welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل و مقالات / ج5*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل و مقالات / ج5

( 5 )

رسائل ومقالات

تبحث في مواضيع فقهية، أُصولية، كلامية، تراجم، ومكاتبات وحوارات مع بعض الأعلام

الجزء الخامس

تأليف

الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

ايران ـ قم


( 6 )

اسم الكتاب:رسائل ومقالات

الجزء: الخامس

المؤلف: العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الطبعة: الأُولى

المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

التاريخ: 1426 هـ

الكمية: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


( 7 )

بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الإسلامية واحدة

رغم تعدّد المذاهب

الحمد للّه الملك العلاّم، خالق النفوس والأجسام، الذي حارت عن إدراك كنهه، العقول، وضلّت الأوهام، والصلاة والسلام على المبعوث حجّة على الأنام، أقدس السفراء الفخام محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى الأطائب من ذرّيته، الحجج الغُرّ الكرام.

أمّا بعد: فانّ العقيدة الإسلامية الّتي نزل بها القرآن الكريم ودعت إليها السنّة الشريفة ودعمها العقل الحصيف، عقيدة واحدة على مر الحُقُب والقرون، ذلك لأنّ العقيدة تحكي عن حقيقة ثابتة لا تتبدّل ولا تتغيّر، شأن كل أمر كونيّ معتمِد على واقعيات خارجة عن تصوّرات الإنسان وتفكيره.

فالمعادلات الرياضية، والقوانين الميكانيكية، والأحكام العقلية القطعية، كلّها من الأُمور الثابتة لا يزعزعها تصور الإنسان الخاطئ، ولا يؤثر عليها التفكير الإنساني مهما بلغ من القوة مبلغاً لا يُشقّ شأوه.

ولمّا كانت العقيدة الإسلامية ممّا يجب اقتناصه من المصادر الصحيحة،


( 8 )

اختلف العلماء وفي مقدّمتهم أساتذة العقائد والكلام في كيفية الاقتناص والاقتباس، وهذا هو الّذي أعقب مذاهب عقائدية ومدارس كلامية لكلّ شأنه ودليله، وقيمته.

ولكن لمّا كان بين هذه المسائل، مسائل خاصة أوجبت تعميق الهوّة بين المسلمين فقد أحببتُ أن أطرحها على طاولة البحث والدراسة ليتجلّى الحق لطلابه وأكون ممّن شارك في التقريب بين المذاهب وتوحيد الخطى بينها، وهذه المسائل عبارة عن:

المسألة الأُولى: التفكير فريضة إسلامية وانّه لا غنى للمسلم عن التفكير في ما يرجع إلى العقائد حتى يصدر عن دليل يقيني مفيد للعلم به، وانّ الذين يحرّمون الخوض في المعارف العقلية هم الذين وقعوا في مصيدة التجسيم والتشبيه، فلمّا رأوا أنّ البراهين القاطعة تعارض تفكيرهم وتُزعزع بنيانَ ما ورثوه من آبائهم، اضطرّوا إلى تحريم التفكير العقائدي لسدّ هذا الباب.

فصاروا يدعمون عقيدتهم البسيطة بالبرهان قائلين «لو كان المنطق(الاستدلال) طريقاً محصِّلاً لم يقع الاختلاف بين أهل الاستدلال».

ترى أنّهم كيف يستدلّون على بطلان الاستدلال، بالبرهنة والدليل.

هؤلاء الذين أقفلوا باب التفكير في صفاته سبحانه وأفعاله وشطبوا على البحوث العقلية بقلم عريض، فقد أنكروا في الحقيقة كثيراً من الآيات والروايات الّتي تبرهن على العقائد، وهذا هو الّذي عالجناه في المقالة الأُولى أو الفصل الأوّل من فصول الكتاب.

المسألة الثانية: وهي أنّ كثيراً من العقائد المنسوبة إلى السلف ـ و السلف الصالح بريء منها، براءة يوسف من الذنب الملصق به ـ مستقى من الخبر الواحد


( 9 )

الّذي لا يفيد علماً في باب العقائد.

فقد طرحنا هناك هذا النوع من المسائل وقلنا بأنّ الخبر الواحد في الشؤون الدينية بين الرفض والقبول; فقول الثقة حجة في مجال الأحكام وما يرجع إلى سلوك الإنسان من فعل وترك، ولكنّه ـ قول الثقة ـ ليس بحجة في مجال العقائد فإنّ المطلوب في هذا الحقل هو تحصيل اليقين، وخبر الواحد أقلّ شأناً من أن يفيد اليقين.

وبعبارة أُخرى: الأُصول والمعارف من الأُمور الّتي يطلب منها عقد القلب والإذعان بالقضية على نحو يطرد الطرف النقيض، وقول الثقة بما أنّه غير معصوم لا يورث إلاّ الظنّ وهو لا يغني في مجال العقيدة عن الحق شيئاً، وهذه المسألة طرحناها في المقالة الثانية من تلك المقالات أو الفصل الثاني من فصول هذا الكتاب.

المسألة الثالثة: وهي مسألة التساهل أو التطرف، وهي من الأُمور الهامة حيث نرى أنّ طائفة من المفكّرين يدعون إلى التساهل والتسامح ويصفون الإسلام بثقافة التساهل، وعلى النقيض من ذلك توجد جماعة يهتمون ويشدّدون على التكفير ويدعون إلى ثقافته:

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى * وليلى لا تقـرّ لهم بذاكا

وقد عالجنا هذه المسألة بالتفريق بين التساهل السلكوكي والتساهل في العقيدة والإيمان.

فليس للمسلم أن يتنازل عن عقيدته والأُصول الّتي بُني عليها الإسلام قيد شعرة، ولكنّه لا يمنع من التساهل في علاقته مع الفرق الأُخرى على نحو الهدوء والهدنة.


( 10 )

وقد ذكرنا عدداً من المسائل الّتي صارت سبباً للتطرف وطرد الآخرين من بين الطوائف الإسلامية.

وفي هذا الصدد نرى أنّ الشيخ الأشعري ـ و الّذي تاب عن الاعتزال ولجأ إلى مذهب أحمد بن حنبل ـ يؤلّف كتاباً في الفرق الإسلامية يسميه «مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلّين» وهو يسمّى أصحاب المذاهب كلّهم أهل القبلة والصلاة، ومع ذلك اختلفوا في كثير من المسائل الكلامية والّتي لا تمت إلى الإيمان الواجب بصلة.

فيا ليت كان منهجُ الأشعري سائداً على هؤلاء المتطرّفين اللّذين يتحاملون على الفرق الإسلامية الأُخرى.

وقد تطرقنا إلى هذه المواضيع في المقالة الثالثة أو الفصل الثالث.

المسألة الرابعة: فتنة التكفير فتنة عمّت أكثر ربوع العالم الإسلامي دون أن يكون لهذا الاتّساع والانتشار حدّ وتوقف، ومن يقوم بهذه الفتنة يتمسّك بعناوين يصفونها بالبدعة دون أن يقوّموا مفهوم البدعة وخصوصياتها، فصار الترامي بالابتداع أمراً شائعاً تسمعه حيث ما كنت في الديار المقدسة.

وقد نتج من إشاعة التكفير ورمي الآخرين بالابتداع الإرهابُ الّذي غطّى البلاد الإسلامية، فإنّ كثيراً ممّن اغترّ بتكفير المسلمين ووصفهم بالابتداع، استقوا مواقفهم المتطرفة تلك، من هذه الفكرة، إلى أن استغلّ الأعداءُ ذلك فجعلوا الإسلام مساوياً للإرهاب وإراقة الدماء وقتل الأبرياء، دون أن يميّزوا بين الإرهابيّين الذين هم نتاج أعمال الأجانب وتضييقهم على المواطنين وبين الإسلام الواقعي الّذي تعلوه الرحمة الإلهية والأخوّة الإسلامية والتعاون البشري. وهذا هو محور المقالة الرابعة والّتي كانت بعنوان: فتنة التكفير وخطرها على مستقبل الأُمّة


( 11 )

الإسلامية.

ومع هذا فهذا الجزء يضم بين دفتيه مقالات أُخرى في الفقه وأُصوله والرجال والتراجم والرسائل الإخوانية الّتي دارت بيننا وبين عدد من المفكّرين والعلماء الأعزاء.

فنرجو من اللّه سبحانه أن يكون هذا الجزء كسوابقه مفيداً للقراء ومنيراً لدربهم.

نسأل اللّه سبحانه أن يصوننا من التقصير في التفكير والزلل في البيان والعمل إنّه خير مسؤول ومجيب.

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم المقدسة

28 ربيع الأوّل 1426هـ


( 12 )

( 13 )

الفصل الأوّل

تاريخ علم الكلام

وكيفية نشوئه وتكامله ومدارسه


( 14 )

( 15 )

1

ما هو سبب تسمية علم الكلام بهذا الاسم؟

اختلفت كلمات أعلام المتكلّمين في وجه تسمية علم الكلام ، وها نحن نذكر كلماتهم في المقام:

1. قال العلاّمة الحلّي (المتوفّى 726هـ) في موسوعته «نهاية المرام في علم الكلام»: خُصِّصَ هذا العلم باسم الكلام لوجوه:

ـ العادة قاضية بتسمية البحث في دلائل وجود الصانع تعالى وصفاته وأفعاله، بالكلام في اللّه تعالى وصفاته، فسُمّي هذا العلم بذلك. ولا استبعاد في تخصيص بعض الأسماء ببعض المسمّيات دون بعض.

ـ أنكر جماعة البحث في العلوم العقلية والبراهين القطعية، فإذا سُئلوا عن مسألة تتعلّق باللّه تعالى وصفاته وأفعاله والنبوة والمعاد، قالوا: نُهينا عن الكلام في هذا العلم، فاشتهر هذا العلم بهذا الاسم.

ـ هذا العلم أسبق من غيره في المرتبة، فالكلام فيه أسبق من الكلام في غيره، فكان أحقّ بهذا الاسم.

ـ هذا العلم أدق من غيره من العلوم، والقوة المميزة للإنسان ـ وهي النطق ـ إنّما تظهر بالوقوف على أسرار هذا العلم، فكان المتكلّم فيه أكمل الأشخاص البشرية، فسمّي هذا بالكلام لظهور قوة التعقّل فيه.

ـ هذا العلم يُوقف منه على مبادئ سائر العلوم، فالباحث عنه كالمتكلم في غيره، فكان اسمه بعلم الكلام أولى.

ـ إنّ العارفين باللّه تعالى يتميزون عن غيرهم من بين نوعهم، لما شاهدوه من


( 16 )

ملكوت اللّه تعالى، وأحاطوا بما عرفوه من صفاته، فطالت ألسنتهم على غيرهم فكان علمهم أولى باسم الكلام.(1)

2. وقال التفتازاني(المتوفّى عام 791هـ):سُمِّي علم الكلام كلاماً، لأنّ مباحثه كانت مصدّرة بقولهم: كلام في كذا وكذا، ولأنّ أشهر الاختلافات فيه كانت مسألة كلام اللّه تعالى انّه قديم أو حادث، ولأنّه يُورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات، ولأنّه كثر فيه من الكلام مع المخالفين والردّ عليهم ما لم يكثر في غيره، ولأنّه لقوة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.(2)

وقد ذكر التفتازاني أيضاً في «شرح العقائد النسفية» أسباب تسمية علم الكلام بهذا الاسم فقال: وسَمُّوا معرفة العقائد عن أدلّتها بالكلام:

ـ لأنّ عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا.

ـ ولأنّ مسألة الكلام(في حدوث القرآن وقدمه) كانت أشهر مباحثه وأكثر نزاعاً وجدالاً.

ـ ولأنّه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق للفلسفة.

ـ ولأنّه أوّل ما يجب من العلوم التي تُعْلم وتُتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك ثمّ خُصّ به ولم يطلق على غيره تميزاً له.

ـ ولأنّه إنّما يتحقّق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين، وغيره قد يتحقّق بالتأمل ومطالعة الكتب.

ـ ولأنّه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم.


1 . نهاية المرام في علم الكلام:1/8ـ9.

2 . شرح المقاصد:1/164، تحقيق الدكتور عبدالرحمن عميرة.


( 17 )

ـ ولأنّه لقوة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.

ـ ولأنّه لابتنائه على الأدلّة القطعية المؤيَّد أكثرها بالأدلّة السمعية، أشدّ العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه، فسُمِّي بالكلام، المشتق من الكلم وهو الجرح.(1)

وعلى كلّ تقدير فقد يطلق على هذا العلم، علمُ أُصول الدين، كما يسمّى أيضاً بعلم التوحيد، أو علم التوحيد والصفات، أو الفقه الأكبر، أو علم النظر والاستدلال.(2)

هذا خلاصة ما ذكروه غير أنّ كثيراً منها إبداعيّ لا يَعتمِدُ على دليل، خصوصاً ما اشتهر بين الناس من أنّ وجه التسمية بالكلام لأجل انّ البحث في الكلام الإلهي من حيث الحدوث والقدم كان هو السبب وراء تسمية هذا العلم بعلم الكلام. وذلك لأنّ البحث في الكلام الإلهي من حيث القدم والحدوث نجم في عصر المأمون عام 212هـ ، مع أنّ هذا المصطلح كان دارجاً بين المسلمين قبل هذا العصر.

نظرنا في وجه التسمية

والظاهر انّ خطب الإمام وكلماته، كانت هي الأساس في التسمية وتدوين علم الكلام، فالمتكلّمون كانوا يستدلّون بكلام علي (عليه السلام) في كذا وكذا حتّى سمّى مجموع المسائل بعلم الكلام.

وسيوافيك أنّ المؤسس الأوّل لهذا العلم هو الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فإنّه أوّل من تكلّم بين الصحابة حول أسمائه سبحانه وصفاته وأفعاله بوجه بديع، وخطبه وكلماته أفضل شاهد على ذلك.


1 . شرح العقائد النسفيّة:15،ط آستانة ـ 1326هـ.

2 . كشاف اصطلاحات العلوم:30; وعلم الكلام ومدارسه:53.


( 18 )

2

تعريف علم الكلام

وقد عُرِّف علم الكلام بتعاريف مختلفة:

1. علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه.(1)

2. هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلّة اليقينية.(2)

3. هو ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحمودة التي صرّح بها واضعُ الملة وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل.(3)

4. علم يتضمّن الحجاج على العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقاد عن مذاهب السلف وأهل السنّة.(4)

ويلاحظ على التعريف الأخير بأنّ المتكلّم ـ على ضوء هذا التعريف ـ هو من يدافع عن أُصول الدين لا عن فروعه. واختلاف السنّة مع غيرهم اختلاف في


1 . المواقف:1/333; كشاف اصطلاحات العلوم:30.

2 . شرح المقاصد:1/163.

3 . موسوعة مصطلحات العلوم عند العرب:2/1061.

4 . مقدمة ا بن خلدون:ص 458، الفصل العاشر في علم الكلام.


( 19 )

الفروع لا في الأُصول بما فيه الاختلاف في الإمامة، لأنّها عند أهل السنّة من الفروع وجزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا معنى لتخصيص علم الكلام بالدفاع عن عقيدة السلف والسنّة، بل المتكلّم يدافع عن العقيدة الإسلامية المشتركة بين السنّة والشيعة.

وعلى ضوء هذه التعاريف يكون علم الكلام علماً آلياً يستخدم في إثبات العقائد الدينية، إمّا بإيراد الحجج أو دفع الشبه، ويكون موضوعه العقائد الدينية من حيث إقامة الحجج العقلية عليها أو دفع الشبه عنها.

وهذا النوع من التعاريف ينطبق على الكتب المؤلفة في العصور الإسلامية الأُولى التي اقتصر البحث فيها على المسائل العقائدية.

ولكن هذا الوضع لم يدم، ففي العصور المتأخرة شرع المتكلّمون في البحث عن أوسع الموضوعات وهو البحث عن الموجود بما هو موجود; فقسّموا المباحث الكلامية إلى: الأُمور العامة أوّلاً ، والطبيعيات ثانياً، والإلهيات ثالثاً.

وعلى ضوء ذلك سار نصير الدين الطوسي (المتوفّى672هـ) في كتابه «تجريد الاعتقاد»; وتبعه غير واحد من المتكلّمين، منهم: العلاّمة الحلّـي في غير واحد من كتبه الكلامية لاسيّما كتاب «نهاية المرام في علم الكلام»، والقاضي الإيجي (المتوفّى756هـ) في «المواقف»، والتفتازاني(المتوفّـى791هـ) في «مقاصده» و«شرحه»، والجرجاني (المتوفّى 816هـ) في «شرح المواقف»، والفاضل المقداد(المتوفّى 826هـ) في «اللوامع الإلهية» ، إلى غير ذلك من الكتب.

وهذه المسائل لا تمت إلى العقائد الدينية بصلة. نعم حاول محمد علي الفاروقي التهانوي من علماء القرن الثاني عشر إرجاع هذه المسائل إليها بالبيان


( 20 )

التالي:

وموضوعه هو المعلوم من حيث إنّه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقاً قريباً أو بعيداً، وذلك لأنّ مسائل هذا العلم إمّا عقائد دينية كإثبات القدم والوحدة للصانع، وإمّا قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة وجواز الخلاء وانتفاء الحال وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعددة موجودة في ذاته، والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود والمعدوم والحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقاً قريباً، وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقاً بعيداً،وللبعد مراتب متفاوتة.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا صلة بين إثبات الأحوال البهشمية المطروحة في الأُمور العامّة ونفيها والعقائد الدينية، وهكذا كثير من المسائل المطروحة في علم الطبيعيات.

وسيوافيك الرأي الحاسم في الفصل القادم.


1 . كشاف اصطلاحات الفنون:31.


( 21 )

3

موضوع علم الكلام

إنّ تحديد موضوع علم الكلام رهن كيفية تعريفه، فلو قلنا في تعريف علم الكلام بأنّه علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه، يكون موضوعه العقائد الدينية التي أذعن المتكلّم بصحّتها بدلائل إجمالية، وتكون عوارضها إقامة الحجج التفصيلية عليها أو بدفع السهام المرشوقة إليها.

وأمّا لو قلنا في تعريف علم الكلام بأنّه الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود كما يدلّ عليه مباحثه، فالموضوع هو الموجود بما هو موجود الذي ثبوته من البديهيات ومسائله من النظريات، فعندئذ يتّحد موضوع علم الكلام مع موضوع الفلسفة، وغاية ما يمكن أن يقال في الفرق هو انّ البحث في علم الكلام على نهج قانون الإسلام بمعنى انّ المتكلّم ملتزم بأن لا يخرج بنتيجة يخالف فيها الإسلام ولكن الفيلسوف غير ملتزم بذلك.

ينقل الإيجي في «المواقف» ويقول: وقيل الموضوع هو الموجود بما هو موجود ويمتاز عن الإلهي باعتبار، وهو انّ البحث هاهنا على قانون الإسلام.(1)


1 . المواقف:1/7.


( 22 )

وعلى ضوء ذلك فالفلسفة والكلام اسمان لعلم واحد، مشتركان في عامّة المسائل، غير أنّ همّ المتكلّم في النهاية إيراد الحجج على العقائد أو دفع الشبه بخلاف الفيلسوف.

وبذلك ظهر انّ الموضوع أحد أمرين:

أ. العقائد الدينية المبرهنة إجمالاً في غير علم الكلام. فيبحث عن العوارض الذاتية لها وهي ـ كما مرّ ـ إمّا إقامة الدليل أو دفع الشبهة.

ب. الموجود بما هو موجود الذي يؤمن به كلّ إنسان موضوعي ويبحث عن عوارضه الذاتية، وهي تقسيم الموجود إلى واجب وممكن، والممكن إلى مجرّد ومادّي وهكذا.

وقد تقدّم انّ التهانوي جعل الموضوع «المعلوم» من حيث إنّه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية وكأنّه حاول الجمع بين الأمرين.

هذا هو المستفاد من كلمات القوم.

إيضاح وتفصيل

والحقّ أن يقال : أنّه لو قلنا بأنّ علم الكلام يتضمّن الاحتجاج على العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية والردّ على المبتدعة فموضوع علم الكلام «هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث الاستدلال عليها بالأدلّة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد».

وقد كان علم الكلام في أوائل الأمر لا يتجاوز هذا الحدّ، و كان الغرض منه هو الذبّ عن العقائد الصحيحة، فالعقائد الإيمانية والبرهنة عليها بالأدلّة العقلية ورفع البدع وإزالة الشكوك من عوارضها موضوع له.


( 23 )

ولكن علم الكلام ـ بمرور الزمن ـ تجاوز هذا الحدّ فصار يواكب الفلسفة في حقولها الثلاثة: الأُمور العامّة، الطبيعيات والفلكيات، والإلهيات بالمعنى الأخصّ.

فعند ذلك لا محيص من القول من أنّ موضوع علم الكلام هو نفس موضوع الفلسفة ، لكن الغرض الأقصى للمتكلّم هو البرهنة على ما ثبت في الشرع في الحقول الثلاثة، وبالأخص ما يمت إلى العقائد بصلة; وهذا بخلاف الحكيم، فإنّ الغاية هو فهم حدود الوجود وتعيّناته من الواجب إلى الممكن ومن الجوهر إلى العرض ومن المادّة إلى المجرّد.

وبذلك يتيسّر لنا أن نقول: إنّ علم الكلام تطوّر عبر القرون، ففي القرون الأُولى كان الهدف هو الدفاع عن العقائد الإيمانية فقط، ولم يكن هناك أيّ غرض سوى ذلك، ولكن بمرور الزمن واحتكاك الثقافات وازدهار الفلسفة لم يجد المتكلّمون بدّاً من التوسع في المعارف الكونيّة من الطبيعيات والفلكيات والبحث عن القواعد العامّة في الأُمور العامّة وغير ذلك.

وبذلك اختلفت كلمتهم في بيان موضوع العلم.

استظهار موضوع العلم من خلال غايته

إنّ الوقوف على موضوع العلم يحصل من خلال الوقوف على غايته، فإنّ غاية العلم تُحدِّدُ موضوعَ العلم وبالتالي تعريفَه.

فالغاية القصوى للمتكلّم هي معرفة اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله، ويدخل في أفعاله معرفة المعاد و الأنبياء والأئمّة وما يمت لهم بصلة، فإذا كانت هذه هي الغاية فلا معنى لاتخاذ الموجود بما هو موجود موضوعاً لعلم الكلام، فإنّ البحث


( 24 )

عن مطلق الموجود وإن لم يكن له صلة باللّه وأسمائه وصفاته وأفعاله خارج عن الغاية المتوخاة للمتكلّم، وبذلك تخرج كثير من المباحث المطروحة في الفلسفة عن علم الكلام، نظير:

1. الأُمور العامة، كالبحث عن الوجود والماهية، والبحث عن العدم وأحواله إلى غير ذلك من المسائل.

2. الطبيعيات، كالبحث عن تركّب الجسم من الهيولى والصورة، أو الفلكيات إلى غير ذلك.

وقد مرّ أنّ المتكلّمين في العصور الأُولى لم يكن لهم همّ إلاّ طرح المسائل التي لها مساس بالعقائد الدينية، ولكن لمّا اتسعت العلوم ودام التنازع بينهم وبين غيرهم اتسعت دائرة علم الكلام إلى مسائل لا تمت إليها بصلة، وكانت الغاية من إدخال هذه المسائل هي مجاراة الفلاسفة فيها حتّى لا يُتَّهمُوا بقلة الاطّلاع وضآلة الفضل والعرفان، ولولا هذا لما شمل علم الكلام هذه المباحث.

ولذلك نرى أنّ العلاّمة الحلّيّ يذكر في غاية علم الكلام ماهذا نصّه:

إنّ الإنسان هو مدني بالطبع يفتقر في معاشه إلى غذاء ولباس ومسكن، وهذه الأُمور لا يمكن صدورها عن صانع واحد وإنّما تحصل باجتماع خلق يتعاونون عليه ويتشاركون في تحصيله.

ثمّ إنّ الاجتماع على التعاون إنّما يتم إذا كان بين بني النوع معاملة وعدل، إذ كلّ منهم يشتهي ما يحتاج إليه ويغضب على مزاحمته فيه ، وبحسب هاتين يحصل الجور فيقع الهرج والمرج فمسّت الحاجة إلى وضع قوانين إلى كيفية العدل.

وتلك القوانين لو وضعها الناس لحصل الاختلاف، فوجب في عناية اللّه


( 25 )

تعالى إرسال الأنبياء بشرائع تقتضي نظام الوجود ومجازاة الممتثل لها بإحسان ومقابلة المخالف بالعذاب الأُخروي، فوجب معرفة المجازي.(1)

ترى أنّه يبيّن غاية علم الكلام بحاجة الإنسان إلى القوانين العادية، ولا يحصل ذلك إلاّ بتشريع اللّه سبحانه، ومعرفة القوانين تتوقّف على معرفة اللّه سبحانه وأسمائه وصفاته وأنبيائه، وما وعد به المطيع، أو أوعد به المجرم.

فإذا كانت الغاية هي هذه، فالبحث عن الماهية والوجود والأحوال البهشمية أو عن أصالة الوجود والماهية أو المسائل الطبيعية بأجمعها يكون أمراً زائداً، ولذلك نرى أنّ العلاّمة الحلّي بعدما يذكر الغاية يعرّف علم الكلام بالشكل التالي:

علم الكلام هو المتكفّل بمعرفة المجازي، وكيفية آثاره وأفعاله وتكاليفه على الإجمال. وذلك هو سبب السعادة الأبدية والخلاص عن الشقاء الأبدي، ولا غاية أهمّ من هذه الغاية.(2)

فإذا كانت هذه غاية علم الكلام حسب ما قرره العلاّمة الحلي اتّضحت الأُمور الثلاثة:

1. تعريف علم الكلام.

2. موضوعه.

3. غايته.


1 . نهاية المرام:1/12 .

2 . نهاية المرام:1/13.


( 26 )

4

التفكير فريضة إسلامية

إنّ الذكر الحكيم يعدّ التفكير فريضة دينية، يقول سبحانه: (الّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِياماً وقُعوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتفكَّرون في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرْض ربّنا ما خَلَقْت هذا باطلاً).(1)

وقد تكرر قوله سبحانه في الذكر الحكيم: (انّ في ذلِكَ لآيات لقَوم يَتَفَكَّرون).(2)

فلو كانت الفريضة هي الجمود على ما ذكره السلف فيما يرجع إلى المبدأ والمعاد، فلماذا حثَّ سبحانه على التفكير في آياته وخلقه؟! أليس في ذلك دعوة لمعرفة المبدئ وأسمائه وصفاته وأفعاله حسب الطاقة البشرية من خلال التدبّر في آثاره وآياته الكونية؟.

إنّه سبحانه عندما يندِّد بالملحدين والمشركين يخاطبهم بقوله: (قُلْ هاتُوا بُرهانكُم)، ويقول سبحانه: (أَم اتّخذوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرهانكُمْ هذا


1 . آل عمران:191.

2 . الرعد:3; النحل:11; الزمر:42; الجاثية:16.


( 27 )

ذِكْرُ مَنْ مَعيَ وَذِكْرُ مَن قَبلي بَلْ أَكثرهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحقَّ فَهُم مُعْرِضُون).(1)

وعلى ضوء ذلك فالبرهان هو مدار الإيمان والصلاح والنجاح، فمَن طلب البرهان أو أبطل الوهم به، فقد عمل بالقرآن; وأمّا من أقفل على قلبه وعقله وقلّد السلف دون تفكير، فقد عطّل عقلَه وتفكيره.

ثمّ ما الدليل على أنّ السلف أفضل من الخلف، وكأنّ السلف قد أحاطتهم هالة من العصمة لا يخطأون ولا يشتبهون. وسيوافيك أنّ خير السلف هو الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) وأهل بيته الطاهرين، قد فتحوا باب المعارف الإلهية بوجه الأُمّة على ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الحصيف الذي به عرفنا ربّنا سبحانه، لا عن طريق المشاغبات والمجادلات.

إنّ القرآن الكريم يحثُّ على التعقّل في آياته سبحانه ويقول: (كَذلِكَ يُبيّنُ اللّه آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون).(2)

ويقول سبحانه: (أُفّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه أَفَلا تَعْقِلُون)(3) ، ويبيّن أنّ الغاية من ضرب الأمثال هو التعقّل ويقول: (وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاّ العالمُون)(4).

ويبيّن انّ شر الدّواب هو الإنسان الذي أغلق عقله وأعدم تفكيره، يقول تعالى: (إِنَّ شَرّ الدّوابِّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُّكْمُ الَّذين لا يَعْقِلُون).(5) إلى غير ذلك من الآيات الحاثَّة على التعقّل.


1 . الأنبياء:24.

2 . البقرة:242.

3 . الأنبياء:67.

4 . العنكبوت:43.

5 . الأنفال:22.


( 28 )

أفهل يصحّ تخصيص هذه الآيات بالتعقّل في أُمور الدنيا ومعاش الإنسان وما حوله من العلوم الطبيعية والفلكية فقط؟ أو أنّ مقتضى إطلاقها، هو التفكير في الطبيعة ومابعدها؟

فلو صحّ ما يقوله علماء السلف:«إنّما أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية، فمن شغل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية».(1)

فلو صحت هذه الجملة فمَن المخاطب إذن بهذه الآيات التي تحتوي على براهين مشرقة؟!

( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْر شيْء أَمْ هُمُ الخالِقُون).(2)

(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّه لَفَسَدتا فَسُبحانَ اللّه رَبّ العَرْش عَمّا يَصِفُون).(3)

(مَا اتّخذَ اللّه مِنْ وَلَد وَما كانَ مَعَهُ مِنَ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُون).(4)

إلى غير ذلك من الآيات التي وردت فيها أُصول المعارف الإلهية التي تقع وراء الحس والطبيعة.

ثمّ إنّه سبحانه يأمر بالشكر بعدما يذكِّر ببعض مواهبه من السمع والأبصار والأفئدة ويقول سبحانه: (وَاللّهُ أَخرجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفئِدَة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(5)


1 . الإثبات والتفويض لرضا نعسان معطي، نقلاً عن الحجة في بيان المحجة:33 .

2 . الطور:35.

3 . الأنبياء:22.

4 . المؤمنون:91.

5 . النحل:78.


( 29 )

والمراد من الشكر في ذيل الآية صرف النعمة في مواضعها، فشكر السمع والبصر هو إدراك المسموعات والمبصرات بهما، وشكر الفؤاد هو درك المعقولات وغير المشهودات به، فالآية تحرّض على استعمال الفؤاد والقلب والعقل في ما هو خارج عن إطار الحس وغير واقع في متناول أدواته.

ولأجل ذلك يتّخذ القرآن لنفسه في هذه المجالات موقف المعلِّم فيعلِّم المجتمع البشري كيفية إقامة البرهنة العقلية على توحيده سبحانه في أمر الخلقة والتدبّر.

باللّه عليك أيّها القارئ اقرأ الآيات التالية، ثمّ احكم بنفسك، هل يمكن لإنسان أن يقف على مغزاها بلا تفكير وتعقّل مبني على أُصول متعارفة أو موضوعة؟ فلو أعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك (مشاهد) الربوبية فماذا تهدف هذه الآيات التي أمرنا بالتدبّر فيها؟!

(نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلولا تُصدّقُونَ * أَفرَأيتم ماتُمْنُون * ءَأَنْتُمْ تَخْلقونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقينَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعَلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشأةَ الأُولى فَلولا تَذَكَّرُونَ * أَفرأَيْتُمْ مَاتَحْرُثُونَ * ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الّتي تُورُونَ * ءَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئونَ).(1)

رغم انّ علم الكلام الذي هو من أفضل مظاهر التفكير، كان ضرورة زمنية دعت المخلصين الغيارى من علماء الإسلام إلى تدوينه ونشره حتّى يقوم الجيل


1 . الواقعة:57ـ72.


( 30 )

الحاضر بالدفاع عن حياض الشريعة بقوة وحماس، ترى أنّ أكثر التابعين وحتّى أئمّة الفقه يعارضون علم الكلام بل يحرمونه، فهذا هو مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري ذهبوا إلى رفض علم الكلام ومهاجمة المتكلمين.

فقد نقلوا عن الشافعي قوله في أثناء موته: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه فرارهم من الأسد.

وأمّا أحمد بن حنبل فقد استخدم في حقهم لفظ الزنادقة.

وأمّا مالك فقد رفض الكلام والمتكلّمين بحجة انّهم قوم على استعداد أن يغيّروا دينهم وفقاً للبراهين التي تعرض لهم أو تعرض عليهم، فقال: أرأيت إن جاء عالم الكلام من هو أجدل منه أيدع دينه كلّ يوم، لدين جديد.(1) إلى غير ذلك من الكلمات المروية عن التابعين وتابعي التابعين.

وهذا هو الإمام الأشعري لما عدل عن منهج الاعتزال والتحق بمذهب الإمام أحمد لم يحتفل به أصحاب الإمام أحمد .

قال عبد اللّه الحمراني : لمّا دخل الأشعري بغداد جاء إلى البَربهاري فجعل يقول: رددتُ على الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس وقلت وقالوا; وأكثرَ الكلامَ، فلمّا سكت قال البربهاري: وما أدري ما قلت لا قليلاً ولا كثيراً، ولانعرف إلاّ ما قاله أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل. قال: فخرج من عنده وصنف كتاب «الإبانة» فلم يقبله منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منهـا.(2)

وقد اشتهر ذمُّ علم الكلام على لسان الذين عطلوا تفكيرهم وكرّسوا


1 . علم الكلام ومدارسه:51ـ52.

2 . تبيين كذب المفتري:391.


( 31 )

جهودهم بنقل الحديث دون وعيه ودرايته،و قد نُقلت في هذا المقام كلمات عن السلف نظير ما نقلناه. ولا بأس بذكر بعضها:

نقل ابن الجوزي بسنده عن الوليد بن أبان الكرابيسي أنّه قال لبنيه لما حضرته الوفاة: تعلمون أحداً أعلم بالكلام منّي ؟ قالوا: لا، قال: أفتتهمونني؟ قالوا: لا، قال: فإنّي أُوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإنّي رأيت الحقّ معهم.

ونقل أيضاً عن إمام الحرمين أنّه كان يقول: لقد جُلْت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبتُ البحرَ الأعظم، وغصت في الذين نهوا عنه كلّ ذلك في طلب الحقّ وهرباً من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف برّه فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني.

وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفتُ أنّ الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.

وقال أبو الوفاء ابن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع أنّ الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيتَ أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيتَ انّ طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت، وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم روائح الإلحاد من فلتات المتكلّمين، وأصل ذلك انّهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك ما عند اللّه من الحكمة التي انفرد بها ولا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأُمور.(1)


1 . انظر للوقوف على مصادر هذه الكلمات تلبيس إبليس:82ـ 83،ط دار القلم، بيروت.


( 32 )

هذه كلماتهم في ذم التعقّل والتفكّر وكم لها من نظير، وعلى القارئ الكريم أن يعرض كلماتهم على الذكر الحكيم حتّى يتبين الحقّ من الباطل، وأن يكون رائده إلى الحق كلامه سبحانه لا كلمات القوم.

مضاعفات تعطيل العقول عن التفكير

إنّ تعطيل العقول عن المعارف الإلهية بين أهل الحديث أو صنف منهم جرّهم إلى القول بالتشبيه والتجسيم باطناً وإن أنكروه ظاهراً، يقول ابن تيمية محيي الدعوة السلفية في القرن الثامن: أهل السنّة والجماعة يؤمنون بما أخبر اللّه به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأُمة كما أنّ الأُمّة هي الوسط في الأُمم، فهم وسط كما في باب صفات اللّه سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل (المشبهة).(1)

والقارئ الكريم يتصوّر أنّه مشى على هذا الأصل إلى آخر كتابه، ولكنّه يقف على أنّه سرعان ما انقلب على وجهه وارتد على أدباره وغرق في التشبيه والتجسيم ونادى به وقال:

«وممّا وصف الرسول به ربّه في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول ووجب الإيمان به قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):ينزل ربّنا إلى سماء الدنيا كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فاغفر له؟ وقوله : يضحك اللّه إلى رجلين، أحدهما يقتل


1 . مجموعة الرسائل والمسائل:400.


( 33 )

الآخر كلاهما يدخل الجنة. وقوله: لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتّى يضع ربّ العزة فيها قدمه ينزوي بعضها إلى بعضه، وتقول: قط قط. وهذه الأحاديث متفق عليها.(1)

نحن نسأل «ابن تيميّة» و من لفّ لفّه: هل هو يأخذ بظواهر هذه الأحاديث التي لو وردت في حقّ غيره سبحانه لقطعنا بكونه جسماً، كالإنسان له أعضاؤه، أو يترك ظواهرها و يحملها على غيرها؟ فعلى الأوّل يقع في مغبّة التشبيه، و على الثاني يقع في عداد المؤوّلين و هو يتبرّأ منهم.

وأمّا الأخذ بظواهرها لكن بقيد «بلاتكييف» و «لاتشبيه» ـ فمضافاً إلى أنّه لم يرد في النصوص ـ يوجب صيرورة الصفات مجملة غير مفهومة، فإنّ واقعيّة النزول والضحك و وضع القدم،إنّما هي بكيفيتها الخارجيّة، فحذفها يعادل عدمها. فما معنى الاعتقاد بشيء يصير في نهاية المطاف أمراً مجملاً و لغزاً غير مفهوم؟ فهل يجتمع هذا مع بساطة العقيدة و سهولة التكليف التي تتبنّاها السلفيّة في كتبهم؟!

فلو صحّ تصحيح هذه الأحاديث و الصفات الجسمانية بإضافة قولهم «بلاتمثيل» فليصحّ حمل كلّ وصف جسماني عليه بإضافة هذا القيد بأن يقال: اللّه سبحانه جسم لاكهذه الأجسام، له صدر و قلب لاكمثل هذه الصدور و القلوب، إلى غير ذلك مما ينتهي الاعتقاد به إلى نفي الإله الواجب الجامع لصفات الجمال والجلال.

إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد و تفسير القرآن و الحديث، لايُنتج إلا إجلاسه سبحانه على عرشه فوق السماوات، يقول «ابن قتيبة» ـ المدافع عن


1 . نفس المصدر:398ـ 399.


( 34 )

الحشوية و أهل الحديث ـ في تفسير قوله:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَ الأَرْض)يستوحشون أن يجعلوا لله كرسيّاً أو سريراً و يجعلون العرش شيئاً آخر، و العرب لاتعرف العرش إلا السرير، و ما عُرِش من السقوف و الابار. يقول اللّه (وَ رَفَعَ أََبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ ) أي على السرير.

و أُميّة بن أبي الصلت يقول:

مَجّدوُا اللّه و هو للمجد أهل * ربّنا في السماء أمسى كبيـراً
بالبناء الأعلى الذي سبق النا * س وسوّى فوق السماء سريرا
شرجعا(1) ما يناله بصــر الـ * ـعين ترى دونه الملائك صورا(2)(3)

ترى أنّه يصور اللّه سبحانه ملكاً جبّاراً جالساً على عرشه، و الخدم دونه ينظرون إليه بأعناق مائلة، و هو يتبجّح بذلك تبجّح المتكبّر باستصغار الناس و ذلتهم.

و يقول أيضا:

«كيف يسوغ لأحد أن يقول: إنّه بكلّ مكان على الحلول مع قوله:

( اَلرَّحْمن عَلى الْعَرْشِ اسْتَوى ) أي استقر، كما قال: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ


1 . أي طويلاً.

2 . جمع «أصور» و هو المائل العنق.

3 . تأويل مختلف الحديث: 67.


( 35 )

أََنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الفُلْكِ) أي استقررت.

و مع قوله تعالى:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ).

كيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرفع إليه عمل و هو عنده .(1)

ثم إنّه يستشهد بكونه سبحانه في السماء بما ورد في الحديث:

« إنّ رجلاً أتى رسول اللّه بأمة أعجميّة، للعتق، فقال لها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أين اللّه تعالى؟

فقالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول اللّه، فقال((عليه السلام)): هي مؤمنة، و أمر بعتقها.(2) فقد غاب عن «ابن قتيبة» إنّ المراد من كونه سبحانه بكلّ مكان ليس هو حلوله فيه، بل المراد أنّ العالم بكلّ أجزائه وذرّاته قائم به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي و انّ وجوده سبحانه وجود فوق الزمان و الزمانيّات و المكان و المكانيّات، غني عنهما، لايحتاج إليهما، بل هو الخالق لهما.

و أمّا الحديث الذي استدلّ به فليس فيه دلالة على تصديق رسول اللّه بكلّ ما تعتقده الأمة، بل انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اكتفى بما أظهرت من الاعتقاد الساذج بوجوده سبحانه و نبوّة نبيّه و إن أخطأت في الحكم بأنّه في السماء و لم تكن الظروف ـ إذ ذاك ـ تساعد، لتفهيمها إنّه سبحانه منزّه عن المكان و الزمان و الجهة، و إنّه ليس جسماً و لاجسمانياً حتى يحلّ في السماء.

على أنّ الرواية، نقلت بصور مختلفة أوضحنا حالها في رسالة خاصة.


1 . نفس المصدر: 271.

2 . المصدر نفسه: 272.


( 36 )

5

شبهات منكري علم الكلام

قد عرفت أنّ التفكير فريضة إسلامية وانّ الإنسان بطبعه يفكِّر وينقض ويبرم ويتطلّع إلى موضوعات قابلة للتفكير فيطلب إجابة حاسمة لها، ومع ذلك نرى أنّ أُناساً يعدُّون من طبقة المحدِّثين ينكرون علم الكلام وينددون به تحت غطاء شبهات نذكرها تباعاً:(1)

1. لو كان المنطق طريقاً موصلاً، لم يقع الاختلاف بين أهل المنطق، لكنّا نجدهم مختلفين في آرائهم.

يلاحظ عليه: أنّ القائل استخدم المنطق في إبطال المنطق، فإنّ ما ذكره قياس استثنائي حيث قال: لكنّا نجدهم مختلفين فاستنتج بأنّ المنطق ليس طريقاً موصلاً.

أضف إلى ذلك انّ معنى كون المنطق آلة للاعتصام، هو انّه لو استعمل استعمالاً صحيحاً يعصم من الخطأ، وأمّا انّ كلّ مستعمل له، يستعمله صحيحاً


1 . نقل قسماً من هذه الشبهات، السيد الطباطبائي في الجزء الخامس من كتاب الميزان، فلاحظ ص 256ـ 271، طبعة بيروت.


( 37 )

فلا يدّعيه أحد، وهذا نظير ما يقال: انّ السيف آلة القطع، ولكن ليس كلّ مستعمل يستعمله، يترتّب عليه القطع.

2. انّ هذه الأُصول إنّما روِّجت بين الناس لصرف الناس عن اتّباع الكتاب والسنّة أو لصدّهم عن باب أهل البيت، فيجب علينا الاجتناب.

يلاحظ عليه: أنّ المتكلّم لا يدّعي الاستغناء عن الكتاب والسنّة، بل الكتاب والسنّة الصحيحة أحد الطرق إلى معرفة الحقائق، وإنّما يستعان بالعقل أيضاً إمّا لدعم ما يستفاد منهما، أو لدفع الإشكال عنهما، أو لإثبات ما لا يستفاد منهما حسب فهمنا .كيف وأئمّة أهل البيت هم الذين فتحوا باب التفكّر بوجه الأُمّة؟!

3. لا حاجة إلى آثار الكفّار والملاحدة مع وجود الكتاب والسنّة.

يلاحظ عليه: أنّ ما نُقل عن الحكماء يشتمل على الصحيح والخطأ، والحسن والسيِّئ، والقرآن يدعو إلى أخذ الحسن دون السيِّئ، لا إلى رفض الجميع، يقول سبحانه: (فَبَشِّرْ عِباد * الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه أُولئكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللّهُ وَأُولئك هُمْ أُولُوا الأَلْباب).(1)

وثمّة آيات وروايات كثيرة تؤكّد هذا المعنى، ولا ريب في أنّ القرآن هو الداعي إلى تعلم العلوم والأخذ بأحسنها وردّ سيّئها.

وبعبارة أُخرى: انّ الكتاب والسنّة يحثّان الإنسان على التوسع في استعمال الطرق العقلية الصحيحة، أعني: المقدّمات البديهيّة أو المنتهية إليها لتمييز الفكرة الصحيحة عن السقيمة، سواء كانت الفكرة شرقية أم غربية.

4. انّ طريق السلف الصالح كان مبايناً لطريق الكلام والفلسفة والعرفان،


1 . الزمر:17ـ18.


( 38 )

وكانوا يستغنون بالكتاب والسنّة عن استعمال الأُصول المنطقية والعقلية.

يلاحظ عليه: أنّ السلف الصالح لم يكونوا على وتيرة واحدة، فعليّ(عليه السلام)وأهل بيته وشيعتهم ولفيف من أهل السنّة يرون التفكير فريضة إسلامية، وكانوا يخوضون في بحار المعارف ويستدلّون بالأقيسة الصحيحة على النتائج.

وأصحّ دليل على ذلك خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) واحتجاجات تلاميذه وتابعيه.

والحاصل: انّ رائدنا في الخوض في المباحث العقلية، هو قوله سبحانه: (ادعُ إِلى سَبيلِ ربّكَ بِالحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهُمْ بِالّتي هي أَحسَن).(1) فما هو المراد من الحكمة؟ فهل هي كلّ كلام أو فكر مقرون بالبرهان أو الدليل كما أنّ المراد من الجدل هو الاحتجاج على الخصم بأقواله؟

5. وقال أبو الوفاء ابن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع انّ الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت انّ طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت.(2)

يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك إيقاف ركب العلم عن التقدّم، فلا شكّ انّ العلوم الكونية قد تقدّمت وكشفت عن مكامن وقوانين لم تكن معروفة للصحابة، أفيصحّ ـ في منطق العقل ـ رفض هذه العلوم بحجّة انّ الصحابة كانوا يجهلونها؟! لاأدري متى أصبحت طريقة الصحابة محوراً للحقّ ومعياراً لتمييز الصحيح عن الفاسد... والقرآن يدعو إلى التفكير في السماوات والأرض ويقول: (أَوَ لَمْ يَنْظُروا في مَلَكُوتِ السَّمواتِ والأَرض)(3)، ويقول: (أَفَلَمْ يَنْظُروا إِلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ


1 . النحل:125.

2 . تلبيس إبليس:83، مرّ نقل ذلك أيضاً في ص23.

3 . الأعراف:185.


( 39 )

بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها)(1) إلى غير ذلك من الآيات الحاثّة على التفكير في عالم المادة.

6. انّ العقول بريئة أصحّ البراءة وأوضحها عمّا ادّعوا عليها من معرفة وجوب ما لم يرد به كتاب من اللّه تعالى، ومن معرفة صحّة ما يناقض الآيات القرآنية، فانّه قد وضح للمحقّقين من نظار العقلاء وأذكيائهم انّه لا تعارض بين صحيح السمع وصحيح العقل، وانّ أصل البدع كلّها يوهم التعارض بينهما .(2)

وحاصل الشبهة يرجع إلى أمرين:

أ. عدم وجوب معرفة ما لم يرد به كتاب من اللّه تعالى.

ب. انّ العقول بريئة من معرفة صحّة ما يناقض الآيات القرآنية.

يلاحظ على الأوّل: بأنّ المتكلّم ـ في مجال العقائد ـ لا يهمُّه إلاّ معرفة ما جاء في الكتاب والسنّة معرفة علمية لا تقليدية، فهو عندما يتلو قوله سبحانه: (وَما كانَ مََعَهُ من إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض)(3) يريد أن يفهم مغزى هذه الآية بتحاليل عقلية، فلا هدف للمتكلّم إلاّ معرفة ما ورد في كتاب اللّه وسنّة نبيّه، لكن معرفة رعاية لا معرفة رواية.

وأمّا في غير مجال العقائد فالقرآن ليس كتاباً في العلوم الطبيعية أو الرياضية أو الفلكية لكي تغنينا دراسته عن دراسة سائر العلوم، ولو قلنا بمقالة القائل لوجب إغلاق كافة المراكز العلمية.

وأنّى لنا نسبة هذه الفكرة إلى الإسلام وهذا كتابه المجيد يتحدّث فيما يرجع إلى العلم قرابة 800 مرة، أفيصحّ أن نرمي الإسلام بأنّه يصدُّ أبناءه عن دراسة ما ليس في كتابه؟!


1 . ق:6.

2 . إيثار الحق على الخلق:112.

3 . المؤمنون:91.


( 40 )

ويلاحظ على الثاني: أنّه يمتنع التعارض بين القطعيين، وقد حقّقنا في محلّه انّه لابدّ في تعارض العلم مع القرآن الكريم من ملاحظة أمرين: إمّا القول بأنّ ما أثبته العلم ليس علماً بل تخيّل، أو انّ ما نفهمه من القرآن ليس فهماً صحيحاً، وإلاّ فيمتنع التعارض بين القطعيين.

7. انّ علم الخلائق في (علم اللّه) مثلُ لا شيء في جنب ما لا نهاية له، والقصد، انّ من عُرف منه الخطأ في الجليات فكيف يكون حاله متى خاض في هذه الخفيات، وتَرَك عبارات الحق الذي نصّ على أنّها لا تُبدل كلماته، وأنّه لا معقِّب لحكمه، وانّ كتابه لو كان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، وانّه نور وشفاء وهدى لا ريب فيه، فكيف تترك عبارات هذا المعجز الباهر وتبدل بعبارات من لا عصمة له عن الخطأ بل عن القبائح والكفر».(1)

يلاحظ عليه: أنّ المتكلّم لا يدّعي أنّ علمه يساوي علم اللّه سبحانه، إذ لا يتكلّم بذلك إلاّ المجنون، كيف وهو يقرأ في كتابه العزيز :(وَما أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاّ قَليلاً).(2)

ثمّ إنّ المتكلّم في العقائد الدينية لا يهدف إلى إيثار عبارات الآخرين على عبارات المعجز الباهر (فأين التراب من رب الأرباب؟!) وإنّما يريد أن يستثمر العقل الذي وهبه اللّه سبحانه لهذا الموجود فيسلّط الضوءَ على آفاق وآفاق، ليتعرف على أحكامها من الإمكان والوجوب والامتناع، وأين ذلك من ترك كتاب اللّه؟!

وحصيلة الكلام: انّ ما كتبه ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» و ابن الوزير


1 . إيثار الحق على الخلق:138، ط دار الكتب العلمية، بيروت.

2 . الإسراء:85.


( 41 )

في «إيثار الحق على الخلق» وما جمعه مؤلف «علاقة الإثبات والتفويض» (1) من كلمات المنتمين إلى السلف، كلّها مشاغبات ومناظرات في غير محلّها، تكشف عن أنّ هؤلاء لم يَمسّوا كتاباً كلامياً، ولم يناظروا متكلّماً إسلامياً.

إنّ الإسلام دين عالمي تكلّم في الكون والتشريع بأبسط الوجوه، ومن المعلوم أنّ خصومه يتربّصون به الدوائر فيثيرون عجاجة الشبهات على أُصوله وفروعه بين حين وآخر، وطبيعة الحال تقتضي أن يكون هناك علماءٌ أفذاذ محيطون بمنطق الخصم وحقيقة الإسلام، ليردّوا عنه سهام الأعداء ، ويصونوا المسلمين من الوقوع في مصائد هؤلاء، والمتكلّم هو ذلك الإنسان الرسالي المدافع بمنطقه وأُسلوبه عن كيان الإسلام وعقيدة المسلمين بأساليب مختلفة و في كلّ زمان.

فلو ترك الإسلام دون أن يناظر في أُصوله وفروعه لاعتراه الوهن وخَمَد نوره، وانطلاقاً من ذلك صار علم الكلام ضرورة زمنية ملحة.

نعم إنّ العقيدة الإسلامية التي هي عصارة الكتاب العزيز، والسنّة النبوية، بنيان مرصوص لا تتزعزع بالترّهات والشبهات، فهي كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف.

نعم العقيدة الإسلامية ـ كما وصفت ـ لها رصيدها الغيبي ، وهي مستقاة من الوحي الذي لا يتطرق إليه الخطأ.

لكن الذي يُحَفِّز المفكر الإسلامي على مزاولة علم الكلام ومدارسته، والتطلّع إلى سائر المدارس البشرية أو الإلحادية ، هي أُمور نشير إليها إجمالاً:

1. انّ المجتمع البشري صار ـ اليوم ـ كقرية واحدة، والمسلمون يعيشون في أجواء وثنايا التيارات المتضادة وهم ليسوا ببعيدين عن أصحاب


1 . طبع بمكة، وقدّم له ابن باز.


( 42 )

العقائد المختلفة، ومن الواضح انّ التعايش على صعيد واحد، يستلزم احتكاكات ثقافية، وتبادل أفكار و معلومات، الأمر الذي يُفضي إلى اختلاط الآراء الحقة بالدعاوي الباطلة التي تناقض العقيدة الإسلامية، ففي مجال تمحيص الحق،واستخلاصه من دنيا الباطل، لا محيص عن علماء واعِين يفرزون الأفكار الإسلامية الصحيحة، عن غيرها من الأفكار السقيمة، والأُصول الصحيحة عن الأُصول الباطلة بطرق علمية.

2. لم يزل أصحاب الديانات الباطلة ـ بعد أن قبض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ يسعون إلى طرح شبهات و إثارة تشكيكات فيما نزل به القرآن الكريم ودعا إليه النبي الأكرم، بُغية إزالة الإيمان عن قلوب المؤمنين، كما هو واضح لمن قرأ تاريخ الإسلام، ومكافحة علمائه مع الملحدين في الأدوار المختلفة، خصوصاً في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي حيث تمتعت اليهود والنصارى والأسرى بحرّية تامة في بيان العقائد ونشر الآراء و المعتقدات وبثّ الشكوك والشبهات بأمان وحرية كاملة.

وهذا هو مفضل بن عمر الجعفي الكوفي الذي عاصر الأئمّة الأربعة من الباقر إلى الرضا(عليهم السلام) يشرح لنا مدى الحرية التي نالها أصحاب المدارس الإلحادية في ذلك العصر ويقول:

كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر والمنبر وأنا مفكِّر فيما خصّ اللّه تعالى به سيّدنا محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ، من الشرف والفضائل، وما منحه وأعطاه وشرّفه وحباه، ممّا لا يعرفه الجمهور من الأُمّة وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته، وخطير مرتبته، فانّي لكذلك إذ أقبل «ابن أبي العوجاء» فجلس بحيث أسمع كلامه، فلمّا استقرّ به المجلس إذا رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه،


( 43 )

فتكلّم «ابن أبي العوجاء» فقال: لقد بلغ صاحب هذا القبر العز بكماله، وحاز الشرف بجميع خصاله، ونال الحظوة في كلّ أحواله; فقال له صاحبه: إنّه كان فيلسوفاً ادّعى المرتبة العظمى، والمنزلة الكبرى، وأتى على ذلك بمعجزات بهرت العقول، وضلّت فيها الأحلام، وغاصت الألباب على طلب علمها في بحار الفكر، فرجعت خاسئات وهي حُسَّر، فلمّا استجاب لدعوته العقلاء والفصحاء والخطباء، دخل الناس في دينه أفواجاً، فقرن اسمه باسم ناموسه فصار يهتف به على رؤوس الصوامع، في جميع البلدان والمواضع التي انتهت إليها دعوته، وعلتها كلمته، وظهرت فيها حجته براً و بحراً، سهلاً و جبلاً، في كلّ يوم وليلة خمس مرّات مردداً في الأذان والإقامة، ليتجدد في كلّ ساعة ذكره، ولئلاّ يخمل أمره.

