welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 6*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل ومقالات / ج 6

( 5 )

رسائل ومقالات

الجزء السادس

تبحث في مواضيع فقهية، أُصولية، كلامية، تراجم، ومكاتبات وحوارات مع بعض الأعلام

تأليف

الفقيه المحقّق

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

ايران ـ قم


( 6 )

اسم الكتاب:رسائل ومقالات

الجزء: السادس

المؤلف: العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الطبعة: الأُولى

المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

التاريخ: 1428 هـ

الكمية: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


( 7 )

الفصل الأوّل

في المسائل الفلسفية والكلامية

1 . اجتماع علّتين أو قادرين على معلول أو مقدور واحد

2 . إعادة المعدوم بعينه إمكاناً وامتناعاً

3 . نظرية الأحوال البهشمية

4 . حول تسلسل العلل والمعاليل بلا نهاية

5 . تجرّد النفس أو الحدّ الفاصل بين المنهجين المادي والإلهي

6 . شرح واجب الاعتقاد

7 . مصطلح أهل الحديث لغة واصطلاحاً وتطبيقاً

8 . أهل السنة لغة واصطلاحاً وتطبيقاً

9 . تفضيل الأئمّة على الأنبياء وعدمه

10 . سبّ المسلم ولعنه

11 . مع محقّق كتاب الإشاعة لأشراط الساعة

12 . في تسمية الولد بعبد الرسول

13 . المهدي المنتظر والشرائع السماوية

14 . نموذج من الأخبار الموضوعة


( 8 )

( 9 )

1

اجتماع علتين أو قادرين على

معلول أو مقدور واحد

قد تطرقت الفلاسفة والمتكلّمون إلى مسألة اجتماع علّتين أو قادرين على معلول أو مقدور واحد، ولكن كلاً من الطائفتين نظروا إلى هذه المسألة من منظار خاص.

أمّا الفلاسفة (1) فبما أنّهم بصدد دراسة أحكام الوجود فقد جرّهم البحث إلى دراسة أحكام العلة والمعلول فابتكروا قاعدتين معروفتين بقاعدتي الواحد وهما:

أ. لا يصدر من الواحد إلاّ الواحد.

ب. لا يصدر الواحد إلاّ من الواحد.

والقاعدة الثانية هي المسألة المطروحة في المقام وحاصلها أنّه يمتنع اجتماع علتين تامتين على معلول واحد.


1 . الأسفار الأربعة:2/210ـ 211; درر الفوائد:280ـ 281.


( 10 )

ومرادهم من الواحد ليس هو الواحد بالنوع، بل الواحد البسيط البحت الّذي ليس فيه رائحة التركيب، فقالوا بأنّ مثل هذا لا يصدر إلاّ من علّة واحدة ويمتنع اجتماع علتين مستقلتين على مثله. وسيوافيك برهانه.

وأمّا المتكلّمون فقد اتفقت المجبرة (وتبعهم الأشاعرة) والمعتزلة على صحة القاعدة وإتقانها وأنّه يمتنع اجتماع قادرين على مقدور واحد لكن الأشاعرة لما فسّرت التوحيد في الخالقية، بأنّه لا خالق أصلياً ولا ظلياً إلاّ اللّه سبحانه، نفتْ دور العبد في أفعاله وجعلتها مخلوقة للّه سبحانه لا للعبد، وإلاّ فلو كان له دور فيها ـ مع اللّه سبحانه ـ يلزم اجتماع قادرين على مقدور واحد.

وكأنّهم اتخذوا القاعدة ذريعة لعقيدتهم في التوحيد في الخالقية على نحو لولا هذه القاعدة لأخذوا بها أيضاً.(1)

وأمّا المعتزلة(2) فلمّا سلكوا مسلكاً يضاد مسلك المجبرة فقالوا بأنّ المؤثر في فعل العبد هو قدرة العبد وأنّ فعله منقطع عن اللّه سبحانه والعبد فاعله وخالقه، وإلاّ فلو كان للّه سبحانه دور فيها يلزم اجتماع قادرين على مقدور واحد.

فظهر انّ كلاً من الطائفتين اتّخذوا القاعدة ذريعة لمقاصدهم الكلامية، أمّا في حصر الخالقية في اللّه سبحانه، وإلاّ يلزم الاجتماع المحال، أو في قطع نسبة فعل العبد إلى اللّه وإلاّ يلزم المحذور المتقدّم.

ثمّ إنّ الأشاعرة ربما استأنسوا لإثبات القاعدة بما ذكره المعتزلة في تقرير برهان التمانع الّذي أُقيم لإثبات وحدة الواجب وسيوافيك شرحه.(3)


1 . التمهيد في أُصول الدين للنسفي:60.

2 . التمهيد في أُصول الدين للنسفي:67.

3 . كشف المراد:309; التوحيد لابن رُشيد:625; المعتمد في أُصول الدين للملاحمي الخوارزمي: 508.


( 11 )

هذه هي دراسة لماهية المسألة وغاياتها والجهة الّتي طرحوها، وإليك بيان القاعدة من منظار الفلسفة الإسلامية.

تقرير القاعدة ببرهان فلسفي

فنقول: من القواعد المسلّمة عند الفلاسفة امتناع «صدور الواحد من الكثير»، ولزوم «صدور الواحد من الواحد». والمراد من الواحد هنا هو الواحد البسيط البحت الّذي ليس فيه رائحة التركيب و الاثنينية، فخرج صدور الحرارة من الشمس والنار من محلّ البحث، فإنّ الحرارة الصادرة منهما متكثرة في الخارج، فإنّ الحرارة المتولدة من الشمس غير الحرارة المتولدة من النار وهكذا. فأكثر ما ينتقض به تلك القاعدة خارج عن محط البحث. فالوحدة في الموارد الّتي تُعدّ نقضاً للقاعدة وحدة نوعية لا وحدة شخصية.

يقول السيد العلاّمة الطباطبائي: فلو صدر واحد عن الكثير، فإمّا أن يكون الواحد واحداً نوعياً ذا أفراد كثيرة يستند كلّ فرد منها إلى علّة خاصة، كالحرارة الصادرة عن النار والنور والحركة وغيرها.(1)

وحاصل برهانهم على القاعدة (لا يصدر الواحد إلاّ من الواحد) هو أنّ صدور كلّ معلول عن علّته رهن وجود خصوصية تُسوِّغ صدوره منها، وإلاّ فلو صدر المعلول بلا هذه الخصوصية يلزم أن يكون كلّ شيء علّة لكلّ شيء، مثلاً الأكل يوجب الشبع دون الريّ، وشرب الماء يوجب الارتواء دون الشبع. وهذا يدلّ على أنّ بين الأكل والشبع والشرب و الارتواء خصوصية توجب حدوث أحد المعلولين دون الآخر.


1 . نهاية الحكمة:215.


( 12 )

وعلى ضوء هذا لو صدر واحد عن كثير يجب أن يكون فيه خصوصيّتان تُسوِّغان صدوره من علتين مستقلتين وافتراض تعدد الخصوصية يوجب انقلاب المعلول الواحد إلى الكثير.(1)

يقول المحقّق الطوسي: الخصوصية: كون العلّة بحيث يصدر عنها المعلول، وهي بهذا المعنى متقدّمة على المعلول، وهو أمر واحد إن كان المعلول واحداً، أمّا إذا كان المعلول فوق واحد فلا محالة يكون ذلك الأمر مختلفاً وتلزم فيه الكثرة في ذات العلة.(2)

ثمّ إنّ الفلاسفة بسطوا الكلام في ذلك وأثبتوا أنّ القاعدة لا تنتج «عزل الواحد (اللّه عزّ اسمه) عن مراتب الوجود بزعم أنّ الصادر عنه هو الصادر الأوّل، وأمّا الصوادر الأُخرى فهي مقطوعة الصلة باللّه سبحانه»، وذلك لأنّ الوجود الإمكاني على مراتبه المختلفة وجود رابط قائم بالوجود النفسي ومعنى حرفيّ يتقوّم بالمعنى الاسمي، فالقول: بصدور الموجودات عنه تعالى بالترتيب والنظام لا يعني استقلال الوسائط عن اللّه تعالى.(3)

***

إلى هنا تمّ الكلام حسب النمط الفلسفي، فلنرجع إلى البحث عنه حسب النمط الكلامي.

أمّا الإمامية فقد اصفقوا مع الأشاعرة بأنّه لا خالق إلاّ اللّه سبحانه وانّه لا مؤثر في الوجود إلاّ هو، لكنّهم يفسرون هذا الأصل بغير النمط الّذي فسرت به


1 . شرح المنظومة:129.

2 . الإشارات والتنبيهات:3/127; لمعات إلهية للحكيم عبداللّه الزنوزي:142.

3 . الأسفار الأربعة:2/210; شرح المنظومة:128.


( 13 )

الأشاعرة فقالوا: بأنّ الموجودات الإمكانية وما يتبعها من الأفعال والآثار بل حتّى الإنسان وما يصدر منه مخلوقات للّه سبحانه بلا مجاز ولا شائبة، و ليس معنى هذا إنكار نظام العلّة والمعلول والأسباب والمسببات في صحيفة الكون، بل كلّ ما في الكون مخلوق له سبحانه إمّا بالمباشرة أو بالتسبيب.

فمعنى التوحيد في الخالقية أنّ هنا خالقاً واحداً أصيلاً وهو اللّه سبحانه، وأمّا غيره فبين غير خالق لشيء كالجمادات وبين خالق بإذنه ومشيئته وإقداره.

ثمّ إنّهم بهذا القول خرجوا بنتائج ثلاثة:

الأُولى: جمعوا بهذه النظرية بين القول بالتوحيد في الخالقية وسعة قدرته، والقول بوجود النظام العلّي والمعلولي والسببي والمسببي في العالم الإمكاني.

الثانية: أنّهم رفضوا الجبر للاعتراف بنظام العلل والمعاليل في صحيفة الكون ، ـ الّتي منها إرادة الإنسان واختياره وحريّته في العمل ـ كما رفضوا التفويض باعتبار عدم انقطاع النظام الإمكاني عن قدرته سبحانه وقيامه به.

الثالثة: قالوا بامتناع اجتماع قادرين على مقدور واحد بنسبة واحدة، لكنّهم في الوقت نفسه جوزوا اجتماع علّتين على معلول واحد، إذا كانتا بنسبتين، فاللّه سبحانه هو المؤثر المستقل في الكون، والعلل والأسباب مؤثرات بإذنه وإقراره، فالعلتان ليستا في عرض واحد، بل الثانية في طول الأُولى، وأنّه يمتنع اجتماع قادرين في عرض واحد على مقدور واحد.

وأمّا المعتزلة فقد ذهبوا إلى أنّ القدرة المؤثرة في فعل العبد الاختياري هو قدرته لا قدرة اللّه سبحانه، وما هذا إلاّ لأجل الحفظ على عدله سبحانه بين العباد، ثمّ اتخذوا القاعدة ذريعة لمعتقدهم وقالوا لولا هذا. يلزم اجتماع قدرتين على مقدور واحد.


( 14 )

والّذي جرّهم إلى تخصيص فعل العبد بقدرته ونفي صلته بقدرة اللّه سبحانه هو اضفاء الاختيار على فعله وسلب الجبر، زاعمين أنّه لو كان لقدرة اللّه سبحانه تأثير في فعل العبد، يلزم الجبر.

وأمّا أهل السنّة فالمجبرة منهم يعتقدون بتأثير قدرة واحدة في فعل العبد، وليس للعباد أيّ دور في أفعالهم، وإلاّ يلزم تأثير اجتماع قدرتين على مقدور واحد. وهذه النظرية هي المنسوبة إلى المجبرة.

وأمّا الأشاعرة فقد نفت اجتماع قادرين على مقدور واحد يؤثران بنسبة واحدة، ومع ذلك قالوا بإمكان اجتماع قادرين على مقدور واحد، باختلاف النسبتين، كما هو الحال في أفعال العباد، ففيها لقدرة اللّه دور، كما أنّ لقدرة العبد دوراً. لكن قدرة اللّه سبحانه قدرة الاختراع، وقدرة العبد قدرة الاكتساب(1) ، فقدرة اللّه سبحانه خالقة لفعل العبد وموجدة له، وأمّا قدرة العبد كاسبة; فاللّه خالق و العباد كاسبون. وبذلك فارقوا المجبرة، لفظاً لا معنى، إذ ليس للكسب معنى صحيح.

إلى هنا خرجنا بالنتائج التالية:

1. الإمامية يُحيلون اجتماع قادرين على مقدور واحد لكن يجوّزون اجتماعهما على مقدور واحد، بشرط أن تكون إحدى القدرتين مستقلة والأُخرى تبعية لها. وإلاّ يستحيل عندهم اجتماع قادرين على مقدور واحد بنسبة واحدة.

2. المعتزلة يمنعون اجتماع قادرين على مقدور واحد، وليس عندهم حلٌّ لاجتماعهما على النحو المذكور عند الإمامية.

3. الأشاعرة فقولهم في هذه المسألة أشبه بقول الإمامية (لو كان للكسب


1 . شرح الفقه الأكبر لملاعلي القاري:92.


( 15 )

معنى معقول) فهم يحيلون اجتماع قادرين على مقدور واحد ولكن يجوزون اجتماعهما باختلاف النسبة، كما إذا كان أحد القادرين مؤثراً في الإيجاد (الخلق) والاختراع، والقدرة الأُخرى مؤثرة في الكسب.

إذا عرفت ذلك فلنذكر كلماتهم.

قالت المعتزلة : إنّ تدبير اللّه تعالى منقطع عن أفعال العباد، والخلق هم الذين يتولّون إخراجها من العدم إلى الوجود وإحداثها وإيجادها وخلقها. ثمّ إنّ أوائل المعتزلة ما كانوا يتجاسرون على إثبات اسم الخالق للفاعل، بل يسمّون العباد بأنّهم موجودون محدِثون، ولكن لما نشأ أبوعلي الجبائي أثبت للعباد صفة الخالقية، وقال: إنّهم خالقون لأفعالهم.

واستدلّوا على ذلك بأنّه لو كان للّه سبحانه دور في أفعال العباد يلزم اجتماع قدرتين مستقلتين على مقدور واحد.

ولذلك قالوا بانقطاع صلة أفعال العباد عن اللّه سبحانه.

وأمّا أهل السنة فهم بين مجبرة وأشاعرة.

فامّا المجبرة فإنّهم قالوا: بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه، وليس للعباد فيها دور . وعندئذ أصبحت الأفعال المسماة بالاختيارية عندهم كحركات المرتعش وحركات العروق النابضة وصارت إضافتها إلى الخلق مجازاً وهي على حسب ما يضاف إلى محله دون ما يضاف إلى محصِّله.(1)

وأمّا الأشاعرة فمن جانب حاولوا الاحتفاظ بالأصل المسلم عند الموحّدين وهو التوحيد في الخالقية، وأنّه «هل من خالق غير اللّه سبحانه؟»، ومن جانب آخر أرادوا أن يتحرّزوا من مغبّة الجبر وجَعْلِ الأفعال الاختيارية كالأفعال


1 . التمهيد في أُصول الدين:60ـ 61.


( 16 )

الاضطرارية، فقالوا: إنّ أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه بقدرة الاختراع، وللعباد بقدرة الاكتساب، ولا مانع من اجتماع قدرتين على مقدور واحد إذا كان تأثيرهما مختلفاً.

يقول النسفي: إنّ دخول مقدور واحد تحت قدرتين احداهما قدرة الاختراع والأُخرى قدرة الاكتساب جائز، وانّما الممتنع دخوله تحت قدرتين كلّ واحد منهما قدرة الاختراع أو قدرة الاكتساب.(1)

ويقول الشيخ جمال الدين الغزنوي الحنفي(المتوفّى 593هـ): دخول مقدور واحد تحت قدرتين إحداهما قدرة الاختراع والأُخرى قدرة الاكتساب جائز كما في الحسيّات، وإنّما الممتنع الدخول تحت قدرتين فكلّ واحدة قدرة: الاختراع أو الاكتساب.(2) ويشير البزدوي إلى الامتناع مطلقاً دون أن يفصّل بين قدرة الاختراع وقدرة الاكتساب حيث يقول:

1. الفعل الواحد لا يصلح أن يكون مفعولاً لفاعلين فإنّه يستحيل ذلك. ومرا(3)ده من امتناع الاجتماع ما إذا كانت القدرتان متحدتي النسبة.

ويظهر من مجموع ما طرحه الأشاعرة والمعتزلة أنّ الجميع يقولون باستحالة اجتماع قدرتين على مقدور واحد، غير أنّ المعتزلة يعتقدون بقدرة واحدة وهي قدرة العباد، وأمّا الأشاعرة فتعتقد بقدرتين لكن مختلفتي النسبة، يقول الغزالي: قد تفرّق الناس في هذا أحزاباً، فذهبت المجبّرة إلى إنكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة والحركة الاختيارية ولزمها أيضاً استحالة تكاليف


1 . التمهيد في أُصول الدين: 66ـ67. وشرح الفقه الأكبر لملاعلي القارئ:93.

2 . أُصول الدين للشيخ جمال الدين الغزنوي: 168.

3 . أُصول الدين للبزدوي:105.


( 17 )

الشرع.

وذهبت المعتزلة إلى إنكار تعلّق قدرة اللّه بأفعال العباد من الحيوانات والملائكة والجن والإنس والشياطين وزعمت أنّ جميع ما يصدر عنها، من خلق العباد و اختراعهم.

وأمّا أهل السنّة فقالوا: القول بالجبر محال باطل والقول بالاختراع اقتحام هائل، وإنّما الحقّ إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين. فلا يبقى إلاّ استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد، وهذا إنّما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقّهما فتوارد التعلقين على شيء واحد غير محال.(1)

ولكن الغزالي وأمثاله ممّن انتحلوا تأثير قدرة العبد في الكسب لم يأتوا بشيء واضح حول مفاد الكسب، واقصى ما قالوه فيه هو أنّ الشيء وقع من المكتسب له بقوة محدثه.

وعندئذ يتوجه إليه السؤال التالي:

هل الكسب الّذي يحدثه العبد هو أمر وجودي أو عدمي، فلو كان عدمياً فلا معنـى للعقـوبة والمجـازاة على الأمـر العدمي، وإن كان أمراً وجودياً يكون ممكناً والممكن يجب أن يكون له خالق وليس له خالق إلاّ العبد، فعاد محذور الثنوية.

وحصيلة الكلام في المقام: أنّ من تكلّم في أفعال العبد من المجبرة والمعتزلة والأشاعرة قد أخضعوا القاعدة (امتناع اجتماع القادرين على مقدور واحد) إلى عقائدهم.


1 . الاقتصاد في الاعتقاد:117ـ 118.


( 18 )

فالمجبرة لأجل المبالغة في التوحيد في الخالقية رفضوا تأثير قدرة العبد لئلا تلزم نظرية الثنوية من وجود خالقين في صفحة الوجود، وصارت النتيجة عندهم امتناع اجتماع قادرين على مقدور واحد.

فالقاعدة الكلامية كانت نتيجة عقيدتهم في فعل العبد.

والمعتزلة لأجل حفظ عدله سبحانه و الاعتقاد بالحسن والقبح العقليين وأنّه سبحانه لا يفعل القبيح ـ لأجل تلك الغايات ـ قالوا بانقطاع فعل العبد عن اللّه سبحانه وانتحلوا نظرية الثنوية وان في صفحة الكون خالقين أصيلين: فاللّه سبحانه هو خالق الكون، والعبد خالق أفعاله، فصارت النتيجة امتناع اجتماع قادرين(اللّه والعبد) على مقدور واحد.

والأشاعرة لأجل الحفاظ على أصلين:

أ. التوحيد في الخالقية.

ب. التفريق بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية.

قالوا بتأثير القدرتين في فعل العبد لكن الأثر مختلف. أثر إحداهما الاختراع وأثر الأُخرى الكسب. وهؤلاء فصّلوا في تقرير القاعدة بين وحدة سنخ التأثير وتعدد سنخه، فقالوا بامتناع الأوّل دون الثاني.

وأمّا الإمامية فهم أحالوا اجتماع قادرين على مقدور واحد وسيأتيك برهانه تالياً. ومع ذلك قالوا بنسبة الفعل إلى اللّه سبحانه وإلى العبد. ولكن عند المتألهين منهم ليس هناك قدرتان مختلفتان. وإنّما هي قدرة واحدة هي قدرة العبد الّتي هي من مظاهر قدرته سبحانه ومعطياتها في مقام العمل، وشعارهم في ذلك قولهم: «والفعل فعل اللّه وهو فعلنا».

إذا عرفت ذلك فلندرس برهان علة اجتماع قادرين على مقدور واحد.


( 19 )

امتناع اجتماع قادرين على مقدور واحد

إنّ اجتماع قادرين مستقلين على مقدور واحد بحيث يكون كلّ واحد منهما علّة تامة مؤثرة في وجود المقدور أمر محال جدّاً. ضرورة انّ مقدوراً واحداً بهويته الشخصية ووجوده الواحد الشخصي لا يعقل أن يستند إلى قادر بتمام الاستناد مع استناده إلى آخر أيضاً مطلقاً ولو ببعض الاستناد، واستدلوا عليه بالبرهان التالي:

إنّه لو كانت كلّ واحدة من القدرتين بخصوصها علة مستقلة لمقدور واحدة بخصوصه لزم احتياجه إلى كلّ واحد منهما لكونهما سبباً له، واستغناؤه عن كلّ واحدة منهما لكون الأُخرى مستقلة في إيجاده، وهو محال، ولو لم تكن كلّ واحدة منهما بخصوصها سبباً مستقلاً له، بل كانت العلة هي القدر المشترك بينهما يكون خارجاً عن الفرض.(1)

ثمّ إنّ غير واحد من المتكلّمين اعتمدوا على هذا البرهان في إثبات امتناع اجتماع قادرين على مقدور واحد، وهم بين مطنب في التقرير وملخص له; فمن الأوّل العلاّمة الحلّي في كشف الفوائد عند تقرير دليل الأشاعرة على عدم إعطاء دور لقدرة العبد في الفعل الصادر عنه، قال: يلزم اجتماع قادرين على مقدور واحد. ثمّ أوضح البرهان بالنحو التالي فقال:

أمّا الشرطية فلو أنّ العبد كان مؤثراً بقدرته وقد ثبت أنّه تعالى قادر على كلّ مقدور لزم اجتماع القادرين.

وأمّا بطلان التالي فلأنّ ذلك المقدور إمّا أن يقع بكلّ واحد منهما على الانفراد، أو على الجميع; أو بأحدهما، أو لا بواحد منهما، والكلّ باطل:


1 . درر الفوائد للشيخ محمد تقي الآملي: 381.


( 20 )

أمّا الأوّل فلاستلزامه عدم وقوعه بكلّ واحد منهما لأنّ وقوعه بكلّ واحد منهما يقتضي استغناءه عن الآخر فلو وقع بهما لاستغنى عنهما والمستغني لا يقع عن المستغنى عنه.

وأمّا الثاني فلأنّ كلّ واحد منهما حينئذ لا يكون قادراً على إيجاده ولا يكون واقعاً به، بل بالمجموع وقد فُرض قادراً; هذا خلف.

وأمّا الثالث فلاستلزامه المطلوب وهو خروج أحدهما عن كونه قادراً فيبقى القادر واحداً.

وكذا الرابع(1) ، أي هو أيضاً خلف، لأنّ وجود المقدور رهن القدرة والمفروض عدم قدرة سواهما.

ومن الثاني: أي الملخص سعدالدين التفتازاني، قال: يمتنع اجتماع العلتين المستقلتين على معلول واحد وإلاّ يلزم احتياجه إلى كلّ من العلتين المستقلتين لكونهما علة، واستغناؤه عن كلّ منهما لكون الأُخرى مستقلّة بالعليّة.(2)

ففي هذا التلخيص يظهر واقع البرهان وهو أنّ افتراض استقلال كل في الايجاد ـ كما هو المفروض لا المشاركة ـ يستلزم استغناء كلّ عن الآخر وافتراض صدور المقدور الواحد عن كلّ من القدرتين يلازم حاجة كلّ إلى الأُخرى، فيلزم الاستغناء عن كلّ مع الحاجة إلى كلّ وهذا هو التناقض.

ثمّ إنّ هناك تقريراً آخر يناسب مصطلح الفلاسفة وهو:

إنّه لو كان كلّ واحدة منهما علة فلا يخلو امّا أن يتوقف على كلّ واحدة منهما ، أو يتوقف على واحدة منهما بعينها، أو لابعينها، أو لا يتوقف على شيء


1 . كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد:232; لاحظ اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية:75.

2 . شرح المقاصد:2/88.


( 21 )

منهما. فعلى الأوّل يكون مجموعُهما مجموعَ ما يتوقف عليه المعلول فلا يكون شيء منهما علة مستقلة لكونه بعض مجموع ما يتوقف عليه المعلول والمفروض توقّف المعلول عليهما معاً. وعلى الثاني يكون ذاك الواحد المعين هو العلة دون الآخر. وعلى الثالث يكون القدر المشترك بينهما هو العلة. وعلى الأخير لا يكون شيئاً منهما بعلة لا بخصوصه ولا بالقدر المشترك بينه و بين الآخر.(1)

الاستئناس من برهان التمانع لإثبات القاعدة

إنّ للمتكلّمين في تقرير وحدة الإله بياناً خاصاً باسم برهان التمانع، وحاصله لو فرضنا تعدد إلهين قادرين فربما يحصل بينهما التمانع، فلو أراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه لكان لا يخلو أن يحصل مرادهما، أولا يحصل مرادهما، أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر.

لا يجوز أن لا يحصل مرادهما، لأنّ هذا يوجب أن يكونا ضعيفين عاجزين. ولا يجوز أن يحصل مرادهما لأنّ هذا يوجب أن يكون الجسم متحركاً ساكناً في حالة واحدة ـ و هذا محال; فلم يبق إلاّ أن يحصل مراد أحدهما دون الآخر. فالّذي يحصل مراده يجب أن يكون هو الإله، لأنّ من لم يحصل مراده يكون متناهي المقدور، ومتناهي المقدور يكون قادراً بقدرة، والقادر بالقدرة يكون جسماً والجسم يكون محدثاً، وصانع العالم لا يجوز أن يكون محدثاً.(2)

هذا هو برهان التمانع وهل هو تام أو لا؟نحيل البحث فيه إلى محله، وهذا البرهان للمعتزلة وقد استعان به الأشاعرة بنحو خاص في إثبات القاعدة وهو


1 . درر الفوائد :381.

2 . في التوحيد لأبي رُشيد النيسابوري:625; المعتمد في أُصول الدين لركن الدين الخوارزمي:508.


( 22 )

امتناع اجتماع قادرين على قدرة واحدة; فقالوا: إنّ العبد لو كان قادراً على الفعل لزم اجتماع قادرين على مقدور واحد، والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية انّه تعالى قادر على كلّ مقدور فلو كان العبد قادراً على شيء لاجتمعت قدرته وقدرة اللّه تعالى عليه. وأمّا بطلان التالي فلأنّه لو أراد اللّه تعالى ايجاده وأراد العبد اعدامه فإن وقع المرادان أو عدماً لزم اجتماع النقيضين، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح.

قال العلاّمة ـ بعد تقرير هذا الدليل ـ عن جانب الأشاعرة: هذا الدليل أخذه بعض الأشاعرة من الدليل الّذي استدل به المتكلّمون على الوحدانية ـ مع وجود الفرق بين الموردين، إذ هناك يتمشى الدليل لتساوي قدرة الالهين المفروضين أمّا هنا فلا، بل يقع مراد اللّه تعالى لأنّ قدرته أقوى من قدرة العبد وهذا هو المرجح.(1)

إنّ الإرادتين في برهان التمانع يتّجهان في اتجاهين مختلفين كما مرّ: (أحد الإلهين يريد تحريك الجسم والآخر ثباته) بخلاف المقام فإن اتجاه الإرادتين إلى أمر واحد.


1 . كشف المراد:309ـ 310.


( 23 )

2

إعادة المعدوم بعينه

إمكاناً و امتناعاً

إنّ إعادة المعدوم بعينه من المسائل الّتي اهتمّ بها كلّ من الحكماء والمتكلّمين، لكن كلّ لغاية خاصة تهمّه.

فالطائفة الأُولى يدرسون المسألة كسائر المسائر المتعلقة بالأُمور العامة فيخرجون في دراستهم بالامتناع، ولم أر أحداً منهم قال بإمكانها.

وأمّا الطائفة الثانية فيدرسونها بما أنّها ذريعة لإثبات حشر الأجساد حيث زعموا أنّ القول بحشرها فرع إمكان إعادة المعدوم بعينه فيصرّون على إمكان الإعادة ليتسنّى لهم إثبات المعاد الجسماني، وستوافيك كلماتهم في ذلك المقام.

نعم أكثر المتكلّمين على الإمكان من غير فرق بين الأشاعرة والمعتزلة وشذّ من الطائفة الأخيرة أبو الحسين البصري ومحمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي(1)، فذهبا إلى الامتناع وتصافقا مع الحكماء في هذا الباب.


1 . تلخيص المحصل:39; شرح المواقف:8/289; شرح تجريد العقائد للقوشجي:60.


( 24 )

والمعتزلة والأشاعرة وإن اتّفقوا في الكبرى، أعني: جواز إعادة المعدوم، لكنّهم اختلفوا في الصغرى، فالأشاعرة على أنّ الموجود ينعدم بالكلية ثم يعود. ولكن المعتزلة لما قالوا بتقرّر الماهيات منفكة عن الوجود، قالوا ببقاء الأمر المشترك بين المبتدأ والمعاد وهو الذات فالوجود ينعدم وتبقى ماهيته وذاته ثمّ يعود الوجود عارضاً على الماهية فالإعادة ليس بالإعادة بالكلية وإنّما هي إعادة عروض الوجود على الماهية.(1)

الدراسة الموضوعية تفرض علينا تفكيك المسألتين:

أ. إمكان إعادة المعدوم أو امتناعها.

ب. إمكان حشر الأجساد يوم القيامة.

وإن كانت المسألة الأُولى مؤثّرةً في المسألة الثانية حسب نظر الأشاعرة وإن لم يكن كذلك عندنا.

تحرير محل النزاع

إنّ تحرير محل النزاع هو المهم في المسألة، فالحكماء على أنّ موضوع الامتناع هو إعادة الشيء بعينه وبشخصه وبعامة خصوصياته، حتّى الزمان الّذي كان فيه الشيء، سواء أقلنا بأنّ الزمان من المشخصات أم قلنا بأنّه من أمارات التشخص أو من قبيل الإضافات. إذ على كلّ تقدير فالشيء الواقع في الزمان يتميز به عن الشيء الواقع في الزمان الآخر فيحكمون بأنّ إعادة الشيء بهذه الخصوصية أمر ممتنع ببراهين قاطعة.

وأمّا المتكلّمون فالظاهر أنّهم يريدون إعادة الشيء مجرداً عن الزمان الّذي


1 . شرح المواقف:8/289.


( 25 )

كان فيه الشيء، فيعود المعاد مثل المبتدأ لا عينه، ويدلّ على ذلك أنّهم اتخذوا إمكان الإعادة دليلاً على حشر الأجساد، وأنّه لولا إمكانها لامتنع المعاد الجسماني الّذي اتّفق عليه المسلمون. ومن المعلوم أنّ المعاد يوم القيامة عين المبتدأ، لكن عينية عرفية لا عقلية، لعدم عود الزمان الّذي كان الإنسان يعيش فيه في الدنيا يوم القيامة. وستوافيك كلماتهم في موضعها.

وبذلك تُصبح المسألة نزاعاً لفظياً فالمعاد الّذي يعتقد به المتكلّمون لا ينفيه الحكماء، وما ينفيه الحكماء ليس ممّا يثبته المتكلّمون.

ومع أنّ المسألة عند أكثر القوم مسألة نظرية نرى أنّ الشيخ الرئيس و تبعه الرازي في بعض كتبه قالا ببداهة الامتناع.

قال الرازي: ونعم ما قال الشيخ من أنّ كلّ من رجع إلى فطرته السليمة ونفض عن نفسه الميلَ والعصبيةَ، شهد عقلُه بأنّ إعادة المعدوم ممتنع، وكما قد يتوهم في غير البديهي أنّه بديهي لأسباب خارجية، فكذلك قد يتوهم في البديهي أنّه غير بديهي لموانع من الخارج.(1)

ومع ذلك استدل القائلون بالامتناع بوجوه:

الدليل الأوّل: عدم قبول المعدوم للإشارة

قال الشيخ الرئيس: إعادة المعدوم لا يصحّ فانّه لا يكون للمعدوم عين ثابت يشار إليه في حال العدم حتّى يمكن إعادته بعينه، بل إن كان فالذي يقال: إنّه أُعيد هو مثل المعدوم لا عينه.(2)


1 . المباحث المشرقية:1/48; الفصل العاشر من الباب الأوّل.

2 . التعليقات:179.


( 26 )

قال المحقّق الطوسي في تجريده: والمعدوم لا يعاد لامتناع الإشارة إليه فلا يصحّ الحكم عليه بصحّة العود.(1)

توضيحه: أنّ معنى الإعادة هو أن يكون الشيء موجوداً في زمان، ثمّ عدم في زمان ثان، ثمّ وجد في زمان ثالث.

ولا شكّ في أنّه إذا عدم، بطلت ذاته، فلا تكون ذاته ثابتة بناء على ما ثبت من مساوقة الوجود للثبوت.

فلو كانت ذاته ثابتة في الزمان الثاني، لأمكن لا محالة أن يحكم على الموجود في الزمان الثالث، أنّه هو الموجود في الزمان الأوّل. وقد أُعيد كما في الصفات الّتي لا يلزم من زوالها عن الذات الموصوفة بها، انعدامُ ذاتِ الموصوف وبطلانها، مثل الجسم إذا كان أبيض في زمان، ثمّ زال عنه البياض في زمان ثان، ثمّ أُعيد إليه البياض في زمان ثالث، فإنّه لا شبهة في صحّة الحكم على الأبيض في الزمان الثالث، بأنّه هو الأبيض في الزمان الأوّل.

وأمّا إذا لم تكن الذات ثابتة، كما في صورة زوال الوجود، فانّ نسبة الوجود إلى الماهية ليست نسبة العوارض الّتي يجوز تبدلها واختلافها مع انحفاظ وحدة الذات، لم يكن الحكم على الموجود الثالث أنّه هو الموجود الأوّل. وعلى الموجود الأوّل أنّه هو الّذي أعيد في الزمان الثالث. وذلك لعدم استمرار الذات، فلا يكون الموضوع واحداً.(2)

يلاحظ على الاستدلال بالنقض أوّلاً: وهو أنّه إذا لم يجز الحكم عليه بجواز الإعادة وإمكانه فلا يجوز أيضاً الحكم عليه بامتناع إعادته مع أنّ القائل يحكم


1 . كشف المراد:73، قسم المتن.

2 . شوارق الإلهام:1/504; كشف المراد:74.


( 27 )

عليه بالثاني ويقول:

إعادة المعدوم ممّا امتنعا *** وبعضهم فيه الضرورة ادّعى

وبالحلّ ثانياً: وهو أنّ الحكم عليه لا يقتضي وجود المعدوم في الخارج بل يكفي استحضاره بالوجود الذهني فيشار إلى ما ثبت قبل الانعدام، ويقال يمتنع أو يجوز إعادتها، وإلى ما ذكرنا يشير العلاّمة في «كشف المراد» وبقوله: إنّ الحكم يستدعي الوجود الذهني لا الوجود الخارجي.(1)

نعم اعترض المحقّق اللاهيجي على هذا الجواب بقوله: الموجود في الذهن ليس هو الموجود في الخارج بعينه بل مثله كما مرّ.(2)

يلاحظ عليه: أنّ في كلامه خلطاً بين اللحاظين للعلم: اللحاظ الطريقي و اللحاظ الموضوعي ففي الأوّل تكون الصورة الذهنية فانية في الواقع، حاكية عنه تمام الحكاية ولا تعدّ مثلَه بخلاف الثاني، ففيه تكون الصورة الذهنية ملحوظة مستقلة كسائر أوصاف النفس فيحكم عليها بانّها مثل الواقع.

ثمّ إنّ القائلين بالقول المعروف «المعدوم المطلق لا يمكن الإخبار عنه» ابتلوا بنفس الإشكال وتخلّصوا عنه بنحو يقرب ممّا ذكرناه.(3)

فتلخص أنّ الدليل الذي أُقيم على امتناع إعادة المعدوم غير تام.

الدليل الثاني: يلزم تخلّل العدم بين الشيء ونفسه

قال المحقّق الطوسي: ولو أُعيد، تَخَلّلَ العدمُ بين الشيء ونفسه.(4)


1 . كشف المراد:74.

2 . الشوارق:1/505.

3 . كشف المراد:73، قسم المتن.

4 . شرح المنظومة السبزواري:46ـ 47.


( 28 )

توضيحه: أنّ المفروض هو إعادة الشيء بعينه وبشخصه دون أي تفاوت بين المبتدأ والمعاد قيدَ شعرة، فعندئد يلزم ما ذكر من التالي، إذ المفروض أنّ الموجود في الزمان الأوّل والثالث شيء واحد بعينه، وقد انعدم ذلك الشيء وبطل ذاته في الزمان الثاني، وهو ]الزمان [متخلل بين الزمان الأوّل و الزمان الثالث فيتخلّل العدم الّذي فيه بين الموجودين في الزمان الأوّل و الثالث اللذين هما واحدان بعينهما.

وأمّا بطلان التالي أي تخلل العدم بين الشيء ونفسه فهو أمر بديهي البطلان لأنّ لازمه تقدّم الشيء على نفسه بالزمان.(1)

ثمّ إنّ صاحب المواقف جعل هذا الوجه بياناً لدعوى ضرورية الامتناع.

وأورد ع(2)ليه التفتازاني بأنّه مخالف لكلام القوم وللتحقيق، فإنّ ضرورية مقدّمة الدليل لا توجب ضرورية المدعى.(3)

وقد أورد على الاستدلال بأنّ حاصله: تخلل العدم بين زماني وجوده بعينه، وما ذاك إلاّ كتخلل الوجود بين العدمين للشيء بعينه.(4)

حاصله: أنّه لا يلزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه وإنّما يلزم تخلل العدم بين الزمانين: زمان المبتدأ وزمان المعاد، نظير تخلل الوجود بين العدمين كما إذا كان معدوماً فوجد ثمّ عدم.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ لو كان المُعاد مثل المبتدأ لا عينه، ففي


1 . كشف المراد:74; الشوارق:1/508.

2 . المواقف:371، الرصد الثاني عن المقصد الأوّل.

3 . شرح المقاصد:5/86، الفصل الثاني من المبحث الأوّل.

4 . شرح المقاصد:4/84.


( 29 )

الأوّل يجوز أن يتخلل العدم بين الوجودين، لا في الثاني، لأنّ المفروض أنّ الثاني هو نفس الأوّل بلا تفاوت حتّى من حيث الزمان، فإذا كانا متحدين من هذه الجهة يلزم بالبداهة تخلل العدم بين الشيء ونفسه.

الدليل الثالث: ترتب مفاسد ثلاثة

قد تقدّم في تحرير محل النزاع أنّ محط نظر المنكرين هو عود الشيء بعامّة قيوده وخصوصياته حتّى الزمان سواء أقلنا أنّه من المشخصات كما عليه الحكماء قبل الفارابي، أو من أمارات التشخص كما عليه المتأخرون، أو من قبيل الإضافات كما عليه المتكلّمون. وعلى ضوء هذا فتجويز إعادة الشيء بالخصوصيات الّتي اُكتنف بها، تترتب عليه مفاسد ثلاث أشار إليها المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد بقوله:

أ. لم يبق فرق بينه و بين المبتدأ.

ب. صَدَق المتقابلان عليه دفعة واحدة.

ج. لزم (1) التسلسل في الزمان.

أمّا المفسدة الأُولى: فلو أُعيد المعدوم لأُعيد زمانه، ولو أُعيد زمانه لم يبق فرق بين المعاد من حيث هو معاد وبين المبتدأ من حيث هو مبتدأ، وذلك لأنّ الأوّل إنّما يتميز عن الثاني إذا كان الأوّل في الزمان الأوّل، والثاني في الزمان الثالث، ومع إعادة نفس الزمان الأوّل لا يتميز المبتدأ من المعاد بل ترتفع الاثنينية من البين.


1 . في نسخ التجريد يلزم بصيغة المضارع ولكن الأصحّ كما عليه صاحب الشوارق هو لزم، لاحظ الشوارق:1/510.


( 30 )

أمّا المفسدة الثانية: أي صدق المتقابلين عليه دفعة واحدة فوجهه واضح لأنّه إذا أُعيد الزمان الأوّل مع وصف أوّلّيته لكونها من عوارضه الذاتية، كان المعاد أيضاً في الزمان الأوّل بحكم كون الأوّليّة من العوارض الذاتية، فيكون من حيث هو مبتدأ، معاداً، ومن حيث هو معاد، مبتدأ، وهذا جمع بين المتقابلين.(1)

قال الحكيم ميثم البحراني: لو كانت إعادة المعدوم جائزة لكانت إعادة الوقت الّذي حدث فيه أوّلاً جائزة، لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك. بيان الملازمة: انّ الوقت الأول من شرائط وجود ذلك الشخص المعين ومشخصاته، فيستحيل وجوده ثانياً بعينه من دون ذلك الشرط.

بيان بطلان اللازم: انّه لو أُعيد ذلك الوقت بعينه لكان ذلك الإيجاد إحداثاً له في وقته الأوّل، فيكون من حيث هو معاد مبتدأ. هذا خلف.(2)

وأورد عليه التفتازاني بوجهين:

1. لا نسلم كون الوقت من المشخصات ، لأنّا قاطعون بأنّ هذا الكتاب هو بعينه الّذي كان بالأمس، حتّى أنّ من زعم خلاف ذلك نُسب إلى السفسطة. وتغاير الاعتبارات والإضافات لا ينافي الوحدة الشخصية حسب الخارج.

2. إنّ المبتدأ هو الواقع أوّلاً لا الواقع في الزمان الأوّل، والمعاد هو الواقع ثانياً لا الواقع في الزمان الثاني.(3)

يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّ جعل الزمان من المشخصات أو من قبيل الإضافات لا يؤثر في المقام، لأنّ الزمان وإن لم يكن من المشخصات ـ حسب الفرض ـ لكن به يحصل التمييز، فيكون المبتدأ في الزمان الأوّل متميّزاً بزمانه عن


1 . الشوارق:1/509.

2 . قواعد المرام في علم الكلام:147.

3 . شرح المقاصد:1/86.


( 31 )

المعاد المتميز أيضاً بزمانه الثاني، وعندئذ لا يكون المقام من قبيل إعادة المعدوم بعينه بل إعادة المعدوم بمثله، وهو خلف.

وبه يظهر الإشكال في الوجه الثاني: إذ لا فرق بين التعبيرين: المبتدأ هو الواقع أوّلاً أو الواقع في الزمان الأوّل، والمعاد هو الواقع ثانياً أو الواقع في الزمان الثاني، وذلك لأنّ الأوّلية والثانوية نوع وصف لكلّ منهما، والاختلاف في الوصف يستلزم الاختلاف في الموصوف فلا يكون من مقولة إعادة المعدوم بعينه.

أمّا المفسدة الثالثة: أي لزوم التسلسل في الزمان فبيانه انّه لو أُعيد الزمان لكان وجوده ثانياً مغايراً لوجوده أوّلاً والمغايرة ليست بالماهية ولا بالوجود وصفات الوجود، بل بالقبلية والبعدية لا غير فيكون للزمان زمان آخر يوجد فيه تارة ويعدم أُخرى وذلك يستلزم التسلسل.(1)

وبعبارة أُخرى أنّه لا مغايرة بين المبتدأ والمعاد بالماهية، ولا بالوجود، ولا بشيء من العوارض، وإلاّ لم يكن إعادة له بعينه، بل بالقبلية والبعدية، بأن هذا في زمان سابق، وذلك في زمان لا حق، فيكون للزمان زمان يمكن إعادته بعد العدم ويتسلسل.(2)

وهنا ملاحظة بالنسبة إلى هذا التالي الفاسد.

وحاصلها: انّ السابقية ليست شيئاً عارضاً على الزمان، بل هي نفس الزمان وجوهره كما أنّ اللحوق نفسه، فعلى هذا فلو أُعيد الزمان السابق لم يكن للزمان زمان، إذ لا يحتاج السبق إلى زمان آخر بل يكفي نفس الزمان المعاد الّذي جوهره السبق.

ثمّ إنّ المحقّق السبزواري أشار إلى هذا الإشكال بقوله:


1 . كشف المراد:75.

2 . شرح المقاصد:87.


( 32 )

فإن قلت: سابقية الزمان المبتدأ بنفس ذاته لا بكونه في زمان آخر سابق (أي فلا يلزم التسلسل).

وأجاب عنه بقوله: «قلت فعلى هذا لا يصدق عليه المعاد، لانّ السابقية ذاتية له، فلا تتخلف، ولا تصير لاحقية.(1)

توضيحه: أنّه إذا كانت السابقية ذاتية للزمان السابق واللحوق ذاتياً للزمان اللاحق فلا يمكن إعادة الزمان السابق لاستلزامه تفكيك الذاتي عن الشيء.

ويمكن أن يقال ببقاء التسلسل أيضاً، لأنّ امتياز الزمان الثاني عن الزمان الأوّل بأحد الأمرين:

1. السابقية واللاحقية الذاتيتين.

2. كون الزمان الأوّل في زمان سابق، والزمان الثاني في زمان لاحق.

أمّا الأوّل فقد عرفت امتناعه، لأنّ السبق ذاتي للزمان، فلا ينفك عنه. فانحصر الامتياز بكون الزمن السابق في زمان والزمن اللاحق في زمان، وهذا هو نفس التسلسل.

وهذه التوالي الفاسدة الثلاثة مترتبة على تجويز إعادة المعدوم.

الدليل الرابع: انّه على تقدير جواز الإعادة جاز أن يوجد ما يماثله

لو جازت إعادة الشيء بعينه بعد انعدامه جاز إيجاد ما يماثله من جميع الوجوه ابتداءً وهو محال، لأنّ وجود فرد بهذه الصفات من جملة الممكنات فلا يصحّ تجويز الإعادة وعدم تجويز إيجاد مماثل المعاد، لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز


1 . شرح المنظومة:202.


( 33 )

وما لا يجوز واحد، فلو وجد يلزم عدم الميز بينهما، لأنّ المفروض اشتراكهما في الماهية وجميع العوارض فلم يكن أحدهما مستحقاً لأن يكون معاداً والآخر لأن يكون حادثاً جديداً، بل امّا أن يكون كلّ واحد منهما معاداً أو كلّ واحد منهما جديداً.(1)

قال الرازي:(فإن قيل) ذلك إنّما يستحق الحكم بأنّه هو لا غيره لأنّه هو الّذي كان موجوداً ثم عدم وبعد عدمه هو الّذي أُعيد بعينه وأمّا مثله فليس كذلك.

(فنقول) هذا هو الّذي وقع الإشكال فيه، فإنّ الحكم على واحد بأنّه هو الّذي كان وعلى الآخر بانّه ليس هو الّذي كان، مع تساويهما في الماهية ولوازمها مما هو يستحيل قطعاً، فما ذكرتم في معرض الفرق هو الّذي وقع عنه السؤال.(2)

الدليل الخامس: تسلسل عدد العود بلا نهاية

لو جازت الإعادة لم يكن عدد العود بالغاً حدّاً معيّناً يقف عليه، إذ لا فرق بين العودة الأُولى و الثانية والثالثة، وهكذا إلى ما لا نهاية له، حتى يتبين الوقوف على مرتبة، وتعيّن العدد من لوازم وجود الشيء المتشخّص وتخصيص العود بأحدها تخصيص بلا مخصّص.(3)

الدليل السادس: عدم تصور وجودان لشيء واحد

أنّ تشخص الشيء بوجوده، والماهية أمر ينتزع من مراتب الوجود العرضية


1 . شرح المنظومة:198; نهاية الحكمة:24.

2 . المباحث المشرقية:1/48.

3 . شرح المنظومة:201.


( 34 )

أو الطولية، فإذا فرض انعدام الشيء برأسه وكلّه فإعادته يكون إيجاداً ثانياً والإيجاد الثاني كيف يكون نفس الايجاد الأوّل، وإلاّ يلزم اجتماع العينية والغيرية: فالعينية رهن إيجاد واحد والإعادة والغيّرة رهن إيجاد ثان، وعليه تقوم إعادة المعدوم، فالجمع بالعينية والإعادة جمع بين المتناقضين.

يقول صدر المتألّهين: العدم ليس له ماهية إلاّ رفع الوجود; وحيث علمت أنّ الوجود للشيء نفس هويته، فكما لا يكون لشيء واحد إلاّ هوية واحدة فكذلك لا يكون له إلاّ وجود واحد وعدم واحد، فلا يتصور وجودان لذات بعينها ولا فقدانان لشخص بعينه. فهذا ما رامه العرفاء بقولهم: «إنّ اللّه لا يتجلى في صورة مرتين».(1)

القضاء بين القولين

والذي أظن انّ الإثبات والنفي لا يتواردان على موضوع واحد وأنّ المتكلّمين القائلين بإعادة المعدوم بعينه لا يريدون العينية بالدقة العقلية، حتّى الوحدة في الايجاد أو الوحدة في الزّمان وإنّما يريدون بالعينية شيئاً أشبه بالمثلية، وليس هذا أمراً محالاً عند الحكماء، وبذلك يعود النزاع بينهما إلى النزاع اللفظي.

والّذي يدلّ على ذلك أنّهم استخدموا هذه المسألة في المعاد، ولذلك يقول التفتازاني: الحكم بأنّ الموجود ثانياً ليس بعينه الموجود أوّلاً ضروري لا يتردّد فيه العقل عند الخلوص عن شوائب التقليد و التعصّب.

قال البغدادي: وأمّا الكلام على من أقرّ بالحدوث (حدوث العالم) وأنكر الإعادة فوجه الاستدلال عليه أن يقاس الإعادة على الابتداء فإنّ القادر على إيجاد


1 . الأسفار الأربعة:1/353.


( 35 )

الشيء عن العدم ابتداءً، بأن يكون قادراً على إعادته، أولى إذا لم يلحقه عجز. وفي هذه الطائفة أنزل اللّه: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الّذي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة)(1).(2)

ويشهد على ما ذكرنا، ما قاله السيد الشريف في ذيل القاعدة حيث صوّر المعاد على نحو يلازم المثلية لا العينية، فقال: أجمع أهل الملل والشرائع عن آخرهم على جوازه ووقوعه (حشر الأجساد). أمّا الجواز فلأنّ جمع الأجزاء على ما كانت عليه وإعادة التأليف المخصوص فيها أمر ممكن لذاته، وذلك أنّ الأجزاء المتفرقة المختلطة بغيرها قابلة للجمع بلا ريبة، وإن فرض أنّها عدمت جاز إعادتها ثمّ جمعها وإعادة ذلك التأليف فيها لما عرفت من جواز إعادة المعدوم، واللّه سبحانه وتعالى عالم بتلك الأجزاء وأنّها لأيّ بدن من الأبدان، قادر على جمعها وتأليفها لما بيّنا من عموم علمه تعالى لجميع المعلومات وقدرته على جميع الممكنات وصحّة القبول من القابل و الفعل عن الفاعل توجب الصحّة أي صحّة الوقوع وجوازه قطعاً وذلك هو المطلوب.(3)

وقال أيضاً: (ويمكن) في إثبات جواز الإعادة (أن يقال: الإعادة أهون من الابتداء) كما ورد في الكلام المجيد (وله المثل الأعلى لأنّه) أي ذلك المعدوم (استفاد بالوجود الأوّل) الّذي كان قد اتصف به (ملكة الاتصاف بالوجود) فيقبل الوجود أسرع.(4)


1 . يس:78ـ79.

2 . كتاب أُصول الدين:233.

3 . شرح المواقف:8/294ـ 295.

4 . شرح المواقف:8/291.


( 36 )

وقال التفتازاني في مبحث المعاد: إنّ المعاد عند الحكماء روحاني فقط، وعند جمهور المسلمين جسماني فقط بناء على أنّ الروح جسم لطيف، وعند المحقّقين منهم كالغزالي، والحليمي، والراغب، والقاضي، وأبي زيد: روحاني وجسماني ذهاباً إلى تجرد النفس، وعليه أكثر الصوفية والشيعة والكرامية، وليس بتناسخ، لأنّه عود في الدنيا إلى بدن ما، وهذا عود في الآخرة إلى بدن من الأجزاء الأصلية للبدن الأوّل، والقول بأنّه ليس هو الأوّل بعينه لا يضر، وربما يؤيد بقوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَها)(1) وقوله تعالى:(أَوَ لَيْسَ الّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى)(2).(3)

وهذه الكلمات من أساطين الكلام تكشف عن أنّ مرادهم من الإعادة هو المثلية لا العينية على وجه الدقة، فيكفي في صدق المعاد جمع الأجزاء الباقية أو خلقها ثانياً فإنّه إعادة للأوّل عرفاً وإن لم يكن إعادة بالدقة.

وبذلك يستغني المتكلّمون عن إقامة البرهان على الجواز، لما عرفت من أنّ مصبّ الحوار عندهم غير مصبّ المنع عند الحكماء ومع ذلك نذكر ما استدلوا به على الجواز.

استدلال المجوّزين لإعادة المعدوم

استدلّ القائلون بالجواز بوجوه:

الأوّل: إنّ عود الوجود للمعدوم بعد الوجود، لو كان ممتنعاً، لكان ذلك الامتناع مستنداً، إمّا إلى ماهية المعدوم نفسها، أو إلى لازمها، وإمّا إلى عارض من


1 . النساء:56.

2 . يس:81.

3 . شرح المقاصد:4/88.


( 37 )

عوارضها.

وعلى الأوّل و الثاني يلزم أن لا يوجد ابتداء، لأنّ عود الوجود عبارة عن الوجود ثانياً، فإذا كانت الماهية أو لازمها منشأ لامتناع الوجود ثانياً، يلزم أن يكون منشأ لامتناعه ابتداء، ضرورة أنّ مقتضى ذات الشيء ولازمه لا يتخلف بحسب الأزمنة.

وعلى الثالث: يكون منشأ الامتناع جائز الزوال، فيجوز زوال الامتناع، فيكون العود جائزاً وهو المطلوب.

وقد أجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: والحكم بامتناع العود لأمر لازم للماهية.

توضيح الجواب: انّ منشأ الامتناع ليس هو الماهية المطلقة أو أمراً لازماً للماهية، بل منشأ الامتناع الماهية المقيدة بوصف العدم بعد الوجود، فيكون منشأ الامتناع أمراً لازماً لهذه الماهية المقيدة من حيث إنّها مقيدة.

وعلى هذا لا يترتب عليه امتناع وجودها ابتداءً، لأنّ ماهية الوجود المبتدأ ماهية مطلقة لا ماهية مقيّدة بالعدم بعد الوجود.(1)

ويمكن أن يجاب بوجه أوضح، بأن الامتناع لأمر لازم لوجوده لا لماهيّته، وهو الوجود بعد العدم.(2)

الثاني: الاستدلال بقاعدة الإمكان، أعني ما قاله الحكماء: «كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه واضح البرهان» فإنّ هذه القاعدة معتبرة عند الحكماء.(3)


1 . الشوارق:1/514.

2 . نهاية الحكمة:25.

3 . شرح الإشارات والتنبيهات:3/418.


( 38 )

قال الشيخ: نصيحة: إياك أن يكون تكيّسك وتبرّؤك من العامّة هو أن تنبري منكراً لكلّ شيء، فذلك طَيْش وعجز، وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعدُ جليّتُهُ دون الخرق في تصديقك بما لم تقم بين يديك بينته، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف، وإن أزعجك استنكار ما يوعيه سمعك مما لم تُبرَهن استحالته لك، فالصواب لك أن تسرِّح أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنها قائم البرهان».(1)

يلاحظ على الاستدلال بأنّ المستدل خلط بين الإمكان الاحتمالي والإمكان الوقوعي. والكلام في الثاني من الإمكانين.

وأمّا الإمكان الأوّل فهو لا يغني عن الثاني شيئاً، لأنّ معناه عدم التسرّع إلى الجزم بأحد الطرفين بمجرد السماع أو الاستبعاد وأمّا أنّه هل هو من أقسام الممكن أو الممتنع في الواقع فلا يستدل به عليه.

الثالث: ما استدلّ به سديد الدين محمود الحمصي من الإمامية حيث قال: يجوز إعادته، لأنّ التذكر حصول عين العلم السابق بعد عدمه بالنسيان وهذا هو الإعادة.

وأُجيب عنه بمنع الاتحاد. نعم الحاصل ثانياً تعلّق بعين ما تعلق به الأوّل، وهو لا يستلزم الاتحاد بل المماثلة وتماثلُ المعاد والمبتدأ لا يقتضي اتحادهما.(2)

وقال المحقّق الطوسي في «تلخيص المحصّل» في نقد الاستدلال المذكور : بأنّ التذكّر لا يتصوّر إلاّ مع بقاء المذكور في الذهن و تخلل العدم بين الالتفات الأوّل إليه والالتفات الثاني، وهاهنا لم يمكن أن يكون شيء باقياً أصلاً.(3)


1 . شرح الإشارات والتنبيهات:3/418 ، الفصل الحادي والثلاثين من النمط العاشر من الإشارات.

2 . كشف الفوائد في شرح العقائد:323.

3 . تلخيص المحصل:392.


( 39 )

3

نظرية الأحوال البهشمية

اشتهر أبو هاشم الجبائي(ت321هـ) ب آراء كلامية مذكورة في الكتب، وهو وأبوه ـ أبو علي ـ الجبائي (ت303هـ) من أوتاد منهج الاعتزال وأعيان المعتزلة، ومع أنّهما يستقيان من معين واحد إلاّ أنّهما يختلفان في قسم من المسائل الكلامية خصوصاً بما يتعلّق بمسألة الجزاء يوم القيامة، فقد أشار العلاّمة الحلّي تبعاً للمحقّق الطوسي إلى بعض آرائهما في قسم المعاد من كتاب كشف المراد.(1)

وقد اشتهر أبو هاشم بالقول بوجود الواسطة بين الوجود والعدم وسمّاها بالأحوال، وهذا نظير العالمية والقادرية فهما عنده من صفات الموجود، ولكنّهما في الوقت نفسه ليستا موجودة ولا معدومة. وانّما سماها أحوالاً لأنّها يصفان لنا حال الموجود وأنّه على كذا.

هذه النظرية هي النظرية الأُم.

وقد أشار المحقّق الطوسي إلى تلك النظرية مع نقده لها وقال: وهو (الوجود) يرادف الثبوتَ، والعدمُ النفيَ، فلا واسطة.


1 . لاحظ كشف المراد:407ـ 426.


( 40 )

وقال العلاّمة الحلّي في شرح كلامه: ذهب أبو هاشم وأتباعه من المعتزلة والقاضي(الباقلاني) والجويني من الأشاعرة إلى أن ّ هاهنا واسطة بين الموجود والمعدوم وهي ثابتة وسموها الحال.(1)

ثمّ إنّ أبا هاشم رتب على القول بالواسطة وثبوت الأحوال قضية أُخرى وهو القول بتقرر الماهيات قبل الوجود في وعائها وأسماها بالثابتات الأزلية.

يقول صدر المتألهين امّا مذهب المعتزلة بانّ المعدوم شيء وانّ المعدومات في حال عدمها، منفكة عن الوجود متميزة بعضها عن بعض وانّه مناط علم اللّه بالحوادث في الأزل ، فهو عند العقلاء من سخيف القول وباطل الرأي.(2)

فهذه النظرية وليدة النظرة الأُولى، إذ لولا القول بوجود الواسطة بين الوجود والعدم لا يمكن القول بالقضية الثانية فهي من متفرعات القضية الأُولى.

وإلى ذلك يشير المحقّق الطوسي ـ بعد ابطال الواسطة ـ بقوله: فبطل ما فرّعوا عليهما (ثبوت المعدوم(3) والحال) من تحقّق الذوات غير المتناهية في العدم وقال العلاّمة في شرحه: لما أبطل مذاهب القائلين بثبوت المعدوم والحال، أبطل ما فرعوا عليهما، وقد ذَكَرَ من فروع إثبات الذوات في العدم أحكاماً اختلفوا في بعضها.(4)

ونحن ندرس في المقام نظرية الأحوال ونحيل البحث في الثابتات الأزلية إلى مقام آخر.


1 . كشف المراد:35.

2 . الأسفار الأربعة:6/182.

3 . لا يخفى انّ التعبير بثبوت المعدوم في كلام الطوسي والعلامة إنّما يصح على نظرية المشهور، وإلاّ فالحال عند أبي هاشم، ليست معدومة، كما انّها ليست موجودة.

4 . كشف المراد:37.


( 41 )

وقد أخذ المحققون من الحكماء والمتكلّمين بنقد الواسطة بين الوجود والعدم منذ أن ظهرت هذه النظرية في الأوساط الكلامية، ولم يدم عُمرها إلى أن أفلت في القرن الخامس الهجري بموت إمام الحرمين الجويني(1)(المتوفّى:478هـ) أو بموت الغزالي (المتوفّى:505هـ) حيث نسب إليه أيضاً القول بهذه النظرية.

ثمّ إنّ تحقيق الحال فرع البحث في جهات:

الأُولى: في تصوير النظرية

إنّ أكثر من طرح مسألة الأحوال لم يُبذل سعيه في تصوير النظرية وتبيين ما يرومه أبو هاشم سواء أكان صحيحاً أم باطلاً، ولكن المحقّق اللاهيجي كشف واقع النظرية، فيظهر منه أنّ المبنى للقول بالأحوال هو اتخاذ اصطلاح في تفسير لفظ «موجود» ـ تبعاً لأهل الأدب وهو تخصيص الموجود بما له ذات ووجود كالجواهر فخرج عنه ما تمحض في الوصف وفقد الذات كالعلم فهو ليس بموجود يقول في شرح قول المحقّق الطوسي «وهو يرادف الثبوت...»:إنّ المعلوم إن لم يكن له ثبوت أصلاً في الخارج فهو المعدوم.

وإن كان له ثبوت في الخارج:

فإمّا باستقلاله وباعتبار ذاته فهو الموجود.

وأمّا باعتبار التبعية لغيره فهو الحال.

فالحال: واسطة بين الموجود والمعدوم، لأنّه عبارة عن صفة للموجود، لا تكون موجودة ولا معدومة، مثل العالمية والقادرية(2)، ونحو ذلك.


1 . الشامل في اصول الدين ، 12، ط بيروت.

2 . الأولى أن يمثِّل بنفس الوصف كالعلم والقدرة.


( 42 )

والمراد بالصفة ما لا يُعلم ولا يخبر عنه بالاستقلال بل بتبعية الغير، والذات يخالفها، وهي لا تكون إلاّ موجودة أو معدومة بل لا معنى للموجود إلاّ ذات لها صفة الوجود، والصفة لا تكون ذاتاً فلا تكون موجودة، فلذا قيّدوا ]الحال[ بالصفة.

وإذا كانت صفة للموجود لا تكون معدومة أيضاً، لكونها ثابتة في الجملة، فهي واسطة بين الموجود والمعدوم.(1)

ومن هذا البيان الضافي ظهر أنّ أبا هاشم لم يأت بشيء جديد وانّما اخترع اصطلاحاً في إطلاق لفظ الموجود فخصّه ـ وفاقاً لأهل الأدب ـ بذات ثبت لها الوجود، وخص الوصف بالفاقد لها فعندئذ تخرج الصفة عن تحت الموجود.

وبما أنّ للصفة نوع ثبوت في الخارج ولو بتبع الغير تخرج عن تحت المعدوم وتكون واسطة بين الموجود والمعدوم، وعندئذ يصحّ تعريف الحال ـ كما سيأتي ، بأنّها صفة للموجود ولكنّها ليست موجودة ولا معدومة. وسيوافيك من صدر المتألهين ما يؤيده.

الثانية: تعريف الأحوال

عرف القاضي الباقلاني «الأحوال» بقوله: كلّ صفة لموجود لا تتصف بالوجود فهي حال، سواء أكان المعنى الموجب ممّا يشترط في ثبوته الحياة أو لم يشترط، ككون الحي حيّاً وعالماً وقادراً وكون المتحرك متحركاً والساكن ساكناً والأسود والأبيض إلى غير ذلك.(2)


1 . شوارق الإلهام:1/247ـ 248.

2 . نهاية الاقدام في علم الكلام:132، نقلاً عن القاضي الباقلاني.قوله: «وكون المتحرك الخ» مثال للشق الثاني في كلامه، أعني: «أو لا يشترط».


( 43 )

وعرفها العلاّمة الحلي بقوله: كلّ صفة بأنّها صفة لموجود لا توصف بالوجود والعدم.(1)

والتعريف الأخير أكمل من الأوّل، لأنّ الأحوال لا توصف بالوجود ولا بالعدم، وقد ترك القاضي الباقلاني القيد الأخير.

ومع ذلك كلّه فقد ذكر الشهرستاني أنّه ليس للحال حدّ حقيقي يذكر حتّى نعرّفها بحدّها وحقيقتها على وجه يشمل جميع الأحوال فإنّه يؤدي إلى إثبات الحال للحال.(2)

الثالثة: وجه تسميتها بالحال

أمّا وجه تسمية الحال حالاً فيظهر من الباقلاني بأنّ وجهها كونها مبيّنة لحال الذات وانّه على حال كذا يفارق بها عمّن ليس كذا; قال: ما أنكرتم أن تكون دلالة الفعل على أنّ فاعله عالم قادر، دلالة على حال له، فارق بها من ليس بعالم ولا قادر.(3)

ويظهر ذلك الوجه من القاضي عبد الجبار أيضاً عند بيان الفرق بين نظرية الوالد أبي علي في صفاته سبحانه ونظرية الولد فيها حيث قال: ذهب أبو علي إلى أنّه تعالى يستحق هذه الصفات الأربع ـ الّتي هي كونه قادراً عالماً حيّاً موجوداً ـ لذاته وذهب أبو هاشم إلى أنّه يستحقها لما هو عليه في ذاته.(4) أي يستحقها لما


1 . كشف المراد:35.

2 . نهاية الاقدام:130. تأمّل في ذيل كلامه لعلّك تجد معنى صحيحاً له.

3 . تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل:230.

4 . شرح الأُصول الخمسة:182.


( 44 )

هو عليه من الحال، في ذاته. فصفاته سبحانه كلها أحوال: أي انّ الذات على حال من العلم والقدرة والحياة، تتميز بها عمّا سوّاها.

الرابعة: منشأ النظرية

إنّ القول بالأحوال ظهر من الاختلاف في كيفية وصفه سبحانه تبارك وتعالى بالصفات الأربع أو الأكثر. فقد كان في الساحة قولان معروفان:

الأوّل: انّ صفاته سبحانه عين ذاته وأنّه ليس هناك ذات وعلم أو ذات وحياة بل هناك شيء واحد بسيط من جميع الجهات موصوف بالعلم والحياة وهما نفس وجوده سبحانه ولا مانع من أن يكون العلم والقدرة زائدين على الذات في الممكنات ويكون نفس الذات في الواجب سبحانه نظراً للقول بالتشكيك.

فالصفات الكمالية في الموجودات الإمكانية غير الذات ولكنّها في الواجب نفس ذاته، وهذا هو خيرة قسم من المعتزلة والإمامية قاطبة، وبما أنّ الأشاعرة وأهل الحديث لم يقفوا على حقيقة هذا القول رموهم بنفي الصفات وسمّوهم بنفاتها، وزعموا أنّ القول بعينية الصفات للذات يلازم نفيها عن اللّه تبارك وتعالى.

الثاني: انّ صفاته سبحانه أزلية لكنّها زائدة على ذاته سبحانه وانّه سبحانه يعلم بعلم زائد، ويقدر بقدرة زائدة إلى غير ذلك وانّما أصروا على الزيادة للفرار عن وصمة نفي الصفات وهؤلاء هم الموصوفون بالصفاتية.(1)

ولما كانت النظريتان عند أبي هاشم غير خاليتين عن الإشكال عدل إلى قول ثالث لما في القول الأوّل من نفي الصفات أي عدم وجود وصف للّه سبحانه


1 . منظومة السبزواري:162; نهاية الحكمة، 285 .

والأشعريّ بازدياد قائلـة *** وقـال بالنيـابة المعتزلـة


( 45 )

باسم العلم والقدرة، ولما في القول الثاني من لزوم التركيب بين الذات والصفات، ولذلك حاول أن يبدي نظرية ثالثة تكون نزيهة عن الإشكالين وهو جعل صفاته سبحانه من مقولة الأحوال وهي صفات لموجود وفي الوقت نفسه ليست بموجودة ولا معدومة بل متوسطة بينهما، وذلك بالنحو التالي:

أنّها ليست موجودة فتخلص به عن مغبَّة التركيب بين الذات والصفات، لأنّ التركيب إنّما يلزم إذا كانت الصفات موجودة مثل الذات دونما إذا لم تكن موجودة ولكن ثابتة وصفاً للموجود. وانّها ليست معدومة، فتخلص به عن مغبّة نفي الصفات.

فبذلك استطاع إبداع نظرية ثالثة في صفاته سبحانه زعم أنّها وراء القولين: اتّحاد الصفات مع الذات، أو زيادة الصفات على الذات.

الخامسة: إبهام النظرية

مع أنّ أبا هاشم ومن تبعه كالقاضي الباقلاني والجويني وحتّى الغزالي قد بذلوا جهودهم في تبيين النظرية، ولكنّها بقيت مبهمة مغمورة غير مفهومة.

وذلك لأنّ هذا القول ليس قولاً جديداً بل راجع إلى القول بزيادة الصفات على الذات، فإنّ الأحوال لاتخلو امّا أن لا تكون لها واقعية، أو تكون لها واقعية. فعلى الأوّل يكون القائل بالأحوال من نفاة الصفات، وعلى الثاني يلزم التركيب في ذاته سبحانه والقول بأنّها ليست موجودة ولكنّها ثابتة فهو جعل اصطلاح.

يقول صدر المتألهين: وربما أثبتوا واسطة بين الموجود والمعدوم، حتّى يقال الثابت على بعض المعدوم وهو المعدوم الممكن وعلى نفس الوجود وعلى أمر ليس بموجود ولا معدوم عندهم ممّا سموه حالاً، وكأنّ هذه الطائفة من الناس إمّا أن يكون غرضهم مجرد اصطلاح تواضعوا عليه في التخاطب، وإمّا أن يكونوا ذاهلين


( 46 )

عن الأُمور الذهنية، فإن عنوا بالمعدوم، المعدوم في خارج العقل، جاز أن يكون الشيء ثابتاً في العقل معدوماً في الخارج، وإن عنوا غير ذلك كان باطلاً ولا خبر عنه ولا به.(1)

ولذلك جُعِلت نظرية الأحوال في جنب النظريتين المبهمتين الأُخريين: طفرة النظام وكسب الأشعري واشتهرت بالمعميات الثلاث، وبذلك قال الشاعر:

ممّـا يقـال ولا حقيقــة عنــده *** معقـولـة تدنـو إلـى الأفهـام

الكسب عند الأشعري والحال *** عنـد البهشمي و طفرة النظام

السادسة: أدلّة القول بالأحوال

وقد استدلوا على وجود الواسطة بين الموجود والمعدوم بوجوه:

1. الوجود ليس موجوداًً

الوجود ليس موجوداً ولا معدوماً، حيث إنّ الوجود زائد على الماهية بحجة انّا نتصور الإنسان منفكاً عن الوجود، وعندئذ فالوجود إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً. والأوّلان باطلان.

أمّا الأوّل فلأنّه لو كان للوجود وجود يلزم التسلسل، لأنّنا ننقل الكلام إلى الوجود الثاني، فلو كان أيضاً موجوداً أي له ذات ووجود ننقل الكلام إلى الوجود الثالث وهكذا.

وأمّا الثاني فلأنّه يلزم منه اتصاف الشيء بنقيضه، فبقي الثالث.

وقد أجاب عنه المحقّق الطوسي: والوجود لا ترد عليه القسمة، وأوضحه


1 . الأسفار الأربعة:1/76.


( 47 )

العلاّمة الحلّيّ بقوله: لاستحالة انقسام الشيء إلى نفسه وإلى غيره، فكما لا يقال: السواد إمّا أن يكون سواداً أو بياضاً، كذلك لا يقال: الوجود إمّا أن يكون موجوداً أو لا يكون.

ولأنّ المنقسم إلى الشيئين أعمّ منهما ويستحيل أن يكون الشيء أعمّ من نفسه.(1)

ويمكن الإجابة بنحو آخر فنقول: الوجود موجود لكن لا بوجود زائد، بل بنفس الوجود الّذي وقع ابتداءً.

يقول التفتازاني: قلنا موجود، وجوده عينه.(2)

وهناك جواب آخر وهو انّ الحقائق الفلسفية لا تُقتنص بالاستعمالات العاميّة فإنّ الموجود لذى العامة عبارة عن الذات الّتي يعرضها الوجود فلابدّ أن يكون فيه شيئان: ذات ووجود، فإطلاقه بهذا المعنى على الوجود غير صحيح. ولكن إطلاقه على اللّه سبحانه وعلى الوجود الإمكاني ليس بهذا المعنى، بل بمعنى أنّه موجود أي نفس الوجود.

وذلك لأنّه إذا كانت الذات موجودة بفضل الوجود فالوجود أولى أن يكون موجوداً.(3)

2. فصول الاعراض ليست موجودة ولا معدومة

إنّ اللونية أمر ثابت مشترك بين السواد والبياض فيكون كلّ واحد من


1 . كشف المراد:35.

2 . شرح المقاصد:1/63.

3 . نهاية الحكمة:10.


( 48 )

السواد والبياض ممتازاً عن الآخر بأمر زائد على ما به الاشتراك. ثمّ الوجهان (الفصلان) إن كانا موجودين لزم قيام العرض بالعرض، وإن كانا معدومين لزم أن يكون السواد أمراً عدمياً وكذلك البياض، وهو باطل بالضرورة، فثبتت الواسطة.

وقد أجاب عنه المحقّق الطوسي بوجهين:

أ. انّ الكلي ثابت ذهناً فلا ترد عليه هذه القسمة.

ب. قيام العرض بالعرض جائز.(1)

توضيح الجواب الأوّل: أنّ فصل كلّ من السواد والبياض أمر ذهني وليس جزءاً خارجياً حتّى يلزم قيام العرض بالعرض، يقول الفاضل القوشجي: إنّ الكلي جزء ذهني لجزئياته (مصاديقه)، وذلك انّما يقتضي وجوده في الذهن وهو موجود فيه وليس جزءاً خارجياً له حتّى يلزم تحققه في الخارج.(2)

وتوضيحه: أنّ الأعراض بسائط خارجية ليس فيها تركيب من جنس وفصل بل أمر واحد لا يتبعض.

ولكن الإنسان إذا تصوره وقاس البياض مع السواد ينتزع الذهن من كلّ أمراً مشتركاً وهو اللونية. وأمراً مميزاً لهما وهو كونه قابضاً لنور البصر كما في السواد أو باسطاً لنوره كما في البياض.

ثمّ إنّ للقائلين بالأحوال وجوهاً تمسكوا بها وهي من الوهن بمكان. ولعلّ هذا المقدار من الدراسة كاف في المقام.


1 . كشف المراد:35; شرح التجريد للقوشجي:20.

2 . شرح التجريد:22.


( 49 )

4

حول تسلسل العلل والمعاليل بلا نهاية

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه رسولاً يُعلّم الناس الكتاب والحكمة، ويدعوهم إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن، وعلى أوصيائه الطاهرين الهداة المهديّين.

تفتخر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) بإصدار الجزء الثاني من كتاب «شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام» تأليف الحكيم المتأله عبد الرزاق اللاّهيجي رضوان اللّه عليه، بصورة محققة مزدانة بالتعاليق.

ويشتمل هذا الجزء على مباحث مهمة حول الماهية والوجود. وأخصّ بالذكر منها مسألة تسلسل العلل والمعاليل إلى غير نهاية.

وقد أقام المصنّف براهين عشرة ـ بل أزيد(1) ـ على امتناعه، حتّى أنّ البرهان


1 . والبراهين هي:

1. ما ابتكره المحقّق الطوسي وهو مشهور عنه، 2. برهان التطبيق، 3. ما استخرجه المحقّق الطوسي من برهان التطبيق، 4. ما ذكره الشيخ الرئيس في كتابي:«الإشارات» و «المبدأ والمعاد»، 5. برهان الطرف والوسط، 6. برهان التّضايف، 7. برهان الحيثيات، 8. برهان الترتب، 9. برهان الأسدّ الأخصر، 10. ما يقارب برهان التطبيق وليس نفسه،11. البراهين الّتي اخترعها بعض المتأخّرين وقُرر بوجوه خمسة. وقد اعترف المحقّق اللاهيجي في آخر المبحث بأنّ في أكثرها مجالاً للمناقشة كما لا يخفى على الناقد البصير و العالم الخبير.


( 50 )

العاشر ربّما يقرر بوجوه مختلفة.

ولأجل إيضاح امتناع التسلسل في سلسلة العلل والمعاليل، وكمقدمة لما أفاده المصنّف في هذا الباب، نوضح البرهان الأقوم الأتم على امتناعه.

وقبل الخوض فيه والنتيجة المترتبة عليه أودّ أن أذكر ما حفظته الذاكرة بعد مضي أكثر من نصف قرن، أعني: ما شاهدته في أوّل لقاء حصل بين العلاّمة السيد الطباطبائي والشيخ المطهري ـ رضوان اللّه عليهما ـ و فيه تعرّف السيد عليه، ودار البحث بينهما في ذلك اللقاء حول امتناع التسلسل، وإليك التفصيل:

في شتاء عام 1370هـ زرت العلاّمة الطباطبائي(قدس سره) في بيته العامر، وقد كنت أسأله عن بعض المسائل الفلسفية، وهو يجيبني عنها، وحينما كان الحوار دائراً بيني وبين الأُستاذ فُوجِئْنا بدخول العلمين الجليلين: الشيخ علي أصغر كرباسچيان(1) المعروف بالعلاّمة، والشيخ الشهيد مرتضى المطهري، وكان للأوّل صلة وثيقة بالعلاّمة السيد الطباطبائي، إلاّ أنّ السيد لم يكن آنذاك قد تعرّف على سماحة الشيخ الشهيد، فأخذ العلاّمة الطهراني بالتعريف بالشيخ المطهري واصفاً إيّاه بأنّه من أفاضل الحوزة ومدرّسيها وله باع طويل في المسائل العقلية، فاستقبله السيد الطباطبائي بوجه مشرق ورحّب به أحسن ترحيب.

واستأذن الشيخُ المطهري السيّدَ الطباطبائي في طرح إشكاله الّذي لم يزل عالقاً بذهنه وفكره منذ زمان، وقال ما هذا مثاله:

إنّ البراهين الّتي أقامها الفلاسفة على إبطال التسلسل وامتناعه هي


1 . انّ صديقنا المغفور له الشيخ علي أصغر كرباسجيان، قد غادر الحوزة العلمية في قم المقدسة1376هـ، ونزل العاصمة طهران فأسّس فيها مدرسة ثانوية كان لها أثر بارز في تثقيف المتخرّجين منها بالعلم والمعرفة الدينيّة، تغمّده اللّه برحمته.


( 51 )

براهين واقعة في غير موقعها. فإنّ أكثرها أشبه بالبراهين الهندسية الّتي تجري وتتحكم في الأُمور المتناهية، كبرهان التطبيق وغيره، والمفروض في المقام تسلسل أُمور غير متناهية، فكيف يستدل بالبراهين الّتي هي من خصائص الأُمور المتناهية على أمر غير متناه؟ فما هو الدليل المتقن لامتناعه الّذي لا يختص بالأُمور المتناهية، بل يتحكّم حتّى في ما لا يتناهى؟

فلمّا أتمّ الشيخ المطهري كلامه وبلغ النهاية في إيضاح مراده، أخذ السيد الطباطبائي بالكلام مبتدئاً بأنّ علاقة المعلول بالعلّة كعلاقة الوجود الرابط بالوجود النفسي، فكما لا يتصوّر وجود الرابط دون أن يكون هناك وجود نفسي، فهكذا لا يتصوّر تسلسل أُمور كلّها موصوفة بكونها معاليل دون أن يكون بينها علّة غير موصوفة بالمعلولية.

وبعبارة أُخرى: انّ مَثَل علاقة المعلول بالعلّة كمثل علاقة المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، فكما لا تتصور معان حرفية دون أن يكون بينها معنى اسمي ، فكذلك لا يتصور تسلسل معاليل موصوفة بكونها معاليل دون أن يكون بينها علّة تامة ليست بمعلولة.

وهذا هو لبُّ ما ذكره السيد الطباطبائي ولكن ببيان مفصّل سوف نوضحه تالياً.

وبعد ان سمع الشيخ المطهري هذا الجواب، استشففت ما في وجهه من سرور وقد امتلأ بالرضا والقبول، فصار ذلك اللقاء فاتحة للقاءات متواصلة، أضحى فيها الشيخ من عُشّاق العلاّمة الطباطبائي، إذ حضر بحوثه في تدريس كتاب «الشفاء»، كما حضر عليه في دراساته العليا حول أُصول الفلسفة ومبانيها الّتي نشرت باسم «أُصول الفلسفة» في أجزاء خمسة وقد علّق عليها المطهري


( 52 )

تعليقات نافعة نالت شهرة عالمية وترجمت إلى لغات أُخر.

نعم كانت العلاقات الوُدّية بينهما متبادلة، وكان السيد الطباطبائي يحب الشيخ المطهري كثيراً لما كان يلمس فيه من قوّة التفكير وعمق التدبّر، ولمّا استشهد العلاّمة المطهري بيد الأعداء والمنافقين، أجرى مراسِلُ التلفزيون الإيراني مقابلة مع السيد الطباطبائي ذكر فيها الأُستاذ فضائل تلميذه ومناقبه بقلب مكمد وصوت حزين إلى أن انقطع صوته بالبكاء والنحيب رضوان اللّه عليهما.

وإليك إيضاح ما ذكره العلاّمة الطباطبائي في ضمن أُمور:

الأوّل: أصالة الوجود واعتبارية الماهيّة

إنّ للقول بأصالة الوجود واعتبارية الماهيّة دوراً كبيراً في حلّ الكثير من المسائل الفلسفية والكلامية المعقّدة.

وحاصل هذه النظرية: أنّه إذا قلنا: الإنسان موجود، يتبادر إلى ذهننا مفهومان; أحدهما: مفهوم الإنسان، والآخر: مفهوم الوجود الحاكي عن تحقق فرد منه في الخارج، فعندئذ يقع الكلام فيما هو الأصيل منهما بمعنى ما يترتب عليه الأثر في الخارج، بعد افتراض بطلان أصالتهما معاً.

فهل الأصيل هو نفس الإنسان المجرّد عن التحقق؟ أو الأمر الثاني المعبّر عنه بأنّه موجود؟ الحقّ هو الأمر الثاني، إذ لا ريب في أنّ مفهوم الإنسان بما هو إنسان مفهوم لا يترتب عليه أيُّ أثر إلاّ إذا اقترن بالوجود والتحقق، فعندئذ يكون الثاني هو الأصيل إذ به يصير الإنسان إنساناً واقعياً حقيقياً تترتب عليه الآثار.

نعم القول بأصالة الوجود لا يعني بأنّه ليس في الدار سوى ذات الوجود الإمكاني المطلق غير المحدد بشيء، فإنّ ذلك على خلاف الوجدان والبرهان، إذ لا


( 53 )

شكّ أنّ الإنسان متحقق في الخارج وهو ليس نفس الوجود المجرّد عن كل لون وحدّ، فإنّ ما يُتبادر من الإنسان غير ما يتبادر من الوجود.

وانّما يعني أنّ الأصل الّذي يترتب عليه الأثر إنّما هو الوجود، غاية الأمر أنّه متحدد بالإنسانية. فالوجود يؤثر في تحقق الإنسانية وجعلها أمراً واقعياً، كما أنّ الإنسانية تكون حداً للوجود وتحديداً له من حيث درجات الوجود ومراتبه.

ولذلك قلنا في محله: إنّ نسبة الوجود إلى الماهيّة من قبيل الواسطة في الثبوت لا الواسطة في العروض، فكما أنّ الوجود متحقق في الخارج فهكذا الإنسانية متحقّقة لكن بفضل الوجود وظله.

ولعلّ هذا المقدار يكفي في إيضاح المسألة الّتي طالما كانت مثاراً للنزاع، وقد ألفتُ رسالةً مستقلةً في هذا الباب نشرت تحت عنوان «قاعدتان فلسفيتان».

الثاني: تقسيم الوجود إلى نفسي وغيري

من الآثار المترتبة على نظرية أصالة الوجود إمكان تقسيمه ـ تقسيماً ثلاثياً ـ إلى وجود نفسي، ورابطي، ورابط.

أمّا الأوّل: فهو عبارة عمّا استقل تصوّراً ووجوداً، وذلك كالجواهر; مثل الإنسان والحيوان والشجر.

فكلّ منها مستقل تصوّراً، كما أنّها في وجودها غير معتمدة ـ حسب الظاهرـ (1) على شيء.

وأمّا الثاني: فيراد به ما هو مستقل تصوّراً غير مستقل وجوداً، وذلك


1 . احتراز ممّا سيوافيك من أنّ العالم الإمكاني بجواهره واعراضه ـ بالنسبة إلى الواجب ـ، وجود رابط قائم به من غير فرق بين أصنافه الثلاثة.


( 54 )

كالاعراض، فإذا قلنا: «الجسم أبيض» فالمحمول في الحقيقة ـ الّذي هو البياض ـ مستقل مفهوماً غير مستقل وجوداً، إذ هو قائم بالجسم ولولاه لما كان للبياض أثر في عالم الوجود.

وأمّا الثالث: فهو ما يكون غير مستقل لا تصوّراً ولا وجوداً، وذلك كالمعاني الحرفية، فإذا قلنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة» فكلّ من لفظتي «من» و «إلى» يفيدان معنى مندكاً في المتعلّق، فالابتداء الحرفي كالانتهاء، لا يتصوّران مستقلين وانّما يتصوّران في ضمن الغير، و يتحققان في ضمنه فيكونان غير مستقلين وجوداً وتحقّقاً.

