مضافاً إلى ما رواه المفيد في مقنعته،(4) و ابن عيسى في نوادره.(5)

وهذا المقدار من الروايات حجة قاطعة على حجّية البيّنة، مضافاً إلى ما ورد في حجّية البيّنة على وجه الإطلاق.

الصنف الثالث: ما يدلّ على أنّ البيّنة إذا شهدت القرائن على خطئها ليست بحجّة.

وبعبارة أُخرى: انّ البيّنة حجّة لإفادتها الوثوق، فإذا كانت هناك قرائن تدلّ على خلاف ما تدّعيه البيّنة فلا يؤخذ بها.=


1 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4، 5.
2 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4، 5.
3 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6، 16، 17.
4 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6، 16، 17.
5 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6، 16، 17.


(70)

ــــــــــــــــــــــــ
= وإليك بيانه:

1. ما رواه الشيخ، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبدالرحمن، عن حبيب الخزاعي، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً عدد القسامة.

وإنّما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علّة، فأخبرا انّهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية وأفطروا للرؤية».(1)

والاحتجاج بالحديث فرع صحّة السند، وهو ليس كذلك، لا لأجل وقوع إسماعيل بن مرّار في السند، لأنّه ثقة بشهادة انّه لم يستثنه ابن الوليد ممّن يروي الكتب الروائية ليونس، قال ابن الوليد: كتب يونس التي هي بالروايات كلّها صحيحة معتمد عليها إلاّ ما ينفرد به محمد بن عيسى العبيد. بل لأجل حبيب الخزاعي (أو الجماعي أوالقناعي) كما في التهذيب فانّه لم يوثق.

وأمّا حبيب الخثعمي فهو ثقة، لكن الوارد في التهذيب هو أحد الأوصاف الثلاثة الماضية لا «الخثعمي»، ولم يعلم من أين جاء وصف الخثعمي في نسخة الوسائل.

هذا حال السند، وأمّا الرواية فالفقرة الأُولى ناظرة إلى ما إذا كانت السماء صافية، وتدلّ على عدم جواز الأخذ بالبيّنة، لا لقصور في حجّيتها، بل لأجل انّه إذاكانت السماء صافية واستهلّ الناس يراه أكثرهم ولا تختص الرؤية بالعدلين، وهذا يدل على خطئهما ولذلك شرط الإمام عدد القسامة.

وأمّا الفقرة الثانية، فهي ناظرة فيما إذا كانت في السماء علّة، فقال بحجّية البيّنة =


1 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13.


(71)

ــــــــــــــــــــــــ
= بشرط أن يكونا من خارج البلد، لأنّ السماء إذا كان فيها غيم واستهل الناس، كيف يصحّ أن يراه اثنان ولا يراه الجميع؟!

وأمّا العدلان الواردان من خارج المصر فيؤخذ بقولهما، لاحتمال انّ السماء كانت هناك صافية فتمكّنا من رؤيته، ولذلك ينقلان رؤية الآخرين أيضاً في المكان الذي كانا فيه، وعلى هذا البيان فالبيّنة حجّة إذا لم تقترن بقرائن تشهد على خطئها.

نعم إذا كانت السماء صافية ولم يستهل الناس إلاّالعدلان أو ثلاثة، فرآه العدلان، فقولهما حجّة، إذ ليس هناك ما يدل على خطئهما، أو كانت السماء غيماً ولم يستهل إلاّقليل، فرآه عدلان، فتكون حجّة.

وبهذا البيان تقف على مضمون الأحاديث الأُخرى الواردة في هذا المضمار.

2. ما رواه علي بن مهزيار، عن الحسن، عن القاسم بن عروة، عن أبي العباس، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «الصوم للرؤية ، والفطر للرؤية ، وليست الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولا خمسون».(1)

أمّا السند فالمراد من الحسن هو حسن بن فضّال، وعلى احتمال الحسن بن محبوب.

وأمّا القاسم بن عروة، قال النجاشي: بغدادي وبها مات. ولكن المفيد وثّقه في كتاب المسائل الصاغانية. وذكره الكشي وقال: إنّه روى عنه الفضل. وذكره ابن داود في القسم الممدوح من كتابه، وهو من مشايخ ابن أبي عمير والبزنطي، وله أكثر من مائة وخمس وعشرين رواية، وهذا المقدار من القرائن يورث الاعتماد عليه.

وأمّا أبو العباس، فالمراد الفضل بن عبد الملك المعروف بالبقباق الثقة.=


1 . الوسائل: 7، الباب 11، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 12.


(72)

ــــــــــــــــــــــــ
= وأمّا الدلالة، فالظاهر انّ الرواية ناظرة إلى ما إذا كانت السماء صافية، فنفى حجّية قول واحد واثنين حتى الخمسين مع أنّ الرواية السابقة نصّت على حجّية الأخير، وذلك لأنّ القرائن تشهد على خطئهم، كما إذا استهلّت أُمة كبيرة وجمّ غفير يعد بالآلاف فلم ير إلاّخمسون.

ويحتمل أن يكون عدد الخمسين من باب المثال، والمراد انّه لا يعتد بقول القليل في مقابل الكثير الذين كانوا مثلهم في حدّة البصر.

3. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالرأي ولا بالتظنّي ولكن بالرؤية.

والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد: هو ذا هو، و ينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد رآه عشرة آلاف.

وإذا كان علّة فأتم شعبان ثلاثين».

وزاد حماد فيه: وليس أن يقول رجل: هو ذا هو، لا أعلم إلاّ قال: ولا خمسون.(1)

الفقرة الأُولى من الحديث توضح الغاية منه وانّها بصدد نفى حجّية الرأي والتظنّي المبنيّين على التخيّل، ولذلك قال: ولكن بالرؤية.

ثمّ إنّ الفقرة الثانية تشير إلى أنّه إذا كانت السماء صافية، فلا يصحّ الاعتماد على قول واحد بين العشرة، إذ لو رآه، لرآه عشرة أيضاً، فمثل هذا لا يكون دليلاً على عدم حجّية البيّنة، بل دليل على عدم الاعتماد عليها إذا اقترن بما يسلب الوثوق بصدقها واقعاً.=


1 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11. وقد سقط في السند لفظة «أبي» عن أيوب ولكن نقل الحديث في الباب الثالث من هذه الأبواب بلفظة «أبي أيوب» لاحظ الحديث 3.


(73)

ــــــــــــــــــــــــ
= والفقرة الثالثة ناظرة إلى ما إذا كانت السماء غيماً فيعتمد على الطريق القطعي، أعني: عدَّ ثلاثين ليلة من أوّل شعبان.

4. ما رواه إبراهيم بن عثمان الخزاز، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال:« إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلا تُؤدوا بالتظنّي.

وليس رؤية الهلال أن يقوم عدّة، فيقول واحد: قد رأيته ويقول الآخرون لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف.

ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علّة أقل من شهادة خمسين.

وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان و يخرجان من مصر».(1)

وفي السند العباس بن موسى، والمراد أبو الفضل الوراق الثقة، وهو من أصحاب يونس.

وأمّا إبراهيم بن عثمان الخزاز، فهو أيضاً ثقة.

وبيان الفقرة الأُولى والثانية نظير البيان المتقدّم في الحديث السابق فلا نعيد.

وأمّا الفقرة الثالثة، فهي ناظرة إلى ما إذا كانت السماء صافية، فاعتمد على شهادة خمسين دون البيّنة، لشهادة القرائن على خطئها إذا رأياه دون ثمانية وأربعين رجلاً.

وأمّا الفقرة الرابعة، فهي ناظرة إلى ما إذا كانت السماء غيماً ، وإنّما شرط أن يكون من خارج البلد، وذلك لاحتمال أن تكون السماء هناك صافية، وإلاّفلو كانت السماء غيماً أيضاً فأي فرق بين الرجلين في البلد و الرجلين في خارجه.

هذه الروايات هي التي استدلّ بها الشيخ الطوسي وتبعه المحدّث البحراني على =


1 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 10.


(74)

نعم يشترط توافقهما في الأوصاف، فلو اختلفا فيها لا اعتبار بها. نعم لو أطلقا أو وصف أحدهما وأطلق الآخر كفى، ولا يعتبر اتّحادهما في زمان الرؤية مع توافقهما على الرؤية في اللّيل، ولا يثبت بشهادة النساء ولا بعدل واحد ولو مع ضمّ اليمين. *

ــــــــــــــــــــــــ
= عدم حجّية البيّنة في تلك الموارد ، وقد عرفت مورد الحجّية عن غيره، ففي السماء الصافية إذا استهلا ولم يستهل آخرون، وهكذا في السماء غير الصافية إذا استهلا و لم يستهل الآخرون، يكون قولهما حجّة بلا إشكال.

وممّا يوضح انّ المراد هو عدم الاعتماد في هلال شهر رمضان وشوال على التظنّي والرأي و القرائن الضعيفة، ما ورد في الباب الثالث من أبواب شهر رمضان من الأحاديث.(1)

ثمّ إنّه لا يعتبر في ثبوت الهلال بالشاهدين في الصوم والفطر، حكم الحاكم، بل لو رآه عدلان ولم يشهدا عند الحاكم وجب على من سمع شهادتهما وعرف عدالتهما الصوم والفطر، كما هو مقتضى صحيحة منصور بن حازم، (2) وصحيحة الحلبي، (3) الماضيين.

* الفروع المذكورة في المقام لا تتجاوز عن ثلاثة:

الأوّل: يشترط التوافق في الأوصاف، فلا يعتبر إذا اختلفا.

الثاني: لا يعتبر اتحادهما في زمان الرؤية إذا توافقا على الرؤية في الليل.

الثالث: لا يعتبر شهادة النساء ولا العدل الواحد ولو بضمّ يمين. وإليك =


1 . الوسائل: 7، الباب3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5، 11، 12، 14.
2 . الوسائل: الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.
3 . الوسائل: الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث17.


(75)

ــــــــــــــــــــــــ
= البحث في كلّ واحد.

الأوّل: اشتراط التوافق في الأوصاف

إذا شهد الشاهدان على رؤية الهلال، فله صور أربع:

الصورة الأُولى: أن يشهدا على الرؤية بلا وصف.

الصورة الثانية: أن يشهدا على الرؤية بوصف متوافق.

الصورة الثالثة: أن يشهد أحدهما على الرؤية بلا وصف والآخر عليها مع الوصف.

الصورة الرابعة: أن يشهدا على الرؤية بوصفين متخالفين.

لا إشكال في حجّية البيّنة في الصور الثلاث الأُولى، لأنّ الشاهدين يشهدان على أمر واحد، غاية الأمر يصف أحدهما في الصورة الثالثة و لا يصف الآخر .

إنّما الكلام في الصورة الرابعة أي إذا شهدا بوصفين متخالفين، فقد ذهب صاحب الجواهر إلى عدم الاعتبار، وقال: لو اختلف الشاهدان في صفة الهلال بالاستقامة والانحراف ونحو ذلك ممّا يقتضي اختلاف المشهود عليه ، بطلت شهادتهما.(1)

وحاصله انّهما لا يشهدان على أمر واحد وانّ الاختلاف في الأوصاف يمنع من الحكاية عن خارج واحد.

وقد فصل السيد الحكيم بينما إذا كان الاخبار عن الهلال مع الوصف بصورة وحدة المطلوب أو بصورة تعدد المطلوب، مثلاً إذا شهد أحدهما برؤية الهلال المحدب =


1 . جواهرالكلام: 16/358.


(76)

ــــــــــــــــــــــــ
= نحو الأرض والآخر برؤية الهلال المحدب إلى السماء.(1) فالمدلول الالتزامي للخبر الأوّل عدم الهلال المحدب إلى السماء، والمدلول الالتزامي للخبر الثاني عدم الهلال المحدب نحو الأرض، و كما أنّ القدر المشترك بين المدلولين المطابقيين للخبرين هو نفس وجود الهلال، كذلك القدر المشترك بين المدلولين الالتزاميين لهما هو عدم الهلال، فالأخذ بأحد المدلولين دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، ومعنى كون خبر كلّ منهما عن الموصوف بنحو وحدة المطلوب هو الإصرار برؤية الهلال المقيد على وجه لا يرضى بانفكاك الوصف عن الموصوف، على وجه لو تبيّن له الخطأ بالشهادة بالوصف، عدل عن الشهادة بذات الموصوف، وهذا بخلاف ما إذا كان بنحو تعدد وحدة المطلوب، إذ ليس الجامع بين المدلولين الالتزاميين لهما عدم الهلال لعدم إصرار كلّ على نفي الموصوف عند نفي الصفة. وعلامة ذلك انّه لو تبيّن للشاهد الخطأ في الشهادة بالوصف بقي مصراً على الشهادة بذات الموصوف.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التقسيم أمر ذهني لا واقع له في الخارج إلاّالقسم الثاني، لأنّ الخطأ في الوصف أمر غير عزيز إذ قلّما يتّفق أن يشهد إنسان على الموصوف على وجه لو خطّأ الآخرون شهادته على الوصف دون الموصوف لعدل عن الشهادة بالأصل، خصوصاً في مثل الهلال الذي إذا رآه المستهل لحظة أو لحظتين ربما ينصرف إلى أمر آخر أو يغيب الهلال تحت السحاب، ففي هذا المورد ونظائره لا يستبعد الإنسان الخطأ في الوصف.

وعلى ذلك فهما يشهدان على أصل الرؤية، ولا يرجع اختلافهما في الوصف إلى نفي كلّ منهما، رؤية الهلال من رأس، لما عرفت من كون المورد من قبيل تعدّد المطلوب، =


1 . و في النسخة إلى الشمال، و لعلّ الصحيح ما أثبتناه.
2 . المستمسك: 8/456 بتصرف.


(77)

ــــــــــــــــــــــــ
= فهما متّفقان في الأصل، مختلفان في الوصف.

نعم ينفي كلّ ، وصف الآخر لا أصل الرؤية، بخلاف ما إذا كان بنحو وحدة المطلوب.

وهناك تفصيل آخر للسيد الخوئي، وحاصله: الفرق بين الاختلاف في الأوصاف المقارنة، ككون الهلال فوق السحاب أو تحته، محفوفاً به أو غير محفوف به، ففي هذه الموارد يُؤخذ بقول الشاهدين، لأنّ الاختلاف في الأوصاف المقارنة لا ينتهي إلى الاختلاف في المشهود به، بخلاف الأوصاف المخصِّصة، كما إذا شهد أحدهما بكون الهلال مطوَّقاً والآخر على خلافه، أو تحدِّبه إلى الأرض أو إلى السماء، ففي هذا المورد يخبر أحدهما عن فرد، ويخبر الآخر عن فرد آخر فبطبيعة الحال يقع التكاذب حينئذ بين الشهادتين، لأنّ ما يُثبته هذا، ينفيه الآخر وهكذا العكس، إذ لا يمكن أن يكون الهلال في آن واحد على خصوصيتين متضادتين.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين المقارن والقيد المفرِّد، إذ لو كان الأوّل بصورة وحدة المطلوب يكون مرجعه إلى القيد المفرِّد و انّ كلاً منها يكذب بالدلالة الالتزامية الهلالَ بالوصف المغاير . مثلاً إذا شهد برؤية الهلال فوق السحاب على وجه لو خطّؤه في الوصف لعدل عن الشهادة بأصل الهلال، وهكذا الآخر فيكون القدر المشترك بين المدلولين الالتزاميين هو عدم الهلال، فانّ الهلال إمّا مطوَّق أو غير مطوَّق، فأحدهما ينفي بالدلالة الالتزامية الهلال المطوق والآخر العكسَ، فالقدر المشترك بين الدلالتين عدم الهلال.

وحصيلة الكلام: انّه لو أخذ الوصف المقارن قيداً للمرئي لا ظرفاً له يكون =


1 . مستند العروة:2/74.


(78)

ــــــــــــــــــــــــ
= حكمه حكم القيد المشخِّص فيبطل التفصيل ويبقى التفصيل المتقدم للسيّد الحكيم ـ قدَّس سرَّه ـ ، و قد عرفت أنّ ما هو الواقع لا يتجاوز عن تعدّد المطلوب، وعليه يكون المفهوم من حجية البيّنة هو الأخذ بالقدر المشترك بينها وإلغاء الوصف، وهذا أمر شائع في البيّنة حيث يُؤخذ ببعض مدلولاتها ويترك البعض الآخر.

الثاني: لا تشترط وحدة زمان الرؤية

لا تشترط وحدة زمان الرؤية مع التوافق على الرؤية في الليل، بمعنى انّه إذا شهد أحدهما على أنّه رأى بعد مضيِّ خمس دقائق من غروب الشمس والآخر على أنّه رأى بعد مضي عشرين دقيقة، فلا مانع من الأخذ بهما لعدم التضاد.

أو ادَّعى أحدهما انّه رأى قبل الغروب بخمس دقائق، والآخر برؤيته بعد الغروب بدقائق خمس، فيؤخذ بقولهما لكون الهلال في كلتا الصورتين متعلّقاً بليلة واحدة وإن كانت إحدى الرؤيتين قبل الليل بخمس دقائق، وهذا هو المراد من قوله مع توافقهما على الرؤية في الليل.

نعم لو ادّعى أحدهما انّه رأى الهلال ليلة السبت والآخر انّه رأى الهلال يوم الأحد، فلا يثبت بقولهما كون الأحد أوّل الشهر ولا كون الأحد من شهر رمضان إذا لم يكن هناك دليل آخر على كونه من رمضان .

أمّا الأوّل فلعدم قيام البيّنة على كون الأحد هو الليلة الأُولى، بل شهد أحدهما عليها والآخر على العكس.

وأمّا عدم ثبوت كون الأحد من رمضان، فلأجل عدم قيام البيّنة على هذا القدر المشترك، وذلك لأنّ كونه من رمضان وإن كان مدلولاً التزامياً لشهادة الشاهد الأوّل الذي شهد على رؤية الهلال ليلة السبت، ولكن بما انّا لم نأخذ بالدلالة المطابقية لكلامه =


(79)

ــــــــــــــــــــــــ
= فلا تكون الالتزامية التابعة لها، حجة.

وأمّا الشاهد الثاني فهو وإن شهد على كون الأحد من رمضان، لكنّه شاهد واحد لا يثبت به الموضوع.

الثالث: في شهادة النساء والعدل الواحد

لا يثبت الهلال بشهادة النساء منفردات ومنضمات إلى الرجال إجماعاً بقسميه، كما ادّعاه في الجواهر.(1)

قد اشتهر انّه لا تثبت موضوعات ستة إلاّ بشهادة شاهدين، وهي:

1. الطلاق، 2. الخلع، 3. الوكالة، 4. الوصاية، 5. النسب، 6. رؤية الهلال.

وقد جاء في معتبرة السكوني عن الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ انّه كان يقول: «شهادة النساء لا تجوز في طلاق ولا نكاح ولا حدود، إلاّفي الديون وما لا يستطيع الرجال النظر إليه».(2)

والهلال ليس داخلاً في المستثنى، مضافاً إلى الأحاديث المتضافرة في هذا المقام.(3)

وأمّا رواية داود بن الحصين، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث طويل:«لا تجوز شهادة النساء في الفطر، إلاّ شهادة رجلين عدلين، ولا بأس في الصوم بشهادة النساء ولو امرأة واحدة». فربّما (4)تستظهر منه حجّية قول المرأة في أوّل رمضان دون آخره، فيصام بقولها ولا يفطر به.=


1 . الجواهر:16/363.
2 . الوسائل: 18، الباب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 42.
3 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 2، 3، 7 وغيرها.
4 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث15.


(80)

ــــــــــــــــــــــــ
= لكن الاحتجاج به ضعيف، لأنّه خبر واحد لا يقاوم المتضافر من الروايات الدالّة على عدم جواز شهادة النساء في الهلال.

مضافاً إلى أنّ التفكيك بين الصوم والإفطار بقبول شهادتها في الأوّل دون الثاني آية الاحتياط، إذ لا محذور في أن يصوم الإنسان لأجل شهادة المرأة رجاءً واستظهاراً، وهذا بخلاف الثاني، لأنّ الإفطار اعتماداً على شهادتها مع احتمال كون اليوم من شهر رمضان على خلاف الاحتياط.

ويؤيد ما ذكرنا قوله: «لا بأس» الدال على المحبوبية لا الإلزام، وإلاّ كان عليه أن يقول: تجوز شهادة المرأة الواحدة.

وأمّا العدل الواحد فلا يثبت به على الأصح، كما في الشرائع، والمخالف هو سلاّر الديلمي في «مراسمه».(1) فاجتزأ في هلال شهر رمضان بالنسبة إلى الصوم دون حلول الأجل، واستدلّ على قوله بصحيح محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين».(2)

وقد أُجيب تارة بضعف السند وأُخرى بضعف الدلالة.

أمّّا الأوّل فلاحتمال انّ المراد من محمد بن قيس غير البجلي.

يلاحظ عليه: أنّ الراوي عنه يوسف بن عقيل، وهو راوية كتاب محمد بن قيس. ويصفه النجاشي بقوله: كوفي، ثقة، قليل الحديث، يقول القمّيّون: إنّ له كتاباً وعندي انّ الكتاب لمحمد بن قيس.

أمّا الثاني: فانّ الشيخ وإن رواه في التهذيب «شهد عليه عدل».(3) =


1 . المراسم:96.
2 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6، وفي الوسائل: «بينة عدل».
3 . التهذيب: 4/242، باب علامة شهر رمضان، الحديث 12.


(81)

السادس: حكم الحاكم *

ــــــــــــــــــــــــ
= ولكنّه رواه في الاستبصار نحو «أو تشهد عليه بيّنة عدول».(1) وعليه نسخة الوسائل. وفي رواية زيد الشحام: «إلاّ أن يشهد بيّنة عدول».(2)

وبذلك لا يمكن الاعتماد على مثل الحديث، على أنّه يمكن أن يقال انّ المراد من العدل هو الأعم من الواحد والكثير، وقد نقل العلاّمة في المختلف عن أهل اللغة بأنّه يطلق على الواحد والكثير.(3)

على أنّ تضافر الروايات على شهادة عدلين حجّة بلا إشكال، وهو الأكثر عدداً وأشهر عند الأصحاب.

ومنه يظهر عدم ثبوتها بشاهد واحد مع ضم اليمين، لأنّه لا يثبت باليمين إلاّ الدعاوي المالية كما هو محقّق في محلّه.(4)

ثبوت الهلال بحكم الحاكم

* هل يثبت الهلال بحكم الحاكم إذا استند إلى مستند صحيح كالبيّنة أو التواتر أوالشياع المفيد للعلم و الرؤية أو لا؟ فيه خلاف.

قال في الحدائق: ظاهر الأصحاب هو الحجّية، بل زاد بعضهم الاكتفاء برؤية الحاكم الشرعي، ويظهر من بعض أفاضل متأخري المتأخرين العدم، وانّه لابدّللمفطر من سماعه من الشاهدين، وانّه لا يجب على المكلف العمل بما ثبت عند الحاكم الشرعي =


1 . الاستبصار:2/64، الحديث9.
2 . الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.
3 . مختلف الشيعة:3/491.
4 . لاحظ كتابنا : القضاء والشهادة: 1/526.


(82)

ــــــــــــــــــــــــ
= هنا، بل إن حصل الثبوت عنده وجب عليه العمل بمقتضى ذلك وإلاّ فلا.(1)

ومال هو أيضاً إلى القول بعدم الحجّية، وقوّاه النراقي في مستنده(2)، وإليك البيان. لا شكّ انّ قول الحاكم حجّة في الأحكام الشرعية، كما هو حجّة في القضاء في الخصومات، ومثلهما الحقوق الإلهية، إلى غير ذلك من الموارد التي اتّفق المشهور على حجّية قول الحاكم فيها على اختلافهم في سعة ولايته كالإمام المعصوم أو ضيقها.

إنّما الكلام في حجّية قوله في الموضوعات، فهل يثبت به أو لا؟ مثلاً لو ثبت عند الحاكم بالبيّنة نجاسة الماء أو حرمة اللحم، أو غصبية الماء، أو دخول الوقت في زمان معين ولم يثبت عند المكلّف لعدم سماعه البيّنة، فهل يجب على العامي الأخذ بحكم الحاكم بنجاسة الماء وحرمة اللحم وغصبية الماء ودخول الوقت أو لا؟ الظاهر عدم الحجّية في مطلق الموضوعات لعدم الدليل عليها، وأمّا ثبوت الهلال بخصوصه من بين الموضوعات ففيه قولان:

الأوّل: عدم الحجّية، وهو الذي استند إليه بعض المتأخرين، وقال: إنّ الأدلّة الدالّة على الفطر أو الصيام من الأخبار، أمّا رؤية المكلّف نفسه أو ثبوتها بالتواتر أو بالشياع المفيد للعلم أو السماع من رجلين عدلين أو مضي ثلاثين يوماًمن شعبان أو من رمضان.

وأمّا ثبوته بأمر سادس وهو حكم الحاكم، فلم نجد له ما يعتمد عليه ويركن إليه.

وعليه اعتمد وركن المحقّق النراقي في ترجيح عدم الحجّية، وقال: =


1 . الحدائق: 13/258.
2 . مستند الشيعة:10/420.


(83)

ــــــــــــــــــــــــ
= والأخبار المعلّقة للصوم والفطر على الرؤية أو مضي الثلاثين، والناهية عن اتّباع الشك والظن في أمر الهلال، وقول الحاكم لا يفيد أزيد من الظن.(1)

يلاحظ عليه: أنّه يحتمل أن يكون عدم ذكر الإمام ـ عليه السَّلام ـ حكم الحاكم، لأجل أنّ المخاطبين بهذه الروايات هم الشيعة الذين كانوا متفرقين في البلاد، ولم يكن لهم آنذاك في بلدانهم حاكم شيعي يُرجع إليه في هذا الأمر ونحوه، ولذلك اكتفى بالأُمور المذكورة، وإلاّفلو كان الأمر بغير هذه الصورة ربما ذكره. وبذلك لا يكون عدم الذكر دليلاً قطعياً على عدم حجّية حكم الحاكم.

الثاني: الحجية، فالواجب دراسة أدلّة القائلين بحجّية قول الحاكم في الموضوعات في خصوص الهلال.

استدل على هذا القول بوجوه:

الأوّل: مقبولة عمر بن حنظلة

قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحل ذلك؟ قال: «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فانّما تحاكم إلى الطاغوت» ـ إلى أن قال: ـ قلت: فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران من كان منكم ممّن روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فانّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم اللّه، وعلينا ردّ، والرادّ علينا، الرادّ على اللّه».(2) =


1 . مستند الشيعة:10/420.
2 . الوسائل: الجزء18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.


(84)

ــــــــــــــــــــــــ
= وجه الاستدلال: انّ مقتضى إطلاق التنزيل، ترتيب جميع وظائف القضاة والحكام على المنوب من جانبهم، فالحاكم الشيعي يقوم مقام الحاكم الآخر في كلّ ما كانوا يمارسونه ويتولّونه، ومنه مسألة الهلال، إذ لم يكن بناء المسلمين، الاكتفاء بالطرق الأربعة: الرؤية والبيّنة والتواتر والشياع العلمي، بل كانوا يرجعون إلى ولاة الأمر من الحكام والقضاة ، فإذا حكموا، أفطروا أو صاموا.

أقول: الاستدلال يتوقف على تمامية السند والدلالة.

أمّا السند فرجاله كلّهم ثقات، غير الراوي الأخير أي عمر بن حنظلة، فانّه لم يرد في حقّه، أيّ توثيق في كلمات الرجاليين، لكن يمكن الاعتماد عليه لأجل رواية الأجلاّء عنه كزرارة، وصفوان بن يحيى، وعبد اللّه بن مسكان، وعبد اللّه بن بكير، وله أكثر من 70 رواية، وقد حاول الشهيد الثاني إثبات وثاقته بوجوه غير تامّة في نفسها ،(1) لكن المجموع مضافاً إلى رواية الأجلاّء كاف في الاعتماد عليه.

نفترض انّه لم تثبت وثاقته، لكن هذه الرواية من بين رواياته مما تلقّاها الأصحاب بالقبول، ولذلك سمّيت مقبولة، ورواها أصحاب الجوامع الأربعة مضافاً إلى أنّ فقراتها تشبه كلمات الأئمة ويعضدها بعض الروايات الواردة في كتاب القضاء وغيره، وقد قلنا في محلّه: إنّ الحجّة هو الخبر الموثوق به، لا الرواية الصحيحة التي تدور على كون الراوي ثقة، فالمناقشة في سند الراوية غير صحيح.

أمّا الدلالة فالمهم هو ثبوت إطلاق التنزيل حيث نزله الإمام منزلة الحاكم الذي كان الناس يفزعون إليه، ومن الأُمور التي كان الحكام يوم ذاك يمارسونها، هو مسألة الهلال خصوصاً في شهر رمضان وشوال، فمقتضى عمومها هو جواز حكم الحاكم في الهلال، غرار ثبوته بحكم الحاكم الآخر.=


1 . معجم الرجال:13/27، برقم 7820.


(85)

ــــــــــــــــــــــــ
= وأورد على عموم التنزيل بوجهين:

1. انّ النصب في الرواية خاص بمورد التنازع والترافع المذكور في صدر الحديث، فكلّ أمر وقع مورد التخاصم، فالمرجع فيه هو الحاكم الشرعي حتى الهلال بشرط أن يقع مورده، كما إذا اختلفا المستأجر والموجر في انقضاء الشهر برؤية الهلال وعدمه وترافعا إليه، وحكم الحاكم بالهلال، فيكون حكمه حجّة بملاك وجود الترافع فيه، وأمّا إذا لم يكن كذلك بل كان مجرّد شك بين الناس، فحجية حكمه عندئذ خارج عن مصب الرواية.(1)

2. انّ الاستدلال مبني على أنّ القضاة كانوا يتولّون أمر الهلال وكان الناس يعملون على حكمهم فيه بلا ريب، ولكنّه غير واضح، فانّ مجرّد تصدّي قضاء العامّة لأمر الهلال خارجاً لا يكشف عن كونه من وظائف القضاء في الشريعة المقدسة حتى يدل نصب الفقيه قاضياً على كون حكمه نافذاً في الهلال، ولعلّهم ابتدعوا هذا المنصب لأنفسهم.

يلاحظ على الأوّل: أنّ من قرأ الرواية وأمعن فيها يقف على أنّ الإمام بصدد ردع الشيعة من الرجوع إلى أبواب الطواغيت، وذلك بإيجاد حلول تغنيهم عن الرجوع إليهم، وذلك بنصب الفقيه حاكماً يفزع إليه، ومثل ذلك يقتضي عموم المنزلة لا تخصيصها بالمرافعات وتركهم في غيرها حيارى وأمرهم فوضى لا يعرفون وظائفهم ولا يدرون إلى أين يرجعون. وما ذكرناه وإن لم يكن أمراً قطعياً لكنّه يكفي في ردّالقطع بأنّها وردت حول الدعاوي والمرافعات فقط.

ووجود حلول أُخرى في خصوص مورد الهلال، من الرؤية وشهادة العدلين والتواتر و الشياع العلمي، لا يرفع الحيرة مع عدم التمكن من الرؤية فيما إذا كانت =


1 . مستند العروة: 2/87.


(86)

ــــــــــــــــــــــــ
= السماء غيماً، و تعسّر تحصيل الشروط الثلاثة على أكثر الناس على أنّ القيد ورد في كلام الراوي دون الإمام كما هو واضح لمن راجعه.

يلاحظ على الثاني: بأنّ من سبر الروايات الواردة حول الهلال يقف على وجود السيرة في عصر أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ . روى الصدوق بسند صحيح عن عيسى بن أبي منصور انّه قال: كنت عند أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في اليوم الذي يشك فيه، فقال:« يا غلام اذهب فانظر أصام السلطان أم لا؟» فذهب ثمّ عاد فقال: لا،، فدعا بالغداء فتغدّينا.(1)

ووروده مورد التقية ـ على فرض الصحة ـ لا يضرّ بالمقصود، إذ هو على أيّ تقدير كاشف عن أنّ الحكام كانوا يمارسون أمر الهلال. واحتمال انّه لم يكن من مناصب القضاة والحكام وإنّما تبنّوه لأنفسهم كما ترى، لأنّ الناس بطبعهم يرجعون فيما يبتلي به العامة، إلى رؤسائهم وفي الأُمور الدينية إلى زعمائهم في ذلك المجال.

الثاني: مشهورة أبي خديجة الأُولى

روى الشيخ باسناده ، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ إلى أصحابنا، فقال: «قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة، أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء، أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».(2)

والاستدلال بالحديث يتوقف على صحة السند أوّلاً ، وتمامية الدلالة ثانياً . أمّا =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث6.


(87)

ــــــــــــــــــــــــ
= الأوّل فالسند لا غبار عليه، وأمّا «أبو جهم» فهو أخو زرارة واسمه بكير بن أعين من أصحاب الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ولمّا بلغه موته قال في حقّه: «أما واللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه وأمير المؤمنين» ومن أحفاده حسن بن الجهم.(1)

وقد أشكل على السند بوجهين:

1. انّ بين الحسين بن سعيد الأهوازي و أبي الجهم سقطاً، لأنّ الثاني توفّي في عصر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ الذي توفّي عام 148 هـ ، ولكن الأوّل ممن يروي عن الإمام الجواد (المتوفّي عام 220هـ) والإمام الهادي (المتوفّى عام 254هـ)، فكيف يمكن أن يروي عن بكير بلا واسطة؟!

ولكن يمكن أن تستظهر الواسطة بفضل سائر الروايات التي روى فيها الحسين بن سعيد عن بكير بن أعين بواسطة أو وسائط.

فيروي عنه على النحو التالي:

أ: يروي عن محمد بن خالد، عن أبي الجهم.(2)

ب: حريز بن عبد اللّه، عن بكير.(3)

ج: ابن أبي عمير ،عن عمر بن أُذينة، عن بكير.(4)

ج: حماد بن عيسى، عن حريز، عن عبد اللّه عن بكير.(5) =


1 . رجال الكشي: 181.
2 . التهذيب: الجزء 9، ص 4، باب الصيد و الذكاة، الحديث 9; والجزء 5، ص 462، كتاب الحج، الحديث 258.
3 . التهذيب:2/255 برقم 1012.
4 . الاستبصار:1/61 برقم 182.
5 . الاستبصار:1/248 برقم 892 ويحتمل أن يكون لفظ «عن» مصحف «بن» فالمراد حريز بن عبداللّه، كما يحتمل أن يكون المراد عبد اللّه بن بكير.


(88)

ــــــــــــــــــــــــ
= د: صفوان، عن عبد اللّه بن بكير، عن أبيه بكير بن أعين.(1)

هـ: حماد بن عيسى، عن عمر بن أُذينة، عن بكير.(2)

وهؤلاء كلّهم ثقات.

وربما يتخيّل انّ المكنّى بأبي الجهم غير بكير، وانّ المراد هو: ثوير بن أبي فاختة الذي هو من أصحاب الإمام السجاد والباقر والصادق ـ عليهم السَّلام ـ ، ولكنّه ضعيف، إذ ليس لحسين بن سعيد أيّ رواية عنه. وإن احتمل المعلّق على التهذيب أن يكون هو المراد في بعض الموارد.

2. انّه(3) اختلفت كلمات الرجاليين في حقّ أبي خديجة الذي اسمه سالم بن مُكرَم (بالفتح) الذي وثّقه النجاشي والكشي. قال النجاشي: سالم بن مكرَم، أبو خديجة، ويقال: أبو سلمة، يقال: كنيته كانت أبا خديجة، وانّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ كنّاه أبا سلمة، ثقة، ثقة.(4)

فعلى ما ذكره النجاشي اسمه: سالم، واسم أبيه: مكرم، وله كنيتان: أبو خديجة، وأبو سلمة، فهو ثقة، ثقة. وذكر نحوه الكشي في رجاله.(5)

وعدّه البرقي من أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، قائلاً: أبو خديجة، ويكنّى أبا سلمة ابن مكرم . وعلى هذا فهو مقبول الرواية. =


1 . الاستبصار: 1/430 برقم 1660.
2 . الاستبصار: 3/270 برقم 960.
3 . لاحظ التهذيب:5/12، كتاب الحج، الحديث 258، والجزء 9/5 باب الصيد والذكاة، الحديث9.
4 . رجالالنجاشي: 1/423 برقم 499.
5 . رجال الكشي: 301 برقم 201.


(89)

ــــــــــــــــــــــــ
= ثمّ إنّ سالم بن مكرم المكنّى بكنيتين غير سالم بن أبي سلمة الكندي السجستاني الذي وصف النجاشي حديثه، بقوله: ليس بالنقي، وانّه لا نعرف منه إلاّخيراً.(1) كما ضعّفه ابن الغضائري أيضاً، وقال: ضعيف جداً.(2) والفرق بين المترجمين انّ الأوّل يكنى بكنيتين، وكلاهما كنيتان لسالم، وأمّا الآخر فإنّما يكنّى والده بـ «أبي سلمة»، فربما خلط الشيخ بينهما، فضعف الأوّل ظناً منه اتحادهما. وانّ سالم بن مكرم هو سالم بن أبي سلمة، فأصبحت الرواية ـ بحمد اللّه ـ صالحة للاستناد.

وأمّا كيفية الاستدلال فعلى النحو الذي ذكرناه في مقبولة عمر بن حنظلة.

الثالث: مشهورة أبي خديجة الأُخرى

روى الصدوق في الفقيه باسناده عن أحمد بن عائذ أبي حبيب الأحمسي البجلي الثقة، عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال، قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السَّلام ـ : «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، فتحاكموا إليه».(3) ورواه في الكافي غير انّه قال: مكان «قضايانا» قض(4)ائنا.

والرواية صحيحة وسند الصدوق إلى أحمد بن عائذ صحيح، وأمّا أحمد بن عائذ فيكفي في وثاقته قول النجاشي في حقّه: مولى، ثقة، كان صحب أبا خديجة سالم بن مكرم وأخذ عنه وعرف به.=


1 . رجالالنجاشي: 1/427 برقم 507.
2 . العلاّمة: الخلاصة: القسم الثاني: 228 برقم 4 في باب سالم.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5.
4 . الكافي: 7/412، الحديث 4.


(90)

ــــــــــــــــــــــــ
= وكيفية الاستدلال بالنحو السابق في مقبولة عمر بن حنظلة فلا نطيل.

الرابع: التوقيع الرفيع

روى الصدوق في كمال الدين، عن محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري ان يوصل لي كتاباً قد سألتُ فيه عن مسائل أُشكلَت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان ـ عليه السَّلام ـ :«أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه وثبتَّك ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانّهم حجّتي عليكم، وأنا حجة اللّه».(1)

والاستدلال يتوقف على ثبوته سنداً ودلالة.

أمّا السند فقد رواه الصدوق عن محمد بن محمد بن عصام وهو أيضاً كليني، من مشايخ الصدوق وتلاميذ الكليني، وقد ترضّى عليه الشيخ الصدوق في المشيخة، وقال: وما كان فيه عن محمد بن يعقوب فقد رويته عن محمد بن محمد بن عصام الكليني وعلي بن أحمد بن موسى ومحمد بن أحمد الشيباني ـ رضي اللّه عنهم ـ و ذلك آية الوثاقة.

وأمّا إسحاق بن يعقوب، فهو أخو الكليني، وقد ورد السلام عليه في التوقيع، لكنه ليس بحجّة، لأنّ الراوي له هو نفسه، ولم يوثّق لكن من البعيد جداً أن يروي الكليني توقيعاً لأخيه بلا تحقيق، فالرواية صالحة للاحتجاج.

وأمّا الدلالة ففي قوله: «الحوادث الواقعة» احتمالات:

1. الموضوعات التي لا يعلمون حكمها لكي يعلموا. =


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث9.


(91)

ــــــــــــــــــــــــ
= 2. المرافعات التي تحدث بينهم فيرجع إليهم لكي تحسم.

3. المشاكل الدينية لكي تحل عقدتها، كتكليف أموال الغُيَّب والقُصَّر وما شاكلهما .

والأوّل بعيد، لأنّه توضيح للواضح يومذاك، لأنّ الشيعة لم تزل ترجع في تعلّم الأحكام إلى تلاميذ الأئمّة الذين كانوا رواة الأحاديث.

وأمّا الثاني فهو و إن كان أقرب من الأوّل، لكن يبعده قوله: «فارجعوا فيها»، إذ لو كان المراد هو المرافعات، فالأنسب أن يقول فارجعوها إلى رواة أحاديثنا، واحملوها إليهم.

فتعيّن الثالث وهو المشاكل التي ربما تواجهها الشيعة وليست لها جهة معينة يرجع إليها، ولا يبعد أن يكون منها ثبوت الهلال، لأنّها معضلة دينية لا تحل عقدتها إلاّبيد العارف بالأحكام.

ويؤيد ذلك انّ قوله: «فهو حجّتي عليكم» بمعنى انّه حجّة في كلّ ما أنا حجّة فيه، فإذا كان حكم الإمام حجّة في ثبوت الهلال، فيكون هو أيضاً حجّة حجة اللّه في ذلك.

إلى هنا تمّ استعراض الروايات العامة التي استدل بها على حجّية حكم الحاكم في ثبوت الهلال.

الخامس: صحيحة محمد بن قيس

روى الصدوق بسند صحيح، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا شهد عند الإمام شاهدان انّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً، أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، وإن شهدا بعد زوال الشمس أمر الإمام بإفطار ذلك =


(92)

ــــــــــــــــــــــــ
=اليوم وأخّر الصلاة إلى الغد فصلّى بهم».(1)

تدل الصحيحة على أنّ الإفطار يجب بأمر الإمام سواء أثبت قبل الزوال أم بعده، غير انّه يفترق عن إقامة الصلاة إذا ثبت بعد الزوال، حيث إنّها لا تُشرع بعده ومن ثمّ تؤخر إلى الغد.

والسند نقيّ جداً، وقد نوقش في الدلالة، فقال صاحب الحدائق: فانّ المراد من الإمام هو إمام الأصل، أو ما هو الأعم منه و من أئمة الجور المتولين لأُمور المسلمين، وليس ثبوته للأوّل دليلاً على ثبوته لنائبه، لعدم الدليل على هذه النيابة الكلية لظهور اختصاص بعض الأُمور بالإمام دون نائبه.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره أشبه «بقسمة ضيزى» ، إذ كيف يجب على الشيعة، إطاعة الحاكم الجائر في ذلك الموضع، دون الحاكم الحقّ الذي يقتفي ظل الإمام ولا يعدل عنه قيد شعرة. اللّهمّ إلاّ إذا كانت إطاعته بملاك التقيّة؟!

وأورد عليه السيد الحكيم بأنّ الحديث مختص بالإمام، الظاهر في إمام الحق، ولا يجدي فيما نحن فيه إلاّأن يقوم ما يدل على أنّ الحاكم الشرعي بحكم الإمام وله كلّ ما هو وظيفته.(3)

يلاحظ عليه: ان أراد من «إمام الحق» هو الإمام المعصوم كما هوالمتبادر من كلامه، فيرد عليه، انّ المراد من الإمام في تلك المقامات، هو الأعم من المعصوم وغيره ، بل استعماله في كلماتهم في الحاكم كثير، وقد جمعنا لفيفاً من هذه الروايات ما يناهز ثلاثين مورداً في كتابنا مفاهيم القرآن.(4) ونذكر منها ما يلي: =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.
2 . الحدائق: 13/260.
3 . المستمسك:8/460.
4 . مفاهيم القرآن:2/24ـ 29.


(93)

ــــــــــــــــــــــــ
= 1. لما حجّ إسماعيل بن علي بالناس سنة أربعين ومائة، فسقط أبو عبد اللّه الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن بغلته، فوقف عليه إسماعيل، فقال له الصادق ـ عليه السَّلام ـ «سِرْ الإمام لا يقف».(1) والمراد من «إسماعيل » هو إسماعيل بن عبد اللّه بن عباس وكان أمير الحج.

2. قال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في مسؤولية الحاكم:«يجب على الإمام أن يُحبس الفسّاق من العلماء، والجهّال من الأطباء، والمفاليس من الأكرياء»(2)والمراد منه مطلق الحاكم لا خصوص الإمام المعصوم، وذلك لأنّ الإمام المعصوم أعرف بوظيفته فلا يحتاج إلى البيان.

3. قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في مسؤولية الحاكم في أمر المسجونين:«على الإمام أن يخرج المحبسين في الدين يوم الجمعة إلى الجمعة ويوم العيد إلى العيد، فيرسل معهم، فإذا قضوا الصلاة والعيد، ردّهم الى السجن».(3)

4. قال الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «المغرم إذا تدين أو استدان من حق، أُجّل سنة، فان اتسع، وإلاّ قضى عنه الإمام من بيت المال».(4)

5. وقال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ : «على الإمام أن يعلّم أهل ولايته حدود الإسلام والإيمان».(5)

إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في مطلق الإمام ، ومنها رواية محمد بن قيس، إذ لو كان المراد من الإمام هو الإمام المعصوم، فهو أعرف بالحكم لا يحتاج إلى البيان، وإنّما المحتاج هو الإمام الذي يستمدّ كلّ ما له من الشؤون من إمامة الإمام المعصوم.

و أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ الرواية ليست بصدد بيان ثبوت الهلال بحكم =


1 . وسائل الشيعة: الجزء 8، الباب 26 من أبواب آداب السفر، الحديث 1.
2 . وسائل الشيعة: الجزء 18، الباب 32 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3و2.
3 . وسائل الشيعة: الجزء 18، الباب 32 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3و2.
4 . الكافي: 407، و تفسير العياشي: 1/155.
5 . غرر الحكم: 215.


(94)

الّذي لم يعلم خطؤه ولا خطأ مستنده كما إذا استند إلى الشياع الظنّي.*

ــــــــــــــــــــــــ
= الحاكم الذي يحتاج إلى الانشاء، بل بصدد بيان لزوم طاعة أمره وانّه متى أمر بالإفطار يفطر عملاً بمقتضى قوله سبحانه: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (1) من غير صدور حكم، كما هو ظاهر الحديث، وهذا ثابت للأئمة ولم ينهض دليل ما يتكفل لإثباته لغيرهم من الفقهاء.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد بيان اختلاف حكم الإفطار مع الصلاة إذا ثبت عند الإمام بالبيّنة، وانّه يفطر على كلّ تقدير، ولا يصلّي إلاّإذا ثبت قبل الزوال وإلاّفيؤخر الصلاة لغد، وأين هذا من ظهورها في وجوب إطاعة الإمام وانّها من شؤون الأئمّة؟!

وأمّا عدم اشتمال الرواية على الحكم صريحاً، فقد استغنى عن ذكره بالأمر بالإفطار، وعدم ذكره يعرب إمّا عن إنشائه قبل الأمر، أو انّه يكفي في إنشاء الحكم ما يدل عليه بالدلالة الالتزامية، كالأمر بالإفطار وليس للفظ«حكمت» خصوصية.

أضف إلى ما ذكر انّه سبحانه اهتمّ بشهر رمضان وجعل له أحكاماً تدور على ثبوت الهلال صوماً وإفطاراً، فلو حُوِّل ذلك إلى رؤية الإنسان أو قيام البيّنة فقط يلزم الهرج والمرج، فمن صائم عاكف في المسجد، إلى مفطر يأكل و يشرب، إلى بلد رافع أعلام السرور وألوية العيد، إلى آخر مقبل على صومه ودعائه، وهذا ممّا لا يرضى به الشارع كما هو ملموس، فلابدّ أن يكون هنا مرجع يكون قوله حاسماً، وأمره نافذاً، وهو الحاكم بالحق.

* لا شكّ انّ حكم الحاكم لا يُغيِّر الواقع، فلو تبيّن انّ حكمه على خلافه لا يجوز اتّباعه، فلو ذهب لفيف من أهل السنّة إلى التصويب وانقلاب الواقع وفقَ =


1 . النساء:59.
2 . مستند العروة:2/82.


(95)

ــــــــــــــــــــــــ
= مضمون الأمارة أو فتوى المجتهد، فإنّما ذهبوا إليه في الأحكام الشرعية الكلّية دون الموضوعات، لاتّفاقهم على بطلان التصويب فيها، فلو قامت الأمارة على أنّ القبلة جانبُ الشمال يجب اتّباعها ظاهراً، ولكن جهة القبلة لا تتغيّر عمّا هي عليه في الواقع.

هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ الغاية من القضاء هو حسم مادة الخلاف وفضّ النزاع ونشر السلام في المجتمع، وهذا رهن نفوذ قضاء الحاكم في حقّ المترافعين وغيرهم ممّا له صلة بموضوع الترافع، فلو قضى الحاكم في واقعة حسب اجتهاده وكان مخالفاً لرأي المجتهد الآخر، فليس له أن ينقضه، وإلاّلبطلت الغاية المنشودة من جهاز القضاء.

ومع الاعتراف بهذين الأمرين، فقد ذهب الفقهاء إلى جواز نقض حكم الحاكم في موارد، نذكر منها ماله صلة بالمقام ، أعني: رؤية الهلال.

الأوّل: إذا علمنا قطعاً انّ حكمه على خلاف الواقع، كما إذا حكم بثبوت الهلال في ليلة التاسع والعشرين غفلةً فلا يُتبع حكمه لكونه على خلاف الواقع بلا ريب.

الثاني: إذا احتملنا إصابة قضائه للواقع، ولكن نعلم فساد اجتهاده، كما إذا حكم بالهلال من خلال شهادة النساء، أو بشهادة واحد مع ضم اليمين، فلا يُتّبع لاتفاق الجميع على عدم ثبوته بهما، حتى القاضي لو نبهه أحد على خطئه في قضائه.

الثالث: فساد مستنده، كما إذا شهد بشهادة شاهدين نعلم فسقهما وكذبهما في هذه الشهادة مع احتمال إصابة الواقع، وإن كانا مزكّيين عند الحاكم، ففي هذه الموارد لا يجوز اتّباعه فيما حكم به.

نعم لو استند إلى دليل اختلفت الأنظار فيه، كالشياع الظني حيث ذهب العلاّمة في التذكرة والشهيد الثاني في المسالك(1) إلى حجّيته مستدلين بأنّ الظن الحاصل =


1 . الحدائق: 13/249.


(96)

ــــــــــــــــــــــــ
= منه أقوى من الظن الحاصل من البيّنة، فما دلّ على حجّية البيّنة يدل بالفحوى على حجّيته. وإن خالفهما الآخرون كما تقدّم بحثه، ففي هذا المورد ونظائره يجب اتّباع قضائه واختلاف النظر لا يصدّ الآخرين عن الاتّباع لعدم انكشاف الواقع.

وبهذا يعلم انّ ما ذكره المصنّف من جواز المخالفة إذا كان الشياع الظني أساساً للحكم، غير صحيح، وإلاّ يجوز الخلاف في عامة الموارد الّتي يختلف فيها القاضي مع غيره في النظر والفتوى.


(97)

ولا يثبت بقول المنجّمين.*

ــــــــــــــــــــــــ

* 1. الهلال وحجّية قول المنجّم فيه

ذهب المشهور إلى عدم حجّية قول المنجّم في رؤية الهلال مستدلّين بأنّ النصوص تركّز على ثبوته من خلال الطرق المتقدمة من الرؤية والبيّنة والشياع وعدّالثلاثين، والثبوت بغيرها يحتاج إلى الدليل، مضافاً إلى أنّ قوله لا يفيد إلاّ الظن ولا دليل على حجّيته في المقام.

قال صاحب الحدائق: الجدول حساب مخصوص مأخوذ من سير القمر واجتماعه بالشمس، ولا ريب في عدم اعتباره، لاستفاضة الروايات على أنّ الطريق إلى ثبوت دخول الشهر إمّا الرؤية، أو مضي ثلاثين يوماً من الشهر المتقدّم، وحكى الشيخ في الخلاف عن شاذ منّا العملَ بالجدول، ونقله في المنتهى عن بعض الجمهور تمسّكاً بقوله تعالى: (وَ بالنَّجْم هُمْ يَهْتَدُون) (1)، وبأنّ الكواكب والمنازل يُرجع إليها في القبلة والأوقات، وهي أُمور شرعية فكذا هنا.

ثمّ أجاب عن الاستدلال وقال: إنّ الاهتداء بالنجم يتحقّق بمعرفة الطرق و مسالك البلدان وتعرّف الأوقات، والذي يرجع إليه في الوقت والقبلة مشاهدة النجم لا ظنون أهل التنجيم الكاذبة في كثير من الأوقات، قال في التذكرة: وقد شدّد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ النهي عن سماع كلام المنجم حتى قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من صدّق كاهناً أو منجّماً فهو كافر بما أنزلاللّه على محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)=


1 . النحل:17.
2 . الحدائق:13/269.


(98)

ــــــــــــــــــــــــ
= أقول: أمّا الاستدلال على حجّية قول المنجم بالآية المباركة فغريب جداً، فأين الاهتداء بالنجم المرئي من حدس المنجم وأخباره حسب القواعد والجداول؟!

كما أنّ الاستدلال على ردّ قوله بالحديث النبوي أيضاً من الغرابة بمكان، لأنّ الحديث ناظر إلى تصديق قوله في ارتباط بعض الحوادث السفلية بالأجرام العلوية، فأين هذا من إثبات الهلال و استنباطه؟!

فكلا الاستدلالين لا يخلوان من إفراط وتفريط، والذي يمكن أن يقال : إنّ علم النجوم في مصطلح القدماء هو العلم بآثار حلول الكواكب في البروج والدرجات وآثار مقارناتها وسائر أنوارها. والتنجيم هو الحكم بمقتضى تلك الآثار، وهذا هو الذي طرحه الفقهاء في المكاسب المحرمة، وأساسها يرجع إلى تأثير الأوضاع العلوية في الحوادث السفلية بصورها المختلفة.

وقد عرّفه صاحب جامع المقاصد، وقال: التنجيم عبارة عن الإخبار عن أحكام النجوم باعتبار الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية.

ثمّ القول بالتأثير يتصور على أقسام ستة:

أ: انّ الأفلاك و ما فيها من النجوم مؤثرات بذواتها بالاستقلال.

ب: انّها حيّة مؤثرة بذواتها بالشركة.

ج: انّها مؤثرة بكيفيتها وخاصتها.

د: انّها مؤثرة بحركاتها وأوضاعها.

هـ: أن يكون ا ستناد الأفعال إليها، بمعنى انّ اللّه تعالى أجرى عادته على أنّها إذا كانت على شكل مخصوص يفعل ما ينسب إليها ويكون الربط نفس الربط الموجود في الأدوية والأغذية. =


(99)

ــــــــــــــــــــــــ
= و: أن يكون ربط الحركات بالحوادث من قبيل ربط الكاشف بالمكشوف.(1)

هذا هو علم النجوم في مصلح القدماء والتنجيم هو استنباط الأحكام والإخبار بها.

وأمّا علم النجوم في مصطلح اليوم فهو عبارة عن حساب حركة الشمس والإخبار عن أوائل الشهور الرومية والفارسية، ورصد حركات القمر وسائر النجوم وما شابه ذلك، فأين هذا المعنى من علم النجوم بالنسبة إلى المعنى السابق؟!

وربما يطلق على ذلك علم الجدول، ويطلق على أهله الحُسّاب، وقد تشعب علم النجوم إلى شعب مختلفة، ومن تلك الشعب هو التعرّف على ماهيات النجوم، وكيفية تكوّنها وولادتها وانحلالها وموتها وفواصلها وهذا علم يدرس في المعاهد والكليات .

وربما يقال: بأنّ المنجمين وأصحاب الجداول لا يثبتون أوّل الشهر بمعنى جواز الرؤية، بل بمعنى تأخر القمر عن محاذاة الشمس مع اعترافهم بأنّه قد لا يمكن الرؤية.

يلاحظ عليه: أنّ الموجود ما بأيدينا من التقاويم من المنجمين لا يقتصر على تأخر القمر عن المحاذاة،بل يخبر عن خروجه عن تحت الشعاع ومقدار بعده عنها ثمّ يحكمون بإمكان الرؤية ووقوعها.

وعلى ذلك فما ورد من الروايات في ذم علم النجوم والمنجم وعدم الاعتداد بأخبارهم إنّما يرجع إلى علم النجوم في مصطلح القدماء، ولا صلة له بما يسمى بعلم النجوم في عصرنا هذا، وهو علم ذو قواعد رصينة مبنية على حسابات رياضية قلّما تخطأ، ولذلك نأخذ بها في تعيين وقت الخسوف والكسوف ودخول الأوقات ومحاذاة القبلة والعرض الجغرافي للبلد وطوله.

إذا عرفت ذلك، إذا اتّفق المنجمون في أغلب أصقاع العالم على عدم خروج =


1 . لاحظ المواهب في تحرير أحكام المكاسب:373.


(100)

ــــــــــــــــــــــــ
= القمر عن تحت الشعاع وعدم إمكان رؤيته في أصقاع معينة، فهو يصدّنا عن الأخذ بقول البيّنة أو الشهود المتفرقة خصوصاً فيما إذا كانت السماء غير صاحية، أو كانت صاحية وقلّ عدد مدّعي الرؤية.

وبالجملة : إذا لم تساعد الأدلة على الأخذ بقول المنجمين في ثبوت الهلال ولكن اتّفاقهم على عدم إمكان الرؤية يصدُّنا عن الأخذ ببعض الظنون والحجج أمام اتّفاقهم على الخلاف، فما يتراءى في هذه الفترات الأخيرة رفض اتفاق علماء النجوم في عدم إمكان الرؤية والحكم بادّعاء رؤية البعض مع كون السماء غيماً في غالب البلدان أو السماء صاحية وقلّ مدّعو الرؤية، فهو على خلاف الاحتياط.


(101)

ولا بغيبوبة الشفق في اللّيلة الأُخرى.*

ــــــــــــــــــــــــ

* 2. الهلال والغيبوبة بعد الشفق

يريد أنّ علوَّ الهلال و بقاءه في السماء إلى أن يغيب الشفق لا يكون أمارة على أنّه لليلتين، ولا غيبوبته قبل الشفق دليلاً على أنّه لليلة.

ذهب الصدوق إلى اعتبارها وقال: «واعلم أنّ الهلال إذا غاب قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين، وإذا رُئي الرأس فهو لثلاث ليال.(1)

وذهب الشيخ إلى عدم اعتبارها، لأنّها تختلف باختلاف المطالع والعروض.(2)

احتجّ الصدوق بما رواه إسماعيل بن الحسن(بحر) عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو ليلتين».

و رواه الكليني بسند صحيح إليالصلتالخزاز.

والروايتان ضعيفتان، لأنّ إسماعيل بن الحسن(بحر) والصلت الخزاز مجهولان، واحتمل السيد الخوئي تبعاً لنسخ الكتب الثلاثة: الكافي والفقيه والتهذيب، انّ الصحيح إسماعيل بن الحرّ مكان لفظة «بحر» في الوسائل«فلا الحسن صحيح ولا بحر».

على أنّ الرواية معارضة بصحيحة أبي علي بن راشد الصريحة في عدم العبرة بالغيبوبة.

قال: كتب إليَّ أبو الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ كتاباً وأرّخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكان يوم الأربعاء يوم شكّ، وصام أهل =


1 . المقنع:58.
2 . المبسوط:1/268.


(102)

ــــــــــــــــــــــــ
= بغداد يوم الخميس وأخبروني أنّهم رأوا الهلال ليلة الخميس، ولم يغب إلاّ بعد الشفق بزمان طويل، قال: فاعتقدت أنّ الصوم يوم الخميس(1) وأنّ الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء قال: فكتب إليّ :«زادك اللّه توفيقاً فقد صُمتَ بصيامنا»، قال: ثمّ لقيته بعد ذلك فسألته عمّا كتبت به إليه، فقال لي: «أو لم أكتب إليك إنّما صُمت الخميس ولا تصم إلاّللرؤية».(2)

وهذه الصحيحة هي الحجّة المعتبرة دون الخبرين الماضيين، وفي صورة المعارضة يرجع إلى العمومات، وهو عدم ثبوت الهلال إلاّ من خلال الرؤية أو ما قام مقامها.

وأمّا حسب الاعتبار، فلأنّ البقاء في الأُفق طويلاً، لا يكشف عن تولّد الهلال قبل أربع وعشرين ساعة ليكون هو من الليلة السابقة، بل يكفي في ذلك تولّد الهلال قبل فترة طويلة لا حين الغروب، فيبقى في الأُفق طويلاً.


1 . اعتقد بعد ما وصلت إليه رسالة الإمام، وإلاّ فكان معتقده قبل وصولها انّ أوّل الشهر هو يومالأربعاء.
2 . الوسائل: 7، الباب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.


(103)

ولا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال فلا يحكم بكون ذلك اليوم أوّل الشهر.*

ــــــــــــــــــــــــ

3. الهلال والرؤية يوم الثلاثين قبل الزوال

قد تتفق رؤية الهلال في النهار تارة قبل الزوال وأُخرى بعده، وأمّا الرؤية قبل الغروب فكثيرة جداً، فإذا شوهد بعد الزوال فليس أمارة على أنّ اليوم أوّل الشهر، إنّما الكلام إذا رُئي قبل الزوال، فهل يكون أمارة على أنّه أوّل الشهر أو لا؟ فيه خلاف.

وقال السيّد المرتضى في المسائل الناصرية لمّا ذكر قول الناصر انّه إذا رُئي الهلال قبل الزوال، فهو للّيلة الماضية: هذا صحيح وهو مذهبنا.(1)

وقال الشيخ : إذا رُئي الهلال قبل الزوال أو بعده فهو للّيلة المستقبلة دون الماضية، وبه قال جميع الفقهاء، وذهب قوم من أصحابنا إلى أنّه ان رُُئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإن رُئي بعده فهو لليلة المستقبلة، وبه قال أبو يوسف.(2)

وفصّل العلاّمة، وقال: الأقرب اعتبار ذلك في الصوم دون الفطر، محتجاً بأنّه أحوط للعبادة، فكان أولى.(3)

ومال إلى هذا القول، المحدّث الكاشاني في «الوافي» و«المفاتيح»، والفاضل الخراساني في «الذخيرة»، وتردّد المحقّق في «المعتبر» و«النافع» والمحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد ولكن المشهور بين الأصحاب عدم الاعتبار.(4)

والثبوت خيرة المحقّق الخوئي في «المستند».(5)=


1 . الناصريات: المسألة 126.
2 . الخلاف: 2/171، المسألة 10.
3 . مختلف الشيعة: 3/494.
4 . أخدنا الأقوال عن الحدائق:13/284.
5 . مستند العروة: 2/99.


(104)

ــــــــــــــــــــــــ
= وقبل الخوض في سرد الروايات نلفت نظر القارئ إلى نكتة وهي:

إنّه إذا ساقتنا الأدلّة إلى الأخذ بهذا التفصيل لا يكون مخالفاً لما تضافر عنهم ـ عليهم السَّلام ـ من أنّ الصوم والإفطار للرؤية الظاهرة في رؤية الهلال بالليل.

وذلك لأنّ الرؤية قبل الزوال تكون أمارة على خروج الهلال عن تحت الشعاع و تكوّنها في الليل ووجوده فيه وصلاحيته للرؤية في الليلة السابقة، فلا جرم يكون اليوم هو أوّل الشهر.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه يدل على ذلك التفصيل روايتان:

1. صحيحة حماد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو للّيلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال، فهو للّيلة المستقبلة».(1)

2. موثقة عبيد بن زرارة وعبد اللّه بن بكير، قالا: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إذا رُئي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رُئي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان».(2)

والروايتان لا غبار عليهما في الدلالة والسند، إنّما الإشكال في وقوع الرؤية قبل الزوال، إذ لم نره طيلة عمرنا ولا سمعنا به من ثقة.

نعم يمكن رؤية الهلال قبل المغرب بساعة أو نصف ساعة، وأمّا الرؤية قبل الزوال الكاشف عن خروجه تحت الشعاع في الليلة الماضية وقت المغرب، فهو أمر نادر لم نسمع به، وعلى فرض وقوعه، فالروايتان حجتان ولم يثبت الاعراض لما وقفت من عمل الصدوق به وغيره.=


1 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6و5، ولا تبعد وحدة الروايتين.
2 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6و5، ولا تبعد وحدة الروايتين.