فقال «ابن أبي العوجاء»: دع ذكر محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد تحيّر فيه عقلي، وضلّ في أمره فكري، وحدثنا في ذكر الأصل الذي يمشي به... ثمّ ذكر ابتداء الأشياء، وزعم أنّ ذلك بإهمال لا صنعة فيه ولا تقدير، ولا صانع ولا مدبّر، بل الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبّر، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال!

محاورة المفضل مع ابن أبي العوجاء

(قال المفضل): فلم أملك نفسي غضباً وغيظاً و حنقاً، فقلت: يا عدو اللّه ألحدت في دين اللّه، وأنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، وصوّرك في أتمّ صورة، ونقلك في أحوالك حتّى بلغ إلى حيث انتهيت.

فلو تفكّرتَ في نفسك وصدقك لطيف حسّك، لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة، وشواهده جلّ وتقدّس في خلقك واضحة، وبراهينه لك لائحة.


( 44 )

فقال: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك، فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا، ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت، فما أفحش في خطابنا، ولا تعدى في جوابنا وانّه الحليم الرزين، العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا، ويصغي إلينا، ويتعرف حجّتنا، حتّى إذا استفرغنا ما عندنا، وظننّا إنّا قطعناه، دحض حجّتنا بكلام يسير، وخطاب قصير، يلزمنا به الحجة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه رداً، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.

خروج المفضل من المسجد

قال المفضل: فخرجت من المسجد محزوناً مفكّراً فيما بلي به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها، فدخلت على مولاي(عليه السلام) فرآني منكسراً، فقال: مالك؟ فأخبرته بما سمعت من الدهريّين وبما رددت عليهما. فقال: يا مفضل لألقين عليك من حكمة الباري جلّ وعلا و تقدّس اسمه في خلق العالم، والسباع، والبهائم، والطير، والهوام، وكلّ ذي روح من الأنعام والنبات والشجرة المثمرة، وغير ذات الثمر والحبوب، والبقول، المأكول من ذلك وغير المأكول، ما يعتبر به المعتبرون، ويسكن إلى معرفته المؤمنون، ويتحيّر فيه الملحدون، فبكّر عليّ غداً.(1)

ثمّ إنّ الإمام أملى عليه دروساً في مجالس أربعة، شرح فيها برهان النظم التوأم مع وجود الهادفية في عالم الكون المنظّم، وقد طبعت باسم توحيد المفضل


1 . توحيد المفضل:39ـ 43، ط النجف الأشرف مع تقديم كاظم المظفّر; بحار الأنوار:3/57.


( 45 )

غير مرّة، وترجمت إلى عدة لغات.

فلولا هذه الشموس المضيئة والأقمار المنيرة لغطت ظلمة الباطل الأقطار كلّها،وأصبحت كلمة التوحيد كحديث أمس الدابر لا ترى منها أثراً.

وقد أخبر الرسول عن هؤلاء الرجال الغيارى على الإسلام الذابين عن أُصوله وفروعه في حديثه الذي رواه الكشي في رجاله قال:

يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفى الكير خَبَث الحديد.(1)

ففي هذا الجوّ الذي يتدرّع فيه الخصم ـ اليوم ـ بسلاح العلم، ويشن الهجوم على عقائدنا ومقدّساتنا، لا محيص من التدرّع بنفس السلاح حتّى يُردّ الحجر من حيث جاء.

ونعم ما قاله المصلح السيد شرف الدين العاملي:«لا يأتي الهدى إلاّ من حيث أتت الضلالة».

وقد دخل الإمام الصادق من حيث دخل ابن أبي العوجاء وحلّ شبهته، على الأُصول التي اعتمد عليها ضمن مجالس أربعة.

3. ولو شك باحث في لزوم دراسة المذاهب والمدارس العقائدية في الحقب الغابرة، فلا يرتاب في لزومه في العصر الراهن الذي تطورت فيه أجهزة الإعلام والاتصالات اللاسلكية، وتوفر فيه البث المباشر عبر الأقمار الصناعية، فتُحاك الشبهة في الغرب في ساعة وتُبثّ بعد دقيقة في الشرق وتعمّ العالم كلّه.

ومن هنا تفرض المسؤولية على المسلم الغيور أن يلمّ بعلم الكلام وقواعده


1 . رجال الكشي:ص10.


( 46 )

ليشكل سداً منيعاً أمام التيارات الهدّامة للدين.

ويطيب لي ذكر ما أبرق به شيخ إسلام العثمانيين ـ قبل غَلَبة العلمانيّة ـ إلى المرجع الأعلى في النجف الأشرف الشيخ محمد كاظم الخراساني (1255ـ 1329هـ) وحاصل البرقية أنّ هذا السيل الجارف باسم الحضارة الحديثة انطلق من الغرب إلى الشرق إذا لم يكن أمامه سدّ منيع، سيطيح بالدين الإسلامي والحضارة الإسلامية.

وهذا ما أبرق به عام 1327هـ، فما هو هذا السد الذي سيقف أمام هذا التيار الزاحف؟ إنّه ليس إلاّ دعم العقيدة الإسلامية ومكافحة الأُميّة بالاسلوب العلمي، وهو ما نعبّر عنه بعلم الكلام والتفكير المنطقي.

القول الحاسم في المقام

إنّ هؤلاء ـ أي الذين يحرّمون الخوض في المعارف العقلية، ويقولون: إنّ واجبنا هو الإيمان والإقرار أو التلاوة والسكوت ـ خلطوا مرحلة الإيمان القلبي المطلوب من جميع الناس، بمرحلة الفهم والنظر العقلي الذي لا يقوم به إلاّ الأماثل من الناس، وأصحاب المواهب والمؤهلات الفكرية الخاصة، وما ذكروه راجع إلى المرحلة الأُولى، فإنّ الإيمان المنقذ من الضلال والعذاب، هو الاعتقاد بصحّة ما جاء في الكتاب العزيز حول أسمائه وصفاته وأفعاله، حتى في مجالات الصفات الخبرية من اليد والوجه والعين والاستواء على العرش، وبما أنّ الأكثرية الساحقة لا يستطيعون فهم ما فيها من الدقائق والمعارف وربما يكون الخوض فيها منتهياً إلى ما لا يحمد، فإنّه يكفي لهم الإيمان والإقرار و الإمرار والسكوت، وما نقل عن الإمام مالك (المتوفّى179هـ): إيّاكم والبدع، قيل: يا أبا عبد اللّه ما


( 47 )

البدع؟ قال: أصحاب البدع هم الذين يتكلّمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، و لا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة و التابعون لهم بإحسان .(1) لعلّه ناظر إلى هذه الطائفة الذين لو خاضوا فيها، فسدوا وأفسدوا، ولم يأتوا بشيء.

وأمّا إذا انتُقل إلى المرحلة الثانية، أي مرحلة الفهم والدراية والبحث والنظر وصياغة العقائد في ضوء الكتاب والسنّة والعقل، فلا يصحّ له الاكتفاء بالإقرار والإمرار، فإنّ الاستطلاع أمر طبيعيّ للبشر، وهو أحد الأبعاد الأربعة الروحية له، فلا يمكن كبح جماح فهمه ونظره بحجّة أنّ الصحابة و التابعين سكتوا عنه، وكأنّ السلف هم القدوة دون الذكر الحكيم، ودون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته الذين تكلّموا فيها، وأضاءوا الطريق لسالكيه، وكأنّ قوّة التفكير والنظر والمواهب العقلية المودعة في الإنسان خلقت سدىً وبلا غاية.

وهل يمكن أن يفرض على عمالقة الفكر وأصحاب المواهب العقلية أن يقفوا دون هذه المعارف ويُطفئوا أنوار عقولهم ليصبحوا كأجلاف البيداء لا همّ لهم سوى الأكل والشرب والسير طلباً للماء والعشب؟!

وعلى هذا فيجب تصنيف الناس إلى صنفين: قابل وغير قابل، مستعدّ وغير مستعدّ، فلو صحّ الحرمان فإنّما للسوقة من الناس دون من أُوتي تفكيراً قوياً واستعداداً وقّاداً.

ثمّ إنّه كما يجب تصنيف الناس، يجب تصنيف المسائل بين ما يمكن للإنسان الخوض فيه والرجوع عنها بفكرة صحيحة، وما لا يمكن للإنسان دركه


1 . الدكتور أحمد محمود صبحي: في علم الكلام:1/21 نقلاً عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، لمصطفى عبد الرازق:155، طبعة 1944م.


( 48 )

وفهمه، فإنّ البحث عن ذاته سبحانه أمر غير ممكن، إذ ليس كمثله شيء حتى يعرف الذات به، ولأجل ذلك ورد النهي الأكيد عن البحث والجدال في ذاته، ومثله البحث عن حقيقة الوحي و النبوة، أو عن حقيقة الجنة والنار، إلى غير ذلك من الأُمور الغيبية التي لا يلمسها ولا يدركها إلاّ نبي يوحى إليه أو إنسان خرج من الدنيا ودخل الآخرة، والواجب فيها الإيمان فقط، قال سبحانه: (الّذينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْب)(1). فإنّ الإنسان المحبوس في سجن المادة، لا يمكن له درك حقيقتها، وإن كان له حقّ البحث عن آثار الوحي والنبوة وخصائصهما.

أضف إلى ذلك انّه لا مفرّ للمانعين عن الخوض في المعارف القرآنية بل العقلية على الإطلاق، من سلوك أحد طريقين:

1. التلاوة والسكوت والإمرار والإقرار وتفويض معانيها إلى مُنزِّلها.

2. الأخذ بظواهر الآيات الحرفية وتفسيرها بظواهرها الحرفية.

أمّا الأوّل فينتهي إلى تعطيل العقول عن المعارف وبالتالي يتنزّل الإنسان إلى حدّ الحيوان، وتكون وظيفة الحكيم العارف المقتدر على درك دقائق التوحيد ورقائقها، هي نفس وظيفة الجاهل البائل على عقبه، في مجال العقيدة والتفكير، وهو كما ترى.

وأمّا الثاني فهو ينتهي إلى التشبيه والتجسيم، وأقصى ما عند هؤلاء الذين يأخذون بالظواهر الحرفية هو ضمّ كلمة «بلا كيف ولا تمثيل» إلى مفاد هذه الآيات، فيقولون: إنّ للّه يداً ورجلاً و عيناً واستواءً على العرش بنفس المعنى اللغوي، ولكن بلا كيف ولا تمثيل.


1 . البقرة:3.


( 49 )

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لم ترد تلك الجملة (بلا كيف) في نصّ قرآني ولا سنّة نبوية، فمن أين لهم هذه الجملة وتفسير الآيات على ضوئها؟!

وثانياً: أنّ اليد وأضرابها موضوعة حسب اللغة للأعضاء المحسوسة، التي لها هيئات ومواصفات وهي مقوّماتها، فإجراؤها على اللّه سبحانه مع حفظ المقوّمات، يستلزم التشبيه والتمثيل، ومع عدمها، يستلزم التأويل، فاليد في (يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيديهِمْ) (1) إمّا مستعملة في اليد المحسوسة فهو مثار التشبيه،وإمّا في غيرها فهو مثار التأويل الذي يفرّون منه فرار المزكوم من المسك.

وهذه المضاعفات ناشئة عن الجمود على الظواهر الحرفية والأخذ بالظهور التصوّري، دون الظهور التصديقي الذي لا يخالف العقل قيد شعرة في آية من الآيات.

إنّ الدعوة السلفية التي أحدثت ضجة في القرن الرابع عشر قد طرحت الصفات الخبرية على صعيد البحث في الآونة الأخيرة، وتصرّ على الأخذ بمعانيها الحرفية، وقد عرفت أنّها تنتهي إلى التجسيم أو التأويل.

ومن المؤسف جدّاً إنّ المتقدّمين من السلف كانوا يصرّون على الأخذ بحرفية الصفات، وإليك بعض نصوصهم:

1. قيل لعبد اللّه بن مبارك: كيف يعرف ربّنا؟ قال: بأنّه فوق السماء السابعة وعلى العرش بائن من خلقه.

2. وقال الأوزاعي: إنّ اللّه على عرشه، و نؤمن بما وردت به السنّة من صفاته.


1 . الفتح: 10.


( 50 )

3. وقال الدارمي في مقدمة كتابه «الردّ على الجهمية»: استوى على عرشه فبان من خلقه.

4. وقال القرطبي في تفسير قوله سبحانه:(ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْش)(1)، وقد كان السلف لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم، والكافة بإثباتها للّه تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنّه استوى على عرشه حقيقة.(2)(ذلِكَ مَبلَغُهُم مِنَ العِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى)(3).

الدعوة إلى العلوم الحسّيّة

قد عرفت أدلّة المتقدّمين على منع الخوض في المعارف الإلهية، وهناك من يؤيد تلك الفكرة لكن بثوب جديد وهو انّ العلم المفيد هو العلم المعتمد على الحس والتجربة، فالخارج عن ذينك الحكمين لا يفيد شيئاً. وفي ذلك يقول فريد وجدي في بعض كتبه:

بما انّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسّية والعلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم، فنجعلهما عمدتنا في هذه المباحث، بل لا مناص لنا من الاعتماد عليهما، لأنّهما اللّذان أوصلا الإنسان إلى هذه المنصة من العهد الروحاني.(4)


1 . الأعراف: 54.

2 . لاحظ للوقوف على مصادر هذه الأقوال كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: 41، 48، 68، 115.

3 . النجم:30.

4 . على أطلال المذهب المادي:1/16.


( 51 )

وقال أبو الحسن الندوي:

وقد كان الأنبياء(عليهم السلام) أخبروا الناس عن ذات اللّه وصفاته وأفعاله وعن بداية هذا العالم ومصيره وما يهجم على الناس بعد موتهم، آتاهم اللّه علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بلا تعب، وكفاهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادؤها ولا مقدّماتها التي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول، لأنّ هذه العلوم وراء الحس والطبيعة لا تعمل فيها حواسّهم، ولا يؤدي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأوّلية.

إنّ الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة وعلى غير هدى جاءوا في هذا العلم بآراء فجّة، ومعلومات ناقصة، وخواطر سانحة، ونظريات مستعجلة فضلّوا وأضلّوا.(1)

و يلاحظ على كلا التقريرين:

أوّلاً: إنّ الاعتماد على الفلسفة الحسّية و التركيز على الحسّ من بين أدوات المعرفة، مقتبس من الفلسفة المادية التي ترفض الاعتماد على العقل و أدواته و لاتعترف إلا بالحسّ و تحسبه أداة منحصرة للمعرفة، و العجب أن يَلْهج بهذا الأصل مَنْ يدّعي الصلة بالإسلام و يعد من المناضلين ضدالفلسفة الماديّة، ففي القول بهذا، إبطال للشرائع السماوية،المبنية على النبوّة و الوحي و نزول الملك و سائر الأُمور الخارجة عن إطار الحسّ، و التي لاتدرك إلا بالعقل و البرهنة، فمن العجيب أن يلعب فريد وجدي و مقلّد الدعوة السلفية «أبوالحسن الندوي» بحبال المادية من غير شعور ولااستشعار.


1 . ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 97.


( 52 )

و ثانياً: إنّه لو صحّ قول « الندوي» إنّ:« هذه العلوم وراء الحسّ و الطبيعة لاتعمل فيها حواسّهم، و لايؤدّي إليها نظرهم، و ليست عندهم معلوماتها الأوّلية»، فلماذا يطرح الذكر الحكيم لفيفاً من المعارف، و يحرّض على التدبّر فيها و هي ممّا يقع وراء الحسّ و الطبيعة، و ليست الغاية من طرحها هو التلاوة و السكوت حتى تصبح الآيات لقلقة لسان لاتخرج عن تراقي القارئ بدل أن تتسلّل إلى صميم الذهن و أعماق الروح؟!


( 53 )

6

المصير المأساوي للفلسفة

لقد مُنيت الفلسفة بنفس ما مُني به علم الكلام، والمراد من الفلسفة هو التفكير العقلي في صفحة الكون والوجود، وقد انتقلت الفلسفة إلى أوساط المسلمين عن طريق المترجمين في عصر العبّاسيّين، ولمّا كان فيها من الآراء ما لا يوافق الأُصول المسلّمة عند المسلمين، قام المتطرّفون بتحريم الكلّ وتكفير المتعاطي لها خلافاً لقوله سبحانه: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحسنه)، لكن المنصفين من علماء الإسلام حافظوا على الاعتدال، فأخذوا الصحيح منها ونقدوا الباطل وتلقّوها ثروة فكرية بشريّة لا تختص بفئة دون فئة، لكنّها بحكم أنّها حصيلة الفكر البشري لا تخلو عمّا يخالف الحقّ، وها نحن ـ على وجه الإيجاز ـ نذكر كلمات بعض المنكرين لها بتاتاً :

1. الغزالي (450ـ 505هـ)

ألّف الغزالي كتابه المعروف «تهافت الفلاسفة» وهو يضمّ عشرين مسألة عالجها الفلاسفة القدماء ورأى تناقضَهم فيها، فكفّرهم في ثلاث منها، دون غيرها من المسائل التي رأى أنّها قريبة من عقائد المعتزلة وغيرهم، وقد ذكر الغزالي


( 54 )

المسائل العشرين في ديباجة الكتاب ونحن نذكرها حسب ما ذكره، قال:

التي أظهرنا تناقض مذهبهم فيها في هذا الكتاب وهي عشرون مسألة:

المسألة الأُولى: إبطال مذهبهم في أزلية العالم.

المسألة الثانية: إبطال مذهبهم في أبدية العالم.

المسألة الثالثة: بيان تلبيسهم في قولهم: إنّ اللّه صانع العالم، وإنّ العالم صنعه.

المسألة الرابعة: في تعجيزهم عن إثبات الصانع.

المسألة الخامسة: في تعجيزهم عن إقامة الدليل على استحالة إلهين.

المسألة السادسة: في إبطال مذاهبهم في نفي الصفات.

المسألة السابعة: في إبطال قولهم: إنّ ذات الأوّل لا تنقسم بالجنس والفصل.

المسألة الثامنة: في إبطال قولهم: إنّ الأوّل موجود بسيط بلا ماهية.

المسألة التاسعة: في تعجيزهم عن بيان أنّ الأوّل ليس بجسم.

المسألة العاشرة: في بيان أنّ القول بالدهر و نفي الصانع لازم لهم.

المسألة الحادية عشرة: في تعجيزهم عن القول بأنّ الأوّل يعلم غيره.

المسألة الثانية عشرة: في تعجيزهم عن القول بأنّه يعلم ذاته.

المسألة الثالثة عشرة: في إبطال قولهم: إنّ الأوّل لا يعلم الجزئيات.

المسألة الرابعة عشرة: في قولهم: إنّ السماء حيوان متحرك بالإرادة.

المسألة الخامسة عشرة: في إبطال ما ذكروه من الغرض المحرِّك للسماء.

المسألة السادسة عشرة: في إبطال قولهم: إنّ نفوس السماوات تعلم جميع الجزئيات.


( 55 )

المسألة السابعة عشرة: في إبطال قولهم باستحالة خرق العادات.

المسألة الثامنة عشرة: في قولهم: إنّ نفس الإنسان جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا عرض.

المسألة التاسعة عشرة: في قولهم باستحالة الفناء على النفوس البشرية.

المسألة العشرون: في إبطال إنكارهم لبعث الأجساد، مع التلذذ والتألّم في الجنة والنار باللذات والآلام الجسمانية.

فهذا ما أردنا أن نذكر تناقضهم فيه من جملة علومهم الإلهية والطبيعية، وأمّا الرياضيات فلا معنى لإنكارها ولا للمخالفة فيها، فإنّها ترجع إلى الحساب والهندسة.

وأمّا المنطقيات فهي نظر في آلة الفكر في المعقولات، ولا يتّفق فيه خلاف به مبالاة، وسنورد في كتاب «معيار العلم» من جملته ما يحتاج إليه لفهم مضمون هذا الكتاب إن شاء اللّه.(1)

أقول: وقبل الكلام في المسائل الثلاث التي كفّر بها الفلاسفة نلفت نظر القارئ إلى نكتة وهي انّ قسماً من هذه المسائل مبنيّ على أُصول الهيئة البطليموسية، أعني: المسائل الرابعة عشرة ـ الثامنة عشرة، فليس في الكون سماء حسب التفكير البطليموسي، حتّى نتكلّم في خصوصياتها، نعم لا شكّ أنّ القول بقدم العالم الملازم لاستغنائه عن الخلق والإيجاد كفر لا يتفوّه به الموحد فضلاً عن المسلم، وهكذا إنكار علمه سبحانه بالجزئيات، إذ صريح الآيات المتضافرة على أنّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. كما هو مقتضى البراهين الفلسفية التي غفل عنها الغزالي.


1 . تهافت الفلاسفة:41ـ42، ط دار ومكتبة الهلال.


( 56 )

ويقرب من ذلك إنكار حشر الأجساد، فإنّ المعاد الجسماني من ضروريات الدين، يقول سبحانه: (قُلْ يُحْييها الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليم)(1) ، وأمّا ما سوى ذلك فإنّما هي آراء فلسفيّة أو كلامية وليست من أسباب الإيمان والكفر.

لكن الكلام في ثبوت الصغريات، فهل الفلاسفة المسلمون كانوا ينكرون حدوث العالم ويعتقدون بقدمه؟ وهل الفلاسفة الإسلاميّون كلّهم على النحو الذي يصفهم هو بقوله: قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، واستحقروا شعائر الدين: من وظائف الصلوات، والتوقي عن المحظورات، واستهانوا بتعبّدات الشرع وحدوده ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون، يتبعون فيها رهطاً يصدون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة هم كافرون ، ولا مستند لكفرهم غير تقليد سماعي إلفي كتقليد اليهود والنصارى، إذ جرى على غير دين الإسلام نشأهم وأولادهم؟ وعليه درج آباؤهم وأجدادهم، وغير بحث نظري، صادر عن التعثّر بأذيال الشبه، الصارفة عن صوب الصواب، والانخداع بالخيالات المزخرفة كلامع السراب، كما اتّفق لطوائف من النظّار في البحث عن العقائد و الآراء، من أهل البدع و الأهواء.(2)

ونحن لا يمكن لنا إنكار ما ذكره أو تصديقه ولكن نجلّ أكثر الفلاسفة الإسلاميين عن هذه الآراء الساقطة خصوصاً من تقدّم عليه، نظراء: الفارابي، والشيخ الرئيس، ومن تأخر عنه كالمحقّق نصير الدين محمد بن محمد بن حسن


1 . يس:79.

2 . تهافت الفلاسفة:27ـ28.


( 57 )

الطوسي (597ـ 672هـ) و من تربّى على يديه، كالكاتب القزويني، والعلاّمة الحلّي، ومن أتى بعدهم كالمحقّق الداماد و مشايخه و تلاميذه.

وعلى كلّ تقدير نرجع إلى ما نسب إلى الفلاسفة المسلمين من المسائل الثلاث التي بها كفّرهم الغزالي، أعني:

1. حدوث العالم زماناً وذاتاً

أوجدت مسألة حدوث العالم حدوثاً زمانياً ضجّة كبرى بين أهل المنقول، فالمتكلّمون ـ تبعاً لما ورد في الروايات ـ على أنّ العالم حادث زماناً، ويقولون: كان زمان لم يكن للعالم فيه أيّ أثر.

غير أنّهم عجزوا عن البرهنة والاستدلال على معتقدهم هذا، إذ انّ الحدوث الزماني عبارة عن «سبق عدم العالم في زمان خاص وانّه كان زمان لم يكن للعالم فيه خبر ولا أثر».

وهذا الرأي أوقعهم في مشكلة، لأنّه ينقل الكلام إلى نفس «الزمان» فهل لهذا الزمان حدوث زماني أو لا؟

فإن اختاروا الأوّل لزم أن يكون للزمان زمان، أي أن يكون ثمة زمان لم يكن فيه من الزمان اللاحق أثر ولا خبر، وهذا باطل جدّاً، لأنّه ينقل الكلام إلى الزمان السابق وهكذا يتسلسل.

وإن اختاروا الثاني استلزم ذلك قدم الزمان وهم يفرّون من كلّ قديم زماني.

هذا و قد طال البحث والجدل حول هذه المسألة التي هي خارجة عن إطار هذا البحث ولو أنّهم فرقوا بين الحدوث الذاتي المتّفق عليه بين الإلهيين والحدوث الزماني الذي يستلزم القول به التسلسلَ، لكان أفضل وأقطع للنزاع.


( 58 )

على أنّ نظرية «الحركة الجوهرية» قد حلّت العقدة وأثبتت الحدوث الزماني للمادة بأوضح الوجوه لا بنحو يستلزم التسلسل، لأنّه إذا كان الزمان منبعثاً من تجدّد المادة وتدرّجها، فكلّ قطعة من المادة السيّالة ترسم عدم القطعة اللاحقة، فتصير كلّ قطعة من المادة موصوفة بأنّها لم تكن مع القطعة السابقة، وبالنتيجة لم تكن القطعة اللاحقة في الزمان السابق عليها.

وبتعبير آخر: إذا كان كلّ قطعة من المادة السيّالة وكلّ درجة منها متعانقاً مع الزمان، ولم يكن من القطعة اللاحقة فيها عين ولا أثر، صحّ توصيف القطعة اللاحقة بالحدوث الزماني، وهو انّه لم تكن القطعة اللاحقة في ظرف القطعة السابقة، وهكذا الحال إذا وضعنا البنان على كلّ جزء جزء من تلك المادة السيّالة.

وبهذا يثبت الحدوث الزماني للطبيعة من دون أي إشكال.

وفي هذا الصدد يقول الحكيم صدرالدين الشيرازي:

«لقد تبيّـن انّ الأجسام كلّها متجدّدة الوجود في ذاتها، وانّ صورتها صورة التغيّر، وكلّ منها حادث الوجود مسبوق بالعدم الزماني كائن فاسد لا استمرار لهوياتها الوجودية، ولا لطبائعها المرسلة، والطبيعة المرسلة وجودها عين شخصياتها وهي متكثرة، وكلّ منها حادث ولا جمعية لها في الخارج حتّى يوصف بأنّها حادث أو قديم».(1)

وقال: «إنّ الطبائع المادية كلّها متحركة في ذاتها وجوهرها مسبوقة بالعدم الزماني، فلها بحسب كلّ وجود معيّن مسبوقية بعدم زماني غير منقطع في الأزل».(2)


1 . الأسفار:7/297 و 285 وأيضاً راجع المصدر نفسه، ص 292ـ 293.

2 . الأسفار:7/297 و 285 وأيضاً راجع المصدر نفسه، ص 292ـ 293.


( 59 )

2. علم الباري بالجزئيات

إنّ نفي علمه سبحانه بالجزئيات فكرة غير صحيحة لا يليق أن تنسب إلى الفلاسفة الإلهيين الذين اتّفق أكثرهم على علمه بها، وإنّما اختلفوا في الكيفية، وقد ذكر صدر المتألّهين أقوال المتقدّمين والمتأخرين منهم في الفصل الرابع من الموقف الثالث في الأسفار، وها نحن نذكر آراءهم في الموضوع ، والتي تحكي اتّفاقهم أو اتّفاق أكثرهم على العلم بالجزئيات ، والاختلاف بينهم إنّما هو اختلاف في الطريقة.

الأوّل: مذهب توابع «المشّائين» منهم الشيخان «أبـو نصـر» و «أبـو علي» و «بهمنيار» و «أبو العباس اللوكزي»، و كثير من المتأخرين، وهو القول بارتسام صور الممكنات في ذاته تعالى وحصوله فيها حصولاً ذهنياً على الوجه الكلّي.

الثاني: القول بوجود صور الأشياء في الخارج، وهو مذهب المحقّق الطوسي وابن كمونة والعلاّمة الشيرازي ومحمد الشهرزوري.

الثالث: القول باتحاده تعالى مع الصور المعقولة، وهو المنسوب إلى فرفوريوس.

الرابع: ما ذهب إليه أفلاطون الإلهي من إثبات الصور المفارقة والمثل العقلية وانّها علوم إلهية.

الخامس: مذهب القائلين بثبوت المعدومات الممكنة قبل وجودها، وهم المعتزلة.

السادس: مذهب القائلين بأنّ ذاته تعالى علم بجميع الممكنات.

السابع: القول بأنّ ذاته علم تفصيلي بالمعلول الأوّل وإجمالي بما سواه وذات


( 60 )

المعلول الأوّل علم تفصيلي بالمعلول الثاني وإجمالي بما سواه، وهكذا إلى أواخر الموجودات، فهذا تفصيل المذاهب المشهورة بين الناس.(1)

وقد أنهى الحكيم السبزواري في شرح المنظومة عدد الأقوال في كيفية العلم بالجزئيات إلى أحد عشر قولاً آخرها لصدر المتألّهين الذي استنبطه من القاعدة الفلسفية، وهي أنّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء وأنّ ذاته سبحانه حاو لكلّ الكمالات، فما يوجد في عالم الإمكان من الجزئيات، فاللّه سبحانه جامع لكمالاته على نحو أبسط وأتمّ، كملكة علم النحو التي تجمع كمالات الأجوبة التفصيلية النحوية، وعندئذ يكون العلم بالذات نفس العلم بما سواه.

نحن لا نريد أن نحوم حول هذه الآراء لنميّز الصحيح عن الزائف، بل المقصود هو بيان اتّفاقهم (إلاّ من شذّ) على علمه سبحانه بالجزئيات وإنّما اختلفوا في طريقته.

3. حشر الأجساد يوم القيامة

المسألة الثالثة التي كفّر بها الفلاسفة هي إنكار حشر الأجساد وهي ليست على ما نقل، نعم ينسب إلى النصارى بأنّ المعاد روحاني وليس بجسماني، وأمّا الفلاسفة الإسلاميون، فأقصى ما عندهم أنّ المعاد الروحاني مبرهن عليه دون المعاد الجسماني فلا برهان عليه، غير أنّ النصوص متضافرة على حشر الأجساد.

يقول الشيخ الرئيس: يجب أن يعلم: انّ المعاد منه ما هو منقول في الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلاّ من طريق الشريعة وتصديق خبر النبي وهو الذي للبدن


1 . الأسفار الأربعة:6/180ـ 181.


( 61 )

عند البعث، وخيرات البدن وشروره معلومة لا يحتاج إلى تعلم.

وقد بسطت الشريعة الحقّة التي أتانا بها نبيّنا وسيّدنا ومولانا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن، ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس.(1)

هذا نصّ كلامه، وأمّا من تأخّر عنه كصدر المتألهين، فقد قال في شرح الهداية الأثيرية: اعلم أنّ إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا، مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة، كما نطقت به الشريعة من نصوص التنزيل وروايات كثيرة متضافرة عن أصحاب العصمة والهداية غير قابلة للتأويل، كقوله تعالى: (قالَ مَنْ يُحْيِي العِظام وَهِيَ رَميم * قُلْ يُحْييها الَّذي أَنشأها أَوّل مَرّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليم).(2)

(فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُون).(3)

(أَيَحْسبُ الإِنْسان أَلَّن نَجْمَعَ عِظامه * بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسوّيَ بَنانه).(4)

وهذا أمر ممكن غير مستحيل فوجب التصديق به، لكونه من ضروريات الدّين وإنكاره كفر مبين.(5)

ولعلّ هذا المقدار حول المسائل الثلاث كاف.

وأمّا سائر المسائل من المسائل العشرين فهي على أقسام:

1. ما لا موضوع لها في صفحة الكون حتّى يبحث فيها، فهي أشبه


1 . الشفاء:2/544، فصل في المعاد.

2 . يس:78ـ79.

3 . يس:51.

4 . القيامة:3ـ4.

5 . شرح الهداية الأثيرية:381، ط 1313هـ.


( 62 )

بالسالبة بانتفاء الموضوع، كالمسائل المبنية على الهيئة البطلميوسية.

2. ما هو صحيح ومبرهن، أدعمه الذكر الحكيم كتجرد النفس وبقائها بإذن اللّه سبحانه و كون الواجب سبحانه صرف الوجود لا ماهية له.

3. ما يعد مسائل فلسفية أو كلامية لا يناط بها الإيمان والكفر كسائر المسائل.

2. ابن حزم الأندلسي (384ـ 456هـ)

إنّ علي بن أحمد بن علي بن سعيد بن حزم الأموي بالولاء، أبو محمد الأندلسي القرطبي مروّج المذهب الظاهري ومنقحه قام بنقد الفلسفة في رسائله وفي كتابه «الفِصَل في الملل والأهواء والنحل»، أمّا في رسائله فقد ألّف رسالة في الرد على «رسالة الكندي إلى المعتصم باللّه» في الفلسفة الأُولى وقد أسماه كتاب«الفلسفة الأُولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد»، كما ناقش في «الفِصَل» بعض المسائل الفلسفية.(1)

3. الشهرستاني (467ـ 548هـ)

لقد ألّف أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني الشافعي الأشعري كتاب «مُصارعة الفلاسفة» وردّ فيه على سبعة من المسائل الفلسفية المهمّة، يقول:

«هذه المصارعة في سبع مسائل من الإلهيات، من جملة نيّف وسبعين مسألة في المنطق والطبيعيات والإلهيات خنقتُه فيها بوتده، ورشقتُه بمشاقصه، ورددتُه في


1 . اقرأ ترجمته في الأعلام:4/254، و معجم المؤلفين:7/16، وغيرهما.


( 63 )

مهوى حُفرته، وأركسته لأُمّ رأسه في زُبيته(1) ، ذلك من فضل اللّه علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

المسألة الأُولى: في حصر أقسام الوجود.

المسألة الثانية: في وجود واجب الوجود.

المسألة الثالثة: في توحيد واجب الوجود.

المسألة الرابعة: في علم واجب الوجود.

المسألة الخامسة: في حدوث العالم.

المسألة السادسة: في حصر المبادئ.

المسألة السابعة....(2)

وقد كان الركب سائراً في نقد الفلاسفة عصراً بعد عصر، فهذا هو أبو البركات البغدادي ينقد آراء الفلاسفة في إرادته سبحانه في كتابه المعتبر(ج3، ص 176). كما أنّ الإمام الرازي قام بنقد الإشارات للشيخ الرئيس، ولم يقتصر على كتابه هذا، بل له في غير واحد من كتبه (كالمباحث المشرقية والبراهين وغير ذلك) ردود وتشكيكات، ومع ذلك كلّه فالقوم بدل أن يستهدفوا في كتاباتهم تمييز الصحيح عن الزائف والاستماع إلى الأحسن، شطبوا على الجميع ورموهم بسهم واحد خلافاً لما دعا إليه الذكر الحكيم.

غير أنّ المحقّقين لم يلزموا جانب الصمت إزاء هذا الهجوم، بل تصدّوا للردّ على تلك الشبهات منهم:علمان جليلان وكوكبان مضيئان في سماء العلم


1 . هذه العبارة تكشف عن روحيات الرجل ونزعاته، وانّ الرد لم يكن بدافع نزيه بل كان لمجرّد إظهار الفضل والأنانية.

2 . مصارعة الفلاسفة:18ـ 19.


( 64 )

والفلسفة:

أ. أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي (520ـ 595هـ) ألّف كتاب «تهافت التهافت» سنة (575هـ) ردّاً على كتاب «تهافت الفلاسفة» لأبي حامد الغزالي، و قد أحدث هذا الكتاب منذ ظهوره دويّاً في الأوساط الدينية والفلسفية، يبدأ كتابه بقوله:

وبعد حمد اللّه الواجب والصلاة على جميع رسله وأنبيائه، فإنّ الغرض من هذا القول أن نبيّن مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب التهافت في التصديق والإقناع وقصور أكثرها عن مرتبة اليقين والبرهان.

ب. نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (597ـ 672هـ)، ألّف كتاباً باسم «مصارع المصارع» ردّ فيه على كتاب «مصارعة الفلاسفة» للشهرستاني الّذي ألّفه للرد على الشيخ الرئيس في مسائل سبع. يقول المحقّق الطوسي في مقدّمة الكتاب:

عثرت في أثناء طلبي على كتاب يعرف بالمصارعات للشيخ تاج الدين أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ادّعى فيه مصارعته مع الشيخ الرئيس أبي علي حسين بن عبد اللّه بن سينا في عدّة من المسائل والردّ عليه فيما ذكره في كتبه.

فدعتني دعواه إلى النظر فيه، واشتد حرصي من استماع اسمه على التأمّل في معانيه.

فلمّا طالعته وجدته مشتملاً على قول سخيف، ونظر ضعيف، ومقدّمات واهية، ومباحث غير شافية، وتخليط في الجدال، وتمويه في المثال، قد مازج به سفهاً يحترزُ عنه العلماء، ورثّاً من القول لا يستعمله الأُدباء، إلاّ المنتسبين بالانتقام، والمتسوقين عند العوام، قد انصرع في أكثر مصارعاته، وانهزم في معظم


( 65 )

مبارزاته.

فرأيت أن أكشف عن تمويهاته، وأُميز بين تخليطاته، غير ناصر لابن سينا في مذاهبه، لكن مشيراً إلى مزالّ أقدام صاحبه، ومنبّهاً على مغالطات مشاغبه، وإن كلته في بعض المواضع بصاعه، أو سقيته بكأسه، فاللّه يعلم مني أنّ ذلك ليس ممّا يقتضيه دأبي، ولا يتعوده خلقي، بل الحرب يعدي، والكلام يجر الكلام.

ونقلت فيه متن كلامه، ونص مرامه، من صدره إلى ختامه، لئلا يحتاج من يقع إليه هذه النسخة إلى طلب أصل الكتاب، وسمّيته بـ«مُصارِعُ المصارِع»، فإن وقعت لي فيه زلة أو هفوة، فليصلح من اطّلع عليه من إخواني، طلباً بذلك اقتناء الخير، وإحراز الأجر، وها أنا مفتتح الكتاب، واللّه ملهم الصواب.

ولم يزل النقد والردّ قائماً على قدم وساق بين المتخاصمين، وقد عرفت أنّ القول الحاسم هو دراسة الأقوال والآراء والاستماع إلى أحسنها، هذا من جانب و من جانب آخر أنّ دراسة الفلسفة ومذاكرتها رهن قابلية وصلاحية خاصّة، وهي ليست شرعة لكلّ وارد وشارد، وإنّما يردها وارد بعد وارد، فهي رهن ذهن وقّاد وصلاحية ممتازة كما يقول الشيخ الرئيس:

أيّها الأخ إنّي قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحقّ، وألقمتك قفّي الحكم في لطائف الكلم، فضُنْه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنةَ الوقادة والدربة والعادة، وكان صغاه من الغاغة، أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة ومن همجهم، فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقّفه عمّا يتسرع إليه الوسواس وبنظره إلى الحقّ بعين الرضا والصدق فآته ما يسألك منه مدرّجاً مجزءاً مفرقاً، تستفرس ممّا تسلفه لما تستقبله، وعاهِدْه باللّه وبأيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسياً بك، فإن أذعت هذا العلم أو


( 66 )

أضعته فاللّه بيني و بينك، وكفى باللّه وكيلاً.(1)

4. ابن تيمية وآراؤه الفلسفية

ألّف ابن تيمية كتاباً أسماه «درء تعارض العقل والنقل» أو «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» حاول فيه رفع التناقض بين العقل والنقل، ولكنّه في الحقيقة يريد العقل الذي يوافق النقل الموجود في الصحيحين وغيرهما، دون العقل المخالف، وإن دعمته البراهين الناصعة التي بها عرفنا ربّنا سبحانه، فالأصل عنده النقل، لا العقل، والسلفية اليوم يكيلون له بكيل كبير ويضفون عليه ألقاباً فخمة، نظير شيخ الإسلام، علم الأعلام ، مفتى الأنام، الإمام المجاهد، الصادق الصابر، سيف السنّة المسلول على المبتدعين، والقاطع البتّار لألسنة المارقين الملحدين و....

هلمّ معي لنقف على عطاءاته الفكرية في هذا المجال، وهل هو عارض المبتدعين أو هو أحد المبتدعة؟ ونحن نستعرض في ذلك شيئاً من آرائه ليكون كنموذج لما لم نذكره:

1. قدم العالم نوعاً

قد تقدّم أنّ الغزالي كفّر الفلاسفة لقولهم بقدم العالم وعدم حدوثه زماناً، وقد أحيا ابن تيمية تلك الفكرة، وقال بقدم العالم نوعاً، وحدوثه شخصاً، ذكره في غير واحد من كتبه، مثل «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» و«منهاج السنة» وغيرهما.

وهذا نصّ عبارته في الموافقة:


1 . شرح الإشارات:2/419.


( 67 )

وأمّا أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فانّهم لا يجعلون النوع حادثاً بل قديماً، ويفرّقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه.(1)

والعجب أنّه نسبه إلى أكثر أهل الحديث، وأين هم من هذه البحوث الفلسفية؟! ومتى أدلوا بهذا الرأي؟! فانّ مذهبهم هو السكوت عمّا سكت عنه الكتاب والسنّة، وهل هناك آية أو رواية تدلّ على أنّ كلّ ما في العالم من الأنواع، قديم بنوعه، حادث بشخصه.

ويقول في منهاجه: وحينئذ يمتنع كون شيء من العالم أزلياً، وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائماً لم يزل، فانّ الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدد، بل ما من وقت يقدر إلاّ وقبله وقت آخر، فلا يلزم من دوام النوع، قدم شيء بعينه.(2)

ويقول أيضاً: وأين في القرآن امتناع حوادث لا أوّل لها.(3)

أقول: إنّ صريح ذلك انّ الزمان بجنسه قديم، دون مصاديقه، وهكذا سائر الأنواع من إنسان وفرس، وبقر، فهل هذا ما نطق به الذكر الكريم أو السنّة النبوية؟!

ثمّ إنّ الذي دعاه إلى اختيار هذا الرأي، هو قوله بجلوس الرب على العرش، فعندما يثار بوجهه هذا السؤال إنّ العرش مخلوق للّه سبحانه، فأين كان سبحانه قبل خلق العرش؟ فإنّه يحاول الخروج من هذا المأزق بما نقله عنه المحقّق الدواني في كتاب شرح العضدية، قال: وقد رأيت في بعض تصانيف ابن تيمية القول بالقدم الجنسي في العرش.(4) ومعناه انّه كان يعتقد انّ جنس العرش أزلي أي


1 . الموافقة:2/75، دار الكتب العلمية، بيروت.

2 . منهاج السنة:1/109.

3 . الموافقة:2/64.

4 . شرح العضدية:13.


( 68 )

ما من عرش إلاّ و قبله شيء إلى ما لانهاية وانّه يوجد و ينعدم ثمّ يوجد وينعدم، وهكذا فالعرش عنده قديم جنساً و لكن شخصه حادث.

هذا جزاء من أعدم العقل، وأكبَّ على النقل دون تمحيص.

وأعجب منه انّه يستدلّ على الجواز،بأنّه ليس في القرآن امتناع حوادث لا أوّل لها، فيكون سكوت القرآن عن امتناعه، دليلاً على إمكانه بل وقوعه.

فكأنّ القرآن كتاب فلسفي جاء لبيان ما هو الممكن والمستحيل، فإذا سكت عن استحالة شيء يكون دليلاً على إمكانه «ما هكذا تورد يا سعد الإبل»!!

2. قيام الحوادث بذات اللّه سبحانه

ومن مبتدعاته التي خرق بها إجماع المتألهين على أنّه سبحانه منزّه عن قيام الحوادث به، قوله: فمن أين في القرآن ما يدلّ دلالة واضحة على أنّ كلّ متحرك محدث أو ممكن؟ وأنّ الحركة لا تقوم إلاّ بحادث أو ممكن، أو ما قامت به الحوادث لم يخلُ منها، وأنّ مالا يخلو من الحوادث فهو حادث؟

ويقول في مكان آخر: فإنّا نقول: إنّه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض، فما الدليل على بطلان قولنا؟(1)

أقول: لو كان الكاتب درس الفلسفة والكلام عند أساتذتهما دون أن يكون له رأي مسبق في الموضوع لوقف على أنّ الذات القائم به الحوادث كالحركة والسكون حادث، لأنّ الحركة في العرض نابعة من الحركة في الجوهر، والحركة في الجوهر عبارة عن تغيير ذات الشيء وتحوّله من جوهر إلى جوهر، وأيّ


1 . منهاج السنّة:1/64و 210.


( 69 )

حادث أظهر من ذلك؟

وهو بهذا القول أحيا نظرية الكرّامية ـ أعني: أتباع محمد بن كرّام ـ حيث زعموا أنّ الحوادث تطرأ، أي تتجدد على ذات اللّه.

يقول الاسفرائيني في التبصير: وممّا ابتدعوه ـ أي الكرامية ـ من الضلالات ممّا لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأُمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محلّ الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسَمُّوا ذلك سمعاً وتبصّراً، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أنّ هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى اللّه عن قولهم».(1)

3. قوله بالتجسيم

إنّ ابن تيمية وإن كان لا يصرّح بكونه سبحانه جسماً لكنّه يصرّح بأنّه لم يرد عن الصحابة والتابعين أنّ اللّه ليس بجسم، يقول: وأمّا الشرع فمعلوم أنّه لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأُمّة أنّ اللّه جسم أو أنّ اللّه ليس بجسم، بل النفي والإثبات بدعة في الشرع.(2)

ويقول أيضاً: وأمّا ذكر التجسيم وذمّ المجسّمة فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف والأئمة، كما لا يعرف في كلامهم أيضاً القول بأنّ اللّه جسم أو ليس بجسم، بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم، كما ذكره أحمد في كتاب الردّ على الجهمية.


1 . التبصير في الدين:66ـ 67.

2 . شرح حديث النزول:80.


( 70 )

وقال في موضع ثالث: أمّا ما ذكره من لفظ الجسم ومايتبع ذلك فانّ هذا اللفظ لم ينطق به في صفات اللّه لا كتاب ولا سنّة لا نفياً ولا إثباتاً، ولا تكلم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم ولا أهل البيت ولا غيرهم.(1)

إنّ فكرة التجسيم من مستوردات اليهود، وكتبهم مشحونة به وبالجهة وبالنزول والحركة. وهذا أمر ظاهر لمن راجع كتبهم، وابن تيمية تبعاً لما أدخله مستسلمة اليهود بين أصحاب الحديث، جوّز أن يكون سبحانه جسماً . ومن المعلوم أنّ الجسم ذو أبعاض يحتاج في تحقّقه إلى أبعاد، والمحتاج ممكن، والممكن ليس بواجب.

والعجب أنّه زعم أنّه لم ترد عن أهل البيت كلمة في نفي الجسميّة، وهذه خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وكلمات أبنائه الطاهرين(عليهم السلام) صريحة في ذلك لا يسعنا نقل معشار منها. إلاّ أن يكون «أهل البيت» عنده، غيرهم.

ثمّ إنّ أبناء التجسيم يصحّحون قولهم بالجسمية بأنّه سبحانه جسم لا كسائر الأجسام، وفي ذلك يقول أبو الثناء في كتابه «التمهيد لقواعد التوحيد» ما هذا نصّه:

ثمّ إنّهم ناقضوا في ما قالوا، لأنّ الجسم اسم للمتركّب لما مرّ، فإثبات الجسم إثبات التركيب ونفي التركيب نفي الجسم، فصار قولهم جسم لا كالأجسام كقولهم:متركب وليس بمتركب، و هذا تناقض بيّن بخلاف قولنا: شيء لا كالأشياء، لأنّ الشيء ليس باسم للمتركّب وليس ينبئ عن ذلك وإنّما ينبئ عن مطلق الوجود، فلم يكن قولنا: «كالأشياء نفياً لمطلق الوجود، بل يكون نفياً لما وراء الوجود من التركيب وغيره من أمارات الحدث، فلم يكن


1 . منهاج السنّة:1/312.


( 71 )

ذلك متناقضاً وللّه الحمد والمنّة».

وإذا ثبت أنّ اللّه تعالى لا يوصف بالجسم، فلا يوصف بالصورة أيضاً، لأنّ الصورة لا وجود لها بدون التركيب.(1)

4. اللّه سبحانه محدود بالحدّ

ذهب ابن تيمية إلى صحّة نسبة الحدّ إلى ذاته تعالى، وقد نقله في كتابه «الموافقة» عن أبي سعيد الدارمي المجسِّم موافقاً له، فقال ما نصّه:

وقد اتّفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أنّ اللّه في السماء وحدّوه بذلك إلاّ المريسي الضالّ وأصحابه، حتّى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوا ذلك إذا أحسن الصبي يثني. يرفع يده إلى ربّه ويدعوه في السماء دون ما سواها وكلّ أحد باللّه وبمكانه أعلم من الجهميّة.(2)

وقال في كتابه «تلبيس الجهميّة»: لقد دلّ الكتاب والسنّة على معنى ذلك، كما تقدّم احتجاج الإمام أحمد لذلك بما في القرآن ممّا يدلّ على أنّ اللّه تعالى له حدّ يتميّز به عن المخلوقات.(3)

إلى غير ذلك من كلماته الصريحة في إثبات الحدّ وإخلاء العالم بأرضه وسمائه عن وجوده سبحانه.

لقد أثبت المفكّرون الواعون من المسلمين تنزيهه سبحانه عن الحدّ وذكروا


1 . التمهيد لقواعد التوحيد: 60.

2 . موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول:2/29.

3 . بيان تلبيس الجهمية:1/445. وخفى عليه انّ رفع اليد في الثناء والسؤال إنّما هو تمثيل لرفعة شأنه وترسيم لعلوّ مقامه، لا كونه في السماء.


( 72 )

براهينه بما لسنا في مقام بيانها، ولكن إذا دار الأمر بين أخذ المعارف والعقائد من ابن تيمية أو تلميذه ابن القيّم أو مَن لفّ لفّهما و بين أخذها من ربيب بيت النبوة وعيبة علم النبي الإمام علي(عليه السلام) ، فلا شكّ أنّ الثاني أولى وأفضل، بل هو المتعيّن، ولقد صدع بذلك الرازي في مسألة الجهر بالبسملة وقال: ومن اقتدى في دينه بعليّ فقد اهتدى، قال والدليل عليه قول رسول اللّه: «اللّهم أدر الحقّ مع عليّ حيث دار».(1)

وهذا هو الإمام يصف اللّه سبحانه بقوله: «ومن وصفه سبحانه ـ أي جعل صفاته غير ذاته ـ فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال: فيم فقد ضمّنه، ومن قال على مَ فقد أخلى منه».

وفي (2)كلام له: «الحمد للّه اللابس الكبرياء بلا تجسّد، والمرتدي بالجلال بلا تمثّل، والمستوي على العرش بلا زوال، والمتعالي عن الخلق بلا تباعد منهم، القريب منهم بلا ملامسة منه لهم، ليس له حدّ ينتهي إلى حدّه، ولا له مثل فيعرف بمثله».(3)

إلى غير ذلك من خطبه وخطب أبنائه وكلماتهم(عليهم السلام).

5. نسبة الجهة والمكان للّه تعالى

لقد تكرّر إثبات الجهة والمكان للّه سبحانه في كلمات ابن تيمية في «منهاج السنّة»، ويكفي في ذلك العبارتان التاليتان:


1 . التفسير الكبير:1/204.

2 . نهج البلاغة، الخطبة الأُولى.

3 . الصدوق، التوحيد:33.


( 73 )

1. إذا قيل إنّه في جهة كان معنى الكلام أنّه هناك فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، فهو فوق الجميع عال عليه.(1)

2. وجمهور الخلف على أنّ اللّه فوق العالم وإن كان أحدهم لا يلفظ بلفظ الجهة، فهم يعتقدون بقلوبهم ويقولون بألسنتهم ربهم فوق.(2)

أقول: فمن أين لابن تيمية هذا العلم ؟! فهل هو يعلم ما تخفي الصدور؟!. لا أدري!!

وأسوأ من ذلك أنّه استدلّ على ثبوت الجهة للّه بطلب فرعون أن يصنع له مصعداً ليطّلع إلى إله موسى، قال: واللّه قد أخبر عن فرعون أنّه طلب أن يصعد ليطّلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبره أنّ اللّه فوق، لم يقصد ذلك، فإنّه لو لم يكن مقرّاً به فإذا لم يخبره موسى به لم يكن إثبات العلوّ لا منه ولا من موسى عليه الصلاة والسلام، ثمّ قال: فموسى صدّق محمّداً في أنّ ربّه فوق وفرعون كذّب موسى في أنّ ربّه فوق، فالمقرّون بذلك متبعون لموسى ولمحمد والمكذبون بذلك موافقون لفرعون.(3)

ما الدليل على أنّ موسى أخبر فرعون بأنّ ربّه فوق السماوات، وأيّ دليل على أنّه لم يأخذه من مجسّمة عصره؟!

وأين هذا من كلام الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) حيث يقول: «سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلاّ هو، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا يحدّ ولا يحسّ ولا يُجسّ ولا يُمسّ ولا تدركه الحواسّ، ولا يحيط به شيء ولا جسم ولا


1 . منهاج السنةّ:1/217.

2 . نفس المصدر:1/262.

3 . المصدر نفسه:1/526.


( 74 )

صورة ولا تخطيط ولا تحديد».(1)

وقد تضافر هذا التعبير عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في غير مكان.

وهذا هو الإمام أبو الحسن الهادي(عليه السلام) يقول:«سبحان من لا يحدّ، ولا يوصف، ولا يشبهه شيء، وليس كمثله شيء، و هو السميع البصير».(2)

وإثبات الجهة للّه سبحانه إثبات مكان وإثبات تحديد، وأين هذا من الواجب الغنيّ عن المكان والجهة والحدّ؟!

6. جلوسه سبحانه على العرش

ومن عجائب أفكاره في باب التوحيد، إثبات جلوسه سبحانه على العرش، يقول: ثمّ إنّ جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نقل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد و غيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته.(3)

وقال في شرح حديث النزول: والقول الثابت هو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأُمّة وأئمّتها أنّه لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوّه ونزوله إلى السماء ولا يكون العرش فوقه .

ويقول أيضاً في فتاواه: وقال أهل السنّة في قوله: (الرَّحمن على العَرْش استَوى)(4) ، الاستواء من اللّه على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز.(5)


1 . الصدوق: التوحيد:98، باب أنّ اللّه عزّ وجلّ ليس بجسم ولا صورة، الحديث4.

2 . المصدر نفسه، نفس الباب، الحديث 13، ص 101.

3 . منهاج السنة:1/262.

4 . طه:5.

5 . مجموع الفتاوى:5/519.


( 75 )

وقال أيضاً في كتاب «تلبيس الجهمية»: الوجه الخامس: انّ العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه كالسقف إلى ما تحته، فإذا كان القرآن قد جعل للّه عرشاً و ليس هو بالنسبة إليه كالسقف، علم أنّه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره، وذلك يقتضي أنّه فوق العرش.(1)

وقال في تفسير سورة العلق: إنّ عرشه أو كرسيّه وسع السماوات والأرض وإنّه يجلس عليه فما يفضل منه إلاّ قدر أربعة أصابع، وإنّه ليئطّ أطيط الرحل الجديد براكبه.(2)

هذا هو الإله الذي يعبده ابن تيمية و مقلدو منهجه، فهو إله ينتقل ويتحرك وينزل، محدود بحدود، له جهة ومكان، وأنّه يجلس على العرش، وعرشه يزيد عليه بأربعة أصابع، فإذا كان هذا إله العالم وخالق البرايا، فرفض هذا الإله أفضل من إثباته، والرجل بعدُ قد تأثر بأخبار الآحاد المستوردة من مستسلمة أهل الكتاب، وتصوّر أنّها حقائق راهنة و أنّ بها تناط سعادة الأُمّة وأنّ عرش إله العالم يئطّ أطيط الرحل الجديد!

فإذا كان هذا هو الإله المعبود «فيا موت زر إن الحياة ذميمة»!!

هذا جزاء من أعدم العقل وأكبّ على النقل بلا وعي، وتلقّى روايات الصحيحين كأوثق ما يكون، دون أخضاعها للنقد والتمحيص.