هذا التقسيم الثلاثي للوجود الإمكاني ـ كما قلنا في الهامش ـ إنّما هو بحسب الظاهر مع قطع النظر عن تعلّقه وقيامه بمبدأ المبادئ وواجب الوجود. وامّا بالنسبة إليه فتنقلب النسبة ويكون الجميع بالنسبة إليه كالوجود الرابط والمعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الاسمي، كما سيوافيك بيانه.

الثالث: العلّة هو مفيض الوجود

العلّة عند الإلهي غيرها عند المادي، فالعلّة عند الإلهي يُطلق على مفيض الوجود، أي من يُفيض الوجود على الأشياء ويخرجها من العدم ويصيّرها موجودة بعد أن كانت معدومة.

وعلى ذلك فالمادة بذاتها وصورتها وجميع شؤونها معلولة لمن أعطاها الوجود والصورة وأخرجها من ظلمة العدم إلى حيّز الوجود.

وهذا بخلاف العلّة عند المادي فالعلّة عنده يطلق على المادة المتحوّلة إلى مادة أُخرى كالحطب المنقلب إلى رماد، والوقود المنقلب إلى طاقة، والكهرباء


( 55 )

المنقلبة صوتاً أو حرارة أو ضوءاً.

فكأنّ المادي لا يعترف إلاّ بنوعين من العلل الأربعة; العلّة المادية والعلّة الصورية ويغفل عن العلّة الفاعلية والعلّة الغائية.

وعلى ضوء ذلك فالكون بمادته وصورته وغايته مخلوق للواجب، موجود به، قائم به. وإلى ما ذكرنا يشير الحكيم السبزواري:

معطي الوجـود في الإلهي فاعـل *** معطي التحرك في الطبيعي قائل

الرابع: معنى الإمكان في الوجود غيره في الماهيّة

توصف الماهيّة بالإمكان كما يوصف الوجود به، غير أنّ للإمكان في كلّ من الموردين معنى خاصّاً يجب أن يُفرّق بينهما.

توصف الماهيّة بالإمكان ويراد به: مساواة نسبة الوجود والعدم إليها، فإذا تصوّرنا الإنسان بجنسه وفصله نجد فيه مفهومين مجرّدين عن كلّ شيء حتّى الوجود والعدم، إذ لو كان الوجود جزءاً له يكون واجب الوجود، ولو كان العدم جزءاً له يكون ممتنع الوجود، مع أنّا افترضناه ماهيّة ممكنة.

نعم يعرض كلّ من الوجود والعدم للإنسان في رتبة متأخّرة عن مقام الذات فيقال: الإنسان موجود أو معدوم، أمّا عروض الوجود فهو رهن وجود العلّة، وأمّا العدم فيكفي فيه عدم العلة.

وأمّا وصف الوجود بالإمكان فيختلف معناه مع وصف الماهيّة به، فيصحّ قولنا: الإنسان ماهيّة ممكنة، ونسبة الوجود والعدم إليه متساوية، ولكن لا يصحّ قولنا: الوجود المفاض من العلة العليا، وجود ممكن، ونسبة الوجود والعدم إليه متساوية، إذ كيف يتصوّر أن تكون نسبة الوجود والعدم إلى الوجود متساوية، مع


( 56 )

أنّ الموضوع هو الوجود، ونسبة الوجود إلى الوجود بالضرورة(1) لا بالإمكان؟!

فلا محيص من تفسير الإمكان في الوجود بوجه آخر وهو: كونه قائماً بتمام ذاته بالواجب ومتدلياً به بحيث لو فرض انقطاعه عنه، لما بقي منه أثر.

ولو أردنا أن نوضح المقام بمثال ـ وإن كان بين المثال والممثّل فرق واضح ـ لقلنا : إنّ نسبة الوجود الإمكاني بالنسبة إلى الواجب كنسبة الصور الذهنية إلى النفس الّتي تصنعها في صقعها فهي قائمة بها قيام صدور على نحو لو تغافلت عنها النفس لما بقي منها أثر في صفحة الوجود.

فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ الإمكان في الوجود بمعنى كونه قائماً بالعلّة.

الخامس: واقع الوجود الإمكاني هو الفقر

إنّ الحاجة والفقر عين حقيقة الوجود الإمكاني لا شيء عارض له، وإلاّ يلزم أن يكون في حدّ ذاته غنيّاً عرضته الحاجة والفقر، وهو يلازم انقلاب الواجب إلى ممكن، وهو باطل، فلا محيص من القول بأنّ الفقر والحاجة عين حقيقة الوجود الإمكاني وذاته، وهذا في مقام التمثيل كالمعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الاسمي.

فكما أنّ المعاني الحرفية متدليات بالذات مفهوماً ووجوداً، لا يمكن تصوّرها مستقلة عن المتعلّق كما لا تتحقّق مجرّدة عنه. فهكذا الوجود المفاض عن العلّة، فواقعه، هو القيام بالغير، والتدلّي به، فالفقر ذاته وجوهره، والحاجة لبّه وحقيقته، والربط والقيام بالغير، كينونته وتقرّره، لا انّه شيء عرضه الفقر والحاجة والربط.

فالعالم الإمكاني بأرضه وسمائه، ماديّة ومجرّدة، موجودات متدليات قائمات


1 . يراد بالضرورة، الضرورة الذاتية، لا الضرورة الأزلية الّتي من خصائصه سبحانه.


( 57 )

بالغير، وافتراض استغنائها عن العلّة يساوق عدمها.

إذا وقفت على هذه الأُمور تتجلى لك الحقيقة بأوضح صورها وتذعن بأنّ فرض تسلسل العلل والمعاليل إلى غير النهاية دون أن يكون بينها ما هو علّة وليس بمعلول، افتراض غير معقول مشتمل على التناقض الصريح في الفرض.

وذلك انّ كلّ جزء من هذه السلسلة غير المتناهية وإن كان علّة للمتأخر ومعلولاً للمتقدّم لكن ذلك لا يصدّنا عن وصفها بأنّها سلسلة موصوفة بالمعلولية، وأنّه ليس فيها ما لا يكون كذلك بأن يكون علّة ولا يكون معلولاً; إذ عندئذ يلزم انقطاع السلسلة، وهو خلف.

فإذاً المدّعى ـ إمكان التسلسل ـ مركب من جزأين:

أ. السلسلة المفروضة موصوفة بالمعلولية.

ب. السلسلة تفقد ما يكون علّة ولا يكون معلولاً.

فنقول: إنّ الجمع بين هذين الجزأين من المدعى جمع بين المتناقضين.

لأنّ افتراض كونها معلولة يلازم كونها وجوداً رابطاً غير غنيّ عن الوجود النفسي حتّى يقوم به.

فكيف يجتمع هذا الفرض مع الجزء الثاني، أي أنّ السلسلة تفقد الوجود النفسي، وما هو علّة وليس بمعلول؟!

واشتمال الفرض على التناقض دليل واضح على بطلانه وامتناعه.

وإلى ما ذكرنا من البرهان يشير العلاّمة الطباطبائي في كتابه القيّم «نهاية الحكمة» ويقول: والتسلسل في العلل محال. والبرهان عليه أنّ وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علّته لا يقوم إلاّ بعلته، والعلّة هو المستقل الّذي يقوّمه. وإذا كانت علّته معلولة لثالث وهكذا كانت غير مستقلّة بالنسبة إلى ما فوقها، فلو ذهبت


( 58 )

السلسلة إلى غير نهاية ولم تنته إلى علّة غير معلولة تكون مستقلة غير رابطة، لم يتحقق شيء من أجزاء السلسلة لاستحالة وجود الرابط إلاّ مع مستقل.(1)

وإن شئت قلت: إنّ المعلول في مصطلح الإلهيّين هو: ما يكون مفاضاً ـ بمادته وصورته وكل شؤونه ـ من جانب العلّة وقائماً بها، وصادراً عنها. وهذا يعني أنّ كلّ حلقة من تلك الحلقات، وكلّ جزء من تلك السلسلة كان معدوماً فوجد بسبب علّته ، وتحقق بجميع شؤونه بفضلها، فبما أنّ أفراد هذه السلسلة برمّتها تتّسم بصفة «المعلولية» كان جميعها متصفاً بالفقر والتعلق بعلته، أي لو أنّنا سألنا كلّ حلقة عن كيفية وجودها لأجابتنا ـ بلسان التكوين ـ : بأنّها مفتقرة في وجودها وفي جميع شؤونها إلى العلة الّتي سبقتها، فإذا كان هذا هو لسان حال كلّ واحدة من حلقات هذه السلسلة، تكون السلسلة برمّتها سلسلة فقر واحتياج، سلسلة تعلّق وارتباط. وعند ذلك يُثار هذا السؤال:

كيف انقلبت هذه السلسلة الفقيرة الفاقدة لكلّ شيء إلى سلسلة موجودة بالفعل؟! وكيف وجدت هذه السلسلة المرتبطة بحسب ذاتها من دون أن تكون هناك نقطة اتكاء قائمة بنفسها؟!

تقرير آخر لامتناع التسلسل

وهناك تقرير آخر لبطلان التسلسل ربما يكون مفيداً للمتوسطين من طلاب العلوم العقلية.

وحاصله: أنّ فرض صحة التسلسل فرض تحقق قضايا مشروطة وإن لم يتحقق شرطه.


1 . نهاية الحكمة:168.


( 59 )

توضيحه: انّ وجود المعلول الأخير إذا كان مشروطاً بوجود ما يسبقه من العلّة وكانت تلك العلّة المتقدّمة مشروطة في وجودها بوجود ما قبلها، واستمر هذا الاشتراط إلى غير النهاية، تكون النتيجة تصوّر موجودات غير متناهية، مشروط وجود كلّ واحد منها بوجود ماقبله، بحيث إذا سألت كلّ واحد عن شرط تحقّقه، لإجابك بأنّه لا يتحقّق إلاّ أن يتحقّق ما يتقدّمه، ولو سألت ما يتقدّمه لأجابك بهذا أيضاً، وهكذا....

وعلى هذا: لو كان هناك موجود مطلق، وقضية غير مشروطة، لم يشترط وجودها بشيء ـ كما هو الحال إذا أنهينا السلسلة إلى خالق أزلي ـ فعند ذاك يتحقّق شرط كلّ حلقة، وقضية، فتصبح السلسلة موجودة لتحقّق شرط الجميع، وأمّا إذا كان الجميع أُموراً مشروطة وقضايا معلّقة، فبما انّها لا تتوقّف السلسلة عند حدّ لا يكون الشرط النهائي متحقّقاً، وفي هذه الحالة كيف يتحقّق المشروط بلا تحقّق شرطه.

إنّ النتيجة في هذه الحالة هي أن يمتنع تحقّق قضايا مشروطة لا يوجد بينها ـ أو لا تنتهي إلى ـ قضية مطلقة، ولنأت بمثال لتوضيح ذلك:

لو أنّ أحداً اشترط التوقيع على ورقة بتوقيع شخص آخر، والثاني بتوقيع ثالث، ثمّ رابع، وهكذا إلى غير نهاية، فانّ من البديهي انّه لا تُمضى تلك الورقة أبداً، ولا يتمّ التوقيع عليها مطلقاً.

وهكذا لو أنّ أحداً اشترط حمل صخرة بحمل شخص آخر لها ومساعدته له، واشترط الثاني حملها بحمل ثالث، والثالث بحمل رابع، وهكذا إلى غير نهاية، فانّ هذه الصخرة لن يتمّ حملها إلى الأبد لتسلسل الشرائط، وتوقّف كلّ حمل على حمل يسبقه.


( 60 )

هذا ما سمح به الوقت لتقرير هذا البحث بوجه يكون مقنعاً للطبقة العليا والمتوسطة...

نشكر اللّه سبحانه على ما رزق المؤسسة ومحققيها من توفيق لتقديم هذا الجزء إلى عشاق العلوم العقلية محققاً ومصححاً خالياً عن الغلط و التشويش. ومزداناً بالتعاليق المفيدة، وسيتلوه إن شاء اللّه الجزء الثالث من الأجزاء الخمسة الّتي سيتم إخراج الكتاب فيها بإذن اللّه سبحانه.

انّه خير مسؤول وخير مجيب.

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

قم ـ إيران

25جمادي الآخرة من شهور عام1426هـ


( 61 )

5

تجرّد النفس

أو الحدّ الفاصل بين المنهجين:

المادّي والإلهي

خصّ المحقّق اللاهيجي الجزءَ الثالث بالجوهر والجزءَ التالي بالأعراض، وقد قسّمَ الحكماءُ الجوهرَ إلى العقل والنّفس والصورة والهيولى والجسم، المركب منهما عند المشّائين منهم. وأمّا ما هو تعريف الجوهر؟ وما هي أقسامه؟ وما هو الملاك في تقسيمه إلى الأقسام الخمسة؟ فخارجٌ عن موضوع بحثنا في هذا التقديم، والّذي نحن بصدد بيانه هو تجرّد النفس الذي طرحه المصنّف في المسألة الرابعة من الفصل الرابع. واستدلّ عليها تبعاً للمتن بوجوه سبعة، وهي:

1. تجرّد عارض النفس وهو العلم: إذا كانت المعلومات مجرّدة عن الموادّ فيكون معروضها ـ أعني: النفس ـ مجرّدة كذلك.

2. عدم انقسام العلم: إنّ العلم العارض للنفس غير منقسم، فمعروضه كذلك. وفي الحقيقة هذان الدليلان وجهان لدليل واحد حيث يتطرق إلى تجرّد


( 62 )

العلم ومن ثَمَّ إلى تجرّد العالِم وهو النفس.

3. قدرة النفوس البشرية على ما لا يتناهى: النفوس البشرية تقوى على ما لا تقوى عليه المقارنات للمادّة، لأنّها تقوى على ما لا يتناهى، والقوى الجسمانية لا تقوى على ما لا يتناهى.

4. عدم حلول النفس في البدن: إنّ النفس لو كانت جسمانية لحلّت في جزء من البدن من قلب أو دماغ، فيلزم أن تكون دائمة التعقّل له، أو غير عاقلة له أصلاً. والتالي باطل، لأنّ النفس تعقل القلب والدماغ في وقت دون وقت.

5. استغناء النفس في التعقّل عن المحلّ: إنّ النفس الناطقة تستغني في عارضها وهو التعقّل عن المحلّ، بدليل أنّها تعقل ذاتها ولآلتها من غير حاجة إلى آلة كما مرّ، فتكون في ذاتها مستغنية عن المحلّ، وإلاّ لكان المحلّ آلة لها في التعقّل، فلا تكون مستغنية عن الآلة في تعقّلها أيضاً. هذا خلف.

6. عدم تبعية النفس للجسم: إنّ النفس الناطقة لو كانت منطبعة في الجسم لكانت تابعة له في الضعف والكمال كالسمع والبصر، والتالي باطل. فإنّ الإنسان في سنّ الانحطاط يقوى تعقّله ويزداد مع كون البدن في النقصان والانحطاط.

7. النفس الناطقة ليست منطبعة في الجسم: إنّ النفس الناطقة غير منطبعة في الجسم لحصول ضد ما هو حاصل للقوى المنطبعة من حيث هي منطبعة، للنفس الناطقة.

توضيحه: أنّ القوى الداركة بالآلات يعرض لها الكلال من إدامة العمل، والأمر في القوى العقلية بالعكس، فإنّ إدامتها للعقل وتصوّرها للأُمور الّتي هي أقوى يُكسبها قوّة وسهولة قبول لما بعدها.


( 63 )

هذه هي الوجوه الّتي اعتمد عليها المؤلّف في هذا الجزء(1)، وقد وقعت هذه الأدلّة موضع نقاش، وذكرها الشارح ودفع النقاشات عنها، لكنّ الأدلّة الدالّة على تجرّد النفس أكثر من ذلك، وقد ذكر بعض المحقّقين من المعاصرين أنّه جمع أدلّة تجرّدها من المصادر العلمية حيث ناهزت أكثر من سبعين دليلاً.

وقال: إنّ عدّة منها تدلّ على تجرّدها البرزخيّة، وطائفة منها تدلّ على تجرّدها العقلية.(2)

أقول: اللازم في هذه العصور دراسة تجرّد النفس دراسة أوسع من ذلك لأجل أمرين:

1. أنّ تجرّد النفس هو الحدّ الفاصل بين الماديّين والإلهيّين، لأنّ الفئة الأُولى قالوا بمساواة الوجود بالمادّة وأنّه ليس وراءها ملأ ولا خلأ«وليس وراء عبّادان قرية»، ولكن الطائفة الثانية قالوا بسعة الوجود وأنّه أعمّ من المادّة، وركّزوا على أنّ العلوم المادّية لها حق الإثبات وليس لها حقّ النفي، بمعنى أنّ له أن يقول: إنّ الذرّة موجودة وأنّها تتشكّل من جزأين: «الكترون» و «بروتون»، و أمّا أنّه ليس وراء الذرّة عالم آخر فليس له حقّ النفي، لأنّه يعتمد في قضائه على التجربة، والغاية المتوخّاة منها إثبات ظاهرة مادّة موجودة، وأمّا نفي ما وراء تلك الظاهرة فلا يرومه المجرِّب في مختبراته. فإذن التجربة أداة وضعت لدراسة الأمر المادّي وتحليله من دون نظر إلى ما وراء المادّة.

فإذا قام الدليل القطعي على وجود عالم أو عوالم فوق عالم المادّة، يكون دليلاً قاطعاً على سعة الوجود وضيق المادّة، وبرهاناً دامغاً على إبطال الماديّة.


1 . لاحظ شوارق الإلهام:3/459، 473.

2 . كشف المراد:278 تعليقة الحكيم الشيخ حسن حسن زاده الآملي ـ دام ظلّه ـ.


( 64 )

2. أنّ المعاد الجسماني الّذي اتّفق عليه المتكلّمون ورُوّاد الحكمة المتعالية ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ لايتحقّق إلاّ بالقول بتجرّد الروح والنفس الناطقة عن المادّة وأنّها باقية بعد الموت، وفناء البدن.

فإذا قامت القيامة ورجع الروح إلى نفس البدن الّذي اجتمعت أجزاؤه بأمر اللّه سبحانه، يكون المعاد يوم القيامة هو نفس الإنسان الموجود في الدنيا.

وأمّا لو قلنا بأنّه ليس هناك وراء البدن شيء آخر، وأنّ الإنسان يُفني بتفرّق أجزاء بدنه، فالقول بالمعاد الجسماني بعينه يواجه أمراً مشكلاً، إذ كيف يمكن أن يقال: إنّ المعاد هو نفس المبتدأ مع وجود الفاصل الزمني عبر قرون ، الملازم لكون المعاد ـ حين ذاك ـ مثلاً للمتبدأ لا عينه؟

فلو فرضنا أنّ اللبنة بعد ما جفّت، كسرها أحد وطيّنها وصنع منها لبنة جديدة، يكون المعاد غير المبتدأ، وما ذلك إلاّ لفقد الصلة بين المعدوم والموجود، فالقائل بالمعاد الجسماني يقول: إنّ المعاد بعد الفناء هو نفس المبتدأ لا مماثل له، ولا محيص عن القول بوجود حلقة بين المبتدأ والمعاد تحفظ وحدة الأمرين، وإنّما يختلفان زماناً لا عيناً.

وإن شئت قلت: إنّ المعاد جسمانياً وروحانياً ـ كما هو الحقّ ـ عبارة عن القول بتركّب الإنسان من بدن ونفس، فللبدن كمال ومجازاة، وللنفس كمال ومجازاة. والّذي يُحقِّق العينية هو وجود الصلة بين البدن الدنيوي والأُخروي.

هذا ما يستفاد من الذكر الحكيم في قوله:(أَئِذَا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ أَئِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ *قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).(1)


1 . السجدة:10ـ11.


( 65 )

إنّ القرآن يجيب عن شبهة القوم ـ أعني: ضلال الإنسان بموته وتشتّت أجزاء بدنه في الأرض ـ بجوابين:

أوّلهما: قوله: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ).

وثانيهما: قوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).

والأوّل: راجع إلى بيان باعث الإنكار، وهو أنّ السبب الواقعي لإنكار المعاد، ليس ما يتقوّلونه بألسنتهم من ضلال الإنسان وتفرّق أجزاء بدنه في الأرض، وإنّما هو ناشئ من تبنّيهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء اللّه، فصار ذلك مبدأ للإنكار.

والثاني: جواب عقلي عن هذا السؤال، وتُعلم حقيقتُه بالإمعان في معنى لفظ «التوفّي»، فهو وإن كان يفسّر بالموت، ولكنّه تفسير باللازم، والمعنى الحقيقي له هو الأخذ تماماً. وقد نصّ على ذلك أئمّة أهل اللغة، قال ابن منظور في «اللسان»:«توفّي فلان وتوفّاه اللّه: إذا قبض نفسه، وتوفَّيْتُ المال منه، واستوفيته: إذا أخذته كلّه، وتوفّيت عدد القوم: إذا عددتهم كلّهم. وأنشد أبو عبيدة:

إنّ بني الأدرد ليسوا من أحد *** ولا توفّاهم قريش في العـدد

أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم».(1)

إنّ آيات القرآن الكريم بنفسها كافية في ذلك، وأنّ التوفّي ليس بمعنى الموت، بل بمعنى الأخذ تماماً الّذي ربّما يتصادقان، يقول سبحانه: (اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِها)(2). فإنّ لفظة «التي»، معطوفة على


1 . لسان العرب:15/400، مادة «وفى».

2 . الزمر:42.


( 66 )

الأنفس، وتقدير الآية: واللّه يتوفّى التي لم تمت في منامها. ولو كان التوفّي بمعنى الإماتة، لما استقام معنى الآية، إذ يكون معناها حينئذ: اللّه يميت التي لم تَمُتْ في منامها. وهل هذا إلاّ تناقض؟ فلا مناص من تفسير التوفّي بالأخذ، وله مصاديق تنطبق على الموت تارة، كما في الفقرة الأُولى; وعلى الإنامة أُخرى، كما في الفقرة الثانية.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى قوله سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ)، فمعناه: يأخذكم ملكُ الموتِ الّذي وُكّل بِكُم ثُم إنَّكُم إلى اللّه ترجَعُون. و أنّ ما يُمثّل شخصيّتكم الحقيقية(النفس) لا يضل أبداً في الأرض، وانّما يأخذه ويقبضه ملك الموت وهو عندنا محفوظ لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يضلّ، وأمّا الضالّ، فهو البدن الذي هو بمنزلة اللباس لهذه الشخصية.

فينتج أنّ الضال ـ حسب نظركم ـ لا يُشكّل شخصية الإنسان، وما يشكّلها ويقوّمها فهو محفوظ عند اللّه، الذي لا يضلّ عنده شيء.

والآية تعرب عن بقاء الروح بعد الموت وتجرّدها عن المادة وآثارها، وهذا الجواب هو الأساس لدفع أكثر الشبهات التي تطرأ على المعاد الجسماني العنصري.

فإذا كان لتجرّد النفس تأثير في الفلسفة والعقيدة الدينية، فكان من اللازم صب الاهتمام الكثير على دراسته وعدم الاقتناع بما ذكره القدماء من المشّائين وغيرهم ونقلت في الكتب، ولأجل تلك الغاية نأتي ببعض البراهين الّتي لم يذكرها الشارح اللاهيجي. وتُقنع الباحث النابه.

البرهان الأوّل: ثبات الشخصية في دوّامة التغيّرات الجسديّة

وهذا البرهان يتألّف من مقدّمتين:


( 67 )

الأُولى: أنّ هنـاك مـوجـوداً تنسب إليـه جميع الأفعال الصادرة عن الإنسان، ذهنية كانت أو بدنية. ولهذا الموجود حقيقة، وواقعية يشار إليها بكلمة «أنا».

الثانية: أنّ هذه الحقيقة التي تعدّ مصدراً لأفعال الإنسان، ثابتة وباقية ومستمرة في مهبّ التغيرات، وهذه آية التجرّد.

أمّا المقدّمة الأُولى، فهي غنية عن البيان، لأنّ كلّ واحد منّا ينسب أعضاءه إلى نفسه ويقول: يد، رجلي، عيني، أذني، قلبي،... كما ينسب أفعاله إليها، ويقول: قرأت، كتبت، أردت، أحببت، وهذا ممّا يتساوى فيه الإلهي والمادي ولا ينكره أحد، وهو بقوله: «أنا» و «نفسي»، يحكي عن حقيقة من الحقائق الكونية، غير أنّ اشتغاله بالأعمال الجسمية، يصرفه عن التعمّق في أمر هذا المصدر والمبدأ، وربّما يتخيّل أنّه هو البدن، ولكنّه سرعان ما يرجع عنه إذا أمعن قليلاً حيث إنّه ينسب مجموع بدنه إلى تلك النفس المعبّر عنها بـ«أنا». ويقول بدني.

وأمّا المقدّمة الثانية: فكلّ واحد منّا يحسّ بأنّ نفسه باقية ثابتة في دوامه التغيّرات والتحوّلات التي تطرأ على جسمه، فمع أنّه يوصف تارة بالطفولة، وأُخرى بالصبا، وثالثة بالشباب، ورابعة بالكهولة، فمع ذلك يبقى هناك شيء واحد يُسند إليه جميع هذه الحالات، فيقول: أنا الذي كنت طفلاً ثم صرت صبياً، فشاباً، فكهلاً، وكلّ إنسان يحسّ بأنّ في ذاته حقيقة باقية وثابتة رغم تغيّر الأحوال وتصرّم الأزمنة; فلو كانت تلك الحقيقة التي يحمل عليها تلك الصفات أمراً مادياً، مشمولاً لسنّة التغيّر، و التبدّل، لم يصحّ حمل تلك الصفات على شيء واحد، حتى يقول: أنا الذي كتبت هـذا الخط يوم كنت صبياً أو شابّاً، فلولا وجود شيء ثابت ومستمـر إلى زمان النطق، للزم كذب القضية، وعدم صحّتها،


( 68 )

لأنّ الشخص الذي كان في أيام الصبا، قد بطل ـ على هذا الفرض ـ و حدث شخص آخر.

لقـد أثبـت العلمُ أنّ التغيّـر والتحـوّلَ من الآثار اللازمة للموجودات المادية، فلا تنفـك الخلايـا التي يتكوّن منهـا الجسم البشري، عن التغيّر والتبـدّل، فهي كالنهر الجاري تخضع لعملية تغيير مستمر، ولا يمضي على الجسم زمـن إلاّ وقـد حلّت الخلايا الجـديدة مكان القديمة. وقد حسب العلماء معدَّل هذا التجدّد، فظهر لهم أنّ التبدّل يحـدث بصـورة شاملة في البـدن، مـرة كلّ عشر سنين.

وعلى هذا، فعملية فناء الجسم المادي الظاهري مستمرة، ولكن الإنسان، في الـداخل (أنا)، لا يتغيّـر. ولـو كانت حقيقة الإنسان هي نفس هذه الخلايا لوجب أن يكون الإحساس بحضور «أنا» في جميع الحالات أمراً باطلاً، وإحساساً خاطئاً.

وحاصل هذا البرهان عبارة عن كلمتين: وحدة الموضوع لجميع المحمولات، وثباته في دوّامة التحوّلات، وهذا على جانب النقيض من كـونه مادياً.

البرهان الثاني: علم الإنسان بنفسه مع الغفلة عن بدنه(1)

إنّ الإنسان قد يغفل في ظروف خاصة عن كلّ شيء ، عن بدنه وأعضائه، ولكن لا يغفل أبداً عن نفسه، سليماً كان أم سقيماً، وإذا أردت أن تجرب ذلك،


1 . هذا البرهان ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات:2/92. والشفاء قسم الطبيعيات في موردين ص 282 و 464.


( 69 )

فاستمع إلى البيان التالي:

افـرض نفسـك فـي حـديقة زاهـرة غنّـاء، وأنت مستلـق لا تُبصـر أطرافك ولا تتنبّه إلى شـيء، ولا تتلامس أعضاءك، لئلاّ تحسّ بهـا، بل تكـون منفـرجـة، مرتخية فـي هـواء طلق، لا تحسّ فيـه بكيفيـة غـريبـة مـن حـرّ أو بـرد أو ما شـابه، ممّـا هو خارج عـن بدنك. فـإنّك فـي مثـل هــذه الحالـة تغفل عن كلّ شيء حتى عن أعضائك الظاهرة، وقواك الداخلية، فضلاً عن الأشياء التي حولك، إلاّ عن ذاتك، فلو كانت الروح نفسَ بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك، للزم أن تغفـل عـن نفسك إذا غفلت عنها، والتجربة أثبتت خلافه.

وبكلمة مختصرة: «المغفول عنه، غير اللامغفول عنه». وبهذا يكون إدراك الإنسان نفسه من أوّل الإدراكات وأوضحها.

البرهان الثالث: عدم الانقسام آية التجرّد

الانقسام والتجزّؤ من آثار المادة، غير المنفكّة عنها، فكلّ موجود مادّي خاضع لهما بالقوة، وإذا عجز الإنسان عن تقسيم ذلك الموجود، فلأجل فقدانه أدواته اللازمة. ولأجل ذلك ذكر الفلاسفة في محلّه، بطلان الجزء الذي لا تتجزّأ. وما يسمّيه علم الفيزياء، جزءاً لا يتجزأ، فإنّما هو غير متجزّئ بالحسّ، لعدم الأدوات اللازمة، وأمّا عقلاً فهو منقسم مهما تناهى الانقسام، لأنّه إذا لم يمكن الانقسام، لصغره وعجز الوهم عن استحضار ما يريد أن يقسّمه ـ حتى بالمكبّرات ـ لكن العقل يتمكن من فرض انقسامه بأن يفرض فيه شيئاً غير شيء، فحكم بأنّ كلّ جزء منه يتجزّأ إلى غير النهاية، ومعنى عدم الوقوف أنّه لا ينتهي


( 70 )

انقسامه إلى حدّ إلاّ ويتجاوز عنه.(1)

ومن جانب آخر، كلّ واحد منّا إذا رجع إلى ما يشاهده في صميم ذاته، ويعبّر عنه بـ«أنا»، وجده معنىً بسيطاً غير قابل للانقسام والتجزّي، فارتفاع أحكام المادة دليل، على أنّه ليس بمادّي.

إنّ عدم الانقسام لا يختص بما يجده الإنسان في صميم ذاته ويعبّر عنه بـ«أنا» ، بل هو سائد على وجدانياته أيضاً من حبّ، وبغض، وإرادة ، وكراهة، وتصديق، وإذعان. وهذه الحالات النفسانية، تظهر فينا في ظروف خاصة، ولا يتطرّق إليها الانقسام الذي هو من أظهر خواص المادة.

اعطف نظرك إلى حبّك لولدك، وبغضك لعدوك فهل تجد فيهما تركّباً؟ وهل ينقسمان إلى جزء فجزء؟ كلا، ولا.

فإذا كانت الذات والوجدانيات غير قابلة للانقسام، فلا تكون منتسبةً إلى المادة التي يعدّ الانقسام من أظهر خواصّها.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الروح وآثارها، والنفس والنفسانيات، كلّها موجودات واقعية خارجة عن إطار المادة، ومن المضحك قول المادي إنّ التفحّص، والتفتيش العلمي في المختبرات لم يصل إلى موجود غير مادّي، حتى نذعن بوجوده، فقد عزب عنه أنّ القضاء عن طريق المختبرات يختصّ بالأُمور المادّية، وأمّا ما يكون سنخ وجوده على طرف النقيض منها، فليست المختبرات محلاً وملاكاً للقضاء بوجوده وعدمه.

هذا وللحكيم المتأله المؤسس السيد العلاّمة الطباطبائي بحوث شيقة حول


1 . لاحظ شرح المنظومة، للحكيم السبزواري:206.


( 71 )

تجرد النفس في كتابه «أُصول الفلسفة الإسلامية» وما ذكرناه قبس من إفاضاته وأنوار علومه(قدس سره) .

وفي الختام نشكر المحقّق الفاضل،«عليزاده» حيث قدَّم هذا الجزء إلى الطبع مزداناً بتعاليق أرشد فيها القارئ الكريم إلى مكان المسائل في الكتب، حتّى يرجع إليها من أراد التبسّط.

والحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

قم المقدسة

1رجب المرجب من شهور عام 1427هـ


( 72 )

6

شرح«واجب الاعتقاد»

الماتن: العلامة الحلي(648ـ 726هـ).

الشارح: أحد أعلام القرن التاسع الهجري.

تحقيق: محمد عبد الكريم بيت الشيخ.

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

* تحتل مؤلّفات العلاّمة الحلّي(648ـ 726هـ) مساحة واسعة من إصدارات مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)المحقّقة، فبعد «نهاية المرام في علم الكلام» و «تحرير الأحكام» و «نهاية الوصول إلى علم الأُصول» توجّهت الجهود الحثيثة لإصدار أثر آخر من مصنّفات العلاّمة(رحمه الله)، وهو كتاب «تسليك النفس إلى حظيرة القدس».

وخلال عملنا مع الإخوة في «قسم التصحيح والمراجعة» في المؤسسة ـ لإتمام عمل محقّقة الكتاب المذكور(1) ـ عثرنا على نسخة من «شرح واجب الاعتقاد»


1 . السيدة فاطمة رمضاني والتي نالت بتحقيقه شهادة الماجستير بدرجة (امتياز) في علم الإلهيات من كلية الإلهيات في جامعة طهران عام 1426هـ.


( 73 )

مجهولة المؤلّف، مؤرخة في عام 841هـ، مكتوبة في حاشية النسخة الخطية الّتي اعتمدتها المحقّقة كأصل، وهي واحدة من مخطوطات مكتبة المتحف البريطاني برقم10971 OR، وتوجد صورتها في مركز إحياء التراث الإسلامي في قم المقدسة برقم 1804، وقد رمزنا لها هنا بالحرف «ن».(1)

لذلك عقدنا العزم على تحقيق هذا الشرح وضبط عباراته وتهيئته وطبعه بشكل لائق يستفيد منه طلاب المعارف الإسلامية الأصيلة، واستعنّا على ذلك بنسخة أُخرى موجودة في مكتبة آية اللّه العظمى السيد المرعشي النجفي(قدس سره) في قم المقدسة برقم 4/10668، يعود تاريخ نسخها إلى القرن العاشر الهجري، وقد رمزنا لها بالحرف «م».(2)

كما اعتمدنا في تصحيح عبارات المتن على ما ورد في «الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد» للمقداد السيوري.(3)

وقد واجهتنا مشاكل ومعوقات أعاننا اللّه على تذليلها بإشراف سماحة آية اللّه العلاّمة جعفر السبحاني(حفظه اللّه) ومساعدة إخواننا من محقّقي المؤسسة العامرة، حفظهم اللّه ورعاهم لما فيه الخير والصلاح.

* و «واجب الاعتقاد» هو أحد الآثار الكلامية والفقهية للعلاّمة الحلّي (رحمه الله)، قد بيّن فيه ما يجب معرفته على العباد من العقائد الدينية والمسائل الفرعية ما عدا المعاد، وانتهى(رحمه الله) في الفروع إلى آخر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


1 . فهرست نسخه3هاى عكسى مركز احياء ميراث اسلامى:5/271ـ 272.

2 . فهـرسـت نسخـه3هاى خطى كتابخانه عمومى حضرت آيت اللّه مرعشى نجفى: 27/121.

3 . طبـع هـذا الشـرح ضمـن كتاب «كلمـات المحققيـن» مـن منشـورات مكتبـة المفيـد، قم المقدسـة، 1402هـ.


( 74 )

وقد أشرنا في «معجم التراث الكلامي»(1) إلى هذا الكتاب وشرّاحه وشروحه والنسخ الخطية لها، وذكرنا هناك أنّه لم يطبع من هذه الشروح إلاّ شرح المقداد السيوري، وأمّا الشروح الأُخرى فلم ترَ النور بعد.

والشرح الّذي سنورده هنا ـ مقروناً بالمتن ـ هو لأحد علماء القرن التاسع الهجري، وقد أشار صاحب كشف الحجب(2) والذريعة(3)إليه، ولم يتمكنّا من تحديد اسم الشارح، وخلال تحقيقنا هذه المخطوطة عثرنا على قرائن تساعد على نسبة هذا الشرح إلى ابن فهد الحلّي (757ـ 841هـ)وهذه القرائن هي:

1. انّ تاريخ كتابة النسخة «ن» وهو في محرم الحرام من عام 841هـ، وهي سنة وفاة ابن فهد (رحمه الله) إلاّ أنّ المصادر التاريخية لم تذكر الشهر الذي توفّي فيه.

2. تصدّي ابن فهد(رحمه الله) لشرح أغلب كتب العلاّمة الحلّي (رحمه الله).

3. انّ النسخة الخطية «ن» كتبت ـ كما قلنا ـ على حاشية نسخة «تسليك النفس»، وهذه النسخة تحتوي على اختام وعبارات تمليك وكذلك توجد كتابة حول الكتاب وهي بخط إبراهيم بن عبد اللّه بن فتح اللّه بن عبد الملك بن إسحاق الواعظ، بتاريخ 899هـ.

وإبراهيم بن عبد اللّه الواعظ(المتوفّى:950هـ)(4) هو ابن المولى العالم الواعظ الّذي ذكره ابن أبي الجمهور الأحسائي حيث قال:

وحدثني المولى العالم الواعظ، وجيه الدين عبداللّه بن المولى علاء الدين فتح


1 . معجم التراث الكلامي: 1/400 برقم 1670; 2/171 برقم 3271; 4/97 برقم 7984ـ7987; 5/427 برقم 12332; و 5/4942برقم 12634.

2 . كشف الحجب:598.

3 . الذريعة:14/163و 25/4.

4 . انظر ترجمته في «تراجم الرجال» للسيد أحمد الحسيني:1/17.


( 75 )

اللّه بن عبد اللّه بن فتحان الواعظ القمي الأصل القاشاني المسكن عن جدّه عبد الملك عن الشيخ الكامل العلاّمة خاتمة المجتهدين أبو العباس أحمد بن فهد قال: حدثني....(1)

أقول: إنّ من سبر كتاب الذريعة وأمثاله يجد انّ أهل هذا البيت يمتلكون مكتبة غنية بالكثير من الكتب الشيعية القيّمة، وبما أنّ جدهم رضي الدين عبد الملك بن إسحاق القمّي(2) هو من تلاميذ ابن فهد الحلي فقد قوى احتمالنا بعد أن عثرنا على هذه الملاحظات الموجودة في آخر نسخة «التسليك».

ولنا وقفة أُخرى هي: أنّ صاحب الذريعة قد أورد احتمال أن يكون الشارح هو السيد المهنا بن سنان، وهذا لا يصح إذ انّ ابن سنان توفي في عام 754هـ.

4. ما ذكره الشارح في تعريف الإمامة: «رئاسة عامة... الخ» ثمّ ما انفردت به النسخة «ن» من ذكر هذه العبارة: قوله: رئاسة عامة... يشير إلى أنّه قد أخذ هذا التعريف من أُستاذه (المقداد السيوري) الّذي أورده في «النافع يوم الحشر»، كما سنذكره آنفاً.

ونحن ندعو اللّه سبحانه أن تتاح لنا فرصة أُخرى للاستمرار في البحث والتحقيق والخروج بنتيجة قطعيّة نعرضها على القرّاء الكرام.

كما ندعوه سبحانه أن ينفع بعملنا هذا الإخوة المؤمنين وأن يجعله لنا ذخراً إلى يوم القيامة.

والحمد للّه ربّ العالمين

محمد عبد الكريم بيت الشيخ


1 . عوالي اللآلي:1/24.

2 . الذريعة:20/143 برقم 2308.


( 76 )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على نعمائه، وصلّى الله على سيد رسله وأشرف أنبيائه محمّد المصطفى وعلى المعصومين من أُمنائه (1). *

* أقول: (الحمد): هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل، فقولنا: بالجميل ليخرج الوصف بالقبيح، فإنّه ليس حمداً بل ذمّاً، وقولنا: على جهة التعظيم والتبجيل ليخرج الاستهزاء.

فاللّه تعالى هو الذات الموصوفة بجميع الكمالات الّتي هي مبدأ لجميع الموجودات، واللام فيه للملك والاستحقاق، أي(2) اللّه تعالى مالك الحمد ومستحق له. وأتى بالجملة الاسمية دون الفعلية ـ دون ـ (حمدت) و (أحمدُ)، لدلالتها على الثبوت و الدَّوام ودلالة الفعلية على التجدّد والانصرام.

والنعمة: هي المنفعة الواصلة إلى الغير على جهة الإحسان إليه.

والصلاة(3) ; لها معنيان: لغوي، واصطلاحي.

فمعناها في اللّغة: الرحمة إن كانت من اللّه تعالى، والاستغفار إن كانت من الملائكة، والدعاء إن كانت من الناس.

وفي الاصطلاح: عبارة عن أذكار معهودة مذكورة في كتب الشرع.

وقوله: (سيد رسله وأشرف أنبيائه) إنّما كان سيد رسله لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا سيد ولد آدم، ولا فخر»(4) ، والرسل من بني آدم ، وإنّما كان أشرفهم لكثرة كمالاته


1 . أبنائه خ ل.

2 . في نسخة «م»: يعني أن.

3 . في نسخة «م»: وصلّى اللّه: الصلاة.

4 . بحار الأنوار:8/48عن تفسير العياشي.


( 77 )

وبعد: فقد بيّنت في هذه المقالة واجب الاعتقاد على جميع العباد، ولخصت فيها ما تجب معرفته من المسائل الأُصولية (1)، وألحقت به بيان الواجب من أُصول العبادات، والله الموفق للخيرات.*

العلمية والعقلية (2) والخُلقية، ولأنّه تعالى بعد ذكر النبيين(عليهم السلام) أمره أن يقتدي بهم في قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ)(3).]و[ أمره تعالى أن يأتي بجميع ما أتوا به من العلوم النظرية والعملية ، فوجب أن يكون عالماً بكلّ ما علموه(4)، ومتّصفاً بجميع ما اتّصفوا به من الأخلاق الحميدة الفاضلة، فوجب أن يكون أفضل من الجميع(5)، فكان أشرف أنبيائه.

(محمد المصطفى): عطف بيان لقوله سيد رسله وأشرف أنبيائه، وإنّما سمّي محمّداً لكثرة خصاله المحمودة في السماء، ]و[ أحمد: لكثرة حمده وشكره، والمصطفى: المختار.

والمعصومون: هم الموصوفون بالعصمة، وهي عبارة عن لطف يفعله اللّه بالنبيّ أو الإمام بحيث يمتنع منه وقوع معصية مع قدرته عليها; وإلاّ لم يكن مثاباً على ترك القبائح.

وقوله:(من أنبائه) وهم المنبئون أي المخبرون عنه، وفي بعض النسخ:«من امنائه»(6)، وفي بعضها: «وأبنائه»(7); فعلى الأوّلين يدخل علي(عليه السلام)فيهم، لأنّه سيّد الأُمناء والأنباء، وعلى الثالث يختصّ بماعدا علياً (عليه السلام) من الأئمة(عليهم السلام).

* (بعد) : كلمة تسمّى فصل الخطاب، تأتي إذا أُريد الانتقال من كلام إلى


1 . على الأعيان خ ل.

2 . في نسخة«م»: العملية.

3 . الأنعام:90.

4 . في نسخة«م»: علموا به.

5 . في نسخة«م»: فوجب أن يكون أفضل من كلّ واحد منهم، فكان أفضل من الجميع.

6 . في «ن» : أبنائه.

7 . في «ن»: أُمنائه.


( 78 )

يجب على المكلّف أن يعرف أنّ الله تعالى موجود، لأنّه أوجد العالم بعد إذ لم يكن، إذ لو كان العالم قديماً لكان إمّا متحرّكاً أو ساكناً، والقسمان باطلان.

أمّا الحركة، فلأنّ ماهيتها تستدعي المسبوقية بالغير، والقديم لا يصحّ أن يكون مسبوقاً بالغير فلا (1) يعقل قدم الحركة، وكذلك السّكون، لأنّه عبارة عن الكون الثاني في المكان الأوّل، فيكون مسبوقاً بالكون الأوّل بالضرورة. فالأزليّ (2) لا يكون مسبوقاً بغير (3) فثبت حدوث العالم، فيجب أن يكون له محدث بالضرورة، وهو المطلوب، ولا يجوز أن يكون ذلك المحدِث محدَثاً وإلاّ لافتقر إلى محدِث آخر; فامّا أن يتسلسل، أو يدور، أو يثبت المطلوب وهو إثبات مؤثر غير مُحدَث، والدور والتسلسل باطلان، فثبت المطلوب.*

آخر، ومعناها هنا الشروع في شيء آخر بعد حمد اللّه سبحانه وتعالى، والصلاة على نبيّه. وأوّل من نطق بها داود (عليه السلام).

قيل: وهو الّذي عناه تعالى بقوله: (وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ).(4)

وقيل: قيس بن ساعدة الأيادي.

وقيل: علي(عليه السلام).

قوله: (بيّنت): أي ذكرت، (واجب الاعتقاد): أي ما يجب أن يعتقد. والاعتقاد ما يجزم به الإنسان من التصديقات.

وقوله: (على جميع العباد): هم المكلّفون....

والتلخيص: هو حذف الزوائد، والإتيان بالفوائد، و تقريب المتباعد.

* ] أقول:[ اعلم أنّ هذا الكلام مشتمل على بحثين:


1 . ولا. خ ل .

2 . والأزلي. خ ل.

3 . بالغير. خ ل .

4 . ص:20.


( 79 )

الأوّل: وجوب معرفة اللّه تعالى.

الثاني: الطريق إلى معرفته.

أمّا الأوّل: على المكلّف نِعمٌ جمّةٌ من الوجود والحياة والقدرة وغير ذلك، ويعرف ضرورة أنّها ليست منه فتكون من غيره، فذلك الغير إمّا أن يكون واجباً، أو ممكناً.

فإن كان الأوّل كان الفاعل لها هو اللّه تعالى، وذلك ظاهر.

وإن كان الثّاني يكون هو تعالى أيضاً، لأنّه سبب لفاعلها، وفاعل السبب فاعل المسبّب، فيكون اللّه تعالى فاعلاً لها حينئذ على كلا التقديرين فيكون منعماً، وشكر المنعم واجب، فيجب شكره، ولا طريق إلى ذلك إلاّ بمعرفته، فيكون الشكر مناسباً لحاله ولائقاً بكماله وحسب معرفته.

فإن قلت: هذا يلزم منه إثبات مذهب الجبرية، وهو أن يكون الفاعل لأفعال العباد كلّها من الخير والشر هو اللّه تعالى، وهو خلاف مذهبكم.

قلنا: لا خلاف في كونه علّة بعيدة، وإنّما الخلاف في أنّ المباشر لأفعال العبـاد كلّهـا هـو اللّه تعالى أو العبد، فعند المجبرة أنّه اللّه تعالى، وعندنا أنّه العبد، فافترقا. وما كان من أفعال الخير ينسب إليه تعالى، لأنّـه بأمـره; ومـا كان مـن أفعـال الشـر فهـو مـن العبـد، ونسـب إليـه تعالى، لأنّه تعالى نهـاه عنـه، قـال تعالى:(ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ).(1)

وأمّا الثاني: وهو الطريق إلى معرفة اللّه تعالى وهو حدوث العالم، وتقريره موقوف على بيان مقدّمات:


1 . النساء:79.


( 80 )

الأُولى: أنّ العالم لا ينفك عن الحركة والسكون، لأنّ المراد بالعالم هنا الأجسام، والجسم لابدّ له من مكان، فلا يخلو حينئذ إمّا أن يكون لابثاً في ذلك المكان، أو منتقلاً عنه; فإن كان لابثاً فهو الساكن، وإن كان منتقلاً فهو المتحرك. فالعالم حينئذ لا يخلو عن الحركة والسكون، وهو بيان المقدّمة الأُولى.

وأمّا بيان المقدّمة الثانية، أعني: حدوث الحركة والسكون، فنقول: هما حادثان. أمّا الحركة، فلأنّها عبارة عن الحصول الأوّل في المكان الثاني، والمكان الثاني مسبوق بالمكان الأوّل، وهو غيره، فيكون مسبوقاً بغيره، وكلّ مسبوق بالغير حادث، فالسكون حادث، فالسكون مسبوق بالزمان والحركة بالمكان.

وأمّا بيان المقدّمة الثالثة وهو قولنا: انّ كلّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فالدليل على ثبوتها أنّه لولا ذلك لزم: إمّا قدم الحادث، أو انفكاك ما فرض عدم انفكاكه، واللازمان محالان.

وبيان ذلك: أنّ كلّ ما ينفكّ عن الحوادث لو لم يكن حادثاً لكان قديماً، وحينئذ لا يخلو إمّا أن تكون الحوادث مصاحبة له، موجودة معه في القدم، أو لا. فإن كان الأوّل لزم قدم الحادث، وإن كان الثاني لزم انفكاك ما فرضنا عدم انفكاكه، فتصدق المقدمة الّتي ذكرناها، أعني قولنا: إنّ كلّ مالا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فالعالم حادث حينئذ، وكلّ حادث لابدّ له من محدث ضرورة، فالعالم لابدّ له من محدث حينئذ، فإن كان قديماً ثبت المطلوب، وإن كان محدثاً افتقر إلى محدث آخر، فمحدثه إمّا قديم أو محدث، وهكذا فإمّا أن يعود إلى الأوّل فيلزم الدور، أو يذهب إلى غير نهاية فيلزم التسلسل، أو ينتهي إلى محدث قديم. والدور والتسلسل باطلان كما سيأتي، فتعيّن انتهاؤه إلى محدث قديم،


( 81 )

وذلك هو اللّه تعالى لا غير، فيكون اللّه تعالى موجوداً، وذلك هو المطلوب.

وأمّا بيان بطلان الدور و التسلسل; أمّا الدور، فلأنّه عبارة عن توقّف كلّ واحد من الشيئين في وجوده على الآخر إمّا بلا واسطة، كما يتوقّف «أ» على «ب» و «ب» على «أ»; أو بواسطة كما يتوقّف «أ» على «ب» و «ب» على «ج» و «ج» على «د» و «د» على «أ»، وهو محال ، لأنّه يلزم منه توقّف الشيء على نفسه، وهو محال أيضاً للزومـه تقدّم الشيء على نفسه، إذ الموقوف عليه متقدّم على الموقوف، وتقدّم الشيء على نفسـه باطل وإلاّ للزم أن يكـون الشـيء الواحد في زمان واحد موجوداً معدوماً، لأنّ المتقدّم من حيث كونه متقدّماً يجب أن يكون موجوداً، والمتأخّر من حيث كونه متأخّراً يجب أن يكون معدوماً، فيلزم ما قلناه، وهو أن يكون الشيء موجوداً معدوماً في زمان واحد، وذلك ضروري البطلان، فيكون الدور باطلاً.

وأمّا بطلان التسلسل، فلأنّه عبارة عن ذهاب أُمور موجودة مترتبة غير متناهية، وهذا محال أيضاً، لأنّ تلك الأُمور الذاهبة إلى غير النهاية ممكنة لكونها مركّبة، وكلّ مركّب ممكن فتكون ممكنة، فتفتقر إلى مؤثر، فالمؤثر فيها إمّا نفسها أو جزءها أو الخارج عنها.

والأوّل والثاني باطلان للزومهما تأثير الشيء في نفسه المتبين استحالته في بطلان الدور.

والثالث باطل، لأنّ الخارج عن جميع الممكنات واجب الوجود، فتنقطع السلسلة لانتهائها إلى الواجب، إذ الواجب لا علّة له، فيكون التسلسل باطلاً، وهو المطلوب.


( 82 )

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى واجب الوجود، لأنّه لو كان ممكن الوجود لافتقر إلى مؤثر; فإمّا أن يدور، أو يتسلسل، اوينتهي إلى واجب الوجود، وهو المطلوب.*

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى قديمي أزليّ باق أبديّ، لأنّه لو جاز عليه العدم لم يكن واجبَ الوجود، وقد ثبت أنّه تعالى واجب الوجود.**

* اعلم أنّه لمّا ثبت أنّ للعالم ]محدثاً[ قديماً(1) ـ وكان ذلك لا يستلزم وجوب وجوده على مذهب بعضهم، والغرض إثبات وجود واجب الوجود ـ أراد أن يستدلّ على كونه واجباً، فقال: ويجب أن يعتقد انّه واجب الوجود....

وبرهانه أنّه لو لم يكن واجباً لكان ممكناً، لأنّه موجود لِما تقدّم، وكلّ موجود إمّا أن يكون واجباً أو ممكناً لا جائز أن يكون ممكناً وإلاّ لافتقر إلى مؤثر، لأنّ الممكن هو الّذي تتساوى النسبتان ـ أعني: الوجود والعدم ـ إليه، فإذا ترجّح أحدهما على الآخر لابدّ له من مرجح، وقد ترجّح الوجود هنا، إذ التقدير ذلك فلابدّ له من مؤثر حينئذ. فمؤثره إمّا واجب أو ممكن. فإذا كان واجباً، فهو القديم الّذي تقدّم ثبوته; وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثر لما قلناه; وهكذا أمّا أن يعود إلى الأوّل فيلزم الدور، أو يذهب إلى غير نهاية فيلزم التسلسل، وهما باطلان لما تقدّم، فتعيّن انتهاؤه إلى مؤثر هو واجب الوجود، بمعنى أنّ ذاته اقتضت وجوده، وذلك هو اللّه تعالى لا غير، وهو المطلوب.

** اعلم أنّه لمّا فرغ من إثبات واجب الوجود شرع في إثبات صفاته، وهي قسمان: ثبوتية، وسلبية.


1 . في نسخة «م»: صانع قديم.


( 83 )

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى قادر، لأنّه لو كان موجباً لزم قدم العالم لاستحالة انفكاك العلول عن علّته (1)، وقد بيّنا أنّ العالم محدث.*

فالثبوتية ما يحكم عليه بها، ككونه تعالى قادراً عالماً حيّاً موجوداً.

والسلبية ما تنفى عنه، ككونه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض وإنّما قدّم الصفات الثبوتيّة على السلبيّة، لكونها وجودية وتلك عدميّة والوجود أشرف من العدم، فلهذا قدّمها، وهي أُمور متعدّدة كما سيأتي.

فمنها كونه تعالى قديماً، أزليّاً، باقياً، أبديّاً.

والقديم هو الموجود الّذي لا أوّل لوجوده، والأزل هو دوام الوجود في الماضي، والبقاء هو استمرار الوجود، والأبد هو دوام الوجود في المستقبل.

فإذا عرفت معاني هذه الصفات الّتي ذكرناها، فنقول: يجب أن يكون اللّه تعالى متصفاً بها، لأنّه لو لم يتّصف بها لاتصف بالعدم السابق أو اللاحق، فلا يكون واجب الوجود، لأنّ واجب الوجود هو الّذي تقتضي ذاته وجوده، وكلّ مقتض ذاته وجوده لم يجز عليه العدم، لأنّ ما بالذات لا يزول. فإذا اتّصف بشيء من الأعدام لا يكون واجباً لما قلناه. وقد ثبت أنّه تعالى واجب الوجود فيجب أن يكون تعالى قديماً أزلياً باقياً أبدياً، وهو المطلوب.

* اعلم أنّ من جملة صفات اللّه تعالى الثبوتية كونه تعالى قادراً، بل هي أظهر صفاته تعالى وأشهرها وأبينها بظهور آثارها في هذا العالم، والقادر المختار هو الّذي إن شاء فعل وإن شاء ترك.

واعلم أنّ الفاعل هو الّذي صدر عنه الفعل، وهو ينقسم إلى قسمين: قادر


1 . العلة.خ ل.


( 84 )

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى عالم، لأنّه فعل الأفعال المحكمة المتقنة، وكلّ من كان كذلك عالماً بالضرورة.*

وموجب، لأنّ كلّ من صدر عنه الفعل فإمّا أن يصدر عنه مع جواز أن لا يصدر أو مع استحالته، والأوّل قادر والثاني موجب. إذا تقرر هذا فنقول: اللّه تعالى قادر، لأنّه لو لم يكن قادراً لكان موجباً لثبوت انحصار الفاعل فيهما لما قلناه، وإذا انتفى أحدهما ثبت الآخر، فلو لم يكن قادراً لكان موجباً، ثمّ نقول: لو كان موجباً للزم قدم العلم، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

أمّا بيان الملازمة، فلأنّ أثر الموجب يجب أن يكون مقارناً معه غير منفك عنه، لكونه علّة تامة في وجوده والمعلول لا يفارق علّته، وقد ثبت أنّ العالم فعل اللّه تعالى، وأثره يجب أن يكون ملازماً له غير منفك عنه، وهو تعالى قديم فيكون العالم قديماً.

وأمّا بطـلان التالي ـ أعنـي: قدم العالم ـ فلما تقدّم من حدوثه فيبطل المقدّم، وهو كونه موجباً فثبت نقيضه، وهو كـونه قادراً مختاراً، وذلك هو المطلوب.

* اعلم أنّ من جملة الصفات الثبوتية للّه تعالى الّتي يجب أن يعتقدها المكلّف كونه تعالى عالماً، ومعناه أنّ الأشياء ظاهرة له حاضرة لديه غير غائبة عنه، والدليل على ذلك أنّه فَعَلَ الأفعال المحكمة المتقنة، وكلّ من فعل الأفعال المحكمة المتقنة كان عالماً، فاللّه تعالى عالم.

أمّا بيان المقدّمة الأُولى أعني: أنّه فعل الأفعال المحكمة المتقنة....

الفعل المحكم المتقن هو المستجمع الخواص الكثيرة، المشتمل على الأشياء


( 85 )

الغريبة، فيظهر لمن تأمّل مصنوعات اللّه تعالى ومخلوقاته وخصوصاً في من نظر في تشريح بدن الإنسان، وهو ]يرى[ أنّ كلّ جزء من أجزائه له قوّة تجذب إليه الغذاء، إذ الغذاء يصل إلى جميع البدن، فخلق اللّه تعالى في كلّ جزء من أجزائه قوة تجذب إليه فضلاً من الغذاء، وهي القوة الجاذبة.

وقوّة تمسك الغذاء، لأنّ الغذاء لزج وذلك الموضع لزج فيزلق عنه ولا يحصل التغذي، فيؤدي ذلك إلى ضرر وفساد فاقتضت حكمة اللّه تعالى أن يخلق هناك قوة تمسك الغذاء وهي الماسكة.

وقوة تهضم الغذاء، أي تجعله مناسباً لطبيعة ذلك الجزء، إذ الغذاء منه ما يصير لحماً، ومنه ما يصير عظماً، ومنه ما يصير دماً، ومنه ما يصير جلداً، فاقتضت حكمة اللّه تعالى أن يخلق هناك قوّة تفعل ما ذكرناه، وهي الهاضمة.

وقوة تدفع الفضل، إذ الغذاء الّذي تأتي به القوة الجاذبة لا يصير كلّه جزءاً من ذلك، بل بعضه والباقي يصير فضلاً، فاقتضت حكمة الباري أن يخلق هناك قوة تدفع الفضل لئلاّ يبقى ويؤدّي إلى فساد ذلك الجزء، وهي القوة الدافعة، وهذا هو معنى الإحكام والإتقان الّذي ذكرناه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ).(1)

وأمّا بيان المقدّمة الثانية أعني قوله: وكلّ من كان كذلك....

أي وكلّ من فعل الأفعال المتقنة المحكمة كان عالماً، فبديهية، لأنّ العلم باستلزام ذلك الفاعل ضروري، إذ الجاهل لا يصدر عنه فعل المحكم المتقن.

فالمقدمة الأُولى حسيّة والثانية بديهية، والمقدّمتان ضروريتان، إذ الحسيّات من أقسام الضروريات، فيكون عالماً بالضرورة، وهو المطلوب.


1 . الذاريات:21.


( 86 )

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى حيٌّ، لأنّ معنى الحيّ هو الّذي يصحّ منه أن يقدر ويعلم، وقد بيّنا أنّه تعالى قادر عالم فيكون حياً بالضرورة.*

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى قادر على كلّ مقدور، عالم بكلّ معلوم، لأنّ نسبة المقدورات إليه على السويّة، لأنّ المقتضي لاستناد الأشياء إليه هو الإمكان، وجميع الأشياء مشتركة في هذا المعنى، وليس علمه ببعض الأشياء أولى من علمه بالبعض الآخر، فإمّا أن لا يعلم شيئاً منها وقد بيّنا استحالته، أو يعلم الجميع، وهو المطلوب.**

* اعلم أنّه يجب على المكلّف أن يعتقد أنّه تعالى حيٌّ، ومعنى الحيّ هنا ما صحّ عليه الاتّصاف بالقدرة والعلم، وقيل معناه: ما لم يستحيلا عليه. فعلى الأوّل مفهوم الحي ثبوتي، وعلى الثاني سلبي.

وعلى كلا التقديرين هما ثابتان، لأنّا قد بيّنا أنّه تعالى قادر عالم فيصحّان عليه، وإلاّ لما ثبتا له; وليسا بممتنعين عليه لما قلناه أيضاً، وإذا كان كذلك كان حيّاً، لأنّ معناه ما صحّ اتّصاف الفاعل بالقدرة والعلم، أو لم يستحيلا عليه فيكون حياً بالضرورة، وهو المطلوب.

** اعلم أنّه لمّا أثبت كونه تعالى قادراً و عالماً في الجملة أراد أن يثبت عموم ذلك بالنسبة إلى جميع المقدورات وجميع المعلومات، فنقول: اللّه تعالى قادر على جميع المقدورات، وعالم بجميع المعلومات.

أمّا بيان الأوّل: فلأنّ السبب المقتضي لتعلّق القدرة بالمقدورات هو الإمكان، إذ لو كان المقدور واجباً أو ممتنعاً لما تعلّقت القدرة به، فالعلّة المقتضية حينئذ هي الإمكان، والإمكان موجود في جميع الممكنات، وكلّما تحقّقت العلّة تحقق


( 87 )

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى سميع بصير، لأنّه عالم بكلّ المعلومات ومن جملتها المسموع والمبصر، فيكون عالماً بهما، وهوكونه سميعاً بصيراً.*

المعلول، لأنّ وجود العلّة مستلزم لوجود المعلول فيكون قادراً على جميع المقدورات.

وأمّـا بيـان الثـاني: وهو كونه عالماً بجميع المعلومات، لأنّه لو لم يكن كذلك لكان لا يخلـو إمّا أن لا يعلـم شيئـاً، أو يعلم البعض دون البعض .لا جائز أن يعلم البعض دون البعض، لأنّ ذاته تعالى مجرّدة فنسبتها إلى الجميع على سبيل السويّة، فلو تعلّق علمه بالبعض دون البعض لزم التخصيص بلا مخصّص، وهو محال، فبقي القسم الأوّل وهو أن يكون عالماً بجميع المعلومات، وهو المطلوب.

* اعلم أنّ من جملة صفات اللّه تعالى الثبوتية كونه سميعاً بصيراً و اتّفق المسلمون على وصفه تعالى بهما، لقوله تعالى: (وَكانَ اللّهُ سَمِيعاً بَصِيراً)(1) واختلفوا في معناهما فذهب بعضهم إلى أنّهما صفتان زائدتان على العلم، وذهب بعضهم إلى أنّهما نفس العلم وهو الحق، لأنّ المراد بكونه تعالى سميعاً بصيراً علمه بالمسموعات والمبصرات. والدّليل على كونهما بهذا المعنى ما تقدّم من إثبات كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، ومن جملتها المسموع والمبصر، فيكون عالماً بهما، وهو معنى كونه سميعاً بصيراً.


1 . النساء:134.


( 88 )

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى واحدٌ، لأنّه لو كان معهإله آخر لزم المحال، لأنّه لو أراد أحدهما حركة جسم وأراد الآخر تسكينه، فإمّا أن يقعا معاً وهو محال، وإلاّ لزم اجتماع المتنافيين، وإمّا أن لا يقعا معاً، فيلزم خلوّ الجسم عن الحركة والسكون ; وأمّا أن يقع أحدهما دون الآخر، وهو ترجيح من غير مرجّح.*

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى مريد، لأنّ نسبة الحدوث إلى جميع الأوقات بالسوية فلابدّ من مخصّص هو الإرادة.**

* اعلم أنّ من جملة صفات اللّه تعالى الثبوتية أنّه تعالى واحد، وقد استدلّ عليه بما استدلّ عليه المتكلّمون ، وسمّوه دليل التمانع، وهو مستخرج من قوله تعالى:(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدتَا)(1)، وهو إنّما يدلّ على ثبوت الوحدانية للإله القادر المريد.

وتقريره أن يقال: لو كان في الوجود إلهان واجبي الوجود، وأراد أحدهما حركة جسم وأراد الآخر تسكينه، فإمّا أن يقع مرادهما فيلزم اجتماع المتنافيين ـ أعني: الحركة والسكون ـ أو لا يقع مراد أحدهما، فيلزم محالان:

أحدهما: خلو الجسم عن الحركة والسكون.

والثاني: عجزهما.

أو يقع مراد أحدهما دون الآخر، فيلزم عجز من لم يقع مراده، فلا يكون إلهاً،]و[ هذا خلف.

والأقسام كلّها باطلة، وهي لازمة على تقدير أن لا يكون واحداً فيجب أن يكون الإله واحداً، وهو المطلوب.

** اعلم أنّ من جملة صفات اللّه تعالى الثبوتية الّتي يجب على المكلّف أن


1 . الأنبياء:22.


( 89 )

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى كاره، لأنّه نهى عن المعاصي فيكون كارهاً لها.*

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، وإلاّ لكان متحيّزاً أو حالاً في المتحيّز فيكون محدثاً. وأنّه تعالى يستحيل عليه الحلول في محلّ أو جهة، وإلاّ لكان مفتقراً إليهما فلا يكون واجباً.**

يعتقدها كونه مريداً، واتّفق المسلمون على اتّصافه بهذه الصفة، لأنّه أوجد العالم في زمان دون زمان، وعلى شكل دون شكل مع تساوي الجميع بالنسبة إليه، فلابدّ من مخصص إيجاده بزمان دون زمان، وعلى وجه دون وجه، وإلاّ لزم التخصيص بلا مخصّص، وذلك المخصّص هو الإرادة فيكون مريداً، وهو المطلوب.

* اعلم أنّ من جملة الصفات الثبوتية كونه تعالى كارهاً، والكراهة عبارة عن علمه تعالى باشتمال الفعل على المفسدة الصارفة عن إيجاده. والدليل على كونه تعالى كارهاً هو أنّه نهى عن المعاصي، لقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى)(1)، و(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ)(2)، (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ)(3)، وأمثال ذلك، والنهي عن الشيء يستلزم كراهته وإلاّ لكان قبيحاً، وهو تعالى منزّه عن القبيح فيكون كارهاً، وهو المطلوب.

** اعلم أنّه لمّا فرغ من الصفات الثبوتية شرع في الصفات السلبية، وهي أُمور متعدّدة منها: أنّه ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر.

والجسم: هو الطويل العريض العميق.

والجوهر: هو المتميز الّذي لا يقبل القسمة في جهة من الجهات.

والعَرض: هو الحالّ في المتحيّز.


1 . الإسراء:32.

2 . الأنعام:151.

3 . الأنعام:152.


( 90 )

وانّه تعالى لا يتحد بغير لأنّ الاتحاد غير معقول.*

والدليل على نفي هذه الأشياء المذكورة عنه أنّه لو اتّصف بها أو بواحد منها لكان إمّا متحيّزاً إن كان جوهراً أو جسماً، أو حالاً في المتحيّز إن كان عَرضاً، وكلّ واحد منهما محدث، أمّا الجسم فلما تقدّم.

وأمّا الجوهر فالدليل الّذي ذكر على حدوث الأجسام فهو دليل على حدوثه أيضاً.

وأمّا العَرض فلأنّ حدوث المحل مستلزم لحدوث الحال أولى، لتقدّم المتحيّز على الحالّ فيه.

فالحاصل: أنّه لو كان تعالى جسماً أو جوهراً أو عرضاً لكان حادثاً، وقد تقدّم أنّه تعالى قديم، فلا يكون جسماً ولا جوهراً ولا عرضاً، وهو المطلوب.

ومن الصفات السلبية انّه تعالى يستحيل عليه الحلول في محل أو جهة، والمحل إنّما يقال بالنسبة إلى العرض وهو مقابل الحيّز ]و [المكان بالنسبة إلى الجسم، والجهة هي مقصد المتحرك. والحلول عبارة عن مقاربة موجود لموجود بحيث يبطل وجود الحال لوجود المحلّ، والدليل على أنّه تعالى يستحيل عليه الحلول أنّ الحال مفتقر إلى محلّه كما ظهر من معنى الحلول، فكلّ ممكن مفتقر، فلو جاز عليه الحلول لكان ممكن الوجود، وقد قلنا: إنّه تعالى واجب الوجود بنفسه فيستحيل عليه الحلول.

* اعلم أنّ من جملة صفاته تعالى السلبية أنّه لا يتّحد بغيره كما يقول النصارى وبعض الصوفية.

والاتّحاد: عبارة عن صيرورة الشيئين الموجودين شيئاً واحداً موجوداً، وهذا غير معقول، لأنّ الاثنينيّة تقتضي نفي الوحدة، فكونه اثنين وواحداً غير معقول.


( 91 )

وأنّه ] تعالى [ غير مركّب عن شيء وإلاّ لكان في جهة، وقد بيّنا بطلانه.

وأنّه تعالى تستحيل عليه الحاجة وإلاّ لكان ممكناً وهو محال.*

والدليل على أنّه لا يتّحد بغيره، وجوه:

الأوّل: ما قلناه من كون الاتحاد غير معقول، وإذا لم يكن معقولاً لا(1) يتصف به تعالى.

الثاني: انّه بعد الاتّحاد لا يخلو إمّا أن يبقيا أو يعدما، أو يبقى أحدهما ويعدم الآخر، فإن بقيا موجودين فلا اتّحاد; لأنّ الاتّحاد عبارة عما قلناه من صيرورتهما شيئاً واحداً، والاثنان ليسا بواحد; وإن عدما فلا اتحاد ]ولا حلول[ أيضاً، لأنّه لم يبق هناك شيء موجود لا واحد ولا اثنان، وإن عدم أحدهما وبقي الآخر لم يكونا موجودين فلا اتّحاد أيضاً.

الثالث: أنّه لو اتّحد الواجب بغيره لكان لا يخلو إمّا أن يكون ذلك الغير واجباً أو ممكناً.

فإن كان واجباً لزم تعدّد الواجب، وهو محال.

وإن كان ممكناً، والباقي بعد الاتّحاد إمّا ممكن أو واجب; فإن كان ممكناً يلزم صيرورة الواجب ممكناً، وإن كان واجباً يلزم صيرورة الممكن واجباً. والقسمان باطلان، فالاتّحاد باطل، فلا يتّحد تعالى بغيره.

* اعلم أنّ من جملة صفات اللّه تعالى السلبية كونه غير مركب عن شيء، ولا مرئيّاً، ولا محتاجاً.

أمّا الأوّل: فلأنّ كلّ مركّب مفتقر إلى الغير، وكلّ مفتقر في وجوده إلى غيره يكون ممكناً، فلو كان الواجب تعالى مركباً لكان ممكناً، ]و [هذا خلف، فلا يكون


1 . لم خ ل.


( 92 )

ويجب أن يعتقد أنّه تعالى حكيم، لأنّه لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بواجب، وإلاّ لكان ناقصاً، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.*

مركباً عن شيء، وهو المطلوب.

وأمّا الثاني: وهو كونه تعالى ليس مرئيّاً بحاسّة البصر، فالدليل عليه من جهة المعقول هو أنّ كلّ مرئيّ بحاسة البصر يجب أن يكون في جهة، فلو كان تعالى مرئياً لكان في جهة، وقد تقدّم نفي الجهة عنه تعالى فلا يكون مرئياً، وهو المطلوب.

]أمّا[ الثالث: كونه تعالى ليس محتاجاً في ذاته ولا في صفاته، فلو كان محتاجاً لكان ممكناً.

أمّا الاحتياج في الذات فظاهر، وأمّا في الصفات فلأنّه لو كان محتاجاً في صفاته إلى غيره لكان وجودها بوجود الغير وعدمها بعدمه، والواجب متوقّف على أحدهما، وكلّ واحد منهما متوقّف على الغير كما قلناه، فيكون الواجب متوقّفاً في وجوده على غيره، فيكون ممكناً، وهذا محال.

فلا يكون محتاجاً لا في ذاته ولا في صفاته، وهو المطلوب.

* اعلم أنّه يجب على المكلّف أن يعتقد أنّه تعالى حكيم، ومعناه أنّه لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بواجب.

والدليل على أنّه لا يفعل قبيحاً أنّه(1) لو فعله لكان لا يخلو إمّا أن يكون جاهلاً بقبحه، أو عالماً (لا جائز أن يكون عالماً)(2)، لأنّ علمه بقبحه يصرفه عن فعله فلا يفعله، فتعيّن أن يكون جاهلاً، والجهل نقص وهو تعالى منزّه عن صفات


1 . لأنّه.خ ل.

2 . في نسخة «م»: لأنّه لو فعله لكان لا يخلو إمّا أن يكون جاهلاً بقبحه أو عالماً به لأنّ علمه بقبحه....


( 93 )

ويجب أن يعتقد بنبوة نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه ادّعى النبوة وظهر المعجزة على يده، فيكون نبيّاً حقاً والمقدّمتان قطعيتان.*

النقص، فلو فعله لكان ناقصاً، تعالى اللّه عن ذلك كما قلناه، فلا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بواجب، فيكون حكيماً، وهو المطلوب.

* اعلم أنّه لمّا فرغ من إثبات ذات اللّه تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية وهو باب التوحيد، وإثبات أفعاله وهو باب العدل، شرع في الركن الثالث من أركان هذا العلم وهو باب النبوّة.

والنبي: هو الإنسان المخبر عن اللّه تعالى بغير واسطة أحد من البشر.

إذا تقرر ذلك فاعلم: أنّ محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب(صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّ حقّ، لأنّه ادّعى النبوة وظهر المعجز على يده مطابقاً. وكلّ من كان كذلك فهو نبي حقّ.

أمّا بيان الصغرى: وهو أنّه ادّعى النبوة فذلك معلوم بالتواتر، إذ جميع الخلق من أرباب المُلك وغيرهم اتّفقوا على أنّه ظهر شخص في مكة شرّفها اللّه تعالى يقال له: محمد بن عبد اللّه وادّعى النبوّة.

وأمّا أنّه ظهر المعجز على يده فذلك معلوم بالتواتر أيضاً حتّى عدّوا له ألف معجزة، ومنها القرآن الذي هو موجود الآن فإنّه تحدّى به فصحاء العرب، فعجزوا عن معارضته، وعدلوا عن الأسهل إلى الأشق الّذي هو القتل واسترقاقهم، وعدولهم من الأسهل إلى الأشق دليل على عجزهم، فيكون معجزاً.

وأمّا بيان الكبرى: أعني قولنا: وكلّ من ادّعى النبوة وصدّقه اللّه بظهور المعجز المطابق لدعواه يكون نبيّاً حقاً، لأنّه لولا ذلك لكان اللّه تعالى مصدّقاً للكاذب، وتصديق الكاذب قبيح، واللّه تعالى لا يفعل القبيح لما تقدّم، فكلّ من


( 94 )

ويجب أن يعتقد أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)معصوم، وإلاّ لارتفع الوثوق عن إخباراته، فتبطل فائدة البعثة.*

ويجب أن يعتقد أنّه خاتم الرسل، لأنّه معلوم بالضرورة من دينه (صلى الله عليه وآله وسلم).**

ادّعى النبوة حينئذ وظهر المعجز المطابق لدعواه على يده يكون نبياً حقّاً، فمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي حق، وهو المطلوب.

* اعلم أنّه لمّا فرغ من إثبات النبوة شرع في إثبات صفاته، وهي أُمور منها: العصمة: والعصمة لطف يفعله اللّه تعالى بالنبي بحيث يمتنع منه وقوع المعصية مع قدرته عليها، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوم في أربعة أشياء:

في أقواله وأفعاله وتروكه وتقريره.

والدليل على عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لو لم يكن معصوماً لجاز أن لا يصدق في إخباره، فيرتفع الوثوق حينئذ بما يخبر به عن اللّه تعالى، فلا يحصل الانقياد إلى متابعة أفعاله وأقواله، فتبطل فائدة البعثة، لأنّ الغرض منها الانقياد والمتابعة له ظاهراً وباطناً، كما قال تعالى: (ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(1)، وهذا كلّه متوقّف على كونه معصوماً فيجب أن يكون معصوماً، وهو المطلوب.

** واعلم أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء بمعنى أنّه ختم مراتب النبوة، وأشخاصها لقوله تعالى: (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ).(2)

ولأنّه نقل عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) نقلاً متواتراً أنّه: «لا نبي بعدي» فيكون خاتماً، وهو المطلوب.


1 . النساء:65.

2 . الأحزاب:40.


( 95 )

ويجب أن يعتقد أنّ الإمام الحقّ من بعده بلا فصل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ عليه نصّاً متواتراً بالخلافة، ولأنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً، لأنّ الإمامة لطف، لأنّ الناس إذا كان لهم رئيس مرشد كانوا إلى الصلاح أقرب، ومن الفساد أبعد، واللطف واجب على الله تعالى، فتعيّن عليه نصب الإمام، وذلك الإمام لا يجوز أن يكون جائز الخطأ، وإلاّ لافتقر إلى إمام آخر ويتسلسل، فثبت أنّه معصوم، وغير علي بن أبي طالب (عليه السلام)ممّن ادّعى الإمامة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ليس بمعصوم بالإجماع، والأدلّة في ذلك أكثر من أن تحصى.*

* اعلم أنّه لمّا فرغ من النبوة شرع في الإمامة الّذي هو الباب الرابع من أبواب هذا العلم.

والإمامة: رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص بواسطة البشر.

فقولنا: رئاسة، شامل لجميع الرئاسات; وقولنا(1): عامّة، يخرج الرئاسات الخاصة.

وقولنا(2): في أُمور الدين، يخرج الرئاسة المتعلّقة بأُمور الدنيا كرئاسة الحكام والسلاطين.

]و[ قولنا(3): والدنيا، يخرج الرئاسة المتعلّقة بأُمور الدين لا غير، كرئاسة العلماء والفقهاء.

وقولنا: بواسطة البشر يخرج النبوة فإنّها بواسطة المَلك.


1 . الموجود في نسخة «ن»: «قوله»، وربما يعني به ما ذكره المقداد السيوري في «النافع يوم الحشر» في شرح الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي، في الفصل السادس«في الإمامة»، قال: الإمامة رئاسة عامة في الدين والدنيا، لشخص من الأشخاص.

2 . الموجود في نسخة «ن»: «قوله»، وربما يعني به ما ذكره المقداد السيوري في «النافع يوم الحشر» في شرح الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي، في الفصل السادس«في الإمامة»، قال: الإمامة رئاسة عامة في الدين والدنيا، لشخص من الأشخاص.

3 . الموجود في نسخة «ن»: «قوله»، وربما يعني به ما ذكره المقداد السيوري في «النافع يوم الحشر» في شرح الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي، في الفصل السادس«في الإمامة»، قال: الإمامة رئاسة عامة في الدين والدنيا، لشخص من الأشخاص.


( 96 )

إذا تقرر ذلك فاعلم أنّ الخليفة الحق بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) . والدليل عليه من وجوه:

الأوّل: النقل المتواتر، المفيد لليقين، من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه هو الخليفة من بعده كما نقله الشيعة من زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زماننا هذا في جميع أقطار العالم، فيكون هو الخليفة.

الثاني: أنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً، وغير علي(عليه السلام) ممّن ادّعيّ فيه الإمامة ليس بمعصوم.

أمّا بيان المقدّمة الأُولى، وهو كون الإمام يجب أن يكون معصوماً، فلأنّ الإمام لطف، واللطف واجب على اللّه تعالى.

أمّا أنّ الإمام لطف وهو ما كان مقرّباً إلى الطاعة ومبعّداً عن المعصية، ولا ريب أنّ الناس إذا كان لهم رئيس مرشد يخافون سطوته ولا يأمنون عقوبته، كانوا إلى الصلاح أقرب، ومن الفساد أبعد، ولا نعني باللطف إلاّ ذلك كما قلنا، فيكون لطفاً.

وأمّا بيان أنّ اللطف واجب على اللّه تعالى، فقد تقرّر ذلك في باب العدل.

وإذا كان واجباً عليه تعالى، فتعيّن عليه نصب الإمام فينصبه حينئذ. وذلك الإمام الّذي نصبه اللّه تعالى لا يجوز أن يكون جائز الخطأ، وإلاّ لافتقر إلى إمام آخر، لأنّ العلّة المُحوجة إلى نصب الرئيس هو جواز صدور الخطأ من الأُمّة، فلو جاز على الرئيس الخطأ أيضاً لافتقر إلى رئيس آخر، وينتقل الكلام إليه ونقول فيه كما قلنا في الأوّل، وهكذا فيلزم التسلسل، والتسلسل محال، فلا يكون حينئذ جائز الخطأ فيكون معصوماً، وهو المطلوب.


( 97 )

ويجب أن يعتقد أنّ الإمام من بعد علي (عليه السلام)ولده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي، ثمّ محمد، ثمّ جعفر، ثمّ موسى، ثم علي، ثمّ محمّد، ثمّ علي، ثمّ الحسن ثمّ الخلف الحجة صلوات الله عليهم أجمعين، لأنّ كُلّ إمام منهم نصّ على من بعده نصّاً متواتراً بالخلافة، ولأنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً وغيرهم ليس بمعصوم بإجماع المسلمين، فتعيّنت الإمامة فيهم صلوات الله عليهم أجمعين.*

وأمّا بيان المقدمة الثانية، وهو أنّ غير علي(عليه السلام) ممّن ادّعي فيه الإمامة ليس بمعصوم، فبالإجماع العام منّا ومن الخصم، وإذا ثبت أنّ غير علي(عليه السلام)ليس بمعصوم، فغيره ليس بإمام.

وإذا لم يكن غيره إماماً تعيّن أن يكون هو الإمام لا غير، وإلاّ لخرج الحقّ عن الأُمة، وذلك باطل فيكون هو الإمام بلا فصل بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو المطلوب، والأدلّة في هذا المطلوب أكثر من أن تحصى لكن اقتصرنا على ما ذكرناه، لأنّه هو العمدة في هذا الباب، ولمناسبة الاختصار المطلوب في هذه الرسالة.

* اعلم أنّه لمّا فرغ من إثبات إمامة علي(عليه السلام) شرع في إثبات الإمامة لولده الأحد عشر(عليهم السلام)المذكورين في الكتاب، وللإمامية على إثبات هذا المطلوب أدلّة متعدّدة، والمصنّف اقتصر على ما هو المشهور منها، وهو دليلان:

الأوّل: أنّ كلّ واحد منهم(عليهم السلام)نصّ على مَنْ بعده نصّاً متواتراً، نقله الإمامية خلفٌ عن سلف، فيكون إماماً.

الثاني: أنّ كلّ واحد منهم(عليهم السلام)معصوم وغيره ممّن ادّعي فيه الإمامة ممّن كان في زمانه ليس بمعصوم، فلا يكون إماماً، فيكون هو الإمام، وإلاّ لخرج الحقّ عن الأُمّة، وهو باطل فتعيّنت الإمامة فيهم (عليهم السلام).


( 98 )

ويجب أن يعتقد أنّ الإمام الحجّة (صلوات الله عليه) حيٌّ موجودٌ في كلّ زمان بعد موتِ أبيهِ الحسن (عليه السلام)، لأنّ كل زمان لابدّ فيه من إمام معصوم، وغيره ليس بمعصوم بالإجماع، وإلاّ لخلا الزمان من إمام معصوم مع أنّ اللطف واجب على الله تعالى في كلّ وقت.*

* اعلم أنّه يجب أن يعتقد أنّ الإمام الحق محمد بن الحسن(عليه السلام)موجود في هذا الزمان، لأنّ الإمامة لطف، واللطف واجب على اللّه تعالى، واللّه تعالى لا يخل بالواجب، وقد تقدّم بيان هذه المقدّمات، فيجب عليه تعالى أن ينصب إماماً معصوماً، وكلّ من قال بذلك قال بوجوده (عليه السلام) فيكون هو الإمام الموجود والخليفة الحق في هذا الزمان، لأنّه لولا ذلك لكان إمّا أن لا يكون موجوداً أصلاً، فيلزم إخلاله تعالى بالواجب، وهو محال; أو يكون موجوداً، ولا يكون الذي ذكرناه ملزم خلاف إجماع الأُمة، وهو باطل أيضاً، فالإمام الحقّ المعصوم الموجود في هذا الزمان هو محمد بن الحسن العسكري(عليهما السلام)، وذلك هو المطلوب.

واستبعاد الخصم طول عمره(عليه السلام)جهل محض، يعلم ذلك من العلم بقدرة اللّه تعالى وما اشتمل عليه الكتاب العزيز من ذكر نوح(عليه السلام)وكتب التواريخ في أخبار المعمرين.(1)

***

تمّ شرح واجب الاعتقاد يوم الجمعة السادس عشر من شهر محرم الحرام سنة 841هـ.


1 . جاء في نسخة «م»: وهذا آخر ما ذكرناه في شرح المسائل الأُصولية على الوفاء والتمام والحمد للّه ربّ العالمين، وقد وافق الفراغ يوم الأربعاء على يد أقل عباد اللّه وأحوجهم إلى رحمته وغفرانه صالح ابن الشيخ أحمد السعدي....


( 99 )

7

مصطلح أهل الحديث

لغة واصطلاحاً وتطبيقاً

«أهل الحديث» مصطلح مركب من كلمتين: «الأهل» و «الحديث».

أمّا الأوّل فيطلق على جماعة يجمعهم، نسب أو دِيْن أو بلد أو صناعة ونحو ذلك.(1)

وأمّا الثاني: فهو في اللغة بمعنى الجديد في الأشياء، وقد يطلق على الخبر، نحو قوله تعالى: (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)(2) . وعنى بالحديث في الآية، الخبر الوارد في القرآن الكريم في هذا الموضع، فالحديث والخبر في اللغة مترادفان، لكن إذا أُطلق الحديث بين العلماء يراد به ما أضيف إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من قول أو فعل أو تقرير، بل صفة خُلْقية أو خَلْقية على وجه يكون مرادفاً للسنة الّتي يطلق ويراد به قول المعصوم أو فعله أو تقريره.(3)


1 . المفردات للراغب، مادة «أهل».

