welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل و مقالات / ج5*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل و مقالات / ج5

( 5 )

رسائل ومقالات

تبحث في مواضيع فقهية، أُصولية، كلامية، تراجم، ومكاتبات وحوارات مع بعض الأعلام

الجزء الخامس

تأليف

الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

ايران ـ قم


( 6 )

اسم الكتاب:رسائل ومقالات

الجزء: الخامس

المؤلف: العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الطبعة: الأُولى

المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

التاريخ: 1426 هـ

الكمية: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


( 7 )

بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الإسلامية واحدة

رغم تعدّد المذاهب

الحمد للّه الملك العلاّم، خالق النفوس والأجسام، الذي حارت عن إدراك كنهه، العقول، وضلّت الأوهام، والصلاة والسلام على المبعوث حجّة على الأنام، أقدس السفراء الفخام محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى الأطائب من ذرّيته، الحجج الغُرّ الكرام.

أمّا بعد: فانّ العقيدة الإسلامية الّتي نزل بها القرآن الكريم ودعت إليها السنّة الشريفة ودعمها العقل الحصيف، عقيدة واحدة على مر الحُقُب والقرون، ذلك لأنّ العقيدة تحكي عن حقيقة ثابتة لا تتبدّل ولا تتغيّر، شأن كل أمر كونيّ معتمِد على واقعيات خارجة عن تصوّرات الإنسان وتفكيره.

فالمعادلات الرياضية، والقوانين الميكانيكية، والأحكام العقلية القطعية، كلّها من الأُمور الثابتة لا يزعزعها تصور الإنسان الخاطئ، ولا يؤثر عليها التفكير الإنساني مهما بلغ من القوة مبلغاً لا يُشقّ شأوه.

ولمّا كانت العقيدة الإسلامية ممّا يجب اقتناصه من المصادر الصحيحة،


( 8 )

اختلف العلماء وفي مقدّمتهم أساتذة العقائد والكلام في كيفية الاقتناص والاقتباس، وهذا هو الّذي أعقب مذاهب عقائدية ومدارس كلامية لكلّ شأنه ودليله، وقيمته.

ولكن لمّا كان بين هذه المسائل، مسائل خاصة أوجبت تعميق الهوّة بين المسلمين فقد أحببتُ أن أطرحها على طاولة البحث والدراسة ليتجلّى الحق لطلابه وأكون ممّن شارك في التقريب بين المذاهب وتوحيد الخطى بينها، وهذه المسائل عبارة عن:

المسألة الأُولى: التفكير فريضة إسلامية وانّه لا غنى للمسلم عن التفكير في ما يرجع إلى العقائد حتى يصدر عن دليل يقيني مفيد للعلم به، وانّ الذين يحرّمون الخوض في المعارف العقلية هم الذين وقعوا في مصيدة التجسيم والتشبيه، فلمّا رأوا أنّ البراهين القاطعة تعارض تفكيرهم وتُزعزع بنيانَ ما ورثوه من آبائهم، اضطرّوا إلى تحريم التفكير العقائدي لسدّ هذا الباب.

فصاروا يدعمون عقيدتهم البسيطة بالبرهان قائلين «لو كان المنطق(الاستدلال) طريقاً محصِّلاً لم يقع الاختلاف بين أهل الاستدلال».

ترى أنّهم كيف يستدلّون على بطلان الاستدلال، بالبرهنة والدليل.

هؤلاء الذين أقفلوا باب التفكير في صفاته سبحانه وأفعاله وشطبوا على البحوث العقلية بقلم عريض، فقد أنكروا في الحقيقة كثيراً من الآيات والروايات الّتي تبرهن على العقائد، وهذا هو الّذي عالجناه في المقالة الأُولى أو الفصل الأوّل من فصول الكتاب.

المسألة الثانية: وهي أنّ كثيراً من العقائد المنسوبة إلى السلف ـ و السلف الصالح بريء منها، براءة يوسف من الذنب الملصق به ـ مستقى من الخبر الواحد


( 9 )

الّذي لا يفيد علماً في باب العقائد.

فقد طرحنا هناك هذا النوع من المسائل وقلنا بأنّ الخبر الواحد في الشؤون الدينية بين الرفض والقبول; فقول الثقة حجة في مجال الأحكام وما يرجع إلى سلوك الإنسان من فعل وترك، ولكنّه ـ قول الثقة ـ ليس بحجة في مجال العقائد فإنّ المطلوب في هذا الحقل هو تحصيل اليقين، وخبر الواحد أقلّ شأناً من أن يفيد اليقين.