فإذا كان هذا شيخ الإسلام وحجة الدين فعلى الإسلام السّلام!

ولا يتصوّر القارئ بأنّ شذوذه وانحرافه عن الرأي العام بين المسلمين


1 . تلبيس الجهمية:1/576.

2 . مجموعة التفسير: 354ـ 355.


( 76 )

يختصّ بما ذكرنا، ولكن خطأ الرجل لا يختصّ بباب دون باب، وإليك قوله بفناء النار وانتهاء العذاب.

7. فناء النار وانتهاء عذاب الكفّار

أكّد القرآن الكريم في آيات كثيرة على خلود المنافقين والكفّار في نار جهنم وعدم خروجهم من النار. قال تعالى: (وعَدَ اللّهُ المنافِقينَ والْمُنافِقاتِ وَ الْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيها هي حَسْبُهُمْ وَلَعَنهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقيم).(1)

وقال في آية أُخرى: (كَذلِكَ يُريهِمُ اللّهُ أَعمالَهُمْ حَسرات عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجينَ مِنَ النّار).(2)

إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في خلود الكفّار في نار جهنم.

ولكن هلمّ معي نقف على رأي ابن تيمية في المقام، يقول: وفي المسند للطبراني: أنّه ينبت فيها ـ النار ـ الجرجير».(3)

فيحتج ابن تيمية بهذا الحديث على فناء النار مضيفاً أنّ القائلين ببقائها ليس معهم كتاب ولا سنّة ولا أقوال الصحابة.

وأضاف أيضاً: أنّ من قال بدوام النار محتجاً بالإجماع، فالإجماع غير معلوم، إلى أن زعم أنّ القول بفنائها فيه قولان معروفان عن الخلف والسلف.(4)

أقول: قد عرفت أنّ الآيات صريحة في بقاء النار وخلود الكفّار فيها، ومع ذلك لا تصل النوبة إلى المرويّات التي لا تتجاوز أخبار الآحاد.


1 . التوبة:68.

2 . البقرة:167.

3 . الرد على من قال بفناء الجنة والنار: 67.

4 . لاحظ للوقوف على نصّ ابن تيمية كتاب «فناء الجنةوالنار» :ص 67ـ 71 وغيره.


( 77 )

وكم لابن تيمية من زلاّت في باب التوحيد وفيما يرجع إلى النبوّة والنبي وغيرهما، بيْد أنّنا نقتصر على ذلك، لأنّ الإطناب ربما يكون مملاًّ.

إنّ دراسة العقائد الإسلامية بحاجة إلى الإلمام بالكتاب والسنّة الصحيحة المعتبرة (غير المأخوذة من مستسلمة أهل الكتاب)، والاستناد إلى العقل الصريح الذي يصون الإنسان من الوقوع في هذه المهالك. واللّه هو المسدّد.


( 78 )

7

علم الكلام

وعوامل نشوئه

إنّ علم الكلام كسائر العلوم الإنسانية، ظاهرة علمية نشأت بين المسلمين في ظل أسباب سيوافيك بيانها، وانبثقت عنها مدارس مختلفة، كما كانت للأُمم السابقة مذاهب كلامية ومدارس دينية يبحث فيها عن اللاهوت والناسوت، وقد ألّف غير واحد من علماء اليهود(1) والنصارى كتباً كلامية يرجع تاريخها إلى القرنين الخامس والسادس، وأمّا عوامل نشأته بين المسلمين فتتلخص في عوامل داخلية وخارجية، إليك بيان الأُولى منهما:

العوامل الداخلية لنشوء علم الكلام

1. القرآن هو المنطلق الأوّل

إنّ الذكر الحكيم هو المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام بين المسلمين،


1 . كدلالة الحائرين لابن ميمون وغيرها. هذا ما يرجع إلى سالف الأيّام، وأمّا اليوم فما من شهر إلاّ ولهم كتاب أو رسالة حول ديانتهم.


( 79 )

وهو المصدر الأوّل عند المتكلّمين في دعم ما وافق وردّ ما خالف.

إنّ الآيات المتضمّنة للحوار بين الرسل ومن أرسل إليهم هي أحد أسباب التفكير الكلامي عند المسلمين، فلنذكر نماذج من تلك الحوارات:

1. حوار إبراهيم(عليه السلام) مع مدّعي الربوبية

هذا هو إبراهيم(عليه السلام) يحتجّ على مَن أنكر ربوبية اللّه سبحانه و تعالى، وينقل سبحانه احتجاجه بقوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِي حاجَّ إِبْراهيمَ في رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللّهُ الْمُلْكَ)وهذا المقطع من الآية يكشف عن أنّ مَلِكَ زمانه كان مشركاً في الربوبية ويزعم أنّ ربوبية العالم وتدبيره مفوضة إليه، فاحتجّ إبراهيم عليه بقوله:(رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت)، فأجاب الملك وقال:( أَنا أُحْيِي وأُمِيت).(1)

قال إبراهيم: (فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِب).

فعند ذلك بهت الملك ولم يدر بماذا يجيب، فيحكي سبحانه تحيّره وخذلانه أمام البرهان القاطع للخليل بقوله: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر).(2)

2. حوار إبراهيم(عليه السلام) مع عبدة الأصنام

إنّ لبطل التوحيد إبراهيم الخليل حواراً آخر مع المشركين بشأن أصنامهم


1 . يذكر المفسرون انّه أمر بإحضار سجينين أمر بإطلاق سراح أحدهما وقتل الآخر، وبذلك صار مظهراً للإحياء والإماتة، ولمّا كان في هذه الإجابة مغالطة واضحة، أعرض إبراهيم عن الرد عليه، فاستمرّ الحجاج بشكل آخر كما ترى.

2 . البقرة:258.


( 80 )

التي أقدم على كسرها وجعلها جذاذاً إلاّ كبيراً لهم ليكون عبرة لهم، فلمّا فوجئ المشركون بهذه الكارثة، تساءلوا عمّن قام بهذا الفعل الشنيع؟ فانتهى الأمر بهم إلى اتّهام إبراهيم(عليه السلام)بذلك،فأحضروه للكشف عن جليّة الحال، ودار بينه و بينهم حوار ينقله سبحانه بقوله:

ـ المشركون : (أأنْتَ فَعَلتَ هذا بآلهتِنا يا إِبراهيم).

ـ إبراهيم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُم هذا فاسأَلُوهُمْ إِن كانُوا يَنْطِقُون).

ـ المشركون :(لَقَدْ علِمْتَ ما هؤلاءِ يَنْطِقُون).

ـ إبراهيم:(أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفعُكُمْ شَيئاً وَلا يضُرُّكُمْ أُفّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه أَفلا تَعْقِلُون).

ولمّا أحسّ المشركون بالعجز عن إفحامه، تمسّكوا بمنطق القوة، فقالوا:

(حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلهتَكُمْ إِنْ كُنْتُم فاعِلين).

ثمّ إنّه سبحانه نصر رسوله في هذه اللحظة الرهيبة بجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم كما يقول:

(قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وسلاماً عَلى إِبراهيمَ * وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فجَعَلْناهُمُ الأَخْسَرِين).(1)

3. حوار موسى(عليه السلام) مع فرعون

إنّ الحوار الدائر بين موسى الكليم(عليه السلام) وفرعون مدّعي الربوبية يُرينا بوضوح قوةَ منطق الكليم مع أحد جبابرة عصره الذي ذَبَح لحفظ عرشه مئات من الأطفال الرُّضع للحيلولة دون ولادة موسى(عليه السلام)والذي تنبّأ كهنة مصر بزوال عرشه


1 . الأنبياء:62ـ 70.


( 81 )

على يد موسى(عليه السلام) ، وقد نقل القرآن ذلك الحوار مبسطاً في سورة الشعراء من الآية 16 إلى 51، ونحن نقتطف منه ما يلي:

ـ موسى: (إِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائيلَ).

ـ فرعون: (قالَ أَلم نُرَبِّكَ فينا وليداً ولَبِثْتَ فينا من عُمُرِكَ سِنينَ * وفَعلْتَ فَعْلَتَكَ الّتي فَعَلْتَ وأنتَ من الكافرينَ).

ـ موسى: (قال فعلتُها إذاً وأنا من الضالِّينَ * ففررتُ مِنْكُم لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَني مِنَ الْمُرسَلينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَليَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسرائيلَ).

ـ فرعون: (وما ربُّ العالمينَ).

ـ موسى: (ربّ السمواتِ والأرضِ وما بَيْنَهُما إن كُنْتُم مُوقِنين).

ـ فرعون: (قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ).

ـ موسى: (ربّكُم وربُّ آبائِكُمُ الأوّلينَ).

ـ فرعون: ( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُون).

ـ موسى: (رَبُّ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).

ـ فرعون: (لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلهاً غَيرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِين).

ـ موسى: (أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين).

ـ فرعون: (فأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِين).

ـ موسى: (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعبَانٌ مُبِينٌ * ونَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ للنّاظرينَ * قال لِلمَلأ حَوْلَهُ إِنّ هذا لساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ).

إلى آخر الحوار.


( 82 )

ترى أنّ موسى يستدلّ بالدليل والبرهان ويعرّف الربّ سبحانه بقوله: (ربّ السموات والأرض وما بينهما) و بقوله:(ربُّكُمْ وربّ آبائكُمُ).

ولكن فرعون يتّهمه أوّلاً بالجنون ويقول: (إنّ رسولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إليكم لَمَجْنُون).

ومن المعلوم أنّ المصلحين في العالم يُتّهمون دائماً بالجنون، لأنّهم يريدون التغيير الجَذريّ في المجتمع والذي يعدّه البسطاء أمراً محالاً، ويصفون الساعين إليه بالجنون، ولكن موسى لم يُعر أهمية لهذه التهمة وأعاد برهانه بقوله: (ربُّ المشرقِ و المغربِ وما بينهما إِن كُنتُم تَعْقِلُونَ).

فعند ذلك واجهه فرعون بمنطق القوة وقال: (لَئنِ اتّخذتَ إلهاً غيري لأَجعلنَّكَ منَ المسْجونينَ).

ولما أثبت صلته بعالم الغيب بالإتيان بالمعجزة الباهرة وأثبت بوضوح انّه رسول ربّ العالمين، قابله فرعون بادّعاء أنّ ما أتى به سحر ولا نصيب له من الواقع.

4. حوار مؤمن آل فرعون مع قومه

إنّ الحوار الدائر بين مؤمن آل فرعون وبين فرعون ورهطه حوار صدر في ظروف عصيبة، قام به أحد المنتمين إلى فرعون (كان يُظْهر كفره ويكتُم إيمانه)،على مرأى ومسمع من فرعون وملئه، وفي جوّ مشحون بالت آمر على موسى(عليه السلام)واستئصال دعوته، وقد نقل الذكر الحكيم هذا الحوار على طوله في سورة غافر من الآية 26 إلى 45، نقتطف منه ما يلي:

ـ فرعون: (ذَرُوني أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسادَ).


( 83 )

ـ موسى: ( إِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لا يُؤْمِنُ بِيَومِ الحِسابِ).

ـ مؤمن آل فرعون : (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بعضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ).

ـ فرعون: (يا هامانُ ابنِ لي صَرْحاً لَعلّي أَبْلُغُ الأَسْبابَ * أَسْبابَ السَّمواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كاذِباً).

ـ مؤمن آل فرعون: (يا قَومِ اتّبعونِ أَهْدِكُم سبيلَ الرّشادِ).

وكم في القرآن الكريم من نظائر لهذا الحوار دار رحاها بين رجال صالحين وأُناس طالحين وكان الظفر فيها حليف أصحاب المنطق والتفكير.

وبذلك يظهر أنّ القرآن الكريم بما فيه من الأدلة الساطعة والبراهين المحكمة على توحيده ذاتاً و فعلاً، وما نقل من الحوارات، كان هو المنطلق الأوّل لعلم الكلام.

***

2. السنّة هي المنطلق الثاني

إذا كان الكتاب هو المنطلق الأوّل، فإنّ خُطَب النبي وكلماته ومناظراته مع المشركين واليهود والنصارى، كانت هي المنطلق الثاني للتفكير الكلامي.

إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ناظر المشركين وأهل الكتاب بمرأى ومسمع من المسلمين، وهذه احتجاجاته مع نصارى نجران في العام العاشر من الهجرة، حتّى أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما أفحمهم، دعاهم إلى المباهلة، وقد حفل التاريخ وكتب السير والتفسير بما


( 84 )

دار بين الرسول وبطارقة نجران و قساوستهم، وقد استدلّوا على إلوهية المسيح بقولهم: هل رأيت ولداً من غير ذكر؟ فأفحمهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بإيحاء من اللّه: وقال: (إِنّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون).(1)أي انّ مثل عيسى في عالم الخلقة كمثل آدم، وقد خُلق من غير أب ولا أُمّ، فليس هو أبدع ولا أعجب منه.

وإليك نموذجاً من مناظراته(صلى الله عليه وآله وسلم) :

احتجاج النبي مع اليهود في تبديل القبلة

لمّا أمر اللّه جلّ شأنه نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، جاء قوم من اليهود وقالوا: يا محمد هذه القبلة (بيت المقدس) قد صلّيت إليها أربع عشرة سنة ثمّ تركتها الآن. أفحقاً كان ما كنت عليه؟ فقد تركته إلى باطل، فانّ ما يخالف الحقّ فهو باطل; أو باطلاً كان ذلك، وقد كنت عليه طول هذه المدة فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟!

وأساس الشبهة التي أشار إليها اليهود هو انّه لا يمكن أن يكون التوجه صوب القبلتين صحيحاً، فأحدهما باطل، إمّا السابق وإمّا اللاحق، ومن المحتمل أن يكون الباطل هو اللاحق فكيف نؤمن به؟

وقد غفل المجادل عن أنّ الأحكام تتغيّر حسب تغيّر المصالح والمفاسد، فلا مانع من أن يكون كلاّ من التوجّهين حقاً في ظرفه، وعلى ذلك تدور رحى النسخ في الأحكام الشرعية.

فأجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «بل ذلك كان حقّاً، وهذا حقّ، يقول اللّه: (قُلْ


1 . آل عمران:59.


( 85 )

للّهِ المشرقُ والمغربُ يهدِي مَنْ يشاءُ إلى صِراط مُستقيم)(1) إذا عرف صلاحكم يا أيّها العبادُ في استقبال المشرق أمركُم به، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير اللّه تعالى في عباده وقصده إلى مصالحكم».

ثمّ قال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لقد تركتم العمل يوم السبت ثمّ عملتم بعده في سائر الأيام ثمّ تركتموه في السبت ثمّ عملتم بعده، أفتركتم الحق إلى باطل أو الباطل إلى حق؟! والباطل إلى باطل أو الحق إلى حق؟! قولوا كيف شئتم فهو قول محمد وجوابه لكم». قالوا: ترك العمل في السبت حق والعمل بعده حق.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق، ثمّ قبلة الكعبة في وقته حق».(2)

3. خطب الإمام علي (عليه السلام) هي المنطلق الثالث

إنّ خطب الإمام ورسائله وكلمه القصار، التي حفظها التاريخ من الضياع لأوضح دليل على أنّ الإمام كان هو المؤسس للأُصول الكلامية خصوصاً فيما يرجع إلى التوحيدوالعدل، وبين يديك «نهج البلاغة» الذي جمعه الشريف الرضي ممّا وصل إليه من خطبه، تجد فيه من الأُصول الكلامية ما لا تجده في غيره، وإلى ذلك يشير السيد المرتضى في أماليه، فيقول:

اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)وخطبه، فانّها تتضمن من ذلك ما لا زيادة عليه ولا غاية وراءه، ومن تأمّل المأثور في ذلك من كلامه، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعد في


1 . البقرة:142.

2 . الاحتجاج:1/83.


( 86 )

تصنيعه وجمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأُصول، وروي عن الأئمّة من أبنائه(عليهم السلام)في ذلك ما لا يكاد يحاط به كثرة، ومن أحب الوقوف عليه وطلبه من مظانه أصاب منه الكثير الغزير الذي في بعضه شفاء للصدور الشقية ولقاح للعقول العقيمة.(1)

وجاء في «الفهرست» للنديم: أنّ أبا الهذيل العلاّف، محمد بن الهذيل، قال: أخذت هذا الذي أنا عليه من العدل والتوحيد، عن عثمان الطويل، وكان معلم أبي الهذيل.

قال أبو الهذيل: وأخبرني عثمان أنّه أخذه عن واصل بن عطاء، وأنّ واصلاً أخذه عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، وأنّ عبد اللّه أخذه من أبيه محمد بن الحنفية، وأنّ محمداً أخبره أنّه أخذه عن أبيه علي(عليه السلام)، وأنّ أباه أخذه عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّ رسول اللّه أخبره أنّ جبرئيل نزل به عن اللّه تعالى.(2)

وبما أنّ خطب الإمام(عليه السلام) ورسائله تعجّ بالتوحيد والعدل، والتنزيه وغيرها من المعارف، فنحن في غنى عن نقل نتف منها.

4. أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ودورهم في نشوء علم الكلام

إنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وإن أُقصُوا عن منصّة الحكم ولكنّهم كلّما أُتيحت لهم الفرصة في عصر الأمويين أو العباسيين قاموا بمهمة بيان المعارف والأُصول التي كان القوم يتنازعون فيها، وها نحن نذكر مقتطفات من مناظراتهم


1 . الشريف المرتضى، الأمالي: 1/148. ولاحظ شرح ابن أبي الحديد في هذا الصدد:1/17.

2 . الفهرست:202.


( 87 )

ونبتدئ بمناظرة أُمّ الأئمّة النجباء مع خليفة زمانها.

روى المؤرخون أنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) لمّا مُنعت من إرثها، لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لُمّة من حفدتها، ونساء قومها حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار، فقالت مخاطبة إيّاهم بخطبة بليغة نقتصر منها على موضع الحاجة:

يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب اللّه أن ترثَ أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئتَ شيئاً فريّاً على اللّه ورسوله، أفعلى عمد تركتم كتاب اللّه ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وَوَرِثَ سُليمانُ داودَ)(1) ، وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا(عليهما السلام) إذ قال :(فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوب)(2)، وقال أيضاً: (وأُولوا الأَرحام بَعْضُهم أَولى ببعض في كتابِ اللّه)(3)، وقال: (يُوصيكم اللّه في أولادِكم للذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثيين)(4) وقال: (وَإِنْ تَرَكَ خيراً الوصيّةُ للوالديْنِ والأقربينَ بالمَعْروفِ ...)(5) ،وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصّكم بآية من القرآن أخرج أبي محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)منها؟ أم هل تقولون: إنّ أهل الملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟(6)

نموذج من مناظرات الإمام الصادق (عليه السلام) مع أحد القدرية

لقد راجت فكرة استغناء الممكن في فعله «لا في ذاته» عن اللّه سبحانه في


1 . النمل:16.

2 . مريم:5ـ6.

3 . الأنفال:75.

4 . النساء:11.

5 . البقرة:18.

6 . الاحتجاج:1/267ـ268.


( 88 )

عصر عبد الملك بن مروان (65ـ86هـ) وكان لهذه الفكرة دويّ في عصره، وقد طلب عبد الملك بن مروان من عامله في المدينة أن يوجه إليه الإمام الباقر(عليه السلام) حتّى يناظر رجلاً يتبنّى تلك الفكرة وقد أعيا الجميع.

فبعث الإمام الباقر ولده مكانه، فقدم الشام، وتسامع الناس بقدومه لمخاصمة الرجل، فقال عبد الملك لأبي عبد اللّه: إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري، فقال الإمام: «إنّ اللّه يكفيناه»، فلمّا اجتمعوا، قال القدري لأبي عبد اللّه(عليه السلام): سل عمّا شئت؟ فقال له: «اقرأ سورة الحمد»، قال: فقرأها، فلمّا بلغ إلى قول اللّه تبارك وتعالى:(إِيّاك نعبد وإِيّاك نستعين) فقال جعفر: «قف مَن تستعين؟ وما حاجتك إلى المؤونة، إن الأمر إليك»، فبهت الرجل.(1)

احتجاج الإمام الرضا(عليه السلام) مع اليهود والنصارى والمجسّمة

إنّ للإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) احتجاجات ومناظرات مع أصحاب الديانات المختلفة وعلى رأسهم اليهود والنصارى والمجسمة وغيرهم، نقلها الشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي(المتوفّى حوالي 550هـ) في كتاب «الاحتجاج» بصورة مفصلة، ونحن لا يسعنا نقل القليل منها فضلاً عن الكثير، وكان الخليفة المأمون يشارك في مجالس المناظرة مع الأحبار والقساوسة وأصحاب الحديث والتي كان يتجلّى فيها قوة منطق الإمام بالاستدلال عليهم بنصوص التوراة والإنجيل باللغة العبريانية والسريانية، وها نحن نذكر احتجاجه مع أبي قُرّة الذي كان يدّعي رؤية النبيّ للّه سبحانه في هذه الدنيا.


1 . راجع البحار:5/55ـ56، الحديث98.


( 89 )

ـ قال أبو قرة: إنّا رُوِينا انّ اللّه عزّ وجلّ قسّم الرؤيةَ والكلام بين اثنين، فقسّم لموسى(عليه السلام) الكلام، ولمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)الرؤية.

ـ قال الإمام: فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين: الجن والإنس(لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار)(1) ، و `(ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(2) ، و (ليس كمِثْلِهِ شَيء)(3)، أليس محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!

ـ قال أبو قرة: بلى.

ـ قال الإمام(عليه السلام): «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيُخبرهم انّه جاء من عند اللّه، وانّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار) و (ولا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً)و (ليسَ كَمِثْلِهِ شَيء) ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً، و هو على صورة البشر؟! أما تستحيون، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر.(4)

هذه هي العوامل الداخلية لنشوء علم الكلام بين المسلمين، وهناك عوامل خارجية لنشوئه، نذكر المهمّ منها:

العوامل الخارجية لنشوء علم الكلام

1. معطّلة العرب

إنّ الطابَع العام للعرب في العصر الجاهلي هو التوحيد في الذات والتوحيد في الخالقية، ولكنّهم كانوا مشركين في أمر الربوبية والعبادة، فكانوا معتقدين بربوبية غيره سبحانه كما كانوا يعبدون غيره كالأصنام والأوثان .


1 . الأنعام:103.

2 . طه:110.

3 . الشورى:11.

4 . التوحيد للصدوق:110ـ 111.


( 90 )

نعم كان عندهم صنف ينكر الخالق، ويشارك مع الطائفة الأُولى في إنكار البعث والإعادة.

يقول الشهرستاني: فصنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد (وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنا الدُّنيا نَمُوتُ وَنَحْيا)(1) إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وقصراً للحياة والموت على تركّبها وتحلّلها، فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر (وَما يُهْلِكُنا إِلاّ الدَّهر).(2)

وصنف منهم أقرّوا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع وأنكروا البعث والإعادة، وهم الذين أخبر عنهم القرآن: (وَضَرَبَ لَنا مَثلاً وَنََسِيَ خَلْقهُ قال مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيم).(3)

وصنف منهم أقرّوا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام وزعموا انّهم شفعاؤهم عند اللّه في الدار الآخرة، وحجّوا إليها، ونحروا لها الهدايا وقرّبوا القرابين، وتقرّبوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلّوا وحرّموا; وهم الدهماء من العرب إلاّ شرذمة منهم.

ومن العرب من يعتقد بالتناسخ فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمـع دم الدماغ وأجزاء بنيته، فانتصب طيراً «هامة» فيرجع إلى رأس القبر كلّ مائة سنة، وعن هذا: أنكر عليهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال:«لا هامة ولا عدوى ولا صفر».(4)


1 . الجاثية:24.

2 . الجاثية:24.

3 . يس:78.

4 . الملل والنحل للشهرستاني:2/216ـ 217، المكتبة العصرية، بيروت. والحديث رواه أبو داود في سننه برقم (3921)، وأحمد في مسنده:1/174.


( 91 )

إنّ العرب وإن اعتنقوا الإسلام ولكن جذور هذه الأفكار كانت موجودة في أذهانهم خلفاً بعد سلف، إذ لا تقلع الأفكار الراسخة بمضي يوم أو سنة أو سنين، وكان خصماء الإسلام يطرحون تلك الأفكار حيناً بعد حين في مناسبات خاصة، فصار هذا سبباً مناسباً لنشوء علم الكلام والدفاع عن العقائد الإسلامية بدليل و برهان، كما أنّ القرآن الكريم طرح شبهاتهم في التوحيد والمعاد وردّها بقوّة، مثلاً: إنّهم كانوا يستبعدون إحياء العظام وهي رميم، فاستدلّ لهم بالنشأة الأُولى، إذ اعترفوا بالخلق الأوّل، فقال عزّ وجلّ: (قُلْ يُحْيِيها الَّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرَّة)(1) ، وقال سبحانه: (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الأَوّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْس مِنْ خَلْق جَدِيد).(2)

2. اليهود وعقائدهم في التجسيم والقدر

يقول الشهرستاني: اليهود تدّعي أنّ الشريعة لا تكون إلاّ واحدة، وهي ابتدأت بموسى(عليه السلام) وتمّت به، فلم تكن قبله شريعة، إلاّ حدود عقلية وأحكام مصلحية.

ولم يجيزوا النسخ أصلاً، قالوا: فلا يكون بعده «شريعة» أصلاً، لأنّ النسخ في الأوامر «بداء»، و لا يجوز البداء على اللّه تعالى، ومسائلهم تدور على جواز النسخ ومنعه، وعلى التشبيه ونفيه، والقول بالقدر والجبر وتجويز الرجعة واستحالتها.


1 . يس:79.

2 . ق:15.


( 92 )

أمّا النسخ فكما ذكرنا، وأمّا التشبيه فلأنّهم وجدوا التوراة ملئت من المتشابهات، مثل: الصورة والمشافهة والتكلّم جهراً والنزول على طور سيناء انتقالاً والاستواء على العرش استقراراً ، وجواز الرؤية فوقاً وغير ذلك.

وأمّا القول «بالقدر» فهم مختلفون فيه حسب اختلاف الفريقين في الإسلام، فالربّانيون منهم كالمعتزله فينا، والقرّاؤون كالمجبرة والمشبهة.(1)

3. النصارى و التثليث

لمّا رفع المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام) إلى السماء، اختلف الحواريون وغيرهم فيه اختلافاً شديداً مع أنّه كان رسول التوحيد، فأثبت أتباعه للّه أقانيم ثلاثة وسمّوها: الأب، والابن، وروح القدس.(2)

وقد افترقت النصارى إلى: «ملكانية»، و «نسطورية»، و «يعقوبية»; و قد كان قسم منهم منتشراً في الجزيرة العربية.

إنّ وجود هذه التيارات الدينية مضافاً إلى غيرها ممّا لم نذكره كالصابئين والمجوس وكلّ من له شبهة كتاب في الجزيرة العربية، أوجد أرضية صالحة لنشوء علم الكلام في مختلف المسائل حيث كان المسلمون على مقربة منهم.

وقد أدى الاحتكاك بينهم إلى تغلغل أفكارهم في أوساط المسلمين، ممّا حدا بالعلماء المسلمين إلى إجراء الحوارات والمناظرات معهم، الأمر الذي ساهم في نشوء مباحث جديدة لعلم الكلام في الشرق الإسلامي.


1 . الملل والنحل للشهرستاني:1/178. والقرّاؤون: الذين يعودون في فهم دينهم إلى التوراة مباشرة.

2 . الملل والنحل للشهرستاني:1/186.


( 93 )

4. الفتوحات الإسلامية والاحتكاك الثقافي

قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد ونشروا الثقافة الإسلامية بين الأُمم المتحضّرة، التي كانت تتمتع ـ وراء الآداب والفنون والعلوم والصناعات ـ بمناهج فلسفية و آراء كلامية لا يذعن بها الإسلام.

وقد كان لذلك الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري تأثير بالغ، عاد على الإسلام والمسلمين بالخير الكثير، إلاّ أنّ هذا الاحتكاك لم يكن يخلو من مضاعفات، منها انتقال تلك الآراء والأفكار إلى الأوساط الإسلامية في وقت لم تكن فيه متدرّعة تجاه تلك الشبهات والمشاكل.

وأعان على ذلك أمر ثان وهو انتقال عدّة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية بآرائهم وأفكارهم وعقائدهم المضادّة للإسلام وأُسِسِه، وكان بين المسلمين من لم يتورّع عن أخذ هاتيك العقائد الفاسدة، نظراء: عبد الكريم بن أبي العوجاء، وحمّاد بن عجرد، ويحيى بن زياد، ومطيع بن أياس، وعبد اللّه بن المقفّع، إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع، فأوجد ذلك بلبلة في الأفكار والعقائد بين المسلمين.

وثَمَّة أمر ثالث كان له التأثير الحاسم في بسط الإلحاد والزندقة، وهو نقل الكتب الرومانية واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة ورقابة وجعلها في متناول أيدي الناس، وقد ذكر النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال:

«كان خالد بن يزيد بن معاوية محِبّاً للعلوم، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل مدينة مصر، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهذا أوّل نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة، ثم نقل الديوان وكان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج، وكان أمر


( 94 )

الترجمة يتقدم ببطء، إلى أن ظهر المأمون في ساحة الخلافة، فراسل ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة، المدّخرة في بلد الروم، فـأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فبعث المأمون جماعة، منهم: الحجاج بن مطر، وابن بطريق، ومحمد وأحمد و الحسن بنو شاكر المنجّم، فجاءوا بطرائف الكتب، وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة وغيرهما»، ثم ذكر النديم أسماء النقلة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية، وجاء بأسماء كميّة هائلة(1) فأخذوا يصبون مـا وجدوه مـن غـث وسمين في كتب الوثنيين والمسيحيين على رؤوس المسلمين، وهم غير متدرّعين وغير واقفين على جذور هذه الشبه، مع أنّها كـانت تـزعـزع أركان الإسلام.

ونقل المسعودي في وصف المنصور أنّه أوّل خليفة قرّب المنجّمين فعمل بأحكام النجوم، وكان معه نوبخت المجوسي المنجّم وأسلم على يديه وهو أبو هؤلاء النوبختية، وإبراهيم الفزاري المنجم صاحب القصيدة في النجوم، وغير ذلك من علوم النجوم وهيئة الفلك، وعلي بن عيسى الاسطرلابي المنجم. وهو أوّل خليفة ترجمت له الكتب من اللغات العجميّة إلى العربيّة، منها: كتاب «كليلة ودمنة» ، و كتاب «السند هند » ، و ترجمت له كتب ارسطاطاليس ، من المنطقيات وغيرها، وترجم له كتاب «المجسطي» لبطليموس وكتاب «الارتماطيقي» و كتاب «إقليدس» و سائر الكتب القديمة من اليونانية والرومية والفهلوية والفارسية والسريانية وأخرجت إلى الناس، فنظروا فيها، وتعلّقوا إلى علمها.(2)

وذكر في وصف المهدي العبّاسي: وأمعن في قتل الملحدين والذاهبين عن


1 . النديم: الفهرست: 352، 356.

2 . مروج الذهب:4/223، ط دار الأندلس.


( 95 )

الدين لظهوره في أيامه واعلانهم باعتقاداتهم في خلافته، ذلك لما انتشر من كتب «ماني» و«ابن ديصان» و «مرجئون» مما نقله «عبد اللّه بن المقفع» وغيره وترجمت من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنفه في ذلك ابن أبي العوجاء وحماد بن عجرد ويحيى بن زياد و مطيع بن أياس من تأييد المذاهب المانية والديصانية والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة وظهرت آراؤهم في الناس، وكان المهدي أوّل من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلّمين بتصنيف الكتب على الملحدين ممّن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم، وأقاموا البراهين على المعاندين وأزالوا شبه الملحدين، فأوضحوا الحقّ للشاكّين....(1)

وفي ظل انتشار الكتب المترجمة بين أهل العلم من المسلمين، استفحلت المناظرة في عصر المأمون، وكان أهل الفرق والمذاهب والنحل وأصحاب المقالات يتناظرون فيما بينهم على مرأى ومسمع من الخليفة، وهذا هو المسعودي ينقل عن يحيى بن أكثم أنّه قال: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء، فإذا حضر الفقهاء ومن يناظره من سائر أهل المقالات أُدخلوا حجرة مفروشة، وقيل لهم: أنزعوا أخفافكم، ثم أحضرت الموائد، وقيل لهم: أصيبوا من الطعام والشراب وجدّدوا الوضوء، ومن خفّه ضيق فلينزعه، ومن ثقلت عليه قلنسوتُه فليضعها، فإذا فرغوا أتوا بالمجامر فبُخروا وطُيّبوا، ثمّ خرجوا فاستدناهم حتّى يدنوا منه ويناظرهم أحسن مناظرة، وأنصفها وأبعدها من مناظرة المتجبرين، فلا يزالون كذلك إلى أن تزول الشمس، ثمّ تنصب الموائد ثانية فيطعمون وينصرفون.(2)

ويذكر في حياة الواثق باللّه أنّه كان له مجلس في الفلسفة والطب وكان الواثق باللّه محبّاً للنظر، مكرماً لأهله، مبغضاً للتقليد وأهله محبّاً للإشراف على علوم


1 . مروج الذهب:4/223ـ224.

2 . مروج الذهب:3/432.


( 96 )

الناس وآرائهم، ممّن تقدّم وتأخّر من الفلاسفة وغيرهم من الشرعيّين، فحضرهم ذات يوم جماعة من الفلاسفة والمتطببين، فجرى بحضرته أنواع من علومهم في الطبيعيات وما بعد ذلك من الإلهيات.(1)

لقد أثار انتقال هذه الشبه والعقائد والآراء إلى أوساط المسلمين ضجّة كبرى بينهم، وافترقوا إلى فرقتين:

فرقة اقتصرت على الذب عن حياض الإسلام بتضليلهم وتكفيرهم وتوصيفهم بالزندقة وتحذير المسلمين من الالتقاء بهم وقراءة كتبهم والاستماع إلى كلامهم، إلى غير ذلك مما كان يعدّ مكافحة سلبية، لا تصمد أمام ذلك السيل الجارف.

وفرقة قد أحسّوا بخطورة الموقف وأنّ المكافحة السلبية لها أثرها المؤقت، وإنّ ذلك الداء لو لم يعالج بالدواء الناجع سوف يعمّ المجتمع كلّه أو أكثره، فقاموا بمكافحة إيجابية، أي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الذي يستحسنه الإسلام، فأزالوا شبهاتهم، ونقدوا أفكارهم في ضوء العقل والبرهان، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً، وهؤلاء هم الشيعة خرّيجو مدرسة أهل البيت أوّلاً، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء ثانياً الذين أخذوا أُصول مذهبهم عن علي(عليه السلام) بواسطتين:

1. أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية.

2. محمّد ابن الحنفية ابن علي بن أبي طالب.

ففي تلك الأجواء المشحونة بالبحث والجدل استفحل أمر الكلام، أي العلم الباحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله لغاية الذب عن الإسلام، فكان


1 . مروج الذهب:3/489.


( 97 )

علم الكلام وليد الحاجة، ونتاج الصراع الفكري مع التيارات الإلحادية المتحديّة للإسلام والمسلمين، وفي هذه الظروف العصيبة قام أهل البيت(عليهم السلام) بتربية جموع غفيرة من أصحاب المواهب للذب عن الإسلام وأُصوله أوّلاً، وحريم الولاية ثانياً، في ضوء العقل والبرهان، فصاروا يناظرون كل فرقة ونحلة بأتقن البراهين وأسلمها، وقد حفظ التاريخ أسماء لفيف من الرافلين في حلل الفضائل والمعارف، وسوف توافيك أسماؤهم في هذه الموسوعة.

يقول الدكتور فيصل بدر عون أُستاذ جامعة عين شمس: على ضوء هذه الثقافات المتباينة انّه كانت توجد في الجزيرة العربية، وفي البلاد التي امتدت إليها الفتوحات الإسلامية فلسفات وعلوم وديانات متباينة، وكان لكلّ دين أو فلسفة أنصاره ومؤيدوه، وهؤلاء الأنصار أيضاً انقسموا فيما بينهم إلى شيع وأحزاب، ومع أنّ هذه الطوائف قد احتفظت بكثير من عناصرها وخصائصها الأصلية، فانّ امتزاجها قد أدّى فيما بعد إلى صعوبة التمييز بينها و بين معالم الدين الجديد، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من القول بأنّ معظم هذه الثقافات قد احتفظ بسماته العامة التي تميزه عن غيره، وهكذا أيضاً تجد انّ المسلمين قد ورثوا تراثاً إنسانياً ضخماً، كان عليهم أن يدرسوه ويمحّصوه ويضيفوا إليه ويقتبسوا منه ما يتفق ودينهم ويردّوا على الآراء التي لا تتفق والروح الإسلامية الجديدة.(1)

أقول: إنّ ما اقترحه الأُستاذ الفاضل من أنّه كان من واجب المسلمين دراسة التراث وتمحيصه، لم يعر له المشايخ أهمّيّة فقد حرّموا علم الكلام ودراسته وأدانوا الممارسين له، واستمرت فكرة التحريم إلى عصر أبي الحسن علي بن إسماعيل إمام الأشاعرة(260ـ324هـ) الذي كتب رسالة في استحسان الخوض في علم


1 . علم الكلام ومدارسه:31 ـ 32.


( 98 )

الكلام، وحاول بذلك القضاء على فكرة أهل الحديث المحرّمين لعلم الكلام والبحوث العقلية .

فمع أنّ الإمام تاب عن الاعتزال والتحق بركب الحنابلة، فمع ذلك استحسن الخوض في علم الكلام.

ولما كانت الرسالة تحتوي على نكات بديعة تعرب عن رسوخ الرجعيّة بين أهل الحديث وتعالج ذلك الداء العضال، فقد ارتأينا الإتيان بنصّها .قال بعد التسمية والحمد والتسليم :

رسالة الإمام الأشعري في استحسان الخوض في علم الكلام(1)

أمّا بعد فإنّ طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتّش عن أُصول الدين ونسبوه إلى الضلال، وزعموا أنّ الكلام في الحركة والسكون والجسم والعرض والألوان والأكوان والجزء والطفرة وصفات الباري عز ّوجلّ بدعة وضلالة، وقالوا: لو كان هدى ورشاداً لتكلّم فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وخلفاؤه وأصحابه! قالوا: ولأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يمت حتّى تكلم في كلّ ما يحتاج إليه من أُمور الدين، وبيّنه بياناً شافياً، ولم يترك بعده لأحد مقالاً فيما للمسلمين إليه حاجة من أُمور دينهم، وما يقربهم إلى اللّه عزّ وجلّ ويباعدهم عن سخطه; فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء ممّا ذكرناه، علمنا أنّ الكلام فيه بدعة، والبحث عنه ضلالة، لأنّه لو كان خيراً لما فات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولتكلّموا فيه، قالوا: ولأنّه ليس يخلو ذلك من وجهين: إمّا أن يكونوا علموه فسكتوا عنه، أو لم يعلموه بل جهلوه، فإن كانوا


1 . الرسالة طبعت للمرّة الثالثة في حيدر آباد الدكن (الهند) عام 1400هـ/1979 م، كما طبعت في ذيل كتاب اللمع للأشعري أيضاً.


( 99 )

علموه ولم يتكلموا فيه وسعنا أيضاً نحن السكوت عنه، كما وسعهم السكوت عنه، ووسعنا ترك الخوض كما وسعهم ترك الخوض فيه، ولأنّه لو كان من الدِّين ما وسعهم السكوت عنه، وإن كانوا لم يعلموه وسعنا جهله كما وسع أُولئك جهله، لأنّه لو كان من الدين لم يجهلوه، فعلى كلا الوجهين الكلام فيه بدعة، والخوض فيه ضلالة، فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأُصول.

قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه: الجواب عنه من ثلاثة أوجه:

أحدها: قلب السؤال عليهم بأن يقال: النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل أيضاً إنّه من بحث عن ذلك وتكلّم فيه فاجعلوه مبتدعاً ضالاً، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضُلاّلاً، إذ قد تكلّمتم في شيء لم يتكلّم فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وضلّلتم من لم يضلله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .

الجواب الثاني: أن يقال لهم: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يجهل شيئاً ممّا ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض، والحركة والسكون، والجزء والطفرة، وإن لم يتكلّم في كلّ واحد من ذلك معيناً، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة، غير أنّ هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة، أُصولها موجودة في القرآن والسنّة جملة غير منفصلة.

فأمّا الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن، وهما يدلاّن على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال اللّه تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم صلوات اللّه عليه وسلامه في قصة أُفول الكوكب والشمس والقمر(1)وتحريكها من مكان إلى مكان، ما دلّ على أنّ ربّه عزّ وجلّ لا يجوز عليه شيء من ذلك، وأنّ من جاز عليه الأُفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله.

وأمّا الكلام في أُصول التوحيد فمأخوذ أيضاً من الكتاب، قال اللّه


1 . الأنعام:75ـ79.


( 100 )

تعالى:(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا)(1) ، وهذا الكلام موجز منبه على الحجة بأنّه واحد لا شريك له، وكلام المتكلّمين في الحجاج في التوحيد بالتمانع والتغالب فإنّما مرجعه إلى هذه الآية، وقوله عزّ وجلّ: (مَا اتّخذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض)(2) ، إلى قوله عزّ وجلّ: (أَمْ جَعَلُوا للّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ).(3)

وكلام المتكلّمين في الحجاج في توحيد اللّه إنّما مرجعه إلى هذه الآيات التي ذكرناها، وكذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل إنّما هو مأخوذ من القرآن، فكذلك الكلام في جواز البعث واستحالته الذي قد اختلف عقلاء العرب ومن قبلهم من غيرهم فيه حتّى تعجبوا من جواز ذلك فقالوا: (أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ)(4) ، وقولهم: (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ)(5)، وقولهم: (مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَميمٌ)(6) ، وقوله تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ)(7) ،وفي نحو هذا الكلام منهم إنّما ورد بالحجاج في جواز البعث بعد الموت في القرآن تأكيداً لجواز ذلك في العقول، وعلّم نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولقّنه الحجاج عليهم في إنكارهم البعث من وجهين على طائفتين: منه طائفة أقرّت بالخلق الأوّل وأنكرت الثاني، وطائفة جحدت ذلك بقدم العالم فاحتج على المقر منها بالخلق الأوّل بقوله: (قُلْ يُحْييها الّذي أنشَأها أَوّلَ مَرّة)(8)، و بقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه)(9) وبقوله: (كَما


1 . الأنبياء:22.

2 . المؤمنون:91.

3 . الرعد:16.

4 . ق:3.

5 . المؤمنون:36.

6 . يس:78.

7 . المؤمنون:35.

8 . يس:79.

9 . الروم:27.


( 101 )

بَدأكُمْ تَعُودُونَ)(1)، فنّبههم بهذه الآيات على أنّ من قدر أن يفعل فعلاً على غير مثال سابق فهو أقدر أن يفعل فعلاً محدثاً، فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفكم، وأمّا الباري جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه فليس خَلْقُ شيء بأهون عليه من الآخر، وقد قيل: إنّ الهاء في «عليه» إنّما هي كناية للخلق بقدرته، إنّ البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخفّ عليه من ابتداء خلقه، لأنّ ابتداء خلقه إنّما يكون بالولادة والتربية وقطع السرة والقماط وخروج الأسنان، وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة، وإعادته إنّما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شيء، فهي أهون عليه من ابتدائه، فهذا ما احتجّ به على الطائفة المقرة بالخلق.

وأمّا الطائفة التي أنكرت الخلق الأوّل والثاني، وقالت بقدم العالم فإنّما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا: وجدنا الحياة رطبة حارة، والموت بارداً يابساً، وهو من طبع التراب، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخرة فيصير خلقاً سوياً، والضدّان لا يجتمعان، فأنكروا البعث من هذه الجهة.

ولعمري إنّ الضدّين لا يجتمعان في محلّ واحد، ولا في جهة واحدة، ولا في الموجود في المحل، ولكنّه يصحّ وجودهما في محلّين على سبيل المجاورة، فاحتجّ اللّه تعالى عليهم بأن قال: (الّذي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُون)(2)، فردّهم اللّه عزّ وجلّ في ذلك إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على برده ورطوبته، فجعل جواز النشأة الأُولى دليلاً على جواز النشأة الآخرة، لأنّها دليل على جواز مجاورة الحياة التراب والعظام النخرة، فجعلها خلقاً سوياً وقال: (كَما بَدَأْنا أَوّلَ خَلْق


1 . الأعراف:29.

2 . يس:80.


( 102 )

نُعِيدُهُ).(1)

وأمّا ما يتكلّم به المتكلّمون من أنّ الحوادث أوّلاً (2) وردهم على الدهرية أنّه لا حركة إلاّ وقبلها حركة، ولا يوم إلاّ وقبله يوم، والكلام على من قال: ما من جزء إلاّ وله نصف لا إلى غاية، فقد وجدنا أصل ذلك في سنّة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال: «لا عدوى ولا طيرة» فقال أعرابي: فما بال الإبل كأنّها الظباء تدخل في الإبل الجَربى فتجرب؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : فمن أعدى الأوّل؟ فسكت الأعرابي لما أفحمه بالحجة المعقولة.

وكذلك نقول لمن زعم أنّه لا حركة إلاّ وقبلها حركة: لو كان الأمر هكذا لم تحدث منها واحدة، لأنّ ما لا نهاية له لا حدث له، وكذلك لما قال الرجل: يا نبيّ اللّه! إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود وعرض بنفيه، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : هل لك من إبل؟ فقال: نعم! قال: فما ألوانها، قال: حمر، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): هل فيها من أورق؟ قال: نعم! إنّ فيها أورق، قال: فأنى ذلك؟ قال: لعل عرقاً نزعه، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : ولعلّ ولدك نزعه عرق. فهذا ما علّم اللّه نبيّه من ردّ الشيء إلى شكله ونظيره، وهو أصل لنا في سائر ما نحكم به من الشبيه والنظير.

وبذلك نحتج على من قال: إنّ اللّه تعالى و تقدّس يشبه المخلوقات، وهو جسم، بأن نقول له: لو كان يشبه شيئاً من الأشياء لكان لا يخلو من أن يكون يشبهه من كلّ جهاته، أو يشبهه من بعض جهاته، فإن كان يشبهه من كلّ جهاته وجب أن يكون محدثاً من كلّ جهاته، وإن كان يشبهه من بعض جهات وجب أن يكون محدثاً مثله من حيث أشبهه، لأنّ كلّ مشتبهين حكمهما واحد فيما اشتبها له،


1 . الأنبياء:104.

2 . بياض في الأصل.


( 103 )

ويستحيل أن يكون المحدث قديماً والقديم محدثاً، وقد قال تعالى وتقدّس: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(1) ، و قال تعالى وتقدّس: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحدٌ)(2).

وأمّا الأصل بأنّ للجسم نهاية وأنّ الجزء لا ينقسم فقوله عزّ وجلّ اسمه: (وَكُلُّ شَيْء أَحْصَيْناهُ في إِمام مُبين)(3)ومحال إحصاء ما لا نهاية له، ومحال أن يكون الشيء الواحد ينقسم(4) لأنّ هذا يوجب أن يكونا شيئين، وقد أخبر أنّ العدد وقع عليهما. وأمّا الأصل في أنّ المحدث للعالم يجب أن يتأتى له الفعل نحو قصده واختياره وتنتفي عنه كراهيته، فقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ * ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ)(5)، فلم يستطيعوا أن يقولوا بحجّة أنّهم يخلقون مع تمنّيهم الولد، فلا يكون مع كراهيته له، فنبّههم أنّ الخالق هو من يتأتى منه المخلوقات على قصده.

وأمّا أصلنا في المناقضة على الخصم في النظر فمأخوذ من سنّة سيّدنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك تعليم اللّه عزّ وجلّ إيّاه حين لقي الحبر السمين، فقال له: نشدتك باللّه هل تجد فيما أنزل اللّه تعالى من التوراة أنّ اللّه تعالى يبغض الحبر السمين؟ فغضب الحبر حين عيّره بذلك، فقال: «ما أنزل اللّه على بشر من شيء»، فقال اللّه تعالى: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتابَ الّذي جاءَ بهِ مُوسى نُوراً)(6) فناقضه عن قرب، لأنّ التوراة شيء، وموسى بشر، وقد كان الحبر مقراً بأنّ اللّه تعالى أنزل التوراة على موسى.


1 . الشورى:11.

2 . الإخلاص:4.

3 . يس:12.

4 . بياض في الأصل.

5 . الواقعة:58ـ 59.

6 . الأنعام:91.


( 104 )

وكذلك ناقض الذين زعموا أنّ اللّه تعالى عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسول حتّى يأتيهم بقربان تأكله النار، فقال تعالى: (قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ)(1) فناقضهم بذلك وحاجهم.

وأمّا أصلنا في استدراكنا مغالطة الخصوم فمأخوذ من قوله تعالى : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه حَصَبُ جَهَنَّم أَنْتُمْ لَها وارِدُون) ـ إلى قوله : ـ (لا يَسْمَعُون)(2) ، فإنّها لما نزلت هذه الآية بلغ ذلك عبد اللّه بن الزبعرى ـ و كان جدلاً خصماً ـ فقال: خصمت محمداً وربّ الكعبة، فجاء إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: يا محمد! ألست تزعم أنّ عيسى و عزيراً والملائكة عبدوا؟ فسكت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لا سكوت عي ولا منقطع، تعجباً من جهله، لأنّه ليس في الآية ما يوجب دخول عيسى و عزير والملائكة فيها، لأنّه قال: (وما تعبدون)ولم يقل و كلّ ما تعبدون من دون اللّه، وإنّما أراد ابن الزبعرى مغالطة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ليوهم قومه أنّه قد حاجّه، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: (إِنَّ الَّذينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنى)يعني من المعبودين (أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ)(3) فقرأ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك، فضجّوا عند ذلك لئلا يتبين انقطاعهم وغلطهم، فقالوا:(ءآلهتنا خيرٌ أَمْ هو)يعنون عيسى، فأنزل اللّه تعالى:(ولَما ضرب ابن مَرْيَم مَثلاً إِذا قَومك مِنْهُ يَصدّون)إلى قوله: (خَصِمُون)(4)، وكلّ ما ذكرناه من الآي أو لم نذكره أصل، وحجة لنا في الكلام


1 . آل عمران:183.

2 . الأنبياء:98ـ 100.

3 . الأنبياء:101.

4 . الزخرف:57ـ 58.


( 105 )

فيما نذكره من تفصيل، وإن لم تكن مسألة معيّنة في الكتاب والسنّة، لأنّ ما حدث تعيينها من المسائل العقليات في أيّام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والصحابة قد تكلّموا فيه على نحو ما ذكرناه.

والجواب الثالث: إن ّ هذه المسائل التي سألوا عنها قد علمها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يجهل منها شيئاً مفصلاً، غير أنّها لم تحدث في أيّام معيّنة فيتكلّم فيها، أو لا يتكلّم فيها، وإن كانت أُصولها موجودة في القرآن والسنّة، وما حدث من شيء فيما له تعلّق بالدين من جهة الشريعة فقد تكلّموا فيه وبحثوا عنه وناظروا فيه وجادلوا وحاجّوا، كمسائل العول والجدات من مسائل الفرائض، وغير ذلك من الأحكام، وكالحرام والبائن وألبتة وحبلك على غاربك. وكالمسائل في الحدود والطلاق ممّا يكثر ذكرها، ممّا قد حدثت في أيّامهم، ولم يجئ في كلّ واحدة منها نصّ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّه لو نصّ على جميع ذلك ما اختلفوا فيها، وما بقي الخلاف إلى الآن.

وهذه المسائل ـ و إن لم يكن في كلّ واحدة منها نصّ عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فإنّهم ردّوها وقاسوها على ما فيه نصّ من كتاب اللّه تعالى والسنّة واجتهادهم، فهذه أحكام حوادث الفروع، ردّوها إلى أحكام الشريعة التي هي فروع لا تستدرك أحكامها إلاّ من جهة السمع والرسل، فأمّا حوادث تحدث في الأُصول في تعيين مسائل فينبغي لكلّ عاقل مسلم أن يرد حكمها إلى جملة الأُصول المتّفق عليها بالعقل والحس والبديهة وغير ذلك، لأنّ حكم مسائل الشرع التي طريقها السمع أن تكون مردودة إلى أُصول الشرع الذي طريقه السمع، وحكم مسائل العقليات والمحسوسات أن يرد كلّ شيء من ذلك إلى بابه، ولا يخلط العقليات بالسمعيات ولا السمعيات بالعقليات، فلو حدث في أيّام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الكلام في خلق القرآن


( 106 )

وفي الجزء والطفرة بهذه الألفاظ لتكلّم فيه وبيّنه، كما بيّن سائر ما حدث في أيّامه من تعيين المسائل، وتكلّم فيها.

ثمّ يقال: النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يصحّ عنه حديث في أنّ القرآن غير مخلوق أو هو مخلوق، فلم قلتم: إنّه غير مخلوق؟

فإن قالوا: قد قاله بعض الصحابة وبعض التابعين، قيل لهم: يلزم الصحابي والتابعي مثل ما يلزمكم من أن يكون مبتدعاً ضالاً إذ قال ما لم يقله الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .

فإن قال قائل: فأنا أتوقّف في ذلك فلا أقول: مخلوق ولا غير مخلوق، قيل له: فأنت في توقّفك في ذلك مبتدع ضالّ، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقل: إن حدثت هذه الحادثة بعدي توقّفوا فيها ولا تقولوا فيها شيئاً، ولا قال: ضلّلوا وكفّروا من قال بخلقه أو من قال بنفي خلقه.

وخبرونا، لو قال قائل: إنّ علم اللّه مخلوق، أكنتم تتوقّفون فيه أم لا؟

فإن قالوا: لا، قيل لهم: لم يقل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أصحابه في ذلك شيئاً، وكذلك لو قال قائل: هذا ربّكم شبعان أو ريان، أو مكتس أو عريان، أو مقرور أو صفراوي أو مرطوب، أو جسم أو عرض، أو يشم الريح أو لا يشمها، أو هل له أنف وقلب وكبد وطحال، وهل يحج في كلّ سنة، وهل يركب الخيل أو لا يركبها، وهل يغتمّ أم لا؟ ونحو ذلك من المسائل، لكان ينبغي أن تسكت عنه، لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يتكلّم في شيء من ذلك ولا أصحابه، أو كنت لا تسكت، فكنت تبيّن بكلامك أنّ شيئاً من ذلك لا يجوز على اللّه عز وجلّ، وتقدس كذا وكذا بحجّة كذا وكذا.

فإن قال قائل: أسكت عنه ولا أُجيبه بشيء، أو أهجره، أو أقوم عنه، أو لا


( 107 )

أسلم عليه، أو لا أعوده إذا مرض، أو لا أشهد جنازته إذا مات.

قيل له: فيلزمك أن تكون في جميع هذه الصيغ التي ذكرتها مبتدعاً ضالاً، لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل: مَن سأل عن شيء من ذلك فاسكتوا عنه، ولا قال: لا تسلموا عليه، ولا: قوموا عنه، ولا قال شيئاً من ذلك، فأنتم مبتدعة إذا فعلتم ذلك، ولم لم تسكتوا عمّن قال بخلق القرآن، ولم كفّرتموه، ولم يرد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث صحيح في نفي خلقه، وتكفير من قال بخلقه.

فإن قالوا: إنّ أحمد بن حنبل ، قال بنفي خلقه، وتكفير من قال بخلقه، قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أحمد عن ذلك بل تكلّم فيه؟

فإن قالوا: لأنّ العباس العنبري ووكيعاً و عبد الرحمن بن مهدي وفلاناً و فلاناً قالوا إنّه غير مخلوق، ومن قال بأنّه مخلوق فهو كافر.

قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أولئك عمّا سكت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

فإن قالوا: لأنّ عمرو بن دينار و سفيان بن عيينة وجعفر بن محمد رضي اللّه عنهم وفلاناً وفلاناً قالوا: ليس بخالق ولا مخلوق.

قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أُولئك عن هذه المقالة، ولم يقلها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

فإن أحالوا ذلك على الصحابة أو جماعة منهم كان ذلك مكابرة. فإنّه يقال لهم: فلم لم يسكتوا عن ذلك، ولم يتكلّم فيه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) . ولا قال: كفروا قائله، وإن قالوا: لابدّ للعلماء من الكلام في الحادثة ليعلم الجاهل حكمها، قيل لهم: هذا الذي أردناه منكم، فلم منعتم الكلام، فأنتم إن شئتم تكلّمتم، حتّى إذا انقطعتم قلتم: نهينا عن الكلام; وإن شئتم قلّدتم من كان قبلكم بلا حجّة ولا بيان، وهذه شهوة وتحكّم.


( 108 )

ثمّ يقال لهم: فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتكلّم في النذور والوصايا، ولا في العتق، ولا في حساب المناسخات، ولا صنف فيها كتاباً كما صنعه مالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة، فيلزمكم أن يكونوا مبتدعة ضلالاً إذ فعلوا ما لم يفعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقالوا ما لم يقله نصاً بعينه، وصنّفوا ما لم يصنّفه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقالوا بتكفير القائلين بخلق القرآن ولم يقله النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). وفيما ذكرنا كفاية لكلّ عاقل غير معاند.

نجز والحمد للّه، وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم.


( 109 )

8

بدايات الخلاف

في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد رحيله

ذكر أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479ـ 548هـ) بدايات الخلاف بين المسلمين في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعده، ولكنّها بدايات خلاف وليست بدايات خلاف في مسائل كلاميّة، وكان عليه عقد فصل لبدايات الخلاف وفصل آخر لبدايات الخلاف في المسائل الكلاميّة. وها نحن نذكر كلتا البدايات في مقامين:

المقام الأوّل: في بدايات الخلاف في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بما أنّه لا ينطق عن الهوى وأنّ ما يقوله ويفعله إنّما هو وحي يُوحى إليه ـ كان سدّاً منيعاً لنشوء الخلاف، ولو حصل هناك خلاف بين الصحابة فإنّما هو خلاف سطحي، يرتفع غالباً بإرشاداته وتوجيهاته، ونحن نذكر نموذجين من ذلك:

1. قسّم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أموال بيت المال بين المسلمين في غزوة الطائف،


( 110 )

ووزّع الخمس (الذي هو حقّه الخاص به) بين أشراف قريش الحديثي عهد بالإسلام بُغية تأليف قلوبهم، فأعطى من هذا المال لأبي سفيان بن حرب، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث بن الحارث، والحارث بن هشام، و سهيل بن عمرو، و حويطب بن عبد العزّى، والعلاء بن جارية، وصفوان بن أُمية، وغيرهم ممّن كانوا يعادونه إلى الأمس القريب، فأعطى لكلّ واحد منهم مائة بعير.(1)

لقد شق هذا الأُسلوب في تقسيم الغنائم على الأنصار لجهلهم بالمصالح الّتي كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يراعيها ويتبنّاها في هذا التقسيم وكانوا يتصوّرون انّ التعصب القَبَلي هو الذي دفع بالرسول إلى تقسيم خمس الغنيمة بين أبناء قبيلته، فجاء ذو الخويصرة التميمي فقال لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بكل وقاحة: يا محمّد قد رأيتُ ما صنعتَ في هذا اليوم لم أرك عدلتَ، فغضب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من كلامه، فقال: ويحك إذا لم يكُن العدلُ عندي فعند من يكون؟ فطلب عمر بن الخطاب من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأذن له بقتله، فلم يأذن له، ثمّ أخبر(صلى الله عليه وآله وسلم) عن مصيره السيِّئ، وقال:

دعه فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتّى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية.(2)

2. رفع سعد بن عبادة شكوى الأنصار حول كيفية تقسيم الخمس، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : إجْمع مَنْ كان هاهنا من الأنصار، فتكلّم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد حمد اللّه وثنائه وقال:

«يا معشر الأنصار ما مَقالةٌ بلغتني عنكم وجدَةٌ وجدتموها في أنفسكم؟ ألم


1 . السيرة النبوية:3/443; إمتاع الأسماع:423.

2 . السيرة النبوية:2/496; السيرة الحلبية:3/123.


( 111 )

آتكم ضُلاّلاً فهداكم اللّه، وعالة فأغناكم اللّه، وأعداءً فألّف اللّه بين قُلوبكم»؟!

قالوا: بلى، اللّه ورسوله أمَنُّ وأفضلُ!

قال:

«ألا تجيبوني يا معشر الأنصار»؟

قالوا: وماذا نجيبك يا رسول اللّه؟ لرسول اللّه المَنُّ والفضل.

قال:

«أما واللّه لو شِئْتُمْ قُلْتُمْ فَصدَقْتُم، أتيتَنا مكذَّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناكَ، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك!وَجدتُم في أنفسِكُم يا معشرَ الأنصار في شيء من الدُّنيا، تألّفتُ به قوماً ليسلمُوا ووكَلتُكُمْ إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم؟

والذي نفسُ محمّد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْباً وسلكتِ الأنصار شِعْباً لسلكتُ شِعْب الأنصار».

ثمّ ترحّم على الأنصار وعلى أبنائهم وعلى أبناء أبنائهم فقال:

«اللّهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار».

وقد كانت كلمات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هذه من القوة والعاطفة بحيث أثارت مشاعر الأنصار، فبكوا بعد سماعها بكاء شديداً حتّى اخضلّت لحاهُمْ بالدُّموع وقالوا: رَضينا يا رسول اللّه حظّاً وقسماً!!!

ثمّ انصرف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) و تفرّقوا.(1)


1 . السيرة النبوية:2/ 498 و 499; المغازي:3/957 و 958.


( 112 )

نعم قد وقع في عصر الرسول خلاف بينه و بين بعض أصحابه لم يحسم في حياته بل بقى الخلاف إلى أن قبض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك شيئاً من هذا القسم.

1. تجهيز جيش أُسامة

كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مهتماً بالرّوم ويرى أنّهم يشكّلون خطراً كبيراً على الدولة الفتيّة الإسلامية، ولأجل ذلك سار في العام التاسع من هجرته إلى تبوك مع ثلاثين ألفاً من أصحابه، وجاء فلم ير هناك أثراً للعدوّ وعقد مواثيق مع رؤساء القبائل في المنطقة ورجع إلى المدينة وجهّز في أُخريات عمره، وقبل أن يطرأ عليه المرض جيشاً أمّر عليه أُسامة بن زيد الذي كان أبوه أيضاً أميراً على الجيش، وغزا في أرض مؤتة وكان الناس على استعداد للنفر وقد اجتمع كثير منهم في معسكر «جُرَف» .

عقد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اللواء لأُسامة، ثمّ مرض بشدة وأصابه صداع شديد ألزمه الفراش واستمرّ المرض عدّة أيّام حتّى قضى عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعندما شاهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو طريح الفراش استثقال صحابته في النفر و الحركة إلى تبوك، خرج من البيت وقال: جهّزوا جيش أُسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة .

وقال قوم: قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، نَصْبر حتى نُبْصِر أيّ شيء يكون من أمره.

وعلى كلّ تقدير لم يتحقّق أحد آمال النبي في أيّام حياته، بسبب فقدان الانضباط بين الصحابة والذي أبداه فريق من شيوخ القوم وأعيان الجيش.


( 113 )

2. الأمر بإحضار القلم والدواة

لمّا اشتدّ مرض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وحضر عنده أعيان صحابته، أمر بإحضار القلم والدواة والقرطاس ليكتب لهم شيئاً حتّى لا يضلّوا بعده، وقد ذكر ذلك مسلم في صحيحه كما ذكره البخاري في صحيحه في عدّة مواطن، ونحن نذكر ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن ابن عباس، قال:

لمّا حُضِـرَ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : هلمّ ، أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده، فقال عمر: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت فاختصموا... فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع .

وكان ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وبين أن يُكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(1)

الخلافات بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

كان وجود الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين، يمثّل ـ غالباً ـ سدّاً منيعاً أمام نشوب الخلاف والشقاق بينهم، وبعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) بدأ النزاع بينهم في المسائل الفقهية والعقائدية... وأخذ يتّسع شيئاً فشيئاً إلى أن بلغ درجة، تفرّقوا معها إلى فرق ومذاهب مختلفة.

والخلافات بعد رحيله تنقسم إلى قسمين:


1 . صحيح مسلم:5/76، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه من كتاب الوصية.


( 114 )

1. الخلافات الفرعية كالخلاف في موضع دفنه ، فقد اتّفقوا بعد الخلاف على دفنه في بيته لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «الأنبياء يُدفنون حيث يَموتون». ونظيره الخلاف في أمر فدك وأنّ النبي يورث أو لا، فادّعى أبو بكر أنّه سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، وخالفه علي (عليه السلام)وبنت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وجميع أهل البيت (عليهم السلام) في أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يُورِّث كما يُورث الآخرون، وأنّ ما رواه أبو بكر خبر واحد مخالف للقرآن الكريم حيث ورث أبناء الأنبياء آباءَهم.

ولو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كسائر الأنبياء لا يُورِّث، كان عليه أن يبيّن ذلك لأولاده حتّى لا يدّعوا بعده ما ليس لهم، كما عمل بذلك في باب الزكاة و قال: إنّ الصدقة حرام على آل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .

2. الخلافات الأُصولية أهمّها مسألة الإمامة بعد رحيل الرسول، وقد عدّ الشهرستاني ذلك الخلاف أعظم خلاف بين الأُمّة وقال: «ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان».

إنّ الخلافة في العقيدة الشيعية منصب إلهي كالنبوة يعطى لأفضل أفراد الأُمّة وأصلحهم وأعلمهم، والفرق الواضح بين الإمام والنبي، هو أنّ النبي مؤسس الشريعة، و يوحى إليه، ويتلقّى الكتاب من لدن اللّه تعالى، والإمام وإن كان لا يتمتع بواحد من هذه الشؤون، إلاّ أنّه يقوم بوظائف النبيّ كلّها ـ عدا ما استثنى ـ كنشر الإسلام، وتفسير الكتاب، وتبيين الأحكام، وقيادة المسلمين، و....

نعم الإمامة عند أهل السنّة مسألة فرعية من مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعلى كلّ تقدير فإنّ هذا الخلاف هو الأساس لعامة الخلافات، ولو كانت الصحابة عملت بوصية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في أهل بيته حيث قال في غير موضع: «إنّي


( 115 )

تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا...» لذابت سائر الخلافات بين المسلمين، وذلك لأنّ أهل البيت(كما في حديث الثقلين)، هم المرجع العلمي للأُمّة، والخلافات تُردّ إليهم، فيكون رأيهم وقضاؤهم هو الرأي الحاسم والقاطع ولكن القوم ـ عفا اللّه عنّا وعنهم ـ أقصوا أئمّة أهل البيت وطمعوا في الخلافة ورغبوا عن الإمامة، فلو كانوا مقدّمين مَن قدّم اللّه ومؤخّرين مَن أخّر اللّه، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وكان المسلمون يداً واحدة دون أية فرقة وشقاق.

هذا وقد تفاقم الأمر بعد رحيل الرسول في مسائل كثيرة، لعدول الأكثر عن الخط الذي رسمه لهم الرسول، وهو التمسّك بأئمّة أهل البيت بعد رحيله فيما يرجع إلى دينهم ودنياهم، ونودّ أن نشير إلى هذه الأُمور بإيجاز:

1. تولّى أبو بكر الخلافة قرابة ثلاث سنين وأوصى بها بعد وفاته إلى عمر بن الخطاب خلافاً للأصل الذي كانوا يتبنّونه في السقيفة من اختيار الخليفة عبر البيعة، فلمّا ولاّه الخلافة واجه رفض بعض الأصحاب واعتراضهم، وقالوا له: قد ولّيتَ علينا فظّاً غليظاً.

2. تسنّمَ عثمان عرش الخلافة بشورى سداسية، عيّن أعضاءَها عمرُ بن الخطاب، الذي تناسى الأصل في تعيين الخليفة من حديث البيعة ولما استتبّ لعثمان الأمر ارتكب أُموراً كثيرة نقموا بها عليه:

منها: ردّه الحكم بن أُميّة إلى المدينة بعد أن طرده رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)(وكان يسمّى طريد رسول اللّه) وبعد أن تشفّع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخاً.

ومنها :نفيه أبا ذر إلى الربذة.

ومنها: تزويجه مروان بن الحكم بنته وإعطاؤه خمس غنائم أفريقية وقد بلغ


( 116 )

مائتي ألف دينار.

ومنها: إيواؤه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح (وكان رضيعه )بعد أن هدر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دمه وتوليته إياه مصر بأعمالها.

ولما عاد الحقّ إلى نصابه وأخذ الإمام علي(عليه السلام) زمام الخلافة نكثت طائفة كالزبير وطلحة، وقسطت طائفة أُخرى كمعاوية وأتباعه، ومرقت طائفة ثالثة وهم الخوارج، والحديث ذو شجون، والتاريخ متكفّل لبيانها.


( 117 )

المقام الثاني

بدايات المسائل الكلامية

إنّ ما ذكر كان إلماماً عابراً بالخلافات التي سبّبت شقاق المسلمين واختلافهم، وحان الكلام في المقام الثاني وهو المسائل الكلامية الّتي أوجدت الفرق الكلامية، وإليك جذور هذه المسائل.

1. الإمامة تنصيصية أو انتخابية؟

إنّ الاختلاف في الإمامة الذي نشب في السقيفة وحتى بعد زمن، كان اختلافاً سياسياً لا كلامياً، ولم يكن مبنيّاً على قاعدة دينية وجدال كلامي، يظهر ذلك من المحادثات التي جرت في السقيفة وبعدها، وكان الأنصار يرون أنفسهم أولى بإدارة الأُمور لأنّهم آووا النبي ونصروه، وكان المهاجرون يرون أنفسهم أولى بها لأنّهم أصل النبي وعشيرته، إلى أن غلب منطقُ المهاجرين منطقَ الأنصار، فخرج أبو بكر من السقيفة ظافراً بعدما بايعته قبيلة الأوس وخمسة أشخاص من المهاجرين.

وأمّا في أواسط القرن الأوّل ، فقد أصبحت مسألة الإمامة مسألة كلامية، وأنّ الإمامة منصب تنصيصي أو منصب انتخابي.


( 118 )

2. مسألة التحكيم

لما قَبِل عليّ (عليه السلام) التحكيم تحت ضغط طائفة من أصحابه (الذين أصبحوا فيما بعدُ من الخوارج)ندم الذين فرضوا التحكيم على عليّ، وقالوا: إنّ تحكيم الرجال على خلاف القرآن الكريم لقوله سبحانه: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّه...).(1)

والفارق بين خلاف الناكثين والقاسطين وبين خلاف المارقين هو أنّ خلاف الطائفتين الأُوليين لم يكن قائماً على أساس ديني أو قاعدة دينية، بخلاف الخوارج فإنّ اختلافهم كان مبدئياً حيث كانوا يردّدون كلمة «لا حكم إلاّ للّه» و كان علي (عليه السلام) وابن عباس يحتجّان عليهم بالقرآن والسنّة.

3. حكم مرتكب الكبيرة

لمّا ظهر التطرف في خلافة عثمان ودبّ الفساد في أجهزة الحكم وأنصارهم نجمت مسألة كلامية ، تدور حول حكم مرتكب الكبيرة، وقد استفحل أمرها فيما بعد أيّام محاربة الخوارج للأمويين الذين كانوا معروفين بالفسق والفجور، وسفك الدماء وغصب الأموال، فكان الخوارج يحاربونهم بحجّة أنّهم كفرة لا حرمة لدمائهم ولا لأعراضهم لاقترافهم الكبائر.

فاختلفوا إلى أقوال:

أ. مرتكب الكبيرة كافر.

ب. مرتكب الكبيرة فاسق منافق.


1 . يوسف:40.


( 119 )

ج. مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق.

د. مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل منزلة بين المنزلتين.

فالأوّل خيرة الخوارج، والثاني مختار الحسن البصري، والثالث مختار الإمامية وأهل الحديث وتبعهم الأشاعرة، والرابع نظرية المعتزلة.

4. تحديد مفهوم الإيمان

وقد انبثق من النزاع السابق نزاع آخر يتعلّق بتحديد مفهوم الإيمان، وهل أنّ العمل داخل في حقيقة الإيمان أو لا؟

فالخوارج والمعتزلة على الأوّل، فمن لا عمل له فلا إيمان له.

والشيعة ومن وافقهم على الثاني، وأنّ العمل وإن كان من أركان الإيمان إلاّ أنّ الإيمان يزيد وينقص، فالعمل شرط النجاة لا شرط تحقّق الإيمان .

5. الإرجاء والمرجئة

كان الخوارج يشنُّون الغارة على كلّ من ارتكب معصية كبيرة ـ ولو مرّة واحدة ـ ويرونه كافراً فاقداً للإيمان، فكان لتلك الفكرة ردُّ فعل سيّء وهو إيلاء الاهتمام بالإيمان القلبي وإقصاء العمل، فظهرت طائفة اشتهرت بالمرجئة وكانوا يهدفون إلى تقديم الإيمان وتأخير العمل، ويقولون «لا يضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة».

وهذه الفكرة مع سذاجتها يوم نشوئها تحوّلت إلى الإباحية، وفتحت أبواب المعاصي أمام المسلمين بلا اكتراث.


( 120 )

6. القضاء والقدر

قد ثبت في محلّه أنّ اليهود كانوا يولون اهتماماً واسعاً بالتقدير، وقد رسخت الفكرة في الأوساط العربية في عصر الجاهليّة حتّى أن عمر بن الخطاب نسب انهزام المسلمين في يوم حنين إلى تقدير اللّه سبحانه.(1)مع أنّ القرآن يشهد على خذلان الصحابة للنبي، وتولّيهم في ميدان الحرب.

قد كان(2)ت فكرة القدر راسخة في أذهان الصحابة، القدر الذي كان يُفسّر بسلب الاختيار عن الإنسان وتفويض مصير الإنسان إلى عالم التقدير فكأنّ الإنسان ريشة في مهبِّ الريح العاصف، روى عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم. قال: اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟! قال: نعم، يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ(3)أنفك.

لا شكّ أنّ القضاء والقدر من المعارف القرآنية التي لا يمكن لأحد إنكارها ولا تأويلها غير أنّ الكلام في موضعين:

1. هل القضاء والقدر يسلبان الاختيار عن الإنسان في الأعمال التي يُجازى بها الإنسان ويثاب عليها؟

2. هل يحقّ للحكّام تبرير أعمالهم الجنائية بالقضاء والقدر،مثلما كان الأمويون يفعلون ذلك؟

يقول أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّه يريد أفعال العباد كلّها.(4)


1 . الواقدي، المغازي:3/904.

2 . التوبة:25.

3 . السيوطي، تاريخ الخلفاء:95.

4 . الأوائل:2/135.


( 121 )

7. مسألة التشبيه والتنزيه

قد تقدّم أنّ التوراة ملئت بالمتشابهات مثل الصورة والمشابهة والتكليم جهراً، والنزول على طور سيناء انتقالاً، والاستواء على العرش استقراراً، وجواز الرؤية، وغير ذلك.

فصار التشبيه والتجسيم شعاراً لليهود أو لصنوف منهم، ويكفيك أنّ التوراة تصف اللّه بصورة إنسان وله صورة، وتقول: خلق اللّه آدم على صورته وتقول: فرغ اللّه في اليوم السادس من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع، وأنّه يمشي بين رياض الجنّة وله نداء، إلى غير ذلك ممّا ورد في العهد القديم من التشبيه والتجسيم والتمثيل. (1)

وقد دسّ الأحبار كثيراً من البدع بين الأحاديث لاعتماد الرواة على أُناس; نظراء: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وتميم الداري، وغيرهم; وأصبحت مسألة التشبيه والصفات الخبرية ذات أهمية بين المسلمين، وقد أخذت طريقها إلى الصحاح والمسانيد وكتب التفسير.

8. النسخ في الشريعة

قد سبق(2) أنّ اليهود تبنّت امتناع النسخ في الشريعة، فقالوا: لا يكون بعد شريعة موسى أيّة شريعة، لأنّ النسخ بداء، والبداء لا يجوز على اللّه، وبذلك صارت مسألة النسخ مسألة كلامية.


1 . التوراة، سفر التكوين: نشأة العالم والبشرية، ص 70، ط دار المشرق، بيروت.

2 . راجع ص 91.


( 122 )

9. عصمة الأنبياء

إنّ أبرز ما يفترق فيه القرآن عن العهدين هو مسألة صيانة رجال الوحي والهداية عن الذنب والعصيان، خلافاً للتوراة وبعض ما ورد في الإنجيل، فقد جاء فيهما أساطير خيالية تمس كرامة اللّه أوّلاً، ثمّ كرامة الأنبياء ثانياً، فالأنبياء يشربون الخمر ويمكرون ويقترفون الزنا!!

10. حدوث القرآن وقدمه

إنّ مسألة حدوث القرآن وقدمه أو خلق القرآن وعدم خلقه طرحت في أيام المأمون وشقّت عصا المسلمين ووحدتهم النسبية إلى طرفين، وكانت يد يوحنا الدمشقي تلعب بهذا الأمر من وراء الستار، وكان يحاول أن يثبت قدم عيسى ـ بما أنّه كلمة اللّه ـ بالقول بقدم القرآن.

11. التحسين والتقبيح العقليان

شغلت قاعدة التحسين والتقبيح العقليين بال الكثيرين من أقدم العصور إلى يومنا هذا، إذ قلّما يتّفق لباحث أن يخوض في الكلام والأخلاق دون أن يشير إليها.

وقد صارت القاعدة أساساً لعدّة مسائل كلامية، نأتي برؤوسها:

1. وجوب معرفة اللّه عقلاً.

2. وصفه بالعدل والحكمة.

3. لزوم اللطف على اللّه.


( 123 )

4. بعثة الأنبياء.

5. حسن التكليف.

6. لزوم تزويد الأنبياء بالبيّنات والمعاجز.

7. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة.

8. العلم بصدق دعوى الأنبياء.

9. الخاتمية واستمرار أحكام الإسلام.

10. اللّه عادل لا يجور.

11. ثبات الأخلاق والقيم.

هذه بدايات علم الكلام في القرنين الأوّلين، وتوالى البحث حول مسائل أُخرى إلى أن أصبح علماً متكامل الجوانب يواكب علم الفلسفة في بحوثه الثلاثة:

1. الأُمور العامة.

2. الطبيعيات والفلكيات.

3. الإلهيات بالمعنى الأخصّ.

لا شكّ أنّ أكثر ما احتفلت به الكتب الكلامية في حقل الطبيعيات والكلّيات وما يرجع إلى الجوهر والعرض كان اقتباساً ممّا نقله المترجمون عن الإغريقيين وغيرهم من الهنود والفرس، وأمّا ما يرجع إلى الإلهيات فللإسلاميين فيها دور فعال لا ينكر، خصوصاً الفلاسفة منهم، فقد أسسّوا قواعد، وكشفوا أُصولاً فلسفية لم يسبقهم إليها أحد.

هذا وقد نقل سيّد مشايخنا العلاّمة الطباطبائي في مقال له أُلقي في الذكرى المئوية لميلاد صدر المتألهين:« إنّ المسائل الفلسفية الموروثة عن اليونانيين وغيرهم


( 124 )

لم تكن تتجاوز مائتي مسألة، وقد تكاملت بأيدي فلاسفة الإسلام ومتكلّميهم إلى أن بلغت سبعمائة مسألة»، لكنّه (قدس سره)لم يشر إلى عناوين المسائل المنقولة، والمسائل المؤسَّسة، ويا ليته كان يشير إلى عناوين هذه المسائل ليريح الآخرين من القيام بالعبء الثقيل في طريق تمييز هذين النوعين من المسائل.

قال الدكتور شبلي شميل: إنّ الفلسفة الإلهية بلغت بين المسلمين شأواً ولكن البيئات النصرانية لم تستطع أن تحتفظ بها، وصارت الفلسفة بعد الانتشار بينهم محكومة بالفناء والاندثار، حتّى قام رجال الكنائس يكافحونها بكلّ قوة غير ما يرجع إلى لاهوتية المسيح. (1)

لو كانت تلك الفلسفة الإسلامية (المشيّدة القواعد والمحرّرة المسائل) منتشرة بين أبناء الغرب لما ظهر بينهم ما ظهر من المسالك المتناقضة والمذاهب المتبدّدة التي يقضي الوجدان السليم ببطلانها.

ولو كانت الفلسفة الإسلامية دارجة يرجع إليها المادي في شبهاته وشكوكه والإلهي في تقويم عقائده وتحكيم مبانيه، لما ظهر سلطان المادي في البيئات العلمية.

ولو كانت الفلسفة الإسلامية سائدة على المفكّرين من الغربيين لما تسنّى للسوفسطائي أن يبث تلك الدعاوي الفارغة والأساطير المكذوبة حينما قضى الدهر على أسلافهم بالفناء والهلاك، فجاء أخلافهم بعد لأي من الدهر يقتفون آثار آبائهم وأجدادهم البالية.


1 . النشوء والارتقاء، الجزء الثامن حول القرآن والعمران .


( 125 )

9

العوامل المؤثرة في نشوء

المدارس الكلاميّة

من أبرز العوامل التي أدّت إلى نشوء المدارس الكلامية، هو الاختلاف في الأُصول، الذي انتهى إلى تأسيس مسالك مختلفة مع اتفاق الكلّ على أنّ الغاية من تأسيس علم الكلام هي الذبّ عن الإسلام، أُصوله وفروعه.

وتتلخص الأُصول التي أوجد الاختلافُ فيها فجوة كبيرة بين الآراء والأفكار، في أُمور أهمّها:

1. الصفات الذاتية

لا شكّ أنّه سبحانه موصوف بالعلم والقدرة والحياة وغيرها من الصفات الجمالية، والسؤال: هل هذه الصفات هي غير الذات مفهوماً و عينها ذاتاً ومصداقاً، أو هي غير الذات مطلقاً، مفهوماً ومصداقاً؟ فالعدلية على الأوّل، والأشاعرة على الثاني.

ثمّ إنّ القائلين بالوحدة على طائفتين:


( 126 )

الأُولى: انّ الصفات الجمالية متحقّقة في الذات، لكن لا تغاير بين الموصوف والوصف وجوداً، وإن كان بينهما تغاير مفهوماً، فالذات كلّها علم، وكلّها قدرة، وكلّها حياة وهكذا، ولا مانع من أن يكون قسم من الصفات ـ كالعلم ـ أمراً قائماً بالغير كما في الممكنات، وقسم منه أمراً قائماً بالذات كما في الواجب عزّ اسمه، وهذا مذهب الإمامية.

الثانية: انّ الذات نائب مناب الصفات، فالذات ببساطتها، تقوم بكلّ ما تقوم به الأوصاف، فكما أنّ الذات الموصوفة بالعلم والقدرة، والحياة يصدر منها الفعل بالعلم والإتقان ، وهكذا ذاته سبحانه، النائبة مناب الصفات، يكون فاعلاً عالماً و متقناً لفعله، وهذا هو القول بالنيابة، وبه قال بعض المعتزلة.

يقول الحكيم السبزواري:

والأشعـري بازديـاد قـائله *** وقـال بـالنيابـة المعتـزلـه(1)

2. الصفات الخبرية

والمراد، ما وصف به سبحانه نفسه في القرآن والحديث فأثبتا له اليد و الاستواء والعين وغيرها، فقد أوجد تفسير هذه الصفات اختلافاً عظيماً بين المتكلّمين; فالأشاعرة على حملها بمعانيها اللغوية على اللّه سبحانه غاية الأمر «يقولون الكيف مجهول» وقد عُرِفُوا بالمثبِتة، أي مثبتة الصفات; والمعتزلة على تأويل اليد بالقدرة، والاستواء على الاستيلاء وقد عرفوا بنفاة الصفات أوبالمؤوّلة.

وأمّا الإمامية فقد ذهبوا إلى أنّ المتبع هو الظهور التصديقي، لا التصوّري،


1 . شرح المنظومة للسبزواري:156.


( 127 )

وإن شئت قلت: المتبع هو الظهور الجُمْلي لا الإفراديّ، واليد والاستواء والعين وإن دلّت بظهورها التصوريّ أو الإفرادي على التشبيه والتجسيم لكنّه ليس بمتَّبع، بل المتَّبع هو الظهور التصديقي، وهو المعاني التي كنّي عنها بهذه الألفاظ، وكلام العرب مشحون بالكنايات، والتفصيل في محله.

3. الصفات الفعلية

ما يصدر عنه سبحانه من الخلق والرزق، والرحمة والعذاب صفات فعلية، فوقع الكلام فيما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز، فالمعتزلة والإمامية على تحديد فعله سبحانه من خلال الإمعان في بعض صفاته ككونه حكيماً عادلاً، بالعدل والحكمة، فقالوا: يمتنع عليه سبحانه، التكليف بما لا يطاق، أو تعذيب المطيع، بخلاف الأشاعرة حيث إنّه سبحانه عندهم فوق أن يقع في إطار التحديد، حتّى يوصفَ بعضُ أفعاله بالوجوب والآخرُ بالامتناع، فيجوّزون التكليف بالمحال، وتعذيب المطيع.

4. العدل

اتّفق المتكلّمون على وصفه سبحانه بالعدل، إنّما اختلفوا في تفسيره، فالأشاعرة على أنّ الدليل على وصفه سبحانه به، هو السمع، وعلى ذلك فكلّ ما صدر منه سبحانه فهو عدل، سواء أكان عدلاً، عند العقل أم لا، خلافاً للإمامية والمعتزلة فانّ الدليل على وصفه بالعدل هو العقل، ولو دلّ السمع على أنّه عادل فهو مؤيّد له، و العقل بنفسه يميّز مصداق العدل عن خلافه; وعلى ضوء ذلك، يستحيل صدور ما يعد ظلماً في منطق الفعل، فتكليف العاجز وتعذيب الطفل


( 128 )

الصغير، خلاف العدل، ونفس الظلم عند العدلية.

إنّ الاختلاف في تفسير العدل ينشأ من الاختلاف في المسألة التالية، وكأنّها هي المصدر الوحيد، لنشوء أكثر المدارس الكلامية.

5. التحسين والتقبيح العقليان

إنّ القائلين بذاتيّة التحسين والتقبيح، يفسرونها بالقول: إنّ الفعل الصادر من الفاعل المختار، سواء أكان واجباً أم ممكناً، إذا نظر إليه العقل وتجرّد عن كلّ شيء يستقل إمّا بحسنه وانّه يجب أن يفعل، أو بقبحه وانّه يجب أن يترك، بغضّ النظر عمّا يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، أو بغضّ النظر عن موافقته لغرض الفاعل أو مخالفته، فانّ كلّ هذه الضمائم ممّا لا حاجة إليها في قضاء العقل بالحسن والقبح، فكأنّ نفس الفعل علّة تامة ـ عند اللحاظ ـ لحكم العقل بالحسن أو القبح.

فإذا كان الشيء بذاته حسناً فهو حسن عند الكلّ يجب أن يفعل، وإذا كان الشيء قبيحاً فهو قبيح عند الكلّ يجب أن يترك، وبهذا يتميز ما يجب للّه تعالى، عمّا لا يجوز عليه ويترتّب على ذلك:

1. قبح التكليف بغير المقدور، وبالتالي امتناعه.

2. قبح تعذيب البريء وبالتالي امتناعه.

3. قبح تزويد المتنبّئ الكاذب بالمعجزة وبالتالي امتناعه.

4. قبح تضليل العباد وبالتالي امتناعه.

5. حسن العمل بالوعد، وبالتالي لزومه ووجوبه.


( 129 )

6. حسن العصمة في الأنبياء، وبالتالي لزومه ووجوبه.

7. حسن انتخاب الأصلح، وبالتالي لزومه ووجوبه.

إلى غير ذلك من الآثار المترتبة على التحسين والتقبيح العقليّين، على خلاف القول بعجز العقل عن إدراك ما هو الحسن والقبيح، فالقائل به لا يعترف بواحد من هذه الآثار وبذلك تتسع الفجوة بين القائلين، وتحدث مسالك ومدارس كلامية.

6. القضاء والقدر

إنّ القضاء والقدر من المعارف العليا وقد تضافرت الآيات والروايات على وقوع كلّ ما في الكون في إطار التقدير والقضاء واعترف به العدلية من المتكلّمين غير أنّ الكلام في تفسيرهما، فالأشاعرة يعطون للقدر سيادة على نحو يسلب الاختيار عن الإنسان، ويجعله كالريشة في مهب الريح اغتراراً ببعض الروايات المستوردة، فالقدر عندهم إله ثان والذي له السيطرة على الكون والإنسان، وليس للإنسان محيص إلاّ عن سلوك ما قُدّر، وتطبيق العمل على ما قُضي سواء أكان حُلواً أم مُرّاً; غير أنّ العدلية، مع الاعتراف بعمومية القدر والقضاء لأفعال الإنسان، يفسرونهما على نحو لا يسلب المسؤولية عن الإنسان، وذلك ببيان أنّ المقدر ليس صدور الفعل من الإنسان بأي نحو شاء، بل المقدّر، صدوره منه عن إرادة واختيار، عن رؤية وتفكير.

هذه هي الأُصول المكونة للمدارس الكلامية المختلفة عبر العصور، وقد اقتصرنا على الرئيسية منها:

وهناك عوامل أُخرى غير رئيسية، انتهت إلى ظهور آراء في المسائل العقائدية، يرجع لبُّها إمّا إلى إعوجاج في الفكر وتفسير الآيات والروايات على غير


( 130 )

وجهها; أو تبنّي المدّعى أوّلاً، ثمّ طلب الدليل ثانياً.

فنحن نشير إلى أُمّهات المدارس الكلامية حسب تاريخ تكوينها، ونترك الفروع المشتقة من كلّ مدرسة، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «بحوث في الملل والنحل».


( 131 )

10

المدارس الكلاميّة

المهمّة

نخصّ هذا الفصل بدراسة المدارس الكلامية بمناهجها المختلفة وهي كثيرة، ولكلّ منهج، أُصول وكتب، وبُناة ودعاة، ولا يمكننا بسط الكلام فيها، فانّه يحوجنا إلى تأليف كتاب خاص في ذلك، وقد قمنا به في موسوعتنا المنتشرة باسم «بحوث في الملل والنحل».

وإنّما الغاية في المقام، الإلماع إلى مؤسسي المدارس وأُصولها وأعلامها على وجه موجز.


( 132 )

1

المحكِّمة

و يعبّر عنهم بالخوارج، وقد انقرضوا ولم يبق منهم إلاّ فرقة معتدلة وهي الإباضية.

إنّ حركة الخوارج ـ يوم ظهرت ـ كانت حركة سياسية ولم يكن لها جذور كلامية خلافاً لسائر الفرق. والأُصول التي كانوا يتبنونها، لا تعدو ثلاثة:

1. تكفير مرتكب الكبيرة.

2. إنكار مبدأ التحكيم.

3. تكفير عثمان وعلي ومعاوية وطلحة والزبير، ومن سار على دربهم ورضي بأعمال عثمان وتحكيم الإمام علي(عليه السلام) .

نعم انّ المحكِّمة عبر الاحتكاك بسائر الفرق تبنّت أُصولاً أُخرى، وبذلك تأسّست مدرسة كلامية في إطار خاص وهو:

1. عدم اشتراط القرشية في الإمام.

2. صفاته سبحانه عين ذاته.

3. امتناع رؤيته سبحانه في الآخرة.

4. القرآن حادث غير قديم.


( 133 )

وفي هذه الأُصول الثلاثة الأخيرة يتفقون مع العدلية بكلتا الفرقتين: الإمامية والمعتزلة.

5. الشفاعة، وتعني: دخول الجنة بسرعة لا مغفرة الذنوب، وفي هذا الأصل يتفقون مع خصوص المعتزلة من العدلية.

6. التولّي والتبرّي.


( 134 )

2

المرجئة

وهي مأخوذة من الإرجاء بمعنى التأخير، وهم يولون أهمية للإيمان القلبي ولا يهتمون بالعمل، وقد اشتهروا بتقديم الإيمان وتأخير العمل، فأخذوا من الإيمان جانب مجرد الإقرار بالقول الكاشف عن الإذعان قلباً وإن لم يكن مصاحباً مع العمل، فاشتهروا بالمرجئة، أي المؤخرة، وشعارهم: «لا تضرّ مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة...» وهؤلاء والخوارج في مسألة العمل، على جانبي نقيض، فالمرجئة لا يشترطون العمل في حقيقة الإيمان، والخوارج يضيّقون فيرون مرتكب الكبيرة كافراً مخلّداً في النار.

ويقال: إنّ أوّل من وضع الإرجاء الحسن بن محمد بن الحنفية (المتوفّى 99هـ) ولكن الإرجاء الذي قال به، ليس هو الإرجاء المصطلح.(1)


1 . لاحظ تفصيل ذلك في موسوعتنا: بحوث في الملل والنحل:ج3، فصل المرجئة.


( 135 )

3

المعتزلة

المعتزلة بين المدارس الكلامية المختلفة مدرسة فكرية عقلية أعطت للعقل القسط الأوفر.

ومؤسس المذهب هو واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري، نقل الشهرستاني أنّه دخل شخص على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم يُخرج بها عن الملّة، وهم وعيديّة الخوارج، وجماعة يُرجئون أصحاب الكبائر ويقولون لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأُمّة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟

فتفكّر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثمّ قام واعتزل إلى اسطوانة المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه: معتزلة.(1)


1 . الملل والنحل:1/62.


( 136 )

والأُصول المهمّة التي تعدّ عماداً للاعتزال لا تتجاوز الخمسة وهي:

الأُصول الخمسة عند المعتزلة

1. التوحيد.

2. العدل.

3. الوعد والوعيد ، أي يجب العمل بالوعيد كوجوبه بالوعد.

4. المنزلة بين المنزلتين، فمرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر بل بين المنزلتين.

5. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،أي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقلاً .

وللمعتزلة أئمّة نضج المذهب بأفكارهم وآرائهم ووصل إلى القمة في الكمال وفي مقابل هؤلاء مشايخهم الكبار الذين لهم دور في تبيين المذهب دون أن يتركوا أثراً بارزاً يستحقّ الذكر، وإليك نزراً من أئمّتهم.

أئمّتهم

1. واصل بن عطاء (80ـ 131هـ).

2.عمرو بن عبيد(80ـ 143هـ)

3. أبو الهذيل العلاّف(135ـ 235هـ).

وهذا الأخير من أعيان المعتزلة، و يصفه ابن خلكان بقوله: «كان حسن الجدال، قويّ الحجة، كثير الاستعمال للأدلّة والإلزامات».

ويظهر من مناظرته مع صالح بن عبد القدّوس أنّ حركة الشكّ كانت استفحلت في عصره حتّى ألف صالح بن عبد القدوس كتاباً حول الشكوك،


( 137 )

يقول ابن خلكان:«لقي أبو الهذيل صالحَ بن عبد القدوس وقد مات له ولد وهو شديد الجزع عليه. فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لجزعك عليه وجهاً، إذا كان الإنسان عندك كالزرع، قال صالح: يا أبا الهذيل: إنّما أجزع عليه، لأنّه لم يقرأ كتاب الشكوك فقال له: كتاب الشكوك ما هو يا صالح؟ قال: هو كتاب قد وضعته من قرأه يشك فيما كان، حتّى يتوهم أنّه لم يكن، ويشك فيما لم يكن، حتّى يتوهم أنّه قد كان، فقال له أبو الهذيل: فشكّ أنت في موت ابنك واعمل على أنّه لم يمت وإن كان قد مات، وشكّ أيضاً في قراءة كتا ب الشكوك وإن كان لم يقرأه.(1)

4. النظّام(160ـ 231هـ).

5. أبو علي الجبائي(235ـ 303هـ)

6. أبو هاشم الجبائي (278ـ 321هـ).

7. قاضي القضاة عبد الجبار(324ـ 415هـ)

إلى غير ذلك من الأئمّة .

لقد ابتسم الدهر للمعتزلة في عصر أبي جعفر المنصور وامتد نشاطهم ـ إلاّ في عصر هارون ـ إلى خلافة الواثق(227ـ 232هـ) ، ولمّا قضى الواثق نحبه وأخذ المتوكل زمام أمر الخلافة أفل نجمهم شيئاً فشيئاً إلى أن انقرضوا، وقد قتل كثير منهم بسيف محمود بن سبكتكين في أرض خراسان، ولم نعثر بعد الزمخشري (المتوفّى 538هـ)وابن أبي الحديد( المتوفّى 656هـ) على علم من أعلام المعتزلة سوى بعض الزيدية التابعين للمعتزلة في الأُصول.


1 . وفيات الأعيان:4/266، منشورات الشريف الرضي، قم.


( 138 )

4

الجهميّة

الجهمية منسوبة إلى جهم بن صفوان السمرقندي الذي قتل في آخر دولة بني أُميّة عام 128هـ، وقاعدة مذهبه أمران:

الأوّل: الجبر ونفي الاستطاعة، فصار الجهم رأس الجبر وأساسه، ويطلق على أتباعه الجبرية الخالصة في مقابل غير الخالصة منها.

الثاني: تعطيل ذاته عن الوصف بصفات الجمال والكمال، ولأجل ذلك سمّيت المعطلة أيضاً.

وقد نسب إليه أيضاً الأُمور التالية:

1. كون القرآن الكريم مخلوقاً حادثاً.

2. نفي رؤيته في الدنيا والآخرة.

3. جواز الخروج على السلطان الجائر.

ولعلّه لهذا الأصل الثالث قتل بسيف بني أُميّة.

ثمّ إنّ كلّ من قال بنفي الصفات، أو بخلق القرآن، يرمى بالجهميّة وإن لم يكن منهم، والجهمية في كلمات الإمام أحمد هم المعتزلة.(1)


1 . السنة:490.


( 139 )

5

المجسِّمة

إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد، ألحق أضراراً جسيمة بالمجتمع الإسلامي فظهرت حركات هدّامة ترمي إلى تقويض الأُسس الدينية والأخلاقية، ومن هنا نجمت المجسِّمة التي رفع لواءها مقاتل بن سليمان المجسِّم (المتوفّى عام 150هـ) فهو وجهم بن صفوان مع تشاطرهما في دفع الأُمّة الإسلامية إلى حافّة الجاهلية، لكنّهما في مسألة التنزيه والتشبيه على طرفي نقيض.

أمّا جهم بن صفوان فقد أفرط في التنزيه حتّى عطَّل وصفه سبحانه بالصفات، وأمّا مقاتل فقد أفرط في التشبيه فصار مجسِّماً.(1)


1 . ميزان الاعتدال:4/173; تاريخ بغداد:13/166.


( 140 )

6

الكرّاميّة

إنّ الكرّامية، مثل المجسِّمة وهي أيضاً وليدة إقصاء العقل والمنطق عن ساحة العقائد والانكباب على الروايات المدسوسة المليئة بالأباطيل والترّهات التي وضعتها الأهواء، والكرّامية صنيعة محمد بن كرّام السجستاني (المتوفّى عام 255هـ)، الذي يعرفه ابن حبان بقوله: «التقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها، وجعل الإيمان قولاً بل معرفة، ومن آرائه أنّه سبحانه جسم لا كالأجسام، ومن آرائه: أنّ النبي أخطأ في تبليغ قوله: (ومناة الثالثة الأُخرى)حتّى قال بعده: «تلك الغرانيق العلى ، وانّ شفاعتها لترتجى».

والحاصل: انّ الحركة الكرّامية من أسوأ الحركات الرجعية التي ظهرت في القرن الثالث.(1)


1 . ميزان الاعتدال:4/21; الفرق بين الفرق:222.


( 141 )

7

الأشعرية

الأشعرية مدرسة كلامية أسّسها أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق، من أحفاد أبي موسى الأشعري الصحابي المعروف، ولد عام 260هـ، وتوفّي سنة 324هـ وعلى قول 330هـ، وكان معتزلياً وتخرّج على يد أُستاذه أبي علي الجبائي (235ـ 303هـ)ثمّ أعلن براءته من هذا المذهب ـ بعد وفاة أُستاذه بسنتين ـ والتحق بمذهب الإمام أحمد، ونادى من على المنبر بأعلى صوته وقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت قلت بخلق القرآن وإنّ اللّه لا يُرى بالأبصار، وإنّ أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة.

وهو وإن (1)التحق بأهل الحديث لكنّه قد امتاز عنهم باستحسان الخوض في المسائل الكلامية والبرهنة على العقيدة بالدليل العقلي، ولذلك رفضه بعض أتباع الإمام أحمد كالبربهاريّ. (2)

إنّ مذهبه وإن لم يتمتع بالانتشار في حياته، لكن تلاميذه وتلاميذ تلاميذه


1 . فهرست النديم:271; وفيات الأعيان:3/285.

2 . تبيين كذب المفتري قسم التعليقة: 391.


( 142 )

قد نضّجوا الأُصول الموروثة عنه، و نشروه إلى حد، صار المذهب الأشعري، هو المذهب الرسمي لأهل السنّة.

يقول المقريزي بعد ذكر الأُصول الكلامية للمذهب الأشعري:«فهذه جملة من أُصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أُريق دمه.(1)

وإليك أُصول مذهبه المهمة:

1. اللّه سبحانه ليس بجسم. 2. صفاته قديمة لا حادثة. 3. صفاته زائدة على ذاته. 4. الصفات الخبرية تحمل عليه سبحانه بلا كيف، مثلاً: له سبحانه يد، ووجه، بلا كيف. 5. اللّه هو الخالق لأفعال العباد والعبد هو الكاسب. 6. الاستطاعة مع الفعل لا قبله. 7. رؤية اللّه سبحانه في الآخرة. 8. كلام اللّه سبحانه، هو الكلام النفسي. 9. كلامه قديم وليس بحادث. 10. الحسن والقبح شرعيان لا عقليان. لاحظ للوقوف على مصادر آرائه كتابي الإبانة واللمع، وهما من تأليفه .

وربما يتصور: انّ الشيخ الأشعري أعلن الالتحاق بمذهب الإمام أحمد، ليُجري الإصلاح في مذهب أهل الحديث، الذين غلب عليهم يومذاك القول بالتجسيم والجهة والجبر، فحاول أن يصلح ما فسد. ولكن هذا التصوّر غير دقيق. وإذا افترضنا انّ الشيخ كان يروم الإصلاح، فإنّ التوفيق لم يحالفه في ذلك للأسباب التالية:

1. إبقاء الأُصول الفاسدة في مسلك أهل الحديث، نظير: أفعال الإنسان مخلوقة للّه سبحانه مباشرة، فلا شكّ انّ القول بهذا الأصل ينتهي إلى الجبر، لأنّ


1 . الخطط:2/360.


( 143 )

معناه انّ المؤثر في فعل العبد هو قدرته سبحانه مباشرة ولا دور لإرادة العبد وقدرته المفاضة منه سبحانه إليه، وربما يعبر عنه بالجبر غير الخالص.

2. تجويز رؤية اللّه يوم القيامة، وهو يلازم القول بالتجسيم وكونه سبحانه ذا جهة.

3. قوله : إنّ القرآن قديم غير حادث، أو غير مخلوق للّه سبحانه وذلك يؤدي في النهاية إلى فرض قديم ثان، وتصور ندّ له إلى غير ذلك من الأُصول التي تركها الأشعري بحالها ولم يحدث فيها أي تغيير.

نفي السببية عن الأسباب

إنّ من أبرز سمات منهج الأشاعرة هو نفي السببيّة والعليّة حتّى بالمعنى الظلّي عن غيره سبحانه، وأنّه ليس في صحيفة الكون إلاّ علّة واحدة وسبب فارد، هو المؤثر في الكون وبذلك شطبوا على تأثير العلل الطبيعية بعضها في بعض، ونفوا السببية في الكونيات وزعموا أنّ القول بذلك ينافي التوحيد في الخالقية والربوبية وبذلك نازعوا وجدانهم كما نازعوا الوحي المبين حيث إنّه يثبت الأثر الطبيعي لكلّ سبب، وفي الوقت نفسه يربطهما باللّه سبحانه، قال: (الَّذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْض فِراشاً وَالسَّماء بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرات رِزْقاً لَكُم فَلا تَجَْعَلُوا للّه أَنداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون).(1)

تجد أنّ الوحي اعترف بسببية الماء لخروج الثمرات الطيّبة وليست هذه الآية وحيدة في هذا الباب، بل في القرآن الكريم نماذج من هذا النوع، قال سبحانه: (وَفِي الأَرْضِ قطَعٌ مُتَجاوراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْناب وَزَرعٌ وَنَخيلٌ صنْوانٌ وَغَيرُ


1 . البقرة:22.


( 144 )

صِنوان يُسْقى بِماء واحد وَنُفضّلُ بعضَها عَلى بَعْض في الأُكُلِ إِنَّ في ذلِك لآيات لِقَوم يَعْقِلُون).(1)

فتستدلّ الآية على أنّ تدبيره سبحانه فوق تدبير الفواعل الطبيعية، وذلك بشهادة أنّ الجنّات تثمر أثماراً مختلفة مع وحدة الشرائط والظروف المحيطة بها من وحدة الماء والأرض، وهذا يدلّ على أنّ وراء الأُمور الطبيعية والأسباب الماديّة مدبّراً فوقها، وعلى الرغم من هذا الاعتراف إلاّ أنّه لا ينفي تأثير العوامل الطبيعية ولكن يراها غير كافية في خلق هذا التنوّع.

وبذلك يظهر أنّ ما ذكره ابن خلدون حول تأثير الأسباب ولزوم الغضّ عنها دون شأنه جدّاً وكان المترقب منه غير ذلك، لكن سيطرة مذهب الأشعري على العقول، أثّرت على تفكيره فعاد يفكر كأنّه أشعري مطلق، بل حنبلي محض. يقول: تأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب والوقوف معها فإنّه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو منه بطائل ولا يظفر بحقيقته ـ إلى أن قال: ـ فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبّباتها مجهول، لأنّها إنّما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة، فلذلك أُمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة والتوجّه إلى مسبّب الأسباب كلّها وفاعلها وموجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس.

فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقّت عليه كلمة الكفر، وإن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحداً بعد واحد فأنا الضامن له أن لا يعود إلاّ بالخيبة، فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب


1 . الرعد:4.


( 145 )

وأمرنا بالتوحيد المطلق.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: ما هو الدليل أنّ الشارع نهانا عن النظر في الأسباب، فإن أراد النظر فيها بمعنى التوقّف عند تلك الأسباب ، وإضفاء الأصالة عليها وانقطاعها عن مسبِّب الأسباب، فذلك كما ذكره كفر محض، ولكن المؤمن الموحّد لا ينظر إلى الأسباب بذلك المنظار.

وإن أراد النظر فيها بما فيها من نظام بديع حاك عن كونه مخلوقاً لموجود عالم قادر حكيم فالنظر فيها بهذا المنظار هو نفس التوحيد، فكيف نهانا الشارع عن النظر في الأسباب؟ هذا هو القرآن الكريم يشرح لنا نظام الكون بأدق الوجوه ويجعلها آية لتوحيد خالق العالم ومدبّره.

يقول سبحانه: (إِنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرض وَاختلاف اللَّيل وَالنّهار وَالفُلْكِ الّتي تَجري في البَحْر بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماء فَأَحيا بِهِ الأَرضَ بَعْدَ مَوتها وَبثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابّة وتصريفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ لآيات لِقَوم يَعْقِلُون).(2)

إنّ قول اللّه ـ هذا ـ مضافاً إلى كونه مشيراً إلى برهان النظم يمكن أن يكون تلويحاً إلى عوامل استقرار الحياة على الأرض، ومذكراً للعقول بأنّه لا يمكن أن تجتمع كلّ العوامل ـ مع ما فيها من المحاسبات الدقيقة ـ عن طريق الصدفة العمياء دون أن يتدخل في ذلك تدبير «مدبر عاقل حكيم» ودون أن يكون قد جمعها على هذا النسق المناسب لظاهرة الحياة ـ «إله خالق عارف بالأُمور، محيط بالمحاسبات والسنن».


1 . مقدّمة ابن خلدون، الفصل العاشر في علم الكلام: 424.

2 . البقرة:164.


( 146 )

كما يمكن أن يكون بعض الآيات الأُخر مشيراً إلى هذا البرهان(برهان النظم) مثل قوله تعالى: (اللّهُ الَّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَل مُسمّىً يُدبِّرُ الأمْرَ يُفصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون).(1)

وثانياً: أنّ قوله: «إنّما يوقف عليها العلّية بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر» يرمي إلى نفي العلّية والمعلولية ولو بنحو الظلّية بين الأسباب والمسببات، وأنّ المشهود هو ظهور الحرارة مقترنة بوجود النار والبرودة مقترنة بوجود الماء دون أن يكون بين الأثر و ما هو المؤثر في الظاهر صلة وعلاقة. وهذا هو الذي يدّعيه الإمام الأشعري من نفي العلّية، وإنّ ما نسمّيه علّية هو جريان عادة اللّه على وجود الآثار بعد الأسباب من دون أن يكون للسبب أيّ تأثير.

أقول: إذا كان الداعي لنفي السببيّة بين الظواهر الكونية هو تقوية روح التوحيد في الخالقية والربوبيّة وانّ المؤثّر الحقيقي هو اللّه سبحانه فهو أمر جميل; وإذا كان الداعي هو نفي السببية والعلّيّة بين الأسباب والمسببات الطبيعية، فهو على خلاف الكتاب أوّلاً، والوجدان ثانياً، وتشويه لسمعة الإسلام ثالثاً.

أعيان الأشاعرة

ثمّ إنّ هناك رجالاً ارتبطت أسماؤهم ببلورة المذهب الأشعري، ولولاهم لما قام لهذا المذهب عمود ولا اخضرّ له عود، وإليك أسماء أعلامهم عبر التاريخ:

1. أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403هـ).


1 . الرعد:2.


( 147 )

2. أبو منصور عبد القاهر البغدادي(المتوفّى 429هـ).

3. إمام الحرمين أبو المعالي الجويني(419ـ 478هـ).

4. حجة الإسلام الإمام الغزالي(450ـ 505هـ).

5. أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (479ـ 548هـ).

6. أبو عبد اللّه محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، فخر الدين الرازي(544ـ 606هـ).

7. أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي(551ـ 631هـ).

8. عبد الرحمن بن أحمد، عضد الدين الإيجي(708ـ 756هـ).

9. مسعود بن عمر بن عبد اللّه المعروف بسعد الدين التفتازاني (712ـ 791هـ).

10. السيد علي بن محمد بن علي الحسيني المعروف بالسيد الشريف (المتوفّى 816هـ).

11. علاء الدين علي بن محمد السمرقندي القوشجي(المتوفّى 879هـ).

هذا بعض الكلام في المذهب الأشعري، والذي صار مذهباً رسمياً لأكثر أهل السنّة.


( 148 )

8

الماتريدية

في الوقت الذي ظهر فيه مذهب الإمام الأشعري بطابع الفرعية لمذهب أهل الحديث، ظهر مذهب آخر، بهذا اللون والشكل لغاية نصرة السنّة وأهلها وبالتالي: إقصاء المعتزلة عن الساحة، وهو مذهب الإمام محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي(المتوفّى سنة 333هـ) أي بعد ثلاثة أو تسعة أعوام من وفاة الإمام الأشعري.

