welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : حوارات مفتوحة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

حوارات مفتوحة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي

( 1 )

حوارات مفتوحة
مع
فضيلة الشيخ
يوسف القرضاوي

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


( 2 )

( 3 )

( 4 )

السبحاني ، جعفر، 1347 ق. ـ

      حوارات مفتوحة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي ; المؤلف الشيخ جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1430 ق . = 1387 .

136 ص .   ISBN: 978 - 964 - 357 - 346 - 1

      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .

      1 ـ قرضاوي، يوسف، 1924 ـ م. Qardawi,Yusufـ ـ نقد وتفسير. 2. شيعة ـ ـ شبهات وردود . الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . ب. العنوان .

9ح2س/ 5/212BP    4172 / 297

اسم الكتاب:   … حوارات مفتوحة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي

المؤلف:   … الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني

الطبعــة:   … الأُولى ـ 1430 هـ

المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

الكمّيّـة:   … 1100 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

توزيع

مكتبة التوحيد

ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء

هاتف: 7745457 ـ 2925152

البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :

العنوان في شبكة المعلوماتwww.imamsadeq.org :


( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم


( 6 )

( 7 )

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أمّا بعد:

فقد قال الإمام علي (عليه السلام): «اضربوا بعض الرأي على بعض حتى يتولّد منه الصواب» .(1)

وجاء في المثل المعروف: «الحقيقة بنت البحث»، وكأنّ الحقيقة وكشف الواقع وليد تقابل الآراء والأفكار، ولولا النقاش العلمي النابع من البحث عن الحقيقة لتوقّفت مسيرة العلم مكانها، ولما شيّدت أركانه وعلا مناره.

وقد تمسّك بهذا المنهج علماؤنا السابقون، وسلفنا


1 . غرر الحكم، برقم 2567 .


( 8 )

الصالح إذ كانوا يتحرّون الحقيقة بالبحث والمناقشة، وكان الوصول إليها أحبَّ لديهم من كل شيء، وأهمّ عندهم من أي أمر آخر، فهم ـ رغم ما كان يكنّ أحدهم للآخر من الاحترام والحب، والتقدير، والإكبار ـ لم يتوانوا في نقد الآراء، وتمحيص الأقوال، واستجلاء الحقائق ، بل كانوا يمضون في البحث والمناقشة والنقض والرد حتّى ترسو سفينةُ المعرفة على ساحل الحق، وتنقشع سُحُب الجهالة عن سماء الأفكار والعقائد. وفي هذا الصدد قال شيخنا الفقيه شيخ الشريعة الاصفهاني، ناقلاً عن بعض الأعلام قوله في هذا الباب:

إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة التي أعظم الله بها عليهم النعمة حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابين المؤدّية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتّى اتّضحت الآراء، وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف.(1)


1 . ابانة المختار: المقدّمة.


( 9 )

نعم كانت كذلك سيرة سلفنا الصالح في مجال التوصّل إلى الدقائق، وتحقيق الحقائق. ونعم ما يقول شاعر الأهرام المفلق الأُستاذ البحاثة محمد عبدالغني حسن صاحب التآليف الممتعة، في وصف العلماء وأخلاقهم:

يشتدّ في سبب الخصومة لهجة *** لكن يرقّ خليقة وطباعا

وكذلك العلماء في أخلاقهم *** يتباعدون ويلتقون سراعا

في الحق يختلفون إلاّ أنّهم *** لا يبتغون إلى الحقوق ضياعا

إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضُمّنا دينُ الهدى أتباعا

ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا

ولا غرابة، فإنّ الوقوف على الحقيقة، وإماطة الستر عن وجهها رهن النقاش العلمي، والحوار والمناظرة، فإنّ التقاء أفكار ذوي الآراء كالتقاء سلكي التيار الكهربائي: الموجب


( 10 )

والسالب الّذي يتفجّر منه النور، فكذلك نور الحقيقة يشعّ أمامنا بتبادل الفكرتين، وتعارضهما بالنفي والإيجاب، إذ طالما يُخيّل للإنسان أنّه صائب في فكره ونظره، فإذا عرضهما للبحث والنقاش وتوارد عليه النفي والإثبات، ربّما ظهر وهنه وضعفه.

