welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء_ الجزء الثاني*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء_ الجزء الثاني

الصوم
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء

الثاني الأول

تأليف

العلامة الفقيه

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

سبحاني تبريزى، جعفر 1308 ـ ، اتقباس كننده.
الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، 1420 ق . = 1378 ـ .
ج.    (ج.1) ISBN: 964-6243-68-1
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
منبع اصلى كتاب حاضر عروة الوثقى نوشته محمد كاظم اليزدى است.
عربى.
كتابنامه.
ج. 2 (1421 ق. = 1379) 2) ISBN: 964-6243-94-0
20000 ريال: (ج. .
1. روزه. 2. روزه. ـ ـ فلسفه. الف. يزدى، محمد كاظم بن عبد العظيم، 1247؟ ـ 1338؟ ق. العروة الوثقى. ب. مؤسسه امام صادق ـ عليه السَّلام ـ . ج. عنوان.
9 ص 2 س / 1 / 188 BP    354 / 297
كتابخانه ـ ملّى ايران    12911 ـ 78 م
اسم الكتاب:    الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء ج / 2
المؤلف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   الأُولى
المطبعة:   اعتماد ـ قم
الجزء:   الثاني
التاريخ:   1421 هـ .ق
الكمية:   1500 نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ
الصفّ والإخراج باللاينوترون:   مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(3)

الصوم
في الشريعة الإسلامية الغرّاء


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّ وآله الطيّبين الطاهرين، عيبة علمه، ومستودع سرّه، وحفظة سُننه.

اما بعد:

فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا الموسوم «الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء» يبحث فيه عن شرائط وجوب الصوم، ومن رُخِّص له الافطار، وطرق ثبوت هلال رمضان، وأحكام قضاء الصوم وشروطه، وصوم الكفّارة وأقسامها، وأقسام الصوم: الواجب، المكروه، المندوب، والمحظور.

ثمّ يعقبه كتاب الاعتكاف ـ الّذي نال شهرة واسعة ـ وأحكامه.

فارجو من الله سبحانه أن يكون الكتاب مفيداً للطالب، ومنيراً له الدرب، ومصباحاً لبُغاة الفقه، وقد سرنا في هذا الكتاب على نهج كتاب «العُروة الوُثقى» لفقيه الطائفة السيد محمد كاظم الطباطبائي (قدس الله سرّه).

المؤلّف


(5)

الفصل العاشر
في شرائط وجوب الصوم

وهي أُمور: الأوّل والثاني: البلوغ والعقل فلا يجب على الصبيّ والمجنون، إلاّ أن يكملا قبل طلوع الفجر، دون ما إذا كملا بعده، فإنّه لا يجب عليهما وإن لم يأتيا بالمفطر، بل وإن نوى الصبيّ الصوم ندباً، لكن الأحوط مع عدم إتيان المفطر الإتمام والقضاء إذا كان الصوم واجباً معيّناً. ولا فرق في الجنون بين الإطباقيّ والأدواري إذا كان يحصل في النهار ولو في جزء منه، وأمّا لو كان دور جنونه في اللّيل بحيث يُفيق قبل الفجر فيجب عليه.*


* إنّ النسبة بين شرط الصحّة، والوجوب عموم و خصوص من وجه، فالبلوغ شرط الوجوب دون الصحّة، والإسلام شرط الصحّة دون الوجوب، والعقل شرط للصحّة والوجوب، ولذلك ذكر العقل في كلا الفصلين، إذا عرفت ذلك فاعلم انّ هنا فروعاً ستة:

الأوّل: حكم الصبي و المجنون.

الثاني: إذا بلغ أو أفاق قبل الفجر.

الثالث: إذا بلغ الصبي بعد الفجر وأفطر قبل البلوغ.

الرابع: تلك الصورة ولكنّه لم يفطر إلى أن بلغ.=


(6)

ــــــــــــــــــــــــ
= الخامس: تلك الصورة ولكنّه نوى الصوم ندباً.

السادس: لا فرق في الجنون بين الإطباقي والأدواري إذا كان في جزء من النهار دون ما إذا كان في جزء من الليل.

فلنتناول الجميع بالبحث.

أمّا الأوّل، فلا يجب الصوم على الصبي والمجنون، بالإجماع، و هو من ضروريات الفقه، مضافاً إلى قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، و عن النائم حتى يستيقظ».(1)

وأمّا الثاني، أعني: إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون قبل الفجر، فيجب الصوم عليهما، لكونهما بالغين عاقلين حين التكليف.

وأمّا الثالث: أي إذا بلغ بعد الفجر وقد أفطر قبل البلوغ، فلايجب عليه الصوم، لعدم التبعيض في الصوم; وأمّا وجوب الصوم على ذي العطاش، فليس هو من التبعيض في الصوم في شيء، بل هو من قبيل استثناء مفطر واحد على حد الضرورة طول اليوم مع لزوم الاجتناب عن سائر المفطرات، وسيوافيك تفصيله.

وأمّا الرابع: أي إذا بلغ بعد الفجر ولم يفطر إلى حين البلوغ، فقد أفتى الماتن بعدم وجوب الصوم عليه. خلافاً لابن حمزة حيث حكم بالوجوب، قال: «الصبي إن لم يفطر و بلغ صام واجباً».(2)

ومال إليه السيد الحكيم و قال: «وفي عدم الوجوب تأمّل».

واحتاط السيد الشاهرودي وقال: «ولا ينبغي ترك الاحتياط في صورة عدم الإتيان بالمفطر وإن لم ينو الصوم ندباً».=


1 . الوسائل: 1، الباب الرابع من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 4.
2 . الوسيلة: 147.


(7)

ــــــــــــــــــــــــ
= وعلى كلّ تقدير، فالظاهر ما عليه الماتن، وهو انّ الصوم الواجب عبارة عن نية الصوم من الفجر إلى المغرب، والمفروض عدمه، قال سبحانه: (كُلُوا وَاشرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِالأَسْود مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْل) .(1)

والاكتفاء ببعض اليوم في بعض الصور، كما إذا حضر قبل الزوال، أو برأ المريض قبله، لدليل خاص في الأوّل، وتنقيح المناط في الثاني على إشكال سيأتي.

نعم، الاحتياط حسن حيث نحتمل قيام صوم بعض الأجزاء مكان الجميع، كما في المسافر القادم قبل الزوال.

وأمّا الخامس، أعني: إذا نوى الصبي الصوم من الفجر وبلغ أثناء النهار، فذهب الشيخ الطوسي إلى وجوب الإمساك، قال: «فإن كان الصبي نوى الصوم من أوّله وجب عليه الإمساك، وإن كان المريض نوى ذلك لا يصحّ، لأنّ صوم المريض لا يصحّ عندنا».(2)

ونقل العلاّمة في «المختلف» عدم الوجوب عن ابن الجنيد و ابن إدريس، واختاره هو أيضاً كالماتن.

وجه الوجوب انّه كان مخاطباً بالصوم من أوّل الفجر بناء على أنّ عباداته شرعية، ولكنّه لمّا كان يفقد شرط الوجوب كان الخطاب استحبابياً، ولما تحقّق الشرط في أثناء النهار انقلب الخطاب الندبي إلى الخطاب الوجوبي قهراً، وأمّا حديث «رفع القلم» فالمرفوع هو الحكم الإلزامي لا الندبي، فلا ينافي الخطاب الاستحبابي.