والداعيان كانا في عصر واحد ولم تكن بينهما أيّة صلة، فالأشعري كان يكافح الاعتزال ويُناصر السنّة في البصرة متقلّداً مذهبَ الشافعي في الفقه، والماتريدي يكافح الاعتزال في الشرق الإسلامي متقلِّداً رأي الإمام أبي حنيفة في الفقه; فكانت البصرة محط الأهواء ومعقلها، كما كانت أرض خراسان مأوى أهل الحديث ومهبطهم.

ولم يكن الماتريدي نسيجَ وحده في هذا الأمر، بل معاصره أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية(المتوفّى سنة 321هـ) كان أيضاً يناصر السنّة متقلّداً مذهب أبي حنيفة في الفقه، وقد صدّر رسالته المعروفة بالعقيدة الطحاوية بقوله:


( 149 )

بيان عقيدة فقهاء الملة: أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن .(1)

اتّفق المترجمون للماتريدي على أنّه توفّـي عام 333هـ و لم يعيّنوا ميلاده، لكن القرائن تشهد على أنّه من مواليد عام 248هـ. وقد أخذ العلم عن عدّة من المشايخ، وهم:

1. أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني.

2. أبو نصر أحمد بن العياضي.

3. نصير بن يحيى، تلميذ حفص بن سالم (أبي مقاتل).

4. محمّد بن مقاتل الرازي.

وتخرّج عليه عدّة من العلماء، منهم:

1. أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل الشهير بالحكيم السمرقندي (المتوفّى 340هـ).

2. أبو الليث البخاري.

3. أبو محمد عبد الكريم بن موسى البزدوي، جدّ محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي مؤلّف «أُصول الدين».

إنّ منهج الماتريدي يتمتع بسمات ثلاث:

أوّلاً: أعطى للعقل سلطاناً أكبر ومجالاً أوسع، وذلك هو الحجر الأساس للسمتين الأخيرتين.

ثانياً: منهجه أبعد عن التجسيم والتشبيه من منهج الأشاعرة.

ثالثاً: منهجه أقرب إلى الاعتزال من منهج الإمام الأشاعرة.


1 . شرح العقيدة الطحاوية:25.


( 150 )

وإليك بعض الفوارق بين المنهجين:

1. معرفته سبحانه واجبة عقلاً عند الماتريدية وسمعاً عند الأشاعرة.

2. التحسين والتقبيح عقليان عند الماتريدية وسمعيّان عند الأشاعرة.

3. لا يجوز التكليف بمالا يطاق عند الماتريدية خلافاً للأشاعرة.

4. أفعال اللّه تعالى معلّلة بالأغراض عند الماتريدية دون الأشاعرة.

5. الصفات الخبرية كالاستواء واليد والعين تثبت على اللّه سبحانه بنفس معانيها اللغوية لكن بلا كيفية عند الأشاعرة، وأما الماتريدية فهي بين مفوّضة معانيها إلى اللّه سبحانه، أو مفسّرة لها بنفس ما تفسّره العدليّة.

6. صفاته عين ذاته سبحانه عند الماتريدية، زائدة عند الأشاعرة.

المذهب الماتريدي مذهب الأحناف خصوصاً في تركيا وآسيا الوسطى و شبه القارّة الهنديّة، ومذهب الأشاعرة مذهب الشوافع غالباً.

أعيان الماتريديّة

1. القاضي الإمام أبو اليسر محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي(421ـ 493هـ) ، له كتاب «أُصول الدين».

2. أبو المعين النسفي (المتوفّى 502هـ)، وهو من أعاظم أنصار هذا المذهب، له كتاب «تبصرة الأدلّة» الذي مازال مخطوطاً حتّى الآن، ويعدّ الينبوع الثاني بعد كتاب «التوحيد» للماتريديّة.

3. الشيخ نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفي (المتوفّى 537هـ) مؤلّف «العقائد النسفية»، ومازال هذا الكتاب محور الدراسة في الأزهر إلى يومنا هذا.


( 151 )

4. الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفّى 791هـ)أحد المتضلّعين في العلوم العربية والمنطق والكلام، وهو شارح «العقائد النسفية».

5. الشيخ كمال الدين محمد بن همام الدين الشهير بابن الهمام(المتوفّى 861هـ) صاحب كتاب «المسايرة» في علم الكلام ،نشره وشرحه محمد محيي الدين عبد الحميد وطبع بالقاهرة.

6. العلاّمة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي مؤلف كتاب «إشارات المرام من عبارات الإمام» أحد علماء القرن الحادي عشر الهجري، ويعدّ كتابه هذا أحد مصادر الماتريدية.

7. الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري المصري (المتوفّى 1372هـ) وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية، أحد المتضلّعين في الحديث والتاريخ والملل والنحل.


( 152 )

9

الزيديّة

الزيديّة مذهب منتسب إلى الإمام زيد الشهيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن مولى الموحدين علي بن أبي طالب، ولد عام 75هـ، واستشهد سنة 121هـ، وقد أدرك زيد ثلاثة أئمّة من أهل البيت(عليهم السلام)، وهم:

1. والده الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام)(38ـ 94هـ).

2. أخوه الأكبر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين(عليهم السلام) (57ـ 114هـ).

3. ابن أخيه الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليهما السلام) (83ـ 148هـ).

أخذ عن أبيه، ثم عن أخيه محمد الباقر(عليه السلام) كما كانت أواصر الحبّ والودّ تجمعه بالإمام الصادق، فلمّـا بلغ نعيه إلى المدينة أخذ الناس يفدون إلى الإمام الصادق يعزّونه.(1)

وقد ترك آثاراً علمية ، منها:

1. المجموع الفقهي.

2. المجموع الحديثي.

3. تفسير غريب الحديث.


1 . الأغاني:7/251.


( 153 )

4. الصفوة، وهي دراسة قرآنية تتبنّى بيان فضائل أهل البيت(عليهم السلام)وتقديمهم على سائر الناس في مختلف المجالات.

إلى غير ذلك من المسائل.

زعمت الزيدية انّه ادّعى الإمامة لنفسه ، ولكن كلمات زيد تخلو من أيّة إشارة إلى ذلك، بل كلّها تعرب عن أنّه دعا للرضا من آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).

لم يكن زيد الشهيد صاحب منهج كلامي أو فقهي مستقلّ، وإذا كان يقول بالعدل والتوحيد ويكافح الجبر والتشبيـه فلأجـل أنّه ورثهما عن آبـائـه، وإذا كان يفتي في مورد ما، فإنّما كان يصدر في ذلك عن الحديث الذي يرويه عن آبائه.

نعم جاء بعد زيد مفكّرون وعاة، وهم بين دعاة للمذهب، أو بُناة للدولة في اليمن وطبرستان، فساهموا في إرساء مذهب باسم المذهب الزيدي، منفتحين في الأُصول والعقائد على المعتزلة، وفي الفقه وكيفية الاستنباط على الحنفية، ولكن الصلة بين ما كان عليه زيد الشهيد في الأُصول والفروع وما أرساه هؤلاء في مجالي العقيدة والشريعة منقطعة إلاّ في القليل منها.

وعلى أية حال، التقت الزيدية مع شيعة أهل البيت في العدل والتوحيد، كما التقوا مع المعتزلة في الأُصول الثلاثة التالية:

1. الوعد والوعيد.

2. المنزلة بين المنزلتين.

3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولأجل إيقاف القارئ على الخطوط العريضة لعقائدهم التي يلتقون في بعضها مع المعتزلة وفي بعضها الآخر مع الإمامية نأتي بها:


( 154 )

1. صفاته تعالى عين ذاته، وفاقاً للإمامية.

2. إنّ اللّه سبحانه لا يُرى ولا يجوز عليه الرؤية خلافاً للأشاعرة.

3. العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها.

4. اللّه سبحانه مريد بإرادة حادثة.

5. انّه سبحانه متكلّم بكلام، وكلامه سبحانه فعله: الحروف والأصوات.

6. أفعال العباد ليست مخلوقة للّه سبحانه.

7. تكليف مالا يطاق قبيح، خلافاً للمجبّرة والأشاعرة.

8. المعاصي ليس بقضاء اللّه.

9. الإمامة تجب شرعاً لا عقلاً خلافاً للإمامية.

10. النصّ على إمامة علي والحسنين عند الأكثرية.

11. القضاء في فدك صحيح خلافاً للإمامية.

12. خطأ المتقدّمين على عليّ في الخلافة قطعي.

13. خطأ طلحة والزبير وعائشة قطعي.

14. توبة الناكثين صحيحة.

15. معاوية بن أبي سفيان فاسق لبغيه ولم تثبت توبته.

هذه رؤوس عقائد الزيدية استخرجناها من كتاب «القلائد في تصحيح العقائد»، المطبوع في مقدّمة البحر الزخار.(1)


1 . البحر الزخار:52ـ96.


( 155 )

10

الإسماعيلية

الإسماعيلية ، إحدى فرق الشيعة القائلة بأنّ الإمامة منصب تنصيصي من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الإمام القائم مقامه، غير أنّ هناك خلافاً بين الزيدية والإمامية والإسماعيلية في عدد الأئمّة ومفهوم التنصيص.

الإمام الأوّل للدعوة الإسماعيلية هو إسماعيل بن جعفر الصادق(عليه السلام)وكان والده شديد المحبّة له والإشفاق عليه، مات في حياة أبيه بالعُريض وحمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتّى دفن بالبقيع.(1)

الخطوط العريضة للمذهب الإسماعيلي

إنّ للمذهب الإسماعيلي علائم وسمات نشير إليها:

1. انتماؤهم إلى بيت الوحي والرسالة، وقد كان لهذه السمة رصيد شعبي وكان المسلمون يتعاطفون مع من ينتمي إلى أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .

2. تأويل الظواهر ، إنّ تأويل الظواهر وإرجاعها إلى خلاف ما يتبادر منها في عرف المتشرعة هي السمة البارزة الثانية للدعوة الإسماعيلية، وهي إحدى الدعائم الأساسية لهذا المذهب، بحيث لو انسلخت الدعوة عن التأويل واكتفت بالظواهر لم تتميز عن سائر الفرق الشيعية إلا بصرف الإمامة عن الإمام


1 . المفيد، الإرشاد، ص 284.


( 156 )

الكاظم(عليه السلام) إلى أخيه إسماعيل بن جعفر.

3. تطعيم مذهبهم بالمسائل الفلسفية حيث انجرفوا في تيارات المسائل الفلسفية وجعلوها من صميم الدين وجذوره، وانقلب المذهب إلى منهج فلسفي يتطور مع تطوّر الزمان، ويتبنى أُصولاً لا تجد لها في الشريعة الإسلامية عيناً ولا أثراً.

هذه سمات مذهبهم، وإليك رؤوس عقائدهم:

أمّا التوحيد، فيصفونه سبحانه بأنّه واحد لا مثل له ولا ضدّ.

وأمّا في مجال الصفات، فقد ذهبوا إلى نفي الصفات عنه على الإطلاق، واكتفوا في مقام معرفته بالقول بهوّيته وذاته، دون وصفه بصفات حتّى الصفات الجمالية والكمالية.

وأمّا عقيدتهم في العدل، فالإنسان عندهم مخيّر لا مسَيّر، والقضاء والقدر لا يسلبان الاختيار.

وأمّا عقيدتهم في النبوة فإنّها أعلى مراتب البشر والرسالة عندهم تنقسم إلى عامّة وخاصّة، وأنّ شريعة الأنبياء موافقة للحكمة، لكن لها ظاهر وباطن.

إنّ تقسيم الشريعة إلى ظاهرية وباطنية أعطى مبرّراً لكلّ إمام من أئمّتهم في أن يضع لكلّ ظاهر باطناً، ولكلّ واجب حقيقة يسمّي أحدهما شريعة ظاهرية، والآخر باطنيّة من دون أن يستدلّ على تأويله بدليل عقلي أو نقلي.

أمّا عقيدتهم بالمعاد فهو روحاني لا جسماني، وأنّ التناسخ محال.

وأمّا عقيدتهم في الإمامة، فالحديث عنها ذو شجون، فقد ذكروا لها درجات خمس ربما تضيق المقدمة عن بيانها.(1)


1 . لاحظ في عقائدهم: راحة العقل للكرماني، ص 47; تاج العقائد ومعدن الفرائد، وقد ذكرنا تفصيل عقائدهم في موسوعتنا : بحوث في الملل والنحل، ج8.


( 157 )

11

الوهّابيّة

الوهابيّة منسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي (1115ـ 1206هـ). كان الشيخ منذ طفولته ذا رغبة شديدة في مطالعة كتب التفسير والحديث والعقائد، وقد درس الفقه الحنبلي عند أبيه الذي كان من علماء الحنابلة، وكان ابنه محمّد يستقبح كثيراً من الشعائر الدينية التي كان يمارسها أهالي نجد، ولم يقتصر تقبيحه على نجد، بل تعدّاه إلى المدينة المنوّرة بعد انصرافه من مناسك الحج، فقد كان ينكر على الزائرين التوسّل برسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عند مرقده المقدّس.

وكان يكتم عقائده هذه خوفاً من أبيه، ولمّا تُوفّـي أبوه، أخذ بالدعوة والالتقاء برؤساء القبائل، والتقى أخيراً بمحمد بن سعود الجدّ الأعلى لآل سعود فاتّفقا على نشر الدعوة، بشرط أن تكون القيادة الدينية لمحمد بن عبد الوهاب، والسياسية لمحمد بن سعود، ومن ذلك اليوم ابتلي المسلمون بزمرة يشنّون الغارات على القبائل النجدية وخارجها كاليمن والحجاز ونواحي سوريا والعراق لأجل أخذ الغنائم تحت غطاء الدعوة إلى التوحيد، وقد ضبط التاريخ حروبهم وغاراتهم على المناطق الإسلامية وكانت النتيجة هي الدمار وإراقة الدماء ونهب الأموال، إلى أن استولى آل سعود على الحرمين فسادَ الأمنُ في البلاد لكن مع الفقر المدقِع ،


( 158 )

والجوع الأسود إلى أن اكتشفوا آبار الذهب الأسود، فعند ذلك استتبّ الأمر للوهابية مفتين وأُمراء، وبذلك استغنوا عن شنّ الغارات والحروب الدامية.

ميزاتهم عن سائر المسلمين

يختلف الوهابية مع المسلمين في مسائل فقهية تارة، و مسائل كلامية أُخرى، ويغالون في المسائل الفقهية الخلافية ويعتبرونها خروجاً عن الدين والتوحيد، وإليك نبذاً من خصائصهم:

1. تحريم بناء القبور ولزوم هدم المشاهد عليها.

2. حرمة بناء المساجد على القبور والصلاة فيها.

3. حرمة شدّ الرحال لزيارة القبور والصلاة في المساجد.

4. حرمة التوسل بالأنبياء والصالحين.

5. حرمة طلب الشفاعة من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .

6. حرمة النذر للأنبياء والأولياء.

7. حرمة التبرّك بآثار الأنبياء والصالحين.

8. حرمة الاحتفال بمواليد أولياء اللّه ووفياتهم.

ولهم نشاطات تبشيريّة، ومنشورات ودوريات مختلفة.


( 159 )

12

الشيعة الإمامية

الشيعة: من أحبّ عليّاً وأولاده(عليهم السلام) باعتبارهم أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الذين فرض اللّه سبحانه مودّتهم قال عزّ وجلّ: (قُلْ لا أَسأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجراً إِلاّ الْمَودّة فِي الْقُربى)(1) وينضوي تحت لواء الشيعة (بهذا المعنى) كلّ المسلمين إلاّ النواصب، بشهادة أنّهم يصلّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم ويتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً ومساء، وهذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله:

يا أهـل بيت رســول اللّه حبـّكم * فرض مـن اللّه في القـرآن أنــزلـهُ
كفاكم من عظـيم الشـأن أنّكـم * مـن لم يصلّ عليكم لا صلاة له(2)

ولكن المراد من الشيعة في المقام من يشايع عليّاً وأولاده باعتبار أنّهم خلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة الناس بعده، نصبهم النبي لهذا المقام بأمر من اللّه سبحانه.

وليس التشيع كسائر المذاهب الإسلامية من إفرازات الصراعات السياسية كما هو الحال في المحكِّمة وغيرهم، ولا من نتائج الجدال الكلامي والصراع


1 . الشورى:23.

2 . الصواعق:148.


( 160 )

الفكري كما هو الحال في الأشعرية والمعتزلة.

بل الإسلام والتشيّع وجهان لعملة واحدة، وتوأمان ولدا في يوم واحد، ولو انّ كُتّاب العقائد درسوا تاريخ التشيع بدقة وموضوعية لعلموا أنّه ليس للتشيّع تاريخ ولا مبدأ سوى تاريخ الإسلام ومبدئه، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الغارس لبذرة التشيع في صميم الإسلام من أوّل يوم أُمر فيه بالصدع(1) فأصحر بالحقيقة إلى أن لبّى دعوة ربّه.

فالتشيّع عبارة عن استمرار قيادة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته عن طريق من نصبه إماماً للناس وقائداً للأُمّة حتّى يرشدها إلى النهج الصحيح والهدف المنشود، فإذا كان التشيع متبلوراً في استمرار القيادة بالوصي فلا نجد له تاريخاً سوى تاريخ الإسلام والنصوص الواردة عن رسوله .

فالشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، أعني: الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر القيادة ولم يغيروا ولم يتعدّوا ما رسم لهم الرسول إلى غيره.

والميزة الهامة للشيعة على الإطلاق وللإمامية خصوصاً هي أنّ الإمامة عندهم منصب إلهي يتصدى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وبأمر إلهي لتعيين من يتبوّؤه.

وقد أخبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن إمامة اثني عشر رجلاً من أهل بيته وذكر أسماءهم أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم الإمام المهدي (عليهم السلام). و قد ذكر أهل السنّة روايات حول الأئمّة الاثني عشر دون أن يذكروا أسماءهم.

أخرج مسلم عن جابر بن سمرة، قال : انطلقت إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ومعي


1 . (فاصدع بما تُؤْمَر وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكين * إِنّا كفيناك المستهزئين).(الحجر:94ـ95).


( 161 )

أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش».(1)

ولسنا في هذا المقام بصدد تحرير تاريخ التشيع ودلائل إمامة الأئمّة الاثني عشر، بل الغاية الإلماع إلى أُصولهم الكلامية.

والشيعة الإمامية تتّفق مع الفرق الإسلامية ـ أعني: المعتزلة والأشاعرة والماتريدية ـ في أكثر المسائل العقائدية، ولكنّهم يفترقون عن الأشاعرة في مسائل، كما أنّهم يفترقون عن المعتزلة في مسائل أُخرى.

ونحن نشير إلى بعض الفوارق بين هاتين الطائفتين (الشيعة والمعتزلة)، وما ذلك إلاّ لأنّ قسماً كبيراً من كُتّاب تاريخ العقائد جعلوا الشيعة من فِرَق المعتزلة مع أنّ بين المنهجين الكلاميين مشتركات ومفترقات.

الفوارق بين الشيعة والمعتزلة:

1. الشفاعة عند الشيعة والأشاعرة هي غفران الذنوب أو إخراج العصاة من النار بخلاف المعتزلة، فإنّ نتيجة الشفاعة هي ترفيع الدرجة.

2. مرتكب الكبيرة عند الإمامية والأشاعرة مؤمن فاسق، وقالت المعتزلة: بل هو في منزلة بين المنزلتين.

3. الجنّة والنار عند الإمامية والأشاعرة مخلوقتان الآن بدلالة الشرع خلافاً للمعتزلة فانّهما غير موجودتين عندهم.

4. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان واجبتان عند الإمامية


1 . صحيح مسلم:6/3ـ4.


( 162 )

والأشاعرة شرعاً، وعند المعتزلة عقلاً، نعم ذهب بعض الإمامية إلى وجوبهما عقلاً أيضاً.

5. اتّفقت الإمامية والأشاعرة على بطلان الإحباط، خلافاً للمعتزلة، حيث قالوا: إنّ المعصية تُحبط الثواب المتقدم.

6. اتّفقت الإمامية والأشاعرة على أنّ قبول التوبة بفضل من اللّه ولا يجب عقلاً إسقاط التوبة للعقاب بخلاف المعتزلة فانّ التوبة مسقطة للعقاب على وجه الوجوب.

7. اتّفقت الإمامية على أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك.

8. اتّفقت الإمامية على أنّ الإنسان غير مُسَيّر ولا مفوَّض إليه بل هو بين الجبر والتفويض، وأجمعت المعتزلة على التفويض.

9. اتّفقت الإمامية والأشاعرة على أنّه لابدّ في بيان بعض التكاليف من دلالة الرسول، وخالفت المعتزلة وزعموا أنّ العقول تغني بمجرّدها عن السمع.

10. غالت المعتزلة في تمسكهم بالعقل وغالى أهل الظاهر في جمودهم على ظاهر النص، وأعطت الإماميـة للعقل سهماً في ما له فيه مجال.

هذه هي الفوارق بين الشيعة الإمامية والمعتزلة وقد تبيّن أنّ الشيعة ليست فرعاً من المعتزلة وإن كانت الفرقتان تستمدّان التوحيد والعدل من كلام الإمام علي بن أبي طالب.

فإذا تبيّنت الفوارق بين الطائفتين فلنذكر بعض الفوارق بين الإمامية والأشاعرة.


( 163 )

الفوارق بين الإمامية والأشاعرة:

إنّ الشيعة الإمامية تخالف الأشاعرة في أُصول نذكر المهمّ منها:

1. صفاته سبحانه متّحدة مع ذاته، فليس هناك ذات وعلم، بل الذات علم كلّه، خلافاً للأشاعرة، فإنّ الصفات زائدة على الذّات.

2. أفعال العباد عند الإمامية صادرة عن نفس العباد صدوراً حقيقياً بلا مجاز أو توسّع.

فالإنسان هو الضارب والقاتل والمصلّي والقارئ، ولم يثبت في لغة العرب استعمال كلمة الخلق في الأفعال فلا يقال: خلقت الأكل والضرب والصوم والصلاة، وإنّما يقال فعلتها، فالإنسان هو الفاعل لأفعاله بقدرة مفاضة من اللّه سبحانه، وأنّ قدرته المكتسبة هي المؤثرة بإذن من اللّه خلافاً للأشاعرة، إذ ليس لإرادة العبد ولا قدرته دور في إيجاد الأفعال.

3. رؤية اللّه بالأبصار مستحيلة مطلقاً سواء أكان في الدنيا أم في الآخرة، خلافاً للأشاعرة حيث يجوّزون رؤية اللّه في الآخرة.

4. التحسين والتقبيح عقليان عند الشيعة كما مرّ بيانه دون الأشاعرة، فانّهما عندهم شرعيّان .

هذه هي الأُصول التي تخالف الإمامية فيها الأشاعرة وربما توافقهم المعتزلة في بعض الأُصول.

الفوارق الرئيسية بين الشيعة وسائر الفرق:

هناك فوارق رئيسية بين الشيعة وسائر الفرق وأكثرها تعدّ من خصائص


( 164 )

الإماميّة.

1. وجوب نصب الإمام على اللّه سبحانه.

2. عصمة الإمام المنصوب من اللّه.

3. الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر المولود عام (255هـ) وهو حيّ يرزق.

4. القول بالبداء، وهو تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة، والبداء بهذا المعنى عند التحقيق من العقائد المشتركة.

5. الرجعة وهي عبارة عن عودة جماعة قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة ثمّ موتهم وحشرهم مجدّداً يوم القيامة . ويشهد على إمكانها إحياء جماعة من بني إسرائيل(1) و إحياء قتيلهم.(2)

هذه هي الخطوط العريضة للعقائد الكلامية عند الشيعة الإمامية، وبذلك تمّ بيان المدارس الكلامية الرائجة بين المسلمين، وبقي هناك مدارس كلامية أُخرى لا حاجة لذكرها إمّا لض آلتها أو لانقراضها.


1 . البقرة:55.

2 . البقرة:72ـ 73.


( 165 )

11

علم الكلام الجديد

أو

المسائل الجديدة في علم الكلام

لقد شاع على ألسن بعض الجامعيين الجُدد عنوانُ «علم الكلام الجديد» و هم يلهجون به بفم ملؤه الإعجاب والاعتبار، ويبدو لأوّل وهلة أنّ هناك علمين مختلفين أحدهما «الكلام القديم» والآخر «الكلام الجديد» ولكلّ تعريف وموضوع ومسائل وغاية.

ولكن الحقيقة غير ذلك، إذ ليس ثمّة علمان مختلفان، من حيث الموضوع والغاية، بل هو علم واحد يتكامل عَبْر الزمان حسب تكامل الحضارة وتفتّح العقول، وليس ذلك أمراً شاذاً في علم الكلام، بل هو جار في سائر العلوم أيضاً، فعلم النحو مثلاً لم يكن يوم ظهوره إلاّ عدّة مسائل ألقاها علي(عليه السلام)على تلميذه أبي الأسود الدؤلي وأمره بأن ينحو نحوها، ثمّ أُضيف إليه في كلّ عصر مسائل حتّى تكامل وصار علماً متكامل الأطراف.


( 166 )

وكذلك شأن علم الكلام، فلم يكن يوم ظهوره إلاّ عدّة مسائل محدودة كالتوحيد والعدل والقضاء والقدر وما يشبهها، ولكنّه أخذ بالتكامل والتطوّر بسبب الاحتكاكات الثقافية وفي ظلّ سائر العوامل المؤثرة في تكامله.

وعلى ذلك يكون التعبير الصحيح : المسائل الجديدة في علم الكلام لا علم الكلام الجديد.

وأظن ـ و ظنّ الألمعي صواب ـ أنّ الغاية من وصف بعض المسائل بالكلام الجديد، هو تهميش الكلام الإسلامي الذي تكامل عبر الزمان بيد عمالقة الفن وأساتذته بزعم أنّ المدوّنات الكلاميّة لا تلبّي حاجات العصر ولا تشبع رغبة الطالبين.

ولكنّه ـ يشهد اللّه ـ بخس لحق هذا العلم، فانّ الكلام الإسلامي قادر على تلبية حاجات المتكلّمين فيما يتبنّونه في هذه الأيّام باسم فلسفة الدين وما يرجع إلى المعرفة الدينية.

إنّ الفقه الأكبر (علم الكلام) كالفقه الأصغر يستطيع أن يحلّ المشاكل ويجيب عن عامة الأسئلة في حقل الدين، وقد قمنا بطرح هذه الأسئلة وتحريرها ضمن مقالات متنوّعة نشرناها في مجلّتنا الفصلية عبر سنين، وقد طبع ما يرجع إلى هذا الموضوع في جزءين مستقلين وانتشر باللغة الفارسية باسم «مدخل مسائل جديد در علم كلام».

ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من هذه المسائل التي عرقلت خُطى بعض المفكّرين، نذكر عناوينها مقرونة ببيان موجز:


( 167 )

1. ما هو السبب لنشأة الدين؟

لقد حاول بعض المفكّرين تفسير نشأة الدين وتعليل ظهور الاعتقاد باللّه سبحانه بين البشر، بوجوه وهميّة صنعتها يد الخيال فهم ـ مكان أن يفسّروه بالفطرة وأنّ الدين نداء يسمعه الإنسان من ضميره وباطن عقله ـ حاولوا أن يفسّروه بعوامل ماديّة ألجأت البشر ـ حسب زعمهم ـ إلى اعتناقه.

فتارة يفسّرونها بالخوف من الحوادث الطبيعية المُرْعبَة، قال ويل دورانت:«الخوف ـ كما قال لوكريشس ـ أوّل أُمّهات الآلهة و خصوصاً الخوف من الموت». فهذا العامل وما يشبهه جعل البشر يلوذ إلى قوة عليا اخترعها ليسكن إلى حمايتها ويرتاح في كنفها.

وأُخرى يفسّرونها بالجهل بالعلل الطبيعية، وحاصلها أنّ الإنسان البدائي عندما واجه الحوادث الطبيعية كالزلازل والسيول والكسوف والخسوف التي تحيط به، ولم يعرف عللها الطبيعية الواقعية، لجأ ـ لجهله ـ إلى اختراع فاعل لها واعتبره العلّة الوحيدة لكلّ شيء مباشرة.

فكان الاعتقاد بوجود اللّه وليد الجهل بأسباب الحوادث الكونية الطبيعية.

وثالثة يفسّرونها بالعامل الاقتصادي ببيان أنّ أصحاب الرق والإقطاعيّين والرأسماليّين في عهود (الرق والإقطاع والرأسمالية) كلّما خشوا ثورة العبيد والفلاّحين والعمال في وجه المستغلّين لهم بسبب ما يلاقونه من الضغوط، عمدوا إلى التوسّل بالمفاهيم الدينية والروحية وترويجها بين المحرومين والكادحين الناقمين بهدف تخديرهم والتخفيف من غضبهم وصرفهم عن الانتفاضة والثورة .


( 168 )

ورابعة بأنّ التديّن نزعة طفولية، وقد تبنّاها «فرويد» و قال: إنّ الحالة الطفولية لدى الإنسان والتي تتطلب له أبا رؤوفاً يأوي إليه في الأهوال، هي التي جرّته إلى أن يخترع فكرة الإله ليقيمه مقام الأب الحامي له في فترة الطفولة حتّى تحصل له الطمأنينة ويتوفّر له الاستقرار النفسي.

إلى غير ذلك من النظريات الساقطة التي لم تكن إلاّ دعاوى فارغة من الدليل، ظهرت لغايات سياسية.

و نحن لا نذكر ما في هذه النظريات من إشكالات تجعلها عقيمة(1) ، وإنّما نلفت نظر القارئ إلى نكتة مهمة، وهي أنّ أصحاب هذه النظريات كأنّهم اتّفقوا على تغافل أنّ هناك لنشوء الاعتقاد باللّه في حياة الإنسان عللاً طبيعية روحية كالفطرة، أو منطقية وعقلية كدلالة العقل الإنساني على وجود قوة عليا عندما يواجه هذا النظام البديع.

هذه العلل تكشف أنّ للاعتقاد جذوراً واقعية في العقل والنفس وهي التي دعت الإنسان في عامة القرون إلى الاعتقاد بالعوالم الغيبية غير عامل الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة أو الجهل بالعوامل الظاهرة أو نظرية الاستغلال أو الحالة الطفولية أو غير ذلك من الفروض التي حاكها الخيال وأبطلها المنطق والتاريخ والتجربة.

2. ما هي الحاجة إلى التديّن؟

هذه هي المسألة الثانية المطروحة باسم الكلام الجديد، وأكثر من يثيرها الماركسيون قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، وبما أنّ القوم لم يدرسوا حاجة


1 . راجع في نقد هذه النظريات كتاب «اللّه خالق الكون»:19ـ 88.


( 169 )

البشر إلى التديّن عادوا يرونه أمراً زائداً في حياة المجتمع الإنساني اليوم بعد أن كان مفيداً في غابر الزمان .

ولكنّهم جهلوا ما للدين من آثار بنّاءة لا يستغني عنها الإنسان في أيّة فترة من فترات حياته، و نشير إلى بعضها ونحيل التفصيل إلى محلّه:

أ. التديّن إجابة عملية لسؤال مطروح للإنسان من أقدم العصور حتّى اليوم حيث كان يسأل نفسه في أنّه:

من أين أتى؟

لماذا أتى؟

وإلى أين يذهب؟

ولم تزل هذه الأسئلة تطالبه بالجواب بإلحاح شديد... إنّه لا يمكنه أن يمرّ على هذه الأسئلة دون اكتراث، وهو يرى لكلّ ظاهرة حياتية سبباً، فكيف بهذا الكون العظيم وهذا الفضاء الواسع العريض وما يتّسمان به من جلال وإبداع؟ والدين يجيب على هذه الأسئلة بوضوح وإتقان.

ب. انّ الدين يطرد القلق المحيط بالإنسان عندما يحتمل أن يكون هناك قوة عليا ولها عليه سلطة وتكاليف ربما يحاسب لأجلها، ويشتد هذا القلق عندما يراجع التاريخ البشري ويواجه مجموعة كبيرة ممّن يطلق عليهم «الأنبياء» قد أخبروا بوجود إله خالق لهذا الكون ، وأنّهم رسل اللّه إلى البشرية جاءوا ليخبروهم بأنّ ثمّة واجبات وتكاليف ، وأنّ هناك حياة أُخرى وحشراً ونشراً وحساباً وعقاباً، وجنّة وناراً، وأنّ الناس جميعهم مسؤولون محاسبون شاءوا أم أبوا.


( 170 )

إنّ هذا النوع من القلق هو الباعث على دراسة العقيدة والبحث عن اللّه وما يتبع ذلك من العقائد والتكاليف ولا يرتاح إلاّ بالنزول على عتبة الدين.

ج. التديّن مورث للطمأنينة: يواجه الإنسان في حياته أُموراً عديدة تنغّص عليه عيشه وتسبّب له أزمة روحية منها:

1. هاجس الفناء.

2. المصائب والنكبات.

3.المطامح المادية غير المحقّقة.

إنّ العقيدة الدينية قادرة على مواجهة عوامل الاضطراب هذه وعلى تحقيق السكينة للإنسان والتخفيف من أزماته الروحية، وذلك من خلال الإيمان بـ:

أوّلاً: أنّ الموت في العقيدة الدينية ليس فناء، بل هو انتقال من عالم ضيق إلى عالم فسيح ومن حياة زائلة إلى حياة أبدية، وعندئذ يتغيّر طعم الموت عند الإلهي عمّا هو عند المادي.

وثانياً: أنّ المصائب والآلام و إن كانت بظاهرها مرّّة، ولكنّها لا تخلو من مصلحة وحكمة، مادام خالق الكون عالماً حكيماً، فإذا وقف الإنسان على أنّها من فعل الخالق الحكيم لم يحزن لما دهاه منها، بل يزداد صلابة واستقـامـة.

وثالثاً: أنّ العقيدة بما أنّها تُقدّم للإنسان تعاليم أخلاقية، تحد من سوْرة الحرص و فوْرة الطمع الذي يسبب الاضطراب نتيجة العجز عن تحقيق الطموحات المادية العريضة.

د. الاعتقاد باللّه دعامة الأخلاق: الإنسان كتلة هائلة من الغرائز التي لا


( 171 )

تعرف الحدود، ومجموعة من الشهوات والمطامع والطموحات التي لا تعرف نهاية، فإذا ترك وشأنه لينال ما تدفعه إليه شهواته وغرائزه جرّ على نفسه وعلى مجتمعه الفساد والفناء، لتضارب المصالح والمطامع والطموحات، ومن هنا طرح المصلحون والاجتماعيون مسألة الأخلاق التي تهتمّ بتعديل هذه الغرائز.

ولكن الالتزام بالأخلاق لمّا كان يلازم التنازل عن بعض الطموحات لم تستطع التوصيات الأخلاقية وحدها من السيطرة على الغرائز، فلابدّ هنا من شيء يعزّز مكانة الأخلاق وهو أن يشعر الإنسان بأنّ هناك قوّة عليا ناظرة لأعماله تثيب من التزم طريق العدالة وحفظ الحدود والحقوق، و تعاقب مَن خالف ذلك، وهذا لا يحصل إلاّ عن اعتقاد ديني.

هـ. الاعتقاد باللّه ضمانة لتنفيذ القوانين: قد أثبت التاريخ والتجربة أنّ وجود القانون وحده ليس كافياً في توفير الأمن للمجتمع وإن كان مُدعماً بقوة جهاز الشرطة في الردع وفرض الغرامة والحكم بالسجن، بل لابدّ مع ذلك من رقيب (مشرف) داخلي يعمل حتّى في حالة غفلة أجهزة الدولة والشرطة، وليس هو إلاّ الإيمان باللّه واليوم الآخر ومخافة الحساب والعقاب وخشية المؤاخذة والمكافاة إلى غير ذلك من آثار بنّاءة للعقيدة الدينية.

3. نطاق شمول الدين

وهذه هي المسألة الثالثة وهي تحديد دور الدين و هل هو رابطة روحية بين الخالق والمخلوق ويتلخص في تصفية الروح باتصاله بمبدأ الكمال، أو أن نطاقه يعمّ ذلك وغيره؟ فهو نظام شامل لحياة الإنسان في حقول مختلفة من غير فرق بين حقل السياسة والأخلاق والاقتصاد والاجتماع، فللدين بيان و بلاغ في


( 172 )

كلّ واحد من هذه الحقول.

وهذا لا يعني أنّ الدين يغني عن التفكير في هذه المجالات ويجعل الإنسان مقلّداً فارغاً عن التخطيط، بل بمعنى أنّ الأُصول الكلية الّتي عليها مدار السعادة في الدنيا والآخرة يبيّنها الدين ويترك التخطيط للإنسان على ضوء هذه الأُصول المسلّمة.

نعم من يلخّص الدين في مجرّد الصلة بين الخالق والمخلوق ويدعو الإنسان إلى الدعاء والمناجاة في الكنائس والمعابد ويترك باقي الأُمور لهوى الإنسان، فمثل هذا الدين نطاقه ضيّق غير شموليّ وهذا كالمسيحيّة الموجودة في العصر الراهن، فإنّ الكنائس لخّصت واجب الإنسان الديني في الدعاء والابتهال إلى اللّه في ساعة واحدة من يوم واحد من الأُسبوع.

ولعلّ ما يذكره القائل من تضييق نطاق الدين يجعل هذا النوع من الدين مقياساً لقضائه، أمّا لو عطف نظره إلى ما ورد في تلمود الكليم من الواجبات والمحرّمات وما في الشريعة المحمّدية من آلاف الأحكام في حقول مختلفة لرجع القهقرى من هذا النوع من التفكير.

4. هل النبوة موهبة إلهية أو نبوغ اجتماعي؟

إنّ النبوّة عند الإلهيّين موهبة إلهية يهبها سبحانه إلى صالحي عباده وأفضلهم، ويجهّزهم بالآيات والبيّنات ليقيموا الناس بالقسط والعدل ويهدوهم إلى الصراط السويّ على أصعدة مختلفة.

نعم هناك من لم يؤمن بالنبوّة يفسرها بالنبوغ الاجتماعي، وأنّ الأنبياء دعاة ومفكّرون لهم من النجدة والفكر ما يميّزهم عن غيرهم، ولأجل إقناع


( 173 )

الناس وإلفات نظرهم إلى خطابهم نسبوها إلى السماء وما وراء الطبيعة وإلى اللّه ليكون أوقع في النفوس.

وهذا النوع من التفسير للنبوة رمي للأنبياء بالكذب، وأيّ افتراء أكبر من أن نصف عمالقة الإصلاح وأتقياء المجتمع بالفرية والكذب ولو لغاية الإصلاح!!

إنّ الأنبياء قد ضحّوا بأنفسهم ونفائسهم في طريق إصلاح المجتمع، أفهل يصحّ وصف هؤلاء بالكذب والدجل؟ وما هذا إلاّ لأنّ القوم لم يدرسوا حقيقة النبوّة وشروطها وواقع الوحي وحدوده.

5. خلود الشريعة وبقاؤها

هل الشريعة السماوية تصلح لأن تُسْعد المجتمع الإنساني عبر القرون وترتقي به إلى أرفع المستويات؟ أو أنّ تعاليم الأنبياء تعاليم زمنية وإصلاحات وقتية تنتفع بها بعض المجتمعات في فترة حياة النبي أو بعدها بمدّة يسيرة؟

إنّ السائل خلط بين ما هو ثابت في الشريعة و ما هو متغيّر فيها، فانّ الأُصول المبتنية على الفطرة الإنسانية ثابتة لا تتغير ولا تتبدّل لثبات فطرتها.

نعم هناك مقرّرات في الشريعة تتبدّل وتتغيّر حسب تغيّر الظروف والحضارات، فالسائل لم يفرّق بين القوانين والمقرّرات، فالثابت هو الأوّل والمتغيّر هو الثاني، ومثال ذلك أنّ فريضة التعليم والتعلّم والكتابة من الأُصول الإسلامية التي لا تتغيّر،فالمسلم هنا مطالب بتحصيل العلم، وبذل أقصى الجهود في هذا المجال، وأمّا ما يتحقّق به هذا الأصل من الأدوات فهي تابعة للظروف والحضارة كما هو واضح، وقس على ذلك كلّ ما ورد في الشريعة من


( 174 )

الأُصول الثابتة والمقررات.

وفي مجال آخر، يُعدّ الدفاع عن كيان الإسلام وحفظ الاستقلال، استناداً إلى قوله سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة)(1) من الأُصول الثابتة، وأمّا كيفية الدفاع ونوع السلاح المستخدم وغير ذلك، فهي من الأُصول المتغيرة التي تخضع لمقتضيات الزمان.

6. الوحدة أو التعدّدية الدينيّة

التعددية الدينية Religious Pluralismمن المسائل الكلامية الحديثة الظهور، وقد جرت مؤخراً على الألسن، وصدرت حولها كتب ومقالات مختلفة في بيانها أو نقدها، يتكون عنوان (البيلوراليزم الديني) من كلمتين هما «بيلوراليزم» و «ديني» و المفهوم الثاني واضح نوعاً ما، إلاّ أنّ المفهوم الأوّل يحتاج إلى بيان.

تستخدم كلمة Pluralاسماً أو صفة، وكذلك تأتي بمعنى «الجمع أو الكثرة» والحقيقة أنّ الكلمة المذكورة تشير إلى «الكثرة» و«التعدد» وتكملتها ismتعني تياراً، من هنا استخدمت في مجالات مختلفة أعمّ من الدين، كالفلسفة، والأخلاق، والحقوق والسياسة، فمثلاً «البيلوراليزم السياسي» نوع من التعددية السياسية، كما تشير إلى تعدّد الأحزاب والتشكيلات، والمقصود من التعدّدية الدينية ما يقابل الوحدانية والتفرّد، أو ما يصطلح عليه الانحصارية في الدين في مقابل الشمولية.

إنّ التعددية الدينية لها تفسيران:


1 . الأنفال:10.


( 175 )

1. إنّ جميع أتباع الأديان (حسب تعبير المنظّرين) أو الشرائع (في ضوء تعبيرنا) قادرون على التعايش على أساس ما لديهم من المشتركات، وأن يتحمّل بعضهم البعض وهو ما يُعرف ـ لدى السياسيّين ـ بالتعايش السلمي، فالتعددية الدينية بهذا المعنى ممّا نادى به الإسلام وقبلها المسلمون شعوباً وحكّاماً حيث يُتاح للجميع التعايش مع بعضهم البعض في ظل السلام والاحترام المتبادل.

2. يكفي في سعادة الإنسان أن يؤمن باللّه ويلتزم بإحدى الشرائع السابقة، وهذا التفسير من التعددية الدينية مردود بنصوص الشريعة، وإليك بعضها :

1. انّ القول بخلود واستمرار كلّ شريعة يفضي إلى إلغاء فائدة تشريع الشرائع المتعدّدة وإرسال الرسل المحوريّين،وسوف لا نجني من ذلك شيئاً سوى التشويش وبث الفرقة.

2. إذا قلنا بأنّه يكفي في تحقيق السعادة اتّباع أية شريعة، فلماذا تحدد مسؤولية كلّ نبي بمجيء النبي الآخر بل والتبشير به؟

3. إذا كانت كل الشرائع خالدة فلا موجب لنسخ الأحكام، ولو بشكل إجمالي، ولما قال المسيح :(ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم) .(1)

4. إذا كانت شريعة عيسى صالحة ومعترفاً بها رسمياً حين نزول الشريعة اللاحقة، فلا وجه لدعوة اليهود والنصارى لاتّباع دين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنّ القرآن يصرّح بضلال أهل الكتاب ما لم يؤمنوا بالدين الجديد: (فَإِنْ آمنوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا).(2)


1 . آل عمران:50.

2 . البقرة:137.


( 176 )

5. عندما نراجع نصوص الكتاب المقدّس والقرآن الكريم وأقوال ورسائل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نجد انّ هذه النظرية من الهشاشة إلى درجة لا يصدقها إلاّ من يقضي ويبرم جزافاً، ثمّ يبحث عن الدليل ويتشبّث من أجل نجاته بكلّ غث فيؤمن بهذه النظرية.

6. تتوقّف حياة الإنسان في الآخرة على عقيدة صحيحة وعمل صالح، وتحقّقهما موجب للثواب. وهنا نسأل: كيف يمكن للتضاد في العقيدة أو العمل بأمرين متضادين، أن يضمن الحياة المعنوية للإنسان؟ وكيف يُسعد الإنسان في الدارين بتبنّي التوحيد على جميع الأصعدة وفي الوقت نفسه يسعد بالإيمان بالتثليث وبتثليث الرب، أو يُسْعد بتجنّب الخمر والربا وكذلك مع الإدمان وأكل الربا؟

7. لو أعرضنا عن هذا، فإنّ واقعية السعادة التي ستوفّرها هذه الأديان ستكون مشروطة بعدم تحريفها، فهل هذا الشرط صادق في الأديان السابقة؟ فالإنجيل المتداول ليس هو كتاب اللّه المنزل على المسيح، بل هو من تحرير تلامذته بشهادة أنّ حياة المسيح قد سجّلت في آخر الأناجيل الأربعة ضبط حياته(عليه السلام) بشكل خاص،وذكر صلبه ودفنه وعروجه إلى السماء.

فهل يمكن للإنجيل الذي خطّته يد البشر أن يُسعد جميع الناس على وجه الأرض؟ والتوراة أيضاً ـ مثل الإنجيل ـ حامت حولها الشكوك، فالتوراة الحالية قُرئت وكتبت على يد أحد حفّاظ التوراة في زمان نبوخذ نصّر (1) بعد اختفاء النسخة الأصلية، وهذه النسخة تعرضت بعد مرور سبعين سنة للتحريف، واشتملت على أحكام ونصوص تخالف العقل، وقد انتقدها القرآن باعتبارها


1 . أي «بخت النصر» ملك بابل، وفي الكتاب المقدس«بنوكد نصر».


( 177 )

عاجزة عن توفير السعادة والهداية.

8. ولو أعرضنا عن كلّ ما تقدم نقول: «إنّ الأديان التاريخية الكبيرة هي بمنزلة مجموعة تتشكل من منظومة عقيدية واحدة» إلاّ أنّنا متى شخصنا الأكمل من بينها فعلينا ـ بحكم العقل ـ اتّباعها، وهذه الحقيقة صرّح بها بعض أنصار البيلوراليزم. يقول «وليم نلسون»: أنا لا اعتقد انّ جميع الأديان التي امتدت على طول التاريخ حتى اليوم، متساوية من منظار علمي.

7. تعارض الدين والعلم

لهذه المسألة (السابعة) جذور في القرون المتقدّمة، فحينما ترجمت الكتب اليونانية والهندية والفارسية إلى اللغة العربية وانتشرت الفلسفة بين المسلمين، رأى غير واحد من المفكرين أنّ هناك تعارضاً بين السمع و بين ما في هذه الكتب، فعادوا يعبرون عن هذه الفكرة بتعارض الدين والفلسفة أو تعارض العقل والنقل.

وعندما ارتجّ العالم بظهور الحضارة الصناعية وأخذ العلم زمام الحياة، وانتشرت نتائج التجارب في الأوساط وربما كان بعضها مخالفاً لما في الكتاب المقدّس أخذت هذه المسألة لنفسها عنواناً آخر، وهو تعارض العلم والدين .

وحصيلة الكلام في نقد التعارض: أنّ المراد من الدين هو حصيلة الوحي الإلهي لا أخبار الآحاد المنتشرة بين الكتب والأفواه، والوحي إدراك قطعي لا يقبل الخطأ، فعند التعارض لابدّ من انتخاب أحد الأمرين:

ما تلقّيناه ديناً وما فهمناه من الكتاب العزيز ليس بدين وإنّما هو انتزاع ذهني وفهم خاطئ منّا.


( 178 )

أو ما أثبتته التجربة ليس من الحقائق المسلّمة، بل فرضية سوف تتبدل إلى فرضية أُخرى.

وعندما ظهرت نظرية «دارون» في أُصول الإنسان، حسب المادّيون أنّهم قد توسّلوا بسلاح حادّ لضرب المتدينين القائلين بخلق الإنسان من الطين، ولكن لم يلبث أن قامت الأدلة القاهرة على بطلان هذه النظرية وقامت مقامها نظرية أُخرى، وهكذا تتابعت النظريات إلى يومنا هذا.

8. صلة الدين بالأخلاق

إنّ الأخلاق جزء من الدين وليست شيئاً خارجاً عنه، وقد مرّ أنّ الاعتقاد باللّه دعامة الأخلاق، بحيث لو انهارت هذه الدعامة لم يبق هناك ما يدعم القيم الأخلاقية، ولأجل إيضاح المقام نقول: إنّ الفضائل والسجايا الكريمة جزء من فطرة كلّ إنسان، وإنّ الميل إلى الخير وكراهة الشر أمران مغروسان في جبلّة البشر فهم يحبّون الخير وأهله ويكرهون الشر وأهله، ولكن هذه البذور والخمائر لا تستطيع مقاومة الغرائز ومزاحمة الشهوات إلاّ إذا قويت ونمت، وهي لا تنمو إلاّ في ظلّ الدين الذي ينطوي على الاعتقاد باللّه واليوم الآخر وما وعد فيه من مثوبات عظيمة على الخيرات، أو عقوبات شديدة على ارتكاب الشرور والآثام، وبهذا تكون العقيدة خير وسيلة لتنمية السجايا النبيلة في الكيان الإنساني وخير سبيل إلى تقويتها ودعمها.

وقد سبق منّا: انّ الدين دعامة الأخلاق ولنعم ما قاله الشاعر:

وإنّما الأُمم الأخـلاق مـا بقيت *** فإن هُمُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا


( 179 )

فإذا كانت هذه مكانة الأخلاق، فما هي مكانة الدين الذي هو دعامتها؟

9. حريّة الإنسان في سلوكه الفردي والاجتماعي

إنّ الفيلسوف الطائر الصيت«سارتر» و من نحا نحوه أعطوا للحرية مكانة مرموقة، وكأنّ الإنسانَ خلق للحرية وفي خدمتها، وهم ـ لأجل ذلك ـ يرفضون الدين لأنّه يحدد حرية الإنسان ويزاحمها، وينكرون كلّ أمر فطري أطبق عليه العقلاء في كلّ قرن كحسن العدل و قبح الظلم، بحجة انّ الاعتراف بوجود هذا الميل الفطري، يحدد حرية الإنسان ويضع لها إطاراً خاصاً، فصارت الحرية عند هؤلاء، إلهاً يعبد مكان إله العالم.

وقد أخذ الإسلام من الحرّية، الجانب الأوسط، فرأى كرامة الإنسان في الحفاظ على حريته، ولكن لا على نحو تكون ذريعة للانحلال الأخلاقي فتُصبحَ وبالاً عليه، وتجعل الإنسان عبداً خاضعاً، للميول والغرائز تحت غطاء، صيانة الحرية.فالحرية بهذا المعنى، تذليل للإنسان وهدم لكرامته ونوع من العبودية للشهوات والغرائز الجامحة كما حدّد حرّيته بعدم الإضرار بمصالح الآخرين، وإن أردت التفصيل فنقول:

يتميّز الإنسان عن سائر الموجودات بالتفكير العقلاني، والحرّية في السلوك، وكأنّ هذين العنصرين: التفكير والحرية، جوهر الحياة الإنسانية.

أمّا التفكير فقد دعا إليه الإسلام في العديد من آياته إلى درجة عُدَّت تنمية القوة العقلية والتفكر في مظاهر الكون من سمات ذوي الألباب، قال سبحانه: (إِنّ في خَلْقِ السَّمواتِ والأَرضِ واختلافِ اللَّيلِ وَالنّهارِ لآيات لأُولِي الأَلباب * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وقعوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرونَ فِي خَلْقِ السَّمواتِ


( 180 )

وَالأَرْضِ رَبّنَا ما خَلْقتَ هذا باطِلاً).(1)

وقد نهى الإسلام عن كلّ عمل أو سلوك يضاد التفكير العقلائي، فنهى عن الخمر، وكلّ مسكر يزيل العقل، كما نهى عن التقليد الأعمى، والاتّباع غير المدروس للآباء والأجداد.

وأمّا الحرّية فإنّ الإسلام حذّر الإنسان من استعباد أخيه الإنسان وقهره وإذلاله، كما حذّر من الخضوع للقهر والتسلّط، فليس للإنسان إلاّ أن يعيش حرّاً كريماً بعيداً عن أيّ شكل من أشكال الذلّ و الصغار، قال الإمام علي(عليه السلام): «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حرّاً».(2)

وقد روي عنهم(عليهم السلام) :«إنّ اللّه تبارك وتعالى فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلاّ إذلال نفسه».(3)

نعم الحرية موهبة إلهية منحها اللّه للإنسان لحفظ كرامته وعزته وشرفه، فلو استخدمها في هدم كرامته وشرفه، فقد خالف السنّة الإلهية، ولذلك صارت الحريات الفردية الشخصية في المجالات الاقتصادية أو السياسية محدّدة بعدم منافاتها لتكامله المعنوي، كما هي مقيدة بعدم إضرارها بالمنافع العامة.

فالحرية أصل أساسي في حياة الإنسان محددة باستخدامها في طريق رُقيّه وتكامله، وعدم إضرارها بمصالح العامة، لكي تكون في خدمة الإنسان ومصالحه، ومصالح المجتمع.


1 . آل عمران:190ـ 191.

2 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 38.

3 . وسائل الشيعة:11/424، كتاب الأمر بالمعروف، الباب12، الحديث4.


( 181 )

10. الهرمنوتيك أو تفسير النصوص

الهرمنوتيك كلمة يونانية بمعنى تفسير النصوص، والغاية من طرح هذه المسألة هو أنّ النصوص الدينية لا يمكن تفسيرها تفسيراً قطعياً، وأنّه يتعذّر اتخاذ رأي نهائي وقطعيّ في المفاهيم الدينية المأخوذة من الكتاب والسنّة.

قالوا في ذلك: «لا يوجد أي رأي نهائي وقطعي في الشؤون الدينية، لأنّ الخطاب الديني يجد معناه في نهاية الأمر عبر الارتباط باللّه، فلا توجد لدينا فتوى قطعية ولا نظرية عقائدية نهائية وإنّما نعيش مساراً تفسيرياً دائماً...».

إنّ هذا القائل وإن خصّ النظرية بالنصوص الدينية، ولكنّ مؤسّسي النظرية في الغرب، أعني: «شلاير ماخر»(1768ـ 1844م) و«مارتين هايدگر» (1879ـ 1974م) و من تقدّم عليهما أو تأخّر عنهما، تبنّوها على نطاق وسيع، وقاموا بتعميمها على كلام كلّ متكلّم وأثر كلّ مؤلّف، وأنّه لا يمكن أن يصل المخاطب إلى المقصود النهائي منهما أبداً.

وقد أفردنا رسالة في نقد هذه النظرية وانتشرت انتشاراً واسعاً، فلا نعود إليها، إلاّ أنّنا نودّ أن نلفت نظر القارئ إلى أُمور:

أوّلاً: أنّ أصحاب تلك النظرية يتكلّمون عن أصحاب الكتب السماوية، وهم لا يعترفون بتلك النظرية بل يكذبونها، فإنّ القرآن الكريم يقسم آياته إلى قسمين: محكم ومتشابه، فيرى المحكم أُمّ الكتاب، وأنّ عقدة المتشابه تنحلّ بالرجوع إليه، يقول سبحانه: (هُوَ الَّذي أنزَلَ عَلَيْكَ الكتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتاب وأُخَرُ مُتَشابهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلهُ إِلاّ اللّهُ والرّاسِخونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ


( 182 )

آمَنّا بهِ كُلٌّ مِنْ عِنْد رَبّنا وَما يَذَّكّرُ إِلاّ أُولُوا الأَلْباب).(1)

فالمحكمات من الآيات ما أُحكمت دلالتها، واتّضحت معالمها، وتبيّنت مقاصدها، أفهل يصحّ وصف هذه الآيات بعدم وجود أي رأي نهائي في تفسيرها وتبيينها؟!