نعم يجب على الباحث عن الحقيقة أن يقيّم آراءه وأفكاره في الأجواء الهادئة وبالذهنية المتحررة عن التعصب لفئة غابرة، أو فكرة حاضرة، أو رأي مسبق خال عن الدليل والبرهنة، وبهذا السبيل وحده نحافظ على رمز خلود الإسلام وبقائه، رمز كونه غضّاً طرياً في كل عصر وجيل.

ومن هذا المنطلق قمنا بدراسة بعض ما أفاده فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، في مجالي العقيدة والشريعة، في ردوده وإجاباته عن أسئلة قرّاء مجلة «الشريعة» الأُردنية (1)، أو ما سطّره يراعه في كتابه «الحلال والحرام في الإسلام» ولا شك في أنّ فضيلة الشيخ يقصد في مقالاته وخطاباته بيان ما هو الحلال والحرام في الشريعة الإسلامية


1 . قامت رئاسة تحرير مجلة «الشريعة » الأردنيّة الموقّرة بنشر بعض مناقشاتنا لفتاوى سماحة الشيخ القرضاوي على صفحات بعض أعدادها، فجزاهم الله خير الجزاء، ونقدّر لهم هذا الاهتمام الجميل ببيان الحق وخدمة للحقيقة.


( 11 )

المقدّسة، يحاول أن يزيل الشكوك والشبهات عن وجه بعض الأحكام، فجهوده من هذه الناحية جديرة بالتقدير.

ولكن تلك الرؤية لا تصدّنا عن الإيعاز إلى ما في بعض آرائه وفتاواه من خلل واشتباه ، وسنقوم بدراسته هنا على ضوء الكتاب والسنّة الشريفة، راجين منه إمعان النظر فيه، فإن وجده حقّاً فليُعلن عدوله عن رأيه السابق، وإن وجد فيه خللاً أو نقصاً فليذكّرنا به، وسنستقبل ردّه بالشكر والترحيب.

وليس هدفنا من نشر هذه الإجابات إلاّ إطلاع القرّاء الكرام من أبناء أُمّتنا الإسلامية على الوجه الآخر للقضايا والمسائل المطروحة، وهم أحرار بعد ذلك في أن يختاروا ما يرَوْن أنّه الحق، والحق أحقّ أن يُتَّبع .

والحمد لله رب العالمين

جعفرالسبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

20 ذي القعدة الحرام 1429 هـ


( 12 )

( 13 )

1

إيمان أبي طالب

على ضوء الكتاب والسنّة(1)

فضيلة الأُستاذ الجليل الشيخ يوسف القرضاوي حفظه اللّه ورعاه.

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

نسأل اللّه لكم دوام الصحّة والتوفيق لخدمة الإسلام والمسلمين.

أمّا بعد; فقد وقفنا في إحدى المجلات الإسلامية على مقالة رثائية قيّمة لكم بمناسبة رحيل المفكِّر الإسلامي القـديـر الشيـخ الغـزالي (رحمه الله) تحت عنوان: «النجم الساطع».

ولقد كان الشيخ الغزالي حقاً ـ كما وصفتموه ـ العقل الذكي، والقلب النقي، وصاحب الرشد في الفكر والشجاعة في


1 . تم تحرير هذا الجواب بتاريخ 15 ذي القعدة 1417 هـ ، رداً على المحاضرة التي ألقاها الشيخ القرضاوي في قطر.