(105)

ــــــــــــــــــــــــ
= إنّما الكلام في الروايات المعارضة، فهي على أصناف ثلاثة:

1 .ما يدل على عدم الاعتبار برؤية الهلال في النهار من غير تقييد بشيء، نظير:

أ: ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن جراح المدائني، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :«من رأى هلال شوّال بنهار في شهر رمضان، فليتمّ صيامه».(1)

ب: ما رواه العياشي في تفسيره عن القاسم بن سليمان، عن جرّاح، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «قال اللّهو (أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيل)(2) يعني صوم رمضان، فمن رأى الهلال بالنهار فليتم صومه».(3)

2. ما يدل على عدم الاعتبار برؤية الهلال في وسط النهار، نظير:

أ: ما رواه الشيخ في «التهذيب» والصدوق في «من لا يحضره الفقيه» في الصحيح عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: قال أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين، وإن لم تروا الهلال إلاّمن وسط النهار أو آخره فأتمّوا الصيام إلى الليل».(4)

ب: موثّقة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: «لا تصمه إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه. وإذا رأيته من وسط النهار فأتمّ صومه إلى الليل».(5)

و سنذكر الصنف الثالث بعد دراسة هذين الصنفين. =


1 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 2.
2 . البقرة:187.
3 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 8.
4 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.
5 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3.


(106)

ــــــــــــــــــــــــ
= أقول: إنّ الصنف الأوّل مضافاً إلى الضعف في اسنادهماـ فانّ قاسم بن سليمان وجرّاح المدائني لم يوثّقا، وإن وردا في اسناد كامل الزيارات وتفسير القمي، وذكرهما النجاشي والطوسي ولم يوثّقاهما ـ فإنّ مضمونهما مطلق يمكن تقييدها بما في الصحيحة والموثّقة، وحمل الأمر بإتمام الصوم بما إذا رُئي بعد الزوال.

وأمّا الصنف الثاني فإنّما يصح الاستدلال في صورتين:

الأُولى: أن يكون مبدأ النهار، هو الفجر وآخره غروب الشمس فيكون وسط النهار، هو الساعة الحادية عشرة والربع(15/11)، و لكن تفسير النهار بهذا المعنى لا يساعده العرف ولا اللغة حيث إنّهما جعلامبدأ النهار هو مطلع الشمس. ونهايته مغربها، و يدل ّ على ذلك انّه سبحانه وصف النهار بقوله:(مبصراً) قال: (وَالنّهارَ مُبْصِراً)(1)، و قال تعالى: (وَجَعَلْنا آيةَ النّهارِ مُبْصِرَة) (2).

الثانية: يكون المبدأ هو مطلع الشمس ولكن المراد من وسط النهار، هو المعنى العرفي الذي يُتسامح في إطلاقه فيعمُّ لما قبل الزوال بنصف ساعة أو ساعة.

وأمّا إذا حمل على المعنى الدقيق: الحدّ الوسط بين مطلع الشمس ومغربها، فيدل على عدم الثبوت إذا رُئي حين الزوال وبعده، فلا يخالف ما دلّ على ثبوته بما إذا رُئي قبل الزوال.

وأمّا الصنف الثالث، فهي رواية واحدة نقلت مضطربة حيث يصحّ بها الاستدلال على كلا القولين حسب اختلاف المضمون.

فرواه الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن عيسى بالنحو التالي:=


1 . يونس:67
2 . الإسراء:12.


(107)

ــــــــــــــــــــــــ
= قال: كتبت إليه ـ عليه السَّلام ـ ، جعلت فداك، ربما غُمَّ علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلالَ قبل الزوال، و ربّما رأيناه بعد الزوال، فترى أن نُفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا؟ وكيف تأمر في ذلك؟ فكتب ـ عليه السَّلام ـ : «تُتمّ إلى الليل، فانّه إن كان تاماً رُئي قبل الزوال».(1)

وروي هذا الخبر في الاستبصار بالنحو التالي: «ربما غُمّ علينا الهلال في شهر رمضان» .

أقول: تجب دراسة الحديث سنداً و دلالة.

أمّا السند: روى الشيخ في «التهذيب» الحديث بالسند التالي:

علي بن حاتم، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى.

والأخيران ثقتان بلا كلام، وأمّا علي بن حاتم، قال النجاشي : علي بن أبي سهل حاتم بن أبي حاتم القزويني، ثقة في نفسه، من أصحابنا، يروي عن الضعفاء، سمع فأكثر، و صنّف كتباً.

قال الطوسي: له كتب كثيرة جيدة معتمدة نحواً من ثلاثين كتاباً.

وقال في رجاله: يكنَّى أبا الحسن، ثقة ، له تصانيف. وهو من مشايخ الصدوق.

وأمّا محمد بن جعفر فهو محمد بن جعفر، المؤدِّب، المعروف بابن بطّة، قال النجاشي: كان كبير المنزلة بقم، كثير الأدب والفضل و العلم، يتساهل في الحديث ويعلّق الأسانيد بالإجازات.

وعلى كلّ تقدير فالرواية صحيحة.=


1 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.


(108)

ــــــــــــــــــــــــ
= وأمّا الدلالة: فعلى ما نقله في التهذيب(1)، يكون مفاده مطابقاً للصحيحة والموثّقة، وتدلّ على كشف الرؤية قبل الزوال، عن كون اليوم أوّل الشهر، وذلك لأنّه قال:«غُمّ علينا هلال شهر رمضان»، فيكون السؤال عن رؤية الهلال في يوم الشك من رمضان قبل الزوال، فعندئذ يجب تفسير جملتين واقعتين بعده.

الأُولى: للراوي، وهي: «فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأينا أم لا».

وهذا السؤال لا يترتب على السؤال الأوّل، لأنّه إذا كان السؤال عن هلال شهر رمضان وانّه ربما خفى عليهم بغيم فرُئي من الغد قبل الزوال...، كان الأنسب بل اللازم السؤال عن صيامه واحتسابه من رمضان لا عن إفطاره وعدمه، وهذا يدل على سقم النسخة.

وبذلك اعترف المحدّث الكاشاني في «الوافي» أيضاً، فقال بعد نقل الخبر المذكور برواية التهذيب: بيان: هكذا وجدنا الحديث في نسخ التهذيب، وفي الاستبصار«ربما غم علينا الهلال من شهر رمضان» وهو الصواب، لأنّه على نسخة التهذيب لا يستقيم المعنى إلاّ بتكلّف.(2)

الثانية : للإمام، وهي: «تتم إلى الليل، فانّه إن كان تاماً، رُئي قبل الزوال» ، فإذا كان السؤال عن هلال شهر رمضان مع قطع النظر عن عدم الانسجام السابق، يكون معناه:

إنّ هذا اليوم أوّل يوم شهر رمضان وانّ هذا الشهر تامّ ثلاثون يوماً، وذلك لأنّه إذا كان الشهر تاماً يُرى هلاله ـ مضافاً إلى رؤيته غروب أمس الدابر ـ يُرى في اليوم الأوّل قبل الزوال بخلاف ما إذا كان تسعة وعشرين يوماً، فلا يرى هلاله إلاّ بعد الزوال =


1 . التهذيب: 4/177، باب علامة أوّل شهر رمضان، الحديث 62.
2 . الوافي: 11/ 148.


(109)

ــــــــــــــــــــــــ
= أوحين المغرب، وعلى هذا يكون دليلاً على قول المرتضى ومن تبعه.

وأمّا على نسخة الاستبصار انّه «ربما غمّ علينا الهلال في شهر رمضان» فيكون السؤال عن هلال شهر شوال ورؤية الهلال في يوم الشك قبل الزوال، فصحّ للراوي السؤال عن الإفطار بعد كون الحكم الشرعي ـ مع قطع النظر عن الرؤية قبل الزوال ـ هو حرمة الإفطار أخذاً بقوله: «صم للرؤية وأفطر للرؤية»، فأجاب الإمام بأنّه لا يعتدّ بتلك الرؤية ولا يجعله دليلاً على أنّ اليوم أوّل شوال، وذلك لأنّه إذا كان الشهر تاماً ربما يمكن أن يُرى هلاله قبل الزوال، أي هلال الشهر الآتي، فلا دلالة على كون اليوم، أوّل يوم من شوال. وتكون الرواية مخالفة للصحيحة والموثّقة.

إلى هنا تمّت دراسة الأصناف الثلاثة، و بقيت هنا رواية رواهاصاحب الدعائم عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إذا رأيتم الهلال أو رآه ذوا عدل منكم نهاراً فلا تفطروا حتى تغرب الشمس، كان ذلك في أوّل النهار أو في آخره. وقال: لا تفطروا إلاّ لتمام ثلاثين يوماً من رؤية الهلال أو بشهادة عدلين أنّهما رأياه».(1) فهو غير قابل للتقييد والتخصيص، ولذلك لابدّ من علاجه بوجه آخر كضعف السند إذ لا يحتج بمثله .

وصناعة الاجتهاد تقتضي تقديم الصحيحة والموثّقة لصحة سندهما وإتقان دلالتهما. وانتفاء احتمال التقية لما عرفت من اتّفاق العامة إلاّ أبا يوسف على خلاف ما ورد فيها، كما عرفت من الخلاف. وأمّا الطائفة المعارضة، فبين مطلق قابل للتقييد كالصنف الأوّل ـ مضافاً إلى ما عرفت من التساهل في راويا الحديث ـ إلى مبهم قابل للحمل إلى ما بعد الزوال، كالصنف الثاني، إلى مضطرب في المتن، لم يعلم الصحيح منه كصحيح أبي عيسى. وبذلك يرجّح الأوّليان على هذه الأصناف. وأمّا الاعراض فلم =


1 . دعائم الإسلام:1/280، مستدركالوسائل: 7/404، حديث 5.


(110)

ولا بغير ذلك ممّا يفيد الظنّ ولو كان قويّاً إلاّ للأسير والمحبوس*

ــــــــــــــــــــــــ
= يثبت، لما عرفت من العامل بها بين القدماء والمتأخرين.

والذي يسهل الخطب انّ رؤية الهلال قبل الزوال أمر غير واقع إلاّنادراً لم نسمع به لحد الآن في زماننا، بل انّ هذا الأمر غير محتمل عادة، فانّ الهلال الضئيل الذي يظهر في أوّل الشهر أو آخره لا يمكن أن يرى في النهار لضعف ضوئه تجاه ضوء الشمس.

فالبحث فيه، بحث في أمر نادر جداً.

*بقيت هنا أمارات ظنيّة تعرض إليها الفقهاء في كتبهم وأشار إليها المصنّف بلا تفصيل، وهي عبارة عن الأُمور التالية:

1. التطويق أمارة انّه لليلتين.

2. رؤية ظل الرأس أمارة انّه لثلاث ليال.

3.العدد و هو عدّ شعبان ناقصاً أبداً وشهر رمضان تاماً أبداً.

4. عد خمسة أيام من أوّل الهلال من السنة الماضية فجعل اليوم الخامس أوّل شهر رمضان.

5. عدُّ ستين يوماً من أوّل رجب وجعل اليوم الستين أوّل رمضان.

وإليك دراسة الكل واحداً بعد الآخر.=


(111)

ــــــــــــــــــــــــ

= 4. الهلال والتطويق

التطويق عبارة عن إحاطة النور أطراف القمر كطوق محيط به، فربما يجعل أمارة على كونه لليلتين، فيحكم بأنّ السابقة هي الليلة الأُولى وإن لم يُر الهلال فيها.

وإليك توضيحه بالنحو التالي:

إنّ الهلال إذا وُجد ولم يقترب نحو التربيع كما في الليلتين: الثانية والثالثة فانّ له شكلين من النور.

الأوّل: النور الأساسي هو الذي يشكِّل الهلال نفسه، ويكون عادة منحرفاً إلى الشمال في الأسفل وزاويته إلى الأعلى، ويكون الجرم الأسود للهلال ممكن الرؤية أيضاً.

الثاني: انّ هذا الجرم الأسود محاط من الجانب الآخر لنور الهلال بخيط رفيع من النور وخفيف إلى حدّ يبدو ثمّ يختفي ثمّ يبدو ثمّ يختفي و قلّما يوجد بشكل واضح مستمر.

فهذان الشكلان من النور لو جمعنا بينهما في الفكرة كان الحاصل انّ الجرم الأسود واقع في وسط دائرة من النور تشبه الطوق حوله، ومن هنا سُمّي القمر مطوقاً وسميت الظاهرة بالتطويق.

وهناك فروق بين الشكلين:

الفرق الأوّل: انّ نور الهلال عريض نسبيّاً بينما انّ نور التطويق من فوق ضئيل جداً.

الفرق الثاني: انّ نور الهلال ثابت، ونور التطويق يختفي ثمّ يظهر باستواء غالباً.=


(112)

ــــــــــــــــــــــــ
= الفرق الثالث: انّ نور الهلال ينمو و يزداد، بينما نور التطويق لا ينمو ولكنك تراه في الليالي المتقدمة كالخامسة والسابعة زائلاً تماماً.

الفرق الرابع: انّ نور الهلال ذو زاويتين حادّتين في جانبيه مرتفعتين عن الوسط قليلاً بينما نور التطويق خط مستقيم ليس فيه زيادة ولا نقصان، يعني ليس بعض جوانبه أكثر سمكاً من بعض.

ومن الطريف انّ هذا التطويق غير موجود في الليلة الأُولى ولكن يُبدأ وجوده من الليلة الثانية عامة، و من هنا يقال: إذا تطوّق الهلال فهو لليلتين ويستمر موجوداً لليلتين أو ثلاث.

كما أنّ التطويق لا يُرى في النهار لا من أجل سيطرة نور الشمس عليه، بل لأنّ القمر أساساً لا يبدو في النهار إلاّفي أواسط الشهر حيث يكون التطويق زائلاً.

كما أنّ من الطريف انّ هذا التطويق لا وجود له في آخر الشهر حين يعود القمر هلالاً مرة ثانية.

وهذا هو التطويق وهذه سماته وعلائمه.(1)

وعلى كلّ تقدير فقد ذهب إلى هذا القول الشيخ الصدوق في الفقيه، لأنّه أورد الحديث الدال عليه وقد أوعز في مقدمة الكتاب بأنّه ما يورد إلاّ ما يفتي به.

وجعله الشيخ أمارة على دخول الشهر فيما إذا كان في السماء علّة من غيم و ما يجري مجراه، فجاز حينئذ اعتباره، وأمّا مع زوال العلّة وكون السماء مصحية فلا تعتبر هذه الأشياء.(2)

وقد مال إليه الفاضل الخراساني في «الذخيرة» ومستند الجميع ما رواه الشيخ في=


1 . ما وراء الفقه: 2/121ـ 123.
2 . التهذيب:4/178، ذيل الحديث 495.


(113)

ــــــــــــــــــــــــ
= «التهذيب» بالسند التالي:

عن سعد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن مرازم، عن أبيه، عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا تطوّق الهلال فهو لليلتين، وإذا رأيت ظل رأسك فهو لثلاث».

وقد رواه الكليني بالسند التالي:

أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد مثل السند السابق.(1)

وسند الحديث صحيح على كلا الطريقين.

أمّا طريق الشيخ: فسعد بن عبد اللّه، ثقة جليل.

ويعقوب بن يزيد بن حماد الأنباري يصفه النجاشي، بقوله: روى عن أبي جعفر الثاني، وانتقل إلى بغداد، و كان ثقة صدوقاً، له كتب.

وأمّا محمد بن مُرازم، يقول النجاشي: الساباطي، الأزدي، ثقة.

وأمّا أبوه مُرازم بن حكيم، قال النجاشي: الأزدي المدائني، مولى، ثقة.

وأمّا سند الكليني: فيرويه عن أحمد بن إدريس، المكنَّى بأبي علي الأشعري(المتوفّى عام 306هـ) وهو يروي عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمي، أبو جعفر، قال النجاشي: كان ثقة في الحديث. وباقي السند مشترك بين السندين.

وعلى كلّ حال فالرواية صحيحة، فما في الجواهر(2) ناقلاً عن التذكرة من منع صحّة الحديث، غير صحيح.

وقد أورد على الاستدلال بوجوه:

الأوّل: إعراض الأصحاب عن الإفتاء بمضمونه، ولكنّه غير ثابت لفتوى =


1 . الوسائل: 7، الباب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 2.
2 . الجواهر:16/375.


(114)

ــــــــــــــــــــــــ
= الصدوق على وفقه، وعمل الشيخ به في مورد خاص، أي فيما إذا كانت السماء غيماً، وتقدّم ميل بعض المتأخرين إلى العمل به.

الثاني: انّه معارض لما دلّ على أنّ الصوم والإفطار رهن الرؤية.

يلاحظ عليه: بأنّ ما دلّ على أنّهما رهن الرؤية لا يزيد عن كونه مطلقاً قابلاً للتقييد، أو عامّاً قابلاً للتخصيص، فلا يعد مثل ذلك معارضاً.

الثالث: انّ الحديث يعارض ما دلّ على أنّ الإفطار في اليوم المشكوك فيه لا يوجب القضاء إلاّ إذا قامت البيّنة على الرؤية، و بمقتضى اعتبار التطوق انّه متى أفطر يوم الشك، ورُئي في الليلة الثانية متطوّقاً، فانّه يجب القضاء بمقتضى هذه الرواية مع أنّ الروايات الصحاح الصراح قد استفاضت بأنّه لا يقضى إلاّإذا قامت البيّنة بالرؤية وإلاّفلا.(1)

يلاحظ عليه: بمثل ما سلف، فانّ ما دلّ على أنّ القضاء بالبيّنة لا يعدو عن كونه مطلقاً أو عاماً قابلاً للتقييد والتخصيص.

الرابع: انّ ظاهر كلام الإمام ـ عليه السَّلام ـ في الرواية أنّه يُدلّ السامع إلى قاعدة تكوينية وليس قاعدة تشريعية، تكون كالمساعدة في استكشاف عدد الأيام ولا شكّ في كونها مساعدة في ذلك، إذ لو حصل الوثوق بالعدد نتيجة التطويق كان ذلك حجّة ، ولا صلة لها بالحكم الشرعي التعبدي.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذُكر يترتب عليه الصوم والإفطار ترتب الحكم على الموضوع وإن لم يكن الإمام بصدد بيان الحكم الشرعي.

وهذا الجواب يشبه ما ذكره صاحب المستند في المقام و نظيره(غيبوبة الهلال عند الشفق)، حيث قال: إنّ هذه الأحوال تدلّ على أنّ الليلة السابقة كانت ذات هلال و =


1 . الحدائق:13/290.


(115)

ــــــــــــــــــــــــ
= أوّل الشهر، وذلك لا ينافي ما دلّ على عدم وجوب الصوم أو الفطر، إذ يمكن أن يكونان مترتبين على رؤية الهلال الصائم والمفطر بنفسه أو شهوده، لا تحقّق الهلال.(1)

يلاحظ عليه: أنّه احتمال ضعيف، فانّ هدف السائل والمجيب إنّما هو تعيين أوّل الشهر لأجل غايات شرعية، ومنه وجوب الصوم أو الفطر، لا غايات عرفية كحلول أجل الدين أو الإجارة.

نعم، بما انّ الرواية ظاهرة في كون التطويق أمارة على كون الهلال ابن ليلتين،يجب العمل وفقها تحت شرائط خاصة.

الأوّل: إذا لم يثبت بالمناظير عدم وجود الهلال بالمرّة في الليلة السابقة، وإلاّفلا يكون دليلاً على كون الهلال ابن ليلتين.

الثاني: أن لا يترتب عليه ما هو مخالف لما ثبت بالرؤية أو بالبيّنة، كما إذا كان التطويق دليلاً على كونه لليلتين ملازماً لاعتبار الشهر السابق ثماني وعشرين يوماً، فانّ لازم ذلك تعارض البيّنتين والأخذ بإحداهما بلا وجه.

الثالث: إنّما يؤخذ بمقتضى هذه الأمارة إذا لم تعارضه أمارة أُخرى، كما إذا كان الجو صاحياً وكثر الاستهلال ولم يره أحد، فانّه أمارة على عدم وجود الهلال في تلك الليلة، فلو خرج الهلال في الليلة القادمة مطوقاً، يقع التعارض بين العلامتين.

فخرجنا بتلك النتيجة على أنّ التطويق أمارة على وجود الهلال في الليلة الماضية إذا لم تعارضها أمارة أُخرى.

وأمّا حكم الأسير والمحبوس الذي أشار المصنّف إليهما في المقام فسيوافيك الكلام فيهما في المسألة 8، فانتظر.=


1 . مستند الشيعة:10/417.


(116)

ــــــــــــــــــــــــ

= 5.الهلال ورؤية ظلّ الرأس

من العلائم الواردة في صحيح ابن مرازم أن يكون له ظلّ بحيث يَرى الإنسان ظلَّ رأسه فيه، فيكون دليلاً على أنّه ابن ثلاث ليال، قال: «إذا رأيت ظلّ رأسك فيه فهو لثلاث».(1)

وهل للهلال في الليلة الثالثة مثل هذا الظلّ الذي يرى الإنسان فيه ظلَّ رأسه؟! وهل هي علامة دائمة؟ وهل الظلّ المشاهد لمجموع البدن، أو لخصوص الرأس إذا أدبر على الهلال مع انحناء رأسه إلى الامام؟ والظاهر انّه للمجموع.

6. الهلال والإثبات بالعدد

ذهب الصدوق في «الفقيه» إلى أنّ شهر رمضان تامّ لا ينقص أبداً كما أنّ شهر شعبان ناقص دائماً، لنصوص دلّت على ذلك، أكثرها مروية عن حذيفة بن منصور، عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «شهر رمضان ثلاثون يوماً لا ينقص واللّه أبداً».(2)

قال الصدوق بعد نقل ما يدل عليه: مَن خالف هذه الأخبار وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامّة في ضدها، اُتّقي كما يُتّقى العامة ولا يكلّم إلاّ بالتقية كائناً من كان ، إلاّ أن يكون مسترشداً فيرشد و يبيّن له، فانّ البدعة إنّما تماث وتبطل بترك ذكرها ولا قوة إلاّ =


1 . الوسائل: 7، الباب9 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث2.
2 . الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 27، و جاء بهذا المضمون أحاديث أُخرى فلاحظ.


(117)

ــــــــــــــــــــــــ
= باللّه.(1)

وهذا القول أعرض عنه قاطبة الأصحاب قبل الصدوق كابن قولويه، وبعده كالمفيد إلى أعصارنا هذه، حتى أنّ الصدوق أعرض عنه في مكان من كتابه «من لا يحضره الفقيه» حيث عقد باباً باسم «الصوم و الإفطار للرؤية» ذكر فيه انّه إذا أفطر يوم الشكّ ثمّ ظهر انّه من رمضان يقضيه.

فانّ هذا القول على طرف النقيض من أنّ شهر رمضان تام أبداً.

وألّف الشيخ المفيد رسالة باسم «الرسالة العددية» نقد فيها الأحاديث الدالة على أنّ شهر رمضان لا ينقص أبداً، فأثبت شذوذها واضطراب سندها، وطعن العلماء في رواتها، كما ذكر أسماء الرواة الذين نقلوا أنّ شهر رمضان كسائر الشهور يصيبه النقص والتمام، وقال في حقّهم: وأمّا رواة الحديث بأنّ شهر رمضان شهر من شهور السنة، يكون تسعة وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين يوماً، فهم فقهاء أصحاب أبي جعفر محمد بن علي، وأبي عبد اللّه جعفر بن محمد، و أبي الحسن موسى بن جعفر، و أبي الحسن علي بن موسى، وأبي جعفر محمد بن عليّ، وأبي الحسن علي بن محمد، وأبي محمد الحسن بن علي بن محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم واحد منهم، وهم أصحاب الأُصول المدونة، والمصنّفات المشهورة وكلهم قد أجمعوا نقلاً وعملاً على أنّ شهر رمضان يكون تسعة وعشرين يوماً، نقلوا ذلك عن أئمّة الهدى ـ عليهم السَّلام ـ وعرّفوه في عقيدتهم واعتمدوه في ديانتهم.(2)=


1 . الفقيه: 2/171، باب النوادر.
2 . الرسالة العددية (جوابات أهلالموصل في العدد والرؤية) المطبوعة ضمن مصنّفات الشيخ المفيد:9/25ـ 26.


(118)

ــــــــــــــــــــــــ
= وقال الشيخ الطوسي في ردّ هذا القول: المعتبر في تعرّف أوائل الشهور بالأهلّة دون العدد على ما يذهب إليه قوم من شُذّاذ المسلمين، والذي يدلّ على ذلك، قول اللّه عزّ وجلّ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالحَجّ) (1)، فبيّن اللّه تعالى انّه جعل هذه الأهلّة معتبرة في تعرف أوقات الحجّ وغيره ممّا يعتبر فيه الوقت، ولو كان الأمر على ما يذهب إليه أصحاب العدد، لما كانت الأهلّة مراعاة في تعرّف هذه الأوقات، إذ كانوا يرجعون إلى العدد دون غيره، وهذا خلاف التنزيل.

إلى أن قال: فمن زعم أنّ العدد للأيام ، والحساب للشهور والسنين، يغني في علامات الشهور عن الأهلّة، أبطل معنى سمات الأهلّة والشهور الموضوعة في لسان العرب على ما ذكرنا.

ويدل ّعلى ذلك فزع المسلمين في وقت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن بعده إلى هذا الزمان في تعرّف الشهر إلى معاينة الهلال ورؤيته، وما ثبت أيضاً من سنّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّه كان يتولّى رؤية الهلال ويلتمس الهلال ويتصدّى لرؤيته وما شرعه من قبول الشهادة عليه، والحكم فيمن شهد بذلك في مصر من الأمصار وجاء بالخبر به عن خارج الأمصار، وحكم المخبر به في الصحة وسلامة الجو من العوارض، وخبر من شهد برؤيته مع السواتر في بعض الأصقاع.

فلولا انّ العمل على الأهلّة أصل في الدين و معلوم لكافة المسلمين، ما كانت الحال في ذلك على ما ذكرناه، ولكان اعتبار جميع ما ذكرناه عبثاً لا فائدة فيه، وهذا فاسد بلا خلاف.

وأمّا الأخبار في ذلك فشيء أكثر من أن يحصى، ثمّ ذكر روايات كثيرة دالة على أنّ شهر رمضان كسائر الشهور يصيبه ما يصيب غيره.(2)=


1 . البقرة:189.
2 . تهذيب الأحكام:4/154.


(119)

ــــــــــــــــــــــــ
= وقال المحقّق في المعتبر: ولا بالعدد، فانّ قوماً من الحشوية يزعمون انّ شهور السنة قسمان ثلاثون يوماً وتسعة وعشرون يوماً، فرمضان لا ينقص أبداً وشعبان لا يتم أبداً، محتجّين بأخبار منسوبة إلى أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يصادمها عمل المسلمين في الإفطار بالرؤية وروايات صريحة لا يتطرّق إليها الاحتمال، فلا ضرورة إلى ذكرها.(1)

إذا عرفت ذلك، فاعلم انّ هناك صحاحاً متواترة أو مستفيضة تدلّ على أنّ شهر رمضان كسائر الشهور يزيد وينقص وقد يكون تسعة وعشرين يوماً، وإليك ذكر أسماء من رواها عن الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ .

1. محمد بن مسلم، 2. إسحاق بن جرير، 3. حماد بن عثمان، 4. زيد الشحام، 5. سماعة، 6. محمد بن الفضل، 7. الحلبي، 8. عبيد بن زرارة، 9. هشام بن الحكم، 10. أبو خالد الواسطي، 11. الحلبي، 12. جابر، 13. عبد اللّه بن سنان، 14. أبو أحمد عمر بن الربيع، 15. صابر مولى أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، 16. يعقوب الأحمر، 17. قطر ابن عبد الملك، 18. عبد الأعلى بن أعين(2) ، 19. هارون بن حمزة(3)، 20. محمد بن قيس(4).

روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين ـ إلى أن قال: ـ و إن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين ليلة ثمّ أفطروا».=


1 . المعتبر:2/688.
2 . الوسائل: ج7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 2، 3، 4، 6، 7، 9، 10، 13، 16، 17، 18، 19، 20، 21، 22، 23، 24 .
3 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 15.
4 . الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11 . وإنّما فصلنا هذه عن نظائرها في ذلك الباب لاختلاف مضمونها عن سائر الروايات ، كما أوضحناه في المتن.


(120)

ــــــــــــــــــــــــ
= هذه الرواية تدلّ على أنّ المعيار للإفطار هو الرؤية وإلاّ فعدّ الشهر ثلاثين يوماً، وهذا يدلّ على أنّ رمضان يصيبه ما يصيب غيره من الشهور القمرية وإلاّ لأمر بالثلاثين في بدء الأمر.

وبهذا المضمون روايات كثيرة لو أُضيفت إلى الأعداد السابقة لناهز إلى أكثر ممّا ذكرنا.

وبهذا تصبح المسألة واضحة بيّنة.

هذا كلّه حول أدلّة المشهور.

وأمّا ما دلّ على خلافه، وانّ شهر رمضان تام في جميع الأجيال، فأكثرها ينتهي إلى حذيفة بن منصور، عن معاذ بن كثير، وإليك أسماء من رويت عنهم:

1. حذيفة بن منصور.(1)

2. معاوية بن عمار.(2)

3. محمد بن يعقوب بن شعيب عن أبيه.(3)

4. عن محمد بن إسماعيل.(4)

5. أبي بصير.(5)

6. ياسر خادم الرضا .(6)

وعدد الروايات وإن كان يناهز أربعة عشر حديثاً لكن سبعة منها ينتهي إلى حذيفة بن منصور، وهو تارة ينقل عن معاذ بن كثير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، وأُخرى عن =


1 . الوسائل : الجزء 7، الباب5، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث25، 31، 32، 35، 36.
2 . الوسائل : الجزء 7، الباب5، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث25، 31، 32، 35، 36.
3 . الوسائل : الجزء 7، الباب5، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث25، 31، 32، 35، 36.
4 . الوسائل : الجزء 7، الباب5، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث25، 31، 32، 35، 36.
5 . الوسائل : الجزء 7، الباب5، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث25، 31، 32، 35، 36.
6 . الوسائل : الجزء 7، الباب5، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث25، 31، 32، 35، 36.


(121)

ــــــــــــــــــــــــ
= الإمام مباشرة، والسبعة الباقية تنتهي إلى خمسة أشخاص و أين هؤلاء من رواة القول الآخر في العدد والعظمة والجلالة؟! وها نحن نذكر شيئاً من هذه الأحاديث الشاذة ثمّ نذكر ما ذكره الشيخ حولها:

1. قال معاذ: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ الناس يقولون: انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ صام تسعة وعشرين أكثر ممّا صام ثلاثين، فقال: «كذبوا، ما صام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منذ بعثه اللّه إلى أن قبضه أقل من ثلاثين يوماً، ولا نقص شهر رمضان منذ خلق اللّه تعالى السماوات والأرض من ثلاثين يوماً وليلة».(1)

قال الشيخ حول هذا الخبر وما أشبهه: إنّ هذا الخبر لا يصحّ العمل به من وجوه:

الأوّل: انّ متن هذا الحديث لا يوجد في شيء من الأُصول المصنّفة، وإنّما هو موجود في الشواذ من الأخبار.

الثاني: انّ كتاب حذيفة بن منصور ـ رحمه الله ـ عريّ منه، و الكتاب معروف مشهور، ولو كان هذا الحديث صحيحاً عنه لضمّنه كتابه.

الثالث: انّ هذا الخبر مختلف الألفاظ مضطرب المعاني، ألا ترى أنّ حذيفة تارة يرويه عن معاذ بن كثير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، و تارة يرويه عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ بلا واسطة، وتارة يفتي به من قبل نفسه فلا يسنده إلى أحد، و هذا الضرب من الاختلاف ممّا يضعف الاعتراض به والتعلّق بمثله .

الرابع: لو سلم جميع ما ذكرنا، لكان خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً، وأخبار =


1 . الوسائل: 7، الباب 5من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 24 وانظر الروايات التالية 25، 26، 27، 28، 29، 30 كلّها تنتهي إلى حذيفة بن منصور.


(122)

ــــــــــــــــــــــــ
= الآحاد لا يجوز الاعتراض بها على ظاهر القرآن والأخبار المتواترة.(1) إلى غير ذلك من الوجوه.

وأمّا ما رواه غيره فالكل لا يخلو من إشكال.

منها: ما رواه معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في قوله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا العِدّة)(2) قال: صوم ثلاثين يوماً.(3)

وقد جاء هذا التعليل في رواية أبي بصير(4)، ويعقوب بن شعيب.(5)

ومن الواضح انّ التعليل الوارد في القرآن لا يدل على لزوم كون رمضان ثلاثين في كلّ عام، لأنّ المراد من تلك الفقرة أي تتموا عدّة ما أفطرتم فيه وهي أيام السفر والمرض بالقضاء، إذا أقمتم وبرأتم فتصوموا للقضاء بعدد أيام الإفطار وأين هي من الدلالة على أنّ شهر رمضان لا ينقص من ثلاثين؟!

و نظير هذا التعليل ما ورد في رواية محمد بن يعقوب بن شعيب، عن أبيه من تمامية شهر ذي القعدة الحرام، قال: «و ذو القعدة ثلاثون يوماً لا ينقص أبداً، لأنّ اللّه تعالى يقول: (وواعَدْنا مُوسى ثَلاثينَ لَيْلَة)(6)».(7)

إذ أي صلة بين تمامية ذلك الشهر عندما كان موسى ـ عليه السَّلام ـ في الميقات و بين كون هذا الشهر تامّاً مدى السنين والأجيال؟! =


1 . التهذيب:4/169.
2 . البقرة:185.
3 . الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 31.
4 . الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 35و 37.
5 . الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 35و 37.
6 . الأعراف:142.
7 . الوسائل: 7، الباب 5من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 32.


(123)

ــــــــــــــــــــــــ
= وبالجملة هذه الروايات لا تخلو من علل مسقطة عن الحجّية يجمعها العناوين التالية:

1. إعراض المشهور عنها.

2. مخالفتها للروايات المستفيضة بل المتواترة.

3. انتهاء أكثرها إلى حذيفة بن كثير، و ليس في كتابه أثر منه.

4. اشتمالها على العلل الضعيفة.

5. مخالفتها للسنّة التكوينية، فانّ معنى الروايات انّ للقمر حركة بطيئة في خصوص شهر ما دائماً و سريعة في خصوص آخر كذلك.

7.عدّ خمسة أيّام من هلال رمضان الماضية

قد ورد في بعض الروايات عدّخمسة أيّام من هلال رمضان السنة الماضية، فجعل اليوم الخامس هو أوّل الآتية، فإذا كان أوّل رمضان من السنة الماضية يوم السبت فيكون أوّله في السنة القادمة يوم الأربعاء، وقد وردت هذه العلامة في عديد من الروايات:

أ: ما رواه صفوان بن يحيى، عن محمد بن عثمان الجدري (عُثيم الخُدري)، عن بعض مشايخه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «صم في العام المستقبل اليوم الخامس من يوم صمت فيه أوّل عام».(1)

والرواية ضعيفة، لأنّ محمد بن عثمان الخُدري لم يوثّق، مضافاً إلى إرساله في آخر السند.=


1 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.


(124)

ــــــــــــــــــــــــ
= نعم لو قلنا بأنّ صفوان لا يروي إلاّ عن ثقة، لثبت وثاقة محمد بن عثمان، لكن الإرسال يبقى بحاله.

ب: ما رواه عمران الزعفراني، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ السماء تطبق علينا بالعراق اليومين والثلاثة فأيّ يوم نصوم؟ قال: «انظر اليوم الذي صمت من السنة الماضية وصم يوم الخامس».(1)

ج: و عن عمران الزعفراني أيضاً، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : انّا نمكث في الشتاء اليوم واليومين لا ترى شمس ولا نجم فأي يوم نصوم؟ قال: «انظر اليوم الذي صمت من السنة الماضية وعدّ خمسة أيّام وصم اليوم الخامس».(2)

والروايتان ضعيفتان، لأنّ عمران بن إسحاق الزعفراني مجهول.

د: ما رواه الصدوق مرسلاً، قال: قال ـ عليه السَّلام ـ : «إذا صمت شهر رمضان في العام الماضي في يوم معلوم فعد في العام المستقبل من ذلك اليوم خمسة أيّام و صم اليوم الخامس».(3) و هو كما ترى مرسل، وإن ذكره الصدوق بلفظة :«قال ـ عليه السَّلام ـ » الحاكية عن ثبوته لديه.

هـ: روى ابن طاووس في كتاب «الإقبال» من كتاب الحلال و الحرام لإسحاق ابن إبراهيم الثقفي الثقة، عن أحمد بن عمران بن أبي ليلى، عن عاصم بن حميد، عن جعفر بن محمد ـ عليهما السَّلام ـ قال: «عدّوا اليوم الذي تصومون فيه وثلاثة أيام بعده، وصوموا يوم الخامس، فإنّكم لن تخطأوا».(4)

وقد نسب في الوسائل الكتاب لإسحاق بن إبراهيم الثقفي، وحكى شيخنا =


1 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3.
2 . الفروع من الكافي:4/81، باب النادر، الحديث 4.
3 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4و8.
4 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4و8.


(125)

ــــــــــــــــــــــــ
= المجيز في الذريعة كونه كذلك في طبعة الصغير من كتاب «الإقبال» للسيد ابن طاووس ص 246، ولكن الصحيح لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي الثقة (المتوفّى عام 283هـ).

وأمّا أبو إسحاق الذي له أيضاً كتاب الحلال والحرام، فقال النجاشي: هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى المدني، الراوي عن الإمامين الباقر والصادق ـ عليهما السَّلام ـ وكان مختصاً بهما، ولذلك كانت العامة تضعّفه، وحكى بعض أصحابنا عن بعض المخالفين: إنّ كتب الواقدي، سائرها إنّما هي كتب إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى نقلها الواقدي وادّعاها لنفسه».(1)

وقد توفّي إبراهيم هذا سنة 184 أو سنة 191 (2)، و ذكر أنّ كتابه في الحلال والحرام مبوّب رواه عن جعفر بن محمد.(3)

وعلى هذا فهنا كتابان باسم واحد، أي الحلال و الحرام، أحدهما: لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي، وقد توفّي عام 283; والآخر: لأبي إسحاق إبراهيم ابن محمد بن أبي يحيى المدني من أصحاب الإمامين الباقر والصادق ـ عليهما السَّلام ـ .

وعلى كلّ تقدير فالرواية ضعيفة، لأنّ أحمد بن عمران بن أبي ليلى لم يوثّق.

نعم عاصم بن حُميد ثقة الذي يروي عنه أحمد بن عمران.

بقي هنا من الروايات رواية السيّاري، وهو شاذ سنداً ومضموناً. أمّا سنداً فيكفي ما ذكره النجاشي في حقّه حيث قال: ضعيف الحديث، فاسد المذهب، مجفو الرواية، =


1 . النجاشي:1/85 برقم11و18.
2 . معجم رجالالحديث: 1/200 برقم 92 و 93.
3 . الذريعة: 7/61، برقم 322.


(126)

ــــــــــــــــــــــــ
= كثير المراسيل.

وأمّا مضموناً فلاحظ ما ذكره المحقّق الخوئي في شأن هذه الرواية.(1)

8.جعل يوم الستين بعد شهري رجب وشعبان،

أوّل رمضان

قد ورد في بعض الروايات أنّه يعد الشهران رجب وشعبان 59 يوماً، فاليوم الستون أوّل رمضان، رواه محمد بن الحسين بن أبي خالد، رفعه إلى أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا صحّ هلال رجب فعُدّ 59 يوماً و صم يوم الستين».(2) و رواه الصدوق في المقنع.(3)

والرواية ضعيفة بمحمد بن الحسين بن أبي خالد مضافاً إلى إرساله.

وهناك كلمة لصاحب الحدائق في حقّ هذه العلائم، يقول:

إنّها لا تخلو من تعارض وتناقض بعضها مع بعض، لأنّ العمل على بعض منها ربّما ينافيه العمل على البعض الآخر، فالأظهر هو طرح الجميع، والرجوع إلى الأخبار المستفيضة بالرؤية أو شهادة العدلين أو عدّ ثلاثين يوماً من شعبان، كما عليه كافة العلماء الأعيان، واللّه العالم.(4)


1 . مستندالعروة: 2/109.
2 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب أحكام رمضان، الحديث 7و5.
3 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب أحكام رمضان، الحديث 7و5.
4 . الحدائق:13/292.


(127)

المسألة 1: لايثبت بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية بل شهدا شهادة علميّة.*

ــــــــــــــــــــــــ
* اتّفق الفقهاء على أنّه لابدّ في الشهادة من الاستناد إلى الحس، ولا يكفي مطلق العلم إذا كان مستنداً إلى غير الحس، كالجفر والرمل وغيرهما، واستشهدوا على ذلك بوجهين:

1. انّ الشهادة مأخوذة من الشهود و هي لغة الحضور، والمعتمد على السماع في المبصرات و لم يحضر الواقعة فلا يقال له إنّه شهد وحضر، بل يوصف الشاهد بأنّه لم يكن شاهداً وحاضراً للمشهود به.

2. انّ في قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد سئل عن الشهادة، وقال: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع».(1) إشعاراً باعتبار الرؤية في الشهادة في خصوص المبصرات. ومثله قول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفّك».(2)

يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّه سبحانه استعمل لفظ الشهود في مطلق العلم الجازم، قال سبحانه حاكياً عن لسان اخوة يوسف:(فَقُولوا يا أَبانا إِن ابْنَكَ سَرَق وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا).(3) مع أنّهم لم يحضروا وقت السرقة وإنّما علموا بها من إخراج صواع الملك من رحله، ومع ذلك قالوا: (وما شَهِدنا) .

أضف إلى ذلك قوله سبحانه: (شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لاإِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا العلمِ قائِماً بِالْقِسْط)(4)، إلى غير ذلك من الآيات التي استعملت فيها مادة الشهادة في مطلق العلم.=


1 . مستدرك الوسائل:17، الباب 15 من كتاب الشهادات، الحديث2.
2 . الوسائل: 18، الباب 8 من أبواب الشهادات، الحديث 3.
3 . يوسف:81.
4 . آل عمران:18.


(128)

ــــــــــــــــــــــــ
= والتفريق بينها و بين ما ورد في باب ثبوت الدعوى بشهادة العدلين بتخصيص الثانية للمشاهدة والرؤية تفكيك بلا وجه، بعد كون المادة موضوعة للمعنى العام، ومستعملة في جميعها بملاك فارد، فلابدّ من التماس تخصيص الشهادة بالحس في عامة الأبواب من الاستناد إلى الوجه الثاني، وأمّا المقام فيكفي ما تضافر نقله من تعليق الصوم والإفطار على الرؤية.

ففي صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته، فإن شهد عندكم شاهدان مرضيان بأنّهما رأياه فاقضه».(1)

وفي صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه بيّنة عدل من المسلمين»(2).الحديث.

وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : انّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ كان يقول: «لا أُجيز في رؤية الهلال إلاّشهادة رجلين عدلين».(3)

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الشهادة على الهلال المقيدة بالرؤية، وبها يقيد ما جاء مطلقاً.

وبذلك يعلم وجه التفريق بين شهادة المنجمين، فلو ادّعوا ولادة الهلال في ليلة خاصة انّه قابل للرؤية فيها، فلا يؤخذ بها إلاّ إذا رُئي الهلال، لما ذكرنا من اشتراط استناد الشهادة إلى الحسّ، بخلاف ما لو ادّعوا عدم إمكانها إلاّ بعد ساعات من الغروب، فيؤخذ بها بمعنى انّه يجب الثبت والدقّة في ثبوت الهلال بالبيّنة أو بالشياع، لأنّه مظنة خطأ الحسّ، وقد ورد نظير ذلك فيما إذا كان الهواء صافياً وادّعى واحد الرؤيةَ فردّ عليه الإمام وقال:«وليس بالرأي ولا بالتظنّي ولكن بالرؤية، والرؤية ليس أن يقوم عشرة =


1 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4 و 6 و 8.
2 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4 و 6 و 8.
3 . الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4 و 6 و 8.


(129)

المسألة 2: إذا لم يثبت الهلال وترك الصوم ثمّ شهد عدلان برؤيته يجب قضاء ذلك اليوم وكذا إذا قامت البيّنة على هلال شوال ليلة التاسع والعشرين من هلال رمضان أو رآه في تلك اللّيلة بنفسه.*

المسألة 3: لا يختصّ اعتبار حكم الحاكم بمقلّديه بل هو نافذ بالنسبة إلى الحاكم الآخر أيضاً إذا لم يثبت عنده خلافه.*

ــــــــــــــــــــــــ
= فينظروا فيقول واحد هو ذا هو، وينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد، رآه عشرة آلاف».(1)

* 1. إذا ترك الصوم في يوم الشك في يوم رمضان اعتماداً على الاستصحاب جاز له الإفطار، و إذا شهد عدلان على رؤية الهلال، يثبت على أنّ اليوم الذي أفطر فيه كان من رمضان و فاته الصوم لعذر ظاهري، فتعمّه أدلّة القضاء المترتبة على عنوان الفوت.

2. كما أنّه إذا قامت البيّنة على رؤية الهلال في ليلة التاسع والعشرين من هلال رمضان كشف عن أنّ اليوم الذي أفطروا فيه بعنوان آخر شعبان كان من رمضان، لأنّ الشهر لا ينقص من تسعة وعشرين كما هو المحقّق من حيث العلم والروايات.

أمّا العلم فمعلوم. وأمّا الروايات فمرسلة عبد اللّه بن سنان، قال: صام عليٌّ بالكوفة 28 يوماً شهر رمضان، فرأوا الهلال فأمر منادياً ينادي اقضوا يوماً فانّ الشهر 29 يوماً.(2)

وقد وردت روايات تدلّ على عدم نقصان الشهر عن 29 يوماً.(3)

* قد تقدّم منّا ثبوت الهلال بحكم الحاكم مع الاعتراف بأنّ الموضوعات لا =


1 . الوسائل: 7، الباب 11من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.
2 . الوسائل: 7، الباب 14من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.
3 . لاحظ الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 14، 15 ولاحظ أيضاً الباب الخامس.


(130)

المسألة 4: إذا ثبت رؤيته في بلد آخر ولم يثبت في بلده فإن كانا متقاربين كفى وإلاّ فلا إلاّ إذا علم توافق أُفقهما وإن كانا متباعدين.*

ــــــــــــــــــــــــ
= تثبت بحكمه ولكن للهلال خصوصية، فإذا كان داخلاً تحت عموم ما دلّ على نفوذ القضاء والحكم، فهو ينفذ في حق الجميع سواء كان عامّيّاً أو مجتهداً ثبت عنده أو لم يثبت.

اللّهم إلاّفي موارد خاصة كفساد اجتهاده أو فساد مستنده، فلو قضى بشهادة النساء أو بشهادة الفاسق لم يكن نافذاً، أو استند إلى شهادة من نعلم كذبه، وفي غير هذه الموارد يكون حكمه نافذاً.

أمّا عدم نفوذ حكمه عند فساد اجتهاده أو فساد مستنده ، فلأنّ حكم الحاكم لا يُغيِّر الواقع، لأنّ التصويب في الموضوعات باطل.

وتدل على ذلك صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان، وبعضكم ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً، فإنّما قطعت له به قطعة من النار».(1)

وبما ذكرنا يعلم أنّه لا يجوز نقض الحكم بالفتوى، مثلاً لو كان أساس حكم الحاكم هو الشياع الظنّي وكان المجتهد الآخر يرى عدم حجّيته، فلا يصحّ له نقض الحكم بالفتوى، ولا بالحكم.

أمّا بالفتوى، فمعلوم، لأنّه لم يتبيّن فساد اجتهاده ولا فساد مستنده، وإنّما بان الخلاف في الفتوى والنظر، والواقع بعد غير معلوم; وأمّا بالحكم، فهو خلاف إطلاق روايات النفوذ.

* اتّفقت كلمتهم على عدم اعتبار الرؤية في نفس البلد، بل تكفي الرؤية في =


1 . الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(131)

ــــــــــــــــــــــــ
= خارجه، وقد استفاضت الروايات في ذلك.(1)

كما اتّفقت كلمتهم على كفاية الرؤية في بلد آخر إذا كان متحداً معه في الأُفق، كما إذا كانا متحدين في المطالع.

ومثل الثاني ما إذا كانا مختلفين في المطالع لكن الثبوت في بلد يكون مستلزماً للثبوت في البلد الآخر بالأولوية، مثلاً إذا رُئي الهلال في البلد الشرقي فيكون حجّة بالنسبة إلى البلد الغربي، لأنّ حركة القمر من الشرق إلى الغرب، فإذا رُئي في الشرق يكون دليلاً على تولّد الهلال تولّداً شرعياً قابلاً للرؤية عند الغروب في المشرق قبل وصوله إلى المغرب.

فهذه الموارد الثلاثة لا يُطرأ عليها الاختلاف، إنّما الكلام فيما إذا اختلف الأُفق وشوهد الهلال في البلاد الغربية فهل يكفي ذلك للبلاد الشرقية أو لا؟

والفقهاء في هذه المسألة على طوائف ثلاث:

الأُولى: مَن لم يتعرض للمسألة ولم يصرِّح بالفرق أو بعدم الفرق بين البلاد المتقاربة والمتباعدة.

الثانية: مَن صرّح بالمسألة وفرّق بين المتباعد والمتقارب، وهم الأكثر .

الثالثة: مَن لم يفرّق بينهم و عطف المتباعد على المتقارب.

لا حاجة لذكر أسماء الطائفة الأُولى وإنّما المهم هو الإيعاز إلى أسماء الطائفتين.

من اشترط وحدة الأُفق

قد ذهب لفيف من القدماء إلى شرطية التقارب بين البلدين، وأوّل من نبَّه بذلك =


1 . لاحظ الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث 10، 13، وغيره.


(132)

ــــــــــــــــــــــــ
= هو شيخ الطائفة الطوسي(385ـ460هـ).

1. قال : علامة شهر رمضان رؤية الهلال أو قيام البيّنة ـ إلى أن قال: ـ و متى لم يُر الهلال في البلد ورُئي خارج البلد، على ما بيّناه وجب العمل به إذا كان البلدان التي رئي فيها متقاربة بحيث لو كانت السماء مصحية والموانع مرتفعة، لرُئي في ذلك البلد أيضاً، لاتّفاق عروضها وتقاربها ، مثل بغداد وواسط والكوفة وتكريت والموصل، فأمّا إذا بعدت البلاد مثل بغداد وخراسان، وبغداد ومصر، فإنّ لكلّ بلد حكمَ نفسه.(1)

ولم يتعرض في كتابيه الآخرين: النهاية،(2) ولا الخلاف للمسألة.(3)

2. قال ابن حمزة(المتوفّى حوالي 550هـ): وإذا رُئي في بلد ولم ير في آخر، فإن كانا متقاربين لزم الصوم أهلهما معاً، وإن كانا متباعدين، مثل بغداد و مصر أو بلاد خراسان، لم يلزم أهل الآخر.(4)

3. وقال المحقّق(602ـ676هـ): وإذا رُئي الهلال في البلاد المتقاربة كالكوفة وبغداد، وجب الصوم على ساكنيهما أجمع، دون المتباعدة، كالعراق وخراسان.(5)

وقال في المعتبر نفس ذلك القول وذكر فتوى ابن عباس، فقال: وقد أفتى بذلك عبد اللّه بن عباس.(6) وسيوافيك فتوى ابن عباس عن التذكرة.

4. وقال العلاّمة (648ـ726هـ)في «التذكرة»: إذا رأى الهلالَ أهلُ بلد ، ولم يره أهل بلد آخر، فإن تقاربت البلدان كبغداد والكوفة، كان حكمهما واحداً: يجب الصوم عليهما معاً، وكذا الإفطار; وإن تباعدتا كبغداد وخراسان والحجاز والعراق، فلكلّ بلد حكمُ نفسه، قال الشيخ ـ رحمه الله ـ (7) : و هو المعتمد. وبه قال أبو حنيفة، وهو قول بعض =


1 . المبسوط:1/267 ـ 268.
2 . النهاية:150.
3 . الخلاف: 1/391،المسألة 8.
4 . الوسيلة:141.
5 . شرائع الإسلام:1/200.
6 . المعتبر:2/689.
7 . المبسوط : 1/268.


(133)

ــــــــــــــــــــــــ
= الشافعية، ومذهب القاسم وسالم و إسحاق(1) ; لما رواه كُرَيب من أنّ أُمّ الفضل بنت الحارث بَعثتهُ إلى معاوية بالشام، قال: قدمت الشام فقضيت بها حاجتي واستهلّ عليّ رمضان، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثمّ قدمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد اللّه بن عباس وذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة; فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية; فقال: لكنّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدّة أو نراه; فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

ولأنّ البُلدان المتباعدة تختلف في الرؤية باختلاف المطالع والأرض كرة، فجاز أن ُيرى الهلال في بلد ولا يظهر في آخر; لأنّ حَدَبَة(3) الأرض مانعة من رؤيته، وقد رصد ذلك أهل المعرفة، وشوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب القريبة لمن جدّفي السير نحو المشرق وبالعكس.

وقال بعض الشافعية: حكم البلاد كلّها واحد، متى رُئي الهلال في بلد و حكم بأنّه أوّل الشهر، كان ذلك الحكم ماضياً في جميع أقطار الأرض، سواء تباعدت البلاد أو تقاربت، اختلفت مطالعها أو لا ـ و به قال أحمد بن حنبل و الليث بن سعد(4)، وبعض =


1 . فتح العزيز:6/271ـ 272; المهذب للشيرازي:1/168; المجموع:6/273و274; حلية العلماء:3/180; المغني:3/10; الشرح الكبير:3/7.
2 . صحيح مسلم:2/765/برقم 1087; سنن الترمذي:3/76ـ 77/برقم693; سنن أبي داود:2/299ـ 300 برقم2332; سنن النسائي:4/131; سنن الدارقطني:2/171 برقم21; سنن البيهقي:4/251.
3 . الحَدَبَة: ما أشرف من الأرض وغلظ وارتفع. لسان العرب:1/301.
4 . فتح العزيز:6/272; المجموع:6/273و274; حلية العلماء:3/برقم181; المغني:3/10; الشرح الكبير:3/7.


(134)

ــــــــــــــــــــــــ
= علمائنا ـ لأنّه يوم من شهر رمضان في بعض البلاد للرؤية، وفي الباقي بالشهادة، فيجب صومه; لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) .(1)

وقوله ـ عليه السَّلام ـ :«فرض اللّه صوم شهر رمضان».(2) وقد ثبت أنّ هذا اليوم منه.

ولأنّ الدَّين يحلّ به، ويقع به النذر المعلّق عليه.

ولقول الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه».(3)

وقال ـ عليه السَّلام ـ ، في من صام تسعة وعشرين، قال: «إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنّهم صاموا ثلاثين على رؤية، قضى يوماً».(4)

ولأنّ الأرض مسطّحة، فإذا رئي في بعض البلاد عرفنا أنّ المانع في غيره شيء عارض; لأنّ الهلال ليس بمحل الرؤية.

ونمنع كونه يوماً من رمضان في حقّ الجميع; فإنّه المتنازع، ولا نسلّم التعبّد بمثل هذه الشهادة; فإنّه أوّل المسألة.

وقول الصادق ـ عليه السَّلام ـ محمول على البلد المقارب لبلد الرؤية; جمعاً بين الأدلّة.(5)

5. وقال في «المنتهى»: إن رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على جميع الناس سواء تباعدت البلاد أو تقاربت. وبه قال أحمد والليث بن سعد و بعض أصحاب الشافعي، ثمّ ذكر تفصيل الشيخ بين البلاد المتباعدة، ثمّ أخذ بردّها، فخرج بالنتيجة التالية:

ان علم طلوعه في بعض الصفائح وعدم طلوعه في بعضها المتباعد منه لكروية =


1 . البقرة:185.
2 . صحيح البخاري:3/31; سنن النسائي:4/121; سنن البيهقي:4/201 نقلاً بالمعنى.
3 . التهذيب:4/157ـ 158/برقم 439; الاستبصار:2/64/برقم 206.
4 . التهذيب:4/158/برقم 443.
5 . التذكرة:6/124.


(135)

ــــــــــــــــــــــــ
= الأرض لم يتساو حكماهما، أمّا بدون ذلك فالتساوي هو الحقّ.(1)

وعلى هذا فما ربما يعدّ العلاّمة في المنتهى من القائلين بعدم الفرق بين البعيد والقريب إنّما يصحّ حسب ابتداء كلامه، وأمّا بالنسبة إلى النتيجة التي وصل إليها فإنّما سوّى بين القريب والبعيد إذا لم يُعلم اختلاف مطالعهما، وإلاّفالحكم هو الفرق بين القريب والبعيد.

6. كما أنّه ـ قدَّس سرَّه ـ مشى في «القواعد» على غرار «التذكرة»، وقال: وحكم البلاد المتقاربة واحد بخلاف المتباعدة، فلو سافر إلى موضع بعيد لم يُر الهلال فيه ليلة الثلاثين تابعهم; ولو أصبح معيّداً وسار به المركب إلى موضع بعيد لم ير فيه الهلال لقرب الدرج، ففي وجوب الإمساك نظر، ولو رأى هلال رمضان ثمّ سار إلى موضع لم ير فيه، فالأقرب وجوب الصوم يوم أحد وثلاثين.

وبالعكس يفطر يوم التاسع والعشرين.(2)

أقول: ما ذكره في الفرعين، هو الذي يُلزم به القائلون باشتراط وحدة الأُفق حيث يورد عليهم بأنّ لازم اشتراط وحدة الأُفق صوم واحد وثلاثين يوماً في فرض وثماني وعشرين في فرض آخر.

أمّا الأوّل ففيما إذا كان الشهر تاماً في القريب و البعيد رُئي الهلال في الأوّل دون الثاني، وصام ثلاثين يوماً في القريب، وسار إلى البلد الآخر بعده، فلو وجبت عليه المتابعة يلزم أن يصوم ذلك اليوم ،لأنّه هو اليوم الآخر من شهر رمضان في ذلك القطر فيلزم أن يصوم واحداً وثلاثين.

بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الرؤية في القريب حجّة على البعيد، فيجب على الجميع =


1 . المنتهى: 2/593.
2 . قواعد الأحكام:1/70.


(136)

ــــــــــــــــــــــــ
= الإفطار في ذلك اليوم، من غير فرق بين بلد رُئي فيه الهلال و ما لم ير فيه.

وأمّا الثاني ففيما إذا كان الشهر غير تام في القريب والبعيد: فلو رُئي في بلده متأخراً وفي البلد البعيد متقدماً، فصام في بلده ثماني وعشرين يوماً ثمّ سار به إلى البلد الآخر، فلو وجبت المتابعة يجب أن يفطر التاسع والعشرين، لكونه في ذلك القطر يوم الفطر وكلاهما لا يلتزم به الفقيه.

7. وقال الشهيد الأوّل(734ـ786هـ): يصام رمضان برؤية هلاله وإن انفرد... والبلاد المتقاربة كالبصرة وبغداد متّحدة لا كبغداد ومصر، قاله الشيخ; ويحتمل ثبوت الهلال في البلاد المغربية برؤيته في البلاد المشرقية وإن تباعدت، للقطع بالرؤية عند عدم المانع.(1)

ولا يخفى انّ ما استثناه ليس مخالفاً للقول بشرطية وحدة الأُفق لما سيوافيك من أنّ هذه (الرؤية في الشرق حجّة على الغرب) خارج عن محط البحث للملازمة بين الرؤيتين.

8. وقال الشهيد الثاني (911ـ966هـ): وإذا رُئي في البلاد المتقاربة، كالكوفة وبغداد، وجب الصوم على ساكنيهما أجمع دون المتباعدة، قال: المراد انّه إذا رُئي في أحد البلاد المتقاربة ولم ير في الباقي وجب الصوم على الجميع; بخلاف المتباعدة، فانّ لكلّ واحدة منها حكم نفسها.

9. وقا(2)ل المقدس الأردبيلي(المتوفّى993هـ) عند قول المحقّق:«والمتقاربة كبغداد و الكوفة متحدة بخلاف المتباعدة».

قال: ووجهه ظاهر بعد الفرض، لأنّه إذا نظر و ما رأى في هذا البلد و رأى في =


1 . الدروس الشرعية:1/284ـ 285.
2 . المسالك:2/52 .


(137)

ــــــــــــــــــــــــ
= بلد آخر يصدق عليه أنّه ما رأى فيفطر، لصدق الأدلة المفيدة أنّه ليس من الشهر في هذا البلد، فلا تنفع الرؤية في بلد آخر لأهل هذا البلد، ولا يستلزم الصدق.

مع أنّه علم بالفرض من مخالفة المطالع، عدمَ استلزام إمكان الرؤية هنا، بل قد يكون ممتنعاً.

فقول المصنِّف في «المنتهى» بعدم الفرق بعد الرؤية في بلد ما، في إيجاب الصوم والإفطار بين المتقاربة والمتباعدة بدليل ثبوته بالرؤية في بلد، وبالشهود في آخر بعيد لما مرّ، ولأنّ الظاهر انّ المراد بمن شهد الشهر أنّهم رأوا في البلد الذي هم فيه كما هو المتبادر.(1)

10. وقال صاحب المدارك(المتوفّى911هـ): المراد انّه إذا رُئي الهلال في إحدى البلاد المتقاربة، وهي التي لم تختلف مطالعها ولم يُر في الباقي، وجب الصوم على جميع من في تلك البلاد، بخلاف المتباعدة، فهي ما علم اختلاف مطالعها، فانّ الصوم يلزم من رأى دون من لم ير.(2)

إلى هنا تبيّن انّه لم يفت أحد إلى نهاية الألف سنة من الإمامية باتحاد حكم المتباعد والمتقارب إلاّالعلاّمة في «المنتهى»، وقد عرفت أنّه عدل عمّا ذكره في صدر كلامه إلى شيء آخر، وهو وحدة البلاد في الحكم إذا لم يعلم اختلاف مطالعهما.

نعم احتمل الشهيد الأوّل احتمالاً متساوياً، وقد عرفت أنّ مورده خارج عن محط البحث.

و أمّا بعد الألف، فربما نرى بعض من يرجِّح ذلك القول، و على رأسهم المحدِّث الكاشاني وتبعه الشيخ يوسف البحراني وغيرهم، وإليك بعض نصوصهم. =


1 . مجمع الفائدة و البرهان:5/295.
2 . مدارك الاحكام:6/171.


(138)

ــــــــــــــــــــــــ

= من لم يشترط وحدة الأُفق

قال المحدّث الكاشاني(1007ـ1091هـ) في «الوافي» بعد نقل جملة من الأخبار الدالة على القضاء بشهادة أهل بلد آخر: أنّما قال ـ عليه السَّلام ـ :«فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه»، لأنّه إذا رآه واحد في البلد رآه ألف كما مرّ. والظاهر انّه لا فرق بين أن يكون ذلك البلد المشهود برؤيته فيه من البلاد القريبة من هذا البلد أو البعيدة منه، لأنّ بناء التكليف على الرؤية لا على جواز الرؤية، ولعدم انضباط القرب والبعد لجمهور الناس، ولإطلاق اللفظ، فما اشتهر بين متأخري أصحابنا ـ من الفرق ثمّ اختلافهم في تفسير القرب والبعد بالاجتهاد ـ لا وجه له.(1) وسيوافيك انّ المناط هو جواز الرؤية.

وقال المحدّث البحراني(المتوفّى1186هـ): قد صرّح جملة من الأصحاب بأنّ حكم البلاد المتقاربة كبغداد والكوفة واحد، فإذا رُئي الهلال في أحدهما وجب الصوم على ساكنيهما، أمّا لو كانت متباعدة كبغداد وخراسان والعراق والحجاز، فانّ لكلّ بلد حكم نفسها. وهذا الفرق عندهم مبني على كروية الأرض وأمّا مع القول بعدمها فالتساوي هو الحقّ.(2)

الظاهر تصحيح النزاع على القول بكرويتها، وإن كان على القول بكونها مسطحة غير صحيح كما سيوافيك.

وقد تبعهما النراقي في «المستند»، وقال: الحقّ كفاية الرؤية في أحد البلدين للبلد الآخر مطلقاً سواء أكان البلدان متقاربين أو متباعدين كثيراً ،لأنّ اختلاف حكمهما موقوف على العلم بأمرين لا يحصل العلم بهما البتة.(3) =


1 . الحدائق الناضرة:13/268.
2 . الحدائق الناضرة:13/263.
3 . مستند الشيعة:10/424.