وبعبارة أُخرى: الأُصول والمعارف من الأُمور الّتي يطلب منها عقد القلب والإذعان بالقضية على نحو يطرد الطرف النقيض، وقول الثقة بما أنّه غير معصوم لا يورث إلاّ الظنّ وهو لا يغني في مجال العقيدة عن الحق شيئاً، وهذه المسألة طرحناها في المقالة الثانية من تلك المقالات أو الفصل الثاني من فصول هذا الكتاب.

المسألة الثالثة: وهي مسألة التساهل أو التطرف، وهي من الأُمور الهامة حيث نرى أنّ طائفة من المفكّرين يدعون إلى التساهل والتسامح ويصفون الإسلام بثقافة التساهل، وعلى النقيض من ذلك توجد جماعة يهتمون ويشدّدون على التكفير ويدعون إلى ثقافته:

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى * وليلى لا تقـرّ لهم بذاكا

وقد عالجنا هذه المسألة بالتفريق بين التساهل السلكوكي والتساهل في العقيدة والإيمان.

فليس للمسلم أن يتنازل عن عقيدته والأُصول الّتي بُني عليها الإسلام قيد شعرة، ولكنّه لا يمنع من التساهل في علاقته مع الفرق الأُخرى على نحو الهدوء والهدنة.


( 10 )

وقد ذكرنا عدداً من المسائل الّتي صارت سبباً للتطرف وطرد الآخرين من بين الطوائف الإسلامية.

وفي هذا الصدد نرى أنّ الشيخ الأشعري ـ و الّذي تاب عن الاعتزال ولجأ إلى مذهب أحمد بن حنبل ـ يؤلّف كتاباً في الفرق الإسلامية يسميه «مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلّين» وهو يسمّى أصحاب المذاهب كلّهم أهل القبلة والصلاة، ومع ذلك اختلفوا في كثير من المسائل الكلامية والّتي لا تمت إلى الإيمان الواجب بصلة.

فيا ليت كان منهجُ الأشعري سائداً على هؤلاء المتطرّفين اللّذين يتحاملون على الفرق الإسلامية الأُخرى.

وقد تطرقنا إلى هذه المواضيع في المقالة الثالثة أو الفصل الثالث.

المسألة الرابعة: فتنة التكفير فتنة عمّت أكثر ربوع العالم الإسلامي دون أن يكون لهذا الاتّساع والانتشار حدّ وتوقف، ومن يقوم بهذه الفتنة يتمسّك بعناوين يصفونها بالبدعة دون أن يقوّموا مفهوم البدعة وخصوصياتها، فصار الترامي بالابتداع أمراً شائعاً تسمعه حيث ما كنت في الديار المقدسة.

وقد نتج من إشاعة التكفير ورمي الآخرين بالابتداع الإرهابُ الّذي غطّى البلاد الإسلامية، فإنّ كثيراً ممّن اغترّ بتكفير المسلمين ووصفهم بالابتداع، استقوا مواقفهم المتطرفة تلك، من هذه الفكرة، إلى أن استغلّ الأعداءُ ذلك فجعلوا الإسلام مساوياً للإرهاب وإراقة الدماء وقتل الأبرياء، دون أن يميّزوا بين الإرهابيّين الذين هم نتاج أعمال الأجانب وتضييقهم على المواطنين وبين الإسلام الواقعي الّذي تعلوه الرحمة الإلهية والأخوّة الإسلامية والتعاون البشري. وهذا هو محور المقالة الرابعة والّتي كانت بعنوان: فتنة التكفير وخطرها على مستقبل الأُمّة


( 11 )

الإسلامية.

ومع هذا فهذا الجزء يضم بين دفتيه مقالات أُخرى في الفقه وأُصوله والرجال والتراجم والرسائل الإخوانية الّتي دارت بيننا وبين عدد من المفكّرين والعلماء الأعزاء.

فنرجو من اللّه سبحانه أن يكون هذا الجزء كسوابقه مفيداً للقراء ومنيراً لدربهم.

نسأل اللّه سبحانه أن يصوننا من التقصير في التفكير والزلل في البيان والعمل إنّه خير مسؤول ومجيب.