( 14 )

الحق، والغيرة على الدين فقد صدع بما يرى أنّه الحق غير آبه بما يُثيره رأيه الصريح، من انتقادات واعتراضات، لأنّه كان ـ كما قلتم ـ حرَّ الفكر والضمير، حرَّ اللسان والقلم، و لأنّه رفض الخضوع لأهواء العوام كما فعل أدعياء العلم الذين يحسبهم الناس دعاةً !!

ولقد طالعنا في نفس الوقت رسالتكم القيمة إلى الندوة الثانية للتقريب بين المذاهب الإسلامية بالرباط (12 ـ 14 ربيع الثاني 1417هـ) التي انطلقت من روح متوقّدة متطلّعة إلى عزّة المسلمين وفهم عميق ومنطقي للقرآن والسنّة.

وقد أعجبتنا فيها رؤيتكم الصائبة حولَ ما يحول دون تحقيق الوحدة الإسلامية الكبرى والتقريب بين فصائل المسلمين وطوائفهم، وأبرز ذلك فراغ نفوس المسلمين من الهموم الكبيرة والآمال العظيمة، واعتراكهم على المسائل الصغيرة والهامشية من فروع العقيدة أو الفقه، وقد كان من الواجب ـ كما قلتم فيها ـ على الدعاة والمفكّرين الإسلاميين أن يشغلوا جماهير المسلمين بهموم أُمّتهم الكبرى وليلفتوا أنظارهم وقلوبهم وعقولهم إلى ضرورة التركيز عليها والتنبيه لها.


( 15 )

والحق كما تفضّلتم: مشكلة المسلمين اليوم ليست في الذي يؤوِّل آيات الصفات وأحاديثها بل في من ينكر الذات والصفات الإلهية جميعاً ويدعو إلى العلمانية والإلحاد، ومشكلة المسلمين ليست في من يجهر بالبسملة أو يخفضها أو لا يقرؤُها في الصلاة، ولا في من يرسل يديه في الصلاة أو يقبضهما، إنّما مشكلة المسلمين في من لا ينحني يوماً للّه راكعاً ولا يخفض جبهته للّه ساجداً ولا يعرف المسجد ولا يعرفه ...

ولا ... ولا .. . انّما انّما .....

وبالتالي انّ المشكلة حقاً هي: وهن العقيدة في النفوس، وتعطيل الشريعة في الحياة، وانهيار الأخلاق في المجتمع، وإضاعة الصلوات، ومنع الزكوات واتّباع الشهوات، وشيوع الفاحشة، وانتشار الرشوة، وخراب الذمم، وسوء الإدارة، وترك الفرائض الأصلية، وارتكاب المحرمات القطعية، وموالاة أعداء اللّه ورسوله والمؤمنين.

إنّ مشكلة المسلمين ـ كما تفضّلتم فيها ـ تتمثّل في إلغاء العقل وتجميد الفكر وتخدير الإرادة، وقتل الحرية، وإماتة الحقوق، ونسيان الواجبات، وفشوّ الأنانية، وإهمال


( 16 )

سنن اللّه في الكون والمجتمع.

وهي بالضبط وعلى التحديد كل هذا، وبخاصة ما ذكرتموه في أرقام سبعة تحت عنوان هموم سبعة أساسية.

ولقد أعجبتنا كل هذه الرؤى جملةً وتفصيلاً، وتمنينا لو كان مثل هذه الرؤية والبصيرة شائعة بين مفكّري الإسلام وعلمائه اليوم سنةً وشيعةً ومن جميع الفرق والمذاهب، وكان هناك تعاون صادق وعميق ومتواصل لحلّ هذه المشكلات ما دامت كل هذه الفرق والمذاهب متفقة على وحدانية اللّه، ورسالة النبي الخاتم محمّد بن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأركان الإسلام العملية، ومكارم الأخلاق، وأُمور كثيرة أُخرى تفوق الحصر، وتستعصى على العدّ والإحصاء.