(139)

ــــــــــــــــــــــــ
= وقال في الجواهر(1200ـ1266هـ): إن علم طلوعه في بعض الأصقاع وعدم طلوعه في بعضها للتباعد عنه لكروية الأرض لم يتساو أحكامهما.

ثمّ قال: ويمكن أن لا يكون كذلك ضرورة عدم اتفاق العلم بذلك عادة، فالوجوب حينئذ على الجميع مطلقاً قوي.(1)

ولا يخفى انّ ما ذكره صاحب الجواهر من عدم حصول العلم بعدم التساوي في المطالع صار بمنزلة الأُمور البديهية في هذه الأزمان حسب تقدم وسائل الاتصال وتطورها . وقد أيّد ذلك القول بعض مراجع العصر كالسيد الحكيم في مستمسكه واختاره السيد الخوئي في «منهاج الصالحين» في إطار خاص، وهو أن تكون ليلة واحدة ليلة للبلدين وإن كانت أوّل ليلة لأحدهما، وآخر ليلة للآخر المنطبق ـ طبعاًـ على النصف من الكرة الأرضية دون النصف الآخر الذي تشرق عليه الشمس عند ما تغرب عندنا بداهة انّ الآن نهار عندهم فلا معنى للحكم بأنّه أوّل ليلة من الشهر بالنسبة إليهم.(2)

هذا هو تاريخ المسألة وسيرها في الأعصار وقد علمت أنّ القول باتحاد القريب والبعيد في الحكم كان شاذاً في العشر الأُولى من القرون وإنّما خرج عن الشذوذ بعد فتوى المحدّث الكاشاني والمحدّث البحراني وصاحب المستند إلى ان اختاره السيد الخوئي قولاً في إطار خاص كما عرفت.

وقبل الخوض في أدلّة القولين نقدّم أُموراً تلقي المزيد من الضوء على المسألة.

الأوّل: قال علماء الفلك: إنّ القمر يدور حول نفسه، وحول الأرض في نفس الوقت وتبدأ كلتا الدورتين معاً، وتنتهيان معاً و مدتهما شهر كامل من شهور الأرض.=


1 . الجواهر: 16/360ـ 361.
2 . مستند العروة:2/119.


(140)

ــــــــــــــــــــــــ
= الثاني: قال علماء الفلك: إنّ حركة القمر حول الأرض معقّدة، وانّ الفترة الزمنية بين اقترانين( أي اقتران القمر بالشمس مرّة بعد مرة) ليست على نمط واحد، بل هي تختلف من شهر إلى شهر، وهي تتراوح من 29 يوماً و 19 ساعة إلى 29 يوماً و 5 ساعات. وهي مدة غير قليلة من الاختلاف غير انّهم حدّدوها بيوم أو يومين من أيام المحاق.

الثالث: انّ دورة القمر حول الأرض لا يمكن أن تقلَّ عن 29 يوماً، وقد أجمع الفقهاء على ذلك، ومن ثم لا ترى أيّاً منهم يوصل الشهر القمري إلى 28 يوماً.

الرابع: ماذا يراد من وحدة الأُفق أو اختلافه؟ فانّ الأُفق ليس إلاّ المحل الذي ترى فيه السماء كأنّها منطبقة على الأرض في نهاية مدّ البصر وهي مسافة قد لا تزيد في الأرض المنبسطة على كيلومترين ونصف أو ثلاثة، فإذاً فالأُفق كدائرة حول الناظر لا يزيد قطرها على ستة كيلومترات، وهي منطقة صغيرة . بحيث يمكن تقسيم الكرة الأرضية إلى آلاف مثلها، و من المعلوم انّ المراد غير هذا.

والمراد وحدة البلدين في الطلوع والغروب، فإذا كانا تحت خطّ واحد من نصف النهار فهما متّحدان في الأُفق.

ثمّ إنّ القمر بما انّه يتحرك من الشرق إلى الغرب، على خلاف الأرض فإنّها تسير من الغرب إلى الشرق، فإذا رُئي الهلال في بقعة دلّ على أنّ الهلال تولّد في هذه البقعة، فعندئذ لا يكون دليلاً على ولادته في الآفاق الشرقية، لإمكان أن لا يخرج القمر من المحاق في سيره من المشرق إلى هذه البقعة، ولكنّه يكون دليلاً على وجود الهلال في الآفاق الغربية عند الغروب بحيث لو اُستهل ولم يكن هناك مانع لرُئي قطعاً كما سيوافيك. =


(141)

ــــــــــــــــــــــــ

= الخامس: كيفية تكوّن الهلال؟

إنّ القمر في نفسه جرم مظلم وإنّما يكتسب النور من الشمس نتيجة المواجهة معها، فنصف منه مستنير دائماً، والنصف الآخر مظلم كذلك، غير انّ النصف المستنير لا يستبين لدينا على الدوام، بل يختلف زيادة ونقصاً حسب اختلاف سير القمر.

فانّه لدى طلوعه عن الأُفق من نقطة المشرق مقارناً لغروب الشمس بفاصل يسير في الليلة الرابعة عشرة من كلّ شهر بل الخامسة عشرة فيما لو كان الشهر تاماً يكون تمام النصف منه المتجه نحوَ الغرب مستنيراً حينئذ لمواجهته الكاملة مع النيّر الأعظم، وهذا ما يطلق عليه مقابلة القمر مع الشمس، كما أنّ النصف الآخر المتجه نحو الشرق مظلم.

ثمّ إنّ هذا النور يأخذ في قوس النزول في الليالي المقبلة، وتقلُّ سعته شيئاً فشيئاً حسب اختلاف سير القمر إلى أن ينتهي في أواخر الشهر إلى نقطة المغرب بحيث يكون نصفه المنير مواجهاً للشمس. وهذا ما يطلق عليه مقارنة النيرين. ويكون المواجه لنا هو تمام النصف الآخر المظلم. وهذا هو الذي يعبِّر عنه بتحت الشعاع والمحاق، فلا يرى منه أي جزء، لأنّ الطرف المستنير غير مواجه لنا لا كلاً كما في الليلة الرابعة عشرة، ولا بعضاً كما في الليالي السابقة عليها أو اللاحقة.

ثمّ يخرج شيئاً فشيئاً عن تحت الشعاع ويظهر مقدار منه من ناحية الشرق و يرى بصورة ضوء عريض هلاليّ ضعيف، وهذا هو معنى تكوّن الهلال و تولّده، فمتى كان جزء منه قابلاً للرؤية ولو بنحو الموجبة الجزئية، فقد انتهى به الشهر القديم، وكان مبدأً لشهر قمري جديد.

إذاً فتكوّن الهلال عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلاً للرؤية ولو في الجملة. =


(142)

ــــــــــــــــــــــــ
= السادس: الشهر القمري يفترق عن الشهر الطبيعي، ولكنّ الثاني ربما لا يشكّل بداية الشهر الشرعي، مالم يتكون الهلال بصورة قابلة للرؤية عند الغروب، ولذا يتأخر الشهر الشرعي عن الشهر الطبيعي باستمرار، لاستحالة أن يتولّد الهلال من أوّل أمره عريضاً قابلاً للرؤية.

وبعبارة أُخرى: انّ القمر إذا بدأ بالخروج من مقارنة النيّر الأعظم متحركاً إلى جانب الغرب يتحقّق الشهر الطبيعي أو الفلكي، ومع ذلك لا يرى في السماء عند الغروب إلاّ إذا انتهت حركته إلى درجة تؤهله للرؤية، ويذكر الفلكيون انّ القمر إذا وصل إلى الدرجة السادسة من دائرة حركته يكون صالحاً للرؤية بالعين المجردة، ولذلك ربما يتوقف على تأخر ليلة كاملة من ولادته الطبيعية.

السابع: انّ القمر يبدأ بحركته من الشرق إلى الغرب، ويخرج من مقارنة النير الأعظم متوجهاً إلى جانبه شيئاً فشيئاً إلى أن يتولد الهلال القابل للرؤية عند الغروب، فإذا رُئي يكون دليلاً على إمكان رؤيته في الآفاق الغربية، لأن ّ سير القمر يكون باتجاهها وإذا وصل إليها ربما يكون النور فيه قد ازداد.

ولذلك ربما يقال: إنّ الرؤية في الآفاق الشرقية دليل على إمكان رؤيته في الآفاق الغربية، بل ربما يكون رؤية الهلال فيها أكثر وضوحاً من الآفاق الشرقية، وهذا بخلاف العكس، فإذا رُئي في الآفاق الغربية لا يكون دليلاً على إمكان رؤيته في الآفاق الشرقية عند غروب فيها، لإمكان تولّد الهلال القابل للرؤية بعد تجاوزه الآفاق الشرقية .

الثامن: إذا خرج القمر عن المحاق وتكوّن الهلال الشرعي على وجه صار قابلاً للرؤية لأوّل وهلة في أُفق خاص بحيث لم يكن هناك أي هلال قبلها. فعندئذ تكون نسبة الآفاق إلى ذلك الأُفق مختلفة حسب اختلافها في طول البلد.

فالآفاق الواقعة غرب ذلك الأُفق بين آخر نهارها أو وسط نهارها أو أوائل =


(143)

ــــــــــــــــــــــــ
= فجرها، كما أنّ الآفاق الشرقية غطها الليل فهي بين وسط الليل أو آخره.

فما هو المنهج المتبع للتعرف على بداية الشهر القمري؟

هناك احتمالات:

1. أن يكون ثبوت الشهر أمراً مطلقاً لا نسبياً بمعنى أنّ تكوّن الهلال وصيرورته قابلاً للرؤية في نقطة من نقاط العالم، يكون سبباً لثبوت الشهر الشرعي في جميع العالم.

وبعبارة أُخرى: خروج القمر عن المحاق وقت الغروب في نقطة، يعد بداية الشهر القمري لعامة الآفاق.

2. أن يكون ثبوت الشهر في نقطة من نقاط العالم سبباً لثبوت الشهر الشرعي في الآفاق التي تشترك مع هذا الأُفق في جزء من الليل وإن كان ساعة واحدة من غير فرق بين الآفاق الغربية والشرقية، وعلى هذا يكون ثبوت الشهر أمراً نسبياً لكن في دائرة كبيرة ويشارك هذا الوجه مع الوجه الأوّل في أنّ خروج القمر عن تحت الشعاع في نقطة وقت الغروب، يكون بداية الشهر الشرعي في البلاد التي تشارك بلد الرؤية في جزء من الليل.

3. أن يكون إمكان الرؤية الذي هو أوّل الولادة الشرعية للهلال سبباً لكونه شهراً شرعياً للنقاط التي يُرى فيها الهلال عند غروبهم إذا لم يكن هناك مانع، كما هو الحال في الآفاق الغربية بالنسبة إلى الأُفق الذي رُئي فيه الهلال، ولكن لا يتّسم الزمان بالشهر الشرعي إلاّبعد غروب الشمس في كلّ أُفق على نحو يمكن للإنسان رؤية الهلال إذا لم تكن موانع وعوائق.

أمّا الاحتمال الأوّل فهذا مما لا يمكن الالتزام به، إذ معنى ذلك أن نلتزم ببدء الشهر فيه من ثلث الليل ونصفه ويكون ذاك بداية الشهر الشرعي في تلك الآفاق .

والثاني هو خيرة المحقّق الخوئي كما سيوافيك، و هو أخف إشكالاً من الأوّل، وهو يشارك الأوّل في الإشكال في بعض النقاط. =


(144)

ــــــــــــــــــــــــ
= وأمّا الثالث وهو نقيّ عن الإشكال، إنّما الكلام في ما يستفاده من الروايات.

التاسع: انّ الصوم والإفطار وإن علّق على الرؤية في كثير من الروايات، لكنّ الرؤية طريق إلى العلم بخروج القمر عن المحاق، ويدلّ على ذلك أُمور:

1. إقامة البيّنة مقام الرؤية، وهذا دليل على أنّ الرؤية مأخوذة بنحو الكاشفية، فلو كشف عن الهلال حجّة شرعية تقوم مقامها.

2. عدّالثلاثين من أوّل يوم رُئي فيه الهلال حيث يحكم بخروج الشهر السابق ودخول اللاحق.

3. وجوب قضاء صوم يوم الشك إذا أفطر لعدم ثبوت الهلال ثمّ ثبت ولادة الهلال في ليلة ذلك اليوم.

4. إذا رُئي الهلال في ليلة التاسع والعشرين من صومه انكشف انّه أفطر في شهر رمضان يوماً.

5. إذا صام بنية آخر شعبان فتبيّن انّه من رمضان، فقد صحّ صومه. وهذه الفروع كلّها منصوصة، وقد أفتى على ضوئها العلماء، وهذا يكشف عن كون الرؤية أخذت طريقاً لوجود الهلال في الأُفق وقت المغرب.

العاشر: قد عرفت أنّ الموضوع هو الرؤية، فهل هي منصرفة إلى العين العادية أو يعمّها والعين ذات البصر الحاد، وعلى كلّ تقدير فهل الموضوع هو الرؤية بالعين المجردة أو يعمّ الرؤية بالعين المسلحة المستندة إلى النظارات القوية؟

المشهور هو الأوّل، فلا تكفي الرؤية بعين ذات البصر الحاد كما لا تكفي الرؤية بالآلات الرصدية، و ما هذا إلاّ للانصراف.

نعم لا بأس بالاستعانة بالنظارات لتعييين المحل، ثمّ النظر بالعين المجردة، فإذا كان قابلاً للرؤية و لو بالاستعانة بتلك الآلات في تحقيق المقدمات كفى =


(145)

ــــــــــــــــــــــــ
= وثبت الهلال.(1) ولكن يمكن التفريق بين الرؤية بالعين ذات البصر الحاد، فإذا افترضنا في بلد يوجد فيها ثقتان لهما حدة البصر فرأيا الهلال بالعين المجرّدة، وشهدا عند الحاكم فهل عليهما أن يصوما أو لا؟

وعلى الفرض الأوّل هل تقبل شهادتهما عند الحاكم أو ترد؟

لا أظن أن يلتزم الفقيه بعدم وجوب الصوم عليهما، كيف و هو على خلاف النص.

1. روى علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر ـ عليهما السَّلام ـ عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، أله أن يصوم؟ قال: «إذا لم يشك فليفطر وإلاّفليصم مع الناس».(2)

2. روى علي بن جعفر في كتابه عن أخيه، قال: سألته عمّن يرى هلال شهر رمضان وحده لا يبصره غيره أله أن يصوم؟ فقال: «إذا لم يشك فيه فليصم وحده وإلاّ يصوم مع الناس إذا صاموا».

وإنّما(3) الكلام في الثاني، فهل للحاكم أن يرد شهادتهما مع علمه بوثاقتهما وعدم كون المورد مظنة الخطأ، لأنّه إنّما يكون كذلك إذا كان الجوّ صحواً وادّعى رجلان الرؤية ولم يكونا من ذوي البصر الحاد، ويؤيد ذلك انّهما لو ادّعيا الرؤية و رُئي الهلال في ليلة التاسع والعشرين فليس للحاكم إلاّ الحكم بالإفطار والأخذ بقولهما.

إنّما الكلام في الرؤية بالآلات الرصدية، فالظاهر انصراف النص عنه، وقد عرفت الفرق بين الولادة الطبيعية للهلال والولادة الشرعية ، وانّ الثاني إنّما يتم إذا خرج =


1 . مستند العروة الوثقى:2/117ـ 119.
2 . الوسائل: 7، الباب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1و2.
3 . الوسائل: 7، الباب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1و2.


(146)

ــــــــــــــــــــــــ
= القمر عن مقارنة الشمس بست درجات، فما تُريه النظارات فإنّما تثبت الهلال الطبيعي لا الهلال الشرعي، وإن شئت قلت: الشهر الطبيعي لا الشهر القمري.

إذا عرفت هذه الأُمور فلنرجع إلى بيان أدلّة القولين، فنقول:

تحليل نظرية اشتراط وحدة الأُفق

إذا وقفت على هذه الأُمور فلندخل في صلب الموضوع ونقدم دليل من قال باشتراط وحدة الأُفق، فقد استدلوا أو يمكن الاستدلال على ذلك بوجهين تاليين:

الأوّل: خروج القمر عن المحاق كشروق الشمس

إنّ خروج القمر عن تحت الشعاع أشبه بشروق الشمس وغروبها ، فكما انّ لكلّ أُفق مشرقاً ومغرباً حسب اختلاف البلدان حيث إنّ الأرض بمقتضى كرويتها وحركتها الوضعية يكون النصف منها مواجهاً للشمس دائماً والنصف الآخر غير مواجه، ويعبِّر عن الأوّل بقوس النهار و عن الثاني بقوس الليل، وهذان القوسان في حركة وانتقال دائماً حسب حركة الأرض حول نفسها، ولذلك يكون هناك مشارق و مغارب حسب اختلاف درجاتها.

وهكذا الهلال وخروج القمر عن تحت الشعاع، فانّه يختلف حسب اختلاف الآفاق، فربما يخرج القمر من بقعة عنه ويُرى الجزء القليل من وجهه المضاء، دون بقعة أُخرى، ويظهر ذلك بوضوح إذا علمنا انّ القمر يسير من الشرق إلى الغرب، فلو رئي في بلد دل على خروجه عنه في ذلك الوقت، لا يكشف ذلك عن خروجه عنه في البلد الواقع في شرقه، إذ لعلّ القمر ـ وقت غروب الشمس عنه ـ كان في المحاق. =


(147)

ــــــــــــــــــــــــ
= هذا هو الاستدلال المعروف وقد يؤاخذ عليه بالتالي:

وجود الفرق بين شروق الشمس وغروبها وطلوع الهلال، لأنّه يتحقّق في كلّ آن شروق في نقطة من الأرض وغروب في نقطة أُخرى مقابلة لها، وذلك لأنّ هذه الحالات إنّما تنتزع من كيفية اتجاه الكرة الأرضية مع الشمس، فهي نسبة قائمة بين الأرض والشمس، وبما انّ الأرض لا تزال في تبدّل و انتقال، فتختلف تلك النسب حسب اختلاف جهة الأرض مع الشمس، وهذا بخلاف الهلال فانّه إنّما يتولد ويتكون من كيفية نسبة القمر إلى الشمس من دون مدخل لوجود الكرة الأرضية في ذلك بوجه، بحيث لو فرضنا خلوّ الفضاء عنها رأساً لكان القمر متشكلاً بشتى أشكاله من هلاله إلى بدره وبالعكس كما نشاهدها الآن.

وبعبارة أُخرى: انّ الهلال عبارة عن خروجه تحت الشعاع بمقدار يكون قابلاً للرؤية ولو في الجملة، وهذا كما ترى أمر واقعي وجداني لا يختلف فيه بلد عن بلد ولا صقع عن صقع، لأنّه كما عرفت نسبة بين القمر والشمس لا بينه وبين الأرض، فلا تأثير لاختلاف بقاعها في حدوث هذه الظاهرة الكونية في جو الفضاء، وعلى هذا يكون حدوثها، بداية شهر قمري لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها وإن لم ير الهلال في بعض مناطقها لمانع خارجي من شعاع الشمس أو كُرويّة الأرض.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ الشروق نسبة قائمة بين الشمس والأرض بخلاف خروج القمر من المحاق فانّها نسبة بين الشمس والقمر، غير تام.

وذلك لعدم التفاوت بينهما حيث إنّ وجه القمر المقابل للشمس، مستنير أبداً والوجه المخالف مظلم كذلك، ولا يتصور في الجانب المستنير الهلال ولا التربيع ولا =


1 . مستند العروة:2/117.


(148)

ــــــــــــــــــــــــ
= التثليث ولا البدر إلاّ بالإضافة إلى الأرض وفرض الناظر فيه، ففي حالة المقارنة يكون وجه القمر المظلم إلى الأرض، والوجه المستنير كلّه إلى الشمس وإذا بدأ بالخروج عن المحاق يبدو نور عريض حول القمر بالنسبة إلى الأرض والناظر المفروض فيه ثمّ لم يلبث يتحرك حتى يصل إلى التربيع بحيث يكون نصف الوجه المقابل مستنيراً ونصفه في ظلمة إلى أن يصل إلى التثليث والبدر.

فلو لم يكن هناك أرض ولا ناظر مفروض بحيث جرد النظر إلى الشمس و القمر، فلا يتحقق فيه تلك الحالات الأربع: الهلال، التربيع ، التثليث، والبدر، بل ليس هناك إلاّ حالة واحدة وهي كون نصف منه مظلم ونصف منه مستنير ، ويدلّ على ذلك انّه لو فرض ناظر يرى القمر في كوكب آخر غير الأرض لما يراه هلالاً فاتضّحت بذلك صحّة قياس بزوغ القمر ببزوغ الشمس، فكما أنّ هناك مشارق ومغارب فهناك أيضاً بزوغات للقمر حسب اختلاف المناطق.

الثاني: الميقات هو وجود الهلال عند الغروب

إنّ المستفاد من الأدلّة هو الاحتمال الثالث في تحقّق الشهر الشرعي، قال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالحَجّ وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) .(1)

سأل الناس عن أحوال الأهلّة في زيادتها ونقصانها ووجه الحكمة فأمر رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأن يقول لهم بأنّ وجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه ما يتعلّق بمصالح =


1 . البقرة:189.


(149)

ــــــــــــــــــــــــ
= دينهم ودنياهم، لأنّ الهلال لو كان مدوّراً أبداً مثل الشمس لم يمكن التوقيت به فهي مواقيت للناس في دنياهم وعبادتهم.

فجعل المقياس هو الهلال وليس الهلال إلاّرؤية خيط عريض وقت الغروب، ولذلك سمّي الهلال هلالاً، لأنّه حين يُرى يهلُّ الناس بذكره.

فالميقات ليس تكوّن الهلال في وقت من الأوقات وخروجه عن المحاق مطلقاً، بل تكوّنه ورؤيته عند الغروب، وهذا القيد هو المهمّ في هذا الاستدلال، والمتبادر من الآية بحكم كونه خطاباً لعامّة الناس في أقطار الأرض وأيّ جزء منها، هو انّ ميقات كلّ إنسان هو هلاله وقت غروب الشمس عن أراضيه، وعلى ذلك فلا تكون الرؤية في بقعة من البقاع دليلاً على دخول الشهر في جميع الآفاق أو الآفاق التي تشارك معها في جزء من الليل، إذ لو التزمنا بذلك يلزم أن يكون بدء الشهر فيه هلاله المتحقّق في ثلث الليل أو نصفه مع أنّ الميقات هو هلاله وقت الغروب في أراضيه.

وإن شئت قلت: الهلال المتكوّن لدى الغروب حدوثاً أو بقاء كما في الآفاق الغربية. ولو قلنا بأنّ الرؤية في الآفاق الشرقية حجة على الآفاق الغربية ليس معناه انّ اللحظة التي رُئي فيها الهلال في الأُفق الشرقي هو ابتداء الشهر القمري للمناطق الغربية في تلك اللحظة، بل يبتدأ الشهر الشرعي بغروب الشمس فيها في تلك المناطق.

كلام لبعض المحقّقين حول الآية

ثمّ إنّ بعض المحقّقين ذكر في تفسير الآية ما يلي: «الهلال عنوان للقمر في حالة خاصة له وهي الخروج من تحت شعاع =


(150)

ــــــــــــــــــــــــ
= الشمس، فالقمر في حالته هذه علامة للناس، وهذه الحالة وحدها لم يعتبر فيها أن تكون مرئية للناس وإنّما الخروج من تحت شعاع الشمس تمام ماهيتها فلم تتقيد بالرؤية ولا بحالة من حالات الأرض مثل أن تتقيد برؤية هذا البلد أو غيره أو تتقيد بأن يرى الهلال مثلاً خلال عشر دقائق بعد الغروب أونحوه وهذا تمام ملاك الهلال.(1)

يلاحظ عليه: أنّه سبحانه جعل الهلال ميقاتاً للناس وليس الهلال مجرّد خروج القمر عن مقارنة الشمس أو عن تحت الشعاع أو ما شئت فعبر، بل خروجه عنها عند الغروب، فلو خرج القمر عنها عند الظهر أو قبل ساعات من الغروب عنها، لم يتحقّق الشهر الشرعي بل يكون منوطاً بخروجه عنها حدوثاً أو بقاءً عند الغروب على نحو يكون «الخروج عند الغروب» بكلا النحوين محقِّقاً لمعنى الهلال، وهذا النوع من الزمان جعل مبدأً للشهر الشرعي، لا قبله، ولا بعده.

وعلى هذا فلو رُئي الهلال في العراق ولم يُر في الصين الذي يبتعد عنه بست ساعات، ويكون غروب العراق منتصف ليل الصين، فهل ياترى أنّ الآية تشمل تلك المناطق الشرقية ويخاطبهم بدخول الشهر الشرعي وهم في آناء الليل مع أنّ الآية تدقّ مسامعهم بأنّ الميقات هو ا لهلال المتبادر منها هلال أُفقهم؟

وبعبارة أُخرى: المتبادر انّ الميقات هو هلال كلّ منطقة لأهلها عند غروب الشمس عن أراضيهم.

فما ذكره ذلك المحقّق تبعاً للسيد المحقّق الخوئي ـ قدَّس سرَّه ـ حول الهلال وانّه عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلاً للرؤية ولو في الجملة صحيح، لكنّه ليس تمام الموضوع لابتداء الشهر الشرعي، بل يجب أن ينضم إليه، كلمة «عند الغروب» وهذا القيد كالمقوم لما يفهم من لفظ الهلال الذي وقع موضوع للحكم وميقاتاً للناس. ومن المعلوم انّه متحقّق في بلد الرؤية حدوثاً، ولما يليه من الآفاق الغربية بقاء، دون الآفاق =


1 . مجلة فقه أهل البيت، العدد11ـ12 ، مقالة المحقّق الشيخ الخزعلي:198.


(151)

ــــــــــــــــــــــــ
= الشرقية له، فلم يتكون فيه لا حدوثاً ولا بقاء وقد سار القمر فيها وهو تحت الشعاع والمحاق عند غروب الشمس عن آفاقهم. وبذلك يظهر النظر في بقية كلامه، حيث قال:

المدار هو العلم، والرؤية طريق العلم خصوصاً وقد قورنت في الروايات بهذه الكلمة لا بالرأي والتظنّي. فنستفيد انّ الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ أكدوا على أن لا يستند الناس إلى الآراء الحدسية والظنون الفاشلة، بل إلى الرؤية المؤدّية إلى العلم، فإذا لم يكن الهلال مقيداً بقيد سوى كونه هلالاً ولم تكن الرؤية إلاّ طريقاً للعلم به، فإن علمت به وأنا في الساعة الرابعة من الليل ، أفلا يصدق انّ القمر خرج الآن من تحت الشعاع وانّ هذا الليل الذي قد غشينا ليل رُئي فيه الهلال و علم فيه بخروج القمر من تحت الشعاع وقد أخذ القمر في بداية شهر جديد؟

أو لست أنا الآن في شهر جديد وقد علمت علماً يقيناً غير ذي شك بأنّ الهلال قد أخذ في طريق ما سخّر له، وهذا لعمري من الوضوح بمكان.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الرؤية طريق للعلم أمر صحيح وقد أشار إلى برهانه، إنّما الكلام في قوله « انا إذا كنت في الساعة الرابعة من الليل في الآفاق الشرقية وعلمت أنّ القمر خرج الآن عن تحت الشعاع من الآفاق الغربية، أفلا يصدق انّه خرج عن تحت الشعاع في هذا الآن» وذلك لأنّ المعلوم ليس تمام الموضوع ولذا لو علمنا به قبل الغروب، لا يحكم على ذلك الوقت بداية الشهر الجديد، بل هو جزء الموضوع ويجب أن ينضم إليه قيد آخر، وهو خروج القمر عن تحت الشعاع وقت الغروب حتى يكون بداية الشهر الجديد، وهو طبعاً يتضيق ببلد الرؤية وما يليه من الآفاق الغربية لا الشرقية. =


1 . مجلة فقه أهلالبيت، العدد 11 ـ 12 مقالة الشيخالخزعلي:199.


(152)

ــــــــــــــــــــــــ
= والقول بأنّ الخروج عن تحت الشعاع في غرب ما، يعدّهلالاً، للبلاد التي لم يخرج فيه عنه وقت الغروب، أمر لا يلائم ظاهر الآية ولا يصار إليه إلاّبدليل صريح.

أدلّة القائلين بعدم شرطية وحدة الأُفق

استدلّ القائلون بعدم شرطية الوحدة بوجوه نقلية نأتي بها:

الأوّل: إطلاق أدلّة البيّنة

إنّ مقتضى إطلاقات نصوص البيّنة الواردة في رؤية الهلال ليوم الشكّ في رمضان أو شوال وأنّه في الأوّل يقضي يوماً لو أفطر، هو عدم الفرق بين ما إذا كانت الرؤية في بلد الصائم أو غيره المتحد معه في الأُفق أو المختلف. ودعوى الانصراف إلى أهل البلد كما ترى سيما مع التصريح في بعضها بأنّ الشاهدين يدخلان المصر و يخرجان كما تقدّم(1) فهي طبعاً تشمل الشهادة الحاملة من غير البلد على إطلاقها.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ما ادّعاه من الإطلاق صحيح حيث يعم بلد الرؤية وغيرها، وأمّا إطلاقه بالنسبة إلى المتحد في الأُفق أو المختلف بعيد جداً خصوصاً بالنسبة إلى الوسائط النقلية.

مثلاً قوله في صحيحة منصور بن حازم: «صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته وإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنّهما رأياه فأقضه»(3) ناظر إلى شاهدين مرضيين =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 11 من أحكام شهر رمضان، الحديث 10. لاحظ نصوص البيّنة الباب5، الحديث4، 9 والباب 6، الحديث 1، 2.
2 . مستند العروة:2/120.
3 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 8.


(153)

ــــــــــــــــــــــــ
= رأيا الهلال أمّا في نفس البلد أو في بلد يقاربه على وجه يكون بينهما مسافة يوم، ومن المعلوم أنّ الإنسان في الأدوار السابقة حسب وسائط النقل المتاحة آنذاك لا يقطع في يوم واحد أكثر من 60 كيلومتراً، ومن المعلوم انّ هذا المقدار في الفاصل المكاني لا يؤثر في وحدة الأُفق، بل نفترض انّ الفاصل المكاني بين البلدين حوالي الخمسمائة كيلومتر اً وهي منطقةواحدة في ثبوت الهلال على وجه الأرض وليست منطقتين.

فانّ هذا ونظائره منصرف إلى البلاد التي كان يقطعها الإنسان في يوم أو يومين أو مثل ذلك لا يخرج البلدين من وحدة الأُفق.

الثاني: النصوص الخاصة

وقد استدلّ بنصوص خاصة، منها:

1. صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال فيمن صام تسعة وعشرين، قال: «إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنّهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً».(1)

2. صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن هلال شهر رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ قال: «لا تصم إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد =


1 . الوسائل: 7، الباب5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث13.


(154)

ــــــــــــــــــــــــ
= آخر فاقضه».(1)

3. صحيحة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: «لا تصمه إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه».(2)

4. صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال: «لا تقضه إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر، وقال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلاّأن يقضي أهل الأمصار، فإن فعلوا فصمه».(3)

دلّت بمقتضى إطلاقها على أنّ الرؤية والثبوت في مصر كافية لسائر البلاد ولم يقيد بوحدة الأُفق.

أقول: إنّ الاستدلال بهذه الإطلاقات مع العلم بأنّ الوسائل النقلية المتاحة آنذاك كانت محدودة جداً، فالمسافر الذي ينقل الخبر يأتي من بلد إلى بلد تكون المسافة بينهما خمسين كيلومتراً أو قريباً منه، وهذا المقدار من المسافة بل أكثر منها بكثير كما عرفت لا تؤثر في وحدة الأُفق، وقلّما يتفق أن يخرج إنسان من مصر ويدخل بغداد حاملاً خبر الهلال، ويكون قوله حجّة لأهل بغداد التي تقع في الجانب الشرقي بالنسبة إلى مصر، وإن كنت في شك فلاحظ حديث الخزّاز حيث يقول:«وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر».(4)

فانّ الخبر ظاهر في أنّ البيّنة رأت الهلال قبل يوم ودخلت مصر بعد يوم و من المعلوم انّ مثل هذا لا يصدق على المسافات الشاسعة.

ومنه يعلم انّ الاستدلال بصحيحة أبي بصير التي جاء فيها: «إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر» في غير محله.فانّ قوله «من =


1 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث9.
2 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث3.
3 . الوسائل: 7، الباب12 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.
4 . الوسائل: 7، الباب 11. من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث10.


(155)

ــــــــــــــــــــــــ
= جميع أهل الصلاة» ناظر إلى عمومية الحكم لجميع المسلمين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم لا على اختلاف بلادهم في الآفاق.

كما أنّ المراد من قوله:«أهل الأمصار» في نفس الصحيحة هي الأمصار المتقاربة التي كان الرجل يقطع بينهما حسب الوسائط النقلية المتوفرة في يوم أو يومين ويحمل خبر الرؤية.

***

الثالث: صحيحة عيسى بن عبيد

روى محمد بن عيسى بن عبيد قال: كتب إليه أبو عمر(1) أخبرني يا مولاي انّه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علّة فيفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا: إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتى يختلف القرص على أهل الأمصار، فيكون صومهم خلاف صومنا، و فطرهم خلاف فطرنا؟

فوقع ـ عليه السَّلام ـ : «لا تصومنّ الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته».(2)

وجه الاستدلال: انّ السائل سأل عن قول أهل الحساب برؤية الهلال في الأندلس وافريقية، فأجاب ـ عليه السَّلام ـ بأنّه لا صوم مع الشك ولم يجب بأنّ الرؤية في البلاد البعيدة لا تكفي.

يلاحظ عليه: أنّ البلد الراوي عنه واقع في غرب العراق الذي كان الإمام =


1 . أبو عمر الحذاء من أصحاب الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ
2 . الوسائل: الجزء 7 ، الباب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.


(156)

ــــــــــــــــــــــــ
= والراوي يقطنان فيه، وقد عرفت أنّ ثبوت الهلال فيه، لا يكون على وجود الهلال في سماء البلد الشرقي عند الغروب ، إذ من المحتمل جداً عدم تكونه عند غروب الشمس عنه. وعندئذ كان لإرشاد الراوي إلى الحكم الواقعي (عدم الملازمة بين الرؤيتين) طريقان:

الأوّل: أن يشير الإمام إلى عدم الملازمة بين الرؤيتين، لاختلاف البلدين في الأُفق، وانّ الرؤية في الآفاق الغربية لا يكون دليلاً على كون الهلال وولادته في الآفاق الشرقية، وبشرح حقيقة ذلك الأمر .

الثاني: أن يثير احتمال تطرّق الخطأ في حساب المنجّمين، خصوصاً انّ السماء كانت في العراق صافية ولم يره أحد، وهذا ما يؤيد وجود الخطأ في حسابهم. وقد اختار الإمام هذا الجواب لسهولته وقال: إنّ الصوم والإفطار مبنيّان على اليقين دون الشك، وسكوت الإمام عن الجواب الأوّل لا يكون دليلاً على عدم اعتبار وحدة الأُفق،إذ من المحتمل أن لا تكون الظروف مساعدة لإلقاء هذا النوع من الجواب.

وربما يعضد هذا القول بالدعاء المأثور في صلاة العيد :«أسألك بحقّ هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً».

فإنّه يعلم منه بوضوح انّ يوماً واحداً شخصياً يشار إليه بكلمة (هذا) هو عيد لجميع المسلمين المتشتتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها لا لخصوص بلد دون آخر.

وهكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر وانّها خير من ألف شهر وفيها يفرق كلّ أمر حكيم، فانّها ظاهرة في أنّها ليلة واحدة معينة ذات أحكام خاصة لكافة الناس وجميع أهل العالم، لا انّ لكلّ صقع وبقعة ليلة خاصة مغايرة لبقعة أُخرى من بقاع الأرض.(1) =


1 . مستند العروة:2/122.


(157)

المسألة 5: لا يجوز الاعتماد على البريد البرقي المسمّى بالتلغراف في الإخبار عن الرؤية إلاّ إذا حصل منه العلم بأن كان البلدان متقاربين وتحقّق حكم الحاكم أو شهادة العدلين برؤيته هناك.*

ــــــــــــــــــــــــ
= يلاحظ عليه: أنّه لا محيص من تعدّد يوم العيد وليلة القدر على القول بكرويّة الأرض، و القائل بعدم اشتراط وحدة الأُفق قد خصَّ الحجّية بالأقطار التي تشترك في الليل ولو في جزء يسير منه، ولا يشمل النصف الآخر للكرة الذي لا يشارك تلك البقعة في ليلها، فيتعدّد يوم العيد سواء أقلنا باشتراط وحدة الأُفق أو لا، كما أنّ ليلة القدر تتعدّد حسب كرويّة الأرض.

وبذلك يظهر عدم صحّة ما أفاده صاحب الحدائق حيث قال: إنّ كلّ يوم من أيام الأُسبوع وكلّ شهر من شهور السنة أزمنة معينة معلومة نفس أمرية، كالأخبار الدالة على فضل يوم الجمعة، وما ورد في أيّام الأعياد من الأعمال، وما ورد في يوم الغدير ونحوه من الأيام الشريفة و ما ورد في شهر رمضان من الفضل والأعمال، فإنّ ذلك كلّه ظاهر في أنّها عبارة عن أزمان معينة نفس أمرية.(1)

فإنّ ما ذكره مبني على كون الأرض مسطحة كما اعترف بذلك، و أمّا على القول بكرويّة الأرض فتتعدد ليالي القدر وأيّام الجمعة وأيّام رمضان على كلا القولين، نعم لا يخرج عن مقدار 24 ساعة.

* . أقول: إنّ شبكة الاتّصالات قد تطوّرت في الآونة الأخيرة بنحو صيّرت العالم كأنّه قرية صغيرة، فالشرقي يسمع صوت الغربي عن كثب ويرى صورته، وقد أحدث جهاز الانترنيت ثورة هائلة في المعلومات حتى تيّسر للمرء أن يحيط علماً بأحدث المعلومات والأخبار وهو في منزله، وعلى ذلك فيثبت العلم عن طريق هذه الأجهزة =


1 . الحدائق:13/267.


(158)

المسألة 6:في يوم الشكّ في أنّه من رمضان أو شوّال يجب أن يصوم وفي يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان يجوز الإفطار ويجوز أن يصوم لكن لابقصد أنّه من رمضان كما مرّ سابقاً تفصيل الكلام فيه ولو تبيّن في الصورة الأُولى كونه من شوال وجب الإفطار سواء كان قبل الزوال أو بعده ولو تبيّن في الصورة الثانية كونه من رمضان وجب الإمساك وكان صحيحاً إذا لم يفطر ونوى قبل الزوال ويجب قضاؤه إذا كان بعد الزوال.*

المسألة 7: لو غُمّت الشهور ولم يُرَ الهلال في جملة منها أو في تمامها حسب كلّ شهر ثلاثين ما لم يعلم النقصان عادة. *

ــــــــــــــــــــــــ
= بسرعة فائقة، وتنتقل الأخبار من أُفق إلى أُفق بسهولة، والمناط حصول العلم برؤية الهلال، إمّا بشهادة العدلين أو التواتر أو الشياع المفيد للعلم فإن حصل وإلاّ فالمحكم هو الاستصحاب.

* . أقول: مضى الكلام في هذه الفروع في فصل النية المسألة (16) فلا حاجة إلى التكرار.

* إذا غُمّت الشهور في أوائلها أو في تمامها، كما في البلاد الواقعة على سواحل البحار الكبيرة كلندن وغيرها، فقد قيل فيه وجوه ثلاثة نقلها المحقّق في الشرائع:

1. عُدّ كلّ شهر منها ثلاثين.

2. ينقص منها لقضاء العادة بالنقيصة.

3. يعمل برواية الخمسة.

ثمّ قال والأول أشبه.(1)=


1 . المسالك:2/56.


(159)

المسألة 8: الأسير والمحبوس إذا لم يتمكّنا من تحصيل العلم بالشهر عملا بالظنّ ومع عدمه تخيّرا في كلّ سنة بين الشهور فيعيّنان شهراً له ويجب مراعاة المطابقة بين الشهرين في سنتين بأن يكون بينهما أحد عشر شهراً ولو بان بعد ذلك أنّ ما ظنّه أو اختاره لم يكن رمضان فان تبيّن سبقه كفاه لأنّه حينئذ يكون ما أتى به قضاء وإن تبيّن لحوقه وقد مضى قضاه وإن لم يمض أتى به ويجوز له في صورة عدم

ــــــــــــــــــــــــ
= أقول: أمّا الأوّل فقد نسبه الشهيد الثاني في المسالك إلى قول الأكثر وعلّله بأصالة عدم النقصان، ثمّ قال: ولكن ذلك متوجه في الشهرين والثلاثة، أمّا في جميع السنة ففيه إشكال لبعده .(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الصحيح تعليل الحكم بالأثر الصحيح، أعني: دوران الأمر بالصوم بالإفطار بالرؤية إذا أمكن وإلاّ يعد كلّ شهر ثلاثين(2) ،لا تعليله بأصالة عدم النقصان .

وثانياًً أ نّه بعيد جداً في الأربعة أشهر،(3) فلو عُدّ جمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان ثلاثين، يعلم أنّ يوم الثلاثين ليس من رمضان بل قيل بامتناع كون الشهور الأربعة، تامة، كامتناع كونها ناقصة، والحاصل أن تكون هذه الأمارة جيدة إذا يعلم بالخلاف، نعم يكفي في سلوكها عدم العلم به.

وبذلك يعلم قوة الوجه الثاني بشرط تفسيره على النحو الذي ذكرنا.

أمّا الوجه الثالث فقد مرّ ضعف رواياته.(4)


1 . المسالك: 2/56.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 10، 11، 12.
3 . من حسن الاتفاق انّ الشهور الثلاثة: رجب، شعبان و رمضان المبارك في سنتنا هذه( 1420هـ) تامّة حسب التقاويم.
4 . الوسائل: الجزء 7 ، الباب 10من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 3، 4، 8.


(160)

حصول الظنّ أن لا يصوم حتّى يتيقّن أنّه كان سابقاً فيأتي به قضاء.*

ــــــــــــــــــــــــ
*. حاصل المسألة:

1. يجب على الأسير والمحبوس عند عدم التمكّن من تحصيل العلم، تحصيل الظن.

2. إذا لم يتمكن يُعيّن شهراً من الشهور ويصومه، وإذا مضى أحد عشر شهراً، يصومه ثانياً وهكذا.

3. يجوز لغير المتمكن من الظن أن لا يصوم حتى يتقين انّه مضى ، فيأتي به قضاء .

وإليك دراسة الوجوه الثلاثة.

الوجه الأوّل: تحرّي الظن

قال المحقّق:من كان بحيث لا يعلم الشهر كالأسير والمحبوس صام شهراً تغليباً.

و يدل ّعليه صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد للّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له : رجل أسرته الروم ولم يصح له شهر رمضان ولم يدر أي شهر هو قال: «يصوم شهراً يتوخّى ويحسب فإن كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزه، وإن كان بعد شهر رمضان أجزأه».(1)

ورواه الشيخ وفي سنده إبهام، ورواه المفيد في المقنعة بإضافة قوله: «وإن كان هوهو فقد وُفّق له، وإن كان بعده أجزأه».(2)

ومورد الرواية وإن كان الأسير لكن يتعدى منه إلى كلّ غير متمكّن كالمحبوس =


1 . الوسائل: الجزء 7 ، الباب 7من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1، 2.
2 . الوسائل: الجزء 7 ، الباب 7من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1، 2.


(161)

ــــــــــــــــــــــــ
= وغيره، لأنّ ذكر الأسير من باب المثال، كما لا خصوصية لسائر القيود، الواردة في الرواية من كونه أسيراً في الروم بيد أهل الكتاب .

وليعلم أنّ الاكتفاء بالظن مشروط بما ورد في الروايتين من عدم تبيّن الحال، ولو تبيّن سبق شهر رمضان يكون ما أتى به قضاء، وإن تأخّر قضاه، و إن كان هو هو فقد وفّق له و يكون نفس الواجب.

الوجه الثاني:تعيين شهر للصوم

إذا لم يتمكن من تحصيل الظن فيعين شهراً للصوم، فقد استدلّ له بوجهين:

1. صحيحة عبد الرحمن المتقدمة حيث قال: «يصوم شهراً يتوخّاه».

يلاحظ عليه: أنّ التوخّي بمعنى التطلّب، يقال: توخّى الأمر: تعمّد وتطلّبه، الظاهر في الظن، دون الاحتمال الصرف.

2. انّ الواجب عبارة عن الصوم في شهر معين، فإذا عجز عن التعيين، سقط وبقي أصل الصوم.

يلاحظ عليه :أنّه إنّما يصحّ له لو كان من قبيل تعدّد المطلوب، وإلاّفيسقط أصله.

أقول: حاصل هذا الوجه هو الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي وهو الصيام في شهر يعيّنه، ولكنّه غير موافق للقاعدة، لأنّ المقام إمّا من قبيل دوران الأمر بين المحذورين فيتخير كلّ يوم بين الصوم والإفطار، أو من قبيل أطراف الشبهة الوجوبية إذا تعذر الاحتياط في جميعها دون بعضها، فيكون المرجع إمّا التبعيض في الاحتياط بالاقتصار على المقدار الممكن، أو سقوط التكليف بالمرّة على القولين فيها.

توضيحه: أنّه لو قلنا بأنّ الصوم في العيدين حرام ذاتاً، كسائر المحرمات، فأمر =


(162)

ــــــــــــــــــــــــ
= الصوم يدور بين الوجوب والحرمة، لاحتمال كون اليوم من شهر رمضان أو من أحد اليومين، فيتخيّر بين الأمرين ، لا في تعيين الشهر.

وإن قلنا بعدمها وانّ حرمة الصوم فيهما تشريعيّة وهي فرع العلم بكون اليوم عيداً ، وإنّما يأتي بالصوم رجاء أن لا يكون عيداً، فيكون المقام من قبيل أطراف الشبهة الوجوبية إذا تعذّر الاحتياط في جميعها لا في بعضها، كما إذا تردّد الثوب الطاهر بين ثلاثين ثوباً، فمقتضى القاعدة هو التبعيض في الاحتياط والاكتفاء بما إذا لم يلزم الحرج وصيام السنة كلها إلاّ إذا استلزمه، لا تعيين الشهر.

وأمّا احتمال سقوط التكليف كما هو أحد الأقوال في الشبهة الوجوبية إذا تعذر الاحتياط في أطرافها، فبعيد جداً، لأنّه يعلم بوجوب صوم شهر رمضان، و هو مردّد بين اثني عشر شهراً، ومقتضى ذلك العلم هو الاحتياط التام، ولكن لمّا كان مستلزماً للحرج، ويرتفع الاضطرار والحرج بالإفطار في بعض الشهور، يكون المرجع هو التبعيض فيه لا سقوط التكليف.

وليعلم أنّ التخيير في تعيين الشهر لم يذكره المحقّق في الشرائع واكتفى بقوله: «صام شهراً تغليباً».(1) وهو ظاهر في اختيار المظنون، لا المحتمل، ومع ذلك نسب ذلك القول إلى المشهور.(2)

وذكره في الجواهر أحد الوجوه و قال: ثمّ إنّه إذا اختار شهراً فهل يتعيّن ذلك في حقه....(3)

فاتضح بذلك انّ مقتضى القاعدة هو التبعيض في الاحتياط لا تعيين شهر، إلاّ إذا قام الإجماع على خلافه، وهو مورد منع. =


1 . المسالك:2/57.
2 . مستند العروة:2/128.
3 . الجواهر:16/384.


(163)

ــــــــــــــــــــــــ

= الوجه الثالث: عدم الصيام حتى يتيقّن بسبقه

هذا الاحتمال مبني على جواز تعيين شهر للصيام وعدم وجوب الاحتياط كلاً أو بعضاً ، وعلى هذا فلو تردّد شهر رمضان بين شهور فكلّ شهر ما عدا الشهر الأخير يشك كونه شهر رمضان، وأمّا الشهر الأخير ففي اليوم الأوّل منه يتيقّن بدخول شهر رمضان إمّا فيه أو فيما قبله، فهل يجوز له تأخير الصوم عن هذا الشهر أيضاً حتى يتيقّن انّه كان سابقاً فيأتي به قضاءً كما هو مفاد هذا الوجه، أو لا يجوز له التأخير عن هذا الشهر؟ والذي يترتب على هذا الوجه، إمكان نيّة الأمر الأعم من الأداء والقضاء، لكن الظاهر عدم جوازه، لأنّ مقتضى تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات هو عدم جواز التأخير عن هذا الشهر، لأنّه يعلم بدخول شهر رمضان إمّا متقدّماً أو في هذا الشهر، نظير علمه بوجوب صوم عليه، إمّا اليوم المتقدّم أو هذا اليوم، فمقتضى القاعدة صيام كلا اليومين، وإذا فاته صيام اليوم الأوّل يجب عليه صيام ذاك كما في المقام حيث فاته صيام الشهور المتقدّمة فتعين عليه صيام هذا الشهر حتى لا يلزم المخالفة القطعية.

وبالجملة التأخير يتضمن مخالفة قطعية، وخلافها يلازم مخالفة احتمالية، ولا شكّ انّه إذا دار الأمر بينهما فالاحتمالية متقدمة، وأمّا استصحاب عدم دخول رمضان، فانّما يصحّ إلى دخول الشهر الأخير ومع دخوله يعلم بانتقاض الحالة السابقة إمّا بالشهور المتقدمة أو بهذا الشهر.

نعم لو قلنا بعدم وجوب الاحتياط في التدريجيات أو كون المقام من قبيل دوران الأمر بين المحذورين، فلجواز التأخير وجه، ولكن المبنى غير تام.

نعم يجوز له التأخير إلى الشهر الأخير ويصوم بنيّة الأعم من الأداء والقضاء ولعلّه الأوجه .


(164)

والأحوط إجراء أحكام شهر رمضان على ما ظنّه من الكفّارة والمتابعة والفطرة وصلاة العيد وحرمة صومه ما دام الاشتباه باقياً، وإن بان الخلاف عمل بمقتضاه.*

المسألة 9: إذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو ثلاثة أشهر مثلاً فالأحوط صوم الجميع وإن كان لا يبعد إجراء حكم الأسير والمحبوس، وأمّا إن اشتبه الشهر المنذور صومه بين شهرين أو ثلاثة فالظاهر وجوب الاحتياط ما لم يستلزم الحرج ومعه يعمل بالظنّ ومع عدمه يتخيّر.*

ــــــــــــــــــــــــ
* نسبه في الجواهر إلى غير واحد من الأصحاب، وانّه يترتب على ما ظنه حكم الشهر من وجوب الكفّارة في إفساد يوم منه ان لم يتبيّن تقدّمه، وأورد عليه بأنّه ليس في النص ما يقتضي من إطلاق المنزلة، ومجرّد وجوب الصوم للظن أعم من ذلك.

والمسألة مبنيّة على أنّ الصحيحة هل هي بصدد تنزيل صوم الظان منزلة صوم القاطع؟ أو تنزيل أحد الشهرين مكان الشهر الآخر؟ فعلى الأوّل لا يترتب عليه شيء سوى آثار صوم رمضان من كون الإفطار موجباً للكفارة، و أمّا آثار الشهر فلا يترتب ، ولا يعد اليوم الواحد والثلاثون عيداً للمسلمين حتى يصلي و يؤدي زكاة الفطر. إلى غير ذلك و المتبع لسان الدليل.

وربما يستظهر من لسان الدليل الوجه الثاني لقول الإمام في جواب السائل: رجلاً أسرته الروم ولم يصح له شهر رمضان؟ قال: «يصوم شهراً يتوخّاه»، أي الشهر الذي يظنه شهر رمضان ويحسب، فكأنّ الشارع نزَّل المظنون من الشهر، مكان المقطوع به ، لكنّه لا يخرج عن حدّالإشعار، فالأقوى هو ترتيب آثار صوم رمضان عليه، فقط دون غيرها من اللوازم.

* الفرق بين هذه المسألة، والمسألة السابقة هو اشتباه شهر رمضان في السابقة بين عامة شهور السنة، بخلاف المقام فقد اشتبه فيه بين شهرين أو ثلاثة، وقد عرفت أنّ =


(165)

ــــــــــــــــــــــــ
= مقتضى القاعدة هناك هو الاحتياط كلاً أو بعضاً، خرج عنه ما إذا توخّى وظن فيعمل بظنه لأجل النصّ، وإلاّفيحتاط، ولا وجه لتعيين شهر أو التأخّر إلى حد يتيقّن انّه كان سابقاً حتى يأتي به قضاء.

وأمّا المقام فقد اختار فيه المصنّف الاحتياط التام، وذلك لعدم دخوله عنده أو الشكّ في دخوله تحت الرواية السابقة، لأنّ المفروض اشتباه الشهر بين شهرين لا ثلاثة، والموضوع في الرواية اشتباه رمضان بين عامّة الشهور.

ومع ذلك كلّه لم يستبعد دخوله فيها وأشار إلى ذلك بأنّه لا يبعد إجراء حكم الأسير والمحبوس، ووجهه هو حمل القيود الواردة في الرواية على سبيل المثال، والميزان اشتباه الفريضة سواء اشتبهت بين الكثير أو القليل.

هذا كلّه حول اشتباه رمضان.

وأمّا إذا اشتبه المنذور بين شهرين أو ثلاثة كما لو نذر صوم ربيع الأوّل فاشتبه بين شهرين أو ثلاثة، فهناك احتمالات:

1. قطع الماتن بخروجه عن مورد الرواية وعمل بالقاعدة، وهي لزوم تحصيل اليقين بالفراغ إن أمكن، وإلاّ يعمل بالظن، ومع عدمه يتخيّر بين انتخاب أي شهر منالشهور، وما ذكره مطابق للقاعدة لتقدّم الامتثال القطعي على الظني وهو على الاحتمال بعدم دخوله في مورد الرواية.

2. يحتمل إدخال المورد تحت الرواية السابقة، قائلاً بأنّ قيد شهر رمضان من باب المثال، أو لكونه الغالب للابتلاء، والموضوع من لم يتعين عنده وقت الفريضة سواء أكان واجباً بالذات أو واجباً بالنذر.

وعلى ذلك فهو يتوخّى، فإن ظن بشيء فيعمل به وإلاّ فالمتبع هو الاحتياط التام أو الاحتياط على حدّ لا يوجب الحرج كما مرّ في الصورتين الماضيتين.=


(166)

المسألة 10: إذا فرض كون المكلّف في المكان الّذي نهاره ستّة أشهر وليله ستّة أشهر أو نهاره ثلاثة وليله ستّة أو نحو ذلك فلا يبعد كون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسّطة مخيّراً بين أفراد المتوسط، وأمّا احتمال سقوط تكليفهما عنه فبعيد كاحتمال سقوط الصوم وكون الواجب صلاة يوم واحد وليلة واحدة، ويحتمل كون المدار بلده الذي كان متوطّناً فيه سابقاً إن كان له بلد سابق.*

ــــــــــــــــــــــــ
= و هناك احتمالات أُخرى :

3. تأخيره، عن الشهر الأخير فيصوم بنيّة القضاء.

4. تأخيره إلى الشهر الأخير وصومه بنيّة الأداء، عملاً بالأصلين: وهو أصالة عدم دخول شهر رجب إلى الشهر الأخير، ويصوم بعده استناداً إلى أصالة عدم الخروج من ذلك الشهر المقطوع دخوله فيه.

يلاحظ على الوجه الثاني: أنّ الأصلين مثبتان، لأنّ الأوّل لا يستلزم دخول شهر رجب في الشهر الأخير، إلاّبالملازمة العقلية، وبه يتبين عدم جريان الأصل الثاني، لأنّه مبنيّ على ثبوت كون الأخير شهر رجب حيث قال: المقطوع دخوله فيه.

والأوجه هو الوجه الثاني ثمّ الثالث.

* قد ذكر الماتن في المقام احتمالات:

1. المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة مخيّراً بين أفراد المتوسط.

2. احتمال سقوط تكليفهما عنه .

3. سقوط الصوم وكون الواجب صلاة يوم وليلة واحدة.

4. كون المدار بلده الذي كان متوطّناً فيه سابقاً إن كان له بلد سابق.

ولا يخفى سقوط الوجوه الثلاثة الأخيرة. =


(167)

ــــــــــــــــــــــــ
= أمّا سقوط التكاليف والفرائض بالمرّة فهو ممّا لا يحتمل أبداً.

أمّا وجوب صلاة يوم وليلة فهو أيضاً مثل السابق، مع عدم تحقّق الدلوك فيما إذا كانت الليلة طويلة.

وأمّا الأخير فلعلّ وجهه الاستصحاب، لكنّه انتقض بالعبور على المناطق التي تختلف فيها الليالي والأيام بالنسبة إلى وطنه قبل أن يصل إلى المناطق القطبية، والصالح للبحث هو الوجه الأوّل الذي لم يستبعده الماتن، وإليك تحقيق المقام، و يتوقف على ذكر أُمور:

الأوّل: انّ لكلّ بلد طولاً وعرضاً جغرافياً، فالأوّل عبارة عن مقدار القوس العمود من خط نصف النهار «غرينتش» إلى نصف نهار البلد. فمقدار المسافة بينهما هو طول البلد.

وأمّا العرض الجغرافي، فهو عبارة عن مقدار القوس العمود من خط الاستواء إلى ذلك البلد. فمقدار المسافة بينهما هو عرض البلد.

وبما انّ خط الاستواء دائرة تنصِّف الكرة الأرضية إلى نصفين، وبتبعه ينتصف هذا العرض الجغرافي إلى شمالي وجنوبي، فمقدار القوس من خط الاستواء إلى أن ينتهي إلى القطب الشمالي 90 درجة، ومثله القوس الممتد بين خط الاستواء إلى القطب الجنوبي.

الثاني: المناطق الواقعة بين خط الاستواء وأحد القطبين تختلف درجتها حسب بعدهما عن خط الاستواء إلى أن ينتهي إلى درجة 67، فالمناطق الواقعة تحت ذلك العرض تعد مناطق معتدلة حيث تتمتع بليل ونهار مدة 24 ساعة وإن كان يختلفان طولاً وقصراً.

وأمّا المناطق الواقعة فوق 67 درجة، إلى 90 درجة فهي مناطق قطبية يختلف =


(168)

ــــــــــــــــــــــــ
= فيها طول الليل والنهار حسب بعدهما عن المناطق المعتدلة، وتشترك هذه المناطق في أنّها تتمتع إمّا بنهار طويل أو ليل طويل بنحو ربما يصل نهارها إلى ستة أشهر و ليلها كذلك كلّما اقتربنا من 90 درجة.

فما اشتهر على الألسن من أنّ طول النهار أو الليل في البلاد القطبية مطلقاً ستة أشهر ليس صحيحاً على إطلاقه وإنّما يختص بالنقاط المتاخمة إلى 90 درجة، و أمّا المناطق الواقعة بين هذه الدرجة و 67 درجة فيختلف طول النهار والليل حسب قربهما وبعدهما وإن كان الجميع يتمتع بطول النهار أو الليل.

الثالث: قد عرفت أنّ بعض المناطق القريبة من 67 درجة تتمتع بليل و نهار ضمن 24 ساعة و ربما يكون ليله22 ساعة ونهاره ساعتين وربما يكون بالعكس، فهذه المناطق وإن طال نهارها أو ليلها مكلفون بالفرائض حسب نهارهم وليلهم، حسب مشرقهم ومغربهم فيصومون 22 ساعة ويقيمون الفرائض اليومية في ضمن ساعتين، ولا مناص لنا من هذا القول، ولا يمكن لنا إجراء حكم النهار في الليل أو بالعكس، إنّما الكلام في المناطق الواقعة فوق هذه الدرجة التي يمرّ عليها 24 ساعة وليس فيها ليل أو نهار، وهذه هي المسألة المطروحة في كلام الماتن.

الرابع: المتبادر من كلمات الفقهاء في تلك المسألة هو انّ الليل والنهار غير متميزين في المناطق القطبية وانّ الزمان إمّا نهار فقط أو ليل فقط، ولذلك اختلفت كلماتهم في كيفية إقامة الفرائض فيها. وأنّه كيف يمكن أن نصلّي المغرب والعشاء والشمس في السماء، أو نقيم الظهر والعصر والجو ليل دامس؟!

ولذلك طرحوا فرضيات قد عرفت حالها، وبقي ما اقترحه الماتن المصنّف، و هو كون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة مخيراً بين أفراد المتوسط.

مثلاً يكون المقياس مقدار النهار والليل في المناطق المعتدلة في ذلك الفصل =


(169)

ــــــــــــــــــــــــ
= والتي يكون مقدار الليل والنهار فيها غير قصير وإن بلغ النهار إلى 16 ساعة والليل إلى 8 ساعات في بعض الفصول. فيصوم بمقدار نهار المناطق المعتدلة ويصلّي الظهرين، ويفطر بمقدار ليلها ويصلي فيها صلاة المغرب والعشاء. وعلى ذلك يجب أن يراعى مقدار الليل والنهار في كلّ فصل من فصول السنة في المناطق المعتدلة البعيدة عن المناطق القطبية.

أقول: أوّلاً :ما هو الوجه لاختيار البلدان المتعارفة المتوسطة وترجيحها على البلاد القريبة من تلك المنطقة التي تتمتع بليل ونهار وإن كان أحدهما أقصر والآخر أطول في ضمن 24 ساعة؟

وثانياً: انّ العلم بمقدار نهار المناطق المعتدلة في الفصل الخاص أمر صعب المنال ولا يمكن أن يكون مثل ذلك مناطاً لعامة الناس عبْر القرون خصوصاً قبل تطور وسائل الاتصال السلكية واللا سلكية والإسلام دين البساطة والسهولة.

إذا عرفت هذه الأُمور، فاعلم:

الصلاة في المناطق القطبية على المختار

إنّ المناطق القطبية تتمتع في عامّة الفصول بليل ونهار وإن كانت تختلف كيفية الليل والنهار عن المناطق المعتدلة وبذلك تنحلّ العقدة، ويظهر ذلك في البيان التالي.

إذا كان النهار أطول من الليل وممتداً إلى شهر أو شهرين إلى أن يصل إلى ستة أشهر، فرائدنا في تمييز النهار عن الليل هو الشمس، حيث إنّ حركتها في تلك المناطق حسب الحس حركة رحوية حيث تدور حول الأُفق مرة واحدة ضمن 24 ساعة بأوج وحضيض، فتبدأ حركتها من الشرق إلى جانب الغرب في خط قوسيّ، وكلّما ارتفعت الشمس وسارت إلى الغرب ازداد ظلّ الشاخص إلى أن يصل إلى حدّتتوقف فيه الزيادة ثمّ ينعكس الأمر ويحدث في جانب الشرق، وعند ذلك تصل الشمس في تلك النقطة =


(170)

ــــــــــــــــــــــــ
= إلى نصف النهار، ويعلم بذلك أوقات الظهر والعصر، ثمّ تأخذ الشمس بالسير في هذا الخط المنحني إلى أن تنخفض نهاية الانخفاض وإن لم تغرب ثمّ تبدأ بالحركة من الغرب إلى الشرق وعند ذاك، يدخل الليل إلى أن تنتهي في حركته إلى النقطة التي ابتدأت منها.

ويُعد قُبيل وصولها إلى نقطة الشرق أوّل الفجر.

وعلى ذلك فحركة الشمس هو رائدنا في العلم بأوّل النهار ووسطه وأوّل الليل وبدأ الفجر. ولا يتصوّر أنّ ذلك استحسان منّا، بل المناخ يؤيد ذلك، وهو انّه إذا بدأت الشمس بالحركة من الشرق إلى أن تنتهي إلى جانب الغرب يكون الجو مضيئاً جداً كنهار المناطق الاعتدالية، وعند ما انخفضت الشمس إلى جانب الغرب وبدأت بالحركة من الغرب إلى الشرق يميل الجو إلى الغبرة والظلمة الخفيفة، ولذلك يتعامل سُكّان تلك المناطق بالحركة الأُولى للشمس معاملة النهار وبالحركة الثانية معاملة الليل، فيقيمون أعمالهم فيها وينامون في الثانية.

وعلى ذلك فليس المناخ على وتيرة واحدة ضمن 24 ساعة، بل يتغير من الإضاءة إلى الغبرة، أو من الإضاءة الشديدة إلى الضعيفة، وما ذلك إلاّ لأنّ الحركة الأُولى تلازم وجود النهار في المناطق المعتدلة كما أنّ الحركة الثانية تلازم وجود الليل فيها أيضاً. غير انّ ميلان مركز دوران الأرض حول نفسها مقدار 5/23 درجة سبَّب لأن تخيِّم الشمس عليها في بعض الفصول مدة مديدة لا ترى لها غروباً وإن كنت ترى لها ارتفاعاً وانخفاضاً.