يلاحظ عليه: أنّ الصوم الملفّق من المندوب والواجب على خلاف القاعدة، فهو =


1 . البقرة:187.
2 . الخلاف:2، كتاب الصوم، المسألة 57.


(8)

ــــــــــــــــــــــــ
= إمّا مندوب أو واجب، والملفّق رهن دليل، والقول بانقلاب الأمر الندبي إلى الأمر الوجوبي نفس المدّعى فصار أشبه بالمصادرة، وتصوّر انّ الصوم بعد البلوغ يوصف بالوجوب تماماً، غير صحيح، لأنّ الصوم الواجب عبارة عن صوم من كان بالغاً وقت تعلّق الخطاب الوجوبي، أعني: عند طلوع الفجر، لا البالغ بعد تعلّق الخطاب الندبي، والاجتزاء بالإمساك المباح الملفّق مع الإمساك الواجب في المسافر القادم من السفر خرج بالدليل.

وإلى ما ذكرنا ينظر كلام العلاّمة في «المختلف» من أنّ الصوم عبادة لا تقبل التجزئة، وهو في أوّل النهار لم يكن مكلّفاً فلا يقع التكليف به في باقيه.(1)

نقد دليل آخر للقائلين بالوجوب

ثمّ إنّ القائلين بالوجوب استنبطوا حكم المقام من حكم صبي صلّى آخر الوقت وقد بلغ أثناءه، حيث يجب عليه الاستمرار في الصلاة.

أقول: إنّ للمسألة صوراً أربع نتناولها بالبحث وإن كان بعضها خارجاً عن مصب النزاع.

الصورة الأُولى: إذا صلّى في الوقت و هو غير بالغ ، ثمّ بلغ بعد الفراغ في نفس الوقت، فالظاهر صحّة صلاته و إجزاؤها عن الواجب، لأنّ صلاتي الواجب والمندوب متّحدتان في الماهية، و قد انطبق على المأتي به عنوان الصلاة، وانعقد الإجماع على عدم وجوب أزيد من صلاة واحدة على المكلّف.

مضافاً إلى أنّ الخطاب في قوله :(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل...) (2)، منصرف إلى من لم يصل صلاة شرعية.=


1 . المختلف:3/514، كتاب الصوم.
2 . الإسراء:78.


(9)

ــــــــــــــــــــــــ
= الصورة الثانية: لو صلّى في سعة الوقت و بلغ في أثنائه، فهو مخيّر بين القطع والاستئناف، و بين الإكمال والاجتزاء بها لوحدة الطبيعة وانطباق عنوان الصلاة عليه، وانعقاد الإجماع على عدم وجوب أزيد من صلاة واحدة على المكلّف، مضافاً إلى الانصراف الذي تقدم في الآية .

فإن قلت: فهل ينقلب الأمر الندبي إلى الأمر الوجوبي إذا حاول الإكمال واستمر في الصلاة؟

قلت: لا دليل عليه، والاكتفاء بهذه الصلاة لأجل حصول الملاك لعدم الفرق بين إكمالها أو قطعها واستئنافها.

الصورة الثالثة: إذا صلّى في ضيق الوقت وبلغ أثناءه على وجه لو قطع أمكن له إدراك ركعة في الوقت، و بما انّه متمكن من الصلاة الأدائية ـ ولو تنزيلاً ـ يكون مكلّفاً بالصلاة على وجه الوجوب، و مع ذلك لا يكون مخيّراً بين الاستئناف والإكمال، بل يتعين الثاني لقصور شمول الخطاب في قوله «من أدرك ركعة من الوقت، فقد أدرك الوقت جميعاً».(1) للتعجيز الاختياري، بل هو خاص للعاجز بلا اختيار.

وبعبارة أُخرى: الحكم لا يثبت موضوعه، فلو كان إدراك الركعة سبباً لإدراك جميع الوقت امتناناً، فهو لا يدل على تأخير الصلاة عمداً إلى أن لا يبقى منه إلاّ مقدار ركعة معلومة.

فإن قلت: فعلى هذا لا يكون الحديث شاملاً لحال هذا المصلّي لما قلنا من أنّ الحكم لا يثبت موضوعه، فلا يصحّ له أن يقطع صلاته حتى يدخل تحت قوله: «من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت جميعاً»، فعند ذلك من أين علمنا وجوب الاستمرار عليه؟

قلت: الخطاب وإن لم يكن شاملاً له بلسانه، لكنّه شامل له بملاكه للعلم بعدم =


1 . تاج الأُصول:1/146، كتاب الصلاة.


(10)

ــــــــــــــــــــــــ
= الفرق بين مكلّف قام من النوم و قد أدرك ركعة من الوقت، وحين بلغ قُبيل الركعة الأخيرة من الصلاة; فكل أدرك من الوقت ركعة.

الصورة الرابعة: لو بلغ و هو في الركعة الرابعة من صلاة العصر فلا دليل على وجوب الإتمام، لأنّها إنّما تجب على البالغ المدرك لأربع ركعات في الوقت، إدراكاً تحقيقياً أو تنزيلياً، والمفروض انتفاؤهما.

وبما ذكرنا علم حكم مسألتنا، أعني: إذا بلغ الصائم أثناء النهار، فهو من قبيل الصورة الرابعة من صور الصلاة، لاشتراكهما في عدم إمكان الإتيان بجميع المأمور به وهو بالغ. أمّا الصلاة فلأنّه بلغ ولم يبق من الوقت حتى ركعة، و أمّا الصوم فلأنّه بلغ وقد مضى من النهار شيء، و الخطاب إنّما يتوجه إذا أمكن له الإتيان بالصوم الكامل تحقيقاً أو تنزيلاً و هو بالغ، والمفروض عدمه.

أمّا تحقيقاً فواضح، وأمّا تنزيلاً فلأنّه لم يرد في الصوم انّ من أدرك و بلغ قبل الزوال فقد أدرك الصوم جميعاً.

تنبيه

إنّ عبارة الماتن لا تخلو من إشكال، حيث قال: «ولكن الأحوط مع عدم الإتيان بالمفطر الإتمام والقضاء».

وجه الإشكال: انّه لا وجه لإيجاب القضاء بعد الإتمام، و الصحيح أن يقول:والأحوط الإتمام، و القضاء إذا لم يفعل.

وأمّا السادس من الفروع، فهو إذا صادف جنونه الإدواري جزءاً من النهار لا يجب عليه الصوم إلى الغروب، لأنّه مجنون ولو آناً ما، و لا يصحّ تكليفه، وقد عرفت أنّ الصوم لا يقبل التبعّض.


(11)

الثالث: عدم الإغماء فلا يجب معه الصوم ولو حصل في جزء من النهار. نعم لو كان نوى الصوم قبل الإغماء فالأحوط إتمامه.*

ــــــــــــــــــــــــ
* اختلفت كلمتهم في اشتراط وجوب الصوم «بعدم الإغماء» ، فالظاهر من المفيد في المقنعة والشيخ في الخلاف عدم اشتراطه به.