وتمنّينا لو كان المسلمون يكفّون ـ إلى جانب ذلك ـ عن التراشق بسهام الاتهام فيما بينهم، ويتحرّرون من عقدة الطائفية وأساليبها الجاهلية، ويقوموا ـ بدل ذلك ـ بدراسة نقاط الخلاف والاختلاف بروح أخوية ونهج علمي، وأُسلوب رصين، ويفسحون للجميع فرصة التعبير عن مذهبه، والإدلاء بأدلّته، وبراهينه في جوّ ملؤُه رحابة الصدر واتّساع الفكر والسماحة، ويتركون إثارة ما يبعد القلوب بعضها عن


( 17 )

بعضها، ويكدر الصفو، ويفسد المودة.

***

غير أنّه بلغنا أنّكم في محاضرة لكم في «قطر» تعرضتم بسوء لشيخ الأباطح ناصر الإسلام وحامي نبيه الأكبر أبي طالب ـ رضوان اللّه تعالى عليه ـ الذي تكفّل رسولَ اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وآواه، وحامى عنه بعد ابتعاثه بالرسالة، وضحى في سبيل دعوته براحته، ونفسه، وبأولاده وأفلاذ كبده، كاتماً إيمانه، ومتّقياً قومه العتاة ليبقى على منصبه، من أجل أن يخدم في ظلِّه الرسولَ والرسالة، ويدفع به عنهما أذى معارضيهما، وكيدهم كما فعل مؤمن آل فرعون طوال أربعين سنة، بلا انقطاع.

فهل ترى كان حقيقاً بأن يُنكر فضله، وتُتجاهل خدمته؟ وهو الذي صرّح بصحّة الرسالة المحمدية وصدق الدعوة النبوية الخاتمة في قصائده، وأشعاره وترجم إيمانه، بالوقوف الصريح ـ هو وأبناؤه الغرّ ـ إلى جانب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث يقول:

كَذَبتُم وبيتِ اللّه نُبْزَى (1) محمّداً *** ولما نُطاعِن دونَهُ ونناضل


1 . أي نُغلَبَ عليه.


( 18 )

ونُسلِمُه حتّى نُصرَّعَ حولَهُ *** وَنَذهَل عن أبنائنا والحلائِل

لَعمري لقد كلِّفتُ وجداً بأَحمد *** وإخوته دأبَ المحبِّ المواصل

فلا زال في الدنيا جمالاً لأهلها *** وزَيناً لمن والاه ربُّ المشاكل (1)

فَمنْ مثلُه في الناس أيُّ مؤمَّل *** إذا قاسَهُ الحُكّام عند التفاضل

حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائش *** يُوالي إلهاً ليس عنه بغافِلِ

لقد علِمُوا أنَّ ابْننا لا مكذَّبٌ *** لدينا ولا يُعنى بقولِ الأَباطِل

فأصبَحَ فينا أحمدٌ في أُرومة *** تقصّـر عنه سَورةُ (2) المتطاول


1 . المشاكل: العظيمات من الا ُمور.

2 . السَورة: الشدة والبطش.


( 19 )

حَدِبْتُ بنفسي دونَه وحميته *** ودافعتُ عنه بالذُّرا (1) والكلاكل

فَأيّدَهُ ربُّ العباد بنصره *** وأظهرَ ديناً حقُّه غير باطل (2)

نقل ابن هشام في سيرته أربعة وتسعين بيتاً من هذه القصيدة، فيما أورد ابن كثير الشامي في تاريخه «اثنين وتسعين بيتاً»، وأورد أبو هفان العبدي الجامع لديوان «أبي طالب» مائة وواحداً وعشرين بيتاً منها في ذلك الديوان ولعلّها تمام القصيدة وهي في غاية العذوبة والروعة، وفي منتهى القوة والجمال، وتفوقُ في هذه الجهات كلَّ المعلّقات السبع التي كان عرب الجاهلية يفتخرون بها ويعدّونها من أرقى ما قيل في مجال الشعر.