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم المقدسة

28 ربيع الأوّل 1426هـ


( 12 )

( 13 )

الفصل الأوّل

تاريخ علم الكلام

وكيفية نشوئه وتكامله ومدارسه


( 14 )

( 15 )

1

ما هو سبب تسمية علم الكلام بهذا الاسم؟

اختلفت كلمات أعلام المتكلّمين في وجه تسمية علم الكلام ، وها نحن نذكر كلماتهم في المقام:

1. قال العلاّمة الحلّي (المتوفّى 726هـ) في موسوعته «نهاية المرام في علم الكلام»: خُصِّصَ هذا العلم باسم الكلام لوجوه:

ـ العادة قاضية بتسمية البحث في دلائل وجود الصانع تعالى وصفاته وأفعاله، بالكلام في اللّه تعالى وصفاته، فسُمّي هذا العلم بذلك. ولا استبعاد في تخصيص بعض الأسماء ببعض المسمّيات دون بعض.

ـ أنكر جماعة البحث في العلوم العقلية والبراهين القطعية، فإذا سُئلوا عن مسألة تتعلّق باللّه تعالى وصفاته وأفعاله والنبوة والمعاد، قالوا: نُهينا عن الكلام في هذا العلم، فاشتهر هذا العلم بهذا الاسم.

ـ هذا العلم أسبق من غيره في المرتبة، فالكلام فيه أسبق من الكلام في غيره، فكان أحقّ بهذا الاسم.

ـ هذا العلم أدق من غيره من العلوم، والقوة المميزة للإنسان ـ وهي النطق ـ إنّما تظهر بالوقوف على أسرار هذا العلم، فكان المتكلّم فيه أكمل الأشخاص البشرية، فسمّي هذا بالكلام لظهور قوة التعقّل فيه.

ـ هذا العلم يُوقف منه على مبادئ سائر العلوم، فالباحث عنه كالمتكلم في غيره، فكان اسمه بعلم الكلام أولى.

ـ إنّ العارفين باللّه تعالى يتميزون عن غيرهم من بين نوعهم، لما شاهدوه من


( 16 )

ملكوت اللّه تعالى، وأحاطوا بما عرفوه من صفاته، فطالت ألسنتهم على غيرهم فكان علمهم أولى باسم الكلام.(1)

2. وقال التفتازاني(المتوفّى عام 791هـ):سُمِّي علم الكلام كلاماً، لأنّ مباحثه كانت مصدّرة بقولهم: كلام في كذا وكذا، ولأنّ أشهر الاختلافات فيه كانت مسألة كلام اللّه تعالى انّه قديم أو حادث، ولأنّه يُورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات، ولأنّه كثر فيه من الكلام مع المخالفين والردّ عليهم ما لم يكثر في غيره، ولأنّه لقوة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.(2)

وقد ذكر التفتازاني أيضاً في «شرح العقائد النسفية» أسباب تسمية علم الكلام بهذا الاسم فقال: وسَمُّوا معرفة العقائد عن أدلّتها بالكلام:

ـ لأنّ عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا.

ـ ولأنّ مسألة الكلام(في حدوث القرآن وقدمه) كانت أشهر مباحثه وأكثر نزاعاً وجدالاً.

ـ ولأنّه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق للفلسفة.

ـ ولأنّه أوّل ما يجب من العلوم التي تُعْلم وتُتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك ثمّ خُصّ به ولم يطلق على غيره تميزاً له.

ـ ولأنّه إنّما يتحقّق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين، وغيره قد يتحقّق بالتأمل ومطالعة الكتب.

ـ ولأنّه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم.


1 . نهاية المرام في علم الكلام:1/8ـ9.

2 . شرح المقاصد:1/164، تحقيق الدكتور عبدالرحمن عميرة.


( 17 )

ـ ولأنّه لقوة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.

ـ ولأنّه لابتنائه على الأدلّة القطعية المؤيَّد أكثرها بالأدلّة السمعية، أشدّ العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه، فسُمِّي بالكلام، المشتق من الكلم وهو الجرح.(1)

وعلى كلّ تقدير فقد يطلق على هذا العلم، علمُ أُصول الدين، كما يسمّى أيضاً بعلم التوحيد، أو علم التوحيد والصفات، أو الفقه الأكبر، أو علم النظر والاستدلال.(2)

هذا خلاصة ما ذكروه غير أنّ كثيراً منها إبداعيّ لا يَعتمِدُ على دليل، خصوصاً ما اشتهر بين الناس من أنّ وجه التسمية بالكلام لأجل انّ البحث في الكلام الإلهي من حيث الحدوث والقدم كان هو السبب وراء تسمية هذا العلم بعلم الكلام. وذلك لأنّ البحث في الكلام الإلهي من حيث القدم والحدوث نجم في عصر المأمون عام 212هـ ، مع أنّ هذا المصطلح كان دارجاً بين المسلمين قبل هذا العصر.

