welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 6*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل ومقالات / ج 6

( 5 )

رسائل ومقالات

الجزء السادس

تبحث في مواضيع فقهية، أُصولية، كلامية، تراجم، ومكاتبات وحوارات مع بعض الأعلام

تأليف

الفقيه المحقّق

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

ايران ـ قم


( 6 )

اسم الكتاب:رسائل ومقالات

الجزء: السادس

المؤلف: العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الطبعة: الأُولى

المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

التاريخ: 1428 هـ

الكمية: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


( 7 )

الفصل الأوّل

في المسائل الفلسفية والكلامية

1 . اجتماع علّتين أو قادرين على معلول أو مقدور واحد

2 . إعادة المعدوم بعينه إمكاناً وامتناعاً

3 . نظرية الأحوال البهشمية

4 . حول تسلسل العلل والمعاليل بلا نهاية

5 . تجرّد النفس أو الحدّ الفاصل بين المنهجين المادي والإلهي

6 . شرح واجب الاعتقاد

7 . مصطلح أهل الحديث لغة واصطلاحاً وتطبيقاً

8 . أهل السنة لغة واصطلاحاً وتطبيقاً

9 . تفضيل الأئمّة على الأنبياء وعدمه

10 . سبّ المسلم ولعنه

11 . مع محقّق كتاب الإشاعة لأشراط الساعة

12 . في تسمية الولد بعبد الرسول

13 . المهدي المنتظر والشرائع السماوية

14 . نموذج من الأخبار الموضوعة


( 8 )

( 9 )

1

اجتماع علتين أو قادرين على

معلول أو مقدور واحد

قد تطرقت الفلاسفة والمتكلّمون إلى مسألة اجتماع علّتين أو قادرين على معلول أو مقدور واحد، ولكن كلاً من الطائفتين نظروا إلى هذه المسألة من منظار خاص.

أمّا الفلاسفة (1) فبما أنّهم بصدد دراسة أحكام الوجود فقد جرّهم البحث إلى دراسة أحكام العلة والمعلول فابتكروا قاعدتين معروفتين بقاعدتي الواحد وهما:

أ. لا يصدر من الواحد إلاّ الواحد.

ب. لا يصدر الواحد إلاّ من الواحد.

والقاعدة الثانية هي المسألة المطروحة في المقام وحاصلها أنّه يمتنع اجتماع علتين تامتين على معلول واحد.


1 . الأسفار الأربعة:2/210ـ 211; درر الفوائد:280ـ 281.


( 10 )

ومرادهم من الواحد ليس هو الواحد بالنوع، بل الواحد البسيط البحت الّذي ليس فيه رائحة التركيب، فقالوا بأنّ مثل هذا لا يصدر إلاّ من علّة واحدة ويمتنع اجتماع علتين مستقلتين على مثله. وسيوافيك برهانه.

وأمّا المتكلّمون فقد اتفقت المجبرة (وتبعهم الأشاعرة) والمعتزلة على صحة القاعدة وإتقانها وأنّه يمتنع اجتماع قادرين على مقدور واحد لكن الأشاعرة لما فسّرت التوحيد في الخالقية، بأنّه لا خالق أصلياً ولا ظلياً إلاّ اللّه سبحانه، نفتْ دور العبد في أفعاله وجعلتها مخلوقة للّه سبحانه لا للعبد، وإلاّ فلو كان له دور فيها ـ مع اللّه سبحانه ـ يلزم اجتماع قادرين على مقدور واحد.

وكأنّهم اتخذوا القاعدة ذريعة لعقيدتهم في التوحيد في الخالقية على نحو لولا هذه القاعدة لأخذوا بها أيضاً.(1)

وأمّا المعتزلة(2) فلمّا سلكوا مسلكاً يضاد مسلك المجبرة فقالوا بأنّ المؤثر في فعل العبد هو قدرة العبد وأنّ فعله منقطع عن اللّه سبحانه والعبد فاعله وخالقه، وإلاّ فلو كان للّه سبحانه دور فيها يلزم اجتماع قادرين على مقدور واحد.

فظهر انّ كلاً من الطائفتين اتّخذوا القاعدة ذريعة لمقاصدهم الكلامية، أمّا في حصر الخالقية في اللّه سبحانه، وإلاّ يلزم الاجتماع المحال، أو في قطع نسبة فعل العبد إلى اللّه وإلاّ يلزم المحذور المتقدّم.