وله وراء هذه اللامية، قصيدة أُخرى ميمّية، فهو ـ سلام اللّه عليه ـ يصرح فيها بنبوة ابن أخيه وأنّه نبي كموسى وعيسى (عليهما السلام)إذ يقول:


1 . الذرا: جمع ذروة وهي أعلى ظهر البعير.

2 . راجع السيرة النبوية: 1/272 ـ 280.


( 20 )

لِيعلم خيارُ الناس أنَّ محمّداً *** نبيٌ كموسى والمسيح بن مريم

أتانا بهدي مثل ما أتيا به *** فكلٌّ بأمرِ اللّهِ يهدي ويعصم (1)

ونظيرها قصيدته البائيّة وفيها:

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً *** نبياً كموسى خُطَّ في أوّل الكُتْبِ (2)

أفبعد هذه البلاغات والتصريحات يصحّ لإنسان واع أن يكفّر سيد الأباطح أو يشك في إيمانه؟!

وعلى فرض التسليم، فهل هذه هي واقعاً مشكلة الأُمّة الإسلامية اليوم وأنتم الأدرى بمشاكل الأُمّة، وهل التنكيل بحامي الرسول، والإيقاع به ممّا يخدم الأُمّة؟!

هل يكون أبو طالب مع كل تلكم المواقف المشرّفة ومع كل تلك المآثر الصريحة الكاشفة عن عمق إيمانه بالرسالة


1 . مجمع البيان: 7/37، الحجة: 56; مستدرك الحاكم: 2/623.

2 . مجمع البيان: 7/36. وقد نقل ابن هشام في سيرته: 1/352 خمسة عشر بيتاً من هذه القصيدة.


( 21 )

المحمديّة مشركاً، وأبو سفيان الذي أشعل حروباً وقام بمؤامرات مدة عشرين سنة وأبناؤه الذين كانوا أساس المشكلة ومبدأ الانحراف في المسار الإسلامي، مسلمين موحّدين يستحقّون كل تقدير وكل احترام منّا ؟!

وهل ترى لو كان أبو طالب والداً لغير علي (عليه السلام) كان يرى هذا الحيف من قِبَل أبناء الإسلام؟!

هلاّ كنتم يا فضلية الأُستاذ ـ وأنتم على ما أنتم عليه من مستوى رفيع ومرموق في الرؤية والبصيرة ـ على نهج زميلكم الراحل الفقيد الشيخ الغزالي ـ رحمه اللّه ـ من الصدع بالحق، وعدم الخضوع للمرويّات الباطلة.

نحن ـ وقد وقفنا على قسم من مؤلّفاتكم القيمة الزاخرة بالفكر المشرق ـ كنّا ولا نزال نأمل أن تنصفوا الحقيقة ولا تقعوا فيما وقع فيه الأوّلون من غمطها وتجاهلها والجناية عليها، وأن تكونوا المرجعَ الأمينَ لشباب هذا العصر في تصحيح التاريخ، وتنقيته من الأباطيل، ورفع الضيم والظلم عن المظلومين.

ورحم اللّه ابن أبي الحديد القائل:

ولولا أبـــو طالب وابنـه *** لما مثل الدين شخصا وقاما


( 22 )

فهذا بمكة أوى وحامى *** وذاك بيثرب ذاق الحماما

كل ذلك لو كان النبأ الواصل إلينا عن محاضرتكم صادقاً، وأرجو أن لا يكون كذلك.

***

هذا ونرسل إليكم ما قمنا به من دراسة لإيمان أبي طالب في ضوء الكتاب والسنّة والتاريخ، وقد طبع ضمن دراستنا لحياة وتاريخ سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ثم إنّنا انطلاقاً من ضرورة السعي لإيجاد المزيد من التفاهم والتقارب نرسل إليكم كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنّة، و حكم الأرجل في الوضوء، و الأسماء الثلاثة ، وأملنا أن تكون هذه الكتب خطوات على سبيل تحصيل التقارب بين الفقهين.