2 . الكهف: 6.

3 . البداية، للشهيد الثاني:18; وصول الاخيار إلى أُصول الاخبار، للشيخ الحسين العاملي:88; السنة قبل التدوين، لمحمد عجاج الخطيب:22.


( 100 )

فإذا أُطلق مصطلح «أهل الحديث» فيراد به جماعة يزاولون حفظه ونقله وتدوينه.

ومن هنا يعلم وجه تسميتهم بأهل الحديث وأصحابه، قال الشهرستاني: ثمّ المجتهدون من أئمّة الأُمّة محصورون في صنفين لا يعدوان إلى ثالث: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، إلى أن قال: وإنّما سُمُّوا بأصحاب الحديث، لأنّ عنايتهم بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص ولا يرجعون إلى القياس الجلي والخفي ما وجدوا خبراً أو أثراً.(1)

ويعرفهم الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي بقوله: إنّ قوماً استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث و الرحلة فيه وجمع الطرق الكثيرة وطلب الأسانيد العالية والمتون الغريبة.

وهؤلاء على قسمين: قسم قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه وهم مشكورون على هذا القصد إلاّ أنّ إبليس يُلبّس عليهم بأن يشغلهم بهذا، عما هو فرض عين من معرفة ما يجب عليهم والاجتهاد في أداء اللازم والتفقّه في الحديث.

وقسم منهم قوم أكثروا سماع الحديث ولم يكن مقصودهم صحيحاً ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره بجمع الطرق وإنّما كان مرادهم العوالي والغرائب فطافوا البلاد ليقول أحدهم لقيت فلاناً، ولي من الأسانيد ما ليس لغيري، وعندي أحاديث ليست عند غيري.(2)


1 . الملل والنحل:1/217.

2 . تلبيس إبليس:164ـ166، ط مكتبة الحياة.


( 101 )

أصحاب الحديث البارزون

يذكر الشيخ الأقدم الفضل بن شاذان الأزدي النيشابوري (المتوفّى260هـ) أسماء عدة من أصحاب الحديث ويقول: ومنهم أصحاب الحديث مثل سفيان الثوري ويزيد بن هارون وجرير بن عبداللّه ووكيع بن الجراح وأشباههم من العلماء الذين يرون أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:... ثمّ يذكر شيئاً من الأحاديث الغرائب الّتي يرويها أهل الحديث.(1)

وما ذكره ابن شاذان هم أصحاب الحديث واقعاً حسب التعريف المذكور، لكن الشهرستاني توسّع في بيان المصاديق وقال: أصحاب الحديث هم أهل الحجاز، وهم أصحاب مالك بن أنس، وأصحاب إدريس بن محمد الشافعي، وأصحاب سفيان الثوري، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأصحاب داود بن علي بن محمد الاصفهاني.(2)

وقال ابن المرتضى:(قال الحاكم) ومنهم: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وداود بن محمد والكرابيسي، ومن متأخّريهم: محمد بن إسحاق ابن خزيمة صنف كتاباً في أعضاء الرب تعالى ذلك.(3)

ويرى السيّد المرتضى: ابن المبارك ويزيد بن هارون من شيوخ أصحاب الحديث.(4)


1 . الإيضاح:7، ط. الاعلمي.

2 . الملل والنحل:1/217.

3 . المنية والأمل:24.

4 . الانتصار:421.


( 102 )

الأُصول الّتي يعتقدونها

لم يكن لأهل الحديث عقائد خاصة وآراء كلامية، إذ لم يظهروا في الساحة بصورة نحلة كلامية، وإنّما الأمر الّذي جمعهم تحت هذا العنوان هو ولعهم بحفظ الحديث النبوي وتدوينه ونشره. وقال ابن المرتضى: «الحشويّة لا مذهب لهم منفرد».(1)

وبما أنّه لم تكن لهم صبغة كلامية تجاه سائر الفرق، روى السيوطي أنّ أهل الحديث لم يكونوا على وتيرة واحدة، بل كان فيهم مرجئي يرى أنّ العمل ليس جزءاً من الإيمان، كإبراهيم بن طهمان وأيوب بن عائذ الطائي، وناصبي كان ينصب العداء لعلي وأهل بيته كإسحاق بن سويد العبدي، ومتشيّع يرى الفضل لعلي في الإمامة والخلافة نظير إسماعيل بن أبان وأبان بن تغلب، وقدريّ ينسب محاسن العباد ومساوئهم إليهم لا إلى اللّه كثور بن زيد المدني وحسان بن عطية، وجهميّ يعتقد بخلق القرآن وحدوثه كبشر بن سريّ، وخارجي ينكر على عليّ مسألة التحكيم كعكرمة مولى ابن عباس، وواقفي لا يتكلم في القرآن بشيء من الحدوث والقدم ولا في تحكيم عليّ أبا موسى نظير علي بن هشام، ومتقاعد يرى لزوم الخروج على أئمة الجور ولا يباشر بنفسه كعمران بن حطّان.(2)

فهؤلاء مع انتمائهم إلى نِحَل مختلفة كان يجمعهم عنوان «أهل الحديث»، إذ ليس لهم أُصول وآراء كلامية ولا عقائد خاصة، بل الجميع على اختلاف نحلهم كانوا ينضوون تحت عنوان أهل الحديث.


1 . المنية والأمل:24.

2 . تدريب الراوي، للسيوطي:1/328.سيأتي تفصيل ذلك في البحث عن مصطلح أهل السنة في المقال الآتي، فانتظر.


( 103 )

ولما طلع نجم أحمد بن حنبل بعد المحنة الّتي تعرّض لها في مسألة خلق القرآن، وصار إماماً لأهل الحديث، حدّهم تحت أُصول خاصة استخرجها حسب استنباطه من الكتاب والسنّة وجعل الجميع كتلة واحدة بعدما كانوا على سُبل شتّى، وهذه الأُصول هي الّتي حرّرها أحمد بن حنبل في كتاب السنّة(1) ، وبعده الإمام الأشعري في كتاب «مقالات الإسلاميين».(2)

ويظهر ممّا نقله ابن أبي يعلى (المتوفّى: 526هـ) في طبقاته أنّ أكثر أهل الحديث قبل تصدّر أحمد بن حنبل للرئاسة كان عثمانيّ الهوى، إذ هو الّذي قال بالتربيع وجعل علياً رابع الخلفاء، فقد ذكر ابن أبي يعلى بالاسناد عن وديزة الحمصي: قال: دخلت على أبي عبد اللّه أحمد بن حنبل، حين أظهر التربيع بعلي رضي اللّه عنه، فقلت له: يا أبا عبد اللّه إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير.فقال: بئسما قلت، وما نحن وحرب القوم وذِكْرها. فقلت: أصلحك اللّه إنّما ذكرناها حين ربّعتَ بعلي، وأوجبت له الخلافة، وما يجب للأئمّة قبله. فقال لي: وما يمنعني من ذلك؟ قال: قلت: حديث ابن عمر. فقال لي: عمر خير من ابنه. قد رضي علياً للخلافة على المسلمين، وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قد سمّى نفسه أمير المؤمنين، فأقول أنا: ليس للمؤمنين أمير؟ فانصرفتُ عنه.(3) وعلى ما ذكر صار علي رابع الخلفاء رتبة وفضيلة.(4)

نعم كان أهل الحديث الكوفيون يقدمون علياً على عثمان، بل يقدّمونه في الفضل على أبي بكر وعمر(5)، غير أنّ عظمة الإمام أحمد قد غلبت على سائر الآراء


1 . كتاب السنة:44ـ 50.

2 . مقالات الإسلاميين:320ـ 325.

3 . طبقات الحنابلة:1/393.

4 . مقالات الإسلاميين:294.

5 . البداية والنهاية لابن كثير:8/11.


( 104 )

وجعل المفاضلة بينهم حسب ترتيب خلافتهم، يقول ابن عبد البر في الاستيعاب: إنّ الإجماع المدّعى في تفضيل الخلفاء الأربعة وترتيبهم لم يحصل إلاّ في زمن أحمد بن حنبل.(1)

وقد عقد الأشعري فصلاً لعقائد أهل الحديث وقال: هذه حكاية جملة قول أهل الحديث وأهل السنة. ثمّ ذكر آراءهم وعقائدهم، نذكر منها ما يلي:

1. إنّ اللّه سبحانه على عرشه كما قال: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى).(2)

2. وانّ له يدين بلا كيف، وانّ له عينين بلا كيف، وانّ له وجهاً.

3. انّ اللّه وفق المؤمنين لطاعته وخذل الكافرين، ولطف بالمؤمنين ونظر لهم وأصلحهم وهداهم ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، وانّ اللّه سبحانه يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتّى يكونوا مؤمنين ولكنّه أراد أن لا يصلح الكافرين ويلطف بهم حتّى يكونوا مؤمنين ولكنّه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وخذلهم وأظلهم وطبع على قلوبهم.

4. انّ اللّه سبحانه يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنين ولا يراه الكافرون.

5. ويرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح وأن لا يخرجوا عليهم بالسيف وأن لا يقاتلوا في الفتنة.

6. انّ الأطفال أمرهم إلى اللّه إن شاء عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد.(3)


1 . الاستيعاب:3/154.

2 . طه:5.

3 . مقالات الإسلاميين:290ـ 296.


( 105 )

وما ذكرنا من عقائدهم يعرب عن تغلغل فكرة التشبيه والتجسيم والجبر في عقائدهم، وإن كانوا لا يصرحون بذلك، ولكن مآل أقوالهم تلك إلى ذلك.

قال ابن المرتضى: «وأجمعوا على الجبر والتشبيه وجسّموا وصوروا وقالوا بالأعضاء وقِدَمِ ما بين الدفتين من القرآن. قال الحاكم: ومنهم أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وداود بن محمد والكرابيسي، ومن متأخّريهم محمد بن إسحاق بن حزيمة صنف كتاباً في أعضاء الربّ تعالى عن ذلك.(1)

وقد ألف المفسر أبو عثمان إسماعيل الصابوني(المتوفّى 449هـ) رسالة في عقيدة السلف وأصحاب الحديث وذكر فيها بعض هذه الأُصول وقد نشرت ضمن مجموعة الرسائل المنيرية.(2)

التطور في مصطلح «أهل الحديث»

ثمّ إنّه ربما يطلق على أهل الحديث، الحشويةُ أو السلفيةُ إشارة إلى وحدة هذه العناوين في مقام التطبيق وإن كانت المفاهيم مختلفة.

ثمّ إنّ السلفية أو الحشوية صورة أُخرى لأصحاب الحديث.

قال السيد المرتضى: «الحشوية لا يعتد بخلافهم فانّه ـ تحريف القرآن ـ مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنُّوا صحتها، لا يرجع إلى مثلها عن المعلوم المقطوع عليه.(3)

لقد سارت دراسة الحديث بعد الإمام أحمد على المنهج الّذي سلكه


1 . المنية والأمل:24.

2 . لاحظ: مجموعة الرسائل المنيرية:1/105ـ 135.

3 . الذخيرة في علم الكلام:363.


( 106 )

إمامهم، إلى أن ظهر أحمد بن تيمية في أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن فتبنّى آراء الإمام أحمد ومدرسته، ولكنّه أتى بأُمور لا توافق مسلك إمامه، نشير إلى بعضها:

1. آراؤه الخاصة حول الأنبياء والصلحاء والحطّ من منازلهم.

2. حرمة التوسل بالأنبياء والأولياء وزيارة قبورهم.

3. إعمال النظر والاجتهاد في الأحكام.

إلى غير ذلك ممّا أبدعه ابن تيمية في عصره وتبعه على ذلك من جاء بعده، فهم وإن كانوا ينتمون إلى الإمام أحمد في معظم آرائهم الاعتقادية والفقهية ولكن فارقوه في الأُمور السابقة وغيرها، فهم ليسوا من أهل الحديث بالمصطلح السابق، نعم أكثر من ينتمي إلى أهل الحديث في الحياة المعاصرة، هؤلاء الذين يقتفون أثر ابن تيمية في أكثر المسائل، وربما يوجد في المغرب الإسلامي جماعة من أهل الحديث تاركين عقائد ابن تيمية سالكين طريق سائر أهل السنّة.


( 107 )

8

أهل السنة

لغة واصطلاحاً وتطبيقاً

«أهل السنّة» مركّب من كلمتين:«أهل» و «السنّة».

أمّا الأهل فيفسره الراغب بقوله: «أهل الرجل:من يجمعه وإيّاهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد.

وأمّا السنّة في اللغة فيقول ابن الأثير: «الأصل فيها الطريقة والسيرة» يقول سبحانه: (سُنّة اللّه في الَّذينَ خَلَوا مِنْ قَبل)(1)، وفي اللسان: السنة: الطريقة المحمودة المستقيمة.(2)

وقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«سَنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب» أي خذوهم على طريقتهم وأجروهم في قبول الجزية منهم.(3)

وربما تستعمل في الطريقة المعتادة، سواء أكانت حسنة أم سيئة كما في


1 . الأحزاب:62.

2 . لسان العرب:13، مادة «سنن».

3 . النهاية:2، مادة «سن».


( 108 )

الحديث: «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».(1)

وأمّا اصطلاحاً فلها إطلاقان:

1. السنّة ما أمر به النبي أو نهى عنه أو ندب إليه قولاً وفعلاً ممّا لم ينطق به الكتاب العزيز، ولذا يقال أدلة الشرع عبارة عن الكتاب والسنة.(2)

2. السنة في مقابل البدعة، فكلّ ما يسند إلى أُصول الشريعة فهو سنّة في مقابل ما ليس كذلك.(3)وهذا كثير الاستعمال في كلمات الإمام علي(عليه السلام)قال:

1. «ما أُحْدِثَتْ بِدْعَة إِلاّ تُرِكَ بِها سُنَّة، فاتَّقُوا البِدَع وَأَلْزِمُوا المهْيَع».(4)

2. «اُوّه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفرض فأقاموه، أحيُوا السنة وأماتوا البدعة».(5)

هذا كلّه حول لفظ «السنة».

وأمّا إذا أُضيف الأهل إلى السنة فيظهر من الغزالي في «فضائح الباطنية» ورود هذا التعبير في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في افتراق الأُمة إلى فرق متعددة حيث روى عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): ستفترق أُمّتي نيفا وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة فقيل: ومن هم؟ فقال: أهل السنة والجماعة، فقيل وما السنة والجماعة؟ فقال: ما أنا الآن عليه


1 . مستدرك الوسائل:12/229رقم 13956.

2 . النهاية:2/409.

3 . الأُصول العامة للفقه المقارن:121ـ 122.

4 . بحار الأنوار:2/264، الحديث15.

5 . نهج البلاغة، الخطبة182.


( 109 )

وأصحابي.(1)

ولكنا لم نجد مثل هذه العبارة في المجامع الحديثية نعم روى السيوطي في «الدر المنثور» عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله تعالى:(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)(2) قال: تبيض وجوه أهل السنة وتسوّد وجوه أهل البدع.

وأخرج أيضاً عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ:(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)قال(صلى الله عليه وآله وسلم): تبيض وجوه أهل الجماعات والسنة وتسود وجوه أهل البدع والأهواء.(3)

ورواه ابن كثير في تفسير الآية عن ابن عباس أنّه قال: حينما تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.(4)

ولكن أمارات الوضع لائحة على مثل هذه الأحاديث والّذي يدل على الوضع ـ مضافاً إلى ما حقّق في محله من أنّ حديث افتراق الأُمم كلّها ضعاف ـ(5) انضمام لفظ الجماعة إلى السنة في الأخيرين، مع العلم بان لفظ الجماعة استعمل يوم تسنّم معاوية عرش الخلافة فسَمُّوا نفس السنة بعام الجماعة لاجتماع الناس ـ بزعمهم ـ على أمير واحد.

قال ابن عساكر: ثمّ قتل علي رضي اللّه عنه في شهر رمضان سنة أربعين وصالح الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان وسلّم له الأمر وبايعه الناس جميعاً


1 . فضائح الباطنية:78.

2 . آل عمران:106.

3 . الدر المنثور:2/291.

4 . تفسير ابن كثير:1/389.

5 . بحوث في الملل والنحل:1/24ـ 25.


( 110 )

فسمِّي عام الجماعة.(1)

نعم أتى عمر بن عبد العزيز في رسالته الّتي كتبها في آخر القرن الأوّل أو رأس القرن الثاني الهجري رداً على القدرية بكلمة «أهل السنة» فقال: وقد علمتم أهل السنة كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة وسيقبض العلم قبضاً سريعاً.(2)

وأمّا ماذا يراد به عند الإطلاق فهو فرع تعيين المراد من «السنة»:

فإن أُريد في كلمات هؤلاء من «السنة» في «أهل السنة»، الطريقة فيتعين المقصود في الذين اتّبعوا طريقةَ الصحابة والتابعين في الآيات المتشابهات وصفات اللّه من غير خوض في معانيها، بل أجروها على ظاهرها وتركوا علمها على اللّه، وهؤلاء يقولون : انّ للّه يداً وعيناً وساقاً، لكن لا نعرف واقعها ولا نخوض فيها بل نثبتها عليه بنفس معانيها، دون تحقيق.

وقد كان للصفات الخبرية دور كبير في شق الأُمة إلى فرقتين: فرقة تُثبتها على اللّه دون تحقيق وتأويل، وأُخرى تثبتها على اللّه بتأويل مقبول أو غير مقبول، وعلى ضوء ذلك فإطلاقه بهذا المعنى في مقابل المعتزلة المؤوّلين للصفات الخبرية . المنزّهين للّه سبحانه عن التجسيم والتشبيه.

وإن أُريد من السنة في «أهل السنة» الحديث فيتعين المقصود في الذين ليس لهم مهنة سوى مدارسة الحديث وجمعه وقراءته وتحمِّله ونقله، ويعتمدون في كلا الصعيدين: العقيدة والفقه على الحديث دون أن يكون لهم مدرسة فقهية واضحة الأُسس، ولا مدرسة كلامية مبنية على أُصول عقلية.


1 . تاريخ مدينة دمشق:28/35. لاحظ: اسد الغابة:4/387; تهذيب الكمال:22/199; سير أعلام النبلاء للذهبي:3/137، وغيرها كثير.

2 . حلية الأولياء: ترجمة عمر بن عبد العزيز:5/346.


( 111 )

وقد ظهر في أواخر القرن الأوّل وأوائل القرن الثاني اتجاهان مختلفان:

1. أصحاب الحديث والأثر.

2. أصحاب الرأي والقياس.

فأصحاب السنّة هم الذين يقتفون أثر الرسول وسنّته في القول والفعل والتقرير في مقابل من يعمل بالرأي و القياس اللّذين لم يردا في السنة.

يقول الغزالي: وما كان أصحاب الرسول إلاّ على الاتباع والتعليم في كلّ ما شجر بينهم وتحكيم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه لا على اتباع رأيهم وعقولهم، ودلّ على أنّ الحقّ في الاتّباع لا في نظر العقول.(1)

فقد كان النزاع بين التيّارين قائماً على قدم وساق عند ظهور المدرستين; مدرسة الحديث والأثر الّتي يقودها المحدثون، وعلى رأسهم أحمد بن حنبل (264ـ 241هـ)في أوائل القرن الثالث ومدرسة الرأي والقياس الّتي كان على رأسها أبو حنيفة وتلاميذه.

كان أصحاب الحديث والسنة قبل تصدّر أحمد بن حنبل في مجال العقائد على فرق وشيع ولم تكن عندهم أُصول موحدة، إلاّ انّ الإمام أحمد لمّا تسنّم منصة الإمامة في مجال العقائد لأهل السنة، جمعهم على أُصول خاصة ذكرها في كتاب «السنة» وعليها درج الاشعري في كتاب «الإبانة».

ويشهد على ما ذكر، وجود مسالك مختلفة والأهواء المتضادة عند أهل الحديث قبل تسنّمه منصّة الرئاسة لهم فهم ـ على ما ذكره، السيوطي كانوا بين:

مرجئي يرى أنّ العمل ليس جزءاً من الإيمان وأنّه لا تضر معه معصية كما


1 . فضائح الباطنية:78ـ 79.


( 112 )

لا تنفع مع الكفر طاعة، ونقدم إليك بعض أسمائهم من الذين عاشوا قبل إمامة أحمد أو عاصروه، نظراء:

1. إبراهيم بن طهمان ، 2. أيّوب بن عائذ الطائي، 3. ذرّ بن عبداللّه المرهبي، 4. شبابة بن سوار، 5. عبد الحميد بن عبد الرحمن، 6. أبو يحيى الحماني، 7. عبد المجيد بن عبد العزيز، 8. ابن أبي راود، 9. عثمان بن غياث البصري، 10. عمر بن ذرّ، 11. عمر بن مرّة، 12. محمد بن حازم، 13. أبو معاوية الضرير، 14. ورقاء بن عمر اليشكري، 15. يحيى بن صالح الوحاظي، 16. يونس بن بكير.

إلى ناصبي لعلي وأهل بيته الطاهرين، نظراء:

1. إسحاق بن سويد العدوي، 2. بهز بن أسد، 3. حريز بن عثمان، 4. حصين بن نمير الواسطي، 5. خالد بن سلمة الفأفاء، 6. عبد اللّه بن سالم الأشعري، 7. قيس بن أبي حازم.

إلى متشيع يحب علياً وأولاده ويرى الولاء فريضة نزل بها الكتاب ويرى الفضيلة لعلي في الإمامة والخلافة، نظراء:

1. إسماعيل بن أبان، 2. إسماعيل بن زكريا الخلقاني، 3. جرير بن عبد الحميد، 4. أبان بن تغلب الكوفي، 5. خالد بن محمد القطواني، 6. سعيد بن فيروز، 7. أبو البختري، 8. سعيد بن أشوع، 9. سعيد بن عفير، 10. عباد بن العوام، 11. عباد بن يعقوب، 12. عبد اللّه بن عيسى، 13. ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، 14. عبد الرزاق بن همام، 15. عبد الملك بن أعين، 16. عبيد اللّه بن موسى العبسي، 17. عدي بن ثابت الأنصاري، 18. علي بن الجعد، 19. علي بن هاشم بن البريد، 20. الفضل بن دكين، 21. فضيل بن مرزوق الكوفي، 22.


( 113 )

فطر بن خليفة، 23. محمد بن جحادة الكوفي، 24. محمد بن فضيل بن غزوان، 25. مالك بن إسماعيل أبو غسان، 26. يحيى بن الخراز.

إلى قدري ينسب محاسن العباد ومساويهم ومعاصيهم إلى أنفسهم ولا يُسند فعلهم إلى اللّه سبحانه، نظراء:

1. ثور بن زيد المدني، 2. ثور بن يزد الحمصي، 3. حسان بن عطية المحاربي، 4. الحسن بن ذكوان، 5. داود بن الحصين، 6. زكريا بن إسحاق، 7. سالم بن عجلان، 8. سلام بن مسكين، 9. سيف بن سلمان المكي، 10. شبل بن عباد، 11. شريك بن أبي نمر، 12. صالح بن كيسان، 13. عبداللّه بن عمرو، 14. أبو معمر عبداللّه بن أبي لبيد، 15. عبداللّه بن أبي نجيح، 16. عبد الأعلى بن عبد الأعلى، 17. عبد الرحمن بن إسحاق المدني، 18. عبد الوارث بن سعيد الثوري، 19. عطاء بن أبي ميمونة، 20. العلاء بن الحارث، 21. عمرو بن زائدة، 22. عمران بن مسلم القصير، 23. عمير بن هاني، 24. عوف الأعرابي، 25. كهمس بن المنهال، 26. محمد بن سواء البصري، 27. هارون بن موسى الأعور النحوي، 28. هشام الدستوائي، 29. وهب بن منبه، 30. يحيى بن حمزة الحضرمي.

إلى جهمي ينفي كلّ صفة للّه سبحانه ويعتقد بخلق القرآن وحدوثه، نظير: بشر بن السري.

إلى خارجي ينكر على أمير المؤمنين مسألة التحكيم ويتبرأ منه ومن عثمان ومن طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة ومعاوية وغيرهم، نظراء:

1. عكرمة مولى ابن عباس، 2. الوليد بن كثير.

إلى واقفي لا يقول في التحكيم أو في القرآن بشيء من الحدوث والقدم وإنّه


( 114 )

مخلوق أو غير مخلوق، نظير: علي بن هشام.

إلى متقاعد يرى لزوم الخروج على أئمّة الجور ولا يباشره بنفسه، نظير: عمران ابن حطّان.(1)

إلى غير ذلك من ذوي الأهواء والآراء الذين قضى الدهر عليهم وعلى آرائهم ومذاهبهم بعد ما وصل أحمد بن حنبل إلى قمة الإمامة في العقائد. فصار أهل الحديث مجتمعين تحت الأُصول التي استخرجها أحمد وجعل الكلّ كتلة واحدة، بعد ما كانوا على سبل شتى.

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ من كان يفزع في حقلي الأحكام والعقيدة إلى الحديث والأثر المحفوظ عن الرسول وأصحابه كان من أهل السنة وأمّا من كان يفزع، وراء ذلك إلى الرأي والقياس وسائر أدوات الاستنباط أو يحتج بالبرهان على العقيدة فهو خارج عن حدود هذه اللفظة، قبل أن يظهر التطور في ذلك المصطلح وهذا ما نشرحه في ما يلي:

التطور في مصطلح أهل السنة

وعندما ظهر الإمام الأشعري في الساحة عام305هـ تائباً عن الاعتزال ـ الّذي عاش معه قرابة أربعين سنة ـ و التحق بالإمام أحمد، ظهر تطور في التسمية بأهل السنة حيث أفرغ عقائد الإمام أحمد وأتباعه في قوالب كلامية، فصار هو، رأس أهل السنة وأتباعه وإليك نزراً من كلمات الأشعري وأتباعه:

1. يقول أبو الحسن الأشعري(260ـ 324هـ): جملة ما عليه أهل الحديث


1 . تدريب الراوي للسيوطي:1/328.


( 115 )

والسنّة الإقرار باللّه وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند اللّه وما رواه الثقات عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم). وقد (1)أطال الكلام في بيان عقائد الإمام أحمد بن حنبل، وقال في آخره:«ويرون مجانبة كلّ داع إلى بدعة».(2)

2. ويقول في «الإبانة» في تعريف أهل الحق والسنّة: قولنا الّذي نقول به وديانتنا الّتي ندين بها التمسك بكتاب ربّنا ـ عزّ وجلّ وسنة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ و ما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمّة الحديث، ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول ـ أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل ـ نضّر اللّه وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته، قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون.(3)

3. يقول عبد القاهر البغدادي(المتوفّى 429هـ) ـ وهو من الأشاعرة ـ: قد ذكرنا في الباب الأوّل من هذا الكتاب أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا ذكر افتراق أُمّته بعده ثلاثاً وسبعين فرقة، وأخبر أنّ فرقة واحدة منها ناجية، سئل عن الفرقة الناجية وعن صفتها، فأشار إلى الذين هم على ما عليه هو وأصحابه، ولسنا نجد اليوم من فرق الأُمّة من هم على موافقة الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ غير أهل السنة والجماعة من فقهاء الأُمّة ومتكلّميهم الصفاتية، دون الرافضة، والقدرية والخوارج، والجهمية، والنجارية، والمشبهة، والغلاة، والحولية.(4)

4. يقول سعد الدين التفتازاني بعد ما ذكر رجوع الأشعري عن الاعتزال وحواره مع أُستاذه المعتزلي الجبائي وعجزه عن إقناع الأشعري قال: وترك


1 . مقالات الإسلاميين:1/345.

2 . نفس المصدر:350.

3 . الابانة عن أُصول الديانة:43.

4 . الفرق بين الفرق:318ـ 319.


( 116 )

الأشعري مذهبه واشتغل هو ومن تبعه بإبطال رأي المعتزلة وإثبات ما ورد به السنة ومضى عليه الجماعة فسمّوا: «أهل السنة والجماعة».(1)

ترى أنّه كيف تطور لفظة أهل السنة بعد ظهور المدرسة الكلاميّة للأشعري فقد كان يستعمل في خصوص من يعمل بالحديث ويقتصر عليه ولا يعتمد على العقل بتاتاً قياساً كان أو استدلالاً كلامياً، ولكن بعد ما ظهر الإمام الأشعري وجاء بمدرسة كلامية فصار من أنصار السنة وأصحابها وكان الأشعري شافعياً في الفقه، فصار أصحاب المدارس الكلامية والفقهية من أنصار السنة وأصحابها في مقابل سائر الفرق كالمعتزلة والمرجئة والشيعة والخوارج.

وقد تنبه ببعض ما ذكرنا ابن حزم فقال: فِرقُ المقرّين بملة الإسلام خمسة: أهل السنة والمعتزلة والمرجئة والشيعة والخوارج... إلى أن قال: فأقرب فرق المرجئة إلى أهل السنة من ذهب مذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت الفقيه، في أنّ الإيمان هو التصديق باللسان والقلب معاً وأنّ الأعمال هي شرائع الإيمان وفرائضه فقط، وأبعدهم أصحاب جهم بن صفوان وأبو الحسن الأشعري.(2)

ترى أنّه يحاول اخراج أبي حنيفة من أهل السنة لقوله بأنّ العمل ليس جزءاً من الإيمان كما أنّه عد أبا الحسن الأشعري أيضاً أبعد الناس عن أهل السنة فيختص أهل السنة عنده بأهل الحديث ومن يعمل بالظواهر.

ومع أنّ الأشعري دخل في سلك الحنابلة وعدّ نفسه منهم وتاب عن الاعتزال ولكن الحنابلة لم يواجهوه بالقبول، حكى ابن أبي يعلى في طبقاته قال: قرأت على عليّ القومسي عن الحسن الأهوازي قال: سمعت أبا عبد اللّه الحمراني


1 . شرح العقائد النسفية:16.

2 . الفصل في الملل و الأهواء والنحل:2/265.


( 117 )

يقول: لما دخل الأشعري بغداد جاء إلى البَرْبهاري فجعل يقول: رددت على الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس، وقلت وقالوا، وأكثرَ الكلامَ، فلمّا سكتَ قال البَرْبَهاري: وما أدري ممّا قلتَ لا قليلاً ولا كثيراً، ولا نعرف إلاّ ما قاله أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل، قال: فخرج من عنده وصنف كتاب «الإبانة» فلم يقبله منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها.(1)

وما هذا إلاّ لأنّ الأشعري يستحسن الخوض في علم الكلام وقد ألف رسالة في استحسان الخوض في هذا العلم طبعت في حيدرآباد بالهند وقد جئنا بنصها كاملاً في الجزء الثاني من موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل».(2)

وما ذلك إلاّ لأنّ «أهل السنة» كان يومذاك لقب مجموعة من المحدثين الذين لا يهمّهم إلاّ الحديث في عامة الحقول، حتّى أنّهم ضاقوا عن تسمية عدّة من المحدثين بأهل السنة، كعبد اللّه بن سعيد الكلاّب وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي الذين يردّون على عقائد المعتزلة بالدليل العقلي مع أنّهم من أعاظم علماء السنة يوم ذاك. وربما كانت آراء هؤلاء الثلاثة في الرد على المعتزلة كنواة لمذهب الإمام الأشعري.

المشاجرة بين الحنابلة والأشاعرة

إنّ المنافرة والتباغض بين الحنابلة والأشاعرة كانت قائمة على قدم وساق مع أنّ الأشعري قد ظهر في الساحة بعنوان انّه ناصر السنة ومقتفي الإمام أحمد في العقائد، ولكنّه لمّا صبغ عقائد أهل السنة بصبغة كلامية خالفهم الحنابلة ولم


1 . تبيين كذب المفتري، قسم التعليقة:391.

2 . بحوث في الملل والنحل:2/51ـ 67.


( 118 )

يرتضوا به ودامت المنافرة بين الطائفتين عبر قرون، وقد ذكر تاج الدين السبكي وقوع الفتنة بين الحنابلة والأشاعرة عام 436هـ.(1)

وقد أوردنا ما ذكره من المناقشات وتدخل الحكومة في فصل النزاع في كتابنا «بحوث في الملل والنحل».(2)

وقد انتهت هذه الصراعات المستمرة إلى تكفير الأشاعرة الحنابلة، وقد ذكر ابن الجوزي في «المنتظم» أنّه ذهب الشريف أبو القسام البكري المغربي، وهو مدرس بالنظامية، إلى جامع المنصور وهو مركز تجمع الحنابلة. في حراسة الشرطة ووعظ فيه، وهاجم الحنابلة، ورماهم بالكفر قائلاً (ما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا...) ما كفر أحمد بن حنبل، إنّما كفر أصحابه، فرماه الحنابلة بالآجر.(3)

وذكر اليافعي في تاريخه في حوادث عام 566هـ أنّه جاء إلى بغداد محمد بن البروي فوعظ بالنظامية ونصر مذهب الأشعري وبالغ في ذم الحنابلة وكان يقول: لو كان لي أمر لوضعت عليهم الجزية. ثمّ إنّ الحنابلة دسوا عليه مَنْ سمّه.(4)

وقد أفل شيئاً فشيئاً نجم الحنابلة الذين احتكروا لأنفسهم اصطلاح أهل السنة وكانوا لا يرضون لأحد أن يستظل تحته فكانوا هم أهل السنة فقط والأشاعرة والمعتزلة والشيعة والاباضية كلّهم في مقابلهم. ولكن لما ظهر ابن تيمية في الساحة أخذ يروج المذهب الحنبلي خصوصاً عقيدة التشبيه والتجسيم من أوائل القرن الثامن، وقد قبض عليه مرة بعد أُخرى وحكم عليه بالحبس وابتعاد


1 . طبقات الشافعية30/347ـ 375.

2 . بحوث في الملل والنحل:2/277ـ 307. وقد الّفنا رسالة حول «الحنابلة وتأجيج الفتن عبر التاريخ وستوافك في هذا الجزء من الموسوعة».

3 . المنتظم:9/403; الكامل للجزري:10/124.

4 . مرآة الزمان:8/292.


( 119 )

الناس عنه حتّى قضى نحبه في السجن عام 728هـ. ولم يكن لكتبه وأفكاره تأثير بارز في بيئته لأنّها كانت بيئة علمية فيها الكثير من أعلام السنة والفقهاء والحكماء. لكن عندما خرج محمد بن عبد الوهاب في أواسط القرن الثاني عشر (1160هـ) محيياً لما اندرس من تفكيرات ابن تيمية أخذت الحنبلية تنتعش وتحتكر لنفسها اسم السنة وتكفر عامة المسلمين إلاّ من تبعهم(1) ، وقد زاد انتعاشهم عندما بايعه السعوديون على أن يكون الحكم لهم والإفتاء وما يتعلّق به للشيخ وآله.

وكما كانت البيئة التي ظهر فيها ابن عبد الوهاب حاملاً آراء ابن تيمية وأفكاره بيئة امّية جاهلة صار النجاح حليفاً له خصوصاً بعد بيعة السعوديين له، فهم يدعون أنّهم هم أهل السنة لا غير إلى يومنا هذا.

الماتريدية وأهل السنة

في العصر الّذي ظهر مذهب الأشعري بطابَع الفرعية لمذهب أهل الحديث ـ وإن كان بين المذهبين فروقاً كثيرة ـ ظهر مذهب آخر بهذا اللون والشكل لغاية نصرة السنة وأهلها وبالتالي إقصاء المعتزلة عن الساحة، كلّ ذلك بالتصرف في مذهب أهل الحديث وتعديله، وهذا المذهب هو مذهب الإمام محمد بن محمد بن محمود الماتريد السمرقندي (المتوفّى 333هـ).

والداعيان كانا في عصر واحد ويعملان على صعيد واحد ولم تكن بينهما أية


1 . كشف الشبهات:5; حيث جعل الغلو في الصالحين ملاكاً للشرك والمسلمون عندهم كلهم مغالون في الصالحين بالتوسل وغيره، إلى غير ذلك من لكلمات الصريحة في تكفير المسلمين، وقد ألف المحقّق حسن بن فرحان المالكي كتاباً اسماه «محمد بن عبد الوهاب داعية وليس نبياً» أخرج من هذا الكتاب موارد تناهز ثلاثين مورداً تدلّ على أنّه كان يكفر عامّة المسلمين غير من تبعه.


( 120 )

صلة، غير أنّ الأشعري يكافح الاعتزال ويناصر السنة في العراق متقلداً مذهب الشافعي في الفقه والماتريدي يناضل المعتزلة في الشرق الإسلامي متقلداً مذهب الإمام أبي حنيفة في الفقه.

ومع أنّ ثقافته وآراءه في الفقهين الأكبر والأصغر ينتهيان إلى إمام مذهبه أبي حنيفة وهو في عصره من أصحاب الرأي والقياس دون أهل السنة، ولكن حصل تطور آخر في مصطلح أهل السنّة فصار الماتريدي وأصحابه من أهل السنة.

يقول مؤلف مفتاح السعادة: إنّ رئيس أهل السنة والجماعة في علم الكلام رجلان: أحدهما حنفي، والآخر شافعي. أمّا الحنفي فهو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي، وأمّا الشافعي فهو شيخ السنة أبو الحسن البصري الأشعري.(1)

قال السيد الزبيدي الشهير بمرتضى في اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين: «قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد: الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار، وفي ديار ماوراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور وبين الطائفتين اختلاف في بعض المسائل كمسائل التكوين وغيرها.

وقال الكستليّ في حاشيته عليه: المشهور أنّ أهل السنّة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري، أوّل من خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه إلى السنة أي طريق النبي والجماعة أي طريقة الصحابة (رض). وفي ديار ماوراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياضي تلميذ أبي بكر الجوزجاني صاحب أبي


1 . مفتاح السعادة ومصباح السيادة:2/22ـ 23، طبعة الهند.


( 121 )

سليمان الجوزجاني صاحب محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة، فبين الطائفتين اختلاف في بعض الأُصول كمسألة التكوين ومسألة الاستثناء في الإيمان، ومسألة إيمان المقلد، والمحققون من الفريقين لا ينسب أحدهما الآخر إلى البدعة والضلالة.

ثمّ إنّه حكى عن السبكي قصيدته النونية الّتي جمع فيها المسائل الاختلافية بين الأشاعرة وأهل الحديث يظهر فيها عمق الاختلاف والنزاع والتشاجر بين الطائفتين، وسنذكر منها هنا بعض الأبيات:

كذب ابن فاعلة يقول بجهله *** اللّه جسم ليس كالجثماني

واعلم بأنّ الحقّ ما كانت عليه *** صحابة المبعوث من عدنانِ

قد نزّهو الرحمن عن شبه وقد *** دانوا بما قد جاء في القرآن

ومضوا على خيرِ وما عقدوا *** مجالس في صفات الخالق الدَّيانِ

وأتت على أعقابهم علماؤنا *** غرسوا ثماراً يجتنيها الجاني

كالشافعي ومالك وكأحمد *** وأبي حنيفة والرضى سفيانِ

وكمثل اسحق وداود ومن *** يقفو طرائقهم من الأعيانِ

وأتى أبو الحسن الإمام الأشعري *** مبيناً للحقّ أي بيانِ

ومناضلاً عما عليه أولئك الأ *** سلاف بالتحرير والاتقانِ

ما ان يخالف مالكاً والشافـ *** ـعي وأحمد بن محمد الشيباني

لكن يوافق قولهم ويزيده *** حسناً وتحقيقاً وفضل بيان(1)


1 . اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين:2/8ـ 11، طبعة بيروت. وللقصيدة صلة تركناها روما للاختصار.


( 122 )

هكذا ظهر التطور في استعمال عبارة أهل السنة، فأين هؤلاء العاكفون على المناهج الفقهية والكلامية من أهل السنة العاكفين على الحديث وترك ما سواه.

نفثة مصدور

إذا كان أهل السنة هم الذين عكفوا على سنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قوله وفعله ـ وجعلوها نصب أعينهم وطبقوا الحياة عليها وصانوها من الاندراس والضياع، بالتحديث والكتابة والنقل إلى الأجيال، فعليه جمهور الصحابة والتابعين إلى نهاية القرن الأوّل لم يكونوا من أهل السنة لأنّهم تركوا تحديثه وكتابته إلى قرن من الزمان. روى ابن جرير أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان كلما أرسل حاكماً أو والياً إلى قطر أو بلد، يوصيه في جملة ما يوصيه: جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمّد وأنا شريككم.(1)


1 . تاريخ الطبرى:3/273، طبعة الأعلمي بالأُفست.


( 123 )

وقد شيع عمر قرظة بن كعب الأنصاري ومن معه إلى «صرار» على ثلاثة أميال من المدينة، وأظهر لهم أنّ مشايعته لهم إنّما كانت لأجل الوصية بهذا الأمر، وقال لهم ذلك القول.

قال قرظة بن كعب الأنصاري: أردنا الكوفة، فشيّعنا عمر إلى «صرار» فتوضأ فغسل مرتين، وقال: تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا: نعم، نحن أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه، وامضوا وأنا شريككم.(1)

وقد حفظ التاريخ أنّ الخليفة قال لأبي ذر، وعبد اللّه بن مسعود، وأبي الدرداء: ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد؟!(2)

وذكر الخطيب في «تقييد العلم» عن القاسم بن محمد: أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّ في أيدي الناس كتباً، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى اللّه، أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي. قال: فظنوا أنّه يريد ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار ثمّ قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب.(3)

وقد صار عمل الخليفتين سنّة، فمشى عثمان مشيهما، ولكن بصورة محدودة وقال على المنبر: لا يحلّ لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر.(4)

كما أنّ معاوية اتّبع طريقة الخلفاء الثلاث فخطب وقال: يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّه، وإن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر.(5)

حتّى أنّ عبيد اللّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّه.(6)


1 . طبقات ابن سعد:6/7; المستدرك للحاكم:1/102.

2 . كنز العمال:10/293ح29479.

3 . تقييد العلم520.

4 . كنز العمال:10/295، ح 29490.

5 . كنز العمال:10/291، ح 29473.

6 . فرقة السلفية، ص 14، نقلاً عن مسند الإمام أحمد.


( 124 )

وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.

فلو أغمضنا الطرف عن كلّ ما قيل حول كتابة الحديث تحريماً وكتابة فشيعة أئمة أهل البيت هم أهل السنة لم يُعروا أي اهتمام بسيرة الصحابة والتابعين فقد دوّنوا سنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق أئمّة أهل البيت منذ رحيله إلى يومنا هذا، فها هو كتاب علي الّذي جمع فيه إملاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عليه من العلوم والمعارف والأحكام وفيه كلّ شيء حتّى أرش الخدش، وتوالى تدوين الحديث بين شيعة الإمام إلى زماننا هذا.

هذا وقد فصلنا الكلام في دور الشيعة في الحفاظ على سنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من خلال تدوينها وتأليف المجاميع الحديثية فيها في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل».(1)

التسامح في استعمال أهل السنة

قد تعرفت على مصطلح «أهل السنة» وما حصل فيه من التطور، ولكن هناك من يستعمله في من يعتقد بخلافة الخلفاء الأربعة من دون فرق بين الحنابلة والأشاعرة والمعتزلة والاباضية إلى غير ذلك من الفرق فالجميع عندهم أهل السنة سوى من ينفي خلافتهم، ولكنّه بما أنّه اصطلاح لا بأس به إلاّ أنّه لا ينطبق على تاريخ هذا المصطلح.

وهناك نكتة وهي أنّ عد علي(عليه السلام) من الخلفاء لم يكن أمراً متفقاً عليه بين أصحاب الحديث إلى عصر الإمام أحمد، فإنّه هو الّذي جاء بالتربيع وجعل


1 . انظر: بحوث في الملل والنحل:6/668ـ 675.


( 125 )

علياً(عليه السلام) الخليفة الرابع.

وقد ذكر ابن أبي يعلى بالاسناد عن وديزة الحمصي قال: «دخلت على أبي عبد اللّه أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي رضي اللّه عنه فقلت له: يا أبا عبد اللّه إنّه لطعن على طلحة والزبير، فقال:بئس ما قلت ومانحن وحرب القوم وذكرها، فقلت: أصلحك اللّه إنّما ذكرناها حين ربّعتَ بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمّة قبله، فقال لي: وما يمنعني من ذلك، قال: قلت: حديث ابن عمر، فقال لي: عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قد سمّى نفسه أمير المؤمنين فأقول أنا ليس للمؤمنين بأمير . فانصرفتُ عنه.(1)


1 . طبقات الحنابلة:1/393.


( 126 )

9

تفضيل الأئمّة على الأنبياء وعدمه

هل الأئمّة الاثنا عشر أفضل من الأنبياء أو لا؟

إنّ القضاء بين أولياء اللّه أمر مشكل، كما أنّ تفضيل بعضهم على بعض أمر سماوي. نعم أنّ اللّه سبحانه فضّل بعض الأنبياء على بعض وقال:(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْض)(1) ، وفي آية أُخرى:(وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْض وَآتَيْنا دَاودَ زَبُوراً).(2)

ومع ذلك ففي المسألة احتمالات ثلاثة ذكرها الشيخ المفيد.

وقال: قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمة من آل محمد على سائر من تقدّم من الرسل والأنبياء سوى نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأوجب فريق منهم لهم الفضل على جميع الأنبياء سوى أُولي العزم منهم (عليهم السلام).

وأبى القولين فريق منهم آخر، وقطعوا بفضل الأنبياء كلّهم على سائر


1 . البقرة:253.

2 . الإسراء:55.


( 127 )

الأئمّة.

ثمّ قال: وهذا باب ليس للعقول في إيجابه والمنع منه مجال، ولا على أحد الأقوال فيه إجماع، وقد جاءت آثار عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمير المؤمنين(عليه السلام)وذريته من الأئمّة والاخبار عن الأئمّة الصادقين أيضاً من بعد، وفي القرآن مواضع تقوي العزم على ما قاله الفريق الأوّل في هذا المعنى، وأنّي ناظر فيه وباللّه اعتصم من الضلال.(1)

وقد نقل ابن شهر آشوب عن الشيخ المفيد استدلال أكثر أصحابنا على أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)أفضل من كافة البشر سوى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من ثلاثة أوجه:

1. كثرة الثواب.

2. وظواهر الأعمال.

3. المنافع الدينية بالأعمال.

أمّا الأوّل مثل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أنا سيد البشر» وقوله: «أنا سيد ولد آدم ولا فخراً» وإذا ثبت أنّه سيد البشر، وجب أن يليه أمير المؤمنين في الفضل، لدلالة المحكوم له بأنّه نفسه في آية المباهلة بالإجماع. وقد علم أنّه لم يُرد بالنفس ما به قوام الجسد من الدم السائل والهوام ونحوه.

ولم يرد نفس ذاته، إذا كان لا يصلح دعاء الإنسان نفسه فلم يبق إلاّ أنّه أراد المِثْل والعِدْل والتساوي في كلّ حال إلاّ ما أخرجه الدليل.

وما ذلك إلاّ أنّه جعله في أحكام حبه وبغضه وحروبه سواء مع نفسه بلا فصل، وقد علم أنّه لم يضع الحكم في ذلك للمحاباة بل وضعه على


1 . أوائل المقالات:81ـ 82.


( 128 )

الاستحقاق، فوجب أن يكون مساوياً له في الأحكام كلّها إلاّ ما أخرجه الدليل.

وأمّا الثاني أي ظواهر الأعمال فانّه لا يوجد في الإسلام لبشر ما يوجد لعلي، وإذا كان الإسلام أفضل الأديان لأنّه أعمّ مصلحة للعباد، كان العمل في تأديبه وشرائعه أفضل الأعمال مع الإجماع على أنّ شريعة الإسلام أفضل الشرائع والعمل بها أفضل الأعمال.

وأمّا المنافع الدينية بالأعمال وهو أنّ النفع بالإسلام الّذي جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان انّما وصل إلى هذه الأُمّة بأمير المؤمنين، ثبت له الفضل الّذي وجب للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من جهة ربه على القواعد الكلامية في القضاء بالفضائل من جهة النفع العام وتفاضل الخلق فيه بحسب كثرة القائمين للدين والمنتفعين بذلك من الإمام.(1)

ما هو المختار عندنا؟

أمّا الإمام أمير المؤمنين فلا شكّ أنّه أفضل الخلائق بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وذلك بوجهين:

الأوّل: أنّه سبحانه عدّه نفس النبي ونزله منزلته، وليس المراد التنزيل في السيماء الظاهرية، بل المراد التنزيل في الصفات الروحية من الإيمان القوي والتقوى العاصمة والعلم النافع والشجاعة المتناهية، كلّ ذلك يدلّ على أنّه أفضل الخلائق بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

الثاني: انّ حديث الطير: الّذي جاء فيه قول رسول اللّه: «اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإليّ يأكل معي فجاء علي (عليه السلام) فأكل معه»، يدلّ على


1 . متشابه القرآن ومختلفه:2/44.


( 129 )

فضيلة رابية ليست في غيره سوى النبي الأكرم، فأحبّ الناس إلى اللّه يكون أشرف الخلائق بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).

يقول المفيد(قدس سره): «إنّ التواتر قد ورد بأنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) احتج به في مناقبه يوم الدار فقال: أُنشدكم اللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطائر، فجاء أحد غيري؟» قالوا : اللّهم لا. قال: «اللهم اشهد». فاعترف الجميع بصحته، ولم يكن أمير المؤمنين(عليه السلام)ليحتج بباطل، لا سيّما وهو في مقام المنازعة والتوصل بفضائله إلى أعلى الرتب الّتي هي الإمامة والخلافة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإحاطة علمه بأنّ الحاضرين معه في الشورى يريدون الأمر دونه، مع قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«علي مع الحقّ و الحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار».(1)

وقد بحث المحقّق السيد حامد حسين عن حديث الطير سنداً ومتناً في كتابه الكبير المعروف بـ «عبقات الأنوار». وارجع في خلاصة بحوثه إلى كتاب: «نفحات الأزهار» الجزء الثالث عشر و الرابع عشر.

وأمّا سائر الأئمّة فالّذي يمكن أن يقال أنّ الأنبياء على قسمين:

1. قسم بلغوا مرتبة الإمامة بعد النبوة كالخليل ومن جاء بعده من الأنبياء أُولي العزم، فانّه سبحانه تبارك وتعالى أعطاه مقام الإمامة بعدما كان نبيّاً ورسولاً كما هو ظاهر قوله سبحانه: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمَنْ ذُرِّيَّتي قَالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمينَ).(2)

فقد ابتلى اللّه إبراهيم بكلمات عندما كان نبياً من ذبح إسماعيل وغيرها،


1 . الفصول المختارة من العيون والمحاسن:65.

2 . البقرة:124.


( 130 )

فلما أتمّها صار إماماً.

2. قسم آخر بقوا على مقامهم في النبوة دون أن يكونوا أئمّة.

أمّا القسم الأوّل فلا يمكن تفضيل الأئمّة عليهم لمشاركتهم في ملاك التفضيل.

وأمّا القسم الثاني فلا مانع من القول بتفضيل الأئمّة(عليهم السلام) عليهم.

وللعلاّمة السيد محمد علي الشهرستاني كلاماً في هذا المقام قال: أمّا بالقياس إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فالجميع دونه في جميع الفضائل، وإنّما فضائلهم رشحات من فضله وعلومهم مقتبسة من علمه وشرفهم فرع شرفه. وأمّا بالقياس إلى سائر الأنبياء السالفين فلا يبعد أن تكون جملة من هؤلاء أفضل وأشرف من جملة في أُولئك، لأنّ في هؤلاء من هو أعلم وأشرف وأكثر جهاداً في سبيل اللّه واصبر واعظم نفعاً للبشر علمياً وأدبياً وأخلاقياً واجتماعياً، فلا يبقي ما يقف عثرة في سبيل التفضيل سوى ميزة النبوة، وقد قررت في محله أنّ الخلافة لأفضل الأنبياء قد يعتبر أعظم درجة من بعض الأنبياء.

وبعبارة أُخرى: لم يثبت انّ الخلافة الإلهية عن أعظم أنبياء أقلّ درجة من كلّ نبيّ.

ويمكن أن يصاغ ذلك الأمر العقلي في قالب مثال وهو: قياس ملك مملكة صغيرة إلى وزير مملكة كبيرة، فانّ وزيرها ربما يكون أقوى من ملك بلد صغير.(1)


1 . أوائل المقالات، قسم الهوامش، ص 81ـ 82.


( 131 )

10

سبّ المسلم ولعنه

السبّ في اللغة هو الشتم.يقال:سبّه إذا شتمه.وهو من المفاهيم الواضحة الغنيّة عن التبيين والتوضيح، وهو من المحرّمات. وقد نقل الفريقان عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال:«سباب المؤمن فسوق».(1)

وروى الإمام الباقر(عليه السلام) أنّ رجلاً من تميم أتى النبي فقال: أوصِني، فكان فيما أوصاه، أن قال: «لا تسبَّ الناس فتكسب العداوة لهم».(2)

وقال الصادق: «سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة».(3)

وروى الشريف الرضي أنّ عليّاً سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام حربهم في صفين، فقال لهم: «إنّي أكره أن تكونوا سبّابين، ولكن لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم، كان أصلبَ في القول وأبلغَ في العذر».(4)


1 . صحيح البخاري:4/71، كتاب الدعوات; وسائل الشيعة:8، الباب158 من أبواب أحكام العشرة، الحديث2.

2 . وسائل الشيعة:8، الباب158 من أبواب أحكام العشرة، الحديث3.

3 . المصدر السابق: الحديث4.

4 . نهج البلاغة، الخطبة 206.


( 132 )

فعلى هذا يكون سبُّ المسلم أمراً محرماً من غير فرق بين كون المسبوب صحابياً أو تابعياً أو غيرهما. وأنّ من يتهم الشيعة بأنّهم يسبّون بعض الصحابة إنّما يفتري عليهم من غير دليل.

هذا كلّه حول السب. وأمّا اللعن فهو يفترق عن السب جوهراً ففي «لسان العرب»: اللعن: الإبعاد والطرد عن الخير. وقيل: الطرد والإبعاد عن اللّه سبحانه، يقال: لعنه: طرده وأبعده. وأمّا هو من الخلق، دعاء على الملعون.(1)

فإذا كان اللعنُ من اللّه طرداً، ومن الخلق دعاءً بالطرد، فيكون من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث يتبرأ اللاعن عن فعل الملعون ويُظهر انزجاره من عمله، بشرط أن يكون للّعن ملاك، وسيوافيك ملاكه.

اللعن في القرآن الكريم

إنّ اللّه سبحانه وتعالى لعن طوائف مختلفة في كتابه العزيز نظراء:

1. الكافرون: (إِنَّ اللّهَ لَعَنَ الْكَافِرينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً).(2)

2. الشيطان:(لَعَنَهُ اللّهُ وَقالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِباً مَفْرُوضاً).(3)

3. اليهـود: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا).(4)


1 . لسان العرب:ج13، مادة «لعن»; النهاية:4/255. وقد تسامح في إدخال السب في تعريف اللعن. فلاحظ.

2 . الأحزاب:64.

3 . النساء:118.

4 . المائدة:64.


( 133 )

4. رامي المحصنات بالزنا: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ).(1)

5. مؤذي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): (إِنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ).(2)

إلى غيرهم من كاذبين وظالمين ومفسدين.

لم يقتصر سبحانه على لعن هذه الفئات، بل أخبر في كتابه العزيز عن الشجرة الملعونة، وقال: (وَمَا جَعَلْنَا الرؤيَا الّتي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً).(3)

وأمّا ما هي هذه الشجرة الّتي كُني بها عن طائفة خاصة متواجدة في عصر الرسول وبعده، فقد جاء في روايات كثيرة بأنّهم بنو أمية.

فقد روى السيوطي: قال: أخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن مرة، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):

«رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيتملكونكم فتجدونهم أرباب سوء». واغتمّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لذلك. ولذلك أنزل اللّه سبحانه: (وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا...)الآية.

وقال أيضاً: أخرج ابن مردويه، عن الحسين بن علي رضي اللّه عنهما إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أصبح وهو مهموم، فقيل: مالك يا رسول اللّه؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي رأيت في المنام: كأنّ بني أمية يتعاورون منبري. فقيل: يا رسول اللّه. لا تهتم


1 . النور:23.

2 . الأحزاب:57.

3 . الإسراء:60.


( 134 )

فإنّها دنيا تنالهم. فأنزل اللّه: (وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا...)الآية.(1)

كلّ ذلك يدلّ على أنّ اللعن ليس من الأُمور القبيحة بالذات، وإلاّ لما صدر من اللّه الحكيم، العالم بقبح الأشياء وحسنها.

نعم، اللعن بلا ملاك، إهانة للمعلون وإدانة بلا سبب، ولا شكّ في أنّه قبيح وحرام.

اللعن في أحاديث الرسول

إنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) لعن طوائف خاصة ، فقد لعن السارق والواصلة والموصولة، والمتشبّيهن من الرجال بالنساء، ومن ذبح لغير اللّه، ومن سبّ والديه أو مثّل بالحيوان، إلى غير ذلك من الأصناف حتّى الراشي والمرتشي وبائع الخمر.(2)

ولم يقتصر على ذلك، بل لعن أشخاصاً بأعيانهم.

1. روى أحمد، أنّ رسول اللّه قال: أمرني ربي أنّ العن قريشاً مرتين، وأمرني ربي أن أُصلي عليهم، فصليت عليهم مرتين.(3)

2. وروى الشعبي، قال سمعت عبد اللّه بن الزبير، وهو مستند إلى الكعبة، وهو يقول: برب هذه الكعبة، لقد لعن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فلاناً وما ولد من صلبه.(4)

3. وروى الحاكم في مستدركه: لعن رسول اللّه الحَكَم وولدَه.(5)


1 . الدر المنثور:4/191، ط دارالمعرفة، بيروت.

2 . فهارس مسند الإمام أحمد:2/56ـ 58.

3 . مسند أحمد:4/387.

4 . مسند أحمد:4/5.

5 . مستدرك الحاكم:4/481.


( 135 )

والرواية الأخيرة تكشف عن المراد من «فلاناً» في الرواية السابقة.

***

فقد خرجنا بالنتيجة التالية وهي: أنّ منشأ السب حالة نفسية تدفع الإنسان إلى التفوه بكلمات نابية مسيئة إلى الطرف الآخر، وليس للسابّ أي مبرر سوى إرضاء ما في نفسه من عُقَد روحية.

وأمّا اللعن فهو عمل نابع عن شعور ديني بالنسبة إلى من يرتكب المحرمات، ويقترف السيئات، ويتعدى حدود اللّه تعالى. فلأجل ردعه عن عمله السيّئ يتبرأ منه ومن فعله ويحوِّل أمره إلى اللّه تعالى، فيقول اللاعن: لعنه اللّه، بمعنى طلب طرده عن رحمته. وهذا لا يقوم به إلاّ الأمثل فالأمثل من رجالات الدين، الذابّين عن حياضه، ولذلك نرى اللعن في الكتاب العزيز والسنة النبوية. فلو كان أمراً قبيحاً لما صدر من الحكيم المطلق.

إذا عرفت ذلك، فلنعد إلى تبيين حل معضلة اجتماعية، لم تزل تتخذ ذريعة للتهجم على الشيعة، فنقول:

إنّ صحابة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)بما أنّهم رأوا النور النبوي، وشاركوا معه في الغزوات، وضحّوا بأنفسهم ونفائسهم، فهم محترمون مكرّمون، خصوصاً من حضر في المواقف العصيبة، كبدر وأُحد والأحزاب وحنين، من غير فرق بين من استشهد وضرّج بدمه، أو بقي حياً إلى ما بعد، وخرج إلى الجهاد وفتح البلاد، وكسر الأصنام ودمّر الشرك وأشاع التوحيد.

هذا هو الإمام علي يتأوّه على أصحاب النبي فيقول:

أوه على إخـواني الـذين تلوا القـرآن فأحكمـوه، وتـدبّروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنة وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد


( 136 )

فاتبعوه».(1)

وهذا هو الإمام الطاهر سيد العابدين علي بن الحسين، يقول في دعاء له: «اللّهمّ وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلُوا البلاءَ الحسن في نصره، وكاتَفُوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابَقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباءَ والأبناء في تثبيت نبوّته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبّته، يرجُون تجارة لن تبور في مودّته، والّذين هجرتْهم العشائرُ. إذا تعلّقوا بعروته، وانتفت منهم القربات، إذا سكنوا في ظل قرابته، فلا تنسَ اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضِهم مِن رضوانك، وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك، دعاة لك إليك. واشْكُرْهم على هَجرهم فيك ديارَ قومهم، وخروجِهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثرتْ في إعزاز دينك من مظلومهم.اللّهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا».(2)

فبعد هذين النصين من الإمامين الهمامين للشيعة بل للمسلمين عامة، أيصحّ أن يُرمى الشيعة بفرية لعن الصحابة؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.

نعم، هنا كلام آخر، وهو أنّه إذا صدر عن صحابي ما، عمل مخالف للشرع على نحو يدخله تحت أحد الأصناف الّذين لعنهم اللّه ورسوله، كما لو كان ظالماً، أو كاذباً، أو مؤذياً للرسول، فلا شكّ أنّه يجوز التبري منه والدعاء عليه، لا بما أنّه صحابي، بل بما أنّه أحد الظالمين أو الكاذبين، أو المؤذين لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).


1 . نهج البلاغة، الخطبة رقم 182.

2 . الصحيفة السجادية الدعاء الرابع مع شرح «في ظلال الصحيفة السجادية»:55ـ 56.


( 137 )

بل هو أشدّ استحقاقاً للطرد والإبعاد، لأنّ مقتضى صحبته للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن يقتدي به ويأتمّ به أكثر من غيره. فهو بعمله هذا هتك حرمة الصحبة والصحابة، بل حرمة النبي، ويستحق العذاب المضاعف، كما قال سبحانه: (يَا نِسَاءَ النَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً).(1)

فإذا كانت نساء النبي على ما هن عليه من صحبة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، قد استحققن العذاب المضاعف، فما ظنك بغيرهن.

يقول سبحانه: (إِنَّ الّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً).(2)

ولو افترضنا انّ صحابياً ارتكب عملاً آذى به رسول اللّه، فهو حسب هذه الآية محكوم باللعن في الدنيا والآخرة، ولو لعنه أحد من المسلمين فقد جسد مفاد الآية ولم يتجاوزها.

غير انّه لعنه وطرده ليس لأجل انّه صحابي يستحق بذلك، العياذ باللّه، بل هو من هذا الجانب مستحق للتكريم بل لأجل انّه إنسان مكلف، ارتكب جريمة لم ينب عنها فهو مستحق للتبري والابتعاد.

وأمّا من فيه ملاك استحقاق اللعن ومن لم يكن فيه، فهو محوّل على عاتق التاريخ ، و لا صلة له بهذه المسألة.


1 . الأحزاب:30.

2 . الأحزاب:57.


( 138 )

11

مع محقّق كتاب

الإشاعة لأشراط الساعة

قد ألّفت في سالف الزمان كتاباً حول العقيدة الإسلامية، يحتوي على 150 أصلاً فيما يرجع إلى الإسلام والتشيع بصورة واضحة.

نشرت هذا الكتاب ردّاً على ما يكتبه أعداء الشيعة حول عقيدتهم جهلاً وعدواناً، ولا يمضي شهر إلاّ وتُخرج المطابع كتاباً أو رسالة ردّاً على شيعة آل البيت(عليهم السلام) ونقداً لعقائدهم وتاريخهم دون أن يكون للمؤلف اطلاع صحيح عن عقيدتهم.

وقد أهدى صديقنا الوفي الأُستاذ الفاضل الشيخ حسين الرضواني ممثل قائد الجمهورية الإسلامية في المدينة المنوّرة نسخة من كتابي هذا إلى الأُستاذ حسين محمدعلي شكري الّذي حقّق كتاب «الإشاعة لأشراط الساعة» تأليف محمد بن الرسول البرزنجي الحسيني مع تعليقات محمد زكريا الكاندهلوي.

وبعد أن اطّلع الأُستاذ الفاضل حسين محمد علي شكري على كتابنا أرسل لنا رسالة يذكر فيها انطباعاته فيه، وإليك نصّ رسالته:


( 139 )

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة العلاّمة الأُستاذ جعفر السبحاني الموقر

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

فقد تواصلت معكم الصلة بما وقفت عليه من بعض مؤلفاتكم، وبما حمله إليّ مشكوراً مأجوراً الفاضل المحب الشيخ رضواني من كتابكم«العقيدة الإسلامية» ففرحت بما حمل وسعدت بالهدية منكم.

لقد جلت بين صفحات الكتاب ووقفت فيه على عجالة على فوائد غالية ومعلومات جديرة بالتقدير والإشادة، وصارت لدي رغبة ملحة في الحصول على ما تسطره يراعتكم من مؤلفات جعل اللّه فيها النفع للمسلمين وتوحيد كلمتهم ورفع رايتهم.

ولقد قيل: العلم رحمٌ بين أهل، ووسيلة الصلة هي المراسلات العلمية والإهداءات لتلك الكتب الحاملة للفوائد. فلا (رحمنا)(1) الوصل والصلة وجعل اللّه عملنا وعملكم لوجهه الكريم.

ودمتم بخير محفوظين

محب الصلة بكم

حسين محمد علي شكري

10/5/1426هـ


1 . كذا في الرسالة وقد يكون الصحيح: فلا عدمنا. أو: فلا حرمنا.


( 140 )

***

أخذت الرسالة وكانت مرفقة بـ «كتاب الاشاعة لاشتراط الساعة» ، فقرأت شيئاً منه، ورأيت أنّ المؤلف بحق أماط اللثام عن عدد من الحقائق وخرق الأقنعة الّتي صنعها المتزلفون إلى الأمويين والعباسيين، ومع ذلك رأيت في الكتاب عثرة لا تستقال، وكان المرجو من محقّق الكتاب أن يعلّق عليها شيئاً، قياماً بواجب التحقيق، وللأجل ذلك بعثت إليه الرسالة التالية، وإليك نصّها:

بسم الله الرحمن الرحيم

الأُستاذ الفاضل حسين محمد علي شكري المحترم

السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أرجو من اللّه سبحانه أن تكونوا في سلامة وعافية وأن يوفقكم لنشر المآثر والآثار القيّمة الّتي تركها لنا السلف من العلماء الأبرار.

لقد وافتني رسالتكم الميمونة، مرفقة بكتاب «الاشاعة لأشراط الساعة» تأليف العلاّمة محمد بن الرسول البرزنجي الحسيني مع تعليقات محمد زكريا الكاندهلوي رحمهما اللّه. وقد سُررت بنشره ووقفت على ما تحملتم من جهود مشكورة في تقويم النص وإخراجه بصورة جميلة تهفو إليه النفوس وتستسيغ قراءته.

غير أنّ هذا لا يصدّنا عن إبداء النظر في بعض المواضيع، إذ النقاش العلمي المجرّد عن الهوى والعصبية، سيرة السلف الصالح ودعامة حفظ الدين عن التحريف وهديّة علمية هي من أغلى الهدايا وأثمنها يقدّمها القارئ المستفيد إلى المؤلف المفيد، المشكور جهده، أو المحقّق المقبول سعيه.


( 141 )

نقل عن بعض الأعلام(1): «إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة الّتي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وصْمة محاباة أهل الكتابين، المؤدية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتّى اتضحت الآراء، وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف».

وانطلاقاً من هذا المبدأ نذكر انطباعتنا عن هذا السِفْر القيّم راجين الإمعان والدقة في السطور التالية:

لقد أماط السيد المؤلف(رحمه الله) اللثام عن عدد من الحقائق، ومزّق في عدة مواضع الأقنعة الّتي صنعها الطامعون والمتزلّفون والمرتجفون لإخفاء الصورة الحقيقية لأسيادهم الطغاة وأعوانهم، الذين قفزوا إلى السلطة بالبغي والمكر والعدوان، فاستّبدوا بالحكم، واستأثروا بالأموال، وغرقوا في المتَع والشهوات، وضلّوا وأضلّوا، وأردوا جموعاً من المسلمين، واللّه تعالى سائلهم عن ذلك في يوم تشخص فيه الأبصار، وينادى فيه: (أَلا لَعْنَةُ اللّهِ عَلى الظَّالِمينَ).

ومن المواضع الّتي أبدى فيها المؤلف شجاعة أدبية، حديثه الصريح المعزّز بالروايات والأخبار عن بني أُمية الذين أطفأوا البسمة من على شفتي نبيّنا الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، حينما رآهم ينزون على منبره الشريف كما تنزوا القردة، فما رئي (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 . الناقل هو شيخ الشريعة الإصفهاني أحد أعلام النجف الأشرف ومراجع الفتيا، المتوفّى عام 1339هـ.


( 142 )

ضاحكاً مستجمعاً حتّى توفّى (ص 61ـ 62 من الكتاب).

وأنّى له(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فدته نفسي ونفوس العالمين ـ أن فتّـر ثغره عن ضحكة، وهو يعلم ـ بإخبار اللّه تعالى له ـ ما سيرتكبه هؤلاء في حقّ دينه وأُمّته وذريّته من جرائم وموبقات. أشنعها قتلُ سبطه وريحانتِه من الجنة، الحسين الشهيد وأهل بيته الذين ما كان على وجه الأرض لهم يومئذ شبيه، على حدّ تعبير الحسن البصري(ص 68).

وليت المؤلف(رحمه الله) الّذي تحدّث عمّـا لحق بأهل البيت من ظلم واضطهاد، وروى في علامات ظهور المهدي أنّ منادياً ينادي من السماء: انّ الحقّ في آل محمد(ص224)...ليته كان أكثر إنصافاً في حديثه عن شيعة آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين استضاءوا بنورهم وانتهلوا من علومهم وسلكوا منهاجهم.

وكم كان حريّاً به أن يزيح بعض الستائر الّتي وضعتها يد السياسة والأهواء والأطماع لحجب الرؤى وإرباك الأفكار وتزييف الحقائق.

وكم كان جديراً به أن يكشف بعض الحيف والظلم والقهر الّذي أصابهم ، كما أصاب من قبل أئمتهم من أهل البيت (عليهم السلام).

وإنّـي أرى أنّ المؤلف ـ غفر اللّه تعالى لي وله ـ قد أحسن الظنّ ببعض من كتب عن الإمامية جهلاً أو تعصّباً وعناداً، فأورد في كتابه هذا بعض كلماتهم الّتي لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

ومنها: إنّ الإمامية تقول إنّ المهدي دخل سرداب سامراء طفلاً صغيراً، وهم ينتظرونه كلّ يوم، ويقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به: أن أخرج يا مولانا... ثمّ يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم...ولقد أصبح هؤلاء عاراً على بني آدم، وضحكة يسخر منها كلّ عاقل.(ص230).


( 143 )

إنّ هذا الكلام الّذي نقله المؤلف ـ كما يبدو ـ عن ابن حجر في صواعقه الّتي احرقته ـ حسب تعبير أحد الأعلام ـ ولم يذكر مستنده ما هو إلاّ افتراء، يُراد منه التشنيع على الإمامية ، والحطّ عليهم لمآرب شيطانية، وإلاّ ما معنى هذا الإصرار على نسبة مثل هذه الأُمور إلى الإمامية، وهم يبرأون منها وينفونها عن أنفسهم قولاً وعملاً.

انّ واضع هذه الأسطورة حاكها في غير موضعها فإنّ سامراء مدينة سنيّة من عصر العباسيين إلى يومنا هذا، لا يوجد فيها من الشيعة إلاّ القليل الذين ليس لهم شأن، فكيف يمكن لهم أن يقفوا بالخيل على باب السرداب ويصيحوا عليه أن أخرج يا مولانا؟!

وما أشبه هذه الأسطورة بكذبة اخوة يوسف حيث أتوا بقميص سالم من أي خرق أو شق وعليه دماء يوسف يدّعون....

إنّ ما يقوم به الشيعة، هو زيارة مرقد الإمامين العسكريين في سامراء والصحن الّذي فيه السرداب(الّذي يكثر، وجوده في بيوت العراق القديمة)، لأنّها كانت مصلاّهم ومحل عبادتهم(عليهم السلام)، وموضع سكناهم، وهم يعبّرون بزيارتها عن حبّهم ووفائهم لأهلها، وينشدون تعزيز الروابط الروحية معهم، مجسّدين بذلك ما قاله الشاعر:

أمرّ عـلى الـديـار ديــار ليلى *** أُقبِّل ذا الجدار وذار الجـدارا

وما حبّ الديار شغفن قلبي *** ولكن حبّ من سكن الديارا

وممّا جانب فيه المؤلف الحقيقة، قوله: وظهر بهذا كذب الرافضة وافتراؤهم أنّ علياً واطأ أبا لؤلؤة في قتل عمر رضي اللّه عنهما، وانّه انّما قتله عن أمر علي رضي اللّه عنه(ص 39).


( 144 )

ولم يذكر المؤلف المصدر الّذي اعتمده في نقل هذا الكلام السقيم، ومن هو هذا الحاقد الّذي نسجتْ مخيّلتُه المريضة هذا الكذب المحض. وكان المتوقع من محقّق الكتاب، التعليق على هذه المواضع الّتي ليس لها مسحة من الحقّ ولا لمسة من الصدق.

ومع كلّ هذا أرى أنّ طبع هذا الكتاب أو نشره في المملكة العربية السعودية، يُعدّ خطوة متقدّمة على طريق الانفتاح على الحقائق التاريخية، والتأشير على المواضع السوداء في صفحات التاريخ.

وانّ مثل هذه الأعمال ستساهم ـ بلا ريب ـ في تعزيز إيمان ووعي المسلمين، وتنأى بهم عن الجمود والتحجّر أو الانصياع لبعض الرؤى وإن حفلت بالمتناقضات، وقيّدت من آفاق النظر.

فشكراً لجهودكم يا سماحة العلاّمة الشيخ حسين محمدعلي شكري وبارك اللّه تعالى فيكم وسدّد خطاكم، وأملنا أن تشيروا في المستقبل إلى مثل هذه الموارد الّتي تسيء لإخوانكم، وتعلّقوا عليها في الهامش، انتصاراً للحق، وسعياً وراء تمتين الروابط بين المسلمين وتعزيز العلاقات بينهم، ودمتم بكلّ خير.

المخلص

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

18جمادى الآخرة1426هـ


( 145 )

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة الفاضل المحقّق الشيخ جعفر سبحاني

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

لقد سعدت بتواصلكم وتحميلكم ثنايا رسالتكم ما أبديتموه، كما أفدتموني كلاماً نفيساً عالي القيمة والأثر.

ولقـد تضمّنت رسالتكـم تنبيهـات ومساءلات أرى من منطلق ما أفدتمونيه من كلام أحد علمائكم أن تكون عدم المحاباة أساس البحث والمناظرة، فلذا سأجعل جوابي إليكم مفصّلاً بعض الشيء، وأرجو أن يتسع له صدر المتلقي.

1. بالنسبة لموضع ما جرى من بني أُمية خلال حكمهم، وما فعله يزيد ـ قاتله اللّه ـ ابن سيدنا معاوية ، فهذا ممّا لا نشك في انتقام اللّه منه، ومن أعوانه الظلمة عاملهم اللّه بعدله.

2. لكن لماذا لا نكون منصفين للّه ثمّ لتاريخنا، ماذا فعل بنو العباس في آل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أجل الوصول إلى سدة الحكم والبقاء فيها مع بني عمـومتهـم، ومـن هـم أحـق بالخلافة منهـم؟ أليس مـا فعلوه بهم كـان ممكنـاً


( 146 )

فعلـه مـع سيدنا الحسين (عليه السلام) وآل بيته؟، أليس جرائمهم في آل البيت أكثر وأشنع؟

فعلينا أن نكون منصفين، ولا نجعل مسألة الكارثة التي حلت بسيدنا الحسين وآل بيته عليهم سلام اللّه ورضوانه شيئاً لا يمكن أن يفعله غير بني أمية، بل يفعله كلّ من بغى وتطلع للحكم دون مراعاة لأي رابطة. ثمّ هذا المؤلف من آل البيت تكلم بما هو من الإنصاف، وكما قيل: صاحب الدار أدرى بما فيه، وهو من ذرية الإمام الحسين(عليه السلام). فما قولكم؟!

3. ما المقصود من قولكم شيعة آل محمد. فهذا المصطلح غير واضح عندنا في عرفكم، فأمّا هو عندنا فنحن نطلقه على جميع من يحبهم وينصر قضيتهم دون أن يكون متمذهباً بمذهب آل البيت، سواء كان إمامياً، أو زيداً، أو إسماعيلياً، أو، أو... إلخ.

ونحن أهل السنّة نستمد من علومهم ونتدارس سيرتهم ومناقبهم، ونربي صغارنا على وجوب حبهم جميعاً، ولكن ليس مضيقين ذلك مثلكم في الأئمة الاثني عشر فقط، بل مفهوم آل البيت عندنا واسع يشمل نسل سيدا شباب أهل الجنة(عليهم السلام) جميعاً.

4. لقد أكبرت غفلتكم عن مصدر ما نقله السيد الإمام البرزنجي ـ و نحن نعتبره من علماء آل البيت من أهل السنة ـ حول مسألة الإمام المهدي المشار إليها ص230 من كتاب الإشاعة، مع العلم بأنّ المؤلف (رحمه الله)تعالى قد ذكر ص 229 المصدر، وختم كلامه ص 231 بقوله: انتهى ملخصاً بمعناه».

فهلا تأنيتم في القراءة وبعدتم عن التسرع الذي مصدره: حاجة في نفس يعقوب. ثمّ ما نقلتموه عن أحد الأعلام، قد سمعنا عن عدة أعلام أنّ صواعق


( 147 )

يمينه قد أحرقت; وسَلِمَت.

5. قلتم: إنّ مدينة سامراء هي مدينة سنية منذ عصر العباسيين حتى يومنا هذا، وهذه المعلومة ليست ذات فائدة في موضوع البحث، فلم يقل أحد بأنّ سامراء مدينة شيعية أو سنية حتى يكون لذلك علاقة في وجود شعائر لأي طائفة، إلا إن كان عندكم أنّ المدينة الشيعية تكون صبغتها الدينية وعباداتكم بها غير ما يعرفه المسلمون.

ثمّ قلتم بعد استنكاركم أن يفعل الشيعة ما ذكر، وقلتم أنّ زيارة الشيعة لمرقد الإمامين العسكريين(؟؟) في سامراء والصحن الذي فيه السرداب، هو تعبير حبهم ووفائهم، لكن كيف حورتم في الكلام وقلتم بأنّ الصحن يكثر وجوده في بيوت العراق القديمة، ولم تبينوا هل عند الشيعة، أم عند غيرهم قصدتم.

ثمّ أين الإمام الغائب إن لم تقول الشيعة أو الرافضة أنّه دخل السرداب، فأين غاب؟!

6. ما ذكرتم من مجانبة المؤلّف للحقيقة في ردّه على الرافضة ـ ما هو الفرق عندكم بين مصطلح الرافضة والشيعة ـ ص 39، أرى من الواجب أن تفيدوا بما هو الحق عندكم، وما هو موقفكم مما ذكر من قول الرافضة مما لم تكملوا نقل عبارته عن المؤلف كاملة؟

7. معلومة أخيرة أحب إفادتكم عنها أنّ الكتاب قد طبع في لبنان وليس بالسعودية، وهو يوزع على نطاق واسع بالعالم الإسلامي، وتوجد له عدة طبعات داخل المملكة وخارجها وليس هو محظور في المملكة العربية السعودية.

أرجو في ختام هذه العجالة أن لا يضيق صدركم، وأن يكون عملي هذا


( 148 )

مطابقاً لقولكم في هذه الأعمال تنأى عن الجمود والتحجّر، أو الانصياع لبعض الرؤى وإن حفلت بالمتناقضات، وقيدت من آفاق النظر.

نصر اللّه الحق وأهله ووفق لما يحبه اللّه سبحانه وتعالى ورسوله عليه وعلى آله أجمعين الصلاة والسلام.

ودمتم بخير.

خادم العلم وطلابه

بمدينة المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)

حسين محمدعلي شكري

15/شعبان/1426هـ


( 149 )

الأُستاذ الكريم حسين محمدعلي شكري أعزكم اللّه تعالى

السلام عليكم ورحمة وبركاته

انتهز فرصة الإجابة عن رسالتكم المؤرخة في 15/شعبان/1426هـ لأعبّر لكم عن أطيب تحياتي، وأصدق دعواتي بقبول صيامكم وأورادكم في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان المكرّم، راجين المولى جلّ شأنه أن يسدّد خطاكم على طريق الخير والفلاح.

أمّا بعد;

فنحن نشاطركم رأيكم السديد الّذي أبديتموه في رسالتكم بشأن ما فعله بنو العباس من جرائم مع بني عمومتهم من أجل الوصول إلى سدة الحكم والبقاء فيها.

ولا ريب في أنّ الحكام المستبدّين منهم قد فاقوا حكّام الشجرة الملعونة في القرآن في ظلم واضطهاد المسلمين عامة، والعلويين بشكل خاص، ومنهم أئمّة أهل البيت الذين عاصروا تلك الفترة (جعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري(عليهم السلام)(1)) الذين تعتقد الشيعة


1 . كان المتوكل العباسي قد أحضر الإمام علي الهادي من المدينة وأقرّه بسامراء(وتسمّى العسكر)، فعُرف (هو وابنه الحسن) بالعسكري، وغلبت هذه النسبة على ابنه أكثر. قال اليافعي في ترجمة (علي بن محمد الهادي): كان متعبّداً فقيهاً إماماً. مرآة الجنان:2/159ـ 160(سنة 254هـ).


( 150 )

الإمامية بإمامتهم وعصمتهم، ويجلّهم سائر المسلمين ويُشيدون بفضائلهم ومناقبهم ومكانتهم العلمية والدينية.

إنّ الحقّ الّذي صدعتم به وصدع به الواعون من أبناء الأُمّة سيعلو بلا شك على الرغم من كلّ المساعي الّتي بُذلت وتُبذل للتغطية على تلك الجرائم أو تبريرها، وستملأ الأسماع تلك الصرخة الّتي أعلنها منذ مئات السنين الشاعر الفحل والفارس المغوار أبو فراس الحمداني، وهو يتحدّث عن المآسي الّتي لحقت ب آل عليّ وأهل البيت(عليهم السلام) على أيدي بني العباس، فيقول من جملة قصيدة في ذلك:

ما نالَ منهم بنو حرب وإن عظُمت *** تلك الجرائر، إلاّ دون نيلِكُم

كم غدرة لكُم في الدين واضحة *** وكم دم لرسول اللّه عندكمُ

أأنتم آلُهُ فيما ترون، وفي *** أظفاركم من بنيه الطاهرين دم

لا يطغَينَّ بني العباس ملكهُمُ *** بنو عليّ مواليهم وإن رغموا

أتفخرون عليهم لا أبا لكمُ *** حتّى كأنّ رسول اللّه جدُّكمُ

وما توازنَ يوماً بينكم شرف *** ولا تساوتْ بكم في موطن قدم

ليس الرشيد كموسى في القياس ولا *** مأمونكم كالرضا إن أنصفَ الحكم

باءوا بقتل الرضا من بعد بيعته *** وأبصروا بعض يوم رُشْدَهم وعَموا

كما أنّ جمهور الناس كان ينشد هذا البيت الساخر الّذي اشتهر في عصرهم:

يا ليت جور بني مروان دام لنا *** وليت عدل بني العباس في النار

وإنّني إذا أُقدّر قولكم (فعلينا أن نكون منصفين)، وجسّدتموه فعلاً في موقفكم من يزيد ـ قاتله اللّه ـ و الطغاة من بني العباس، آمل أن يكون هذا


( 151 )

الإنصاف، هو المنطلق في نظرتكم إلى معاوية بن أبي سفيان أيضاً.

فيزيد المتفق على فسقه وفجوره، لم يكن ليقترف ما يقترف من جرائم، لولا سعي أبيه الجادّ وبكل الوسائل غير النزيهة ـ كما حفلت بذكر ذلك التواريخ ـ إلى تنصيبه ملكاً، وتسليطه على المسلمين.

والداهية الكبرى، هي أنّ أباه كان يعلم علم اليقين بما تنطوي عليه شخصية ولده من رجس ودنس، ولكنّ عدم مبالاته بالأُمّة واستهزاءه بالشريعة وهواه في ولده (كما أعرب هو بنفسه عن ذلك بقوله: لولا هواي في يزيد لأبصرت قصدي ـ أو طريقي ـ)(1) ، كلّ ذلك وغيره، هو الّذي دفعه إلى اتخاذ هذا الموقف المُشين.

ليت شعري، هل كان خفيَ عليه ما قاله ولده يزيد في الجيش الّذي أصابه الجوع والمرض عند غزوه للقسطنطينية، وكان يزيد قد تخلّف عنه، فأنشا يقول:

ما إن أُبالي بما لاقت جموعهمُ *** بالفرقدونة من حمّى و من مومِ

إذا اتكأتُ على الأنماط مرتفقا *** بديْر مرّان عندي أمّ كلثوم(2)

فطوبى لك يا أبا يزيد، إذ مكّنتَ يزيد الابنَ المدلّل المائع من العرش، ليزيد في عدد صفحات حياتك السوداء، وليكن موبقة من موبقاتك الكثيرة، والّتي لم يذكر منها الحسن البصري سوى أربعة، وكفى بها لمن أبصر واعتبر، قال(رحمه الله):(أربع خصال كنّ في معاوية، لو لم تكن فيه إلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمة بالسيف حتّى أخذ الأمر من غير شورة وفيهم بقايا


1 . تاريخ مدينة دمشق:65/395، برقم 8349(ترجمة يزيد).

2 . الكامل في التاريخ:3/458ـ 459(سنة 49هـ)، وفيه: أنّ أُمّ كلثوم امرأته، وهي ابنة عبد اللّه بن عامر.


( 152 )

الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب الطنابير، وادعاؤه زياداً وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حُجراً وأصحابه، فيا ويلاً له من حُجر! ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر).(1)

إنّ انتزاءه على هذه الأُمّة بالسيف، وقيادته للفئة الباغية(2) على الخليفة الشرعي الإمام علي (عليه السلام)(الّذي بايعه المهاجرون والأنصار وسائر المسلمين) قد أثخن الأُمة بالجراح وأوهنها وأطمع فيها المتربصين بها، وكأنّ في أُذنيه وقراً عن سماع ما هتف به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)من فضائل أمير المؤمنين ومناقبه الجمّة، والّتي لو حظي بواحدة منها (معاوية) لتبجّح بها ليله ونهاره، ولذا راح المتزلفون والمتعصّبون ينسجون الروايات الكاذبة في فضائله، ولكنّ اللّه تعالى قيّض من تصدّى لدحضها وتزييفها.