إنّ النظرية تعني أنّ النصوص الدينية مجموعة رموز وألغاز يفسره كلّ إنسان، حسب ما أوتي من مواهب وحسب ما لذهنه من طابَع مع أنّه تبارك وتعالى يصف كتابه بأنّه أُنزل بلسان عربي مبين: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمين * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذرينَ * بِلِسان عَربىّ مُبِين).(2)

إلى غير ذلك من الآيات الآمرة باستماع القرآن والإنصات إليه لفهم مقاصده السامية.

وثانياً: أنّ القول بعدم وجود رأي نهائي وقطعي في الشؤون الدينية ناجم عن القول بنسبية الإدراكات التي ورثها الغرب عن «إيمانوئيل كانت» الذي أعاد السفسطة اليونانية ـ التي تهدمت بجهود حكماء كبار كسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس ـ إلى الساحة العلمية في الغرب، قائلاً بأنّ ما يدركه الإنسان لا يحكي عن الواقع مائة بالمائة وإنّما يحكي عنه بنسبة خاصة، وذلك لأنّ القوى المدركة في الإنسان مقرونة بقوالب لها طابَعها الخاص ترد إليها المفاهيم والصور من الخارج لكن لا تبقى على سذاجتها، بل تنصبغ بصبغة الذهن وتنطبع بتلك الطوابع، وهذا نظير من نظر إلى غابة خضراء بمنظار أصفر فيراها بلون المنظار مع أنّها على خلافه.


1 . آل عمران:7.

2 . الشعراء:193ـ195.


( 183 )

وقد أثبتنا في محاضراتنا حول نظرية المعرفة، أنّ هذه الفكرة تنتهي إلى السفسطة مائة بالمائة، والفرق بين ما تبنّاه «كانت » وما تبنّاه بعض الإغريقيين هو أنّ الفرقة الثانية كانوا يطرحون أنظارهم ببساطة وسذاجة ويدعون أنّه ليس لنا علم بالخارج، ولكن الغرب وعلى رأسهم «كانت» يعرض تلك النظرية بثوب علمي يغري الجاهل.

وإذا كانت مدركات الإنسان تأخذ لنفسها أشكال القوالب الذهنية، فمن أين نعلم أنّ هناك عالماً وراء ذهننا ومدركاتنا ونحن ندركه ونعرف آثاره؟ لأنّ هذه الفكرة (وجود العالم الخارج عن الذهن) لا يمكن أن تعبّر عن الواقع مائة بالمائة لأنّها انصبغت بصبغة الذهن وأخذت شكل القوالب الذهنية.

3. أنّ المطلوب في الدين هو الإيمان الجازم والتصديق القاطع، وقد بعث الأنبياء لتلك الغاية السامية، يقول سبحانه: (آمَنَ الرَّسُول بِما أُنْزِلَ إِليه مِنْ رَبّه وَالمُؤْمِنُون كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائكَتهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحد مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفرانَكَ رَبّنا وَإِلَيْكَ الْمَصير). (1)

فلو كانت المفاهيم الدينية مفاهيم غير قطعية وإدراكات متزلزلة تتبدّل كل يوم إلى معنى يغاير الأوّل، فلا تحصل الغاية السامية من إنزال الكتب وبعث الرسل، لأنّهم بعثوا لإيجاد الإيمان القاطع باللّه سبحانه وكتبه ورسله.

نعم إن هذه المسائل وأشباهها التي اشتهرت باسم الكلام الجديد، وذكرنا في المقام نماذج منها، كانت تتبلور في الغرب وتهز أركان الكنائس وتُضعف قدرتهم، وقد قوبلت في الغرب بقيام رجال مخلصين، تصدّوا لهذه الشبه ونقدوها أفضل النقد، وقد ألفوا في ذلك مئات الكتب، ولا يزال ينتشر في كلّ شهر أو


1 . البقرة:285.


( 184 )

أسبوع حول المواضيع المذكورة كتاب أو رسالة، وقد وصلت موجة هذه الشبه إلى الشرق عبر مَن تخرج من المعاهد الغربية دون أن تترسخ في أذهانهم المبادئ الدينية والعلمية، فتأثروا بذلك وحسبوها حقائق راهنة ، وأخذوا ينشرونها في الجامعات زاعمين أنّها منهاج فلسفي ثمين، غفل عنه الإسلاميون وانتبه له الغربيون.

مخطط الغربيّين لضرب الثقافة الإسلامية

بدأ الغربيّون يسيطرون على البلاد الإسلامية بفضل تفوّقهم الصناعي، يقودهم جند الاستشراق الذين يعرفون ما يملك المسلمون من طاقات مادية ومعنوية.

ولذلك فقد عملوا على صعيدين:

1. تصدير الصناعة بشكل ناقص بحيث يكون الشرق محتاجاً إلى الغرب في كلّ حين وزمان، وبالتالي تكون لهم السيادة وللآخرين الفقر والحاجة.

2. إرسال البعثات التبشيرية إلى البلاد الإسلامية النائية، والبعيدة عن العواصم الإسلامية، كدول أفريقيا ودول شرق آسيا الذين أسلموا طوعاً ورغبة دون أن يكون عندهم علماء أقوياء في مواجهة التبشير. وقد نجحوا بعض النجاح في ذلك المجال، حتّى رفع البابا عقيرته قبل سنين بأنّ أفريقيا على رأس القرن الحادي والعشرين قارة مسيحية خالصة وليس للإسلام هناك أي شأن وقدرة، ولكنّها كانت مجرّد أُمنية لم يكتب لها النجاح.

وقد أحسّ الاستعمار أنّ السيطرة على البلاد الإسلامية الّتي ضرب الإسلام فيها بجرانه، ليس أمراً سهلاً، فدخلوا من باب آخر وهو بث الشكوك والشبهات


( 185 )

عن طريق المسائل الفلسفية والكلامية في المدارس والجامعات حتّى يخرج الإيمان من قلوبهم فيصبحوا شكّاكين حيارى، غير باذلين أيّ اهتمام في الدفاع عن الدين، فعند ذلك يسهل استعمارهم، وذوب ثقافتهم في ثقافة المستعمرين.

ولتنفيذ هذا المخطط فتحوا فروعاً لجامعاتهم في العواصم الإسلامية، وربّما نفذوا هذا المخطط أيضاً عن طريق بعث رجال العلم إلى الجامعات الإسلامية ـ وهم يحملون شهادات علمية ـ لغاية إيجاد الشك والتزلزل في قلوب الطلاب والطالبات.

وعلى ضوء ذلك نرى أنّ الفلسفة الغربية والكلام المسيحي أخذ ينتشر وينتعش في البلاد الإسلامية وخاصة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والغاية من نشر هذه الأفكار هي إزالة الإيمان عن قلوبهم الذي أصبح سدّاً منيعاً أمام أطماع المستعمرين، وهاهنا نشير إلى بعض المسائل الكلامية الّتي طرحت لغرض إيجاد البلبلة الفكرية وتشويش أذهان الجامعيين وسوقهم إلى الشك والإلحاد.

1. فصل السياسة عن الدين

إنّ فصل السياسة عن الدين من أهمّ خططهم حتّى يحصروا علماء الدين في زوايا المساجد لكي لا يكون لهم شأن سوى الدعاء والأوراد، وعند ذلك يسهل لهم السيطرة على العباد والبلاد.

فلو أُريد من الدين، الدين الرائج في البلاد المسيحية حيث إنّ أصحاب الكنائس ليس لهم شأن إلاّ الدعاء وقراءة الأوراد في يوم واحد من أيام الأسبوع وترك الناس على أحوالهم دون تدخل في شأن من شؤون حياتهم، فالحق عدم


( 186 )

وجود الصلة بين السياسة والدين.

ولو أُريد منه، خاتمة الشرائع ـ أعني: شريعة الإسلام ـ فكتابها وسنّتها يصوّران السياسة والدين لحمة وسدى للشريعة، ففصل أحدهما عن الآخر محو لها، فكيف يمكن فصلها عن الدين إذا فسّرت السياسة بتدبير أُمور الأُمّة في معاشهم ومعادهم، وقد طفح الكتاب والسنّة بأُصول تتكفّل تدبير حياة المسلمين. يقول سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمورِ).(1)

فالصلاة صلة العبد باللّه سبحانه، والزكاة صلة الإنسان بالمجتمع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تدبير حياة الأُمّة بدفعها إلى المعروف ونهيها عن المنكر بأساليب مختلفة تقتضيها مصالح العصر.

2. تعدّد القراءات

إنّ مسألة تعدّد القراءات للدين من أخطر المصائد الّتي نصبها المستعمرون في سبيل مسخ الهوية الإسلامية، لأنّ مغزاه انّ كلّ ما ورد في الكتاب والسنّة ليس له معنى واحد وقراءة واحدة، بل يمكن تفسيرها بطرق مختلفة، ولكلّ إنسان قراءته الخاصة في الدين، فربّما تكون نتيجة قراءة فرد فصل السياسة عن الدين والآخر ضمها إليه، وهكذا دواليك.

فإذا قام الخطيب بتفسير آية أو رواية في جانب من الجوانب الدينية والّذي لا يناسب أذواق المستعمرين وأذنابهم قاموا بوجهه قائلين بأنّ ما فهمته من الدين قراءة تختص بك وللآخرين من العلماء قراءة أُخرى، فلا يكون فهمك حجّة على


1 . الحج:41.


( 187 )

الكل. وعند ذلك يصبح الإسلام بكتابه وسنته وكلمات علمائه مفاهيم غير واضحة، بل أُلعوبة بيد المنحرفين.

3. حصر الشريعة بفترة خاصة

الشريعة الإسلامية بفضل نصوصها شريعة خاتمة للشرائع، وكتابها خاتم الكتب، ونبيّها خاتم النبيّين، وقد جاء بسنن وقوانين تستطيع أن تلبّي حاجات الإنسان فردية واجتماعية مادام هو يعيش في هذا الكوكب، ولمّا كان القول بالخاتمية ودوام الشريعة سدّاً منيعاً أمام أطماع المستعمرين حاولوا أن يحدّدوا شريعته بأجيال ماضية قد قضى عليها التاريخ، فعلى الإنسان أن يمهد طريقه في الحياة بأفكاره وآرائه، أو بما يمليه العلم في مختلف الجوانب دون أية حاجة إلى الوحي والشريعة.

هذه هي الأُصول المخططة لتضعيف الإيمان وسوق المجتمع إلى اللادينية والانحراف عن التمسّك بالشريعة، فعندئذ تسهل السيطرة على منافع البلاد وأرباحها ونفوسها ومصيرها ومستقبلها، فعلى علماء الإسلام ومحقّقيهم رصد هذه المناهج الضالّة والدفاع عن حياض الإسلام بتحليل هذه المناهج بالمشراط العلمي حتّى لا يذوب الإيمان في قلوب الناشئة وتصبح سدّاً منيعاً أمام هذه التيارات الضالّة.

وهذه دراسة إجمالية تدفع المفكّر الإسلامي إلى بذل التوجّه والاهتمام بالفقه الأكبر وأنّه ينال الدرجة الأُولى من الحاجات العلمية.


( 188 )

12

الكلام الشيعي الإمامي

في قفص الاتّهام

الكلام الإمامي في مراحله التي مرّ بها، كان يسير على ضوء الكتاب، والسنّة الصحيحة المأخوذة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، والعقل الحصيف، ولم يكن فيما يبرم وينقض، أو يعتقد ويرفض عيالاً على منهج من المناهج الكلامية خصوصاً الاعتزال، من غير فرق بين أهل الحديث والأثر منهم، كالشيخ الصدوق(المتوفّى 381هـ)، ومن تقدّم عليه كأُستاذه ابن الوليد(المتوفّى 343هـ) وأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري (المتوفّى حدود280هـ) وسعد بن عبداللّه القمي(المتوفّى301هـ)، وأهل البرهنة والاستدلال كعيسى بن روضة حاجب المنصور، وعلي بن إسماعيل بن ميثم التمار البغدادي، وأبي جعفر مؤمن الطاق، وهشام بن الحكم، وهشام بن سالم، ومن يليهم إلى عصر المفيد والمرتضى والشيخ الطوسي، والجميع على اختلاف مشاربهم درسوا العقيدة الإسلامية على ضوء ما ذكرنا، خصوصاً خطب الإمام علي(عليه السلام)وكلماته، فلو قالوا بالتوحيد، والعدل، والتنزيه، ونفي الرؤية، والقدرة، والاستطاعة فإنّ جميع هذه المفاهيم مستقاة من


( 189 )

عين صافية، وهي أحاديث أئمّة أهل البيت في مقدّمهم، خطب الإمام علي(عليه السلام).

فلو اتّفقوا مع المعتزلة في قسم من الأُصول المذكورة ، فلا يُعدّ هذا دليلاً على أنّهم أخذوه عن المعتزلة، بل الطائفتان اجتمعتا على مائدة واحدة وانتهلتا من معين واحد.

وقد ذكرنا في موسوعتنا(1) نصوص أئمّة الاعتزال على أنّ مذهبهم يتصل بالإمام علي(عليه السلام)، ونأتي هنا بنموذجين:

قال القاضي عبد الجبار: فأمّا أمير المؤمنين(عليه السلام) فخطبه في بيان نفي التشبيه و إثبات العدل أكثر من أن تحصى.(2)

وقال أيضاً: وأنت إذا نظرت في خطب أمير المؤمنين وجدتها مشحونة بنفي الرؤية عن اللّه تعالى.(3)

وهذا هو ابن المرتضى يقول: وسند المعتزلة لمذهبهم أوضح من الفلق، إذ يتّصل إلى واصل وعمرو اتصالاً ظاهراً، وهما أخذا عن محمد بن علي بن أبي طالب وابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمد، ومحمد هو الذي ربّى واصلاً وعلّمه حتّى تخرّج واستحكم، ومحمد أخذ عن أبيه علي بن أبي طالب(عليه السلام)من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) .(4)

وهانحن نذكر خطبة من خطب الإمام، وهي جواب لسؤال من قال: صِفْ لنا ربّنا مثل ما نراه، فغضب (عليه السلام)، ونادى الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس حتّى غصّ المسجد بأهله فقال كما يرويه الشريف الرضي:

وَأَشْهَدُ أنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبايُنِ أعْضاءِ خَلْقِكَ، وَتلاحُمِ حِقاقِ مَفاصِلِهمْ


1 . بحوث في الملل والنحل:3/188ـ 190.

2 . فصل الاعتزال وذكر المعتزلة:163.

3 . شرح الأُصول الخمسة:268.

4 . المنية والأمل: 5ـ6.


( 190 )

المُْحْتَجِبَة لِتَدْبيرِ حِكْمَتِكَ، لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلى مَعْرِفَتِكَ وَلَمْ يُباشِرْ قَلْبُهُ الْيَقينَ بِأنَّهُ لا نِدَّ لَكَ، وَكأنّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤا التّابِعينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ: (تَاللّهِ كُنَّا لَفِي ضَلال مُبين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمينَ).

كَذَبَ العادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنامِهِمْ وَنَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوهامِهِمْ. وَجَزَّأوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّماتِ بِخَواطِرهِمْ، وَقَدَّرُوكَ عَلى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوى بِقَرائِحِ عُقُولِهِمْ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيء مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَالْعادِلُ بِكَ كافِرٌ بِمَاتَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَماتُ آياتِكَ، وَنَطَقَتْ عَنْهُ شَواهِدُ حُجَجِ بيِّناتِكَ،وَإِنَّكَ أَنْتَ اللّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاه فِي الْعُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً وَلاَ في رَوِيَّاتِ خَواطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً.

ومن كان عنده هذا الكنز الثمين وأمثاله فهو في غنى عن التطفّل على موائد الآخرين، وفي منتدح عن أن يتفوّه بالتجسيم والتشبيه أو بالجهة والرؤية، أو يصير عيالاً على غيره.

ومع هذا التاريخ الوضّاح لكلام الشيعة الإماميّة فقد اتّهموه ببعض التهم: نذكر منها أمرين:

1. اتّهام الشيعة بالتجسيم

إنّ مشايخ الإمامية كانوا على عقيدة التشبيه والتجسيم والجهة والرؤية، إلاّ نفراً قليلاً عدلوا إلى التنزيه والعدل، لأجل مصاحبتهم المعتزلة.

وحاصل التهمة: انّ الشيعة الإمامية، كانوا مجسّمة غير أنّ أقلّية منهم اتّصلت بالمعتزلة فتأثّروا بعقائدهم وصاروا من أصحاب التوحيد والعدل.


( 191 )

يقول أبو الحسين الخياط(المتوفّى311هـ):«وأمّا جملة قول الرافضة، فهو: إنّ اللّه عزّ وجلّ ذو قَد، وصورة، وحدّ يتحرّك ويسكن، ويدنو ويبعد، ويخفّ ويثقل...» هذا توحيد الرافضة بأسرها، إلاّ نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة واعتقدوا التوحيد،فنفتهم الرافضة عنهم، وتبرّأت منهم، فأمّا جُملَتُهم ومشايخهم، مثل: هشام بن سالم، وشيطان الطاق، وعليّ بن ميثم، وهشام بن الحكم، وعليّ بن منصور، والسكّاك، فقولهم ما حكيت عنهم...».(1)

و يقول ابن تيمية :ومعلوم أنّ المعتزلة هم أصل هذا القول(العدل الإلهي)، وانّ شيوخ الرافضة كالمفيد(336ـ 413هـ) والسيد المرتضى(355ـ 436هـ) والطوسي(385ـ 460هـ) والكراجكي(المتوفّى 449هـ) إنّما أخذوا ذلك من المعتزلة، وإلاّ فالشيعة القدماء لا يوجد في كلامهم شيء من هذا.

ويقول الذهبي، زميل ابن تيمية: ومن حدود سنة 370هـ، إلى زماننا هذا تصادق الرفض والاعتزال وتواخيا.(2)

يقول ابن حجر ـ موسّعاً زمان الت آخي ـ: و إنّ الطائفتين لم يزالا متواخيين من زمان المأمون العباسي .(3)

أقول: وأنّى لأبي الحسين الخياط وابن تيمية والذهبي وأشباههم الإلمام بتاريخ الشيعة، وتقييم عقائدهم، وهم يكتبون تاريخ الشيعة بنفسية خاصة وبعقيدة مسبقة في حقّهم.

كيف يكون الشيعة عيالاً على المعتزلة من عصر اتّصال المفيد بهم مع أنّ


1 . الانتصار:14.

2 . ميزان الاعتزال:3/149.

3 . لسان الميزان:4/248.


( 192 )

مشايخ الشيعة، قد رفعوا لواء التوحيد في القرون المتقدّمة على المفيد.

وها نحن نذكر لفيفاً من مشايخ الشيعة(في القرنين الثاني والثالث) الذين ألّفوا كتباً حول التوحيد، منهم:

1. علي بن منصور الكوفي، البغدادي.

له كتاب التدبير في التوحيد والإمامة.

وكان من حضار مجلس يحيى بن خالد البرمكي الذي كان يعقده للمناظرة. قال المسعودي: كان إمامي المذهب،ومن نظّار الشيعة في وقته.

فمن كان يناظر في المسائل الكلامية والفلسفية بمحضر جمع من متكلّمي الإسلام، هل يتصور أن يقول بالتجسيم والتشبيه والجهة؟!

2. محمد بن الخليل البغدادي، أبو جعفر السكّاك(المتوفّى بعد 208هـ).

له كتاب باسم التوحيد وآخر باسم المعرفة.

وهو من المتكلّمين المرموقين في عصر هارون الرشيد، وكان يرتاد الندوة التي كان يعقدها خالد بن يحيى البرمكي ببغداد.

3. محمد بن أبي عمير البغدادي(المتوفّى 217هـ).

له كتاب التوحيد.

كان من مشايخ الشيعة، ولذلك اعتُقل في أيام هارون الرشيد وكفى في مقدرته العلمية أنّ هشام بن الحكم وهشام الجواليقي لمّا أرادا المناظرة في بعض المسائل العلمية، اشترط الجواليقي أن تجري المناظرة بينهما بحضور ابن أبي عمير.

4. علي بن الحسن بن محمد الكوفي، المعروف بالطاطري (المتوفّى بعد 230هـ).


( 193 )

ألّف في الكلام كتاب التوحيد.

وهو أحد أقطاب الشيعة في عصره.

5. محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (المتوفّى 262هـ).

ألّف كتباً، منها: كتاب التوحيد، وكتاب الرد على أهل القدر.

وهو صاحب الباع الطويل في الفقه والحديث والكلام.

6. سهل بن زياد الآدمي(المتوفّى بعد 260هـ).

عاصر الإمامين محمد الجواد وعلي الهادي(عليهما السلام).

صنف كتاب التوحيد.

وهو يروي مناظرة موسى بن جعفر(عليهما السلام) مع أبي حنيفة، وهي بصدد نفي الجبر عن العبد، وتصحيح التقدير على نحو لا يخالف حرية الإنسان.(1)

هذه نماذج من مشايخ الشيعة الذين عاشوا في القرنين الثاني والثالث، وقبل أن يولد الشيخ المفيد بسنين متطاولة ، فكيف يصحّ لهؤلاء المتسرّعين ذلك القضاء الباطل الذي يبخس حق الشيعة، ويتنكّر لأصالة آرائهم ونظرياتهم الكلامية؟!

والعجب العجاب أن تصبح شيعة أمير المؤمنين(الذي منه(عليه السلام) انتشر التوحيد والعدل) مجسّمة مجبّرة، ويكون الأغيار أهل التنزيه والعدل!!

وليس هذا من خصائص الكلام الإمامي و حسب، فانّ الزيدية المقتفية أثر خُطَب الإمام وكلماته، رفعت أيضاً لواء التوحيد والعدل منذ زمن قديم، منهم:

أبو محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسّي الحسني(169ـ246هـ)


1 . انظر تراجم هؤلاء الأعلام في هذا الجزء من الكتاب.


( 194 )

فقد ألّف كتاب التوحيد والعدل الصغير، طبع في بيروت، دار مكتبة الحياة ضمن مجموعة رسائل من العدل والتوحيد.

كما ألّف كتاب التوحيد والعدل الكبير وهو ردود على المشبهة والمجبرة والقدرية والمرجئة طبع أيضاً في بيروت في نفس الدار.

يحيى بن الحسين الزيدي(220ـ 298هـ) له العدل والتوحيد كما في الجامع الكبير.(1)

إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة حول التوحيد والعدل بيد مشايخ الشيعة إماميهم وزيديهم وقد اشتهر بين المتكلّمين: العدل والتوحيد علويان، والجبر والتشبيه أمويان.

إنّ كتاب الكافي لمؤلفه الشيخ الكليني(260ـ 329هـ) يزخر بالأحاديث الدالة على نفي التشبيه والتجسيم والجبر، ويليه كتاب التوحيد للشيخ الصدوق (306ـ 381هـ) فقد أخرج فيه ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في مجال التوحيد و العدل، وقد جمع العلاّمة المجلسي(1037ـ 1110هـ) في موسوعته الحديثية«بحار الأنوار»، كلّ ما ورد حولهما من الأثر عن النبي وأهل بيته فاستغرق ستة أجزاء من كتابه.

أفبعد هذه الأحاديث المتوافرة تُتّهم، شيعة آل البيت بالتجسيم والتشبيه،ظلماً و عدواناً؟! ولأجل الملازمة بين التشيع و حبّ آل البيت و بين العدل والتوحيد يقول الصاحب بن عباد:

لو شُقَّ عن قلبي يُرى وسْطه *** سطران قـد خُطّـا بلا كـاتب

العدل والتوحيد فـي جـانب *** وحبّ أهل البيت في جـانب


1 . الجامع الكبير:2/675.


( 195 )

والعجب من ابن تيمية يرى القذى في عين غيره، ولا يرى الجذع في عينه، فهو وزميله الذهبي ينسبان للشيعة ما عرفت، مع أنّ كتب الحنابلة مكتظة بأخبار التجسيم والجبر وهذا هو محمد بن إسحاق بن خزيمة(المتوفّـى311هـ) ألف كتاباً باسم «التوحيد وإثبات صفات ربّ العالمين»، جمع فيه من هنا وهناك روايات التجسيم، وقد أصبح هذا الكتاب وكتاب «السنّة»، لعبد اللّه بن أحمد بن حنبل(213ـ 290هـ)، مرجع المجسّمة، فقد جاء فيهما ضحك ربنا، واصبعه، ويده، ورجله، وذراعيه وصدره إلى غير ذلك من الإسرائيليات والمسيحيات التي خدع بها المغفلون من الحشوية، فملأوا بها كتبهم، وهم يحسبون انّهم يحسنون صنعاً.

وقد نال توحيد ابن خزيمة مكانة عظمى لدى الحنابلة، وصار مصدر العقيدة الإسلامية عندهم.

قال ابن كثير في حوادث 460هـ: وفي يوم النصف من جمادى الأُولى قُرئ«الاعتقاد القادري» الذي فيه مذهب أهل السنّة والإنكار على أهل البدع وقرأ أبو مسلم الكجي البخاري، المحدث، كتاب «التوحيد» لابن خزيمة على الحاضرين وذكر بمحضر من الوزير ابن جهير وجماعة الفقهاء وأهل الكلام، واعترفوا بالموافقة.(1)

وقد وقف الرازي على ما في الكتاب من الشرك والبدع، فشطب عليه، وقال في تفسير قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلهِ شَيء): واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بـ«التوحيد»ـ وهو في الحقيقة كتاب الشرك ـ واعترض عليها وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف


1 . البداية والنهاية:12/92.


( 196 )

التطويلات، لأنّه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(1)

ولمّا وقف شيخنا الصدوق على اتّهام قدماء أصحابنا بالتجسيم والتشبيه، ألف كتاب «التوحيد»، في ردّ هذه الوصمة فقال في مقدّمة الكتاب: إنّ الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا، إنّي وجدت قوماً من المخالفين لنا ينسبون عصابتنا إلى القول بالتشبيه والجبر، لما وجدوا في كتبهم من الأخبار التي جهلوا تفسيرها ولم يعرفوا معانيها، ووضعوها في غير مواضعها، ولم يقابلوا بألفاظها، ألفاظ القرآن فقبّحوا بذلك عند الجهال مذهبَنا، ولبّسوا عليهم طريقتنا، وصدّوا الناس عن دين اللّه، وحملوهم على جحود حجج اللّه، فتقربت إلى اللّه تعالى ذكره بتصنيف هذا الكتاب في التوحيد ونفي التشبيه والجبر.

اتهام هشام بن الحكم بالتجسيم

اتّهم أبو الحسين الخياط«الهشامين: هشام بن الحكم، و هشام بن سالم» ومؤمن الطاق و غيرهم بالتجسيم والتشبيه وتبعه غيره، لكنّها شنشنة أخزمية، نسمعها من كلّ من يكنّ العداء لشيعة آل البيت. ومن وقف على جانب من جوانب شخصية «هشام بن الحكم»و انّه كان رائد الدليل والبرهان في الأندية الكلامية لأذعن بأنّ نسبة التجسيم إليه وإلى نظرائه، فرية بلا مرية.

وهذا هو المسعودي يعرفنا مكانته بين أعلام عصره، ونبوغه في الجدل والبرهان، فيقول: وقد كان يحيى بن خالد ذا علم ومعرفة وبحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل الآراء والنحل، فقال لهم يحيى وقد اجتمعوا عنده: قد أكثرتم الكلام في الكمون والظهور، والقدم


1 . مفاتيح الغيب:27/150.


( 197 )

والحدوث، والإثبات والنفي، والحركة والسكون، والمماسّة والمباينة، والوجود والعدم، والجرّ والطفرة، والأجسام والأعراض، والتعديل والتجريح، ونفي الصفات وإثباتها، والاستطاعة والأفعال، والكمية والكيفية، والمضاف، والإمامة أنصّ هي أم اختيار، وسائر ما توردونه من الكلام في الأُصول والفروع، فقولوا الآن في العشق على غير منازعة، وليورد كلّ واحد منكم ما سنح له فيه، وخطر إيراده بباله.

فقال علي بن ميثم وكان إمامي المذهب من المشهورين من متكلّمي الشيعة: أيّها الوزير العشق ثمرة المشاكلة ....

وقال الثالث: وهو محمد بن الهذيل العلاّف، وكان معتزليّ المذهب وشيخ البصريين: أيّها الوزير، العشق يختم على النواظر، ويطبع على الأفئدة، مرتقى في الأجساد....

وقال الرابع: وهو هشام بن الحكم الكوفي شيخ الإمامية في وقته وكبير الصنعة في عصره ـ : أيّها الوزير، العشق حِبالةٌ نصبها الدهر فلا يصيد بها إلاّ أهل التخالص في النوائب....

وقال النظّام إبراهيم بن سيّار المعتزلي وكان من نظار البصريين في عصره: أيّها الوزير العشق أرق من السراب وأدبُّ من الشراب....

ثمّ قال السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر ومن يليهم، حتّى طال الكلام في العشق بألفاظ مختلفة ومعان تتقارب وتتناسب، وفيما مر دليل عليه.(1)

أفيصحّ بعد هذا أن نتّهمه بأنّه كان يقول بأنّ معبوده سبعة أشبار بشبر


1 . مروج الذهب:3/372، طبعة دار الأندلس، بيروت.


( 198 )

نفسه وانّه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة، وانّه يتحرك وحركته ... وليست من مكان إلى مكان و قال: هو متناه بالذات غير متناه بالقدرة.

وحكى عبد اللّه عيسى الوراق أنّه قال: إنّ اللّه تعالى مماس لعرشه، لا يفضل منه شيء عن العرش ولا يفضل من العرش شيء منه.(1)

إنّ هذه الأفكار ألصق بالحشوية منها بشيعة آل البيت الذين تربّوا في أحضان التوحيد و العدل.

إنّ أفضل السُّبُل للوقوف على شخصية إنسان وأفكاره ونزعاته هو تسليط الضوء على الآثار التي تركها بعد رحيله، فالمترجمون له، يذكرون له كتباً، منها:

1. كتاب التوحيد.

2. كتاب المجالس في التوحيد.

3. كتاب الشيخ والغلام في التوحيد.

4. كتاب الردّ على ارسطاطاليس في التوحيد.

5. كتاب الدلالات على حدث (حدوث) الأجسام.

6. كتاب الردّ على الزنادقة.

7. كتاب الردّ على أصحاب الاثنين.

8. كتاب الردّ على أصحاب الطبائع.

9. كتاب في الجبر والقدر.

10. كتاب القدر.

11. كتاب الاستطاعة.


1 . الشهرستاني، الملل والنحل:1/149، طبعة المكتبة النصرية، بيروت.


( 199 )

12. كتاب المعرفة.

13. كتاب الألطاف.

14. كتاب الألفاظ، ولعلّه كان يعني شرح المصطلحات التي كان يستعملها هو أو كانت تستعمل في الكلام.

إنّ من يرد على أرسطاطاليس في التوحيد، ويناضل ذلك المعلم الأوّل، يستحيل عليه أن يقدِّر ربه بأشبار نفسه، أو يجلسه على عرشه الذي لا يزيد عليه ولا ينقص منه.

وقد كفانا في دفع هذه السهام المرشوقة على شخصية مثل هشام بن حكم، أو هشام بن سالم أو مؤمن الطاق، ما قام به القدامى من علمائنا، منهم الشريف المرتضى، حيث يقول:

«...فأمّاما رُمي به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم، فالظاهر من الحكاية عنه القول بـ«جسم لا كالأجسام»، ولا خلاف في أنّ هذا القول ليس بتشبيه، ولا ناقض لأصل، ولا معترض على فرع، وأنّه غلط في عبارة، يرجع في إثباتها ونفيها إلى اللّغة، وأكثر أصحابنا يقولون: إنّه أورد ذلك على سبيل المعارضة للمعتزلة ، فقال لهم: إذا قلتم: إنّ القديم تعالى شيء لا كالأشياء، فقولوا :إنّه جسمٌ لا كالأجسام، وليس كلّ من عارض بشيء وسأل عنه أن يكون معتقداً له ومتديّناً به، وقد يجوز أن يكون قصد به إلى استخراج جوابهم عن هذه المسألة ومعرفة ما عندهم فيها، أو إلى أن يُبيِّن قصورهم عن إيراد المرتضى في جوابها، إلى غير ذلك ممّا لا يتّسع ذكره.

فأمّا الحكاية أنّه ذهب في اللّه تعالى أنّه جسم له حقيقة الأجسام الحاضرة، وحديث (الأشبار) المدّعى عليه فليس نعرفه إلاّ من حكاية الجاحظ عن النظّام،


( 200 )

وما فيها إلاّ متّهم عليه غير موثوق بقوله، وجملة الأمر: أنّ المذاهب يجب أن تؤخذ من أفواه قائليها وأصحابهم المختصّين بهم ومن هو مأمون في الحكاية عنهم، ولا يرجع إلى دعاوي الخصوم....

و ممّا يدلّ على براءة هشام من هذه التهم، ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) في قوله: «لا تزال يا هشام مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك».

وأمّا الجبـر وتكليفه ]تكليف اللّه[ بمالا يطاق ممّا لا نـعرفـه مذهبـاً له...».(1)

وفي معالم ابن شهر آشوب، قال الصادق(عليه السلام): «هشام رائد حقّنا، وسائق قولنا، المؤيّد لصدقنا، والدامغ لباطل أعدائنا، من تبعه وتبع أثره تبعنا، ومن خالفه وألحد فقد عادانا وألحد فينا».(2)

ولا ريب في أنّ العارف بفنّ المناظرة والأساليب المتّبعة في هذا الفنّ، يُدرك ما يرمي إليه المناظر القدير من مقاصد في كلامه، ويبدو أنّ أبا الفتح الشهرستاني (المتوفّى 548هـ)، قد فهم هذا المعنى، وأدرك مغازي تلك المناظرات، فقال: وهذا هشام بن الحكم صاحب غوْر في الأُصول، لا يجوز أن يُغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، ودون ما يظهره من التشبيه، وذلك أنّه ألزم العلاف، فقال: إنّك تقول الباري عالم بعلم وعلمه ذاته، فيشارك المحدثات في أنّه عالم بعلم، ويباينها في أنّ علمه ذاته، فيكون عالماً لا كالعالمين،


1 . الشافي:1/83.

2 . معالم العلماء:128.وقد قام المحقّق المعاصر الشيخ محمد رضا الجعفري(حفظه اللّه) بالدفاع العلمي عن شيخ الشيعة ومتكلّمهم هشام بن الحكم في مقال خاص نشره في مجلة تراثنا العدد30، ط قم فلاحظ.


( 201 )

فلم لا تقول هو جسم لا كالأجسام، وصورة لا كالصور، وله قدر لا كالأقدار، إلى غير ذلك.

ويقول أحمد أمين: إنّ هشام بن الحكم أكبر شخصية شيعية في الكلام، وكان جداً قوي الحجّة، ناظر المعتزلة وناظروه، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرقة تدل على حضور بديهيته وقوة حججه.

وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الرجل كان في بداية أمره من تلاميذ أبي الشاكر الديصاني، صاحب النزعة الإلحادية في الإسلام، ثمّ تبع الجهم بن صفوان، الجبري المتطرّف المقتول بترمذ عام 128هـ، ثمّ لحق بالإمام الصادق(عليه السلام)ودان بمذهب الإمامية، وما تنقل منه من الآراء التي لا توافق أُصول الإمامية، فإنّما هي راجعة إلى العصرين اللّذين كان فيهما على النزعة الإلحادية أو الجهمية، وأمّا بعد ما لحق بالإمام الصادق(عليه السلام) فقد انطبعت عقليّته بمعارف أهل البيت إلى حدّ كبير، حتّى صار أحد المناضلين عن عقائد الشيعة الإمامية.(1)

وإنّني أعتقد أنّ هذا الكلام الواضح كالشمس في رابعة النهار، يبدّد كلّ السحب السوداء التي أحاطت بآراء ومقالات هشام، ولم يُبق لطلاّب الحقيقة من عذر في جهل شخصية هشام، وسمو منزلته في العلم والإيمان والعقائد الصحيحة.

2. الشيعة ورثة المعتزلة

هذه هي التهمة الأُخرى التي ألصقها خصوم الشيعة بهم، وقد مرّ في كلام الخياط وغيره الإشارة إليها واجترّها الباحث الغربي «آدم متز» في كتابه «الحضارة


1 . راجع بحوث في الملل والنحل:6/578.


( 202 )

الإسلامية في القرن الرابع»، وقد خصّص الفصل الخامس من كتابه للشيعة، ولم يكن عنده ـ حسب اعترافه ـ إلاّ مخطوط علل الشرائع للصدوق (306ـ 381هـ) وقد عثر عليه في مكتبة برلين، ولم يذكر في هذا الفصل شيئاً مهماً عن الشيعة سوى الصراعات والفتن التي دارت في هذا القرن وما قبله بين السنّة والشيعة في بغداد وغيرها، وقد جمع تلك الصفحات بجدّ وحماس، وكأنّه يريد أن يلخّص الشيعة في إثارة الفتنة والفساد، متناسياً دورهم الكبير في الدين و الأدب، ومشاركتهم سائر المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية، وإن أشار في ثنايا كتابه إلى بعض الشخصيات اللامعة منهم كنصير الدين الطوسي، وليته اكتفى في رسم صورة تلك الطائفة بما ذكره، ولم يتّهمهم بكونهم تبعاً للمعتزلة في الأُصول والآراء، و إنّه لم يكن لهم في القرن الرابع مذهب كلامي مدوّن، وإليك نصَّ كلامه:

إنّ الشيعة هم ورثة المعتزلة، ولابدّ أن تكون قلّة اعتداد المعتزلة بالأخبار المأثورة ممّا لاءَم أغراض الشيعة، ولم يكن للشيعة في القرن الرابع (300ـ 400هـ) مذهب كلامي خاصّ بهم، فتجد مثلاً أن عضدالدولة (المتوفّى 372هـ) وهو من الأُمراء المتشيّعين يعمل على حسب مذهب المعتزلة، ولم يكن هناك مذهب شيعي للفاطميين، ويصرح المقدسيّ بأنّهم يوافقون المعتزلة في أكثر الأُصول، وعلى العكس من هذا نجد الشيعة الزيدية يرتقون بسند مذهب المعتزلة حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، ويقولون: إنّ واصلاً أخذ عن محمد بن علي بن أبي طالب، وأنّ محمّداً أخذ عن أبيه، والزيدية يوافقون المعتزلة في أُصولهم إلاّ في مسألة الإمامة، ويدلّ على العلاقة الوثيقة بين المعتزلة والشيعة أنّ الخليفة القادر جمع بينهما حينما نهى في عام (408هـ) عن الكلام والمناظرة في الاعتزال والرفض (مذهب الشيعة) والمقالات المخالفة للإسلام.


( 203 )

ثمّ إنّ الطريقة التي سار عليها ابن بابويه القمّي أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري في كتابه المسمّى بكتاب «العلل» تذكّرنا بطريقة علماء المعتزلة الذين يبحثون عن علل كلّ شيء.(1)

إنّ في كلام هذا الباحث مناقشات كثيرة قد أشرنا إليها في مقال تحت عنوان « الشيعة وعلم الكلام عبر القرون الأربعة»، نشر بمناسبة الذكرى الألفية لوفاة الشيخ المفيد برقم 32 لكن نشير في المقام إلى الغرض الأسنى من هذا البحث.

من قرأ تاريخ التشيع والاعتزال يقف على أنّ الطائفتين تتصارعان صراع الأقران في المسائل التي اختلفتا فيها، فكيف يمكن أن تكون الشيعة عالة على المعتزلة في عقائدها؟ فأين مبادئ الشيعة من مبادئ الاعتزال والطائفتان وإن كانتا تشتركان في التوحيد والعدل وبالتالي في نفي التجسيم والرؤية والجبر والقول بالتحسين والتقبيح العقليين، لكنّهما تفترقان في كثير من الأُصول، وكفاك في هذا المضمار ما ألّفه الشيخ المفيدباسم «أوائل المقالات في المذاهب والمختارات».

يقول في ديباجة كتابه: «فإنّي بتوفيق اللّه ومشيته مثبت في هذا الكتاب ما آثر إثباتَه من فرْق ما بين الشيعة والمعتزلة، وفصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل من المعتزلة، والفرق ما بينهم من بعد، و ما بين الإمامية فيما اتّفقوا عليه من خلافهم فيه من الأُصول، وذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرعة عن أُصول التوحيد و العدل و القول من اللطيف في الكلام وما كان وفاقاً منه لبني نوبخت رحمهم اللّه، وما هو خلاف لآرائهم في المقال وما يوافق


1 . الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري:1/106ـ 107.


( 204 )

ذلك مذهبه (1) من أهل الاعتزال وغيرهم من أصحاب الكلام ليكون أصلاً معتمداً فيما يمتحن للاعتقاد، وباللّه استعين على تبيين ذلك وهو بلطفه الموفق(2) للصواب».

وقد سبق منّا في الفصل العاشر الفوارق بين المنهجين في الكلام.(3)

إنّ المناظرات التي دارت بين الشيعة والمعتزلة من عصر الإمام الباقر(عليه السلام) إلى العصر الذي ارتمت فيه المعتزلة في أحضان آل بويه، أدلّ دليل على أنّ النظام الفكري للشيعة لا يتفق مع المعتزلة.(4)

وأمّا ردود الشيعة على المعتزلة فحدّث عنها ولا حرج، وإليك أسماء بعضها:

1. محمد بن علي بن النعمان، مؤمن الطاق(المتوفّى نحو 160هـ): أحد المتكلّمين البارزين، وله مجالس مع الآخرين، له كتب، منها: الرد على المعتزلة في إمامة المفضول، وكتاب الجمل في أمر طلحة والزبير وعائشة.(5)

2. هشام بن الحكم(المتوفّى 199هـ): متكلّم الشيعة في عصره. له ردود على مختلف الفرق، منها: كتاب الردّ على المعتزلة، وكتاب الردّ على المعتزلة وطلحة والزبير. (6)


1 . الضمير يرجع إلى الشريف الرضي حيث أشار إليه فيما سبق من كلامه هذا.

2 . أوائل المقالات: 1ـ 2، طبعة تبريز.

3 . لاحظ ص 161ـ163 من هذه الرسالة.

4 . لاحظ هذه المناظرات في الكتابين التاليين:1. الفصول المختارة من العيون والمحاسن،2. كنز الفوائد، للكراجكي(المتوفّى 449هـ) .

5 . فهرست الطوسي، رقم 595.

6 . رجال النجاشي: 2/397 برقم 1165.


( 205 )

3. الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري(المتوفّى 260هـ): فقيه متكلّم بارع. له ردود، منها: النقض على الاسكافي، الرد على الأصمّ، كتاب في الوعد والوعيد.(1)

4. الحسن بن موسى بن الحسن بن محمد بن العباس النوبختي(المتوفّى حدود 310هـ) له ردود على المعتزلة نذكر منها ما يلي:

النقض على أبي الهذيل العلاّف في المعرفة (أبو الهذيل متكلم معتزلي توفّـي سنة 235هـ)، النقض على جعفر بن حرب في الإمامة (وهذا متكلّم معتزلي توفّي سنة 236هـ)، نقض العثمانية للجاحظ، الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين في الوعيد، إلى غير ذلك من آثاره.

5. محمد بن عبد الرحمن بن قبة المتكلّم المعروف، المتوفّى قبل سنة (319هـ)، له كتاب الردّ على الجبائي، و نقل النجاشي عن أبي الحسين السوسنجردي، أنّه قال: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا(عليه السلام) بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً بي ومعي كتاب أبي جعفر ابن قبة في الإمامة المعروف بالإنصاف، فوقف عليه ونقضه بـ«المسترشد في الإمامة»، فعدت إلى الري فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بـ«المستثبت في الإمامة»، فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بـ «نقض المستثبت»، فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قد مات .(2)

وأخيراً قام الشيخ المفيد بنقض كثير من كتب المعتزلة، فله الكتب التالية وكلّها ردود عليهم:


1 . رجال النجاشي:2/168برقم 838.

2 . رجال النجاشي:2/288 برقم 1024.


( 206 )

1. الرد على الجاحظ العثمانية.

2. نقض المروانية.

3. نقض فضيلة المعتزلة.

4. النقض على ابن عبّاد في الإمامة.

5. النقض على عليّ بن عيسى الرماني.

6. النقض على أبي عبد اللّه البصري في المتعة.

7. نقض الخمس عشرة مسألة للبلخي.

8. نقض الإمامة على جعفر بن حرب.

9. الكلام على الجبائي في المعدوم.

10. نقض كتاب الأصمّ في الإمامة.

11. كتاب الردّ على الجبائي في التفسير.

12. عمد مختصرة على المعتزلة في الوعيد.

إنّ تلميذه الفارس البطل في حقل الكلام السيد المرتضى (355ـ 436هـ) نقض بعض كتب المعتزلة فألف الشافي ردّاً على الجزء العشرين من كتاب «المغني» للقاضي عبد الجبار(المتوفّى 415هـ).

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الطائفتين تتفقان في أُصول وتختلفان في أُصول أُخرى وليست إحداهما فرعاً للأُخرى، بل الجميع يصدرون في قسم من الأُصول عن عين صافية، أعني: خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)ويختلفون في أُصول كلامية.

إلى هنا تمّ تبيين بعض التهم المرميّ بها الكلام الإمامي وتركنا بعض التهم الجزئية لض آلتها ، وللّه الحمد.


( 207 )

13

المراحل الأربع

التي مرّ بها الكلام الإماميّ

قد أصبح اليوم تاريخ كلّ علم موضوعاً مستقلاً وراء العلم حتّى غلا بعضهم في القول بأنّه ليس للعلم حقيقة سوى تاريخه ومراحله التي مرّ بها العلم عبر قرون، والفرق بين ذات العلم ودراسة تاريخه ومراحله يتجلّى في المثال التالي:

هناك من يبحث في علم الطب من منظار داخلي وتُثمر جهودُه في نفس ذلك العلم، وتتبعه اكتشافات في الداء والدواء، وهناك من يبحث في ذلك العلم من منظار خارجي و تنصب جهوده في تاريخه والمراحل الّتي مرّ بها العلم، وما أعقبه من نضوج وتكامل، وهذا ما نهدف إليه في هذا الفصل الذي هو خاتمة المطاف في هذا التقديم.

المرحلتان المتواكبتان

إنّ الشيعة الإماميّة منذ عصر الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) إلى عصر


( 208 )

الشيخ المفيد كانوا على منهجين متقاربين لا متضادّين:

1. منهـج جمـع الحـديث وتـدوينه مجـرّداً عن التعمّق والتمحيص إلاّ قليلاً.

2. منهج تدوين الحديث مع تمحيص السنّة الصحيحة عن الموضوعة.

وكانت الطائفتان على ذينك المنهجين وكلّ يدافع عن منهجه بجدّ وحماس إلى أن وصل دور الرئاسة إلى الفارس الباسل في ميدان العلوم والمعارف: الشيخ المفيد فأطفأ ثورة الطائفة الأُولى وقلع فكرة الجمود على النقل من دون تمحيص ونظر.

نعم كان المنهجان يتواكبان في عصر واحد دون أن يكون لواحد تقدّم زمنيّ على الآخر، وقد اتخذت الطائفة الأُولى بلدة قم والريّ مركزاً لتعاليمها وثقافتها، كما كانت الكوفة وبغداد مركزاً للطائفة الثانية، وستقف على أعلام كلّ طائفة على وجه الإجمال.

جدير بالذكر أنّ اختلاف المنهجين في المسائل الكلامية التي لا يجب الاعتقاد فيها بواحد من القولين، رغم أنّهم كانوا متّفقين في الأُصول التي تناط بها السعادة كالتوحيد والعدل ونفي الرؤية، وعينية الصفات للذات وحدوث القرآن ونفي الجبر عن أفعال العباد، وهانحن نشير إلى أعلام كلّ منهج بإيجاز:

أعلام المنهج الأوّل

1. سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعريّ. يقول النجاشي: شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها، كان سمع من حديث العامة شيئاً كثيراً و سافر في طلب الحديث، لقى من وجوههم: الحسن بن عرفة ومحمد بن عبد الملك الدقيقي وأبا حاتم الرازي وعباس الترقفي، ولقى مولانا أبا محمد(عليه السلام)(توفّي سنة 301هـ،


( 209 )

وقيل 299هـ) .(1)

2. سهل بن زياد أبو سعيد الآدمي الرازي، كان ضعيفاً في الحديث غير معتمد فيه ، له كتاب التوحيد، تُوفّي بعد 255.(2)

3. محمد بن الحسن الصفّار، يقول النجاشي:كان وجهاً في أصحابنا القميّين، ثقة، عظيم القدر، راجحاً، قليل السقط في الرواية. توفّي عام 290هـ. له كتاب الردّ على الغلاة، وغير ذلك.(3)

4. أحمد بن محمد بن خالد البرقي، أبو جعفر، نقل العلاّمة الحلّـي عن ابن الغضائري: طعن عليه القميّون وليس الطعن فيه، وإنّما الطعن فيمن يروي عنه، فإنّه كان لا يبالي عمّن أخذ على طريقة أهل الأخبار، توفّي عام 274هـ.(4)

5. عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي البصري أبو أحمد ، شيخ البصرة وأخباريّها، وكان عيسى الجلودي من أصحاب أبي جعفر الجواد(عليه السلام).(5)

6. محمد بن زكريا بن دينار مولى بني غلاّب، قال النجاشي: كان هذا الرجل وجهاً من وجوه أصحابنا في البصرة، وكان أخباريّاً واسع العلم وصنّف كتباً كثيرة، توفّي عام 298هـ.(6)

7. أحمد بن إبراهيم بن معلّـى بن أسد العمّي، قال النجاشي: كان ثقة في


1 . رجال النجاشي، برقم 465.

2 . رجال النجاشي، برقم 488.

3 . رجال النجاشي، برقم 950.

4 . رجال النجاشي برقم 180; وخلاصة الرجال للعلاّمة، القسم الأوّل، باب أحمد، برقم 7.

5 . رجال النجاشي برقم 638.

6 . رجال النجاشي برقم 937.


( 210 )

حديثه، حسن التصنيف، وأكثر الرواية عن عامّة الأخباريّين.(1)

وأخيرهم لا آخرهم:

8. أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه المعروف بالصدوق القمي أبو جعفر نزيل الريّ. قال النجاشي: شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة 355هـ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السنّ.(2)

هؤلاء هم مشاهير المقتفين للمنهاج الأوّل، وقد مرّ أنّ النجاشي يصف أكثرهم بالأخبارية، وقد مرّ أنّهم كانوا يسكنون مدينة قم أو الري، ويُستنتج ممّا جاء في تراجمهم انّهم كانوا يتميزون بأُمور:

1. كانوا يمارسون الأخبار ويروونها لكن بلا تمحيص، ومع ذلك لم يكن الجميع على منزلة واحدة من هذه الجهة للفرق الواضح بين ما ألّفه الصدوق وغيره.

2. كانوا يعتمدون على العقل بأقلّ ما يمكن.

3. يرون أنّ خبر الآحاد حجة في العقائد والمعارف كما هو حجّة في الفقه والأحكام.

أعلام المنهج الثاني

وأمّا أعلام المنهج الثاني الذين كانوا أكثر اعتماداً على العقل والبرهان من الطائفة الأُولى، فقد ورثوا هذا الخط من عصر الإمام الصادق(عليه السلام)، ونبغ في


1 . رجال النجاشي برقم 237.

2 . رجال النجاشي برقم 1050.


( 211 )

أحضانه متكلّمون واعون نشير إلى بعضهم:

1. زرارة بن أعين. يقول النجاشي: شيخ أصحابنا في زمنه ومتقدّمهم كان قارئاً، فقيهاً، متكلماً، شاعراً، أديباً، قد اجتمع فيه خصال الفضل والدين، له كتاب في الاستطاعة والجبر.(1)

2. محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى. يقول النجاشي: بغدادي الأصل والمقام; جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين. له من الكتب: كتاب الكفر والإيمان، كتاب البداء، كتاب الاحتجاج في الإمامة، توفّي عام 217هـ.(2)

3. يونس بن عبد الرحمن مولى علي بن يقطين . يقول النجاشي: كان وجهاً في أصحابنا، متقدّماً، عظيم المنزلة، روى عن الكاظم والرضا(عليهما السلام). له كتاب المثالب، كتاب البداء، كتاب الردّ على الغلاة، كتاب الإمامة.(3)

4. الفضل بن شاذان، أبو محمد الأزدي. كان أبوه من أصحاب يونس، وكان ثقة، أحد أصحابنا الفقهاء والمتكلّمين، وله جلالة في هذه الطائفة، ومن كتبه: كتاب النقض على الاسكافي في تقوية الجسم، كتاب الوعيد، كتاب الردّ على أهل التعطيل، كتاب الاستطاعة، كتاب الأعراض والجواهر، إلى غير ذلك من كتبه.(4)

5. أبو محمد حسن بن موسى النوبختي. يقول النجاشي: الحسن بن موسى أبو محمد النوبختي شيخنا المتكلّم المبرّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة


1 . رجال النجاشي، برقم 461.

2 . رجال النجاشي، برقم888.

3 . رجال النجاشي، برقم1029.

4 . رجال النجاشي، برقم 838.


( 212 )

وبعدها. له على الأوائل كتب كثيرة، منها: كتاب الآراء والديانات، كتاب كبير حسن يحتوى على علوم كثيرة، قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد اللّه. ثمّ ذكر فهرس كتبه الكثيرة عامّتها في الكلام وقسم منها نقوض وردود. توفي حوالي 310هـ.(1)

6. أبو سهل إسماعيل بن علي بن إسحاق النوبختي. يقول النجاشي: كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا وغيرهم، له جلالة في الدنيا والدين، يجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب.صنّف كتباً كثيرة، منها: الاستيفاء في الإمامة، وكتاب التنبيه في الإمامة، إلى غير ذلك من النقوض والردود.

7. أبو (2)الجيش مظفر بن محمد البلخي. يعرّفه النجاشي بقوله: متكلّم مشهور الأمر سمع الحديث فأكثر، له كتب كثيرة، منها :نقض العثمانية على الجاحظ، كتاب مجالسة مع المخالفين، إلى غير ذلك من الكتب، توفّي عام 367هـ، وقد قرأ على أبي سهل النوبختي.(3)

أخيرهم لا آخرهم:

8. محمد بن محمد بن النعمان المفيد، الغني عن التعريف، كان فارسَ ميدان العلوم والمعارف، ومن أبرز تخصّصاته أنّه كان متكلماً بارعاً ذا منهج خاص ومناظراً منقطع النظير، انتهت إليه رئاسة كلام الشيعة في أواخر القرن الرابع، توفّي عام 413هـ.

هذه إشارة عابرة إلى رجال المنهجين، والطابع الغالب على الأوّل التحديث


1 . رجال النجاشي، برقم146.

2 . رجال النجاشي، برقم 67.

3 . رجال النجاشي، برقم1131.


( 213 )

والعمل بخبر الآحاد في العقائد والمعارف، كما أنّ الطابع العام لمقتفي المنهج الثاني هو العمل بالكتاب والسنّة المتضافرة والعقل الحصيف.

وهناك سبب آخر لتمايز المنهجين، وهو أنّ روّاد المنهج الأوّل كانوا في منطقة طابَعها العام هو التشيع وكانت السنّة بينهم في قلّة، فلم يكن هناك ما يحفِّز كثيراً على إعمال العقل والنظر والاحتجاج، لكن روّاد المنهج الثاني كانوا يتواجدون في بغداد والكوفة وفيها السنّة بطوائفها، و كان الاحتكاك الثقافي يلزمهم بالجدل والمناظرة وإعمال الفكر لتحصين العقائد.