وختاماً نقول: إنّكم في رسالتكم للمؤتمر رجّحتم قول الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن، وما قوله إلاّ القول بـ «قدم القرآن» ، وكيف يكون هذا القول، هو القول الأرجح وليس القديم إلاّ اللّه سبحانه، فيكون القرآن عندئذ إلهاً ثانياً، وهو يضاد أصل التوحيد؟!


( 23 )

ولو أُريد من قِدم القرآن قدمُ علمه سبحانه فهذا أمر لا سترة عليه ولا نزاع فيه.

والجدير بالإمام أحمد الذي يأخذ العقائد من الكتاب والسنّة أن لا يخوض في هذا الموضوع بحجة أنّ الكتاب والسنّة لم يذكرا شيئاً حول قدم القرآن و حدوثه لو لم نقل انّهما تبنّيا حدوثه.

وتقبلوا في الختام أسمى تحياتنا، وأفضل تمنياتنا، وفقكم اللّه لصالح العلم والعمل، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.


( 24 )

( 25 )

2

معاوية في الميزان(1)

الأُستاذ الفاضل الشيخ يوسف القرضاوي المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

نثمّن جهودكم العلمية وما قدّمتموه للأُمّة الإسلامية من تآليف وآثار قيمة في مختلف المجالات.

نسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يأخذ بيدكم لما يحب ويرضى ويوفّقكم لصالح الأعمال، كما نثمِّن مواقفكم الإيجابية في مسألة التقريب والوحدة بين المذاهب الإسلامية.

ولكن ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى بعض الكلمات الّتي صدرت عنكم في بعض المناسبات.

1.قد طرحتم إيمان سيد الأباطح أبي طالب وقلتم إنّه مات


1 . أُرسلت هذه الرسالة بتاريخ 10 جمادى الأُولى 1424 هـ .


( 26 )

كافراً، مع أنّ أفعاله وأعماله طيلة عشر سنين في مكّة المكرمة ، وقصائده الفاخرة، تشهد على أنّه مات مؤمناً، وعاش كعيشة مؤمن آل فرعون، وقد أرسلنا إليكم رسالة حول هذا الموضوع سابقاً، وركزنا على أنّ المسألة ليست من الضروريات حتّى تطرح من على المنابر.

2. قرأنا في إحدى الصحف دفاعكم عن معاوية بن أبي سفيان في خطبة صلاة الجمعة.

ولنا أن نتساءل:

ما هي جدوى الانتصار لمعاوية في هذه الأيام الّتي تتعرض فيها الأُمّة الإسلامية إلى تحديات كبيرة وهجمات شرسة؟! ونتطلّع فيها إلى تقديم فهم صحيح للإسلام، وتصوّر واضح لمفاهيمه وأفكاره، وموقف سليم وجريء إزاء قضاياه ورجاله وشخصياته، يُتحرّى في كلّ ذلك الحق، ويُلتزم فيه بالموقف الشرعي والأخلاقي، بعيداً عن التأثيرات العاطفية، والقناعات الّتي ربما نشأت على أساس من المفاهيم المغلوطة والمعلومات المزيّفة.

هل خلا تاريخنا الإسلامي من رجال تبنّوا الإسلام شعاراً


( 27 )

وهدفاً ومنهجاً وسلوكاً، واسترخصوا الأرواح والدماء في سبيله...؟! هل خلا من هؤلاء حتّى يُعمد إلى مثل معاوية ليُبعث من بين هذا الركام الهائل من الخطايا والأخطاء من أجل أن يُبرّأ ويلمّع وجهه البشع؟!