ولعلّ في قصة الحافظ أبي عبد الرحمن النسائي خير دليل على عقم تلك الجهود، إذ بان الصبح لكلّ ذي عينين لما قال (وقد سُئل في دمشق عن فضائل معاوية): ما أعرف له فضيلة إلاّ «لا أشبع اللّه بطنه»(3)، ولكن كلمة الحقّ هذه جعلته يدفع الثمن باهضاً، إذ داسه الجامدون وعُبّاد الرجال وأخرجوه من المسجد، فلم يزل عليلاً إلى أن توفّـي(رحمه الله).(4)


1 . تاريخ الأُمم والملوك:3/232(سنة 51هـ)، الكامل في التاريخ:3/487(سنة 51هـ).

2 . قال الذهبي: وقُتل عمّار مع عليّ، وتبيّن للناس قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : تقتله الفئة الباغية. سير أعلام النبلاء:3/119، برقم 25(ترجمة معاوية).

3 . رواه الطيالسي في مسنده: برقم 2688.

4 . انظر: وفيات الأعيان:1/77برقم 29، سير أعلام النبلاء:14/125برقم 67.


( 153 )

أمّا الملاحظات والتساؤلات الّتي وردت في رسالتكم، فنمرّ عليها مروراً سريعاً، لأنّ المجال لا يتسع لأكثر من ذلك:

الفائدة من معلومة أنّ مدينة سامراء سُنيّة، هي أنّ تلك الشعائر المنسوبة كذباً للشيعة، لو كان لها نصيب من الواقع لتحدّث عنها أهل تلك المدينة ولشاعت بين أهل العراق، ولكنّنا لا نجد من يتحدّث عنها (في العصور الماضية) سوى من نأى عن ذلك البلد وعن أهله، وتحكّم به التعصّب المقيت، ثمّ كيف يتأتّى للشيعة ممارسة شعائرهم عصر كلّ يوم في مدينة ليس لهم فيها تواجد عبر القرون، لا سيما في عصر مختلق هذه الفرية؟؟!! وهذا هو المراد من قولنا: إنّ مدينة سامراء مدينة سنيّة.

وأرغب إليك ـ عزيزي الشيخ ـ أن تحسن الظنّ بإخوانك الشيعة الذين ينفون عن أنفسهم ممارسة تلك الشعائر التافهة، وليس ثَمّة عبادات عندهم يؤدونها في مدنهم غير ما يعرفه المسلمون.

كما أنّنا لم نلجأ إلى تحوير الكلام، وإنّما كان قصدنا انّ السراديب ـ لا الصحون كما فهمتم ـ يكثر وجودها في بيوت العراقيين، ومن هنا ينتفي تساؤلكم حول وجودها في بيوت الشيعة أو في بيوت غيرهم.

ومن الغريب قولكم: أين الإمام الغائب إن لم تقل الشيعة أو الرافضة أنّه دخل السرداب، فأين غاب؟!

فكأنّ الأمر منحصر في طريق واحد، وكأنّ قدرة اللّه تعالى ـ إذا اقتضت حكمته جلّ شأنه حفظ إنسان لمصلحة رسالية ـ محدودة وليست مطلقة، ولنا في تاريخ الأنبياء والأولياء شواهد عديدة تعلمونها.

أمّا الفرق بين مصطلح الرافضة والشيعة، فنحن لا نستعمل مصطلح


( 154 )

الرافضة، ولا تجد شيعياً واحداً يُطلق على نفسه هذا المصطلح الّذي استحدثه بعض المتعصبين والمغرضين، وأُلصق بالشيعة الّذين ناهضوا الطغاة والفجّار في محاولة منهم لتشويه سمعتهم، وإبعادهم عن ساحة الحياة، وتهميش أو إلغاء دورهم فيها.

وأمّا عن مصطلح شيعة آل محمد، فهو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، وقد تولّى فريق من علماء الشيعة الإمامية ـ قديماً وحديثاً ـ عرض عقائد الشيعة وأفكارهم وشرحها وتبيينها بشكل واف، وبإمكانكم الرجوع إليها والاطلاع عليها.

ولست أدري كيف ترون: أنّ مفهوم آل البيت واسع، يشمل نسل سيدي شباب أهل الجنة(عليهم السلام)؟!

ولعلكم ـ سماحة الشيخ ـ لم تلتفتوا إلى الآية الكريمة(إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(الأحزاب:33) وغيرها من الآيات والأحاديث الّتي خصّصت أهل البيت بأفراد معينين،(1) وإلاّ فإنّ جمعاً غفيراً جداً من ذرية السبطين (عليهما السلام)، ستشمله ـ حسب المفهوم الّذي ذكرتموه ـ هذه الآية وغيرها، ويصبحون جميعهم مُبرَّأين من الإثم مطهّرين من مذامّ الأخلاق،(2) وهذا


1 . أخرج مسلم بسنده عن عائشة، قالت: خرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) غداة، وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله، ثمّ قال: (إِنّما يريد...)الآية. انظر: صحيح مسلم برقم (2424)، وحديث الكساء هذا رواه أحمد في مسنده:6/298 و 304; والترمذي برقم (3205) و (3787) وغيرهما.

2 . قال ابن حجر: ثمّ هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم، حيث ابتدأت بـ(إنّما) المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس الّذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنهم ويطهرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة. الصواعق المحرقة:144، الباب الحادي عشر، الفصل الأوّل.


( 155 )

أمر لا يقبله المنطق، ولا يؤيده الواقع.

أمّا بشأن التأنّي في القراءة والابتعاد عن التسرّع، فهو أمر لازم لكلّ باحث موضوعي، ومن هنا يتسع صدره لمن يُذكّره به، بيد أنّ النصّ الموجود في (ص 320) من كتاب الإشاعة قد تمّت قراءته جيّداً، وأوردناه كما هو، ولم ننسبه للمؤلف، بل صدّرناه بقولنا(وإنّي أرى المؤلف قد أحسن الظن ببعض من كتب عن الإمامية، فأورد في كتابه هذا بعض كلماتهم)، والاشتباه فقط في المصدر الّذي نقل عنه المؤلف، ولا نرى كبير أهمية لذلك، لأنّ كليهما (ابن حجر الهيتمي وصاحب ذلك المصدر) سيّان في التعصب على الشيعة والتحامل عليهم والتحدث عنهم بغير دليل ولا برهان.

والأمر الّذي كنّا قد رجوناه، ونعتب فيه عليكم، هو مروركم على مثل هذه الخرافة دون التحقيق فيها والتعليق عليها، والعتب علامة الحبّ كما تعلم.

أُحييكم مرة أُخرى، ولكم مني وافر التقدير والاحترام.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

إيران ـ قم

6 رمضان المبارك1426هـ


( 156 )

12

في تسمية الولد بعبد الرسول

الأُستاذ الفاضل بسام ظبيان المحترم

رئيس تحرير مجلة «الشريعة» الغرّاء

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

وصلنا العدد(479) من مجلتكم القيّمة الّتي تلمع في سماء المطبوعات لمعان البرق في طيّات السحاب.

ولذا نقدم لكم الشكر الجزيل، ولنا مع مجلتكم وقفة قصيرة.

فقد جاء في قسم الفتاوى أسئلة مختلفة أجاب عنها الأساتذة ـ حفظهم اللّه تبارك وتعالى ـ. ومن تلك الأسئلة تسمية الولد بعبد المسيح أو عبد الرسول أو غير ذلك وأُجيب عنه بوجوه ثلاثة، نركِّز على الوجه الأوّل منها (لأنّ الوجهين الآخرين يختصان بعبد المسيح ولا كلام لنا فيهما». والوجه الأوّل هو ما قال فيه المجيب:«انّ كلّ اسم معبِّد لغير اللّه تحرم التسمية به بإجماع المسلمين».

لكن المجيب لم يوضح معنى العبد في قولهم: «عبد الرسول» و لو قام


( 157 )

بإيضاحه لما ادّعى الإجماع على حرمته، لأنّ العبودية تطلق ويراد بها معان مختلفة ويختلف حكمها حسب اختلاف الموارد وهذا بيانه:

1. العـبودية التكوينية، وهي بهذا المعنى ناشئة من المملوكية التكوينية التي تعمّ جميع العباد، ومنشأ المملوكية كونه سبحانه خالقاً، والإنسان مخلوقاً. فالعبودية إذا كانت رمزاً للملوكية الناشئة من الخالقية، فهي لا تضاف إلاّ إلى اللّه سبحانه كما يقول سبحانه: (إِنْ كُـلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِى الرَّحمن عَبْداً).(1)

وقال سبحانه حاكياً عن المسيح:(إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيّاً).(2)

2. العبودية الوضعية الناشئة من غلبة إنسان على إنسان في الحروب، وقد أمضاها الشارع تحت شرائط معينة مذكورة في الفقه.

فأمر الأُسارى ـ الذين يقعون في الأسر بيد المسلمين ـ موكول إلى الحاكم الشرعي فهو مخيّر بين إطلاق سراحهم بلا عوض أو بأخذ مال منهم أو استرقاقهم.

فإذا اختار الثالث فيكون الأسير عبداً للمسلم، ولذلك ترى أنّ الفقهاء عقدوا باباً باسم «العبيد والإماء».

قال سبحانه:(وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ).(3)


1 . مريم:93.

2 . مريم:30.

3 . النور:32.


( 158 )

تجد أنّه سبحانه ينسب العبودية والإمائية إلى الذين يتملكونهم ويقول(عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ)فيضيف العبد إلى غير اسمه جلّ ذكره.

3. العبودية بمعنى الطاعة وبها فسرها أصحاب المعاجم.(1)

والمعنى الثالث هو المقصود من تلك الأسماء فيسمُّون أولادهم باسم عبد الرسول أي مطيع الرسول وعبد الحسين أي مطيعه وكلّ مسلم مطيع للرسول والأئمّة من بعده ولا شكّ انّه يجب إطاعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأُولي الأمر.

قال سبحانه: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ).(2)

فعرّف القرآنُ النبيَ بأنّه مطاعاً والمسلمين مطيعين، ولا عتب على الإنسان أن يظهر هذا المعنى في تسمية أولاده وفلذات كبده.

نعم المسمّى بعبد الرسول هو عبد للرسول وفي الوقت نفسه عبد للّه أيضاً، ولا منافاة بين النسبتين لما عرفت من أنّ العبودية في الصورة الأُولى هي العبودية التكوينية النابعة من الخالقية، ولكنّها في الصورة الثانية والثالثة ناجمة عن تشريعه سبحانه حيث جعل الغالب مولى والأسير عبداً، كما جعل النبي مطاعاً وغيره عبداً أي مطيعاً وشتان ما بينهما وبين المعنى الأوّل ولا أجد مسلماً على أديم الأرض يسمّي اسمَ ولده بعبد الرسول ويقصد به العبودية التكوينية للرسول، وانّما يقصد المعنى الثالث وهو كونه مطيعاً للرسول. وغاية ما يمكن أن يقال يقصد العبودية التشريفية والتنزيلية بضرب من المجاز وتشبيهاً بالعبودية الرائجة بين الموالي العرفية وعبيدهم.


1 . لسان العرب: مادة عبد، وكذلك القاموس المحيط في نفس المادة.

2 . النساء:59.


( 159 )

وفي الختام: ندعو لأُسرة التحرير وفي مقدمتهم قيس الظبيان المدير العام ولكم بالخير والعافية.

***

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

قم المقدسة

السادس عشر من ذي الحجة 1426هـ

***

وقد قامت المجلة مشكورة بنشر الرسالة في العدد(484) مرفقة بالشكر المتواصل حيث جاء فيها:

الشكر الموصول للعلاّمة جعفر السبحاني، وأن أُسرة تحرير مجلة الشريعة تثمن عالياً اهتمامات سماحته في متابعة ما يكتب فيها من مواضيع دينية وحرصه على تقديم الإيضاحات خدمة للقراء... فجزاه اللّه عنا وعنهم كلّ الخير.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته


( 160 )

13

المهدي المنتظر

والشرائع السماوية

هل الشرائع السماوية الّتي يُعبّر عنها بالأديان الإلهية تتّفق على ظهور مصلح عالمي في آخر الزمان، أو لا؟ وعلى فرض كون الجواب إيجابياً فهل هناك فروق في صفات هذا المصلح عن المهدي الّذي جاء ذكره في الدين الإسلامي؟

وقبل الخوض في الإجابة عن السؤال الثاني نقدم أمراً نراه جديراً بالذكر، وهو:

إنّ القول بظهور مصلح في آخر الزمان هو النتيجة القطعية لقانون التكامل الّذي عمّ حياة المجتمع الإنساني، والقول بهذا القانون يدلّنا على وجود مجتمع إنساني مثالي في برهة من الزمان حتّى يعود التكامل في الحياة الإنسانية تكاملاً شاملاً لا تكاملاً خاصاً ومحدوداً، وإليك توضيح ذلك.

لم تزل الحياة البشرية تتقدم شيئاً فشيئاً وها هي بلغت إلى ما نشاهد حالياً حيث إنّ الطبيعة قد سُخّرت واستثمرت كلّ منابعها وخيراتها، بل امتدت يد البشر لتسخير الفضاء والاستفادة منه علمياً وتكنولوجياً، فهذا التطور العلمي


( 161 )

تبعه تطوّر في كافة مجالات الحياة الصناعية والتجارية والاتصالات، حيث إنّ الإنسان يتكلّم في أقصى الغرب ويسمعه من هو في أقصى الشرق بلا أدنى تأخير.

إنّ هذا التطوّر انعكس على الحالة السياسية والاجتماعية حيث ساهم في ظهور نظريات سياسية واجتماعية متطوّرة ومتنوعة ساهمت في وصول الإنسان ـ مادّياً ـ إلى المستوى النموذجي تقريباً أو إلى ما كان يتمنّاه.

إلاّ أنّ هناك سؤالا ً هو: هل أنّ هذا التكامل المادي في كافّة المجالات يضفي السعادة التامة على حياة الإنسان؟ وهل هو تكامل يشمل الحياة المادية والمعنوية معاً أم لا؟

إنّ الاتّجاه نحو التكامل المادي في ظل التقدّم الحاصل لا ينكر، وأمّا في الجانب المعنوي والأخلاقي فبين الإنسان والتكامل فيهما بون شاسع، تشهد عليه ظواهر كثيرة، نذكر منها ما يلي:

1. انّ الحروب الدامية بين الأُمم الّتي حدثت خلال القرن العشرين تثبت بوضوح أنّ المجتمعات الغربية بل حتّى الشرقية ما زالت في بداية الحياة الإنسانية حيث إنّ الحرب العالمية الأُولى والثانية قضت على النفس والنفيس، فقد بلغ عدد القتلى والمفقودين والجرحى في الحرب العالمية الأُولى حوالي عشرة ملايين، وفي الثانية بلغ ما يناهز المائة مليون نفر، فهل يمكن الادّعاء انّ المجتمع الإنساني بلغ في جانبي المادة والمعنويات درجة لا يشق شأوها ولا يتصوّر فوقها شيء؟!

2. أثّر التقدّم الصناعي في بعض المجالات تأثيراً سلبياً على سلامة البيئة على وجه لو استمر هذا الخط التصاعدي لانتهى إلى انقراض النسل البشري، ورغم إقامة العديد من المؤتمرات حول هذه الأزمة، إلاّ أنّ الدول المتقدّمة صناعياً لم تصل إلى حلّ ناجح لهذه المشكلة، وتعاملت معها بصورة سطحية بعيدة عن


( 162 )

المسؤولية، وهذا ما نلاحظه من مواقف الولايات المتحدة الامريكية حيث لم تشارك في بعض هذه المؤتمرات إلاّ بشكل ثانوي أو أنّها أرسلت مراقب من جانبها فقط.

3. التمييز العنصري مشكلة قائمة في حياة البشر عبر قرون حيث كان الملّونون أسرى بيد غيرهم، ولم يزل هذا الخطر قائماً وسائداً حتّى الآن بأشكال وصور مختلفة يقف عليها كلّ من سبر حياة الملّونين في الغرب وأمريكا، فأصبح شائعاً في تلك الدول أن يقسم المواطن فيها إلى درجتين أولى وثانية.

4. شيوع الفقر في قارة أفريقية، وهذه هي الإحصاءات تخبر عن وجود مليار إنسان جائع، وربّما ينتهي الأمر إلى هلاك الكثير منهم مع أنّ أفريقية تشتمل على موارد وخيرات طبيعية كثيرة ومتنوّعة إلاّ أنّها تنهب من جانب الغرب وأمريكا.

5. أعلنت الإحصائيات العالمية أنّ 85% من الثروة العالمية بيد 15% من سكان العالم، كما أنّ 15% من الثروة العالمية بيد 85% من سكان العالم.

6. لم تزل الدول المتقدّمة وعلى رأسها أمريكا والغرب يسعون لإثارة الحروب بين الشعوب والدول، وذلك لبيع أسلحتهم على الجانبين حتّى يعم القتل والدمار بواسطة هذا السلاح ويغتنمون هم ثروات هذه الدول، وهذا ما نشاهده في الحروب الدامية في آسيا والشرق الأوسط وغيرها من الدول.

وقد أشعل الغرب فتيل الحرب العراقية الإيرانية الّتي استمرت ثمان سنوات والّتي أدت إلى هلاك مئات الآلاف، ومازالت آثارها السيئة مشاهدة في البلدين.

7. ظاهرة التجارة بالإنسان، وهي ظاهرة جديدة حيث توجد هناك شركات سرية لسرقة الأطفال ذكوراً وإناثاً لبيعهم لأصحاب الثروات للاستفادة


( 163 )

منهم في تحقيق أهدافهم الدنيئة ولأشباع غرائزهم الحيوانية، وهذا نوع جديد من الرق في القرن الحادي والعشرين، ومع ذلك نرى أنّ الغرب يدّعي القضاء على الرقية، ولكنه دخل من باب آخر ألا وهو سرقة الأطفال وبيعهم لغايات رذيلة.

8. شيوع الأمراض الفتاكة وانتشارها كمرض فقد المناعة (الإيدز) والّذي ينشأ وينتشر بسبب انغماس الإنسان في الشهوات.

9. قد بلغ الإنسان في المجتمع الغربي إلى درجة من الانحطاط الأخلاقي حتّى انتشر الزواج بالجنس المماثل، وصار هذا الزواج أمراً قانونياً في أمريكا وبعض الدول الغربية، ولو شاع هذا العمل القبيح لربّما أدى إلى انقراض الإنسان.

10. الإعلام العالمي أصبح بلاءً على الشعوب حيث استخدم الرجال والنساء الأذكياء لتشويش الأذهان وسوق المجتمع بألوان من الدعاية إلى مطامع رجال السياسة والمال فهم لا يتبنون الواقع، بل يتبنون ما يكفل أغراض أصحاب السلطة والقوة وأهدافهم، وهذا بلاء فادح واضحة آثاره السلبية.

هذه نماذج تدلّ بوضوح على أنّ التكامل الصناعي تكامل ناقص سلبي لا يغطي كافة جوانب الحياة، وهذا النوع من التكامل أشبه بتكامل أعضاء الجسم الإنساني للطفل وعدم تكامل القوى العقلية له، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من التكامل الناقص يؤدي بحياة الطفل في آخر الأمر.

وبما أنّ قانون التكامل قانون نابع عن الحياة الإنسانية فلابدّ من الاعتراف بضرورة مجيء يوم تنقلب الحسابات إلى صالح المستضعفين وضد المستكبرين فيصل المجتمع إلى الكمال المادي والمعنوي جنباً إلى جنب، وهذا هو الّذي سيتحقق في عصر ظهور المهدي المنتظر.


( 164 )

فالقول بالمهدي المصلح المنتظر ليس مسألة نقلية محظة، بل أنّ العقل يساعد على القول بها ويبرهن عليها قانون التكامل.

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى ما قالته الأديان أو الشرائع السماوية حول المصلح المنتظر.

المهدي المنتظر في العهدين

إنّ العهد القديم والجديد رغم تطرق التحريف عليهما، فقد ورد فيهما ذكر ظهور المصلح في آخر الزمان في أكثر من مكان على غرار المواصفات التي ذكرها القرآن الكريم.

قال سبحانه:(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِي الصَّالِحُونَ).(1)

فقد أخبر سبحانه في هذه الآية بأنّه سبحانه كتب في الزبور بعد التوراة أنّ الأرض يرثها الصالحون.

ومن حسن الحظ أنّ نفس هذا النص موجود في الزبور حالياً لم تتطرق له يد التحريف، فقد جاء فيه:

«والشرير عمّا قليل لا يكون، تبحث عن مكانه فلا يكون».

ثمّ قال: «أمّا الوضعاء فالأرض يرثون، وبسلام وفير ينعمون».(2)

كما أنّا نقرأ نصوصاً مشابهة وردت في أماكن أُخرى من العهدين سنذكرها مع الإشارة إلى محلها وهي كالتالي:


1 . الأنبياء:105.

2 . الكتاب المقدس، (العهد القديم)، سفر المزامير: المزمار37، الفقرة10ـ 11، الصفحة1164.


( 165 )

1. «ويكون شعبُك كُلُّه أبراراً، وللأبد يَرِث الأرض».(1)

2. «الويل للحوامل والمرضعات في تلك الأيّام فستنزل الشدّة بهذا البلد وينزل الغضب على هذا الشعب، فيسقطون قتلى بحِدّ (بفَم) السيف ويؤخذون أسرى إلى جميع الأُمم، وتدوس أُورشلم أقدامُ الوثنيين إلى أن ينقضي عهد الوثنيين».

«و ستظهر علامات في الشمس والقمر والنجوم، وينال الأُمم كربٌ في الأرض وقلقٌ من عجيج البحر وجيشانه، وتزهق نفوس الناس من الخوف ومن توقع ما ينزل بالعالم، لأنّ أجرام السماء تتزعزع، وحينئذ يرى الناسُ ابن الإنسان آتياً في الغمام في تمام العِزّةِ والجلال».(2)

3. «وسيمسح كل دَمعة من عيونهم، وللموت لن يبقى وجود بعد الآن ،ولا للحزن ولا للصراخ ولا للألم لن يبقى وجود بعد الآن، لأنّ العالَم القديم قد زال. انّي سأُعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً. إنّ الغالب سيرث ذلك النصيب».(3)

ولنعقد الآن مقارنة بين نظرتي الإسلام والشرائع الأُخرى للاعتقاد بالمصلح المنتظر، فنقول توجد مشتركات كما توجد فوارق بينهما.

أمّا المشتركات فالشرائع السماوية جميعاً متفقة بالأُمور التالية:

1. انتشار الظلم والجور في العالم على نحو ينقطع الأمل ويعمّ اليأس من الخلاص.


1 . الكتاب المقدس، (العهد القديم)، سفر أشعيا: الإصحاح10، الفقرة21 الصفحة 1625.

2 . الكتاب المقدس(العهد الجديد) لوقا: الإصحاح21، الفقرة 23ـ 27 الصفحة 266.

3 . رؤيا القدّيس يوحنا، الاصحاح21 الفقرة : 4 و 7.


( 166 )

2. المصلح الموعود بشر وليس بملك.

3. أعوانه كلّهم من الصلحاء يشاركونه في الهدف.

4. يملأ الأرض بالقسط والعدل.

5. يستلم الصالحون مقاليد الحكم في الأرض.

وهذه الأُمور هي المشتركات في عامة الشرائع، وأمّا الفوارق فنشير إليها بما يلي:

1. المصلح الموعود هو من أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ورد فيه من جانب الفريقين 407 روايات.

2. المصلح المنتظر من أولاد علي وفيه 225رواية.

3. المهدي المنتظر من أولاد فاطمة بنت النبي وفيه 203روايات.

4. المهدي الموعود هو تاسع أولاد الحسين بن علي وفيه 208 رواية.

5. المهدي المنتظر من أولاد الإمام زين العابدين فيه 195 رواية.

6. المهدي المنتظر من أولاد الحسن العسكري وفيه 107رواية.

7. المهدي المنتظر هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت وفيه 151رواية.

8. المهدي الموعود قد ولد وفيه 426رواية.

9. المهدي المنتظر يعمّر عمراً طويلاً وفيه 318رواية.

10. للمهدي المنتظر له غيبة طويلة وفيه 100رواية.

11. المهدي المنتظر ينشر الإسلام في أرجاء المعمورة ويكون الإسلام ديناً عالمياً، وفيه 22رواية.


( 167 )

12. يؤسس المهدي المنتظر حكومة عالمية واحدة وهذه الميزة من أبرز خصائص العقيدة بالمهدي في الشريعة الإسلامية، وحينذاك تنحسر كافة الحكومات الظالمة عن الوجود، وتكون الساحة خالصة للحكم الواحد وهو حكم الإسلام.

وقد جاء في الروايات التصريح بذلك، نذكر منها ما يلي:

1. إذا قائم القائم(عليه السلام) ذهبت دولة الباطل.(1)

2. يبلغ سلطانه المشرق والمغرب.(2)

وقد ورد في القرآن الكريم قوله سبحانه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ).(3)

والآية وإن كانت مطلقة لكن الحكومة الّتي يؤسسها المصلح المنتظر من أبرز مصاديق هذه الآية.(4)

علائم الظهور

قد وردت في الروايات أُمور عُدّت من علائم ظهور الإمام المهدي ومن مقتضيات نهضته، ونذكر شيئاً من هذه الروايات:

1. عن قتادة قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه يستخرج الكنوز، ويقسم المال، ويلقي الإسلام بجرانه.(5)


1 . منتخب الأثر:471.

2 . نفس المصدر:472.

3 . الحج:41.

4 . نور الثقلين:3/506; تفسير البرهان: 3/196.

5 . منتخب الأثر:472.


( 168 )

2. عن الإمام الباقر (عليه السلام)قال: إنّ عيسى(عليه السلام) ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهل ملّة يهوديّ ولا غيره إلاّ آمنوا به قبل موتهم، ويصلّي عيسى خلف المهدي(عليه السلام).(1)

3. قال الإمام الصادق(عليه السلام): «إذا قام قائمنا وضع اللّه يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم، وكملت به أحلامهم».(2)

4. وعن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:«إنّ قائمنا إذا قام مدّ اللّه لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتّى لا يكون بينهم وبين القائم بريد، يكلّمهم فيسمعون، وينظرون إليه وهو في مكانه».

5. عن ا(3)لإمام الحسن عن أبيه علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: «يبعث اللّه رجلاً في آخر الزمان، وكلب من الدهر، وجهل من الناس، يؤيده اللّه بملائكة ويعصم أنصاره، وينصره ب آياته، ويظهره على أهل الأرض حتّى يدينوا طوعاً أو كرهاً، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً وبرهاناً، يدين له عرض البلاد وطولها، لا يبقى كافراً إلاّ آمن، ولا طالح إلاّ صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عامّاً، فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه».(4)

وهذا هو بعض ما ورد حول العلامات الّتي تسبق أو تعاصر ظهور الإمام المهدي(عليه السلام).


1 . منتخب الأثر:479.

2 . منتخب الأثر:483.

3 . منتخب الأثر:483.

4 . منتخب الأثر:487.


( 169 )

14

نموذج من الأخبار الموضوعة (1)

الحديث النبوي هو أحد مصادر العقيدة والشريعة، فهو بعد الكتاب المجيد حجة ثانية يعتمد عليها الفقهاء والمتكلّمون في كلا المجالين، ولا يعادله بعد الكتاب العزيز شيء.

ومع هذا المكانة السامية له، فقد ابتلي بمصائب من الخارج والداخل حتّى أصبح تمييز الصحيح عن غيره أمراً صعباً يحتاج إلى دراسة وتعمّق.

ومن هذه الابتلاءات: منع تدوين الحديث بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)منعاً باتاً، أو منعاً نسبياً إلى أواخر القرن الأوّل، بل إلى أواسط القرن الثاني حيث بدأ المسلمون بكتابة الحديث في عصر المنصور عام (143هـ).(2)

ومنها: فسح المجال للأحبار والرهبان، فقد مُني الإسلام من جانبهم ببدع يهودية وخرافات مسيحية وأساطير مجوسية، فبثّوها بين المسلمين كحقائق راهنة، وتلقّاها السذج من المحدّثين بالقبول.


1 . كتبنا هذا المقال بعد اطّلاعنا على مقال نشرته إحدى المجلات يتضمّن انفراد مصادر الحديث عند الشيعة باشتمالها على الموضوعات.

2 . تاريخ الخلفاء للسيوطي:261.


( 170 )

يقول الشهرستاني: زادت المشبّهة في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع.(1)

ومنها كذلك: التجارة بالحديث من قبل سماسرة الأهواء، فقد أدخلوا في السنّة النبوية ما ليس منها، وربّما ناهز عدد الوضّاعين إلى 700 رجل.(2)

ولأجل ذلك قام غير واحد من العلماء بتأليف كتب وموسوعات من أجل تمييز الموضوعات عن غيرها.

ومن هذه الموضوعات الخبر الوارد في كتب الفريقين حول حمار كلّمه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وسأله عن اسمه؟ فأجابه بأنّه قد أخرج اللّه من نسل جده ستين حماراً لا يركبها إلاّ نبي... إلى آخر ما سيوافيك نصه.

وهذا الحديث وإن كان أمراً ممكناً غير محال، إذ ليس الحمار بأقلّ من الهدهد الّذي كلّمه سليمان وأجاب عن أسئلته، يقول سبحانه حاكياً عن سليمان:(مَا لي لاَ أَرَى الْهُدْ هُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ اوْ لَيَأْتِيَني بِسُلْطان مُبِين)إلى آخر ما ذكره سبحانه من قصة تكلم سليمان مع الهدهد وجوابه له.(3)

ومع ذلك كلّه فالأمر غريب جدّاً في هذا الحديث وإن أورده الكليني في «الكافي» وهو من الشيعة ولكن بسند مرسل لا مسند، ونقله عنه المجلسي في «البحار».


1 . الملل والنحل:1/106.

2 . الغدير:5/257.

3 . النمل:20ـ 35.


( 171 )

الحديث في كتب أهل السنّة

1. روى الحافظ أبو نعيم في «دلائل النبوة» بسند يتصل إلى معاذ بن جبل قال: أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو بخيبر حمارٌ أسود فوقف بين يديه، فقال : من أنت؟

قال: أنا عمرو بن فلان، كنا سبعة إخوة كلنا ركبنا الأنبياء، وأنا أصغرهم، وكنت لك فملكني رجل من اليهود، فكنت إذا ذكرتك كبوت به فيوجعني ضرباً. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):فأنت يعفور.(1)

ثمّ قال: هذا حديث غريب.

2. ورواه ابن الجوزي (510ـ 597هـ) في «الموضوعات»، قال: «باب تكليم حماره يعفور له» فروى بالسند المتصل إلى أبي منظور ـ وكانت له صحبة ـ قال: لمّا فتح اللّه عزّو جلّ على نبيه خيبر أصابه من سهمه أربعة أزواج نعال وأربعة أزواج خفاف وعشرة أواق ذهب وفضة وحمار أسود. قال: فكلم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الحمار، فقال له: ما اسمك؟ قال يزيد بن شهاب، اخرج من نسل جدي ستين حماراً كلهم لم يركبه إلاّ نبي، ولم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك... إلى آخر الرواية.(2)

وقال ابن الجوزي في آخره: هذا حديث موضوع، فلعن اللّه واضعه، فإنّه لم يقصد إلاّ القدح في الإسلام والاستهزاء به.

قال أبو حاتم بن حبان: لا أصل لهذا الحديث، وإسناده ليس بشيء، ولا يجوز الاحتجاج بمحمد بن مزيد.(3)


1 . البداية والنهاية، لابن كثير:6/11.

2 . الموضوعات:1/294.

3 . نفس المصدر.


( 172 )

3. وروى كمال الدين الدميري في «حياة الحيوان» عن ابن عساكر في تاريخه، بسنده إلى أبي منصور قال: لما فتح النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خيبر أصاب حماراً أسود، فكلّم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الحمار، فقال له: مااسمك؟قال: يزيد بن شهاب أخرج اللّه من نسل جدّي ستين حماراً لا يركبها إلاّ نبي، وقد كنت أتوقعك لتركبني، ولم يبق من نسل جدّي غيري ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت قبلك عند رجل يهودي، وكنت أتعثر به عمداً كان يجيع بطني ويركب ظهري.

فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): فأنت يعفور، يا يعفور تشتهي الإناث؟ قال: لا.

فكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): يركبه في حاجته.(1)

4. ورواه الدياربكري أيضاً عن ابن عساكر بنفس لفظ الدميري، وقال ـ في رواية: إنّ اسمه ـ أي اليهودي الّذي يركبه ـ مرحب، وكان إذا سمع اسمك يتكلم بما لا يليق بك، وكنت أتعثر به عمداً...إلى آخر الرواية.(2)

5. ورواه الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفّى852هـ) في «لسان الميزان» عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي منظور ـ وكانت له صحبة ـ قال :لمّا فتح اللّه على نبيه... إلى آخر الحديث، بنفس الألفاظ السابقة.

ثمّ قال : قال ابن حبّان: هذا خبر لا أصل له، وإسناده ليس بشيء.(3)

وقد ذكره ابن حجر في« الإصابة»(4) وبنفس الألفاظ الّتي ذكرت في «أُسد الغابة» عن ابن موسى.

6. ورواه القاضي عياض وقال: وما روي عن إبراهيم بن حماد بسنده من


1 . حياة الحيوان:1/228.

2 . تاريخ الخميس:2/187.

3 . لسان الميزان:5/376.

4 . الإصابة:7/321.


( 173 )

كلام الحمار الذي أصابه بخيبر وقال له: ما اسمك. قال: اسمي يزيد بن شهاب، فسمّاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يعفوراً.(1)

7. ورواه الحلبي (المتوفّى 1044هـ) في السيرة قال: وروي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا فتح خيبر أصاب حماراً أسود، فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):ما اسمك... الخ... ثمّ قال: قال ابن حبان: هذا خبر لا أصل له وإسناده ليس بشيء.(2)

8. وذكره ابن حبّان في كتاب «المجروحين» وقال في آخره: وهذا حديث لا أصل له، وإسناده ليس بشيء، ولا يجوز الاحتجاج بهذا الشيخ (يعني محمد بن مزيد).(3)

9. وقد ذكره أيضاً ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق.(4)

10. وقال ابن الأثير في «أُسد الغابة»: وروى باسناد له عن أبي منظور أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لما فتح خيبر... وذكر الحديث، ثمّ أعقبه بقوله: و أطال فيه أبو موسى وقال: هذا حديث منكر جدّاً اسناداً ومتناً، لا أُحلّ لأحد أن يرويه عنّي إلاّ مع كلامي عليه.(5)

11. رواه المقريزي عن أبي نعيم.(6)

الحديث في كتب الشيعة

1. روى الكليني في «الكافي » قال: وروي أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: إنّ


1 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى:1/604، ط. عمان: دارالفيحاء، 1407هـ.

2 . السيرة الحلبية:2/774.

3 . المجروحين:2/309.

4 . تاريخ مدينة دمشق:4/232.

5 . أُسد الغابة:5/307.

6 . إمتاع الأسماع:5/268 و ج7 / 226.


( 174 )

ذلك الحمار كلّم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال:بأبي أنت وأُمّي إنّ أبي حدّثني، عن أبيه، عن جدّه ، عن أبيه أنّه كان مع نوح في السفينة فقام إليه نوح فمسح على كفله، ثمّ قال: يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيّد النبيّين وخاتمهم، فالحمد للّه الّذي جعلني ذلك الحمار.(1)

2. ورواه القطب الراوندي في «الخرائج والجرائح» وفي الباب الأوّل في معجزات نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)في الفصل الثاني الّذي سمّاه باسم «فصل من روايات العامّة في معجزاته(صلى الله عليه وآله وسلم)». عن الصدوق بسند أكثر رواته من السنة.(2) ونقله المجلسي في «بحار الأنوار» عن «قصص الأنبياء» للراوندي أيضاً.(3)

3. يقول الشيخ الأميني: وللقوم (قصة حمار) عدّوها من دلائل النبوة ذكرها ابن كثير بالإسناد المتصل في تاريخه، ونحن نذكرها محذوفة السند ونحيل البحث عنها إلى أُولي الألباب من الأُمّة المسلمة.(4)

وفي الختام: يجب التنبيه على أمر، وهو أنّ الكتب الروائية بحاجة ماسة إلى التنقيح والتنقيب، ومع أنّ هذه الكتب مصدر ثان للعقيدة والشريعة بعد الكتاب العزيز، ومع ذلك فالسنّة تحتاج إلى تهذيب ودراسة، فليس لأحد أن يعترض على فئة باشتمال كتاب من كتبهم على قصة خرافية بعد ما نرى نقل الفريقين لها.

ومع ذلك فننبّه على أمرين هامّيـن هما:

أوّلاً: أنّ الكليني نقله مرسلاً دون أن يذكر له سنداً حيث قال: وروي أنّ


1 . أُصول الكافي:1/237; عنه البحار:17/405 ح23.

2 . الخرائج والجرائح:1/42ح 49.

3 . بحارالأنوار:17/404ح21 عن قصص الأنبياء:307.

4 . الغدير:11/106.


( 175 )

أمير المؤمنين قال: إنّ ذلك الحمار... .

والخبر المرسل في غير الغرائب ليس بحجّة، فكيف في هذا الأمر الغريب؟!

وثانياً: أنّ شرّاح الحديث قالوا: لا يتعقل معنى صحيح لهذه المرسلة تحمل عليه، ولعلّها ممّا وضعه الزنادقة استهزاءً بالمحدِّثين السُّذّج، كما أنّهم وضعوا كثيراً من الأحاديث لتشويه صورة الدين.

وبهذا نستنتج أنّ رواة هذا الحديث من أهل السنّة هم أكثر من رواته من الشيعة، وهو في كتب السنّة أكثر ممّا في كتب الشيعة، وقد اتّفق الفريقان على أنّ هذا الخبر من الأحاديث الموضوعة... .


( 176 )

( 177 )

الفصل الثاني

في المسائل الفقهية والأُصولية

1. بيعتان في بيعة

2. تعليق على فتوى الشيخ القرضاوي في تزويج البكر

3. مع كتاب فقه المعاملات الحديثة

4. اتجاهان في تدوين أُصول الفقه واقتراحات لتطويره

5. إجماع العترة الطاهرة

6. صلاة الطواف وحكمها عند الزحام

7. لو باع بثمن معيّن وتبيّن عدمه

8. دور التاريخ في استنباط الأحكام الشرعية

9. طلاق المرأة وهي حائض وتزويجها ـ بعد العدة ـ برجل آخر


( 178 )

( 179 )

1

بيعتان في بيعة

صاحب الفضيلة حجة الإسلام السيد عبد الفتاح نواب ـ دامت معاليه ـ

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أرجو من اللّه سبحانه أن تكونوا في صلاح وفلاح، كما أرجو أن يكون أخونا الكريم الأُستاذ الفذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم في صحة وعافية.

ذكرتم أنّ الأُستاذ ـ حفظه اللّه ـ قد طلب منكم رأي فقهاء الشيعة الإمامية في مسألة «البيعتين في بيعة واحدة»، واقترحتم عليّ أن أُحرّرها، فقمت تلبية لاقتراحاتكم بتحرير المسألة بوجه موجز، ولا نقول: إنّه رأى عامة فقهائهم، إذ ليس لهم في المسألة رأي موحَّد والتفصيل يطلب من مظانّه.

اختلفت كلمة الفقهاء في تفسير هذا العنوان (البيعتان في بيعة واحدة) الّذي ورد في روايات السنّة والشيعة. ولنذكر ما رواه الفريقان أوّلاً، ثمّ ندخل في صلب الموضوع:

1. ما رواه الفريقان في المقام:

1. روى الترمذي في سننه في باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة، عن


( 180 )

أبي هريرة قال: نهى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيعتين في بيعة.

وقال في شرح الحديث: وقد فسّره بعض أهل العلم قالوا: بيعتين في بيعة، أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين....(1)

2. رووا أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع وشرط.(2)

وأمّا الشيعة الإماميّة فقد أخرج الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460هـ) في كتاب «التهذيب» عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:

3.نهى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك.(3)

وروى محمد بن بابويه الصدوق (المتوفّى 381هـ) عن الصادق(عليه السلام)عن آبائه(عليهم السلام) في مناهي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال (عليه السلام): نهى عن بيعين في بيع.(4)

4. روى الشيخ الطوسي بسنده عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال بعث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً من أصحابه والياً فقال: إنّي بعثتك إلى أهل اللّه يعني أهل مكة فانههم عن بيع ما لم يقبض، وعن شرطين في بيع، وعن ربح ما لم يضمن.

2. ما هو المقصود من الحديث؟

قد فُسّر الحديث بوجوه وإليك سردها إجمالاً:

الأوّل: أن يبيع الرجل السلعة فيقول: هي نقداً بكذا ونسيئة بكذا، وبطبيعة الحال يكون الثمن الثاني أكثر من الأوّل.


1 . سن الترمذي: ج3، كتاب البيوع، الباب18، رقم الحديث1232.

2 . المهذب للشيرازي: 1/275; العزيز في شرح الوجيز:4/105; المغني:4/308، الشرح الكبير: 4/56 ولم أقف على نص الحديث في الصحاح والسنن لقلّة التتبع.

3 . التهذيب:7/230، حديث رقم1005.

4 . من لا يحضره الفقيه:4/4رقم1.


( 181 )

وهذا على قسمين: فتارة يفترق المتبايعان مع الالتزام في النهاية بأحد الثمنين، وأُخرى يفترقان على الإبهام من دون أن يلتزما بأحد الثمنين.

الثاني: أن يتبايعا مع تردّد المبيع أو الثمن بين شيئين، كأن يقول: اشتريت بالدينار شاةً أو ثوباً، أو يقول: بعت السلعة بدينار أو بشاة.

الثالث: أن يبيع السلعة بمائة إلى سنة على أن يشتريها بعد البيع حالاً بثمانين.

الـرابع: أن يشتـرط بيعـاً أو شرطاً فـي بيع كأن يقول: بعتك هذه الدار بألف على أن تبيع دارك منّي بكذا، أو يبيـع ا لدار ويشترط عليه أن يسكنه إلى شهر....

الخامس: أن يشتري حنطة بدينار نقداً سلماً إلى شهر، فلما حلّ الأجل، قال البائع: اشتري منك الصاع الّذي بذمّتي بصاعين إلى شهرين.

السادس: أن يجمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد، كبيع وسلف ، أو إجارة وبيع، أو نكاح وإجارة.

هذه هي الوجوه التي فُسّر بها الحديث النبويّ، وبذلك ربّما عاد الحديث مجملاً في مفهومه، لا يصحّ الاستدلال به على واحد من هذه المحتملات، إلاّ إذا عاضدته قرينة معيّنة، إذ من البعيد أن يكون الجميع مقصوداً للرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم). وسيوافيك ما هو الأقرب منها إلى مضمون الحديث في آخر المقال.

إذا تبين ذلك، فنحن ندرس عامة المحتملات على ضوء القواعد العامة المستفادة من الكتاب والسنّة، ثمّ نعود إلى تفسير ما روي في المقام، فنقول: إنّ القضاء الحاسم في هذه الصور رهن بيان أمرين تاليين:


( 182 )

1. الأصل صحّة كلّ عقد وبيع عقلائي

دلّت الآيات والروايات على صحّة كلّ عقد وبيع عقلائي، يتعلّق به الغرض ولا يعدُّ لغواً، إلاّ ما دلّ الدليل الشرعي على عدم صحّته. فلو شكّ في صحّة عقد، أو بيع في مورد، فيحكم بصحّته أخذاً بإطلاق الآيات التالية:

1. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).(1)

2. (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا).(2)

3. (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض).(3)

فإنّ مفاد الآيات: انّ كلّ ما صدق عليه العقد أو البيع، أو التجارة عن تراض وجب الوفاء به، وهو ممّا أحلّه اللّه، ولا يعد أكلاً بالباطل.

فكلّ مورد شكّ في صحّة عقد أو بيع، وجواز أكل شيء، فالصحّة محكّمة إلاّ إذا دلّ الدليل على بطلانه، فما لم يرد في الشريعة، نهي عن عقد أو بيع، أو لم ينطبق عليه أحد العناوين المحرّمة في الشرع فالعقد نافذ والبيع ماض، والأكل به حلال إلاّ إذا دلّ الدليل على خروجه عن الإطلاقات كالعقد الربوي، وبيع الخمر، وثمن الفحشاء وإن رضي الطرفان، فعندئذ يُحكم عليه بالحرمة، وأحياناً بالفساد.

فكما أنّ مقتضى الآيات هو صحّة كلّ عقد أو بيع شكّ في صحته، فهكذا مقتضى إطلاق السنة، في مورد شك في صحّته، نظير:

1. الناس مسلّطون على أموالهم.

2. لا يحلّ مال امرئ إلاّ بطيب نفسه.


1 . المائدة:1.

2 . البقرة:275.

3 . النساء:29.


( 183 )

فالإنسان مسلط على أمواله، فله أن يبيع ماله ويهبه بأي نحو شاء، وليس لأحد منعه عن التقلب في أمواله. إلاّ إذا ورد النهي عنه في الشريعة المقدسة.

وبه تظهر كيفية الاستدلال بالحديث الثاني، فالملاك في الحلية، هو طيب النفس في أيِّ مورد، فإذا كان المالك راضياً وطابت نفسه لتصرف الآخر، يكون نافذاً وصحيحاً وممضي عند الشرع إلاّ إذا دلّ الدليل على بطلانه.

هذا حال العقود والبيوع وإليك الكلام في الشروط.

2. الأصل صحّة كلّ شرط عقلائي

الأصل في الشروط أيضاً الصحة والنفوذ إلاّ إذا قام الدليل على عدم صحّته، والمراد من الشرط هو طلب فعل من البائع أو المشتري على غرار قوله:(عَلَى أَنْ تَأْجُرَني ثَمَانِيَ حِجَج)(1). حيث شرط في نكاح بنته من موسى، خدمة ثماني حجج.

نعم لا يكون الشرط نافذاً وصحيحاً وواجب الوفاء، إلاّ إذا كان جامعاً للأُمور التالية:

1. أن يكون داخلاً تحت القدرة.

2. أن يكون سائغاً وجائزاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ المسلمين عند شروطهم إلاّ شرطاً حرم حلالاً أو أحلّ حراماً».(2) فلو باعه شيئاً واشترط في ثمن العقد أن يشتري منه شيئاً معيناً، أو يبيعه شيئاً آخر، أو يُقرضه، شيئاً معيناً، أو يستقرضه صحّ، لإطلاق قوله: «المسلمون عند شروطهم» إلاّ ما خرج بالدليل.


1 . القصص:27.

2 . الوسائل:12، الباب6 من أبواب الخيارات، الحديث5.


( 184 )

3. أن يكون عقلائياً، لا سفهياً، كما إذا شرط الكيل بميزان معين، مع مساواته بسائر الموازين الصناعية الدقيقة.

4. أن يكون داخلاً تحت القدرة، فخرج ما ليس في قدرة المشترَط عليه.

5. أن لا يكون مخالفاً للكتاب والسنة، ككون الطلاق بيد الزوجة أو اشتراط إرث أجنبي.

6. أن لا يكون مخالفاً لمقتضى العقد، كما لو باع بلا ثمن أو آجر بلا أُجرة، فإنّ ماهية الشرط مخالفة لماهية البيع، فالبيع ربط بين المالين وتبادل بينهما، والإجارة ربط بين العين والأُجرة أو بين العمل والأُجرة. وعلى كلّ تقدير يتقوّمان بمالين أو بعمل ومال، فالبيع بلا ثمن أو بلا أُجرة أشبه بأسد بلا رأس ولا ذنب.

7. أن لا يكون مجهولاً جهالة توجب الغرر، لاستلزامه جهالة العوضين، كما إذا باع شيئاً وشرط على المشتري أن يبني له جداراً مبهماً من حيث الطول والعرض، فإنّ الشرط كالجزء من العوضين فيكون محكوماً بالبطلان.

هذا بعض ما يعتبر في صحّة الشروط ونفوذها في البيع وسائر العقود، وربّما ذكرت هناك شروط أُخرى لنفوذها لا حاجة لذكرها في المقام، وقد بسطنا الكلام فيها في كتابنا «المختار في أحكام الخيار» .(1)

فظهر ممّا ذكرنا أمران:

أ. الأصل في العقود والبيوع هو الصحّة والمضيّ، إلاّ إذا قام دليل شرعي على عدم اعتباره في الشريعة المقدسة، كالبيع الربوي، وغيره.

ب. الأصل في الشروط هو الصحة إذا كان واجداً للشروط المعتبرة فيها. وأنّه يجب الالتزام بها، ما لم يكن مؤدِّياً إلى جهالة المبيع أو الثمن أو مخالفاً للكتاب


1 . لاحظ ص 449ـ 500.


( 185 )

والسنة، إلى غير ذلك من الشروط الّتي مضت أكثرها.

فعلى هذا فالضابطة في صحّة الشرط هو أنّه إذا لم يكن مؤدّياً إلى جهالة المبيع أو الثمن أو مخالفاً للكتاب والسنة إلى غير ذلك من الشروط، صحّ كلّ شرط في العقود.

وعلى ذلك فاللازم أوّلاً:

عرض هذه الوجوه المحتملة الستة على هذه القواعد العامة واستخراج حكمها على ضوئها.

وثانياً:

العود إلى دراسة ما روى في المقام الّذي أوعزنا إليه في صدر البحث والتأمّل فيه، كي يظهر مدى انسجامه مع القواعد العامة. وإليك البيان.

أمّا الوجه الأوّل: وهو أن يبيع الرجل السلعة نقداً بكذا ونسيئة بكذا، فقد مرّ أنّ طبيعة الحال تقتضي أن يكون الثمن الثاني أكثر من الأوّل.

وقد مرّ أنّ لهذا المحتمل صورتين: تارة يفترق المتبايعان بعد الإيجاب والقبول من دون أن يلتزما بأحد الثمنين. وأُخرى يفترقان مع تعيين أحد الثمنين في قبول المشتري.

أمّا الأوّل:

فقد ذهب جماعة كالشيخ الطوسي في «المبسوط» وابن إدريس الحلي في «السرائر» إلى بطلان العقد والبيع لجهالة الثمن، لتردّده بين درهم ودرهمين، وقد مرّ أنّ الجهالة من أسباب بطلان الشرط.

وإن شئت قلت: يبطل للغُرّ، وللإبهام الناشئ من الترديد، القاضي بعدم تملّك البائع حال العقد أحد الثمنين بالخصوص، وهو مناف لمقتضى سببية العقد


( 186 )

لتملك البائع الثمن مقابل تملك المشتري المثمن.

هذا مقتضى القاعدة ولكن رُوي عن علي(عليه السلام) أنّه يكون للبائع أقلّ الثمنين في أبعد الأجلين(1). وقد عمل بالحديث جماعة من فقهاء الإمامية.(2)

وكان وجهه: انّه إن رضي بالأقل فليس له الأكثر في البعيد، وإلاّ لزم الربا، لأنّه قَبَض الزيادة في مقابل تأخير الثمن لا غير.

ومع ذلك فإنّ مضمون الحديث ينافي الضوابط العامة، لأنّ الإلزام بالأقل إلى الأجل الأبعد ليس تجارة عن تراض والعمل به أمر مشكل والقول بالبطلان أقوى، وفي الوقت نفسه أحوط. والرواية حسنة وليست بصحيحة، وبمثلها لا يصحّ الخروج عن الضوابط العامّة.

ويؤيّد البطلان ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «لا يحل صفقتان في واحد».(3)

هذا كلّه إذا أمضى البائع البيع، دون أن يختار المشتري أحد الفرضين.

وأمّا الثاني أي ما إذا اختار المشتري أحدهما في قبوله فالظاهر صحّة البيع والعقد، لأنّ الجهالة ترتفع بقبول المشتري أحد الفرضين، فإمّا أن يقول قبلت البيع بدرهم نقداً أو بدرهمين إلى أجل، ولا دليل على أنّ الجهالة حال الإيجاب وارتفاعها عند القبول مورث للبطلان، فمقتضى القاعدة صحّة البيع والعقد حسب ما يلتزم به المشتري.


1 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب أحكام العقود، الحديث 1، 2. و تسمية الحال أجلاً باعتبار ضمّه إلى الأجل في التثنية وهو قاعدة مطردة ومنه الابوان والقمران.

2 . الجواهر:2/103ـ 104.

3 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب أحكام العقود، الحديث4.


( 187 )

وأمّا الوجه الثاني: وهو أن تبايعا مع تردد المبيع أو الثمن بين شيئين كأن يقول: اشتريت بالدينار شاةً أو ثوباً، أو يقول: بعت السلعة بدينار أو شاة، ويأتي في هذه الصورة ما ذكرناه في الصورة المتقدمة، فإن تم الإيجاب والقبول بلا التزام بأحد الفرضين فالبيع باطل لجهالة أحد العوضين، وإلاّ فالظاهر الصحة لارتفاعها بقبول المشتري أو إيجاب البائع متأخّراً ولا دليل على اشتراط المعلومية أزيد من ذلك.

وأمّا الوجه الثالث: أعني أن يبيع السلعة بمائة إلى شهر على أن يشتريها بعد البيع حالاً بثمانين. وبعبارة أُخرى: أن يبيع الشيء بثمن مؤجل بمائة بشرط أن يشتريه البائع من المشترى ثانياً بثمن حالّ أقل من ثمنه، فهذا هو بيع العينة، فكلّ من قال بفساد بيع العينة يقول بفساده. وهو يعد من حيل الربا فإنّ السلعة رجعت إلى صاحبها.. وثبت له في ذمة المشتري مائة مع أنّه دفع إليه ثمانين.

والذي عليه أكثر فقهاء الإمامية:

إنّه إذا اشترط تأخير الثمن إلى أجل، ثم ابتاعه البائع قبل حلول الأجل دون أن يشترط في البيع الأوّل جاز مطلقاً، بزيادة كان أو بنقصان، حالاً أو مؤجلاً ـ بخلاف ما إذا اشترط في ضمن العقد، فقد اختارت جماعة البطلان في هذه الصورة (صورة الاشتراط).

وقد ذكروا في وجه البطلان عندئذ أمرين:

1. استلزامه الدور، لأنّ بيع المشتري للبايع، يتوقف على ملكه له، المتوقف على بيعه للبايع.

يلاحظ عل(1)يه: بأنّ المشتري يملك بمجرد العقد، ولا يتوقف ملكه على


1 . التذكرة:10/251.


( 188 )

العمل بالشرط، أي بيعه للبائع والّذي يتوقف عليه، هو لزوم البيع الأوّل لا تملكه.

2. عدم قصد الخروج عن ملكه، بشهادة انّه يشترط شراءَه من المشتري ثانياً، وليس الغرض إلاّ تملك الفائض.

يلاحظ عليه: بأنّه ربما يتحقّق القصد لغرض تملك الفائض، حيث يبيع بمائة ويشتري بثمانين.

والمهم انّه ذريعة محلّلة للربا، وللبحث صلة تطلب في محلّه.

وأمّا الوجه الرابع: أعني: أن يشترط بيعاً في بيع كأن يقول: بعتك هذه الدار بألف على أن تبيع دارك بكذا. فهذا على قسمين: فتارة يشترط البيع الآخر ولا يحدد ثمن المبيع الثاني وهذا باطل لأجل الجهالة، وأُخرى يشترط في البيع بيعاً آخر ويحدد المبيع والثمن كأن يقول بعتك داري هذه بألف على أن تبيعني دارك بألف وخمسين، وهذا صحيح لعدم الجهالة.

والحاصل: أنّ المدار في الصحة والبطلان هو وجود الجهالة في أحد العوضين وعدمها والمفروض عدمها.

وأمّا الوجه الخامس: أعني: أن يشتري حنطة بدينار نقداً سلماً إلى شهر: فلمّا حلّ الأجل قال البائع: أشتري منك الصاع الّذي بذمتي بصاعين إلى شهرين.

والظاهر بطلان البيع، لأنّه بيع كال بكال أوّلاً وبيع ربوي بجنسه متفاضلاً.

وأمّا الوجه السادس: أعني: أن يجمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد (كبيع وسلف)، كما إذا قال: بعتك هذا العبد وعشرة أقفزة حنطة موصوفة بكذا، مؤجلاً إلى كذا بمائة درهم، أو «إجارة وبيع» كما إذا قال: آجرتك الدار وبعتك العبد بكذا، أو «نكاح وإجارة» كما إذا قال: أنكحتك نفسي


( 189 )

وآجرتك الدار بكذا، فالظاهر الصحة لصدق العقد عليه ولم يدل دليل على خروجه عن إطار الآيات والروايات.

وهذا العقد في الظاهر عقد واحد وفي المعنى عقدان أو عقود، ولذا يجري عليه حكم كلّ منهما لنفسه من غير مدخلية للآخر، فلو جمع بين البيع والإجارة فخيار المجلس للأوّل دون الثاني.

ولو احتيج إلى أن يقسط العوض لتعدّد المالك قسّط على النحو المقرّر في باب الاروش.

نعم تأمّل المحقّق الأردبيلي في صحّة هذا النوع من العقد، من جهتين:

1. الشكّ في صحّة مثل هذا العقد (بيع وإجارة)، حيث لا يدخل في اسم كلّ منهما، فهو لا بيع، ولا إجارة.

2. انّ الجهالة والغرر وإن ارتفعا بالنسبة إلى هذا العقد، إلاّ انّهما متحقّقان بالنسبة إلى البيع والإجارة، وقد نهى الشارع عنهما في كلّ منهما.

وارتفاع الجهالة بالنسبة إلى المجموع غير مجد.

يلاحظ على الأوّل: بما عرفت في صدر البحث، أنّ الموضوع للصحة هو العقد، وقوله: آجرتك تلك الدار وبعتك العبد بمائة دينار، عقد عقلائي كفى في دخوله تحت قوله سبحانه: (أَوْفُوا بالعُقُودِ).(1)

ويلاحظ على الثاني: أنّ الجهالة بالنسبة إلى كلّ من ثمن البيع وأُجرة الإجارة وإن كانت متحقّقة لكنّها انّما تضرّ إذا كان البيع أو الإجارة عقداً مستقلاً لا جزء عقد، فعموم قوله سبحانه:(أَوفُوا بِالعُقُودِ) كاف في ثبوت مشروعيته.


1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/531.


( 190 )

وليست اللام في «العقود» إشارة إلى العقود المتعارفة في عصر نزول الآية، بل هي ضابطة كلية، في عالم التشريع تأمر المكلّفين بالوفاء بكلّ ما يصدق عليه عقد عرفي عقلائي إلاّ ما خرج من الدليل.(1)

هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أي عرض المحتملات على الضوابط العامّة المستفادة من الكتاب والسنّة.

دراسة الحديث

بقي الكلام في الأمر الثاني وهو دراسة الحديث ومدى موافقته للقواعد.

وإجمال الكلام فيه: انّ الحديث بعد سريان الاحتمالات إليه، صار مجملاً من حيث الدلالة، مبهماً من حيث المقصود، فلا يمكن الاحتجاج به على واحد من هذه الصور المختلفة، ومن البعيد أن يكون الجميع مقصوداً للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلأجل إجمال الحديث وتطرق الاحتمالات المتنوعة إليه، يسقط عن الاحتجاج به، ويرجع في كلّ مورد إلى القواعد والضوابط العامة.

***

ومع ذلك كلّه يمكن أن يقال: إنّ أقرب الاحتمالات إلى مفهوم الحديث النبوي هو الوجه الأوّل، أي البيع نقداً بكذا ونسيئة بكذا، على وجه أصفق عليه البائع، من دون أن يلتزم المشتري بأحد الثمنين، وقد عرفت وجه البطلان لوجود الجهالة والغرر.

وأبعد الاحتمالات هو الوجه الرابع وهو أن يبيع شيئاً أو يشتريه ويشترط أحد المتبايعين شرطاً، فإنّ جواز مثل هذا النوع من البيع أظهر من الشمس وأبين


1 . الجواهر:23/234.


( 191 )

من الأمس لجريان السيرة على الاشتراط من الجانبين.

وممّا يقضي منه العجب ، أن تقع مثل هذه المسألة: باع شيئاً مع الشرط، مثاراً للخلاف بين الفقهاء، على وجه حتّى روى عن أبي حنيفة والشافعي بطلان البيع والشرط. ودونك ما نقله الشيخ الطوسي وغيره في المقام. قال (قدس سره):(1)

المسألة40: من باع بشرط شيء، صحّ البيع والشرط معاً إذا لم يناف الكتاب والسنة. وبه قال ابن شبرمة.

وقال ابن أبي ليلى: يصحّ البيع، ويبطل الشرط.

وقال أبو حنيفة والشافعي: يبطلان معاً.

وفي هذا حكاية رواها محمّد بن سليمان الذهلي، قال: حدثنا عبد الوارث ابن سعيد، قال: دخلت مكة فوجدت بها ثلاثة فقهاء كوفيين، أحدهم أبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة.

فصرت إلى أبي حنيفة فقلت: ما تقول في مَن باع بيعاً وشرط شرطاً؟ فقال: البيع فاسد، والشرط فاسد. فأتيت ابن أبي ليلى، فقلت ما تقول في رجل باع بيعاً وشرط شرطاً؟ فقال: البيع جائز، والشرط باطل. فأتيت ابن شبرمة، فقلت: ما تقول في مَن باع بيعاً وشرط شرطاً؟ فقال: البيع جائز، والشرط جائز.

قال: فرجعت إلى أبي حنيفة فقلت: إنّ صاحبيك خالفاك في البيع.

فقال: لست أدري ما قالا؟ حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه انّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع وشرط.

ثمّ أتيت ابن أبي ليلى فقلت: انّ صاحبيك خالفاك في البيع، فقال: ما أدري ما قالا؟ حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنّها قالت: لما


1 . الخلاف:3/29ـ 30، لاحظ المحلى لابن حزم:8/415; وبداية المجتهد:2/158ـ 159.


( 192 )

اشتريت بريرة جاريتي شرط عليّ مواليها أن أجعل ولاءها لهم إذا أعتقتها، فجاء النبي فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الولاء لمن أعتق» فأجاز البيع، وأفسد الشرط.

فأتيت ابن شبرمة فقلت: إنّ صاحبيك قد خالفاك في البيع فقال: لا أدري ما قالا؟ حدّثني مسعر، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد اللّه قال: ابتاع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منّي بعيراً بمكة ، فلما نقدني الثمن شرطت عليه أن يحملني على ظهره إلى المدينة، فأجاز النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) البيع والشرط.

والظاهر أنّ مرادهم من الشرط، هو القسم الفاسد، كما يظهر من رواية «عائشة»، وإلاّ فاشتراط الصحيح منه في العقود، أمر رائج بين العقلاء وعليه جرت سيرة المسلمين.

هذا ما أسعف به الوقت في تحرير هذه الرسالة

وتمت يوم السابع والعشرين من شهر رجب المرجب من شهور عام 1425هـ

الحمد للّه الّذي بنعمته تتم الصالحات

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)


( 193 )

2

تعليق على فتوى الشيخ القرضاوي

في تزويج البكر

الأُستاذ قيس ظبيان المدير العام لمجلة الشريعة المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أرجو من اللّه أن تكونوا بخير وعافية، وتكون مجلتكم الغرّاء مشعة مضيئة، وهادية إلى السبيل الأقوم.

كما ندعو اللّه تعالى أن يوصل ثواب هذه المجلة الدينية إلى مؤسسها المغفور له تيسير ظبيان (رحمه الله)، الّذي سنّ هذه السنة الحسنة الّتي تجري كجري الشمس والقمر.

وقد قرأنا في مجلتكم الغرّاء (العدد 474، ربيع الثاني 1426هـ) جواباً للفقيه المعاصر الشيخ يوسف القرضاوي عن سؤال هو:

هل صحيح أنّ الإمام الشافعي جعل من حق الأب أن يزوّج ابنته البالغة بغير رضاها؟ وإذا كان هذا صحيحاً فهل يتفق هذا مع المنهج الإسلامي العام في اشتراط موافقة الفتاة المسبقة؟


( 194 )

وحاصل ما أجاب به سماحته هو:

أوّلاً: انّ هنا قاعدة أساسية لا يختلف فيها اثنان وهي انّ كلّ مجتهد يُصيب ويُخطئ، وانّ كلّ واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلاّ المعصوم. والإمام الشافعي بشر غير معصوم.

ثانياً: من الانصاف للمجتهدين أن نضع آراءهم في إطارها التاريخي فإنّ المجتهد أعرف ببيئته وزمنه، ولا يمكن إغفال العنصر الذاتي للمجتهد.

وقد عاش الشافعي في عصر قلّما كانت تعرف فيه الفتاة عمّن يتقدّم لخطبتها شيئاً إلاّ ما يعرفه أهلها عنه، لهذا أُعطي والدُها خاصة حق تزويجها ولو بغير استئذانها.

ثمّ قال: ومن يدري لعل الشافعي لو عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم وانّها أصبحت قادرة على التمييز بين الرجال الذين يتقدمون إليها ربّما غيّر رأيه.

على هامش جواب الشيخ القرضاوي

انطلاقاً من القول المشهور: «الحقيقة بنت البحث» لنا حول هذا الجواب مناقشات نطرحها على طاولة البحث، وربّما يكون لدى الأُستاذ جواب عنها.

المناقشة الأُولى

إنّ رسالة الإسلام رسالة أبدية وكتابها القرآن الكريم خاتم الكتب، فلابدّ أن تكون هذه الشريعة بشكل يوافق فطرة الإنسان ويواكب عامة الحضارات في مختلف العصور.

وقد اختلفت كلمات الفقهاء في لزوم الاستئذان وعدمه، فقال مالك


( 195 )

والشافعي وابن أبي ليلى: للأب فقط أن يجبرها على النكاح.

وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وجماعة: لابدّ من اعتبار رضاها، ووافقهم مالك في البكر على أحد القولين عنه.(1)

فلابدّ في تمييز ما هو الصواب من الآراء، من عرض المسألة على الكتاب والسنة، فالسنة المروية تدعم الرأي الثاني. وقد ألمح إلى هذه الروايات الأُستاذ في ثنايا جوابه.

روى أبو هريرة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: لا تنكح الأيّم حتّى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتّى تُستأذن.

فقالوا: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): كيف إذنها؟ قال: إذا سكتت.

وروى أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس: أنّ جارية بكر أتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فذكرت أنّ أباها زوّجها وهي كارهة فخيّرها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)

والروايات المروية عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) تدعم القول الثاني.

روى منصور بن حازم عن الإمام الصادق(عليه السلام):«تستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلاّ بأمرها».(3)

إلى غير ذلك من الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) الّتي تؤكد شرطية إذن المرأة في نكاحها.

أضف إلى ذلك: انّ التزويج هو النواة الأُولى لتأسيس المجتمع الكبير، فهل يجوز في منطق العقل الحصيف أن يكون للأب حق التزويج من دون استئذان


1 . بداية المجتهد:2/5، كتاب النكاح.

2 . لاحظ الخلاف للطوسي كتاب النكاح ، المسألة10; بداية المجتهد:2/5، كتاب النكاح; المغني لابن قدامة:6/516.

3 . الوسائل:14، الباب9 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.


( 196 )

البنت؟ هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا العقد ليس قصيراً، بل قد يدوم إلى خمسين سنة أو أكثر، فكيف نتصور إلزامها على هذه الحياة من دون أن تعلم أو تفكر أو تأذن فيها؟!

إنّ البيع هو إنشاء علاقة بين مالين، والنكاح إنشاء علاقة بين نفسين، واللّه سبحانه يشترط التراضي في صحة التجارة ويقول:(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض مِنْكُمْ).(1)

فهل يسوغ في منطق العقل أن تكون صحة التجارة منوطة بالتراضي دون النكاح؟!

وهل البيع والتجارة أسمى وأهم من النكاح والزواج الّذي عليه يقوم المجتمع؟!

هذا من الجانب الفقهي ولا نطيل فيه، وقد فصلنا الكلام فيه في كتابنا «نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء»، ج1، ص 172ـ 193).

المناقشة الثانية

لو افترضنا انّ التشريع الإسلامي في حقّ الفتاة هو جواز إنكاحها بغير إذنها وجواز إجبار الأب إياها للنكاح وإن كانت غير راضية به، كما عليه فتوى الإمام الشافعي والإمام مالك على أحد قوليه.

فلو كان التشريع على هذا الحال فكيف يمكن أن يتغير حكمه بتغير الظروف، مع أنّ حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة؟

وما اعتذر به الأُستاذ من وجود الثقافة والعلم عند الفتاة المعاصرة دون


1 . النساء:29.


( 197 )

مثلها الّتي عاشت في عصر الشافعي، غير وجيه، لأنّ معنى ذلك أنّ التشريع الإسلامي موضوع للأُميّات والجاهلات ولا يعم المثقّفات والعارفات.

هب أنّ الأُستاذ نجح في توجيه هذه الفتوى فكيف يفسّر رأياً آخر للإمام الشافعي حول لمس المرأة الأجنبية الّذي عدّه من نواقض الوضوء؟ وإليك نص الفتوى.

وقال الشافعية: إذا لمس المتوضّئ امرأة أجنبية بدون حائل انتقض الوضوء.

وبعبارة أُخرى: مباشرة النساء من غير حائل إذا كنّ غير ذوات محارم تنقض الوضوء بشهوة كانت أو بغير شهوة، باليد كانت أو بالرجل أو بغيرهما من الجسد، عامداً أو ناسياً.(1) ومن المعلوم أنّ هذا الرأي غريب من وجهين:

1. انّه لا رصيد له من الكتاب والسنّة، فقوله سبحانه في آية الوضوء: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ)(2) كناية عن الدخول والجماع كما هو الحال في آيات الطلاق، قال سبحانه: (إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)(3) ، وقال:(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ).(4)

2. إنّ هذه الفتيا لا تنسجم مع كرامة المرأة ومنزلتها في الشريعة الإسلامية، حيث إنّ الذكْر العزيز قد وصف المرأة بأنّها عِدْل للزوج وأنّه يسكن إليها ، قال سبحانه: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها).(5)

إنّ التشريع الإسلامي يعتمد في أُصوله الكلية على الفطرة البشرية ولا يتغير


1 . الأُمّ:1/15; المبسوط:1/67، أحكام القرآن للجصاص:2/369 إلى غير ذلك من المصادر.

2 . المائدة:6.

3 . البقرة:236.

4 . البقرة:237.

5 . الروم:21.


( 198 )

حكمه بتغير الزمان والمكان، فما دام هذا الإنسان موجوداً على ظهر هذا الكوكب فالحكم الشرعي يواكب فطرته ولا يشذ عنه قيد شعرة فلابدّ أن يكون مستمراً ودائماً وأبدياً.

نعم قد ثبت في محله أنّ لعنصري الزمان والمكان دوراً في الاستنباط والاجتهاد، ولكن ذلك لا يعني نسخ الأحكام وإخراجها من الساحة وإحلال حكم آخر مكانها لأجل ذينك العنصرين، بل بمعنى انّ الحضارة والتقدم قد تؤثر في الموضوع بإخراجه عن موضوع حكم وإدخاله تحت موضوع حكم آخر مع التحفظ على كلا الحكمين في موردهما ولنأت بمثال.

إنّ بيع الدم حرام في الفقه الإسلامي لعدم الانتفاع به في أمر محلّل، إذ كان الانتفاع ربما منحصراً في الأكل، ولكن التقدم الحضاري مكّن الطبيب من الانتفاع به انتفاعاً حلالاً وذلك في عمليات نقل الدم من إنسان لآخر محتاج إليه في المستشفيات.

المناقشة الثالثة

إنّ قول الأُستاذ بأنّ الإمام الشافعي لو كان قد عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم لعلّه لو رأى ذلك لغيّر رأيه، فإنّ ذلك يدفعنا إلى التسليم بضرورة الرجوع إلى المجتهد الحي في عامة المسائل، وذلك لنفس النكتة الّتي ذكرها الأُستاذ، ذلك لأنّ فقهاء الإسلام مع الاعتراف بأنّهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، لا فرق بين من لحق بالرفيق الأعلى منهم، ومن هو حيٌّ يُرزق. لكن المجتهد الحي أعرف بالظروف السائدة في المجتمع، وانطلاقاً من قول القائل:«الشاهد يرى ما لا يراه الغائب»، فهو يعرف مقتضيات الزمان والمكان ، على نحو لو كان الفقيه الفقيد حاضراً في هذا الزمان لربما عدل عن رأيه وأفتى


( 199 )

بغير ما أفتى به سابقاً، وهذا ما يدفع الفقهاء إلى ترويج تقليد المجتهد الحي أو اللجنة الفقهية المتشكّلة من الأحياء وترك تقليد غيرهم بتاتاً.

نعم هذا الاقتراح ربّما يكون ثقيلاً على من اعتاد تقليد غير الأحياء، ولكنّه ينسجم مع الفطرة الإنسانية التي بُنيت عليها أُسس الدين الإسلامي، وليس ذلك أمراً بعيداً عن حياة البشر، فإنّ المجتمع في حاجاته يرجع إلى الأطباء والمهندسين الأحياء، لأنّهم أعرف بحاجات العصر وبالداء والدواء.

هذا بالإضافة إلى أنّه لم يدل دليل على انحصار المذاهب الفقهية في الأربعة، وقد كان المسلمون يعملون بالشريعة ولم يُولد أحد من الأئمة ولم يثبت انّهم أعلم وأفضل من كل من جاء ولحق بهم من الفقهاء العظام ـ رضوان اللّه عليهم ـ لو لم يثبت خلافه.

إنّ مواهبه سبحانه ورحمته الواسعة لا تختص بجيل دون جيل ولا بعصر دون عصر وقد تكامل الفقه بيد عشاق الفقه في كلّ عصر، حتّى ربما صار المتأخّر، أبصر وأدق من المتقدم.

لا شكّ انّ الاستنباط الجماعي أوثق من الاستنباط الفردي، وأنا أقترح على فقهاء المذاهب في كلّ صقع، ان يشكّلوا مجمعاً فقهياً حراً يضم إلى جنبه، فقهاء كباراً من عامة البلاد، فيكون هو المرجع في المسائل الخلافية، قديمة كانت أو حادثة.

وبتعبير آخر: أن يدرسوا عامة المسائل الخلافية من جديد، وإذا خرج الجميع، أي الأكثر منهم برأي، يكون هو المفزع لعامة الناس، سواء أوافق أحد المذاهب الأربعة أم لا.

إنّ الجمود على فتوى إمام خاص ربما يُوقع الحجاج في حرج شديد، فإنّ


( 200 )

بعض المذاهب: يفرض رمي الجمار باليوم العاشر من مطلع الشمس إلى دلوكها ولا يجوّز بعد الظهر بخلاف اليومين التاليين فلا يرخص فيهما صباحاً، بل يفرض أن يكون الرمي بعد الظهر.

إنّ هذا التضييق في وقت الرمي يورث حرجاً شديداً على الحجاج وينتهي إلى قتل العشرات منهم بفعل الازدحام. مع أنّ في بعض المذاهب رخصة أوسع من ذلك حيث يجوز الرمي من مطلع الشمس إلى مغربها.

هذا هو المقترح ولكنّ الموانع ربّما تحول بين الإنسان وأُمنيته.

ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه *** .....................

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

جعفر السبحاني

إيران ـ قم المقدّسة

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

2 جمادى الآخرة 1426هـ


( 201 )

3

مع كتاب

«فقه المعاملات الحديثة»

وصلتني هدية قيّمة من صديقي الوفيّ الأُستاذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان حفظه اللّه... ألا وهي كتابه «فقه المعاملات الحديثة» المطبوع بدار ابن الجوزي عام 1426هـ، بطباعة أنيقة وتجليد رائع.

والكتاب يشتمل على مقدمات أربع وأبواب ثمانية في مسائل متنوعة لا غنى للفقيه المعاصر عنها ، ومع أنّ الكتاب أُلّف عبر سنين عديدة لكن تسود على الكلّ صياغة واحدة، وهي السهولة في التعبير والاجتناب عن التعقيد، ونقل الآراء والكلمات برحابة صدر، والنقد العلمي البنّاء لها، مع رعاية التكريم لأصحابها وصيانة كرامتهم، وهذه خصيصة ذاتية أو موهبة إلهية تميّز بها الأُستاذ المؤلف في تآليفه وآثاره بين أقرانه وأمثاله، فلا تجد في صفحات الكتاب كلمة مشينة، فللأُستاذ الماجد الشكر الوافر على هذا الخلق السامي.

وقد لاحظت قسماً من أبواب الكتاب وأعجبني ما استعرضه المؤلف فيها، وبالأخص في الباب الأوّل حول عقد التوريد، شكر اللّه مساعيه، وقد سجّلت


( 202 )

بعض الملاحظات عند قراءتي لباب الإجارة وهو أحد أبواب الكتاب والّذي يشمل بحوثاً قيّمة، وها أنا أُقدّمها إلى سماحة الأُستاذ ـ حفظه اللّه ورعاه ـ لعلّه يعالجها أو يحلّلها كما هو دأبه في كلّ موقف.

***

ملاحظات حول تعريف الإجارة

نقل المؤلف المحترم للإجارة تعاريف عن المذاهب الأربعة وهي كما يلي:

الحنفية: عقد على المنافع بعوض.

المالكية: عقد وارد على المنافع لأجل، وبعبارة أدق: تمليك منافع شيء مباحة مدة معلومة بعوض.

الشافعية: عقد على منفعة معلومة مقصودة قابلة للبذل، والإباحة بعوض معلوم وضعاً.

الحنابلة: عقد على منفعة مباحة معلومة، مدة معلومة من عين معلومة، أو موصوفة في الذمة أو عمل بعوض معلوم.

ويظهر من الأُستاذ أنّه قد اختار التعريف الأخير لتضمنه ما في التعاريف السابقة مع إضافات أُخرى.(1)

الملاحظة الأُولى: أخذ العقد في التعريف زائد بل مخلّ

أقول: إنّ التعاريف الأربعة تشتمل على أخذ العقد في تعريف الإجارة بإضافته إلى المنافع. لكن الّذي يجب التركيز عليه هو أنّ أخذ لفظ العقد في


1 . فقه المعاملات الحديثة:235.


( 203 )

تعريف المعاملات عامّة والإجارة خاصة غير صحيح جدّاً.

وذلك لأنّ ألفاظ المعاملات ـ كما حقّق في محلّه ـ أسماء للمسببات الاعتبارية الّتي تدور عليها رحى الحياة، والعقد، سبب لإيجادها في عالم الاعتبار وليس نفسُ المعاملة، وأخذ السبب في تعريف المسبب أخذ شيء زائد في التعريف.

إنّ العقلاء منذ عصور اخترعوا معاملات، واعتبروا أُموراً، بها قوام معاشهم وحياتهم في مجالات مختلفة، كالبيع والإجارة والرهن والنكاح فلكلّ منها حدود تميّزه عن الآخر، كما أنّ لكلّ أسباباً قولية وفعلية تؤثر في تكونها في عالم الاعتبار.

فالبيع مثلاً: تمليك مال بمال، وهذا حدّه، وأمّا العقد أو المعاطاة، أو الكتابة في الدوائر الرسمية، فهي أسباب لإنشائها وإيجادها، خارجة عن واقعها، سواء أكان السبب لفظاً من الألفاظ أو فعلاً من الأفعال أو غيرهما.

وعلى ضوء ما ذكرنا: أنّ أخذ لفظ العقد في تعريف الإجارة من قبيل لزوم ما لا يلزم لو لم يكن مضراً.

نعم من قال أنّ ألفاظ المعاملات أسماء للأسباب فله وجه، ولكنّه قول شاذ باطل لا يساعده الدليل.

ومن ذلك تعلم حال الإجارة، فهي معاملة اعتبارية اعتبرها العقلاء. فعلى الفقيه أن يُعرّف نفسَ الإجارة بما هي هي من دون أن يُدخل السبب في التعريف.

الملاحظة الثانية: الإجارة تتعلّق بالعين، لا بالمنافع

يظهر من عامة التعاريف الّتي نقلها الأُستاذ عن أصحاب المذاهب الأربعة انّ الإنشاء في الإجارة يتعلّق بالمنافع ابتداءً وبالدلالة المطابقية، فالمالك


( 204 )

يؤجّر منفعة الشيء لا نفسه، ولذلك ترى اتفاق كلّ التعاريف على أخذ المنفعة المعلومة في تعريفها وإضافة العقد إليها، حيث قالوا: «عقد على المنافع» وهو لا يخلو عن خلط بين متعلّق الإجارة وغايتها.

إذ لا شكّ أنّ الغاية من الإجارة هو الانتفاع بالعين بالشرائط الخاصة، لكن الإجارة لا تتعلق بالمنفعة مباشرة ، بل تتعلّق بالعين ولذلك تقول: آجرتك الدار أو آجرتك هذا الفرس، أو هذه السيارة إلى مدّة معينة، ولا تقول أبداً: آجرتك منفعة هذه الدار.

وهذا يعرب عن أنّ هنا أمرين:

1. ما تتعلّق به الإجارة مباشرة.

2. ما يراد بالإجارة نهاية.

فمتعلّق الإجارة نفس العين لا المنفعة. نعم الغاية من الإجارة هي الانتفاع.

وإن شئت فعبِّر بتعبير علمي وهو: أنّ العين في الإجارة ملحوظة بالمعنى الاسمي وباللحاظ الاستقلالي، وأمّا المنفعة كالسكنى فهي ملحوظة بالمعنى الحرفي وباللحاظ غير الاستقلالي.

التعريف الصحيح للإجارة

وعلى ذلك فالصحيح في التعريف أن يقال: الإجارة هو تسليط المالكِ المستأجرَ على العين تسليطاً اعتبارياً وإنشائياً لغاية الانتفاع بها بعوض إلى مدة معينة.

فالمنشأ في قوله:«آجرتك الدار» هو هذا التسليط الإنشائي، وأمّا التسليط


( 205 )

الخارجي الّذي يعبَّر عنه بالإقباض فهو وفاء لذلك التسليط الإنشائي المعتبر شرعاً. فالمالك بما أنّه مالك، مسلّط على العين، ينتفع بها على النحو المطلوب منها، وعند ذلك يتفق المستأجر مع المالك الموجر، على أن يجعل العين في متناوله ويُسلّطه عليها حتّى ينتفع بها في مدة معلومة بأُجرة معيّنة، فالمُنشأ هو التسليط، والغاية هي الانتفاع.

وبذلك يظهر عدم تمامية ما حكاه المؤلف عن كتاب «الأُمّ» للشافعي حيث قال: فقد جرى الاصطلاح الفقهي على تخصيص العقد بكلمة البيع، والعقد على المنافع بكلمة الإجارة، برغم أنّ الإجارة في الحقيقة بيع ولكنّه بيع منافع، ولهذا عدّها كثير من الفقهاء صنفاً من البيع.(1)

ولنا هنا وقفتان:

1. أنّ العقد على فرض أخذه في التعريف يتعلّق بالعين في كلّ من البيع والإجارة، فيقول: بعتك الدار في البيع، أو آجرتك الدار في الإجارة، ولا يقال: آجرتك منفعة هذه الدار. وليس في صيغة الإجارة ما يدلّ على أنّ الإجارة من مقولة بيع المنافع.

نعم الغاية القصوى من تسليط المستأجر على العين هو الانتفاع، ولكنّه ليس بمعنى كونه نفس ماهية الإجارة.

2. أنّ عدّ الإجارة من أقسام البيع فيه تساهل واضح، فإنّ البيع هو تمليك مال بمال، والإجارة هو تسليط الغير على المال تسليطاً تشريعياً يستعقبه التسليط التكويني، وليس كلّ تسليط ، تمليكاً للعين.


1 . نفس المصدر:235.


( 206 )

الملاحظة الثالثة: الاستدلال على مشروعية الإجارة بالكتاب

استدل المؤلف على إثبات مشروعية الإجارة بالأدلة الثلاثة; الكتاب والسنّة والإجماع، ثمّ سرد الآيات الواردة الكاشفة عن وجود الإجارة في الأُمم السابقة، أعني:

1. قوله سبحانه:(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة اسْتَطْعَما أَهْلَهَا فَأَبَّوا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً).(1)

2. وقوله: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ).(2)

3. وقوله تعالى:(نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).(3)

ونقل عن السري وابن زيد انّهما فسرا الآية الأخيرة بأنّ معنى قوله تعالى: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً )، أي يَسخّر الأغنياء الفقراءَ فيكون بعضهم سبباً لمعاش بعض.(4)

وهنا لنا وقفتان:

الأُولى: انّ الإجارة وسائر المعاملات الرائجة في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، في غنى


1 . الكهف:76ـ77.

2 . القصص:26.

3 . الزخرف:32.

4 . نفس المصدر:236ـ 237.


( 207 )

عن الاستدلال على مشروعيتها بالآيات المذكورة، وذلك لأنّ هذه المعاملات كانت سائدة بين الأُمم المتحضرة كما كانت رائجة في الجزيرة العربية أمام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وتشريعه السامي، فسكوته (صلى الله عليه وآله وسلم) يكفي في إمضائه فلو كانت محرّمة لردع عنها الصادع بالحق كما ردع عن الربا، وقال سبحانه: (قَالُوا إِنَّما الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)(1). وكما نهى عن عدة من البيوع وأقسام من النكاح إلى غير ذلك.

فكلّ معاملة كانت سائدة في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وسكت عنها الشرع فهي ممضاة من قبله، وهل وراء إمضائه أمر آخر، «وهل قرية وراء عبادان».

الثانية: انّ الآيتين الأُوليين إنّما تكشفان عن مشروعية الإجارة في الأُمم والشرائع السابقة، فلا تكون دليلاً على مشروعيتها في الشريعة الإسلامية إلاّ على القول بحجية «شرع من قبلنا» فيما لم يكن فيه نص في شريعتنا أو باستصحاب الحكم الثابت في الشريعة السابقة وجرّه إلى الشريعة اللاحقة، وكلا الأمرين مورد بحث ونقاش، وعقد الاجارة الّذي ملأ الخافقين في عصر الرسالة وعمل به الناس في عصره من دون أي ردع، في غنى عن الاستدلال على جوازه بشرع من قبلنا، أو باستصحاب حكمه.