قال المفيد: فان استهلّ الشهر عليه و هو يعقل، فنوى صيامه و عزم عليه ثم أُغمي عليه، وقد صام شيئاً منه أو لم يصم، ثمّ أفاق بعد ذلك، فلا قضاء عليه، لأنّه في حكم الصائم بالنية والعزيمة على أداء الفرض.(1)

وقال الشيخ الطوسي: إذا نوى الصوم من الليل، فأصبح مغمى عليه يوماً أو يومين أو مازاد عليه، كان صومه صحيحاً.(2)

وذهب العلاّمة في «المنتهى »إلى الاشتراط، قائلاً: بأنّه بزوال عقله يسقط التكليف عنه وجوباً و ندباً، فلا يصحّ منه الصوم مع سقوطه.

أقول: للمسألة صور:

الصورة الأُولى: إذا أُغمي عليه تمام اليوم، فقد تضافرت الروايات على عدم وجوب القضاء.(3)

وعلى ذلك لا ثمرة في اشتراط وجوب الصوم بعدم الإغماء وعدمه بعد تضافر الروايات على عدم القضاء.

الصورة الثانية: إذا نوى الصيام ثمّ أُغمي عليه(سواء صام شيئاً من النهار أو لم يصم) ثمّ أفاق، فهل يجب الإتمام عليه أو لا؟


1 . المقنعة: 352، باب حكم المغمى عليه.
2 . الخلاف: 2/198، كتاب الصوم، المسألة 51.
3 . الوسائل: 7، الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم.


(12)

الرابع: عدم المرض الّذي يتضرّر معه الصائم، ولو برئ بعد الزوال ولم يفطر لم يجب عليه النيّة والإتمام، وأمّا لو برئ قبله ولم يتناول مفطراً فالأحوط أن ينوي ويصوم، وإن كان الأقوى عدم وجوبه.*

ــــــــــــــــــــــــ
الصورة الثالثة: إذا أُغمي عليه قبل الفجر وصحا قبل الزوال، فهل يجب عليه تجديد النية؟ و بما انّه لم يرد نص في هاتين الصورتين، فالحكم بالوجوب وعدمه مبنيّ على لحوق تلك الصورة بالنوم. لأنّه في حكم الصائم بالنية و العزيمة على أداء فرض الصيام، أو بالجنون للفرق بينه و بين النوم، فانّ الثاني طارئ طبيعي يعدُّ من قبيل تعطيل الحواس، بخلاف الإغماء ففيه زوال العقل على اختلاف مراتبه.

نعم مال السيد الاصفهاني في «الوسيلة» إلى القول بالوجوب، وقال: «نعم الصحة مع سبق النية منهما لا يخلو من قوّة».(1)

الصورة الرابعة: لو أُغمي عليه قبل الفجر ولم ينو حتى صحا بعد الزوال لا يجب الإتمام لفوات محل النية.

* أقول: في المقام فروع:

أ: عدم المرض الذي يضرّه الصوم، من شرائط الوجوب.

ب: لو لم يُفطر وبرئ بعد الزوال لم تجب عليه النية والإتمام.

ج: تلك الصورة ولكن برئ قبل الزوال.

فلنتناول تلك الفروع بالبحث.

أمّا الأوّل، فلتضافر النصوص على الشرطية، مضافاً إلى الذكر الحكيم قال سبحانه: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ على سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر) .(2) =


1 . وسيلة النجاة:169، فصل القول في شرائط صحّة الصوم ووجوبه.
2 . البقرة:184.


(13)

ــــــــــــــــــــــــ
= نعم المانع المرض الذي يضرّه الصوم لا ما لا يضرّه، لمناسبة الموضوع والحكم، مضافاً إلى الإشارة إليه في بعض النصوص من قوله: «ذلك إليه هو أعلم بنفسه».(1) وقوله أيضاً: «فإن وجد ضعفاً فليفطر».(2) وقوله: «إذا رمدت عيناه رمداً شديداً، فقد حلّ له الإفطار».(3)

وأمّا الثاني: إذا لم يفطر وبرئ بعد الزوال، فلا يجب عليه الإتمام لفوات محل النية.

وأمّا الثالث: إذا لم يفطر وبرئ قبل الزوال، فهل يجب عليه الإتمام أو لا؟ فيه قولان:

أ: عدم الوجوب و عليه الشيخ في الخلاف، قال: و إن كان المريض نوى ذلك لا يصحّ، لأنّ صوم المريض لا يصحّ عندنا.(4) وعليه الماتن.

ونقل المحدّث البحراني في «الحدائق» الوجوبَ عن المفيد، و المحقّق في «المعتبر» والعلاّمة في «المنتهى»، و«التذكرة»، وصاحب المدارك في مداركه، و قوّاه أكثر المعلّقين من المشايخ كالسيد البروجردي والشاهرودي، لكن للمسألة صورتان:

الأُولى: فيما إذا كان مريضاً و زعم انّ الصوم يضرّه فلم ينو ولم يكن كذلك في الواقع، فلا شك أنّه يجب عليه الإمساك حينما برئ، فهو أشبه بالجاهل الذي علم في أثناء النهار انّه من رمضان، لأنّه كان محكوماً في الواقع بالإمساك غير انّ الجهل كان عذراً، فإذا ارتفع العذر يكون الحكم فعلياً، وقد ذكر الفقهاء فيما إذا زعم المسافر انّ المسافة مسافة شرعية يجب فيها القصر و الإفطار، فتبيّن خلاف ذلك، فتجب عليه النيّة ويُضمّ الإمساك الفاقد للنية بالإمساك الواجد له.

ثمّ لو تم الدليل على إلحاق هذه الصورة بالمسافر القادم أو الجاهل بكون المسافة =


1 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،2، 6.
2 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،2، 6.
3 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،2، 6.
4 . الخلاف: 2/203، المسألة 57.


(14)

الخامس: الخلوّ من الحيض والنفاس، فلا يجب معهما، وإن كان حصولهما في جزء من النهار.*

السادس: الحضر فلا يجب على المسافر الّذي يجب عليه قصر الصلاة بخلاف من كان وظيفته التمام كالمقيم عشراً والمتردّد ثلاثين يوماً والمكاري ونحوه والعاصي بسفره، فإنّه يجب عليه التمام، إذ المدار في تقصير الصوم على تقصير الصلاة، فكلّ سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم وبالعكس.*

ــــــــــــــــــــــــ
= شرعية، فهو، وإلاّفيمسك ويقضي.

الثانية: إذا كان مريضاً وكان الصوم مضرّاً في الواقع لكنّه برئ في أثناء النهار، وصار الإمساك إلى الغروب غير مضرّ في الواقع، فوقع الكلام في وجوب الإمساك وصحّة صومه وعدمهما الظاهر هو الثاني، لأنّ المفروض انّه كان مريضاً يضرّه إلى أوائل النهار، و معه لا يكون محكوماً بالصوم، لما عرفت من أنّ الصوم الواجب عبارة عمّا إذا كتب الإمساك على الشخص من أوّل الفجر إلى نهاية اليوم والمفروض انّه ليس كذلك، وأقصى ما عند القائل بوجوب الإمساك والصحّة هو ادّعاء الأولوية من أنّ المريض أعذر من المسافر، فإذا صحّ فيه إذا نوى قبل الزوال فليكن المريض كذلك، لكنّه ضعيف لعدم العلم بالمناط، ومعه يكون ادّعاء الأولوية غير صحيح.

* المسألة من ضروريات الفقه، و قد مضى دليله عند البحث في شرائط صحّة الصوم.