هذا كلّه إذا ظلّ النهار مدّة مديدة.

وأمّا إذا انعكس بأن غمر الليلُ تلك المناطق مدة مديدة إلى أن ينتهي إلى ستة أشهر، فيعلم حكمه ممّا ذكرناه في الصورة الأُولى، فانّ الشمس وإن كانت تغرب عن =


(171)

ــــــــــــــــــــــــ
= تلك المناطق طول مدة طويلة لكن ليست الظلمة على نمط واحد، بل تتضاؤل تارة وتزداد أُخرى، فزيادتها آية سلطة الليل في المناطق المعتدلة كما أنّ تضاؤلها علامة سلطة النهار عليها كذلك، وبذلك يمكن أن نميز النهار عن الليل حيث إنّ الزمان (24 ساعة) ينقسم إلى ظلمة دامسة(بحتة) وظلمة داكنة أي (مزيجة بالنور الضئيل)، فيعد ظهور الظلمة الدامسة ليلاً لهم، وتكون بدايته أوّل وقت المغرب ثمّ العشاء. فإذا بدت الظلمة الداكنة التي يخالطها نور ضئيل فيعد فجراً لهم، وتستمر هذه الحالة ساعات إلى أن تحل الظلمة الدامسة، فهذا المقدار من الساعات يعد نهاراً لهم فيصام فيها، كما أنّ وسطه يعد ظهراً لهم فيقيمون الظهر والعصر.

فتبيّن من ذلك انّ المناطق القطبية أو القريبة منها على أنحاء ثلاثة:

الأوّل: أن يوجد الليل والنهار بشكل متميز وإن كانا غير متساويين ولكنّ هناك شروقاً وغروباً، فيؤدي الفرائض النهارية عند الشروق، والليلية عند الغروب و إن كان قصيراً.

الثاني: إذا كان هناك نهار طويل سواء بلغ ستة أشهر أو لم يبلغ، فبما انّ الشمس مرئية وحركتها رحوية ، فإذا بدأت بحركتها من الشرق إلى الغرب يعدّ نهاراً، وإذا وصلت إلى دائرة نصف النهار يعدّ ظهراً، وإذا تمت الحركة الشرقية وأخذت بالاتجاه إلى جانب الغرب يعد ليلاً، فإذا تمت الحركة الغربية وبدأ بالحركة إلى جانب الشرق فهو أوّل فجرهم، وبذلك تتم الدورة النهارية والليلية في 24 ساعة.

الثالث: الليل الطويل فالشمس فيها وإن كانت غير مرئية، لكن الظلمة ليست على نسق واحد، بل هي بين ظلمة دامسة وظلمة داكنة، فعندما تسود الأُولى يحسب ليلاً لهم وتكون بدايتها أوّل صلاة المغرب والعشاء، وإذا بدأت بالظلمة الداكنة وظهر بصيص من النور يحسب أوّل الفجر، فإذا خفّت الظلمة يعد نهاراً لهم إلى أن يعود إلى الحالة السابقة.


(172)


(173)

الفصل الثالث عشر
في أحكام القضاء

يجب قضاء الصوم ممّن فاته بشروط، و هي: البلوغ، والعقل، والإسلام، فلا يجب على البالغ ما فاته أيّام صباه. نعم يجب قضاء اليوم الّذي بلغ فيه قبل طلوع فجره أو بلغ مقارناً لطلوعه إذا فاته صومه. وأمّا لو بلغ بعد الطلوع في أثناء النهار فلا يجب قضاؤه وإن كان أحوط.*

ــــــــــــــــــــــــ
* مرّ البحث عن هذه الفروع في الفصل العاشر وأوضحنا حالها فيه.

فنقول: البلوغ من الشروط العامة للتكليف وتترتب عليه فروع:

عدم وجوب القضاء على الصبي إذا بلغ

1. لا يجب قضاء ما فاته أيّام صباه، لأنّ وجوب القضاء فرع أحد الأمرين: وجود الخطاب، أو وجود الملاك; والأوّل منتف لكون البلوغ من شرائط الوجوب، والثاني مشكوك أو مقطوع العدم.

2. لو بلغ قبل الفجر أو مقارناً لطلوعه وفاته صومه، يجب قضاؤه لكون أدائه واجباً.

3. لو بلغ بعد الطلوع و قبل الزوال، فلو قيل بوجوب الصوم عليه خصوصاً إذا نوى قبل طلوعه، يجب عليه القضاء لو فاته، وأمّا لو قلنا بعدم وجوب الأداء ـ كما مرّ ـ =


(174)

ولو شك في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده فمع الجهل بتاريخهما لم يجب القضاء، وكذا مع الجهل بتاريخ البلوغ، وأمّا مع الجهل بتاريخ الطلوع بأن علم أنّه بلغ قبل ساعة مثلاً ولم يعلم أنّه كان قد طلع الفجر أم لا فالأحوط القضاء، ولكن في وجوبه إشكال.*

ــــــــــــــــــــــــ
= لأنّ الصوم الواجب عبارة عن الصوم المكتوب على المكلّف من أوّل الفجر، والمفروض انّه لم يكتب عليه عنده، فلا يجب الأداء ويتبعه القضاء. نعم من قال بوجوب الأداء لمن نوى قبل طلوعه وبلغ قبل الزوال ففاته، يلزم عليه إيجاب القضاء.

ثمّ إنّ بعض المعلّقين على العروة أوجب عليه الأداء أوّلاً، والقضاء ثانياً، للشكّ في إجزاء مثل هذا الصوم وقال: «الأحوط مع ذلك القضاء وإن لم يخالف و نوى الصوم»، وعليه المصنّف في ظاهر المتن، ولكن لا وجه لهذا الاحتياط، لأنّ القضاء تابع للأداء، فلو كان الصوم مكتوباً عليه والحال هذه فقد صام و أتى بالواجب، وإن لم يكن مكتوباًعليه، فلا قضاء قطعاً وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخوئي في تعليقته: «لا وجه للاحتياط إذا صام اليوم الذي بلغ فيه».

ويحتمل أن تكون عبارة المصنف ناظرة إلى ما إذا خالف ولم يصم دونما صام، وسيأتي نظير هذا الاحتياط في المغمى عليه إذا أفاق قبل الزوال، فليتدبّر.

*صور الفرع ثلاث:

1. أن يكون كلّ من تاريخ الطلوع والبلوغ مجهولاً.

2. أن يكون تاريخ الطلوع معلوماً والبلوغ مجهولاً.

3. أن يكون على العكس.

لا شكّ في عدم وجوب القضاء في الصورة الأُولى، إمّا لعدم شمول دليل الاستصحاب الأصلين المتعارضين، كما هو المختار; أو شموله لهما، وتساقطهما =


(175)

وكذا لا يجب على المجنون ما فات منه أيّام جنونه ،من غير فرق بين ما كان من اللّه أو من فعله، على وجه الحرمة أو على وجه الجواز، وكذا لا يجب على المغمى عليه، سواء نوى الصوم قبل الإغماء أم لا، وكذا لا يجب على من أسلم عن كفر، إلاّ إذا أسلم قبل الفجر ولم يصم ذلك اليوم فإنّه يجب عليه قضاؤه، ولو أسلم في أثناء النهار لم يجب عليه صومه وإن لم يأت بالمفطر ولا عليه قضاؤه، من غير فرق بين ما لو أسلم قبل الزوال أو بعده، وإن كان الأحوط القضاء إذا كان قبل الزوال.*

ــــــــــــــــــــــــ
= بالتعارض على الاختلاف. وعلى كلا التقديرين لم يحرز تكليفه بالصوم حتى يثبت وجوب قضائه.

وأمّا الثانية والثالثة، فإن قلنا بجريان الأصل في المعلوم، لأنّ المعلوم وإن لم يجر فيه الاستصحاب بالنظر إلى عمود الزمان، لكنّه بالنسبة إلى الزمان الواقعي للحادث الآخر مجهول، فهو مشكوك التقدّم والتأخّر بالنسبة إليه، فيكون حكمهما حكم الصورة الأُولى; وأمّا لو قلنا بالفرق بين المعلوم والمجهول، ففي الصورة الثانية يجري الأصل في جانب البلوغ المجهول بلا معارض، أعني: أصالة عدم البلوغ إلى ما بعد الفجر، ويترتب عليه حكمه الشرعي، أعني: عدم وجوب الأداء والقضاء، لأنّ البلوغ إلى الفجر موضوع للحكم الشرعي، ويكفي في نفيه نفي الموضوع.

إنّما الكلام في الصورة الثالثة، أعني: إذا كان الطلوع مجهول التاريخ، فاستصحاب عدم طلوع الفجر إلى ما بعد البلوغ، غير مفيد، إذ ليس طلوع الفجر إلى بعد البلوغ موضوعاً للأثر الشرعي، حتى ينفى بنفيه ، و أمّا لازمه، أعني: كون البلوغ قبل الفجر، فهو و إن كان موضوعاً له، لكنّه من لوازم الأصل ولا يكون حجّة في إثباتها.

* قد أشار المصنّف في المتن إلى أحكام الطوائف الثلاث في مورد القضاء:

1. المجنون، 2. المغمى عليه، 3. الكافر إذا أسلم. =


(176)

ــــــــــــــــــــــــ
= وإليك البحث في كلّ واحد تلو الآخر.

عدم وجوب القضاء على المجنون إذا أفاق

إنّ البلوغ والعقل والقدرة من الشرائط العامة للتكليف، فمن فقد واحداً منها لا يخاطَب بالتكليف، فالقضاءعلى المجنون رهن أحد أمرين: وجود الخطاب حين الأداء وهو ساقط، أو فوت الملاك كما في النائم عن إقامة الصلاة في وقته، وهو في المقام مشكوك أو مقطوع الانتفاء، لأنّ حكمه حكم البهائم.

حكم المغمى عليه إذا أفاق

اختلفت كلمتهم في كون الصوم مشروطاً بعدم الإغماء أو لا. فذهب الشيخان إلى عدم الاشتراط، والعلاّمة على خلافهما، كما مرّ.(1)

وعلى كلّ تقدير لا تظهر الثمرة لو أُغمي عليه تمام الوقت سواء كان ناوياً أم لا، لإطلاق الروايات الصحيحة الدالة على عدم وجوب القضاء سواء نوى الصوم أم لا التي منها، صحيحة علي بن مهزيار انّه سأله ـ يعني: أبا الحسن الثالث ـ عليه السَّلام ـ ـ عن هذه المسألة ـ يعني: مسألة المغمى عليه ـ فقال: «لا يقضي الصوم ولا الصلاة، وكلّما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر». إلى غير ذلك من الصحاح.(2)

وأمّا ما يخالفها(3) فمحمول على الاستحباب، لقوّة الروايات السابقة، أو مخصوص =


1 . الفصل العاشر من شرائط وجوب الصوم.
2 . الوسائل: الجزء 7 ، الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6، لاحظ الحديث 1، 2، 3، 6.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4و5.


(177)

ــــــــــــــــــــــــ
= بالصلاة.

نعم تظهر الثمرة في موردين:

1. لو نوى الصوم و أُغمي عليه قبل الفجر وصحا قبل الزوال.

2. لو نوى الصوم و أُغمي عليه بعد الفجر وصحا بعد الزوال.

فعلى القول بالاشتراط، لا يجب تجديد النيّة ولا الإمساك ولا القضاء لو أفطر، بخلاف ما لو قلنا بعدمه فيجب تجديدها والإمساك والقضاء لو أفطر.

وقد عرفت هنا انّ الظاهر هو الاشتراط، للفرق الواضح بين النوم والإغماء، وانّ الأُولى ظاهرة طبيعية بخلاف الإغماء فالأقوى عدم الوجوب مطلقاً.

وهل الحكم يختص بما إذا كان من جانبه سبحانه، أو يعم ما كان بفعله؟ وربما يستظهر من تعليله بقوله: «كلّماغلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» اختصاصه بالأوّل، لكنّ الظاهر ورود القيد مورد الغالب، والأقوى عطف المغمى عليه على المجنون في كلتا الصورتين.

حكم الكافر إذا أسلم

لا شكّ انّ الكافر لو أسلم، لا يجب عليه قضاء صلاته وصيامه للسيرة القطعية من عصر الرسول إلى عصر الوصي والأئمّة من بعده، ولم يعهد أيّ تكليف منهم بالنسبة إلى الكافر فيما يرجع إلى أيامه الماضية.

كما أنّه لا شكّ إذا أسلم قبل الفجر، وأفطر بعده في أنّه يجب عليه القضاء .ففي صحيح عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن قوم أسلموا في شهر رمضان، و قد مضى منه أيّام، هل عليهم أن يصوموا ما مضى منه أو يومهم الذي =


(178)

ــــــــــــــــــــــــ
= أسلموا فيه؟ فقال: «ليس عليهم قضاء ولا يومهم الذي أسلموا، إلاّ يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر».(1)

ومعتبرة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن آبائه ـ عليهم السَّلام ـ أنّ عليّاً كان يقول في رجل أسلم في نصف شهر رمضان:« إنّه ليس عليه إلاّ ما يستقبل».(2)

وهاتان الروايتان بالإضافة إلى السيرة توضح أحكام الصور الثلاث:

1. حكم ما لو أفطر قبل إسلامه.

2. ما لو أفطر في يوم أسلم.

3. ما لو أفطر في يوم أسلم قبل الفجر.

وهل عدم القضاء لأجل عدم وجوب الصوم عليهم لأنّهم غير مكلّفين بالفروع، وانّ تكليفهم بها قبل أن يسلموا ، مستهجن، أو هم مكلّفون بها؟ والخطاب بما انّه ليس شخصياً، بل قانونياً متعلّقاً بالعناوين الكلية، ليس بقبيح وأنّ عدم القضاء من باب المنّة وإيجاد الرغبة إلى الدخول في الإسلام وعلى كلّ تقدير، ليس عليهم قضاء.

وربما يتوهّم خلاف ما ذكرناه من بعض الروايات :

1. صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه سُئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان ما عليه من صيامه ؟قال: «ليس عليه إلاّما أسلم فيه».(3)

يتصور انّ المراد من الموصول هو اليوم الذي أسلم فيه مع أنّ صريح صحيحة العيص هو عدم الوجوب.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من الموصول، النصف الباقي من الشهر الذي أسلم فيه، ويكون متحداً في المضمون مع ما ورد في معتبرة مسعدة:«انّه ليس عليه إلاّ ما يستقبل». =


1 . الوسائل، الجزء 7، الباب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 4، 2.
2 . الوسائل، الجزء 7، الباب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 4، 2.
3 . الوسائل، الجزء 7، الباب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 4، 2.


(179)

المسألة 1: يجب على المرتدّ قضاء ما فاته أيّام ردّته سواء كان عن ملّة أو فطرة.*

ــــــــــــــــــــــــ
= 2. صحيحه الآخر قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل أسلم بعد ما دخل شهر رمضان أيّام ؟ فقال: «ليقض ما فاته».(1)

والمراد ما فاته بعد ما أسلم، لا ما فاته قبله، وممّا ذكر يظهر حال مرسلة الصدوق.(2) فالمراد من قوله: ما أسلم فيه أي السنة التي أسلم فيها وأفطر، لا قبلها.

* قد نسب وجوب القضاء إلى ظاهر الأصحاب، وانّه لا خلاف بينهم في أنّ المرتد فطرياً كان أو مليّاً يقضي ما فاته زمان ردته، استناداً إلى عموم الأدلّة الدالة على وجوب قضاء الفوائت في الصلاة والصيام الشاملة للمرتد وغيره.

وعلى ذلك فالمرتد وإن كان كافراً لكن لا تشمله أدلّته، فانّها ناظرة إلى ما إذا كان كافراً بالأصالة ثمّ أسلم دونما كان مسلماً ثمّ كفر، فتكون أدلّة وجوب الفرائض أداءً وقضاءًجارية في حقّه من دون دليل على عدم شموله، مضافاً إلى ما دلّ على ضرب المرتدة (3) على الصلوات الدال على كونها محكومة بالأداء .

ثمّ إنّ عدم إيجاب القضاء على الكافر الأصلي لأجل إيجاد الرغبة بين الكافرين لينتقلوا إلى الإسلام، فلو كتب عليهم قضاء ما تركوا طيلة حياتهم، لما رغبوا إلى الإسلام إلاّ قليلاً، فاقتضت مشيئته الحكمية تسهيل الأمر عليهم ليرغبوا في الدين، وهذا بخلاف الأمر في المرتد، فانّ الحكمة فيه إيجاد الضغط عليه، وإلاّ فلو حكم على المرتد بعدم وجوب القضاء، فربما يُنتج العكس، خصوصاً فيما إذا لم يكن هناك يد باسطة لقتل المرتد أو استتابته فيتركون الفرائض سنين ثمّ يعودون إلى الإسلام. =


1 . الوسائل، الجزء 7، الباب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5، 3.
2 . الوسائل، الجزء 7، الباب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5، 3.
3 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب المرتد، الحديث1.


(180)

ــــــــــــــــــــــــ
= وعلى كلّ تقدير فسواء أصح ما ذكرنا أم لم يصح لا وجه لعدم وجوب القضاء عليهم بعد كونهم محكومين بالفروع، كما أنّهم محكومون بالأُصول، وقد خرج الكافر الأصلي بالدليل.

نعم يظهر من صاحب الحدائق إشكالان نطرحهما على صعيد البحث.

1. انّ الأحكام المودعة في الأخبار تحمل على الأفراد الشائعة الكثيرة التي يتبادر إليها الإطلاق دون الفروض النادرة.(1)

وأجاب عنه المحقّق الخوئي بأنّ الفرد النادر لا يختص به المطلق ولا يمكن تنزيله عليه لا انّه لا يشمله، إذ لا مانع من شمول المطلق حصصاً وأصنافاً يكون بعضها نادر التحقّق.(2)

يلاحظ عليه: بأنّ نظر صاحب الحدائق هو الانصراف، وأنّ الإطلاق منصرف عن الفرد النادر، وعلى ذلك فيجب أن يرد بوجه آخر، وهو انّ الانصراف بدئي يزول بالتأمل، فانّ المرتد أحقّ بالضغط والضيق لا بالعفو والسعة.

2. يشكل ذلك في المرتد الفطري بناءًعلى عدم قبول توبته، لوجوب قتله، وقسمة أمواله، وبينونة زوجته.

وقد أجاب عنه المحقّق الخوئي: إنّه ربما يتمكّن من القضاء إذا لم يقتل لعدم بسط اليد.

أقول: الظاهر انّ مراد صاحب الحدائق غير ما فهمه المحقّق الخوئي، فانّ مراده هو انّ وجوب قضاء الفرائض لا يتفق مع عدم قبول توبته، وكأنّ عدم قبولها آية كونه مقروناً بالمانع من قبول العبادة أداءً كان أو قضاءً، تائباً كان أو لا. ولو أراد ذلك، =


1 . الحدائق:13/297ـ298.
2 . مستند العروة: 2/160، كتاب الصوم.


(181)

المسألة 2: يجب القضاء على من فاته لسكر من غير فرق بين ما كان للتداوي أو على وجه الحرام.*

ــــــــــــــــــــــــ
= فالجواب: انّ المراد من عدم قبول توبته انّ التوبة لا تردَّ وجوب قتله، فيُقتل ولكن توبته بمعنى قبول أعماله باطناً فتكون أعماله القضائية كذلك.

فتحصل من ذلك وجوب القضاء على المرتد، وقد ذكر المصنِّف حكم المرتد في الفصل التاسع أوّلاً، وفي مقدمة الكتاب ثانياً. فكان عليه أن يذكر أحكام المرتد مرّة واحدة. فلاحظ.

*لا ينبغي الشكّ انّ السكر ينافي الصوم سواء نوى قبل الفجر ثمّ سكر أو لا، وليس السُّكْر ظاهرة طبيعية كالنوم حتى لا ينافي العبادة، وبذلك يصبح عدم السكر شرطاً من شروط صحّة الصوم لكن بمعنى كونه مانعاً من تحقّقه، خلافاً لمن صحّح صومه بزعم انّ السكر كالنوم وعدم اشتراط صحّة الصوم بعدم السكر كالنوم.

والذي يدل على ما ذكرنا أُمور:

1. وجود الممانعة بين السكر و الصوم، فانّ الغاية من إيجاب الصوم هو تحصيل التقوى، قال سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)(1) ومن الواضح عدم حصول الغاية مع الإسكار.

2. عدم تمشّي النيّة من غير فرق بين كونها أخطاراً بالبال أو داعياً للعمل، والسكران يفقد كليهما، أمّا الإخطار فواضح، وأمّا الداعي فهو عبارة عمّا هو المركوز في النفس على وجه كلّما سئل عن عمله يجيب فوراً بأنّه يفعل كذا وكذا، والسكران فاقد =


1 . البقرة:183.


(182)

المسألة 3: يجب على الحائض والنفساء قضاء ما فاتهما حال الحيض والنفاس، وأمّا المستحاضة فيجب عليها الأداء وإذا فات منها فالقضاء.*

ــــــــــــــــــــــــ
= لهذا الشأن.

3. الاستئناس بقوله سبحانه: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاة وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُون)(1)، فمجموع هذه الأدلّة تُضفي على المسألة وضوحاً، من غير فرق بين كونه للتداوي أو على وجه الحرام، فانّ الأوّل يرفع الحكم التكليفي لا الوضعي.

وبذلك يظهر حكم من أُجريت له عمليةُ التخدير، فيبطل صومه بها، لأنّ التخدير ليست ظاهرة طبيعيّة ولا تتفق مع النية، وهو صنو السكر، وكان على الماتن أن يذكر هذا الفرع لكثرة الابتلاء به.

*المسألة إجماعية لا تحتاج إلى التفصيل، وكفى في ذلك ما رواه الشيخ عن الحسن بن راشد، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : الحائض تقضي الصلاة؟ قال: «لا»، قلت: أتقضي الصوم؟ قال: «نعم»، قلت: من أين جاء هذا ؟ قال: «أوّل من قاس إبليس».(2)

وأمّا المستحاضة فهي طاهرة كسائر النساء وعلى ذلك فالقضاء على وفق القاعدة، مضافاً إلى مكاتبة علي بن مهزيار في من استحاضت في شهر رمضان من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، قال ـ عليه السَّلام ـ : «تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؟!». والجملة استفهامية.(3)


1 . النساء: 43.
2 . الوسائل: 2، الباب 41 من أبواب الحيض، الحديث 3 وغيرها من الروايات.
3 . الوسائل: 2، الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك، الحديث 1.


(183)

المسألة 4: المخالف إذا استبصر يجب عليه قضاء ما فاته، وأمّا ما أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه.*

ــــــــــــــــــــــــ
*. للمسألة صور:

1. إذا أتى عملاً صحيحاً على مذهبه.

2. إذا أتى عملاً فاسداً على مذهبه.

3. إذا ترك العمل بتاتاً.

4. إذا أتى موافقاً لمذهبنا رجاءً على وجه تمشّى منه قصد القربة.

اتّفقت كلمتهم على سقوط القضاء عن المخالف إذا استبصر، لتضافر الروايات عليه، و قد جمع الحرّ العاملي قسماً من رواياته في أبواب مقدمات العبادات(1)، ونقل بعضها في كتاب الزكاة.

ففي صحيح بريد بن معاوية العجلي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث: «كلّ عمل عَمِلَه وهو في حال نصبه وضلالته، ثمّ منّ اللّه عليه وعرّفه الولاية فانّه يُؤجر عليه إلاّ الزكاة، فإنّه يعيدها، لأنّه يضعها في غير مواضعها، لأنّها لأهل الولاية، وأمّا الصلاة والحجّ والصيام فليس عليه قضاء»(2) . وغيرها.(3)

ومنصرف الروايات ما إذا عمل دونما ترك، أو أتى به فاسداً عند الفريقين، كما إذا ترك الركن في الحج(4)، أو على مذهبه، يبقى الكلام فيما إذا أتى موافقاً لمذهبنا، إذا تمشى منه القربة، كما إذا أتى رجاءً، ولم يستبعد السيد الحكيم ـ قدَّس سرَّه ـ وغيره عدم القضاء، لأجل الأولوية.

ثمّ إنّ إمضاء ما أتوا به مع كونه فاسداً، لأجل التفضّل ولإيجاد الرغبة إلى =


1 . الوسائل: الجزء1، أبواب مقدمات العبادات، الباب 31.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب مستحقين الزكاة، الحديث1 ولاحظ سائر الروايات من البابين.
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب مستحقين الزكاة، الحديث1 ولاحظ سائر الروايات من البابين.
4 . الوسائل: الجزء 1، الباب 31 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 3.


(184)

المسألة 5: يجب القضاء على من فاته الصوم للنوم بأن كان نائماً قبل الفجر إلى الغروب من غير سبق نيّة وكذا من فاته للغفلة كذلك.*

المسألة 6: إذا علم أنّه فاته أيّام من شهر رمضان ودار بين الأقل والأكثر يجوز له الاكتفاء بالأقلّ، ولكن الأحوط قضاء الأكثر، خصوصاً إذا كان الفوت لمانع من مرض أو سفر أو نحو ذلك وكان شكّه في زمان زواله كأن يشكّ في أنّه حضر من سفره بعد أربعة أيّام أو بعد خمسة أيّام مثلاً من شهر رمضان.*

ــــــــــــــــــــــــ
= التشرّف بالتشيّع، وأمّا الزكاة فهي بما انّها حق الناس، لم يشمله العفو كسائر الديون التي لم يؤدّها إلى أصحابها.

*قد مرّ في فصل النية، انّ آخر وقت النيّة في الواجب المعيّن، رمضان كان أو غيره عند طلوع الفجر الصادق، و مع النسيان أو الجهل بكونه رمضان أو المعيّن الآخر متى تذكر إلى ما قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر ويجزيه عن ذلك اليوم، ولا يجزيه بعد الزوال.(1)

فإذا كان محلّ النيّة محدداً بما قبل الزوال، يكفي في الحكم في البطلان ـ الاستيقاظ عند الزوال أو بعده ـ ولا حاجة إلى امتداد النوم إلى الغروب كما في المتن.

ولو قلنا بأنّ بقاء وقت النيّة إلى الزوال مختص بالمسافر ولا يعمّ غيره لورود النصّ فيه لا في غيره، يكفي في البطلان إذا نام من غير سبق النية وانتبه بعد الفجر بقليل، لكن عرفت إمكان إلغاء الخصوصية وانّ ذكر المسافر من باب المثال أو الفرد الغالب وعلى كلّ تقدير فوجوب القضاء لمن نام من غير سبق النية، على وفق القاعدة.

* للمسألة صورتان:

الأُولى: أن يستند الشك في قلّة الواجب أو كثرته، إلى الجهل بمقدار سبب =


1 . لاحظ الفصل الأول، المسألة 12.


(185)

ــــــــــــــــــــــــ
= القضاء الذي هو الإفطار فدار أمر السبب بين الأقل والأكثر سواء أفطر لعذر أو لا معه ، كما لو علم أنّه أفطر في شبابه أياماً أو صام جنباً مع نسيانه ودار أمره بينهما.

الثانية: أن يستند الشك، إلى مقدار المانع من صحة الصوم كالمرض أو السفر، فدار أمره بين الأقل و الأكثر.

أمّا الصورة الأُولى فالاقتصار على الأقل هو مقتضى القاعدة، لكونه مصبَّاً لأصل البراءة ، كأصالة عدم وجوب القضاء .

وربما يقال بجريان الأصل الموضوعي كأصالة عدم الإفطار، ولكنّه لا يجري، كأصالة عدم الصوم. وذلك لأنّ الأُصول الموضوعية العدمية تختص بموارد يكون الزمان أوسع من الفعل حتى يصحّ تلبس المكلّف بالعدم في برهة من الزمان ثمّ يُستصحب، كأصالة عدم الإتيان بالظهر، حيث يدخل الوقت والمكلف لا يكون متلبّساً بالصلاة فيستصحب عدم الإتيان، وأمّا إذا كان الزمان بمقدار الفعل كما في المقام فلا يجري الأصل الموضوعي من غير فرق بين أصالة عدم الإفطار أو عدم الصوم. إذ ليس لواحد من العدمين بالنسبة إلى اليوم المشكوك حالة سابقة بل هو في فجر اليوم المشكوك، إمّا صائم، أو مفطر، وأمّا تلبّسه بعدم الإفطار، أو عدم الصوم في اليوم المتقدّم عليه، فهو ليس موضوعاً للحكم، لأنّه أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، والموضوع للحكم، هو وصفه بأحد العدمين في فجر اليوم المشكوك والمفروض انّه غير محرز واستصحاب السلب التام وإثبات السلب الناقص من الأُصول المثبتة.

وإن شئت قلت: إنّ المتيقّن هو السلب التام الذي يصدق بلا موضوع أيضاً، والموضوع للأثر هو السلب الناقص الذي يتوقف صدقه على وجوده ، فانحصر الأمر بالأصل الحكمي وهو عدم وجوب القضاء.

نعم مال غير واحد من المعلّقين إلى وجوب الاحتياط فيما إذا علم مقدار ما فات =


(186)

ــــــــــــــــــــــــ
= تفصيلاً ثم نسيه، وجهه: انّ الواقع، بتعلّق العلم به قد تنجّز، بما هو عليه، وقد اشتغلت ذمّة المكلّف به، فلا يخرج عن الاشتغال القطعي إلاّ بالإتيان بالأكثر، بخلاف ما إذا كان مردّداً بين الأقل والأكثر من أوّل الأمر.

وأورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ مورد الاشتغال إنّما هو احتمال التكليف المنجز بالفعل كما في الشبهات الحكمية قبل الفحص، أو المقرونة بالعلم الإجمالي دون المقام، لا ما كان منجّزاً سابقاً وقد زال عنه التنجّز فعلاً، فانّ صفة التنجّز تدور مدار وجود المنجّز حدوثاً وبقاءً، والمفروض في المقام زوال العلم السابق لو كان وتبدّله بالشكّ، فمتعلّق الاحتمال ليس إلاّ تكليفاً غير منجّز جزماً، إذ لا أثر للتنجّز السابق الزائل.

والحاصل: انّ العبرة في جريان الأصل بحال المكلّف حال الجريان، لا فيما تقدم وانصرم.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المانع من الرجوع إلى البراءة أحد الأُمور الثلاثة:

1. العلم بالتكليف المنجّز فعلاً، كما هو الحال في العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين.

2. احتمال التكليف المنجّز على فرض وجوده، كما هو الحال في الدماء والأعراض والأموال، وكما مثل الشبهة الحكمية قبل الفحص حيث يجب الاحتياط فيها ولا تجري البراءة وإن كانت الشبهة بدوية، لأنّ التكليف المحتمل على فرض وجوده منجّز

3. التكليف المنجز آناً ما مع زوال العلم بمقدار الواجب، فانّ التنجّز آناً ما يؤثِّر في فرض الواقع على المكلّف ويُلزمه على الخروج عنه بالامتثال اليقيني، نظير خروج =


1 . مستندالعروة: 2/166.


(187)

ــــــــــــــــــــــــ
= أحد الأطراف عن محلّ الابتلاء، فانّ التكليف في الباقي و إن كان محتملاً لكن العلم به آناً ما نجّز الواقع عليه فوجوب الاجتناب من آثار العلم السابق، لا العلم الفعلي، ونظيره إذا أراق أحد الإناءين أو اضطرّ إليه، فالعلم بالتكليف وإن كان غير موجود بعد الإراقة أو طروء الاضطرار، لكن لزوم الاجتناب من آثار العلم السابق، ومثله المقام فانّ العلم بمقدار ما فات نجّز عليه الواقع، وعروض النسيان وإن كان يضرّ بالعلم بالتكليف المنجز حالاً في مورد الأكثر، لكن لزوم الخروج عن عهدة التكليف وعدم الاكتفاء بالأقل من آثار العلم المنجز السابق.

هذا كلّه في الصورة الأُولى، أعني: ما إذا كان الترديد مستنداً إلى قلّة سبب القضاء وكثرته، وإليك الكلام في الصورة الأُخرى:

الثانية: إذا كان الترديد مستنداً إلى المانع

إذا كان الشكّ مستنداً إلى تردد المانع عن الصوم بين القليل والكثير، ولها حالتان:

1. إذاكان الشكّ فيهما نابعاً من الشكّ في زمان حدوثه، كما إذا علم انّه رجع من السفر يوم العشرين من شهر رمضان ولكن شكّ في مبدأ السفر وانّه هل كان يوم الخامس عشر منه، فقد فات منه صوم خمسة أيام أو السادس عشر فقد فات منه، أربعة.

2. ما إذا كان الشكّ فيهما نابعاً من الشكّ في نهاية السفر زماناً، كما إذا علم أنّه بدأ بالسفر يوم الخامس عشر، وشكّ في ختامه وانّه رجع منه يوم العشرين قبل الزوال أو التاسع عشر كذلك. فعلى الأوّل يكون الفائت خمسة أيام وعلى الثاني يكون أربعة. =


(188)

ــــــــــــــــــــــــ
=وإليك دراسة الحالتين:

أمّا الأُولى : فالمرجع هو استصحاب شهود الشهر إلى نهاية الخامس عشر، أو هو استصحاب عدم السفر، والذي يوضح ذلك انّه لو شكّ المكلّف في أصل السفر في شهر رمضان، كأن شك في أنّه هل سافر في اليوم الخامس عشر أو لا؟ فلا يعتد بالشكّ بعد خروج الوقت، لأصالة عدم السفر، فهكذا إذا دار الأمر بين كونه حادثاً في ذلك اليوم أو في يوم بعده.

وأمّا التمسّك بعدم الافطار، أو مقابله، أعني: أصالة عدم الإتيان فقد علمت عدم جريانهما في الواجبات المضيقة، إذ ليس المكلّف متلبّساً بأحد العدمين في اليوم المشكوك على نحو ليس الناقصة بأن يتحقق اليوم الخامس عشر، وهو موصوف بعدم الإفطار، أو بعدم الصيام.

وأمّا تحقّقه في الزمان المتقدم، أعني: الرابع عشر، فالمفروض انّه صام، حتى لو فرض تحقّق أحد العدمين في اليوم المتقدّم، كما إذا شكّ في أنّ بدء السفر كان أوّل رمضان أو ثانيه، لا يكون العدم المتحقّق في آخر شعبان منتجاً بالنسبة إلى العدم المطلوب في أوّل رمضان.

وأمّا الثانية: أعني إذا كان الشكّ مستنداً إلى بقاء المانع واستمراره كما إذاعلم أنّه بدأ بالسفر في اليوم الخامس، ولكن يشكّ في استمراره إلى التاسع عشر أو العشرين، وهذا هو الذي أشار إليه المصنّف، وقال : الأحوط قضاء الأكثر خصوصاً إذا كان الفوت لمانع من مرض أو سفر أو نحو ذلك وكان شكّه في زمان زواله....

وجه الاحتياط هو استصحاب استمرار السفر أو المرض إلى اليوم العشرين، وقد وقعا موضوعاً للقضاء في قوله سبحانه: (فمن كان مريضاً أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر ) ، فيكون استصحاب استمرار المانع موجباً لإثبات الأثر المذكور، أي =


(189)

ــــــــــــــــــــــــ
= القضاء، وقد أفتى سيد مشايخنا المحقّق البروجردي بعدم ترك الاحتياط في هذه الصورة، وتبعه بعض السادة في تعاليقه ، وقال: الأحوط بل الأقوى وجوب الأكثر في هذه الصورة.

يلاحظ عليه: أنّ استصحاب وجود المانع أي السفر لا يلازم وجوب القضاء بمعنى انّه ليس موضوعاً تاماً بشهادة انّه ربما يكون مسافراً ولا يجب عليه القضاء إمّا لفقد المقتضي كما إذا سافر المجنون أو المغمى عليه، أو لعدم مانعية المانع كصوم العاصي بسفره أو صوم كثير السفر، ومعه كيف يتمسك بالأعم ويثبت به الأخص، أعني: لزوم القضاء؟

فإن قلت: إنّ استصحاب السفر وإن كان لا يلازم وجوب القضاء لكون الأوّل أعمّ منه بشهادة الموارد المذكورة، لكن المفروض انّ الشخص ليس مجنوناً ولا مغمى عليه، ولا عاصياً بسفره ولا كثيره، ومع هذا الفرض يكون السفر ملازماً لوجوب القضاء.

قلت: إنّ الميزان في كون الشيء (السفر) موضوعاً للأثر أي وجوب القضاء هو نفسه بما هو هو لا مع ملاحظة الضمائم الخارجية التي تقيّد الموضوع وتجعله موضوعاً مساوياً للأثر، وهذا النوع من الاستصحاب من فروع الأُصول المثبتة، لحكم العقل بأنّ السفر، منضماً إلى هذه الشروط يلازم وجوب القضاء، دون الشرع.

وأمّا ما هو المرجع في المقام، فقد اختار السيد الحكيم بأنّ المرجع عندئذ ـ بعد سقوط استصحاب المانع عن الأثر ـ هو قاعدة الشك بعد خروج الوقت، أو أصالة الصحة إذا شكّ في صحته إذا صام وشكّ في صحته.(1)

يلاحظ عليه: أنّ مصب القاعدتين إنّما هو فيما إذا أحرز الأمر وشكّ في أصل =


1 . المستمسك:8/488.


(190)

المسألة 7: لا يجب الفور في القضاء ولا التتابع. نعم يستحبّ التتابع فيه وإن كان أكثر من ستة لا التفريق فيه مطلقاً أو في الزائد على الستّة.*

ــــــــــــــــــــــــ
= الإتيان أو في صحته، والمفروض عدم إحرازه، لاحتمال كونه مسافراً أو مريضاً أي امتداد المانع إلى يوم العشرين، وقد علمت أنّ المريضو المسافر لم يكتب عليهما الصوم في نفس الشهر وإنّما المكتوب عليهما هو الصوم في أيّام أُخر، ومع الشك في أصل الأمر، كيف يكون المرجع نفس القاعدتين؟!

والصحيح انّ المرجع هو الأصل الحكمي، أي عدم وجوب القضاء، وأمّا التمسّك بأصالة عدم الإتيان، فقد عرفت اختصاصه بما إذا كان الزمان أوسع من الفريضة دونما إذا كانا متساويين، فعندئذ يفقد الموردُ الحالة السابقة، لأنّه من أوّل الأمر مردّد بين كونه تاركاً أو صائماً و لم يكن في عمود الزمان لحظة يصدق عليه انّه تارك للصوم، كما مرّ.

*. في كيفية قضاء الصوم الفائت مسائل ذكرها المصنّف في ضمن مسائل، منها ما يلي:

1. الفورية أو جواز التراخي.

2. استحباب الموالاة وعدمه.

أمّا الأوّل، فقد نسب صاحبُ الحدائق عدمَ وجوب الفورية إلى مذهب الأصحاب، ولم يُنقل الخلاف إلاّمن أبي الصلاح حيث قال: يلزم من يتعيّن عليه فمرض القضاء بشيء من شهر رمضان، أن يبادر به أوّل أحوال الإمكان.(1) ويدل على قول المشهور روايات:

1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: إذا كان على الرجل شيء من =


1 . الكافي:184.


(191)

ــــــــــــــــــــــــ
= صوم شهر رمضان فليقضه في أيّ شهر شاء».(1)

2. صحيحة ابن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : من أفطر شيئاً من شهر رمضان في عذر فإن قضاه متتابعاً فهو أفضل، وإن قضاه متفرّقاً فحسن».(2)

وموردها وإن كان عدم وجوب الموالاة التي هي المسألة الثانية، لكن يستفاد من عدم وجوبها، جواز التأخير.

3. صحيح البختري عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : كنّ نساء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا كان عليهنّ صيام أخّرن ذلك إلى شعبان».(3)

***

وأمّا الثاني أي الموالاة في صوم القضاء فقد اختلفت كلمات أصحابنا في حكمه.

فذهب الشيخ إلى أنّ التتابع أفضل من تفريقه، وعليه ابن إدريس في السرائر حيث إنّه بعدما نقل الأقوال، قال: والأوّل (الإتيان به متتابعاً) هو الأظهر بين الطائفة وبه أفتي لأنّ الأصل يقتضيه.(4)

وقال السيد المرتضى: إنّه مخيّر بين المتابعة والتفريق. وعليه في «جمل العلم و العمل». وقال في «المسائل الناصرية»: عند أصحابنا انّه مخيّر بين التتابع والتفريق.

وقد سبقه في ذلك علي بن بابويه، حيث قال: أنت بالخيار إن شئت قضيت متتابعاً، وإن شئت قضيت متفرقاً.

وذهب بعضهم إلى أنّ الأفضل أن يأتي به متفرّقاً، وعليه المفيد في بدء كلامه =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5و4.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5و4.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 27 من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث 4.
4 . السرائر: 1/406.


(192)

ــــــــــــــــــــــــ
= حيث قال:

إن شاء قضاه متتابعاً، و إن شاء قضاه متفرقاً، أيّهما فعل أجزأه.

لكنّه في بيان وجه التفريق قال ما يظهر منه وجوبه، وإليك نصّ كلامه:

والوجه في ذلك انّه إن تابع بين الصيام في القضاء لم يكن فرقاً بين الشهر في وصفه وبين القضاء، فأوجبت السُّنّةُ الفصلَ بين الأيام ليقع الفرق بين الأمرين.

ونقل ابن إدريس عن بعض الأصحاب انّه فصل وقال : إن كان الذي فاته عشرة أيّام أو ثمانية فليتابع بين ثمانية أو بين ستة ويفرّق الباقي.

هذه هي الآراء المختلفة التي نقلها العلاّمة في المختلف(1) عن مصادرها. ولكن لا تنافي بين القول بأفضلية التتابع والتخيير بينه و بين التفريق.

نعم، من قال بأفضلية التفريق فقد خالف قول المشهور الذي هو أفضلية التتابع، وليس لهذه الأقوال مصدر إلاّ الروايات التي نتلوها عليك، فالمعتمد هي:

ما يدل على استحباب المتابعة

يدل على استحباب المتابعة أُمور:

1. قوله سبحانه:(فَاسْتَبِقُوا الخَيْرات).(2)

2. صحيحة ابن سنان الماضية ففيها:«فإن قضاه متتابعاً فهو أفضل، وإن قضاه متفرقاً فحسن».(3) =


1 . المختلف:3/550ـ 551.
2 . البقرة:148.
3 . الوسائل: 7،الباب26، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.


(193)

ــــــــــــــــــــــــ
= 3. ما رواه الصدوق في «الخصال» عن الأعمش، عن جعفر بن محمد ـ عليهما السَّلام ـ ـ في حديث شرائع الدين ـ قال: «والفائت من شهر رمضان إن قُضي متفرّقاً جاز، وإن قُضي متتابعاً كان أفضل».(1)

وأمّا صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا كان على الرجل شيء من صوم شهر رمضان فليقضه في أي شهر شاء أيّاماً متتابعة، فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء، وليحص الأيام، فإن فرّق فحسن فإن تابع فحسن».(2)

فصدرها يدلّ على لزوم المتابعة في مجموع ما عليه من القضاء، وعليه فلو كان عليه قضاء شهر كامل فاللازم هو المتابعة.

وأمّا ذيلها فيدلّ على أنّه إذا لم يستطع على المتابعة في مجموع ما عليه من قضاء الشهر فاضطر إلى تقسيم القضاء إلى مجموعات كعشرة وعشرة، فعندئذ فهو مخيّر بين التفريق والمتابعة.

وعلى كلّ حال فيحمل الصدر بقرينة رواية ابن سنان على الاستحباب لا اللزوم، وإلاّ فلو كانت المتابعة لازمة لم يكن مخيراً في أجزاء كلّ مجموعة بين التفريق والموالاة، بل كان عليه رعاية المتابعة في أجزاء المجموع أيضاً، لأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، فهذا آية استحباب المتابعة في مطلق قضاء شهر رمضان.

إلى هنا تمّ ما يدلّ على أفضلية المتابعة وقد عرفت أنّ صحيحة الحلبي لا تدلّ على وجوبها، وعلى فرض ظهورها في الوجوب يحمل على الاستحباب بقرينة رواية ابن إدريس والخصال.=


1 . الوسائل: 7، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11و 5.
2 . الوسائل: 7، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11و 5.


(194)

ــــــــــــــــــــــــ

= ما يدلّ على التخيير بين الموالاة والمتابعة

وهناك ما يدلّ على التخيير بين المتابعة والموالاة.

أ:ما كتبه الرضا إلى المأمون، قال: «وإن قضيت فوائت شهر رمضان متفرّقاً أجزأ».(1)

وهذا الحديث لا ينافي استحباب المتابعة.

ب: ما رواه سماعة، قال: سألته عمّن يقضي شهر رمضان منقطعاً؟قال: «إذا حفظ أيّامه فلا بأس».(2)

وهو أيضاً لا ينافي استحباب المتابعة.

ج: ما رواه سليمان بن جعفر الجعفري انّه سأل أبا الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان، أيقضيها متفرقة؟ قال: «لا بأس بتفرقة قضاء شهر رمضان، إنّما الصيام الذي لا يفرّق صوم كفّارة الظهار، وكفّارة الدم، وكفّارة اليمين».(3) وهو أيضاً كسابقيه لا ينافي استحباب المتابعة.

إلى هنا تمّ ما يدلّ على أفضلية المتابعة أو ما لا يخالفه.

بقي هناك ما يخالف قول المشهور، وهناك روايتان تخالفان بظاهرها قول المشهور.

الأُولى: ما رواها علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ـ عليهما السَّلام ـ قال: سألته عمّن كان عليه يومان من شهر رمضان كيف يقضيهما؟ قال: «يفصل بينهما بيوم، وإن كان أكثر من ذلك فليقضها متوالياً».(4)

وقد ترك الأصحاب العمل به. =


1 . الوسائل: 7، الباب26 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 9، 2، 8.
2 . الوسائل: 7، الباب26 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 9، 2، 8.
3 . الوسائل: 7، الباب26 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 9، 2، 8.
4 . الوسائل: 7، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 12.


(195)

المسألة 8: لا يجب تعيين الأيّام فلو كان عليه أيّام فصام بعددها كفى وإن لم يعيّن الأوّل والثاني وهكذا، بل لا يجب الترتيب أيضاً فلو نوى الوسط أو الأخير تعيّن ويترتّب عليه أثره.*

ــــــــــــــــــــــــ
= الثانية: ما يظهر من رواية عمّـار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الرجل تكون عليه أيام من شهر رمضان كيف يقضيها؟ فقال:«إن كان عليه يومان فليفطر بينهما يوماً، وإن كان عليه خمسة أيّام فليفطر بينها أيّاماً، وليس له أن يصوم أكثر من ستة (ثمانية) أيّام متوالية، وإن كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أفطر بينها يوماً».(1)

وقد أفتى بمضمونها المفيد في مقنعته مع تصرّفات في الرواية، قال: و قد روي عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، أنّه إذا كان عليه يومان فَصَلَ بينهما بيوم، وكذا إذا كان عليه خمسة أيّام وما زاد، فإن كان عليه عشرة أو أكثر تابع بين الثمانية الأيّام إن شاء ثمّ فرق الباقي.(2)

فقد أسقط المفيد الفقرة التالية: «وليس له أن يصوم أكثر من ستة أيّام متوالية» كما تصرّف أيضاً في بعض فقراتها، ولكن الرواية غير صالحة للاحتجاج، لما ذكره الشيخ من أنّ الأصحاب لا يعملون بمنفردات عمّار بن موسى الساباطي لضعفه في الحفظ والتأدية.

وقال المحدّث البحراني بعد نقل هذا الحديث: إنّه غريب كما هو الحال في كثير من أخبار عمّار.(3)

* قد تقدم انّ لقضاء شهر رمضان أحكاماً:

1. الفورية وعدمها. =


1 . الوسائل: 7، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 12، 6.
2 . المقنعة:359ـ 360.
3 . الحدائق:13/317.


(196)

ــــــــــــــــــــــــ
= 2. التتابع وعدمه.

وقد مضى الكلام فيهما مفصّلاً وبقي الكلام في حكمين آخرين، أعني:

3. وجوب تعيين الأيّام وعدمه.

4. لزوم الترتيب في القضاء وعدمه.

وهذان الحكمان لم يذكرهما المصنف في المقام، و إليك البحث فيهما.

أمّا تعيين الأيام وعدمه فهو فرع تحديد ما هو الواجب عليه، فهل وجب عليه صوم عدة أيام من شهر رمضان؟ أو وجب القضاء عن الأوّل والثاني، على نحو يكون قصده وقوعه عنهما جزء الواجب؟ فنقول:

إذا كان المكلّف به العملَ المعنون بإحدى العناوين القصدية التي لا تتحقق إلاّ بقصدها كالإتيان بأربع ركعات بما انّها صلاة ظهر أو عصر، أو الإتيان بركعتين بما انّهما نافلة أو فريضة، أو صلاة أداء أو قضاء فلا شكّ انّه يجب قصدها عند الامتثال وإلاّ فلم يمتثل المأمور به، والإتيان بأربع ركعات مشتركة بين الظهر والعصر، لا يُحسب لواحد منهما لتساوي نسبته إلى الفريضتين ، إنّما الكلام فيما إذا كان الواجب عليه صوم عدّة أيام من رمضان فقط من دون أن تُقيّد بكونه عن اليوم الأوّل والثاني و... فيكفي في ذلك، صوم يومين من ذلك الشهر قضاء، وما ذلك إلاّ لأجل أنّ ما عليه ليس إلاّ «صوم عدّة أيام من شهر رمضان» فقط، دون شيء آخر، والمفروض انّه أتى به والذي يميز الصوم الأوّل عن الثاني، هو توسط الليل بين اليومين، لا تقييد كلّ منهما بزمان خاص.

وعلى ما ذكر فتعيين الأيّام في مقام القضاء وإن كان أمراً ممكناً، لكنّه من قبيل «لزوم ما يلزم» إذ ليس واجباً ولا جزء الواجب، لأنّ فوت صوم اليوم الأوّل حيثية تعليلية، لا تقييدية، كعنوان المقدمة حيث إنّ كون الشيء مقدمة للواجب النفسي علة لتعلّق الوجوب بنفس المقدمة وذاتها. ومنه يظهر انّه لا وجه لقصد التعيين، لعدم كونه =


(197)

المسألة 9: لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعداً يجوز قضاء اللاّحق قبل السابق، بل إذا تضيّق اللاحق بأن صار قريباً من رمضان آخر كان الأحوط

ــــــــــــــــــــــــ
= واجباً، لا انّه لا يمكن قصده كما يظهر من الشارحين ـ قدَّس سرَّهما ـ .

وهذا نظير ما إذا استدان من زيد، مرّتين، في كل مرّة درهماً فالواجب عليه أداء درهمين، من دون لزوم تعيين سبب كلّ منهما. نعم لو كان لأحد الدينين رهن دون الآخر، فلا يفك الرهن إلاّإذا نوى به أداء ما معه الرهن وإلاّفنسبته إليهما على سواء.

هذا كلّه حول التعيين.

وأمّا الأمر الثاني أي رعاية الترتيب، فذهب العلاّمة في «التذكرة» إلى عدم وجوب الترتيب في قضاء الصوم بأن ينوي الأوّل فالأوّل، نعم يستحب ذلك . وقال الشهيد:«وهل يستحب الأوّل فالأوّل؟ فيه إشكال». وفي المدارك وجه الإشكال: من تساوي الأيّام في التعلّق بالدقة، مع انتفاء النص على تقديم بعضها على بعض، ومن سبق الأوّل في الذمّة فكان أولى بالمبادرة.(1) وأمّا الماتن فقد أفتى بعدم وجوبه، لكن لو نوى الوسط أو الأخير تعيّن وترتب عليه أثره.

أمّا عدم وجوبه لما عرفت من أنّ الواجب عليه «صيام عدّة أيام من شهر رمضان»، غير أنّ كل و احد من الأيّام ينفصل عن الآخر بتخلّل الليل وعليه لا يكون قصده واجباً، لما عرفت من أنّ الواجب أمر غير ملوّن بلون وغير مخصَّص بخصوصية سوى وجوب عدّة أيام من شهر رمضان.

نعم لو نذر انّه لو أخّر قضاء اليوم الثاني فعليه كذا، فلو ضاق الوقت، لزم عليه مخالفة الترتيب لأجل النذر، وهذا معنى قول المصنّف: «فلو نوى الوسط تعيّن و ترتّب الأثر».


1 . الحدائق: 13/318.


(198)

تقديم اللاّحق، ولو أطلق في نيّته انصرف إلى السابق وكذا في الأيّام.*

ــــــــــــــــــــــــ
* هنا فروع:

1. يجوز تقديم قضاء رمضان اللاحق على قضاء رمضان السابق.

2. إذا تضيّق اللاحق، الأحوط تقديم قضائه على السابق.

3. لو أطلق انصرف إلى السابق.

أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّ الملاك لعدم وجوب التعيين و الترتيب هو عدم كونهما دخيلين في المكلّف به، وانّ الواجب عليه هو صوم أيّام تعادل ما فات منه في شهر رمضان فقط.

وهذا الملاك موجود بعينه بين رمضانين أيضاً، فانّ الواجب عليه صوم أيّام بمقدار أيّام رمضانين قضاءً عنهما، من دون أن يكون لكونه بدلاً من رمضان الأوّل، أو الثاني مدخلية في المكلّف به وهذا لا بمعنى انّه لا يمكن نيته رمضان الأوّل، بل لعدم كونه واجباً ولذلك لو نوى قضاء اللاحق قبل السابق صحّ، ولكنّه أشبه بلزوم ما لا يلزم، وقد عرفت ما يُحقّق التعيين في المسألة السابقة.

أمّا الثاني: فإذا تضيق اللاحق بأن صار قريباً من رمضان ثالث كان الأحوط تقديم اللاحق، لو لم يكن أقوى، وذلك لأنّ الكفّارة تعلّقت بتأخير صوم رمضان السابق سواء أصام أم لا، وأمّا رمضان الثاني فهو على مقرُبة من تعلّقها بتأخير قضائه، فالأحوط بل الأقوى تقديم اللاحق، لئلاّ تتعلّق به الكفارة حيث إنّها آية العصيان لأجل انّه تكفر الذنب، ولذلك قلنا الأقوى مكان الأحوط، وسيوافيك الكلام في المسألة الثامنة عشرة.

وأمّا الثالث: أي إذا أطلق في نيّته، انصرف إلى السابق.

المراد من الانصراف هو انّه يحسب للسابق دون اللاحق، وذلك لما عرفت من أنّ =


(199)

المسألة 10:لاترتيب بين صوم القضاء وغيره من أقسام الصوم الواجب كالكفّارة والنذر ونحوهما. نعم لا يجوز التطوّع بشيء لمن عليه صوم واجب كمامرّ.*

ــــــــــــــــــــــــ
= الواجب عليه صوم عدّة أيام تعادل أيام رمضانين قضاء عنهما، فإذا كان لأحد القضاءين أثر خاص دون الآخر، كما في المقام حيث إن ترك قضاء رمضان الثاني يوجب تعلّق الكفّارة بتأخيره دون الأوّل، فاحتسابه للثاني دون الأوّل، يحتاج إلى دليل، وإلاّفينطبق على الجامع الطبيعي الصالح للانطباق لواجد الخصوصية وفاقدها، وقد سبق انّه إذا كان لأحد الدينين رهن دون الآخر، فأدّى ما يمكن أن ينطبق على كلّ منهما بلا نيته، فلا يحسب للثاني وبالتالي لايفكّ الرهن ، لأنّ إرجاعه إلى ماله الرهن يحتاج إلى النية وإلاّينطبق على الجامع الصالح للانطباق على كلا الدينين.

* هنا فرعان:

1. إذا كان عليه صوم قضاء رمضان وغيره كالنذر فلا ترتيب بينهما.

2. لا يجوز التطوع بشيء لمن عليه صوم واجب.

أمّا الأوّل فالمشهور على عدم وجوب الترتيب، لعدم الدليل على تقديم قضاء رمضان على غيره إلاّإذا ضاق وقت القضاء فيقدّمه لأجل الفرار عن العصيان والكفارة. نعم نقل العلاّمة في المختلف عن ابن أبي عقيل انّه قال: لا يجوز صوم عن نذر أو كفارة لمن عليه قضاء من شهر رمضان حتى يقضيه.(1)

وأمّا الفرع الثاني، فقد مضى الكلام فيه في المسألة الثالثة في فصل شرائط صحّة الصوم فراجع.


1 . مختلف الشيعة:3/560.


(200)

المسألة 11: إذا اعتقد أنّ عليه قضاء فنواه ثمّ تبيّن بعد الفراغ فراغ ذمّته لم يقع لغيره، وأمّا لو ظهر له في الأثناء فإن كان بعد الزوال لا يجوز العدول إلى غيره وإن كان قبله فالأقوى جواز تجديد النيّة لغيره وإن كان الأحوط عدمه.*

ــــــــــــــــــــــــ
*. إذا كان عليه صوم قضاء وكفّارة فنوى الأوّل وقد تبيّن فراغ ذمته فهل يقع لغيره، أعني: الكفارة أو لا؟ للمسألة صور:

1. إذا تبيّن بعد الفراغ عن الصوم.

2. إذا تبيّن قبل الزوال.

3. إذا تبيّن بعده.

أمّا الأوّل فلا يقع عن الكفّارة، وذلك لأنّ تعدد الأمر كاشف عن أخذ قيد في المأمور به، يُميّز أحدهما على الآخر كعنواني القضاء والكفّارة، فلا يسقط إلاّ بقصد أمره الذي لا يتحقّق إلاّ بقصد العنوان المأخوذ فيه والمفروض انّه لم يقصده، وما قصده لم يكن واجباً.

نعم لو كان الصائم بصدد امتثال ما هو الواجب عليه أوّلاً وبالذات، لكنّه تخيّل انّ الواجب هوالقضاء، أو انّه أيضاً واجب لم يبعد وقوعه عن الواجب إذا كان منحصراً فيه.

2. إذا تبيّن له قبل الزوال، فقد مرّ (1) انّه يمتدّ وقت النيّة إلى الزوال في الواجب المعيّن عند الجهل والنسيان وفي غير المعيّن ، مطلقاً.

3. إذا تبيّن بعد الزوال فلا محل للعدول للواجب معيّناً كان أو غير معيّن، نعم يصح له العدول إلى الصوم المندوب لامتداد وقت نيته إلى قبيل الغروب.


1 . راجع الجزء الأوّل: الفصلالأوّل، المسألة 12.


(201)

المسألة 12: إذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو نفاس ومات فيه لم يجب القضاء عنه، ولكن يستحب النيابة عنه في أدائه، والأولى أن يكون بقصد إهداء الثواب.*

ــــــــــــــــــــــــ
* من فاته شهر رمضان لعذر كالمرض و الحيض والنفاس، إن برأ بعد فواته وتمكّن من القضاء ولم يقضه وجب على وليّه القضاء ـ كما سيأتي ـ إنّما الكلام فيمن إذا لم يبرأ سواء مات في شهر رمضان أو استمر مرضه، فهنا فرعان:

1. سقوط وجوب القضاء عن الوليّ.

2. استحباب القضاء.

أمّا الأوّل فقال الشيخ: إذا أفطر رمضان ولم يقضه، ثمّ مات، فإن كان تأخيره لعذر، مثل استمرار المرض، أو سفر لم يجب القضاء عنه ولا الكفّارة. وبه قال الشافعي، وقال قتادة: يطعم عنه.

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضاً بأنّ إيجاب ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدلّ على ذلك.(1) وكان عليه أن يضيف عليه تضافر الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على عدم وجوب القضاء على الوليّ كما هو دأبه في أكثر الموارد.

ثمّ إنّ الشيخ عطف استمرار السفر على الأعذار الثلاثة، وسيأتي الكلام فيه في المسألة الثالثة عشرة، وعلى كلّ تقدير إنّ عدم وجوب القضاء أمر اتفاقي، ولو كان كلام فإنّما هو في الفرع الثاني. ويدلّ على عدم الوجوب روايات:

1. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما ـ عليهما السَّلام ـ قال: سألته عن رجل أدركه شهر رمضان، وهو مريض فتُوفّي قبل أن يبرأ؟ قال: «ليس عليه شيء، ولكن يُقضى عن الذي يبرأ ثمّ يموت قبل أن يقضي».(2) =


1 . الخلاف: 2، كتاب الصوم، المسألة 64.
2 . الوسائل: الجز7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 2.


(202)

ــــــــــــــــــــــــ
= 2. موثّق سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل دخل عليه شهر رمضان وهو مريض لا يقدر على الصيام فمات في شهر رمضان أو في شهر شوال قال: «لا صيام عليه ولا يُقضى عنه» قلت: فامرأة نفساء دخل عليها شهر رمضان ولم تقدر على الصوم، فماتت في شهر رمضان أو في شوال؟ فقال: «لا يُقضى عنها».(1) والمراد موته في شوال قبل أن يقدر بقرينة الجملة المتقدمة عليه.

3. صحيحة أبي مريم الأنصاري (عبد الغفار بن القاسم بن قيس، الثقة) عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:« إذا صام الرجل شيئاً من شهر رمضان ثمّ لم يزل مريضاً حتى مات، فليس عليه شيء...».(2)

4. صحيح أبي حمزة (ثابت بن دينار الثقة الثمالي) عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يُقضى عنها؟ قال:« أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(3)

إلى غير ذلك من الروايات الّتي نقلها الحرّ العاملي في الباب الثالث والعشرين، فلاحظ.

وأمّا الفرع الثاني: وهو ما أفتى به المصنِّف من استحباب النيابة عنه في أدائه، وقد نسبه في الحدائق إلى جمع من الأصحاب وانّ العلاّمة أسنده في «المنتهى» إلى الأصحاب مؤذناً بدعوى الاتّفاق عليه.(4)

وما ادّعى من الاتّفاق غير ثابت، مع ظهور النصّ في عدم المشروعية، روى الكليني في الصحيح أو الموثّق عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: «هل برئت =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث: 10، 7، 4.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث: 10، 7، 4.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث: 10، 7، 4.
4 . الحدائق: 13/300.


(203)

ــــــــــــــــــــــــ
= من مرضها؟» قلت: لا، ماتت فيه، قال: «لاتقضي عنها، فانّ اللّه لم يجعله عليها»، قلت: فإنّي اشتهي أن أقضي عنها وقد أَوصتني بذلك؟ قال: «كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّه عليها؟! فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم».(1) فأي تعبير أصرح في نفي المشروعية من قوله: «كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّه عليها».أي لم يجعل اللّه القضاء عليها. والضمير في الفعل يرجع إلى القضاء لا الصوم.

وربما يحتمل إمكان استفادة المشروعية من دليل مشروعية القضاء بضميمة ما دلّ على مشروعية النيابة فيه. ولا تنافيه النصوص المتقدّمة الدالّة على نفي القضاء، إذ هي بين ما يدل ّعلى عدم الوجوب على الميّت و ما يدلّ على عدم الوجوب على النائب ولا تعرض فيها لنفي المشروعية، والصحيح يحتمل أن يكون المراد منه، المنع من القضاء بعنوان كونه ثابتاً عليها =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 12.


(204)

ــــــــــــــــــــــــ
= وتفريغاً لذمّتها حسب ما يظهر من وصيتها بذلك لا مجرد الفعل عنها، بل لعل قوله ـ عليه السَّلام ـ «فإن اشتهيت...» يراد منه مشروعية ذلك، وانّه لا بأس بأن تصوم عنها لنفسك لا بداعي وصيّتها.(1)

يلاحظ عليه: أنّ التمسّك بأدلّة القضاء فرع إحراز اشتغال ذمّته به حتى يقال: «اقض ما فات كما فات» كما أنّ التمسّك بدليل النيابة إنّما هو فيما إذا أحرز كونه صالحاً للنيابة، وهو فرع اشتغال ذمّته بما ينوب فيه ومع الشك يكون التمسّك بهما من قبيل التمسّك بالدليل في الشبهة المصداقية .

على أنّ الروايات الماضية لا تبُقي شكّاً في عدم اشتغال ذمّته للقضاء حتى ينوب عنه نائب.