ثمّ إنّ الأشاعرة ربما استأنسوا لإثبات القاعدة بما ذكره المعتزلة في تقرير برهان التمانع الّذي أُقيم لإثبات وحدة الواجب وسيوافيك شرحه.(3)


1 . التمهيد في أُصول الدين للنسفي:60.

2 . التمهيد في أُصول الدين للنسفي:67.

3 . كشف المراد:309; التوحيد لابن رُشيد:625; المعتمد في أُصول الدين للملاحمي الخوارزمي: 508.


( 11 )

هذه هي دراسة لماهية المسألة وغاياتها والجهة الّتي طرحوها، وإليك بيان القاعدة من منظار الفلسفة الإسلامية.

تقرير القاعدة ببرهان فلسفي

فنقول: من القواعد المسلّمة عند الفلاسفة امتناع «صدور الواحد من الكثير»، ولزوم «صدور الواحد من الواحد». والمراد من الواحد هنا هو الواحد البسيط البحت الّذي ليس فيه رائحة التركيب و الاثنينية، فخرج صدور الحرارة من الشمس والنار من محلّ البحث، فإنّ الحرارة الصادرة منهما متكثرة في الخارج، فإنّ الحرارة المتولدة من الشمس غير الحرارة المتولدة من النار وهكذا. فأكثر ما ينتقض به تلك القاعدة خارج عن محط البحث. فالوحدة في الموارد الّتي تُعدّ نقضاً للقاعدة وحدة نوعية لا وحدة شخصية.

يقول السيد العلاّمة الطباطبائي: فلو صدر واحد عن الكثير، فإمّا أن يكون الواحد واحداً نوعياً ذا أفراد كثيرة يستند كلّ فرد منها إلى علّة خاصة، كالحرارة الصادرة عن النار والنور والحركة وغيرها.(1)

وحاصل برهانهم على القاعدة (لا يصدر الواحد إلاّ من الواحد) هو أنّ صدور كلّ معلول عن علّته رهن وجود خصوصية تُسوِّغ صدوره منها، وإلاّ فلو صدر المعلول بلا هذه الخصوصية يلزم أن يكون كلّ شيء علّة لكلّ شيء، مثلاً الأكل يوجب الشبع دون الريّ، وشرب الماء يوجب الارتواء دون الشبع. وهذا يدلّ على أنّ بين الأكل والشبع والشرب و الارتواء خصوصية توجب حدوث أحد المعلولين دون الآخر.


1 . نهاية الحكمة:215.


( 12 )

وعلى ضوء هذا لو صدر واحد عن كثير يجب أن يكون فيه خصوصيّتان تُسوِّغان صدوره من علتين مستقلتين وافتراض تعدد الخصوصية يوجب انقلاب المعلول الواحد إلى الكثير.(1)

يقول المحقّق الطوسي: الخصوصية: كون العلّة بحيث يصدر عنها المعلول، وهي بهذا المعنى متقدّمة على المعلول، وهو أمر واحد إن كان المعلول واحداً، أمّا إذا كان المعلول فوق واحد فلا محالة يكون ذلك الأمر مختلفاً وتلزم فيه الكثرة في ذات العلة.(2)

ثمّ إنّ الفلاسفة بسطوا الكلام في ذلك وأثبتوا أنّ القاعدة لا تنتج «عزل الواحد (اللّه عزّ اسمه) عن مراتب الوجود بزعم أنّ الصادر عنه هو الصادر الأوّل، وأمّا الصوادر الأُخرى فهي مقطوعة الصلة باللّه سبحانه»، وذلك لأنّ الوجود الإمكاني على مراتبه المختلفة وجود رابط قائم بالوجود النفسي ومعنى حرفيّ يتقوّم بالمعنى الاسمي، فالقول: بصدور الموجودات عنه تعالى بالترتيب والنظام لا يعني استقلال الوسائط عن اللّه تعالى.(3)

***

إلى هنا تمّ الكلام حسب النمط الفلسفي، فلنرجع إلى البحث عنه حسب النمط الكلامي.