نظرنا في وجه التسمية

والظاهر انّ خطب الإمام وكلماته، كانت هي الأساس في التسمية وتدوين علم الكلام، فالمتكلّمون كانوا يستدلّون بكلام علي (عليه السلام) في كذا وكذا حتّى سمّى مجموع المسائل بعلم الكلام.

وسيوافيك أنّ المؤسس الأوّل لهذا العلم هو الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فإنّه أوّل من تكلّم بين الصحابة حول أسمائه سبحانه وصفاته وأفعاله بوجه بديع، وخطبه وكلماته أفضل شاهد على ذلك.


1 . شرح العقائد النسفيّة:15،ط آستانة ـ 1326هـ.

2 . كشاف اصطلاحات العلوم:30; وعلم الكلام ومدارسه:53.


( 18 )

2

تعريف علم الكلام

وقد عُرِّف علم الكلام بتعاريف مختلفة:

1. علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه.(1)

2. هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلّة اليقينية.(2)

3. هو ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحمودة التي صرّح بها واضعُ الملة وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل.(3)

4. علم يتضمّن الحجاج على العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقاد عن مذاهب السلف وأهل السنّة.(4)

ويلاحظ على التعريف الأخير بأنّ المتكلّم ـ على ضوء هذا التعريف ـ هو من يدافع عن أُصول الدين لا عن فروعه. واختلاف السنّة مع غيرهم اختلاف في


1 . المواقف:1/333; كشاف اصطلاحات العلوم:30.

2 . شرح المقاصد:1/163.

3 . موسوعة مصطلحات العلوم عند العرب:2/1061.

4 . مقدمة ا بن خلدون:ص 458، الفصل العاشر في علم الكلام.


( 19 )

الفروع لا في الأُصول بما فيه الاختلاف في الإمامة، لأنّها عند أهل السنّة من الفروع وجزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا معنى لتخصيص علم الكلام بالدفاع عن عقيدة السلف والسنّة، بل المتكلّم يدافع عن العقيدة الإسلامية المشتركة بين السنّة والشيعة.

وعلى ضوء هذه التعاريف يكون علم الكلام علماً آلياً يستخدم في إثبات العقائد الدينية، إمّا بإيراد الحجج أو دفع الشبه، ويكون موضوعه العقائد الدينية من حيث إقامة الحجج العقلية عليها أو دفع الشبه عنها.

وهذا النوع من التعاريف ينطبق على الكتب المؤلفة في العصور الإسلامية الأُولى التي اقتصر البحث فيها على المسائل العقائدية.

ولكن هذا الوضع لم يدم، ففي العصور المتأخرة شرع المتكلّمون في البحث عن أوسع الموضوعات وهو البحث عن الموجود بما هو موجود; فقسّموا المباحث الكلامية إلى: الأُمور العامة أوّلاً ، والطبيعيات ثانياً، والإلهيات ثالثاً.

وعلى ضوء ذلك سار نصير الدين الطوسي (المتوفّى672هـ) في كتابه «تجريد الاعتقاد»; وتبعه غير واحد من المتكلّمين، منهم: العلاّمة الحلّـي في غير واحد من كتبه الكلامية لاسيّما كتاب «نهاية المرام في علم الكلام»، والقاضي الإيجي (المتوفّى756هـ) في «المواقف»، والتفتازاني(المتوفّـى791هـ) في «مقاصده» و«شرحه»، والجرجاني (المتوفّى 816هـ) في «شرح المواقف»، والفاضل المقداد(المتوفّى 826هـ) في «اللوامع الإلهية» ، إلى غير ذلك من الكتب.

وهذه المسائل لا تمت إلى العقائد الدينية بصلة. نعم حاول محمد علي الفاروقي التهانوي من علماء القرن الثاني عشر إرجاع هذه المسائل إليها بالبيان


( 20 )

التالي:

وموضوعه هو المعلوم من حيث إنّه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقاً قريباً أو بعيداً، وذلك لأنّ مسائل هذا العلم إمّا عقائد دينية كإثبات القدم والوحدة للصانع، وإمّا قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة وجواز الخلاء وانتفاء الحال وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعددة موجودة في ذاته، والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود والمعدوم والحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقاً قريباً، وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقاً بعيداً،وللبعد مراتب متفاوتة.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا صلة بين إثبات الأحوال البهشمية المطروحة في الأُمور العامّة ونفيها والعقائد الدينية، وهكذا كثير من المسائل المطروحة في علم الطبيعيات.