وحمل قوله: «لا تقضي عنها» على المنع من القضاء بعنوان كونه ثابتاً عليها وتفريغاً لذمّتها خلاف الظاهر، فانّ الظاهر من تلك الفقرة بقرينة قوله:«كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّه تعالى عليها» هو نفي الجعل والتشريع نظير قوله تعالى : (ما جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّين مِنْ حَرَج).(2)

وأضعف منه حمل قوله: «فإن اشتهيت...» على مشروعية النيابة وانّه لا بأس بأن تصوم عنها لنفسك لا بداعي وصيّتها، ذلك لأنّ الإمام بعد صرفه عن الصوم عنها، أحسّ انّ له رغبة في الصوم، ففتح أمامه طريقاً، وهو أن يصوم لنفسه وبذلك يُرضي رغبته إلى تلك العبادة.

وبذلك تبيّن انّ المتعيّن ماقاله الماتن في قوله: «والأولى أن يكون بقصد إهداء الثواب» لما دلّت الأدلّة على أنّ الموتى ينتفعون بعمل الأحياء إذا أهدوا ثواب عملهم إليهم، وأمّا دلالة قوله :«فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم»على ذلك فموضع تأمّل، والأولى الاستناد إلى الأدلّة العامّة كما قلناه.

حكم السفر

إذا فات الصوم في السفر ولم يتمكّن من القضاء حتى مات، فهل يجب على الولي القضاء عنه أو لا؟

ذهب الشيخ في «النهاية» إلى سقوط القضاء حيث قال: وكذلك (مثل المريض) إن كان قد فاته شيء من الصيام في السفر، ثمّ مات قبل أن يَقضي وكان متمكّناً من القضاء وجب على وليّه أن يصوم عنه.(3) حيث قيّد القضاء بالتمكّن منه فخرج ما لم =


1 . المستمسك: 8/ 495 ـ 496.
2 . الحج:78.
3 . النهاية:157.


(205)

ــــــــــــــــــــــــ
= يتمكّن، و نقل ذلك القول عن المحقّق والعلاّمة.(1) و به قال الشهيدان في «الروضة» قال الشهيد الأوّل: «وفي القضاء عن المسافر خلاف أقربه مراعاة تمكّنه من المقام والقضاء».

وقال الشهيد الثاني في شرحه:ولو بالإقامة في أثناء السفر كالمريض.(2) واستقواه في «المسالك» كما سيوافيك.

وذهب المحقّق إلى عدم سقوط القضاء وقال: ولا يقضي الولي إلاّ ما تمكّن الميت من قضائه وأهمله إلاّما يفوت بالسفر فانّه يُقضى ولو مات مسافراً على رواية.

وقال الشهيد في شرح الشرائع:ويشكل الفرق في السفر الواجب، ومن ثمّ ذهب جماعة من الأصحاب إلى اعتبار التمكّن من القضاء في وجوب القضاء عنه، كغيره ولو بالإقامة في أثناء السفر، وهو الأقوى. وقد فسّر قول المحقّق «على رواية» برواية «منصور ابن حازم»(3)، فحكم بعدم صحة سندها.

الظاهر عدم وقوف القائلين بعدم الوجوب على ما دلّ على وجوبه من صحيح وموثّق، وقد غفل الشيخ عنها، كما زعم المحقّق وجود رواية واحدة، واستضعفها الشهيد كما عرفت غير انّ ما يدل على القضاء أكثر وفيه الصحيح والموثّق نظير:

1. صحيح أبي حمزة الثمالي في جواب سؤال الراوي:طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يُقضى عنها؟ قال: «أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(4)

2. موثّق محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في امرأة مرضت في شهر رمضان =


1 . نقله صاحب الحدائق عن المهذب لابن فهد عنهما.
2 . الروضة: 2/ 123 ـ 124.
3 . المسالك:2/63.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.


(206)

ــــــــــــــــــــــــ
= أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان هل يُقضى عنها؟ فقال: «أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(1)

3. موثّق أبي بصير: قال سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(2)

4. خبر منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت؟ قال: «يقضى عنه...»(3) وفي السند محمد بن الربيع وهو لم يوثّق.

وأمّا وجه التفريق بين المرض والسفر، فلعله أنّ المرض والطمث من اللّه عزّوجل وهو أعذر لعبده . وقد قال ـ عليه السَّلام ـ : «كلّما غلب اللّه عليه فليس على صاحبه شيء»، «أو كلّما غلب اللّه فاللّه أولى بالعذر».(4) وهذا بخلاف السفر فانّه من المكلّف غالباً. وبناء الأحكام على الغالب لا على الاستيعاب.

وربما يستدلّ للقول الآخر بما ورد في صحيح أبي بصير: «لا يُقضى عنها ، فإنّ اللّه لم يجعله عليها» حيث إنّ العلّة موجودة في مورد المسافر حيث إنّه سبحانه لم يجعل الصوم عليه لما مرّ في تفسير قوله سبحانه (وَمَن كانَ مَرِيضاً أو على سَفَر فَعِدّةٌ مِنْ أيّام أُخَر).(5) من أنّ المكتوب عليهما هو الصيام في غير هذا الشهر.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على عود الضمير إلى الصوم، لكنّه خلاف الظاهر بل يرجع إلى القضاء المفهوم من قوله: «لا يقضي عنها» فيختص التعليل بالمريض، إذ لا نعلم بعدم جعله على المسافر. نعم لو رجع الضمير إلى الصوم كان للاستدلال وجه لكن المرجع بعيد و على فرض الصحّة فهو إشعار، لا يقاوم أمام الصحاح كما عرفت.


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 16، 11، 15.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 16، 11، 15.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 16، 11، 15.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3، 6.
5 . البقرة:186.


(207)

المسألة 13: إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر واستمرّ إلى رمضان آخر، فان كان العذر هو المرض سقط قضاؤه على الأصحّ وكفّر عن كلّ يوم بمدّ والأحوط مدّان ولا يجزي القضاء عن التكفير .نعم الأحوط الجمع بينهما، وإن كان العذر غير المرض كالسفر ونحوه فالأقوى وجوب القضاء، وإن كان الأحوط الجمع بينه وبين المدّ، وكذا إن كان سبب الفوت هو المرض وكان العذر في التأخير غيره مستمرّاً من حين برئه إلى رمضان آخر أو العكس فإنّه يجب القضاء أيضاً في هاتين الصورتين على الأقوى والأحوط الجمع خصوصاً في الثانية.*

ــــــــــــــــــــــــ
*هنا فروع :

1. إذا فاته شهر رمضان للمرض واستمر إلى رمضان آخر.

2. إذا فاته شهر رمضان للسفر واستمر إلى رمضان آخر.

3. إذا كان العذر ملفّقاً منهما، كما إذا مرض في شهر رمضان وبرأ وكان العذر في التأخير سفره إلى رمضان آخر.

4. عكس الصورة الثالثة: فاته شهر رمضان للسفر، و كان العذر في التأخير هو المرض إلى رمضان آخر.

وإليك البحث في كلّ واحد تلو الآخر.

أمّا الفرع الأوّل: أعني استمرار المرض من رمضان إلى رمضان آخر.

فهنا أقوال:

الأوّل: و هو المشهور سقوط القضاء ووجوب الكفّارة بمدّ. وعليه الشيخ في النهاية والمبسوط.(1) =


1 . النهاية:158; المبسوط:1/286.


(208)

ــــــــــــــــــــــــ
= فقال في الأوّل : فإن فات المريض صوم شهر رمضان واستمر به المرض إلى رمضان آخر ولم يصح بينهما صام الحاضر و تصدّق عن الأوّل عن كلّ يوم بمدين من طعام.

وقد نقل هذا القول عن ابن الجنيد، و علي بن بابويه في رسالته، و ابنه في المقنع، وابن البراج ، وابن حمزة.(1) و على ذلك لا يغني القضاء عن الكفّارة كما ذكره الماتن.

الثاني: وجوب القضاء دون الصدقة. و نقل عن ابن أبي عقيل، و أبي الصلاح و ابن إدريس.(2)

الثالث: الجمع بين القضاء والكفّارة. وقد حكاه الشهيد عن ابن الجنيد في الدروس مع أنّ العلاّمة حكى عنه القول الأوّل، وعلى أيّ تقدير فقد جعله المصنّف أحوط الأقوال.

دليل القول الأوّل

إنّ مقتضى إطلاق الآية المباركة هو وجوب القضاء سواء استمر المرض أو لا، ولكن الروايات المتضافرة دلّت على عدم وجوبه وبذلك يُخصَّص إطلاقها، وقد قلنا في محلّه بأنّ الكتاب لا يخصَّص إلاّ بخبر متواتر أو متضافر، لا بخبر الواحد. وإليك بعض ما يدلّ عليه:

1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض ولا يصحّ حتى يدركه شهر رمضان آخر. قال: «يتصدّق عن الأوّل، ويصوم الثاني، فإن كان صحّ فيما بينهما و لم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر =


1 . المختلف: 3/517 ـ 518 و أمّا عبارة الشيخ في الخلاف فغير واضحة و لذلك لم ننسب إليه شيئاً.
2 . المختلف: 3/517 ـ 518 و أمّا عبارة الشيخ في الخلاف فغير واضحة و لذلك لم ننسب إليه شيئاً.


(209)

ــــــــــــــــــــــــ
= صامهما جميعاً ويتصدّق عن الأوّل».(1)

2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال:«من أفطر شيئاً من شهر رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخر وهومريض فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم، فأمّا أنا، فإنّي صمت وتصدّقت».(2)

والصحيحة تدل على استحباب الجمع بين القضاء والصدقة بشهادة أنّه نسب الجمع إلى نفسه.

3. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه ـ عليهما السَّلام ـ ، قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر ، قالا: «... و إن كان لم يزل مريضاً حتى أدركه رمضان آخر، صام الذي أدركه وتصدّق عن الأوّل لكلّ يوم مدّعلى مسكين وليس عليه قضاؤه».(3)

4. رواية أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثمّ أدركه شهر رمضان قابل؟ قال:«وإن تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكلّ يوم مسكيناً».(4)

إلى غير ذلك من الروايات الدالة على ذلك، كرواية الصدوق في العلل وكتاب عيون الأخبار(5) وما رواه العياشي(6)، و الفقه الرضوي.(7)

وبذلك تبيّن انّ الواجب عليه هو التكفير وانّ الجمع بين القضاء والتكفير هوالمستحب كما يعلم من فعل الإمام. =


1 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام صوم شهر رمضان، الحديث 2.
2 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام صوم شهر رمضان، الحديث 4، 1.
3 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام صوم شهر رمضان، الحديث 4، 1.
4 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام صوم شهر رمضان، الحديث 3.
5 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام صوم شهر رمضان، الحديث 8، 11.
6 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام صوم شهر رمضان، الحديث 8، 11.
7 . لاحظ فقه الرضا: 25.


(210)

ــــــــــــــــــــــــ
= وبهذه الروايات يخصص عموم الكتاب أو إطلاقه.

حجة القول الثاني

استدلّ للقول الثاني أي وجوب الصوم دون الكفارة برواية «أبي الصباح الكناني» حيث سأل السائل و قال:

عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثمّ أدركه شهر رمضان قابل، و لمّا كان السؤال ذا صور مختلفة، لأنّه لم يذكر انّه صحّ بينهما أو مرض، بل اكتفى بأنّه عليه صوم رمضان، ولم يقض حتى أدركه رمضان آخر فعند ذلك ذكر الإمام صوره المختلفة بالنحو التالي:

1. عليه أن يصوم و أن يطعم كلّ يوم مسكيناً.

2. فإن كان مريضاً فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل، فليس عليه إلاّالصيام إن صحّ.

3. وإن تتابع المرض عليه فلم يصحّ، فعليه أن يطعم لكلّ يوم مسكيناً.

هذه هي الفقرات الثلاث للحديث، فلندرس معانيها.

أمّا الأُولى، فهي راجعة لمن لم يكن مريضاً أصلاً، أو كان ولكن برأ بين رمضانين وتوانى ولم يقض، فوجب عليه القضاء والكفّارة.

وأمّا الفقرة الثانية فبما أنّها أوجبت القضاء فقط دون الكفّارة ، فلا يصحّ حملها لمن صحّ بين رمضانين، لاستلزامه جواز الاكتفاء بالقضاء، وهو خلاف المشهور كما سيأتي في المسألة الرابعة عشرة، فلابدّ أن تحمل على مورد البحث، وهو إذا صحّ في نهاية السنة وبداية شهر رمضان القابل. وعليه يكون معنى قوله: «فليس عليه إلاّالصيام إن صحّ» هو الصحّة عند شهر رمضان الثاني أو بعده لا بين السنة. =


(211)

ــــــــــــــــــــــــ
= وأمّا الفقرة الثالثة التي اكتفى فيها بالإطعام، فهي راجعة إلى استمرار المرض في رمضان الثاني وبعده سنتين أو أكثر.

وبذلك يعلم أنّ ما أجاب به المحقّق الخوئي من حمل الفقرة الثانية على ما إذا مرض بعض أيّام السنة لا جميعها، غير تام، لكونه مخالفاً للمجمع عليه، فإنّ من مرض بعض أيّام السنة ولم يصم يجب عليه القضاء والكفّارة.

ويمكن أن يجاب بأنّه خبر واحد لا يقاوم بالمتضافر من الروايات التي قد عرفتها. أضف إلى ذلك انّه يحتمل تطرق التحريف إلى الرواية، في نفس المضمون جاء في رواية محمد بن مسلم(1)، وهو مطابق لما عليه المشهور من كفاية الفدية دون لزوم الإتيان بالقضاء.

حجّة القول الثالث

احتجّ للقول الثالث بموثّقة سماعة، قال: سألته عن رجل أدركه رمضان و عليه رمضان قبل ذلك لم يصمه؟ فقال: «يتصدّق بدل كلّ يوم من الرمضان الذي كان عليه بمدّ من طعام، وليصم هذا الذي أدرك، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فإنّي كنت مريضاً فمرّ عليّ ثلاث رمضانات لم أصح فيهنّ ثمّ أدركت رمضان آخر فتصدّقت بدل كلّ يوم ممّا مضى بمدّ من طعام، ثمّ عافاني اللّه تعالى وصُمتهنّ».(2)

ولكن الرواية محمولة على الاستحباب بقرينة عدم ورودها فيما مرّ من الروايات المتضافرة أوّلاً، وبشهادة رواية عبد اللّه بن سنان ثانياً حيث إنّ الإمام قال: «فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم، فأمّا أنا فانّي صمت وتصدّقت».(3) =


1 . الوسائل: ج7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.
2 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5، 4.
3 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5، 4.


(212)

ــــــــــــــــــــــــ
= فالرواية دليل على أنّ الحكم العام هو التصدّق، وأمّا الفرد الأفضل هو الجمع. وإلاّ لم يخص الصوم لنفسه بعد كونه فريضة عامة.

هذا كلّه حول الصورة الأُولى، وقد عرفت أنّ الواجب هو التكفير والجمع بينهما هو الأفضل.

و أمّا مقدار الكفّارة فهو المدّ كما اشتملت عليه النصوص.(1)

و أمّا المدّان، فليس له سند صالح سوى ما حكي من أنّ الوارد في حديث سماعة لفظة «مدّين»، ولكن الموجود في نسخة الوسائل وغيرها هو لفظة «مدّ» مفرداً.

الصورة الثانية

إذا كان العذر غير المرض كالسفر المستمر من رمضان إلى رمضان آخر، فالمرجع فيه هو الكتاب القاضي بوجوب القضاء فيمن أفطر في سفر سواء كان مستمراً أو لا، واختصاص النصوص بالمرض كما عرفت.

نعم ، روى الصدوق في العلل والعيون عن الفضل بن شاذان، عن الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال:إن قال: فلِمَ إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره أو لم يقو من مرضه حتّى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للأوّل وسقط القضاء، وإذا أفاق بينهما أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء؟ قيل...(2)

ولكن الاحتجاج به غير صحيح، لأنّه خبر واحد لا يجوز تخصيص الكتاب به، أضف إلى ذلك أنّ في طريق الفقيه إلى الفضل بن شاذان راويين مهملين، وهما: عبد =


1 . لاحظ الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 6، 9، 10، 11.
2 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 8.


(213)

ــــــــــــــــــــــــ
= الواحد بن عبدوس، وعلي بن محمد بن قتيبة النيشابوري، و هما مهملان.

نعم، طريق الشيخ في التهذيبين إلى الفضل صحيح.

والعمدة في ذلك انّه خبر واحد لا يقاوم دلالة القرآن الكريم.

الصورة الثالثة

إذا كان سبب الفوت هو المرض وكان السبب الموجب للتأخير من لدن برئه إلى حلول رمضان آخر عذراً غيره كالسفر ونحوه، فالمرجع فيه أيضاً هو الكتاب، والنصوص مختصّة بما إذا كان المانع من القضاء هو المرض، بخلاف المقام فانّ المانع هو السفر دون المرض.

إلى هنا تبيّن انّ الواجب في الصورة الأُولى هو التكفير، وأمّا الصورة الثانية والثالثة فالواجب هو القضاء، وأمّا التكفير فليس عليه دليل، لما عرفت من عدم ورود النص في هاتين الصورتين. و أمّا القضاء فهو نتيجة إطلاق الكتاب.

والحاصل: انّه إذا كان سبب الفوت والتأخير هو السفر أو كان السبب للإفطار هو المرض والسبب للتأخير هو السفر، فالواجب هو القضاء وإن كفَّر معه فهو أفضل.

الصورة الرابعة

لو افترضنا انّ سبب الإفطار هو السفر، والسبب الموجب للتأخير هو المرض المستمر بين رمضانين، فهي أيضاً كالصورتين السابقتين يجب فيها القضاء دون الكفارة، لعدم ورود النص فيها وشمول إطلاق الآية بالنسبة إلى هذه الصورة في الحكم بالقضاء.

وربما يقال بأنّ إطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان يشمل هذه الصورة حيث قال: «من أفطر شيئاً من رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخر وهو مريض فليتصدق =


(214)

ــــــــــــــــــــــــ
= بمدّ لكلّ يوم، فأمّا أنا فإنّي صمت وتصدّقت».(1)

فانّ العذر يعم المرض وغيره بمقتضى الإطلاق، كما أنّ ظاهرها ولو بمعونة عدم التعرض لحصول البرء في البين استمرار المرض بين الرمضانين . ومع الغض والتنزّل عن هذا الاستظهار فغايته الإطلاق لصورتي استمرار المرض وعدمه، فيقيد بما دلّ على وجوب القضاء لدى عدم الاستمرار. فلا جرم تكون الصحيحة محمولة ـ بعد التقييد ـ على صورة الاستمرار.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من العذر هو المرض الذي صار سبباً للفوت والتأخير، والدليل عليه قوله بعده: «ثمّ أدرك رمضان آخر وهو مريض»، فانّ الجملة الاسمية دالة على الثبوت والاستمرار، أي أدركه على النحو الذي أدرك الشهر الأوّل، مضافاً إلى رواية سماعة حيث إنّ الإمام يحكي مضمون ما ورد في هذا الحديث، ويقول: فإنّي كنت مريضاً فمرّ عليّ ثلاث رمضانات لم أصح منهنّ ثمّ أدركت رمضان آخر فتصدّقت بدل كلّ يوم بما مضى بمدّ من طعام، ثمّ عافاني اللّه تعالى وصمتهن.(2)

والرواية صريحة في أنّ عذره ـ عليه السَّلام ـ جميع السنوات الثلاث، كان هو المرض، و يكون هذا كقرينة على أنّ المراد من قوله في رواية عبد اللّه بن سنان: «من أفطر شيئاً من رمضان في عذر» هو المرض، على أنّك عرفت أنّ المحكَّم في المقام هو إطلاق الآية، وخبر الواحد لا يصلح للتخصيص أو التقييد.

فالأقوى في جميع الصور الثلاث الأخيرة هو القضاء ، وأمّا الكفّارة فلا دليل عليه.


1 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.
2 . الوسائل: 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5.


(215)

المسألة 14: إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر بل كان متعمّداً في الترك ولم يأت بالقضاء إلى رمضان آخر وجب عليه الجمع بين الكفّارة والقضاء بعد الشهر، وكذا إن فاته لعذر ولم يستمرّ ذلك العذر بل ارتفع في أثناء السنة و لم يأت به إلى رمضان آخر متعمّداً وعازماً على الترك أو متسامحاً واتّفق العذر عند الضيق فإنّه يجب حينئذ أيضاً الجمع وأمّا إن كان عازماً على القضاء بعد ارتفاع العذر فاتّفق العذر عند الضيق فلا يبعد كفاية القضاء لكن لا يترك الاحتياط بالجمع أيضاً، ولا فرق فيما ذكر بين كون العذر هو المرض أو غيره. فتحصّل ممّا ذكر في هذه المسألة وسابقتها أنّ تأخير القضاء إلى رمضان آخر إمّا يوجب الكفّارة فقط وهي الصورة الأُولى المذكورة في المسألة السابقة، وإمّا يوجب القضاء فقط وهي بقيّة الصور المذكورة فيها، وإمّا يوجب الجمع بينهما وهي الصور المذكورة في هذه المسألة، نعم الأحوط الجمع في الصور المذكورة في السابقة أيضاً كما عرفت.*

ــــــــــــــــــــــــ
* الموضوع في هذه المسألة من لم يستمرّ به العذر، بل ارتفع أثناء السنة ولكنّه لم يأت بالقضاء . ومحور البحث، هو وجوب كفّارة تأخير القضاء وعدمه، لا القضاء ولا كفّارة الإفطار بلا عذر فانّهما خارجان عن محط البحث وله أقسام ثلاثة:

1. إذا أفطر في شهر رمضان عصياناً، ولم يأت بالقضاء إلى رمضان آخر.

2. إذا أفطر في شهر رمضان لعذر وارتفع العذر في أثناء السنة ولم يأت به إلى رمضان آخر، عامداً أو متسامحاً واتّفق العذر عند الضيق.

3. إذا أفطر في شهر رمضان لعذر عازماً على القضاء بعد ارتفاعه لكن اتّفق العذر عند الضيق.

ظاهر كلام المصنّف وجوب الكفّارة في الفرع الأوّل في عامّة صوره حتى وإن كان عازماً على القضاء لكن اتّفق العذر عند الضيق، والتفصيل ـ فيما إذا فاته الصوم لعذر ـ بين ما إذا ترك القضاء عامداً أو متوانياً واتّفق العذر عند الضيق، وما إذا كان عازماً =


(216)

ــــــــــــــــــــــــ
= لكن اتّفق العذر عند الضيق. غير انّ إقامة الدليل على الإطلاق في الأوّل (إذا فات صوم شهر رمضان لا لعذر) وعلى التفصيل في الثاني (إذا ترك لعذر) مشكل. وليس فيما وقفت عليه من الروايات إشارة إلى التفصيل بين التارك عصياناً والتارك لعذر.

وعلى كلّ تقدير فقد ذهب ابن بابويه وابنه إلى وجوبها مطلقاً بلا تفصيل بين التواني وغيره قال الصدوق:ومتى صح بينهما، ولم يقض وجب القضاء والصدقة.(1) وهوخيرة ابن أبي عقيل.(2)

2. عدم وجوبها مطلقاً، وهو خيرة ابن إدريس قال: والذي اعتقده وأفتي به سقوط الكفارة عمّن أوجبها عليه، لأنّ الأصل براءة الذمة من العبادات والتكاليف، وإخراج الأموال إلاّ بالدليل الشرعي القاطع للأعذار. والقرآن والسنّة المتواترة خالية عن هذه الكفّارة ، والإجماع غير منعقد على وجوبها، لأنّ أكثر أصحابنا لا يذهبون إليها ولا يودونها في كتبهم مثل الفقيه سلاّر والسيد المرتضى وغيرهما، ولا يذهب إلى وجوب الكفّارة في هذه المسألة إلاّالشيخان.(3)

3. ما اختاره الشيخان، و أبو الصلاح من التفصيل(4) بين التواني، فيجب الجمع بين الكفّارة والقضاء; وعدمه، فيجب القضاء فقط، وهو خيرة المصنّف.

وتدلّ على التفصيل روايات ثلاث:

1. محمد بن مسلم قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر؟ فقالا: «إن كان برأ ثم توانى قبل أن يدركه رمضان آخر، صام الذي أدركه وتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام على مسكين و عليه قضاؤه، وإن كان لم يزل مريضاً =


1 . المقنع:64.
2 . المختلف:3/523.
3 . السرائر: 1/397.
4 . المختلف:3/523.


(217)

ــــــــــــــــــــــــ
= حتى أدركه رمضان آخر، صام الذي أدركه وتصدّق عن الأوّل لكلّ يوم مدّ على مسكين وليس عليه قضاؤه».(1)

قال العلاّمة:وتعليق الصدقة على التواني يشعر بالعلّية، لأنّه وصف صالح و قد قارن حكماً يحسن ترتّبه عليه فكان علّة فيه ينتفي بانتفائه، و كما يدل بمضمونه على هذا الحكم، يدل بمنطوقه على إيجاب الصدقة.(2)

2. الحسين بن سعيد الأهوازي الثقة، عن القاسم بن محمد(الجوهري الذي كان واقفياً ولكن روى عنه ابن أبي عمير و صفوان) عن علي (بن أبي حمزة البطائني الواقفي) عن أبي بصير (الثقة)، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا مرض الرجل من رمضان إلى رمضان ثمّ صحّ فانّما عليه لكلّ يوم أفطره فدية طعام و هو مدّلكلّ مسكين»، قال «وكذلك في كفّارة اليمين وكفّارة الظهار، مدّاً مدّاً ، وإن صحّ فيما بين الرمضانين فإنّما عليه أن يقضي الصيام ، فإن تهاون به وقد صحّ فعليه الصدقة والصيام جميعاً لكلّ يوم مدّ إذا فرغ من ذلك الرمضان».(3)

و قد عبّر الإمام بالفدية، فيما إذا استمرّ عليه المرض وهي الواجبة الوحيدة، وبالتصدق فيما إذا صحّ ولم يفض ويجب معه القضاء.

3. مرسلة العياشي عن أبي بصير في حديث... فإن لم يصحّ حتى رمضان قابل فليتصدّق كما تصدّق كلّ مكان يوم أفطر، مدّاً مدّاً.

فإن صحّ فيما بين الرمضانين فتوانى أن يقضيه حتى جاء الرمضان الآخر فانّ عليه الصوم والصدقة جميعاً، يقضي الصوم ويتصدّق من أجل انّه ضيّع ذلك =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.
2 . المختلف: 3/521.
3 . الوسائل: الجزء7، الباب25، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6.


(218)

ــــــــــــــــــــــــ
= الصيام».(1)

فقد عبّر في كلا الموردين بالتصدّق خلافاً للحديث السابق.

وبذلك يظهر ضعف القول الأوّل حيث قال بوجوب الصدقة مطلقاً استناداً إلى صحيح زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه و هو مريض ... قال: «...فإن كان صح فيما بينهما ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعاً وتصدّق عن الأوّل».(2) وجه الضعف أنّ المطلق يقيّد، و العام يُخصَّص والروايات السابقة صالحة للتقييد.

كما ظهر ضعف القول الثاني، حيث طرح الروايات الدالّة على وجوب الفدية بحكم انّها أخبار آحاد وانّه لم يذهب إلى وجوب الصدقة سوى الشيخين مع أنّك قد عرفت أنّه قد سبقهما الصدوقان وعاصرهما أبو الصلاح، على أنّ الأصل الذي اعتمد عليه غير صحيح لحجية قول الثقة.

ولكن يمكن أن يقال: إنّ التواني ليس بمعنى عدم العزم على القضاء، حتى يكون صحيح ابن مسلم وغيره دليلاً على التفصيل بل بمعنى عدم المبادرة إليه وهو ينطبق على العازم وغيره، و يدلّ على ذلك انّه لو كان بمعنى «عدم العزم على القضاء»، كان عليه أن يذكر في الشق الآخر المقابل، عدم التواني، مع أنّه لم يذكره في الشق الآخر وإنّما ذكر مكانه، قوله : «وإن كان لم يزل مريضاًحتى أدركه رمضان آخر» و هذا دليل على أنّ الميزان استمرار المرض من رمضان إلى آخر و عدمه، لا التواني بمعنى عدم العزم =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث11.
2 . الوسائل: الجزء7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث2.


(219)

ــــــــــــــــــــــــ
= و خلافه.

وبذلك يعلم مفاد خبر أبي بصير، فانّ المراد هو عدم المبادرة، وإليك نصه: «وإن صحّ فيما بين الرمضانين فإنّما عليه أن يقضي الصيام.

وإن تهاون به و قد صحّ فعليه الصدقة و الصيام جميعاً لكلّ يوم مدّ».

فالشق الأوّل يهدف إلى ما إذا صح وبادر بالقضاء، فليس عليه التكفير، وكأنّه قال: وإن صحّ بين الرمضانين فإنّما عليه أن يقضي الصيام (فإن بادر وقضى فهو) و أمّا إذا لم يبادر مع كونه صحيحاً حتى غشيه العذر عند الضيق فعليه الجمع سواء كان عازماً أم لا. و كما يُعلم بذلك مفاد خبره الآخر المروي في تفسير العياشي.

وعلى ذلك فإن لم يبادر فعليه ـ وراء القضاء ـ كفّارة التأخير مطلقاً، سواء كان التأخير مستنداً إلى العمد، أو التساهل أو العزم على القضاء لكن مرض في آخر الوقت.

والحاصل انّه إذا قورن «الشق الذي جاء فيه التواني» مع مقابله يعلم أنّ المراد منه عدم المبادرة بصورها الثلاث، لأنّ الموضوع في الشق المقابل، هو ما إذا صحّ وصام، ويكون المقابل، هو انّه إذا صحّ ولم يصم سواء كان السبب، هو العمد، أو التساهل أو طروء المرض في آخر الوقت.

وبذلك اتضح انّ ما ذكره صاحب المستند من أنّ معنى التواني، التكاسل، غير الصادق عرفاً على العزم على القضاء في السعة و طروء المانع(1). ليس بتام، وذلك لما عرفت من أنّ معناه عدم المبادرة وإن لم يكن هناك تكاسل.


1 . مستند الشيعة:10/454


(220)

المسألة 15: إذا استمرّ المرض إلى ثلاث سنين يعني الرمضان الثالث وجبت كفّارة للأُولى وكفّارة أُخرى للثانية ويجب عليه القضاء للثالثة إذا استمر إلى آخرها ثمّ برئ وإذا استمرّ إلى أربع سنين وجبت للثالثة أيضاً ويقضي للرابعة إذا استمرّ إلى آخرها أي الرمضان الرابع وأمّا إذا أخّر قضاء السنة الأُولى إلى سنين عديدة فلا تتكرّر الكفّارة بتكرّرها بل تكفيه كفّارة واحدة.*

ــــــــــــــــــــــــ
* بقي هنا أمران:

أ: هل تتكرر الفدية إذا أخّر قضاء شهر رمضان واحد أكثر من سنة واحدة؟ الظاهر لا، لحصول الامتثال بالمرّة ولم ينقل الخلاف إلاّ من العلاّمة في التذكرة.

ب: إذا استمر المرض أكثر من رمضان واحد هذا وهذا هو الذي ذكره الماتن وانّه لا فرق في حكم الاستمرار بين الرمضان الواحد والأكثر.

قال الشيخ :وحكم ما زاد على رمضانين، حكم رمضانين سواء، وهو قول ابن الجنيد(1) ويدل عليه أمران:

1. ما ورد في موثقة سماعة حيث قال الإمام: «فإنّي كنت مريضاً فمرّ عليّ ثلاثُ رمضانات لم اصحّ فيهن ثمّ أدركت رمضان آخر فتصدقت بدل كلّ يوم ممّا مضى بمدّ من طعام».(2)

وما ورد في خبر أبي بصير الذي نقله العياشي عنه في تفسيره حيث قال: «فإن استطاع أن يصوم الرمضان الذي استقبل وإلاّ فليتربّص إلى رمضان قابل فيقضيه، فإن لم يصحّ حتى رمضان قابل فليتصدّق كما تصدّق مكان كلّ يوم أفطر، مداً».(3)

2. الاستئناس ممّا ورد فيمن استمرّ مرضه إلى رمضان ثان فقط.(4) لأنّ الإمعان فيه =


1 . المختلف:3/522.
2 . الوسائل: الجزء7، الباب 25، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5، 11، 1.
3 . الوسائل: الجزء7، الباب 25، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5، 11، 1.
4 . الوسائل: الجزء7، الباب 25، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5، 11، 1.


(221)

المسألة 16:يجوز إعطاء كفّارة أيّام عديدة من رمضان واحد أو أزيد لفقير واحد فلا يجب إعطاء كلّ فقير مدّاً واحداً ليوم واحد.*

المسألة 17: لاتجب كفّارة العبد على سيّده من غير فرق بين كفّارة التأخير وكفّارة الإفطار ففي الأُولى إن كان له مال وأذن له السيّد أعطى من ماله وإلاّ استغفر بدلاً عنها، وفي كفّارة الإفطار يجب عليه اختيار صوم شهرين مع عدم المال والإذن من السيّد، وإن عجز فصوم ثمانية عشر يوماً، وإن عجز فالاستغفار.*

ــــــــــــــــــــــــ
= يعطي انّ الإفطار لعذر كالمرض واستمراره إلى رمضان آخر، سبب مستقل لسقوط القضاء، ووجوب الكفارة، وعندئذ لا فرق بين استمرار سنة أو أكثر

* لإطلاق الدليل في كفارة التأخير، وتقييده بستين مسكيناً في كفارة الإفطار، كما مرّ.

*أمّا عدم وجوبها على المولى فلعدم كونها من النفقة ، ثمّ إذا كان له مال و قلنا بأنّه يملك و إن كان لا يتصرف في ماله إلاّ بإذن مولاه فيعطي إذا أذن، و إلاّفينتقل إلى بدله أي الاستغفار.

ويحتمل عدم الحاجة إلى الإذن فيما إذا كان له مال لانصراف الأدلّة عمّا إذا وجب عليه الإعطاء شرعاً.

هذا كلّه حول كفّارة التأخير.

وأمّا كفّارة الإفطار فلوكان له مال وأذن السيد أو قلنا بعدم الحاجة إلى الإذن في الواجب التعييني فيقضي من ماله، وإلاّفيختار صوم ستين يوماً لعدم استلزامه التصرّف في ماله.

وإذا عجز عن صوم ستين يوماً، فهل ينتقل إلى صوم ثمانية عشر يوماً كالمظاهر =


(222)

المسألة 18: الأحوط عدم تأخير القضاء إلى رمضان آخر مع التمكّن عمداً وإن كان لا دليل على حرمته.*

ــــــــــــــــــــــــ
= أو لا؟ يحتمل الوجه الثاني لاختصاص ما دلّ على وجوب ثمانية عشر يوماً لمن عجز عن صوم ستين يوماً، بمن تعيّن في حقّه صوم تلك الأيام كالمظاهر، دون المخيّر بعينه و بين العتق والإطعام كما في المقام، وقد مرّ الكلام فيه فلاحظ.(1)

* وقد عرفت أنّ تأخير قضاء رمضان من سنة إلى سنة أُخرى يوجب الفدية، وهل التأخير حرام يوجب التكفير، أو جائز والفدية لجبر ما فاته من الصوم ، وعدم جبره بالتعجيل؟

يظهر من المحقّق وجوب المبادرة إلى القضاء قبل انقضاء السنة حيث استدلّ على نفي القضاء مع استمرار العذر «باستيعاب وقتي الأداء و القضاء».(2)

ويظهر ذلك من العلاّمة في مسألة استمرار المرض قال: وأمّا استيعاب وقت القضاء، فلأنّ وقته فيما بين الرمضانين إذ لا يجوز له التأخير عنه.(3)

وقال الشهيد في الدروس: لا يجوز تأخير قضاء رمضان عن عام الفوات اختياراً و يستحبّ المبادرة.(4)

واختاره صاحب الحدائق ورتّب عليه:عدم مشروعية السفر المباح أو المستحب إذا ضاق الوقت وقد تمكّن وأخلّ به.(5)

ذهب صاحب المستند ـ وتبعه المصنّف وأكثر المعلّقين على العروة ـ إلى جواز التأخير وعدم حرمته قائلاً بأنّه لا دليل على حرمته، وانّ إيجاب الكفارة لترك القضاء في =


1 . الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
2 . المعتبر:2/699.
3 . المختلف: 3/518.
4 . الدروس: 1/287.
5 . الحدائق: 13/306.


(223)

ــــــــــــــــــــــــ
= هذا الوقت لا يدلّ على أنّه وقته.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ارتكاز المتشرعة في موارد تعلّق الكفارة، هو خلاف ذلك وانّه صدر من المكلّف أمر مبغوض لا يكفره ولا يستره إلاّ الفدية والصدقة، كما هو الحال في كفارة الإفطار، وكفارة حنث اليمين والنذر، وبذلك يُصبح الإفتاء بالحلّية أمراً غير سهل، وأمّا لسان الروايات فقد ورد فيها الألفاظ التالية:

1. التواني في صحيحة ابن مسلم.(2)

2. التهاون في خبر أبي بصير.(3)

3. التضييع في خبري أبي بصير(4) و فضل بن شاذان.(5)

4. الفدية في خبر أبي بصير.(6)

5. التصدق في صحيح ابن مسلم(7) و زرارة.(8)

6. مضافاً إلى ما ورد في رواية الفضل بن شاذان ، من تعليل عدم وجوب القضاء«من أنّه دخل الشهر وهو مريض فلم يجب عليه الصوم في شهره ولا في سنته للمرض الذي كان فيه ووجب عليه الفداء، لأنّه بمنزلة من وجب عليه الصوم فلم يستطع أداءه ووجب عليه الفداء...» ومعناه أنّ غيره يجب عليه الصوم في مجموع السنة إمّا أداءً أو قضاءً.

والخدشة في دلالة بعض وسند آخر و إن كان ممكناً، ولكن المجموع مضافاً إلى ارتكاز المتشرّعة، والشهرة بين العلماء كاف في إيجاب الاحتياط لو لم نقل بأنّ عدم الجواز هو الأقوى.


1 . مستند الشيعة: 10/456.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 6، 11، 8، 11، 1، 2.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 6، 11، 8، 11، 1، 2.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 6، 11، 8، 11، 1، 2.
5 . الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 6، 11، 8، 11، 1، 2.
6 . الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 6، 11، 8، 11، 1، 2.
7 . الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 6، 11، 8، 11، 1، 2.
8 . الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 6، 11، 8، 11، 1، 2.


(224)

المسألة 19: يجب على وليّ الميّت قضاء ما فاته من الصوم لعذر من مرض أو سفر أو نحوهما لا ما تركه عمداً أو أتى به وكان باطلاً من جهة التقصير في أخذ المسائل، وإن كان الأحوط قضاء جميع ما عليه وإن كان من جهة الترك عمداً. نعم يشترط في وجوب قضاء ما فات بالمرض أن يكون قد تمكّن في حال حياته من القضاء وأهمل وإلاّ فلا يجب لسقوط القضاء حينئذ كما عرفت سابقاً ولا فرق في الميّت بين الأب والأُمّ على الأقوى، وكذا لا فرق بين ما إذا ترك الميّت ما يمكن التصدّق به عنه وعدمه وإن كان الأحوط في الأوّل الصدقة عنه برضا الوارث مع القضاء والمراد بالوليّ هو الولد الأكبر وإن كان طفلاً أو مجنوناً حين الموت بل وإن كان حملاً.*

ــــــــــــــــــــــــ
*هنا فروع:

1. يجب على الولي قضاء ما فات .

2.اختصاص الوجوب بما إذا مات لعذر لا ما فاته عمداً أو جهلاً بالحكم.

3. يشترط في وجوب القضاء على الولي، تمكن الميّت من القضاء وإهماله .

4. لا فرق في الميّت بين الأب والأُمّ.

5. لا فرق بين ما ترك الميّت مالاً، يُتصدق به عنه وعدمه.

6. المراد من الولي، الولد الأكبر وإن كان طفلاً أو حملاً.

الفرع الأوّل: وجوب القضاء على الولي

المشهور عندنا هو وجوب القضاء عن الميت لا التصدّق عنه، قال الشيخ :فإن أخّر قضاءه لغير عذر ولم يصم ثمّ مات فانّه يصام عندنا.

وقال الشافعي: يُطعم عنه و لا يصام عنه . و به قال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه. =


(225)

ــــــــــــــــــــــــ
= وقال أحمد وإسحاق: إن كان صومه نذراً فانّه يصوم عنه وليّه، وإن لم يكن نذراً أطعم عنه وليّه.

وقال أبو ثور: يصوم عنه نذراً كان أو غيره.

ثمّ استدل ّبحديث عائشة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من مات وعليه صيام، صام عنه وليّه». و روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: «لو كان على أُمّك دين أكنت قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدين اللّه أحقّ أن يُقضى».(1)

وقال العلاّمة في المختلف: ذهب إلى وجوب القضاء الشيخان، و ابن با بويه والسيد المرتضى، وابن الجنيد، و ابن البراج، و ابن حمزة وابن إدريس.

وقال ابن أبي عقيل:وقد روي عنهم ـ عليهم السَّلام ـ في بعض الأحاديث أنّ من مات، و عليه قضاء من شهر رمضان، صام عنه أقرب الناس إليه من أوليائه... وقد روي انّه من مات وعليه صوم من رمضان تصدّق عنه من كلّ يوم بمدّ من طعام، و بهذا تواترت الأخبار عنهم ـ عليهم السَّلام ـ . والقول الأوّل مطرح، لأنّه شاذ.(2)

ويدل على القول المشهور أخبار:

1. صحيح حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام؟ قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه». قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة ؟ قال: «لا إلاّالرجال».(3)

2. و بهذا المضمون مرسلة حماد بن عثمان.(4)

3. مرسلة عبد اللّه بن بكير، عن أصحابنا، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث«... =


1 . الخلاف:2، كتاب الصوم، المسألة 65.
2 . المختلف: 3/527ـ 528.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث5 و 6.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث5 و 6.


(226)

ــــــــــــــــــــــــ
= فليس على وليّه أن يقضي عنه الصيام، فإن مرض فلم يصم شهر رمضان ثمّ صحّ بعد ذلك ولم يقضه ثمّ مرض فمات فعلى وليّه أن يقضي عنه، لأنّه قد صحّ فلم يقض ووجب عليه».(1)

4. وموثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(2)إلى غير ذلك من الروايات التي تمرّ عليك في الفروع الآتية.

احتج لابن أبي عقيل بروايتين :

1. صحيحة أبي مريم الأنصاري (عبد الغفار بن القاسم الثقة) عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا صام الرجل شيئاً من شهر رمضان ثمّ لم يزل مريضاً حتى مات فليس عليه شيء(قضاء) و إن صحّ ثمّ مرض ثمّ مات و كان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، وإن لم يكن له مال صام عنه وليّه».[على رواية الكليني و الصدوق] (3) «وإن لم يكن له مال تصدّق عنه وليه». [على رواية الشيخ في التهذيب].(4)

2. ما رواه في الفقيه وقال: روي عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي جعفر الثاني ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: رجل مات وعليه صوم ،يصام عنه أو يتصدق؟ قال: «يتصدق عنه أفضل».(5)

وقد نبّه بهذه الرواية صاحب الحدائق.(6) حيث لم ينقلها صاحب الوسائل في الباب المختص بالمسألة.=


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13، 11و 7.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13، 11و 7.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13، 11و 7.
4 . التهذيب:4/317 برقم 9، باب «من أسلم في شهر رمضان».
5 . الفقيه: 3/ 236، باب النذور و الكفارات.
6 . الحدائق: 13/321.


(227)

ــــــــــــــــــــــــ
= أقول: إنّ الرواية الأُولى على كلتا النسختين، لا تدلّ على مذهب ابن أبي عقيل، فانّه أوجب التصدّق فقط ومنصرفه إذا كان للميّت مال، وأمّا الرواية فعلى نسخة الكليني والصدوق فالواجب هو التصدق أوّلاً إذا كان له مال، وإلاّ فالصوم عنه ثانياً. وأين هو من القول بالتصدّق فقط؟!

وأمّا على ما رواه الشيخ فقد أوجب التصدّق من مال الميت إذا كان له مال، و إلاّفمن مال الوليّ، وهو غير مذهبه المقتصر على التصدّق من مال الميّت.

وربما يقال: بأنّ نسخة الشيخ لا تنافي المذهب المشهور من وجوب الصوم عنه، و ذلك لأنّ إيجاب الصدقة من مال الميت من جهة التأخير وإلاّ فمن ماله، زيادة على القضاء، إذ لا دلالة في الرواية على نفي القضاء بوجه.(1)

يلاحظ عليه بوجهين:

1. انّ ظاهر المقابلة في الرواية بين الصورتين، أعني:

...لم يزل مريضاً حتى مات فليس عليه شيء(القضاء).

... وإن صحّ ثمّ مرض ثمّ مات و كان له مال تصدّق عنه....

هو انّ تمام الواجب في الصورة الثانية هو التصدّق من ماله أو مال وليّه فقط، وهو ينافي ما عليه المشهور من وجوب الصوم عنه.

2. انّ الكفّارة التي أُشيرت إليها ليست إلاّ كفّارة التأخير، وليس في الرواية ما يشعر بالتأخير لو لم يكن ظاهراً انّه مات بين رمضانين، فليس لكفّارة التأخير موضوع.

وما ربما يقال من أنّ وجوب الكفّارة من جهة التواني، لأنّه صحّ ولم يقض اختياراً كما ترى، إذ ليست الصحة وترك الصوم موضوعاً لوجوب الكفّارة، بل يحتاج إلى =


1 . مستند العروة الوثقى: 2/205.


(228)

ــــــــــــــــــــــــ
= ضم جزء ثالث، وهو بقاؤه حياً إلى رمضان آخر، والمفروض انّه توفّي قبله .

ثمّ إنّ صاحب الجواهر رجّح رواية الكليني والصدوق على نسخة الشيخ لكونهما أضبط منه(1) وما ذكره و إن كان صحيحاً كبروياً، لكن المورد ليس من مصاديقها، لأنّ مورد القاعدة ما إذا كانت هناك رواية واحدة نقلت بصورتين مختلفتين فيرجح ما أثبته الكليني أو الصدوق على ما نقله الشيخ، وأمّا المقام فقد شاركهما الشيخ في نقل الرواية الأُولى، ثمّ اختص بنقل الثانية فليس المقام من موارد القاعدة.

وعلى كلّ تقدير فالرواية غير صالحة للاحتجاج، لتعارضها مع الروايات المتضافرة أوّلاً، وموافقتها لمذهب العامّة ثانياً، وعدم ثبوت النقل الصحيح ثالثاً.

وأمّا الرواية الثانية أعني: ما رواه الصدوق في الفقيه، فلا يصلح للاحتجاج لكونه خبر واحد في مقابل الروايات المتضافرة على أنّها موافقة للعامة كما عرفت.

الفرع الثاني: اختصاص الوجوب بما إذا فات لعذر

هل يختص الوجوب بما إذا فات لعذر، أو يعمّ ما ترك عمداً أيضاً؟ ذهب المحقّق في جواب المسائل البغدادية التي طرحها جمال الدين حاتم المشغري، إلى الأوّل، وتبعه عميد الدين ابن أُخت العلاّمة، وأيّده الشهيد في الذكرى قائلاً: إنّ الروايات تحمل على الغالب من الترك وهو ما يكون الترك على هذا الوجه.(2) وهو خيرة السيد صاحب المدارك، والفاضل الخراساني في «الذخيرة» وصاحب الحدائق.(3)

ويظهر من صاحب الجواهر، الميل إلى القول الثاني من دون أن يستدل بشيء، و =


1 . الجواهر:17/39.
2 . الذكرى.
3 . الحدائق: 13/328.


(229)

ــــــــــــــــــــــــ
= ليس الدليل إلاّذكر أسباب الفوت في بعض الروايات من المرض و السفر والحيض(1)، ومن المعلوم انّ المورد لا يكون مخصصاً للحكم.

والذي يمكن أن يقال: إنّ مورد الروايات في المسلم الذي لا يفوت منه الصلاة إلاّ لعذر والتفويت عن عمد أو جهل لا يعذر، خلاف مقتضى حال المسلم، وعلى ذلك فمنصرف الروايات مع ملاحظة حال المسلم هو غير تينك الصورتين(الترك عمداً أو فساد الصلاة للجهل بالحكم الشرعي) فيكون المحكَّم في موردهما هو البراءة.

نعم الأحوط هو قضاء جميع ما فات.

الفرع الثالث: اشتراط وجوب القضاء باستقراره عليه وعدمه

هل يجب على الولي قضاء كلّ ما فات عن الميت سواء تمكن من القضاء أو لا؟

لا شكّ انّه إذا كان السبب هو المرض يشترط فيه التمكّن من القضاء لصحيح محمد بن مسلم:«ولكن يُقضى عن الذي يبرأ، ثمّ يموت قبل أن يقضي».(2)و صحيح أبي بصير المشعرين بعدم شرعية القضاء.(3)

وهل هو كذلك في عامة الأسباب حتى السفر أو يختص بالمرض، وأمّا السفر فيقضى عنه مطلقاً وإن لم يتمكّن؟ فيه قولان:

الأوّل: يقضي مطلقاً وهو خيرة الصدوق في المقنع(4)، و الشيخ في التهذيب(5) و ابن سعيد في الجامع(6)، ونسبه المحقّق(7) إلى رواية، وقال: ولا يقضي الولي إلاّ ما تمكّن الميّت =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 2، 4، 11، 13، 16.
2 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1و12.
3 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1و12.
4 . المقنع: باب قضاء شهر رمضان، ص 201.
5 . التهذيب: 4/249، ذيل حديث 739.
6 . الجامع للشرائع: 163.
7 . المسالك: 2/36، قسم المتن.


(230)

ــــــــــــــــــــــــ
= من قضائه وأهمله إلاّما يفوت بالسفر فانّه يقضى ولو مات مسافراً على رواية.

الثاني: يقضي بشرط التمكّن من القضاء. وهو خيرة الشيخ في النهاية،(1) وخيرة العلاّمة في المختلف.(2)

أقول: إنّ مقتضى القاعدة هو شرطية التمكّن من القضاء، وذلك لما استظهرناه من الآية انّ المكتوب على المريض والمسافر هو الصوم في غير شهر رمضان فإذا مات في السفر أو في الحضر مع عدم التمكّن من القضاء فلم يفت منه شيء حتى يقضي عنه الولي.

نعم لو دلّ الدليل على لزوم القضاء إذا مات في السفر مع عدم التمكّن من القضاء، فلابدّ من القول بأنّّ إيجاب القضاء لأجل تدارك فوت مصلحة ملزمة كما هو الحال في إيجاب قضاء الصلاة للنائم.

إنّما الكلام في الأحاديث التي استدل بها صاحب الحدائق على عدم الاشتراط، وإليك سردها:

1. صحيحة أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال:« أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(3)

2. موثّقة محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان، هل يقضى عنها؟ فقال: «أمّا الطمث والمرض فلا وأمّا السفر فنعم».(4) =


1 . النهاية:157.
2 . المختلف:3/535.
3 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4 و 16.
4 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4 و 16.


(231)

ــــــــــــــــــــــــ
= 3. ما رواه منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت، قال:« يُقضى عنه».(1)

4. صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(2)

ولكن الاستدلال بهذه الأحاديث ضعيف إلاّ الأخير، لأنّ الإمعان فيها يثبت انّ مورد السؤال هو جواز القضاء وعدمه، فأجيب بالجواز لمن أراد أن يقضي عنه سواء أكان ولياً أم لا، وأين هو من وجوب القضاء على الولي؟!

والباعث على السؤال هو ما قرع سمع الراوي من أنّه سبحانه لم يجعله عليه، فكيف يُقضى عنه، كما ورد نظيره في مورد المريض في رواية أبي بصير.(3)

وهذا صار سبباً للسؤال عن شرعية القضاء. وانّ هناك فرقاً بين المريض فلا يُقضى عنه بل هو بدعة، و المسافر فيُقضى عنه. وقد ذكرنا انّ إيجاب القضاء للمسافر لأجل تدارك فوت مصلحة ملزمة لا تتدارك إلاّ بالقضاء.

نعم، موثقة أبي بصير ظاهرة في جوازه على الولي، بل وجوبه عليه حيث قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(4)

ولكنّه ليس ظاهراً في عدم التمكّن من القضاء فانّ قوله: «فأدركه الموت قبل أن يقضيه» يعمّ المتمكّن وغيره وليس ظاهراً في الثاني.

مضافاً إلى أنّ الحكم على خلاف القاعدة فإثباته بحديث واحد أمر مشكل، وحمله على ما يدلّ على الاستحباب أفضل من حمله على الوجوب. =


1 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 15 و 11.
2 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 15 و 11.
3 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 12.
4 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.


(232)

ــــــــــــــــــــــــ

= الفرع الرابع: في اختصاص الحكم بما فات عن الوالد وعدمه

ذهب الشيخ في «النهاية»(1) و «المبسوط»(2) إلى عموم الحكم للرجل و المرأة، وتبعه ابن البراج في «المهذب»(3)، و تردّد المحقّق حيث قال: وهل يُقضى عن المرأة ما فاتها؟ فيه تردد.(4) واختاره العلاّمة في «المختلف».(5)

وذهب ابن إدريس إلى اختصاص الحكم بالوالد، لأنّ إلحاق المرأة في هذا الحكم بالرجال يحتاج إلى دليل، وإنّما انعقد الإجماع على الوالد حيث يتحمّل ولده الأكبر ما فرّط فيه من الصيام و يصير ذلك تكليفاً للولد، وليس العموم مذهباً لأحد من أصحابنا و إنّما أورده الشيخ إيراداً لا اعتقاداً .(6)

ثمّ استدل بأن ّالغالب تساوي الذكور و الإناث في الأحكام الشرعية.

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ سعة الحكم لا يختص بالشيخ بل هو مذهب جماعة كما عرفت.

وثانياً: أنّ مورد القاعدة عبارة عمّا إذا اتّخذ الرجل موضوعاً لحكم شرعي كما إذا قيل رجل شكّ بين الثلاث والأربع، فحينئذ يحكم بسعة الجواب وعدم اختصاصه بالرجل; و أمّا إذا كان الرجل بنفسه موضوعاً لحكم متعلّق بشخص آخر، كما إذا قيل يجوز الاقتداء بالرجل الثقة، فانّه لا وجه للتعدّي، وتعميم الحكم، والمقام من هذا =


1 . النهاية و نكتها: 1/401.
2 . المبسوط:1/286.
3 . المهذّب: 1/196.
4 . المسالك: 2/65 قسم المتن.
5 . المختلف: 3/536.
6 . السرائر: 1/399.


(233)

ــــــــــــــــــــــــ
= القبيل، فانّ مقتضى ظواهر النصوص انّ الفوت من الرجل موضوع لوجوب القضاء على الولي فلا يمكن التعدي من هذا الموضوع إلى موضوع آخر، مضافاً إلى أنّ أكثر الروايات تشتمل على لفظ «الرجل» فلا وجه للتعدّي عنه إلى المرأة.

نعم يمكن الاحتجاج في بادئ النظر على سعة الحكم بصحيحة وموثقة.

أمّا الأُولى فهي صحيحة أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أوسافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال:« أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(1)

وأمّا الموثّقة فهي موثّقة محمد بن مسلم(2) التي هي بنفس مضمون الصحيحة.

ولكنّك عرفت عدم صحة الاستدلال بهما في الفرع السابق على عدم شرطية التمكّن، و منه يظهر عدم صحة التمسّك بهما في هذا الفرع أيضاً أي عموم الحكم للمرأة، وذلك لأنّ وجه السؤال هو شرعية القضاء وعدمه حيث إنّ المغروس في ذهن الراوي هو عدم وجوبه على المنوب عنه، لافتراض انّها ماتت قبل خروج شهر رمضان، فإذا لم يكن مكتوباً عليه فأولى أن لا يجوز القضاء عنها، فوافاه الجواب بالفرق بين المرض و الطمث وبين السفر، فلا يقضى في الأوّلين دون الثالث، وهذه هي مهمة الرواية وأمّا وجوبه على الولي إذا ماتت المرأة فليس مطروحاً في الرواية.

الفرع الخامس: لا فرق بين ترك الميت مالاً وعدمه

لا فرق في وجوب القضاء عن الميت بين أن يترك مالاً يُتصدق به أو لا، خلافاً للسيد المرتضى حيث اعتبر في وجوب القضاء على الوليّ أن لا يُخلف الميت ما يتصدّق =


1 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4و 16.
2 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4و 16.


(234)

ــــــــــــــــــــــــ
= به عنه عن كلّ يوم بمدّ.(1) وقد عرفت أيضاً مذهب ابن أبي عقيل حيث ذهب إلى وجوب التصدّق فقط دون القضاء.

ولكن المشهور هو وجوب القضاء مطلقاً سواء ترك الميّت مالاً يُتصدّق به أو لا . ويدلّ على قول المشهور إطلاق الروايات من دون تقييد القضاء بعدم مال يتصدق عنه.

نعم يدلّ على قول المرتضى، رواية أبي مريم الأنصاري الماضية وقد جاء فيها:

«وكان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، وإن لم يكن له مال صام عنه وليّه».(2)

والحديث ينطبق على نظر المرتضى تماماً.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تقييد الإطلاقات المتضافرة بالحديث الذي نقل على وجهين كما تقدّم أمر مشكل، وقد عرفت أنّ الشيخ نقل هذا المتن أيضاً كما نقل متناً آخر و هو: «وكان له مال، تصدّق عنه مكان كل يوم بمدّ، وإن لم يكن له مال، تصدّق عنه وليّه».

وثانياً: أنّ تقييد الإطلاقات بعدم مال للميت يستلزم حملها على الفرد النادر، إذ قلّما يتفق عدم مال للميت يتصدّق به.

ولأجل ذلك ذهب المشهور إلى الأخذ بالإطلاقات دون تقييدها بهذه الرواية.

فإن قلت: إنّ الرواية على كلا النقلين اتّفقت على وجوب التصدّق، غير انّهما يختلفان في الشق الثاني، أعني : إذا لم يكن له مال، فعلى النقل الأوّل يصوم الولي ، و على النقل الثاني يتصدّق الولي، والاختلاف في الذيل لا يضر الاتفاق على الصدر، فعلى ذلك يجب أن تقيّد الإطلاقات بالصدقة،بمعنى الالتزام بوجوب الأمرين معاً لعدم التنافي =


1 . الانتصار:71.
2 . الوسائل:الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 7.


(235)

ــــــــــــــــــــــــ
= بينهما من هذه الجهة، فيلتزم بوجوب القضاء عنه، ووجوب التصدّق بماله عملاً بالإطلاقات والرواية على كلتا النسختين.

قلت: إنّ حديث الإطلاق والتقييد إنّما يجري فيما إذا كان المطلق على نحو «لا بشرط» والمقيد «بشرط شيء» كما في قولك: أعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة، ومن الواضح انّ الثاني يقدّم على الأوّل لدلالته على مالا يدلّ عليه الأوّل.

وأمّا إذا كانت النسبة بينهما بشكل آخر بأن يكون المقيد «بشرط لا» و المطلق «لا بشرط» كما في المقام، فإنّ رواية أبي مريم تدلّ على أنّ الواجب عند مَن كان له مال، هو التصدّق فقط لا غير على نحو ينفي القضاء، فكيف يمكن الجمع بينه و بين ما يوجب القضاء ولو بنحو لا بشرط؟!

ولأجل ذلك ترك المشهور العمل بالرواية بكلا النقلين خصوصاً انّه تستشم منه موافقة العامّة على ما عرفت من أقوالهم.

الفرع السادس: المراد من الوليِّ هو الولد الأكبر

المشهور عند الأصحاب انّ المراد من الولي هو الولد الأكبر.

أ: أكبر أولاده الذكور

وقد خصّصه جماعة بأكبر الأولاد الذكور.

1. قال الشيخ : هو أكبر أولاده الذكور ، فإن كانوا جماعة في سنّواحد وجب القضاء بالحصص، أو يقوم به بعض فيسقط عن الباقين، وإن كانوا إناثاً لم يلزمهن القضاء وكان الواجب الفدية.(1) =


1 . المبسوط:1/286.


(236)

ــــــــــــــــــــــــ
= 2. وقال ابن حمزة: يلزم وليّه القضاء عنه وجوباً، والولي هو أكبر أولاده الذكور، فإن كان له جماعة أولاد في سن واحد قضوا عنه بالحصص، وإن خلف البنت وترك مالاً فدت عنه بما ذكرنا.(1)

3. قال ابن إدريس : وإنّما إجماعنا منعقد على الوالد يتحمّل ولده الأكبر ما فرّط فيه من الصيام، ويصير ذلك تكليفاً لذلك، وكذلك ما يفوته من صلاة مرضته التي توفّي فيها يجب على الولد الأكبر قضاء ذلك.(2)

4. وقال المحقّق :والولي هو أكبر أولاده الذكور، ولو كان الأكبر أُنثى لم يجب عليها القضاء، ولو كان له وليّان أو أولياء متساوون تساووا في القضاء وفيه تردد، ولو تبرّع بالقضاء بعض، سقط.(3)

5. واستقربه العلاّمة في المختلف.(4)

ب: أكبر أولاده وإلاّأكبر أوليائه

6. قال المفيد: ... فإنّه ينبغي للأكبر من ولده من الرجال أن يقضي عنه بقية الصيام، فإن لم يكن له ولد من الرجال قضى عنه أكبر أوليائه من أهله وأولاهم به، وإن لم يكن له إلاّ من النساء.(5)

وقد فسر العلاّمة كلام المفيد وقال: وفي هذا الكلام حكمان: الأوّل: انّ الولاية لا تختص بالأولاد، الثاني: انّ مع فقد الرجال يكون الولي هو الأكبر من النساء.(6)

7. وقال علي بن بابويه: من مات وعليه صوم شهر رمضان، فعلى وليّه أن يقضي =


1 . الوسيلة: 150.
2 . السرائر: 1/399.
3 . المسالك:2/63 قسم المتن.
4 . المختلف: 3/532.
5 . المقنعة:353.
6 . المختلف: 3/531 ـ 532.


(237)

ــــــــــــــــــــــــ
= عنه، فإن كان للميت وليان فعلى أكبرهما من الرجال، فإن لم يكن له وليّ من الرجال قضى عنه وليّه من النساء.(1)

8. وقال بمثله ولده الصدوق في المقنع.(2)

وهؤلاء المشايخ الثلاثة ، لا يُحصرون الولاية بالأولاد أوّلاً، وانّه مع فقد الرجال يكون الولي هو الأكبر من النساء.

ج: الولد الأكبر وإلاّ فالأولى من النساء

قال ابن البراج: على ولده الأكبر من الذكور أن يقضي عنه ما فاته من ذلك ومن الصلاة أيضاً، فإن لم يكن له ذكر فالأولى به من النساء.(3)

وهو يتفق مع قول الشيخ المفيد في الحكم الثاني، دون الأوّل.

هذه ما وقفت عليها من الأقوال بعد الفحص عن مظانّها، وقد استقر رأي المشايخ في الأعصار المتأخرة كالمصنّف والمعلّقين عليها على القول الأوّل والمهم في المقام هو دراسة الروايات التي تفسر الوليّ فنقول:

إنّ العناوين الواردة في الروايات عبارة عن:

1. روى حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:«... يقضي عنه أولى الناس بميراثه». قلت: إن كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: «لا، إلاّ الرجال».(4)

2. روى حماد بن عثمان مرسلاًعن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث... من يقضي عنه؟ قال: «أولى الناس به»، قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ قال: «لا، إلاّ الرجال».(5) =


1 . المختلف: 3/532.
2 . المقنع: 63.
3 . المهذّب:1/195.
4 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5 و 6.
5 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5 و 6.


(238)

ــــــــــــــــــــــــ
= 3. ما رواه محمد بن أبي عمير مرسلاً عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ : في الرجل يموت وعليه صلاة أو صوم؟ قال: «يقضيه أولى الناس به».(1)

4. روى أبو بصير في حديث عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ... قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(2)

5. وفي مكاتبة الصفار، وقع ـ عليه السَّلام ـ : «يقضي عنه أكبر وليّيه،عشرة أيام ولاءً» كما سيوافيك نصّه.(3)

فالمهم من هذه العناوين ما يلي:

أ. أولى الناس بميراثه.

ب.أفضل أهل بيته.