* دلّت الروايات على الملازمة بين القصر والإتمام، وهي ضابطة كلّية إلاّ ما خرج بالدليل، كالمسافر بعد الزوال حيث يقصر ولا يفطر، و سيأتي في المسألة الثانية موارد الاستثناء.


(15)

المسألة 1:إذا كان حاضراً فخرج إلى السفر فإن كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار ، وإن كان بعده وجب عليه البقاء على صومه ، وإذا كان مسافراً وحضر بلده أو بلداً يعزم على الإقامة فيه عشرة أيّام، فإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر وجب عليه الصوم، وإن كان بعده أو تناول فلا، وإن استحبّ له الإمساك بقيّة النهار .*

ــــــــــــــــــــــــ
* لا شكّ انّ المسافر في تمام الوقت يجب عليه الإفطار على الشروط المقررة، إنّما الكلام فيما إذا كان مسافراً في بعض الوقت، وهوعلى قسمين:

فتارة يكون حاضراً و يطرأ عليه السفر، وأُخرى على العكس.

أمّا القسم الأوّل، فقد تقدّم البحث فيه في الفصل السابق(شرائط صحّة الصوم: الشرط الخامس) و بقي الكلام في القسم الثاني، أعني: من كان مسافراً فطرأ عليه الحضر، و هو القدوم قبل الزوال فيصوم بشرط عدم تناول مفطر.

وأمّا إذا قدم بعد الزوال، فلا يجب عليه الإمساك سواء تناول المفطر أو لا و إن كان مستحباً.

أمّا إذا قدم من السفر قبل الزوال ولم يتناول المفطر، فيجب عليه الصوم لجملة من الروايات الصحيحة والموثقة:

1. موثقة أبي بصير، قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان؟ فقال: «إن قدم قبل زوال الشمس، فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به».(1)

2. معتبرة سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان و لم يطعم شيئاً قبل الزوال؟ قال: «يصوم».(2)

والمراد من أحمد بن محمد الذي روى عنه «سهل»هو البزنطي الذي مات سنة =


1 . الوسائل: 7، الباب6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6، 4.
2 . الوسائل: 7، الباب6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6، 4.


(16)

ــــــــــــــــــــــــ
= 221 هـ ، و ليس المراد منه البرقي، لأنّه توفّي عام 274هـ، فلا يروي عنه سهل لتعاصره معه، بل تقدّم رتبته عليه.

3. معتبرة محمد بن عيسى، عن يونس في حديث قال: في المسافر يدخل أهله، وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل فعليه أن يتم صومه ولا قضاء عليه، يعني: إذا كانت جنابته من احتلام.(1)

والمراد من يونس هو يونس بن عبدالرحمن ، والراوي عنه هو محمد بن عيسى العبيد الذي ضعّفه ابن الوليد واستثناه من أسانيد كتاب نوادر الحكمة، و قال: ما تفرّد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه.

ولكن وثّقه أُستاذ النجاشي ابن نوح، والفضل بن شاذان، ونقل النجاشي أنّ أصحابنا ينكرون هذا القول(التضعيف)، و يقولون: «من مثل أبي جعفر محمد بن عيسى».(2)

مضافاً إلى أنّ الصدوق روى نفس الرواية باسناده عن يونس بن عبدالرحمن عن موسى بن جعفر، و ليس في اسناده محمد بن عيسى العبيد.

ثمّ إنّ المراد من قوله«ويدخل أهله» أي يريد أن يدخل أهله، كما في قوله سبحانه: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى المَرافقِ) .(3)

4. موثقة علي بن السندي، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ إلى أن قال: إن قدم بعد زوال الشمس أفطر ولا يأكل ظاهراً، وإن قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء.(4)=


1 . الوسائل: 7، الباب6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.
2 . رجال النجاشي:2/218، برقم 897.
3 . المائدة:6.
4 . الوسائل: الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.


(17)

ــــــــــــــــــــــــ
= والمراد من علي بن السندي، هو علي بن إسماعيل السندي; قال الكشي: قال نصر بن الصباح: علي بن إسماعيل ثقة، وهو علي بن السندي.

ويمكن استنباط وثاقته أنّه ورد في أسانيد نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى، ولم يستثنه ابن الوليد عنها.

وربّما يبدو من بعض الروايات انّ الميزان هو الدخول قبل الفجر فيجب عليه الصوم، وإلاّفإن دخل بعد الفجر فهو بالخيار بين الصوم والإفطار، وهذه الروايات عبارة عن صحيحي محمد بن مسلم و معتبر رفاعة بن موسى.

أمّا الاوليان، فقد روى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: «فإذا دخل أرضاً قبل طلوع الفجر وهو يريد الإقامة بها، فعليه صوم ذلك اليوم; وإن دخل بعد طلوع الفجر، فلا صيام عليه و إن شاء صام».(1)

و في رواية أُخرى له، قال: «إذا طلع الفجر و هو خارج و لم يدخل أهله، فهو بالخيار إن شاء صام، و إن شاء أفطر».(2)

وهذه الرواية تتضمن أحد الشقين ممّا ورد في الرواية الأُولى، أعني: من كان خارج البلد و قد طلع الفجر ففيه الخيار، وأمّا إذا دخل البلد قبل طلوع الفجر، فهو يصوم بلا إشكال.

أقول: الظاهر انّ المراد من الخيار هو كونه مخيّراً خارج البلد، بمعنى أنّ من علم انّه يصل البلد قبل الزوال و قد طلع الفجر و هو خارج البلد، فهو بالخيار إن شاء أفطر قبل الدخول، و إن شاء أمسك حتى يدخل فيصوم، فليس الخيار بعد دخول البلد وإنّما هو قبل دخوله.

وهذا النوع من التأويل قريب بالنظر إلى الروايات الصريحة، ومنه يظهر حال =


1 . الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 3.
2 . الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 3.


(18)

ــــــــــــــــــــــــ
= رواية رفاعة بن موسى.(1)

هذا كلّه إذا قدم قبل الزوال ولم يتناول شيئاً، و أمّا إذا قدم بعد الزوال فإن أكل شيئاً فلا كلام في وجوب القضاء عليه و الإمساك تأدّباً ً(2)، و أمّا إذا دخل بعد الزوال و لم يتناول، فعليه القضاء لزوال وقت النية بشهادة ما مرّمن الروايات الصحاح التي كانت تركّز على شرطية الدخول قبل الزوال، إنّما الكلام في استحباب الإمساك.

الإمساك التأدبيّ

أفتى الماتن باستحباب الإمساك لمن أفطر في الطريق و دخل قبل الزوال، و من دخل بعد الزوال مطلقاً سواء أفطر أم لم يفطر.

وقد ورد النص في الصورة الأُولى، ففي موثّق سماعة قال: سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل؟ قال: «لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئاً، ولا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل».(3)

وأمّا الصورة الثانية، أي الدخول بعد الزوال، فيدل على استحباب الإمساك فيما إذا أكل، إطلاق صحيح يونس، قال: في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان، وقد أكل قبل الدخول؟ قال: «يكفّ عن الأكل بقية يومه وعليه القضاء».(4) فانّ قوله: «يدخل أهله في شهر رمضان» مطلق يعم ما إذا دخل بعد الزوال، لكن أكل في الطريق.