وسيوافيك الرأي الحاسم في الفصل القادم.


1 . كشاف اصطلاحات الفنون:31.


( 21 )

3

موضوع علم الكلام

إنّ تحديد موضوع علم الكلام رهن كيفية تعريفه، فلو قلنا في تعريف علم الكلام بأنّه علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه، يكون موضوعه العقائد الدينية التي أذعن المتكلّم بصحّتها بدلائل إجمالية، وتكون عوارضها إقامة الحجج التفصيلية عليها أو بدفع السهام المرشوقة إليها.

وأمّا لو قلنا في تعريف علم الكلام بأنّه الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود كما يدلّ عليه مباحثه، فالموضوع هو الموجود بما هو موجود الذي ثبوته من البديهيات ومسائله من النظريات، فعندئذ يتّحد موضوع علم الكلام مع موضوع الفلسفة، وغاية ما يمكن أن يقال في الفرق هو انّ البحث في علم الكلام على نهج قانون الإسلام بمعنى انّ المتكلّم ملتزم بأن لا يخرج بنتيجة يخالف فيها الإسلام ولكن الفيلسوف غير ملتزم بذلك.

ينقل الإيجي في «المواقف» ويقول: وقيل الموضوع هو الموجود بما هو موجود ويمتاز عن الإلهي باعتبار، وهو انّ البحث هاهنا على قانون الإسلام.(1)


1 . المواقف:1/7.


( 22 )

وعلى ضوء ذلك فالفلسفة والكلام اسمان لعلم واحد، مشتركان في عامّة المسائل، غير أنّ همّ المتكلّم في النهاية إيراد الحجج على العقائد أو دفع الشبه بخلاف الفيلسوف.

وبذلك ظهر انّ الموضوع أحد أمرين:

أ. العقائد الدينية المبرهنة إجمالاً في غير علم الكلام. فيبحث عن العوارض الذاتية لها وهي ـ كما مرّ ـ إمّا إقامة الدليل أو دفع الشبهة.

ب. الموجود بما هو موجود الذي يؤمن به كلّ إنسان موضوعي ويبحث عن عوارضه الذاتية، وهي تقسيم الموجود إلى واجب وممكن، والممكن إلى مجرّد ومادّي وهكذا.

وقد تقدّم انّ التهانوي جعل الموضوع «المعلوم» من حيث إنّه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية وكأنّه حاول الجمع بين الأمرين.

هذا هو المستفاد من كلمات القوم.

إيضاح وتفصيل

والحقّ أن يقال : أنّه لو قلنا بأنّ علم الكلام يتضمّن الاحتجاج على العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية والردّ على المبتدعة فموضوع علم الكلام «هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث الاستدلال عليها بالأدلّة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد».

وقد كان علم الكلام في أوائل الأمر لا يتجاوز هذا الحدّ، و كان الغرض منه هو الذبّ عن العقائد الصحيحة، فالعقائد الإيمانية والبرهنة عليها بالأدلّة العقلية ورفع البدع وإزالة الشكوك من عوارضها موضوع له.


( 23 )

ولكن علم الكلام ـ بمرور الزمن ـ تجاوز هذا الحدّ فصار يواكب الفلسفة في حقولها الثلاثة: الأُمور العامّة، الطبيعيات والفلكيات، والإلهيات بالمعنى الأخصّ.

فعند ذلك لا محيص من القول من أنّ موضوع علم الكلام هو نفس موضوع الفلسفة ، لكن الغرض الأقصى للمتكلّم هو البرهنة على ما ثبت في الشرع في الحقول الثلاثة، وبالأخص ما يمت إلى العقائد بصلة; وهذا بخلاف الحكيم، فإنّ الغاية هو فهم حدود الوجود وتعيّناته من الواجب إلى الممكن ومن الجوهر إلى العرض ومن المادّة إلى المجرّد.

وبذلك يتيسّر لنا أن نقول: إنّ علم الكلام تطوّر عبر القرون، ففي القرون الأُولى كان الهدف هو الدفاع عن العقائد الإيمانية فقط، ولم يكن هناك أيّ غرض سوى ذلك، ولكن بمرور الزمن واحتكاك الثقافات وازدهار الفلسفة لم يجد المتكلّمون بدّاً من التوسع في المعارف الكونيّة من الطبيعيات والفلكيات والبحث عن القواعد العامّة في الأُمور العامّة وغير ذلك.