والكلام فيما هو المراد في «أولى الناس بالميراث» و قد فسّره في المستند بالأولوية على ترتيب الطبقات في الإرث، فمع الأب والابن لا وليّ غيرهما، ومع فقدهما تنتقل الولاية إلى الطبقة الثانية، وهكذا إلاّ النساء فلا تنتقل إليهنّ أبداً.(4)

يلاحظ عليه: أنّ لازم ما ذكره من التفسير هو وجوب القضاء على الأولاد والأبوين أوّلاً، والإخوة و الأجداد ثانياً، والأعمام والأخوال ثالثاً; وعلى المتقرّبين بالولاء، كولاء العتق، ثمّ ولاء ضمان الجريرة، ثمّ ولاء ضمان الإمام ثالثاً. وهذا ممّا لم يلتزم به أحد. ولا أظن أن يلتزم به قائله.

والظاهر اختصاصه بالأولاد، ويدلّ عليه قوله في موثّقة أبي بصير: «يقضيه أفضل أهل بيته»، ومن المعلوم انّ الوالد لا يعد من أهل بيت الولد بل الولد من أهل بيت =


1 . الوسائل: 5، الباب 12 من قضاء الصلوات، الحديث6.
2 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11 و 3.
3 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11 و 3.
4 . مستند الشيعة:10/462.


(239)

ــــــــــــــــــــــــ
= الوالد. فإذا خرج الوالد، يخرج الطبقات المتأخّرة من الأجداد والإخوة بطريق أولى. ويختص القضاء بالأولاد.

هذا من جانب، ومن جانب آخر دلّت صحيحة حفص بن البختري(1) على خروج النساء. ومثله مرسلة حماد بن عثمان.(2)

فبفضل هذه الروايات ظهر انّ المحكوم بالقضاء عبارة عن أولاده الذكور، وأمّا تقدّم الأكبر على غيره، فلما في مكاتبة الصفار، قال: كتبت إليه: رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام، وله وليّان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعاً خمسة أيّام أحد الوليّين، وخمسة أيام الآخر؟ فوقع ـ عليه السَّلام ـ : «يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً إن شاء اللّه».(3)

قال الصدوق: هذا التوقيع عندي مع توقيعاته إلى محمد بن الحسن الصفار بخطه ـ عليه السَّلام ـ .

فتلخّص بذلك انّ المسألة وإن كانت من حيث الأقوال متشتتة ولسان الروايات غير واضح، ولكن يمكن من ضم بعض إلى بعض كشف الحقيقة، وحل المشكل يكمن في الإمعان في قوله: «يقضيه أفضل أهل بيته» حيث يخرج بذلك كلّ من يرث منه على ترتيب الطبقات إلاّ الأولاد والزوجة.

كما أنّ بفضل بعض الروايات خرجت الزوجة فانحصر الموضوع في الأولاد، وقد علمت أنّ المكاتبة تقدم الأكبر على غيره.

وأمّا قوله : أولى الناس بميراثه، فلا يخلو من إجمال، وربّما يفسر بالنحو التالي: المراد هو الأولى من جميع الناس بالميراث بقول مطلق و على نحو القضية الحقيقية أي من كلّ من يفرض في الوجود، سواء أكان موجوداً بالفعل أم معدوماً. وهذا ينحصر =


1 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان،ن الحديث 5، 6، 3.
2 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان،ن الحديث 5، 6، 3.
3 . الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان،ن الحديث 5، 6، 3.


(240)

المسألة 20: لو لم يكن للميّت ولد لم يجب القضاء على أحد من الورثة وإن كان الأحوط قضاء أكبر الذكور من الأقارب عنه.*

المسألة 21:لو تعدّد الوليّ اشتركا وإن تحمّل أحدهما كفى عن الآخر كما أنّه لو تبرّع أجنبيّ سقط عن الوليّ.*

ــــــــــــــــــــــــ
= مصداقه في الولد الأكبر فانّه الأولى بميراث الميت من جميع البشر، حتى ممّن هو في طبقته في الإرث كالأبوين، فإنّ لكلّ واحد منهما السدس، وكالبنات لأنّ للذكر مثل حظّ الأُنثيين، وكسائر الأولاد الذكور لمكان اختصاص الأكبر بالحبوة، بناء على ما هو الصحيح من عدم احتسابها من الإرث، فهو الأوفر نصيباً من الكلّ ولأجله كان هو الأولى بالميراث من جميع الناس بتمام معنى الكلمة.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ التفسير المزبور مبني على أنّ المراد من الأولوية، هو الأكثرية وعلى ذلك يقدم أكبر أولاده الذكور على غيره لكن الوارد هو الأولى لا الأكثر.

ثانياً: أنّ الظاهر انّ المراد هو أولى الناس بالميراث بالفعل، فلو كان هناك أولاد فهم أولى الناس به، وأمّا مع فقده فالأولى غيره، وعلى ذلك لا ينحصر الوليّ بأكبر الذكور بل يتعدّى إلى من هو الأكثر فالأكثر وما ذكره من التفسير لا يخلو من دقة عقليّة، والظاهر انّ ما سلكناه في تفسير الوليّ أوضح ممّا بيّنه.

*. وجهه واضح لما عرفت من تعلّق الوجوب بأكبر أولاده الذكور.

* هذا كما إذا كان له ولدان ولدا في ساعة واحدة من زوجتين، فيصدق على كلّ واحد أفضل أهل بيته، فيُخاطَب كلّ بالقضاء، فيُشبه أن يكون من قبيل الواجب الكفائي، فلو قام واحد بالجميع لسقط الوجوب عن الآخر.

كما أنّه لو تبرّع أجنبي سقط عنهما شأن كلّ واجب كفائي.


(241)

المسألة 22:يجوز للوليّ أن يستأجر من يصوم عن الميّت وأن يأتي به مباشرة وإذا استأجر ولم يأت به المؤجر أو أتى به باطلاً لم يسقط عن الوليّ.*

ــــــــــــــــــــــــ
* هنا فرعان:

1. جواز الاستئجار مكان الإتيان به مباشرة.

2. عدم سقوطه عن الولي إذا لم يأت الأجير.

أمّا الأوّل: لما تقدّم في الفرع السابق من أنّ خطاب الوليّين بالقضاء آية انّه واجب كفائي، أضف إلى ذلك انّ الغاية من الإيجاب هو تفريغ ذمّة الميّت من الدين وأولى الناس بميراثه أولى بأن يقضيه، ويتحمّل جهد القضاء، والمتبادر من مثله، هو عدم اعتبار المباشرة كما مرّ.

ويظهر ذلك ممّا رواه الشيخ في الخلاف عن ابن عباس ، قال: جاء رجل إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: «لو كان على أُمّك دين أكنت قاضيه عنها؟»، قال: نعم . قال :« فدَيْنُ اللّه أحق أن يُقضى».(1)

فإذا كان المقام من مقولة الدين فيسقط بفعل الولي، والأجير والمتبرع.هذا كلّه على القول بصحّة الإجارة في المقام وأمّا على القول ببطلانها فيه فالأمر في الإجارة مشكل نعم لو أتى به سقط عن الوليّ.

وأمّا التمسّك في سقوطه بعمل الأجير، بعموم أدلّة الإجارة بعد كون متعلّقها في المقام عملاً مشروعاً سائغاً حسب الفرض.(2) فهو كماترى لما قلنا في محله: من أنّ أدلّة المعاملات كلّها، أدلة إمضائيّة لما بيد العرف وليس في الشرع معاملة تأسيسيّة ، شرّعها الشارع وأمر بتنفيذها فإذاً تجب ملاحظه ما بيد العقلاء، فهل عندهم عقد إجارة على =


1 . الخلاف: 2/209، المسألة 65، كتابالصوم.
2 . مستندالعروة:2/214.


(242)

ــــــــــــــــــــــــ
= عمل قربي، لا يترتب عليه الأثر إلاّ إذا قام به الإنسان تقرباً إلى اللّه وطلباً لرضاه أو لا، الظاهر هو الثاني لأنّهم بفطرتهم يرون التنافي بين أخذ الأُجرة للعمل، وكونه مأتياً به اللّه سبحانه، وهذا كاف في انصراف الأدلّة عن مورد العبادات. مثل قوله في حديث تحفالعقول «أو يؤجر نفسه أو داره أو أرضه أو شيئاً يملكه فيما ينتفع به من وجوهالمنافع».(1)

وما ذكر من المحاولات لأخذ الأجرة لو صحت، لا يكون سبباً لشمول أدلّتها للمقام بعد وجود التنافي بين الإجارة وموردها.

وأمّا النيابة في مورد الحجّ، فهوخارج عن التأجير للعبادات، لأنّ الحج عبادة يتوقف على الزاد والراحلة، فمن يريد الحجّ عن والده، فعليه أن يبذلهما ليتمكن المتبرّع عن النيابة ولا يقاس عليه سائر العبادات ولذلك، صار الاستئجار عندنا للأُمور العباديّة أمراً مشكلاً إلاّ إذا كان مماثلاً للنيابة في الحج، و قد أوضحنا حاله في محاضراتنا.(2)

هذا و ممّا يقضى منه العجب ما ذكره المحقّق النراقي ـ قدَّس سرَّه ـ في المقام من عدم سقوطه عن الولي، بعد قيام المتبرع أو الأجير به قال: الحقّ عدم السقوط عن الولي بتبرع الغير ولا باستئجاره أو وصية الميت بالاستئجار للأصل.

فان قيل بفعل الغير تُبرأ ذمّة الميت ولا صوم عليه فلا معنى لقضاء الولي عنه.

قلت: ما أرى مانعاً من قضاء متعدد من واحد، ولا ضير في أن تشتغل ذمة أحد بشيء يجوز لمائة أداؤه عنه ولو بالتعاقب.(3)

أقول: إنّ معنى ذلك اشتراط المباشرة في القضاء عن الميّت، وقد عرفت أنّ =


1 . الوسائل: الجزء 13، الباب 1 من كتابالإجارة، الحديث 1.
2 . المواهب في تحرير أحكامالمكاسب: 740، الوجه الثامن.
3 . مستندالشيعة: 10/ 466.


(243)

المسألة 23: إذا شك الوليّ في اشتغال ذمّة الميّت وعدمه لم يجب عليه شيء ولو علم به إجمالاً وتردّد بين الأقلّ والأكثر جاز له الاقتصار على الأقلّ.*

المسألة 24: إذا أوصى الميّت باستيجار ما عليه من الصوم أو الصلاة سقط عن الوليّ بشرط أداء الأجير صحيحاً وإلاّ وجب عليه.*

ــــــــــــــــــــــــ
= المتبادر من أمثال المقام هو أداء ما على الميّت وليس على الميت إلاّصوم واحد فيسقط بفعل واحد منهم فلا يبقى موضوع للآخر.

وأمّا الفرع الثاني، فلأنّ الواجب هو تفريغ ذمة الميت عن الصوم . والاستئجار طريق إليه والمفروض انّه لم يحصل، نعم لو كان الواجب عليه أحد الأمرين:الإتيان بالصوم مباشرة، أو الاستئجار، فبما انّه قام بأحد الشقين من الواجب التخييري، سقط الوجوب، لكنّه خلاف الفرض.

* ربما يحتمل الاشتغال بجريان أصالة عدم إتيان الميّت بالواجب .

يلاحظ عليه بما ذكرناه سابقاً من عدم جريانه إلاّ فيما إذا كان ظرف الوجوب أوسع من ظرف الفعل كصلاة الظهر عند دلوك الشمس، و أمّا إذا كانا متساويين، فالمتيقن هو عدم الإتيان بالنفي التام قبل دخول ظرف الواجب، والموضوع للقضاء ، هو عدم الإتيان بالمعنى الناقص وبعد دخول ظرفه واستصحاب الأول، لغاية إثبات الثاني من أوضح مصاديق الأُصول المثبتة فلاحظ وقد بيّناه في محاضراتنا الأُصولية.

والأولى: التمسك بأصل البراءة ، للشك في الاشتغال، و منه يظهر الحال فيما إذا تردّد بين الأقل والأكثر ومعه لا حاجة إلى استصحاب البراءة لكونه حاكماً عليه، لأنّ الأول يكفي فيه مجرّد الشكّ بخلاف الثاني فهو رهن لحاظ الحالة السابقة وجرّها، والأقل مؤنة يقدّم على الأكثر.

*قد عرفت أنّ الواجب هو تفريغ ذمّة الميّت، فلو أوصى وأدّى الأجير حصلت =


(244)

المسألة 25: إنّما يجب على الوليّ قضاء ما علم اشتغال ذمّة الميّت به أو شهدت به البيّنة أو أقرّ به عند موته وأمّا لو علم أنّه كان عليه القضاء وشكّ في إتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمّته فالظاهر عدم الوجوب عليه باستصحاب بقائه نعم لو شكّ هو في حال حياته وأجرى الاستصحاب أو قاعدة الشغل ولم يأت به حتّى مات فالظاهر وجوبه على الوليّ.*

ــــــــــــــــــــــــ
= الغاية المتوخّاة، فلم يبق موضوع للقضاء ، نعم لو لم يؤدِّ أو أدَّى غيرَ صحيح فلا يسقط عن الوليّ، لأنّ وجوب القضاء على الولي حكم شرعي لا يسقط بالإيصاء وليس من الحقوق القابلة له، وسقوطه عن ذمّة الولي بعد قيام الأجير به، لأجل عدم الموضوع لا لكون الإيصاء مسقطاً للحكم الشرعي.

* هنا فروع ثلاثة:

1. يجب القضاء على الولي إذا علم اشتغال ذمّة الميّت، أو قيام البيّنة عليه، أو أقرّ به الميّت.

2. إذا علم الوليّ بالاشتغال لكن بعد مرور زمان ـ يحتمل قيام الأب بالواجب ـ شكّ في بقاء اشتغال ذمّته، فهل يجب عليه الإتيان؟

3. لو كانت ذمّته مشغولة وشكّ نفسُ الميّت في الإتيان ولم يأت ومات يجب على الولي القضاء.

أمّا الفرع الأوّل: فلا إشكال في ثبوته بالأوّلين وإنّما الإشكال في ثبوته بالإقرار، لأنّه ليس إقراراً على نفسه إذ ليس له أثر بالإضافة إلى المقرّ بل إلى الغير أي الولد الأكبر، ومن المعلوم انّ إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، لا على غيرهم، ولا يقاس الإقرار بالصوم، بالإقرار بالدين فانّه مستلزم حرمان الورثة، أوّلاً، و مؤثر في نفسه ثانياً إذ بعد الإقرار يُطالب .

لكن للتأمّل فيه مجال: وذلك لأنّه إذا كان الموضوع ممّا لا يعلم إلاّ من قبل =


(245)

ــــــــــــــــــــــــ
= المقرّ فلابدّ من قبوله لانسداد الطريق كما هو الحال في الإقرار بما في الأرحام، فإذا كان الإقرار واجباً يكون السماع مثله وإلاّيلزم اللغوية غالباً.

أمّا الفرع الثاني: أعني: إذا علم الولي اشتغال ذمته بالقضاء ولكن شكّ في إتيان الميّت به حال حياته أو بقاء شغل ذمّته، والفرق بين هذا الفرع والفرع الآتي بعد اشتراكهما في العلم بالاشتغال والشك في البقاء وتفريغ الذمّة، هو انّه تارة يكون اليقين والشك من الولي، من دون العلم بحال الميّت وانّه هل مات متيقّناً بالاشتغال، أو بالبراءة ، أو شاكاً وهذا هوالفرع الذي نحن فيه وأُخرى يكون الشكّ من نفس الميّت حال حياته فيشك في أنّه هل أتى ما كان عليه أو لا؟ وهذا هو الفرع الآتي، فإليك الكلام في الأوّل.

إذا علم الولي باشتغال ذمة الوالد بالصوم وشكّ في إتيانه حال حياته، فقد استظهر المصنف عدم الوجوب عليه، وخالفه غالب المعلّقين عليه فاستظهروا خلافه وصحةَ التمسك باستصحاب البقاء.

وجه عدم الوجوب، هو انّ المرجع أصالة البراءة النافية لوجوب القضاء، وأمّا استصحاب بقاء الاشتغال فليس بحجّة، وذلك لأنّه ليس بأقوى من قيام البيّنة على الميّت حيث لا تكون حجّة في إثبات الدعوى عليه مالم تقترن باليمين، فانّ استصحاب بقاء الاشتغال نوع ادّعاءعلى الميّت فلا يكون كافياً في المقام.

قال المحقّق: ولا يستحلف المدّعي مع البيّنة إلاّ أن تكون الشهادة على ميّت فيُستخلف على بقاء الحقّ في ذمته استظهاراً.(1)

ويدل عليه، خبر عبدالرحمن البصري:«وإن كان المطلوب بالحق قد مات، فأُقيمت عليه البيّنة، فعلى المدّعي، اليمين باللّه الذي لاإله إلاّهو، لقد مات فلان وانّ =


1 . الشرائع:4/85.


(246)

ــــــــــــــــــــــــ
= حقه لعليه، فإن حلف وإلاّفلا حقّ له، لأنّا لا ندري لعله قد أوفاه ببيّنة لا نعلم موضعها أو غير بيّنة قبل الموت».(1)

و مكاتبة محمد بن الحسن الصفار،إلى أبي محمد الحسن بن علي ـ عليهما السَّلام ـ :هل تُقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع ـ عليه السَّلام ـ :« إذا أشهد معه آخر عدل، فعلى المدّعي اليمين».(2)

يلاحظ عليه: أنّ مورد الروايتين هو ما إذا أُقيمت الدعوى على الميّت، بحيث لو ثبتت لتضرّر الوراث، وأين هو من استصحاب الولي الذي لو صحّ لكان عليه القيام بالقضاء لا غير؟!

والحاصل: انّه لا مانع من جريان الاستصحاب الذي تمّ أركانه عند الولي حيث أيقن وشكّ وأمر الشارع بعدم نقض يقينه بالشك فصار كالمتيقن «بأنّ الميت مات وعليه صيام» فيكون الاستصحاب منقحاً لموضوع الدليل الاجتهادي.

وأمّا الفرع الثالث، أعني: ما إذا كان الميّت نفسه هو المتيقّن بالاشتغال والشاك في فراغ ذمّته فقط، فاستظهر المصنّف وجوب القضاء على الوليّ والمفروض اختصاص الميّت باليقين والشك، لا الولي، وإلاّفلو كان هو أيضاً في حال حياته، متيقّناً وشاكّاً، يدخل في الفرع الأوّل.

وذهب السيد الحكيم إلى عدم جريانه، لأنّ المدار في الوجوب على الوليّ قيام الحجّة عنده على فوات الواجب،لا قيامها عند الميت.

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان قيام الحجة عند الميّت مبدأ لقيام الحجّة على الوليّ، يكون داخلاً في المدار المزبور، وذلك لأنّ الميت بإجراء الاستصحاب في حياته صار =


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 28 من أبواب الشهادات، الحديث1.


(247)

المسألة 26:في اختصاص ما وجب على الوليّ بقضاء شهر رمضان أو عمومه لكلّ صوم واجب قولان مقتضى إطلاق بعض الأخبار الثاني وهو الأحوط.*

ــــــــــــــــــــــــ
= محكوماً بالقضاء وانّ عليه صياماً، فإذا مات يصدق عليه قوله:«في الرجل يموت وعليه صلاة وصيام؟ قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» . وعلى ما ذكرنا يجب القضاء في جميع الصور بلا إشكال واللّه العالم.

* قد اختار الثاني جماعة.

قال المفيد في مقنعته : يجب على وليّه أن يقضي عنه كلّ صيام فرّط فيه من نذر أو كفّارة أو قضاء رمضان.(1)

قال الشيخ: والمريض إذا قد وجب عليه شهران متتابعان ثمّ مات، تصدق عن شهر ويقضي عنه وليّه شهراً آخر.(2) وتبعه ابن البراج.(3)

وكلامه هذا يدلّ على أنّ الولي يتحمّل كلّ صوم واجب غير انّ تبديل أحد الشهرين بالتصدّق لأجل الرواية الواردة فيه كما سيوافيك.(4)

وقال ابن إدريس: الشهران إذا كانا نذراً وفرط فيهما وجب على وليّه ـ وهو أكبر أولاده الذكور ـ الصيام للشهرين. (5) واستقربه العلاّمة في «المختلف».(6)

ولكن الظاهر من الصدوق في «المقنع» هو الاختصاص بقضاء رمضان حيث خصّه بالذكر وقال: وإذا مات رجل وعليه صوم شهر رمضان فعلى وليّه أن يقضي عنه. ونقله العلاّمة في المختلف عن العمّاني.(7) وهذا هو الأقرب، وذلك لأنّ السؤال في أغلب =


1 . المقنعة: 353 ـ 354.
2 . النهاية: 158.
3 . المهذب:1/196.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 24 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.
5 . السرائر: 1/398.
6 . المختلف:3/539.
7 . المقنع:201، المختلف: الطبعة الحجرية:242.


(248)

ــــــــــــــــــــــــ
= الروايات عمّن مات وعليه قضاء شهر رمضان.

وهذا قرينة على أنّ المركوز في أذهان الرواة، هو لزوم الخروج عن قضاء شهر رمضان، دون غيره ولو كان الحكم عامّاً كان على الإمام الإشارة أو التصريح به مع كثرة الأسئلة.

وثانياً لو قلنا به، لزم القول بلزوم قضاء كلّ ما اشتغلت ذمّته ولو بالانتقال من ذمّة أبيه إلى ذمّته، وهذا كما ترى حكم حرجيّ، لا يلزم به أحد.

استدلّ القائل بالعموم بروايتين:

1. صحيحة حفص، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام قال: «يَقضي عنه أولى الناس بميراثه» قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة فقال: «لا إلاّالرجال».(1) وجه الاستدلال هوإطلاق قول السائل«وعليه صلاة أو صيام» وعدم تقييده برمضان.

يلاحظ عليه: أنّ جواب الإمام بأنّه يقضيه أولى الناس بميراثه، يكشف عن واقع السؤال، وانّ حيثية السؤال كانت راجعة إلى تعيين من يقضي، من دون نظر إلى سبب اشتغاله من رمضان أو نذر أو كفّارة حتى يؤخذ بإطلاق السؤال والجواب.

2. خبر الحسن بن عليِّ الوشاء ،عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: «إذا مات رجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علّة فعليه أن يتصدّق عن الشهر الأوّل ويقضي الشهر الثاني».(2)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ الحديث لا يثبت تمام المدّعى، لأنّ مفاده جوازالتصدّق عن الشهر الأوّل، دون الشهر الثاني، وهو غير المدّعى.

وثانياً: أنّ مرجع الضمير في «فعليه» غير معلوم ولا دليل في ظاهر الحديث انّه =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 24 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.


(249)

المسألة 27:لايجوز للصائم قضاء شهر رمضان إذا كان عن نفسه الإفطار بعد الزوال بل تجب عليه الكفّارة به وهي كما مرّ إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ ومع العجز عنه صيام ثلاثة أيام وأمّا إذا كان عن غيره بإجارة أو تبرّع فالأقوى جوازه وإن كان الأحوط الترك كما أنّ الأقوى الجواز في سائر أقسام الصوم الواجب الموسّع وإن كان الأحوط الترك فيها أيضاً وأمّا الإفطار قبل الزوال فلا مانع منه حتّى في قضاء شهر رمضان عن نفسه إلاّ مع التعيين بالنذر أو الإجارة أو نحوهما أو التضيّق بمجيء رمضان آخر إن قلنا بعدم جواز التأخير إليه كما هو المشهور.*

ــــــــــــــــــــــــ
= يرجع إلى الولي وإن نقله صاحب الوسائل في ذلك الباب، وعلى القول به يمكن حمل الحديث على من استمرّ مرضه إلى شهر رمضان الثاني، ثمّ صحّ ولم يصم ومات، فيجب على الولي التصدّق عن الأوّل، لعدم برئه و القضاء عن الثاني لبرئه وموته بعده. ويدلّ على ذلك قوله من علّة، الظاهر في المرض. وما ذكرناه وإن كان غير قطعي لكنّه أولى من حمله على ظاهره.

* هنا فروع:

1. يجوز للصائم قضاءَ شهر رمضان، الإفطارُ قبل الزوال ولا يجوز بعده.

2. ما هي كفّارة إفطاره بعد الزوال؟

3. إذاكان الصوم قضاءً عن غيره بإجارة أو تبرّع هل يجوز الإفطار مطلقاً؟

4. يجوز الإفطار مطلقاً في سائر أقسام الصوم إلاّ مع التعيّن أو التضيّق.

أمّا الفرع الأوّل: أي جواز الإفطار للصائم قضاء شهر رمضان قبل الزوال، فهو المشهور ولم ينقل خلاف ذلك إلاّ من ابن أبي عقيل و أبي الصلاح .

قال الأوّل: فمن أصبح صائماً بقضاء كان عليه من شهر رمضان و قد نوى =


(250)

ــــــــــــــــــــــــ
= الصوم من الليل، فأراد أن يفطر في بعض النهار، لم يكن له ذلك.(1)

وقال أبو الصلاح: إن أفطر يوماً عزم على صومه قضاءً قبل الزوال فهو مأزور، وإن كان بعد الزوال تعاظم وزره.(2)

وعلى كلّ تقدير فقد تضافرت الروايات على جواز الإفطار قبل الزوال وعدمه بعده، منها:

1.صحيحة جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: في الذي يقضي شهر رمضان : «إنّه بالخيار إلى زوال الشمس، فإن كان تطوعاً فإنّه إلى الليل بالخيار».(3)

2. خبر إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «الذي يقضي شهر رمضان هو بالخيار في الإفطار ما بينه و بين أن تزول الشمس، و في التطوع ما بينه و بين أن تغيب الشمس».(4)

وفي السند زكريّا المؤمن الذي قال النجاشي في حقّه: حُكي عنه ما يدلّ على أنّه كان واقفاً، وكان مختلط الأمر في حديثه».(5)

3. موثقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه سُئل عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان ـ إلى أن قال: ـ سُئل: فإن نوى الصوم ثمّ أفطر بعد ما زالت الشمس؟ قال:« قد أساء وليس عليه شيء إلاّ قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه».(6) وقوله: « قد أساء» آية الحرمة =


1 . لمختلف: 3/556.
2 . الكافي: 184.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث4و10.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث4و10.
5 . رجال النجاشي: 1/391 برقم 451.
6 . الوسائل: الجزء7، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.


(251)

ــــــــــــــــــــــــ
= ويؤيد الحكم، الروايات التي تفصِّل بين الفريضة و النافلة كرواية سماعة.(1) فتجوّز في الثانية دون الأولى، فانّ إطلاقها ـ لو لم نقل منصرفها ـ يعم قضاء شهر رمضان.

وأمّا موثّقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن المرأة تقضي شهر رمضان، فيكرهها زوجها على الإفطار، فقال: «لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال».(2) فتحمل على الحرمة بقرينة سائر الروايات.

وبذلك تعالج طائفتان من الروايات:

إحداهما: ما يظهر منه المنع مطلقاً سواء كان قبل الزوال أو بعده كصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألته عن الرجل يقضي رمضان، أله أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ فقال : «إذا كان نوى ذلك من الليل و كان من قضاء رمضان، فلا يفطر ويتم صومه».(3)

يلاحظ عليه: أنّها محمولة على الاستحباب بقرينة ما ورد من التفصيل الذي عرفته، على أنّه ورد مثل ذلك في الصوم المستحب أيضاً فما ظنك بمثل قضاء الصوم الواجب.(4)

ثانيهما: ما يظهر منه الجواز مطلقاً، كخبر صالح بن عبداللّه الخثعمي.(5)

وأمّا الفرع الثاني: وهو ما هو كفّارة الإفطار بعد الزوال، فقد استوفينا البحث عنه في السابق.(6) =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث8.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث2.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 6، 5، 3.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 6، 5، 3.
5 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 6، 5، 3.
6 . الفصل السادس. المسألة الأُولى.


(252)

ــــــــــــــــــــــــ
= وأمّا الفرع الثالث وهو اختصاص عدم الجواز بما إذا قضى عن نفسه، أو عمومه لمن يتبرّع عن الغير. فالتحقيق عدم شموله له لانصراف الأدلّة عن المتبرّع والأجير.

نعم ربّما يتصور عموم الحكم بالنسبة إليهما بل إلى سائر أقسام الصوم الواجب، وقد استدلّ على ذلك بروايتين:

1. إطلاق خبر سماعة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في قوله:«الصائم بالخيار إلى زوال الشمس قال: «إنّ ذلك في الفريضة، و أمّا النافلة فله أن يفطر أيّ وقت شاء إلى غروب الشمس»(1) باعتبار انّ المدار هو الفرض و النفل وما يقوم به المتبرّع من الصوم، ليس نفلاً بل فرض، لكونه قضاء عن الميت، ومنه يظهر حكم سائر أقسام الصوم الواجب.

يلاحظ عليه: أنّ محور السؤال والجواب هو الصوم الفرض والنفل، والعمل بالنسبة إلى المنوب عنه و إن كان لا يخلو عن أحد وصفين، لكنّه بالنسبة إلى النائب لا فرض ولا نفل فلا يعمُّ عمله وأمّا سائر أقسام الصوم الواجب فالظاهر دخوله تحت الفرض، لكن الرواية ضعيفة، وقد ورد محمد بن سنان في سند الشيخ والكليني كليهما.

2. خبر عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك و بين الليل، متى ما شئت وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس، فليس لك أن تفطر».(2)

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع قضاء الفريضة ولا يصدق إلاّ على ما إذا قضى عن نفسه وأمّا إذا قضى عن الغير فلا يوصف العمل بالفرض والنفل، كما لا يعم سائر أقسام الصوم الواجب الذي يأتي به الإنسان أداءً كالكفّارة والنذر الموسع، لعدم كونه قضاءً. =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث8 و 9.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث8 و 9.


(253)

الفصل الرابع عشر
في صوم الكفارة

وهو أقسام منها: ما يجب فيه الصوم مع غيره وهي كفّارة قتل العمد وكفّارة من أفطر على محرّم في شهر رمضان فإنّه تجب فيها الخصال الثلاث.*

ومنها:ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره وهي كفّارة الظهار وكفّارة قتل الخطأ فإنّ وجوب الصوم فيهما بعد العجز عن العتق وكفّارة الإفطار في قضاء رمضان فإنّ الصوم فيها بعد العجز عن الإطعام كما عرفت وكفّارة اليمين وهي

ــــــــــــــــــــــــ
= الفرع الرابع: في الصوم المتعيّن بالنذر أو الإجارة، أو ضيق الوقت، لا يجوز الإفطار مطلقاً لكن عدم الجواز لأجل حرمة نكث النذر، ونقض العهد، حيث إنّ الإفطار مطلقاً، قبل الزوال وبعده موجب لفوت الواجب اختياراً، فلا يجوز لأجل هذا العنوان العارض له، لا للصوم بما هوهو.

* ذَكَرَ لصوم الكفّارة أقساماً أربعة:

الأوّل: ما يجب فيه الصوم مع غيره.

الثاني: ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره.

الثالث: ما يجب فيه الصوم مخيّراً بينه و بين غيره.

الرابع: ما يجب فيه الصوم مرتباً على غيره متخيّراً بينه وبين غيره. =


(254)

عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم وبعد العجز عنها فصيام ثلاثة أيّام وكفّارة صيد النعامة وكفّارة صيد البقر الوحشي وكفّارة صيد الغزال فإنّ الأول تجب فيه بدنة ومع العجز عنها صيام ثمانية عشر يوماً والثاني يجب فيه ذبح بقرة ومع العجز عنها صوم تسعة أيّام والثالث يجب فيه شاة ومع العجز عنها صوم ثلاثة أيّام وكفّارة الإفاضة من عرفات قبل الغروب عامداً وهي بدنة وبعد العجز عنها صيام ثمانية عشر يوماً وكفّارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتّى أدمته

ــــــــــــــــــــــــ
= وحاصل الأقسام: ما يجب فيه الجمع وتسمّى كفّارة الجمع وما يتعيّن فيه الصوم ـ بعد العجز عن غيره ـ فيكون واجباً تعيينياً، وما يتخيّر بين الصوم وغيره فيكون واجباً تخييريّاً، و ما يجمع بين الوصفين الترتيب أوّلاً ثمّ التخيير.

القسم الأوّل: ما تجب فيه كفّارة الجمع

وتجب في موردين:

الأوّل: كفّارة قتل العمد.

الثاني: كفّارة من أفطر على محرّم في شهر رمضان.

أمّا الأوّل: فقال المحقّق تحت عنوان :«ما يجب فيه الصوم مع غيره» وهو كفّارة قتل العمد، فإنّ خصالها الثلاث تجب جميعاً.(1)

و قال في الجواهر:بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه.(2)

ويدلّ عليه صحيح ابن سنان و موثّق ابن بكير كلاهما عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً هل له توبة؟ قال : «...فإن عفوا [أولياء المقتول] عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية، وأعتق نسمة وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكيناً توبة إلى اللّه عزّوجلّ».(3) =


1 . الشرائع:1/ 151.
2 . الجواهر:17/63.
3 . الوسائل:الجزء 19، الباب9، من أبواب قصاص النفس، الحديث 1.


(255)

ونتفها رأسها فيه وكفّارة شقّ الرجل ثوبه على زوجته أو ولده فإنّهما ككفّارة اليمين.*

ــــــــــــــــــــــــ
= و موثّق سماعة ـ على ما نقله العيّاشي في حديث... «ولكن يقاد به، والدية إن قبلت»، قلت: فله توبة؟ قال: نعم، يُعتق رقبة، ويصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكيناً...».(1) نعم نقله الكليني بسند صحيح عن سماعة ولكنّه لا يشتمل على هذه القطعة بل اختص العياشي بنقله.

وظاهر النصوص هو وجوبه عند العفو، و قبول الدية لا مطلقاً حتى في صورة القصاص، فلاحظ.

وأمّا الثاني: أعني: كفّارة من أفطر على حرام من شهر رمضان، فالمشهور انّه تجب فيها الخصال الثلاث، وقد مرّ الكلام فيه في الفصل السادس، أي ما تجب فيه الكفّارة في المسألة الأُولى، فلاحظ.

القسم الثاني: ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره

و هناك ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره: و هي تسعة موارد:

الأوّل: كفّارة الظهار

إنّ الواجب عند الظهار، صوم شهرين، مع العجز عن العتق، يقول سبحانه:

(وَالّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْريرُ رَقَبة مِنْ قَبْل أَن يتماسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبيرٌ* فَمَنْ لَمْ يَجِدْفَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَماسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً...).(2)=


1 . الوسائل:الجزء 19، الباب9، من أبواب قصاص النفس، الحديث 2.
2 . المجادله: 3 ـ 4.


(256)

ــــــــــــــــــــــــ

= الثاني: كفّارة قتل الخطأ

إنّ الواجب فيها، هو العتق أوّلاً، ثمّ الصوم مع العجز عنه، قال سبحانه: (وَمَنْ قَتلَ مُؤمِناً خَطأً فَتَحْرِيرُ رَقَبة مُؤْمِنَة ودِيَةٌ مُسَلّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ ـ إلى أن قال سبحانه:ـ فَمَنْ لَمْ يَجِدْفَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّهِ وَكانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً).(1)

الثالث: كفّارة الإفطار في قضاء شهر رمضان

إنّ الواجب على من أفطر في قضاء شهر رمضان بعد الزوال هو إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّفإن لم يتمكن فصوم ثلاثة أيّام. وقد تقدّم في الفصل السادس، المسألة الأُولى، فلاحظ.

الرابع: كفّارة اليمين

إذا نقض يمينه، فكفّارته إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة; ومع العجز صيام ثلاثة أيّام، قال سبحانه: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثةِ أَيّام ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْْ) (2). وما ورد في بعض الروايات ممّا يخالف الآية لا يعتد به وإن صحّ سنده، فهو إمّا مؤوّل كما صنعه في الوسائل، أو مطروح.(3)

الخامس: كفّارة صيد النعامة، وكفّارة صيد البقر الوحشي، وكفّارة صيد =


1 . النساء: 92.
2 . المائدة:89.
3 . الوسائل: الجزء 15، الباب 12 من أبواب كتاب الايلاء والكفّارات، الحديث 6.


(257)

ــــــــــــــــــــــــ
= الغزال

فالكلام يقع تارة فيما يجب ابتداءً، وأُخرى فيما إذا عجز عنه .

أمّا الأوّل، فيجب في صيد النعامة، بدنة; وفي البقر الوحشي، بقرة; وفي الغزال شاة. واستدلّوا على ذلك بقوله سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَقتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فجزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَم يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الكَعْبَةِ) (1). فكفّارته ما أشار إليه بقوله: (فجزاء مثل ما قتل من النّعم)، ولعلّ (جزاء)مبتدأ و(مثل ماقتل) خبره، أي جزاء ذلك الفعل، مثل ما قتل. وقد اختلف في هذه المماثلة أهي في الخلقة، أو في القيمة؟ فالذي عليه معظم أهل العلم انّ المماثلة معتبرة في الخلقة، ففي النعامة، بدنة; وفي الحمار الوحشي، بقرة; وفي الظبي والأرنب، شاة. وهوقول ابن عباس و الحسن ومجاهد والسدي وعطاء والضحاك.

قال إبراهيم النخعي : يُقوّم الصيد قيمة عادلة، ثمّ يُشترى بثمنه من النعم فاعتبر المماثلة بالقيمة. والصحيح هو القول الأوّل.(2)

وفي صحيح حريز، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في قول اللّه عزّوجلّ: (فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتلَ من النّعم)، قال:«في النعامة بدنة، وفي حمار وحش بقرة، وفي الظبي شاة، وفي البقرة بقرة».(3)

وأمّا الثاني، أي ما هو الواجب بعد العجز عن الكفّارة الأُولى؟ فظاهر عبارة المصنّف انّه ينتقل إلى الصيام، بلا واسطة بينهما ، ولكن النصوص والفتاوى على خلافه وانّ الصيام في الدرجة الثالثة، فقد جاءت الضابطة في صحيحة علي بن جعفر، عن =


1 . المائدة: 95.
2 . مجمع البيان:2/245، ط صيدا.
3 . الوسائل: الجزء 10، الباب 1 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث 1.


(258)

ــــــــــــــــــــــــ
= أخيه موسى بن جعفر ـ عليهما السَّلام ـ :

1. سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ما عليه؟ قال: «عليه بدنة، فإن لم يجد فليتصدّق على ستين مسكيناً ، فإن لم يجد فليصم ثمانية عشر يوماً».

2. قال سألته عن مُحرم أصاب بقرة ما عليه؟ قال: «عليه بقرة. فإن لم يجد فليتصدّق على ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد فليصم تسعة أيّام».

3. قال وسألته عن مُحرم أصاب ظبياً ما عليه؟ قال: «عليه شاة، فإن لم يجد فليتصدق على عشرة مساكين، فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيّام».(1)

فتكون النتيجة كالتالي:

1. صيد النعامة بدنة فستون مسكيناً فصوم ثمانية عشر يوماً

2. صيد البقر الوحشي بقرة فثلاثون مسكيناً فصوم تسعة أيّام

3. صيد الظبي شاة فعشرة مساكين فصوم ثلاثة أيّام

ويظهر من صحيحة معاوية بن عمّار انّ كلّ ما وجب فيه البدنة بحكم المماثلة في صيد الحرم يجب فيه عند العجز ما وجب في صيد النعامة من الإطعام فالصوم.

وكلّ ما وجب فيه البقرة بحكم المماثلة الذي يحكم به ذوا عدل ـ كما في الآية المباركةـ يجب فيه عند العجز ما في صيد البقر الوحشي من الإطعام فالصوم.

وكلّ ما وجب فيه شاة، بحكم المماثلة، يجب فيه عند العجز، ما وجب في صيد الظبي من الإطعام فالصوم.(2) وعلى ذلك يجب في صيد الثعلب والأرنب الشاة عند العجز، إطعام عشرة مساكين، فصوم ثلاثة أيّام. والتفصيل في محله.=


1 . الوسائل: الجزء 10، الباب 2 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث 6، 7و8.
2 . الوسائل: الجزء 10، الباب 2 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث 13.


(259)

ــــــــــــــــــــــــ

= السادس: الإفاضة قبل الغروب من عرفات

يجب الوقوف في عرفات من الزوال إلى الغروب وإن كان الركن مسمّى الوقوف، فلو أفاض إلى المشعر الحرام قبله، فالواجب فيه بدنة، ولو عجز صام ثمانية عشر يوماً، وكانت قريش تفيض منها إلى المشعر قبل الغروب تفاخراً وتحقيراً للآخرين فنُهي عنه: ففي صحيح ضريس الكناسي عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس؟ قال: «عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر، صام ثمانية عشر يوماً بمكة، أو في الطريق، أو في أهله».(1)

هذا هو المشهور ولكن مقتضى الاحتياط أمر آخر، والتفصيل موكول إلى محلّه.

السابع، الثامن، والتاسع: كفّارة الخدش والنتف والشق

فقد ذكر المصنّف ممّا يرجع إلى الأُمور الثلاثة:

1. إذا خدشت المرأة وجهها في المصاب حتى أدمته، 2.أو نتفت شعر رأسها فيه، 3.أو شق الرجل ثوبه على زوجته وولده فكفّارتها، كفّارة اليمين.

قد عرفت كفّارة اليمين وهي: قال سبحانه: (إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوسَطِما تُطْعِمُونَ أَهْليكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّام ذلِكَ كَفّارةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ).(2)

قال المحقّق: ويجب على المرأة في نتف شعرها في المصاب، وخدش وجهها، وشق الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته كفّارة يمين.(3) =


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 23 من أبواب احرام الحجّ والوقوف بعرفة ، الحديث 3 . ولاحظ غيره من هذا الباب.
2 . لمائدة:89.
3 . الشرائع:3/631.


(260)

ــــــــــــــــــــــــ
= وقال يحيى بن سعيد : ولا يجوز للرجل شقّ ثوبه بموت ولده، فإن فعل فعليه التوبة وكفّارة يمين. وفي لطم المرأة خدّها حتى تدميه كفّارة يمين، و في نتف المرأة شعرها كفّارة يمين، وفي لطم المرأة وجهها بلا إدماء التوبة.(1)

والمراد من النتف هو النزع والقلع، وأمّا الجزّ فهو القطع والقصّ بالمِقَصِّ. ويأتي حكمه في القسم الثالث فإنّ كفّارته كفّارة الإفطار في شهر رمضان استناداً إلى رواية خالد بن سدير كما سيوافيك.

وموضوع المسألة في جانب المرأة هو نتف الشعر، وخدش الوجه الذي لا ينفك غالباً عن الإدماء.

وموضوعها في جانب الرجل شقّ ثوبه في مصاب الولد والزوجة ويجمعهما ، انّ كفّارة الجميع هوكفّارة اليمين، وقد أفتى به المحقّق في الشرائع، و ادّعى صاحب الجواهر، عدم وجدان الخلاف و نقل عن الروضة والانتصار الإجماع عليه.

وأمّا ابن إدريس فقد تردّد في أوّل الأمر في الشق(شق الوالد على ولده والزوج على زوجته) وحمل الرواية على الندب، لكنّه تنازل عنه، لأجل وجود الإجماع من الأصحاب قال:

ولا يجوز للرجل أن يشقّ ثوبه في موت أحد من الأهل والقرابات، فإن فعل ذلك فقد روي أنّ عليه كفّارة يمين، والأولى أن يُحمل على الندب دون الفرض، لأنّ الأصل براءة الذمة، وهذه الرواية قليلة الورود في أبواب الزيادات عن رجل واحد، وقد بيّنّا انّ أخبارالآحاد لا توجب علماً ولا عملاً، إلاّ أنّ أصحابنا مجمعون عليها في تصانيفهم وفتاواهم، فصار الإجماع هو الحجّة على العمل بها و بهذا أفتي.(2) =


1 . الجامع للشرائع: 418.
2 . السرائر: 3/ 78، كتاب الايمان.


(261)

ــــــــــــــــــــــــ
= وأمّا الفرع الآخر، أعني: نتف الشعر وخدش الوجه، فذكر الثاني منهما فقط وأفتى به «قال: إذا خدشت وجهها حتى تُدميه كان عليها كفّارة يمين».(1)

والظاهر من قوله في الفرع: «إنّ أصحابنا مجمعون عليها في تصانيفهم» كونه أمراً مشهوراً بين الأصحاب.

والظاهر انّ معتمد الجميع، هو رواية خالد بن سدير أخي حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :

1. عن رجل شقّ ثوبه على أبيه، أو على أُمّه، أو على أخيه، أو على قريب له؟ فقال: «لابأس بشقّ الجيوب، قد شقّ موسى بن عمران على أخيه هارون».

2. ولا يشقُّ الوالد على ولده، ولا زوج على امرأته.

3. وتشقُّ المرأة على زوجها.

4. وإذا شقّ زوج على امرأته، أو والد على ولده فكفّارته حنث يمين، ولا صلاة لهما حتى يكفّرا، أو يتوبا من ذلك.

5.فإذا خدشت المرأة وجهها أو جزّت شعرها أو نتفته ففي جزّ الشعر عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أوإطعام ستين مسكيناً.

6. و في الخدش إذا دميت و في النتف كفّارة حنث يمين.(2)

ويدلّ على ما ذكره المصنّف ما في الفقرة الرابعة والسادسة وحاصله: انّ في الجميع كفّارة اليمين إلاّ الجزّ ففيه كفّارة شهر رمضان.


1 . السرائر: 3/ 78، كتاب الايمان.
2 . الوسائل: الجزء 15، الباب 31 من أبواب الكفّارات، الحديث1.


(262)

ومنها: ما يجب فيه الصوم مخيّراً بينه وبين غيره وهي كفّارة الإفطار في شهر رمضان وكفّارة الاعتكاف وكفّارة النذر والعهد وكفّارة جزّ المرأة شعرها في المصاب فإنّ كلّ هذه مخيّرة بين الخصال الثلاث على الأقوى وكفّارة حلق الرأس في الإحرام وهي دم شاة أو صيام ثلاثة أيام أو التصدّق على ستّة مساكين لكلّ واحد مدّان.*

ــــــــــــــــــــــــ

القسم الثالث: ما يجب فيه الصوم مخيّراً

وهو خمسة مواضع:

الأوّل: كفّارة الإفطار في شهر رمضان

قد مضى الكلام فيه في الفصل السادس، المسألة الأُولى فراجع.

الثاني: كفّارة فساد الاعتكاف بالجماع

قال المصنّف في كتاب الاعتكاف: إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع ولو ليلاً وجبت الكفّارة، وكفّارته ككفّارة شهر رمضان على الأقوى، وإن كان الأحوط كونها مرتبة ككفّارة الظهار».(1)

وقد ذكروا انّه تحرم على المعتكف مباشرة النساء جماعاً ولمساً وتقبيلاً بشهوة في الأخيرين استناداً إلى قوله تعالى: (وَلا تُباشِروهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِد)(2)، وربما خصُّوا التحريم بالجماع دونهما، والظاهر عدم الخلاف في فسادِ الاعتكاف بالجماع، وهل هذه الكفّارة مخيّرة أو مرتبة؟ ظاهر كلام ابن بابويه انّها مرتبة، لأنّه جعلها =


1 . العروة الوثقى: فصل في أحكام الاعتكاف، المسألة 9.
2 . البقرة:184.


(263)

ــــــــــــــــــــــــ
=كالظهار. وقال الشيخان والسيد المرتضى وأتباعهم انّها كفّارة إفطار نهار رمضان ونقل الشيخ في المبسوط خلافاً بين علمائنا في التخيير والترتيب.

احتجّ ابن بابويه بحديث زرارة، واحتج الشيخان برواية سماعة، والأُولى أصحّ طريقاً، والثانية أوضح عند الأصحاب.(1)

أقول: يدلّ على القول الأوّل روايتان:

1. روى الصدوق باسناده، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ عن المعتكف يجامع أهله؟ قال: «إذا فعل فعليه ما على المظاهر». ورواه الكليني والشيخ عن ابن محبوب.(2)

2.روى الكليني بسند صحيح عن أبي ولاّد الحنّاط قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيّأت لزوجها حتّى واقعها؟ فقال: «إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تنقضي ثلاثة أيّام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فانّ عليها ما على المظاهر».(3)

ويدل على القول الثاني روايتان:

3.روى الصدوق عن عبد اللّه بن المغيرة، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن معتكف واقع =


1 . المختلف: 3/595.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف ، الحديث 1، 6 و 2.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف ، الحديث 1، 6 و 2.


(264)

ــــــــــــــــــــــــ
= أهله؟ فقال: «هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان». ورواه الكليني والشيخ أيضاً.(1)

4. وروى أيضاً عن سماعة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن معتكف واقع أهله؟ قال: «عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً. عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً».(2)

إنّ قول العلاّمة :الأُولى أصحّ طريقاً، والثانية أوضح عند الأصحاب، يبعثنا إلى دراسة سند الروايات فنقول:

أمّا سند الصدوق إلى الحسن بن محبوب، ففي طريقه إليه محمد بن موسى المتوكل الذي ذكره الطوسي في من لم يرو عنهم ـ عليهم السَّلام ـ ، وروى عن عبد اللّه بن جعفر وأكثر الصدوق الروايةَ عنه وذكره في طرقه إلى الكتب في 48 مورداً وادّعى ابن طاووس الاتفاق على وثاقته، فالرواية صالحة للاحتجاج خصوصاً إذا ضُمّت إلى صحيحة أبي ولاّد.

هذا حال الطائفة الأُولى وأمّا الطائفة الثانية، أمّا الرواية الأُولى، فقد رواها الصدوق عن عبد اللّه بن المغيرة و سنده إليه صحيح في الفقيه; وأمّا الرواية الثانية، فقد رواها الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال، ففي طريقه إليه في التهذيب علي بن محمد بن الزبير الذي قال في حقّه النجاشي: «كان علوّاً في الوقت» و فسره السيد الداماد بأنّه كان في غاية الفضل و العلم والوثاقة والجلالة في وقته . وفسره صاحب قاموس الرجال بأنّ سنده كان سنداً عالياً، حيث روى عن علي بن الحسن بن فضال الذي هو شيخ العياشي فلا دلالة على وثاقته وله أكثر من 67 رواية، والذي يسهّل الخطب هو احتمال وحدة الروايتين لبعد سؤال سماعة عن مسألة واحدة مرّتين.

والطائفتان صالحتان للاحتجاج وإن كانت الطائفة الأُولى أصحّ سنداً، فهل المورد من موارد الجمع الدلاليّ؟ أو من موارد الرجوع إلى المرجّحات؟ ربما يحتمل الأوّل، فتارة يحمل ما دلّ على رعاية الترتيب على الاستحباب، وأُخرى بمنع صراحة =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف ، الحديث 1، 6 و 2.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب كتابالاعتكاف، الحديث 5.


(265)

ــــــــــــــــــــــــ
= رواية سماعة في التخيير بل هي ظاهرة فيه، فترفع اليد عن الظهور بما ورد في الصحيحتين صريحاً من أنّ كفّارته كفّارة الظهار.

ولا يخفى بُعد الجمعين خصوصاً الثاني، لأنّ الغاية من التمثيل، هو إفهام ذات الكفّارة ووصفها، ولا معنى لأن تكون الطائفة الثانية أوضح من الأُولى.

والظاهر انّ المرجع هو الرجوع إلى المرجّحات وهي في المقام جهة الصدور; فانّ الأُولى، أكثر موافقة للعامة.

قال ابن قدامة: واختلف موجبو الكفّارة فيها، فقال القاضي: يجب كفّارة الظهار. وهو قول الحسن و الزهري وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل، فانّه روى عن الزهري أنّه قال: من أصاب في اعتكافه فهو كهيئة المظاهر; و حكى عن أبي بكر(الخلال) انّ عليه كفّارة يمين، ولم أرَ ذلك عن أبي بكر في كتاب «الشافي» فلعلّ أبا بكر إنّما أوجب عليه كفّارة في موضع تضمَّن الإفساد، الإخلالَ بالنذر فوجبت لمخالفة نذره وهي كفّارة يمين.(1)

وهذا يعرب عن وجود قول واحد فيهم، وهو كون كفّارته، كفّارة الظهار، فالقول بالتخيير أقوى والترتيب أحوط.

الثالث : كفّارة حنث النذر

تقدّم الكلام فيه في الفصل السادس المسألة الأُولى، قال المصنّف: الثالث : صوم النذر المعيّن و كفّارته، كفّارة إفطار شهر رمضان، و قد مرّانّ الحقّ، انّ كفّارته، كفّارة يمين فلاحظ. =


1 . المغني : 3/178، كتاب الاعتكاف.


(266)

ــــــــــــــــــــــــ

= الرابع: كفّارة حنث العهد

يجب في حنث العهد، الخصال الثلاث تخييراً.

قال ابن زهرة: وأمّا صوم النذر والعهد فعلى حسبهما ـ إلى أن قال:ـ فإن أفطر فيما تعيّن ولا مِثْلَ له مختاراً، فعليه ما على المفطر في يوم من رمضان من القضاء والكفّارة.(1)

قال يحيى بن سعيد: فإن قال: عليّ عهد اللّه أو ميثاقه أو عاهدت اللّه ان أفعل كذا من طاعة أو ترك قبيح أو مكروه، كان نذراً، فإن أخلّ بما نذره عمداً مع تمكّنه منه فإن كان له وقت معيّن فخرج، فعليه مثل كفّارة إفطار شهر رمضان.(2)

وقال المحقّق: و المخيرة: كفّارة من أفطر في يوم من شهر رمضان ـ إلى أن قال: ـ و كذا كفّارة الحنث في العهد.

وقال في الجواهر ـ بعد قول المحقّق ـ :سواء كان متعلّقه الصوم أو غيره على المشهور.(3)

ويدل عليه: ما رواه الشيخ، عن محمد بن أحمد بن يحيى (صاحب نوادر الحكمة)، عن محمد بن أحمد العلوي، عن العمركي البوفكي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ـ عليهما السَّلام ـ ، قال: سألته عن رجل عاهد اللّه في غير معصية، ماعليه إن لم يف بعهده؟ قال: «يعتق رقبة أو يتصدّق، بصدقة، أو يصوم شهرين متتابعين».(4) وقريب منه خبر أبي بصير.(5)

وفي السند «محمد بن أحمد الكوكبي، أو العلوي» و لم يرو في حقّه توثيق، وله روايتان في التهذيب، إلاّ أنّه من رجال نوادر الحكمة، وممّن لم يستثنه ابن الوليد أُستاذ =


1 . الغنية : 2/142ـ 143 كتاب الصيام.
2 . الجامع للشرائع: 423.
3 . الجواهر: 33/174.
4 . الوسائل : الجزء 15، الباب 24 من أبواب الكفّارات، الحديث 1، 2.
5 . الوسائل : الجزء 15، الباب 24 من أبواب الكفّارات، الحديث 1، 2.


(267)

ــــــــــــــــــــــــ
= الصدوق.

وأما العمركي، فهو العمركي بن علي، قال النجاشي: أبو محمد البوفكي، شيخ من أصحابنا، ثقة، روى عنه شيوخ أصحابنا. ولعلّه أيضاً يورث وثاقة الكوكبي، لأنّه الناقل عنه، فإذاً الرواية تصلح للاحتجاج.

وأمّا الثاني، ففي سنده حفص بن عمر بيّاع السابري ، له رواية في التهذيب، وفي الاستبصار: حفص بن عمر، فهو خبر غير صالح للاحتجاج.

ويدل على المطلوب صحيح أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبي جعفر الثاني ـ عليه السَّلام ـ في رجل عاهد اللّه عند الحجر أن لا يقرب محرّماً أبداً فلمّا رجع ، عاد إلى المحرّم؟ فقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «يعتق، أو يصوم، أو يتصدّق على ستين مسكيناً، وما ترك من الأمر أعظم، ويستغفر اللّه ويتوب إليه».

والمجموع من حيث المجموع صالح للإفتاء بما ذكر، وعلى المختار في كفّارة النذر، تختلف كفّارته عن العهد.

الخامس: كفّارة جزّ المرأة شعرها

قال المحقّق: وفي جزّ المرأة شعرها في المصاب عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، وقيل: مثل كفّارة الظهار. والأوّل مروي، وقيل تأثم ولا كفّارة، استضعافاً للرواية وتمسّكاً بالأصل. (1)

وقال يحيى بن سعيد: وفي جزّ المرأة شعرها في المصاب عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً.(2) =


1 . الجامع للشرئع: 3/68.
2 . الجامع للشرائع: 418.


(268)

ــــــــــــــــــــــــ
= وقال ابن إدريس: ولا يجوز للمرأة أن تلطم وجهها في مصاب، ولا تخدشه ولا تجزَّ شعرها فإن جزّته فانّ عليها كفّارة قتل الخطأ ، وقد قدمنا شرحها على ما رواه أصحابنا،(1) وإلى هذا القول أشار المحقّق بقوله: «وقيل مثل كفّارة الظهار».

والدليل عليه هو رواية خالد بن سدير، و قد عرفت حالها.

السادس: كفّارة حلق الرأس

يجب في حلق الرأس في الإحرام: دم شاة، أو صيام ثلاثة أيّام، أو التصدّق على ستة مساكين لكلّ واحد مدّان.

والأصل في ذلك قوله سبحانه:(وَأَتِمُّوا الحجَّ وَالعُمْرَةَ للّهِ فإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَمِنَ الهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ بهِ أذًى مِنْ رأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيام أَوْ صَدَقَة أَوْنُسُك).(2)

المعنى أي لا تحلوا من الإحرام حتى يبلغ الهدي محله، وينحر أويذبح، فمن مرض منكم مرضاً يحتاج فيه إلى الحلق للمداواة، أو أمر آخر أُبيح له الحلق بشرط الفدية. والفدية في الآية عبارة عن أحد أُمور ثلاثة:

1. الصيام.

2. الصدقة.

3. النُّسك.

وقد حدّد الصيام في رواية أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بثلاثة أيّام، والصدقة على ستة =


1 . السرائر: 3/78.
2 . البقرة: 196.


(269)

ومنها: ما يجب فيه الصوم مرتّباً على غيره مخيّراً بينه وبين غيره وهي كفّارة الواطئ أمته المحرمة بإذنه فإنّها بدنة أو بقرة ومع العجز فشاة أو صيام ثلاثة أيام.*

ــــــــــــــــــــــــ
= مساكين لكلّ مسكين مدّان، كما فسر النُّسك بالشاة، وهو مخيّر فيها.

ففي صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : مرّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على كعب بن عجرة الأنصاري والقُمّل يتناثر من رأسه، و هو محرم فقال: «أتؤذيك هوامك؟» فقال: نعم، فنزلت الآية، فأمره رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بحلق رأسه، وجعل عليه الصيام ثلاثة أيّام والصدقة على ستة مساكين لكلّ مسكين مدّان، والنسك (الوارد في الآية) شاة.

وقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «وكلّ شيء في القرآن فصاحبه بالخيار يختار ما شاء...».(1)

القسم الرابع: ما فيه الترتيب ثمّ التخيير

وهذا القسم ما يجب فيه الصوم لكن مرتّباًعلى غيره، فإذا وصلت النوبة إليه، يتخيّر بينه و بين غيره; وهذا كما إذا وطأ الإنسان أمته التي أحرمت بإذنه، فكفّارته بدنة، أو بقرة، و مع العجز فشاة أو صيام ثلاثة أيّام. والتفصيل في محلّه.

ولا يخفى انّ المصنّف طرح هذه الأقسام الأربعة على بساط البحث لمناسبة خاصة، وهي انّ الصوم لأجل الكفّارة على أقسام، ولكن اللائق هو عقد كتاب خاص باسم الكفّارات وطرحها فيها كما فعل المحقّق وغيره.

فإنّ هذه البحوث الجانبية لا تسمن ولا تغني من جوع، والإسهاب فيها يوجب الخروج عن موضوع البحث، والأولى طرح كلّ مسألة في بابها الخاص بها.


1 . الوسائل: الجزء9، الباب 14 من أبواب بقيّة كفّاراتالإحرام، الحديث 1.


(270)

المسألة 1:يجب التتابع في صوم شهرين من كفّارة الجمع أو كفّارة التخيير ويكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأوّل ويوم من الشهر الثاني، وكذا يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين، بل هو الأحوط في صيام سائر الكفّارات وإن كان في وجوبه فيها تأمّل وإشكال.*

ــــــــــــــــــــــــ
* في المسألة فروع أربعة:

1. وجوب التتابع في صوم شهرين من غير فرق بين كفّارة الترتيب (كالظهار)، أو التخيير ككفّارة الإفطار في شهر رمضان، أو كفّارة الجمع كالقتل العمدي.

2. يتحقق التتابع، بصيام شهر، ويوم من شهر آخر.

3. هل يجب التتابع في الثمانية عشر إذا كانت بدل صيام شهرين.

4. هل يجب التتابع في سائر الكفّارات ، ككفّارة اليمين أو كفّارة النذر والإفطار في قضاء شهر رمضان بعد الظهر.

وإليك الكلام فيها واحداً بعد آخر:

1. وجوب التتابع في صوم شهرين

إذا وجب صيام شهرين، يجب فيه التتابع فكأنّ هناك ملازمة بين التتابع ووجوب شهرين.

قال الشيخ : قال به جميع الفقهاء إلاّ ابن أبي ليلى فقال: إن شاء تابع و إن شاء فرق.(1) سواء كانت مرتبة ككفّارة الظهار لقوله سبحانه: (فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصيامُ شَهرين مُتتابعين من قبلِ أن يتماسّا) (2) وكفّارة القتل خطأ لقوله : (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَشَهْرَين مُتَتابِعين تَوبَةً مِنَ اللّه)(3)، أو مخيّرة كما في الإفطار في شهر رمضان، وقد =


1 . الخلاف:2، كتاب الصوم، 188، برقم 351.
2 . المجادلة:4.
3 . النساء:92.


(271)

ــــــــــــــــــــــــ
= مرّ الكلام فيها في المسألة الأُولى من الفصل السادس، أو كفّارة الجمع كما في القتل العمدي حيث جاء في صحيحة ابن سنان: أعطاهم الدية وأعتق نسمةوصام شهرين متتابعين.(1)

2.ما هو المحقّق للتتابع؟

ظاهر النصوص، وجوب التتابع في مجموع الشهرين، غير انّ الدليل الحاكم على هذا الظاهر، هو كفاية صيام شهر ويوم من شهر آخر، و هو صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن قطع صوم كفّارة اليمين وكفّارة الظهار وكفّارة القتل فقال: «إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين ، والتتابع أن يصوم شهراً ويصوم من الآخر شيئاً أو أيّاماً منه» (2) و الحديث من أظهر مصاديق الحكومة .

نعم يقع الكلام في جواز الإفطار بعد صيام شهر ويوم، عمداً وعدمه ـ و إن كان يكفي وضعاً ـ قال العلاّمة: وهل يكون مأثوماً؟ قولان:

قال ابن الجنيد: لا يكون مأثوماً، وهو ظاهر كلام ابن أبي عقيل وظاهر كلام الشيخ.

و قال المفيد: يكون مخطئاً، وكذا قال السيد المرتضى، وهو يشعر بالإثم، وصرّح أبوالصلاح وابن إدريس بالإثم. والأقرب الأوّل.(3)

ووجهه واضح لأنّ الواجب هو التتابع، فأمّا أن يحصل بما ذكر فقد أتى بالمأمور =


1 . الوسائل: الجزء 19، الباب 9 من أبواب قصاص النفس، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 9، ولاحظ حديث سماعة بن مهران، برقم 5.
3 . المختلف:3/561.


(272)

ــــــــــــــــــــــــ
= به فلا معنى للعقاب معه، وإن لم يحصل، لا يجوز له البناء على ما سبق و هو خلاف الصحيح. ويأتي الكلام فيه في المسألة السابعة فانتظر.

3. وجوب التتابع في الثمانية عشر وعدمه

تحقيق المقام: انّ الكلام في لزوم التتابع في صوم ثمانية عشر يوماً، إنّما هو فيما إذا كان المبدَل عنه هو صيام شهرين كما يُعرب عنه قول المصنّف:«يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين» فخرج ما يجب فيه صوم ثمانية عشر يوماً، لكن لا عوضاً عن الصوم فضلاً عن صيام شهرين بل عوضاً من إطعام ستين مسكيناً كما في كفّارة صيد النعامة إذ ليس في كفّارته أيّ أثر من الصيام فضلاً عن الشهرين فانّ الواجب فيه حسب الترتيب: هو البدنة، فإطعام ستين مسكيناً، فصوم ثمانية عشر يوماً، فيختص الكلام بالموارد التي جاء فيها، صوم الشهرين في جانب المبدَل، وليس هو إلاّالموارد التالية:

1. كفّارة الظهار، فيجب بالترتيب: العتق، فصيام شهرين ، فإطعام ستين مسكيناً.