وأغرب من هذا تفسير الآية الأخيرة بفرض البعض غنياً والآخر فقيراً ليسخّر الأوّل الثاني بالاستئجار للخدمة والعمل.

إنّ هذا التفسير لا ينسجم مع قوله سبحانه:(نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) فانّ ظاهره انّه سبحانه أعطى لكلّ إنسان ما يعيش به غاية الأمر رفع بعضهم على بعض درجات، وأين هذا من تفسيرها بالفقير الّذي لا يجد ما


1 . البقرة:275.


( 208 )

يسدّ به رمقه، والغنيّ الّذي يملك ما لا يعد.

وعلى ضوء ما ذكرنا من تقسيم اللّه سبحانه المعيشة بين أبناء الإنسان مطلقاً، يكون المراد من التسخير هو التسخير الجَماعي، أي يكون كلّ واحد مسخِّراً، وفي الوقت نفسه مسخَّراً، لأنّ كلّ واحد يعاضد بما لديه الآخرَ، وبالتالي يكون معاضَداً بالآخر.

مثلاً الخبّاز يحتاج إلى ما عند السقّاء من الماء، وبالعكس فهما يتعاونان بالمعاوضة، بما لدى الآخر.

فلو كان هناك تسخير فهو من الطرفين لا من طرف واحد.

الملاحظة الرابعة: شرطية بقاء العين في الإجارة

لا شكّ أنّ الغاية من تسليط المستأجر على العين لمدة معيّنة هي الانتفاع بها ثمّ ردّ العين إلى صاحبها.

غير أنّ الأُستاذ ـ دام ظله ـ استنتج منها عدم صحة الإجارة في موارد:

كأن يستأجر بستاناً لثمرته، لأنّ الإجارة تستحق بها المنفعة لا الأعيان، أو أن يستأجر حيواناً ليأخذ لبنه أو حيواناً يرضع ولده أو أن يستأجر حيواناً ليأخذ صوفه وشعره أو وبره أو ولده، لأنّ مورد عقد الإجارة المنافع والمقصود هنا العين وهي لا تملك ولا تستحق بالإجارة.(1)

وجه الملاحظة: انّه لا شكّ أنّ المنفعة تستعمل كثيراً في الأعراض كالركوب على الدابة، والسكنى في البيت، ولكن هذا لا يكون سبباً لجمودنا في تفسير المنفعة عليها، بل المنفعة أمر عرفي عقلائي يُرجع إليهم في تحديدها لا إلى الكتب


1 . نفس المصدر:246.


( 209 )

الفقهية، ولا شكّ أنّ منفعة كلّ شيء بحسبه، فالثمرة أو اللبن أو الولد أو الصوف إذا لوحظت على وجه الاستقلال فهي أعيان كسائر الجواهر، وأمّا إذا لوحظت بالنسبة إلى البستان والحيوان فهي منافع لهما، ولذلك تصحّ إجارة البستان لغاية الانتفاع بثمرته، فالثمرة بالنسبة إلى البستان منفعة واضحة، كما تصحّ إجارة الحيوان لغاية لبنه، فاللبن بالنسبة إلى الحيوان يعدّ منفعة له.

والحاصل: يجب في تحديد المنفعة الرجوع إلى العرف، لا إلى تحديد الفقيه.

ولذا نرى أنّه سبحانه يستعمل لفظ الاجرة في مورد إرضاع الأُمّ ولد الرجل ويقول:(فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).(1)

والمرضعة هنا وإن كانت الأُم ولكن الحكم ثابت إذا كانت المرضعة غير الأُمّ.

وقد عنون الفقهاء إجارة فحل الضراب، مع أنّ المنفعة متمثلة في نطفته.

والحاصل: انّ المعيار في عدّ شيء منفعة للشيء هو العرف، لا الاصطلاح الفقهي، والعرف يساعد على أنّ هذه الأُمور منافع وإن كانت في أنفسها أعياناً.

الملاحظة الخامسة: تأجيل الأُجرة فيما لو كانت المنفعة مؤجّلة

طرح المصنّف في هذا المقام مسألة «جواز تأجيل الأُجرة»، إذا كانت المنفعة المستأجرة مضمونة في الذمة، كعمل الصناع واستئجار الحيوانات للعمل، فنقل الإشكال في جواز تأجيل الأُجرة لأجل أنّ المنفعة المعقود عليها مؤجلة، فإذا كانت الأُجرة أيضاً مؤجلة كان العقد بيع دين بدين وهو غير جائز.(2)


1 . الطلاق:6.

2 . فقه المعاملات الحديثة:254ـ 255.


( 210 )

ثمّ عرض المصنّف المسألة على المذاهب الأربعة، ونقل آراءهم.

ونحن لا نحوم حول ما جاء في المذاهب الأربعة من الآراء، وانّما نركّز على أساس المسألة، وهو انّ الشبهة نشأت من تعريف الإجارة بتمليك المنفعة، فصار ذلك سبباً للإشكال في تأجيل الأُجرة فيما لو كانت المنفعة مؤجلة حيث إنّ كليهما مؤجلان فأشبه ذلك ببيع دين بدين.

ولنا أن ندفع الشبهة بأساسها وهي أنّها مبنية على كون الإجارة هي تمليك المنفعة، فبما أنّ المنفعة تدريجية فقسم منها معجل وقسم منها مؤجل، فلا يصحّ تأجيل الأُجرة إذا كانت المنفعة تدريجية لدفع محذور بيع الدين بالدين.

ولكن الصغرى غير صحيحة كالكبرى.

أمّا الصغرى فقد عرفت أنّ واقع الإجارة تسليط المستأجر على العين، والعين شيء حاضر لا يتصور فيه تعجيل ولا تأجيل.

وبعبارة أُخرى: أنّ العين رمز المنفعة ويعد وجودها وجوداً بالقوة للمنفعة، فالتسلط على العين تسلط على منافعها الحاضرة والمستقبلية.

وبعبارة ثالثة: انّ المستأجر بتسلطه على العين يتسلط على المنافع عرفاً وإن كانت المنفعة أمراً تدريجياً، نظير البئر فالإنسان بتسلطه عليه يعدّ مسلطاً على كلّ ما ينبع منه عبر الزمان.

هذا كلّه فيما لو كان مورد الإجارة عيناً من الأعيان وكانت منافعها تدريجية الحصول، وأمّا لو كان موردها عملاً في الذمة فلا يستلزم التأجيل شبهة كونه بيع دين بدين، وذلك لأنّ حضور العامل القادر على العمل وجعل نفسه في اختيار المستأجر يعد حضوراً بالقوة للانتفاع وبذلك يخرج أحد الطرفين عن كونه كالئاً أو ديناً.


( 211 )

وأمّا الكبرى فلأنّ الممنوع هو بيع دين بدين، والإجارة ليست بيعاً; ولا معنى لقياس باب الإجارة بباب الدين مع اختلافهما بالهوية.

وبعبارة أُخرى: لو افترضنا أنّ شرط التأجيل في الإجارة يستلزم كون الطرفين ديناً، ولكن لا نقبل الكبرى، لأنّ الممنوع هو بيع دين بدين لا الإجارة، والإجارة والبيع من الأُمور المختلفة من حيث الماهية، ومع الاختلاف فيها كيف يقاس أحدهما بالآخر؟

الملاحظة السادسة: حول ثبوت خياري المجلس والشرط

تطرق المصنّف إلى أنّ الإجارة تعد عند الجمهور نوعاً من أنواع البيع والكثير من أحكام البيع يثبت للإجارة قياساً، فيثبت فيها الخياران (المجلس والشرط).

يلاحظ عليه: انّك قد عرفت أنّ الإجارة من مقولة، والبيعُ من مقولة أُخرى ولا يجمعهما إلاّ كونهما من المعاملات العقلائية، فقياس أحدهما بالآخر وإسراء حكم الآخر إليه غير صحيح حتّى على القول بحجية القياس للفرق الشاسع بين ماهية البيع والإجارة. ومصبّ القياس هو إسراء حكم المماثل إلى المماثل، أو المشابه إلى المشابه، لا المباين إلى المباين، وإلاّ يلزم تأسيس فقه جديد. ومجرد اشتراكهما تحت عنوان النقل: نقل الأعيان ونقل المنافع لا يسوّغ إسراء حكم أحدهما إلى الآخر.

والوارد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)هو قوله:«البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» لا الموجر والمستأجر.

وختاماً انّ المؤلف يستخدم تارة عبارة «خيار الشرط» ويقول: يدخل خيار


( 212 )

الشرط في الإجارة.(1) وأُخرى يستخدم عبارة «شرط الخيار» ويقول: ويصحّ شرط الخيار في الإجارة.(2)

ومن المعلوم أنّ بين التعبيرين فرقاً جوهرياً في مصطلح الفقهاء. وليس هذا شيئاً خفياً على الأُستاذ الفاضل.

هذا ما خطر ببالي الفاتر أُقدّمه إلى الأُستاذ الدكتور راجياً منه إمعان النظر فيه، ولا ينقص ما ذكرت من قيمة الكتاب وأهميته. فهو بحق مصباح الطالب، وأُمنية المجتهد، ومرجع الفقيه.

أدعو اللّه أن يديم صحّة المؤلف ويوفّقه لما فيه الخير و السداد. وكم للأُستاذ من أياد بيضاء عليّ حفظه اللّه ورعاه.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

جعفر السبحاني

إيران ـ قم المقدسة

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

7 جمادى الآخرة1426هـ


1 . نفس المصدر:258.

2 . نفس الصفحة.


( 213 )

تعقيب على المقال

ثمّ إنّ الأُستاذ الفاضل الدكتور عبد الوهاب بن إبراهيم ـ دامت معاليه ـ كتب رسالة تعقيباً على الملاحظات الّتي أثرناها حول كتابه «فقه المعاملات الحديثة» وإليك نص رسالة الأُستاذ ننشرها مع التقدير والإكبار.

صاحب الفضيلة العلاّمة الشيخ جعفر السبحاني حفظه اللّه

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

وبعد: فأسأل المولى الكريم من جوار بيته الطاهر أن يمدَّ فضيلتكم بعونه ويمنَّ عليكم بالصحّة والتوفيق.

سيّدي: تسلّمتُ رسالتكم الكريمة بتاريخ 7جمادى الآخرة عام1426هـ وسُرِرتُ بها كل السُّرور، وكان بودّي أن أُجيب سماحتكم مباشرة، أطال اللّه عمركم في خدمة العلم وطلابه، ولكنّ كنت على عجلة من أمري، أتأهب لسفر خارج المملكة.

كان مصدر سعادتي في رسالتكم الكريمة نظراتكم العلمية الفاحصة في كتابي «فقه المعاملات الحديثة» وأنّه يجد من سماحتكم العناية والاهتمام العلمي، وهو شيء أعتزُّ به كل الاعتزاز، كما أنّ حسن صنيعكم ـ حفظكم اللّه ـ يُحيي سنة من سنن العلماء الأجلاء في تراثنا الإسلامي وذلك هو النقد العلمي النزيه أفادكم اللّه.

سيدي: أكرر فأقول جزاكم اللّه خير الجزاء، ويعلم اللّه كم أنا مسرور بما


( 214 )

خطّه قلمكم الشريف، واسمحوا لي بأن أُجيب على الملاحظات الّتي أثرتموها فيما يخصّ عقد الإجارة.

حول الملاحظة الأُولى

قول سماحتكم:«أنّ أخذ لفظ العقد في تعريف الإجارة من قبيل لزوم ما لا يلزم لو لم يكن مضراً...» الخ.

لا يخفى على سماحتكم أنّ التعريفات إمّا أن تكون بالماهية وهو التعريف بالحد، أو بالأوصاف وهو التعريف بالرسم، والتعريفات الّتي قدمتها بكلمة «عقد» هي تعريف بالماهية ومعناه كما شرحته في ص 232 «ربط بين كلامين ينشأ عنه حكم شرعي بالالتزام لأحد الطرفين»، فمن ثمّ يترتب على هذا الكلام: (الإيجاب والقبول) نتائجه وثمرته وهو كما ذكر سماحتكم «العقد سبب لإيجادها في عالم الاعتبار» وهو جزء الماهية، وفي بعض المدوّنات الفقهية من كتب الشافعية مثلاً عرّفوا الإجارة بمثل تعريفكم ولكنه بعبارة أُخرى:

«تمليك منفعة بعوض» كما جاء عن جلال الدين المحلى على منهاج الطالبين للإمام النووي، واستدرك عليه بعض المحشين: «ولو عبر بدل التمليك بالعقد كان أولى» ج2، ص 67(حاشية قليوبي)، ولهذا «فمن دون الإيجاب والقبول لا يكون التمليك ولا التسلط على العين المؤجرة».

حول الملاحظة الثانية

إنّ كلّ من عرف الإجارة بأنّها عقد على المنافع خلط بين متعلق الإجارة وغايتها فالإجارة تتعلّق بالعين أوّلاً وبالذات ويكون الانتفاع هو الغاية».

لا أظنّه، هذا خصوصاً إذا عرفنا أنّ التعريف الّذي ذهب إليه الجمهور هو


( 215 )

تعريف بالماهية وبحقيقة الشيء، ولهذا لو سمح لي فضيلتكم بالمقارنة البسيطة بين تعريف الجمهور وتعريف فضيلتكم.

قولكم: «تسليط المالك المستأجر»: يكفي عن عبارة «المالك والمستأجر» كلمة (عقد) وكما لا يخفى على فضيلتكم أنّ التعريفات يُتفادى فيها التطويل، وكلمة (عقد) تغني عن كلمة (تسليط) لأنّ هذا نتيجة العقد وثمرته.

أرجو التكرم بالنظر في ص 232 من كتابي لمدلول كلمة (عقد) وأرى أنّ الخلاف لفظي، وكلا التعريفين له مجال من النظر.

حول الملاحظة الثالثة

في الاستدلال بالآيات الّتي تحكي تشريعات الأُمم السابقة، وقول فضيلتكم: إن إقرار النبي لسائر المعاملات الرائجة في عصره فيه غنية عن الاستشهاد بشرع من قبلنا.

ملاحظة ووقفة جيدة ولكن إقرار النبي(عليه السلام) لتلك المعاملة دون اعتراض عليها هو استكمال للقاعدة الأُصولية، وتوضيح لها:

«شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يطرأ عليه ناسخ» وتوجيهكم الكريم، مع الاستشهاد بالآيات يعطي مثالاً وشاهداً ناصعاً وكاملاً لهذه القاعدة. أفادكم اللّه وجزاكم خيراً.

حول الملاحظة الرابعة

قولكم حفظكم اللّه:«المعيار في عد شيء منفعة للشيء هو العرف» أوافقكم على هذا إجمالاً وتفصيلاً، واعتراض فضيلتكم صحيح ووارد أفادكم اللّه،


( 216 )

بل إنّ أموراً فقهية كثيرة بُنيت على العرف من ذلك الزمان، وينبغي أن ننظر في ضوء ما تجد من الأعراف، وللعلاّمة ابن القيّم وغيره كلام جميل في هذا الشأن الفقهي جزاكم اللّه خيراً.

حول الملاحظة الخامسة

الملاحظة الخامسة مبنية على القياس المنطقي الّذي ذكرتموه وحديثكم، أو بالأحرى ملاحظتكم هذه مبنية على أساس تعريف سماحتكم الإجارة بأنّها (تسليط المستأجر) في حين أنّنا نعرفها بالماهية (عقد)، (إيجاب وقبول).

كما أنّ الإجارة في مفهومنا، أو مفهوم الجمهور (بيع المنفعة) فهي نوع من البيع، ولا أرى الخلاف في هذا إلاّ لفظياً، سماحتكم يقول: إنّها ليست بيعاً فأنتم تنفون فلا يصحّ عندكم قياس الإجارة على البيع، والجمهور يرى أنّها من باب واحد هي المعاملات المالية، المحظور أن يقاس ما في المعاملات على موضوع مباين كالأنكحة، أو الحدود والجنايات هذه أُصول متفق عليها فقهاً، وحينئذ تكون الملاحظة السادسة داخلة تحت تلك القاعدة، وعلى هذا لا محظور في قياس خيار الشرط في الإجارة على خيار الشرط في البيع.

أعترف لفضيلتكم بوجود الفرق بين عبارتي (خيار الشرط) فهو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، وعبارة (شرط الخيار) فهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف وبينهما فرق جوهري واسع. أرجو أن يكون استعمالي للمصطلحين صحيحاً في البحث.

ختاماً لا أملك إلاّ الشكر والدعاء لفضيلتكم على ملاحظاتكم القيمة فقد أفدت منها في تحريك فكري الأكمد، وإنّن ممتن لفضيلتكم على هذا الاهتمام


( 217 )

وأسأل اللّه أن يجزيكم عني وعن العلم خير الجزاء، وسأوافيكم قريباً برسالة أُخرى على الرسالة الأخيرة.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

المخلص

عبدالوهاب أبو سليمان

4/6/1426

تعقيب على تعقيب

قد تعرفت على ملاحظات الأُستاذ أبو سليمان على ما كتبنا حول كتابه «فقه المعاملات الحديثة» قسم الإجارة: ومع تقديرنا لما أفاده الأُستاذ نقوم ـ بإيضاح ما ذكرناه في مقالنا السابق، حتّى يرتفع الخفاء عن المراد.

حول الملاحظة الأُولى

إنّ في أسماء المعاملات قولين بين الفقهاء هما:

1. انّها أسماء للأسباب(العقود) التي بها ينشأ الأمر الاعتباري، (مبادلة مال بمال) في البيع أو (تمليك منافع العين) ـ حسب تعريف القوم في الإجارة ـ وهكذا فلفظ البيع أو الإجارة اسم للسبب، أعني: العقد الّذي يوجد به ذلك الأمر الاعتباري عند العقلاء فمعنى قوله سبحانه: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ)(1) ـ على


1 . البقرة:275.


( 218 )

هذا المبنى ـ أي أحلّ العقد الّذي يحقّق مبادلة مال بمال ، كما أنّ معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الصلح جائز بين المسلمين» أي يجوز العقد الذي يُحقِّق التصالح بين المسلمين ـ ، فالاسم موضوع للمحقِّق (بالكسر) لا للمحقَّق(بالفتح).

2. انّها أسماء للمسببات، والمنش آت الاعتبارية الّتي تدور عليها رحى الحياة الاجتماعية، وأمّا انّ العقلاء كيف انتقلوا إلى هذه الأُمور الاعتبارية، فهو موكول إلى محلّه. نعم كانت الأسباب لإيجاد المسببات في العصور الأُولى، هو المعاطاة في مجال أكثر المعاملات، ولما اتسعت دائرة الحضارة الإنسانية قام السبب اللفظي وأخيراً الكتبي مكان السبب الفعلي.

وبذلك يعلم أنّ الأصل في البيع هو المعاطاة و البيع بالصيغة تبع له ظهر بعد تطور الحضارة على خلاف ما هو المشهور بين الفقهاء حيث يرون البيع بالصيغة أصلاً والبيع بالمعاطاة فرعاً.

إذا تبين ذلك نقول: إنّ لفظ الإجارة عند الأُستاذ لا يخلو عن أحد وجهين متقدمين: إمّا أن يكون اسماً للسبب فعندئذ يصحّ ما اختاره الأُستاذ من التعريف: «عقد على منفعة مباحة معلومة». وإمّا أن يكون موضوعاً للمسبب أي الأمر الاعتباري. وعندئذ يكون إدغام لفظ العقد في التعريف زائداً، وهذا من قبيل ما قلناه: لزوم ما لا يلزم.

وأمّا ما ورد في ذيل كلامه:«فمن دون الإيجاب والقبول لا يكون التمليك ولا التسلط على العين الموجرة» وإن كان صحيحاً لكن لا يبرّر إدخال السبب في تعريف المسبب الّذي لا يتحقّق إلاّ بالسبب، وهذا أشبه بإدخال النجار في تعريف الكرسي بحجة انّه لا يتحقّق إلاّ به.

وتلخص ممّا ذكرنا: أنّ التعريف بالعقد إنّما يكون تعريفاً بالماهية إذا قلنا


( 219 )

يكون لفظ الإجارة مثلاً موضوعاً موضوع للسبب دون المسبب. ولكن هذا القول بعيد عن اعتبار العرف.

حول الملاحظة الثانية: قد قلنا فيها: إنّ كلّ من عرف الإجارة:«بأنّها» عقد على المنافع» قد خلط بين متعلّق الإجارة وغايتها، فالأُجرة تتعلّق بالعين أوّلاً وبالذات والانتفاع بالمتاع هو الغاية، والشاهد على ما ذكر قول الموجر: آجرت الدار، أو آجرت الدابة، ولا يقول: آجرت منافع الدار والسيارة، وما تفضّل به الأُستاذ في مقام الإجارة كأنّه لا يرتبط بالملاحظة، فلاحظ.

وأمّا الملاحظة الثالثة والرابعة: فقد أبدى دام ظله ـ موافقته لنا وهذا من شيمه وأخلاقه الفاضلة فهو يصافق الحقّ أينما وجد.

الملاحظة الخامسة: تدور حول تأجيل الأُجرة: إذا كانت المنفعة مضمونة في الذمة فيكون من قبيل بيع دين بدين، حسب ما قاله الأُستاذ.

وقد قلنا في مقالنا: إنّ الإشكال مبني على أمرين غير مسلمين:

1. الإجارة من مقولة تمليك المنفعة حتّى يتصور فيها تعجيل وتأجيل.

2. الإجارة من مقولة البيع حتّى يتصور فيها: بيع دين بدين.

والأُستاذ ـ دام ظله ـ يصر في رسالته على أنّ الإجارة نوع من البيع، فإذا كانت الأُجرة مؤجلة والمنفعة أيضاً كذلك لترتب عليه المحذور.

وأنا ألفت نظر الأُستاذ إلى ما هو الدارج بين الناس، ترى أنّهم يؤجرون البيوت والشقق والسيارات وغيرها، فلا يدور في خلد أحدهم أنّه باع منفعة الدار حتّى يأتي فيه مسألة التعجيل والتأجيل، وإذا سألته عن عمله قال: أجرت السيارة وجعلتها في متناول الغير بأُجرة معينة لمدة خاصة، وهذا يعرب عن صحّة


( 220 )

ما قلناه من أنّ واقع الإجارة وحقيقتها هو تسليط الغير على العين لغاية الانتفاع سواء انتفع أم لا. فحضور العين (كالبئر) حضور رمزيّ للمنفعة.

نعم العقد هو السبب لإنشاء هذا التسليط الاعتباري، وأمّا الإقباض والقبض اللّذَين يقوم بهما الموجود المستأجر فهو نوع وفاء بالاتّفاق على التسليط الذي حصل بالعقد الإنشائي.

وأمّا الملاحظة السادسة فقد أبدى الأُستاذ المحترم موافقته لما قلنا. حفظه اللّه ورعاه .


( 221 )

4

اتّجاهان في تدوين أُصول الفقه

و

اقتراحات لتطويره

أُصول الفقه علم بالقواعد الّتي تستنبط بها الفروع الفقهية أو ما ينتهي إليه المجتهد عند اليأس من الحصول على الأدلة الاجتهادية، كأصالة البراءة والاحتياط وغير ذلك ممّا يسمى بالأُصول العملية.

وتمتدّ جذور هذا العلم إلى القرن الأوّل، حيث أملى الإمامان المعصومان محمد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام) قواعد في هذا المضمار، وصار ما أملياه مبدأ لتأسيس قواعد أُصولية بين الشيعة الإمامية.

وأمّا السنّة فالمعروف عندهم أنّ الإمام الشافعي (150ـ 204هـ) هو الّذي وضع اللبنة الأُولى لأُصول الفقه بتأليف كتابه المعروف بـ«الرسالة».

ثم عكف المتأخرون من كلتا الطائفتين على تأليف رسائل وكتب وموسوعات كثيرة في هذا العلم، تصعب الإحاطة بأسمائها وخصوصياتها جميعاً.

وثَمّة اتجاهان سائدان على تلك المؤلفات، هما:


( 222 )

أوّلاً: الاتجاه النظري المحض

ونعني به النظرَ إلى أُصول الفقه نظرة استقلالية، يَستنبط الفقيهُ على ضوئها الفروعَ الفقهية، فيأخذ بالفروع إذا وافقت الأُصول ويترك ما خالفها. وانطلاقاً من ذلك صار علم أُصول الفقه علماً مستقلاً غير خاضع للفروع الّتي قد يُفتي فيها إمام مذهب فقهيّ من دون رعاية للأُصول، وهذا الاتجاه سار عليه المتكلمون من الأُصوليين وأهل النظر والاستدلال منهم، ولذلك تميّزت كتبهم بطابَع عقلي واستدلالي، وربما يستعان فيها بالأُصول المسلّمة في علم الكلام، فترى في هذه الكتب بحوثاً عقلية، مثل:

1. التحسين والتقبيح العقليان.

2. امتناع التكليف بما لا يطاق.

3. الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته أو حرمة ضده.

إلى غير ذلك من المسائل العقلية.

وامتازت كتب الإمامية في أُصول الفقه بهذا الاتجاه منذ تدوين أُصول الفقه في القرن الثاني إلى يومنا هذا.

وأمّا أهل السنّة فلديهم اتجاهان.

نفس الاتجـاه النظري المحض و هو الّذي لا يتأثر بفروع أيّ مذهب فقهي، فعلم أُصول الفقه ميزان وقانون كلي تجب مراعاته عند استنباط الأحكام الشرعية، وعلى هذا الخط درج بعدَ الإمام الشافعي عددٌ من علماء أُصول الفقه نذكر منهم:

1. أبو بكر الصيرفي (المتوفّى 330هـ) مؤلف كتاب «البيان في دلائل


( 223 )

الاعلام على أُصول الأحكام».(1)

2. محمد سعيد القاضي(المتوفّى 346هـ) مؤلف كتاب «الهداية» الذي كان محور الدراسة بين علماء خوارزم.(2)

3. القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403هـ) مؤلف «أُصول التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد».

4. أبو حامد الطوسي الغزالي (450ـ 505هـ) مؤلف «المستصفى في الأُصول».

5. سيف الدين الآمدي(551ـ 630هـ) مؤلف كتاب«الإحكام في أُصول الأحكام» . و كان حنبلي المذهب ثمّ صار شافعياً.

6. فخر الدين الرازي (543ـ 606هـ) مؤلف «المحصول في علم الأُصول».

إلى غير ذلك من أئمّة أُصول الفقه من السنة الذين أقاموا صَـرْح هذا الاتجاه بكتبهم.

ثانياً: الاتجاه المتأثر بالفروع الفقهية

وفي هذا الاتجاه تخدم أُصولُ الفقه مذهبَ إمام فقهي معيّن، كأبي حنيفة وغيره وتُثبت الموافقةُ سلامةَ الاتجاه، فإذا وافقت القاعدة مذهب ذلك الإمام يؤخذ بها وإلاّ فتطرح، أي أنّه يُنظر إلى أُصول الفقه نظرة آلية بمعنى أنّ الملاك في صحّة الأُصول وعدمها هو مطابقتها للفروع الّتي عليها إمام المذهب. فأصحاب


1 . الفتح المبين:1/180.

2 . نفس المصدر:1/185.


( 224 )

هذا الخط يقررون القواعد الأُصولية طبقاً لما قرره أئمّة المذهب في فروعهم الاجتهادية الفقهية، وتكون القاعدة الأُصولية منسجمة مع الفروع الفقهية ولو خالفتها لسقطت عن الاعتبار.

وممّا امتازت به هذه المؤلفات:

أ. كثرة التخريج بعد كلّ قاعدة لتكون دليلاً على صحّة القاعدة.

ب. خلوّها من الأساليب العقلية والقواعد الكلامية.

ج. ظهور هذا الاتجاه في أوائل القرن الثالث، وأوّل من ألّف على هذا الأُسلوب هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي (المتوفّى 220هـ)، ثمّ تلاه مؤلفون آخرون نظير:

1. أبو الحسن الكرخي(260ـ 340هـ) له رسالة في علم الأُصول.(1)

2. أبو منصور الماتريدي (المتوفّى 330هـ) مؤلف كتاب «مأخذ الشرائع في الأُصول».(2)

3. أبو بكر الجصاص(305ـ 370هـ) له كتاب في أُصول الفقه يعرف بـ «أُصول الجصاص».

4. فخر الإسلام البزدوي(المتوفّى 482هـ) الفقيه الحنفي، مؤلف كتاب «كنز الوصول إلى معرفة الأُصول».

وقد ابتكر هذا الاتجاه فقهاء الأحناف.


1 . الفتح المبين:1/186.

2 . بحوث في الملل والنحل:3/11.


( 225 )

الجمع بين الاتجاهين

وهناك من جمع بين الاتجاهين، فبحثوا الأُصول مجرّدة عن الفروع ثمّ تولّوا طريقة تطبيقها عليها، وقد ظهرت هذه الطريقة في القرن السابع فحاولوا تطبيق القواعد الأُصولية وإثباتها بالأدلة ثمّ تطبيقها على الفروع الفقهية.

ومن أبرز المؤلفين على هذه الطريقة ابن الساعاتي (المتوفّى 694هـ)مؤلف كتاب «البديع» الذي جمع فيه بين طريقتي الآمدي في كتابه «الإحكام» الّذي اقتفى الاتجاه النظري وعنى في كتابه بالقواعد الكليّة، وطريقة فخر الإسلام البزدوي في كتابه الذي اقتفى نظرية التأثر بالفروع الفقهية وعنى في كتابه بالشواهد الجزئية الفرعية.

يقول ابن الساعاتي في مقدمة كتابه: لخصته من كتاب «الإحكام» ورصّعته بالجواهر الفقهية من «أُصول فخر الإسلام» فانّهما البحران المحيطان بجميع الأُصول الجامعان لقواعد المعقول والمنقول، هذا حاو للقواعد الكلية الأُصولية، وذاك مشمول بالشواهد الجزئية الفرعية.

اقتراحات لتطوير تدوين علم الأُصول

إنّ الاهتمام بالفقه والأُصول من أقوى الاهتمامات في الأوساط الشيعية، وذلك لأنّ باب الاجتهاد لم يزل مفتوحاً عندهم بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومهم هذا، ولهذا احتلَّ علما الأُصول والفقه مكانة عليا ، تبّوأ بسببها الفقيه أعلى المناصب في الأوساط الشيعية. ورغم أنّ علم الكلام هو الفقه الأكبر والعلم بالأحكام هو الفقه الأصغر ولكن صار للفقه الأصغر حظ أكبر وإقبال أكثر، ومع هذا فإنّ علم أُصول الفقه عندنا يحتاج إلى تجديد في التدوين و الدراسة، ونشير


( 226 )

هنا إلى بعض المقترحات لتطوير دراسة هذا العلم وتدوينه، وهي:

الأوّل: إفراد المسائل الكلامية والفلسفية المؤثرة بالتدوين والدراسة

يعتمد أُصول الفقه عند الشيعة على قواعد كلامية واستعان في العصور الأخيرة ببعض القواعد الفلسفية،ومن هنا يلزم فصل هذه القواعد عن أُصول الفقه وتدوينها بشكل تكون كالمبادئ التصديقية للمسائل الأُصولية حتى تدرس مستقلة، من دون إحالتها إلى الكلام والفلسفة وإليك بعض الأمثلة:

أ. أمّا ما أُخذ من علم الكلام فإنّ للتحسين والتقبيح العقليين دوراً كبيراً في مسائل أُصول الفقه، فعندما يدرس الطالب البراءة العقلية المبنية على قبح العقاب بلا بيان يصعب عليه تصديق المسألة من دون أن يكون له إلمام بما تبتني عليه هذه القاعدة الأُصولية. وقس عليها كلّ ما يبتنى عليهما من القواعد الأُصوليّة.

ب. وأمّا ما أُخذ من الفلسفة فقد بنى المحقق الخراساني (1255 ـ 1329 هـ) تبعاً لصاحب الفصول(المتوفّى 1255) صرح القواعد الأُصولية على أساس بعض المسائل الفلسفية المؤثرة فيها ، وإليك نماذج ممّا استخدمه الأُصوليون لا سيّما العَلَمَين المذكورين ـ قدّس اللّه سرّهما ـ:

1. الأعراض الذاتية والأعراض الغريبة عند البحث في القاعدة المعروفة:«موضوع كلّ علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية».(1)

2. لا يصدر الواحد إلاّ من الواحد، واستخدمها المحقق الخراساني في كشف وجود الجامع بين أفراد الصحيح من الصلاة قائلاً: بأنّ الأثر الواحد


1 . الفصول:11.


( 227 )

كمعراج المؤمن لا يصدر إلاّ من الواحد وهو الجامع بين أفراد الصحيح.(1)

3. ذهب الأكثرون إلى أنّ الفرق بين المشتق والمبدأ نفس الفرق بين الجنس والفصل و الصورة والمادة، وحصيلة الفرق; أنّ المشتق مأخوذ لا بشرط فيحمل، والمبدأ مأخوذ بشرط لا فلا يحمل نظير الجنس والفصل المأخوذين لا بشرط فيحمل أحدهما على الآخر فيقال بعض الحيوان ناطق، والمادة والصورة المأخوذين بشرط لا فلا يحمل أحدهما على الآخر.(2)

4. الجهات التعليلية في الأحكام العقلية جهات تقييدية فلو حكم العقل بوجوب نصب السلّم لكونه مقدمة فهو عنوان تعليلي في الظاهر، ولكنّه عنوان تقييدي في الواقع فالواجب في الواقع عنوان المقدمة.(3)

5. أصالة الوجود أو أصالة الماهية وقد اتخذ بعض المتأخرين هذه القاعدة سنداً لتعيين متعلق الأمر والنهي وأنّه هل يتعلق بالطبائع أو بالأفراد.(4)

6. بنى المحقّق النائيني (1274ـ 1355هـ) جواز اجتماع الأمر والنهي على مسألة فلسفية وهي: أنّ تركيب الهيولى والصورة هل هو اتحادي أو انضمامي، فعلى الأوّل يمتنع اجتماع الأمر والنهي بخلاف الثاني. (5)

7. الشيء ما لم يجب لم يوجد، قاعدة فلسفية شريفة تدل على أنّ وجود الشيء رهن اجتماع أجزاء علل تامة حتى تُسد أبواب العدم على الشيء وقد استخدم المحقق الخراساني هذه القاعدة في ذيل بحث اجتماع الأمر والنهي .(6)


1 . كفاية الأُصول:1/36.

2 . الفصول:62.

3 . نهاية الدراية، (بحث وجوب المقدمة الموصلة):2/131.

4 . كفاية الأُصول:1/222 و1/240.

5 . أجود التقريرات:1/331.

6 . كفاية الأُصول:1/271.


( 228 )

8. الخارج المحمول والمحمول بالضميمة، وقد استخدمهما المحقق الخراساني في بعض الموارد منها أنّ الأحكام الوضعية متأثرة بالجعل أو منتزعة من الأحكام التكليفية أو مختلفة.(1)

9.حصر حكماء الاغريق مراتب الوجود الإمكاني في عشر مقولات عرفت بـ«المقولات العشر» وهي: الجوهر بأنواعه الخمسة والأعراض بأجناسها التسعة منها: الأين و الوضع والجِدة وقد استخدمها بعض الأُصوليين في بابي اجتماع الأمر والنهي عند بيان حقيقة الصلاة، وفي باب تبيين بعض الأحكام الوضعية كالملكية.(2)

10. الحركة القطعية والحركة التوسطية ، استخدمها المحقّق الخراساني عند البحث في جريان الاستصحاب في الأُمور غير القارّة.(3)

11. امتناع انتقال العرض، استخدمها الشيخ الأنصاري في إثبات لزوم بقاء الموضوع عند الاستصحاب.(4)

12. تفكيك الحقائق عن الأُمور الاعتبارية، استفاد الأعلام الثلاثة: المحقّق الاصفهاني، والإمام الخميني، والسيد الطباطبائي من هذه القاعدة في كثير من المباحث الأُصولية.(5)

فهذه نمـاذج مـن المسـائل الفلسفيـة التـي أدخلهـا المتأخـرون في المباحث الأُصولية، وصارت أساساً لقسم منها، فسواء أصح تأثيرها في علم


1 . كفاية الأُصول:2/306.

2 . تعاليق أجود التقريرات:1/339ـ 340.

3 . كفاية الأُصول:2/315.

4 . فرائد الأُصول، مبحث شرطية بقاء الموضوع في الاستصحاب.

5 . انظر: نهاية الدراية; و تهذيب الاصول; وتعليقة الكفاية.


( 229 )

الأُصول أم لا فنحن أمام أمر واقع، إذ أدخلت في علم الأُصول واعتُمد عليها في كتبهم وتقريراتهم فلابدّ ان يدرسها المتعلم قبل دراسته لعلم الأُصول بصورة مستقلة.

الثاني: تفكيك القواعد الفقهية عن مسائل علم الأُصول

إنّ المتأخرين وإن كانوا قد بذلوا جهودهم لبيان الفرق بين القواعد الأُصولية والقواعد الفقهية إلاّ أنّهم أدخلوا قسماً من القواعد الفقهية في كتب الأُصول استطراداً، نظير أصالة الصحة في فعل الغير وقاعدة التجاوز وقاعدة اليد وقاعدة القرعة وقاعدة لا ضرر وقاعدة لا حرج ـ وهذا مما سبّب إطالة مدة الدراسة ـ فإنّ هذه القواعد الشريفة وإن كانت قواعد مفيدة لكن البحث فيها يعرقل مسيرة الطالب في تحصيل علم الأُصول.

الثالث: حذف ما لا علاقة له بعلم الأُصول

ومن اللازم على الأساتذة الذين تنبض قلوبهم بالرغبة الصادقة لتدريس علم الأُصول في مدة قصيرة هو حذف ما لا علاقة له بعلم الأُصول كالبحث عن الجبر و التفويض، والأمر بين الأمرين عند البحث في مفاد مادة الأمر، فقد فتح ذلك الباب المحقّق الخراساني و تبعه أكثر من جاء بعده فصارت مسألة كلامية أو فلسفية جزءاً من الأُصول بحسب الظاهر.

إنّ البحث عن الجبر والتفويض رهن الإحاطة بأتقن القواعد الكلامية والفلسفية حتى يُوفَّق الإنسان لحل مشاكلها، وقلّما يتّفق لإنسان أن يشق شعرها ويحلّ عقدها، ولذلك قدلا تحصل النتيجة المبتغاة من طرح هذه المسألة في ثنايا


( 230 )

المسائل الأُصولية وما ذلك إلاّ لعدم دراسة مبانيها وأسسها بشكل مستقل قبل دراسة علم الأُصول وانّما يريد من ذلك العلم ما لا يعطيه.

الرابع: الاتجاه التطبيقي

إنّ الاتجاه النظري وإن كان اتجاهاً رائعاً ولكنّه إذا جُرّد عن التطبيق والتمرين، أصبح علم الأُصول قواعد جافّة لا تربّي ملكة الاجتهاد، وقد ذكرنا أنّ بعض الأُصوليين من أهل السنة جمعوا بين الاتجاهين، لكن هنا فرقاً بين ما تبنّاه هذا البعض كابن الساعاتي ومن تبعه وما نقترحه، وذلك لأنّه أراد تطبيق القواعد الأُصولية ـ بعد دراستها مستقلة ـ على فروع مذهب أئمّتهم، ولكننا نقترح ان ندرس القواعد الأُصولية مجردة عن فتوى أي إمام أو مذهب فقهي ثمّ نقوم بتطبيقها على الفروع التي يمكن أن تستخرج من هذه القواعد، من دون نظر إلى فتوى إمام دون إمام، وقد عالجنا هذه النقيصة في بعض محاضراتنا ككتاب «المحصول في علم الأُصول» و«إرشاد العقول إلى علم الاصول»، و ما اقترحناه أمر واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان لأنّ المسائل الأُصولية كالمسائل الرياضية أو الهندسية التي يمليها الأُستاذ على الطلاب، ولكن العلم بالقواعد لا يجعل الإنسان عالماً رياضياً أو عالماً هندسياً إلاّ بعد حلّ التمارين المتعلقة بقواعد هذين العلمين.

الخامس: الدراسة التاريخية لبعض المسائل الأُصولية

من المسائل التي تذكر في مباحث حجّية الظن، حجية قول اللغوي، وقد اتفقت كلمتهم تبعاً لصاحب الكفاية وشيخه الأنصاري على عدم حجّيته.

قال في «الكفاية»: لا يكاد يحصل من قول اللغوي وثوق بالأوضاع، بل لا


( 231 )

يكون اللغوي من أهل خبرة ذلك، بل إنّما هو من أهل خبرة موارد الاستعمال، بداهة انّ همّه ضبط موارده، لا تعيين أنّ أيّاً منها كان اللفظ فيه حقيقة أو مجازاً، وإلاّ لوضعوا لذلك علامة، وليس ذكره أوّلاً علامة كون اللفظ حقيقة فيه للانتقاض بالمشترك.(1)

وقد درج على هذا الكلام كلّ من جاء بعده مسلّمين بذلك مع أنّ تصديق هذه القاعدة يحتاج إلى دراسة تاريخية لتدوين معاجم اللغة.

وأنا أظن انّ الواقع خلاف ما ذكره، وذلك لأنّ مؤلفي أُمّهات المعاجم قد ضربوا آباط الإبل إلى مختلف القبائل والبلدان وعاشروا الناطقين بالعربية غير المختلطين بالأعاجم زمناً غير قليل وتكررت على مسامعهم الألفاظ حتى حصل لهم القطع بمعانيها، وأصبحوا في غنى عن تمييز الحقائق عن المجازات بالتبادر وسائر العلامات.

إنّ الأساتذة ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ قد قصروا النظر على أصحاب المعاجم المتأخرين (المرتزقين على معاجم المتقدمين) الذين ليس لهم شأن إلاّ تبيين موارد الاستعمال; وأمّا أصحاب المعاجم الأوائل كالعين للخليل (المتوفّى 170هـ)، والجمهرة لمحمد بن الحسن المعروف بابن دريد (المتوفّى321هـ)، وصحاح اللغة لإسماعيل بن حمّاد الجوهري (المتوفّى393 هـ)، و المقاييس لأحمد بن فارس (المتوفّى395) إلى غير ذلك من فطاحل علماء اللغة فقد أخذوا المعاني من أفواه العرب الأقحاح بالدقة حتى أنّ ابن فارس قد بذل جهده ـ في كتابه ـ لإرجاع المعاني المختلفة إلى أصل واحد واستشهد على ذلك بالشعر والحديث.

وعلى كلّ تقدير فسواء أصح ما ادّعيناه أم لم يصح فالقول بعدم حجّية قول


1 . كفاية الأُصول:287.


( 232 )

اللغوي من غير دراسة لتاريخ تدوين علم اللغة أشبه بالرجم بالغيب.

وليست مسألة حجية قول اللغوي فريدة في المقام، بل لها نظير آخر وهو:

اختلفت كلمتهم في حجّية الخبر الواحد فالمتقدمون على عدم الحجّية والمتأخرون من الإمامية على حجّيته، فمنهم من خص الحجية بالصحيح ومنهم من عمّمها إلى الموثق والحسن إلى غير ذلك من الأقوال، ولسنا في مقام ترجيح أحد الأقوال على غيره وإنّما نلفت نظر القارئ إلى نكتة وهي أنّ التصديق بالحجّية وعدمها رهن دارسة المراحل التي مرت بها عملية تدوين الأخبار المروية عن أهل البيت(عليهم السلام) وما بذله جهابذة هذا الفن من جهود مضنية في سبيل حفظ ما يسمعونه من الأئمة وكتابته والتحدّث به، فالاطلاع على تاريخ تدوين الحديث من عصر الصادقين(عليهما السلام) إلى أصحاب الكتب الأربعة يورث الجزم بحجّية قول الثقة عند أصحاب أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وأنّه كان على ذلك ديدنهم ومعاشهم، فلو دُون تاريخ علم الحديث عند الشيعة بصورة واضحة يكون التصديق بحجية خبر الواحد أسهل وأوضح ويكون مغنياً عن الاستدلال ببعض الآيات التي ا لا يخلو الاستدلال بها على حجّة الخبر الواحد من إشكال.

السادس: أخيرها لا آخرها: حفظ الصلة بين القديم والجديد

مما يجب إلفات نظر مديرية التعليم في الحوزة العلمية إليه، هو حفظ الصلة بين القديم والجديد، أي بين ما ألّفه القدامى وما ألّفه أو يؤلّفه علماء العصر الحاضر، فالانكباب على ما دُوّن في العصر الأخير مع الانقطاع عما ألفه جهابذة الفن في العصور المتقدمة خسارة لا تجبر.

هذا من جانب ومن جانب آخر فأنّ ما ألفه مشايخنا القُدامى (رضوان اللّه


( 233 )

عليهم) لا يخلو من تعقيد وإعضال، لا يوافق روح العصر الحاضر التي تتطلّب السهولة والوصول إلى النتيجة بسرعة.

ولا يحصل الجمع بينهما إلاّ بعد تأليف لجنة علمية من الأساتذة ليقوموا بتهذيب ما ألفه المشايخ كالشيخ الأنصاري ومن جاء بعده وتنقيحه وتجديد النظر في بعض العبارات وعرضهابطريقة سهلة.

وهذه هي اقتراحاتنا الستة لتطوير دراسة علم الأُصول وتهذيبه ، ذكرتها هنا أملاً بالأخذ بها ودراستها حتى تكون مثمرة وعملية بإذن اللّه سبحانه.

ولعل هناك مقترحات أُخر ربما تكون أنفع مما اقترحت وأوفى بالمراد، ولذلك قلت في كلامي السابق «أخيرها لا آخرها».

ولعلّ مجلة أُصول الفقه أفضل منبر لطرح هذه المسائل ومناقشتها، ولذا أطلب من الأساتذة دراسة هذه الأفكار ونقدها نقداً بنّاءً موضوعياً لأجل الوصول إلى الواقع المنتظر.


( 234 )

5

إجماع العترة الطاهرة

يُعدّ كتاب «نهاية الوصول إلى علم الأُصول»للعلاّمة الحلي (648ـ 726هـ) موسوعة أُصولية تتكفّل ببيان القواعد الأُصولية الّتي يبتني عليها استنباط الأحكام الشرعية، وقد نهج مؤلفه (رحمه الله) في ترصيف هذا الكتاب المنهجَ المقارن، فلذلك نجده يعرض آراء الأُصوليّين من مختلف المذاهب ويذكر أدلّتهم في مسألة واحدة ثمّ يقضي ويبرم ويخرج بالنتيجة المطلوبة، وقلّما تجد مثيلاً لهذا الكتاب بين المؤلّفات الأُصولية، إذ يسلك أغلب الأُصوليّين منهجاً خاصّاً يوافق مذهب إمامه ومتبنّياته.

ومن المسائل الأُصولية المهمّة الّتي وردت في هذا الجزء: مسألة الإجماع محصّلِه ومنقولِه وما تبتني عليه حجّية الاتفاق، وقد أغرق المصنّف نزعاً في التحقيق فلم يُبق في القوس منزعاً.

ومن العناوين الطرّة في هذا الفصل الّتي ألفتت نظري هو إجماع العترة الّذي غفل عنه أكثر الأُصوليين، إلاّ نجم الدين الطوفي، فقد عدّه من مصادر التشريع الإسلامي في رسالته.(1)


1 . رسالة الطوفي كما في كتاب:«مصادر التشريع الإسلامي» لعبد الوهاب خلاّف: 109.


( 235 )

ويا للعجب أنّ بعض الأُصوليّين يعدّون إجماع أهل المدينة، بل إجماع أهل الكوفة وإجماع الخلفاء من مصادر التشريع، بل ربّما يعدّون ما هو أنزل من ذلك كقول الصحابي، ولكن لا يذكرون شيئاً عن إجماع العترة الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً!!

ومع ذلك كلّه فقد اختصر المؤلّف الكلام في هذا البحث، على الرغم من ضرورة التفصيل فيه حتّى يتّضح الحق بأجلى صوره، ولذلك رأينا أن نذكر في تقديمنا على كتاب «نهاية الأُصول» هذا شيئاً ممّا يرجع إلى حجّية أقوال العترة الطاهرة فضلاً عن إجماعهم، وذلك بالبيان التالي:

إجماع العترة(1)

كلّ من كتب في تاريخ الفقه الإسلامي وتعرض لمنابع الفقه والأحكام غفل عن ذكر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)وحجّية أقوالهم فضلاً عن حجّية اتّفاقهم، وذلك بعين اللّه بخس لحقوقهم، وحيث إنّ المقام يقتضي الاختصار نستعرض المهم من الأدلّة الدالّة على حجّية أقوالهم فضلاً عن اتّفاقهم على حكم من الأحكام، كقوله سبحانه:(إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).(2)

والاستدلال بالآية على عصمة أهل البيت، وبالتالي على حجّية أقوالهم رهن أُمور:

الأوّل: الإرادة في الآية إرادة تكونية لا تشريعية، والفرق بين الإرادتين واضحة، فإنّ إرادة التطهير بصورة التقنين تعلّقت بعامّة المكلّفين من غير


1 . وهو نفس تعبير الطوفي في رسالته، وإلاّ فالحجّة عندنا قول أحد العترة فضلاً عن إجماعهم.

2 . الأحزاب:33.


( 236 )

اختصاص بأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، كما قال سبحانه:(وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ).(1)

فلو كانت الإرادة المشار إليها في الآية إرادة تشريعية لما كان للتخصيص والحصر وجه مع أنّا نجد فيها تخصيصاً بوجوه خمسة:

أ. بدأ قوله سبحانه بالأداة (إِنَّما)المفيدة للحصر.

ب. قدّم الظرف (عَنْكُمْ) وقال: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْس) ولم يقل ليذهب الرجس عنكم، لأجل التخصيص.

ج. بيّن من تعلّقت إرادته بتطهيرهم بصيغة الاختصاص، وقال: (أَهْلَ الْبَيْتِ) أي أخصّكم.

د. أكّد المطلوب بتكرير الفعل، وقال: (ويُطَهِّرَكُمْ) تأكيداً لقوله: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْس).

هـ. أرفقه بالمفعول المطلق، وقال:(تَطْهِيراً).

كلّ ذلك يؤكد أنّ الإرادة الّتي تعلّقت بتطهير أهل البيت غير الإرادة الّتي تعلّقت بعامّة المكلّفين.

ونرى مثل هذا التخصيص في خطابه لمريم البتول قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمينَ).(2)

الثاني: المراد من الرجس كلّ قذارة باطنية ونفسية، كالشرك، والنفاق، وفقد الإيمان، ومساوئ الأخلاق، والصفات السيئة، والأفعال القبيحة الّتي يجمعها الكفر والنفاق و العصيان، فالرجس بهذا المعنى أذهبه اللّه عن أهل البيت، ولا


1 . المائدة:6.

2 . آل عمران:42.


( 237 )

شكّ انّ المنزّه عن الرجس بهذا المعنى يكون معصوماً من الذنب بإرادة منه سبحانه، كيف وقد ربّاهم اللّه سبحانه وجعلهم هداة للأُمّة كما بعث أنبياءه ورسله لتلك الغاية.

الثالث: المراد من أهل البيت هو: علي وفاطمة وأولادهما، لأنّ أهل البيت وإن كان يطلق على النساء والزوجات بلا شك، كقوله سبحانه: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ)(1)، ولكن دلّ الدليل القاطع على أنّ المراد في الآية غير نساء النبي وأزواجه، وذلك بوجهين:

أ. نجد أنّه سبحانه عندما يتحدّث عن أزواج النبي يذكرهنّ بصيغة جمع المؤنث ولا يذكرهنّ بصيغة الجمع المذكر، فإنّه سبحانه أتى في تلك السورة (الأحزاب) من الآية 28ـ 34 باثنين وعشرين ضميراً مؤنثاً مخاطباً بها نساء النبي، وهي كما يلي:

1. كُنْتُنَّ، 2. تُرِدْنَ ، 3. تَعَالَيْنَ، 4. أُمَتِّعْكُنَّ، 5. أُسَرِّحْكُنَّ.(2)

6. كُنْتُنَّ، 7. تُرِدْنَ، 8. مِنْكُنَّ.(3)

9. مِنْكُنَّ.(4)

10. مِنْكُنَّ.(5)

11. لَسْتُنَّ، 12. إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، 13. فَلاَ تَخْضَعْنَ، 14. قُلْنَ.(6)

15. قَرْنَ، 16. فِي بُيُوتِكُنَّ، 17. تَبَرَّجْنَ، 18. أَقِمْنَ، 19. آتِينَ، 20. أَطِعْنَ اللّهَ.(7)


1 . هود:73.

2 . الأحزاب:28.

3 . الأحزاب:29.

4 . الأحزاب:30.

5 . الأحزاب:31.

6 . الأحزاب:32.

7 . الأحزاب:33.


( 238 )

21. اذْكُرْنَ، 22. فِي بُيُوتِكُنَّ.(1)

وفي الوقت نفسه عندما يذكر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في آخر الآية 33 يأتي بضمائر مذكّرة ويقول: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ... وَيُطَهِّرَكُمْ)، فإنّ هذا العدول دليل على أنّ الذكر الحكيم انتقل من موضوع إلى موضوع آخر، أي من نساء النبي إلى أهل بيته، فلابدّ أن يكون المراد منه غير نسائه.

ب. أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أماط الستر عن وجه الحقيقة، فقد صرّح بأسماء من نزلت الآية بحقّهم حتّى يتعيّن المنظور منه باسمه ورسمه ولم يكتف بذلك، بل أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء ومنع من دخول غيرهم.

ولم يقتصر على هذين الأمرين (ذكر الأسماء وجعل الجميع تحت كساء واحد) بل كان كلّما يمرّ ببيت فاطمة(عليها السلام)إلى ثمانية أشهر يقول: الصلاة، أهل البيت: (إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).

وقد تضافرت الروايات على ذلك، ولولا خوف الإطناب لأتينا بكلّ ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن نذكر من كلّ طائفة إنموذجاً:

أمّا الطائفة الأُولى: أخرج الطبري في تفسير الآية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نزلت الآية في خمسة: فيّ وفي علي رضي اللّه عنه وحسن رضي اللّه عنه، وحسين رضي اللّه عنه، وفاطمة رضي اللّه عنها، (إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)الحديث.(2)

وأمّا الطائفة الثانية: فقد روى السيوطي وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة ، قالت: خرج رسول اللّه غداة


1 . الأحزاب:34.

2 . ولمن أراد المزيد فليرجع إلى تفسير الطبري والدر المنثور للسيوطي في تفسير آية التطهير.


( 239 )

وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسيين رضي اللّه عنهما فأدخلهما معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه، ثمّ قال: (إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).

ولو لم تذكر فاطمة في هذا الحديث، فقد جاء في حديث آخر، حيث روى السيوطي، قال: واخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد، قال: نزل على رسول اللّه الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه، قال: «اللّهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي».

وفي حديث آخر جاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى فاطمة ومعه حسن وحسين، وعلي حتّى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه، ثمّ تلا هذه الآية: (إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).

وأمّا الطائفة الثالثة: فقد أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت(إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).

والروايات تربو على أربع وثلاثين رواية، رواها من عيون الصحابة: أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، ابن عباس، أبو هريرة الدوسي، سعد بن أبي وقاص، واثلة بن الأسقع، أبو الحمراء ـ أعني: هلال بن حارث ـ و أُمهات المؤمنين: عائشة وأُمّ سلمة.(1)

وبذلك تبيّنت حجية أقوال كلمات أهل البيت(عليهم السلام) في مجالي العقيدة


1 . وللوقوف على مصادر هذه الروايات لاحظ: صحيح مسلم:7/122ـ 123; تفسير الطبري:22/5ـ7; الدر المنثور:5/198ـ 199; جامع الأُصول لابن الأثير:10/103.


( 240 )

والشريعة لاعتصامهم بحبل اللّه تعالى، فإذا كان قول واحد منهم حجة فكيف هو حال إجماعهم؟

فما أصدق قول القائل:

فوالِ أُنـاســاً قــولهـم وكــلامـهم *** روى جدُّنا عن جبرئيل عن الباري

رزقنا اللّه زيارتهم في الدنيا، وشفاعتهم في الآخرة.

عصمة أُولي الأمر

دلت آية التطهير على عصمة أهل البيت(عليهم السلام) كما عرفت آنفاً وفي الوقت نفسه دلّت آية الطاعة ـ بالإضافة إلى وجوب طاعتهم ـ على عصمة الرسول وأُولي الأمر، أعني قوله سبحانه: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ).(1)

والاستدلال مبني على دعامتين:

1. إنّ اللّه سبحانه أمر بطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق; أي في جميع الأزمنة والأمكنة، وفي جميع الحالات والخصوصيات، ولم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشيء كما هو مقتضى الآية.

2. إنّ من الأمر البديهي كونه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان:(وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْر)(2) من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداءً من دون تدخّل أمر آخر أو نهي ناه، أو يقومون به بعد صدور أمر ونهي من أُولي الأمر.

فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين (وجوب إطاعة أُولي الأمر على وجه


1 . النساء:59.

2 . الزمر:7.


( 241 )

الإطلاق، وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان) أن يتحقق في أُولي الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق، خصوصية ذاتية وعناية إلهية ربّانية، تصدّهم عن الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة. وليس هذا إلاّ عبارة أُخرى عن كونهم معصومين، وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية، لما صحّ الأمر بإطاعتهم على وجه الإطلاق أي بدون قيد أو شرط. فنستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمالَ المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة. وممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره، ويطيب لي أن أذكر نصّه حتى يمعن فيه أبناء جلدته وأتباع طريقته، قال:

إنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ أن يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذ لك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً.(1)

بيد أنّ الرازي، وبعد أن قادته استدلالاته المنطقية إلى هذه الفكرة الثابتة المؤكّدة لوجوب العصمة بدأ يتهرّب من تبعة هذا الأمر، ولم يستثمر نتائج أفكاره، لا لسبب إلاّ لأنّها لا توافق مذهبه في تحديد الإمامة، فأخذ يؤوّل الآية ويحملها على غير ما ابتدأه وعمد إلى إثباته، حيث استدرك قائلاً بأنّا عاجزون عن معرفة


1 . مفاتيح الغيب(للرازي):10/144.


( 242 )

الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليه، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منه، فإذا كان الأمر كذلك، فالمراد ليس بعضاً من أبعاض الأُمّة، بل المراد هو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة.

إلاّ أنّ ادّعاءه هذا لا يصمد أمام الحقيقة القويّة التي لا خفاء عليها، وفي دفعه ذلك الأمر مغالطة لا يمكن أن يرتضيها هو نفسه، فإنّه إذا دلّت الآية على عصمة أُولي الأمر فيجب علينا التعرّف عليهم، وادّعاء العجز هروب من الحقيقة، فهل العجز يختص بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية؟ لا أظنّ أن يقول الرازي بالثاني. فعليه أن يتعرّف على المعصوم في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وعصر نزول الآية، وبالتعرّف عليه يعرف معصوم زمانه، حلقة بعد أُخرى، ولا يعقل أن يأمر الوحي الإلهي بإطاعة المعصوم ثمّ لا يقوم بتعريفه حين النزول، فلو آمن الرازي بدلالة الآية على عصمة أُولي الأمر فإنّه من المنطقي والمعقول له أن يؤمن بقيام الوحي الإلهي بتعريفهم بواسطة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم); إذ لا معنى أن يأمر اللّه سبحانه بإطاعة المعصوم، ولا يقوم بتعريفه.

إكمال: أهل السنّة ووجه حجّية الإجماع

قد حقّق المصنّف في ثنايا بحثه عن حجّية الإجماع، أنّ الإجماع بما هو هو ليس بحجّية شرعية وليس من أدلّة التشريع، وإنّما هو حجّة لأجل كشفه عن دليل شرعي يُعدّ حجّة في المسألة.

وأمّا الإجماع عند أهل السنّة فهو من أدلّة التشريع ويُعدّ حجّة في عرض الكتاب والسنّة، وهذا لا يعني تقابله معهما، بل بمعنى أنّ كلّ واحد حجّة في مضمونه ومحتواه، وذلك بالبيان التالي:


( 243 )

إذا اتّفق المجتهدون من أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) في عصر من العصور على حكم شرعي، يكون المجمع عليه حكماً شرعياً واقعياً عند أهل السنّة ولا تجوز مخالفته، وليس معنى ذلك أنّ إجماعهم على حكم من تلقاء أنفسهم يجعله حكماً شرعياً، بل يجب أن يكون إجماعهم مستنداً إلى دليل شرعي قطعي أو ظنّي، كالخبر الواحد والمصالح المرسلة والقياس والاستحسان.

فلو كان المستند دليلاً قطعياً من قرآن أو سنّة متواترة يكون الإجماع مؤيداً ومعاضداً له; ولو كان دليلاً ظنّياً كما مثلناه، فيرتقي الحكم حينئذ بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين.

ومثله ما إذا كان المستند هو المصلحة أو دفع المفسدة، فالاتّفاق على حكم شرعي استناداً إلى ذلك الدليل يجعله حكماً شرعياً قطعياً، كزيادة أذان لصلاة الجمعة في عهد عثمان لإعلام الناس بالصلاة كي لا تفوتهم، حتّى صار الأذان الآخر عملاً شرعياً إلهياً وإن لم ينزل به الوحي.(1)

فلو صحّ ذلك فقد أعطى سبحانه للإجماع واتّفاق الأُمّة منزلة كبيرة على وجه إذا اتّفقوا على أمر، يُصبح المجمع عليه حكماً شرعياً قطعياً كالحكم الوارد في القرآن والسنّة النبويّة، ويكون من مصادر التشريع.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان الإجماع بما هوهو من أدلّة التشريع وأنّ الدليل الظني ببركة الإجماع يرتقي إلى مرتبة القطع واليقين ويكون حجّة في عرض سائر الحجج، فمعنى ذلك أنّ التشريع الإسلامي لم يختتم بعد رحيل الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ هناك نبوة بعد نبوّته، وهو على خلاف ما اتّفق المسلمون عليه من إغلاق باب الوحي والتشريع واختتام النبوة، فلا محيص عن القول إلاّ بالرجوع إلى


1 . الوجيز في أُصول الفقه لابن وهبة الزحيلي:49.


( 244 )

ما عليه الشيعة الإمامية من أنّ الإجماع كاشف عن الدليل الصادر عن الصادع بالحق (صلى الله عليه وآله وسلم)كما أنّ حجّية العقل في مجالات التشريع من هذه المقولة، فليس العقل مشرعاً وإنّما هو كاشف عن الحكم الإلهي في موارد خاصة.

هذه خلاصة القول في المقام والتفصيل يطلب من موسوعاتنا الأُصولية.

خبر مؤسف

يعزّ علينا أن نكتب هذا التقديم ونحن نفتقد علماً من أعلام التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ألا وهو العلاّمة الشيخ إبراهيم البهادري ـ تغمده اللّه برحمته الواسعة ـ الّذي لبّى دعوة ربّه في خامس شهر شعبان المعظم من شهور عام 1426هـ، وقد شُيّع جثمانه الطاهر في موكب مهيب ودفن في مدينة قم المقدسة.

والشيخ البهادري(رحمه الله) بكلمة قصيرة كان رجلاً زاهداً دؤوباً في العمل لا يبتغي إلاّ مرضاة اللّه تعالى، فهو من أبرز مصاديق ما قاله العلاّمة الكبير السيد هبة اللّه الشهرستاني: إنّ الناشر(والمحقّق) لصحائف العلماء الأُمناء، يؤمّن لقومه الحياة الطيبة أكثر ممّن ينوّرون الطرق في الظلماء، و]يمهدون السبيل [إلى الماء.(1)

كرّس المغفور له عمره في تحقيق تراث أهل البيت(عليهم السلام) ونشر علومهم، مدة من عمره تناهز ربع قرن.

وقد قام بتحقيق كتب قيّمة نذكر منها: «تحرير الأحكام» للعلاّمة الحلّي في ستة أجزاء، و «الاحتجاج» للطبرسي في جزأين، و«معالم الدين في فقه آل ياسين» لابن قطّان الحلّي في جزأين، و «غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع» لابن زهرة


1 . مجلة المرشد:1/78، ط بغداد.


( 245 )

الحلبي في جزأين، و «إصباح الشيعة» للكيدري، وغيرها.

ومن أبرز ما حقّقه في أواخر عمره الجزء الأوّل والثاني وبداية الجزء الثالث من هذه الموسوعة الأُصولية.

فسلام اللّه عليه يوم ولِد ، ويوم ماتَ ويومَ يُبعث حيّاً.

والحمدللّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم المقدسة ـ ايران

25 صفر المظفر 1427هـ


( 246 )

6

صلاة الطواف

وحكمها عند الزحام

اتّفق الفقهاء على وجوب ركعتين بعد الطواف في الحجّ إلاّ ما يحكى عن الشافعي في أحد قوليه(1)، والكلام في المقام في مكانها عند الزحام وغيره، والأصل في ذلك قوله سبحانه:(وَاتّخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى)أي اتّخذوا من مقام إبراهيم موضع صلاة تصلّون فيه.

والمعروف حسب النصوص والروايات وكلمات العلماء أنّ المقام ـ الذي هو موضع وقوف إبراهيم عند بنائه للبيت ـ هو صخرة على شكل مكعّب متساوي الأضلاع وطول الضلع ذراع واحد، بذراع اليد، أي ما يساوي50 سنتيمتراً تقريباً، وهذا المقدار لا يتسع لأداء الصلاة، لأنّ ما يشغله المصلّي المستوي الخلقة ـ عادة ـ من المساحة الكافية لوقوفه وركوعه وسجوده وجلوسه هو 50 سم عرضاً في 100 سم طولاً، وأين هذا من مساحة الحجَر؟(2) فيقع الكلام في تفسير الآية


1 . الخلاف:2/327.

2 . مبادئ علم الفقه:3/210.


( 247 )

وسوف يوافيك معناه.

إنّ تعبير المحقّق «يجب أن يصلّي ركعتي الطواف في المقام» أثار بحثاً بين الشرّاح، قال في «المدارك»: إنّه غير جيّد. أمّا لو قلنا: بأنّ المقام نفس العمود الصخري فواضح، وأمّا إن أُريد به مجموع البناء الذي حوله فلأنّه لا يتعيّن وقوع الصلاة فيه قطعاً.(1)

وقريب منه في المستند.(2)

يرد على الاحتمال الثاني، أنّ البناء كان أمراً مستحدثاً ولم يكن في عصر الرسول حين نزول الآية حتّى تفسر به. وقد أزيل في السنين الأخيرة وكان موجوداً أوائل العقد الثامن من القرن الرابع عشر، أعني: سنة 1381 وقد صلّيت فيه مراراً.

وقد وافقه صاحب الجواهر، فقال إنّ تعبير بعض الفقهاء بالصلاة في المقام مجاز تسمية لما حول المقام باسمه، إذ القطع بأنّ الصخرة التي فيها أثر قدمي إبراهيم لا يصلّى عليها.(3)

ثمّ إنّ بعض المفسرين من أهل السنّة حاول حفظ ظهور الآية، وهو أنّ كون الصلاة في المقام حقيقة فقال: المراد من مقام إبراهيم هو عرفة والمزدلفة والجمار، لأنّه قام في هذه المواضع وسعى فيها، وعن النخعي: الحرم كلّه مقام إبراهيم.(4)

واحتمل بعضهم أنّ المراد من المقام هو المسجد الحرام، ولكنّه محجوج بفعل النبي; حيث إنّه بعد ما طاف سبعة أشواط أتى إلى المقام فصلاّهما، وتلا


1 . المدارك:8/141.

2 . المستند:12/139.

3 . الجواهر:19/318.

4 . الكشاف:1/287.


( 248 )

قوله تعالى:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّى)، فأفهم الناس أنّ هذه الآية أمر بهذه الصلاة وهنا مكانها.(1)

وفي صحيح مسلم بسنده عن جابر في بيان حجّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : حتّى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن ثلاثاً فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم وقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّى).(2)

توضيح مفاد الآية

المهم هو توضيح مفاد الآية فهناك فرق بين قولنا: «فاتّخذوا مقام إبراهيم مصلّى» وقوله:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّى) . وإنّما يلزم المحال عند الجمود على ظاهر الأوّل، لعدم التمكّن من الصلاة في المقام الذي هو الصخرة.

وأمّا الثاني فقد ذكروا في الجار «من» احتمالات، من كونها للتبعيض، أو للابتداء، أو بمعنى في، أو بمعنى عند. والأولى الرجوع إلى الآيات التي ورد فيها هذا النوع من التركيب حتّى يتعيّن أحد الاحتمالات.

قال سبحانه: (وَأوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً).(3)

وقال سبحانه: (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً).(4)

هذا كلّه في مورد إضافة الأخذ إلى المكان، و أمّا في الإضافة إلى غيره فمثل قوله سبحانه:

(لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً).(5)


1 . سنن الترمذي:3/211 رقم الحديث856; سنن النسائي:5/235.

2 . صحيح مسلم:49 باب حجة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):42.

3 . النحل:68.

4 . الأعراف:74.

5 . النساء:118.


( 249 )

(وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً).(1)

(تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً).(2)

ومثّل في «الجواهر» و قال: «اتّخذت من فلان صديقاً ناصحاً، ووهب اللّه لي من فلان أخاً مشفقاً».(3)

ترى في هذه الموارد أنّ شيئاً عامّاً يؤخذ منه جزء لغرض، فالنحل تتخذ من الجبال جزءاً بصفة البيت، أو أنّهم كانوا يتّخذون من سهول الأرض قصوراً، أو أنّ الشيطان يتّخذ من عباد اللّه نصيباً، إلى غير ذلك.

فإذا كان هذا ظاهر هذه التراكيب، فالآية منزّلة على هذا النمط من الكلام، فيراد من «المقام» في الآية ما يجاوره ويقاربه تسميةً لما حول المقام باسمه، ضرورة أنّ المقام لا يتبعض لأخذ المصلّى منه، فعلى الطائف أن يأخذ جزءاً من هذا المقام المجازيّ مصلّى يصلّي فيه، وإطلاق الآية يعمّ الخلف وما حوله من اليمين واليسار، ولا يختصّ مفاده بالخلف; لأنّ المقام ـ حسب ما استظهرناه ـ هو المكان المتّسع قربَ المقام الحقيقي، المسوِّغ لتسمية ذلك المكان مقاماً أيضاً، فالموضوع هو الصلاة قربه.

فخرجنا بتلك النتيجة: أنّ المقام أُطلق وأُريد منه ما يجاوره ويليه، وأنّ «من» تبعيضيّة لا غير، وسائر الاحتمالات الأُخرى غير واضحة.

وعلى ضوء ما ذكرنا، فاللازم هو التصرّف في لفظ «المقام» على ما عرفت; وأمّا التصرف في الجار، أعني: «من» وجعله تارة بمعنى «في» و أُخرى


1 . النساء:89.

2 . النحل:67.

3 . الجواهر:19/319.


( 250 )

بمعنى «عند» فغير وجيه.

وذلك لأنّ مجرد جواز استعمال «من» مكان «في» أو «عند» ـ على فرض صحّته ـ لا يسوّغ تفسير الآية بهما; لأنّ مادّة الفعل «الأخذ» لا يتعدى لا بـ«في» ولا بـ«عند»، ولو فرض صحّة استعماله فهو استعمال شاذ، لا يحمل عليه الذكر الحكيم.

هذا هو مفاد الآية، فإن دلّت الروايات على أوسع من الآية أو أضيق منه، نأخذه، وإلاّ فمفاد الآية هو المتّبع.

وسيوافيك أنّ المستفاد من الروايات كفاية إتيان الصلاة قريباً من المقام، من غير فرق بين الخلف وأحد الجانبين، فمادام يصدق على العمل كونه «عنده» فهو مسقط للفريضة، وأمّا التركيز على كونها خلف المقام كما في طائفة من الروايات، فالظاهر أنّه بصدد الرد على جواز تقديم الصلاة على المقام، والتأكيد على لزوم تأخّرها عنه. لا لزوم كونها خلفه لا جنبه، وهو يصدق مع إتيانها يميناً ويساراً وخلفاً.

العناوين الواردة في كلمات الفقهاء

إذا عرفت ذلك، فلنذكر العناوين الواردة في كلمات فقهائنا، ثمّ ما هو الوارد في لسان الروايات.

أمّا الأُولى: فقد اختلفت كلمة الفقهاء في التعبير عن موضع الصلاة على الشكل التالي:

1. الصلاة في المقام.

2. الصلاة خلف المقام.

3. الصلاة عند المقام.


( 251 )

أمّا الأوّل: فقد عبّر عنه كثير من الفقهاء.

قال المحقّق في الشرائع: يجب أن يصلّي ركعتي الطواف في المقام.(1)

وقال العلاّمة : وتجبان ـ الركعتان ـ في الواجب بعده في مقام إبراهيم (عليه السلام)حيث هو الآن ولا يجوز في غيره.(2)

وأمّا الثاني: أي خلف المقام، فقال ابن الجنيد: ركعتا طواف الفريضة فريضة عقيبه خلف مقام إبراهيم، وكذا قال ابن أبي عقيل.(3)

وبذلك عبّر الشهيد في «الروضة»(4)، والأردبيلي في «مجمع الفائدة»(5)، والبحراني في «الحدائق».(6)

وأمّا الثالث: أي عند المقام، فقال ابن البراج: والصلاة ـ ركعتا الطواف ـ عند مقام إبراهيم.(7)

و الظاهر أنّ الجميع يرشد إلى معنى واحد وهو الصلاة قرب مقام إبراهيم، ولذلك نرى أنّ الصدوق بعدما قال: ثمّ ائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين، قال: واجعله أمامك.(8)

هذا كلّه ناظر إلى كلمات الفقهاء.

وأمّا النصوص الواردة في تحديد موضع صلاة الطواف فهي على طوائف، وتتلخّص في العناوين التالية:

1. خلف المقام.

2. جعل المقام إماماً.


1 . الشرائع:1/268.

2 . قواعد الأحكام:1/427.

3 . المختلف:4/201.

4 . الروضة البهية:2/250.

5 . مجمع الفائدة:7/87.

6 . الحدائق:16/135.

7 . المهذب:1/231.

8 . الهداية:58.


( 252 )

3. في المقام.

4.عند المقام.

والظاهر رجوع العنوان الثاني إلى الأوّل، فإن من جعل المقام إماماً، يقع خلف المقام، فليس هذا عنواناً جديداً، ففي صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم(عليه السلام)فصلّ ركعتين واجعله إماماً»(1). ومعنى ذلك: لا تتقدّم عليه وكن خلفه. ولا فرق بين خلفه أو يمينه ويساره ما لم يكن متقدّماً عليه.

ولنقتصر على نقل ما يدلّ على لزوم الإتيان بها في موقع خاص من هذه المواقع، على نحو ينفي في بدء النظر جواز إتيانها في موقع آخر، فتكون النتيجة وجود المنافاة بين الروايات. وأمّا ما يدلّ على الجواز في بعض هذه المواقع، كفعل النبي أو الإمام الذي لا يستفاد منه التعين، أو ما لا يدلّ على المطلوب، لكون الرواية في مقام بيان أمر آخر، فنتركه للقارئ الكريم.

الطائفة الأُولى: تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام

1. صحيحة معاوية بن عمّار الماضية قال: «فائت مقام إبراهيم(عليه السلام)فصلّ ركعتين، واجعله إماماً، واقرأ في الأُولى منهما سورة التوحيد (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ)وفي الثانية: (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)، ثمّ تشهّد واحمد اللّه واثن عليه، وصلّ على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)واسأله أن يتقبّل منك».(2)

وقد مرّ أنّ مفاد الحديث هو إتيان الصلاة خلف المقام، والأمر ظاهر في


1 . الوسائل: 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث3.

2 . الوسائل: 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث3.


( 253 )

التعين، واشتمال الرواية على قسم من المندوبات لا يضرّ بظهورها فيه، إذ المتبع هو الظهور ما لم يدلّ دليل على الخلاف.

2. مرسلة صفوان، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة إلاّ خلف المقام، لقول اللّه عزّ وجلّ:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّى)، فإن صلّيتها في غيره فعليك إعادة الصلاة».(1)

ودلالتها على تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام واضحة، وإن كانت دلالة الآية عليه (خلف المقام)، غير واضحة لنا.

3. خبر أبي عبد اللّه الأبزاري قال:«سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل نسي فصلّى ركعتي طواف الفريضة في الحِجر، قال: يعيدهما خلف المقام، لأنّ اللّه تعالى يقول: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّى)عنى بذلك ركعتي طواف الفريضة».(2)

ودلالتها على تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام واضحة، وإن كانت دلالة الآية عليه غير واضحة لنا.

4. معتبرة سليمان بن حفص المروزي، عن الفقيه(عليه السلام) قال:«إذا حجّ الرجل فدخل مكّة متمتّعاً فطاف بالبيت وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام)وسعى بين الصفا والمروة وقصّر، فقد حلّ له كلّ شيء ما خلا النساء، لأنّ عليه لتحلّة النساء طوافاً وصلاة».(3)

ودلالته بظاهره على لزوم إتيانها خلف المقام لا غبار عليها.

5. مرسل جميل، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «يصلّي


1 . الوسائل: 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث1.

2 . الوسائل: 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث2.

3 . الوسائل: 9، الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث7.


( 254 )

الرجل ركعتي طواف الفريضة خلف المقام».(1)

6. صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: «إنّما نسك الذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلاّ بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت، وصلاة ركعتين خلف المقام، وسعي واحد بين الصفا والمروة، وطواف بالبيت بعد الحجّ».(2)

ودلالته على لزوم الإتيان بها خلفه في التمتّع، لأجل اشتراك الأقسام: التمتّع، والقران والإفراد في الحكم إلاّ ما خرج.

7. صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) في تعريف المتعة؟ فقال:«يهلّ بالحجّ في أشهر الحجّ، فإذا طاف بالبيت فصلّى الركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة قصّر وأحل...».(3)

فالحديث في مقام بيان مقدّمات حجّ التمتّع، وأنّ منها الصلاة خلف المقام.

ولعلّ هذا المقدار من النصوص كاف والروايات أكثر ممّا نقلت، وإنّما تركت بعضها لعدم وضوح دلالتها على التعيين. وسيوافيك أنّ التأكيد على الصلاة خلف المقام لأجل ردّ جواز الصلاة بين البيت والمقام. فانتظر.

الطائفة الثانية: وجوب إتيان الصلاة عند المقام

هناك روايات تدلّ على لزوم الإتيان بها«عند المقام» نذكر منها ما يلي:

1. حديث جميل بن دراج، عن أحدهما(عليهما السلام) أنّ الجاهل في ترك الركعتين


1 . الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب الطواف، الحديث9.

2 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث6.

3 . الوسائل:8، الباب5 من أبواب أقسام الحج، الحديث3.


( 255 )

عند مقام إبراهيم بمنزلة الناسي.(1)

2. صحيح أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت في حجّ أو عمرة، ثمّ حاضت قبل أن تصلّي الركعتين؟ قال: «إذا طهرت فلتصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم، وقد قضت طوافها».(2)

3. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «القارن لا يكون إلاّ بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم، وسعي بين الصفا والمروة، وطواف بعد الحجّ، وطواف النساء».(3)

4. صحيحته الأُخرى في بيان ما يعتبر في حجّ التمتّع عن أبي عبد اللّه:«على المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ ثلاثة أطواف ـ إلى أن قال : ـ و ركعتان عند مقام إبراهيم(عليه السلام)».(4)

5. صحيحه الثالث قال: «المفرد للحجّ عليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم».(5)

والأحاديث الثلاثة لابن عمار، بصدد بيان أجزاء الحجّ بأقسامه الثلاثة: القران، والتمتع والإفراد، ومن أجزاء الحجّ بأقسامه الثلاثة: القران، والتمتع والإفراد، الصلاة عند المقام.

6. موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المجاور بمكّة إذا دخلها بعمرة في غير أشهر الحج ـ إلى أن قال: ـ فليخرج إلى الجِعْرَانة فيحرم منها، ثمّ يأتي


1 . الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث3.

2 . الوسائل: 9، الباب 88 من أبواب الطواف، الحديث2.

3 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث12.

4 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث8.

5 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث13.


( 256 )

مكّة ولا يقطع التلبية حتّى ينظر إلى البيت، ثمّ يطوف بالبيت ويصلي الركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)...».(1)

إلى غير ذلك من الأحاديث المبثوثة في أبواب أقسام الحجّ والطواف.

الطائفة الثالثة: الصلاة في المقام

وهناك ما يدلّ على أنّ المعتبر هو الصلاة في المقام:

1. صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) قال:«سُئل عن رجل طاف الفريضة ولم يصل الركعتين ـ إلى أن قال: ـ و يرجع إلى المقام فيصلّي الركعتين»(2). أي فيه.

2. خبر أحمد بن عمر الحلاّل قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة فلم يذكر حتّى أتى منى؟ قال: «يرجع إلى مقام إبراهيم فيصلّيهما»(3)، أي فيه.

3. وفي صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):«إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين»(4). أي فيه.

الجمع الدلالي بين الروايات الواردة

وقد مرّ أنّ ما ذكر «جعل المقام إماماً» يريد به كون المصلّي خلف المقام، وأمّا الصنف الأخير، الدالّ على الإتيان بها في المقام، فقد مرّ أنّ الصلاة فيه غير


1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب أقسام الحج، الحديث2.

2 . الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث5.

3 . الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث12.

4 . الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب الطواف، الحديث1.


( 257 )

ممكنة فلابدّ أن يراد به حول المقام، فلم يبق من العناوين إلاّ العنوانان التاليان:

1. خلف المقام.

2. عند المقام.

وأمّا الجمع بينهما فهو: أنّ التأكيد على الإتيان بها خلف المقام، لغاية نفي التقدّم على المقام، كما إذا صلّى بين البيت والمقام على نحو يكون المقام خلفه، ولعلّ الإصرار على ذلك هو اشتهار أنّ المقام كان ملصقاً بالبيت ثمّ أُتي به إلى المكان المعهود، فكان ذلك سبباً لإتيان الصلاة قبل المقام، فتأكيد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على الإتيان بالصلاة وراء المقام، كان ردّاً لتلك الفكرة، ويشهد على هذا صحيح إبراهيم ابن أبي محمود قال: قلت للرضا(عليه السلام): أُصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث هو الساعة، أو حيث كان على عهد رسول اللّه قال: «حيث هو الساعة».(1)

وفي صحيح محمّد بن مسلم:«كان الناس على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يطوفون بالبيت والمقام وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت، فكان الحدّ موضع المقام اليوم».(2)

وحاصل الكلام: كان المعروف في عصر صدور الروايات، أنّ المقام كان ملصقاً بالبيت، وكان ذلك سبباً لتوهم جواز الإتيان بالصلاة بين البيت والمقام، وجعله أمامه لا خلفه، عند ذلك يكون الموضوع «كون الصلاة عند المقام» وقد مرّ أنّ المراد من «اتخاذ المقام» هو: حوله. وهو يصدق على الصلاة خلفه أو أحد جانبيه.

والحاصل: كما أنّ للآيات شأنَ نزول، كذلك للروايات أيضاً سببَ صدور،


1 . الوسائل:9، الباب71 من أبواب الطواف، الحديث1.

2 . الوسائل:9، الباب28 من أبواب الطواف، الحديث1.


( 258 )

وبالرجوع إليه يرتفع الإبهام عن مفادها.

وعلى ضوء ذلك، يمكن أن يقال: إنّ سبب التركيز على وقوع الصلاة خلف المقام لا لأجل اعتبار الخلفيّة في مقابل اليمين واليسار، بل التركيز لأجل نفي التقدّم، ولذلك أمر الإمام أن يجعل المقام إماماً، أي لا يتقدّم عليه.

فيكون الموضوع حسب الآية والروايات «الصلاة عند المقام ولديه» سواء كان خلف المقام أو اليمين أو اليسار، لكن بشرط عدم التقدّم عليه.

وأمّا على مختار الأصحاب من التركيز على شرطية الخلف وعدم كفاية الصلاة في أحد الجانبين فالموضوع عندهم مركب من أمرين:

1. كون الصلاة خلف المقام.

2. كون الصلاة عند المقام.

وعلى ذلك لو صدق كون الصلاة خلف المقام ولم يصدق كونها عنده، فلا يكفي ذلك كما إذا صلّى خلف المقام لكن بعيداً عنه.

كما أنّه لو صلّى عند المقام دون خلفه، فلا يكفي، كما إذا صلّى في أحد الجانبين: اليمين واليسار.

نعم ورد في خبر أبي بلال المكّي، قال: رأيت أبا عبد اللّه(عليه السلام) طاف بالبيت ثمّ صلّى فيما بين الباب والحجر الأسود ركعتين، فقلت له: ما رأيت أحداً منكم صلّى في هذا الموضع، فقال: «هذا المكان الّذي تيب على آدم فيه».(1)

فلو كان المراد من الباب باب الكعبة كما هو الظاهر لزم أن يكون الإمام صلّى الركعتين والمقام خلفه لا أمامه.


1 . الوسائل:9، الباب73 من أبواب الطواف، الحديث3.


( 259 )

واحتمال أنّ الإمام صلّى عند المقام محاذياً بين الباب والحجر الأسود غير صحيح، لأنّ هذا لا يثير تعجّب الراوي، إذ يكون عملاً عاديّاً.

كما أنّ حمل الصلاة على التطوّع غير صحيح، لأنّ الظاهر أنّ الإمام صلّى في الموضع الّذي صلّى فيه لأجل طوافه بالبيت حيث قال: طاف بالبيت ثمّ صلّى فيه. فالرواية لا يُحتج بها لأنّها معرض عنها.

اللّهمّ إلاّ أن يحمل على الطواف المجرّد عن سائر الأعمال فيجوز إتيان صلاته حيث شاء ويدل عليه خبر زرارة.(1)

ومن ذلك يعرف النظر في بعض الكلمات على ما عرفت وأنّه ليس للخلفية موضوعية، وإنّما الموضوعية لعند المقام ولديه.