أمّا الإمامية فقد اصفقوا مع الأشاعرة بأنّه لا خالق إلاّ اللّه سبحانه وانّه لا مؤثر في الوجود إلاّ هو، لكنّهم يفسرون هذا الأصل بغير النمط الّذي فسرت به


1 . شرح المنظومة:129.

2 . الإشارات والتنبيهات:3/127; لمعات إلهية للحكيم عبداللّه الزنوزي:142.

3 . الأسفار الأربعة:2/210; شرح المنظومة:128.


( 13 )

الأشاعرة فقالوا: بأنّ الموجودات الإمكانية وما يتبعها من الأفعال والآثار بل حتّى الإنسان وما يصدر منه مخلوقات للّه سبحانه بلا مجاز ولا شائبة، و ليس معنى هذا إنكار نظام العلّة والمعلول والأسباب والمسببات في صحيفة الكون، بل كلّ ما في الكون مخلوق له سبحانه إمّا بالمباشرة أو بالتسبيب.

فمعنى التوحيد في الخالقية أنّ هنا خالقاً واحداً أصيلاً وهو اللّه سبحانه، وأمّا غيره فبين غير خالق لشيء كالجمادات وبين خالق بإذنه ومشيئته وإقداره.

ثمّ إنّهم بهذا القول خرجوا بنتائج ثلاثة:

الأُولى: جمعوا بهذه النظرية بين القول بالتوحيد في الخالقية وسعة قدرته، والقول بوجود النظام العلّي والمعلولي والسببي والمسببي في العالم الإمكاني.

الثانية: أنّهم رفضوا الجبر للاعتراف بنظام العلل والمعاليل في صحيفة الكون ، ـ الّتي منها إرادة الإنسان واختياره وحريّته في العمل ـ كما رفضوا التفويض باعتبار عدم انقطاع النظام الإمكاني عن قدرته سبحانه وقيامه به.

الثالثة: قالوا بامتناع اجتماع قادرين على مقدور واحد بنسبة واحدة، لكنّهم في الوقت نفسه جوزوا اجتماع علّتين على معلول واحد، إذا كانتا بنسبتين، فاللّه سبحانه هو المؤثر المستقل في الكون، والعلل والأسباب مؤثرات بإذنه وإقراره، فالعلتان ليستا في عرض واحد، بل الثانية في طول الأُولى، وأنّه يمتنع اجتماع قادرين في عرض واحد على مقدور واحد.

وأمّا المعتزلة فقد ذهبوا إلى أنّ القدرة المؤثرة في فعل العبد الاختياري هو قدرته لا قدرة اللّه سبحانه، وما هذا إلاّ لأجل الحفظ على عدله سبحانه بين العباد، ثمّ اتخذوا القاعدة ذريعة لمعتقدهم وقالوا لولا هذا. يلزم اجتماع قدرتين على مقدور واحد.


( 14 )

والّذي جرّهم إلى تخصيص فعل العبد بقدرته ونفي صلته بقدرة اللّه سبحانه هو اضفاء الاختيار على فعله وسلب الجبر، زاعمين أنّه لو كان لقدرة اللّه سبحانه تأثير في فعل العبد، يلزم الجبر.

وأمّا أهل السنّة فالمجبرة منهم يعتقدون بتأثير قدرة واحدة في فعل العبد، وليس للعباد أيّ دور في أفعالهم، وإلاّ يلزم تأثير اجتماع قدرتين على مقدور واحد. وهذه النظرية هي المنسوبة إلى المجبرة.

وأمّا الأشاعرة فقد نفت اجتماع قادرين على مقدور واحد يؤثران بنسبة واحدة، ومع ذلك قالوا بإمكان اجتماع قادرين على مقدور واحد، باختلاف النسبتين، كما هو الحال في أفعال العباد، ففيها لقدرة اللّه دور، كما أنّ لقدرة العبد دوراً. لكن قدرة اللّه سبحانه قدرة الاختراع، وقدرة العبد قدرة الاكتساب(1) ، فقدرة اللّه سبحانه خالقة لفعل العبد وموجدة له، وأمّا قدرة العبد كاسبة; فاللّه خالق و العباد كاسبون. وبذلك فارقوا المجبرة، لفظاً لا معنى، إذ ليس للكسب معنى صحيح.