2. كفّارة الإفطار في شهر رمضان، فتجب الخصال الثلاثة بالتخيير.

3. كفّارة الجمع في القتل عمداً، فتجب فيه ـ وراء الدية ـ الخصال الثلاث جميعاً.

4. كفّارة القتل خطأ، فيجب فيه أمران بالترتيب: العتق، فصيام شهرين، الآية المباركة.

فلو قلنا بوجوب صوم ثمانية عشر يوماً في هذه الموارد عند العجز عن المبدَل، فليست هي بدلاً عن صوم شهرين إلاّفي الأخير دون الثلاثة الأُولى، إذ هي في الأُولى =


(273)

ــــــــــــــــــــــــ
= بدل عن الأخير و هو إطعام ستين مسكيناً، وفي الثاني و الثالث، بدل عن الجامع بين الخصالالثلاث، سواء وجبت تخييراً أو جمعاً.

فلم يبق مورد لكون الثمانية عشر بدلاً عن الشهرين إلاّ المورد الأخير حيث إنّ الواجب فيه ثُنائي: العتق و الصيام، لا ثلاثي كما في الموارد الثلاثة الأُوَل فلو وجب شيء كالثمانية عشر، يكون بدلاً عن الأخير و هو الصيام فيه، لا عن الإطعام كما في الظهار ولا عن الجامع كما في الثاني و الثالث.

هذا كلّه حول الثبوت.

وأمّا في مقام الإثبات، فقد ورد وجوب صوم ثمانية عشر يوماً في موردين:

الأُولى: في صيد النعامة في المرتبة الثالثة وقد مرّ انّه خارج عن محط البحث، إذ ليس المبدّل فيه الصوم فضلاً عن الشهرين.

الثاني: كفّارة الظهار عند العجز عن الخصال الثلاث، وذلك لأنّها مروية عن أبي بصير بطريقين أحدهما صريح في الظهار والآخر ظاهر فيه، وذلك كالتالي.

1. صحيحة أبي بصير قال سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل ظاهر من امرأته فلم يجد ما يعتق، ولا ما يتصدق ولا يقوى على الصيام؟ قال:«يصوم ثمانية عشر يوماً لكلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام»(1) وهي صريحة في الظهار لقول الراوي: «ظاهر من امرأته» ولا يضرَّ تقديم التصدّق على الصيام في سؤال الراوي حيث إنّ الأمر في الظهار على العكس، وذلك لأنّه وقع في كلام السائل دون الإمام.

2. معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام، ولم يقدر على العتق، ولم يقدر على الصدقة؟ =


1 . الوسائل: الجزء 15، الباب 8 من أبواب كتاب الإيلاء والكفّارات، الحديث1.


(274)

ــــــــــــــــــــــــ
= قال: «فليصم ثمانية عشر يوماً في كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام».(1)

والظاهر وحدة الروايتين، وانّ الثانية أيضاً واردة في الظهار، وذلك لأجل توزيع صيام 18 يوماً على ستين مسكيناً ،لأنّه ظاهر في كونها بدل الستين مسكيناً الذي هو الواجب بعد العجز عن العتق والصيام، في الظهار.

وورود العجز عن العتق بعد العجز عن الصيام مع أنّه في الظهار على العكس لا يضرّ لوروده في كلام السائل، على أنّ الشيخ نقله في التهذيب بلا هذه الزيادة، كما صرّح به المعلّق على الوسائل.

فتلخّص من ذلك أنّ صوم الثمانية عشر ورد في الظهار فقط لا غير. ولذلك ذهبنا في كفّارة إفطار شهر رمضان بعد العجز عن الخصال الثلاث إلى كفّارة أُخرى كما تقدّم في محله.(2)

التتابع في مورد الثمانية عشر خلاف الإطلاق

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ صيام الثمانية عشر بدلاً عن الشهرين ـ على وجه التسامح الذي عرفته ـ ورد مطلقاً من دون تقييد بالتتابع فالقول به على خلاف الإطلاق، وما في الجواهر من أنّه بدل عن صوم يعتبر فيه التتابع (3)، غير تام لما عرفت من أنّه ليس بدلاً عن خصوص صوم شهرين متتابعين، بل عن الإطعام في الظهار الذي ورد فيه النص، وعن الجامع في غيره. =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث1.
2 . لاحظ الجزء الأوّل من كتاب الصوم.
3 . الجواهر:16/312.


(275)

ــــــــــــــــــــــــ
= ثمّ إنّ السيد المحقّق الخوئي أفتى بوجوب التتابع في الثمانية عشر يوماً فيما إذا كانت بدلاً عن الصيام عن الشهرين كما في موردين تاليين:

الأوّل كفّارة الظهار لدى العجز عن العتق، و عن الإطعام وانتهاء النوبة بمقتضى الترتيب إلى الصيام.

والآخر: كفّارة الجمع في قتل العمد.(1)

أقول:أمّا الأوّل فالظاهر انّه سهو منه ـ قدَّس سرَّه ـ ،لأنّ كفّارته هو العتق فالصيام فالإطعام، فالصيام متقدّم على الطعام وعندئذ يكون الثمانية عشر بدلاً عن الإطعام، لا عن صيام شهرين حتى يحكم على البدل، بحكم المبدل.

قال سبحانه: (والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبة...*فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَماسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً).(2)

أضف إلى ذلك انّه صريح صحيحة أبي بصير، قال: «يصوم ثمانية عشر يوماً، لكلّ عشرة مساكين ثلاثة أيام».(3)

وأمّا الثاني فلم نعثر على ما يدلّ على وجوب ثمانية عشر يوماً عند العجز عن الثلاثة في كفّارة القتل عمداً(4) إلاّ على روايتي أبي بصير، و قد عرفت حالهما واختصاصهما بالظهار. وعلى فرض العموم فصيام ثمانية عشر بدل عن الجامع بينالخصال الثلاث لا عن صيام ستين يوماً، فلا يدلّ على وجوب التتابع.=


1 . مستند العروة:2/253.
2 . المجادلة:3ـ4.
3 . الوسائل: الجزء 15، الباب 8 من أبواب الإيلاء والكفّارات، الحديث 1.
4 . راجع الوسائل: الجزء 19، الباب 9 من أبواب قصاص النفس.


(276)

ــــــــــــــــــــــــ
= نعم ذهب المفيد إلى التتابع و قال: فمن لم يجد العتق ولا الإطعام، ولم يقدر على صيام الشهرين على التمام، صام ثمانية عشر يوماً متتابعات لكلّ عشرة مساكين ثلاثة أيام، فإن لم يقدر على ذلك فليتصدق بما أطاق أو فليصم ما استطاع، و بذلك جاءت الآثار عن آل محمّد صلوات اللّه عليهم . (1)

فلو كان قوله«وبذلك جاءت الآثار» راجعاً إلى جميع ما ذكر، فقد حكى رواية مرسلة، ولكن الظاهر انّه يرجع إلى المجموع لا إلى كلّ جزء أفتى به ولعلّه استنبط التتابع من أنّه بدل صوم يعتبر فيه التتابع كما مرّ.

4. هل يجب التتابع في سائر الكفّارات؟

الظاهر من المحقّق وجوب التتابع في عامّة الكفّارات، إلاّموارد أربعة قال: وكلّ صوم، يلزم فيه التتابع إلاّأربعة: صوم النذر المجرّد عن التتابع، و ما في معناه من يمين أو عهد، وصوم القضاء، وصوم جزاء الصيد، والسبعة بدل الهدي.(2)

وعلّله في الجواهر بوجوه:

1. دعوى انصراف التتابع من الإطلاق المزبور ولو بقرينة الفتوى.

2. وكونه كفّارة والغالب فيها التتابع.

3. ما ورد من تعليل التتابع في الشهرين :كي لا يهون عليه الأداء فيستخفَّ وإذا قضاها متفرقاً هان به واستخف بالأيمان.(3)

يلاحظ على الأوّل بمنع الانصراف، إذ يصحّ لمن يصوم في شهر رمضان عشرة =


1 . المقنعة:345ـ 346.
2 . الشرائع:1/152.
3 . الجواهر:17/67.


(277)

ــــــــــــــــــــــــ
= أيّام متفرّقة أن يقول: صُمتُ في هذا الشهر عشرة أيّام، فلو تبادر في مورد فإنّما هو من القرائن، كثلاثة الحيض وثلاثة الاعتكاف، وعشرة الإقامة، فالتوالي فيها مفهوم من القرائن، لقولهم أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة، وبطلان الاعتكاف بالخروج عن المسجد بلا عذر، ولكون الإقامة قاطعة للسفر، و معنى ذلك كون العشرة متوالية.

وأمّا الثاني فيُشبه القياس.

وأمّا الثالث فقد جاء في رواية الفضل بن شاذان ،عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: «وإنّما جعلت متتابعين لئلاّ يهون عليه الأداء فيستخفّ به، لأنّه إذا قضاه متفرقاً هان عليه القضاء واستخف بالإيمان».(1) لكنّ الظاهر انّها من قبيل الحِكَم لا العلل، ولذلك يجب التتابع، حتى على من لا يهون عليه الأداء متفرقاً.

والحاصل: انّه لم يقم دليل على الضابطة التي ادّعاها المحقق، فعلى الفقيه دراسة كلّ مورد برأسه.

قد ثبت لحدّ الآن وجوب التتابع في الشهرين في الموارد الأربعة: الظهار، و القتل خطأ، و القتل عمداً، وكفّارة إفطار شهر رمضان كما ثبت في الموردين التاليين:

1. وجوب التتابع في كفّارة اليمين

دلّت الرواية الصحيحة على وجوب التتابع في كفّارة اليمين، ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: «صيام ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين متتابعات ولا يفصل بينهن».(2) =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 4.


(278)

ــــــــــــــــــــــــ
= و في صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «كلّ صوم يفرق إلاّ ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين».(1)

والحديث ضابطة كلية يؤخذ بها إلاّ إذا ورد التخصيص.

إلى غير ذلك ممّا يدلّ على لزوم التتابع في كفّارة اليمين.

2. وجوب التتابع في كفّارة الدم

تضافرت الروايات على وجوب التتابع في كفّارة الدم وهي: (فصِيامُ ثَلاثةِ أَيّام فِي الحَجِّ وَسَبْعَة إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرةٌ كامِلَة) (2). وما يدلّ على وجوب المتابعة; وهي بين ضعيفة كرواية الحسين بن زيد،(3) وعلي بن جعفر (4) عن أخيه بالسند الذي فيه محمد ابن أحمد العلوي; و صحيحة، وهو ما رواه صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعف(5)ر مباشرة ، وبلا واسطة، ويخالفه خبر إسحاق بن عمّار (6) الذي رواه عنه محمد بن أسلم الضعيف ، قال النجاشي: إنّه كان غالياً ، فاسد المذهب، روى عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، والترجيح لصحيح علي بن جعفر المروي عن كتابه مباشرة كما عرفت.

3. عدم وجوب التتابع في الثمانية عشر في كفّارة الصيد

قد عرفت أنّ صوم الثمانية عشر يوماً ورد في موردين: أحدهما الظهار وقد مضى عدم وجوب التتابع فيه. =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 1.
2 . البقرة:196.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 2، 5.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 2، 5.
5 . الوسائل: الجزء 10، الباب 55 من أبواب الذبح، الحديث 2، 1.
6 . الوسائل: الجزء 10، الباب 55 من أبواب الذبح، الحديث 2، 1.


(279)

ــــــــــــــــــــــــ
= وثانيهما في صيد النعامة الذي يجب فيه البدنة وإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وإن لم يستطع فصيام ثمانية عشر يوماً.

روى علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر ـ عليهما السَّلام ـ قال: سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ما عليه؟ قال: «عليه بدنة، فإن لم يجد فليتصدق على ستين مسكيناً، فإن لم يجد فليصم ثمانية عشر يوماً».(1) وليس فيه ولا في سائر الروايات الواردة ما يدلّ على التتابع.

فقد ظهر من هذا البحث أُمور:

1. كلّما وجب صوم شهرين كفّارة فهما متتابعان بلا استثناء، وقد عرفت مواردهما الأربعة: الظهار، الإفطار في شهر رمضان، القتل خطأ، القتل عمداً، وأمّا الإفطار بالمحرم عمداً، فلا تجب فيه كفّارة الجمع لكن حكمه حكم الإفطار بالمحلّل، فيجب فيها أيضاً التتابع وليس بقسم خاص.

2. إنّما يجب صوم الثمانية عشر بدلاً عن الصوم (خرج وجوبها في صيد النعامة) في خصوص الظهار دون غيره من الثلاثة الباقية.

3. لا دليل على وجوب التتابع فيه بل هو خلاف إطلاق الدليل، كما أنّه لا دليل على وجوبه في مورد صيد النعامة عند العجز عن إطعام ستين مسكيناً، فالواجب صوم الثمانية عشر، من دون تقييد بالتتابع، نعم هو خارج عن موضوع البحث.

4. لا يجب التتابع في سائر الكفّارات إلاّكفّارة اليمين وبدل الدم كما عرفت.

وبذلك يظهر الإشكال في كلام المصنف من جهات، فلاحظ.


1 . الوسائل: الجزء10، الباب 1 من أبواب كفّارات الصيد،الحديث 6، ولاحظ روايات الباب.


(280)

المسألة 2: إذا نذر صوم شهر أو أقلّ أو أزيد لم يجب التتابع، إلاّ مع الانصراف، أو اشتراط التتابع فيه.*

ــــــــــــــــــــــــ
* المشهور انّ النذر المجرّد عن التتابع وما في معناه من يمين وعهد، لا يجب فيه التتابع، وقد نقل الشهيد في الدروس(1) عن ظاهر الشاميين وجوب المتابعة في النذر المطلق.

قال العلاّمة في المختلف: من نذر صوم شهر وأطلق تخيّـر فيه أيّ شهر شاء، قال أبو الصلاح : فإن ابتدأ بشهر لزمه إكماله(2) وإلزام الإكمال، آية وجوب التتابع في النذر.

والظاهر عدم وجوبه ، لأنّ لزوم التتابع أو لزوم التفريق أو عدمهما تابع لكيفية النذر، فإن أطلق كان له الخيار وحتى لو كان منصرف كلامه هو التتابع لم يجب عليه، لأنّ العبرة بقصده لا بما يتبادر من ظاهر كلامه عند المخاطب، والمفروض انّه لم يقصد.

وأمّا الاستدلال عليه بقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ).(3) فغير تام، لأنّ المراد هو إبطال الأعمال بعد الفراغ عنها بالإحباط، ويدلّ عليه سياق الآيات المتقدمة عليها، أعني: (وَشاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللّه شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ).

ولا يدلّ على حرمة الإبطال في الأثناء بغير الإحباط مضافاً إلى أنّه من قبيل التمسّك بالدليل في الشبهة المصداقية، لأنّ كون الإفطار في أثناء الشهر مبطلاً لما سبق أوّل الكلام. بل من قبيل عدم الاستمرار فيه. =


1 . الدروس:1/295.
2 . المختلف: 3/565.
3 . محمّد:33.


(281)

المسألة 3: إذا فاته النذر المعيّن أو المشروط فيه التتابع، فالأحوط في قضائه التتابع أيضاً.*

ــــــــــــــــــــــــ
= نعم روى موسى بن بكر، عن الفضيل، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوماً ثمّ عرض له أمر؟ فقال:« إن كان صام خمسة عشر يوماً، فله أن يقضي ما بقي، و إن كان أقل من خمسة عشر يوماً لم يجزه حتى يصوم شهراً تاماً».(1) فهو محمول على ما إذا كان اشترط فيه التتابع، وسيأتي الكلام فيه في المسألة السابعة فانتظر.

وأمّا موسى بن بكر فيكفي في وثاقته، رواية الثقات عنه، نظير: ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي، و أمّا توثيقه من خلال وروده في اسناد تفسير علي بن إبراهيم، فغير تام، لما حققنا حال ذلك التفسير في كتابنا «كلّيات في علم الرجال» فلاحظ.

* كان الكلام في المسألة السابقة في حكم الأداء والكلام هنا في حكم قضاء النذر المشروط فيه التتابع، فهل يجب في قضائه مايجب في أدائه؟ وقد استقرب الشهيد في «الدروس» وجوب التتابع في قضاء النذر المشروط فيه التتابع.(2)

و تردّد العلاّمة في «القواعد» من أجل انّ القضاء هو الأداء بعينه عدا تغاير الوقت، فيتحدان في جميع الخصوصيات التي منها التتابع، ومن أنّ القضاء بأمر جديد ولا دليل على اعتبار التتابع فيه.(3) =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 1. ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب، عن موسى بن بكر، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، وقد سقط الفضيل عن قلمه لوجوده في الكافي، ثمّ رواه أيضاً بسند آخر عن موسى بن بكر ،عن الفضيل، عن الباقر ـ عليه السَّلام ـ .   ثمّ إنّ المراد من قوله: «أن يقضي» أي يأتي بما بقي، لا القضاء المصطلح.
2 . الدروس: 1/296.
3 . القواعد:69.


(282)

المسألة 4: من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لايجوز أن يشرع فيه في زمان يعلم أنّه لا يسلم له بتخلّل العيد أو تخلّل يوم يجب فيه صوم آخر من نذر أو إجارة أو شهر رمضان، فمن وجب عليه شهران متتابعان لا يجوز له أن يبتدئ بشعبان بل يجب أن يصوم قبله يوماً أو أزيد من رجب، وكذا لا يجوز أن يقتصر على شوّال مع يوم من ذي القعدة أو على ذي الحجّة مع يوم من المحرّم لنقصان الشهرين بالعيدين.

نعم لو لم يعلم من حين الشروع عدم السلامة فاتّفق، فلا بأس على الأصحّ، وإن كان الأحوط عدم الإجزاء .

ويستثنى ممّا ذكرنا من عدم الجواز مورد واحد وهو صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتّع إذا شرع فيه يوم التروية فإنّه يصحّ وإن تخلّل بينها العيد فيأتي بالثالث بعد العيد بلا فصل أو بعد أيّام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى، وأمّا لو شرع فيه يوم عرفة أو صام يوم السابع والتروية وتركه في عرفة لم يصحّ ووجب الاستئناف كسائر موارد وجوب التتابع.*

ــــــــــــــــــــــــ
= وربما يقال انّ القضاء عندنا بأمر جديد فلا دليل على لزوم التتابع، وأمّا قوله: «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» أو قوله: «يقضي ما فاته كما فاته» (1)المتيقّن منه هو المماثلة في القصر والإتمام، والجهر والإخفات لا غيرهما.

يلاحظ عليه: أنّ القضاء وإن كان بأمر جديد وقد سقط الأمر الأوّل، لكنّه يدلّوضع ما وجب أوّلاً على ذمّة المكلّف والمفروض انّ ما وجب أوّلاً، هو الصوم المتتابع، فلا تصل النوبة إلى أصل البراءة من التتابع.

* إذا شرع في الصوم الذي يشترط فيه التتابع في زمان يعلم أنّه لا يسلم له إمّا =


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب6 من أبواب قضاء الصلاة، الحديث 1.


(283)

ــــــــــــــــــــــــ
= بتخلّل واجب آخر، أو حلول أحد العيدين فلا يجزي لعدم التمكن من المأمور به، بل يوصف بالبدعة والحرمة، لأنّ المأتي به ليس بمأمور به وما أمر به ليس ممكناً.

وأشار المصنّف إلى الصور التي لا يتمكّن فيه الصائم من التتابع، وهي:

1. أن يبتدئ بشعبان فيدخل زمان واجب آخر كصوم رمضان قبل إنهاء ما يتحقّق به التتابع، أعني: صيام واحد وثلاثين.

2. أن يبتدئ في زمان يعلم بأنّه يتخلّل صوم آخر من نذر أو إجارة قبل إنهاء واحد وثلاثين يوماً.

3. إذا اقتصر على شوال مع يوم من ذي القعدة لنقصان الشهر الأوّل بعيد الفطر.

4. إذا اقتصر على ذي الحجة مع يوم من محرم لنقصان الشهر الأوّل بعيد الأضحى.

5. هذا إذا كان عالماً بعدم السلامة، وأمّا إذا جهل لغفلة أو خطأ في الاعتقاد فلا يضرّ لكونه داخلاً فيما «غلب اللّه عليه، وليس على ما غلب اللّه عزّ وجلّ عليه شيء».(1) والقدر المتيقن هو صورة الغفلة أو الاعتقاد بالخلاف ولا يعمَّ صورة الشكّ.

نعم استثنى المصنّف من عدم الجواز مورداً واحداً و هو:

أعني: إذا شرع بصوم بدل الهدي يوم التروية أي اليوم الثامن من شهر ذي الحجة فصامه ويوم عرفة وتخلل العيد، فيجوز له أن يصوم بدلاً بعده بلا فصل أو بعد أيام التشريق.

و قد استثنى هذه الصورة دون الصور الأُخرى لتضافر الروايات على سقوط شرطية التتابع في هذه الصورة فقط.(2) كما إذا صام عرفة، وتخلّل العيد، فلا يجزي وإن =


1 . الوسائل: الجزء7، الباب 3 من أبواب بقيّة الصومالواجب، الحديث 12.
2 . الوسائل: الجزء 10، الباب52 من أبواب الذبح ، الحديث 1، 2، 3.


(284)

المسألة 5: كلّ صوم يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه لا لعذر اختياراً يجب استئنافه، وكذا إذا شرع فيه في زمان يتخلّل فيه صوم واجب آخر من نذر ونحوه، وأمّا ما لم يشترط فيه التتابع وإن وجب فيه بنذر أو نحوه فلا يجب استئنافه وإن أثم بالإفطار، كما إذا نذر التتابع في قضاء رمضان فإنّه لو خالف وأتى به متفرّقاً صحّ وإن عصى من جهة خلف النذر.*

ــــــــــــــــــــــــ
= صام بعده يومين أو صام السابع والثامن وترك يوم عرفة فلا يجزي وإن صام بعد العيد بل وجب الاستئناف كسائر موارد التتابع.

وقد استثني مورد آخر أيضاً، وهو القاتل في أشهر الحج، فانّه يصوم الشهرين منها وإن تخلّل العيد قبل إنهاء واحد وثلاثين يوماً.(1) وتمام الكلام في حكم الموردين موكول إلى محلّه.

* قد يؤخذ التتابع شرطاً في الواجب من قبل الشارع، وأُخرى من جانب المكلّف، والأوّل نظير صوم شهرين متتابعين في موارد مختلفة، والثاني كما إذا نذر أن يقضي صوم شهر رمضان متتابعاً، فلو أخلَّ به بنحو من الأنحاء اختياراً بطل دون الثاني.

وجهه: انّ وصف التتابع في الأوّل شرط الواجب، والواجب هو الأمر المركب من المقيَّد و القيد فلو أخلَّ به، فقد أخلَّ بالفريضة، وليس هناك واجبان مستقلان، بحيث لو أخلَّ بالثاني لما أخلَّ بالأوّل، بخلاف الثاني، فانّ فيه أمرين واجبين لكلّ حكمهما، فالأوّل كصوم شهرين متتابعاً، والثاني ما فرضه المكلّف على نفسه من الإتيان به متتابعاً من باب النذر، وهو لا يقلِّب الموسع مضيقاً، وإنّما يُلزم المكلف على الوفاء بنذره. فلو أخلّ فانّما أخلّ بالواجب الثاني، دون الأوّل بل أتى به على ما هو عليه، ومنه يعلم انّه =


1 . الوسائل: الجزء 7 ، الباب 8 من أبواب نية الصوم، الحديث 1 وغيره.


(285)

المسألة 6: إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الأعذار كالمرض والحيض والنفاس والسفر الاضطراري دون الاختياري لم يجب استئنافه بل يبني على ما مضى. و من العذر ما إذا نسي النيّة حتّى فات وقتها بأن تذكّر بعد الزوال، ومنه أيضاً ما إذا نسي فنوى صوماً آخر ولم يتذكّر إلاّ بعد الزوال، ومنه أيضاً ما إذا نذر قبل تعلّق الكفّارة صوم كلّ خميس فانّ تخلّله في أثناء التتابع لايضرّ به ولا يجب عليه الانتقال إلى غير الصوم من الخصال في صوم الشهرين لأجل هذا التعذّر، نعم لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلّق الكفّارة اتّجه الانتقال إلى سائر الخصال.*

ــــــــــــــــــــــــ
= لو نذر إنسان أن يصلي الفريضة في المسجد فصلّى في البيت، فقد امتثل أمر الشارع المتعلّق بالصلاة ، و عصى أمره المتعلّق بوفاء النذر.

* في المسألة فروع:

1. الإفطار لعذر غير اختياري كالمرض والحيض والنفاس لا يضرُّ بالتتابع.

2.هل الحكم مختص بالشهرين، أو يعم غيرهما ممّا ثبت فيه التتابع على ما مرّ؟

3. هل السفر الضروري، كالعذر غير الاختياري أو لا ؟

4. إذا نسى النية حتى فات محلّها؟

5. إذا نوى صوماً آخر فذكر بعد الزوال.

6. إذا نذر صوم كلّ خميس قبل تعلّق الكفّارة.

7. حكم ما إذا نذر صوم الدهر.

وإليك دراسة الجميع واحداً بعد الآخر.=


(286)

ــــــــــــــــــــــــ

=1. الإفطار لعذر غير اختياريّ

اتّفقت كلمة الأصحاب على أنّ الإفطار لعذر غير اختياريّ، لا يضرُّ بالتتابع، بل يُبنى على ما سبق إمّا مطلقاً، أو في غير الثلاثة.

قال الشيخ: إذا أفطر في خلال الشهرين لمرض يوجب ذلك، لم ينقطع التتابع وجاز له البناء و هوقول الشافعي في القديم واختاره المزني. وقال في الجديد: ينقطع ويجب الاستئناف. ثمّ احتج بإجماع الفرقة وأخبارهم.(1)

وقال ابن زهرة : و من أفطر في شيء من الشهرين مضطرّاً بنى على ما صامه ولو كان يوماً واحداً.(2) ويظهر من العلاّمة في «المنتهى» استفاضة كلمة الأصحاب.(3)

وقد دلّت عليه روايات:

1. صحيحة رفاعة قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهراً ومرض؟ قال:« يبني عليه، اللّه حبسه»، قلت امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت وأفطرت أيّام حيضها؟ قال: «تقضيها»، قلت: فانّها قضتها ثمّ يئست من الحيض قال: «لا تُعيدها أجزأها ذلك».(4)

2. صحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فصام خمسة وعشرين يوماً ثمّ مرض، فإذا برأ يبني على صومه أم يعيد صومه كلّه؟ قال: «بل يبنى على ما كان صام ـ ثمّ قال:ـ هذا ممّا غلب اللّه عليه وليس على ما غلب اللّه عزّوجلّ عليه شيء».(5)وغيرهما من الروايات التي أشرنا إليها في =


1 . الخلاف:4، كتاب الظهار، المسألة 48.
2 . الغنية:142.
3 . المنتهى: 2/62.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 10، 12 ولاحظ رقم 2، 7، 1.
5 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 10، 12 ولاحظ رقم 2، 7، 1.


(287)

ــــــــــــــــــــــــ
= الهامش التي تكشف عن استفاضة الروايات على البناء.

نعم هنا روايات ثلاث ربما تعارضها و هي:

1. صحيح جميل ومحمد بن حمران، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل الحر يلزمه صوم شهرين متتابعين في ظهار فيصوم شهراً ثمّ يمرض؟ قال: «يستقبل فإن زاد على الشهر الآخر يوماً أو يومين بنى على ما بقي».(1)

وهل يحمل على المرض غير المانع كما عن الشيخ ، أو على الاستحباب، أو التقيّة كما عرفت من «الخلاف»، من وجود قولين للشافعي في المرض و من المعلوم وجود جذر لقوله قبله؟ وجوه، والظاهر هو الأخير.

وهناك احتمال رابع، وهو العمل بالصحيحة من باب التخصيص لاختصاصها بكفّارة الظهار وعذر المرض فيخصص بها ما دلّ على البناء على ما سبق في مطلق العذر؟ الظاهر، لا،لإعراض المشهور أوّلاً، وهو كاف في سقوطها عن الحجّية، واحتمال ورودها من باب التقية ثانياً، وتعارضها لصحيحة أُخرى لرفاعة الوارد في موردهما عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «المظاهر إذا صام ثمّ مرض اعتدّ بصيامه».(2)

2. خبر أبي بصير قال سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن قطع صوم كفّارة اليمين وكفّارة الظهار وكفّارة القتل(الدم)؟ فقال: «إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين فأفطر أو مرض في الشهر الأوّل فإنّ عليه أن يعيد الصيام...».(3)

وفيه مضافاً إلى كونه خبراً، لأنّ الراوي عن أبي بصير هو علي بن أبي حمزة، انّه معرض عنه لا يقاوم ما سبق من الصحاح.=


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث 3، 13، 6.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث 3، 13، 6.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث 3، 13، 6.


(288)

ــــــــــــــــــــــــ
= 3. صحيح الحلبي،عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن قطع صوم كفّارة اليمين وكفّارة الظهار وكفّارة القتل؟ فقال: «إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين والتتابع أن يصوم شهراً ويصوم من الآخر شيئاً أو أيّاما منه، فإن عرض له شيء يفطر منه، أفطر ثمّ يقضي ما بقى عليه...»(1) فهو محمول على العذر الاختياري، كما إذا سافر وله أن يؤخّر السفر بعد تحقّق التتابع.

2. هل الحكم مختص بالشهرين أو يعم غيرهما؟

هل الحكم يختص بالشهرين، أو يعمّ غيرهما من الثمانية عشر أو التسعة أو الثلاثة؟ أقوال:

أ: الحكم عام لكلّ صوم فيه التتابع

المشهور هو تعميم الحكم لغيرهما مطلقاً أخذاً بالتعليل الوارد في صحيحة رفاعة « اللّه حبسه»، أو الوارد في صحيحة سليمان بن خالد «هذا ممّا غلب اللّه عليه، وليس على ما غلب اللّه عزّوجلّ عليه شيء» كما مرّ وكون المورد هو الشهرين ، لا يوجب التخصيص لقوّة ظهور التعليل في كون الحكم عاماً يعم المورد و غيره. وبذلك يظهر ضعف الأقوال التالية:

ب: اختصاص الحكم بالشهرين

ربّما يقال باختصاص الحكم بالشهرين، وهو الظاهر من كلام صاحب =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 9.


(289)

ــــــــــــــــــــــــ
= المدارك. قال في شرح قول المحقّق: «وكلّما يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه لعذر يبني عند زواله» قال ما هذا نصّه:

بل الأجود اختصاص البناء مع الإخلال بالتتابع للعذر بصيام الشهرين المتتابعين والاستئناف في غيره، أمّا الاستئناف فيما عدا صيام الشهرين، فلأنّ الإخلال بالمتابعة يقتضي عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، فيبقى المكلّف تحت العهدة إلى أن يتحقّق الامتثال.(1)

يلاحظ عليه: أنّ النسبة بين التعليل وما دلّ على وجوب التتابع وإن كانت هي العموم من وجه ، لكن التعليل مقدّم على الأمر لإبائه عن التخصيص، مثل قوله في مكان آخر:«ماغلب اللّه فاللّه أولى بالعذر» فما عليه المحقّق هو المتعيّن.

ج. استثناء كلّ ثلاثة يجب فيه التتابع

ربّما يقال بخروج كلّ ثلاثة يجب تتابعها ككفّارة اليمين وهو الظاهر من ابن سعيد قال: وإن أفطر في كفّارة اليمين وشبهها استأنف بكلّ حال.(2)

وقال الشهيد الثاني في شرح قول المحقّق:«وكلّ ما يشترط فيه التتابع، إذا أفطر في أثنائه لعذر بنى عند زواله» ما هذا لفظه:«يستثنى من هذه الكلّية ثلاثة مواضع: صوم كفّارة اليمين، وقضاء رمضان، وثلاثة الاعتكاف فانّ الإفطار في هذه الثلاثة يوجب الاستئناف مطلقاً.(3) والمستثنى في كلامه هو صيام ثلاثة أيام كما هو واضح لمن لاحظ موارده.

وظهر ضعفه ممّا سبق. =


1 . المدارك: 6/247.
2 . الجامع للشرائع:160.
3 . المسالك:2/71.


(290)

ــــــــــــــــــــــــ

= د: التفصيل بين بلوغ النصف من الشهر

يظهر من الشيخ في من نذر أن يصوم شهراً متتابعاً فعرض ما يفطر فيه بين بلوغ النصف وعدمه فيبني في الأول و يستأنف في الثاني.(1) استناداً إلى رواية موسى بن بكر.(2) وسيوافيك الكلام فيها في المسألة السابعة.

3. حكم السفر الضروريّ

هل السفر الضروري، كالعذر غير الاختياري؟ وبعبارة أُخرى: هل السفر الضروري من قبيل «ما غلب اللّه»، أو لا؟ الثاني هو خيرة صاحب الحدائق قائلاً بأنّّ المراد به ما كان من فعل اللّه تعالى به بحيث يقال: إنّه ليس للعبد في إيقاعه صنع و لا مدخل بالكلية وانّه ممّا فعله اللّه تعالى به من غير اختيار فيه، والسفر و إن كان ضرورياً ليس كذلك.(3) و تبعه النراقي في المستند.(4)

يلاحظ عليه: بأنّ السفر انّ معنى التعليل ليس كون الفعل، فعلاً للّه سبحانه، لا للعبد، كي يقال انّ السفر فعله اضطرارياً كان أو اختيارياً، بل كون العبد مغلوباً في الإرادة والعمل مفروضاً عليه وخارجاً عن اختياره، وعلى ذلك فالسفر وإن كان أمراً اختيارياً لكن السبب الداعي إليه أمر خارج عنه، ويكفي ذلك، انّه ممّا غلب اللّه عليه، أو حبسه اللّه، كما إذا اضطرّ إلى السفر، لمرض أصاب والده وهو من صنعه سبحانه فقط.=


1 . النهاية:167.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث1.
3 . الحدائق:13/342.
4 . مستند الشيعة:10/535.


(291)

ــــــــــــــــــــــــ
= وبذلك يعلم ضعف ما ذكره النراقي في مستنده حيث قال: وهو الأقوى لأنّ الظاهر ممّا حبسه وغلب اللّه عليه ما لم يكن بفعل العبد، والسفر وإن كان ضرورياً فهو بفعله . سلمنا، فغايته تعارض عموم التعليل مع عموم ذيل صحيحة الحلبي(1) ونحوها، فيرجع إلى الأصل وهو هنا عدم سقوط التتابع، لأنّه مأمور به فلا يسقط إلاّ مع الإتيان به.

وجه الضعف أنّ السفر و إن كان فعله إلاّ أنّ الموجب له أمر خارج عن اختياره، وهو فعله سبحانه و هذا المقدار من الخروج عن الاختيار كاف في صدق انّه حبسه اللّه.

وأمّا ما ذكره أخيراً فهو فرع عدم أظهرية التعليل من إطلاق ذيل صحيح الحلبي، أعني قوله: «وإن صام شهراً ثمّ عرض له شيء فأفطر قبل أن يصوم من الآخر شيئاً فلم يتابع أعاد الصوم كلّه».(2) لولم نقل انصرافه إلى الأمر الاختياري دون الضروري.

ثمّ إنّ هناك وجهاً آخر لعدم كون هذه الأعذار قاطعة للتتابع وهو حديث الرفع، فانّ المراد من قوله: «ما اضطرّوا إليه» هو الأعم من العقلي والعرفي، كأكل الميتة عند المجاعة، فإنّه فعل اختياريّ يعد عرفاً أمراً اضطرارياً، وعلى ذلك تكون قاطعية السفر الاضطراري مرفوعاً في هذه الحالة، ويتلقّى كأنّه غير موجود فيشمل ما دل على كفاية صوم شهر وشيء من الشهر الآخر، في تحقّق التتابع إذا قضى صوم ذلك اليوم.

وأمّا السفر الاختياريّ فلا يشمله التعليل، لما عرفت من أنّه كناية عن كون الفعل خارجاً عن الاختيار. وهو على قسمين: تارة يكون خارجاً عنه عقلاً، كالمرض والحيض والنفاس. (3) وأُخرى: عرفاً ، كالسفر الاضطراريّ، فهو خارج عنه عرفاً لا عقلاً، فيشمله التعليل على ما عرفت من أنّه كناية عن خروج الفعل عن اختيار الفاعل، وعلى =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 9.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 9.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث10 و12.


(292)

ــــــــــــــــــــــــ
= ذلك لا يدخل السفر الاختياريّ تحت التعليل، لكونه فعلاً اختيارياً عقلاً وعرفاً.

وبذلك يظهر ضعف ما أفاده صاحب الجواهر حيث ذهب إلى عدم الفرق بين السفرين قائلاً بأنّه لا يبعد ظهور قوله: «اللّه حبسه» في تناول السفر وإن لم يكن ضروريّاً باعتبار كونه محبوساً عن الصوم، بل هو حينئذ ممّا غلب اللّه عليه باعتبار كون منع الصوم فيه منه سبحانه، فيكون ذلك كناية عن كلّ ما ينافي الصوم إذا لم يكن من قبل المكلّف فعندئذ لا ينافي التتابع إلاّالتعمّد من الإفطار.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف ظاهر التعليل، فانّه كالصريح من أن يكون القاطع للتتابع حالة طارئة أو فعلاً للمكلَّف، خارجاً عن اختياره كالمرض و نحوه، وأمّا السفر الاختياري فهو فعل اختياري عقلاً وعرفاً و أمّا حكم الشارع بتحريم الصوم عليه في هذه الحالة فهو فعل تشريعي له، لا صلة له بالمكلَّف.

فما عليه الماتن من التفريق بين الاضطراري و الاختياري هو الأقوى.

4. إذا نسي النيّة حتى فات محلّها

قال في المدارك:ولو نسي النيّة في بعض أيّام الشهر حتى فات محلها فسد صوم ذلك اليوم، وهل ينقطع التتابع بذلك؟ قيل: نعم لأنّ فساد الصوم يقتضي عدم تحقّق التتابع، وقيل: لا، لحديث رفع القلم، وظاهر التعليل المستفاد من قوله: «حبسه اللّه» وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «ليس على ما غلب اللّه عليه شيء».(2)

وناقش فيه صاحب الحدائق بأنّ المرفوع في حديث رفع القلم، إنّما هو المؤاخذة، =


1 . الجواهر:17/79.
2 . المدارك:6/249.


(293)

ــــــــــــــــــــــــ
= وظاهر التعليل المذكور في الخبرين لا يشمل مثل هذا ،لأنّ النسيان إنّما هو من الشيطان لقوله عزّوجلّ: (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكرَ رَبِّه) (1).(2)

يلاحظ على الأخير بأنّ المراد من قوله: «حبسه اللّه» أو قوله: «غلب اللّه عليه» هو كون الفعل خارجاً عن اختياره، سواء أكان الفعل مستنداً إليه سبحانه، أو غيره، أضف إلى ذلك: انّ كلّ ما في الكون من جوهر وعرض مستند إليه سبحانه أخذاً بالتوحيد الأفعالي، غاية الأمر تارة يكون الجزء الأخير من العلّة التامة هو إرادة العبد فيكون الفعل اختياريّاً، و أُخرى يكون الجزء غيره، فيكون خارجاً عن الاختيار ، وعلى كلّ تقدير ففعل العبد خيره وشرّه غير خارج عن مصبِّ إرادته سبحانه ومشيئته. ثمّ إنّه يأتي في المقام ما ذكرناه في الاضطرار من التمسّك بحديث الرفع لأجل النسيان.

5. إذا نوى صوماً آخر فتذكّر بعد الزوال

إذا نوى صوماً آخر فتذكّر بعد الزوال، يصحّ صومه حسب ما نوى ولا يبطل التتابع لما سبق من الفرع المتقدّم من كونه خارجاً عن الاختيار، و يصحّ الصوم في المقام دون الصوم في الأمر الرابع لفقد النيّة، نعم لا يبطل التتابع في كلا المقامين

6. إذا نذر صوم كلّ خميس

إذا نذر صوم كلّ خميس قبل تعلّق الكفّارة به فلا يبطل التتابع فيصوم نذراً، ثمّ يصوم بدله يوماً آخر إلى أن تكمل الكفّارة من غير فرق بين تعيّن الصوم ـ كما في المرتّبة ـ =


1 . يوسف:42.
2 . الحدائق:13/343.


(294)

ــــــــــــــــــــــــ
= و عدمه كما في المخيرّة، فلا يجب عليه العدول إلى شق آخر بزعم عدم التمكّن من صوم متتابع، لما عرفت من عدم إخلال ما غلب اللّه عليه.

وربما يقال: إنّ هذا فيما لو تعلّق النذر بعنوان خاص بأن يصوم يوم الخميس بعنوان النذر، وأمّا لو كان متعلّقه غير معنون بأيّ عنوان فنذر أن يكون هذا اليوم صائماً ولو بعنوان آخر، من قضاء، أو إجارة أو كفّارة ونحو ذلك في قبال أن يكون مفطراً فالظاهر انّه لا يوجب التخلل من أصل بل يحسب من الكفّارة أيضاً.(1)

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ المتبادر من النذر هو الأولى، انّه كيف يُحسب قضاءً أو إجارة وفي الوقت نفسه كفّارة، مع ظهور الدليلين في تعدّد المسبّب؟ و كيف يكون امتثالاً لكلّ من الإجارة والكفّارة مع اختلاف ملاكهما.

7. لو نذر صوم الدهر فتعلّقت به الكفّارة

لو نذر صوم الدهر فتعلّقت به الكفّارة، يجب عليه العدول إلى غير الصوم من الخصال من غير فرق بين المرتبة و المخيرة لعدم تمكّنه من الصوم ولو غير متتابع، حتى يكون عدم التتابع معفواً، وربما يقال كما سبق في الفرع المتقدّم من عدم وجوب الانتقال لعدم المنافاة فيقع امتثالاً لكلّ من النذر والكفّارة بعنوانين. وقد ظهر ضعفه كما تقدّم.

ثمّ إنّ في صحة صوم الدهر إذا كان مزاحماً للواجب المتعيّـن كالصيام في كفّارة الظهار، تأملاً واضحاً، حيث إنّ الواجب بعد العجز عن تحرير الرقبة هو صوم ستين يوماً فقط، ويعتبر أن يكون متعلّق النذر أمراً راجحاً في نفسه غير مفوِّت للواجب وسبباً لتعجيز الإنسان عن الفريضة، ولذلك لا يصحّ نذر قراءة القرآن من أوّل طلوع الفجر =


1 . مستند العروة:2/290.


(295)

المسألة 7: كلّ من وجب عليه شهران متتابعان من كفّارة معيّنة أو مخيّرة إذا صام شهراً ويوماً متتابعاً يجوز له التفريق في البقيّة ولو اختياراً لا لعذر .

وكذا لو كان من نذر أو عهد لم يشترط فيه تتابع الأيـّام جميعها ولم يكن المنساق منه ذلك.

وألحقَ المشهور بالشهرين الشهر المنذور فيه التتابع، فقالوا: إذا تابع في خمسة عشر يوماً منه يجوز له التفريق في البقيّة اختياراً، و هو مشكل، فلا يترك

ــــــــــــــــــــــــ
= إلى طلوع الشمس، لأنّه مفوِّت للواجب، فلا يكون المتعلّق راجحاً، ولا نذر سجدة طويلة يستغرق وقت الصلاة الواجبة، وما ذلك لأنّه يشترط في متعلقه الرجحان حتى يكون قابلاً للإتيان به للّه سبحانه و يصحّ له الزام العبد على العمل به، فلو كان غير راجح في نفسه أو مفوتاً للواجب، لا يصحّ إيتاؤه للّه سبحانه، ولا يصحّ إلزامه سبحانه على العبد بإتيانه إلزاماً تشريعيّاً.

وعلى ضوء ذلك، فإذا ينذر صوم الدهر، فلو كان دليل النذر مقدّماً على دليل الواجب لتقدّم انعقاده يلزم تفويت الواجب، ومثله يوجب خروج المنذور عن كونه راجحاً.

ولذلك قلنا في محله بأنّ من نذر قبل حصول الاستطاعة، أن يزور الحسين ـ عليه السَّلام ـ في عرفة ثمّ حصلت له الاستطاعة ينحلّ نذره عند ذاك و يجب عليه الحجّ دون الزيارة، وإلاّفيمكن التوسّل إلى ترك تلك الفريضة بأدنى شيء كأن ينذر أن يقرأ سورة يس في يوم عرفة في مسجد من مساجد بلده، أو يزور عشيرته وأقوامه في ذلك اليوم وهو كماترى، فما ذكره المصنّف من أنّه لو كان قد نذر صوم يوم الدهر قبل تعلّق الكفّارة اتّجه الانتقال إلى سائر الخصال; إنّما يصحّ في الخصال المخيّرة التي لها بدل كما في كفّارة شهر رمضان، دون المرتبة كما في الظهار.


(296)

الاحتياط فيه بالاستئناف مع تخلّل الإفطار عمداً وإن بقي منه يوم .

كما لا إشكال في عدم جواز التفريق اختياراً مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم المتتابع.*

ــــــــــــــــــــــــ
* في المسألة فروع:

أ. جواز الإفطار بعد تحقّق التتابع.

ب: إذا نذر صوم شهرين متتابعين.

ج: إذا نذر صوم شهر مع التتابع.

د: جواز التفريق مع تجاوز النصف في سائر أقسام التتابع وعدمه.

وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر

1. جوازالإفطار بعد تحقّق التتابع

قد سبق في المسألة الأُولى انّ صوم شهر ويوم آخر من شهر آخر، محقّق لعنوان التتابع الوارد في النصوص الشرعية، وقلنا إنّ صحيحة الحلبي من أظهر مصاديق الحكومة، وموردها و إن كان خصوصَ المترتبة، لكنها ليست مخصصة، وإليك نصّها:«إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين، والتتابع أن يصوم شهراً ويصوم شيئاً أو أياماً».(1)

وأمّا جواز الإفطار فقد سبق وجهه فيها، لأنّ الواجب هو صيام شهرين متتابعين، وقد تحقّق بما ذكر، فلو لم يجز الإفطار، يكشف عن عدم تحقّق الفريضة والمفروض خلافه، وأمّا إكمال الشهرين فهو كما يتحقّق بالتتابع يتحقّق بالتفريق أيضاً. =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 9.


(297)

ــــــــــــــــــــــــ

= 2. إذا نذر صوم شهرين متتابعين

لو نذر شهرين متتابعين، فله صور:

أ: أن ينذر شهرين مقيِّداً التتابع في جميع أيّامها كأن ينذر صوم ستين يوماً متصلاً أو ينذر صوم رجب و شعبان ، فلا شكّ في لزوم التتابع في جميعها وعدم دخولها في صدر صحيح الحلبي، أعني:«التتابع أن يصوم شهراً ويصوم من الآخر شيئاً».(1)

ب: أن ينذر شهرين متتابعين ناظراً إلى العنوان الوارد في الشرع المحكوم بكفاية صوم شهر و شيء من الآخر، فلا ريب في دخولها في صدر صحيح الحلبي وغيره.(2)

ج: أن ينذر شهرين متتابعين، من دون تقييد بالتتابع في جميع الأيام ولا نظر إلى ما لهذا العنوان من الأحكام، فهل هذه الصورة على فرض تصوّرها داخلة في الحديث أولا؟ الأظهر دخولها تحت إطلاقها.

3. إذا نذر صوم شهر متتابعاً

إذا نذر صوم شهر متتابعاً، فمقتضى القاعدة عدم جواز التخلّل حتى يصوم شهراً تامّاً، وربما يقال بكفاية صوم خمسة عشر يوماً لرواية الفضيل عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوماً، ثم عرض له أمر؟ فقال: «إن كان صام خمسة عشر يوماً فله أن يقضي ما بقي، وإن كان أقل من خمسة عشر يوماً لم يجزه حتى يصوم شهراً تاماً».(3)

وقد عمل بها الشيخ في النهاية وقال:ومن نذر أن يصوم شهراً متتابعاً، فصام =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 9و5.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 9و5.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث1.


(298)

ــــــــــــــــــــــــ
= خمسة عشر يوماً، وعرض ما يفطر فيه، وجب عليه صيام ما بقي من الشهر، و إن كان صومه أقلّ من خمسة عشر يوماً كان عليه الاستئناف.(1)

والرواية مطلقة تعم العارض الاختياريّ وغيره وردّها في المدارك بضعف السند. ولو كان فيه ضعف فإنّما هو لأجل موسى بن بكر، الذي لم يرد في حقّه توثيق، ولكن يمكن استنباط وثاقته من أُمور:

1. رواية ابن أبي عمير وصفوان عنه.

2. ما رواه الكليني عن محمد بن الحسن بن سماعة: دفع إليّ صفوان كتاباً لموسى بن بكر فقال لي : هذا سماعي من موسى بن بكر و قرأته عليه. (2) وهذا دليل على اعتماد صفوان عليه.

3. رواية كثير من المشايخ نظير: أحمد بن محمد بن أبي نصر، و جعفر بن بشير، و محمد بن سماعة و يونس بن عبد اللّه، مضافاً إلى ما عرفت من العلمين الماضيين.

والرواية إذا لم تكن معرضاً عنها، لا بأس بالإفتاء على مضمونها.

هذا كلّه إذا وجب صوم الشهر بالنذر، وأمّا إذا وجب بالأصالة كالمملوك في كفّارة ظهاره وقتله وإفطاره، فهل يصحّ إسراء الحكم إليه أو لا؟ فقد بسط الكلام فيه العلاّمة في «المختلف».(3) لكنّ عدم وجود الموضوع في الخارج أغنانا عن إفاضة الكلام فيه.

4. حكم التفريق بعد تجاوز النصف في سائر الأقسام.

لا يجوز التفريق الاختياري مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم، المشروط =


1 . النهاية:167.
2 . الكافي:7/97، باب ميراث الولد مع الزوج، الحديث 3.
3 . المختلف:3/563.


(299)

المسألة 8: إذا بطل التتابع في الأثناء لا يكشف عن بطلان الأيـّام السابقة فهي صحيحة وإن لم تكن امتثالاً للأمر الوجوبيّ ولا الندبيّ لكونها محبوبة في حدّ نفسها من حيث إنّها صوم، وكذلك الحال في الصلاة إذا بطلت في الأثناء فإنّ الأذكار والقراءة صحيحة في حدّ نفسها من حيث محبوبيّتها لذاتها.*

ــــــــــــــــــــــــ
= فيه التتابع، لعدم الدليل عليه وقد قام الدليل في موردين:

1. الشهران المتتابعان.

2. الشهر الواحد إذا وجب صومه بالنذر.

* إذا صام وفاءً للنذر أو للتكفير المشروط فيهما التتابع ثمّ بدا له في الإفطار، فهل يكشف ذلك عن بطلان العمل السابق بتصور انّ ما قصد من امتثال الأمر المقيد بالتتابع لم يقع، وما وقع من موافقة العمل للأمر الندبي المتعلّق بمطلق الصوم لم يقصد، أو لا يكشف؟ ونظير ذلك بطلان الصلاة في الأثناء، فهل تبطل الأذكار الماضية أو لا؟ قد ذهب المصنّف إلى عدمه، ويمكن تصحيحه بوجهين:

1. وجود الملاك في مطلق الصوم بمعنى المحبوبيّة.

يلاحظ عليه: أنّ المحبوبية فرع تعلّق الأمر به وقصده، والمفروض عدمه، وليس الصوم ـ وحده ـ بمعنى تحمّل الجوع والعطش إلى الليل، عبادة بالذات، إذا لم يقصد كونه للّه سبحانه، كالسجود والركوع والأذكار.

2. انّ الأمر النذري أو التكفيري إنّما تعلّق بالصوم الذي هو عبادة مع قطع النذر عن الأمر المتعلّق بالعنوان الثانوي، فالصوم بما هو عبادة، و بما انّه مستحب في عامة الأيّام إلاّ العيدين وقع متعلّقاً للنذر، والتكفير، فهناك أمران:

1. الأمر الندبي المتعلّق بنفس الصوم مطلقاً في عامّة الأيام إلاّما استثني. =


(300)

ــــــــــــــــــــــــ
= 2. الأمر بالوفاء بالنذر، أو بالتكفير المشروط فيهما التتابع.

والأمر الأوّل أمر عبادي تعبدي متعلّق بعنوان الصوم، والثاني أمر متعلّق بعنوان ثانوي، أعني: النذر والتكفير، وهو توصّلي، ولا يكتسب الصوم عباديّته إلاّ من الأمر الأوّل، لا من الأمر الثاني، فلو صام أيّاماً، ثمّ قطع فانّما يبطل التتابع ولا يؤثر ذلك في سلب العبادية عن الصوم ، و أقصى ما يمكن أن يقال: انّه لم يمتثل الأمر التوصّلي الجائي من قبل الأمر بالوفاء بالنذر والكفّارة، وأمّا الأمر الندبي المتعلّق بنفس الصوم فقد امتثله وأطاعه وهو ملاك العبادية.

فإن قلت: إنّ الصائم إنّما يقصد امتثال الأمر المتعلّق بالنذر أو الكفّارة بشهادة انّه يقصد التتابع من أوّل الأمر وأمّا الأمر الندبي المتعلّق بنفس الصوم في كلّ يوم فهو أمر مغفول عنه.

قلت: الأمر كذلك لكن كلاً من هذين الأمرين(الأمر النذري والتكفيري) داعيان إلى الأمر المتعلّق بنفس الصوم، و هذا المقدار من الملازمة يكفي في صحّة العبادة وترتّب الثواب عليه، فانّ الإنسان لا ينذر إلاّ ما هو محبوب للمولى والمفروض وليس المحبوب إلاّ الصوم الذي تعلّق به الأمر الندبي، وهذا نظير نذر صلاة الليل المستحبة في ذاتها، فينوي ما هو المستحب بالذات، ليكون وفاءً بالنذر.


(301)

الفصل الخامس عشر
أقسام الصوم

أقسام الصوم أربعة: واجب، وندب، ومكروه كراهة عبادة، ومحظور.

والواجب أقسام: صوم شهر رمضان، وصوم الكفّارة، وصوم القضاء، وصوم بدل الهدي في حجّ التمتع، وصوم النذر والعهد واليمين والملتزم بشرط أو إجارة، وصوم اليوم الثالث من أيّام الاعتكاف، أمّا الواجب فقد مرّ جملة منه.

وأمّا المندوب منه فأقسام: منها ما لا يختصّ بسبب مخصوص ولا زمان معيّن كصوم أيّام السنة عدا ما استثني من العيدين وأيّام التشريق لمن كان بمنى، فقد وردت الأخبار الكثيرة في فضله من حيث هو ومحبوبيّته وفوائده ويكفي فيه ما ورد في الحديث القدسي: الصوم لي وأنا أُجازي به، وما ورد من أنّ الصوم جنّة من النار، وأنّ نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح وعمله متقبّل ودعاءه مستجاب، ونعم ما قال بعض العلماء من أنّه لو لم يكن في الصوم إلاّ الارتقاء عن حضيض حظوظ النفس البهيميّة إلى ذروة التشبّه بالملائكة الروحانيّة لكفى به فضلاً ومنقبة وشرفاً.

ومنها ما يختص بسبب مخصوص وهي كثيرة مذكورة في كتب الأدعية .

و منّها ما يختص بوقت معيّن وهو في مواضع:

منها ـ وهو آكدهاـ صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر فقد ورد أنّه يعادل صوم


(302)

الدهر ويذهب بوحر الصدر، وأفضل كيفيّاته ما عن المشهور، ويدلّ عليه جملة من الأخبار هو أن يصوم أوّل خميس من الشهر وآخر خميس منه وأوّل أربعاء في العشر الثاني. ومن تركه يستحبّ له قضاؤه، ومع العجز عن صومه لكبر ونحوه يستحبّ أن يتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام أو بدرهم.

ومنها: صوم أيّام البيض من كلّ شهر وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر على الأصحّ المشهور وعن العمّاني أنّها الثلاثة المتقدّمة.

ومنها: صوم يوم مولد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو السابع عشر من ربيع الأوّل على الأصحّ، وعن الكلينيّ أنّه الثاني عشر منه.

ومنها: صوم يوم الغدير، وهو الثامن عشر من ذي الحجّة.

ومنها: صوم يوم مبعث النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهو السابع والعشرون من رجب.

ومنها: يوم دحو الأرض من تحت الكعبة، وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة.

ومنها: يوم عرفة لمن لا يضعّفه الصوم عن الدعاء.

ومنها: يوم المباهلة وهو الرابع والعشرون من ذي الحجّة.

ومنها: كل خميس و جمعة معاً أو الجمعة فقط.

ومنها: أوّل ذي الحجّة بل كلّ يوم من التسع فيه.

ومنها: يوم النيروز .

ومنها: صوم رجب وشعبان كلاً أو بعضاً ولو يوماً من كلّ منهما.

ومنها: أوّل يوم من المحرّم وثالثه وسابعه.

ومنها: التاسع والعشرون من ذي القعدة .

ومنها: صوم ستّه أيّام بعد عيد الفطر بثلاثة أيّام أحدها العيد .


(303)

ومنها :يوم النصف من جمادى الأُولى.

المسألة 1: لا يجب إتمام صوم التطوّع بالشروع فيه بل يجوز له الإفطار إلى الغروب وإن كان يكره بعد الزوال.

المسألة 2: يستحبّ للصائم تطوعاً قطع الصوم إذا دعاه أخوه المؤمن إلى الطعام ، بل قيل بكراهته حينئذ.

وأمّا المكروه منه: بمعنى قلّة الثواب، ففي مواضع أيضاً.

منها: صوم عاشوراء.

ومنها: صوم عرفة لمن خاف أن يضعّفه عن الدعاء الّذي هو أفضل من الصوم، وكذا مع الشكّ في هلال ذي الحجّة خوفاً من أن يكون يوم العيد.

ومنها: صوم الضيف بدون إذن مضيفه، والأحوط تركه مع نهيه، بل الأحوط تركه مع عدم إذنه أيضاً .

ومنها: صوم الولد بدون إذن والده، بل الأحوط تركه خصوصاً مع النهي بل يحرم إذا كان إيذاء له من حيث شفقته عليه، والظاهر جريان الحكم في ولد الولد بالنسبة إلى الجدّ والأولى مراعاة إذن الوالدة ومع كونه إيذاء لها يحرم كما في الوالد.

وأمّا المحظور منه: ففي مواضع أيضاً :

أحدها: صوم العيدين: الفطر والأضحى، وإن كان عن كفّارة القتل في أشهر الحرم، والقول بجوازه للقاتل شاذّ، والرواية الدالّة عليه ضعيفة سنداً ودلالة.

الثاني: صوم أيّام التشريق وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث من ذي الحجّة لمن كان بمنى، ولا فرق على الأقوى بين الناسك وغيره.

الثالث: صوم يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان بنيّة أنّه من رمضان، وأمّا بنيّة أنّه من شعبان فلا مانع منه كما مرّ.


(304)

الرابع: صوم وفاء نذر المعصية بأن ينذر الصوم إذا تمكّن من الحرام الفلاني أو إذا ترك الواجب الفلاني يقصد بذلك الشكر على تيسّره ، وأمّا إذا كان بقصد الزجر عنه فلا بأس به، نعم يلحق بالأوّل في الحرمة ما إذا نذر الصوم زجراً عن طاعة صدرت منه أو عن معصية تركها.

الخامس: صوم الصمت بأن ينوي في صومه السكوت عن الكلام في تمام النهار أو بعضه بجعله في نيّته من قيود صومه، وأمّا إذا لم يجعله قيداً وإن صمت فلا بأس به بل وإن كان في حال النيّة بانياً على ذلك إذا لم يجعل الكلام جزءاً من المفطرات وتركه قيداً في صومه.

السادس: صوم الوصال وهو صوم يوم وليلة إلى السحر أو صوم يومين بلا إفطار في البين، وأما لو أخّر الإفطار إلى السحر أو إلى اللّيلة الثانية مع عدم قصد جعل تركه جزءاً من الصوم فلا بأس به وإن كان الأحوط عدم التأخير إلى السحر مطلقاً .

السابع: صوم الزوجة مع المزاحمة لحقّ الزوج والأحوط تركه بلا إذن منه، بل لا يترك الاحتياط مع نهيه عنه وإن لم يكن مزاحماً لحقّه.

الثامن: صوم المملوك مع المزاحمة لحقّ المولى والأحوط تركه من دون إذنه بل لا يترك الاحتياط مع نهيه.

التاسع: صوم الولد مع كونه موجباً لتألّم الوالدين وأذيّتهما.

العاشر: صوم المريض ومن كان يضرّه الصوم.

الحادي عشر: صوم المسافر إلاّ في الصور المستثناة على ما مرّ.

الثاني عشر: صوم الدهر حتّى العيدين على ما في الخبر وإن كان يمكن أن يكون من حيث اشتماله عليهما لا لكونه صوم الدهر من حيث هو.


(305)

المسألة 3: يستحبّ الإمساك تأدّباً في شهر رمضان وإن لم يكن صوماً في مواضع:

أحدها: المسافر إذا ورد أهله أو محلّ الإقامة بعد الزوال مطلقاً أو قبله وقد أفطر، وأما إذا ورد قبله ولم يفطر فقد مرّ أنّه يجب عليه الصوم.

الثاني: المريض إذا برئ في أثناء النهار وقد أفطر، وكذا لو لم يفطر إذا كان بعد الزوال بل قبله أيضاً على ما مرّ من عدم صحّة صومه وإن كان الأحوط تجديد النيّة والإتمام ثمّ القضاء.

الثالث: الحائض والنفساء إذا طهرتا في أثناء النهار .

الرابع: الكافر إذا أسلم في أثناء النهار أتى بالمفطر أم لا.

الخامس: الصبيّ إذا بلغ في أثناء النهار .

السادس: المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا في أثنائه.*

ــــــــــــــــــــــــ
* ما ذكره المصنف في هذا الفصل من تقسيم الصوم إلى أقسام أربعة: واجب، وندب، ومكروه كراهةَ عبادة، ومحظور، واضح لورود النصوص في أكثرها. والمهم في المقام دراسة بعض أقسام الصوم المكروه والمحظور، أعني:

1. صوم يوم عاشوراء.

3. صومالضيف بدون إذن مضيّفه.

3. صوم الزوجة مع المزاحمة لحقّ الزوج أو مع نهيه وإن لم يكن مزاحماً لحقّه.

4. صوم الولد بدون إذن والده أو مع نهيه عنه.=


(306)

ــــــــــــــــــــــــ

= 1. صوم يوم عاشوراء

اختلفت كلمة الأصحاب تبعاً للروايات في حكم صوم يوم عاشوراء إلى أقوال:

1. استحباب صومه على وجه الحزن. و هو خيرة الشيخ في الاستبصار ،حيث قال: إنّ من صام يوم عاشوراء على طريق الحزن بمصاب آل محمد ـ عليهم السَّلام ـ والجزع لما حلّ بعترته فقد أصاب، و من صامه على ما يعتقده مخالفونا من الفضل في صومه و التبرّك به، و الاعتقاد ببركته وسعادته فقد أثم و أخطأ. (1)

و تبعه ابن زهرة و قال في فصل الصوم المندوب: وصوم عاشوراء على وجه الحزن.(2)

وعليه المحقق حيث قال: وصوم يوم عاشوراء على وجه الحزن.

وظاهر كلامهم هو الصوم الكامل مع النية اللازمة، وما في «المسالك» من أنّه ليس صوماً معتبراً شرعاً، بل هو إمساك بدون نيّة.(3) ليس في محلّه.

2. انّه مكروه وعليه المصنّف وغيره.

3. انّه محظور و ممنوع وعليه صاحب الحدائق، حيث إنّه بعد نقل قسم من الأخبار الماضية قال: لا يخفى ما في هذه الأخبار من الظهور والصراحة في تحريم صوم هذا اليوم مطلقاً، وإنّ صومه كان في صدر الإسلام ثمّ نُسخ بنزول شهر رمضان .(4)

ولم نعثر على من يقول باستحبابه على وجه الإطلاق، وإن كان اللائح من بعض الروايات انّه مستحب لذلك، غير انّ الشيخ لأجل الجمع بين الروايات، قيّده بقوله: =


1 . الاستبصار:2/135 ـ 136.
2 . الغنية:1/148.
3 . المسالك:2/78.
4 . الحدائق:13/375.