حكم الصلاة عند الزحام

ما ذكرنا من الحفظ على عنوان «العنديّة» فقط أو «الخلفيّة» و «العندّية» راجع إلى حال الاختيار وعدم الزحام، وأمّا عند كثرة الطائفين فكثيراً ما يكون خلف المقام مطافاً للطائفين فيأتون زرافات ووحداناً والمصلّون من الشيعة خلف المقام بين قائم وراكع وساجد، وعند ذلك يقع التدافع وتثور ثورة الطائفين من جانب ومنع المصلّين من جانب آخر، وينتهي الأمر إلى الجدال الممنوع في الحجّ فما هو الواجب في هذه الحالة؟

وبما أنّ المسألة ليست حديثة الابتلاء، بل لها جذور في تاريخ الحجّ تعرض لها الفقهاء في كتبهم، وقد اختلفت كلمتهم في هذا الموضع بالنحو التالي:


1 . الوسائل:9، الباب73 من أبواب الطواف، الحديث1.


( 260 )

1. مخيّر بين وراء المقام أو أحد جانبيه

قال المحقّق: فإن منعه زحام صلّى وراءه أو إلى أحد جانبيه.(1)

2. تقدّم الخلف على الجانب مع الإمكان

قال صاحب الرياض: الأحوط تقدّم الخلف على الجانب مع الإمكان.(2)

3. تحرّي الأقرب فالأقرب

واختار الفاضل الاصبهاني تحرّي القرب منه ما أمكن، وإذا تعذّر لزحام جاز البعد بقدر الضرورة.(3)

وعلى كلّ تقدير يقع الكلام تارة في حكمها من حيث القواعد، وأُخرى من حيث النصوص.

أمّا مقتضى القواعد فهناك احتمالان:

أ. سقوط وجوب الصلاة عند تعذّر الشرط.

ب. سقوط وصف «العندية» أو الخلفية لا نفس الصلاة.

أمّا الأوّل: فهو ضعيف جدّاً بشهادة أنّه لو نسي صلاة الطواف يقضيها أينما تذكّر إذا شق عليه الرجوع، وإلاّ يرجع فيصلّي في المقام كما سيوافيك.

بقي الثاني: ولكن سقوط العنديّة على وجه الإطلاق بمجرّد الزحام غير صحيح، بل يتربّص إلى الحد الّذي لا تفوت معه الموالاة بين الصلاة والسعي.

فإذا لم يسقط الواجب ولم يتمكّن من الصلاة عند المقام حتّى بعد الصبر


1 . شرائع الإسلام:1/268.

2 . رياض المسائل:6/540.

3 . كشف اللثام كما في الرياض:6/540.


( 261 )

والتربّص يلزم ـ على المختار عندنا ـ عليه الصلاة في كلّ نقطة أقرب إلى المقام بشرط أن لا يتقدّم عليه، من غير فرق بين الخلف والجانبين، بل الموضوع هو حفظ «العنديّة» مهما أمكن، أي الأقرب فالأقرب، وعلى ذلك ينزل ما روى عن حسين بن عثمان بسندين: أحدهما نقيّ والآخر غير نقيّ.

أمّا الأوّل، فقد رواه الكليني في «الكافي». قال: رأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يصلّي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريباً من ظلال المسجد.

وأمّا الثاني فقد رواه الشيخ وقال: رأيت أبا الحسن(عليه السلام) يصلّي ركعتي الفريضة بحيال المقام قريباً من الظلال لكثرة الناس.(1)

والتعبير في كليهما واحد غير وجود التصريح بالسبب في رواية «التهذيب» دون «الكافي»، وما ذكر فيه السبب، وإن كان ضعيف السند، لكن وحدة المتن يكشف عن صدق الراوي في الحديث، ومن البعيد أن يزيد من جانبه شيئاً. وبذلك يعلم أنّ ابتعاد الإمام(عليه السلام) عن حول المقام لأجل كثرة الناس، وأمّا انتخابه قريباً من ظلال المسجد وفي الوقت نفسه حيال المقام لأجل أنّه كان في ذلك الوقت أقرب من سائر الأمكنة.

هذا على المختار، وأمّا على مختار الأصحاب فبما أنّ المعتبر عندهم رعاية أمرين: الخلفية والعنديّة ، فقد فصلّوا في ذلك كالتالي:

ففي نجاة العباد: يختار عند الزحام الأقرب إلى المقام من الخلف، وإلاّ فيختار أحد الجانبين، وإلاّ فحيث يشاء مع رعاية الأقرب إلى الخلف.(2)

تمّت المسألة والحمد للّه ربّ العالمين


1 . الوسائل:9، الباب75 من أبواب الطواف، الحديث1و2.

2 . نجاة العباد:33.


( 262 )

7

لو باع بثمن معين وتبيّـن عدمه

سؤال: لو كان المبيع معيّناً في مقابل ثمن معين بالوصف كأن باع أرضه في مقابل بستان في منطقة معينة موصوفة، ثمّ بان عدم وجود البستان في المنطقة أو عدم كونه مالكاً له، فهل المعاملة باطلة، أو صحيحة؟

وعلى فرض الصحّة هل للبائع حق الفسخ أو للمشتري إجباره بقبول ثمن المثل؟

***

الجواب: إنّ بيع الشيء في مقابل ثمن معين على وجهين: تارة يكون تعيّن الثمن غير داخل في غرض المتبايعين، كما إذا باع الكتاب بعملة معينة موجودة في الصندوق.

وأُخرى يكون داخلاً في غرض المتبايعين، كما هو الحال في البستان الذي وقع ثمناً للمبيع، فقد تعلّقت رغبة البائع بتعويض المبيع بالبستان الموصوف لا بقيمته وثمنه، ففي الصورة الأُولى تصحّ المعاملة إذا لم يكن الثمن موجوداً في الصندوق ويجب على المشتري دفع عملة أُخرى مثلها، إذ لا فرق بين عملة


( 263 )

وأُخرى إذا كان لبلد واحد، وربّما يعدّ تعيين الثمن عندئذ أمراً لغواً لمساواة العملات في تأمين الأغراض.

وأمّا الصورة الثانية فالمعاملة باطلة لعدم وجود الثمن، أو لعدم كونه في ملك المشتري، فأشبه بما إذا باع بلا ثمن، ولا يحتاج إلى فسخ البائع.


( 264 )

8

دور التاريخ

في استنباط الأحكام الشرعية

هل للتاريخ دور في استنباط الأحكام الشرعية؟ وهل يعتبر من أحد الأُصول الّتي يجب على المستنبط الاطلاع عليها؟ أو ليس له دور هنا؟

أقول: إنّ للتاريخ في مورد السؤال معنيين:

1. الحوادث و الطوارئ الّتي كانت تسبّب نزول الآية فيها أو تسبّب صدور الحديث عن المعصوم في علاجها بحيث تكون الواقعة كالقرينة المتصلة لفهم الآية والحديث.

2. تاريخ الفقه الإسلامي وتطوّره وتكامله الّذي أُدّي إلى ظهور مذاهب فقهية ومناهج مختلفة في مجال الاستنباط.

أمّا المعنى الثاني فقد أشبعنا الكلام فيه في كتابنا بـ«أدوار الفقه الإسلامي» وذكرنا هناك تطور الفقه من عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا بين فقهاء السنة والشيعة. ونركّز الكلام في المقام على المعنى الأوّل وهو تأثير التاريخ في استنباط


( 265 )

الأحكام الشرعية، بمعنى أنّ العلم بالوقائع والطوارئ المحيطة بنزول الآية أو صدور الحديث يؤثّر في استنباط الأحكام، وليس للفقيه أن يلغي دور التاريخ بشكل تام. ونأتي بنماذج من ذلك:

1. عمرة القضاء و التحلّل بالتقصير عن إحرام الحج

نقل المفسّرون أنّ اللّه تعالى أرى نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية«أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام»، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنّهم يدخلون مكّة عامهم ذلك، وقد أعدّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه العدّة للعمرة المفردة وفق هذه الرؤية، فلمّا وصلوا إلى أدنى الحلّ (الحديبية) منعتهم قريش من الدخول إلى الحرم وقامت بوجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه إلى أن اصطلح الفريقان على أن يرجع النبي وأصحابه في هذه السنة من ذلك المكان ثمّ يزوروا البيت في العام المقبل ويأتوا بعمرة مفردة، ويقيموا في مكّة ثلاثة أيام وأن لا يحملوا من السلاح إلاّ سلاح السفر. ولمّا مُنعوا عن دخول الحرم وانصرفوا قال المنافقون:«ما حَلَقْنا ولا قصّرنا ولا دَخلنا المسجد الحرم» فأنزل اللّه هذه الآية وأخبر أنّه أرى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)الصدقَ في منامه لا الباطل وأنّهم يدخلونه وأقسم على ذلك، فقال: (صَدَقَ اللّه رَسُولهُ الرُؤيا بِالحَقّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) يعني العام المقبل(إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) ـ أي مُحرمين يحلق بعضُكم رأسه ويقصّر بعض.(1)

هذا هو شأن نزول الآية والواقعة الّتي سبّبت نزولها، وأمّا صلة ذلك بالاستنباط فتتضح بالبيان التالي:


1 . مجمع البيان:5/126، طبعة صيدا.


( 266 )

التحلّل عن إحرام العمرة

إنّ المُحْرم بإحرام العمرة المفردة يتحلّل بأحد شيئين: الحلق والتقصير. يقول المحقّق: «ويتحلّل من العمرة المفردة بالتقصير والحلق أفضل».(1)

ويقول صاحب الجواهر بعد كلام المحقّق: «إجماعاً».

ثم استدل بقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه دعا للمحلّقين والمقصرين معاً، وهذا يدلّ على كفاية واحد منهما في التحلل عن الإحرام.(2)

روى المحدّث الحرّ العاملي عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في الرجل يجيء معتمراً عمرة مبتولة، قال: «يجزئه إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وحلق، أن يطوف طوافاً واحداً بالبيت، ومن شاء أن يقصّر قصّر».(3)

هذا كلّه حول إحرام العمرة المفردة وأنّ المُحرم يتحلّل بأحد الأمرين على ضوء الكتاب والحديث، إنّما الكلام في المحرم بإحرام الحج، وإليك بيانه.

التحلّل عن إحرام الحجّ

إذا أحرم الرجل للحج من المسجد الحرام أو من موضع من مكة المكرمة تحرم عليه عدّة أُمور وتحلّ أكثرها يوم النحر بأحد الأمرين: الحلق أو التقصير معيّناً أو مخيراً: وقد اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ غير الصرورة يتحلّل بأحدهما ولا يتعين عليه الحلق.

وأمّا الصرورة فالمشهور أنّه يتعيّن عليها الحلق، غير أنّ المحقّق الأردبيلي


1 . شرائع الإسلام:2/303.

2 . الجواهر:20/466.

3 . وسائل الشيعة:10، الباب9 من أبواب العمرة، الحديث1.


( 267 )

والمحقّق الخوئي ـ قدّس سرّهما ـ من المتأخرين ذهبا إلى التخيير بين الحلق والتقصير كغير الصرورة، واستدلّوا بالآية الماضية.

قال المحقّق الأردبيلي:«لعل المراد من الآية الإحلال بأحدهما في منى في الحجّ مطلقاً ثمّ دخوله في الطواف».(1)

وقد حمل المحقّق الأردبيلي«الواو» في قوله: (مُحَلِّقِينَ رُؤوُسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ)على التخيير.

وقال المحقّق الخوئي: ويدلّ على التخير إطلاق الآية المباركة: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرام إِنْ شَاءَ اللّهُ آمِنينَ مُحَلِّقِينَ رُؤوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ).(2)

فقد استدلّ(قدس سره) تبعاً للأردبيلي على أنّ المحرم بإحرام الحجّ حتّى الصرورة يتحلل بأحد الأمرين; وذلك:

1. أخذاً بإطلاق الآية بناء على إطلاقها وشمولها لكلا الإحرامين.

2. انّ قوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُؤوُسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ) كلاهما حالان من الضمير في «لتدخلن» وهما يبنيان حال الدخول في المسجد الحرام أي انّهم يدخلون المسجد في حالة حلقوا رؤوسهم أو قصّروا أظافرهم، ومن المعلوم أنّ تلك الحالة لا تتحقق إلاّ فيما إذا أحرم إلى الحجّ وحاول أن يدخل المسجد الحرام بعد أعمال منى.

وأمّا العمرة المفردة، فالمحرم يدخل المسجد الحرام قبل الحلق والتقصير كما هو واضح، وهذا دليل على أنّ الآية ناظرة إلى التحلّل من إحرام الحجّ.(3)


1 . زبدة البيان في أحكام القرآن:290.

2 . المعتمد:29/325.

3 . المعتمد:29/329، بتلخيص.


( 268 )

وبين الوجهين فرق واضح، فالأوّل منهما مبني على شمول الآية لكلا الإحرامين، والثاني منهما يخص الآية بخصوص إحرام الحجّ.

يلاحظ على الاستدلال: أنّ الآية ناظرة إلى خصوص العمرة المفردة، وذلك لأمرين:

1. اتّفاق المفسرين على شأن نزول الآية في العمرة المفردة ـ و عليه كتب السيرة(1)، فلا يمكن الاستدلال بالتخيير الوارد في الآية على كيفية التحلّل من إحرام الحج من غير فرق بين أن يكون المحرم صرورة أو غير صرورة.

2. إنّ صدر الآية شاهد على نزولها في العمرة، أعني قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ)، وليس هناك رؤية متعلّقة بفريضة الحج إلاّ ما رآه قبل عمرة القضاء، ومعه كيف يمكن الاستدلال بالتخيير الموجود في الآية على التخيير في التحلل عن إحرام الحج؟

وأمّا الدليل الثاني الّذي استند إليه المحقّق الخوئي من أنّ اللفظتين (محلقين) و (مقصرين)حالان عن الضمير المستتر في قوله: (لتدخلنّ)وهو يلازم تقدّم الحلق والقصر على الدخول كما هو الحال في الحجّ دون العمرة لتأخّرهما فيها.

فيلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مبنيّ على كون اللفظين حالين من الضمير المستتر في الفعل (لتدخلنّ).

وهناك احتمال آخر وهو أن يكون اللفظان حالين عن الضمير في قوله:(آمِنينَ إِنْ شاءَ اللّه)وتكون النتيجة أنّكم يعمكم الأمن في الحلق والتقصير دون أن يحيط بكم الخوف، وعلى ذلك يكون الحلق والتقصير متأخّرين عن


1 . السيرة النبوية لابن هشام:2/329.


( 269 )

الدخول.

ثمّ إنّ بعض المفسرين جعلوا اللفظين حالاً من الضمير المستتر في (لتدخلنّ) وقالوا: إنّ الأحوال الثلاثة (آمنين، محلقين، مقصّرين) تبيّن حال الداخلين المسجد الحرام لكنها بين كون بعضها حالاً موجودة وبعضها الآخر حالاً مقدرة، فالأمن حال موجودة، وأمّا الحلق والقصر فهما حالان مقدرتان.

قال ابن كثير قوله: (محلقين ومقصرين) حال مقدّرة، لأنّهم في حال دخولهم لم يكونوا محلقين ومقصرين وإنّما كان هذا في ثاني الحال، وكان منهم من حلق رأسه ومنهم من قصر.(1)

وليس القول بالحال المقدر أمراً بعيداً لتوفره في الألسن كقول القائل: رأيت رجلاً بيده صقر صائداً به غداً.

فتلخص من ذلك أنّ دراسة تاريخ الحديبية وعمرة القضاء وما نزل فيها من الآيات تصدّ الفقيه عن الإفتاء بالتخيير بين الحلق والتقصير في التحلل عن إحرام الحج لأجل هذه الآية، بل عليه طلب الدليل على التخيير من السنة وغير ذلك.

2. المسح على الخفّين وحديث جرير بن عبد اللّه

اتّفق المفسرون على أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم). روى الحاكم عن جبير بن نفيل، قال حججتُ ودخلتُ على عائشة، وقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، قالت: أما إنّها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه وما وجدتُم من حرام فحرّموه.(2)


1 . تفسير القرآن الكريم:3/201.

2 . المستدرك على الصحيحين:2/311.


( 270 )

ومن الآيات الواردة فيها آية الوضوء الّتي تأمر بغسل الوجوه والأيدي والمسح بالرؤوس والأرجل.

يقول سبحانه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).(1)

وعلى ضوء الآية يجب المسح على بشرة الأرجل ولا يجزي المسح على الخفّين، غير أنّ لفيفاً من فقهاء السنة أجازوا المسح على الخفين في حال الاختيار، وأنّ المكلّف مخيّر بين مباشرة الرجلين في الغسل، والخفين بالمسح، واستدلّوا برواية جرير بن عبد اللّه البجلي:

روى مسلم في صحيحه عن إبراهيم عن همام قال: بال جرير ثم توضأ، ومسح على خفيه فقيل: تفعل هذا؟ قال: نعم. رأيت رسول اللّه بال، ثمّ توضأ ومسح على خفّيه.(2)

نحن لا نحوم حول سند الرواية لأنّها مرويّة في أحد الصحيحين عند أهل السنّة والصحيحان عندهم لا يقبلان الخدش، كما لا نحوم حول جواز نسخ القرآن بالسنة المروية بخبر الواحد، إذ لو صحّ خبر «جرير» لزم أن يكون الحديث ناسخاً للقرآن الكريم مع أنّ الحقّ عدم جواز نسخ القرآن وحتّى تخصيصه بخبر واحد، لأنّ القرآن أعلى منزلة وأرفع شأناً من أن يُخصَّص أو يُنسَخ بخبر الواحد الظنّي. نعم يصحّ تبيين إجمال الآية بخبر الواحد وكم فرق بين التبيين، والنسخ والتخصيص.

وإنّما نحوم حول أمر آخر وهو أنّ الاستدلال بسيرة النبي في وضوئه ولو مرّة


1 . المائدة:6.

2 . شرح صحيح مسلم للنووي:3/164ـ 165، الحديث27.


( 271 )

واحدة في حديث جرير فرع ثبوت أمرين:

1. أن يكون إسلام جرير بعد نزول سورة المائدة.

2. أن يكون عمل النبي ومسحه على خفّيه في هذه الفترة.

فلو ثبت الأمر الأوّل، لثبت الأمر الثاني، لأنّه إنّما نقل ما شاهده بعد أن أسلم والتحق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن الأمر الأوّل غير ثابت بل ثبت خلافه، وذلك أنّ الشعبي حدّث عن جرير أنّه قال: قال لنا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ أخاكم النجاشي قد مات» وهذا يدلّ على أنّ إسلام جرير كان قبل السنة العاشرة، لأنّ النجاشي مات قبل ذلك. قال الذهبي: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)للناس: إنّ أخاكم قد مات بأرض الحبشة فخرج بهم إلى الصحراء وصفّهم صفوفاً، ثمّ صلّى عليه ، فنقل بعض العلماء انّ ذلك كان في شهر رجب سنة تسع من الهجرة.(1)

وعلى ضوء هذا فلا يصحّ الاحتجاج بخبر جرير، لأنّه من المحتمل جدّاً أن يكون عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل نزول سورة المائدة فنسخته السورة، كما قال علي(عليه السلام):«سبق الكتاب الخفين».(2)

3. تحليل المتعة عام أوطاس

نقل عن غير واحد من أهل السنة: أنّ المتعة شرّعت في عام الفتح، ثلاثة أيام ثم نُهي عنها. اعتماداً على ما أخرجه مسلم عن أياس بن سلمة عن أبيه قال: رخّص رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عام أوطاس في المتعة ثلاثاً ثمّ نهى عنها.(3)


1 . سير أعلام النبلاء:1/443، برقم 86.

2 . الوسائل:1، الباب38 من أبواب الوضوء، الحديث5 ويظهر من الحديث انّ كلمة الإمام علي(عليه السلام) كانت معروفة دارجة على الألسن.

3 . صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.


( 272 )

أقول: نحن لا نحوم حول عقد المتعة وما هي ماهيتها وشروطها وأنّه كيف حرّمت بعد رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّا قد استوفينا البحث فيها في بعض كتبنا(1)، غير أنّا نركز في هذا الموقف على أنّ هذا الحديث لا يمكن الاستدلال به على تحريم المتعة، لأنّه يخالف التاريخ القطعي لنزول قوله سبحانه: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).(2)

قال الرازي في تفسير الآية: إنّ الأُمّة مجمعة على أنّ نكاح المتعة كان جائزاً في الإسلام ولا خلاف بين أحد من الأُمّة فيه، إنّما الخلاف في طريان الناسخ.

وقد اتّفق مفسّرو الشيعة وكثير من مفسّري السنة على أنّ قوله سبحانه:(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ). نزلت في المتعة، وإليك أسماء من قالوا بنزول الآية في عقد المتعة، مضافاً إلى كتب الصحاح والسنة:

أمّا من الصحاح والسنن، فقد ذكره البخاري ومسلم في صحيحهما، كما ذكره أحمد في مسنده، باسنادهم عن عمران بن حصين.(3)

وأمّا من التفاسير فقد جاء في الكتب التالية عند تفسير الآية:

1. أحكام القرآن للجصاص:2/178.

2. تفسير البغوي:1/423.

3. تفسير الزمخشري:1/360.

4. تفسير القرطبي:5/130.


1 . الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف:1/481ـ 551.

2 . النساء:24.

3 . انظر صحيح البخاري:4/1642، الحديث 424; صحيح مسلم:3/71، الحديث172، كتاب الحجّ، مسند أحمد:4/436 و ج5/603.


( 273 )

5. تفسير الرازي:3/200.

6. تفسير الخازن:1/357.

7. تفسير البيضاوي:1/269.

8. تفسير أبي حيان:3/217.

9. تفسير ابن كثير:1/140.

10. تفسير أبي السعود:3/251.

فقد نقل هؤلاء نزول الآية في عقد المتعة، وإن اختلفوا في كونها منسوخة أو لا.

والهدف من هذه النقول أنّ أكثر المفسرين اتفقوا على أنّ عقد المتعة أحلّ بالآية المباركة في سورة النساء، وهي من السور الّتي نزلت في أوائل الهجرة، وورد فيها احتجاج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على أهل الكتاب كما هو واضح لمن قرأ السورة بإمعان.

وأين أوائل الهجرة من عام الفتح الّذي هو عبارة عن العام الثامن؟

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ ما نقله مسلم في صحيحه عن أياس بن مسلم عن أبيه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)رخص في المتعة عام أوطاس مخالف للتاريخ الصريح القاطع بانّها أحلّت بقوله سبحانه:(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ)، وقد نزلت الآية في أوائل الهجرة لا في أواخرها، وهل الراوي كان جاهلاً بالتاريخ، وعلى أي تقدير لا يصلح الإفتاء على وفقها؟!

4. الجهر بالبسملة في الصلوات النهارية

المشهور بين فقهاء الشيعة استحباب الجهر بالبسملة في الصلوات النهارية وهذه سيرة مستمرة بينهم، وقد عدّ في بعض الروايات الجهر بها من علائم


( 274 )

الإيمان، وقد وردت هناك إطلاقات تعمّ الصلوات النهارية أيضاً.

روى حنان بن سدير قال: صليت خلف أبي عبد اللّه(عليه السلام) فتعوذ بإجهار ثمّ جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم.(1)

2. في حديث الأعمش عن جعفر بن محمد(عليه السلام) في حديث«شرائع الدين» قال: والإجهار ببسم اللّه في الصلاة واجب.(2)

إلى غير ذلك من الأحاديث الحاثّة على الجهر بالبسملة على وجه الإطلاق.

هذا وأنّ سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي(قدس سره) كان يرى أنّ الجهر بالبسملة في الصلوات النهارية على خلاف الاحتياط، قائلاً بأنّ هذه الإطلاقات ناظرة إلى عمل أهل السنة حيث إنّهم كانوا يسرّون البسملة في الصلوات الّتي يجهر فيها ، أو لا يقرأونها بتاتاً.

أخرج مسلم عن شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس قال: صليت مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم.

وأخرجه أيضاً بسند آخر عن أنس بن مالك أنّه قال: صلّيت خلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ«الحمد للّه ربّ العالمين» لا يذكرون بسم اللّه الرحمن الرحيم في أوّل قراءة ولا في آخرها.

ولعلّ من أشاع ترك البسملة أو الإسرار بها هو معاوية، ولذلك كان علي (عليه السلام) يجهر بالبسملة، أخرج الحاكم: أنّ أنس بن مالك قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة فيها بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لأُمّ القرآن ولم يقرأ


1 . وسائل الشيعة:4، الباب21 من أبواب القراءة، الحديث3.

2 . وسائل الشيعة:4، الباب21 من أبواب القراءة، الحديث5.


( 275 )

بسم اللّه الرحمن الرحيم للسورة الّتي بعدها حتّى قضى تلك القراءة فلما سلّم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كلّ مكان: أسرقتَ الصلاة أم نسيتَ؟ فلمّا صلّى بعد ذلك قرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم للسورة الّتي بعد أُمّ القرآن وكبّر حتّى يهوى ساجداً.(1)

ولذلك نرى أنّ الرازي يقول في تفسيره: أنّ علي بن أبي طالب كان يجهر بالبسملة فقد ثبت بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): اللّهم أدر الحقّ مع عليّ حيث دار.(2)

والحاصل: انّ مراجعة التاريخ تدلّ على أنّه كان هناك جدال ونقاش بين الأمويين، وعلي وشيعته، وكان علي وأتباعه مصرين على الإجهار والأمويين على ضدهم.

ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ البروجردي يجعل هذه النقطة التاريخية دليلاً على انصراف الإطلاقات الّتي ورد فيها الجهر بالبسملة إلى الصلوات الّتي يجهر فيها بالبسملة ولا تشمل الصلوات النهارية.

أقول: ما ذكره سيد مشايخنا(رحمه الله)أمر دقيق حيث يخطّط لنا طريقة الاستنباط وأنّ على الفقيه في مواضع خاصة الرجوع إلى التاريخ.

لكن ما استنتجه في المقام إنّما يصحّ إذا كانت الروايات الواردة الآمرة بالجهر مختصة بالإطلاقات، وهي منصرفة إلى الصلوات الجهرية ولكن هناك روايات خاصة واردة في الجهر بالبسملة حتّى في الصلوات النهارية، ذكرها الحرّ العاملي في وسائل الشيعة نتبرك بذكر واحدة منها:


1 . التفسير الكبير:1/204.

2 . نفس المصدر:1/204.


( 276 )

روى الكليني عن صفوان الجمّال، قال: صلّيت خلف أبي عبد اللّه (عليه السلام)إماماً فكان إذا كانت صلاة لا يجهر فيها جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، وكان يجهر في السورتين معاً.(1)

هذه نماذج من المسائل الّتي كان للعلم بالحوادث المحيطة بها دور في استنباط أحكامها، وعليك أن تسير على ضوئها وتضيف إليها المسائل الّتي لا تسكن النفس فيها إلاّ إذا رجع إلى التاريخ.


1 . وسائل الشيعة:6، كتاب الصلاة، الباب11 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث1.


( 277 )

9

طلاق المرأة وهي حائض وتزويجها برجل آخر

سماحة العلاّمة الحجّة الشيخ زين العابدين قرباني

دامت معاليه وتواترت بيض أياديه

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

وصل إلينا من مكتبكم سؤال عبر الفاكس فنزلنا عند رغبة المكتب و قمنا بتحرير الجواب التالي:

طلاق المرأة وهي حائض وتزويجها ـ بعد العدة ـ برجل آخر

مسألة: لو طُلّقت المرأةُ وهي حائض ـ مع الجهل بالحكم ـ ثم تزوّجت ـ بعد خروج العدّة ـ برجل ودخل بها فولدت، فما حكمها بالنسبة إلى زوجها الثاني وما حكم ولدها.

الجواب: الطلاق باطل، والعقد وقع على ذات البعل، والدخول محكوم بالشبهة، والولد ولد حلال يرث ويُورث.

وإليك التفاصيل:

أمّا الأوّل: أي انّ الطلاق باطل، فلأنّ طلاق الزوجة وهي حائض باطل


( 278 )

عند الإمامية وعند بعض من فقهاء أهل السنة، وإطلاق الدليل يقتضي البطلان من غير فرق بين العلم بالحكم والجهل به، فيكفي في ثبوت الإطلاق، ما ورد في الكتاب والسنّة حول شرطية الطهارة من الحيض لصحّة الطلاق.

ففي الكتاب قوله سبحانه:(يا أَيُّهَا النَّبِي إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ).(1)

فإن قلنا: بأنّ العدّة عبارة عن الأطهار الثلاثة، فدلالة الآية على شرطية الطهارة لصحّة الطلاق واضحة، و«اللام» امّا بمعنى «في» أي طلّقوهنّ في الزمان الّذي يصلح لئن يعتددن، أو بمعنى «لام الغاية» أي طلّقوهنّ لغاية الاعتداد. وإطلاق الآية كاف في ثبوت شرطية الطهارة من الحيض في حالتي العلم والجهل.

وإن قلنا بأنّ العدة عبارة عن الحيضات الثلاث، فبما انّ الحيضة الّتي تطلق المرأة فيها لا تحسب من العدة إجماعاً من عامّة الفقهاء ـ وإن صحّ الطلاق عند بعضهم ـ يكون المراد مستقبلات لعدتهن، ولا يصدق الاستقبال للعدة (الحيضات الثلاث) إلاّ إذا وقع الطلاق في الطهر، حتّى تكون مستقبلة لها.

وعلى كلّ تقدير فالآية مطلقة، يؤخذ بها ما لم يدل دليل على التقييد.

على أنّ الإجماع منعقد على اشتراك العالم والجاهل في الأحكام إلاّ في موضعين كالإتمام مكان القصر (لا العكس) والجهر مكان المخافته وبالعكس.

أمّا السنّة فقد تضافرت الروايات من الفريقين على أنّ عبد اللّه بن عمر طلق زوجته ثلاثاً وهي حائض، فأبطله رسول اللّه.

ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): قال من طلق امرأته ثلاثاً في مجلس وهي حائض فليس بشيء، وقد ردّ رسول اللّه طلاق عبداللّه بن عمر إذ طلّق


1 . الطلاق:1.


( 279 )

امرأته ثلاثاً وهي حائض وأبطل رسول اللّه ذلك الطلاق وقال: «كلّ شيء خالف كتاب اللّه فهو ردّ إلى كتاب اللّه» وقال: «لا طلاق إلاّ في عدّة».(1)

ويظهر من الذيل انّ وجه الإبطال وقوع الطلاق في الحيض الّتي لا تحسب عدة في عامة المذاهب. واحتمال كون الإبطال لأجله تعدد الطلاق في مجلس واحد، مرفوض، لأنّ الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد صحيح لكن يحسب واحداً. ـ مضافاً ـ إلى أنّ ذيل الحديث صريح في أنّ وجه البطلان وقوعه في ا لحيض الذي لا يحسب عدة وإنّما يحسب إذا وقع الطلاق في الطهر فتكون الحيضة الأُولى عدة.

وقد روى حديث طلاق ابن عمر زوجته في الحيض وإبطال رسول اللّه إيّاه البيهقي في سننه.(2) ولم يكن طلاقه عن علم بالحكم، بل عن جهل به كما هو واضح.

فإن قلت: إذا شككنا في شرطية الطهارة عن الحيض عند الجهل بحكمها يكون المورد مجرى لقوله:«رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون» فيحكم بصحّة الطلاق حينئذ.

قلت: دليل البراءة محكوم بالدليل الاجتهادي في المقام عموماً وخصوصاً.

أمّا الأوّل فلإطلاق دليل شرطية الطهارة عن الحيض لصحّة الطلاق في الكتاب والسنّة.(3) وليس لدليل المشروط نظير قوله(عليه السلام)«الطلاق أن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق(4) إطلاق حتّى يتحقق التعارض بين إطلاق دليل الشرط


1 . الوسائل:15، الباب8 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث7. ولاحظ في نفس الباب رقم 1و 4 و 8 و 9.

2 . لاحظ السنن:7/324ـ 325.

3 . الوسائل:15، الباب8 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.

4 . الوسائل:15، الباب16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث7.


( 280 )

الدالّ على شرطية الطهارة في صورة الجهل، وإطلاق دليل المشروط الدال بإطلاقه على عدم الشرطية في هذه الحالة.

وأمّا الثاني، فلحديث ابن عمر المتضافر، فقد حكم النبي ببطلان طلاقه مع جهله بالحكم كما مرّ.

***

أمّا الثاني: أي انّ العقد وقع على ذات البعل فقد اتّضح ممّا ذكرنا فإذا كان الطلاق باطلاً تكون المرأة في حبال الزوج السابق، ومن عقد عليها فقد عقد على ذات البعل، وحكمه واضح وهو انّه لو تزوجها ـ وهي ذات بعل ـ مع العلم بالموضوع، فالتزوّج باطل وهي محرمة عليه مؤبداً سواء دخل بها أم لم يدخل.

ولو تزوّجها مع الجهل بالموضوع لم تحرم عليه إلاّ بالدخول بها.

وقد ألحق المشهور التزويج بذات البعل بالتزويج في العدة في التفصيل المذكور إمّا من باب القياس الأولويّ، لأنّ علاقة الزوجية أقوى من علاقة الاعتداد. أو بالنصوص الواردة في المسألة، (التزويج بذات البعل) وهي على قسمين:

تارة ينزّل العقد على المعتدّة مكان العقد على ذات البعل.

وأُخرى يبيّن حكم العقد على ذات البعل من دون تعرّض للتنزيل.

أمّا الأوّل: فهو ما رواه حمران بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة تزوجت في عدّتها بجهالة منها بذلك... إلى أن قال: ـ إن كانت تزوجته في عدة لزوجها الّذي طلقها عليها، فيها الرجعة فإنّي أرى أنّ عليها الرجم»(1)، فالرواية تتلقى العقد على المعتدة أنّه عقد على ذات البعل، ويكون الحكم في المنزل عليه


1 . الوسائل:14، الباب17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث17.


( 281 )

أقوى من الحكم في المنزل، فإذا ثبت الحكم في المنزّل يثبت في المنزّل عليه بوجه أولى.

ومن المعلوم أنّ العقد على المعتدة مع الجهالة إذا كان مع الدخول تحرم أبداً، فيكون العقد على ذات البعل في هذه الصورة مثل العقد على المعتدّة.

وأمّا الثاني: أي ما يبيّن حكم العقد على ذات البعل من دون تعرض للتنزيل فقد وردت فيه روايات أربع، اثنتان منها واردة في العقد على المعتدّة مع الجهل بالموضوع، ومقتضى إطلاقهما نشر الحرمة مطلقاً سواء دخل بها أو لا، والأُخريان وردتا في نفس الموضوع لكن تخصّ الحرمة بصورة الدخول، ومقتضى القاعدة تخصيص الأُوليين بالأُخريين.

أمّا الأوّلتان فهما:

1. موثق أديم الحرّ قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «الّتي تزوجت ولها زوج يفرق بينهما ثمّ لا يتعاودان».(1)

2. مرفوعة أحمد بن محمد: انّ رجلاً تزوج امرأة وعُلِم أنّ لها زوجاً فُرّق بينهما ولم تحل أبداً.(2)

ومصب الروايتين، هو الجاهل بالموضوع، إذ من البعيد، بل النادر أن يعقد المسلم في المجتمع الإسلامي على ذات البعل، وإنّما يعقد عليها لأجل الجهل به، كما إذا أتاه الخبر بأنّها مات زوجها أو طلقها فحصل اليقين بعدم المانع فعقد عليها ثمّ تبيّن الخلاف.

وهاتان الروايتان مطلقتان تعمّان صورة الدخول وعدمه.


1 . الوسائل:14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث1.

2 . الوسائل:14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث10.


( 282 )

وأمّا الأُخريان فهما صحيحتان لزرارة أو موثقتان له.

3. عن أبي جعفر(عليه السلام) في امرأة فُقِد زوجها أو نُعي عليها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلّقها قال: «تعتد منهما جميعاً ثلاث أشهر عدة واحدة وليس للآخر أن يتزوجها أبداً».(1)

ومصبّ الرواية هو الجاهل بالموضوع المقرون بالدخول بشهادة قوله: «تعتد منهما» وليس في الرواية شيء يشكل سوى الحكم بكفاية عدة واحدة وهو على خلاف المشهور.

4. عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:إذا نُعي الرجل إلى أهله أو أخبروها أنّه قد طلقها فأعتدت ثم تزوجت فجاء زوجها الأوّل فانّ الأوّل أحقّ بها من هذا الأخير دخل بها أم لم يدخل بها، وليس للآخر أن يتزوجها أبداً، ولها المهر بما استحلّ من فرجها».(2)

ومورد الرواية هو المدخولة بشهادة قوله:«ولها المهر بما استحل من فرجها».

وأمّا قوله: «دخل بها أم لم يدخل بها» فالتسوية راجعة إلى ما تقدّم، أعني: «فإنّ الأوّل أحقّ بها من هذا الأخير» وليست راجعة إلى قوله:«وليس للآخر أن يتزوجها أبداً» بل هو مختص بصورة الدخول.

فمقتضى القواعد تقييد إطلاق الأُوليين بما ورد من القيد في الأخيرين فتكون النتيجة هي التفصيل في صورة الجهل بين الدخول فتحرم أبداً، وعدمه فلا تحرم.

هذا حكم الجاهل، وأمّا العالم بالموضوع فحكمه هو أنّها تحرم مطلقاً دخل


1 . الوسائل:14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث2.

2 . الوسائل:14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث6.


( 283 )

بها أم لم يدخل، أخذاً بالتنزيل فإنّ العقد على المعتدّة مع العلم يورث الحرمة مطلقاً، فكذلك ما هو أولى منه أعني العقد على ذات البعل.

وقد عرفت في رواية حمران أنّ الإمام نزّل المعتدّة منزلة ذات البعل.

بقي هنا روايتان ربما يتوهم كونهما معارضين لما سبق، وهما:

1. صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة ولها زوج وهو لا يعلم، فطلقها الأوّل أو مات عنها، ثمّ علم الأخير، أيراجعها؟ قال: «لا، حتّى تنقضي عدّتها».(1)

والظاهر عدم المعارضة، لأنّ الرواية خاصة بالجاهل بالموضوع بشهادة قوله:«ثم علم الأخير»، ومطلقة تعم صورتي الدخول وعدمه، وعندئذ يفيد إطلاقها بما ورد في الأخيرتين من الحرمة الأبدية في صورة الدخول.

2. صحيحة الآخر: قال سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة، ثم استبان له بعد ما دخل بها انّ لها زوجاً غائباً فتركها، ثمّ إنّ الزوج قدم فطلقها أو مات عنها، أيتزوجها بعد هذا الّذي كان تزوجها، ولم يعلم انّ لها زوجاً، قال (عليه السلام):«ما أحب له أن يتزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره».(2)

وجه المعارضة:

1. انّ قوله:«ما أحبّ له أن يتزوّجها» ظاهر في الكراهة، وأين هي من الحرمة الأبدية؟!

2. تجويز التزوّج بها، بعد أن تنكح زوجاً غيره.

يلاحظ على الأوّل: أنّ هذا التعبير في لسان أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أعمّ من


1 . الوسائل:14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث3.

2 . الوسائل:14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث4.


( 284 )

الكراهة المصطلحة كما في نظيره:«لا ينبغي»، فقد ادّعى صاحب الحدائق ظهوره في الحرمة، أو عدم ظهوره في الكراهة المصطلحة.

يلاحظ على الوجه الثاني: بأنّه وإن كان ظاهراً في جواز التزويج، لكن لا يمكن الأخذ بهذه الرواية لاشتمالها على ما يخالف الإجماع أو القدر المتيقن من هذه الروايات، وذلك لأنّ ظاهر الرواية انّ المرأة كانت عالمة بالموضوع غير جاهلة به حيث قال:«ثم استبان له بعد ما دخل بها انّ لها زوجاً غائباً فتركها» حيث خصّ الاستبانة بالزوج دون الزوجة، ومن المعلوم حرمة التزويج بذات البعل عند العلم مطلقاً، فكيف مع الدخول، فالرواية معرض عنها.

قال السيّد الاصفهاني: يلحق بالتزويج في العدّة في إيجاب الحرمة الأبدية، التزويج بذات البعل فلو تزوّجها مع الجهل لم تحرم عليه إلاّ مع الدخول بها.(1)

وأمّا الثالث: أي انّ الدخول محكوم بالشبهة وليس من أقسام الزنا، فلأنّه دخل بها على أنّها زوجته الشرعية. فيكون من مقولة الوطء بالشبهة، فتكون الثمرة أيضاً، ولداً شرعياً، فهو يَرثُ ويُورث. واللّه العالم.

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم المقدسة

20رجب المرجب 1427هـ


1 . وسيلة النجاة، فصل النكاح في العدّة، المسألة5، ص 333، الطبعة الثامنة.


( 285 )

الفصل الثالث

في المسائل

التاريخية والاجتماعية

1. الدعوة إلى إقامة الذكرى المئوية السابعة لرحيل العلاّمة الحلّي (قدس سره)

2. تعقيب على مقال: انتفاضة إقليم الأحواز

3. المؤرخ الزرقاوي والمصير الأصفهاني

4. تعقيب على مقال: المؤرخ الزرقاوي والمصير الأصفهاني

5. رسالة مفتوحة إلى الأمين العام لمنظة الأُمم المتحدة

6. الأواصر العلمية بين علماء الشيعة والسنّة وشرح العلاّمة الحلّي لمختصر الحاجبي

7. رسالة الأُستاذ الفذ الدكتور عبدالوهاب إبراهيم حول المقال السابق

8. الإلهيات ودورها في سدّ الفراغ الفكري

9. تعليق على مقال الدكتور عبدالكريم عكيوي «تعقيب على تعقيب»

10. نظرة على كتاب «حقيقة وليس افتراء»

11. الحنابلة وتأجيج نار الفتنة عَبْر التاريخ


( 286 )

( 287 )

1

الدعوة إلى إقامة

الذكرى المئوية السابعة

لرحيل العلاّمة الحلّيّ (قدس سره)

إنّ تقدير العلماء وتخليد ذكرهم يُعدّ من صفات الأُمم الراقية والمجتمعات الواعية، لأنّه يُساهم في تكريس قيمة العلم، وإعلاء دوره ومكانته، وفي جعل العالِم في موضع الأُنموذج والقدوة الّتي تُحتذى، ممّا يحفِّز هِمم الأجيال الصاعدة للتسابق إلى كسب العلم، وإحراز المواقع المتقدّمة في ميادينه.

كما أنّ تجديد ذكرى العلماء المتميّزين يوجّه أنظار أبناء الأُمّة إلى آرائهم وعطائهم ومواقفهم، فتصبح محوراً للدراسة والاهتمام، ومورداً للبحث والاستلهام.

ولأجل ذلك، نرى المجتمعات المتقدّمة تبتكر مختلف الأساليب والوسائل لتقدير وتخليد عظمائها وعلمائها، كعقد المؤتمرات لدراسة أفكارهم وآرائهم، ورصد الجوائز التقديرية بأسمائهم، والسعي إلى إبرازهم على المستوى العالمي كرموز وشخصيات عالمية تستقطب الاهتمام والاحترام على الصعيد البشري


( 288 )

العامّ.

وفي تاريخ أُمّتنا الإسلامية الحضاري والعلمي كفاءات عظيمة وشخصيات رائدة لكنّها لم تنل ما يناسب حقّها ومكانتها من الاحترام والتقدير، فأغلب تلك الكفاءات واجهت في حياتها المشاكلَ والصعوبات من قبل الحاكمين المستبدِّين، والحاسدين الحاقدين، والجهلاء الغوغائيين; وبعد وفاتها قوبلت بالتجاهل والإهمال.

لقد ضاع كثير من تراث علمائنا السابقين، ولا يزال قسم كبير منه مخطوط يتراكم عليه الغبار، ولم تُتَح له فرصة النشر والظهور.

وكم من أفكار عميقة، وآراء دقيقة، ونظريات ثريّة، تفتّقت عنها أذهان علماء أفذاذ، تستحق الدراسة والبحث، وأن تُعقد حولها المؤتمرات، ولكنّها بقيت مركونة مهملة بسبب أجواء التخلّف الّتي أبعدتنا عن الاهتمام بتقدير العلماء وتخليد ذكراهم، فكان في ذلك حرمان لأجيال الأُمّة، وخسارة لمستقبلها في العلم والمعرفة.

وفي طليعة علماء الأُمّة الأفذاذ الذين يستحقّون أعلى درجات التقدير والتمجيد و التخليد، نابغة عصره ونادرة دهره آية اللّه العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الأسدي (648ـ 726هـ).

لقد ظهر نبوغه العلمي في حداثة سنِّه، وانتهت إليه زعامةُ الشيعة الإماميّة الذين لا يلقون أزمة أُمورهم ومرجعيتهم الدينية إلاّ للمتفوّق على أهل زمانه في العلم والفضل.

كان(رحمه الله) كتلة من النشاط والحركة العلمية الدائبة طوال حياته الشريفة، لم يترك البحث والتأليف حتّى في حالة السفر وركوب الدابة.


( 289 )

ومـن أهم نقاط تميّزه العلمي، عمق أبحاثه ودقّة تحقيقاته وثراء عطائه في مجال الأُصولين: أُصول الدين وأُصول الفقه، حيث تبلغ مؤلّفاته في هذين الحقلين أكثـر من ثلاثين كتابـاً، بعضهـا يقـع فـي عدة مجلـدات، إضافـة إلـى كتاباته المختلفـة فـي سائـر مجالات العلوم، كمؤلّفاته الكثيرة العميقة في الفقه الإسلامي.

ولو لم يكن من عطاء العلاّمة الحلّي إلاّ كتابه «نهاية الوصول إلى علم الأُصول» لكفى ذلك في إظهار عبقريته، وإبراز تفوّقه، وكشف عمق تفكيره وسعة معارفه، وإحاطته بالآراء المطروحة في المسائل الأُصولية في زمانه.

كما يكشف الكتاب عن مستوى أخلاقي متقدّم لدى العلاّمة الحلّي يتجلّى في أمانة نقله لآراء الآخرين، واجتهاد في فهم مقولاتهم على أفضل فروض الصحة ما أمكن. ثمّ التزام النهج العلمي والموضوعية في مناقشة الآراء بعيداً عن التعصّب والإنحياز، إلاّ إلى ما يقود إليه الدليل الصادق والبرهان الصحيح.

إنّ هذا النهج في البحث العلمي والحوار الموضوعي الّذي سلكه العلاّمة الحلّي وأرسى قواعده في كتاباته المختلفة لهو النهج الّذي تحتاجه الأُمّة لتجاوز حالات القطيعة والنزاع بين طوائفها واتّباع مذاهبها الإسلامية المختلفة.

فالتعارف الصحيح الّذي يوضح صورة كلّ طرف أمام الآخر على حقيقتها، وليس من خلال الإشاعات والاتّهامات الباطلة، هو الأرضية المناسبة للتقارب والتوصل بين فئات الأُمّة على تنوّع مشاربها ومذاهبها، كما يقول الإمام شرف الدين: إنّ المسلمين إذا تعارفوا تآلفوا.

كما أنّ الحوار العلمي الموضوعي شرط ضروري لإثراء المعرفة، وبلورة الرأي والاقتراب من موقع الحقيقة والصواب.


( 290 )

ومن توفيق اللّه تعالى لمؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) أن تقوم بتحقيق هذا الكتاب وتقديمه إلى عالم الفكر والمعرفة بطباعة أنيقة جميلة.

***

ونودّ الإشارة أخيراً إلى أنّ هذا العام(1426هـ) يصادف الذكرى المئوية السابعة لوفاة العلاّمة الحلّيّ سنة (726هـ)، لذا نهيب بحوزاتنا العلمية، ومؤسّساتنا الدينية، أن تستثمر هذه المناسبة في الاحتفاء بذكرى هذا الطود العظيم في العلم والمعرفة، الّذي كرّس حياته للدفاع عن خط أهل البيت (عليهم السلام)وتبيين معالم مدرستهم في العقيدة والشريعة.

ومن أهم مظاهر الاحتفاء بذكرى العلاّمة الحلي الاهتمام بتحقيق وطبع تراثه العلمي ونتاجه المعرفي على شكل موسوعة كاملة، وترجمة بعض مؤلّفاته إلى اللغات العالمية الحيّة، ليرى المفكرون المعاصرون سعة أُفق الفكر الإسلامي وعمق مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).

كما أنّ عقد مؤتمر علمىّ في هذه المناسبة لدراسة حياة هذا الرجل العظيم وقراءة أفكاره وآرائه، سيبعث حركة وموجاً ثقافياً فكرياً في أوساطنا العلمية وساحتنا الإسلامية.

رحم اللّه العلاّمة الحلّي وأعلى درجته ومقامه، ووفق اللّه العاملين في خدمة الدين والعلم، لمواصلة مسيرته المقدسة، وتخليد ذكراه العطرة، بإحياء آثاره وعلومه.

والحمدللّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم المقدسةـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

10ربيع الأوّل 1426هـ


( 291 )

2

تعقيب على مقال: انتفاضة إقليم (الأحواز)

في العدد(474 ) من مجلة «الشريعة» الأُردنية المؤرّخ جمادى الاولى 1426 نُشر مقال بعنوان «انتفاضة إقليم الأحواز» أبرز كاتبه فيه النفس الطائفي المذموم في تعامله مع الأحداث السياسية والتاريخية، وتحدّث بلغة طائفة داعياً أهل إقليم (خوزستان) في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى التحرك والاستقلال ـ كما يدّعيه ـ عن الحكم الفارسي.

وقد تصـدّى أحـد محّققي مؤسسـة الإمام الصادق(عليه السلام) للرد على هذا المقال الكاذب ونشرته المجلة في عددها المرقم«480»المؤرخ شوال 1426هـ.

وهانحن نكتفي هنا بذكر الرد والّذي يوضح ما جاء في مقال المجلة.

إنّ الكلمة مسؤولية وأمانة أمام اللّه سبحانه والناس والضمير، وتتضاعف تلك المسؤولية كلّما اقترب شعار صاحبها من الدين والشريعة والقيم السماوية العليا، وخاصة إذا اقترن الشعار باسم أو بمفهوم مقدّس يحمل طابعاً إسلامياً وأخلاقياً وتربوياً، وهذا ما يصدق على مجلة «الشريعة» الغرّاء الّتي حينما يتناولها القارئ. يجد أنّها عُرفت بمجلة البيت الإسلامي، وأنّها تحمل الآية الكريمة (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)شعاراً لها،


( 292 )

هذا من جانب ومن جانب آخر ينظر فيرى أنّ مؤسسها هو المرحوم تيسير ظبيان الكاتب الإسلامي المعروف ومديرها العام هو الدكتور قيس ظبيان... كلّ هذه المؤشرات تقود القارئ إلى أنّه سوف يتصفّح مجلة إسلامية ملتزمة بكتاب اللّه وسنّة نبيه، وسائرة على هدى الإسلام في نبذ العصبية القومية وعدم إلقاء التهم والأقاويل في غير موقعها وبدون دليل، كما أنّه يتوقع أن يجد هذه المجلة تنظّر للوحدة الإسلامية وتدعو إليها وترصّ صفوف المسلمين للوقوف بوجه أعدائهم، لا أن تنشر ـ و للأسف ـ مقالات سبق أن قرأنا أمثالها كثيراً في مجلات كان يمولها رئيس نظام مقبور ما نفع بلاده وجرّ على شعبه الويل والثبور.

إنّ ما يرجوه المثقف العربي المسلم من صحفنا ومجلاتنا هو:

1. الانطلاق من مفاهيم الشريعة السمحاء، والتقاطع مع كلّ ما لا ينسجم مع الشريعة، وعلى رأس هذه الأُمور الابتعاد عن منطق العصبية القومية أو العرقية. وإنّ القضاء عليها وإزالتها من النفوس ـ الّتي نشأت عليها قروناً متطاولة ـ كان أحد مهام الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).

2. الاعتماد على الواقعية وتحرّي الحقيقة، والابتعاد عن الظن والتخمين والحدس، وذلك بالاستناد إلى لغة الدليل والبرهان الّذي يوفر للمقال صفتي الإقناع وإمكانية الدفاع.

3. الاتصاف بالشمولية الّتي تنطلق من البعدين الإنساني والديني متّخذة من قوله تعالى: (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ...)، وقوله تعالى: (وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)... شعاراً لها.

ومن المسلم به أنّه ينبغي لكلّ مجلة أو صحيفة المحافظة على سمعتها


( 293 )

وسمعة رجالها ومحرّريها، خاصة إذا كانوا بمستوى رجال ومحرّري مجلة الشريعة.

إلاّ أنّنا وللأسف الشديد فوجئنا بمقال نشر في هذه المجلة أحبط آمالنا فيها، إذ أنّه لا يتوفر فيه الحد الأدنى من الشروط الّتي أوردناها.

إنّ من يتصفّح العدد رقم 474 من مجلة الشريعة وفي صفحاتها الأُولى يستلفت نظره على مقال، كُتب تحت عنوان: (وراء الاحداث) يتحدث فيه كاتبه والّذي لم يذكر اسمه ـ و كأنّه أحد أعضاء أُسرة التحرير ـ عمّا ادعاه «معاناة» عرب الأحواز أو إقليم عربستان.

وقد يطالبنا القارئ الكريم ان نذكر شاهداً لشباهة هذا المقال بمقالات قومية علمانية حاقدة كتبت منذ سنوات وتكتب لحد الآن، ولكن في مجلات لا تحمل صفة إسلامية، ولا تحمل شعاراً كشعار هذه المجلة الكريمة، وليس مؤسسها ومديرها كتيسير وقيس.

نحن نربأ بالكاتب المسلم أن يصف علماء الدين المجاهدين الذين يتولون إدارة الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية... نربأ به أن يطلق عليهم اسم (الملالي)...

كما أنّنا لا نتوقع انّ القلم الّذي يسوق الكثير من الأكاذيب ويرتّب عليها الخطوط الرئيسية لمقالته كأنّها حقائق، لا نتوقع أنّ هذا القلم يحافظ على صفته الرسالية وإسلاميته وتعهداته ونزاهته الصحفية، حيث إنّ الاعتماد على البيانات الّتي تصدر بين حين وآخر ويكتبها وينشرها عملاء الامبريالية وحزب البعث العراقي ورئيسه المقبور، لا يمكن اعتبارها حقائق، وإلاّ فليقدم لنا الكاتب المحترم سنداً مستقلاً يشير إلى وجود تمايز وتفريق بين أبناء خوزستان العرب والفرس. وانّ إيران وكما يذكر صاحب المقال تتركب من قوميات متعددة، ونحن


( 294 )

ننتظر أن يتحفنا صاحب المقال أو غيره بدليل معتبر يشير إلى وقوع حيف أو ظلم على أحد كان سببه هو كونه ممن لاحقتهم لعنة كونهم من أقلية قومية، وكذلك ننتظر واحدة من علامات «جزاء سنمّار».

وعلى النقيض ممّا يتوهمه صاحب المقال فهل يعلم بالفارق البارز بين حياة العرب في هذه المحافظة الآن وبين حياتهم أيام شاه إيران المقبور؟! وهل يستطيع أن يتناسى حقهم في ترشيح أبناء بلدتهم إلى البرلمان ومجالس البلديات؟! وهل يعلم انّ اللغة العربية تدرس في المدارس الرسمية إلى جانب الفارسية ومنذ الدراسة المتوسطة؟!

ثمّ ما علاقة (أحداث المدائن) و(التدخلات الإيرانية السافرة) بموضوع أحداث الشغب في الأهواز، وهل أنّ قتل عشرات المدنيين الشيعة في المدائن والقاءَهم في مياه دجلة مكتوفي الأيدي، أو تهجيرهم من منطقة المدائن وأبعادهم قسراً عن بيوتهم هل هو تدخل إيراني؟! ثمّ ليذكر لنا كاتب المقال الأدلة على تابعية الأهواز إلى العراق(أو الوطن العربي) وما هي الدراسة التاريخية الّتي اعتمدها؟! وليدرس حياة شيخ خزعل الّذي كان يطالب بامارة مستقلة عن العراق وإيران تضم الأهواز والبصرة، وليس إلحاق الأهواز بالبلاد العربية.

إنّ أبناء إقليم خوزستان يعتزون بانتسابهم إلى الجمهورية الإسلامية ويفتخرون بكونهم أكثر القوميات الإيرانية تحمّلاً لأضرار الحرب العدوانية المفروضة الّتي شنها الاستكبار العالمي ـ ضد الثورة الإسلامية آملاً في القضاء عليها ـ و قد دفعت الامبريالية شرطيّها في المنطقة صدام، وأوعزت لبعض حكام المنطقة بالوقوف إلى جنبه ودعمه وتأييده. وفي هذه الحرب الّتي كانت باسم العروبة ودفاعاً عن البوابة الشرقية للأُمّة العربية اجتاحت جيوش صدام إقليم


( 295 )

خوزستان بالكامل، ووقف العربي إلى جانب الفارسي وغيره في الدفاع عن أرض الإسلام وإخراج المعتدي.

إنّ التحرق الّذي يبديه كاتب هذا المقال على أجزاء الوطن العربي المحتلة لم نجد له مثيلاً على الأجزاء المحتلة الأُخرى كالاسكندرونة الّتي ذكرت في المقال ببرود واضح، أو كقلب الوطن الإسلامي فلسطين المحتلة وبيت المقدس الطاهر والّذي لم يذكر بالمرة هناك... وكذلك فإنّ لبلاد المغرب العربي مدناً تقع تحت السيطرة الاسبانية نساها أو تناساها صاحب المقال لأسباب نعلمها لا نفصح عنها احتراماً له...!!

وفي الختام نوجه خطابنا لمدير المجلة المحترم وأُسرة التحرير، مذكّرين بالأُمور التالية:

ـ إنّ تحليل إحدى القضايا الميدانية يتطلب دلائل ومستندات لا يصعب على أمثالكم الحصول عليها، ذلك لأجل إقناع القارئ بما تريدون إيصاله له.

ـ إنّ احترام الإنسان من واجبات أخيه الإنسان فكيف بالمثقف والصحفي الرسالي المسلم؟! فإطلاق بعض الكلمات المشينة على قادة وساسة دولة إسلامية صديقة للشعب الأردني ما هو إلاّ خروج عن المألوف والمعهود.

ـ إنّ كلمات الاحتلال الفارسي والاضطهاد الفارسي، والمعاناة والغبن والتعتيم والتدخل، كلمات عفى عليها الزمان نحب أن لا نقرأها مرة ثانية في مجلة الشريعة الغراء، وخاصة إذا استعملت في غير محلّها الّذي لا يرضي اللّه تعالى.

ـ إنّ أمثال هذه المقالات هو جزء من مسلسل المؤامرات الّتي تحاك ضد الدولة الإسلامية ابتداءً بحادثة طبس وانتهاء بمهزلة الاستفادة من الطاقة النووية وأُسطورة تخصيب اليورانيوم للأغراض العسكرية، ومروراً بالحرب العراقية


( 296 )

الغاشمة ما هي إلاّ محاولات خائبة لقوى الكفر العالمي من أجل إبعاد الإسلام عن الساحة السياسية وإثبات كونه عاجزاً عن الوقوف على قدميه وإركاعه وإذلال أهله وإبقائهم تحت نير الاستعمار وجعل بلادهم بقرة حلوباً لنفط غال يعودون على المنطقة بمنتجات مصانعهم التي تدار بهذا النفط، وبقاء هذه المنطقة وكالسابق سوقاً يدّر عليهم بالدولار واليورو....

وكلمة ناصحة أخيرة; ننتظر من الأخوة الاعزاء في المجلة الكريمة ـ و حفاظاً على سمعتهاـ أن تقدّم اعتذاراً عما جاء في المقال، أو تعمد على الأقل إلى نشر مقالنا هذا، والّذي سوف نتلقّاه كاعتذار مبطّن للقائمين على إدامة مسيرة هذه المجلة الغراء صاحبة العقود الخمسة داعين لهم بالتوفيق.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الحوزة العلمية في قم المقدسة

إيران

19 جمادى الآخرة 1426هـ


( 297 )

3

المؤرخ الزرقاوي والمصير الأصفهاني

دكتور أحمد راسم النفيس

نشرت جريدة القاهرة بتاريخ 26/7/2005

الزرقاوي مؤرخاً!!

نشرت وسائل الإعلام وشبكات الانترنيت كلمة الزرقاوي المقبور وقد أباح فيها قتل الشيعة وسفك دمائهم، وممّا جاء فيها اتّهام الوزير «العلقمي» بأنّه سبب سقوط بغداد وسفك دماء المسلمين، وقد كرر هذه الفرية في كلمته أكثر من مرة، وهذا الاتّهام ليس بدعاً منه و لكنّه قد أخذه عمن سبقه.

وقد ردّ على هذه التهمة الدكتور أحمد راسم النفيس المصري في مقال نشر على صفحات الانترنيت، وبالنظر لأهميته وإكباراً لكاتبه ننشره هنا مع تعقيب لنا بعده.

لا زال الأخ أبو مصعب الزرقاوي حامي حمى العروبة والإسلام والبوابة الشرقية للأُمّة العربية يُتحفنا بدرره العلمية والأخلاقية فضلاً عن تلك الجهادية التي أصبحنا نعرفها جيداً.

الأخ أبو مصعب ورغم انشغاله بالمسلخ البشـري الذي نصبه في العراق لم


( 298 )

ينصرف عن واجبه في تنوير الأُمّة وتعريفها بما غاب عن وعيها من علم ومعرفة!!

من بين تلك الدرر وصفه للشيعة في بياناته التاريخية بالعلقميين!

فما هي حكاية العلقميين هذه؟؟!!

يزعم المؤرخ الكبير أبو مصعب الزرقاوي أنّ الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي وكان من الشيعة هو من قام بتسليم مفاتيح بغداد للغزاة المغول، وبالتالي فالرجل ومن ثم الشيعة أجمعون من يومها إلى يوم الدين هم المسؤولون عن كارثة سقوط بغداد فضلاً عن نكسة يونيو حزيران عام 1967.

ولو أنّ الرجل توقف برهة عن سفك الدماء وكلّف خاطره قراءة التاريخ لعلم أنّ بغداد لم تسقط في يد التتار منذ اللحظة الأُولى حيث حاول البعض ومن بينهم ابن العلقمي منع هذا السقوط المحتوم، ولكنّها سقطت بعد ذلك بسبب الفساد والتفكك اللذين عانى ولا زال يعاني منهما عالمنا الإسلامي المريض، حيث يروي ابن أبي الحديد وكان معاصراً لتلك الكارثة (وكان مدبر أمر الدولة والوزارة في هذا الوقت هو الوزير مؤيد الدين محمد بن أحمد العلقمي ولم يحضر الحرب «أي أنّه لم يكن قائداً للجيش»، بل كان ملازماً ديوان الخلافة يمد العسكر الإسلامي من آرائه وتدبيراته بما ينتهون إليه ويقفون عنده فحملت التتار على عسكر بغداد حملات متتابعة ظنوا أن واحدة منها تهزمهم، لأنّهم قد اعتادوا أن لا يقف عسكر من العساكر بين أيديهم فثبت اللّه لهم عسكر بغداد مما اضطر التتار للانسحاب من حولها).

أمّا السبب الحقيقي في الهجمة التترية على العالم الإسلامي الذي يجهله المؤرخ الزرقاوي فكان حمق بعض حكام المسلمين وطغيانهم، ويكفي أن نورد شهادة المؤرخ المصري المعاصر الدكتور يوسف زيدان ـ الذي نقل عن ابن الأثير


( 299 )

في حوادث سنة 617 هجرية ما نصه:(فإنّ هؤلاء التتر انّما استقام لهم الأمر لعدم المانع، وسبب عدمه أنّ محمد خوارزمشاه كان قد استولى على البلاد وقتل ملوكها وأفناهم، وبقى هو وحده سلطان البلاد جميعها، فلمّا انهزم من التتر لم يبق في البلاد من يمنعهم ولا من يحميها).

لا فارق بينه وبين حامي حمى البوابة الشرقية للأُمّة العربية سيِّئ الذكر التكريتي!!

ويكمل الدكتور زيدان فيقول:(دفعتني هذه الملاحظة إلى التأمل فيما كان من أمر محمد خوارزمشاه، فوجدته حاكماً عربياً شديد المعاصرة! كان خوارزمشاه قد ملك المنطقة الممتدة من فرغانة إلى بحر آرال، ومن نهر سيحون (سرداريا) إلى أفغانستان، وهي منطقة واسعة تستغرق الرحلة فيها اليوم بالطائرات ساعات. ومع ذلك دفعه الطيش وسطوة السلطة إلى الاستيلاء على بغداد، فأرسل لها جيشاً سيطر أولاً على همذان، ثم انطلق منها قاصداً بغداد... وفي كردستان هبت عاصفة ثلجية شديدة فبدّدت شمل الجيش وقتلت الألوف، وتخطف الأكراد ما تبقى من فلول الجيش فلم يعد منهم إلى خوارزم إلاّ عدد قليل، ولم يهدأ محمد خوارزمشاه بعد هذه الواقعة وإنّما واصل رعونته وأحلامه التوسعيّة، ونجح في استفزاز أقوى قوة عسكريّة في العالم آنذاك جنكيز خان.. بدأ الأمر باتصال بينهما وتبادل سفارات وإبداء الرغبة في التعاون بين البلدين المملكة الخوارزميّة والدولة المغوليّة التي كان جنكيز خان قد أقامها على أنقاض امبراطوريّة الصين التي احتلها، وكان خوارزمشاه يحلم بامتلاكها وبدأ النشاط التجاري بين الدولتين بقافلة أرسلها جنكيزخان مع هدايا لخوارزمشاه ورسالة تقول ضمن كلمات تودّد: إنّه لا يخفى علي عظيم شأنك وما بلغت من سلطان وإنّي أرى مسالمتك من جملة


( 300 )

الواجبات وأنت عندي مثل أعز أولادي. ولا يخفى عليك أيضاً أنّني ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك وقد خضعت لي قبائلهم.. فإن رأيت أن تهيئ للتجار في الجهتين سبيل التردّد والحركة عمّت المنافع وشملت الفوائد.

واعتقد خوارزمشاه أنّ جنكيزخان أهانه! لأنّه وصفه بأنّه (مثل أعز أولادي) فأرسل لحاكم مدينة (أوترار) الواقعة على الحدود بينهما بأن يتم الاستيلاء على القافلة التجاريّة التي بادر جنكيزخان بإرسالها وتُباع حمولتُها (خمسمائة جمل تحمل سلعاً تجارية) ويُرسل المال إلى خوارزمشاه! بل أكثر من ذلك، يقتل جميع أفراد القافلة.. فقتلوا جميعاً (كانوا450رجلاً، كلهم من المسلمين).

وبالطبع استشاط جنكيزخان غضباً ولم يصدق أنّ خوارزمشاه يفعل ذلك، فأرسل له سفارة مؤلفة من ثلاثة رجال أحدهما مسلم والآخران مغوليّان ومعهم خطاب احتجاج على ما جرى من الغدر بالقافلة، فما كان من خوارزمشاه إلاّ أن قتل المبعوث المسلم، وحلق لحية زميليه المغوليين إمعاناً في إذلالهما.

وهكذا اندفع جنكيزخان بجيوشه ليجتاح مشرق العالم الإسلامي وانتقم لكرامته بقتل كلّ ما كان حيّاً في البلاد التي صادفته الناس الحيوان الشجر، ومات مئات الأُلوف من المسلمين رجالاً ونساء وأطفالاً، أمّا خوارزمشاه نفسه.. فقد هرب!!

هذا هو تاريخنا الذي لم يقرأه أحد اكتفاء بقصة واإسلاماه وتحميل الوزير العلقمي مأساة احتلال بغداد، فضلاً عن تحميل الصول إسماعيل مأساة نكبة يونيو 1967م.

المسلمون والصراعات الطائفية والغزو المغولي

يحكي لنا ابن أبي الحديد واقعة أُخرى عن الطريقة التي تصرف ولا يزال


( 301 )

المسلمون يتصرفون بها في عصور الانحطاط فيقول: (ولم يبق للتتار إلاّ أصفهان حيث نزلوا عليها مراراً سنة 633هـ فحاربهم أهلها ، وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة، ولم يبلغوا منها غرضاً حتى اختلف أهل أصفهان على طائفتين حنفية وشافعية وبينهم حروب متواصلة، فخرج قوم من الشافعية إلى من يجاورهم من ملوك التتار فقالوا لهم: اقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم، فأرسل إليهم جيوشاً والصراع على أشده بين الأحناف والشوافع، وفتح الشافعية أبواب المدينة على عهد بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية، فلمّا دخلوا المدينة بدأوا بالشافعية فقتلوهم قتلاً ذريعاً ولم يقفوا مع العهد الذي عاهدوه، ثم قتلوا الحنفية ثم قتلوا سائر الناس وسبوا النساء وشقوا بطون الحبالى ونهبوا الأموال وصادروا الأغنياء ثم أضرموا النار في أصفهان حتى صارت تلا من الرماد).

التتار يحكمون مصر!!

الذي لا يعرفه الكثيرون أيضاً أنّ التتار قد حكموا مصر بالفعل وان (الملك العادل زين الدين كتبغا) الذي تسلّط على عرش مصر سنة 693هـ كان جندياً في جيش هولاكو أسر في واقعة «عين جالوت» ثم دارت به وبنا الأيام ليصبح هذا العبد التتري ملكاً لمصر.

أمّا الأسوأ من هذا فهو التمادي في وصف المخالفين في المذهب والرأي بتهم الخيانة والعمالة وتسليم مفاتيح بغداد لا لشيء سوى أنّهم فعلوا الممكن واجتهدوا في حقن دماء المسلمين الذين أسلمهم حكامهم للتتار، وهو ما لم يكن قاصراً على مسلمي البوابة الشرقية في بغداد، بل هو نفس ما فعله شيوخ دمشق ومن بينهم ابن تيمية.


( 302 )

ففي العام 698هـ غزا التتار بلاد الشام على عهد السلطان محمد بن قلاوون حيث كان كثير من قيادات الجيش المملوكي المصري أو (الغز) من التتر المتعاونين مع عدوهم غازان ملك التتار آنئذ وهزم الجيش المصري يومها وكاد التتار يدخلون دمشق والعهدة على ابن تغري بردي (لما بلغ أهل دمشق كسرة السلطان، عظم الضجيج والبكاء وخرجت المخدرات حاسرات لا يعرفن أين يذهبن والأطفال بأيديهن وصار كلّ واحد في شغل عن صاحبه إلى أن ورد الخبر أنّ ملك التتار «قازان» مسلم وأن غالب جيشه على ملة الإسلام وأنّهم لم يتبعوا المهزومين وبعد انفصال الوقعة لم يقتلوا أحداً ممن وجدوه وإنّما يأخذون سلاحه ومركوبه ويطلقونه، فسكن بذلك روع أهل دمشق قليلاً، فاجتمعوا وتشاوروا وأرسلوا وفداً يطلب الأمان من قازان حيث حضر الوفد من الفقهاء: قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة خطيب جامع دمشق، والشيخ زين الدين الفارقي، والشيخ تقي الدين ابن تيميه، وقاضي قضاة دمشق نجم الدين ابن صصري، والصاحب فخر الدين بن الشيرجي، وغيرهم).

لا حاجة بنا أن نوغل في التفاصيل المتعلّقة بتلك التهمة الافتراء عن خيانات ابن العلقمي المزعومة، ويكفينا شهادة ابن الأثير عن السبب المباشر لاجتياح التتار للعالم الإسلامي، وكلّ ما يمكننا قوله :إنّ الزرقاويّين يصرون على مواصلة التصرف على طريقة المتحاربين من أهل أصفهان، ممّا أدى في النهاية إلى هلاكهم وهلاك مدينتهم، ولا شك أنّ ما يفعله هؤلاء من تأجيج نيران الصراعات الطائفية جميعاً إلى مصير مشابه على الطريقة الأصفهانية.

دكتور أحمد راسم النفيس

19/7/2005


( 303 )

4

معالي الدكتور أحمد راسم النفيس المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

تحيّة طيّبة مباركة مرفقة بباقات من ورود الإخلاص والمودّة الإسلامية الصافية في سبيل اللّه وحبّ آل البيت (عليهم السلام).

أهدى إليّ بعض الأُخوان نسخة من مقالتكم القيمة في جريدة القاهرة تحت عنوان «المؤّرخ الزرقاوي والمصير الاصفهاني»، وأودّ أن أُضيف إن القوم ـ مكان أن يحقّقوا علل الهزيمة وعواملها التي تكمن في سيرة الخلفاء العباسيين ووزرائهم وحواشيهم عبر القرون ـ حاولوا أن يصبُّوا جام غضبهم تارة على ابن العلقمي ـ هذا الوزير الذي سعى في صد عاتية التتار بحزمه وعقله ولم يتوفّق لذلك بسبب مخالفة مَن أحاطوا بالخليفة ـ و أُخرى على معلم الأُمة وحافظ التراث بعد إقالة التتار نصير الدين الطوسي.

وها نحن نذكر هنا بعض النصوص التاريخية ـ مضافاً إلى ما ذكرتم ـ ليعلم المغفّل أن سبب الهزيمة كان موجوداً في داخل الخلافة.

* هب أنّ الوزير العلقمي أو نصير الدين الطوسي هو السبب لسقوط الخلافة العباسية وسيلان الدماء في عاصمتها، فما هو السبب للدماء التي بدأت


( 304 )

تسيل من أقصى المشرق الإسلامي إلى العاصمة بغداد، فها هو ابن الأثير (المتوفّى عام 630هـ) قبل سقوط الخلافة الإسلامية بخمس وعشرين سنة يصف تلك الداهية العظمى بالنحو التالي:

«من الّذي يسهل عليه أن يكتب نعيَ الإسلام والمسلمين ومن ذا الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً إلاّ أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يُجدي نفعاً فنقول:

هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصّت المسلمين، فلو قال القائل:إنّ العالم مذ خلق اللّه سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتل بمثله لكان صادقاً، فإنّ التاريخ لم يتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ـ إلى أن قال: هؤلاء لم يُبقوا أحداً، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقّوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنّة، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون. فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاسغون، ثمّ منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبُخارى وغيرها فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها مُلكاً وتخريباً وقتلاً، ثمّ يتجاوزونها إلى الريّ وهَمَدان وبلاد الجبل وما فيها من البلاد إلى حدّ العراق، ثمّ يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية ويخربون ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج إلاّ الشريد النادر في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله.(1)

فها نحن نسأل الكاتب: هل كانت يد العلقمي أو نصير الدين تلعب في هذه الحوادث المرّة تحت الستار؟ أو أنّ للدمار عللاً تكمن في سيرة الخلفاء


1 . الكامل في التاريخ:12/358ـ 359. ولكلامه ذيل من أراد فليرجع.


( 305 )

والأُمراء عبر سنين حيث اشتغلوا بالخلافات الداخلية، واشتغل الخلفاء باللهو واللعب، وشرب الخمور وعزف المعازف وسماع المغنيّات، وقد تبعهم الرعاع والسوقة فذهبت الخيمة الإسلامية التي سيطرت على العالم في أوائل قرون العصر الإسلامي.

يقول ابن كثير: أحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كلّ جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولدة تسمّى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانـزعج الخليفـة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهم الّذي أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب:«إذا أراد اللّه إنفاذ قضائه وقدره أذهب ذوي العقول عقولهم» فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرت الستائر على دار الخلافة، وكان قدوم هولاكوخان بجنوده كلها ـ و كانوا نحو مائتي ألف مقاتل ـ إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة.(1)

نشكركم على هذه المواقف الشجاعة دفاعاً عن الحق والحقيقة.

أخي العزيز عندي بحث في توضيح حقيقة «أبي هريرة» ودور السيد شرف الدين العاملي في هذا التوضيح، ومراسلاته مع شيوخ الأزهر ومنهم الشيخ عبد المتعال الصعيدي، ويعوزني في هذا المجال، مقالاته المطبوعة في مجلة «الرسالة» المصرية وردود الشيخ عبد المتعال الصعيدي ومداخلات السيد شرف الدين عليها، هي منشورة في مجلة الرسالة، السنة الخامسة عشرة، عدد715(ص 323)، بتاريخ 17/3/1947، و 718(ص409) بتاريخ 7/4/1947، وعدد 721


1 . البداية والنهاية:13/200ـ 213.


( 306 )

بتاريخ 28/4/1947، وعدد 724(ص 575) بتاريخ 19/5/1947، وعدد 725 بتاريخ 26/5/1947.

لو تفضلتم عليّ بالحصول على هذه المقالات من أرشيف إحدى المكتبات المصرية وإرسالها إليّ تكون منّة كبيرة، ونعمة جسيمة لا تنسى أبداً.(1)

وكذلك وصلنا خبر نشر كتبكم على الانترنت بمشاركة إحدى دور النشر اللبنانية، فنهنئكم عليها ونسأل اللّه لكم مزيد التوفيق والتسديد، إنّه عليّ قدير.

ودمتم سالمين غانمين.

أخوكم في الإيمان

الشيخ جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم ـ الجمهورية الإسلامية الإيرانية

الخامس من شهر رجب 1426هـ


1 . وقد قام مشكوراً بإرسال الجميع عن طريق الانترنت، شكر اللّه مساعيه الجميلة.


( 307 )

5

رسالة مفتوحة إلى الأمين العام لمنظمة الأُمم المتحدة

السيد كوفي عنان المحترم

حول التعرض للنبيّ الأعظم

في الإعلام الغربي

نرفع إلى حضرتكم أسمى آيات التقدير و الاحترام

إنّ منصب الأمانة العامة للأُمم المتحدة (وهو أعلى منصب في المنظمات الدولية)، الّذي تتسنمون مقامه يستدعي منكم المحافظة على حقوق جميع الشعوب و التصدّي لجميع التجاوزات والانتهاكات الّتي تحدث في العالم واستنكارها.

وفي الآونة الأخيرة قامت مجموعة من الصحف الأُوربية بجرح مشاعر أكثر من مليارد وثلاثمائة مليون مسلم من خلال التعرّض لرمزهم الأوّل «النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)» والإساءة له عبر نشر رسوم مهينة، تحت ذريعة: «حرية الرأي».

حرية الرأي أم حرية الإهانة

إنّ ميثاق حقوق الإنسان الصادر عن الأُمم المتحدة والممضى من قبل


( 308 )

رؤساء الدول الأعضاء في المنظمة والّذي تضمن الحفاظ على حرية الرأي، أصبح وسيلة يتذرع بها البعض لهتك حرمة المقدّسات الدينية لمليارات المتدينين في العالم. وقد شاهدنا أخيراً بعض الصحف الغربية تنشر رسوماً مهينة لنبي الإنسانية والإسلام النبي الأكرم(نبي الرحمة)، جارحة بذلك مشاعر المسلمين بل جميع المتدينين في العالم، والأنكى من ذلك أنّنا نجد بعض السياسيّين الغربيّين ـ والذين ما كان منتظراً منهم أن يؤيدوا هذا التحرك البغيض ـ قد تصدّوا للدفاع عن ذلك العمل الشنيع وتبريره تحت ذريعة حرية التعبير عن الرأي.

حقاً أنّ مفهوم الحرية مفهوم جذّاب ومحبب إلى النفوس إلاّ أنّه استعمل ـ وللأسف ـ على طول التاريخ ضد الحرية نفسها.

والملاحظ انّ الّذين دوّنوا قانون حرية الرأي والّذي أمضاه رؤساء دول العالم، لم يرسموا حدود تلك الحرية ولم يبيّنوا الدائرة الّتي تنطلق فيها ولا ينبغي تجاوزها؟! ولذا أصبح ـ ولشديد الأسف ـ خيمة يحتمي فيها العنف بجميع أشكاله وأنواعه!

1. فهل يُباح وتحت مظلة حرية التعبير عن الرأي تشويه سمعة الآخرين وتمكين الجهّال للقيام ضدهم وإهدار حقوقهم المدنية والاجتماعية وإهانتهم وتعذيبهم وقتلهم؟!

2. وهل يجوز استغلال حرية التعبير عن الرأي للتفريق بين الشعوب والأقوام والدول، وإثارة نار الحقد والكراهية والشحناء في أوساطهم إلى حد نشوب الحروب والقتال بينهم؟!

3. وهل تسمح حرية التعبير عن الرأي بأن يتجاوز البعض على مقدّسات الأُمم ليهينها كالتجاوز على علم الدولة أو الدستور أو القيادة؟!


( 309 )

4. وهل يجوز تحت شعار حرية التعبير عن الرأي الافتراء على الآخرين وشهادة الزور ضدهم لسحق حقوقهم وتشويه صورتهم أمام العالم؟!

5. حدد علماء الأخلاق الكثير من جرائم اللسان وقد أقرّ القانون المدني والدولي الكثير منها، فهل يُراد ياترى ـ و تحت شعار حرية التعبير عن الرأي ـ سحق تلك القوانين والتذرّع بالحرية المذكورة والاختفاء وراء ستارها؟!

6. من المناسب جداً إعادة النظر في ميثاق حقوق الإنسان ودراسته بدقّة ليتضح للجميع هل أنّ ما سنّ هو قانون يتكفّل حرية الرأي، أو هو قانون سنّ لإطلاق الحرية لهتك الحرمات وسحق المقدّسات وكرامة الشعوب والأقوام؟!

لا ريب انّ الشيء المغفول عنه هنا هو التفاوت بين حرية التعبير عن الرأي وبين حرية هتك كرامة الإنسان وإهانته والاستهزاء به.

7. انّ حرية التعبير عن الرأي حق أُعطي لكلّ فرد، ولكن شريطة أن لا يتجاوز على حقوق الآخرين، وإذا كان قانون حرية التعبير عن الرأي لا يخضع لأي قيد أو شرط، فلا ريب انّه لا تكون ثمرة ذلك القانون إلاّ الفساد والهرج والمرج والانفلات، من هنا يجب أن يكون قانون حرية التعبير عن الرأي مقيّداً بأن لا يمس حقوق الآخرين ولا يعتدي عليها. وإذا أراد شخص ما استغلال القانون للتجاوز على حقوق الآخرين، فلابدّ أن يتعامل معه باعتباره مجرماً قانونياً.

8. انّ الذين يحاولون تبرير انتهاك مقدسات الآخرين تحت ذريعة حرية التعبير عن الرأي، يحجمون عملياً عن السماح للآخرين في المساس بمقدساتهم حتّى لو كنت على مستوى الأفكار والنظريات العلمانية، فلا يسمح للمواطن البريطاني أو غيره المساس بملكة انجلترا، أو بدستور البلاد، أو بعلم الدولة، ويرون أنّ المرتكب لهذه الأعمال أو بعضها متجاوزاً على القانون، بل نراهم


( 310 )

يذهبون إلى أكثر من ذلك فلا يسمحون بدراسة قضية تاريخية مثل «محرقة اليهود» الهلوكوست، وان ّ من يقترب منها قد اقترب أو تجاوز الخط الأحمر، وعليه أن يمثُل أمام القضاء والقانون لتنزل بحقه أشدّ العقوبات، والدليل عليه ما شاهدناه أخيراً وتحديداً في الثالث من شباط 2006م من محاكمة المؤرخ الانجليزي السيد ديفيد ايروينج، والحكم عليه بالسجن ثلاث سنين لا لجرم ارتكبه سوى انّه أثار بعض التساؤلات المشروعة حول تلك المحرقة المزعومة.

نعم، هذا شاهد صارخ على ما قلناه من الكيل بمكيالين والتعامل بازدواجية مع القانون المذكور.

9. وهل ياترى يُباح استغلال قانون حرية التعبير عن الرأي لضرب منافع الشعوب والدول وبثّ شبكات التجسس والعمالة للدول الأجنبية في أوساط الشعوب الأُخرى؟!

10. انّنا نشاهد اليوم انّ بعض الدول تعترف رسميّاً بأقبح الفواحش الإنسانية والأخلاقية كحرية ممارسة الجنس مع المماثل، أو حرية التعرّي و الخلاعة، فهل ياترى يسمح قانون حرية التعبير عن الرأي للآخرين بالتصدّي لهذه الظواهر المستهجنة ولو بالاعتراض الكلامي فقط، أو انّ الّذي يعترض عليها يُعدّ متجاوزاً على حريات الآخرين؟!!

إنّ هذه نماذج أثرناها هنا ليتضح جليّاً أنّ القضية تحمل طابعاً سياسياً، وانّ الذين أهانوا مقدسات المسلمين وحماتهم إنّما تذرّعوا بحرية التعبير عن الرأي، بل اتّخذوها العوبة لنيل الأهداف السياسية الّتي ينشدونها.

وانطلاقاً من الحكمة المعروفة (ربّ ضارة نافعة) أو:

وإذا أراد اللّه نشر فضيلة *** طويت أتاح لها لسان حسود


( 311 )

فإنّ أصحاب الرسوم الكاريكاتورية المهينة ـ بالرغم من فظاعتها وقبحها، ورفضها منّا، وادانتها ـ إلاّ أنّ الّذي سعى إلى تحقيقه أصحاب تلك الرسوم، لا أنّه لم يتحقّق فحسب، بل أصبح عملهم سبباً لالتفات المسلمين إلى الخطر الّذي يحيط بهم ممّا أدّى إلى إيجاد نوع من الوحدة والانسجام والاتحاد بين الشعوب الإسلامية من شرق الأرض إلى غربها باختلاف أُصولهم ولغاتهم وأوطانهم حيث وقف الجميع يداً واحدة وصفاً واحداً أمام ذلك التجاوز والانتهاك معلنين ادانتهم ورفضهم لهذا المنطق الأهوج الّذي يعتمده البعض من الغربيين، ولكي يتضح الأمر جليّاً نترجم بعض فقرات الدساتير المعتمدة في الدول الغربية.

حدود الحرية في الثورة الفرنسية الكبرى

إنّ مراجعة بعض فقرات القوانين الغربية توضح وبجلاء ما قلناه من أنّ حرية التعبير عن الرأي ليس قانوناً مجرداً عن كلّ قيد وشرط، فقد ورد في المادة الحادية عشرة من القانون الأساسي الفرنسي المصوّب عام 1789م، ما يلي:

«يحق لكلّ مواطن التعبير عن رأيه وطرح أفكاره بحريّة تامة شريطة أن لا يتجاوز الحدود الّتي رسمها القانون».

كما نرى في القانون الأساسي الفرنسي لعام 1889م بعض الفقرات القانونية الّتي سنّها المقنن الفرنسي من قبيل: حفظ الأسرار الطبية (سر المهنة)، الحفاظ على الحرمات الشخصية للأفراد، منع إثارة التمييز العنصري والمذهبي، منع شتم الأفراد والمساس بشخصية الآخرين، ومنع كلّ أنواع التعبير ضد السامية وضد المرأة، ممّا مثل تحديداً وتقييداً لقانون حرية التعبير عن الرأي.