بقي الكلام فيما إذا دخل بعده و لم يأكل، فيمكن استفادة استحباب الإمساك بطريق الأولوية، لأنّه إذا استحب الإمساك لمن أكل، فيكون من لم يأكل أولى بذلك


1 . الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
2 . لاحظ الوسائل: الجزء 7، الباب 7، من أبواب من يصحّ منه الصوم.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1و2.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1و2.


(19)

والظاهر أنّ المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده لا الخروج عن حدّ الترخّص و كذا في الرجوع المناط دخول البلد لكن لا يترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع قبل الزوال والخروج عن حدّ الترخّص بعده وكذا في العود إذا كان الوصول إلى حدّ الترخّص قبل الزوال والدخول في المنزل بعده.*

ــــــــــــــــــــــــ
= البتة، لكونه أقرب إلى الصائم من الأكل.

* لماّ ذهب الماتن في كتاب صلاة المسافر إلى أنّ مبدأ حساب المسافة سور البلد أو آخر البيوت من البلدان الصغار، و آخر المحل في البلدان الكبار الخارقة للعادة، وجعل الميزان في الخارج عن البلد، هو الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده، ليعمّ البلدان الصغيرة والكبيرة، فانّ الشروع في الأوّل بالخروج عن البلد، و في الثانية بالخروج عن آخر المحلّة.

ويرد عليه: انّه جعل المناط في الرجوع،الدخول في البلد مع أنّه لا يتم إلاّ في البلاد الصغيرة لا الكبيرة، بل انّ المناط فيها على مذهبه هو الدخول في المحلة، فالتعبيران في الدخول والخروج غير متوازنين، ولكن الحقّ انّ المناط في الصغيرة والكبيرة واحد بشرط أن تكون المحلات فيها متصلة بعضها مع بعض يصدق عليها اسم واحد، و هذا المناط المشترك عبارة عن الخروج عن البلد أو الدخول فيه.

والدليل على ذلك أمران:

الأوّل: انّ مبدأ التحديد في جميع الأزمنة هو سور المدينة، فيقال بين بغداد والحلة كذا فرسخ، والمقياس للمبدأ والمنتهى هو سور المدينتين، ولذلك ينصبون علائم الطريق في مدخل المدينة لا في داخلها.

الثاني: انّ المتبادر من الأحاديث الواردة هو كون المبدأ آخر المدينة، قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «ولقد سافر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى ذي خشب ـ وهو مسيرة يوم من المدينة =


(20)

ــــــــــــــــــــــــ
= يكون إليها بريدان: أربعة و عشرون ميلاً ـ فقصّر وأفطر، فصار سنّة».(1)

فلو كان المقياس هو الخروج عن منزله أو آخر المحلّة لما كان الحديث مقياساً عامّاً مع أنّ الإمام بصدد بيان الضابطة العامة، ولا تتحقّق إلاّ بجعل المبدأ آخر البلد الذي يشترك فيه جميع أهل البلدة من دون فرق بين كون المسافر قاطناً وسط المدينة أو أطرافها.

ومثلها رواية أبي ولاّد، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة، وهو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخاً في الماء.(2)

فإنّ المتبادر انّ المبدأ لمحاسبة عشرين فرسخاً هو مرسى السفن، ومن الواضح انّ مراسي السفن تبتعد عن المنازل والمحلات بفواصل كبيرة.

هذا موجز ما ذكرناه في كتاب «ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر».(3)

والحاصل: انّ على المختار في صلاة المسافر من عدم الفرق بين الصغير والكبير، إذا كانت المحلات متصلة، واقعة تحت عنوان واسم واحد، فالميزان هو الخروج عن البلد، لا آخر المحلة، بل يمكن أن يقال أنّه لا يصدق اسم المسافر إلاّ لمن ترك بلده من غير فرق بين الكبير والصغير.

وعلى كلّ تقدير فالميزان هو الخروج عن البلد ـ أو آخر المحل ـ قبل الزوال أو بعده، لا الخروج عن حدّالترخّص، إذ يصدق عليه عنوان المسافر وإن لم يصل إلى حد الترخّص، نعم ذلك الحد، تحديد لحكم المسافر من جهة القصر والإفطار، فلا يجوزان =


1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.
2 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
3 . انظر ص 30ـ 35.


(21)

المسألة 2: قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة والصوم وقصرها والإفطار، لكن يستثنى من ذلك موارد:أحدها: الأماكن الأربعة، فإنّ المسافر يتخيّـر فيها بين القصر والتمام في الصلاة، وفي الصوم يتعيّن الإفطار.الثاني: ما مرّ من الخارج إلى السفر بعد الزوال، فانّه يتعيّن عليه البقاء على الصوم مع أنّه يقصر في الصلاة.

الثالث: ما مرّ من الراجع من سفره، فإنّه إن رجع بعد الزوال يجب عليه الإتمام، مع أنّه يتعيّن عليه الإفطار.*

ــــــــــــــــــــــــ
= إلاّ بعد الوصول إلى النقطة التي لا يرى فيها آثار البلد ولا يسمع أذانه.

ومنه يعلم حال الرجوع إلى البلد، فالميزان في صدق الدخول قبل الزوال أو بعده هو الخروج عن كونه مسافراً و هو فرع الوصول إلى البلد، لا الوصول إلى حد الترخّص وإن لم يصل إليه، كما إذا وصل إلى نقطة يرى آثار البلد أو يسمع أذانه مع وجود المسافة بينه و بين البلد. فلو وصل إلى حد الترخّص قبل الزوال ووصل إلى نفس البلد، بعده فيفطر.

والحاصل حدّ الترخّص ليس مبدأ للمسافة وإنّما هو تحديد لحكم الإفطار والتقصير، بمعنى انّ صدق عنوان المسافر لا يكفي في التقصير والإفطار مالم يصل إلى حد الترخّص، فهو مبدأ للحكم بالإفطار والتقصير وليس مبدأً لمحاسبة المسافة.

نعم، الاحتياط حسن كما ذكره الماتن، وهو الجمع بين الصوم والقضاء، فمن خرج عن البلد قبل الزوال و عن حدّ الترخّص بعده يحتاط بالجمع، كما أنّ من تجاوز حدّ الترخّص عند الإياب قبل الزوال ودخل البلد بعده يجمع بين الصوم والقضاء.

* انّ هذه الموارد الثلاثة يفطر فيها المسافر ويتم صلاته.

أمّا الأوّل: فلاختصاص ما دلّ على جواز الإتمام بالصلاة دون الصوم، وقد سأل الراوي ـ على ما في بعض الروايات ـ عن الصلاة والصوم في الحرمين، فأجاب الإمام =


(22)

المسألة 3: إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلاّ بعد الوصول إلى حدّ الترخّص، وقد مرّ سابقاً وجوب الكفّارة عليه إن أفطر قبله.*

المسألة 4: يجوز السفر اختياراً في شهر رمضان، بل ولو كان للفرار من الصوم كما مرّ، وأمّا غيره من الواجب المعيّن فالأقوى عدم جوازه إلاّ مع الضرورة كما أنّه لو كان مسافراً وجب عليه الإقامة لإتيانه مع الإمكان.*

ــــــــــــــــــــــــ
= بخصوص الصلاة، قال: «أتمها ولو صلاة واحدة».(1)

وأمّا الثاني والثالث: فيصوم الخارج بعد الزوال ويفطر القادم بعده لما دلّ عليه من الروايات الماضية.