وبذلك اختلفت كلمتهم في بيان موضوع العلم.

استظهار موضوع العلم من خلال غايته

إنّ الوقوف على موضوع العلم يحصل من خلال الوقوف على غايته، فإنّ غاية العلم تُحدِّدُ موضوعَ العلم وبالتالي تعريفَه.

فالغاية القصوى للمتكلّم هي معرفة اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله، ويدخل في أفعاله معرفة المعاد و الأنبياء والأئمّة وما يمت لهم بصلة، فإذا كانت هذه هي الغاية فلا معنى لاتخاذ الموجود بما هو موجود موضوعاً لعلم الكلام، فإنّ البحث


( 24 )

عن مطلق الموجود وإن لم يكن له صلة باللّه وأسمائه وصفاته وأفعاله خارج عن الغاية المتوخاة للمتكلّم، وبذلك تخرج كثير من المباحث المطروحة في الفلسفة عن علم الكلام، نظير:

1. الأُمور العامة، كالبحث عن الوجود والماهية، والبحث عن العدم وأحواله إلى غير ذلك من المسائل.

2. الطبيعيات، كالبحث عن تركّب الجسم من الهيولى والصورة، أو الفلكيات إلى غير ذلك.

وقد مرّ أنّ المتكلّمين في العصور الأُولى لم يكن لهم همّ إلاّ طرح المسائل التي لها مساس بالعقائد الدينية، ولكن لمّا اتسعت العلوم ودام التنازع بينهم وبين غيرهم اتسعت دائرة علم الكلام إلى مسائل لا تمت إليها بصلة، وكانت الغاية من إدخال هذه المسائل هي مجاراة الفلاسفة فيها حتّى لا يُتَّهمُوا بقلة الاطّلاع وضآلة الفضل والعرفان، ولولا هذا لما شمل علم الكلام هذه المباحث.

ولذلك نرى أنّ العلاّمة الحلّيّ يذكر في غاية علم الكلام ماهذا نصّه:

إنّ الإنسان هو مدني بالطبع يفتقر في معاشه إلى غذاء ولباس ومسكن، وهذه الأُمور لا يمكن صدورها عن صانع واحد وإنّما تحصل باجتماع خلق يتعاونون عليه ويتشاركون في تحصيله.

ثمّ إنّ الاجتماع على التعاون إنّما يتم إذا كان بين بني النوع معاملة وعدل، إذ كلّ منهم يشتهي ما يحتاج إليه ويغضب على مزاحمته فيه ، وبحسب هاتين يحصل الجور فيقع الهرج والمرج فمسّت الحاجة إلى وضع قوانين إلى كيفية العدل.

وتلك القوانين لو وضعها الناس لحصل الاختلاف، فوجب في عناية اللّه


( 25 )

تعالى إرسال الأنبياء بشرائع تقتضي نظام الوجود ومجازاة الممتثل لها بإحسان ومقابلة المخالف بالعذاب الأُخروي، فوجب معرفة المجازي.(1)

ترى أنّه يبيّن غاية علم الكلام بحاجة الإنسان إلى القوانين العادية، ولا يحصل ذلك إلاّ بتشريع اللّه سبحانه، ومعرفة القوانين تتوقّف على معرفة اللّه سبحانه وأسمائه وصفاته وأنبيائه، وما وعد به المطيع، أو أوعد به المجرم.

فإذا كانت الغاية هي هذه، فالبحث عن الماهية والوجود والأحوال البهشمية أو عن أصالة الوجود والماهية أو المسائل الطبيعية بأجمعها يكون أمراً زائداً، ولذلك نرى أنّ العلاّمة الحلّي بعدما يذكر الغاية يعرّف علم الكلام بالشكل التالي:

علم الكلام هو المتكفّل بمعرفة المجازي، وكيفية آثاره وأفعاله وتكاليفه على الإجمال. وذلك هو سبب السعادة الأبدية والخلاص عن الشقاء الأبدي، ولا غاية أهمّ من هذه الغاية.(2)

فإذا كانت هذه غاية علم الكلام حسب ما قرره العلاّمة الحلي اتّضحت الأُمور الثلاثة:

1. تعريف علم الكلام.

2. موضوعه.

3. غايته.


1 . نهاية المرام:1/12 .

2 . نهاية المرام:1/13.

Website Security Test