إلى هنا خرجنا بالنتائج التالية:

1. الإمامية يُحيلون اجتماع قادرين على مقدور واحد لكن يجوّزون اجتماعهما على مقدور واحد، بشرط أن تكون إحدى القدرتين مستقلة والأُخرى تبعية لها. وإلاّ يستحيل عندهم اجتماع قادرين على مقدور واحد بنسبة واحدة.

2. المعتزلة يمنعون اجتماع قادرين على مقدور واحد، وليس عندهم حلٌّ لاجتماعهما على النحو المذكور عند الإمامية.

3. الأشاعرة فقولهم في هذه المسألة أشبه بقول الإمامية (لو كان للكسب


1 . شرح الفقه الأكبر لملاعلي القاري:92.


( 15 )

معنى معقول) فهم يحيلون اجتماع قادرين على مقدور واحد ولكن يجوزون اجتماعهما باختلاف النسبة، كما إذا كان أحد القادرين مؤثراً في الإيجاد (الخلق) والاختراع، والقدرة الأُخرى مؤثرة في الكسب.

إذا عرفت ذلك فلنذكر كلماتهم.

قالت المعتزلة : إنّ تدبير اللّه تعالى منقطع عن أفعال العباد، والخلق هم الذين يتولّون إخراجها من العدم إلى الوجود وإحداثها وإيجادها وخلقها. ثمّ إنّ أوائل المعتزلة ما كانوا يتجاسرون على إثبات اسم الخالق للفاعل، بل يسمّون العباد بأنّهم موجودون محدِثون، ولكن لما نشأ أبوعلي الجبائي أثبت للعباد صفة الخالقية، وقال: إنّهم خالقون لأفعالهم.

واستدلّوا على ذلك بأنّه لو كان للّه سبحانه دور في أفعال العباد يلزم اجتماع قدرتين مستقلتين على مقدور واحد.

ولذلك قالوا بانقطاع صلة أفعال العباد عن اللّه سبحانه.

وأمّا أهل السنة فهم بين مجبرة وأشاعرة.

فامّا المجبرة فإنّهم قالوا: بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه، وليس للعباد فيها دور . وعندئذ أصبحت الأفعال المسماة بالاختيارية عندهم كحركات المرتعش وحركات العروق النابضة وصارت إضافتها إلى الخلق مجازاً وهي على حسب ما يضاف إلى محله دون ما يضاف إلى محصِّله.(1)

وأمّا الأشاعرة فمن جانب حاولوا الاحتفاظ بالأصل المسلم عند الموحّدين وهو التوحيد في الخالقية، وأنّه «هل من خالق غير اللّه سبحانه؟»، ومن جانب آخر أرادوا أن يتحرّزوا من مغبّة الجبر وجَعْلِ الأفعال الاختيارية كالأفعال


1 . التمهيد في أُصول الدين:60ـ 61.


( 16 )

الاضطرارية، فقالوا: إنّ أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه بقدرة الاختراع، وللعباد بقدرة الاكتساب، ولا مانع من اجتماع قدرتين على مقدور واحد إذا كان تأثيرهما مختلفاً.

يقول النسفي: إنّ دخول مقدور واحد تحت قدرتين احداهما قدرة الاختراع والأُخرى قدرة الاكتساب جائز، وانّما الممتنع دخوله تحت قدرتين كلّ واحد منهما قدرة الاختراع أو قدرة الاكتساب.(1)

ويقول الشيخ جمال الدين الغزنوي الحنفي(المتوفّى 593هـ): دخول مقدور واحد تحت قدرتين إحداهما قدرة الاختراع والأُخرى قدرة الاكتساب جائز كما في الحسيّات، وإنّما الممتنع الدخول تحت قدرتين فكلّ واحدة قدرة: الاختراع أو الاكتساب.(2) ويشير البزدوي إلى الامتناع مطلقاً دون أن يفصّل بين قدرة الاختراع وقدرة الاكتساب حيث يقول:

1. الفعل الواحد لا يصلح أن يكون مفعولاً لفاعلين فإنّه يستحيل ذلك. ومرا(3)ده من امتناع الاجتماع ما إذا كانت القدرتان متحدتي النسبة.