فهذا عليّ والأهازيج باسمه *** تشقّ الفضا النائي فهاتوا معاويا

أعيدوا ابن هند إن وجدتم رُفاته *** رُفاتاً وإلاّ فانشروها مخازيا(1)

لا أدري ماذا يقتبس (جيل النصر المنشود) الّذي يسعى الأُستاذ القرضاوي إلى صُنعه، من معاوية الّذي ناوَأ الحقّ، وناجز الهدى، وأراق دماء الصالحين، وأشاع السبّ واللعن، وأدنى الانتهازيّين والنفعيّين وأصحاب القلوب المريضة الذين آثروا الحياة الدنيا على الّتي هي خير وأبقى؟!

هل يُرجى من جيل النصر المنشود إذا زُيّنت له صورة معاوية واقتدى به واقتفى آثاره، أن (تتحقّق على يديه الآمال وتستحيل الهزائم والنكسات إلى انتصارات، وينتقل من


1 . للعلاّمة الشاعر الشيخ عبد الحميد السماوي(رحمه الله).


( 28 )

الغوغائية إلى العلمية، ومن التشاحن إلى التعاون) على حدّ تعبير الدكتور القرضاوي؟!

إنّ معاوية لم يرحل عن دنياه المظلمة بالفتن والأحقاد والمكر والاستبداد حتّى ختمها بجريمة كبرى لا تُغتفر استجابة لنزعة شريرة وأهواء مُضلّة، عبّر عنها بقوله: «لولا هواي في يزيد لأبصرت طريقي».

ونحن نسأل الداعية الكبير وصاحب الروح الشفافة الأُستاذ القرضاوي: هل من الحقّ إسدال الستار على مقترف هذه الجريمة النكراء المتمثّلة بتسليط يزيد الفجور والخمور على رقاب المسلمين؟! وارتكابه تلك المجازر الوحشية بقتل ابن بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وأصحابه، وسفك دماء المسلمين في وقعة الحرّة وانتهاك حرماتهم وأعراضهم؟!

ونودّ أن نذكر هنا بعض ما ورد في حقّ قائد الفئة الباغية معاوية:

قال الذهبي: وقُتل عمار مع علي، وتبيّن للناس قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): تقتله الفئة الباغية.(1)


1 . سير أعلام النبلاء: 3/142، ترجمة معاوية برقم 25.


( 29 )

قال محقّق الكتاب المذكور: وهو حديث صحيح مشهور بل متواتر، ولمّا لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنّما قتلَه الذين جاءُوا به، فأجابه علي(عليه السلام)بأنّ رسول اللّه إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا منه إلزام مفحم لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها.

وروى مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال:أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا التُّراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهن له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبَّه. لأن تكون لي واحدةٌ منهنّ أحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعم. سمعتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له، وقد خلَّفهُ في بعض مغازيه، فقال له عليّ: يا رسول اللّه، خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي».

وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله»، قال: فتطاولنا لها فقال: «ادعوا لي عليّاً»، فأُتي به أرمد. فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.


( 30 )

ولمّا نزلت هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ)(1) دعا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم السلام) فقال: «اللَّهُمَّ هؤلاءِ أَهْلي».(2)

وقال ابن أبي نجيح، قال: لمّا حجّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره، ووقع معاوية في عليّ، وشرع في سبّه، فزحف سعد ثمّ قال: أجلستني معك على سريرك ثمّ شرعت في سبّ عليّ، واللّه لأن يكون لي خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

إلى آخر الحديث، وفيه من قول سعد: وأيم اللّه لا دخلت لك داراً ما بقيت. ونهض.(3)

لقد بدّل معاوية الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، وأخذ البيعة لابنه يزيد على كره من أهل الحلّ والعقد وتحت بوارق الإرهاب وأطماع أهل الشره والشهوات، وقد حجّ في


1 . آل عمران:61.

2 . صحيح مسلم:1198، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، الحديث 6114، دار الفكر، بيروت ـ 1424هـ .