وأمّا الصلاة فهي تفارق الصوم بدليل خاص. وهو انّ العبرة في التقصير والإتمام هو وقت أدائها لا وقت وجوبها. وعليه يقصر الخارج بعد الزوال، لأنّه في حال الأداء مسافر، ويتمُّ القادم بعد الزوال، لأنّه في حال الأداء حاضر.

وليعلم أنّ التفكيك بين الصلاة والصوم لا ينحصر بالموارد الثلاثة، بل هناك موارد أُخرى يجب الصوم، ولكنّه يقصر الصلاة.(2)

* مضى الكلام في ذلك في الفصل السادس ـ المسألة 11 ـ و يدلّ عليه ما دلّ على الملازمة بين الإتمام والصيام، و القصر والإفطار، وبما انّه لا يجوز التقصير قبل الوصول إلى حد الترخّص، فلا يجوز الإفطار إلاّكذلك.

نعم ما دلّ على شرطية الوصول إلى حدّ الترخّص إنّما ورد في مورد الصلاة لكن قاعدة الملازمة أوجبت مشاركة الصيام مع الصوم في ذلك الحكم.

* المسألة تشتمل على فرعين، وقد مرّالكلام في الفرع الأوّل و هو جواز السفر في =


1 . الوسائل: 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.
2 . انظر الجزء الأوّل من هذا الكتاب، ص 408.


(23)

ــــــــــــــــــــــــ
= شهر رمضان للفرار عن الصوم ولا نعود إليه، و سيوافيك في المستقبل أنّ كراهة السفر مختص بما قبل الثالث والعشرين من شهر رمضان.

بقي الكلام في الفرع الثاني وهو حكم السفر في الواجب المعيّن، فهل يجوز السفر اختياراً وبلا ضرورة أو لا؟ وعلى فرض عدم الجواز تجب عليه الإقامة لو كان في السفر.

ثمّ إنّ الواجب المعيّن ينقسم إلى واجب بالنذر، كما إذا نذر صوم أيّام البيض; وإلى آخر واجب لأجل ضيق الوقت، كما إذا كان عليه قضاء صوم رمضان ولم يصم حتى ضاق الوقت; وإلى ثالث واجب لتقييد الصوم بيوم معين في عقد الإجارة، كما إذا قال: استأجرك على صيام يوم عرفة، فهل يجوز له السفر أو لا؟ فلنأخذ كلّ واحد بالبحث.

الصوم الواجب المعيّن بالنذر

إنّ للصوم الواجب بالنذر صوراً ثلاث:

1. أن يتعلّق النذر بالصوم مشروطاً بالحضور أو عدم السفر، أي إذا كنت حاضراً أو لم أُسافر.

2. أن يتعلّق النذر بكلا الأمرين: الصوم و الإقامة.

3. أن يتعلّق النذر بالصوم من غير تعليق بالحضور غير انّه علم من الخارج انّ صحّة الصوم مشروطة بالحضور.

أمّا الأُولى، فلا كلام في جواز السفر وعدم وجوب الحضور في الوطن أو قصد الإقامة في السفر.

كما لا كلام في حرمة السفر في الصورة الثانية، بل يجب عليه تحصيل العمل =


(24)

ــــــــــــــــــــــــ
= بالنذر بالحضور في البلد أو قصد الإقامة في السفر.

إنّما الكلام في الصورة الثالثة، فهل يجب تحصيل الحضور أو لا؟ والمسألة معنونة في كتاب النذر.

قال المحقّق : لو نذر يوماً معيّناً فاتّفق له السفر أفطر وقضاه، وكذا لو مرض وحاضت المرأة أو نفست.(1)

و عن المدارك: أمّا وجوب الإفطار فلا ريب فيه، وأمّا وجوب القضاء فمقطوع في كلام الأصحاب.(2)

فيقع الكلام تارة في مقتضى القاعدة الأُولى، وأُخرى في مقتضى النصوص الواردة .

أمّا الأُولى: فلا شكّ انّ الحضور شرط لوجوب الصوم، كما هو شرط لصحته .

وبعبارة أُخرى: الحضور مقدّمة وجوبية ومقدّمة وجودية. قال سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر) (3)، وقد ذكرنا سابقاً انّ الآية بصدد بيان واجب الحاضر وواجب المسافر والمريض، وانّ واجب الأوّل هو الصوم، وواجب الثاني والثالث هو الصيام في أيّام أُخر، وكأنّه لم يكتب له إلاّالصيام بعد شهر رمضان، وانّ إطلاق القضاء عليه مع عدم وجوب الصوم فهو لأجل فوت الملاك.

لكن دليل الوفاء بالنذر مطلق غير مشروط بالحضور، قال تعالى: (ثُمّ لْيَقْضُوا تفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ ليَطَوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيق) (4)، فإطلاق الوفاء بالنذر يقتضي =


1 . المختصر النافع 246، ط مصر.
2 . و كان عليه أن يتكلم حول جواز السفر، ولكنّه تلقّاه أمراً مسلّماً فتكلم في حكم الإفطار.
3 . البقرة:185.
4 . الحج:29.


(25)

ــــــــــــــــــــــــ
= وجوب الوفاء بالنذر و تحصيل شرطه، و هو الحضور وعدم السفر.

وعلى ذلك فمقتضى الإطلاق هو حرمة السفر ووجوب الإقامة إذا كان مسافراً.

هذا ما يستفاد من كلام بعض المحقّقين.(1)

ولكنّ هنا إشكالين:

الأوّل: انّ المهم في المقام وجود الإطلاق في صيغة الناذر وإلاّفلا يفيد إطلاق الآية، فلو كان نذر الناذر منصرفاً إلى صورة الحضور الاتّفاقي، فلا يكون إطلاق الآية دليلاً على لزوم الحضور، أو دليلاً على وجوب الإقامة في السفر.

وبعبارة أُخرى: قوله سبحانه: (وَلْيُوفُوا نُذورهم) كبرى كلّية لا يحتج بها إلاّ إذا كان نذر الناذر مطلقاً غير منصرف إلى صورة الحضور، ولا مشكوك الانصراف، وإلاّ فإذا كان إنشاء الناذر مختصاً بحال الحضور، أو منصرفاً إليه، أو شككنا في الإطلاق، فلا يمكن أن يحتج بالكبرى على لزوم الحضور في الصغرى، فاللازم هو التحقيق في جانب الصغرى و تعيين حدود دلالة صيغة النذر حسب القرائن الحافّة بها. وبما انّ أكثر الناس غافلون عن شرطية الحضور في صحة الصوم، يكون منصرف إنشائهم هو اجتماع الشرائط على وجه الاتفاق لا تحصيلها، فالواجب على المحقّق التركيز على مقدار إنشاء الناذر مكان التركيز على إطلاق الآية.

وبذلك يمكن أن يقال انّ مقتضى القاعدة الأُولى حسب أغلبية حال الناذرين شرطية الحضور لوجوب الوفاء بالنذر ، على خلاف ما اختاره.

هذا كلّه حول القاعدة الأُولى، وأمّا القاعدة الثانية فمقتضاها عدم وجوب الحضور وتحصيله فتكون موافقة لما هو مقتضى القاعدة الأُولى حسب ما استفدناه من إنشاء الناذرين، وهناك روايات ثلاث نذكر ها واحدة تلو الأُخرى:=


1 . مستند العروة الوثقى:2/29


(26)

ــــــــــــــــــــــــ
= 1. صحيح علي بن مهزيار في حديث: كتب إليه بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت، فان أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟!