ومع سيادة طابعين مختلفين على أصحاب هذين المنهجين إلاّ أنّهم لم يختلفوا في الأُصول وإنّما اختلفوا في مسائل كلامية، تظهر بمراجعة كتاب «تصحيح الاعتقاد» للشيخ المفيد، وهو تعليقات على كتاب «عقائد الإمامية» للشيخ الصدوق، ناقشه في عدّة من المسائل الكلامية.

وبالرجوع إلى «تصحيح الاعتقاد» تظهر مواقع الاختلاف بين المنهجين، وبما أنّ «تصحيح الاعتقاد» طبع وانتشر على نطاق واسع، فإنّنا لا نجد هنا ما يُلزم لبيان الفوارق بينهما.

ولأجل إعلام القارئ بوجود النقاش بين أصحاب المنهجين نذكر عبارة المفيد التي سطّرها في بعض فصول هذا الكتاب يقول:

«لكن أصحابنا المتعلّقين بالأخبار، أصحاب سلامة وبعد ذهن وقلّة فطنة، يمرّون على وجوههم فيما سمعوه من الأحاديث ولا ينظرون في سندها، ولا يفرقون بين حقّها وباطلها، ولا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها، ولا يحصلون معاني ما يطلقونه منها...».(1)


1 . تصحيح الاعتقاد: 38، طبع تبريز.


( 214 )

نقل الشيخ المفيد آراء بعض المحدّثين بمالا يوافق مذهب الإمامية، ولأجل ذلك خطّأهم ونسبهم إلى التقصير قال: وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد(1) لم نجد دافعاً في التقصير، وهي ما حكي عنه أنّه قال: أوّل درجة في الغلوّ نفي السهو عن النبي والإمام، فإن صحت هذه الحكاية فهو مقصّر مع أنّه من علماء القمّيين ومشيختهم .

قد وجدنا جماعة وردوا إلينا من قم يقصّرون تقصيراً ظاهراً في الدين، وينزلون الأئمة عن مراتبهم، يزعمون أنّهم كانوا لا يعرفون كثيراً من الأحكام الدينية حتّى ينكت في قلوبهم.

ورأينا في أُولئك من يقول: إنّهم ملتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون، ويدّعون مع ذلك أنّهم من العلماء، وهذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه.(2)

وها نحن نأتي ببعض المسائل الّتي اختلف فيها العلَمان، وهي إمّا موضوعات قرآنية أو مسائل كلاميّة.

1. معنى كشف الساق

قال سبحانه: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق ويُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ).(3)

قال الصدوق: الساق وجه الأمر وشدّته.

وفسّره الشيخ المفيد بأنّه سبحانه يريد به يوم القيامة ينكشف فيه عن أمر


1 . شيخ القميّين وفقيههم ومتقدّمهم ووجههم، نزيل قم، مات سنة 343هـ.

2 . تصحيح الاعتقاد:66.

3 . القلم:42.


( 215 )

شديد صعب عظيم، وهو الحساب والمداقّة على الأعمال والجزاء على الأفعال، وظهور السرائر وانكشاف البواطن...

ترى أنّ الاختلاف بين العلمين بسيط، وبيان الشيخ توضيح لما ذكره الصدوق في تفسير الآية.

2. تأويل اليد

قال سبحانه: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ).(1)

قال الصدوق: معنى الآية: ذو القوّة، وقال الشيخ المفيد: فيه وجه آخر وهو أنّ اليد عبارة عن النعمة. قال الشاعر:

لـه عليّ أيـاد لسـت أكفـرهـا * وإنّما الكفر أن لا تُشْكر النعم

3. نفخ الأرواح

قال سبحانه: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي).(2)

قال الصدوق: هي روح مخلوقة أضافها إلى نفسه كما أضاف البيت إلى نفسه، حيث قال: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفينَ).(3)

قال الشيخ المفيد: ليس وجه إضافة الروح]والبيت[ إلى نفسه والنسبة إليه، من حيث الخلق فحسب، بل الوجه في ذلك التمييز لهما بالإعظام والإجلال، والاختصاص بالإكرام....


1 . ص:17.

2 . الحجر:29.

3 . الحجر:26.


( 216 )

4. الخدعة والمكر والنسيان

قال سبحانه: (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ).(1)

وقال سبحانه:(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ).(2)

قال سبحانه:(نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ).(3)

قال الصدوق: إنّ المراد بذلك كلّه جزاء الأعمال.

وقال المفيد: هو كما قال، إلاّ أنّه لم يذكر الوجه في ذلك. ثمّ ذكر الوجه.

5. خلق أفعال العباد

قال الصدوق: أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى ذلك أنّه تعالى لم يزل عالماً بمقاديرها.

وخالفه المفيد، وقال: إنّ العلم بالشيء لا يعدّ خلقاً له. ثمّ هو نفى كون أفعال العباد مخلوقة للّه بأيّ نحو كان، واستدلّ بما روي عن أبي الحسن الثالث أنّه سئل عن أفعال العباد؟ فقيل له: هل هي مخلوقة للّه تعالى، فقال(عليه السلام): لو كان خالقاً لها لما تبرأ منها ، قال سبحانه: (أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ).(4)

6. الجبر والتفويض

ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام): «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين»، ففسّره الصدوق بنحو والشيخ بنحو آخر.


1 . النساء:142.

2 . آل عمران:54.

3 . التوبة:67.

4 . التوبة:3.


( 217 )

7. المشيئة والإرادة

قال الصدوق: «شاء اللّه وأراد، ولم يحب ولم يرض، وشاء عزّ اسمه ألاّ يكون شيء إلاّ بعلمه، وأراد مثل ذلك». و حاصله: أنّ أفعال العباد تعلّقت بها إرادة اللّه ومشيئته ولكنّها غير محبوبة ولا مرضيّة.

وخالفه الشيخ المفيد وقال: إنّ اللّه تعالى لا يريد إلاّ ما حسن من الأفعال، ولا يشاء إلاّ الجميل من الأعمال ولا يريد القبائح ولا يشاء الفواحش. يقول سبحانه: (وَمَا اللّه يُريدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ).(1)

8. الكلام في القضاء والقدر

قال الصدوق: الكلام في القدر منهيّ عنه.

وخالفه الشيخ المفيد وحمل الأخبار الناهية على وجهين:

1. أن يكون النهي خاصّاً بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلّهم عن الدين ولا يصلحهم في عبادتهم إلاّ الإمساك عنه وترك الخوض فيه ولم يكن النهي عنه عامّاً لكافة المكلّفين.

2. النهي عن الكلام في ما خلق اللّه تعالى وعن علله وأسبابه وعمّا أمر به وتعبّد وعن القول في علل ذلك، إذ كان طلب علل الخلق والأمر محظوراً، لأنّ اللّه تعالى سترها عن أكثر خلقه.

9. معنى فطرة اللّه

قال الصدوق: إنّ اللّه تعالى فطر جميع الخلق على التوحيد.


1 . غافر:31.


( 218 )

ووافقه الشيخ، ولكن فسّر معنى ذلك.

10. الجدال في اللّه

ذهـب الصدوق إلى أنّ الجـدال فـي اللّه منهيّ عنه، لأنّه يؤدّي إلى ما لا يليق به.

قال الشيخ المفيد: الجدال على ضربين: أحدهما بالحق والآخر بالباطل، فالحقّ منه مأمور به ومرغّب فيه، والباطل منه منهي عنه ومزجور عن استعماله، ثمّ استشهد ببعض الآيات.

هذه نماذج ممّا اختلف فيه العلمان، وربما ذكر الشيخ المفيد عقيدة الصدوق ولم يخالفه بشيء، وربما اتّفقا في المعنى لكن أجمل الصدوق وأفصح المفيد، وثالثة اختلفا جوهراً و لبّاً، والاختلاف في هذه المسائل إمّا اختلاف في تفسير الآية، أو في مسألة كلامية لا تمتّ إلى صميم العقيدة بصلة.

وإليك قائمة بما لم نذكر كلامهما فيه:

11. معنى الاستطاعة، 12. معنى البداء ،13. اللوح والقلم والعرش، 14. النفوس والأرواح، 15. الموت، 16. سؤال القبر، 17. العدل، 18. الأعراف، 19. الصراط، 20. العقبات، 21. الحساب والميزان، 22. الجنة والنار، 23. حدّ التكفير، 24. نزول الوحي والقرآن، 25. العصمة، 26. الغلو و التفويض، 27. التقيّة، 28. آباء النبيّ، 29. تفسير قوله سبحانه: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُربى)(1)، 30. الحظر والإباحة، 31. الطب، 32. حكم الأحاديث المختلفة.


1 . الشورى:23.


( 219 )

وهذه المقدار من الاختلاف في جنب ما اتّفقا عليه من الأُصول والأُمّهات، أمر طفيف.

المرحلة الثالثة: تجديد المنهج الحديثي

قد سبق أنّه كان بين محدّثي مدرسة قم ومحدّثي مدرسة بغداد اختلاف في بعض المسـائـل الكلاميـة خصوصـاً في مـا يرجـع إلى مقامـات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة (عليهم السلام).

وكان النزاع بين أصحاب المنهجين قائماً على قدم وساق إلى أن حسمه الشيخ المفيد عندما انتهت إليه رئاسة الإمامية في الكلام والفقه، فقد جمع أصحاب المنهجين على مائدة واحدة بتأليف كتابين:

1. أوائل المقالات في المذاهب والمختارات.

2. تصحيح الاعتقاد.

وقد علّق على عقائد الإمامية للصدوق وأثبت أنّ بعض ما ذكره الصدوق ليس من عقائد الإمامية وإنّما هو نتيجة استخراجه من أخبار الآحاد.

وبما أنّ الشيخ ربّى جيلاً عظيماً كالشريفين: المرتضى والرضيّ والشيخ الطوسي والكراجكي والديلميّ وغيرهم، فقد أخذ تلامذة الشيخ زمام البحوث بعد رحيله، وجمعوا الإمامية على أُصول موحّدة ، ولم ينجم بينهم خلاف مُعتبر إلى أن ظهرت الحركة الأخبارية.

كان مطلع القرن الحادي عشر مسرحاً للتيارات الفكرية المختلفة، فمن مكبّ على العلـوم الطبيعيـة كالنجـوم والرياضيـات، والطـب والتشريـع، إلى آخر متوغّل في الحكمة والعرفان، إلى ثالث مقبل على علم الشريعة كالفقـه


( 220 )

والأُصول.

في تلك الأجواء ظهرت المدرسة الأخبارية التي شطبت على العلوم العقلية بقلم عريض، ولم تر للعقل أيّ وزن وقيمة لا في العلوم العقلية، ولا في العلوم النقلية، وقد رفع راية تلك الفكرة الشيخ محمد أمين بن محمد شريف الاسترابادي(المتوفّى 1036هـ).

وأمّا ما هو السبب لظهور ذلك التيّار في ربوع الشيعة، فقد ذكروا هنا فروضاً مختلفة وذكرنا ما هو الحقّ بين تلك الفروض.(1)

وعلى كلّ تقدير فقد تأثرت الأوساط العلمية بالتيار الأخباري وذاع صيته وكثر أتباعه، وهم بين متطرّف ـ كمؤسّسه ـ يطعن على العلماء، ومعتدل يحترم المخالف.

ومن أُصول ذلك المنهج: نفي حجّية حكم العقل في المسائل الأُصولية، وعدم الملازمة بين حكم العقل والنقل، وادّعاء قطعية صدور أحاديث الكتب الأربعة، وأنّه عند تعارض العقل والنقل يؤخذ بالنقل.

وهذا الأصل الأخير صار سبباً لتقديم أخبار الآحاد على أحكام العقل في باب المعارف والمسائل الكلامية.

ولذلك نرى أنّ المجلسي الأوّل (1003ـ 1070هـ) وكذا ولده المجلسي الثاني(1037ـ 1110هـ) والفيض الكاشاني(1007ـ 1091هـ) والمحدّث الحرّ العاملي (1033ـ 1104هـ) و غيرهم ممّن تأثروا بالمنهج الأخباري إلى ظهور المحقّق البهبهاني (1118ـ 1206هـ) نبذوا كلّ ألوان التفكير العقلي في أُصول الفقه على الإطلاق وفي مجال العقائد على نحو خاص حتّى أنكروا تجرّد النفس الإنسانيّة.


1 . لاحظ تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره:386ـ 390.


( 221 )

ولمّا كان المظهر الأتمّ لهذا التفكير في العقائد هو كتاب «بحار الأنوار» الذي جمع درر أخبار الأئمّة الأطهار بلا تمحيص ولا تنقيح، فقد قام أُستاذنا العلاّمة الطباطبائي بالتعليق على مواضع من بيانات العلاّمة المجلسي حول الروايات، ولكنه (قدس سره) توقّف عن العمل بسبب الضغوط التي مورست عليه، وبذلك خسر العلم والدين ثروة زاخرة في مجال تمحيص روايات ذلك الكتاب على ضوء الكتاب العزيز والسنّة القطعية والعقل الحصيف.

المرحلة الرابعة: إحياء المنهج العقلي

كان للمحقّق البهبهاني الدور الرئيسي في إرجاع العقل إلى الساحة في مجالي أُصول الفقه والعقائد، وقد ألّف في التحسين والتقبيح العقليين وأثبت فيه حجّية العقل في المستقلات العقليّة.

وأصبح المحقّق البهبهاني رائد الحركة الفكرية في النصف الثاني من القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر ، ثمّ قاد هذه الحركة لفيف من تلامذته وتلامذة تلامذته، الأمر الذي مكّن من إعادة العقل إلى الساحة في مجال الاستنباط والمعارف العقلية، ولذلك ترى أنّ ما أُلّف حول المسائل الكلامية يختلف عمقاً واعتباراً عمّا أُلّف في عهد المجلسيّين أو قبلهما أو بعدهما.

هذه إشارة عابرة إلى المراحل الأربع الّتي مرّ بها الكلام الإماميّ، وليعذرني إخواني في هذا الإيجاز في بيان المرحلتين الثالثة والرابعة.


( 222 )

خاتمة المطاف

دور أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)

في تبيين العقيدة الإسلامية

إنّ للأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) دوراً كبيراً في بيان العقيدة الإسلامية، وإرساء قواعدها، وترسيخ جذورها من خلال بثّ الآراء والأفكار المعبّرة عن روح الإسلام ونهجه السامي.

كما قاموا ـ هم وتلامذتهم ـ بدور بالغ الأهمية في صيانة العقيدة والدفاع عنها، ومواجهة التيارات المنحرفة والأفكار الضالة، والتصدّي للثقافات الأجنبية والمذاهب الفاسدة المتأثرة بالفلسفة الإلحادية وإسرائيليات اليهود وآراء النصارى وغيرها، ومناقشتها وبيان هشاشتها على ضوء البراهين والحجج العقلية الرصينة، والنصوص الدينية الصحيحة.

وقد أخبر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن نشاط هؤلاء الرساليين حين قال: «يحمل هذا الدين من كلّ قرن عدول، ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكَيْر خبث الحديد».(1)


1 . رجا ل الكشي:10.


( 223 )

و قبل أن نذكر ـ بإيجاز ـ ما قاموا به في مجال صيانة العقيدة الإسلامية في أدوار مختلفة ، نودّ أن نذكر مقدّمة لها صلة بالموضوع وهي:

إنّ الدين السائد في الجزيرة العربية ـ وخاصّة منطقة أُمّ القرى ـ قبل بزوغ شمس الإسلام كان هو الشرك باللّه في التدبير والعبادة، وهذا أمر واضح لا يرتاب فيه ذو مسكة، وكان العرب في تلك المناطق يعيشون في خِضَمِّ الخرافات، ويستسلمون في مجال العقيدة إلى الأساطير والقصص الخرافية إلى حدّ لا يمكن أن نذكر معشار ما دوّنه المؤرّخون في ذلك المجال، لكنّا نشير إلى بعض أفكارهم التي بقيت رواسبها في أذهان بعض المسلمين حتّى بعد بزوغ الإسلام:

1. كانوا يدينون اللّه تبارك وتعالى بالجبر وسلب الاختيار عن الإنسان، وكانوا يبرّرون شركهم وعبادتهم للأصنام بمشيئة اللّه تبارك وتعالى قائلين: (لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْء)(1) ونظيره قوله: (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء)(2) إلى غير ذلك من الآيات المعربة عن عقيدتهم الراسخة في الجبر وأنّ كلّ المعاصي والمحرّمات بمشيئة من اللّه سبحانه على نحو تسلب الاختيار عن الإنسان، وبالتالي فاللّه هو المسؤول عن أعمالنا لا نحن أنفسنا، وقد بقيت رواسب هذه العقيدة في أذهان بعض الصحابة ويشهد له ما رواه الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدّث عن فرار المسلمين يوم حنين. قالت: مرّ بي عمر بن الخطاب منهزماً فقلت: ما هذا؟! فقال عمر: أمر اللّه.(3)


1 . الأنعام:148.

2 . النحل:35.

3 . مغازي الواقدي:3/904.


( 224 )

وهذا هو السيوطي ينقل عن عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟ قال: نعم يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(1)

لقد كان السائل في حيرة من أمر القدر فسأل الخليفة عن كون الزنا مقدَّراً من اللّه أم لا؟ فلما أجاب الخليفة بنعم، استغرب من ذلك، لأنّ العقل لا يسوّغ تقديره سبحانه شيئاً بمعنى سلب الاختيار عن الإنسان في فعله أو تركه ثمّ تعذيبه عليه، ولذلك قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذبني؟! فعند ذاك أقرّه الخليفة على ما استغربه وقال: «نعم يابن اللخناء...».

2. كانت العرب تدين بالتجسيم والتشبيه، وتعتقد انّ إله العالم بصورة الصنم والوثن الذي يُعبد حتّى اتخذت كلّ قبيلة لنفسها ربّاً، وصارت الجزيرة العربية مسرحاً للأصنام ومستودعاً للأوثان، ويتجلّى هذا الأمر من قول شاعرهم الذي أسلم وراح يستنكر التجسيم وعبادة الأصنام المتعدّدة الخارجة عن العدد والإحصاء :

أربّاً واحداً أم ألف ربّ * أدين إذا تقسّمت الأُمور؟
عزلت اللاّت والعزّى جميعاً * كذلك يفعل الجلِدُ الصبُور
ولكن اعبد الرحمن ربّي * ليغفر ذنبي الربّ الغفور(2)


1 . تاريخ الخلفاء: 95.

2 . بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب:2/249. والأبيات لزيد بن نفيل الذي فارق الوثنية قبل البعثة.


( 225 )

إلى غير ذلك من العقائد الفاسدة التي كانت العرب تدين بها، وهذا الإمام علي أمير المؤمنين يصف عقائدهم في بعض خطبه ويقول:

«وأهل الأرض يومئذ مللٌ متفرقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتّتة، بين مشبّه للّه بخلقه أو ملحد في اسمه أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة».(1)

وفي خطبة أُخرى له:

«إنّ اللّه بعث محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شرّ دين، وفي شرّ دار منيخون بين حجارة خشن، وحيات صُمّ تشربون الكدر وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة والآثام بكم معصوبة».

وللأسف ا(2)نّ هذه العقائد الباطلة بعدما شطب الإسلام عليها جميعاً عادت ـ بعد رحيل الرسول ـ إلى الساحة الإسلامية بثوب آخر وبغطاء جديد. وقدبذل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) جهوداً مضنية في طريق تثبيت العقيدة الإسلامية، وصيانتها عن الانحراف، بما وصل إليهم من آبائهم، وإليك نماذج منها:

1. مكافحة الجبر والتفويض

قد عرفت أنّ العرب في العصر الجاهلي كانوا يدينون بالجبر وأنّ القرآن ندّد به وعرّف الإنسان بأنّه مختار في مصيره، يقول سبحانه: (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر).(3)


1 . نهج البلاغة، الخطبة رقم1، ط صبحي الصالح.

2 . نهج البلاغة، الخطبة25.

3 . الكهف:29.


( 226 )

وللّه در الشهيد السعيد زين الدين العاملي في قوله:

لقد جاء في القرآن آية حكمة * تدمّر آيات الضلال ومن يُجبر
وتخبر أنّ الاختيار بأيدينا * فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفُر

وقد اعتنق الجبرَ طائفة كبيرة من المسلمين وألّفوا في ذلك رسائل ذهبوا فيها إلى القول بأنّ من قال بالقدر والاختيار يُجلد ويوثق، وقد بلغ حماس الأمويين في ترسيخ الجبر بين المسلمين إلى حدّ كُبحت معه ألسن الخطباء عن الإصحار بالحقيقة، فهذا الحسن البصري الذي يُعدّ من مشاهير الخطباء ووجوه التابعين كان يسكت عن أعمالهم الإجرامية، غير أنّه كان يخالفهم في القول بالقدر بالمعنى الذي كانت السلطة تروّجه آنذاك، فلمّا خوفه بعض أصدقائه من السلطان، وعد أن لا يعود. روى ابن سعد في طبقاته عن أيّوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرّة حتى خوّفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد اليوم.(1)

ولم يسلم محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية المعروفة من الجلد لمخالفته القدر، قال ابن حجر: إنّ محمد بن إسحاق اتُّهم بالقدر و قال الزبير عن الدراوردي«وجلد ابن إسحاق يعني في القدر».(2)

وقد ألّف عمر بن عبد العزيز رسالة في الردّ على القدرية القائلين بالاختيار نقلها أبو نعيم الاصفهاني في ترجمة عمر بن عبد العزيز.(3)


1 . الطبقات الكبرى:7/167، ط بيروت.

2 . تهذيب التهذيب:9/38و46.

3 . حلية الأولياء:5/353.


( 227 )

كما انتشر التفويض في عصر الإمام الصادق(عليه السلام) بمعنى إيكال الأُمور إلى البشر واستغنائهم في أفعالهم عن اللّه سبحانه، ويظهر من بعض الروايات أنّ فكرة التفويض استولت على بعض المفكّرين في عصر عبد الملك بن مروان على نحو أعجز العلماء في الشام، فكتب عبد الملك رسالة إلى الإمام الباقر(عليه السلام) يدعوه لنزول أرض الشام، ومناظرة ذلك الرجل القدري (التفويضي)، فلمّا جاءت الرسالة كتب إليه الإمام بقوله:إنّي شيخ كبير لا أقوى على الخروج، وهذا جعفر ابني يقوم مقامي فوجّهه إليه، فلمّـا قدم على الأمويّ أزراه لصغره، وكره أن يجمع بينه و بين القدريّ مخافة أن يغلبه، وتسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدريّة، فلمّا كان من الغد اجتمع الناس بخصومتهما، فقال الأمويّ لأبي عبد اللّه(عليه السلام) إنّه قد أعيانا أمر هذا القدريّ، وإنّما كتبت إليه(1) لأجمع بينه و بينه، فإنّه لم يدع عندنا أحداً إلاّ خصمه، فقال: إنّ اللّه يكفيناه.

قال: فلمّا اجتمعوا قال القدريّ لأبي عبد اللّه(عليه السلام): سل عمّا شئت! فقال له: «اقرأ سورة الحمد»، قال: فقرأها، وقال الأمويّ وإنّا معه: ما في سورة الحمد؟!، غُلْبنا، إنّا للّه وإنّا إليه راجعون!! قال: فجعل القدريّ يقرأ سورة الحمد حتّى بلغ قول اللّه تبارك وتعالى: (إِيّاك نعبد وإيّاك نستعين) فقال له جعفر: «قف; مَن تستعين؟ وما حاجتك إلى المؤونة إن الأمر إليك؟» فبهت الّذي كفر، واللّه لا يهدي القوم الظالمين.(2)

كان الطابَع العام على السلفية وأهل الحديث، هو الجبر ونفي القدر بمعنى الاختيار إلى أن جاء الإمام الأشعري فأحسّ بخطورة الموقف وأنّ القول بالجبر


1 . الضمير يعود إلى أبي جعفر الباقر(عليه السلام).

2 . بحار الأنوار:5/55، رقم الحديث98 نقلاً عن تفسير العياشي.


( 228 )

يساوي بطلان التكليف ولغوية بعثة الأنبياء، فحاول أن يصحّح عقيدة أهل الحديث بإضافة الكسب على عقيدتهم، فقال: إنّه سبحانه خالق لأفعالنا والعبد كاسب، فهو حاول أن يخرج أهل الحديث عن الجبر الخالص إلى فسيح الاختيار، لكنّه أضاف عقدة إلى عقدة، فلم يُعْلَم ما هو مراده من الكسب؟! إلى حدّ صار أحد الألغاز في جنب سائرها، يقول الشاعر:

مما يقال ولا حقيقة عنده * معقودة تدنو إلى الافهام
الكسب عند الأشعري والحال * عند البهشمي وطفرة النظّام(1)

ففي خضم هذه التيارات الضالّة شمّر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) عن ساعد الجدّ، فنشروا فكرة الأمر بين الأمرين وأنّه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين، وبذلك فسروا الآيات الواردة في الجبر والتفويض وقضوا على الفكرتين، فكرة الجبر التي تساوق بطلان التكليف، وفكرة التفويض التي تساوق الشرك واستغناء الممكن في فعله عن اللّه سبحانه، ولهم في ذلك بيانات شافية لا يمكننا نقل معشار ما ذكروه.

إنّ فكرة الأمر بين الأمرين مستنتجة من القرآن الكريم. يقول سبحانه: (فلم تَقْتُلوهُم ولكنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللّهَ رَمَى).(2)

إنّه سبحانه ينسب الفعل(الرمي) إلى العبد وفي الوقت نفسِه يسلبه عنه


1 . القضاء و القدر لعبد الكريم الخطيب المصري: 185.

2 . الأنفال:17.


( 229 )

وينسبه إلى اللّه سبحانه، وهو نفس الأمر بين الأمرين، فالفعل مستند إلى العبد، وفي الوقت نفسه إلى اللّه سبحانه، وقد كتب الإمام الهادي (عليه السلام)رسالة في نفي الجبر والتفويض نقلها المجلسي في موسوعته.(1)

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) في ردّ كلا المنهجين:

«إنّ اللّه أكرم من أن يكلّف الناس مالا يطيقون، واللّه أعز من أن يكون في سلطانه مالا يريد».(2)

2. مكافحة التجسيم والتشبيه

اتّفق الإلهيون على كونه تعالى موصوفاً بصفات الكمال والجمال من العلم والقدرة والحياة ولكنّهم اختلفوا في كيفية إجرائها عليه سبحانه.

ذهبت أكثر المعتزلة إلى نيابة الذات عن الصفات من دون أن يكون هناك صفة، وإنّما ذهبوا إلى ذلك لأجل أنّهم رأوا أنّ الاعتراف بأنّ هناك ذاتاً وصفة هو التركيب، لأنّ الصفة غير الموصوف، والتركيب آية الإمكان، فلذلك ذهبوا إلى نفي الصفات، ولما رأوا أنّ ذلك يجرّهم إلى القول بخلوّ الذات عن الكمال قالوا: إنّ الذات تنوب مناب الصفات وإن لم تكن هناك واقعية للصفات وراء الذّات.

وأمّا الأشاعرة فقد ذهبوا إلى زيادة الصفات على الذات، وبذلك صاروا معترفين بالقدماء الثمانية، نظير التثليث الذي اعتنقه النصارى، بل أسوأ منه.

ومن المعلوم أنّ لازم ذلك هو تركيب الذات من أُمور مختلفة والتركيب آية الإمكان والافتقار. وأمّا أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)فاعترفوا بأنّ للّه سبحانه صفات


1 . بحار الأنوار:5/71ـ75، كتاب العدل والمعاد، الباب 2، الحديث 1.

2 . بحار الأنوار:5/41.


( 230 )

كمالية، ولكنّها ليست زائدة على الذات، بل هي عينها.

صحيح أنّ الصفة غير الموصوف، ولكن هذا في الموجودات الإمكانية، وأمّا الواجب بالذات فكما هو واجب في ذاته واجب في صفاته، فلا مانع من أن تكون صفاته عين ذاته دون أن يكون هناك تركيب أو تشبيه . يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله».(1)

وفي هذا الكلام تصريح بعينية الصفات للذات، وفيه إشارة إلى برهان الوحدة، وهو أنّ القول باتحاد صفاته مع ذاته يوجب تنزيهه عن التركيب والتجزئة ونفي الحاجة عن ساحته، ولكن إذا قلنا بالتعدّد والغيريّة فذلك يستلزم التركيب ويتولد منه التثنية، والتركيب آية الحاجة، واللّه الغني المطلق لا يحتاج إلى من سواه.

وقال الإمام الصادق(عليه السلام):«لم يزل اللّه جلّ وعزّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور».(2)

والإمام(عليه السلام) يشير إلى قسم خاص من علمه سبحانه ـ وراء عينية صفاته وذاته ـ و هو وجود علمه بلا معلوم وسمعه بلا مسموع. وما هذا إلاّ لأجل أنّ ذاته من الكمال والجمال بلغت إلى حدّ لا يشذ عن حيطة وجوده أيّ شيء، وتفصيل هذا القسم من العلم يُطلب من محالّه.

3. مكافحة فكرة رؤية اللّه

اتّفقت العدلية على أنّه سبحانه لا يُرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في


1 . نهج البلاغة، الخطبة رقم1.

2 . التوحيد للصدوق: 139.


( 231 )

الآخرة، وأمّا غيرهم فالكرّامية والمجسّمة فقد جوّزوا رؤيته في الدارين بلا إشكال، وأمّا أهل الحديث وبعدهم الأشاعرة فمع أنّهم يصفون أنفسهم بالتنزيه ويتبرّأون من التجسيم والجهة، لكن قالوا برؤيته سبحانه يوم القيامة خضوعاً للرواية التي رواها الإمام البخاري في صحيحه.

وهؤلاء تركوا صحيح النص في القرآن الكريم، أعني: (لا تُدرِكُهُ الأبصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبيرُ)(1) ، كما تركوا قضاء العقل الصريح وأخذوا بالرواية، ولولا وجود هذا الحديث في الصحيح لما أخذوا بهذا القول، ولكنّهم غفلوا عن أبسط الدلائل على امتناع الرؤية، لأنّ الرؤية لا تخلو عن حالتين: إمّا تقع على الذات كلّها، أو على البعض; فعلى الأوّل يلزم أن يكون المرئي محدوداً متناهياً محصوراً شاغلاً لناحية من النواحي وتخلو النواحي الأُخرى منه، وعلى الثاني يلزم أن يكون مركّباً متحيّزاً ذا جهة.

إنّ فكرة الرؤية فكرة مستوردة جاءت من جانب الأحبار والرهبان بتدليس خاصّ. فإنّ أهل الكتاب يدينون برؤيته سبحانه، و قد تصدّى أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) لتلك الفكرة بخطبهم وأحاديثهم التي لا يسعنا إيرادها في هذا البحث. قال الإمام علي(عليه السلام) في خطبة الأشباح:

«الأوّل الذي لم يكن له قبلُ فيكون شيء قبله، والآخر الذي ليس له بعدُ فيكون شيء بعده، والرادع أناسيّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه».(2)

وقد سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟ فقال(عليه السلام): «أفأعبد مالا أرى؟» فقال: كيف تراه؟ فقال: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان


1 . الأنعام:103.

2 . نهج البلاغة، الخطبة87، ط عبده.


( 232 )

ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان، قريب من الأشياء غير ملابس، بعيد منها غير مبائن».(1)

4. مكافحة قدم غيره سبحانه

ذهبت النصارى إلى قدم الأقانيم الثلاثة، فقالوا بالتثليث وقدم الأب والابن وروح القدس، وبذلك خرجوا عن عداد الموحّدين، والأسف أنّ أهل الحديث تأثروا بدون وعي بالمسيحيّين فقالوا بقدم القرآن و نفي حدوثه وبذلك اعترفوا بقدم غيره سبحانه، وقد بذلوا جهودهم على طريق ترسيخ هذه العقيدة التي لا يعلم مرامها وما هو المقصود منها، فإنّ محلّ البحث والنزاع لم يحرر بشكل واضح بحيث يمكن تحليله. فهاهنا احتمالات يمكن أن تكون محطّ النظر لأهل الحديث والأشاعرة عند توصيف كلامه سبحانه بالقدم، نطرحها على بساط البحث ونطلب حكمها من العقل و القرآن.

أ. الألفاظ والجمل الفصيحة البليغة التي عجز الإنسان في جميع القرون عن الإتيان بمثلها، وقد جاء بها أمين الوحي إلى النبي الأكرم، وقرأها الرسول فتلقتها الأسماع وحررتها الأقلام على الصحف المطهّرة، ومن الواضح أنّها مخلوقة على الإطلاق للّه سبحانه.

ب. المعاني السامية والمفاهيم الرفيعة في مجالات التكوين والتشريع والحوادث، وأشار إليها بألفاظه وجمله وهي حادثة بلا ترديد.

ج. ذاته سبحانه وصفاته من العلم والقدرة والحياة التي بحث عنها القرآن، ومن المعلوم أنّ ذاته وصفاته قديمة ولكن الألفاظ التي أشار بها إليها


1 . نهج البلاغة، الخطبة174.


( 233 )

حادثة.

د. علمه سبحانه بكلّ ما ورد في القرآن الكريم. ولو كان المراد هذا، فلا شكّ انّه قديم و البحث فيه بلا طائل.

هـ. الكلام النفسي القائم بذاته الذي هو أحد الألغاز.

و. القرآن ليس مخلوقاً، أي مصنوعاً للبشر وإن كان مخلوقاً للّه.

وقد جرّت هذه العقيدة ويلات على المسلمين وسفكت فيها الدماء وحبس فيها الأبرياء، وقد أدرك أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ المسألة اتّخذت لنفسها طابعاً سياسيّاً فامتنعوا عن الخوض فيها ومنعوا أصحابهم أيضاً، فقد سأل الريان بن الصلت الإمام الرضا (عليه السلام) وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال(عليه السلام): «كلام اللّه لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوا».(1)

نعم في بعض المواقف الخاصة التي يأمن فيها الأئمّة من الفتنة أدلوا برأيهم في الموضوع وصرّحوا بأنّ الخالق هو اللّه وغيره مخلوق، والقرآن ليس نفسه سبحانه، وإلاّ يلزم اتحاد المنزِل والمنزَل فهو غيره، فيكون لا محالة مخلوقاً.

روى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني أنّه كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) إلى بعض شيعته ببغداد: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، عصمنا اللّه وإيّاك من الفتنة، فإن يفعل فقد أعظم بها نعمة، وإن لا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة، اشترك فيها السائل والمجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، ويتكلّف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلاّ اللّه عزّ وجلّ، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام اللّه، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين، جعلنا


1 . التوحيد للصدوق: 223، باب القرآن ما هو، الحديث2.


( 234 )

اللّه وإيّاك من الذين يخشون ربّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون».(1)

5. مكافحة الغلوّ والنصب

الغلاة هم الذين غلوا في حقّ النبي وآله حتّى أخرجوهم من حدود الخليقة، والخطابية والمغيرية من هذه الصنوف، كما أنّ القول بالتفويض وهو تفويض تدبير العالم إلى النبي والأئمة وأنّهم هم الخالقون والرازقون والمدبّرون للعالم، شعبة من الغلوّ.

ويقابله النصب و هو تنقيص أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ونصب العداء لهم، وقد كافح أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)هاتين الفكرتين الهدّامتين، فبيّنوا أنّ الغلوّ كفر وخروج عن الإسلام كما كشفوا عن فضيحة أهل النصب، وها نحن نذكر حديثين في هذا المجال:

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في حديث الأربعمائة: «إيّاكم والغلوّ فينا، قولوا: عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم، من أحبنا فليعمل بعملنا ويستعن بالورع».(2)

وقال الإمام الصادق(عليه السلام):«لعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، لعن اللّه من أزالنا عن العبودية للّه الذي خلقنا، وإليه م آبنا ومعادنا، وبيده نواصينا».(3)

وقد أوضح الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) موقف أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في خطبته: «لا يقاس بآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الأُمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي،


1 . التوحيد للصدوق:224، باب القرآن ما هو ، الحديث4.

2 . الخصال للصدوق:2/614.

3 . الكشي، الرجال: 159 في ترجمة المغيرة بن سعيد.


( 235 )

ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الآن إذ رجع الحق إلى أهله، ونقل إلى منتقله».(1)

وفي كلام له(عليه السلام): «نحن آل محمد النمط الأوسط، الذي لا يدركنا الغالي ولا يسبقنا التالي».(2)

وقال أيضاً: «سيهلك فيّ صنفان: محب مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، وخير الناس فيّ حالاً النمط الأوسط فألزموه».(3)

إلى غير ذلك من الكلمات التي ترشد الأُمّة الإسلامية إلى ما لهم من المكانة الرفيعة دون الغلوّ وفوق ما يزعمه النصاب ـ أعداء أهل العصمةـ.

6. عصمة الأنبياء

النبوّة سفارة بين اللّه و بين ذوي العقول من عباده لإزاحة علّتهم في أمر معادهم ومعاشهم، والنبي هو الإنسان المخبر عن اللّه تعالى بإحدى الطرق المعروفة، والأنبياء هم الصفوة من الناس الذين تحلّوا بزينة التقوى والعصمة، حتّى صاروا أهلاً لحمل الرسالة الإلهية إلى عباده واللّه سبحانه يصفهم بقوله: (إِنّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخالِصَة ذِكْرَى الدَّار * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لِمَنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيارِ).(4)

وبقوله: (واجْتَبَيْناهُمْ وهَديناهُمْ إِلى صِراط مُستقيم).(5)


1 . نهج البلاغة، الخطبة رقم2.

2 . الكافي:1/101، رقم الحديث3.

3 . نهج البلاغة، الخطبة127.

4 . ص:46ـ 47.

5 . الأنعام:87.


( 236 )

فمن يصفه سبحانه بأنّه من المصطفين الأخيار يستحيل عادة أن يعصي اللّه سبحانه ويخالفه، ولذلك اتّفق أهل العدل على عصمة الأنبياء في المرحلتين قبل البعثة وبعدها، واستدلّوا على ذلك بأدّلة عقلية وآيات قرآنية، غير أنّ لفيفاً من أهل الحديث اغتروا بروايات رواها مستسلمة أهل الكتاب في حق بعض الأنبياء كداود وسليمان وغيرهما، وقد ملأت هذه الروايات المدسوسة كتب التفسير التي يندى الجبين من نقلها ونشرها في حياة هذين النبيين الكريمين.

والعجب أنّ أهل السنّة قالوا بعدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم، بل بعصمتهم وإن لم يتفوّهوا بها، فلو سمعوا من باحث موضوعي شيئاً يمسّ كرامة صحابي كفسق الوليد بن عقبة الذي جاء وصفه بالفسق في الذكر الحكيم(1)، لطاشت عقولهم ورموْا القائل بالحقد والعداء للصحابة، بل إلى قلّة الدين وعدم الإيمان.

وبما أنّ أهل الحديث اغتروا ببعض ظواهر الآيات من دون أن يقفوا على مغزاها، فقد قام أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)بتفسيرها وتبيين مقاصدها، فمن حاول الوقوف على كلماتهم في هذا الموضوع فليرجع إلى كتاب «الاحتجاج» للشيخ الطبرسي.

ولعلّ ما ذكرنا كاف في تبلور دور أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في صيانة العقيدة السامية، والدفاع عن حياض الدين بالبرهنة والخطابة.

لكن إكمالاً للبحث نأتي ببعض المناظرات التي دارت بينهم و بين أهل الضلال عملاً بقوله سبحانه: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَن).(2)


1 . الحجرات:6.

2 . النحل:125.


( 237 )

إنّ الدعوة الصحيحة تتحقق بأُمور ثلاثة:

1. الدعوة بالحكمة والحجّة العقلية التي تفيد العلم والإذعان بالمدّعى، وقد استخدمها القرآن الكريم في مجال التنديد بالوثنية ودحض الشرك، يقول سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُون).(1)

2. الدعوة بالموعظة الحسنة، وهي البيان الذي تلين به النفس ويرقّ له القلب لما فيه صلاح حال السامع،ويستخدمه الآباء عند إرشاد الأبناء، والخطباء عند الجلوس على منصّة الخطابة.

3. الجدل وهو الحجّة التي تستعمل لإفحام الخصم باستخدام مسلّماته، غير أنّ القرآن يدعو إلى العظة بالتي هي أحسن، وبالطبع إلى الجدل مثلها، وقد استخدمها العترة الطاهرة في أكثر المجالات، ولأجل إيقاف القارئ على قسم من مناظراتهم التي صانوا بها العقيدة الإسلامية عن الانحراف، نأتي ببعضها:

الأُولى: تفسير القضاء والقدر

كانت العرب في العصر الجاهلي قائلة بالقضاء والقدر بمعنى كون الإنسان مسيّـراً لا مختاراً، وأنّه أمام الحوادث مكتوف اليديْن، ولا محيص له عن التسليم لما قُضي. وقد كانت هذه العقيدة راسخة في أذهان كثير من المسلمين في عصر النبي وبعده، حتّى روي أنّ رجلاً سأل عليّاً (عليه السلام)بعد انصرافه من الشام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام أبقضاء وقدر؟

فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): «نعم يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن


1 . المؤمنون:91.


( 238 )

واد إلاّ بقضاء من اللّه وقدر».

فقال الرجل: عند اللّه أحتسب عنائي، واللّه ما أرى لي من الأجر شيئاً!!

فقال علي(عليه السلام): «بلى، فقد عظّم اللّه لكم الأجر في مسيركم وأنتم ذاهبون، وعلى منصرفكم وأنتم منقلبون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليه مضطرّين».

فقال الرجل: فكيف لا نكون مضطرّين والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان مسيرنا؟!

فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «لعلّك أردت قضاءً لازماً، وقدراً حتماً، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من اللّه والنهي، وما كانت تأتي من اللّه لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المذنب، ولا المذنب أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان، وجنود الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور والبهتان، وأهل العمى والطغيان، هم قدريّة هذه الأُمّة ومجوسها، إنّ اللّه تعالى أمر تخييراً ، ونهى تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الرسل هزلاً، ولم ينزل القرآن عبثاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظنّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار».

قال: ثمّ تلى عليهم : (وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ)(1). قال: فنهض الرجل مسروراً وهو يقول:

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته *** يوم النشور من الرّحمن رضواناً(2)


1 . الإسراء:23.

2 . الاحتجاج:1/490.


( 239 )

الثانية: عدم احتجابه سبحانه بالسماوات السبع

لقد كان التجسيم والاعتقاد بوجود الجهة للّه من عقائد اليهود، وقد تسربت تلك العقيدة عن طريق مستسلمة أهل الكتاب إلى أوساط المسلمين، فحسبه أهل الحديث أنّه سبحانه فوق السماوات السبع، وأنّه جالس على عرشه، والعرش يئط أطيط الرحل، ولم تزل هذه العقيدة محفوظة عند ابن تيمية وأتباعه.(1) وهي عقيدة سخيفة ساقطة تضاد القرآن الكريم والعقل الحصيف.

وقد كافح أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هذه الفكرة المستوردة، وهذا هو الإمام علي ابن أبي طالب(عليه السلام) سمع رجلاً يقول: «والذي احتجب بسبع طباق» فعلاه بالدرّة، ثمّ قال له: «يا ويلك! إنّ اللّه أجلّ من أن يحتجب عن شيء، أو يحتجب عنه شيء، سبحان الذي لا يحويه مكان، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء».

فقال الرجل: أفأكفّر عن يميني يا أمير المؤمنين؟

قال: «لا، لم تحلف باللّه فيلزمك كفّارة، وإنّما حلفت بغيره».(2)

الثالثة: اتحاد الصفات مع الذات

المتسالم عند الناس هو أنّ الصفة غير الموصوف وانّ الأُولى عارضة للثاني، وقد اختمرت تلك الفكرة في أذهان العامّة حسب احتكاكهم بالماديات، فهناك إناء وله لون، وإنسان وله علمه، وعلى ضوء ذلك زعموا أنّ علمه سبحانه زائد على ذاته وانّ مقتضى الصفة هو الاثنينية.


1 . العقيدة الواسطية، الرسالة التاسعة من مجموع الرسائل الكبرى: 398.

2 . الاحتجاج:1/496; التوحيد للصدوق، ص 174 الباب 28 ، الحديث3.


( 240 )

ولما كان هذا القول مؤدياً إلى الشرك وتعدّد القدماء قام أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)بوجه تلك الفكرة الخاطئة في بعض مناظراتهم.

روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: في صفة القديم: إنّه واحد صمد، أحديّ المعنى، ليس بمعان كثيرة مختلفة.

قال: قلت: جعلت فداك إنّه يزعم قوم من أهل العراق أنّه يسمع بغير الذي يبصر، ويبصر بغير الذي يسمع؟

قال: فقال: «كذبوا وألحدوا، وشبّهوا اللّه تعالى، إنّه سميع بصير، يسمع بما به يبصر، ويبصر بما به يسمع».

قال: فقلت: يزعمون أنّه بصير على ما يعقله؟

قال: فقال:تعالى اللّه إنّما يعقل من كان بصفة المخلوق، وليس اللّه كذلك».(1)

الرابعة: البرهنة على أنّ الحسنين من أبناء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)

لقد أراد أهل النصب وأصحاب العداء أن ينكروا كون الحسنين من أبناء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أشاعوا تلك الفكرة، لأنّ الولد عندهم عبارة عمّن ينتسب إلى الرجل بنفسه أو عن طريق ابنه لا بنته، أخذاً بالرأي الجاهلي في تفسير الولد، قالوا:

بنونـا بنـو أبنائنـا وبناتنـا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد

وبما انّ الحسنين كانا يتصلان بالنبي عن طريق بنته فاطمة(عليها السلام) فلا يصحّ وصفهما بأنّهما من أبناء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) .


1 . الاحتجاج:2/167ـ 168.


( 241 )

وقد رد على تلك الفكرة، تلاميذ أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ببعض الآيات القرآنية، حيث عدّ القرآن عيسى بن مريم من آل إبراهيم وقال: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ ]إبراهيم[ داودَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسَى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحين).(1) حيث عدّ «عيسى» من ذريّة إبراهيم وهو يتصل به من جانب الأُمّ.

كما احتجوا عليهم بقوله سبحانه: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلى الْكاذِبين)(2)، وقد اتّفق المفسرون على أنّ المراد من قوله:(أبناءنا )هو الحسنان.

هذا هو الذي احتجّ به تلاميذ الإمام و مَن تربّى في حجره، لكن الإمام الباقر(عليه السلام) احتجّ بشكل آخر فقال مخاطباً أبا الجارود: «واللّه يا أبا الجارود ! لأعطينّكها من كتاب اللّه آية تسمّيهما أنّهما لصلب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)لا يردها إلاّ كافر».

قال: قلت: جعلت فداك وأين؟

قال: «حيث قال اللّه تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ـ إلى قوله: ـ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)(3) ، فسلهم يا أبا الجارود هل يحلّ لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا: نعم، فكذبوا واللّه، وإن قالوا: لا، فهما واللّه ابنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لصلبه، وما حرّمن عليه إلاّ للصلب».(4)


1 . الأنعام:84ـ 85.

2 . آل عمران:61.

3 . النساء:23.

4 . الاحتجاج:2/176.


( 242 )

الخامسة: النظام الهادف آية وجود الخالق

لم يزل برهان النظام دليلاً واضحاً ومقنعاً لعامة الناس، بالأخص إذا كان هادفاً لغاية خاصة، إذ لا تخضع الهادفية للصدفة، بل هي تكشف عن خضوع النظام لخالق مدبّر عالم، أوجد مصنوعه، لغاية عقلانية.

وهذا النوع من البرهان كثير الدوران في الذكر الحكيم والروايات الشريفة نذكر منها ما يلي:

دخل أبو شاكر الديصاني على أبي عبد اللّه(عليه السلام) وقال يا جعفر بن محمد : دلّني على معبودي!.

فقال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): «اجلس!» فإذا غلام صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «ناولني يا غلام البيضة!» فناوله إيّاها ، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «يا ديصاني! هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرّقيق ذهبة مايعة، وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة، ولا الفضّة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن إصلاحها، ولم يدخل فيها داخل مفسد فيخبر عن إفسادها، لا يدرى للذكر خلقت أم للأُنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى له مدبّراً؟».

قال: فأطرق مليّاً ثمّ قال: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّك إمام وحجّة من اللّه على خلقه، وأنا تائب ]إلى اللّه تعالى [ممّا كنت فيه.(1)


1 . الاحتجاج:2/202.


( 243 )

السادسة: قياس الخالق بالمخلوق

قد تعرفت على أنّ التجسيم والجهة كان مختمراً في أذهان المسلمين وقلّما يتّفق لأحد منهم أن يتصوّر تصوّراً صحيحاً من إحاطته سبحانه بالعالم إحاطةً قيّوميّة.

وهذا ابن أبي العوجاء زنديق عصره بعدما سمع كلمة «اللّه» سبحانه عن الصادق(عليه السلام) قال له:

ذكرت اللّه فأحلت على غائب، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «ويلك! كيف يكون غائباً مَنْ هو مع خلقه شاهد، وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم ويعلم أسرارهم؟» فقال ابن أبي العوجاء: فهو في كلّ مكان، أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض، وإذا كان في الأرض كيف يكون في السّماء؟!

فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأمّا اللّه العظيم الشأن، الملك الديّان، فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان».(1)

فقد استدلّ الإمام بأنّ إنكار إله محيط بالعالم نابع عن قياس الممكن بالواجب والمخلوق بالخالق. فالممكن لأجل كونه محدوداً إذا وقع في مكان يخلو عنه مكان آخر، و أمّا الواجب لأجل سعة وجوده وعدم تحديده يكون حاضراً في كلّ مكان، لا حضوراً حلوليّاً، بل قيّوميّاً، لقيام كلّ ممكن بوجوده قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي.


1 . الاحتجاج:2/208، المناظرة 218.


( 244 )

السابعة: إبطال القياس

لقد شاع العمل بالقياس بعد رحيل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)،لقلّة النصوص في المسائل المستجدّة، فلم يجدوا بدّاً من العمل بالقياس والاستحسان وسائر القواعد التي لم يدلّ على حجيتها الكتاب والسنّة، وإنّما التجأوا إليها لإعواز النصوص والإعراض عن أئمّة أهل البيت عيبة علم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .

كان أبو حنيفة من أعلام العاملين بالقياس، ولذلك عُرف فقهاء العراق بأهل القياس، وفيما دار بينه و بين أبي عبد اللّه (عليه السلام) من المناظرة يظهر قوة منطق المناظر ورجوع الخصم إلى الحق.

قال أبو عبد اللّه(عليه السلام) :«فانظر إلى قياسك إن كنت مقيساً أيّما أعظم عند اللّه: القتل أم الزنا؟»

قال: بل القتل.

قال: «فكيف رضى اللّه تعالى في القتل بشاهدين، ولم يرض في الزنا إلاّ بأربعة؟» ثمّ قال له: «الصلاة أفضل أم الصيام؟» قال: بل الصلاة أفضل.

قال(عليه السلام):«فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصّلاة في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب اللّه تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة».

قال له: «البول أقذر أم المني؟».

قال: البول أقذر.

قال(عليه السلام): «يجب على قياسك أن يجب الغُسْل من البول دون المني، وقد أوجب اللّه تعالى الغُسل من المني دون البول».(1)


1 . الاحتجاج:2/269، المناظرة 237.


( 245 )

الثامنة: إبطال الرؤية يوم القيامة

إنّ أبا قرّة كان أحد المحدّثين الكبار في عصر الإمام أبي الحسن الرضا(عليه السلام)فدخل عليه ودار بينهما كلام طويل، نورد منه ما يلي:

قال أبو قرّة: فإنا رُوِينا انّ اللّه قسّم الرؤية والكلام بين نبيّين، فقسّم لموسى (عليه السلام)الكلام ولمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الرؤية.

فقال أبو لحسن(عليه السلام): «فمن المبلّغ عن اللّه إلى الثقلين الجن والإنس أنّه لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء، أليس محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!» قال: بلى.

قال أبو الحسن(عليه السلام): «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه، وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول: إنّه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني وأحطتُ به علماً وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يكون أتى عن اللّه بأمر ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».(1)

التاسعة: تصحيح فهم الحديث النبوي

لم يزل أصحاب الحديث يستدلّون على التجسيم بالحديث المروي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّ اللّه خلق آدم على صورته».

فالضمير حسب زعمهم يرجع إلى اللّه، فتكون النتيجة أنّ للّه سبحانه صورة كصورة الإنسان وقد خلق آدم على غرار صورته.


1 . الاحتجاج:2/375، المناظرة 285.


( 246 )

فلمّا سُئل الإمام الرضا (عليه السلام)عن هذا الحديث قال:

«قاتلهم اللّه لقد حذفوا أوّل الحديث، إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّ برجلين يتسابّان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: «قبّح اللّه وجهك ووجه من يُشبهك». فقال له(صلى الله عليه وآله وسلم) : «يا عبد اللّه لا تقل هذا لأخيك! فإنّ اللّه عز ّو جلّ خلق آدم على صورته».(1)

العاشرة: مكافحة الغلو

كانت ظاهرة الغلو فاشية في عصر الإمام الصادق(عليه السلام) وبعده إلى أن بلغت أوجها في عصر الإمام العسكري(عليه السلام).

وإليك مناظرة دارت بين الإمام الرضا(عليه السلام) وأحد السائلين، قال السائل: بأبي أنت وأُمّي يابن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ! فإنّ معي من ينتحل موالاتكم ويزعم أنّ هذه كلّها من صفات علي(عليه السلام)، وأنّه هو اللّه ربّ العالمين.

قال: فلمّا سمعها الرّضا(عليه السلام)، ارتعدت فرائصه وتصبب عرقاً وقال: «سبحان اللّه عمّا يقول الظالمون والكافرون علوّاً كبيراً! أو ليس عليّ كان آكلاً في الآكلين، وشارباً في الشّاربين، وناكحاً في الناكحين، ومحدثاً في المحدثين؟ وكان مع ذلك مصلّياً خاضعاً، بين يدي اللّه ذليلاً، وإليه أوّاهاً منيباً، أفمن هذه صفته يكون إلهاً؟! فإن كان هذا إلهاً فليس منكم أحد إلاّ هو إله لمشاركته له في هذه الصفات الدالات على حدوث كلّ موصوف بها».(2)


1 . الاحتجاج:2/385، المناظرة 292.

2 . الاحتجاج:2/454، المناظرة 314.


( 247 )

الحادية عشرة: استنطاق القرآن في مورد إسلام الذمّيّ

قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم.

فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانُه شركه وفعله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، و قال بعضهم: يُفعل به كذا وكذا.

فأمر المتوكّل بالكتاب إلى أبي الحسن العسكري(عليه السلام) وسؤاله عن ذلك.

فلمّا قرأ الكتاب كتب(عليه السلام): «يضرب حتّى يموت»، فأنكر يحيى وأنكر فقهاء العسكر ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين! سله عن ذلك فانّه شيء لم ينطق به كتاب، ولم يجئ به سنّة.

فكتب إليه: إنّ الفقهاء قد أنكروا هذا، وقالوا: لم يجئ به سنّة ولم ينطق به كتاب، فبيّن لنا لِمَ أوجبت عليه الضرب حتّى يموت؟

فكتب: (بِسم اللّه الرّحمن الرّحيم فلمّا رَأَوْا بَأْسَنا قَالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بهِ مُشْرِكينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا) الآية.(1) قال: فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات.(2)

الثانية عشرة: اعتراف الزنادقة بعجزهم عن نقض القرآن

اجتمع ابن أبي العوجاء وأبو شاكر الديصاني الزنديق وعبد الملك البصري وابن المقفع عند بيت اللّه الحرام، يستهزئون بالحاج و يطعنون على القرآن.


1 . غافر:84ـ85.

2 . الاحتجاج:2/498ـ499.