ويظهر من مجموع ما طرحه الأشاعرة والمعتزلة أنّ الجميع يقولون باستحالة اجتماع قدرتين على مقدور واحد، غير أنّ المعتزلة يعتقدون بقدرة واحدة وهي قدرة العباد، وأمّا الأشاعرة فتعتقد بقدرتين لكن مختلفتي النسبة، يقول الغزالي: قد تفرّق الناس في هذا أحزاباً، فذهبت المجبّرة إلى إنكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة والحركة الاختيارية ولزمها أيضاً استحالة تكاليف


1 . التمهيد في أُصول الدين: 66ـ67. وشرح الفقه الأكبر لملاعلي القارئ:93.

2 . أُصول الدين للشيخ جمال الدين الغزنوي: 168.

3 . أُصول الدين للبزدوي:105.


( 17 )

الشرع.

وذهبت المعتزلة إلى إنكار تعلّق قدرة اللّه بأفعال العباد من الحيوانات والملائكة والجن والإنس والشياطين وزعمت أنّ جميع ما يصدر عنها، من خلق العباد و اختراعهم.

وأمّا أهل السنّة فقالوا: القول بالجبر محال باطل والقول بالاختراع اقتحام هائل، وإنّما الحقّ إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين. فلا يبقى إلاّ استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد، وهذا إنّما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقّهما فتوارد التعلقين على شيء واحد غير محال.(1)

ولكن الغزالي وأمثاله ممّن انتحلوا تأثير قدرة العبد في الكسب لم يأتوا بشيء واضح حول مفاد الكسب، واقصى ما قالوه فيه هو أنّ الشيء وقع من المكتسب له بقوة محدثه.

وعندئذ يتوجه إليه السؤال التالي:

هل الكسب الّذي يحدثه العبد هو أمر وجودي أو عدمي، فلو كان عدمياً فلا معنـى للعقـوبة والمجـازاة على الأمـر العدمي، وإن كان أمراً وجودياً يكون ممكناً والممكن يجب أن يكون له خالق وليس له خالق إلاّ العبد، فعاد محذور الثنوية.

وحصيلة الكلام في المقام: أنّ من تكلّم في أفعال العبد من المجبرة والمعتزلة والأشاعرة قد أخضعوا القاعدة (امتناع اجتماع القادرين على مقدور واحد) إلى عقائدهم.


1 . الاقتصاد في الاعتقاد:117ـ 118.


( 18 )

فالمجبرة لأجل المبالغة في التوحيد في الخالقية رفضوا تأثير قدرة العبد لئلا تلزم نظرية الثنوية من وجود خالقين في صفحة الوجود، وصارت النتيجة عندهم امتناع اجتماع قادرين على مقدور واحد.

فالقاعدة الكلامية كانت نتيجة عقيدتهم في فعل العبد.

والمعتزلة لأجل حفظ عدله سبحانه و الاعتقاد بالحسن والقبح العقليين وأنّه سبحانه لا يفعل القبيح ـ لأجل تلك الغايات ـ قالوا بانقطاع فعل العبد عن اللّه سبحانه وانتحلوا نظرية الثنوية وان في صفحة الكون خالقين أصيلين: فاللّه سبحانه هو خالق الكون، والعبد خالق أفعاله، فصارت النتيجة امتناع اجتماع قادرين(اللّه والعبد) على مقدور واحد.

والأشاعرة لأجل الحفاظ على أصلين:

أ. التوحيد في الخالقية.

ب. التفريق بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية.

قالوا بتأثير القدرتين في فعل العبد لكن الأثر مختلف. أثر إحداهما الاختراع وأثر الأُخرى الكسب. وهؤلاء فصّلوا في تقرير القاعدة بين وحدة سنخ التأثير وتعدد سنخه، فقالوا بامتناع الأوّل دون الثاني.

وأمّا الإمامية فهم أحالوا اجتماع قادرين على مقدور واحد وسيأتيك برهانه تالياً. ومع ذلك قالوا بنسبة الفعل إلى اللّه سبحانه وإلى العبد. ولكن عند المتألهين منهم ليس هناك قدرتان مختلفتان. وإنّما هي قدرة واحدة هي قدرة العبد الّتي هي من مظاهر قدرته سبحانه ومعطياتها في مقام العمل، وشعارهم في ذلك قولهم: «والفعل فعل اللّه وهو فعلنا».

إذا عرفت ذلك فلندرس برهان علة اجتماع قادرين على مقدور واحد.