فكتب ـ عليه السَّلام ـ وقرأته: «لا تتركه إلاّمن علّة، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض، إلاّأن تكون نويت ذلك. وإن كنت أفطرت منه من غير علّة، فتصدّق بقدر كلّ يوم على سبعة مساكين. نسأل اللّه التوفيق لما يحب و يرضى».(1)

ومجهولية «بندار» أو كونه مهملاً لا يضرُّ بصحة الحديث، لأنّ العبرة بقراءة ابن مهزيار خط الإمام، والمتبادر من الحديث انّه نذر صوم يوم السبت من كلّ اسبوع وقد صادف ذلك اليومُ أحد العيدين، أو سافر. فأجاب الإمام قائلاً: «... وليس عليك صومه في سفر...».

نعم الحديث ساكت عن القضاء، ولكن الأمر بالتصدّق على سبعة مساكين دليل على وجوبه، لأنّ الكفارة فرع وجوب القضاء، وقد مرّ عند البحث في كفّارة حنث النذر انّ الصحيح عشرة مساكين.

2. موثقة زرارة، قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : إنّ أُمي كانت جعلت عليها نذراً إن ردّ اللّه عليها بعض ولدها من شيء كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكة، فأشكل علينا لمكان النذر، أتصوم أو تفطر؟ فقال: «لا تصوم، قد وضع اللّه عنها حقه و تصوم هي ما جعلت على نفسها»، قلت: فما ترى إذا هي رجعت إلى المنزل أتقضيه؟ قال: «لا»، قلت: أفتترك ذلك؟ قال: «لا، لأنّي أخاف أن ترى في الذي نذرت فيه ما تكره».(2)=


1 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1.
2 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.


(27)

ــــــــــــــــــــــــ
= ونقله صاحب الوسائل في كتاب النذر(1) عن الكافي بالسند التالي، وهو «صحيح: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة، غير انّه لم يذكر اسم الإمام الذي روي عنه الحديث.

3. روى الكليني، عن محمد بن يحيى، عن يعقوب بن يزيد ،عن يحييبن المبارك، عن عبد اللّه بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن عبد اللّه بن جندب، قال: سأل عبّاد بن ميمون وأنا حاضر عن رجل جعل على نفسه نذراً صوماً وأراد الخروج إلى مكة؟ فقال عبد اللّه بن جندب: سمعت من رواه عن أبي عبد اللّه انّه سأله عن رجل جعل على نفسه نذراً صوماً، فحضرته نيّه في زيارة أبي عبد اللّه؟ قال: «يخرج ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك».(2)

ونقله الشيخ عن الكليني على النحو الذي مرّ.(3)

وقد نقله صاحب الوسائل (4) بتصرّف غير يسير حيث:

أ: توسط أبوجميلة بين عبد اللّه بن جبلة، و إسحاق بن عمار، مع أنّه ليس منه أثر في الكافي والتهذيب.

ب: انّ الوارد في الكافي والتهذيب (سمعت من رواه عن أبي عبد اللّه) و في نسخة الوسائل: (سمعت من زرارة).

ج: انّ المسؤول لسؤال عبّاد بن ميمون غير مذكور في الكتابين، وعلى ما في الوسائل فالمسؤول هو أبو عبد اللّه حيث قال: سأل أبا عبد اللّه عباد بن ميمون، ولكنّه غير صحيح، إذ لو كان المسؤول هو الإمام لما أجاب عبد اللّه بن جندب، كلّ ذلك=


1 . الوسائل: 16، الباب 13 من أبواب النذر والعهد، الحديث 2.
2 . الكافي: 7/457، الحديث 16.
3 . التهذيب: 8/422، باب النذور، الحديث 16.
4 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 5.


(28)

ــــــــــــــــــــــــ
= يعرب عن طروء الخطأ إلى نسخ الوسائل أو إلى نسخة الشيخ الحر العاملي; ولكن الظاهر هو الأوّل، لأنّه نقله في كتاب النذر بصورة نقيّة عن هذه الأخطاء.(1)

ثمّ إنّ المشار إليه في قوله: «وأنا حاضر» هو إسحاق بن عمار; و حاصل الحديث: انّ عباد بن ميمون سأل عبد اللّه بن جندب، وكان عمار حاضراً في المجلس، فأجاب عبد اللّه بن جندب بما سمعه ممّن رواه عن أبي عبد اللّه; وحاصل الجواب: انّه يسافر ولا يصوم في الطريق و إذا رجع قضى.

والحديث يوجب القضاء خلافاً لما مرّ. نعم في السند يحيى بن المبارك، وهو من أصحاب الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، وله سبع و سبعون رواية في الكتب الأربعة، و ممّن ورد اسمه في أسانيد تفسير القمي.

ولذلك قال السيد الخوئي: لم تثبت وثاقة يحيى بن المبارك على المشهور.(2) والتقييد بقوله: على المشهور، إشارة إلى أنّ الرواية صحيحة على مبناه، لورودها في أسانيد التفسير المذكور.

نعم الحديث مرسل، لأنّه لم يسم من رواه عن أبي عبد اللّه، ولذلك يكون الحديث معاضداً لما سبق.

ولعلّ هذه الأحاديث المتفقة على جواز السفر لأجل انّ إنشاء الناذر لم يكن مطلقاً بل ناظراً إلى بعض الظروف و منصرفاً إلى ما اتفق له الحضور، والشك في سعة الإنشاء وضيقه يكفي في الحكم بجواز السفر.

بقي الكلام في موردين:

1. إذا كان عليه صوم قضاء رمضان وقد ضاق الوقت، فهل يجوز له السفر أو =


1 . الوسائل: 16، الباب 13 من أبواب النذر، الحديث 1.
2 . مستند العروة: 2/40.


(29)

المسألة 5: الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان قبل أن تمضي ثلاثة وعشرون يوماً إلاّ في حجّ أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه.*

ــــــــــــــــــــــــ
= لا؟ الظاهر لا، وذلك لأنّ الحضور شرط الوجوب في صيام رمضان، دون القضاء وإن كان شرطاً لصحته، و ليس هناك ما يدل على شرطية الحضور في مورد القضاء، فإطلاق دليله الدال على عدم جواز تأخيره وانّه موجب للعصيان بدليل تعلّق الكفارة لدى التأخير، دليل لزوم إحراز شرط الصحة، أعني: الحضور، اللّهمّ إلاّإذا قلنا بإلغاء الخصوصية وعطف القضاء على الأداء في عامة الأحكام.

2. لو كان أجيراً لشخص و لصيام يوم معين، فهل يجوز له السفر أو لا؟ الظاهر لا، لإطلاق صيغة الإجارة وعدم كونها مشروطة بالحضور وقد ملك الموجر، الصوم في ذمة الأجير على وجه الإطلاق، فليس له تضييع حق الناس بالسفر بما دل على جواز السفر في شهر رمضان أو اليوم المعيّن للصيام، فالصوم فيها حق إلهيّ رخّص سبحانه السفر، بخلاف المقام فهو من مقولة حق الناس، فلا يمكن الاستشهاد بما في المورد الأوّل ، على الثاني.