3 . مروج الذهب:3/24; البداية والنهاية:8/83 حوادث سنة 55 هـ .


( 31 )

سنة خمسين واعتمر في رجب سنة 56 هـ ، وكانت الغاية من السفرين أخذ البيعة من المهاجرين والأنصار لولده يزيد، وقد دار بينه و بين أهل الشرف والكرامة من الجيلين كلمات يقف عليها مَن قرأ التاريخ.

ولا نذكر من ذلك شيئاً، لأنّه في متناول الجميع، وقد وقف على ذلك الأصم والأبكم حتى الغربيون!!

قال السيد محمد رشيد رضا في المنار: قال أحد كبار علماء الألمان في الاستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة:

إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا(برلين)، قيل له: لماذا؟ قال:لأنّه هو الذي حوّل نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب، ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا، عرباً مسلمين.(1)

أليس هو الذي قتل الأبرياء من صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم مثل حجر بن عدي وأصحابه وعمرو بن الحمق


1 . تفسير المنار:11/260.


( 32 )

الخزاعي وشريك بن شداد الحضرمي وغيرهم، وقد كان أصحابه (أَشِداءُ عَلى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ).(1)

ولم يكن لهم أي ذنب سوى أنّهم كانوا من أصحاب علي (عليه السلام)ومحبيه.

وفي هذا الصدد كتب الإمام الطاهر الأبيّ الضيم الحسين بن علي سيد الشهداء (عليه السلام)رسالة إلى معاوية، قال فيها:

«ألست قاتل حُجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟! فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة جرأةً على اللّه واستخفافاً بعهده.

أوَ لستَ بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلتَه من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العُصم نزلت من شعف الجبال؟

أو لستَ قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد: إنّه على دين عليّ كرّم اللّه وجهه. ودين عليّ هو دين ابن عمّه(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل


1 . الفتح:29.


( 33 )

شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها اللّه عنكم بنا، منّةً عليكم».(1)

نعم قام غير واحد من المغفّلين بتبرير أعماله بالاجتهاد حتّى أثبتوا له أجراً، معتمدين على القول المعروف: للمصيب أجران وللمخطئ أجرٌ واحد. وقد عزب عنه أنّ هذا لو صحّ فإنّما هو للاجتهاد المعتمد على الكتاب والسنّة الذي هو رمز بقاء الدين وسرّ خلوده لا الاجتهاد في مقابل الأدلّة الشرعية.

فوا عجباً أيُكتب الأجر لمن سنّ سب المرتضى(عليه السلام) صنو النبي وأخيه الذي لم يفارقه منذ نعومة أظفاره إلى أن التحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى؟!

وللّه درّ الشاعر المبدع الأُستاذ محمد مجذوب، القائل في قصيدته العصماء:

أين القصور أبا يزيد ولهوُها *** والصافناتُ وزهوُها والسؤددُ

أين الدهاء نحرتَ عزّته على *** أعتاب دنيا سحرها لا ينفد


1 . الإمامة والسياسة:1/160; جمهرة خطب العرب:2/255، رقم 246.


( 34 )

نازعته الدنيا ففزتَ بوِرْدها *** ثمّ انطوى كالحلم ذاك المورد

هذا ضريحك لو بصرتَ ببؤسه *** لأسالَ مدمعَكَ المصيرُ الأسود

كُتلٌ من الترب المهين بِخَرْبة *** سكر الذباب بها فراح يُعربد

حتّى المصلّى مظلم فكأنّه *** مذ كان لم يجتز به متعبّد

ما كان ضرّكَ لو كففتَ شواظها *** وسلكتَ نهج الحق وهو معبّد

ولزمتَ ظلّ أبي تراب وهو من *** في ظلّه يُرجى السداد ويُنشَد

ولعلّ في هذه الكلمات القصيرة التي هي غيض من فيض وقليل من كثير تذكرة للأُستاذ المعظم. ودمتم موفقين.