(307)

ــــــــــــــــــــــــ
= «على وجه الحزن» ونقله عن شيخه المفيد، و على كلّ تقدير، فالمهم دراسة ما ورد في الروايات:

استحباب صومه

يدلّ على استحباب صومه صحيحة عبد اللّه بن ميمون القدّاح (1) و موثّقتا إسماعيل بن أبي همّام(2) و مسعدة بن صدقة.(3)

ففي الأُولى قال: «صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة».

وفي الثانية: «صام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يوم عاشوراء ». وقريبة منها الثالثة. والروايات بين صحيحة وموثقة قابلة للاحتجاج.

المنع عن صومه

دلّ غير واحد من الروايات التي يبلغ عددها إلى سبع على المنع:

1. رواية زرارة، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه ـ عليهما السَّلام ـ قالا: «لا تصم في يوم عاشوراء، ولا عرفة بمكة، ولا بالمدينة ولا في وطنك ولا في مصر من الأمصار».(4)

والرواية ضعيفة بـ«يس» الضرير الذي لم يوثّق . و أمّا نوح بن شعيب فقد نقل الشيخ في رجاله عن الفضل بن شاذان: انّه كان فقيهاً، عالماً صالحاً مرضياً. مضافاً إلى ما في متنه من النهي عن صوم عرفة مطلقاً مع أنّه مستحب و قد صامه الإمام.(5) =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 20 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 3، 1، 2.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 20 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 3، 1، 2.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 20 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 3، 1، 2.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 21 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 6.
5 . الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 1.


(308)

ــــــــــــــــــــــــ
= 2. رواية الحسين بن أبي غندر، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ... قلت: فصوم عاشوراء؟ قال: «ذلك يوم قتل فيه الحسين فإن كنت شامتاً فصم».(1)

وفي السند: الحسين بن إبراهيم القزويني وهو مجهول، ومحمد بن وهبان البصري له رواية في التهذيب، عن علي بن حبشي قال الطوسي: له كتاب، عن العباس بن محمد ابن الحسين المجهول و مثل هذه الرواية لا تصلح للاستدلال.

3. صحيحة زرارة و محمد بن مسلم جميعاً أنّهما سألا أبا جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ عن صوم يوم عاشوراء ؟قال:« كان صومه قبل صوم شهر رمضان ، فلما نزل شهر رمضان تُرك».(2) وهو لا يدل على الحرمة ، بل يدل على أنّ الناس تركوا صومه لوجود الأفضل منه، أعني: صيام رمضان.

بقيت هنا روايات أربع(3) رواها الكليني عن الحسن بن علي الهاشمي باسناد مختلفة وقد تلقّاها المحقّق الخوئي رواية واحد، لأنّ الكليني نقل الجميع عن الهاشمي. لكنّه غير تام، لأنّ الميزان في توحيد الرواية هو وحدة الراوي عن الإمام في الجميع ، لا توسّط شخص واحد في أسناد الجميع، مع اختلاف الأسانيد منه إلى الإمام والأولى أن يستدلّ عليها بوحدة المضمون وهي غير بعيدة كما هو واضح لمن لاحظها.

لكن الجميع ضعيف أمّا الحسين بن علي الهاشمي الوارد في الجميع كما في الوسائل، أو الحسن كما في الكافي، فلم يرد في حقّه سوى انّ له عشر روايات.

ثمّ إنّ الأُولى منها ضعيفة بمحمد بن سنان، والثالثة بزيد النرسي، و أمّا الرابعة فقد ورد فيه نجبة وهو مهمل في الرجال بل مجهول. فالأظهر تقديم ما دلّ على الاستحباب على ما دلّ على الحظر. ومحط الكلام في صومه بما هو هو، و أمّا صومه بعنوان =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 21 من أبواب الصوم المندوب، الحديث7، 1.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 21 من أبواب الصوم المندوب، الحديث7، 1.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 21 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 2، 3، 4، 5.


(309)

ــــــــــــــــــــــــ
= التبرك و الفرح والسرور فلا شكّ في حرمته، لأنّه عين النصب والعداء وهو بمنزلة الكفر، ولعلّ النهي الوارد في الروايات الأربع لحسن بن علي الهاشمي ناظر إلى هذا النوع من الصوم، وهو غير بعيد بالنسبة إلى الأجواء السائدة في زمن صدور الروايات.

وأمّا ما رواه الشيخ في المصباح عن عبداللّه بن سنان قال:

دخلت على أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يوم عاشوراء، ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط، فقلت: مِمَّ بكاؤك؟ فقال: «أفي غفلة أنت؟! أما علمت انّ الحسين ـ عليه السَّلام ـ أصيب في مثل هذا اليوم؟!».

فقلت: ما قولك في صومه؟ فقال لي: «صمه من غير تبييت، وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملا، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فانّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ...».(1)

وهذا الحديث نقله الشيخ في مصباحه، عن عبد اللّه بن سنان، وسند الشيخ في الفهرست صحيح بالنسبة إلى كتبه، ولكن لم يدل دليل على أنّه نقل هذا الحديث من كتاب ابن سنان كما قيل.

ولا يخفى بُعد هذا الاحتمال، والأولى أن يجاب بأنّ القدر المتيقّن من المنع من الحديث هو الصوم الكامل على النحو الذي كان الناس يصومون يوم ذاك من إظهار الفرح والسرور دون أن يعلموا أصله وانّ ذلك بدعة من بِدَع آل أمية، وبما انّ الناس كانوا يتظاهرون بهذا النوع من الصوم، صار الصوم في تلك الظروف مكروهاً أو ممنوعاً لئلاّ يتشبه موالي آل البيت، بعمل معاديهم، وأمّا إذا خلت الظروف عن هذه العناوين الثانوية، فاستحبابه باق بحاله.=


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 20، الحديث 7 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 7.


(310)

ــــــــــــــــــــــــ
= وبذلك تقدر على الجمع بين الروايات المجوزة كالثلاثة الأُوَل، والروايات السبعة الناهية، فالمجوزة ناظرة إلى صوم ذلك اليوم بما هو هو من دون أن يكون هناك أيّ قصد للفرح والتبرّك، وأمّا المانعة فهي ناظرة إمّا إلى الصوم المقرون بما يرتكبه أجلاف الناس من إظهار الفرح والتيمّن عالماً أو جاهلاً، أو إلى الصوم المجرّد عن هذا القصد، لكن الصائم يعيش في أجواء ينتزع من صومه التشبّه بهم، فيحرم في كلتا الصورتين. وما ذكرنا من الجمع أوضح من الجمع الذي ذكره الشيخ وتبعه المحقّق، كما لا يخفى.

صوم الضيف بدون إذن مضيّفه

اختلفت كلماتهم في صوم الضيف بدون إذن مضيِّفه على أقوال، فمن قائل بالتحريم مطلقاً، كما هو الظاهر من المحقّق في «المعتبر»(1) و«النافع»(2) إلى آخر قائل بالكراهة كذلك كما هو الظاهر من العلاّمة في «المنتهى»،(3) إلى ثالث مفصِّل بين النهي فيحرم وإلاّفيكره وهو الظاهر من المحقّق في «الشرائع» قال في عداد الصوم المكروه: صوم الضيف نافلة من دون إذن مضيّفه والأظهر انّه لا ينعقد مع النهي» .(4)

لكن المذهب المشهور هو الكراهة مطلقاً، ويدلّ عليه ما يلي:

1. ما رواه الصدوق باسناده، عن الفضيل بن يسار ،عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ (أبي جعفر) قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحل عنهم، ولا ينبغي للضيف أن يصوم إلاّبإذنهم، لئلاّ يعملوا الشيء فيفسد عليهم، و لا ينبغي لهم أن يصوموا إلاّ بإذن الضيف لئلاّ يحتشم فيشتهي الطعام =


1 . المعتبر:2/712.
2 . النافع:1/71 ط مصر.
3 . المنتهى:3/615
4 . الجواهر:17/116ـ 117، قسم المتن.


(311)

ــــــــــــــــــــــــ
= فيتركه لهم (لمكانهم)».(1)

وطريق الصدوق إلى الفضيل لا يخلو من اعتبار، والمناقشة فيه لأجل وقوع محمد ابن موسى المتوكّل، وعلي بن الحسين السعد آبادي، ليست بتامة، أمّا الأوّل فقد أكثر الصدوق عنه الرواية وذكره في طرقه إلى الكتب في 48 مورداً وليس الغرض من ذكره في أمثال المقام إلاّ إضفاء الاعتبار للكتاب وهو فرع كون من رواه عنه ثقة، مضافاً إلى أنّ ابن طاووس ادّعى في كتاب فلاح السائل(الفصل 19 من فضل صلاة الظهر) الاتفاق على وثاقته فالرجل معتمد عليه.

وأمّا الثاني فقد كان معلّم أبي غالب الزراري، ومن مشايخ ابن قولويه الذين يروي عنهم بلا واسطة، وقد قلنا في كتابنا «كليات في علم الرجال»: إنّ القدر المتيقّن من عبارته في ديباجة كتابه «كامل الزيارات» أعني قوله:ولكن ما وقع لنا من جملة الثقات من أصحابنا ـ رحمهم اللّه برحمته ـ هو مشايخه الذين روى عنهم مباشرة و بلا واسطة منهم علي بن الحسين السعد آبادي. فالرواية صالحة للاحتجاج.

وأمّا الدلالة فيستفاد منها الكراهة بوجهين:

1. التعليل فانّه ظاهر في الكراهة خصوصاً مع ملاحظة ما رتّب عليه، أعني قوله:«ولا ينبغي لهم أن يصوموا إلاّ بإذن الضيف» المتضمّن لحكم عكس المسألة إذ لم يقل أحد بشرطية الإذن فيه، وهذا قرينة قطعية على أنّ قوله:«لا ينبغي للضيف أن يصوم» في أصل المسألة للكراهة وما في الحدائق من أنّ قولهم: «لا ينبغي» مشترك بين التحريم والكراهة.(2) على فرض قبوله ، لا يضرّ بالمقام.

2. ما رواه الصدوق باسناده عن نشيط بن صالح، عن هشام بن الحكم، عن أبي =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب الصوم المكروه، الحديث 1، و قوله: يحشمهم: يخجلهم.
2 . الحدائق:13/203.


(312)

ــــــــــــــــــــــــ
= عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعاً إلاّ بإذن صاحبه ـ إلى أن قال: ـ وإلاّ كان الضيف جاهلاً».(1)

لكن الصدوق لم يذكر اسناده إلى نشيط بن صالح في مشيخة الفقيه، وأمّا كونه في نفسه فقد وصفه النجاشي بقوله: «ثقة، له كتاب»، ولذلك أصبحت الرواية كالمرسلة.

نعم رواه الكليني والصدوق أيضاً في العلل بسند فيه أحمد بن هلال الذي خرج التوقيع على لعنه . وعلى فرض صحته فالدلالة قاصرة ،لأنّ المراد الجهل بالأدب الإسلامي، فانّ الإسلام قرّر الاستئذان لمصلحة مرّت في الرواية الأُولى ، فيكون صومه بلا إذن مكروهاً.

3. روى الصدوق باسناده عن حمّاد بن عمرو وأنس بن محمد، عن أبيه جميعاً عن الصادق، عن آبائه ـ عليهم السَّلام ـ من وصية النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لعليّ ـ عليه السَّلام ـ : «ولا يصوم الضيف تطوعاً إلاّبإذن صاحبه».(2) وفي سند الصدوق إلى الرجلين عدّة مجاهيل، و على فرض الصحة يحمل على الكراهة بقرينة ما سبق.

4. روى الصدوق باسناده، عن الزهري ،عن علي بن الحسين في حديث قال: «الضيف لا يصوم تطوّعاً إلاّ بإذن صاحبه»(3)، مضافاً إلى أنّ طريق الصدوق إلى الزهري في الفقيه ضعيف.

والحقّ انّ هذه الروايات بين ضعيف في الدلالة، و ضعيف في السند، لا تنهض لإثبات التحريم وإن مال صاحب الحدائق(4) إلى الحرمة واستظهرها من المحدّث الكاشاني في «الوافي» من عنوان الباب حيث قال: بأنّه من لا يجوز له صيام التطوع. =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، الحديث 2، 4، 1.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، الحديث 2، 4، 1.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، الحديث 2، 4، 1.
4 . الحدائق: 13/203.


(313)

ــــــــــــــــــــــــ

= صوم الزوجة بدون إذن زوجها

لا شكّ انّه لا يصحّ صوم الزوجة إذا زاحم حقّ الزوج في غير الواجب، إنّما الكلام في الصوم تطوّعاً، فقد نقل صاحب الحدائق عن المحقّق في «المعتبر» انّه قال: لا خلاف في توقّف صحة صومها على إذن الزوج، وقال إنّه موضع وفاق.(1) وقد احتاط المصنّف في صورة عدم الإذن، فكيف مع النهي عنه؟! وأمضاه العلمان الحكيم والخوئي في تعليقتهما، ولعلّ هناك فرقاً واضحاً بين الضيف والزوجة ولا يلزم من القول بالكراهة في الأوّل، القول به في الثانية خصوصاً إذا صحّ الدليل، أعني:

صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ليس للمرأة أن تصوم تطوعاً إلاّبإذن زوجها» (2) ويؤيّده مرسلة القاسم بن عروة (3) وخبر العزرمي.(4)

ولكن لو صحّ ما رواه صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن المرأة تصوم تطوعاً بغير إذن زوجها ؟ قال: «لا بأس»(5)، وجب حمل ما دل على المنع على الكراهة.

هذا وقد ورد المنع أيضاً في رواية الزهري (6)، و هشام بن الحكم(7) ووصية النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لعليّ ـ عليه السَّلام ـ (8).

ولأجل تضافر المنع وصحّة سند بعضه، فالأحوط أن لا تصوم إلاّبإذن منه.=


1 . الحدائق:13/205.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث 1، 2، 4 و 5. و أمّا ما برقم 3 فهو نفس ما رواه برقم 1.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث 1، 2، 4 و 5. و أمّا ما برقم 3 فهو نفس ما رواه برقم 1.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث 1، 2، 4 و 5. و أمّا ما برقم 3 فهو نفس ما رواه برقم 1.
5 . الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث 1، 2، 4 و 5. و أمّا ما برقم 3 فهو نفس ما رواه برقم 1.
6 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث1، 4.
7 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث1، 4.
8 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث1، 4.


(314)

ــــــــــــــــــــــــ

= صوم الولد بدون إذن الوالد

المشهور في حكم الوالد الكراهة وهو خيرة المحدّث الكاشاني في المفاتيح، ولكن المحكي عن المحقّق في النافع والعلاّمة في الإرشاد، هو عدم الصحّة، واستقربه الشهيد واختاره صاحب الحدائق.(1)

وقد ورد المنع عنه في خبر هشام بن الحكم الذي قد عرفت ضعف سنده وفيه: «ومن برّ الولد بأبويه أن لا يصوم تطوّعاً إلاّ بإذن أبويه وأمرهما، وإلاّكان الولد عاقاً» والخبر لا يصلح للاحتجاج، فالأظهر هو الجواز و إن كان موجباً لتأذّيهما لما سيوافيك في كتاب الاعتكاف من أنّ الواجب على الولد، حسن المعاشرة والمصاحبة فيما يرجع إليهما وأمّا فيما يرجع إلى حياة الولد في نفسه إذا كان حلالاً أو مستحباً فنهيهما لا يوجب عقوقاً. واللّه العالم.

بلغ الكلام إلى هنا عشيّة يوم الخميس

يوم ميلاد الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا ـ سلام اللّه عليهما ـ

في الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام ، من شهور عام 1420هـ

بيد مؤلفه الحقير جعفر السبحاني، ابن الفقيه الزاهد الحاج

محمد حسين السبحاني التبريزي عاملهما اللّه بلطفه الخفيّ


1 . الحدائق: 13/ 203.


(315)

هل عمران بن موسى واحد
أو متعدّد؟

قد مرّ في الجزء الأوّل، ص 160 من هذا الكتاب الاستدلال بموثّقة إسحاق بن عمّار على حكم المرتمس في الماء، وقد ورد في سنده «عمران بن موسى»وضُعف الحديث بأنّ عمران بن موسى متعدّد.

أحدهما: عمران بن موسى الزيتوني، الذي وصفه النجاشي بقوله: قمي، ثقة، له كتاب. و هو في طبقة شيخ مشايخ الكليني، حيث يروي عنه محمد بن يحيى الذي هو أُستاذ الكليني.(1) فهو قمي أشعري.

و ثانيهما: عمران بن موسى الخشّاب، و قد وصف به، في رواية رواها الشيخ في باب فضل الكوفة، قال: أبو القاسم جعفر بن محمد، حدّثني أخي علي بن محمد، عن أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى الخشّاب، عن علي بن حسام، عن عمّه عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:....(2)

و هو مهمل في الرجال، وعلى ذلك فتسقط الرواية عن صحّة الاحتجاج.


1 . رجال النجاشي: 2/139 برقم 782. حيث يروي كتاب عمران بن موسى، بالطريق التالي: أخبرنا ابن شاذان(القزويني)، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار القمي، عن أبيه، عن عمران ابن موسى الزيتوني، فيكون الزيتوني شيخاً لمحمد بن يحيى الذي هو شيخ الكليني.
2 . تهذيب الأحكام: 6/37 برقم 20، باب فضلالكوفة.


(316)

أقول: هذا توهّم، والحقّ انّ عمران بن موسى واحد لا متعدّد، وهو الذي عرفت حاله.

وأمّا الآخر المتوهّم الملقّب بالخشّاب، فليس له دليل سوى السند الذي نقلناه من التهذيب، ولكن تسرب الخطأ إلى نسخ التهذيب بوصفه بالخشاب، وهذا باطل لوجوه:

الأوّل: انّ الشيخ أخذ الرواية عن ابن قولويه جعفر بن محمد، و هو نقل الحديث عن كامل الزيارات، الّذي أسنده كالتالي:

حدثني أخي علي بن محمد بن قولويه، عن أحمد بن إدريس بن أحمد، عن عمران ابن موسى، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن حسان....(1)

فالعبارة صريحة في أنّ الخشاب وصف للحسن بن موسى لا لعمران بن موسى.

الثاني: انّ النجاشي وصف الحسن بن موسى عند ترجمته بالخشاب، فقال: الحسن بن موسى الخشاب من وجوه أصحابنا، مشهور، كثير العلم والحديث، له مصنفات، منها كتاب الردّ على الواقفة، وكتاب النوادر، ثمّ ذكر سنده إلى كتبه، بالنحو التالي:

أخبرنا محمد بن علي القزويني(المعروف بابن شاذان)، قال: حدثنا أحمد بن محمد ابن يحيى، قال: حدثنا أبي (محمد بن يحيى شيخ الكليني) قال: حدثنا عمران بن موسى الأشعري، عن الحسن بن موسى.(2)

و فيما نقله دلالة على ما ندّعيه بوجوه:

1. وصف الحسن بن موسى بالخشاب في عنوان الترجمة.

2. انّ الحسن بن موسى شيخ عمران بن موسى الأشعري، وعلى هذا فالسند


1 . كامل الزيارات: 29، الباب 8، فضل الصلاة في مسجد الكوفة.
2 . رجال النجاشي: 1/143 برقم 84.


(317)

المنقول في التهذيب مصحف، والصحيح عن عمران بن موسى، عن الخشاب أو عن الحسن بن موسى الخشاب.

3. انّ النسخة المطبوعة وقع فيها الخطأ، ولعلّ نسخة التهذيب كانت صحيحة منذ بداية الأمر، لأنّ الطبعة الأخيرة المحقّقة من قبل الأُستاذ علي أكبر الغفاري، جاء فيها «عن الخشاب».

وأمّا وجه تسرّب الخطأ إلى نسخة التهذيب المطبوعة، هو انّ الناسخ لما كتب اسم الراوي مع اسم والده، زاغ بصره عن اسم المروي عنه نظراً لاشتراكهما في اسم الأب، فسرّى الوصف إلى الراوي الأوّل، وغفل عن الراوي الثاني.

ويحتمل أيضاً سقوط «عن» قبل لفظ «الخشاب».(1)

المؤلّف


1 . تهذيب الأحكام: 6/37 برقم 20، باب فضلالكوفة.


(318)


(319)

كتاب الاعتكاف

وهو اللبث في المسجد بقصد العبادة، بل لا يبعد كفاية قصد التعبّد بنفس اللبث وإن لم يضمّ إليه قصدُ عبادة أُخرى خارجة عنه، لكن الأحوط الأوّل.

ويصحّ في كلّ وقت يصحّ فيه الصوم، وأفضل أوقاته شهر رمضان، وأفضله العشر الأواخر منه.

وينقسم إلى واجب ومندوب. والواجب منه ما وجب بنذر، أو عهد، أو يمين، أو شرط في ضمن عقد، أو إجارة، أو نحو ذلك، وإلاّففي أصل الشرع مستحب.

ويجوز الإتيان به عن نفسه، وعن غيره الميت. وفي جوازه نيابة عن الحيّ قولان، لا يبعد ذلك، بل هو الأقوى. ولا يضرّ اشتراط الصوم فيه فانّه تبعيّ ، فهو كالصلاة في الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحيّ.*

ــــــــــــــــــــــــ
* ذكر المصنِّف فيما يتربط بالاعتكاف أُموراً:

1. تعريفه.

2. كفاية قصد التعبّد بنفس اللبث وإن لم تُضم إليه عبادة أُخرى.

3. صحّته في كلّ وقت يصحّ فيه الصوم وأفضل أوقاته شهر رمضان، وأفضله العشر الأواخر من رمضان. =


(320)

ــــــــــــــــــــــــ
= 4.انقسامه إلى واجب ومستحب.

5. صحّة إتيانه نيابة عن الميت والحيّ. وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر.

1.تعريف الاعتكاف

الاعتكاف لغة هو الاحتباس، ويدلّ عليه قوله سبحانه:(هُمُ الّذِينَ كَفروا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الحَرامِ وَالهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه)(1)، أي انّ قريشاً صدّوكم عن المسجد أن تطوفوا وتُحلُّوا من عمرتكم كما منعوا الهدي الذي ساقه رسول اللّه، فصار الهدي معكوفاً أي محبوساً عن أن يبلغ محلّه أي منْحَره وهو مكة، لأنّ هدي العمرة لا يُذبح إلاّفي مكة، كما أنّ هدي الحجّ لا يذبح إلاّبمنى.(2) وكأنَّ المعكتف يحبس نفسه في المسجد لغاية قدسيّة.

وأمّا شرعاً فقد عرف بتعاريف، منها ما اختاره المصنّف من اللبث في المسجد بقصد العبادة. والأولى ما في المدارك من أنّه لبث في مسجد جامع مشروطاً بالصوم ابتداءً.(3) لما في الإخلال بذكر الصوم إخلال لما هوالمقوِّم للاعتكاف.

2. كفاية قصد التعبّد بنفس اللبث وعدمها

هل يكفي صرف التعبّد بنفس اللبث، أو يحتاج إلى ضمّ عبادة أُخرى؟ وبعبارة أُخرى: هل نفس اللبث بنفسه عبادة، أو هو مقدّمة لعبادة أُخرى؟ =


1 . الفتح:25.
2 . مجمع البيان:5/124.
3 . مدارك الأحكام:6/308.


(321)

ــــــــــــــــــــــــ
= اللائح من تعاريف القوم هو الثاني، حيث عرَّفه المحقّق بأنّه اللبث المتطاول للعبادة.(1) وعرّفه الشهيد بأنّه لبث في مسجد جامع ثلاثة أيّام فصاعداً صائماً للعبادة.(2) وهو أحد المحتملين من عبارة المصنّف والمرتكز في أذهان المتشرّعة حيث إنّ الغاية من احتباس النفس في المسجد وعدم الخروج منه ، هو التفرّغ للعبادة والانقطاع عن غيره سبحانه بها.

ولكن ربما يستدل للأوّل بوجهين:

الأوّل: ظاهر الكتاب، قال تعالى :(وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهيمَ وَإِسماعيلَ أَن طَهِّرا بَيْتِيَ للطائِفينَ وَالْعاكِفِين والرُّكَّعِ السُّجُود) (3) والرُّكّع جمع الراكع، كما أنّ السجود، جمع الساجد.

وجه الدلالة هو أنّ في جعل الاعتكاف قسيماً للطواف وللركوع والسجود أي الصلاة وعدّه قبالاً لهما، دلالة واضحة على أنّه بنفسه عبادة مستقلة، وانّه مشروع لنفسه من غير اعتبار ضمّ عبادة أُخرى.(4)

يلاحظ عليه :أنّ ما ذكره أحد المحتملات، وقد فسر أيضاً تارة «بالمقيمين بحضرته»، وأُخرى بالمجاورين، وثالثة بأهل البلد الحرام، ورابعة بالمصلّين، وعلى ذلك فالآية بصدد بيان انّ الحاضر حول البيت بين مرتحل ومقيم، فالأوّل كالطائف والراكع والساجد، والثاني كالعاكف، فيجب على الوالد والولد أي إبراهيم وإسماعيل تطهير البيت لكلتا الطائفتين أي المقيم والمرتحل، وأمّا أنّ حقيقة الاعتكاف قائم بنفس الإقامة في المسجد لأجله سبحانه، فليست الآية بصدد بيانها. و يؤيّد ما ذكرنا وهو العاكف =


1 . نفس المصدر : 131.
2 . لدروس:80.
3 . البقرة:125.
4 . مستند العروة الوثقى:2/224.


(322)

ــــــــــــــــــــــــ
= بمعنى المقيم، في مقابل المرتحل قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّه وَالْمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سواءً العاكِفُ فِيهِ والباد)(1) ، فقد فسر العاكف بالمقيم، والباد بالطارئ والذي ينتابه من غير أهله.(2)

الثاني: الاستشعار من بعض الأخبار، وعمدتها صحيحة داود بن سرحان، قال: كنت بالمدينة في شهر رمضان، فقلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّي أُريد أن أعتكف، فماذا أقول؟ وماذا أُفرض على نفسي؟ فقال: «لا تخرج من المسجد إلاّلحاجة لابدّمنها، ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك».(3)

فإنّ ظاهرها السؤال عن حقيقة الاعتكاف قولاً وفعلاً، فلم يُجبه ـ عليه السَّلام ـ بأكثر من العزم على اللّبث، وانّه متى خرج لحاجة ملحَّة يعود فوراً بعد قضائها، فلا يعتبر في حقيقته شيء آخر وراء ذلك.

يلاحظ عليه: أنّ السؤال لم يتعلّق بحقيقة الاعتكاف، بل تعلّق بشيء آخر، وهو تحديد الاعتكاف بالنسبة إلى الخروج من المسجد وعدمه، وعلى فرض الجواز فما هو حدّه؟ فأجاب الإمام ـ عليه السَّلام ـ بحرمة الخروج إلاّ لحاجة، فلو خرج فلا يقعد تحت ظلال حتى يعود إلى المسجد، وأمّا أنّ اللبث تمام حقيقة الاعتكاف فليست الرواية بصدد بيانه.

3. وقت الاعتكاف

يصحّ الاعتكاف في كلّ زمان يصحّ فيه الصوم، كما لا يصحّ فيما لا يصحّ فيه الصوم، كالاعتكاف في أيّام العيدين أو فيما إذا كان مسافراً لا مقيماً. =


1 . الحج:25.
2 . مجمع البيان:4/81.
3 . الوسائل: 7، الباب7 من أبواب الاعتكاف، الحديث3.


(323)

ــــــــــــــــــــــــ
= نعم، أفضل أوقاته شهر رمضان، وأفضله العشر الأواخر منه.

أمّا الأوّل فلما رواه السكوني، عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين وعمرتين».(1)

وأمّا الثاني فلما في صحيحة أبي العباس البقباق، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: اعتكف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في شهر رمضان في العشر الأُولى، ثمّ اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثمّ اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر، ثمّ لم يزل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يعتكف في العشر الأواخر».(2)

4.انقسام الاعتكاف إلى واجب ومندوب

ينقسم الاعتكاف إلى واجب ومندوب. فالواجب منه ما وجب بنذر، أو عهد، أو يمين، أو شرط في ضمن عقد أو إجارة أو نحو ذلك. هذا ما أفاده المصنف، وقد تقدّم منّا غير مرّة انّ المستحب لا ينقلب بطروء العنوان الثانوي عليه إلى الواجب، فالاعتكاف مستحب مطلقاً، وإنّما الواجب هو الوفاء بالنذر أو العهد أو اليمين، فالاعتكاف بما انّه مندوب مصداق للوفاء بالنذر، لأنّه نذر ان يأتي بالاعتكاف المستحب، ولو نوى الوجوب لم يف بنذره.

5.جواز الإتيان عن الميت والحيّ

في جواز الاعتكاف عن الحيّ وجهان. ذهب الشيخ كاشف الغطاء إلى أنّه تجوز نيّته عن الميت والأموات دون الأحياء خلافاً لصاحب الجواهر حيث قوّى الجواز وقال: =


1 . الوسائل:7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث3و 4.
2 . الوسائل:7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث3و 4.


(324)

ــــــــــــــــــــــــ
= لا يقدح ما فيه من النيابة من الصوم التبعي كالصلاة للطواف ونحوها.(1)

وتبعه المصنّف حيث قال: ولا يضرّ اشتراط الصوم فيه، فإنّه تبعي، فهو كالصلاة في الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحيّ.

أقول: المرتكز في الأذهان هو عدم جواز النيابة عن الحيّ في الأُمور العباديّة، لأنّ الغاية المتوخّاة منها لا تتحقّق إلاّ بقيام الإنسان بها مباشرة، فقيام الغير بدلاً عن الشخص على خلاف القاعدة، فلا يجوز إلاّإذا ورد فيه النصّ، كما في النيابة في الحجّ عن الحيّ، وما ذكره من التعليل فهو أشبه بالقياس حيث قيس الصوم في الاعتكاف بالصلاة في الطواف نيابة، وهذا لا يصلح دليلاً، والمهم وجود الدليل العام المجوز للنيابة في الأُمور العبادية وعدمه.

نعم استدلّ على جواز النيابة عن الحي في الأُمور العباديّة بروايتين:

1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن محمد بن علي، عن الحكم بن مسكين، عن محمد بن مروان قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين، يُصلّي عنهما، ويتصدّق عنهما، ويحجّ عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك.(2)

والاستدلال رهن صحّة السند وثبوت الدلالة.

أمّا الأوّل فقد روى أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن محمد بن علي(والمراد هو محمد بن علي بن إبراهيم بن موسى بقرينة انّه روى عنه البرقي حوالي مائتين وستين حديثاً).(3) =


1 . الجواهر:17/164.
2 . الوسائل: الجزء 4 ، الباب 12 من أبواب صلاة القضاء، الحديث1.
3 . معجم رجال الحديث:3/55.


(325)

ــــــــــــــــــــــــ
= قال النجاشي: كان يكنّى أبا سمينة، ضعيف جداً، فاسد الاعتقاد، لا يعتد في شيء.

روى الكشي عن الفضل بن شاذان انّه أشهر الكاذبين المشهورين.(1)

وهو يروى عن الحكم بن مسكين الذي لم يرد في حقّه مدح ولا ذم سوى انّ البزنطي وابن عمير يرويان عنه; وهو عن محمد بن مروان المردّد بين البصري الذي هو من رجال الباقر والصادق، والذهلي هو أيضاً من أصحاب الصادق الذي له كتاب وتوفّي عام 161هـ. وعلى كلّ تقدير لم يرد في حقّهما توثيق. نعم وثّق الذهلي السيد الخوئي لكونه من رجال «كامل الزيارات».

هذا حال السند، وأمّا الدلالة فلاحتمال رجوع ضمائر التثنية كلّها إلى «الميتين» لا إلى الوالدين و إن كان بعيداً.

2. ما رواه ابن طاووس عن كتاب «غياث سلطان الورى» عن الحسين بن أبي الحسن العلوي الكوكبي من كتاب «المنسك» عن علي بن أبي حمزة قال: قلت لأبي إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ : أحجّ وأُصلّي وأتصدق عن الأحياء و الأموات من قرابتي وأصحابي؟ قال: «نعم تصدق، وصلّ عنه، ولك أجر بصلتك إيّاه».(2) والسند ضعيف جدّاً.

فقد ظهر ممّا ذكرناه عدم قيام دليل على صحّة النيابة في الاعتكاف عن الحيّ.


1 . لاحظ معجم رجال الوسائل، رقم 5326.
2 . الوسائل: الجزء4 ، الباب 12 من أبواب صلاة القضاء، الحديث9.


(326)

ويشترط في صحّته أُمور: الأوّل: الإيمان فلا يصحّ من غيره.

الثاني: العقل، فلا يصحّ من المجنون ـ و لو إدواراً في دوره ـ ولا من السكران وغيره من فاقدي العقل.*

الثالث: نية القربة، كما في غيره من العبادات، والتعيين إذا تعدّد ولو إجمالاً. ولا يعتبر فيه قصد الوجه، كما في غيره من العبادات. وإن أراد أن ينوى الوجه، ففي الواجب منه ينوي الوجوب، وفي المندوب الندب، ولا يقدح في ذلك كون اليوم الثالث الذي هو جزء منه واجباً، لأنّه من أحكامه، فهو نظير النافلة إذا قلنا بوجوبها بعد الشروع فيها ولكن الأولى ملاحظة ذلك حين الشروع فيه، بل تجديد نية الوجوب في اليوم الثالث.

ووقت النية قبل الفجر، وفي كفاية النية في أوّل الليل كما في صوم شهر رمضان إشكال. نعم لو كان الشروع فيه أوّل الليل أو في أثنائه نوى في ذلك الوقت، ولو نوى الوجوب في المندوب، أو الندب في الواجب اشتباهاً لم يضر، إلاّ

ــــــــــــــــــــــــ
* ذكر المصنِّف في المقام للاعتكاف شروطاً ثمانية ندرسها واحداً تلو الآخر:

1. الإيمان: فلو أراد منه الإسلام، فقد مرّ انّه لا يصحّ الصوم من الكافر والاعتكاف مشروطاً بالصوم، على أنّه جنب غالباً فلا يجوز لبثه فيه; وإن أراد الإيمان بالمعنى الأخص، وهو كونه موالياً لأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فقد مرّ أنّه شرط قبول العمل لا صحّته.

2. العقل: فلا يصحّ من المجنون، لعدم قصده وإن كان أدوارياً إذا صادف اعتكافه في دوره، ومنه يظهر حال السكران، ولا من المغمى عليه وإن سبقت منه النية، للفرق الواضح بين النوم والإغماء، كما مرّ في الفصل التاسع المختص لبيان شرائط الصحة.


(327)

إذا كان على وجه التقييد لا الاشتباه في التطبيق.*

ــــــــــــــــــــــــ
*ذكر المصنّف في هذا الشرط أُموراً:

1. إتيان العمل للّه سبحانه المعبَّر عنه بقصد القربة.

2. التعيين إذا تعدّد ما في ذمّته من الاعتكاف، كما فيما لو نذر: إن شفى مريضه، اعتكف; وإن رزق ولداً، اعتكف.

3. عدم اعتبار قصد الوجه من الوجوب والندب وكيفيته إذا نوى.

4. وقت النيّة قبل الفجر.

5. لو نوى الوجوب في المندوب أو العكس.

وإليك دراسة الكلّواحداً بعد الآخر:

1. اشتراط قصد القربة

يشترط في صحّة الاعتكاف قصد القربة، لأنّه عبادة، وروحها هو قصد التعبّد وإتيان العمل للّه سبحانه، ويشير إليه قوله سبحانه: (انْ طَهّرا بَيْتِي لِلْطائِفينَ وَالعاكِفينَ وَالركَّع السُّجُود)، لظهور كون تطهير البيت لغاية العبادة، مضافاً إلى كون المعطوف، المعطوف عليه في الآية من مقولة العبادة ووحدة السياق تقضي كونه كذلك. لكن عرفت أنّه من المحتمل أن يكون المراد من العاكفين، هو المقيمين، لا المعنى المصطلح.

2. قصد التعيين إذا تعدّدما في وقته

قد تقدم الكلام في ذلك في الفصل الأوّل من كتاب الصوم عند شرح قوله:«ويعتبر فيما عدا شهر رمضان ـ من الواجب أيضاً ـ القصد إلى نوعه، من الكفارة، أو القضاء أو النذر،...» وقلنا هناك ما هذا حاصله: =


(328)

ــــــــــــــــــــــــ
= إنّ اختلاف الآثار يدل على اختلاف الطبائع والقيود المأخوذة فيها، ولذلك تعدّ طبيعة صوم القضاء غير طبيعة صوم الكفّارة، وطبيعتهما غير طبيعة صوم النذر، كما أنّ طبيعة صلاة الظهر غير طبيعة صلاة العصر، لاختلاف آثارهما.(1)

وعلى ضوء ذلك فلو كان ما عليه من الاعتكافين، غير مختلفين في الأثر، فلا يجب التعيين كما في المثال السابق حيث نذر أن يعتكف ان شفى مريضه، ونذر أيضاً أن يعتكف إن رزق ولداً، فيأتي باعتكافين ويسقط ما هو الواجب، لأنّ عليه اعتكافين غير متميزين في الواقع، مثل ما إذا كان عليه درهمان للغير، فيكفي إذا أتى بها للّه سبحانه أو إذا دفع الدرهمين إلى الدائن فإذا كان الواجبان غير متميّزين في الواقع فلا يجب قصد التميّز بإتيان أحدهما لغاية امتثال ذاك النذر والآخر لذلك.

وأمّا إذا كان ما عليه من الواجبين مختلفين في الأثر، فيكون كلّ من الواجبين متميزاًعن غيره في ذمّته كما في المثالين لكن بتفاوت انّه نذر أن يعتكف نيابة عن أبيه عند شفاء ولده وعن أُمّه عند رزق الولد، فلا يحسب العمل لواحد منهما إلاّبالنيّة، ونظيره ما إذا كان عليه اعتكافان أحدهما نيابة عن أبيه والآخر عن نفسه، فانّ الثاني و إن كان لا يتوقّف على النية لكن الأوّل رهن النية، إذ النيابة من العناوين القصدية.

3.عدم اعتبار قصد الوجه

قد حقّقنا في محلّه انّه لا يعتبر في صحّة العبادة سوى الإتيان بها للّه سبحانه، و أمّا قصد وجه العمل من كونه واجباً أو مندوباً فلا يجب، وما استدل لوجوبه غير تام.

وعلى فرض الالتزام بما لا يلزم قال المصنِّف ينوي الوجوب في الواجب والندب في المندوب وما ذكر مبني على أنّ المندوب إذا تعلّق به النذر ينقلب ويصير واجباً، لكن =


1 . لاحظ الجزء الأوّل:20 من هذا الكتاب.


(329)

ــــــــــــــــــــــــ
= عرفت أنّ انطباق عنوان واجب على أمر عبادي لا يجعله واجباً بل يبقى على ما كان عليه، وإنّما الواجب هو العنوان المنطبق عليه، أعني: الوفاء بالنذر، غير انّ الوفاء به رهن الإتيان بالاعتكاف المندوب بالذات، وعلى ذلك فليس له إلاّ وجه واحد وهو الندب.

ولا ينافي ذلك، لزوم الاعتكاف في اليوم الثالث مطلقاً حتى لو اعتكف خمسة أيام، وجب السادس وهكذا، لأنّه من أحكام الاعتكاف إذا استمر إلى يومين، نظير إتمام النافلة إذا شرع، على القول به، وإتمام الحجّ بعد الإحرام، مع كون الشروع مستحباً.

4. وقت النية قبل الفجر

أمّا وقت نيته فهو قبيل الفجر، كما هو الحال في الصوم، و الاعتكاف هو اللبث في المسجد صائماً فيكون مبدؤُه مبدأه، إنّما الكلام في صحّة النية أوّل الليل كما في صوم شهر رمضان، فقد استشكل فيه المصنِّف، بعد الإجماع على صحته في الصوم، وذلك لأنّّ الأصل هو اعتبار مقارنة النيّة للعبادة، وجواز التقديم من أوّل الليل في الصوم لا يقتضي القول به، لأنّ المكث في المسجد يجب أن يقع على وجه العبادة فلابدّمن المقارنة.

أقول: لا شكّ في عدم صحّة العمل إذا فسِّرت النية بالإخطار بالبال، لعدم وجوده مع كونه نائماً في أوّل الفجر إنّما الكلام في صحّته إذا فسّرت بالداعي المركوز في النفس، والظاهر صحّته، لأنّ من دخل المسجد ناوياً فيه اللبث فيه في المسجد من الفجر إلى ثلاثة ثمّ نام مع هذه النية، يعد بقاؤه في المسجد عملاً اختيارياً نابعاً عن نيته المستمرة في حالتي اليقظة والنوم، لأنّ لبثه في حالة النوم، وإن كان خارجاً عن الاختيار، لكنّه لأجل انتهائه إلى ما بالاختيار، وهو إرادة اللبث في المسجد للّه سبحانه من أوّل =


(330)

الرابع: الصوم فلا يصحّ بدونه، وعلى هذا فلا يصحّ وقوعه من المسافر في غير المواضع التي يجوز له الصوم فيها ولا من الحائض والنفساء، ولا في العيدين، بل لو دخل فيه قبل العيد بيومين لم يصحّ وإن كان غافلاً حين الدخول.

نعم، لو نوى اعتكاف زمان يكون اليوم الرابع أو الخامس منه العيد، فإن كان على وجه التقييد بالتتابع لم يصحّ، وإن كان على وجه الإطلاق لم يبعد صحّته، فيكون العيد فاصلاً بين أيّام الاعتكاف.*

ــــــــــــــــــــــــ
= الليل يعدّ فعلاً اختياريّاً مقروناً بالنيّة.

5. لو نوى الوجوب مكان الندب

لو نوى الوجوب مكان الندب أو بالعكس، فقد فصّل الماتن بين ما إذا كان على وجه التقييد فيبطل، دون ما إذا كان من باب الخطأ في التطبيق. وقد مضى الفرق بين الأمرين في الفصل الأوّل، فلو اعتكف ناوياً للوجوب مع كونه مندوباً، على وجه لولا كونه واجباً لما اعتكف فهو من قبيل التقييد، فيحكم بالبطلان، لأنّه ليس بصدد امتثال الأمر الواقعي الذي هو الأمر الندبي، بخلاف ما لو قصد امتثال أمره سبحانه على كلّ تقدير، لكنّه زعم انّ أمره في المقام هو الوجوبي على وجه لو وقف على خطئه لعدل إلى قصد الأمر الندبي، فيحكم بالصحّة.

غير انّك عرفت أنّه ليس لنا إلاّ أمر واحد وهوالأمر الندبي وليس للاعتكاف إلاّ قسم واحد ، ومع ذلك يمكن تصوير التقييد والتطبيق بالنسبة إلى الأمر المتعلّق بالنذر، فلاحظ.

* ذكر في المقام أُموراً:

الأمر الأوّل: لا يصحّ الاعتكاف إلاّ بالصوم. =


(331)

ــــــــــــــــــــــــ
= الأمر الثاني: لا يصحّ إلاّممن يجوز له الصوم، فخرج من لا يصحّ منه الصوم.

الأمر الثالث: لا يصحّ الاعتكاف إلاّفي زمان يصحّ فيه الصوم، فخرج العيدان.

الأمر الرابع: لو نوى اعتكاف زمان يكون الرابع أو الخامس فيه عيداً، ففيه التفصيل بين التقييد والإطلاق.

وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.

أمّا الأوّل: فهو أمر متفق عليه وفي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: «لا اعتكاف إلاّبصوم».(1)

وفي صحيحه الآخر: «وتصوم مادمت معتكفاً».(2) وغيرهما من الروايات. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والثوري، والاوزاعي، وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وعائشة في التابعين خلق. وقال الشافعي: يصحّ الاعتكاف بغير صوم، ويصحّ أن يفرّد الليل والعيدين وأيّام التشريق بالاعتكاف، وبه قال أحمد.(3)

وأمّا الثاني: أي عدم صحّة الاعتكاف إلاّ ممّن يصحّ منه الصوم، فخرجت الحائض و ا لنفساء والمسافر في غير ما يجوز له الصوم.

أمّا الأُوليان فعدم الصحّة مستند إلى حرمة لبثهما في المسجد، قبل أن يكون مستنداً إلى عدم صحّة صومهما، فكأنّ المصنِّف ترك التعليل بالذاتي، وعلّله بالعرضي، أمّا الثالث فدليله واضح، فانّ صحّة الصوم مشروطة بعدم السفر في الأدلّة الشرعية، هذا من جانب.

ومن جانب آخر دلّ الدليل على عدم صحّة الاعتكاف إلاّ بالصوم، ومعنى ذلك انّ الاعتكاف يكون مشروطاً بالصوم بكلّ قيوده وشروطه. =


1 . الوسائل: 7، الباب 2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3و 1.
2 . الوسائل: 7، الباب 2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3و 1.
3 . الخلاف:2/227، كتاب الاعتكاف، المسألة 92.


(332)

ــــــــــــــــــــــــ
= وقد خالف في ذلك ابنا بابويه فقالا بصحّة الاعتكاف نفلاً في السفر. و اختاره الشيخ في المبسوط وقال: المسافر وكلّ من لا تجب عليه الجمعة يصحّ اعتكافه من عبد أو امرأة أو مريض أو مسافر.(1)

وصحّحه ابن إدريس، وقال العلاّمة: الأقرب، الكراهة.

احتج القائل بالصحّة بأنّه عبادة مطلوبة للشارع لا يشترط فيها الحضر فجاز صومها في السفر. وأجاب العلاّمة بقوله: نمنع من عدم اشتراط الحضر، فانّه مشروط بالصوم المشروط بالحضر، وشرط الشرط شرط.

والظاهر ابتناء المسألة على جواز الصوم المندوب للمسافر وعدمه، وقد تقدّم حكمه.

وأمّا الأمر الثالث: أي اشتراطه بزمان يصحّ فيه الصوم فخرج العيدان، فقد ظهر وجهه ممّا سبق، فإنّ صحّة الاعتكاف فرع صحّة الصوم، وصحّته مشروطة بغير هذين اليومين.

وأمّا الأمر الرابع: لو نوى اعتكاف زمان يكون الرابع أو الخامس عيداً.

فقد قال المصنف بالبطلان إذا كان على وجه التقييد بالتتابع، لأنّ الاعتكاف أمر واحد لا يُتبعض، فقد نوى اعتكافاً واحداً لا يصحّ الصوم في بعض أجزائه، على وجه لو لم يكن جزءاً للاعتكاف لما اعتكف.

وهذا بخلاف ما إذا كان على وجه الإطلاق فقد احتمل المصنِّف أن يكون العيد فاصلاً بين أيّام الاعتكاف.

والظاهر عدمه لما عرفت من أنّ الاعتكاف عمل واحد لا يتبعّض، فلو كان =


1 . المبسوط:1/292.


(333)

الخامس: أن لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام، فلو نواه كذلك بطل.

وأمّا الأزيد فلا بأس به وإن كان الزائد يوماً، أو بعض يوم، أو ليلة أو بعضها ولا حدّ لأكثره.

نعم لو اعتكف خمسة أيّام، وجب السادس، بل ذكر بعضهم انّه كلّما زاد يومين وجب الثالث، ولو اعتكف ثمانية أيّام، وجب اليوم التاسع ـ وهكذا ـ وفيه تأمّل.*

ــــــــــــــــــــــــ
= الباقي بعد إخراج يوم العيد ثلاثة يكون اعتكافاً جديداً، فإذا كان أقلّ يبطل الاعتكاف فيه.

* ذكر في المقام أُموراً أربعة:

1. أقلّ الاعتكاف ثلاثة.

2. تجوز الزيادة وإن كان يوماً أو بعضه.

3. لا حدّ لأكثره.

4. لو اعتكف خمسة وجب السادس وهكذا.

وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.

1. أقلّ الاعتكاف ثلاثة

أقلّ ما ينعقد به الاعتكاف ثلاثة أيّام، قال المحقّق: وقد أجمع علماؤنا على أنّه لا يجوز أقلّ من ثلاثة أيّام، بليلتين وأطبق الجمهور على خلاف ذلك.(1)

وقال العلاّمة في «التذكرة»:«هذا قول علمائنا أجمع».(2) =


1 . المسالك:2/93، قسم المتن.
2 . التذكرة 6/242.


(334)

ــــــــــــــــــــــــ
= وفي الصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا يكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام».(1)

وأمّا الجمهور فقد نقل الشيخ أقوالهم في الخلاف وقال:ومن وافقنا في اعتبار الصوم فيه قال: أقلّه يوم وليلة، ومن لم يعتبر الصوم مثل الشافعي وغيره قال: أقلّه ساعة ولحظة. وقال في سنن حرملة: المستحب أن لا ينقص عن يوم وليلة.(2)

2. جواز الزيادة وإن كان يوماً

تجوز الزيادة على الثلاثة وإن كان يوماً أو بعض يوم. و استدلّ عليه بوجهين:

1.إطلاق أدلّة مشروعيتها من الكتاب والسنّة حيث إنّه لم يُحدَّد إلاّمن جانب القلّة لا الكثرة، فتبقى الإطلاقات بحالها.

2. موثق أبي عبيدة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: «من اعتكف ثلاثة أيّام فهو يوم الرابع بالخيار، إن شاء زاد ثلاثة أُخر، وإن شاء خرج من المسجد، فان أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أُخر».(3) فانّ مفهوم الذيل جواز الخروج قبل استكمال اليومين بعد الثلاثة، كأن يخرج في اليوم الرابع، فيدلُّ بالدلالة الالتزامية على جواز نيّة الاعتكاف بهذا المقدار من أوّل الأمر.

وفي كلا الوجهين نظر:

أمّا الأوّل، فانّ ما ورد في المصدرين، ليس بصدد بيان مدته، حتى يتمسّك بإطلاقه. =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2، ولاحظ أحاديث الباب.
2 . الخلاف: 2، كتاب الصوم، 232، المسألة 101.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.


(335)

ــــــــــــــــــــــــ
= فهو تارة بصدد بيان كونه مشروطاً بالصوم كما في قوله: «لا اعتكاف إلاّبصوم».(1) أو زمانه الأفضل كقول الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجّتين وعمرتين»(2).

أو مكانه كقوله ـ عليه السَّلام ـ : «لا اعتكاف إلاّبصوم في مسجد الجامع».(3) أو لبيان أقله زماناً كقوله: «لا يكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام».(4) وليس هناك أمر بالاعتكاف، مجرّداً عن بيان هذه الخصوصيات حتى يؤخذ بإطلاقه بأن يقول:«من اعتكف فله كذا وكذا».

وأمّا الثاني، فهو يدلّ على جواز الخروج قبل إتمام اليومين إذا بدا له الخروج لا انّ له أن ينوي عند الاعتكاف الخروج قبل استكمالهما، فما في المتن تبعاً للجواهر(5) من قوله: «وله أن يأتي بالأزيد» محل تأمل.

نعم يمكن الاستدلال بعمل النبيّ حيث اعتكف بعشر في شهر رمضان، فانّ اليوم العاشر بعد التسعة، كاليوم الرابع بعد الثلاثة، فلاحظ.

3. لا حدّ لأكثره

واستدلّ له بأنّ النصوص متعرضة للتحديد في طرف الأقل من دون تعرض للأكثر، وفيه تأمل، لأنّ عدم التعرض لا يكشف عن عدم التحديد خصوصاً انّ العبادة =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3، 4، 5، 6. لاحظ روايات الباب.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث3.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث1. لاحظ روايات الباب.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2وغيره
5 . الجواهر:17/166.


(336)

واليوم من طلوع الفجر، إلى غروب الحمرة المشرقية، فلا يشترط إدخال الليلة الأُولى، ولا الرابعة وإن جاز ذلك كما عرفت، ويدخل فيه الليلتان المتوسطتان وفي كفاية الثلاثة التلفيقيّة إشكال.*

ــــــــــــــــــــــــ
= أمر توقيفي، لا يصلح التقرب به إلاّبما ورد في الشرع. و قد مرّ انّ رسول اللّه اعتكف عشرة أيام، وعشرين، عشراً لعامه وعشراً قضاء لما فاته.(1)

4. لو اعتكف خمسة يجب السادس

ويدلّ عليه موثق أبي عبيدة الماضي، قال في المدارك: ومقتضى هذه الرواية وجوب السادس أيضاً، ويلزم من ذلك وجوب كلّ ثالث، إذ لا قائل بالفصل، وربما كان في الرواية إشعار بذلك.(2) وقد تبع في ذلك جده في المسالك حيث قال:أمّا السادس فهو منصوص خبر أبي عبيدة عن الباقر ـ عليه السَّلام ـ : أمّا ما بعده فلعدم القائل بالفرق(3).

لكن التمسّك في مثل هذه المسألة بالإجماع المركب، كما ترى وانقلاب العمل المندوب واجباً، يتوقف على الدليل وقد ورد في السادس، دون التاسع والثاني عشر، ولذلك تأمّل المصنِّف.

*اليوم لغة وعرفاً عبارة عن البياض المتحقّق بطلوع الشمس إلى غروبها لكن دخول ما بين الفجرين، لأجل اشتراط صحّة الاعتكاف بالصوم، وهو محدّد بالإمساك من الفجر الصادق إلى الغروب وأمّا دخول الليلين المتوسطين، فلأنّه المتبادر من العمل =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث2.
2 . المدارك:6/313.
3 . المسالك:2/96.


(337)

السادس: أن يكون في المسجد الجامع، فلا يكفي في غير المسجد، ولا في مسجد القبيلة والسوق. ولو تعدّد الجامع تخيّر بينها، ولكن الأحوط مع الإمكان كونه في أحد المساجد الأربعة: مسجد الحرام، ومسجد النبي، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة.*

ــــــــــــــــــــــــ
= المتصل المستمرّ خصوصاً بالنظر إلى ما ورد من عدم الخروج عن المسجد إلاّلضرورة الدال على دخولهما في الاعتكاف، وأمّا خروج الليلة الأُولى، فلما عرفت من توقف صحّته على الصوم الظاهر في كونه مبدوءاً به، فيخرج الليلة الأُولى، والرابعة مضافاً إلى النص الوارد في الأخير.(1)

كفاية الثلاثة التلفيقية وعدمها

هل تكفي الثلاثة التلفيقيّة بأن تبتدئ من ظهر أوّل شهر رجب إلى ظهر اليوم الرابع منه أو لا؟ فيه وجهان مبنيان على أنّ الاعتبار في أمثال هذه التقديرات، على المقدار، كما هو الحال في مثل أقلّ الحيض وأكثره، وأكثر النفاس وإقامة العشرة والعدّة و مدة الخيار، ونزح البئر وإجارة البيوت والفنادق، وعلى أنّ الوارد في النصوص هو ثلاثة أيّام واليوم عبارة عن بياض بين مطلع الشمس ومغربها، والملفّق من اليومين، ليس يوماً واحداً حقيقة، بل هو يومان ونصفا يوم، فلا تصدق ثلاثة أيّام.

والظاهر هو الثاني لما تقدّم من ظهور الأدلة باقتران الاعتكاف بالصوم الذي لا يكون إلاّفي تمام اليوم، فعدم الاكتفاء هو الأقوى.

* قال الشيخ في الخلاف: لا ينعقد الاعتكاف لأحد ـ رجلاً كان أو امرأة ـ إلاّ في =


1 . الوسائل: الجزء7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث7.


(338)

ــــــــــــــــــــــــ
= المساجد الأربعة، التي هي: المسجد الحرام، ومسجد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة ـ إلى أن قال: ـ وقال الشافعي في القديم والجديد: يكره لها أن تعتكف في غير مسجد بيتها، و هو الموضع المنفرد في المنازل للصلاة. وبه قال أبو حنيفة.(1)

وحكى ابن قدامة في المغني عن حذيفة: انّ الاعتكاف لا يصحّ إلاّ في أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

أقول: المسألة عندنا ذات أقوال:

1. لا يصحّ إلاّفي مسجد أقام الإمام فيه الجمعة

وقال الشيخ والسيد المرتضى: لا يصحّ الاعتكاف إلاّفي أربعة مساجد كما عرفت. وبه قال الصدوق في الفقيه، وسلاّر، وأبو الصلاح، وابن البراج، وابن حمزة، وابن إدريس.

وجه التخصيص: انّه قد أقام صلاة الجمعة فيها إمام عدل كالنبي والوصي، وذكر ابن بابويه مكان مسجد البصرة، مسجد المدائن، ولكنّه في غير محلّه، إذ لو كان الملاك هو إقامة الجمعة، فلم يصل الحسن المجتبى ـ عليه السَّلام ـ فيه إلاّصلاة جماعة لا جمعة.(3)

2. ما صلّى فيه الإمام جماعة

لا يجوز الاعتكاف إلاّ في مسجد صلّى فيه الإمام جماعة، ولذلك عطف ابن بابويه مسجد المدائن على الأربعة ـ كما سيوافيك ـ وإلى ذينك القولين أشار المحقّق وقال: =


1 . الخلاف: 2/227، كتاب الاعتكاف، المسألة 91.
2 . المغني:3/188.
3 . المختلف:3/580.


(339)

ــــــــــــــــــــــــ
= وضابطه كلّ مسجد جمع فيه نبي أو وصي جماعة، ومنهم من قال جمعة.(1)

3. المسجد الجامع

لا يصحّ الاعتكاف إلاّ في المسجد الجامع. قال المفيد: ولا يكون الاعتكاف إلاّفي المسجد الأعظم، وقد روي انّه لا يكون الاعتكاف إلاّ في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي.(2) وهو خيرة المحقّق قال: فلا يصحّ إلاّفي مسجد جامع.(3) و هو خيرة أكثر المتأخرين.

4. مساجد الجماعات

يظهر من ابن أبي عقيل انّه يجوز الاعتكاف في مساجد الجماعات. قال: الاعتكاف عند آل الرسول ـ عليهم السَّلام ـ لا يكون إلاّفي المساجد. وأفضل الاعتكاف في المسجد الحرام ـ إلى أن قال: ـ و سائر الأمصار، مساجد الجماعات.(4)

وعلى كلّ تقدير فالفرق بين القولين الأوّلين قليل جداً، إذ على الأوّل (شرطية إقامة الإمام المعصوم الجمعة) يختص جواز الاعتكاف بالمساجد الأربعة، وعلى الثاني (شرطية إقامة الجماعة فيه) يعمّ الجواز مسجد المدائن أيضاً فانّ المروي انّ الحسن ـ عليه السَّلام ـ صلّى فيه جماعة لا جمعة. فمع غضّ النظر عن الفرق القليل بين القولين ندرس دليلهما معاً فنقول:

استدل للقولين بوجوه ثلاثة:

الأوّل: رواية عمر بن يزيد ورواها المشايخ الثلاثة:

1. روى الكليني بسند صحيح إلاّ أنّ فيه سهل بن زياد قال: قلت لأبي =


1 . المسالك:2/99قسم المتن.
2 . المقنعة:363.
3 . المسالك: 2/99.
4 . المختلف:3/578.


(340)

ــــــــــــــــــــــــ
= عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ فقال: «لا اعتكاف إلاّفي مسجدجماعة قد صلّى فيه إمام عدل صلاةَ جماعة، ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة و مسجد مكة».(1)

2. روى الشيخ في التهذيب ـ مضافاً إلى ما نقله الكليني ـ عن علي بن الحسن ابن الفضّال، عن محمد بن علي، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد مثل ذلك.(2)

وذكر السيد الخوئي انّ الطريق معتبر، لأنّ المراد بـ«محمد بن علي» الواقع في السند، هو محمد بن علي بن محبوب بقرينة روايته عن الحسن بن محبوب.(3)

وفيه تأمّل، لأنّ الراوي عنه هو علي بن الحسن بن الفضّال الذي كان من أصحاب الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ المتوفّى عام 254هـ، والعسكري ـ عليه السَّلام ـ المتوفّـى عام 260هـ، وأمّا محمد بن علي بن محبوب فقد عدّه الشيخ في رجاله ممن لم يرو عن الأئمّة وقال: روى عنه أحمد بن إدريس (المتوفّى عام 306) و محمد بن يحيى العطار.

هذا من جانب و من جانب آخر انّهما يرويان أيضاً عن محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة، المتوفّـى حوالي 290هـ فيكون محمد بن علي بن محبوب في مرتبة صاحب النوادر.

وأمّا علي بن الحسن بن الفضّال، فهو من أصحاب الإمامين، فلو لم يكن متقدماً عليه في المرتبة فهما معاصران.

وممّا يشهد على خلاف ما ذكره انّ محمد بن علي بن محبوب يروي عن أحمد بن =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 8.
2 . التهذيب:4/290برقم883.
3 . مستند العروة الوثقى: 2/353.


(341)

ــــــــــــــــــــــــ
= الحسن بن علي بن فضّال الذي هو أخو «علي بن الحسن بن فضّال» و إن كان أكبر منه. ولعلّ المراد هو محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني الذي يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة واستثناه ابن الوليد من اسناد نوادر الحكمة.

3. رواه الصدوق بسند صحيح عن الحسن بن محبوب وسنده إليه صحيح و إن كان في طريقه إليه محمد بن موسى المتوكّل لكن ادّعى ابن طاووس الإجماع على وثاقته ووثّقه ابن داود والعلاّمة، وقد صحّح العلاّمة الطريق في الخلاصة.(1)

هذا هو حال السند وأمّا الدلالة: فالظاهر انّها تامّة، فانّ الإمام العادل وإن كان كالشاهد العادل يطلق على كلّ إمام عادل مقام إمام فاسق، لكن نفي البأس عن الاعتكاف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة ومكة الدالّ على وجوده في غيرها دليل على أنّ المراد هو الإمام المعصوم، وذلك لأنّ نفي البأس عن الاعتكاف في هذه المساجد دون غيرها، لو كان بملاك إقامة الإمام المعصوم الجماعة أو الجمعة فيها، فيكون قرينة على أنّ المراد من الإمام العادل في الصدر، هو الإمام المعصوم لا كلّ من يجوز به الاقتداء، إذ لو كان الملاك هو الأعم من المعصوم وغيره، فما وجه تخصيص نفي البأس به؟

وبذلك يظهر ضعف ما أورد على الاستدلال بأنّ الإمام العدل كالشاهد العدل لا ينسبق إلى الذهن منه عند الإطلاق إلاّمن يصحّ الاقتداء به في الجماعة في مقابل من لا يصحّ كحكام الجور.(2) وذلك لما عرفت من أنّه لو أُريد ذلك، كان نفي البأس عن خصوص الأربعة دون غيرها بلا وجه، إذ ما أكثرَ المساجد التي أقام الإمام العدل فيها جماعة. =


1 . معجم رجال الوسائل:2/496.
2 . مسنتد العروة:2/353.


(342)

ــــــــــــــــــــــــ
= أضف إلى ذلك، انّ لازم ذلك جواز الإقامة في خصوص مسجد صلّى فيه الإمام العدل، وهو شرط لم يقل به أحد، ولذلك التجأ ـ قدَّس سرَّه ـ إلى حمله على الاستحباب، وهو كما ترى.

الثاني: الفقه الرضوي: وصوم الاعتكاف في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الكوفة، ومسجد المدائن، ولا يجوز الاعتكاف في غير هذه المساجد الأربعة، والعلّة في ذلك انّه لا يعتكف إلاّ في مسجد جمع فيه إمام عادل، وجمع رسول اللّه بمكة والمدينة وأمير المؤمنين في هذه المساجد الثلاثة ، وقد روي في مسجد البصرة.(1)

الثالث: مرسلة المفيد: روي أنّه لايكون الاعتكاف إلاّ في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي، قال: وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام جمع فيه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومسجد المدينة جمع فيه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ . ورواه الصدوق أيضاً في المقنع مرسلاً.(2) ولعلّ مصدر المرسلتين هو صحيحة عمر بن يزيد بقرينة تقارب ألفاظهما في بعض المقاطع.

والذي يمكن أن يقال: انّ الظاهر من الآيات والروايات الواردة في الاعتكاف انّه تشريع عالميّ لا يختص ببلد دون بلد كما هو مقتضى قوله سبحانه: (وَلا تُباشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَقْرَبُوها) (3)، لكن لازم تخصيصه بالمساجد الأربعة أو الخمسة هو عدم تمكن المسلم منه إلاّإذا كان من أهلها أو سافر إليها وأقام فيها عشرة أيّام وهو كما ترى، فلا محيص من حمل الحديث على الاستحباب =


1 . الفقه الرضوي:36.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 12.
3 . ا