* قد مضى الكلام في كراهة السفر في شهر رمضان في الفصل السادس، المسألة 25. و قد استثني منها موردان:

1. السفر بعد مضي ثلاثة و عشرين يوماً.

2. السفر لغايات مهمة كالحج والعمرة أو حاجات فائقة.

أمّا الأوّل: فقد ورد في مرسل علي بن أسباط، عن رجل، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: إذا دخل شهر رمضان فللّه فيه شرط ، قال تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ) ، فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلاّفي حج ـ إلى أن قال: ـ فإذا مضت ليلة ثلاث وعشرون، فليخرج حيث شاء.(1)والاعتماد عليه مع إرساله في رفع =


1 . الوسائل: الجزء7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.


(30)

المسألة 6: يكره للمسافر في شهر رمضان بل كلّ من يجوز له الإفطار، التملّي من الطعام والشراب وكذا يكره له الجماع في النهار، بل الأحوط تركه وإن

ــــــــــــــــــــــــ
= الكراهة تأمّل.

وأمّا الثاني، فقد ورد الاستثناء في عدّة من الروايات:

1. ففي خبر أبي بصير، (1) ومرسلة علي بن أسباط،(2) استثناء الخروج إلى مكة، أو غزو في سبيل اللّه، أو مال تخاف هلاكه، أو أخ تخاف من هلاكه.

2. وفي موثقة الحسين بن المختار استثناء الخروج للحج، أو العمرة، أو مال تخاف عليه الفوت، أو لزرع يحين حصاده.(3) فجاء الخروج للحصاد مكان الخروج إلى نجاة أخ يخاف هلاكه.

3. وفي صحيح الحلبي: استثناء الحاجة الشديدة، أو الخوف على المال.(4)

4. وفي مرسلة المقنع استثناء تشييع الأخ المؤمن.(5)

والظاهر انّ ما جاء في هذه الروايات من باب المثال والميزان هو أحد الأمرين، إمّا لكونه أهم من الصوم في شهر رمضان، كالخروج إلى الجهاد، أو لكونه حاجة تفوت بالتأخير وإن لم يكن أهم.


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3. وفي سند الصدوق إلى أبي بصير: علي بن حمزة البطائني، و لذا عبّرنا عنه بالخبر، والحديث 6.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3. وفي سند الصدوق إلى أبي بصير: علي بن حمزة البطائني، و لذا عبّرنا عنه بالخبر، والحديث 6.
3 . الوسائل: الجزء7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8. الحسين بن المختار واقفي ثقة.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم ، الحديث 1. وطريق الصدوق إلى الحلبي صحيح.
5 . الوسائل: الجزء 7، الباب 3، من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.


(31)

كان الأقوى جوازه.*

ــــــــــــــــــــــــ
* امّا كراهة التملّي، فلصحيح ابن سنان، حيث جاء في ذيله:«وإنّي إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلاّالقوت، وما أشرب كل الري».(1) ومورد الحديث و إن كان هو المسافر، لكن المفهوم من مجموع الحديث انّ السبب هو حرمة شهر رمضان ـ ولا خصوصية للمسافر ـ لذلك قال الماتن: بل كلّ من يجوز له الإفطار.

أمّا كراهة الجماع فالمشهور بين الأصحاب هو الكراهة إلاّالشيخ في النهاية قال: لا يجوز للمسافر أن يجامع النساء نهاراً إلاّ عند الحاجة، ولا ينبغي أن يمتلئ من الطعام والشراب.(2)

و نقل العلاّمة عن ابن الجنيد وابن إدريس الكراهة، وعن أبي الصلاح الحرمة مالم يخف فساداً في الدين، ثمّ قال: الأقرب عندي الكراهة.(3)

والتتبّع في كلمات الأصحاب قديماً و حديثاً يكشف عن كون الكراهة هو المشهور بينهم قبل الشيخ و بعده، أمّا الأوّل قال الكليني: الفضل عندي أن يوقِّر الرجل شهر رمضان ويمسك عن النساء في السفر بالنهار، إلاّ أن يكون تغلبه الشهوة ويخاف على نفسه.(4)

وقال الصدوق: النهي عن الجماع للمنصرف من السفر إنّما هو نهي كراهة لا نهي تحريم. و أكثر الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت تدلّ على الجواز، و هو يكشف عن كون الجواز هو المشهور بين أصحاب الأئمّة، و هو يدل على أنّه مذهب الأئمّة، =


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 5.
2 . النهاية و نكتها :1/45.
3 . مختلف الشيعة:3/477ـ 478.
4 . الكافي: 4/ 135.


(32)

ــــــــــــــــــــــــ
= فانّ مذهبهم يعلم بنقل شيعتهم وأتباعهم، كما أنّ مذهب أبي حنيفة يعلم من نقل أتباعه، ولذلك عدّ المحقّق الجواز أشبه بأُصول المذهب وقواعده.(1)

وما يدلّ على الجواز يناهز سبع روايات بين صحيح و غيره.

ففي صحيح عمر بن يزيد(أي عمر بن محمد بن يزيد الثقة، و كلّما أطلق فهو المراد، دون عمر بن يزيد الصيقل الذي ترجمه النجاشي و لم يوثّقه) سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يسافر في شهر رمضان أله أن يصيب من النساء؟ قال : «نعم».(2)

و موثق محمد بن مسلم (لوجود عثمان بن عيسى شيخ الواقفة في سنده) قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يقدم من سفر، بعد العصر من شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض أيواقعها؟ قال: «لا بأس به»(3) ولاحظ غيرهما.

ويعارضهما روايتان صحيحتان:

إحداهما عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فلا يقرب النساء بالنهار في شهر رمضان، فانّ ذلك محرّم».(4)

والأُخرى عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية له أفله أن يصيب منها بالنهار؟ فقال : «سبحان اللّه أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان، إنّ له في الليل سبحاً طويلاً» قلت: أليس له أن يأكل ويشرب و يقصّر؟ قال: «إنّ اللّه تبارك و تعالى قد رخّص المسافر في الإفطار، و التقصير


1 . الجواهر:17/156.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1ـ10. ولاحظ الأحاديث 1، 3، 4، 7، 9.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1ـ10. ولاحظ الأحاديث 1، 3، 4، 7، 9.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 8.


(33)

ــــــــــــــــــــــــ
= رحمة و تخفيفاً لموضع التعب والنصب و وعث السفر ولم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، وأوجب عليه قضاء الصيام، ولم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة، إذا آب من سفره» ثمّ قال:«والسنّة لا تقاس».(1) وأمّا روايته الأُخرى فهي متحدة مع هذا.

أمّا صحيحة محمد بن مسلم، فهو ظاهر في التحريم وحملها على الكراهة بعيد جداً، نعم صحيحة ابن سنان قابلة للحمل عليها حيث قال: «أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان»و لا ينافيه ردّالإمام استدلال الراوي حيث قال: الجماع بالأكل و الشرب فقال: «والسنّة لا تقاس»، إذ يحتمل أن يكون الردّ لغاية إبطال ما تخيّله الراوي من نفي الكراهة عن الجماع كنفيها عن الأكل و الشرب، فلم يبق إلاّ صحيحة ابن مسلم مع أنّها معارضة بنفس ما روي عنه كما عرفت، و يكفي في شذوذها إعراض الأصحاب عنها في الأعصار المعاصرة للأئمة وبعدها، فالكراهة هي الأقرب.


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 5.