فهل يصح مع كلّ هذه الفقرات القانونية التذرّع بحجّة حرية التعبير عن


( 312 )

الرأي لتبرير قضية الرسوم المسيئة لنبي الرحمة(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

صحيح انّ الغرب قد سلب القداسة عن الدين ولكنّه ألبس بعض الأُمور الأُخرى لباس القداسة، كالهلوكوست واحترام الطفولة والمساواة، وأنّ من ينقد تلك الأُمور في الغرب يُعد بمثابة من يهين المقدّسات.

ثمّ إنّ هذا الأمر ـ وضع الخطوط الحمر ـ لا يختص بالقانون الفرنسي بل ترى ذلك في دساتير الكثير من البلدان الغربية كالقانون الأساسي الدانماركي فانّه يعتبر إهانة بعض الناس بسبب معتقداتهم الدينية أمراً ممنوعاً، ولقد صرّح بتلك الحقيقة رؤساء الكنائس الدانماركية خلال لقائهم بشيخ الأزهر السيد محمد طنطاوي ووزير الأوقاف المصري السيد حمدي زقزوق ومفتي الديار المصرية السيد علي جمعة، بتاريخ 9شباط 2006م.

إنّ هذه الأعمال ترتكب، بالرغم من أنّها وطبقاً لصريح ميثاق حقوق الإنسان المدني والسياسي ـ المصوب يوم 26 ديسمبر1966م، والّذي وجب تنفيذه طبقاً للقرار 2200 المصوب بتاريخ 23 آذار 1976م، والموقَّع عليه من قبل الدول الأعضاء بما فيها الدول الأُوربية وأمريكا ـ تُعد جرائم قانونية. نعم، إنّ ما قامت به الصحف الدانماركية يُعدّ جرماً ومخالفة قانونية صارخة لبنود القوانين الدولية المذكورة حيث تنص الفقرة الثانية من المادة العشرين للميثاق المذكور على: انّ كلّ أنواع الحث على النفرة القومية أو العرقية أو المذهبية والّتي تؤدي إلى الدفع نحو التمييز والعداء والعنف تعد وفقاً للقانون المذكور أمراً محظوراً.

اكره لغيرك ما تكره لنفسك

حقاً انّ هذه الحكمة تكشف عن اعوجاج منطق الغربيّين الذين يريدون


( 313 )

من الآخرين احترام عقائدهم وعدم المساس بمقدساتهم وعدم تجاوز الخطوط الحمراء عندهم، والحال انّهم لا يعيرون لمقدّسات الآخرين وحرماتهم وزناً، ففي الوقت الّذي يدعون فيه إلى الحوار والتعددية (الپلوراليسيم) ويعتبرون ذلك من مفاخر ثقافتهم الفكرية والسياسية، نجدهم يناقضون أنفسهم في حصر الحوار والسماح للحرية الفكرية بمن هو على مذهبهم الفكري، أو ممّن يسير على نهجم من الشرقيين المغتربين.

إنّ الغرب وإن ترك وراءه مرحلة الاستعمار المباشر ولكنّه لم يتجرّد عن الفكر الاستعماري لحد هذه اللحظة فهو يعيش إلى الآن فكر الهيمنة والتسلط على الآخرين ولكن هذه المرّة باسلوب جديد حيث يسعى للهيمنة على أفكار الآخرين وإملاء ما يؤمن به عليهم.

ولا ننسى أن نشير إلى أنّ جريمة الاعتداء على حرم الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في مدينة سامراء، والّتي هي جزء من سلسلة المؤامرات للاعتداء على المقدسات وأهانتها.

إنّه حدث فجيع وعمل وحشي هزّ العالم الإسلامي بأسره ومن الإعماق، وجرح قلوب المحبين للنبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)وأحزنهم حزناً كبيراً.

لقد انكشفت حلقتان من حلقات السيناريو التآمري على الإسلام والمسلمين وهتك مقدّساتهم، ولا شكّ انّ اليد الخفية الّتي تقف وراء هذه الأعمال الأجرامية هي يد الصهيونية العنصرية والغرب الاستعماري، فتارة يسعون لإثارة الحروب الصليبية بين المسيحيّين والإسلام، وأُخرى يسعون لإثارة الفتنة بين أبناء الدين الواحد الشيعة والسنّة، انّهم حقاً يتصيّدون بالماء العكر.

من هنا يجب على قادة الدول الإسلامية وقادة وعلماء الأديان مواجهة هذا


( 314 )

الخطر والقضاء على الخطط الشيطانية، وإخمادها في مهدها، وصيانة حريم الأديان من مخالب ثلة من المجرمين الذين لا يعرفون للإنسانية معنى من خلال رسم خطط وبرامج دقيقة وحوارات بناءة.

ولا شكّ انّ منظمة العالم الإسلامي لها الدور الفاعل والمهم في هذا المجال، إذ باستطاعتها أن تلعب دوراً عظيماً، وكذلك الأمين العام للأُمم المتحدة المحترم هو الآخر يمكن أن يمارس دوراً أساسياً في هذا المجال والإسراع في تقديم هؤلاء الجناة إلى المحاكم الدولية للقضاء على هذه الفتنة الّتي يراد إثارتها، وبهذا يكون الأمين العام قد أدّى الأمانة الّتي أُلقيت على عاتقه أمام المنظمة والدول الأعضاء.

وأخيراً نطالب جنابكم بالسعي الجادّ في كشف الجناة وتقديمهم إلى المحاكم الدولية من أجل تعزيز الصلح والسلام العالميين وصيانة حقوق كافة الشعوب والأقوام.

جعفر السبحاني

إيران ـ قم

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

4/12/1384هـ.ش.

الموافق 23شباط 2006م.


( 315 )

6

الأواصر العلمية بين علماء الشيعة والسنة

و

شرح العلاّمة الحلّي لمختصر الحاجبي

العلاقة بين علماء الشيعة والسنّة كانت وطيدة وراسخة عبر القرون، ولم تمنع الاختلافات الفكرية أو العقائدية من حصول الزمالة بينهم في مجالات العلم والفكر والأدب، والسبب في ذلك هو وجود مشتركات هائلة بينهم، فكان العمل على ضوئها موجباً لنشر الثقافة الإسلامية وإرساء دعائمها، وهذا هو التاريخ يُحدّثنا عن تبادل التحديث بينهم، وتتلمذ لفيف من علماء السنة لدى علماء الشيعة وبالعكس في شتى مجالات المعارف الإسلامية.وإليك نماذج من التعامل العلمي.

1. الشيخ الكليني: محمد بن يعقوب الرازي الكليني (المتوفّى 329هـ) مؤلف الكافي في سبعة أجزاء أحد الجوامع الحديثية للشيعة، حدّث ببعلبك وروى عنه غير واحد من شيوخ السنة منهم: ابن عساكر قال: أبو جعفر الكليني الرازي من شيوخ الرافضة، قدم دمشق وحدّث ببعلبك عن أبي الحسين محمد بن علي


( 316 )

الجعفري السمرقندي، ومحمد بن أحمد الخفّاف النيسابوري، وعلي بن إبراهيم بن هاشم.

روى عنه أبو سعد الكوفي شيخ الشريف المرتضى، وأبو عبد اللّه أحمد بن إبراهيم، وأبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي، وعبد اللّه بن محمد بن ذكوان.

أنبأنا أبو الحسن... بن جعفر قالا: أنا جعفر بن أحمد بن الحسين بن السراج، أنا أبو القاسم المحسن بن حمزة... الورّاق بتنيس أنا أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الديبلي بتنيس في المحرم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، أنا أبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي، أخبرني محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم إلى أن انتهى الاسناد إلى أمير المؤمنين أنّه(عليه السلام) قال: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».(1)

2. الشيخ الصدوق محمد بن الحسين بن بابويه (306ـ 381هـ) شدّ الرحال لطلب الحديث إلى أرجـاء العـالم الإسلامي كالـريّ، واستـراباد، وجرجان، ونيسابور، ومشهد الرضا(عليه السلام)، ومرو الروذ، وسرخس، وإيلاق، وسمرقند، وفرغانة، وبلخ من بلاد ماوراء النهر، وهمدان وبغداد، والكوفة، وفيد، ومكة، والمدينة.

فقد أخذ في هذه البلاد الحديثَ عن مشايخها من غير فرق بين السني والشيعي، وقد بلغ عدد مشايخه إلى مائتين وستين شيخاً من أئمّة الحديث، ولا بأس بأن نذكر أسماء بعض محدثي السنة الذين أخذ الحديث منهم.

حدّثه بنيسابور أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضبي المرواني


1 . تاريخ ابن عساكر:56/297; مختصر تاريخ دمشق:23/362.


( 317 )

النيسابوري، وقد روى عنه في علل الشرائع.(1)

حدّثه بإيلاق، بكر بن علي بن محمد بن فضل الحنفي الشاشي(2) الحاكم.(3)

كما أخذ عنه الحديث جماعة من السنّة منهم: محمد بن طلحة النعالي البغدادي من شيوخ الخطيب البغدادي، وأبو بكر محمد بن علي بن أحمد، وآخرون.(4)

هذه نماذج من مشايخ الصدوق من السنة وتلامذته منهم.

3. وإذا ما وقفنا قليلاً عند تلميذه العبقري الشيخ المفيد (محمد بن محمد بن النعمان البغدادي) لتجلّت لنا مكانته السامية في أوساط الأُمّة، وقدرته الفائقة على اجتذاب القلوب، فكان يرتاد مجلسه العلماء وروّاد المعرفة من كافة الطوائف الّتي احتشدت عند موته باكية، نادبة عالمها الفذ، ذا القلب الكبير، والإيمان الراسخ، والعطاء الثرّ.

وإليك بعض الكلمات الّتي تصف جلالته وسمو شخصيته، والتفاف الناس حوله.

كان له مجلس بداره بدرب رباح يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف.(5)

وقال الذهبي نقلاً عن تاريخ ابن أبي طيّ: كان قوي النفس كثير البرّ عظيم الخشوع عند الصلاة والصوم.(6)


1 . علل الشرائع:56.

2 . الشاش مدينة في ماوراء النهر ثمّ ماوراء نهر سيحون.

3 . كمال الدين:170.

4 . موسوعة طبقات الفقهاء:4/434.

5 . المنتظم:15/157; البداية والنهاية:12/17.

6 . سير أعلام النبلاء:17/344.


( 318 )

كما نقل عنه ابن حجر في «لسان الميزان»: ما كان ينام من الليل إلاّ هجعة ثمّ يقوم يصلي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن.(1)

توفي ببغداد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً.

وصلّى عليه الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بميدان الاشنان وضاق على الناس مع كبره.(2)

وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والمؤالف.(3)

4. إمام الأدب والتفسير و الفقه الشريف المرتضى (355ـ 436هـ) وصفه ابن بسام الأندلسي في أواخر كتاب الذخيرة بقوله: كان هذا الشريف إمام أئمّة العراق بين الاختلاف و الاتفاق، إليه فزع علماؤها، وعنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجَمّاع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره وعرفت له أشعاره، وحمدت في ذات اللّه مآثره وآثاره، إلى تواليفه في الدين وتصانيفه في أحكام المسلمين ممّا يشهد أنّه فرع تلك الأُصول ومن أهل ذلك البيت الجليل.(4)

ويقول ابن خلكان في وصف كتابه الأمالي: وله الكتاب الّذي سماه «الغرر والدرر» وهي مجالس أملاها تشتمل عن فنون من معالي الأدب تكلم فيها على النحو والفقه وغير ذلك، وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير وتوسع في الاطلاع والعلوم.(5)


1 . لسان الميزان:5/368.

2 . رجال النجاشي برقم1067.

3 . فهرست الشيخ الطوسي:238 برقم 711.

4 . وفيات الأعيان:3/313، برقم 443 نقلاً عن ابن بسّام.

5 . المصدر نفسه.


( 319 )

5. شيخ الطائفة الطوسي محمد بن الحسن (385ـ 460هـ)، أخذ عن مشايخ الشيعة كالمفيد والمرتضى، وفي الوقت نفسه أخذ عن غيرهم كأبي علي بن شاذان وأبي منصور السكري.(1)

يقول الذهبي: كان الشيخ الطوسي مقيماً ببغداد وكانت داره منتجعاً لروّاد العلم وبلغ الأمر من الاكبار له أن جعل له القائم بأمر اللّه كرسي الكلام والإفادة.(2)

ويقول الشيخ محمد أبو زهرة المصري أحد كبار علماء السنة: كان شيخ الطائفة في عصره غير منازع وكتبه موسوعات فقهية، وعلمية، وكان مع علمه بفقه الإمامية، وكونه أكبر رواته، عالماً بفقه السنة، وله في هذا دراسات مقارنة، وكان عالماً في الأُصول على المنهاجين: الإمامي والسنّي.(3)

6. فقيه الطائفة أبو جعفر محمد بن المنصور المعروف بابن إدريس الحلّي (543ـ598هـ) ذكر في كتابه صلته بفقهاء أهل عصره من الشافعية. قال: وقد كتب إليّ بعض فقهاء الشافعية، وكان بيني وبينه مؤانسة ومكاتبة: هل يقع الطلاق الثلاث عندكم؟ وما القول في ذلك عند فقهاء أهل البيت(عليهم السلام)؟فأجبته: أمّا مذهب أهل البيت فإنّهم يرون أنّ الطلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد وحالة واحدة دون تخلل المراجعة لا يقع منه إلاّ واحدة.(4)

7. المؤرّخ الكبير عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني من أعلام القرن السادس أخذ الحديث من شيخ الشيعة علي بن عبيد اللّه المعروف بمنتجب الدين


1 . مقدمة «التبيان»:52ـ 53، عند عدّ مشايخه، برقم 7ـ8.

2 . سير اعلام النبلاء: 18/334، برقم 155.

3 . موسوعة طبقات الفقهاء:5/281.

4 . كتاب السرائر:2/678ـ 679.


( 320 )

صاحب الفهرس المعروف (المتوفى سنة 600هـ)، وقال في حقّه: علي بن عبيد اللّه بن حسن بن حسين بن بابويه، الرازي، شيخ ريّان من علم الحديث، سماعاً وضبطاً وحفظاً وجمعاً، يكتب ما يجد ويسمع ممن يجد، ويقلّ من يدانيه في هذه الأعصار في كثرة الجمع والسماع والشيوخ الذين سمع منهم وأجازوا له، وذلك على قلّة رحلته وسفره. ثمّ ذكر مشايخه على التفصيل، إلى أن قال: لم يزل كان يترقب بالري ويسمع من دبّ ودرج، ودخل وخرج وجمع الجموع وكان يسوّد تاريخاً كبيراً للري فلم يُقض له نقله إلى البياض، وأظن أن مسوّدته قد ضاعت بموته ومن مجموعه كتاب الأربعين الّذي نبأه(1) على حديث سلمان الفارسي رضى اللّه عنه، المترجم لأربعين حديثاً وقد قرأته عليه بالريّ سنة أربع وثمانين وخمس(2)مائة.

ويظهر أيضاً أنّه قرأ عليه في سنة أُخرى أيضاً: يقول وقد قرأت عليه في شوّال سنة خمس وثمانين وخمسمائة.(3)

8. إمام اللغة والأدب مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الفيروزآبادي مؤلف كتاب «القاموس» الطائر الصيت، روى عن فخر المحقّقين محمد بن الحسن الحلّي (682ـ 771هـ) كتاب «التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح العربية» وذكر روايته عنه في اجازته لابن الحلواني قال: أجزت للمولى الإمام، الحبر الهمام، البحر الهلقام، زبدة فضلاء الأيام فخر علماء الأنام، عماد الملة والدين «عوض» الفلك آبادي الشهير بابن الحلواني سقاه اللّه تعالى من الكلم


1 . ويحتمل أنّه «بناه».

2 . التدوين في أخبار قزوين:3/372 و 374، 375.

3 . نفس المصدر:3/377.


( 321 )

الغرّ عذاب نطافها كما رزقه من أثمار العلوم لطاف اقطافها، أن يروي عني هذا الكتاب المسمى بـ «التكملة، والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح العربية» بحق روايتي عن شيخي ومولاي ـ علامة الدنيا ـ بحر العلوم وطود العلى فخر الدين أبي طالب محمد بن الشيخ الإمام الأعظم، برهان علماء الأُمم، جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر، بحق روايته عن والده بحق روايته عن مؤلّفه الإمام الحجة برهان الأدب، ترجمان العرب ولي اللّه الوالي رضي الدين أبي الفضائل الحسن بن محمد الصغائي ـ رضي اللّه عنه وأرضاه وقدس مهجعه ومثواه ـ إلى أن قال: وكتبت هذه الأحرف في شهر ربيع الأوّل عمّت محاسنه ـ سنة سبع وخمسين وسبعمائة.(1)

9. أُسوة الحكماء والمتكلمين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي المعروف بنصير الدين (597ـ 672هـ) وصفه الصفدي بقوله: كان رأساً في علم الأوائل لا سيما في الإرصاد المجسطي، ويقول بروكلمان الألماني: هو أشهر علماء القرن السابع وأشهر مؤلفيه إطلاقاً أخذ عن علماء السنة ككمال الدين بن موسى بن يونس بن محمد الموصلي الشافعي (المتوفّى639هـ).

كما أخذ عنه العديد من كبار السنة كقطب الدين محمد بن مسعود الشيرازي وشهاب الدين أبو بكر الكازروني وأبو الحسن علي بن عمر القزويني الكاتبي.(2)

وقد ألف كتاباً أسماه بـ«تجريد العقائد»، وقد طار صيت هذا الكتاب واشتهر في الأوساط العلمية وشرحه غير واحد من السنّة، كشمس الدين محمد الاسفرائيني البيهقي، وشمس الدين محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الاصفهاني


1 . الجاسوس على القاموس:129ـ 130، طبعة قسطنطينة.

2 . موسوعة طبقات الفقهاء:7/244.


( 322 )

(المتوفّى 984هـ) وعلاء الدين علي بن محمد المعروف بالفاضل القوشجي(المتوفّى 879هـ) الّذي وصف الكتاب المذكور بقوله: تصنيف مخزون بالعجائب، وتأليف مشحون بالغرائب، فهو وإن كان صغير الحجم، وجيز النظم، لكنّه كثير العلم، عظيم الإسلام، جليل البيان، رفيع المكان، حسن النظام، مقبول الأئمة العظام. لم يظفر بمثله علماء الأعصار، ولم يأت بمثله الفضلاء في القرون والأدوار، مشتمل على إشارات إلى مطالب هي الأُمهات، مشحون بتنبيهات على مباحث هي المهمات، مملوء بجواهر كلّها كالفصوص، ومحتو على كلمات يجري أكثرها مجرى النصوص، متضمن لبيانات معجزة في عبارات موجزة.(1)

10. جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (570ـ 646هـ) الأُصولي الطائر الصيت من كبار العلماء في الأدب والفقه والأُصول حيث ألف الشافية في الصرف والكافية في النحو وقد شرحهما إمام الأدب والعربية في عصره رضي الدين الاسترابادي(686هـ) يصفه السيوطي بقوله: الرضي الإمام المشهور صاحب شرح الكافية لابن الحاجب، الّذي لم يؤلّف عليها، بل ولا في غالب كتب النّحو، مثلها، جمعاً وتحقيقاً، وحسنَ تعليل. وقد أكبّ النّاس عليه، وتداولوه واعتمده شيوخ هذا العَصْر فمَن قبلهم، في مصنّفاتهم ودروسهم، وله فيه أبحاث كثيرة مع النّحاة، واختيارات جَمّة، ومذاهب ينفرد بها; ولقبه نجم الأئمّة، ولم أقف على اسمه ولا على شيء من ترجمته; إلاّ أنّه فرغ من تأليف هذا الشرح سنة ثلاث وثمانين وستمائة.(2)

وألف ابن الحاجب كتاباً في أُصول الفقه أسماه «منتهى السوؤل والأمل في


1 . شرح التجريد لعلاء الدين القوشجي:1.

2 . بغية الوعاة:1/567 برقم 1188.


( 323 )

علمي الأُصول والجدل» وهو مطبوع، ثم اختصره وسماه «مختصر السوؤل والأمل» وهو أيضاً مطبوع ويعرف بمختصر ابن الحاجب وكان مداراً للتدريس لقرون، وقد اعتنى العلماء بشرحه، وقد ذكر محقّق كتاب «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب» شرّاح المختصر فأنهى عددهم إلى خمسة وأربعين.(1)

وممن شرحه إمام الشيعة في الفقه والأُصول الحسن بن يوسف بن مطهر الحلّي (648ـ 726هـ)، الّذي يصفه ابن حجر في «لسان الميزان» بقوله: عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم وكان آية في الذكاء.(2)

وذكر شرحه ابن حجر في الدرر الكامنة، وقال: وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حل ألفاظه وتقريب معانيه.(3)

هذه نبذة عن الأواصر العلمية بين علماء الشيعة والسنة في مجالات الأدب والحديث والأُصول وغيرها، وهذه هي سيرة السلف الصالح، الّتي نأمل أن يقتدي بها الخلف الصالح من خلال الأخذ بالمشتركات ، وانتهاج الأُسلوب العلمي في مناقشة المسائل المختلف فيها، بعيداً عن التعصب والتحزب.

وبما أنّ كتاب مختصر ابن الحاجب في أُصول الفقه كان كتاباً دراسياً حتّى في الأوساط الشيعيّة، فقد كان المحقّق الأردبيلي يُدرّس شرح العضدي على المختصر المذكور لتلميذيه المعروفين: الحسن بن زين الدين المعروف بصاحب المعالم، والسيد محمد بن علي المعروف بصاحب المدارك،(4) فلذلك عمدنا إلى


1 . رفع الحاجب:1/191ـ 224.

2 . لسان الميزان:2/317برقم 1295 ذكره ـ للأسف بعنوان الحسين بن يوسف المطهر، مع أنّ اسمه الحسن، كما أنّه عنونه أيضاً باسم الحسين في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة:2/71.

3 . الدرر الكامنة:2/71.

4 . ريحانة الأدب:3/392; روضات الجنات:7/48.


( 324 )

إحياء ذلك الميراث القيّم الّذي كاد أن يعفي عليه الدهر ولم نعثر إلاّ على نسختين منه أشرنا إلى خصائصهما في تقديمنا على الجزء الأوّل من الكتاب.

***

وقبل الحديث عن مؤلف وشارح هذا المختصر نذكر معظم ما ألفه علماء الشيعة في أُصول الفقه إلى زمن العلاّمة الحلي(رحمه الله). أي نهاية القرن السابع وامّا الثامن فالعلاّمة الحلّي من أبطال ذلك العلم فيه وقد ألّف كتباً وربّى جيلاً.

لم يكن علم أُصول الفقه أمراً مغفولاً عنه في عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وقد أملى الإمام الباقر وأعقبه الإمام الصادق(عليه السلام) قواعد كلية في الاستنباط ومشى على ضوئها أصحابهما وقد جمع ما أملاه الإمامان المحدّث الحر العاملي(المتوفّى 1104هـ) في كتاب خاص وأسماه «الفصول المهمة في أُصول الأئمة».

كما جمع العلاّمة السيد شبر (1242هـ) تلك الأحاديث في كتاب خاص أسماه «الأُصول الأصلية».

وتلاه السيد الشريف هاشم بن زين العابدين الخوانساري (المتوفّى 1318هـ) فأودع تلك الأحاديث بشكل خاص في كتاب خاص أسماه «أُصول آل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)».

هذا ما يرجع إلى القرنين الأوّلين.

وأمّا في القرن الثالث فلم نقف إلاّ على كتاب «اختلاف الحديث ومسائله» لفقيه الشيعة يونس بن عبدالرحمن (المتوفّى 208هـ).(1)

وفي القرن الرابع قام العلمان الجليلان من بيت بني نوبخت بدور رئيسي في هذا الصدد، وهما:


1 . رجال النجاشي:211برقم 810.


( 325 )

أ. أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237ـ 311هـ) فقد ألف الكتب التالية:

1. الخصوص والعموم.

2. الأسماء والأحكام.

3. إبطال القياس.

يقول النجاشي: كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا وغيرهم، له جلالة في الدنيا والدين، ثم ذكر الكتابين الأوّلين.(1)

ويقول ابن النديم: هو من كبار الشيعة، وكان فاضلاً عالماً متكلّماً، وله مجلس يحضره جماعة من المتكلّمين، ثمّ ذكر الكتاب الأخير له.(2)

ب. الحسن بن موسى النوبختي، يعرّفه النجاشي بقوله: شيخنا المتكلّم المبرّز على نظرائه قبل الثلاثمائة وبعدها، ثمّ ذكر أنّ له كتاب: خبر الواحد والعمل به.(3)

وفي القرن الخامس بلغ علم الأُصول مرحلة جديدة، وقد بسط أصحابنا فيها الكلام ونذكر منها ما يلي:

1. محمد بن محمد بن النعمان المفيد (336ـ 413هـ) وهو شيخ الشيعة في عصره، صنف كتاباً باسم «التذكرة بأُصول الفقه»، وقد طبع ضمن مصنفات الشيخ المفيد.

2. الشريف المرتضى (355ـ 436هـ) عرّفه النجاشي بقوله: هذا من


1 . رجال النجاشي: برقم 67.

2 . فهرست ابن النديم:225.

3 . رجال النجاشي: برقم 146.


( 326 )

العلوم ما لا يدانه أحد في زمانه.(1) ألف كتاباً باسم الذريعة وقد طبع في جزأين، وقد فرغ منه عام 430هـ.

3. سلاّر بن عبد العزيز الديلمي الشيخ المقدم في الفقه والأدب، ألّف كتاب «التقريب في أُصول الفقه».(2)

4. الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) الشيخ الجليل صاحب المؤلفات الكثيرة، ألف كتاب «العُدّة» في أُصول الفقه، وهو مطبوع منتشر.

وفي القرن السادس: ازدهر علم أُصول الفقه أكثر ممّا سبق، ونذكر ممّا ألف فيه الكتابين التاليين لمؤلفين جليلين:

1. ابن زهرة الحلبي (511ـ 558هـ) ألف كتاباً باسم: «غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع» خصّ الجزء الأوّل من هذا الكتاب بالكلام وأُصول الفقه، وهو مطبوع.

2. سديد الدين الحمصي الرازي، قال عنه منتجب الدين الرازي: الشيخ الإمام سديد الدين، علاّمة زمانه في الأُصولين، ورع ثقة، وذكر مصنفاته الّتي منها: المصادر في أُصول الفقه، والتبيين والتنقيح في التحسين والتقبيح، حضرت مجلس درسه سنين.(3)

وقد فرغ من كتابه «المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد» عام 581 هـ في الحلّة الفيحاء عند منصرفه من زيارة الحرمين بالحجاز.(4)

وقد أشار إلى كتابه هذا ابن إدريس في سرائره قال: ولقد أحسن شيخنا محمود الحمصي(رحمه الله)فيما أورده في كتابه المصادر في أُصول الفقه.(5)


1 . رجال النجاشي:برقم 1067.

2 . الذريعة:4/365.

3 . فهرست منتجب الدين:برقم389.

4 . المنقذ من التقليد:17.

5 . السرائر:3/290.


( 327 )

وقد أكثر ابن إدريس من الثناء عليه ولا بأس بذكر ما قاله في حقه; قال: سألني شيخنا محمود بن علي بن الحسين الحمصـيّ، المتكلّم الرازي عن معنى قول أبي جعفر(عليه السلام): قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)بردّ الحبيس وإنفاذ المواريث، فقلت: الحبيس: الملك المحبوس على بني آدم من بعضنا على بعض مدة حياة الحابس دون حياة المحبوس عليه، فإذا مات الحابس فإنّ الملك المحبوس يكون ميراثاً لورثة الحابس ويحلّ حبسه على المحبوس عليه، فقضى برده إلى ملك الورثة ـ إلى أن قال:ـ فأعجبه ذلك، وقال: كنت اتطلّع على المقصود فيه وحقيقة معرفته وكان منصفاً غير مدع لما لم يكن عنده معرفة حقيقية ولا في صنعته، وختاماً أقول: لقد شاهدته على خُلق قل ما يوجد في أمثاله من عودة إلى الحق وانقياده إلى ربقته، وترك المراء ونصرته كائناً ما كان صاحب مقالته، وفقه اللّه وإيّانا لمرضاته وطاعته.(1)

وفي القرن السابع ألف نجم الدين الحلي المعروف بالمحقّق (602ـ 676هـ) ذلك الإمام الكبير في الفقه والأُصول ألف كتابه: المعارج في أُصول الفقه، وقد طبع عدة مرات، وهو مع صغر حجمه إلاّ أنّه كبير المعنى.

قال في «أعيان الشيعة»: ومن كتبه «نهج الوصول إلى معرفة علم الأُصول».(2)

المؤلف والشارح بين يدي أصحاب التراجم

الكتاب الّذي نقدّمه إلى القرّاء الكرام هو تأليف عالمين كبيرين معروفين في الأوساط العلمية الإسلامية، وهما غنيان عن التعريف والتوصيف إلاّ أنّنا سنذكر


1 . السرائر:2/190.

2 . أعيان الشيعة:4/192 و ج24/26.


( 328 )

موجزاً من حياتهما ليكون ذلك كالتقدير لما بذلاه من جهود مضنية في إرساء وإغناء المعارف الإسلامية.

المؤلّف

هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الدوني(1) ثمّ المصري، الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب، الملقب بـ«جمال الدين». كان والده حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي، وكان كردياً. واشتغل ولده أبو عمرو المذكور بالقاهرة في صغره بالقرآن الكريم، ثمّ بالفقه على مذهب الإمام مالك، ثم بالعربية والقراءات وبرع في علومها وأتقنها غاية الإتقان. ثمّ انتقل إلى دمشق ودرّس في جامعها في زاوية المالكية وكان الأغلب عليه علم العربية.(2)

ولد ابن الحاجب سنة 570 أو 571 هـ، بـ «إسنا» من بلاد الصعيد.(3)

وقال ابن خلكان: كان من أحسن خلق اللّه ذهناً... وجاءني مراراً بسبب أداء شهادات وسألته عن مواضع في العربية مشكلة، فأجاب أبلغ جواب بسكون كثير و تثبت تام.(4)

ويقول السيوطي: وصنف في الفقه مختصراً، وفي الأُصول مختصراً، وفي النحو الكافية وشرحها ونظمها، الوافية وشرحها، وفي التصريف، الشافية وشرحها، وفي العروض قصيدة، وشرح المفصّل سماه الإيضاح، وله الأمالي في النحو.


1 . ولعل الصحيح هو الدويني نسبة إلى دوين في آخر آذربيجان من جهة إيران، وبلاد الكرك. معجم البلدان:2/558.

2 . وفيات الأعيان:3/248برقم 413.

3 . سير اعلام النبلاء:23/265.

4 . بغية الوعاة:3/250.


( 329 )

وأضاف: ومصنفاته في غاية الحسن، وقد خالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات مفحمة يعسر الجواب عنها، وكان فقيهاً مناظراً مفتياً مبرزاً في عدة علوم متبحراً ثقة ديناً ورعاً متواضعاً.(1) إلى غير ذلك من كلمات أصحاب التراجم الّتي تشبه بعضها بعضاً.

تصانيفه

ألف ابن الحاجب تصانيف ـ كما قال السيوطي ـ في نهاية الحسن، وإليك أسماء بعضها:

1. الكافية في النحو (مطبوع).

2. الشافية في الصرف (مطبوع).

3. المقصد الجليل وهي قصيدة في العروض (مطبوع).

4. مختصر في الفقه ويسمى جامع الأُمهات.

5. منتهى السؤول(2) والأمل في علمي الأُصول والجدل(مطبوع).

6. مختصر منتهى السؤول والأمل، ويعرف بمختصر ابن الحاجب (مطبوع).

إلى غير ذلك من التصانيف الّتي احتفلت بذكرها كتب التراجم، وقد أنهاها محقّق كتاب «رفع الحاجب» إلى أربع وعشرين مؤلّفاً.

وفي ختام كلامنا عن المؤلف نتحف القارئ الكريم بشيء نافع وجميل، وهو أنّ السيوطي يقول عند ذكر مؤلفاته: وله في العروض قصيدة وفي نظمه قلاقة.(3)


1 . بغية الوعاة:2/165برقم 1632.

2 . طبع دار الكتب العلمية (بيروت، 1405هـ) بعنوان «منتهى الوصول والأمل».

3 . بغية الوعاة:2/135.


( 330 )

فلو صحت هذه النسخة فالمعنى انّ في نظمه قلقاً واضطراباً.

ولكن المنقول في الروضات عن الذهبي: وفي نظمه بلاغة.(1)

ولعلّ الصحيح هو الثاني، لأنّه حسب الظاهر في مقام المدح لا الذم، وعلى كلّ تقدير فنحن نعرض هنا شيئاً من شعره الرائق في المؤنثات السماعية، والّتي جمعها في ثلاثة وعشرين بيتاً، وانّي قد سمعتها لأوّل مرة من أُستاذي الكبير ميرزا محمدعلي المدرس الخياباني (1296ـ 1373هـ) مؤلف «ريحانة الأدب».

وكنت قد عزمت على شرح هذه القصيدة وأنا في أواسط العقد الثاني من عمري ولم يُقدّر لي القيام بذلك.

قال ابن الحاجب:

نفسي الفداء لسائل وافاني *** بمسائل فاحَت كَغصن البانِ

أسماء تأنيث بغير علامة *** هِي يا فَتى في عُرفهم ضَربان

قد كانَ منها ما يؤنَث ثَمَّ ما *** هُوَ ذُو خيارِ لاختلاف مَعان

أمّا الّتي لابُدّ من تأنيثها *** ستُّون منها العين والاُذنان

والنفس، ثمّ الدّار، ثمّ الدّلو من *** أعدادها والسنّ والكَتفانِ

وجَهنّم، ثمّ السَّعير وعقرب *** والأرض، ثم الإست، و العَضُدان

ثمّ الجحيم ونارها ثمّ العصا *** الرِّيح منها واللَّظى ويَدان

والغول والفردوس والفلك الّتي *** في البحر ـ تجري وهي في القرآن

وعروض شعر والذراع وثعلب *** والملح ثمّ الفاس والوركان

***


1 . روضات الجنات:5/174. لم نعثر عليه في «سير اعلام النبلاء» ولا في «تاريخ الإسلام» ، مع أنّ أكثر ما ذكره صاحب الروضات في ترجمته مأخوذ من هذين المصدرين. ولعلّه أخذ هذا الموضع من غير الذهبي دون أن يشير إلى مصدره.


( 331 )

والقوس ثمّ المنجنيق وارنب *** والخمر ثمّ البئر والفخذان

وكذاك في ذهب وفهر حكمهم *** أبداً وفي ضرب بكلّ معان

والعين والينبوع والدّرع الّتي *** هي من حديد قطُّ والقدمان

وكذاك في كبد وفي كرش وفي *** سقر ومنها الحرب والنعلان

وكذاك في فرس وكأس ثمّ في *** أفعى ومنها الشمس والعقبان

والعنكبوت تدبُّ والموسى معا *** ثمّ اليمين واصبع الإنسان

والرّجل منها والسراويل التي *** في الرّجل كانت زينة العريان

وكذا الشّمال من الاناث ومثلها *** ضبع ومنها الكفُّ والسّاقان

أمّا الّذي قد كنت فيه مخيّراً *** هو كان سبعة عشر في التّبيان

السّلم، ثم المسك، ثم القدر في *** لغة ومنها الحال كلّ أوان

والليث منها والطّريق وكالسُّرى *** ويقال في عنق كذا ولسان

وكذا السّماء والسّبيل مع الضحى *** ثمّ السلاح لقاتل الطعان

والحكم هذا في القفا أبداً وفي *** رحم وفي السكين والسُّلطان

فقصيدتي تبقى وانّي اكتسي *** ثوب الفناء وكلّ شيء فان(1)

وما أفاده في آخر القصيدة: «وقصيدتي تبقى...».

كلام حق، فقد بقت قصيدة في الأذهان والكتب وان بَلي جسمه.

ولعلّ هذا المقدار في التعرف على المصنّف كاف، ولمن أراد المزيد فليرجع إلى المعاجم خصوصاً «موسوعة طبقات الفقهاء» حيث وردت فيها مصادر ترجمته.(2)


1 . روضات الجنات:5/186ـ 187.

2 . موسوعة طبقات الفقهاء، تأليف لجنة التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام):7/152.


( 332 )

الشارح

لا عتب على اليراع إن وقف عن الإفاضة في تحديد شخصية لامعة تُعدّ من أبرز النوابغ و الفطاحل الذين يضنّ بهم الزمان إلاّ في فترات قليلة، فإنّ شارح المختصر هو من تلك الطبقة العليا ومن أعاظم الفقهاء والأُصوليين. وفي كلمة: انّه شيخ الإسلام، والمجتهد الأكبر، والمتكلّم الفذ، و الباحث الكبير، جمال الدين أبو منصور المعروف بالعلاّمة الحلّي، وب آية اللّه على الإطلاق، وبابن المطهّر. ولد في شهر رمضان سنة 648هـ وأخذ عن والده الفقيه المتكلم البارع سديد الدين يوسف، وعن خاله شيخ الإمامية المحقّق الحلي الذي كان له بمنزلة الأب الشفيق، فحظى باهتمامه ورعايته، ولازم الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي مدة واشتغل عليه في العلوم العقلية وبرع فيها وهو لا يزال في مقتبل عمره.

يعرفه معاصره أبو داود الحلي، بقوله: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، وصاحب التحقيق والتدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول والمنقول.(1)

وقال الصفدي: الإمام العلاّمة ذو الفنون، عالم الشيعة وفقيههم، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته... وكان يصنف وهو راكب... وكان ريّض الأخلاق، مشتهر الذكر...وكان إماماً في الكلام والمعقولات.(2)

وقال ابن حجر في «لسان الميزان»: عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم، وكان آية في الذكاء...و كان مشتهر الذكر، حسن الأخلاق.(3)


1 . رجال أبي داود:119 برقم 461.

2 . الوافي بالوفيات:13/85برقم 79.

3 . لسان الميزان:2/317.


( 333 )

يقول في الدرر الكامنة: اشتغل في العلوم العقلية فمهر فيها وصنّف في الأُصول والحكمة، وكان رأس الشيعة بالحلّة، واشتهرت تصانيفه وتخرج به جماعة، وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حل ألفاظه وتقريب معانيه، وصنف في فقه الإمامية وكان قيّماً بذلك داعية إليه... إلى أن قال: بلغت تصانيفه مائة وعشرين مجلداً.(1)

تصانيفه في علم الأُصول

قد تقدّم تصريح ابن حجر بأنّ تصانيف العلاّمة قد بلغت مائة وعشرين مجلداً، ومن أراد أن يطلع على تصانيفه في مختلف العلوم الإسلامية من الفقه و الأُصول والمنطق والكلام والفلسفة والتفسير والرجال فعليه أن يرجع إلى ما ألفه السيد عبد العزيز الطباطبائي(رحمه الله) في ذلك المضمار وأسماه بـ «مكتبة العلاّمة الحلّي». إلاّ أنّنا نقتصر في المقام بذكر تصانيفه في علمي المنطق و الأُصول، لأنّ هذا التقديم مختص بأحد كتبه في هذين المضمارين، فنقول: إنّ العلاّمة الحلّي قد ضرب في علمي المنطق والأُصول بسهم وافر، فألّف فيهما مختصرات ومتوسطات ومطوّلات، نشير أوّلاً إلى كتبه في علم الأُصول ثمّ نتطرق فيما بعد إلى كتبه في المنطق، فنقول: إنّ له في الأُصول كتباً عديدة، هي:

1. «مبادئ الوصول إلى علم الأُصول»، مطبوع، ذكره المصنّف لنفسه في الخلاصة، وفي إجازته للسيد المهنّا.

2. «منتهى الوصول إلى علمي الكلام والأُصول» ذكره المصنّف في الخلاصة، وفي إجازته للسيد المهنّا، فرغ منه يوم الجمعة السادس عشر من شهر جمادى


1 . الدرر الكامنة:2/71.


( 334 )

الأُولى سنة 687هـ.

3. «نهج الوصول إلى علم الأُصول»، ذكره المصنّف في الخلاصة، وفي إجازته للسيد المهنّا. وأحال في مبحث الحقيقة الشرعيّة من هذا الكتاب إلى كتاب «نهاية الوصول».

4. «تهذيب الوصول إلى علم الأُصول» مطبوع، ذكره المصنّف في الخلاصة، وإجازته للسيد المهنّا، وله شروح كثيرة.

5. «نهاية الوصول إلى علم الأُصول». ذكره المصنّف في إجازته للسيد المهنّا.

وعرّفه في «الخلاصة» بقوله:كتاب جامع في أُصول الفقه لم يسبقه أحد، فيه ما ذكره المتقدّمون والمتأخّرون ألّفه بالتماس ولده فخر الدين. وقد قامت لجنة التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) بتحقيقه وخرج منه ثلاثة أجزاء والباقية منه قيد التحقيق وسيتم الكتاب في أجزاء خمسة إن شاء اللّه.

6. «غاية الوصول وإيضاح السبل» في شرح مختصر منتهى السؤول والأمل في علمي الأُصول والجدل لابن الحاجب(المتوفّى 646هـ) ذكره المصنّف في خلاصة الرجال، وهذا هو الكتاب الّذي بين يدي القارئ الكريم.

7. النكت البديعة في تحرير «الذريعة» للسيد المرتضى.

تصانيفه في المنطق

وقد عبّر ابن الحاجب عن المنطق بالجدل، وقد ألّف العلاّمة في هذا المضمار ما يقرب من عشرة كتب نشير إلى بعضها:

1. الأسرار الخفية في العلوم العقلية: فالجزء الأوّل منه في المنطق، وهو مطبوع.


( 335 )

2. الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد: شرح فيه قسم المنطق من كتاب التجريد لأُستاذه المحقّق نصير الدين الطوسي، وهو مطبوع منتشر.

3. القواعد الجلية في شرح الشمسية: توجد نسخه في المكتبات.(1)

4. مراصد التدقيق ومقاصد التحقيق في المنطق والطبيعي والإلهي: ألفه لسعد الدين صاحب الديوان توجد نسخه في المكتبات.(2)

ثمّ إنّ البحاثة السيد عبد العزيز الطباطبائي ذكر له أربعة كتب في المنطق، وبما أنّها مفقودة فقد أعرضنا عن ذكرها.(3)

***

لمّا وقف الأُستاذ أبو سليمان على هذا المقال، أعجبه طرة عنوانه، أعني: الأواصر العلمية بين علماء الفريقين، كتب إلينا رسالة أبدى فيها بعض الملاحظات حوله الذي منها تغيير عنوانه إلى «بين علماء الشيعة والسنة» ونحن أيضاً امتثلنا أمره فغيّرنا العنوان إلى ما اقترحه. شكراللّه مساعيه من عالم واع داع للتقريب قولاً وعملاً و ها نحن ننشر رسالته بتقدير وإكبار.


1 . مكتبة العلاّمة الحلّي:160.

2 . نفس المصدر: 185.

3 . نفس المصدر:52، 63، 77، 114، 135، 173، 206.


( 336 )

7

رسالة الأُستاذ الفذ: الدكتور عبد الوهاب إبراهيم

حول المقال السابق

سماحة العلاّمة الشيخ جعفر السبحاني حفظه اللّه

السلام عليكم ورحمة وبركاته

وبعد

فأسأل المولى جل وعلا لسماحتكم دوام الصحة والعافية وحسن العاقبة.

سيدي: أشكر لسماحتكم كبير اهتمامكم بمراسلاتكم العلمية المفيدة أجلكم اللّه ورفع قدركم.

سيدي: تأملت بكثرة من الاهتمام الأوراق النفيسة الّتي بعثتم بها إليّ عبر الفاكس، وسررت بإبراز فضيلتكم هذه الحقيقة حقيقة التسامح بين علماء السنة والشيعة الأقدمين، وينبغي أن يطلع على هذا أبناء الإسلام في الوقت الحاضر حتى تضيق الفجوة الّتي يسعى لتوسعتها المغرضون.

أود أن أُشير إلى بعض الجوانب الّتي ارتأيتها أثناء القراءة لما خطته أناملكم الكريمة تقديماً للكتاب الأُصولي:

1. العنوان (الأواصر العلمية بين علماء الفريقين).

ما رأي سماحتكم لو كان العنوان بهذه العبارة:

(الأواصر العلمية بين علماء السنة وعلماء الشيعة رحمهمُ اللّه) بدلاً من كلمة


( 337 )

(الفريقين) فإنّها توحي بشيء من التفرقة والنزاع وهو ما نريد أن نتفاداه.

2. في الفقرة الثانية: «هذه نبذة عن زمالة الشيعة والسنة...» فقرة جميلة جداً فقط آمل استبدال عبارة (الّذي ينبغي أن تكون عليه أُمة الإسلام مهما تعدّدت مشاربها واختلفت مذاهبهم) بالعبارة الموجودة (إذا ساعدت الظروف ذلك) أعتقد أنّ هذا واجب العلماء من كلا المذهبين السني والإمامي، ويجب أن نوجد الظروف لهذا الاتجاه بحق وصدق كما فعل العلماء السابقون من كلا المذهبين.

سيدي: أشكر لسماحتكم سعة صدركم، وقد وقفت هذه الأيام على كتاب نفيس عنوانه (مختصر كتاب الموافقة بين أهل البيت والصحابة). وهو مهم في موضوعه ومحتواه، وأعتقد أنّ دراسته ونشره سيحقق ويحيي آمال المخلصين من العلماء الداعين للتقريب، وإنّي أحتفظ لسماحتكم بنسخة منه إن لم يكن متوافراً لديكم.

في الختام أُكرر شكري ودعائي لسماحتكم وسلامي العاطر لكافة الأساتذة والعلماء لديكم ممن حظيت بلقائهم وتشرفت بالاجتماع معهم، وإلى لقاء قريب على الأرض الطاهرة، إن شاء اللّه.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أرفق لسماحتكم صورة غلاف كتاب الموافقة بين أهل البيت والصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين.

المخلص

عبدالوهاب أبو سليمان

11/1/1427هـ


( 338 )

8

«الإلهيات» ودورها في سد الفراغ الفكري

وصلتنا رسالة من أحد مثقفي العراق أشاد فيها بكتاب «الإلهيات» وذكر أنّه سدّ الفراغ الموجود في الجانب العقائدي فيما يرجع إلى المبدأ والمعاد، ووقع الكتاب مورد إعجابه ونحن قبل أن نورد نص رسالته نشير إلى أمر:

روى أُستاذنا الأعظم السيد حسين البروجردي وهو طريح على فراشه في أواخر أيّام عمره الشريف أواسط شوال المكرم من شهور عام 1380هـ عن جدّه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«وأخلص العمل فإنّ الناقد بصير ».(1)

ومعنى الحديث أنّه سبحانه هو الناقد الّذي يعرف الخالص من المغشوش، والعمل العاري عن الرياء والسمعة عن العمل المقترن بهما.

وانطلاقـاً مـن هـذا الحديث أنّ تأثير كتاب «الإلهيات » في الأوساط الإسلامية وخاصة الشيعة الإماميـة نابع مـن أنّ هذه المحاضـرات قد دوّنـت وحـررت بمـداد الإخلاص. فـأرجو مـن اللّه سبحانه أن يجعـل سائـر أعمالنا خالصة لوجهه.

وإليك نص الرسالة المشار إليها:


1 . الاختصاص للمفيد:341; بحار الأنوار:13/432 ح23.


( 339 )

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أكمل وأجمل الخلق أجمعين محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

الأُستاذ العلاّمة آية اللّه العظمى الشيخ جعفر السبحاني «دام ظله الوارف»

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أمّا بعد:

حين البدء في الكتابة لشخصكم الكريم نازعني أمران:

الأوّل: شدة الشوق إليكم، والآخر التردد في الكتابة، والسبب هو أنّني لا أعلم إن كانت مخاطبتكم فيها شيء من الجرأة غير المستحسنة، فمثلنا ليس بالجدارة التي تؤهله لكي يكتب إليكم ولكن عذرنا ينبع من حسن النية في ذلك.

حتماً أنّكم تعلمون أنّنا في العراق عشنا فترة قاسية جداً، ولا أود الخوض في جوانبها المتعددة، بل فقط الإشارة إلى كبت الحرية الفكرية الحالكة، فكأنّ القول يبدو حقيقياً لو قلنا: إنّ من يحصل على كتاب ديني مهم كمن يجاهد في سبيل اللّه، فقد أصحرت المكتبات وقتل وسُجن الكثير من أصحاب الفكر الشيعي، إلاّ أنّ ثقتنا باللّه تعالى من أنّه برحمته لا يسمح للظلام أن يحط بكلكله تماماً، فكانت نعمة كبرى ان بدأنا مشوار معرفتكم في العام 1998 م من خلال مؤلفكم الفذ ـ الإلهيات ـ فأصبحت كلماتكم نقاط ضوء تجمعت وكبرت فأزالت سُدفة كادت أن تعشي القلوب.

وهكذا أخذنا وضمن حلقة صغيرة من الشباب المؤمن نتذاكر في مواضيعه


( 340 )

وقد وقانا اللّه العزيز من جلاوزة الدولة الذين يتابعون كلّ شيء حتّى الضيوف الذين يزورون بيوتنا.

لا أُريد الاطالة على سماحتكم ولكن لنؤكد فضل اللّه وفضلكم علينا في العراق في تلك الفترة وانّه كبير جداً، فقد كانت مقدمة كتابكم ساحرة واخاذة تحولت إلى مفتاح لنشر أُصول الدين وباسلوبكم المجدد والمتجدّد حيث كنت أتحدّث بها لبعض الناس فكانوا ينجذبون لها بشكل غريب وعجيب ممّا يجعلهم يطلبون المزيد، ومازلتُ أُواصل هذا العمل بعد سقوط النظام.

وقبل المقام لنا طلب لو سمحتم بتحقيقه لنا، وهو انّنا بحاجة إلى دعائكم لنا بالتوفيق على صعيد الآخرة وليس الدنيا، لأنّكم من سبل اللّه تعالى.

وفي الختام نبتهل إلى اللّه جل شأنه أن يُطيل بظلكم الظليل علينا ويزيدكم نوراً ويمتعكم بالصحة خدمة له تعالى ولأهل بيت النبوة سلام اللّه وصلاته عليهم وللشيعة ودمتم للمذهب وللإسلام والمسلمين.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

الفقير إلى اللّه

خادمكم كاظم أبو زيد ـ بغداد ـ العراق

حررت في 21 محرم /1426هـ

الموافق 4 آذار/2005م


( 341 )

9

تعليق على مقال الدكتور عبدالكريم عكيوي

«تعقيب على تعقيب»

بسم الله الرحمن الرحيم

قرأت في مجلة «بصائر الرباط» الّتي تُصدرها «دائرة الرباط العلمية للبحث والدراسات الإسلامية» في المغرب، مقالاً يحمل عنوان: «تعقيب على تعقيب» بقلم د. عبد الكريم عكيوي، وقد نُشر المقال في العدد الثاني، المحرم 1427هـ الموافق لـ فبراير 2006م. وكان المقال تعقيباً على مقالي(1) الّذي نشر في نفس هذا العدد، وهو بدوره كان تعقيباً على مقال الدكتور الّذي نشر في العدد الأوّل من المجلة.

وكان الأحرى بالمجلة اتّباع الاسلوب المتعارف في المجلات، بالفصل بين المقال وما يكتب تعقيباً عليه . ولكن خُولف هذا الأُسلوب فنُشر المقالُ والتعقيب في عدد واحد.

ونحن إذ نشكر هذا النفس الطويل لكاتبنا العزيز الّذي استغرق تعقيبه إحدى وعشرين صفحة، نذكر فيما يلي خلاصة ما جاء فيه ممّا يتعلق بموضوعنا، مع تعقيبها بالتحليل:


1 . لاحظ الجزء الخامس من الرسائل والمقالات:639ـ 645.


( 342 )

الأمر الأوّل

ذكر الدكتور أنّ منهج البحث العلمي يقتضي ذكر كلّ مسألة في موضعها وبيانها في موطنها المناسب، فلا يجمع بين مفترقين. حيث إنّ بحثه كان في اختبار كذب الراوي عن طريق التاريخ وأمّا تعقيبنا فكان في مسألة عرض متن الحديث على التاريخ ليعلم كذبه أو علّته، وهما مسألتان متمايزتان، فلا معنى لتعقيب المسألة الأُولى (الّتى هي موضوع البحث للدكتور) بالمسألة الثانية الّتي هي موضوع التعقيب.

تحليلنا

لقائل أن يقول: إنّ هنا مسألة واحدة، لها صورتان:

أمّا المسألة فهي عرض الحديث ـ سنداً ومضموناً ـ على التاريخ. والحديث ـ الّذي يعتمد عليه ـ يتألف من السند والمتن، فالراوي تارة يَكْذِب في جانب السند عن طريق التدليس، فيُظهر المرسَل مسنداً، والموقوف مرفوعاً، إلى غير ذلك من أساليب التدليس. وأُخرى يَكْذِب في المضمون، فيسند إلى المعصوم ما لم يقله. فإذا عرضنا الحديث على التاريخ، فتارة يُستكشف كذب الراوي في جانب السند، وأُخرى كذبه في مضمون الحديث حيث أسند إلى المعصوم ما لم يقله.

فهاتان صورتان لمسألة واحدة، وهي عرض الحديث على التاريخ بسنده ومضمونه. فكما يمكن عدُّهما مسألتين ، كذلك يصح لقائل أن يجعلهما صورتين لمسألة واحدة. ولا مشاحة في اختلاف الاعتبار، إذا كان هناك اتفاق في المعتبَر.

وها نحن نمثل لكلّ من الصورتين حتّى يتضح انّهما وجهان لشيء واحد.

أمّا الصورة الأُولى: فنأتي بنفس المثال الّذي كتبه الدكتور، وهو ما أخرجه الخطيب البغدادي بسنده عن عفير بن معدان الكلاعي، قال: قدم علينا عمرو


( 343 )

بن موسى حمص، فاجتمعنا إليه في المسجد فجعل يقول: حدثنا شيخكم الصالح، فلما أكثر علينا، قلت له: من شيخنا الصالح هذا سمّه لنا نعرفه؟ فقـال: خالد بن معدان. قلت له: في أيّ سنة لقيتَه. قال: سنة ثمان ومائة، قلت: فأين لقيته؟ قال: لقيته في غزاة أرمينية. فقلت له: اتق اللّه يا شيخ ولا تكذب، مات خالد بن معدان سنة أربع ومائة، وأنت تزعم أنّك لقيته بعد موته بأربع سنين.

فهنا كشفَ التاريخُ عن كذب الراوي فيما ورد السند.

وأمّا الصورة الثانية: فنأتي بمثال ثالث غير ما كتبته في مقالي السابق، وهو أنّه إذا أسند إلى الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)أحد سماسرة الأهواء ممن أشار إليهم الرسول الكريم في قوله:لا تكذبوا عليّ، فإنّ من كذب عليّ فليلج في النار(1)، وقال: إنّ قوله سبحانه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَولُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ)(2)، نزل في علي بن أبي طالب، وأنّ قوله سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ)(3) نزل في عبد الرحمن بن ملجم، فإنّنا نستكشف من التاريخ كذب الحديث، إذ لم يكن عبد الرحمن بن ملجم صحابياً ولم ير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى في صغره، حيث إنّه هاجر في خلافة عمر.(4)

ولعل القارئ الكريم يتعجب من هذا الحديث الموضوع وربما يرى أنّه لم يتفوه به أحد، ولكن العجب في غير مورده، فإنّ من وقف على حياة المنحرفين عن الإمام عليّ يسهل عليه تصديق ذلك.


1 . رواه البخاري. لاحظ: فتح الباري:1/199برقم 38.

2 . البقرة:204.

3 . البقرة: 207.

4 . الاعلام للزركلي:3/339.


( 344 )

ويكفيك ما رواه مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك ان تسُبَّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنَّ له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبَّهُ. لأن تكون لي واحدةٌ منهنَّ أحبُّ إليَّ من حُمُر النِّعم. سمعتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول له وقد خلَّفه في بعض مغازيه، فقال له عليٌّ: يا رسول اللّه خلَّفتني مع النّساء والصّبيان فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):« أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي» وسمعتُهُ يقول يوم خيبر: «لأُعطينَّ الرّاية رجلاً يحبُّ اللّه ورسوله ويحبهُ اللّه ورسوله» قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً. فأُتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح اللّه عليه، ولمّا نزلت هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)(1) دعا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً حسيناً (عليهم السلام)فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».(2)

فإذا كان هذا حال كاتب الوحي وخال المؤمنين ـ حيث يحرّض سعداً على سبّ الإمام علي ويتعجب من امتناع «سعد» عنه ـ فما ظنك بحال غيره من محرفي الكلم عن مواضعه، فترى أنّه يحدث بأن آية النفاق نزلت في حقّ الإمام علي وآية الإيثار نزلت في عبد الرحمان بن ملجم قاتل الإمام علي(عليه السلام)!!

فدع عنك نهباً صِيح في حَجَراته *** ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

الأمر الثاني

ذكر الدكتور قائلاً: والّذي ظهر لي أنّ صاحب التعليق أراد أن يفهمنا أنّ المحدثين ـ ويقصد أهل السنّة خاصة ـ غاية جهدهم ومنتهى طاقتهم النظر في


1 . آل عمران:61.

2 . صحيح مسلم:7 باب فضائل علي بن أبي طالب: ص 120.


( 345 )

الأسانيد والتعليق على الرواة، ولا شأن لهم بالمعاني والمتون، أي لا يعرفون شيئاً عن مسألة النقد الداخلي. ثمّ استشهد بكلامي وقال: هذا ما يفهم من قوله: «لا شكّ أنّ السنّة النبوية هي المصدر الثاني للعقيدة والشريعة وأنّ المسلمين بذلوا جهودهم لجمع ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) من قول أو فعل أو تقرير بنحو لا مثيل له في الأُمم السابقة، ولكن هذا لم يكن مانعاً من وضع ضوابط لتمييز الصحيح من السنة عن السقيم، «وقد لجأ الأكثرون» في تمحيص السنة المتداولة إلى سبيل النقاش في أسانيد الحديث ورجاله، وخرجوا بنتائج باهرة، وصار التوفيق حليفاً لهم إلى حدّ ما.

تحليلنا

إنّما نسبه إليّ بقوله: «إنّ المحدثين غاية جهدهم ومنتهى طاقتهم النظر في الأسانيد، ولا شأن لهم بالمعاني والمتون، ولا يعرفون شيئاً عن مسألة النقد الداخلي»، لا يوافق نص كلامي حيث قلت:«وقد لجأ الأكثرون» في تمحيص السنة المتداولة إلى سبيل النقاش في أسانيد الحديث»، وأين هذا من السالبة الكلية الّتي نسبها إلي؟ وقد أخذ مقالي موضوعاً للنقد.

وحاصل كلامي في المقال، وفي كتابي المنشور باسم «الحديث النبوي بين الرواية والدراية»: أنّ المحدثين ركّزوا على مناقشة الأسانيد دون المتون، وأنّ أكثر جهودهم كانت منصبّة على الأسانيد، وهذا لا ينافي وقوع النقد الداخلي في بعض الأحايين. وقد ذكر الدكتور موارد منها.

والشاهد على ذلك أنّ المحدثين ألّفوا موسوعات كبيرة، أشبه بالمحيطات، حول الرجال، من عصر يقارب تدوين الحديث إلى يومنا هذا.


( 346 )

فلاحظ ما ألّفه البخاري في هذا المجال باسم تاريخه، والرازي باسم الجرح والتعديل، وما جاء بعد ذلك من عشرات المؤلفات إلى عصر الذهبي وابن حجر وغيرهما.

وأمّا النقد الداخلي فلم يؤلف فيه أي كتاب مفرد في ذلك. ولو كان لهم نقاش فانّما يذكرونه أحياناً بعد إيراد الحديث.

نعم، في الآونة الأخيرة، ألف الأُستاذ المصري، أبو رية، كتاباً باسم «أضواء على السنّة المحمدية»، وجاء بعده الأُستاذ محمد الغزالي فكتب كتاباً باسم «الحديث النبوي بين أهل النقل والفهم»، فأحدث الكتابان ضجة كبرى في المجامع العلمية، حتّى أنّ أكثر خطباء الجمعة في السعودية، صبّوا جام سخطهم عليهما، وكأنّ الرجلين خرجا من دين اللّه تعالى، لمجرد مناقشتهم لمتون بعض الأحاديث.

وهذا ليس بمعنى أنّ كلّ ما ناقشوه صحيح، ولكنّهما شقّا طريقاً لتمييز الصحيح عن غيره، بهذين التأليفين.

ولو كان النقد الداخلي كالنقد السندي، لما اتَّسم كتابا البخاري ومسلم بالصحة والقدسية لكلّ ما ورد فيهما.

وهذا هو حديث الجساسة المروي في صحيح مسلم عن تميم الداري(1)، لا يقبله العقل ولا النقل، ولكن الاعتقاد بقدسية الكتابين، حال دون نقدهما.

الأمر الثالث

ذكر الدكتور: انّ المؤاخاة الّتي كانت في المدينة انّما هي من آثار الأُخوّة في الدين ومن فوائدها، فحصولها في المدينة لا يفيد أبداً أنّ الأُخوّة بين المهاجرين


1 . صحيح مسلم:8/203.


( 347 )

والأنصار منتفية قبل ذلك وانّما هي الوجه العملي التطبيقي للاخوة، فقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لأصحابه:«تآخوا في اللّه أخوين أخوين» لا يدل بوجه من الوجوه على أنّه ينفي عنهم الأُخوّة قبل الهجرة.

ثمّ فرّع على ذلك أنّه لا تعارض بين حصول المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بالمدينة وبين قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر(في مكة):«أنت أخي».

ولا تعارض أيضاً بين قوله: أنت أخي وهما في المدينة وبين قوله له ذلك في مكة، لأنّه لا معنى للقول أنّه لمّا قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر: أنت أخي في المدينة فلا يمكن أن يكون قد سبق أنّه قال مثل ذلك بمكة من قبل.(1)

تحليلنا

ما ذكره الدكتور ـ حفظه اللّه ـ أمر صحيح لا يخفى على من له إلمام بأساليب الكلام ولكنه أجنبي عن كلامي ومرامي ومقالي، وكأنّه ـ حفظه اللّه ـ لم يمعن النظر فيما كتبت، وإلاّ لمّا أطنب الكلام في نقدهذه الفقرة قرابة ست صحائف، وأقول صريحاً: إنّ ما نسبه إليّ ]من اعتقادي بوجود التعارض بين حصول المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في المدينة وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأبي بكر:«أنت أخي»[. في مكة إلى آخر ما ذكره، غير صحيح جدّاً وإنّما هو استنباط شخصي له من كلامي، قادته إليه عاطفتـه الّتي طغـت أحيـاناً، فصغـت بـه عن منهـج البحـث العلمـي، ودفعتـه إلى التجنّي في بعض الموارد، كقوله: أم أن صاحب التعليق غرضه أن يوصل إلينا....

ونحن لا نؤاخذه بشيء من ذلك، فصدرنا قد اتّسع ويتسع لأكثر منه،


1 . مجلة بصائر الرباط، العدد2، ص 138ـ 139.


( 348 )

وإنّما فقط نسجّل عتبنا عليه.

إذا ذهب العتابُ فليس ودٌّ ويبقى الودّ ما بقيَ العتابُ

هذا ومن الواضح أنّ إثبات الأُخوّة في ظرف لا ينافي إثباتها في ظرف آخر متقدم عليه، خصوصاً إذا كان الموضوع مختلفاً بالعموم (المؤاخاة بين المهاجر والأنصار) والخصوص (المؤاخاة بين النبي وأبي بكر).

ولإيضاح مرامنا نذكر أُموراً نتمنى من الدكتور أن يمعن النظر فيها ثمّ يكتب ما يريد:

الأوّل: انّ الاخوة الدينية المطروحة في الحوار وردت في مواضع ثلاثة:

أ. ما رواه البخاري عن عروة أنّ النبي خطب عائشة إلى أبي بكر فقال له أبو بكر: انّما أنا أخوك فقال له: انّما أنت أخي في دين اللّه وكتابه، وهي لي حلال.

هذا الحديث يُشكِّل موضوع البحث، وقد قلنا :إنّ التاريخ لا يصدقه وسيوافيك توضيحه.

ب. ما تضافرت عليه كتب الحديث من أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) آخى في المدينة بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فآخى بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، وبين الزبير وعبد اللّه بن مسعود إلى آخر ما ذكرناه في مقالنا السابق.

ج. ما رواه البخاري في باب فضائل أبي بكر عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس وقال: إنّ اللّه خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند اللّه، قال: فبكى أبو بكر فعجبنا لبُكائه أن يُخبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن عبد خُيّر فكان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المخيَّر وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أُخوّة الإسلام ومودّته لا يبقينّ في المسجد بابٌ إلاّ


( 349 )

سُدَّ إلاّ باب أبي بكر.(1) ورواه مسلم(2) ونص الحديث يكشف عن أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قاله في مرض موته أو قُبيل ذلك الوقت، ومن حُسن الحظ أنّ هذا الحديث لم يُرم بما رُمي به حديث الكتف والدواة الذي رواه البخاري في غير موضع واحد من صحيحه فلاحظ.

والحوار بيننا وبين الدكتور مركز على الحديث الأوّل فقط دون الثاني والثالث ولو ورد الكلام حولهما فانّما هو لغاية الإيضاح أو الاستشهاد.

الثاني: الأُخوّة الدينية الإسلامية على وجهين:

أ. الأُخوّة الدينية الإسلامية الّتي عزز بها سبحانه الأُمة الإسلامية تشمل عامة المؤمنين، قال سبحانه: (إِنّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) ثمّ رتب عليه آثاراً من قوله: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)وقوله: (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم) ، وقوله: (وَلا تَنابَزُوا بِالأَلْقابِ)(3) إلى غير ذلك من الآثار المترتبة على الأُخوّة الدينية العامة.

وهذا الوجه من الأُخوّة لا يختص بالمهاجرين ولا بالأنصار، بل يشمل كلّ من يستظل بظل الإيمان باللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وما ورد من أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعمر يا أخي أو لزيد: أنت أخونا، ولأُسامة: أنت أخي، فإنّما يراد به تلك الأُخوّة الواردة في الآية الكريمة، أعني قوله سبحانه: (إِنّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).(4)

ب. الأُخوّة الدينية الإسلامية الخاصة الّتي تنعقد بين مسلمين، كالتي تمتّ


1 . صحيح البخاري:5/4، باب لو كنت متخذاً خليلاً. ط مصر.

2 . صحيح مسلم:5/108كتاب فضائل الصحابة.

3 . الحجرات:10ـ12.

4 . الحجرات:10.


( 350 )

بعد هجرة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة المنورة، وكانت على أساس المشاكلة والمماثلة بين كلّ اثنين في الدرجات النفسية، ولذلك وقعت المؤاخاة فيها بين المهاجرين والأنصار حتّى بين المهاجرين أنفسهم. روى الحاكم في «المستدرك»: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)آخى بين أصحابه فآخى بين أبي بكر وعمر، و بين طلحة والزبير، وبين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فقال علي(عليه السلام) : يا رسول اللّه انّك قد آخيت بين أصحابك فمن أخي؟ قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى يا علي أن أكون أخاك؟ قال ابن عمر: وكان علي جلداً شجاعاً، فقال علي: بلى يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت أخي في الدنيا والآخرة».(1)

ترى أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يضم الشكل إلى الشكل ويؤلف بينهما ويؤاخي بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وادّخر (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً لنفسه فخصّه بذلك.

وكان من آثار تلك الأُخوة التوارث.

ذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي إلى جماعة من التابعين قالوا: لمّا قدم النبي المدينة آخى بين المهاجرين وآخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة، وكانوا يتوارثون وكانوا تسعين نفساً بعضهم من المهاجرين وبعضهم من الأنصار، وقيل: كانوا مائة، فلمّا نزل (وَأُولُوا الأَرْحامِ)بطلت المواريث فيهم بتلك المؤاخاة.

الثالث: انّ الخُلّة المنفية في الحديث الثالث أي ما ذكره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في مرض وفاته وقال:«ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخوّة الإسلام ومودته» هي الخلّة الخاصة لا الخُلّة العامة وإلاّ فهي ثابتة للمؤمنين عامة قال سبحانه:(الأَخِلاّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)(2) ، وفي الوقت نفسه


1 . مستدرك الحاكم: ج3، كتاب الهجرة: ص 14; فتح الباري:7/271.

2 . الزخرف:67.


( 351 )

يكون قرينة على أنّ المراد من الأُخوّة في ذيل الحديث هي الأُخوّة الدينية العامة ولذلك قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ولكن أُخوّة الإسلام ومودّته». ولم يقل أنت أخي.

***

إذا تبين ما ذكرنا فلنعد إلى دراسة الحديث الأوّل وهو أنّ الحديث يتضمن أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)خطب عائشة إلى أبي بكر فقال له أبو بكر: إنّما أنا أخوك فقال له: إنّما أنت أخي في دين اللّه وكتابه وهي لي حلال».

فعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد من الأُخوّة المطروحة في كلام أبي بكر فهنا احتمالان:

1. أن يراد بها الأُخوّة الدينية العامة، لكنّها احتمال بعيد جدّاً... إذ لا يخفى على مسلم أنّ هذا الوجه من الأُخوّة غير مانع من التزويج وإلاّ لبطل نكاح المسلمين مع المسلمات قاطبة.

2. أن يريد به الأُخوّة الخاصة الّتي تنعقد بين شخصين التي جسّدها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة بين المهاجرين والأنصار حتّى بين أبي بكر وعمر، فهذا النوع من الأُخوّة يصلح أن يكون ذريعة للامتناع من التزويج بأن تقوم الأُخوّة الاعتباريّة مكان الأُخوّة النسبية كما قامت الأُخوّة الرضاعية مكان النسبية، وبهذا يفسر قول زيد بن خارجة انّ بنت حمزة بنت أخي.(1)

وقد ورد أنّ النبي آخى بينهما في المدينة المنورة.

وهذا الاحتمال لو ثبت يكون للحديث معنى صحيح، لكنّه بعيد من وجهين:

أوّلاً: ننره أبا بكر عن الاعتقاد بأنّ الأُخوّة الاعتبارية بين شخصين تمنع عن


1 . فتح الباري:7/271.


( 352 )

التزويج وتقوم مقام الأُخوّة النسبية.

وأمّا إيجابها التوارث، فإنّما ثبت بنص النبي وبيانه في دار الهجرة، ولولا تصريحه بذلك، لما تبادر إلى ذهن أحد ترتّب التوارث على هذا النوع من الأُخوّة.

نعم قد يحتمل حرمة التزويج ، الإنسانُ البسيط الغافل عن الشريعة وتعاليمها.

ثانياً: سلّمنا أنّ أبا بكر كان يعتقد بأنّ الأُخوّة الاعتبارية تمنع عن تزويج البنت للأخ لكن التسليم انّما يفيد لو تحقّق ذلك النوع من الأُخوّة بين النبي وأبي بكر قبل الهجرة، وهو في غاية البعد، إذ لو كانت لاشتهرت بين الصحابة، لأنّها فضيلة رابية لا تدانيها فضيلة أُخرى. ولكن لم يرد في حديث مسند أو مرسل أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) آخى بينه وبين أبي بكر كما آخى في المدينة بينه و بين علي(عليه السلام). نعم نقل ابن حجر عن عبد البرّ انّه كانت المؤاخاة مرتين، مرة بين المهاجرين خاصة وذلك بمكة ومرّة بين المهاجرين والأنصار(1) ولو صحّ ما ذكره فقد كانت المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم، لا بين النبي وشخص آخر على أنّ عبد البرّ تفرد في نقله هذا ولم نقف على سنده، وعلى فرض الصحة فقد آخى بين المسلمين بمكة لا بين نفسه وشخص آخر، ولو أنّه اختار أبا بكر أخاً لنفسه لاشتهر وبان.

هذا ما قصدناه في مقالنا.

وحصيلة الكلام أوّلاً: أنّ المؤاخاة العامة لا تصلح أن تكون ذريعة للامتناع من التزوج، وأمّا المؤاخاة الخاصة فهي تصلح أن تكون مانعة لكن عند بعض البسطاء لا عند مثل أبي بكر.

وثانياً: لو تنزّلنا وقلنا بأنّه كان يعتقد بأنّ حرمة تزويج البنت من آثار الأُخوّة


1 . فتح الباري:7/271.


( 353 )

الاعتبارية التنزيليّة لكن وجود الموضوع ( الأُخوّة) بعيد جداً، إذ لو كان لاشتهر وبان.(1)

الأُخوّة العرفية

يظهر من بعض مواضع كلام الدكتور أنّ مراد أبي بكر من قوله: «إنّما أنا أخوك»ما يمكن أن يعبر عنه بالأُخوّة العرفية حيث قال: «فأخوة أبي بكر لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحبته له أشهر من أن يحتاج أبو بكر إلى موقف خاص يشهد له: فهو بمنزلة أخيه لقرب سنيهما ولقوة صحبتهما وكثرة اجتماعهما حتّى كأنّهما أخوان من أب واحد تحت سقف واحد. ومن وجوه هذا قصة الهجرة حين اشتد الأذى على رسول اللّه استأذنه أبو بكر في الخروج ـ ثمّ ذكر حديث خروجه من مكة إلى المدينة ـ ثمّ يقول: ومن هذا الحديث يقول السيد جعفر السبحاني: «انّ ما هو مسلم به هو أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أمضى هو وأبو بكر ليلة الهجرة وليلتين أُخريين بعدها في غار ثور الّذي يقع جنوب مكة في النقطة المحاذية للمدينة المنورة» ـ إلى أن قال ـ و قد خلد الذكر الحكيم هذا المقام لأبي بكر فهو يُتلى ويتعبد بتلاوته إلى أن تقوم الساعة.

تحليلنا

إنّ تفسير الأُخوّة بالنحو الّذي عُلم من كلام الدكتور لا يمنع من التزويج عند العقلاء، فالمعاشرة القريبة بين الشخصين لا تجعلهما أخوين على نحو تحرم بنت أحدهما على الآخر عرفاً حتّى تكون مانعاً عن التزويج عند أبي بكر.


1 . نطلب من سماحة الدكتور، ان لا يذهب يميناً ولا يساراً بل، يبييّن آراءه ونظرياته حول ما ذكرناه.


( 354 )

ثمّ إنّ ما نقله عنا حيث قال:«وعن هذا الحديث يقول السيد جعفر السبحاني إلى آخره» ليس له في مقالنا المنشور في المجلة عين ولا أثر ولو نقله عن مصدر آخر كان عليه الإشارة إلى مصدر النقل.

إنّ الّذي حدا بالكاتب إلى الإسهاب، والتعرض للمسائل الجانبية، هو العاطفة الدينية، وإلاّ فأيّة صلة بين دراسة الحديث وبين هذا التفصيل في موضوع هجرة أبي بكر مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ إذ كان يكفي الإشارة إليه والحديث عنه بإيجاز.

ولولا خشية الابتعاد عن الموضوع، وخدش العواطف، لتناولنا بالدراسة الآية الّتي خصّت النبي بالسكينة في غار ثور (فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأََيَّدَهُ بِجُنُود لَمْ تَرَوْها)(1) ، والآيات الّتي تحدّثت عن نزول السكينة على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى المؤمنين، في بعض المواقف، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنينَ)(2)، وقوله: (فأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنينَ).(3)

ولكن حفظاً للوئام وان لا تُكَّدر مياه الصفو، تركنا الكلام فيها.

الأمر الرابع

قال الدكتور: الحديث الثاني أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) :يا نبي اللّه ثلاثٌ أعطنيهن، قال: نعم. قال: عندي أحسن العرب وأجمله أُم حبيبة بنت أبي


1 . التوبة:40.

2 . التوبة:26.

3 . الفتح:26.


( 355 )

سفيان أزوجكها. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك. قال: نعم. قال وتؤمّرني حتّى أُقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم. وقد جزم السيد جعفر السبحاني أنّ الحديث موضوع لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوج أُم حبيبة قبل إسلام أبيها أبي سفيان بزمن طويل. وأورد الدكتور في هذا المقام ما هذا حاصله:

« ـ إنّ الجزم بالوضع والقطع به لا يكون إلاّ عندما يتبين صريحاً، ولم يكن للحديث محمل من الوهم والغلط بوجه من الوجوه. وهذا الحديث ليس بهذه الصفة. فجهة الإشكال فيه إنّما في تسمية أم حبيبة فقط. أمّا باقي العناصر فليس فيها إشكال. أمّا زواج النبي من بنت أبي سفيان فهو ثابت مقرر، وأمّا كون معاوية كاتباً فلا اعتراض عليه، وأمّا جهاد أبي سفيان بعد إسلامه فحاصل في مشاهد مختلفة في زمن النبوة وبعده».

«ثم قال: ولما انحصر الإشكال في تسمية أُم حبيبة، نظر المحدثون في سائر ملابسات الحديث والظروف المتصلة به فوجدوا أنّ زواجه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أُم حبيبة ثابت صحيح، ووجدوا أيضاً أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عرضت عليه بنت أُخرى لأبي سفيان وهي أُخت أُم حبيبة. فقوي بذلك احتمال حصول الوهم لأحد رواة الحديث».

«فعند مسلم (ح2626) عن أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان قالت: دخل عليّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقلتُ له هل لك في أُختي بنت أبي سفيان فقال: أفعل ماذا؟ قلت: تنكحها، قال: أو تحبين ذلك؟ قلت: لست لك بمخلية وأحبُّ من شركني في الخير أُختي، قال: فإنّها لا تحلُّ لي. قلت: فإنّي أُخبرت أنّك تخطب درَّة بنت أبي سلمة. قال: بنت أُمّ سلمة! قلت: نعم قال: لو أنّها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلّت لي إنّها ابنةُ أخ من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبةُ فلا تعرضن عليَّ بناتكنَّ ولا أخواتكنَّ».


( 356 )

«فإذا ثبت أنّ أُمّ حبيبة عرضت أُختها على رسول اللّه، فالاحتمال قائم على أن تكون هي الّتي عرضها أبوها أيضاً غاية الأمر أنّ ذكر اسم «أُمّ حبيبة» وهم. ثم استشهد بكلام الصنعاني بأنّ في الحديث غلط ووهم في اسم المخطوب لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي عزّة ـ بفتح العين المهملة وتشديد الزاء ـ وهي أُخت أُمّ حبيبة، فخطب أبو سفيان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بها وخطبته لها أُختها، كما ثبت في الصحيحين فأخبرها بتحريم الجمع بين الأُختين».

تحليلنا

1. ما نسبه الدكتور إليّ من كون الحديث موضوعاً غير صحيح وانّما قلت: عليل، وإليك نص كلامي في مقالي المطبوع في المجلة وفي نفس العدد.

«لا يشك أي باحث متضلع في التاريخ الإسلامي أنّ الحديث عليل، لاتّفاق المسلمين على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تزوج بأُمّ حبيبة قبل فتح مكة».(1)

وكونه عليلاً واضح جدّاً بشهادة أن أقطاب الحديث صاروا إلى تصحيحه بوجوه مختلفة أفضلها عند الدكتور طروء الوهم والغلط على الحديث وانّ المخطوب لها كانت أُخت أُمّ حبيبة لا نفسها.

2. روى مسلم في صحيحه أنّ أُمّ حبيبة قالت للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هل لك في أُختي بنت أبي سفيان، فقال: أفعل ماذا؟ قلت تنكحها... الخ.

وهذا عليل مضموناً، فكيف يكون شاهداً لتصحيح الخبر السابق؟ ذلك أنّ اقتراح أُمّ حبيبة كان بعد عام الفتح الّذي أسلم فيه أبو سفيان وهو العام الثامن من الهجرة، فهل يتصور أن تجهل زوجة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)حكم الجمع بين


1 . بصائر الرباط، العدد:2 ص 124.


( 357 )

الأُختين حتّى تخطب أُختها لرسول اللّه؟! كيف وقد أمر سبحانه زوجات النبي بالقعود بالبيت وتلاوة كتاب اللّه وقال:(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللّهَ كانَ لَطِيفاً خَبيراً).(1)

وقد ملأ أسماع المسلمين قوله سبحانه: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً).(2)

وليست مسألة الجمع بين الأُختين من المسائل الّتي لا تتعلق بالنساء حتّى يستسهل جهلهن بها، بل هي من المسائل التي لها مساس بحياتهن العائلية.

فإذا كان حال الشاهد فكيف حال المشهود له؟!

3. انّ الدكتور أشار في غير موضع من كلامه بحسن إسلام أبي سفيان فقال في موضع: وأمّا جهاد أبي سفيان بعد إسلامه فحاصل من مشاهد مختلفة في زمن النبوة وبعدها، وفي موضع آخر: وإسلام أبي سفيان ودخوله في صف المجاهدين مع رسول اللّه بعد إسلامه معروف.

يلاحظ عليه: كان على الدكتور رعاية ما لفت نظرنا إليه، بقوله: «انّ نقاد الحديث يستحضرون كلّ ما يتصل بالحديث من الظروف العامة والملابسات واللوازم وكلّ ما له صلة بمضمون الحديث من قريب وبعيد... ولهذا فإنّ التحقيق في الخبر يوجب النظر فيه موصولاً بغيره من الحوادث السابقة واللاحقة، مضموماً إلى ما سواه في الأخبار والحوادث المتصلة بالزمان الّذي يتعلق به، والمكان الّذي يجري فيه»... إلى آخر ما ذكر، فياليت الدكتور استحضر هذا أو بعضه، في موضوع تاريخي له صلة بأبي سفيان الّذي تحدّى الرسالة الإسلامية منذ

بزوغ فجرها، ووقف في وجهها معانداً ومحرّضاً ومحارباً، وآذى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه أشد الإيذاء، وجرّعهم أنواع الغصص هو وأصحابه الطغاة، وقاد كتائب الشرك لقتالهم وإطفاء نور اللّه الّذي أبى جلّ شأنه إلاّ أن يتمّه ولو كره المشركون.

فهل تمّ التحقيق في الخبر الوارد في شأنه موصولاً بهذه الحوادث السابقة؟

وهل درس مضموماً إلى ما سواه من الأخبار الّتي تتحدث عن تاريخه (النضالي) ضد الإسلام والمسلمين؟!

قال الذهبي وهو يترجم لأبي سفيان: رأس قريش، وقائدهم يوم أُحد ويوم الخندق، وله هنات وأُمور صعبة، لكن تداركه اللّه بالإسلام يوم الفتح فأسلم شبه مكرَه خائف. ثمّ بعد أيّام صلح إسلامه.(3)

لقد يئس أبو سفيان من قدرته على مقاومة الزحف الإسلامي المقدّس، وأحسّ بموازين القوى وهي تتغير لصالح الإسلام، وقد عبّر عن ذلك يوم فتح مكة بقوله: «يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به»(4)، ولذا استسلم (أو أسلم شبه مكره خائف) ممّا دعا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن يتألّفه بإعطائه حصة من الغنائم.

وأنّى للباحث المنصف غير المنُساق مع ميوله أن يثبت القول بأنّه (صلح إسلامه)، وقد (كان يحب الرئاسة والذكر)(5) ويُعرب في كلّ فرصة يجدها مناسبة عن نواياه غير السليمة تجاه الإسلام والمسلمين وقضاياهم المختلفة، في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، ولا سيما في عهد


1 . الأحزاب:34.

2 . النساء:23.

3 . سير أعلام النبلاء:2/105برقم 13.

4 . الكامل في التاريخ:2/246.

5 . هذا الوصف للذهبي نفسه.


( 358 )

خلافة ابن عمه عثمان، والّتي كان له فيها سُورة


( 359 )

[ أي منزلة ] كبيرة على حد تعبير الذهبي.

وإليك شيئاً من أفعاله وأقواله بعد إسلامه في حياة النبي وبعدها:

أ. لما انهزم المسلمون في غزوة حنين ـ والحديث ذو شجون ـ قال أبو سفيان: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. (1) وقال كلدة بن الحنبل: ألا بطل السحر.(2)

ب. لما بويع عثمان دخل إليه بنو أبيه حتّى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليهم، فقال أبو سفيان: «أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا. قال: يا بني أُمية تلقفوها تلقف الكرة، فوالّذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة».(3)

ج. مرّ أبو سفيان بقبر حمزة وضربه برجله وقال: يا أبا عمارة إنّ الأمر اجتلدنا عليه بالسيف، أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعبون به.(4)

د. روى أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة: كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث أبا سفيان ساعياً ورجع من سعايته وقد مات رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فلقيه قوم فسألهم، فقالوا: مات رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: من ولي بعده؟ قالوا: أبو بكر، قال: أبو فضيل! قالوا: نعم، قال: فما فعل المستضعفان: عليٌّ والعباس! أما والّذي نفسي بيده لأرفعن لهما من أعضادهما.

قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز وذكر الراوي ـ وهو جعفر بن سليمان ـ أنّ أبا سفيان قال شيئاً آخر لم تحفظه الرواة; فلما قدم المدينة قال: إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم! قال: فكلّم عمر أبا بكر، فقال: إنّ أبا سفيان قد قدم. وإنّا لا


1 . السيرة النبوية لابن هشام:4/443.

2 . نفس المصدر.

3 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:9/53 نقلاً عن كتاب السقيفة للجوهري.

4 . المصدر السابق:16/136.


( 360 )

نأمن شرّه، فدفع له ما في يده، فتركه فرضى.

وروى أحمد بن عبد العزيز، قال: جاء أبو سفيان إلى علي(عليه السلام)، فقال: وليتم على هذا الأمر أذلّ بيت في قريش، أما واللّه لئن شئت لأملأنها على أبي فضيل خيلاً ورجلاً، فقال علي(عليه السلام): طالما غششت الإسلام وأهله فما ضررتم شيئاً! لا حاجة لنا إلى خيلك ورجالك.(1)

هذه بعض أقواله وسيرته ولو جمعت من هنا وهناك لرسمت لنا نفسية هذا الرجل وصلته بالإسلام.

هذا ما سمح به المجال لتحليل ما كتبه الدكتور، ونعتذر إليه وإلى القراء من الإسهاب في المقام.

نحمده ونشكره ونستعين به ونصلّي ونسلم على نبيه وآله الطاهرين.

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

قم المقدسة

30جمادى الآخرة 1427هـ.


1 . شرح نهج البلاغة، 9/53. وفي تاريخ ابن الأثير:2/326: فزجره عليّ، وقال: واللّه إنّك ما أردت بهذا إلاّ الفتنة. وإنّك واللّه طالما بغيت للإسلام شرّاً!


( 361 )

10

نظرة على كتاب «حقيقة وليس افتراء»

بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة الشيخ صالح بن عبداللّه الدرويش حفظه اللّه

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أرجو من اللّه سبحانه أن تكونوا في صلاح وفلاح وفي خير وسعادة.

لفَتَ نظري كتابُ «حقيقة وليس افتراء» تأليف أبي معاذ الإسماعيلي وقد صُدِّر بتقديمكم وسرّني ما جاء في التقديم من دعوتكم إلى توحيد الكلمة بين المسلمين وضرورة وقوفهم صفّاً واحداً أمام اليهود والنصارى وسائر الكفّار.

ولما قرأت صحائف من الكتاب وجدته على خلاف ما دعوتم إليه، ففي الكتاب سبّ لاذع لكبار العلماء وقادة الفكر، فها هو يصف نصير الدين الطوسي بقوله: «أمّا نصير الدين الطوسي فتعامله مع التتار لا ينكره أحد من علماء الشيعة، بل يذكرون كونه سبباً في جريان دماء المسلمين كالأنهار في نكبة التتار...إلى أن قال: والأولى تسميته بخائن الدين صاحب مذبحة بغداد».(1)

ويقول في مكان آخر: «وهناك ضربة قاصمة لظهر الشيخ المفيد».(2)


1 . حقيقة وليس افتراء:66.

2 . المصدر نفسه:61.


( 362 )

ويقول في موضع ثالث: «ليُدرك خزعبلات وخرافات السيد جعفر مرتضى بشكل خاص»(1) إلى أمثال ذلك من الكلمات البائسة الّتي لا تصدر إلاّ من كاتب ناقم، ذي نفس داكنة وقلب مريض. فلو كانت الغاية تحقيق الموضوع لما احتاج إلى مثل هذه الكلمات. وبما أنّ الرجل أهان إمام العلم ومفخرة المسلمين ـ أعني: نصير الدين الطوسي ـ نذكر شيئاً موجزاً حول هجوم المغول على بغداد، ليُبصر مَن له عينان ان عدم كفاءة الخليفة ومن حوله من الوزراء والأُمراء، وانغماسهم في الشهوات واللذائذ، هو الّذي أدّى إلى سقوط الخلافة العباسية:

يقول ابن كثير: «وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كلّ جانب حتّى أصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتُضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهم الّذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب: «إذا أراد اللّه انفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم»، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرة الستائر على دار الخلافة.(2)

هب أنّ نصير الدين الطوسي هو السبب لسقوط الخلافة العباسية وسيلان الدماء في عاصمتها، فما هو سبب ذلك الدمار الواسع والانهيار الشامل الّذي عمّ البلاد من أقصى المشرق الإسلامي إلى العاصمة بغداد، وها هو ابن الاثير (المتوفّى عام 630هـ) أي قبل سقوط الخلافة الإسلامية بست وعشرين سنة يصف تلك الداهية العظمى بالنحو التالي:


1 . المصدر نفسه:34.

2 . البداية والنهاية:13/213.


( 363 )

«من الّذي يسهل عليه أن يكتب نعيَ الإسلام والمسلمين ومن ذا الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فياليت أُمّي لم تلدني، ويا ليت متُّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً إلاّ انّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثمّ رأيت أن ترك ذلك لا يُجدي نفعاً فنقول:

هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصّت المسلمين، فلو قال القائل أنّ العالم مذ خلق اللّه سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتل بمثله لكان صادقاً، فإنّ التاريخ لم يتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ـ إلى أن قال: ـ هؤلاء لم يُبقوا أحداً، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقّوا بطون الحوامل وقتلوا الاجنّة، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون. فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاسغون ثم منها إلى بلاد ماوراء النهر مثل سمرقند وبُخارى وغيرها فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها مُلكاً وتخريباً وقتلاً، ثمّ يتجاوزونها إلى الريّ وهَمَدان وبلاد الجبل وما فيها من البلاد إلى حد العراق، ثمّ يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية ويخربون ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج إلاّ الشريد النادر في أقل من سنة هذا ما لم يسمع بمثله.(1)

وهنا نسأل الكاتب: هل كانت يد المحقّق الطوسي تلعب في كلّ هذه الخطوات المرّة من وراء الستار؟ أو أنّ للدمار عوامل تكمن في حياة المسلمين عبر السنين، حيث اشتغلوا بالخلافات الداخلية وانصرف الخلفاء إلى اللهو واللعب، وشرب الخمور و عزف المعازف وسماع المغنيّات، وقد تبعهم الرعاع والسوقة فذهبت الخيمة الإسلامية التي سيطرت على العالم في أوائل قرون العصر


1 . الكامل في التاريخ:12/358ـ 359. ولكلامه ذيل من أراد فليرجع.


( 364 )

الإسلامي.

كان المحقق الطوسي مقيماً مع الإسماعيليّين في «قلعة ألموت» الّتي قاومت الهجوم إلى أن سقطت بيد التتار، فأُخذ أسيراً، ولما علموا بفضله خصوصاً بالنسبة إلى النجوم والفلكيات، وقد كان للتتر رغبة كبيرة في هذه العلوم، صار ذلك سبباً لقربه من الحاكم فكان يدفع عاديتهم عن المسلمين مهما أمكن.

يقول الصفدي: «كان رأساً في علم الأوائل لا سيّما في الارصاد والمجسطي ووصفه بالجود والعلم وحسن العشرة والدهاء.(1)

وقال بروكلمان الألماني: هو أشهر علماء القرن السابع وأشهر مؤلفيه إطلاقاً.(2)

وقد خدم الثقافة الإسلامية وحفظها من شر التتار بدهائه وحنكته حيث رغّب التتار في حفظ العلوم حتّى وُفِّق لجمع العلماء المختفين في أكناف العالم إلى بناء قبة ورصَدَ عظيم في «مراغة» وتأسيس مكتبة كبيرة، احتوت على أربعمائة ألف مجلّد، فوفد إليها العلماء من النواحي حتّى أنّ ابن الفوطي صنف في ذلك كتاباً سماه «من صعد الرصد».

يقول الدكتور مصطفى جواد البغدادي في مقدمته لكتاب «مجمع الآداب في معجم الألقاب»: أنشأ نصير الدين الطوسي دار العلم والحكمة والرصد بمراغة من مدن آذربيجان، وهي أوّل مجمع علمي حقيقي«أكاديمية» في القرون الوسطى بالبلاد الشرقية، فضلاً عن الاقطار الغربية الجاهلة أيامئذ.(3)


1 . الوافي بالوفيات:1/779برقم 112.

2 . طبقات الفقهاء:7/243.

3 . مجمع الآداب في معجم الألقاب:20.


( 365 )

وقال الأُستاذ عبد المتعال الصعيدي في كتابه (المجتهدون في الإسلام) وهو يتحدث عن نصير الدين الطوسي: ولم يمت إلاّ بعد أن جدّد ما بليَ في دولة التتر من العلوم الإسلامية، وأحيا ما مات من آمال المسلمين.

هذا وقد ألف بعض المحقّقين ـ من أهل السنّة ـ حول هذه الفرية الشائنة كتاباً أثبت فيه براءة المحقّق ممّا اتّهمه به سماسرة الأهواء من المؤرخين الذين يرمون العظماء بتهمة واضحة لا تليق بمن هو أدنى من المحقّق الطوسي في العلم والتُقى.

والحاقدون على الطوسي بدل أن يبحثوا عن العلل الحقيقية للهزيمة وعواملها، حاولوا أن يصبّوا جام غضبهم على معلم الأُمّة وحافظ تراثها، وهو(رحمه الله)قد لقى ربّه الّذي لا تخفى عليه خافية، وسوف يحكم بينه و بين خصمائه الذين رموه عن جهل أو ضغينة.

وأمّا الشيخ المفيد وما أدراك ما المفيد، فهذا هو اليافعي يعرفه بقوله: في سنة 413هـ توفي عالم الشيعة وعالم الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية. قال ابن أبي طي: وكان كثير الصدقات عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم خشن اللباس.(1)

وقال ابن كثير بعد الإشارة إلى كتبه وكنيته: وكان يحضر مجلسه خلق عظيم من جميع طوائف الإسلام.(2)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي تعرب عن جلالة الرجل وعظمته عند


1 . مرآة الجنان:3/1338، طبع الهند.

2 . البداية والنهاية:12/15، طبع مصر.


( 366 )

الجميع.

وأمّا العالم الثالث، أعني:الأُستاذ الجليل السيد جعفر مرتضى العاملي فهو محقّق بارع، له باع طويل في الرجال والحديث والتاريخ، فقد ألف كتاباً حول «الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)»، والذي آثار حفيظة الكاتب أنّه أثبت فيه كثيراً من الحوادث التاريخية الّتي لا تلائم فكرته.

وعلى كلّ تقدير، فنحن ننزّه الشيخ الجليل الدرويش عن مباركة ما يسوّده هؤلاء الكتّاب من صحائف، تسيء إلى الحق وأصحابه، وتعكّر صفو الأُخوّة بين المسلمين.

وها أنا أكتب هذه السطور، ووكالات الأنباء تحكي بكلمة واحدة قصف المدنيين الأبرياء والأطفال والنساء في لبنان وهدم الأبنية ومشاريع الخدمات العامة حتّى محطات الكهرباء، بيد الصهاينة المجرمين المحتلين للأراضي الإسلامية وقتل المسلمين في لبنان وفلسطين.

والعجب أنّ هذه الجنايات تقوم بها دولة إسرائيل بمباركة من بعض زعماء المسلمين وسكوت أكثر المفتين وعلماء المسلمين خوفاً من حكوماتهم، فواللّه لم أزل أتعجب من سكوت العلماء في البلاد الإسلامية حتّى نقلت بعض الإذاعات أنّ بعض المفتين حرّم إغاثة هؤلاء المظلومين في لبنان العزيز بحجة أنّ من يقاتل إسرائيل هو كذا وكذا...!!

فلنرجع إلى تحرير مسألة زواج أُمّ كلثوم بنت الإمام علي(عليه السلام) بعمر بن الخطاب فهل هي أُسطورة أو لها حقيقة؟ وعلى الثاني هل كان هناك تزويج عن طيب نفس أو كانت هناك عوامل ألجأت آل البيت إلى الإجابة لمثل هذا الزواج.

فها هنا نظريات نطرحها على صعيد التحليل:


( 367 )

الأُولى: إنكار التزويج

ذهب الشيخ المفيد وغيره إلى إنكار هذا التزويج، وأنّه لم يثبت عن طريق موثوق به، وإليك نصّ كلامه:

إنّ الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين(عليه السلام) ابنته من عمر غير ثابت، وطريقه من الزبير بن بكّار ولم يكن موثوقاً به في النقل وكان متّهماً فيما يذكره، وكان يبغض أمير المؤمنين(عليه السلام)وغير مأمون فيما يدّعيه على بني هاشم. وإنّما نشر الحديثَ اثباتُ أبي محمد الحسن بن يحيى صاحب النسب ذلك في كتابه، فظن كثير من الناس أنّه حق لرواية رجل علوي له، وهو إنّما رواه عن الزبير بن بكار.

والحديث بنفسه مُختلف فتارة يُروى أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) تولى العقد له على ابنته، وتارة يُروى أنّ العباس تولى ذلك عنه.

وتارة روي أنّه لم يقع العقد إلاّ بعد وعيد من عمر وتهديد لبني هاشم.

وتارة يُروى أنّه كان عن اختيار و إيثار.

ثمّ إنّ بعض الرواة يذكر أنّ عمر أولدها ولداً أسماه زيداً.

وبعضهم يقول: إنّه قُتِلَ قبل دخوله بها.

وبعضهم يقول: إنّ لزيد بن عمر عقباً.

ومنهم من يقول: إنّه قتل ولا عقب له.

ومنهم من يقول: إنّه وأُمّه قُتلا.

ومنهم من يقول: إنّ أُمّه بقيت بعده.

ومنهم من يقول: إنّ عمر أمهر أُمّ كلثوم أربعين ألف درهم.

ومنهم من يقول: أمهرها أربعة آلاف درهم.

ومنهم من يقول: كان مهرها خمسمائة درهم.


( 368 )

وبدوّ هذا الاختلاف فيه يبطل الحديث، فلا يكون له تأثير على حال.(1)

وأورد عليه الكاتب بأنّ «اختلاف الروايات في مهر أُمّ كلثوم ووفاتها مع ابنها زيد في يوم واحد وقتلهما من عدمه، هذا الاختلاف بين المؤرخين لا يعني عدم حدوث الزواج، فلا علاقة تربط بينهما، لقد اختلف العلماء والمؤرخون وكتّاب السير في يوم دفن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وكذا اختلفوا في تواريخ معارك وأحداث ووفيات كثير من المشاهير و العظماء بل ومولدهم أيضاً، فهل هذا يعني عدم وجودهم أصلاً؟

يلاحظ عليه: أنّ اضطراب الروايات في جوانب قضية واحدة إلى حدّ يناهز إلى اثني عشر قولاً ، يوجب الشك والتردد في صحة الواقعة، إذ لا معنى أن تختلف الأقوال حول حادثة واحدة إلى هذا الحد من الاختلاف. ولا تركن النفس إلى حديث ظهر فيه الاضطراب إلى هذا الحد الهائل.

وأمّا قياس المقام بالاختلاف بيوم دفن النبي فقياس مع الفارق، فالدفن أمر محقق لا يرتاب فيه أحد وانّما الاختلاف في زمانه، وعلى كلّ تقدير فهذا قول الشيخ المفيد ومن تبعه وهذا دليله.

الثانية: أمّ كلثوم كانت ربيبة علي (عليه السلام)

هناك من اختار أنّ أُمّ كلثوم الّتي تزوج بها عمر كانت ربيبة علي(عليه السلام) ، وهي بنت أسماء بنت عميس الّتي تزوجها أبو بكر ـ بعد موت زوجها، جعفر بن أبي طالب ـ ورُزق منها ولدان:

1. محمد بن أبي بكر.


1 . مصنفات الشيخ المفيد، ج7، المسائل السروية:86ـ 90، قم ـ1413هـ.


( 369 )

2. أُمّ كلثوم بنت أبي بكر.

ولما توفّى أبو بكر وتزوجها علي (عليه السلام) انتقلت إلى بيت علي(عليه السلام) مع ولديها محمد بن أبي بكر وأُمّ كلثوم، فتزوّج عمر بن الخطاب بربيبة علي لابنته من صلبه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ أصحاب المعاجم لم يذكرو لأسماء بنت عميس ولداً من أبي بكر إلاّ محمد بن أبي بكر.

قال ابن الأثير: هاجرت أسماء بنت عميس إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فولدت له بالحبشة عبد اللّه وعوناً ومحمّداً ثمّ هاجرت إلى المدينة. فلمّا قتل عنها جعفر بن أبي طالب(عليه السلام)تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر، ثمّ مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب(عليه السلام)فولدت له يحيى.(2)

نعم كانت لأبي بكر بنت اسمها أُمّ كلثوم، لكن أُمّها بنت وليد بن خارجة يقول ابن الأثير:

أُمّ كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وأُمّها بنت وليد بن خارجة، وقد تزوجت هي بطلحة بن عبيد اللّه.(3)

نعم ذكر عمر رضا كحالة:

أُمّ كلثوم بنت أسماء راوية من راويات الحديث، روت عن عائشة وأُمّ سلمة وروى عنها ابنها موسى بن عقبة.(4)

ولكن لم يعلم أنّ أسماء هذه من هي؟ فهل هي أسماء بنت عميس أو غيرها؟ وعلى كلّ تقدير فهل هي زوجة أبي بكر أو زوجة غيره؟


1 . ينسب هذا القول إلى السيد الجليل: السيد ناصر حسين الموسوي الهندي (المتوفّى 1387هـ).

2 . أُسد الغابة:5/395.

3 . أُسد الغابة:5/612.

4 . أعلام النساء:4/250.


( 370 )

الثالثة: التزويج عن كُره

هذه النظرية تعترف بصحّة الزواج، ولكنها ترى أنّ التزويج لم يكن عن طيب نفس، بل كانت هناك عوامل سبّبت ذلك التزويج على وجه لولاها لما فوّض الإمام أمر بنته إلى العباس، وإليك ما يدلّ على ذلك على نحو لو تدبر فيه المحقّق لوقف على صحّتها:

1. ما هو السبب للزواج؟

ذكر ابن سعد أنّ الحافز إلى ذلك الزواج أنّ عمر بن الخطاب قال: سمعت عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: كلّ نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلاّ نسبي وسببي، وكنت قد صحبته فأحببت أن يكون هذا أيضاً.(1) فهذا هو الّذي سبّب رغبة الخليفة إلى التزوج بسبط النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن الظاهر أنّه يكمن هناك سبب آخر، وهو أنّ عمر بن الخطاب حاول بذلك الأمر ان يغطي على ما صدر عنه بالنسبة إلى بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيتها، حيث كشف بيت فاطمة وهدّدها بالإحراق كما سيوافيك بيانه، وقد سبّب ذلك العمل جُرحاً في قلوب أبناء فاطمة لا يندمل أبداً، فأراد بذلك استمالتهم حتّى يندمل الجرح بالزواج على عادة العرب حيث كان التزويج يُنسي ما سبق. فاعتذر الإمام بوجوه مختلفة لكي يترك عمر هذا الموضوع، وإليك ما اعتذر به:

2. اعتذار الإمام بطرق ثلاثة

أ. لما خطب عمر بن الخطاب إلى علي ابنته أُمّ كلثوم قال له: يا أمير المؤمنين


1 . طبقات ابن سعد:8/463; وفي الاستيعاب:4/1954: انّها صغيرة.


( 371 )

إنّها صبية.

فأجاب عمر: انّك واللّه ما بك من ذلك ولكن قد علمنا ما بك.(1)

وقال الدولابي: خطب عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب(عليه السلام) بنته أُمّ كلثوم، فأقبل علي عليه فقال: هي صغيرة، فقال عمر: لا واللّه ما ذلك، ولكن أردت منعي.

ب. ولمّا تكرّرت الخطبة، فعاد علي(عليه السلام) يعتذر بعذر آخر، فقال: إنّما حبست بناتي على بني جعفر(عليه السلام)فقال عمر: أنكحنيها يا علي فواللّه ما على ظهر الأرض رجل يرصد من حسن صحابتها ما أرصد.(2)

ولعلّ الخليفة يشير بكلامه إلى أنّه يحسن معاشرته معها لما اشتهر من فظاظته وغلظته خاصّة بالنسبة إلى النساء.

ج. خطب عمر إلى علي بن أبي طالب أُمّ كلثوم فأجاب بأنّه يستشير العباس وعقيلاً والحسين ولما استشارهم الإمام خالف عقيل هذا الأمر.

قال ابن حجر الهيتمي: فقال عليُّ للحسن والحسين زوجا عمّكما، فقالا: هي امرأة من النساء تختار لنفسها.(3)

كلّ ذلك يعرب عن أنّ البيت العلوي لم يكن راضياً بذلك الزواج، حتّى أنّ


1 . الذرية الطاهرة لابي بشر محمد بن أحمد بن حماء الأنصاري الرازي، (224ـ 310هـ) ص 55، مؤسسة الأعلمي، بيروت; وطبقات ابن سعد:8/464. وما أجاب به عمر يكشف عن أنّ ما اعتذر به الإمام كان عذراً ظاهرياً للفرار عن الزواج حتّى وقف عليه الخليفة فقال ما قال بالرمز والإشارة.

2 . الطبقات ، ابن سعد:8/464.

3 . مجمع الزوائد:4/272ـ 273، كتاب النكاح باب في الشريفات. دار الكتاب العربي، بيروت. (بتلخيص).


( 372 )

الحسنين أظهرا عدم رضاهما بقولهما: هي امرأة من النساء تختار لنفسها، ولعلّ مشاورة الإمام علي مع هؤلاء كان لكسب ذريعة للامتناع، ومع ذلك كلّه كان من الخليفة الإصرار ومن البيت العلوي الامتناع.

تمّ إلى هنا ما نقله الحفاظ من السنّة، وهناك شيء آخر تفرد به الإماميّة وهو ما رواه الكليني عن الإمام الصادق (عليه السلام): لما خطب إليه قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّها صبية، قال: فلقى العباس فقال له: مالي؟ أبيّ بأسٌ؟ قال: وما ذاك؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردّني. اما واللّه لأعورنّ زمزم ولا أدع لكم مكرمة إلاّ هدمتها ولأقيمنّ عليه شاهدين بأنّه سرق ولأقطعن يمينه، فأتاه العباس فأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه، فجعله إليه.(1)

أُمور يندى لها الجبين

هذا ما حفظته يد التاريخ، مع ما في المصادر من أُمور لا يصحّ أن تنسب إلى الرعاة والسوقة، فقد نسبوا إلى علي (عليه السلام) وإلى الخليفة أُموراً غير معقولة: نذكر شيئاً منها:

إنّ علياً دعا أُمّ كلثوم وأعطاها حلّة، فقال: انطلقي بهذه إلى أمير المؤمنين: يقول لك أبي كيف ترى هذه الحلّة، فأتته بها فقالت له ذلك، فأخذ عمر بذراعها، فاجتذبتها منه، فقالت: أرسل، فأرسلها فقال: حصان كريم انطلقي وقولي له ما أحسنها وأجملها، وليست واللّه كما قلت، فزوّجها إياه.(2)

وفي الاستيعاب: بعثها علي إليه ببرد وقال له: قد رضيت رضى اللّه عنك،


1 . الكافي:5/346، كتاب النكاح، باب تزويج أُمّ كلثوم، الحديث2.

2 . الذرية الطاهرة:154.


( 373 )

ووضع يده على ساقها، فقالت: أتفعل هذا؟ لولا أنّك أمير المؤمنين لكسرت أنفك، ثمّ خرجت حتّى جاءت أباها، فأخبرته الخبر، وقالت: بعثتني إلى شيخ سوء فقال لها: يا بنية، انّه زوجك....(1)

وقال أيضاً: إنّ عمر بن الخطاب خطب إلى علي ابنته أُمّ كلثوم، فذكر له صغرها، فقيل له: ردّك، فعاوده فقال له علي: ابعث بها إليك فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه فكشف عن ساقها فقالت: مه واللّه لولا إنّك أمير المؤمنين للطمت عينك.(2)

هذه الأُمور ما ذكرنا وما لم نذكره، تكشف عن أنّ للوضاعين دوراً حول هذا الخبر، أمّا في أصله أو فروعه، حاولوا بذلك الإساءة إلى آل البيت، وانّه لم يكن لعلي(عليه السلام) أي اهتمام بحفظ كرامة بنته، فيرسلها إلى بيت الرجل، وهو يعاملها بما يثير غضب هذه الكريمة وتقول له ما قالت.

***

هذا ما حفظته يد التاريخ مع وجود الهيمنة عليه في العصرين الأموي والعباسي وهو يدل ـ بوضوح ـ على أنّ البيت العلوي كان يرغب عن هذا التزويج ويعتذر مرّة بعد أُخرى لكي يتخلّص منه.

وحول الموضوع ملابسات لو تأمل فيها الباحث النابه لأذعن بأنّ تحقّق النكاح عن طوع ورغبة أمر بعيد غايته، فالحادثة إمّا لم تتحقّق، أو تحقّقت لكن عن كراهة ودون طيب نفس، وإليك تلك الملابسات:


1 . الاستيعاب:4/1955.

2 . الاستيعاب:4/1955.


( 374 )

الأوّل: أُمّ كلثوم وتهديد بيت أُمّها بالإحراق

دلت النصوص القطعية على أنّ عمر بن الخطاب هدّد بيت فاطمة ـ ريحانة الرسول ـ بالإحراق لأخذ البيعة لأبي بكر، وهذا أمر لا يمكن للباحث إنكاره إذا وقف على مصادره ومداركه. وإن كنت في شكّ فيما ذكرنا فاستمع لكلمات المحدّثين والمؤرخين مسندة ومرسلة.

1. ما رواه ابن أبي شيبة ـ شيخ البخاري ـ بسند صحيح قال: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبيد اللّه بن عمر، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم أنّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان عليٌّ والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول اللّه فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلمّـا بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتّى دخل على فاطمة فقال:

يا بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) واللّه ما من أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وأيم اللّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، إن أمرتهم أن يُحرق عليهم البيت، قال: فلما خرج عمر جاءوها، فقالت: تعلمون أنّ عمر قد جاءني وقد حلف باللّه لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وأيم اللّه ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين.(1)

2. روى البلاذري في ضمن بحث مفصل عن أمر السقيفة: لما بايع الناس أبا بكر اعتزل علي والزبير... إلى أن قال: إنّ أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر معه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب، أتراك محرّقاً عليّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك.(2)


1 . المصنف:8/752، ط دار الفكر، بيروت.

2 . أنساب الأشراف:1/586، طبع دار المعارف القاهرة.


( 375 )

وقد نقل تلك الحادثة غير واحد من أعلام التاريخ والحديث نقتصر على ذكر أسمائهم وأسماء كتبهم ومواضع نقلهم لها:

1. ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ص 12ـ 13.

2. الطبراني في تاريخه: 2/43، ط بيروت.

3. ابن عبد ربه في العقد الفريد:4/87.

4. ابن عبد البر في الاستيعاب:3/975.

5. ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة:2/45.

6. أبو الفداء في المختصر في أخبار البشر:1/156.

7. النميري في نهاية الإرب في فنون الأدب:19/40، ط القاهرة.

8. السيوطي في مسند فاطمة:36، طبع مؤسسة الكتب الثقافية.

9. المتقي الهندي في كنز العمال: 5/651برقم 14138.

10. الدهلوي في إزالة الخفاء:2/178.

11. محمد حافظ إبراهيم، صاحب القصيدة العمرية، التي جاء فيها:

وقـولـة لعـلـي قالـها عمــر *** أكرم بسامعها أعظم بملقيهـا

حرّقتُ داركَ لا أُبقي عليك بها *** إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها *** أمام فارس عدنان وحاميها

إلى غير ذلك من المصادر الّتي اقتصرت على ذكر أصل التهديد مع التكتم على ما بعده.

وهناك رجال شجعان رفعوا الستر عن وجه الحقيقة وذكروا انّ القوم الذين هدّدوا البيت بالحرق قد دخلوا البيت وكشفوه حتّى أنّ أبا بكر أظهر الندم على


( 376 )

هذا العمل القبيح الّذي وقع بأمره ورضاه وعلى مرأى ومسمع منه، وقال في أواخر أيام حياته ما يُشير إلى ذلك.

روى أبو عبيد عن عبد الرحمن بن عوف قال دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفّي فيه فسلّمت عليه، وقلت: ما أرى بك بأساً، والحمد للّه، ولا تأس على الدنيا، فواللّه إن علمناك إلاّ كنت صالحاً مصلحاً.

فقال: إنّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهُن ، وودتُ أنّي لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددتُ انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم، فأمّا التي فعلتها ووددت انّي لم أفعلها، فوددتُ أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا، لعلة ذكرها ـ قال أبو عبيد: لا أريد ذكرها ـ ووددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين: عمر أو أبي عبيدة، فكان أميراً وكنت وزيراً، ووددت انّي حيث كنت وجّهت خالداً إلى أهل الردة أقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا وإلاّ كنت بصدد لقاء أو مدد. الخ.(1)

ثمّ إنّ أبا عبيد صاحب «الأموال» وإن لم يصرح بلفظ الخليفة وكره التلفّظ به، لكن غيره جاء بنفس النص الذي أدلى به الخليفة يوم كان طريح الفراش.

قال المبرد عن عبد الرحمن بن عوف أنّه قال: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي مات فيه، فسلمت وسألته: كيف به؟ فاستوى جالساً، إلى أن قال: قال أبو بكر: أما إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث فعلتُهن وددتُ انّي لم أفعلهنّ، وثلاث لم أفعلهن وددت انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه عنهن.

فأمّا الثلاث الّتي فعلتها: وددت أنّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته


1 . الأموال:193ـ 194، مكتبة الكليات الأزهرية.


( 377 )

ولو أُغلق على حرب.(1)

وليس المبرد المتفرد في نقل هذا القول بل نقله غيره، نظراء:

1. الطبراني في المعجم الكبير:1/62 برقم 43.

2. ابن عبد ربه في العقد الفريد:4/93.

3. ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق:13/122.

4. ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:2/46.

5. الذهبي في تاريخ الإسلام:3/117ـ 118.

6. نور الدين الهيتمي في مجمع الزوائد:5/202.

7. ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان:4/188.

8. المتقي الهندي في كنز العمال:5/631 برقم 14113.

إلى غير ذلك من رواة الأخبار ومحققي التاريخ الّذين قد ذكروا ندم الخليفة عند موته لأجل كشف بيت فاطمة الّذي قام به عمر بن الخطاب.

إنّ المخطوبة ـ أُمّ كلثوم ـ و إن كانت صغيرة عند هذه الواقعة ولكن الحديث ممّا تناولته الألسن في البيت العلوي وهي تسمع ما يدور فيه، وطبيعة الحال تقتضي أن تكون غاضبة على من هدّد بيتها بالإحراق أوّلاً، ثمّ كشف البيت وهتك حرمته ثانياً، أيتصور أن تكون مع هذه الأجواء المحيطة بها راضية بالنكاح طيبة نفسهابه؟

الثاني: انّ الخاطب معروف بالفظاظة

إنّ عمر بن الخطاب كان رجلاً خشناً فظاً على الإطلاق خصوصاً بالنسبة


1 . الكامل:1/11.


( 378 )

للنساء ولذلك لما انتخب للخلافة من قبل أبي بكر اعترضه الصحابة.

قال أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم البغدادي(1) صاحب أبي حنيفة في «الخراج» ما لفظه:

حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد بن الحارث، عن ابن سابط، قال: لما حضرت الوفاة أبا بكر، أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: أتستخلف علينا فظاً غليظاً، لو قد مَلِكَنا كان أفظ وأغلظ، فماذا تقول لربك إذا لقيتَه وقد استخلفت علينا عمر، قال: أتخوفونني ربي، أقول: اللّهم أمّرت عليهم خير أهلك.(2)

وفـي الطبقات في ترجمـة أبي بكر في قصة استخلاف أبي بكر لعمر ما لفظه: وسمع بعض أصحـاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته، فقال أبو بكر: اجلسوني، أباللّه تخوفوني؟ خاب من تزوّد من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك.(3)

وقال أبو بكر عبد اللّه بن محمد العبسي المعروف بابن أبي شيبة في كتابه المصنف: حدثنا وكيع، وابن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زبيد بن الحرث، أنّ أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه فقال الناس:


1 . أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري البغدادي مات 182، فقيه أُصولي مجتهد محدث حافظ عالم بالسير والمغازي وأيام العرب. تاريخ بغداد:14/242; الكامل لابن الأثير:6/53; تذكرة الحفاظ:1/269; البداية والنهاية:10/180; تاريخ التراجم:60; مفتاح السعادة:100.

2 . الخراج:100.

3 . الطبقات الكبرى:3/199.


( 379 )

تستخلف علينا فظاً غليظاً، ولو قد ولينا كان أفظ وأغلظ، فما تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر(1)، إلخ. وهل تطيب نفسك أن تزوّج بنتك لرجل شديد الخلق على الأهل، فظ القلب وهي وردة حياتك.

الثالث: بنت أبي بكر تردّ خطبة عمر

إنّ عمر بن الخطاب خطب بنتاً لأبي بكر اسمها أُمّ كلثوم، ولكنّها ردت طلبه معتذرة بأنّه رجل خشن.

روي أنّ رجلاً من قريش قال لعمر بن الخطاب: ألا تتزوج أُمّ كلثوم بنت أبي بكر فتحفظه بعد وفاته وتخلفه في أهله؟فقال عمر: بلى إنّ لأُحبّ ذلك فاذهب إلى عائشة فاذكر لها ذلك وعُد إليّ بجوابها. فمضى الرسول إلى عائشة فأخبرها بما قال عمر. فأجابته إلى ذلك وقالت له: حباً وكرامة، ودخل عليها عقب ذلك المغيرة بن شعبة فرآها مهمومة، فقال لها: مالك يا أُمّ المؤمنين؟ فأخبرته برسالة عمر وقالت: إنّ هذه جارية حدثة وأردت لها ألين عيشاً من عمر.

فقال لها: عليّ أن أكفيك، وخرج من عندها فدخل على عمر، فقال: بالرفاء والبنين فقد بلغني ما أتيته من صلة أبي بكر في أهله وخطبتك أُمّ كلثوم. فقال: قد كان ذاك، قال: إلاّ أنّك يا أمير المؤمنين رجل شديد الخلق على أهلك وهذه صبية حديثة السن فلا تزال تُنكر عليها الشيء فتضربها فتصيح فيغمك ذلك، وتتألم له عائشة ويذكرون أبا بكر فيبكون عليه فتجدد لهم المصيبة مع قرب عهدها في كلّ يوم...الخ.(2)


1 . المصنف:5/449.

2 . أعلام النساء:4/250. نقلها عن المصادر التالية: تهذيب التهذيب لابن حجر، التهذيب للذهبي، الإصابة لابن حجر، العقد الفريد لأبي عبد ربه إلى غير ذلك من المصادر.


( 380 )

الرابع: عدم التناسب في السن

إنّ أُمّ كلثوم كانت صبية لا يتجاوز عمرها عن عشر سنين أو إحدى عشر سنة، وأمّا الخاطب فقد خطبها وعمره يناهز الستين، ومن الواضح أنّ حفظ المناسبات العرفية ممّا يعتبر في رغبة البنت للزواج، والعجب انّ عمر بن الخطاب قال للناس: لينكح الرجل لُمته.

قال الفيروز آبادي في لغة اللؤم: وقول عمر لينكح الرجل لمته بالضم أي شكله ومثله.(1)

فهل كانت السيدة أُمّ كلثوم وهي زهرة فاطمة الزهراء وهي في أوان تفتحها مِثلاً لمن طعن في السن؟!

الاحتكام إلى روح علي(عليه السلام)ووجدانه

بلغ الإمام علي القمة في سموّ روحه ونُبله، وكان قلبه يتفجّر رحمة وعطفاً وحناناً، وهو من عُرف بحدَبِهِ على المسلمين عامة وعلى أبنائه، وبمراعاته لموازين العدل وأحكام الوجدان في كلّ شأن وقضية.

كما عُرف ببشاشة وجهه، وكثرة تبسّمه، وسجاحة خلُقه، ورقّة روحه، فهل يُعقل وهو بهذه الصفات والخلال أن يعرّض ريحانته للذبول والجفاف، وأن يدفع بإحدى قواريره الّتي يعتزّ بها لتنالها يد العنف والشدة؟!

هذا إذا أعرضنا عن الأجواء السلبية الّتي كنت تحكم العلاقة بين البيتين، والظروف الّتي كانت تسودها آنذاك.


1 . القاموس المحيط :4/174، مادة «لؤم».


( 381 )

كلّ هذه الأُمور تثير الشكّ في أصل تحقّق الأمر وإن ذكره غير واحد من المؤرخين والمحدثين، لما هو المحقّق في محله من أنّه كان للأمويين الدور الأوّل في حركة تدوين الحديث والتاريخ بما يخدم مصالح النظام الأموي و اتجاهاته السياسية والفكرية والغلبة على فكر أهل البيت (عليهم السلام) وكرامتهم.

وعلى فرض تحقّقه فلا محيص من القول: إنّه كانت هناك عوامل سبّبت وقوع النكاح ودفعت البيت العلوي إلى التسليم، ولا يُعدّ مثل هذا الزواج دليلاً على وجود التلاحم بين البيتين، والجرح بعدُ لم يندمل.

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

قم المقدسة

5 رجب المرجب 1427هـ


( 382 )

11

الحنابلة وتأجيج نار الفتنة

عَبْر التاريخ

إنّ الحنابلة إحدى الطوائف الإسلامية الذين يقتفون في الأُصول والفروع إثر منهج الإمام أحمد بن حنبل(164ـ 241هـ) مؤلف «المسند» الطائر الصيت. وقد كان أحمد حافظاً كثير الحديث والحفظ وكان لا يترك صوم الاثنين والخميس والأيّام البيض، وقد سجنه المعتصم شهراً لامتناعه عن القول بخلق القرآن، ومع ذلك فلم يرجع عمّا يعتقد، ولمّا ولي المتوكل أمر الخلافة أكرمه وقدمه، وبهذا تألّق نجمه في هذه الفترة.(1)

وهو أحد رواة حديث الغدير فقد رواه في مواضع كثيرة من مسنده قال محمد بن منصور الطوسي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما روي لأحد من الفضائل أكثر ممّا روي لعليّ بن أبي طالب.(2)


1 . موسوعة طبقات الفقهاء:3/88.

2 . طبقات الحنابلة:1/319.


( 383 )

ونقل أيضاً: قال كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد اللّه، ما تقول في هذا الحديث الّذي يروى: أنّ علياً قال: «أنا قسيم النار»؟ فقال: وما تنكرون من ذا؟ أليس روينا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي:لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»؟ قلنا: بلى. قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنة. قال : وأين المنافق؟ قلنا: في النار. قال: فعليٌّ قسيم النار.(1)

وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن علي ومعاوية، فقال: إنّ علياً كان كثير الأعداء، ففتّش أعداؤه عن شيء يعيبونه به فلم يجدوا فجاءُوا إلى رجل قد حاربه وقاتله، فأطروه كيداً منهم به.(2)

إنّ هذا الإمام الجليل كان يتعاطف مع أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وأكثر المسلمين، غير أنّ له عبر التاريخ أتباعاً خرجوا عن خط إمامهم وأجّجوا النار بين الطوائف الإسلامية فقُتِلَ مَنْ قُتِل وَ جُرِحَ مَنْ جُرِح، وها نحن نذكر في هذه الصفحات بعض الفتن الّتي أوجدها قسم من أتباع الإمام أحمد بلا مبرّر، بل عن تعصب وعناد وجهل بالمبادئ الإسلامية.

1. موقفهم من الطبري بعد وفاته

محمد بن جرير الطبري أحد المؤرّخين الكبار في الإسلام وله أثران خالدان: أحدهما في التاريخ، والآخر في التفسير. ومن الواضح أنّه لا يصحّ لباحث أن يعترف بصحة كلّ ما ورد في هذين الكتابين، ومع ذلك فالأثران لهما الدور البارز في تدوين تاريخ الإسلام، والروايات المروية عن الصحابة والتابعين حول تفسير


1 . طبقات الحنابلة:1/319.

2 . المراجعات:255، عن الصواعق المحرقة لابن حجر:125، ط المحمدية.


( 384 )

الآيات، وبما أنّه كان يتلاءم مع أئمة أهل البيت والمجتمع الشيعي، فلمّا توفّي عام (310هـ) اجتمعت الحنابلة فمنعوا من دفنه نهاراً، وادّعوا عليه الرفض ثمّ ادّعوا عليه الإلحاد، فدفن في داره ليلاً. هذا ما ذكر ابن الأثير ونقل عن علي بن عيسى أنّه قال: واللّه لو سئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد لما عرفوه وما فهموه. هكذا ذكره ابن مسكوية صاحب تجارب الأُمم.

وأمّا ابن الأثير فقد نقل الفتنة وقال: إنّ بعض الحنابلة تعصّبوا عليه ووقعوا فيه، فتبعهم غيرهم، ولذلك سبب وهو أنّ الطبري جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء لم يصنف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيهاً وإنّما كان محدِّثاً، فاشتدّ ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد، فشغبوا عليه، وقالوا ما أرادوا:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فـالناس أعداءٌ لـه وخصـوم

كضرائر الحسناء قلن لوجههـا *** حسـداً وبغيـاً إنّـه لـدميـم(1)

وقال الذهبي: لما بلغ (محمد بن جرير) أنّ ابن أبي دؤاد تكلّم في حديث غدير خمّ عمل كتاب الفضائل وتكلّم في تصحيح الحديث ثمّ قال: قلت: رأيت مجلّداً من طرق الحديث لابن جرير فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق.(2)

وقال ابن كثير: إنّي رأيت له كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خمّ في مجلدين ضخمين، وكتاباً جمع فيه طرق حديث الطير. .(3)


1 . الكامل في التاريخ:8/134، حوادث سنة 313هـ.

2 . طبقات الذهبي:2/254.

3 . تاريخ ابن كثير:11/157.


( 385 )

2. الاقتتال في تفسير «مقاماً محموداً»

اتّفق المسلمون أنّه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني وأنّه ليس كمثله شيء، غير أنّ بعض الحنابلة اغترّوا ببعض الأحاديث الدخيلة والمستوردة من اليهود فصار التجسيم والتشبيه من ميزات مذهبهم، وأني أُجلّ الإمام أحمد عن هذه التهمة، لكن قسماً من أتباعه يجاهرون بذلك ولأجله يقول الزمخشري:

وإنّ حنبلياً قلت قالوا بأنّني *** ثقيل حلولي بغيض مجسم(1)

وقد حدثت فتنة عظيمة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي وغيرهم من العامة، ودخل كثير من الجند فيها، وسبب ذلك أنّ أصحاب المروزي قالوا في تفسير قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(2) وأنّ اللّه سبحانه يُقعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) معه على العرش، وقالت الطائفة الأُخرى: إنّما هو الشفاعة، فوقعت الفتنة واقتتلوا، فقتل بينهم قتلى كثيرة.(3)

3. الحنابلة وتوقيع الراضي في ذمّهم

لا شكّ أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دعائم الإسلام وأركانه، فأي مجتمع تركهما فهو كميّت بين الأحياء، كما في الحديث العلوي.(4) وقد ورد في حدودهما وشروطهما روايات بحث عنها الفقهاء في كتبهم، غير أنّ التشدّد وسوء الظن أيضاً هو من الأُمور المنكرة. ومع الأسف لم تكن الحنابلة مميزين بينهما،


1 . الكشاف:4/310.

2 . الإسراء:79.

3 . الكامل:8/212، حوادث سنة 317هـ.

4 . الكافي:8/384; الوسائل:11، الباب3 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث4.


( 386 )

وبذلك أجّجوا فتنة ببغداد عام 323هـ، يقول ابن الأثير: وفيها]أي سنة 323هـ[ عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم وصاروا يكبسون من دور القوّاد و العامّة، وإن وجدوا نبيذاً أراقوه، وإن وجدوا مغنّية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشي الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الّذي معه مَن هو، فأخبرهم، وإلاّ ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة ، فأرهجوا بغداد.

فركب بدر الخرشَنيُّ، وهو صاحب الشُّرطة، عاشر جمادى الآخرة، ونادى في جانبَيْ بغداد، في أصحاب أبي محمّد البربهاريّ الحنابلة، ألاّ يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم ولا يصلّي منهم إمام إلاّ إذا جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشائين، فلم يفد فيهم، وزاد شرّهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مرّ بهم شافعيُّ المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيّهم، حتّى يكاد يموت.

فخرج توقيع الراضي بما يُقرأ على الحنابلة يُنكر عليهم فعلهم، ويوبّخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه تارة أنّكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال ربّ العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكفّ والأصابع والرجلَيْن والنعلَيْن المُذهبَّين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك اللّه عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً، ثمّ طعنكم على خيار الأئمّة ونسبتكم شيعة آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الكفر والضلال، ثمّ استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة الّتي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمّة وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا نسب ولا سبب


( 387 )

برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وتأمرون بزيارته وتدّعون له معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، فلعن اللّه شيطاناً زيّن لكم هذه المنكرات، وما أغواه.

وأمير المؤمنين يقسم باللّه قسماً جهداً إليه يلزمه الوفاء به، لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوّج طريقتكم، ليوسعنّكم ضرباً وتشريداً، وقتلاً وتبديداً، وليستعملنّ السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالّكم.(1)

4. فتنة الجهر بالبسملة وغير ذلك

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) على الجهر بالبسملة، وكانت سيرة الإمام علي (عليه السلام) والأئمّة من بعده على الجهر بها، كما تضافرت الروايات عن طريق أهل السنّة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجهر بالبسملة، فهذا هو الحاكم أخرج في مستدركه عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم(2)، كما أخرج عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم.

وقد صارت مسألة الجهر بالبسملة والمخافتة بها سبباً للفتنة، يقول ابن أثير: وفي هذه السنة(أي 447هـ) وقعت الفتنة بين فقهاء الشافعية والحنابلة ببغداد، ومقدّم الحنابلة أبو علي بن الفرّاء، وابن التميمي، وتبعهم من العامّة الجم الغفير، أنكروا الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر، ووصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل حال، وأتى الحنابلة إلى مسجد


1 . الكامل في التاريخ:8/307ـ 308، حوادث سنة 323هـ.

2 . المستدرك:1/232.


( 388 )

بباب الشعير، فنَهوا إمامه عن الجهر بالبَسملة، فأخرج مُصحفاً وقال: أزيلوها من المصحف حتّى لا أتلوها.(1)

5. الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة

إنّ الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري(260ـ 324هـ) كان معتزلياً ثم أعلن براءته من هذا المذهب، والتحق بمذهب الإمام أحمد، ونادى من عُلى المنبر بأعلى صوته وقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت قلت بخلق القرآن وإنّ اللّه لا يُرى بالأبصار، وإنّ أفعال الشر أنا فاعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للردّ على المعتزلة.

وكان أبو(2) نصر بن أبي القاسم القشيري إماماً على مذهب الإمام الأشعري، فلما ورد حاجّاً إلى بغداد وجلس في المدرسة النظامية يعظ الناس وجرى معه من الحنابلة فتن، لأنّه تكلّم على مذهب الأشعري ونصره وكثر أتباعه والمتعصبون له، وقصد خصومه من الحنابلة ومن تبعهم سوق المدرسة النظامية وقتلوا جماعة.(3)

لم يكن الإمام الأشعري ولا أتباعه مختلفين مع الحنابلة في توحيده سبحانه ولا في رسالة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا في معاوية، وانّما كانوا يختلفون في التنزيه والتشبيه أفيكون هذا مسوغاً لإراقة الدماء؟!


1 . الكامل:9/614، حوادث سنة 447هـ.

2 . فهرست النديم:271; وفيات الأعيان:3/285.

3 . الكامل لابن أثير:10/104، حوادث عام 469هـ.


( 389 )

6. موت البوريّ بحلواء مسمومة

يذكر الجزري في حوادث سنة 567هـ: انّه مات فيها البوري، الفقيه الشافعيّ، تفقّه على محمد بن يحيى، وقدم بغداد ووعظ، وكان يذمّ الحنابلة، وكثرت أتباعه، فأصابه أسهال فمات هو وجماعة من أصحابه، فقيل: إنّ الحنابلة أهدوا له حلواء فمات هو وكلّ من أكل منها.(1)

7. الفتنة بين الشافعية والحنابلة

لم تكن هذه الفتنة أوّل فتنة أجّج نارها الحنابلة في بغداد، بل تلتها فتن أُخرى كما ستقف عليه تالياً; يذكر ابن أثير في حوادث عام 475هـ أنّه قد ورد إلى بغداد هذه السنة الشريف أبو القاسم البكري، المغربي، الواعظ وكان أشعريَّ المذهب، وكان قد قصد نظام الملك، فأحبّه ومال إليه، وسيّره إلى بغداد وأجرى عليه الجراية الوافرة فوعظ بالمدرسة النظاميّة، وكان يذكر الحنابلة ويعيب، ويقول: (وَما كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)(2). واللّه ما كفر أحمد ولكن أصحابه كفروا.

ثمّ إنّه قصد يوماً دار قاضي القضاة أبي عبد اللّه الدامغاني بنهر القلائين، فجرى بين بعض أصحابه وبين قوم من الحنابلة مشاجرة أدّت إلى الفتنة، وكثر جمعه، فكبس دور بني القرّاء، وأُخذ كتبهم وأخذ منها كتاب الصفات لأبي يعلى فكان يُقرأ بين يديه وهو جالس على الكرسي للوعظ فيشنع به عليهم، وجرى له معهم خصومات وفتن.(3)


1 . الكامل:11/376.

2 . البقرة:102.

3 . الكامل:10/124ـ 125، حوادث سنة 475هـ.


( 390 )

8. إحراق مسجد الشوافع

لم يكن اختلاف الحنابلة مع الأشاعرة ـ حسب زعمهم ـ إلاّ في الفروع ،لأنّ أئمّتهم كانوا مختلفين فيها، لا في الأُصول الّتي يناط بها الإيمان، ومع ذلك نرى أنّ الحنابلة ربما يحرقون مسجد الشوافع تعصباً. يروي ابن جنيد ويقول: وقد بنى وزير خوارزم شاه للشافعية بمرو جامعاً مشرفاً على جامع الحنفية، فتعصّب شيخ الإسلام (بمرو) وهو مقدّم الحنابلة بها، قديم الرياسة، جمع الأوباش، فأحرقه. فأنفذ خوارزم شاه فأحضر شيخ الإسلام وجماعة ممّن سعى في ذلك، فأغرمهم مالاً كثيراً.(1)

9. التشكيك في شيخ الأشاعرة

لم تزل المنافسة بين الحنابلة والأشاعرة قائمة على قدم وساق منذ ظهر مذهب الإمام الأشعري بين أهل السنة واستقطب مجموعة كبيرة من العلماء واشتهر باسم أهل السنة ولكن الحنابلة رفضوا قبوله كجزء منهم.

حكى ابن أبي يعلى في طبقاته قال: قرأت على علي القومسي عن الحسن الأهوازي قال: سمعت أبا عبد اللّه الحمراني يقول: لما دخل الأشعري بغداد جاء إلى البربهاري فجعل يقول: رددتُ على الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس، وقلت وقالوا: وأكثر الكلام، فلما سكت، قال البربهاري: وما أدري ممّا قلت لا قليلاً ولا كثيراً، ولا نعرف إلاّ ما قاله أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل، قال: فخرج من عنده وصنف كتاب «الإبانة» فلم يقبله منه، ولم


1 . الكامل لابن الأثير:12/158، حوادث سنة 596هـ.


( 391 )

يظهر ببغداد إلى أن خرج منها.(1)

وهذا يدلّ على أنّ شيخ الحنابلة البربهاري(المتوفّى 329هـ) لم يقبله بما أنّه جزء منهم، وكان هذا الخط سائداً طول قرون حتّى حدثت فتنة بمدينة نيسابور، انتهت إلى خروج إمام الحرمين، والحافظ البيهقي، والأُستاذ أبو القاسم القشيري من نيسابور، ودارت الدائرة على من رام مذهب الأشعري.

وقد وقعت الفتن حوالي عام 436هـ، ولذلك صدر استفتاء بعد استفتاء يتعلق بحال الشيخ أبي الحسن الأشعري من أنّه هل هو من أهل السنة أم لا؟ وقد نقل هذه الاستفتاءات السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، ويظهر منه أنّ الاستفتاء الأوّل صدر بخراسان والثاني والثالث ببغداد، والأوّلان يرجعان إلى الشيخ الأشعري والثالث إلى أبي نصر القشيري المرجع الكبير للأشاعرة في عصره، وإليك الاستفتاء الأوّل:

هل كان الأشعري من أهل السنّة؟

قال السبكي: كتب استفتاء فيما يتعلق بحال الشيخ فكان جواب القشيري ما نصّه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، اتّفق أصحاب الحديث أنّ أبا الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري كان إماماً من أئمّة أصحاب الحديث، ومذهبه مذهب أصحاب الحديث، تكلّم في أُصول الديانات، على طريقة أهل السنة، وردّ على المخالفين من أهل الزيغ والبدعة، وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من


1 . تبيين كذب المفتري، قسم التعليقة:391.


( 392 )

أهل القبلة والخارجين من الملة سيفاً مسلولاً، ومن طعن فيه أو قدح، أو لعنه أو سبّه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة.

بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الدرج في ذي القعدة، سنة ست وثلاثين وأربعمائة:

والأمر على هذه الجملة المذكورة في هذا الذكر. وكتبه عبد الكريم بن هوازن القشيري.

هذا ما أجاب به القشيري ثمّ أيده لفيف من أكابر الأشاعرة بالنحو الّذي يحكيه السبكي ويقول:

وكتب تحته الخبازي: كذلك يعرفه محمد بن علي الخبّازي، وهذا خطه.

والشيخ أبو محمد الجويني: الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه، وكتبه عبد اللّه بن يوسف. وبخط أبي الفتح الشاشي، وعلي بن أحمد الجويني، وناصر العُمري، وأحمد بن محمد الأيّوبي، وأخيه علي، وأبي عثمان الصابوني، وابنه أبي نصر بن أبي عثمان، والشريف البكري، ومحمد بن الحسن، وأبي الحسن الملقاباذي.

وقد حكى خطوطهم ابنُ عساكر.

وكتب عبد الجبار الاسفرائيني بالفارسية: اين ابوالحسن اشعرى آن امام است، كه خداوند عزوجل اين آيت را در شأن وى فرستاد:(فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)(1) و مصطفى (عليه السلام) در آن وقت به جدّ وى: أبو موسى الاشعرى إشارت كرد; و قال: هم قوم هذا.(2)


1 . المائدة:54.

2 . ترجمة هذه الفقرة: لقد أنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية:(فَسَوفَ يَأْتِي اللّه بِقَوم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) بحق الإمام أبو الحسن الأشعري، والمصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) أشار إلى جده أبو موسى الأشعري بذلك، وقال: هم قوم هذا.


( 393 )

كتبه عبد الجبار علي بن محمد الاسفرائيني بخطه.(1)

استفتاء ثان كتب ببغداد

ثمّ نقل استفتاء آخر كتب في بغداد، وإليك نصّه:

ما قول السادة الأئمة الأجلة في قوم اجتمعوا على لعن فِرقة الأشعري وتكفيرهم، ما الّذي يجب عليهم؟

فأجاب قاضي القضاة أبو عبد اللّه الدامغاني الحنفي، قد ابتدع وارتكب ما لا يجوز، وعلى الناظر في الأُمور ـ أعز اللّه أنصاره ـ الإنكار عليه وتأديبه بما يرتدع به هو وأمثاله عن ارتكاب مثله. وكتب محمد بن علي الدامغاني.(2)

ثمّ أيد الاستفتاء الأعلام التالية اسماؤهم:

1. الشيخ أبو إسحاق الأهوازي.

2. الشيخ علي بن إبراهيم الفيروزآبادي.

3. محمد بن أحمد الشاشي.

وأكد الكل على أنّ الأشعرية أعيان أهل السنة ونصّار الشريعة فمن طعن فييهم فقد طعن على أهل السنة.

وأمّا الاستفتاء الثالث فيرجع إلى شخص أبي نصر القشيري وقد كتب في بغداد.

ومن أراد فليرجع إلى طبقات الشافعية الكبرى(ج3 ص 376).

10. الفتنة في نيشابور

ثمّ إنّ السبكي خصّص فصلاً يشرح فيه حال الفتنة الّتي وقعت في


1 . طبقات الشافعية الكبرى:3/374ـ 375.

2 . طبقات الشافعية:3/375.


( 394 )

نيشابور وآلت إلى خروج أكابر العلماء من تلك المنطقة، وكان ذلك في أيام سلطة طغرل بك السلجوقي ووزيره أبي نصر منصور بن محمد الكندري، وقد وصف السبكي هذه الفتنة بقوله:

وهذه هي الفتنة الّتي طار شررها فملأ الآفاق، وطال ضررها فشمل خراسان، والشام، والحجاز، والعراق، وعظم خَطْبها وبلاؤها، وقام في سَبِّ أهل السنة خطيبها وسفهاؤها، إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنة في الجُمَعْ، وتوظيف سبّهم على المنابر، وصار لأبي الحسن (كرم اللّه وجهه) بها أسوة لعلي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه، في زمن بعض بني أمية، حيث استولت النواصب على المناصب، استعلى أولئك السفهاء في المجامع والمراتب.(1)

وبما أنا ذكرنا تفصيل الفتنة في كتابنا بحوث في الملل والنحل(2) اختصرنا على هذا المقدار في هذا المقام.

خاتمة المطاف

انّ سمات المسلم، هي ما يذكره اللّه سبحانه في الذكر الحكيم ويقول: (أَشِداءُ عَلى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...)(3) ويا للأسف، كان بعض هؤلاء ـ لا كلّهم ـ على خلاف ما ذكر سبحانه.

من نتائج هذه الحوادث الّتي ذكرنا بعضاً منها، ضعف المسلمين وتشتتهم وغفلتهم عما يحيط ببلادهم من أخطار فاصبحوا ـ بعد زمان قليل ـ طعمة سائغة


1 . طبقات الشافعية:3/391.

2 . راجع إلى موسوعتنا: بحوث في الملل والنحل:2/299ـ 304.

3 . الفتح:29.


( 395 )

أمام الأعداء، وسهل على جيوش التتار أن تحتل بلادهم واحداً بعد الآخر وتنزل بهم من البلاء والعذاب ما تقشعر له الجلود، وما يعجز القلم عن وصفه.

فتوجه التتار إلى البلاد الإسلامية واحتلوها ابتداءً من المشرق إلى ان وصلوا إلى دار السلام بغداد فازالوا الخلافة العباسية وجرّعوا المسلمين كؤوس البلاء والعذاب على نحو لا يستطيع ابن الأثير الجزري أن يسرد تلك الحوادث المرّة فيقول، في حوادث سنة 617هـ، عند ذكر خروج التتار إلى بلاد الإسلام:

لقد بقيتُ عدّة سنين مُعرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدّم إليه ]رِجلاً[ و أُؤخّر أُخرى، فمن الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني، ويا ليتني مُتّ قبل حدوثها وكنتُ نَسياً منسيّاً، إلاّ أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقّف، ثمّ رأيتُ أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا الفعل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيّام والليالي عن مثلها، عمّت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إنّ العالم مذ خلق اللّه سبحانه وتعالى آدم، وإلى الآن، لم يُبْتَلَوا بمثلها; لكان صادقاً، فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها ولا ما يُدانيها.

ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصّر ببني إسرائيل من القتل، وتخريب البيت المقدّس، وما البيت المقدّس بالنسبة إلى ما خرّب هؤلاء الملاعين من البلاد، الّتي كلّ مدينة منها أضعاف البيت المقدّس، وما «بنو إسرائيل» بالنسبة إلى من قتلوا، فانّ أهل مدينة واحدة ممّن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعلّ الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا، إلاّ يأجوج ومأجوج.


( 396 )

وأمّا الدجّال فإنّه يُبقي على من اتّبعه، ويُهلك من خالفه، وهؤلاء لم يُبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقّوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنّة، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العلي العظيم.

لهذه الحادثة الّتي استطار شررها، وعمّ ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الرّيح، فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تُركِستان مثل كاشْغَرَ وبلاساغون، ثمّ منها إلى بلاد ماوراء النهر، مثل سمرقند وبُخارى وغيرهما، فيملكونها، ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان، فيفرغون منها مُلكاً، وخريباً، وقتلاً، ونهباً، ثمّ يتجاوزونها إلى الرَّيّ، وهمدان، وبلد الجبل وما فيه من البلاد إلى حدّ العراق، ثمّ يقصدون بلاد أذرَبيجان وأرّانيّة، ويخرّبونها، ويقتلون أكثر أهلها، ولم ينج إلاّ الشريد النادر في أقلّ من سنة، هذا ما لم يُسمع بمثله.

ثمّ لمّا فرغوا من أذربيجان وأرّانيّة ساروا إلى دربند شِروان فملكوا مُدنه، ولم يسلم غير القلعة الّتي بها ملكهم، وعبروا عندها إلى بلد ألاّن، واللّكْز، ومن في ذلك الصُّقع من الأمم المختلفة، فأوسعوهم قتلاً، ونهباً، وتخريباً; ثمّ قصدوا بلاد قَفجاق، وهم من أكثر الترك عدداً، فقتلوا كلّ من وقف لهم، فهرب الباقون إلى الغياض ورؤوس الجبال، وفارقوا بلادهم، واستولى هؤلاء التتر عليها، فعلوا هذا في أسرع زمان، لم يلبثوا إلاّ بمقدار مسيرهم لا غير.

إلى آخر ما ذكره.(1)


1 . الكامل في التاريخ لابن الأثير:12/358ـ 360.


( 397 )

التاريخ يعيد نفسه

مع أنّ التجربة علم ثان فقد جرب المسلمون، الآثار السلبية للتفرقة والنزاع الطائفية ورأوا بام أعينهم كيف صار النزاع الداخلي ذريعة لتسلط الكفار على بلاد المسلمين ونواميسهم، ومع ذلك نرى أنّ التاريخ اعاد نفسه في أرض العراق الجريح... فإن أكثر العراقيين في زمن تسلط النظام البعثي كانوا مضطهدين وواقعين تحت نير ظلم البعثيين، وبعدما ازيلت هذه السلطة الغاشمة بيد كافر مثلها، ففي مثل هذه الظروف العصيبة فالإسلام يفرض على المسلمين أن يتحدوا ويتعاونوا ويأسسوا دولة عادلة تحفظ كيان البلد وناموسه ويحكم فيهم بالعدل والقسط ويجسّدوا قوله سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَامَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عَاقِبَةُ الأُمورِ).(1)

هذا هو الفرض اللازم على عامّة المسلمين وفي مقدّمتهم الشعب العراقي، ولكن ـ يا للأسف ـ عادت البلوى بثوب آخر وطار شرر الظلم من جديد فما يمرّ يوم إلاّ وتقتل فيه زرافات من الأبرياء بيد المحتلين وأذنابهم من البعثيّين والتكفيريّين الجهلاء الذين تنكّروا للمبادئ والقيم، وكأنّهم لم يسمعوا قول اللّه سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً).(2)

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

28 من ذي الحجة الحرام 1426هـ


1 . الحج:41.

2 . النساء:93.


( 398 )

( 399 )

الفصل الرابع

في التقاريظ والمكاتبات

تقاريض لأربعة كتب في الأُصول والفقه واللغة

ثلاثة أسئلة حول الحجّ موجّهة إلى الدكتور عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان

جواب الدكتور أبو سليمان عن الأسئلة المتعلّقة بالحجّ

رسالة إلى الدكتور عبدالوهاب بن إبراهيم وفيها إشكال حول الرمي

رسالة جوابية للدكتور عبدالوهاب أبو سليمان

رسالة إلى السيد محمد حسين فضل الله

رسالة إلى الدكتور فاروق حمادة

رسالة إلى السيد جعفر مرتضى العاملي

خطاب مفتوح إلى جناب الباب بنديكت السادس عشر


( 400 )

( 401 )

1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الّذي خلق الإنسان وعلّمه البيان، والصلاة والسلام على خير من نطق بالضاد محمد و آله الأطهار.

أمّا بعد، فالعربية، لغة القرآن الكريم والسنّة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة، ولغة العبادة والدعاء بين المسلمين.

فالمسلمون جميعاً يقيمون الفرائض ليلاً ونهاراً ويدعون اللّه سبحانه بلغة الضاد، وهذا ما يدعوهم إلى تعلّم هذه اللغة بأحسن وجه، والّتي هي من دعائم الوحدة بين المسلمين كسائر المشتركات الأُخرى.

وقد قام كثير من أهل الأدب بتدوين كتب خاصّة لتعليم العربية لغير الناطقين بها، وقد انتشر أخيراً كتاب «العربية للناشئين» في ستة أجزاء ، يتمكّن الناشئ بدراستها من المذاكرة والمفاهمة باللغة العربية وإلقاء المحاضرات بها، وهي خطوة كبيرة في تثقيف عشاق اللغة العربية.

وقد وفق اللّه سبحانه الناشئ الذكي «السيد جابر الموسوي راد» وهو في مقتبل العمر لتأليف معجم في ستة أجزاء على غرار الكتاب المذكور لايضاح مفرداته باللغة الفارسية. وقد لاحظت الجزء الأوّل فوجدته ـ بحمد اللّه ـ كتاباً


( 402 )

نافعاً للناشئين وغيرهم.

ونحن إذ نبارك له هذا العمل نأمل أن يقوم بأعمال مفيدة أُخرى في المستقبل، فالأماني معقودة بنواصيه، وقد لمست منه التوقّد والذكاء والنبوغ عند زيارته لنا في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

وفقه اللّه لما يحب و يرضى

جعفر السبحاني

إيران ـ قم المقدسة

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

9جمادى الاولى 1426هـ


( 403 )

2

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، وأشرف الصلاة وأتم السلام على المصطفى من خليقته وخاتم أنبيائه ورسله محمد الأكرم، وعلى عيبة علمه وحفظة سننه وخزنة سرّه الأئمة المعصومين الطيّبين الطاهرين.

أمّا بعد;

إنّ حياة الدين رهن دراسته ومذاكرته وبذل الجهود في فهم معارفه وأحكامه، ولولا هذا لضاع الدين وتطرّق التحريف إلى أُصوله وفروعه، فالاجتهاد في الدين رمز بقائه ونضارته ومرونته وانسجامه مع متطلّبات كلّ عصر.

ومن دعائم الاجتهاد في الفقه التعرف على القواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية وما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل بعد اليأس عن الدليل.

وقد أُلفت ـ من سالف العصور إلى يومنا هذا ـ في هذا المضمار عشرات الموسوعات ومئات الكتب من قبل علمائنا العظام، إلى أن انتهى الزمان إلى فخر الشيعة وعالم الشريعة المحقق البارع الشيخ محمد كاظم الهروي الخراساني (1255ـ 1329هـ) والّذي ألف نادرته المعروفة بـ«كفاية الأُصول» ولخص فيها


( 404 )

آراء المتقدّمين والمتأخرين، ضامّاً إليها ما توصل إليه بتفكيره ونبوغه، بأوجز العبارات وأقصرها، فصار هذا الكتاب محور الدراسة في الحوزات العلمية الشيعية إلى ما يربو على قرن كامل.

وقد دوّن غير واحد من تلاميذ المؤلف ومن تبعهم تعاليق ذكر أسماءها شيخنا المجيز شيخ الباحثين آقا بزرگ الطهراني في ذريعته في فصل الحواشي، جزاهم اللّه عن العلم والإسلام خير الجزاء.

وممّن شاركهم في هذا المضمار الشيخ الفاضل الألمعي الزكي حسين الساعدي حفظه اللّه تعالى، والذي خاض في عباب الكفاية فشرح مقاصد المؤلف وبيّن مراميه، بأوضح العبارات وأنصعها.

وقد أسعفني الحظ فقرأت قسماً ممّا يرجع إلى فصل الأوامر فوجدته وافياً للغرض مؤدياً لمقاصد الكتاب.

ادعو اللّه سبحانه أن يوفقه لما يحب ويرضى انّه ولي التوفيق

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

قم المقدسة

الخامس من شهر ذي القعدة الحرام 1426هـ


( 405 )

3

بسم الله الرحمن الرحيم

الشريعة المتكاملة

يتألف المجتمع الإنساني من كيانات صغيرة هي الأُسَر والعوائل الّتي يرتبط أفرادها بعلاقات وأواصر مختلفة.

وكما عالج الإسلام حقوق المجتمع من مختلف الجوانب بقوانين ثابتة ومتغيرة تواكب التطور البشري، فقد عالج أيضاً حقوق الأُسرة وتنظيم علاقات مكوّناتها على شاكلة تلك القوانين.

فالكيان الصغير يضمّ أفراداً مختلفين، لا يسع لكلّ منهم أن يقوم بأمر النفقة، ففيهم الزوجة الّتي تعتني بتربية الأولاد وإدارة شؤون البيت، وهي بحكم مسؤولياتها الكبيرة لا تستطيع ـ في الأعم الأغلب ـ أن تُنفق على نفسها وأولادها، كما قد تشتمل الأُسرة على بعض الأقارب كالأب والأُم اللذين طعنا في السن، وهما غير قادرين على الاستمرار في الحياة والعيش بكرامة إلاّ بإنفاق من بذلا عمرهما لأجله وتولّيا تربيته.

والكتاب الماثل بين يديك قد اهتمَّ بأمر الإنفاق في فصول ثلاثة:

1. نفقة الزوجة وملاكها عقد الزوجية.

2. نفقة القرابة وملاكها الحاجة والفقر.


( 406 )

3. نفقة المملوك إنساناً كان أو حيواناً.

وقد اختصر المؤلف الكلام في نفقة المملوك (الإنسان) ونعم ما فعل، لعدم الحاجة إليه في الوقت الحاضر بعد فقدان الموضوع.

ويتميز الكتاب بخصائص، أهمها:

أ. نقل أقوال الفقهاء متقدّميهم ومتأخّريهم برحابة صدر، دون أن يمنعه حجاب المعاصرة من نقل أقوال المعاصرين.

ب. لا ريب في أنّ للزمان والمكان دوراً مهمّاً في بعض موارد النفقة، إذ رُبّ أمر لم يكن من لوازم الحياة، قد أصبح اليوم من ضرورياتها، فالمؤلّف قد استمدّ في استنباط الحكم الشرعي من هذه القاعدة الّتي تمسّ موضوع الأحكام لا الأحكام نفسها، فإنّ الشريعة خالدة ما كرّ الجديدان.

ج. عقد المؤلف فصلاً بحثَ فيه نفقة الحيوان، وكنا نأمل أن يُشبع هذا الموضوع أكثر.

ومهما يكن، فقد أثبت أنّ الشريعة الإسلامية قد أطلّت على عالم الحياة من أفق عال قبل أن يتبنَّى الغرب مسألة حقوق الحيوان.

ونحن نبارك هذا الأثر القيّم لمؤلفه العلاّمة الحجة الشيخ عبد اللّه أحمد اليوسف دام عزّه، ونرجو أن يكون هذا الكتاب باكورة خير لخطوات أُخرى في مجال الحقوق والتشريع الإسلامي.

والسلام

جعفر السبحاني

قم المشرفة

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

18صفرالمظفر 1427هـ


( 407 )

4

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه محمد وآله الطاهرين.

أمّا بعد;

فإنّ علم الفقه من أهم المعارف الدينية، يتكفل ببيان الحلال والحرام ، والمنجيات والمهلكات; ومن أُسسه علم الأُصول الّذي يدور عليه استنباط الأحكام من أدلّتها الشرعية، وقد قام أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ببيان ضوابط كلية في هذا المضمار أصبحت محوراً عند المتأخرين لإرساء قواعد الأُصول وبالأخص فيما يرجع إلى المباحث العقلية.

وممن خاض في هذا المجال الأُستاذ الفاضل محمد مهدي الأحمدي الشاهرودي ـ حفظه اللّه ـ فقد ألف رسالة حول الصحيح والأعم ودرس أقوال الأُصوليين وآراءهم في هذه المسألة، وخرج من دراسته هذه بنتائج باهرة.

ولعلّ هذا الكتاب باكورة خير لرسائل أُخرى تعقبه، كيف لا وقد تربى المؤلف في حجر العلم والثقافة الدينية السامية وترعرع بين يدي والد فقيه أُصولي


( 408 )

كرّس عمره في نشر الشريعة والدفاع عن حياضها، أعني آية اللّه الشيخ أحمد علي الأحمدي الشاهرودي طاب ثراه.

أرجو من اللّه سبحانه أن يوفق المؤلف لما يحب ويرضى.

انّه سميع مجيب

جعفر السبحاني

قم المقدسة

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

حرر في يوم الأربعاء

18ذي القعدة الحرام 1426هـ


( 409 )

5

بسم الله الرحمن الرحيم

الأُستاذ الفاضل الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أسعد اللّه أيامكم ووفقكم لما يحب ويرضى.

لقد سررت بقراءة كتابكم فقه المعاملات الحديثة الّذي هو نوع جديد وطراز حديث في تحليل المعاملات على ضوء أحدث الأفكار وأفضلها مع الالتزام بنصوص الشريعة الإسلامية.

وقد قرأت شيئاً كثيراً من الكتاب وأعجبني استيعابكم لآراء المذاهب الأربعة في عامّة المسائل وخاصّة في مسألة التوريد.

رفع اللّه مناركم وسدد خطاكم.

لقد أرسلنا رسالة تتضمن السؤال عن خلوق الكعبة وما هو واقعه وماهيته، وهل تُطيَّب به الكعبة المشرفة هذه الأيام أيضاً أو لا؟

ونعرض لسماحتكم سؤالاً آخر وهو:

أنّه لا شكّ في وجوب السعي بين الصفا والمروة; ولكنّ الّذي يهمنا هو


( 410 )

الوقوف على مقدار ارتفاع الجبلين، وفي الوقت نفسه نحتاج إلى معرفة امتداد الجبلين وهل يتحدد بعرض الطريق المسقف الموجود حالياً وهو المسعى أو انّ امتدادهما كان أوسع من عرض الطريق المسقف؟ ويترتب على ذلك سؤال ثالث وهو هل أنّ الطبقة الفوقانية في المسعى هي فوق الجبلين أو دونهما ولو قليلاً.

هذه أسئلة ثلاثة عرضتها على سماحتكم عسى أن نقف على أجوبتها، لأنّنا في حاجة شديدة لجوابها في تحرير هذه المسائل من خلال بحثنا في كتاب «الحج في الشريعة الإسلامية الغرّاء». وأنتم من أهل البيت، أدرى بما في البيت.

وخلاصتها:

1. ما هو خلوق الكعبة؟

2. ما هو مقدار امتداد الجبلين، وهل يتحدد بعرض المسعى حالياً أو أنّه كان أوسع؟

3. هل الطبقة الفوقانية الآن هي أعلى من الجبلين أو بينهما؟

وهذه الرسالة مرفقة بالجزء الثاني من كتاب «نهاية الوصول إلى علم الأُصول» وهو موسوعة أُصولية من القرن السابع الهجري بقلم العلاّمة الحلي(رحمه الله).

رحم اللّه علماءنا الماضين وحفظ الباقين منهم.

مع فائق الاحترام والودّ

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

إيران ـ قم المقدسة

السابع من جمادى الاولى 1426هـ


( 411 )

6

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة العلامة الشيخ جعفر السبحاني حفظه اللّه

السلام عليكم ورحمة وبركاته

وبعد

فأسأل المولى جل و علا أن تكونوا بصحة وسعادة أنتم ومن لديكم من الأهل والأساتذة والخلاّن.

سيدي الفاضل: تسلمت بالغبطة والسرور هداياكم من الكتب النفيسة، فأوصلتم بها ما انقطع سابقاً من أجزائها فاكتملت كملكم اللّه وأنار بسماحتكم سبل الهدى، آمين.

سيدي: وجهتم إليّ بعض الأسئلة التي يهمّكم التأكد منها وأنتم بإجابتها عالمون، وهذا شأن العلماء الراسخين.

أوّلاً: مقدار ارتفاع جبلي الصفا والمروة وامتدادهما.

وهل الطبقة الفوقانية في المسعى هي فوق الجبلين أو دونهما ولو قليلاً؟

هذا الموضوع حرّره فقهاء مكة ومؤرّخوها قديماً وحديثاً فيما يتصل بالشق


( 412 )

الأوّل من السؤال، وها أنا أقتبس بعض العبارات المختصرة للإجابة ومن ثم أُحيل سماحتكم إلى المصدر المقتبس منه:

«قال الغازي في تاريخه (تحت الطبع): الصفا هو مبدأ المسعى. قال الفاسي: هو في أصل جبل أبي قبيس على ما ذكره البكري والنووي وغيرهما، وهو مكان مرتفع من جبل له درج...» التاريخ القويم لمكة وبيت اللّه الكريم 5/352.

والّذي عاصرته من هذا المشعر بعد التوسعة السعودية للمسعى والحرم الشريف، وقبل ذلك أنّ الصفا امتداد لجبل أبي قبيس من الناحية الشمالية الشرقية، وكان هذا الامتداد ظاهراً متصلاً، تعاقب عليه التطور لتخطيط مكة المكرمة فقد كان الجبل الّذي يمتد منه الصفا ظاهراً، وطريقاً مرتفعاً تمر منه السيارات، هو الطريق الوحيد في تلك الجهة الّذي يربط شمال مكة بجنوبها ومشعر الصفا في جزء منخفض منه.

وأُلفِتُ نظر سماحتكم إلى الصورة رقم 193، ص 344 من الجزء الخامس من كتاب «التاريخ القويم» وعسى أن يكون ضمن مكتبة الحوزة العامرة لمشاهدة واقع هذا الامتداد قبل الإحداثات الأخيرة.

أمّا المروة فكما جاء في «التاريخ القويم»:

«والمروة في الشمال الشرقي للمسجد الحرام وهي منتهى السعي من أصل جبل قعيقعان...».

وقد ظهرت في الكتاب الآنف الذكر صورة المؤلف(رحمه الله) في المروة عند هدمها وهي بالفعل امتداد للجبل المذكور (5/353). ولعل سماحتكم شاهد جزءاً من ما تبقى من الجبلين في الصفا والمروة، فكلاهما امتداد للجبل حذاءه.


( 413 )

وقد أوسع العلامة المؤرخ المكي الشيخ محمد طاهر كردي البحث في هذا الموضوع بما لا مزيد عليه، والأهم من هذا أنّه كان أحد المشرفين المباشرين لأُمور توسعة الحرم، وكان عالماً، فقيهاً، آثارياً كان له الفضل بعد اللّه عزّ وجلّ في تحقيق المشاعر والمحافظة على أماكنها في حرص وتتبع علمي وتاريخي وواقعي شديد.

أمّا عرض الطريق المسقف فلا إشكال فيه، لأنّ المسعى هو الوادي طولاً وعرضاً، وقد عرض المؤرخ المكي الشيخ محمد طاهر كردي النقول والمقولات في هذا من كتب ومدونات التاريخ المكي القديمة.

الدور الأعلى للمسعى لا شكّ أنّه فوق الجبلين بصورة (متمكنة أمكن) ولو وقف سماحتكم ونظر من خلال (الجلا) الفتحة في أعلى الصفا لوجدتم جدارها الأخير فوق نهاية الجبل المتبقي في الدور الأسفل، وما خلف الجدار حتّى القصور هو امتدادد ذلك الجبل قد مهد وخفض ليكون صالحاً للسير.

ولو ذهبتم إلى المروة من الدور الأعلى لوجدتم أنّ جبل المروة ممتد إلى ما وراء جدار المسجد الحرام، دليل ذلك أنّ مستوى الدور الأعلى يقود مباشرة إلى مستوى الجبل الممتد، والآتي من قبل المدعى يشعر بأنّه يرقى صعوداً إلى مرتفع، وقد ظهر المؤرخ كردي (رحمه الله) في المرة عند هدمها، منظر رقم 200، 5/353بما لا يدع مجالاً أنّ الدور الأعلى (متمكن أمكن) على الجبلين، في الثلث الأوّل من امتدادهما.

أرجو أن يتاح لسماحتكم الاطلاع على التحقيق الفريد لهذا الموضوع في هذا الكتاب، بل انّي أذهب إلى أبعد من هذا وهو أن السعي في الدور الأعلى هو في درجة اليقين في استكمال شعيره السعي إذا وصل الساعي مستديراً حول الفتحتين اللتين تشرف أحدهما على الدور


( 414 )

الأرضي للصفا، والأُخرى الّتي تطل على الدور الأرضي للمروة، وقد عملت كذلك ليتأكد الحاج من أنّ سعيه بالدور الأعلى كاملاً وسليماً.

ثانياً: خلوق الكعبة: خلاصة روح الورد تطيب به الكعبة، لدى غسلها من الداخل، يخلط العطر الخاص بها بماء وتغسل جنباتها وأرضيتها به ثمّ تضمخ جدرانها بخالص عطر الورد خالياً من الكحول.

ولو جمعتني مناسبة بكبير سدنة الكعبة المشرفة فسأحصل منه على معلومات كافية إن شاء اللّه.

ثالثاً: امتداد جبل الصفا: هو امتداد لجبل أبي قبيس من الناحية الجنوبية الشرقية. والمروة: امتداد لجبل قعيقعان.

رابعاً: الدور الأعلى للمسعى وسطح الحرم من تلك الجهة أخفض من مستوى قمة الجبلين بكثير.

هذا وإنّي أكرر شكري وأتوجّه إلى اللّه بالدعاء على ما تولونني به من عناية، وما تبعثونه لي من كتب نفيسة ومصادر مفيدة ستكون موضع دراساتي واهتمامي وتقبلوا أصدق التحيات وخالص الحب والتقدير.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

المخلص

عبد الوهاب أبو سليمان

4/6/1426


( 415 )

7

بسم الله الرحمن الرحيم

الأُستاذ الفاضل: الشيخ عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

ســلام كنشــر العنبــر المتـضــوع *** يخلّف ريح المسك فـي كـلّ موضـع

سلام يباهـي البـدر فـي كـلّ منـزل *** سلام يضاهي الشمس في كلّ مطلع

إنّ كاتب هذه السطور مشتاق إلى كريم لقاءك، غاية الاشتياق ويرجو من اللّه سبحانه أن يبدل الفراق بالتلاق ويرزقه زلال وصالك، والاغتراف من بحار إفاضاتك.

سيدي زرت بيت اللّه الحرام أوّل مرة عام 1375هـ، بعد رحيل الملك عبد العزيز بسنتين. ثمّ رافقني التوفيق في بعض السنوات والظاهرة البارزة في مناسك يوم منى، لإخواننا أهل السنة هي:

إنّهم يرمون جمرة العقبة يوم العيد بعد طلوع الشمس إلى الزوال ولا يرمون بعده ولكنّهم في اليومين التاليين: الحادي عشر والثاني عشر يعكسون فيرمون الجمرات الثلاث بعد الزوال فقط لا أقول إنّ هذا سيرة الكلّ، لكن الّذي لمست


( 416 )

انّ هذه سيرة الجلّ، فعندئذ يطرح السؤال التالي: ما هو الدليل من السنة على هذا التفريق، والمطلوب هو إيقافنا على الدليل على التضييق ولا حاجة إلى نقل الأقوال؟ مع انّ السنوات الأخيرة شهدت أحداث مؤسفة لعوامل متعددة منها ضيق وقت الرمي وتحديده ببعد الزوال في اليومين الحادي عشر والثاني عشر وقبله في اليوم العاشر.

نعم في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) انّ بياض اليوم من طلوع الشمس إلى مغربها، وقت للرمي في الأيام الثلاثة.

أسأل اللّه سبحانه السلامة والتوفيق لسماحتكم، ولمن حولكم من الأعزاء.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

إيران ـ قم المقدسة

27جمادى الآخرة 1426هـ

***

فلما وصلت رسالتنا هذه إلى سماحته أجابنا بالجواب التالي معرباًعن أنّ بعض علماء أهل السنة أفتوا بجواز الرمي قبل الزوال وأرسل رسائله في ذلك المضمار عبر الفاكس وإليك نص جوابه:


( 417 )

8

سماحة العلاّمة الشيخ جعفر السبحاني حفظه المولى جلّ وعلا

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

وبعد

فأبعث لسماحتكم بهذه الرسالة القيّمة الّتي تستدل بجواز الرمي قبل الزوال بأدلة لم أر من سبقه إليها، وسأبعث لسماحتكم حفظكم اللّه ببحثي في هذا الموضوع.

تقبّلوا منّي خالص الدعاء بالعفو والعافية وحسن العاقبة.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

المخلص عبدالوهاب أبو سليمان

14/12/1426هـ

***

وقد أرفق هذه الرسالة بكراس عنوانه «يُسر الإسلام في أحكام حج بيت اللّه الحرام»، وفيه التحقيق لجواز رمي الجمار قبل الزوال.

وبعد ذلك أرسل لنا نسخة من مقال له يتعلق بالموضوع نشرته مجلة «البحوث الفقهية المعاصرة» الصادرة في مكّة المكرمة.


( 418 )

9

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة العالم الجليل حجّة الإسلام والمسلمين

السيّد محمّد حسين فضل اللّه دام ظلّه

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أرجو من اللّه سبحانه لكم دوام الصحّة، والتوفيق المطّرد في ما ترومونه من خدمات صالحة للدين الحنيف والمجتمع الإسلامي.

لا شكّ أنّ سماحتكم ممّن توفّرت فيه المواهب الفكرية والعلمية التي تتجلّى في آثاركم المنتشرة ومحاضراتكم القيّمة في المؤتمرات الإسلامية، ولا شكّ انّ هذه المواهب من ذخائر المسلمين. انّكم تحيطون علماً بأنّ في الساحة الإسلامية خصوصاً بين الشباب في الجامعات مسائل فكرية وعلمية تتطلب أجوبة علمية مقنعة، ولا يقوم بها إلاّ الأمثل فالأمثل من علماء الإسلام، ومنهم فضيلتكم.

فإنّه لم تزل الأساتذة في الجامعات يثيرون هذه الأسئلة وقد كتب الغربيون حولها كتباً ورسائل عديدة وكثيرة، منها:

1. هل المعرفة البشرية تتجاوز حدّ الحس والمادة أو لا؟


( 419 )

2. هل الدين يوافق الحرية الفكرية أو انّه يعارضها ويقضي عليها أو يعرقل حركتها؟

3. هل الدين ظاهرة مادية حدثت في المجتمع غبّ عوامل كالجهل بالعلل الطبيعية، أو ضغط الإقطاعيين والرأسماليين على الفلاحين والعمال، أو عوامل أُخرى كالجنس وغيره من الأُمور المذكورة في كتب الماديين؟

4. هل الدين أمر إحساسي شهودي لا يخضع للبرهان، أو أنّه أمر عقلي برهاني خاضع له؟

5. ماذا نفعل في مجال معارضة العلم مع الدين، مع أنّ الفروض العلمية ربما تعارض مقرّرات الدين أحياناً؟

6. ما هي صيغة الاقتصاد الإسلامي على وجه التفصيل، وما هي الحلول الإسلامية للأزمات الراهنة في هذا الصعيد؟

7. ما هي صيغة الدولة الإسلامية بين الصيغ المختلفة؟

8. إذا كان الدين الإسلامي ديناً جامعاً فما هي صيغة سياسته الخارجية؟

9. لقد ظهر في ميدان التجارة العالمية شركات عملاقة باعتبارات مختلفة ذكرها الفقه الوضعي وليس لها في الفقه الإسلامي أي أثر، وفي الوقت نفسه تطلب حلولاً من منظار فقهي يعبر عن موقف الإسلام تجاهها وقد ألف في ذلك المضمار شيء يسير لا يسمن