( 248 )

فقال ابن أبي العوجاء: تعالوا ننقض كلّ واحد منّا ربع القرآن وميعادنا من قابل في هذا الموضع، نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كلّه، فإنّ في نقض القرآن إبطال نبوّة محمّد، وفي إبطال نبوته إبطال الإسلام وإثبات ما نحن فيه، فاتّفقوا على ذلك وافترقوا، فلمّا كان من قابل اجتمعوا عند بيت اللّه الحرام، فقال ابن أبي العوجاء:

أمّا أنا فمفكّر منذ افترقنا في هذه الآية:(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً)(1)، فما أقدر أن أضمّ إليها في فصاحتها وجمع معانيها شيئاً، فشغلتني هذه الآية عن التفكّر فيما سواها.

فقال عبد الملك: وأنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية:(يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)(2) ، ولم أقدر على الإتيان بمثلها.


1 . يوسف:80.

2 . الحجّ: 73.


( 249 )

فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا)(1) ، لم أقدر على الإتيان بمثلها.

فقال ابن المقفع: يا قوم! إنّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية: (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعي وَغِيضَ الماءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلى الجُوديّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَومِ الظّالِمين)(2)، لم أبلغ المعرفة بها، ولم أقدر على الإتيان بمثلها.

قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك. إذ مرّ بهم جعفر بن محمّد الصادق(عليهما السلام) فقال:(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهيراً)(3) ، فنظر القوم بعضهم إلى بعض وقالوا: لئن كان للإسلام حقيقة لما انتهت أمر وصية محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ إلى جعفر بن محمّد، واللّه ما رأيناه قطّ إلاّ هبناه واقشعرّت جلودنا لهيبته، ثمّ تفرّقوا مقرّين بالعجز.(4)

هذه نماذج من مناظرات أئمّة أهل البيت في مجالات مختلفة، و من أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «الاحتجاج» للعلاّمة الطبرسي و«بحار الأنوار» للعلاّمة المجلسي.

وقد تربى في أحضانهم رجال صاروا أبطال المناظرة، فخرجوا في حلبة الجدال العلمي بوجوه مشرقة، منهم: هشام بن الحكم، مؤمن الطاق، فضال بن حسن بن فضّال، إلى غير ذلك من متكلّمي عصر الأئمّة الذين تقرأ تفاصيل حياتهم في هذه الموسوعة.


1 . الأنبياء:22.

2 . هود:44.

3 . الإسراء:88.

4 . الاحتجاج:2/306 و 307، المناظرة257.


( 250 )

ختامه مسك

هذه رسالة متواضعة في علم الكلام وعلل نشوئه ومناهجه ومسائله إلى غير ذلك، قدّمناها إليك أيّها القارئ الكريم لتكون على بصيرة من سير هذا العلم، وتكون تمهيداً لما سيوافيك من حياة روّاد هذا العلم من المتقدّمين والمتأخّرين، الذين بذلوا جهوداً جبارة في إرساء قواعد هذا العلم وردّ الشبهات والتمويهات عن وجه الدين القويم.

وأنا أختم رسالتي هذه بما ختم به الشيخ أحمد التلمساني مؤلف «نفح الطيب»، مقدّمة كتابه حتّى يكون ختامه مسك.

ومن يتوسّل بالنبيّ محمّد * شفيع البرايا السيد السند الأسنى
فذاك جدير أن يكفر ذنبه * ويمنح نيل القصد والختم بالحسنى

تمّ تحرير هذه الرسالة، يوم ميلاد النبيّ الأعظم، محمد المصطفى وسبطه الإمام الصادق(عليهما السلام) السابع عشر من شهر ربيع الأوّل من شهور عام 1424 من الهجرة النبوية.

والحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)


( 251 )

الفصل الثاني

الخبر الواحد في الشؤون الدينيّة

بين الرفض والقبول


( 252 )

( 253 )

الخبر الواحد في الشؤون الدينيّة

بين الرفض والقبول

بعث اللّه سبحانه نبيّه الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) بدين مشرق يحتوي على أُصول يجب الاعتقاد بها وعقد القلب عليها، وأحكام عملية يطلب العمل بها، وتطبيق السلوك عليها في الحياة الفردية والاجتماعية، فكأنّ لفظ الإسلام شارة العقيدة والشريعة.

فالمطلوب من العقيدة هو الإذعان القلبي، كما أنّ المطلوب من الشريعة هو العمل، فكأنَّ الشريعة ثمرةُ العقيدة، وكل إنسان ينطلق في سلوكه من عقيدته وإيمانه.

والّذي يجب إلفات النظر إليه هو أنّ السلوك العملي وتطبيق الحياة على الحكم الشرعي ليس رهن الإذعان بصحة الحكم الشرعي، بل ربّما يعمل به الإنسان أو يتركه مع الشك والترديد في صحة حكم ما، بشهادة أنّ جميع الأحكام الفرعية ليست من القطعيات، بل هي بين مقطوع ومظنون بها، كما أنّ له تلك الحالة مع الظن بصحة الحكم دون اليقين بها، فالعمل والتطبيق في متناول الإنسان في أيّ وقت شاء، سواء أشك في صحة الحكم أو ظنّ بها أو قطع.


( 254 )

وأمّا العقيدة بمعنى عقد القلب على شيء وأنّه الحق تماماً دون غيره فتختلف عن الأحكام الفرعية، فهي رهن أُسس ومبادئ تقود الإنسان إلى الإذعان على نحو لولاها لما حصلت له تلك الحالة وإن شاء وأصرّ على حصول اليقين.

فالعمل بالأحكام من مقولة الفعل وهو واقع تحت إرادة الإنسان، ربّما يعمل بما لا يجزم بصحته كما يعمل مع الجزم بها، ومثال ذلك أنّ أئمة المذاهب الفقهية مختلفون في الآراء والمصيب منهم واحد، ومع ذلك فأتباع كل إمام يعملون بفقهه مع علمهم بخطئه إجمالاً في بعض الآراء لعدم عصمته .

ولكن الإذعان من مقولة انفعال النفس بالمبادئ الّتي تؤثر في طروء هذه الحالة على صحيفتها، ولولا تلك المبادئ لماترى له أثراً في الذهن .

يقول سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ) .(1) ماذا يريد اللّه سبحانه من هذه الجملة؟ هل يريد أنّ الدين لا يمكن أن يتعلّق به إكراه؟! لأنّه من شؤون القلب الخارجة عن القدرة، تماماً كالتصورات الذهنية، وانّما يتعلّق الإكراه بالأقوال والأفعال الّتي يمكن صدورها عن إرادة القائل والفاعل.(2)

يقول العلاّمة الطباطبائي: إنّ الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية الّتي تتبعها أُخرى عملية، يجمعها أنّها اعتقادات، والاعتقاد والإيمان من الأُمور القلبية الّتي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار، فإنّ الإكراه إنّما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادية.

وأمّا الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أُخرى قلبية من سنخ الاعتقاد


1 . البقرة:256.

2 . تفسير الكاشف:1/396.


( 255 )

والإدراك، ومن المحال أن ينتج الجهل علماً، أو تولّد المقدّمات غير العلمية تصديقاً علمياً .(1)

فما ادّعاه أعداء الإسلام من : «أن ّالإسلام قام بالسيف والقوة» ما هو إلا ادّعاء فارغ يجانب العقل،لأنّ السيف لا يؤثر في العقيدة والإذعان وإن كان يؤثر في تطبيق العمل وفق الشريعة.

وعلى ضوء ذلك قال المحقّقون بحجية خبر الواحد العادل في الأحكام العمليّة دون الأُصول والعقائد، لأنّه لا يفيد العلم واليقين الّذي هو أساس العقيدة إلا إذا احتفّ بقرائن خارجية تورث العلم والجزم،وما هذا إلا لأنّ المطلوب في الأحكام هو العمل، وهو أمر اختياري يقوم به الإنسان حتّى في حالتي الشك والتردد في صحة الحكم.

وأمّا الأُصول والمعارف فالمطلوب فيها عقد القلب والإذعان على نحو يطرد الطرف النقيض بإحكام، والخبر الواحد بما هو هو ـ وإن كان الراوي ثقة خصوصاً إذا كان بعيداً عن مصدر الوحي ـ لا يورث إلا الظن، وهو لا يغني في مجال العقيدة عن الحق شيئاً.

فعلى ما ذكرنا فالخبر الواحد إذا كان راويه ثقة وسنده صحيحاً، فإنّه يوصف بالصحة، ولكن لا ملازمة بين صحة السند، وصحة المضمون، لأنّ أقل ما يمكن أن يقال في آحاد الثقات انّهم ليسوا بمعصومين، ويحتمل في حقّهم الخطأ والاشتباه في السمع والبصر والذاكرة، فكيف يفيد قولهم العلم بالصحة؟ ومع ذلك فالخبر الواحد حجة في الفرعيات الّتي لا تعدّ ولا تحصى، لأنّ فرض


1 . الميزان:2/342.


( 256 )

تحصيل العلم فيها يستلزم الحرج، وربّما لا يناله الفقيه، ولذلك اعتبره الفقهاء حجة من عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا كما اعتبره العقلاء حجة في حياتهم الاجتماعية وسلوكهم الفردي.

وأمّا الأُصول والمعارف فهي رهن دليل قطعي حاسم يجلب اليقين ويخاصم الطرف المقابل.

نعم شذّ عن هذه القاعدة الّتي تؤيدها الفطرة والكتاب والسنّة جماعةٌ اغترّوا بروايات الآحاد فجعلوها أُسساً للعقائد والأُصول، يقول ابن عبد البرّ: ليس في الاعتقاد كلّه في صفات اللّه وأسمائه إلا ما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كلّه أو نحوه يسلم له، ولا يناظر فيه .

وقال أيضاً: وكلّهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليهـا، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقـده، وعلى ذلك جماعة أهل السنّة .(1)

وجاء في شرح الكوكب المنير: ويعمل بآحاد الأحاديث في أُصول الديانات، وحكى ذلك ابن عبد البر إجماعاً.(2)

يقول ابن القيم: إنّ هذه الأخبار لو لم تفد اليقين، فإنّ الظن الغالب حاصل منها، ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها، كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها... ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنّة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنّه جوّز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن اللّه وأسمائه


1 . التمهيد:1/8.

2 . شرح الكوكب المنير:2/352 وانظر: لوامع الأنوار الإلهية:1/19.


( 257 )

وصفاته....(1)

وقد نقل هذه النصوص مؤلف كتاب «موقف المتكلمين من الكتاب والسنّة» عن المصادر الّتي أشرنا اليها في الهامش واستنتج من هذه الكلمات ما يلي:

يرى أهل السنّة والجماعة الأخذ بكل حديث صحّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في العقائد، واعتقاد موجبه، سواء أكان متواتراً أم آحاداً، إذ إنّ كلّ ما صحّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وجب القطع به واعتقاده والعمل به، سواء أوصل إلى درجة التواتر أم لم يصل، وسواء أكان ذلك في الاعتقادات أم فيما يسمّى بالعمليات، أي: المسائل والأحكام الفقهية.

ـ إلى أن قال: ـ فمن أفاده الدليل العلم القاطع وجب عليه الأخذ به وتيقن دلالته، ومن أفاده الظن الغالب لم يجز له أن يترك هذا الظن الغالب لعجزه عن تمام اليقين.(2)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يشبه بعضها بعضاً، ويدعو الكل إلى لزوم بناء العقيدة على العلم واليقين إنْ تيسّر ، وإلا فعلى الظن ولا يجوز ترك الظن الغالب، لعجزه عن اليقين.

أقول: إن هؤلاء ـ نوّر اللّه بصيرتهم ـ لم يفرّقوا بين الأحكام العملية والأُصول العقائدية، وقاسوا الثانية بالأُولى مع أنّ القياس مع الفارق، فالمطلوب في الأحكام هو العمل وهو يجتمع مع العلم والظن، ولكن المطلوب في الثانية هو عقد القلب والجزم ورفض الطرف المخالف، وهو لا يتولّد من الظن، فإنّ الظن لا يُذهب


1 . مختصر الصواعق2/412.

2 . موقف المتكلّمين:1/198.


( 258 )

الشك، بخلاف اليقين فأنّه يطردهما معاً.

وتكليف الظان بموضوع، بالإذعان به وعقد القلب عليه تكليف بما لا يطاق، كتكليف الظان بطلوع الفجر، بالإذعان به.

ولو كان العمل بالظن في العقائد أمراً مطلوباً لما ندّد به القرآن الكريم في غيرواحد من الآيات. قال سبحانه: (إنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ)(1) ، وقال: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(2) ، إلى غيرذلك من الآيات .

معطيات الخبر الواحد في العقائد

لو قمنا بتنظيم العقيدة الإسلامية على ضوء الخبر الواحد لجاءت العقيدة الإسلامية أشبه بعقائد المجسّمة والمشبّهة بل الزنادقة.

نفترض أن الخبر الواحد في العقيدة حجة إذا كان السند صحيحاً، فهل يصحّ لنا عقد القلب على ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال :

لاتُملأ النار حتّى يضع الرب رِجْلَه فيها

تحاجّت النار والجنّة فقالت النار: أُثرتُ بالمتكبّرين والمتجبّرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء النّاس وسقطهم وعجزهم، فقال اللّه للجنّة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أُعذب بك


1 . الأنعام:116.

2 . يونس:36.


( 259 )

من أشاء من عبادي، ولكلّ واحدة ملؤها، فأمّا النّار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض .

ولنا على الحديث ملاحظات تجعله في مدحرة البطلان:

الأُولى: أي فضل للمتكبّرين والمتجبّرين حتى تفتخر بهم النار، ثُمّ ومن أين علمتْ الجنةُ بأنّ الفائزين بها من عجزة الناس مع أنّه سبحانه أعدّها للنبيّين والمرسلين والصدّيقين والشهداء والصالحين؟!

الثانية: ثمّ هل للجنة والنار عقل ومعرفة بمن حلّ فيهما من متجبّر ومتكبّر أو ضعيف وساقط من الناس؟

الثالثة: انّه سبحانه قد أخبر بأنّه يملأ جهنم بالجِنّة والناس لا برجله تعالى، كما قال سبحانه: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعينَ)(1) ، وقال: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعينَ). (2)

وعلى ذلك فالموعود هو امتلاء جهنم بهما، وما هو المتحقّق إنّما هو امتلاء النار بوضع الرب رجله فيها، فما وُعد لم يتحقّق، وما تَحقّق لم يُعد.

الرابعة: هل للّه سبحانه رجل أكبر وأوسع حتى تمتلئ بها نار جهنم إلى حدّ يضيق الظرف عن المظروف فينادي بقوله: قط قط؟!

فالحديث أشبه بالأُسطورة، وقد صاغها الراوي في ثوب الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فجنى به على الرسول وحديثه وسوّد صحائف كتب الحديث وصحيفة عمره ـ أعاذنا اللّه من الجهل المطبق، والهوى المغري ـ.


1 . ص :85.

2 . هود:119.


( 260 )

ولا يتصوّر القارئ أنّ ما ذكرناه حديث شاذ بين أخبار الآحاد، لا بل هناك أخبار كثيرة لو اعتمدنا عليها لجاءت العقيدة الإسلامية مهزلة للمستهزئين، فإن كنت في شك فلاحظ الحديث التالي:

نزول الرب كلّ ليلة إلى السماء الدنيا

أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي عبد اللّه الأغر وأبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة:

إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأعطيه، ومَن يستغفرني فأغفر له. (1)

وفي الحديث تساؤلات:

أوّلاً: أنّ ربّنا هو الغفور الرحيم، وهو القائل عزّ من قائل:(فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم).(2)

والقائل تبارك وتعالى:(أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحيم).(3)

والقائل سبحانه:(قُلْ ياعِباديَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ


1 . صحيح البخاري:8/71، باب الدعاء نصف الليل من كتاب الدعوات; وأخرجه مسلم في صحيحه:2/175، باب الترغيب في الدعاء من كتاب الصلاة عن أبي عبد اللّه الأغر وعن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن أبي هريرة.

2 . المائدة:39.

3 . المائدة:74.


( 261 )

رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُالذُّنُوبَ جَميعاً ).(1) إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن سعة رحمته لعموم مغفرته.

كما أنّه سبحانه وعد عباده بأنّه يستجيب دعاء من دعاه ويقول:(ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُم)(2)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قُرب المغفرة من المستغفرين، والإجابة من اللّه سبحانه للسائلين آناء الليل والنهار فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه الكريم في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا وندائه بقوله: « مَن يدعوني فاستجيب له».

ثانياً: تعالى ربّنا عن النزول والصعود والمجيء والذهاب والحركة والانتقال وسائر العوارض والحوادث، وقد صار هذا الحديث سبباً لذهاب الحشوية إلى التجسيم والسلفية إلى التشبيه، وإن كنت في شكّ فاستمع لكلام من أحيا تلك الطريقة بعد اندثارها وانطماسها، يقول الرّحالة ابن بطوطة في رحلته:

وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشام يتكلّم في فنون، إلا أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء. ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي، وقال: «إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا» وعدّد ما أُنكر على ابن تيمية، وأحضر الشهود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.

قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلا اللَّه، فأعاد عليه


1 . الزمر:53.

2 . غافر:60.


( 262 )

فأجاب عليه بمثل قوله: فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، وصنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سمّاه بـ «البحر المحيط».

ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنتُ إذ ذاك بدمشق، فحضرتُه يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ اللّه ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا،ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزاهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً. (1)

نحن ومؤلّف «موقف المتكلّمين»

ألّف الشيخ سليمان بن صالح بن عبد العزيز الغصن كتاباً باسم «موقف المتكلّمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنّة، عرضاً ونقداً» في جزأين، وقدّمه إلى كلية أُصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في عام 1413 هـ ، لنيل درجة الدكتوراه في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، وقد حصل على مرتبة الشرف الأُولى.

وقد أدان ـ المؤلّف في خاتمة ذلك الكتاب ـ المتكلّمين بأُمور عديدة منها:

1. يرى المتكلمون أنّه لا يجوز الاستمساك بأخبار الآحاد في مسائل العقيدة بحجّة أنّها ظنيّة، ومسائل العقيدة مبناها على القطع، وقد تبيّن بطلان هذا الزعم وتناقضه ومخالفته لمنهج السلف. (2)


1 . ابن بطوطة: الرحلة:112، طبع دار الكتب العلمية .

2 . موقف المتكلّمين:2/918.


( 263 )

أقول: أراد الكاتب إدانة المتكلّمين المجاهدين في معرفة اللّه وصفاته، والذين وعد اللّه سبحانه أمثالهم بقوله:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)(1) ، ولكنّه في الوقت نفسه مدحهم من حيث لا يشعر، لاتّباعهم الذكر الحكيم في ترك الظن في الأُصول والعقائد ، وبالتالي ترك المنهج الذي نسبه إلى السلف، وإن كان قسم من السلف بريئاً من هذه الوصمة.

2. إنّ المتكلّمين غلوا في تعظيم العقل حتى جعلوه حاكماً على الشرع، ومقدّماً عليه عند التعارض، وحتى أوجب بعضهم على اللّه ـ بالعقل ـ أُموراً، ومنعوا عليه أُموراً أُخرى. (2)

نلفت نظر الكاتب إلى أمرين :

1. انّ الوحي دليل قطعيّ، لا يتطرق إليه الخطأ والاشتباه، كما أنّ حكم العقل إذا استمدَّ حكمه من البرهان، مثله، أمر قطعي، فكيف يمكن أن يقع التعارض بين القطعيين؟! فما يُتراءى من صورة التعارض بين الوحي القرآني وما استنبطه العقل أو دلّت عليه التجربة فلا يخلو الحال من أحد أمرين:

1. إمّا أن يكون ما فهمناه من الشرع أمراً خاطئاً، دون أن يتطرّق الخطأ إلى نفس الشرع، أو يكون ما استفدناه من البرهان مغالطة، حدثت لقصور أو تقصير في المبادئ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في نقد الفروض العلمية الّتي ربّما يتصوّر كونها معارضة للقرآن.

نعم إذا كان المنسوب إلى الشرع أمراً ظنياً، غير قطعي، كأخبار الآحاد، فلو كان هناك تعارض بينه وبين العقل القاطع، فالمجال للثاني، لانعدام الظن


1 . العنكبوت:69.

2 . موقف المتكلّمين:2/919.


( 264 )

بالقطع بخلافه .

2. إنّ الكاتب لم يفرّق بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي، فخلط أحدهما بالآخر، فأمّا الأوّل فهو كفر وزندقة، فأنّى للعبد تلك المولوية حتى يكلّف ربَّه بما حكم به عقله; وأمّا الثاني فهو نفس التوحيد، أعني: استكشاف الآثار من المؤثرات، فإذا وقف الباحث على أنّ من صفاته سبحانه كونه عدلاً حكيماً، فيستكشف من خلال هذه الصفات أنّه بريء من الظلم والقبح، وأنّه لا يأخذ البريء بذنب غيره، وبعبارة أُخرى: يستكشف وجود الملازمة بين كونه حكيماً عادلاً وبين أن يفعل كذا وأن لا يفعل كذا.

والحقّ أن ّ الكاتب أُميّ بالنسبة إلى منطق المتكلّمين ; فلو رجع إلى كتب المحققّين من المتكلّمين لعرف مقاصدهم، ولَما شنّ عليهم هذه الحملة العشواء.

وما ذكره من الإدانة ليس أمراً جديداً ابتكره الكاتب، وإنّما هو أمرٌ سبق إليه غير واحد من خصماء العقل وأعداء البرهان وإن كانوا يتظاهرون بالعقل والتفكير منهم الرازي ; قال: «لا يجب على اللّه تعالى شيء عندنا ،خلافاً للمعتزلة فإنّهم يوجبون اللطف والعوض والثواب، والبغداديون خاصة يوجبون العقاب ويوجبون الأصلح في الدنيا.

لنا:إنّ الحكم لا يثبت إلا بالشرع ، ولا حاكم على الشرع فلا يجب عليه شيء.

والإشكال بمعزل عن التحقيق ـ وأظن أنّ الرازي كان واقفاً على وضعه ـ وقد أجاب عنه المحقّق نصير الدين الطوسي وقال: ليس هذا الوجوب بمعنى الحكم الشرعيّ كما هو المصطلح عند الفقهاء، بل هذا الوجوب بمعنى كون الفعل بحيث


( 265 )

يستحقّ تاركه الذمّ، كما أنّ القبيح بمعنى كون الفعل بحيث يستحق فاعله الذّم. والكلام فيه هو الكلام في الحسن والقبح بعينه، ويقولون: إنّ القادر العالم الغنيّ لا يترك الواجب ضرورةً. (1)

3. أبطل المتكلّمون دلالات كثير من النصوص الشرعية من خلال عدة طرق، كاتّباع المتشابه والقول بالمجاز والتأويل والتفويض . (2)

أقول: قد نسب الكاتب إلى المتكلّمين في هذه العبارة القصيرة أُموراً أهمها أمران:

1. تفويض المراد من الصفات الخبرية إلى اللّه سبحانه.

2. التأويل.

الأمر الأوّل: تفويض المراد من الصفات الخبرية إلى اللّه سبحانه

إنّ التفويض شعار مَن يرى أنّه يكفيه في النجاة قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» ،وعند ذاك يرى أن ّ التفويض أسلم من الإثبات الّذي ربّما ينتهي ـ عند الإفراط ـ إلى التشبيه والتجسيم المبغوض، أو إلى التعقيد واللغز الّذي لا يجتمع مع سمة سهولة العقيدة.

إنّ القائلين بالتفويض رأوا أنفسهم بين محذوريْن، فمن جانب أنّه سبحانه أثبت لنفسه هذه الصفات الخبرية ولابد من إثباتها عليه سبحانه بلا كلام، ومن جانب آخر أنّ إثباتها بما لها من المعاني الإفرادية والتصورية يُشرف الإنسان على التجسيم والتشبيه، فاختاروا طريقاً للتخلّص من المحذوريْن


1 . النقد المحصّل:342.

2 . موقف المتكلّمين :2/919.


( 266 )

بتفويض معانيها إلى اللّه سبحانه مع الإيمان بمعانيها حسب ما أنزله سبحانه.

ولا يُعاب على الرجل إذا اختار طريق الاحتياط وجمع بين الواجب (الإيمان بصفات اللّه الخبرية) والتحرز عن مغبّة التشبيه والتجسيم.

وقد نقل نظير ذلك عن إمام السلفيّين أحمد بن حنبل يقول حنبل بن إسحاق: سألت أحمد بن حنبل: ألم ترو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ اللّه ينزل إلى السماء الدنيا؟ قال أحمد: نؤمن بها ونصدق ولا نرد شيئاً منها إذا كانت الأسانيد صحاحاً ـ إلى أن قال ـ : قلت: أنُزُوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا، ما لك وهذا، معنى الحديث على ما روي بلا كيف ولا حدّ. (1)

إنّ الاعتقاد بنزوله سبحانه بلا كيف وحدّ تعبير آخر عن الاعتقاد بالنزول وتفويض واقعه إلى اللّه سبحانه .

ولو قلنا بتغايرهما فالقول بالتفويض أهون بمراتب من الإيمان بالنزول بلا كيف ،فإنّ واقع النزول هو كيفية وتحرك النازل من مكان إلى مكان، ونفي الكيف يساوق نفي النزول أساساً، فالقول به بلا كيف أشبه بقولنا بوجود أسد لا رأس له ولا ذنب ولا مخلب .

ثم إنّ التفويض ليس إلا عقيدة قليل من المتكلّمين الذين دعاهم الاحتياط إلى ترك التدبّر في مفاهيم الصفات باللجوء إلى التفويض . وأمّا المحقّقون منهم فهم لا يعطّلون العقول عن معرفته سبحانه ومعرفة محامد أوصافه وجلائل نعوته، قائلين بأنّه سبحانه أنزل القرآن (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيء )(2) ، فإذا كان تبياناً لكل شيء، فكيف لا يكون تبياناً لنفسه ؟!


1 . شرح أُصول السنّة للألكائي كما في علاقة الإثبات والتفويض:98.

2 . النحل:89.


( 267 )

هذا ما يتعلّق بالأمر الأوّل وهو التفويض الّذي نسبه الكاتب إلى المتكلّمين، وقد عرفت ما هو سبب لجوء هؤلاء إلى التفويض وإن كانوا بالنسبة إلى المحقّقين من القلّة.

وإليك تحليل الأمر الثاني:

الأمر الثاني: التأويل

قد نسب الكاتب إلى المتكلّمين التأويل وأردفه باتّباع المتشابه، وكأنّ تأويلهم نوع من اتّباع المتشابه المنهي عنه في الذكر الحكيم(1) ، لكن لابد من تبيين حقيقة التأويل وله صورتان:

1. حمل الآيات على خلاف ظاهرها

ربّما يُفسّر التأويل بحمل الآية على خلاف ظاهرها، جمعاً بينها وبين حكم العقل أو العلم ، وبالتالي درء التعارض بين الوحي والعقل والعلم.

والتأويل بهذا المعنى مرفوض جدّاً، فإنّ ظاهر القرآن حجّة بلا كلام ، وليس لأحد أن يصرف الآية إلى خلافها إلا بدليل قاطع مقبول عند العقلاء ، كما هو الحال في حمل العموم على الخصوص، والمطلق على المقيّد، حيث إنّ عموم الآية أو إطلاقها يُخصّص أو يُقيّد بآية أُخرى أو بالسنّة النبوية الّتي قام الدليل على حجيتها فهذا النوع من التصرف أمر شائع بين العقلاء، خصوصاً في مجالس التقنين والتشريع، وبما أن القرآن نزل نجوماً والأحكام شُرّعت تدريجاً فربما ورد العام والمطلق في برهة وورد مخصصه ومقيده في برهة أُخرى، وهذا يوجب الجمع


1 . لاحظ آل عمران:7.


( 268 )

بينهما بالتخصيص والتقييد، وبالتالي صرف الآية عن ظاهرها، على نحو مقبول عند عامّة الناس .

وأمّا التأويل بمعنى صرف الآية عن خلاف ظاهرها في غير مجال التقنين ، فهو أمر باطل لا يسير عليه إلا الفرق الباطلة كالباطنية، وأمّا غيرهم فالجميع على حجية الظواهر في عامة المجالات.

2. الأخذ بالظهور الجُمْلي لا الإفرادي

نعم لابد من تشخيص الظاهر الّذي يجب الأخذ به وعليه عامّة العقلاء في محاوراتهم ، فالمراد من الظاهر ليس هو الظهور التصوري والإفرادي بل الظهور الجُمْلي والتصديقي، فلو قلت: رأيت أسداً في الحمّام، فالظهور الإفرادي للفظة أسد يقتضي تفسيره بالحيوان المفترس، ولكن بالنسبة إلى الظهور الجمْلي «مجموع الجملة» والتصديقي يقتضي حمله على الرجل الشجاع، يقول القائل :

أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة * رَبْداءُ تجفُلُ من صفير الصافرِ (1)

فالجمود على الظهور الإفرادي والتصوري يقودنا إلى حمل الأسد على المعنى اللغوي، ولكنّه بالنظر إلى القرائن الحافّة بالشعر والغرض الّذي صيغ لأجله الكلام يقودنا إلى حمله على الإنسان الجبان الّذي يتظاهر بالشجاعة لدى الضعفاء ولكنّه في ساحة الحرب جبان ينزوي هارباً.

وبعبارة أُخرى: لا يشكّ أيّ متشرّع غير الباطنية من أنّه يجب الأخذ بظواهر الكتاب دون العدول عنه قيد شعرة ، غير أنّ المهم هو تعيين الصغرى وأنّه ما هوالظاهر، فلنأت بمثال يوضح المقصود، يقول سبحانه:(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ


1 . لعمران بن حطان السدوسي يهجو به الحجاج.


( 269 )

مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُوراً ).(1)

فالناظر في الآية لا يشكّ في أنّه ليس المراد هو بسط الجارحة أو قبضها، بل المراد هو المعنى المكنّى عنه وهو البخل والتقتير أو الجود والبذل الخارج عن الحدود المعتادة.

فتفسير الآية حسب ما ذكرنا تأويل صحيح بمعنى أوْل الآية وإرجاعها إلى المعنى المقصود.

وهذا رهن رفض الظهور الإفرادي والتصوري والأخذ بالظهور الجملي والتصديقي، وهو طريقة العقلاء في تفسير الكلمات فها نحن نذكر نوعاً من هذا التأويل ليُعرف ما هي طريقة المحققين في تفسير الصفات الخبرية.

أفيصح لمفسّر أن يأخذ بظاهر قوله سبحانه:(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ).(2)

فإنّ في الأخذ بالظهور الإفرادي والتصوّري وضعاً للإنسان الضعيف الّذي ابتلى بالعمى وفقد البصر لعوامل وراثية أو بيئية أو ما شابه ذلك، فلا محيص من رفض الظهور الإفرادي والأخذ بالظهور التصديقي وتطبيقها على الكفّار الفاقدين للبصيرة الذين(لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ).(3)


1 . الإسراء:29.

2 . الإسراء:72.

3 . الأعراف:179.


( 270 )

طريقة المحقّقين في تفسير الصفات الخبرية

طالما تمسّك السلف والسلفيون، بالآية التالية لإثبات الرؤية الحسّية للّه، قال سبحانه:

(كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ) (1) ،وقال سبحانه:(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).(2)

إنّ هذه الآية شغلت بال المثبتين والمنكرين للرؤية، فالفرقة الأُولى تُصرّ على أنّ النظر بمعنى الرؤية، والثانية على أنّها بمعنى الانتظار.

غير أنّ الإصرار على تفسير لفظ الناظرة وأنّها هل هي بمعنى الرؤية أو الانتظار ليس أمراً مهماً، بل المهم هو التفسير الجملي لا الإفرادي.

نحن نسلم أن النظر هنا بمعناه اللغوي قطعاً، ولكن القرائن تدلّ على أنّ المراد الجدّي هو الانتظار، فاستعمل اللفظ في المعنى اللغوي ولكن صار ذريعة إلى المعنى الثاني المكنّى عنه بمعنى الانتظار، كما في قولك: (زيد كثير الرماد) في مقام المدح مشيراً به إلى سخائه، وإلا فالمعنى الإفرادي يكون ذمّاً لا مدحاً .

وبما أنّ حمل الجملة على الكناية ليس بصحيح إلا بقرائن قاطعة تقود الإنسان إليها، نعطف نظر القارئ الكريم إلى تلك القرائن:

نجد إنّ هنا آيات ست وتقابلات ثلاثة والتنظيم لها بالشكل التالي:

1.(كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) يقابلها (وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ) .


1 . القيامة:20ـ 21.

2 . القيامة:22ـ 25.


( 271 )

2.(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةَ) يقابلها (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ ).

3. (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) يقابلها (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ).

فلا شك أنّ الآيات الأربع الأُول واضحة لا غموض فيها، إنّما الإبهام وموضع النقاش هو الشق الأوّل من التقابل الثالث، فهل المراد منه جداً هو الرؤية، أو أنّها كناية عن انتظار الرحمة؟ والذي يعيّن أحد المعنيين هو أنّ ما يقابله ـ أعني: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌَ ) صريح في أنّ أصحاب الوجوه الباسرة ينتظرون العذاب الكاسر لظهرهم ويظنون نزوله، ومثل هذا الظن لا ينفكّ عن الانتظار، فكل ظان لنزول العذاب منتظر، فيكون قرينة على أنّ أصحاب الوجوه المشرقة ينظرون إلى ربّهم، أيّ يرجون رحمته، وهذا ليس تصرفاً في الآيات ولا تأويلاً لها، وإنّما هو رفع الإبهام عن الآية بأُختها المتقابلة وإرجاع الآية إلى معناها الواقعي، وتعيين أحد المحتملين بالأدلّة القاطعة.

وترى ذلك التقابل والانسجام في آيات أُخرى، وكأنّ الجميع سبيكة واحدة، كما في الآيات التالية:

1. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ) يقابلها (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ)

2. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) يقابلها (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ).(1)

فإنّ قوله:(ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَة)، قائم مقام قوله:(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) فيرفع إبهام الثاني بالأوّل.

3. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ خَاشِعَة) يقابلها (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً).(2)


1 . عبس:38ـ 40.

2 . الغاشية:2ـ4.


( 272 )

4.(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاعِمَة) يقابلها (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّة عَالِيَة) .(1)

انظر إلى الانسجام البديع، والتقابل الواضح بينهما، والهدف الواحد. والجميع بصدد تصنيف الوجوه يوم القيامة، إلى: ناضرة، ومسفرة، وناعمة، و:باسرة، وغبرة، وخاشعة.

أمّا جزاء الصنف الأوّل فهو الرحمة والغفران، وتحكيه الآيات التالية:

(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرة) ،(ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَة)، (فِي جَنَّة عَالِيَة) .

وأمّا جزاء الصنف الثاني فهو العذاب، والابتعاد عن الرحمة، وتحكيه الآيات التالية:

(تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَة)، (تَرْهَقُهَا قَتَرَة)، (تَصْلَى نَارًا حَامِيَة).

أفبعد هذا البيان يبقى الشكّ في أنّ المراد من قوله (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌَ) هو انتظار الرحمة!! والقائل بالرؤية يتمسك بهذه الآية، ويغضّ النظر عمّا حولها من الآيات، ومن المعلوم أنّ هذا من قبيل محاولة إثبات المدّعى بالآية، لا محاولة الوقوف على مفادها.

ويدلّ على ذلك أنّ كثيراً ما يستخدم العرب النظر بالوجوه في انتظار الرحمة أو العذاب:

وإليك بعض ما ورد:

1. وجوه بها ليل الحجاز على الهوى * إلى ملك كهف الخلائق ناظرة
2. وجوه ناظرات يوم بدر * إلى الرحمن يأتي بالفلاح


1 . الغاشية:8ـ10.


( 273 )

فلا نشك أنّ قوله: «وجوه ناظرات» بمعنى رائيات، ولكن النظر إلى الرحمن كناية عن انتظار النصر والفتح.

3. إنّي إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر

فلا ريب أنّ اللفظين في الشعر وإن كانا بمعنى الرؤية، ولكن نظر الفقير إلى الغني ليس بمعنى النظر بالعين، بل الصبر والانتظار حتى يعينه.

وأوضح دليل على أنّ المراد الجدّي من النظر، ليس هو الرؤية، هو نسبة النظر إلى الوجوه لا إلى العيون، فلو أراد الرؤية الحسّية، لكان اللازم أن يقول: عيون يومئذ ناظرة، لا وجوه يومئذ ناظرة.

هذه هي طريقة المحقّقين من المتكلّمين، ولا أظن أن الإنسان البعيد عن الأهواء غير المتأثر بالبيئة والرأي المُسبق، إذا تأمّل ما ذكرنا يبقى له شك في المراد بالآية، وهذا النوع من التأويل ليس من باب فرض العقيدة على الآية ، وانّما هو استنطاق للآية بنفسها وبما يشابهها من الآيات الأُخرى.

وليس التأويل بهذا المعنى، يهدف إلى صرف الآية عن ظاهرها، بل هو عين الأخذ بالظهور الجملي، مكان الظهور الإفرادي، وإرجاع الآية إلى المراد الجدّي منها، وإخراجها عن الظهور المتزلزل إلى الظهور المستقرّ بالتدبر والتفكير فيها وما ورد حولها من الآيات الأُخرى.

تقدير لا تصويب

لسنا في هذا المقام بصدد تصويب جميع المناهج الكلامية والمسالك الفكرية، إذ كيف يمكن تصويب الجميع، مع أنّ المصيب واحدٌ؟! بل الهدف


( 274 )

تقدير جهودهم الّتي بذلوها في سبيل فهم العقيدة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنّة والعقل الحصيف.

وما أبعد ما بينهم وبين المتقاعسين عن فهم العقائد المقتصرين على الظهور الإفرادي في فهم النصوص المقدّسة، المؤثرين راحة النفس على التدبّر والتفكّر في مضامين الآيات ومداليلها.

ثَمّةَ رجلان انطلقا إلى جبل ليتباريان في تسلُّقه، فلمّا رأى الأوّل شموخَ الجبل وعلوّ قمّته، ضَعُفت إرادتُه وانهارت مُنَّـتُهُ، وقَعدتْ به عن إنجاز ما كان يسعى إليه همّتهُ، فآثر البقاء حيث هو في أسفل الجبل ومنحدره، دون أن يخطوَ خطوة واحدة في طريق تسلُّقه; أمّا الثاني فلم يتهيّب بُعد القمّة ولا شدائد الطريق، فمضى بعزم ومضاء، وظل يكافح ويناضل ويبذل جهده في الصعود والارتقاء، إلى أن استبدّ به التعب وخارت قُواه، فوقف في أثناء الطريق دون أن يبلغ القمّة ويُدرك مُناه.

إن مثَل المتكلم المجاهد الّذي حاول أن يتعرف على أسمائه وصفاته سبحانه عن طريق التدبّر والتفكّر بجدّ وإخلاص إذا أخطأ في بضع مسائل كمثل متسلّق الجبال الّذي لم يتهيّب بُعْد القمّة ولا مصاعب الطريق فمضى بعزم ومضاء، وإن خارت قواه، ولم يصل إلى المقصد الأسنى، فهو ممدوح في جهده وسعيه; وأمّا السلف والسلفيون الذين يأخذون بظواهر الآيات دون تدبّر وتعقّل ويحتجون بالظهور الإفرادي دون الجملي ويعتقدون بالظهور التصوّري لا التصديقي لإراحة أنفسهم عن تعب البحث والتفكير، فحالهم حال من رأى ارتفاع الجبل فآثر البقاء في أسفل الجبل ومنحدره.

فأيّهما أحق بالمدح والثناء. وأيّهما أحقُ أن يشمله قولُه سبحانه:


( 275 )

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا...).(1)

السلف وتفسير الصفات الخبرية

يقول مؤلّف «موقف المتكلّمين»: يعتقد أهل السنّة (2) إنّ اللّه خاطبنا بما نفهم وأراد منّا اعتقاد ظاهر النصوص «على الوجه اللائق». فنصوص الصفات مثلاً تجري على ظاهرها «بلا كيف»، كما تضافرت عبارات السلف في ذلك، فتثبت له الصفات الواردة بلا تمثيل، فلو كان ظاهر النصوص غير مراد لما خاطبنا بها ربنا تعالى ولما أمرنا بتدبّر كتابه، كما قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ).(3)

فعلى هذا نعلم أنّ الواجب الأخذ بظواهر النصوص وأنّه ليس هناك باطن يخالف الظاهر، فالباطن الحق عند السلف موافق للظاهر الحق، وكلّ معنى باطن يخالف ظاهر الكتاب والسنّة فهو خيال وجهل وضلال .(4)

يؤخذ على الكاتب أُمور، منها :

1. انّ الكاتب خلط الحق بالباطل، وذلك لأنّ الأُمّة الإسلامية (غير الفرقة الباطنية) كلّهم يعتقدون بالأخذ بظاهر النصوص، وليس الأخذ بالظواهر من خصائص السلف، بل كلّ من اتّخذ القرآن دليلاً وهادياً، يأخذ بها، غير أنّ


1 . العنكبوت:69.

2 . احتكر الكاتب لفظ «أهل السنّة» وخصّه بأهل الحديث فقط، كأحمد بن حنبل وأسلافه أو أخلافه، ورأى أنّ سائر الفرق حتّى الأشاعرة ليسوا منهم .

3 . ص :29.

4 . موقف المتكلّمين:1/72ـ73، نقله عن كتاب الدرء والتعارض:5/86 وكتاب إبطال التأويلات:6ـ13 مخطوط.


( 276 )

الّذي يهّمُنا هو تشخيص الظاهر، فهل المراد الظهور الإفرادي أم الظهور الجُمْلي؟ وهل المراد الظهور التصوّري أو الظهور التصديقي؟ فالسلف والسلفيّون على الأوّل، والمحقّقون على الثاني، فهم أولى بالآية التالية:(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه) دون المتسمّين بالسلفية، إذ ليس لهم أي شأن حول الآيات سوى الأخذ بظواهر مفردات الآية.

2. إنّه تبعاً لأسلافه لمّا رأى أنّ الأخذ بظواهر النصوص على النحو الإفرادي والتصوّري يوجب التجسيم والتشبيه والجهة الّتي هي مذهب الزنادقة، حاول أن يفرّ من مغبّة ذلك المسلك بعبارتين:

1. تفسير النصوص في حقّه سبحانه على الوجه اللائق به .

2. بلا تمثيل ولا كيف.

إذا كانت الوظيفة حمل النصوص على ظواهرها فما هذا التقييد ـ أعني: «اللائق به» أو «بلا تمثيل ولا كيف» ـ فإنّها قيود مبتدعة دون أن يكون لها سند في الكتاب والسنّة، وما هذا إلا لأنّ السلف والسلفيّين أبناء التشبيه والتجسيم والجهة، ولكنّهم اتّخذوا هذين التعبيرين جُنَّة للدفاع وغطاء لستر معايب منهجهم كالتشبيه والتجسيم والجهة.

السلفية ونفي المجاز

قد عرفت أنّ بعض السلف وأتباعهم يحاولون حمل الصفات الخبرية الواردة في القرآن الكريم على اللّه سبحانه بنفس معانيها الحرفية، ولأجل ذلك حاولوا إنكار المجاز في القرآن الكريم لئلا يكون القول به ذريعة لنفي الصفات بالمعنى اللغويّ.


( 277 )

يقول مؤلف «موقف المتكلمين»: إنّ البحث في المجاز لو كان أمراً لغوياً لم يكن به بأس، ولكنّه ربّما يقع سُلّماً ومطيةً لأهل البدع بتحريف بعض نصوص الشرع عن حقائقها. ولو كان مجرد اصطلاح لا يترتب عليه خوض في مسائل الشريعة لما حصل فيه خلاف كبير ولما احتدم فيه النقاش، ولكن لمّا أدرك العلماء خطورتَه وكثرةَ المتدّرعين به سارعوا إلى تحقيق القول فيه بين ضعف قواعده وقصور مباحثه.

وذكر في ذلك الفصل حجج المنكرين للمجاز قائلاً إنّ أبرزها ما يلي:

1. أنّ المجاز كذب; لأنّه يتناول الشيء على خلاف حقيقته، ومن المعلوم بالضرورة أنّ كلام اللّه تعالى كلّه حق، وكلّ حق فله حقيقة، وكل ما كان حقيقة، فإنّه لا يكون مجازاً.

2. أنّ العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي نسبة الحاجة أو الضرورة، أو العجز إلى اللّه تعالى، وهذا محال على اللّه تعالى.

3. أنّ اللّه تعالى لو خاطب بالمجاز لصحّ وصفه بأنّه متجوّز، ومستعير، وهو خلاف الإجماع.

4. أن المجاز لا يُفهم معناه بلفظه دون قرينة، وربّما تخفى، فيقع الالتباس على المخاطب فلا يفهم مراد اللّه، وهذا يخالف حكمة الخطاب. (1)

هذه أدلّته على نفي المجاز لا لغاية التحقيق في اللغة، بل للتحرز عن حمل الصفات الخبرية على المعاني المجازية، وهذا يعني أنّه اتخذ موقفاً خاصاً من الصفات الخبرية وصار ذلك سبباً لإنكار المجاز، وإلا فلو دخل في البحث مجرداً عن عقيدة مسبقة لما أنكر المجاز ولما اعتمد على هذه الأدلّة الواهية الّتي تُضحك الثكلى.


1 . موقف المتكلمين:1/459ـ 460.


( 278 )

وإليك دراستها مع الاعتذار إلى القرّاء الكرام :

أمّا دليله الأوّل ـ أعني: وصف المجاز بالكذب ـ فسبحان اللّه كيف يصفه بالكذب وبالتالي ينكر وجوده في القرآن الكريم وهذا كتابه العزيز يشهد عليه؟!

يقول سبحانه حاكياً عن نساء مصر: (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌَ).(1)

هل هناك إنسان يتّهم نساء مصر بالكذب، لأنهنّ نفينَ كون يوسف بشراً، بل قلن بجدّ، إنّه ملك كريم؟!

كلاّ ولا، لأنّ القرائن الحافّة بالكلام أوضح دليل على أنّ الوصف ادّعائي لا حقيقي.

ولذلك عادت امرأة العزيز بإدانتهن وقالت: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ).(2)

تريد بكلامها هذا، أنّ يوسف بما أنّه بلغ من الحسن والجمال حدّاً يليق أن يقال فيه أنّه ليس بشراً بل هو ملك، صار ذلك سبباً لغرامي وتعلّق قلبي به.

أترى أنّه سبحانه كذب في قوله: (وَ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً).(3)

فهو لا يريد من الأعمى في كلا الموردين المعنى الحقيقي وهو الضرير


1 . يوسف:31.

2 . يوسف:32.

3 . الإسراء:72.


( 279 )

ومكفوف العينين، وانّما يريد من عَمي قَلبُه، ومن المعلوم أنّ «الأعمى» وضع للضرير، فاستعماله في غيره على نحو من المجاز.

وقال سبحانه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).(1)

فإنّ اللباس حسب اللغة هو ما يلبسه الإنسان ويستر به بدنه، واللّه سبحانه استعمله في الجوع المحيط بالإنسان، وكأنّه شمله الجوع كما يشمل اللباسُ البدنَ.

وبعبارة أُخرى: إنّه سبحانه يُخبر عن إحاطة لباس الجوع عليهم، فهل هو سبحانه ـ والعياذ باللّه ـ يكذب في ذلك؟! إذ لا شكّ أنّ الجوع ليس لباساً ولم يوضعَ اللفظ له ومع ذلك يخبر عن وجود هذا اللباس، وما هذا إلا لأنّ القرائن الحافة بالكلام تُخرج الكلام عن كونه كذباً، ولا يخطر ببال أيّ مخاطب أنّه كذب، بل لو فُسّر الكلام بالمعنى الحقيقي لعاد كذباً.

وأمّا دليله الثاني، أيّ كون العدول عن الحقيقة سبباً لنسبة الحاجة إلى اللّه سبحانه...

يلاحظ عليه: بأنّ اللّه سبحانه كتب على نفسه أن يخاطب الناس عن طريق الوحي بلغتهم ويحاورهم بكلامهم، يقول سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(2)


1 . النحل:112.

2 . إبراهيم:4.


( 280 )

فليس العدول عن الحقيقة آية الحاجة أو الضرورة أو العجز، بل كلّ ذلك لغاية إفهام الناس وهدايتهم.

وأمّا الدليل الثالث، فلا ملازمة بين كونه مستعملاً للمجاز وجواز وصفه بأنّه متجوّز أو مستعير، لأنّ أسماء اللّه توقيفية ويشهد على ذلك :

إنّ أفعال العباد عند أهل السنّة مخلوقة للّه سبحانه، فمع ذلك لا تصحّ تسميته سبحانه بكونه آكلاً، شارباً، ضارباً، قاتلاً.

إنّه سبحانه يصف نفسه بقوله:(أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ).(1) فهل تصحّ تسميته بكونه زارعاً، ودعوته في مقام الدعاء «يا زارع؟!».

وأمّا الدليل الرابع، فيلاحظ عليه: أنّ من شرط استعمال المجاز احتفافه بالقرينة الواضحة، فاستعمال اللفظ مجازاً مع اختفاء القرينة يضادّ البلاغة، وهو لا يناسب ساحة البلغاء.

إكمال

المعروف أنّ اللفظ إن استعمل فيما وضع له فهو حقيقة، وإن استعمل في غيره بعلاقة معتبرة مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، فهو مجاز .

لكن المختار عندنا تبعاً لمشايخنا الكبار، كالعلاّمة مجد الدين الاصبهاني (1286 ـ 1362هـ)، والسيد الإمام الخميني (1320 ـ 1409 هـ) رضوان اللّه عليهما: انّ الألفاظ مطلقاً حتّى في الموارد الّتي توصف بالمجاز، مستعملة في معانيها الأصليّة وليس المعنى المجازي، معنى مقابلاً للمعنى الحقيقي، كما يوهمه قولهم: الأسد مستعمل في الرجل الشجاع. وجه ذلك: أنّه إذا استعمل اللفظ في


1 . الواقعة:64.


( 281 )

معناه الأصلي ولم يكن هناك أيّ ادّعاء، يوصف الاستعمال بالحقيقة، وإن استعمل في نفس معناه الأصلي، وكان مقروناً بادّعاء أنّ المورد من مصاديق ذلك المعنى الأصلي يوصف بالمجاز.

مثلاً استعمل لفظ «ملك» في قوله: (مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌَ)(1) في نفس معناه الأصلي مدّعياً بأنّ يوسف من مصاديقه. والّذي يُضفي على الكلام حسناً وجمالاً، هو نفس ذلك الادّعاء، وإلا فلو استعمل لفظ «ملك» في يوسف بلا توسيط معناه الأصلي وبلا ادّعاء أنّه من مصاديقه، لسقط الكلام عن قمّة البلاغة، ولم يبق للتعجب وجه.

فلو قال القائل: إني قاتلت في جبهات القتال أسداً هصوراً، أو قابلت أمس قمراً منيراً. وهو لم يقابل إلا رجلاً شجاعاً باسلاً، أو وجهاً صبيحاً، فلا يريد بكلامه هذا اللقاء، بهذين الشخصين بلا توسيط المعنى الأصلي بل يستعملهما في معناهما الأصليين لكن بادّعاء أنّ الموردين من مصاديق الأسد، والقمر .

وهذا الشاعر، يمدح محبوبته متعجباً ويقول :

قامت تُظلِّلُني ومن عجب * شمس تُظلِّلُني من الشمس

وإنّما يصحّ أن يتعجّب إذا استعمل لفظ الشمس في نفس معناها الحقيقي، أعني: النيّر الكبير، فعند ذلك صحّ أن يتعجب، ان شمساً (محبوبته) قامت تظلّله من الشمس.

وهنا يظهر حال الكناية وإن جعلها الأُدباء قسيماً ثالثاً للحقيقة والمجاز، وذلك لأنّ الألفاظ في الكنايات أيضاً مستعملة بالإرادة الاستعمالية في معانيها الأصلية لكن صار ذلك سبباً لتعلّق الإرادة الجدية بشيء آخر، وهو لازم المعنى


1 . يوسف:31.


( 282 )

الأصلي، كلّ ذلك بالقرائن الحالية أو المقالية .

مثلاً من ألفاظ المدح عند العرب. قولهم: فلان طويل النجاد، أو كثير الرماد; والأوّل كناية عن طويل القامة، والثاني عن كثرة الضيافة، كلّ ذلك بعلاقة الملازمة بين المعنى الاستعمالي والمعنى الجدي. والمسوِّغ للاستعمال هو كون المتكلّم في مقام المدح، ولأجل ذلك ربّما يستعمل «طويل النجاد» في من لم يشتمل سيفاً طول عمره ولم يصاحب عاتقه نجاداً.

السلفية وتفسير الصفات الخبرية

إنّ السلفيّين يصفونه سبحانه بالصفات التالية، معتمدين في ذلك حسب زعمهم على الذكر الحكيم وهي:

1. العلو .

2. الاستواء.

3. النزول.

4. الإتيان والمجيء.

5. الغضب والضحك.

6. الوجه.

7. العين.

8 . اليدان.

9. القدم.

10. الرؤية.

وعلى هذا فاللّه سبحانه مستو على عرشه وجالس عليه، وأنّه خلق آدم


( 283 )

بيديه، وهو ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ويأتي ويجيء، ويغضب ويضحك، ويراه الإنسان بأُم عينيه، إلى غير ذلك من الصفات، فهو ـ جلّ اسمه ـ يوصف بها بنفس المعاني الحرفية واللغويّة، وأقصى ما عندهم في تنزيه الرب أنّه موصوف بها «بلا كيف»، و «حسب ما يليق بساحته».

وبما أنّ دراسة جميع هذه الأوصاف الواردة في الكتاب والسنّة على نحو يقلع الشبهة عن أذهان المغرورين بكتبهم ورسائلهم، تتطلّب تأليف كتاب مفرد، فنقتصر هنا على إيضاح صفتين وردتا في الذكر الحكيم، لأنّهم يعتمدون عليهما أكثر من سائر الصفات.

الأُولى: الاستواء على العرش

نقول: ورد استواؤه على العرش في غير واحد من السور (1)، ونحن نذكر آيتين ونحيل الباقي إلى القارئ الكريم :

قال سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ). (2)

وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).(3)


1 . الرعد:2، الفرقان:59، السجدة:5، غافر:15، طه:5، باختلاف يسير.

2 . يونس:3.

3 . الأعراف:54.


( 284 )

إنّ هؤلاء ـ الذين يتبرّأون من المشبِّهة والمجسِّمة (ولكنهم منهم) ويتستّرون بـ «البلكفة» أو «ما يليق بساحته سبحانه» ـ أخذوا بحرفية قوله سبحانه:(ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) والظهور التصوري المتزلزل وتركوا الظهور التصديقي المستقرّ.

قال مؤلّف «موقف المتكلّمين»: روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: والعرش فوق الماء واللّه فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.(1)

وعن الأوزاعي قال: كنّا والتابعون نقول إنّ اللّه على عرشه، ونؤمن بما وردت به السُّنّة .(2)

وذكر ابن القيّم: أنّه روى غير واحد باسناد صحيح عن عبد الرحمن بن مهدي أنّه قال: إنَّ الجهمية أرادوا أن ينفوا أن اللّه كلّم موسى وأن يكون على العرش، أرى أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلا ضُربت أعناقهم.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات الظاهرة في التجسيم، وأنّه سبحانه في السماء لا في الأرض، يجلس على سريره ينظر إلى ما دون العرش ولا تخفى عليه أعمال عباده.

هؤلاء بدلَ أن يتدبّروا في نفس الآيات الوارد فيها الاستواء على العرش ويرجعوا إلى عقولهم، لاذوا بكلمات السلف غير المعصومين ثم أوعدوا المخالف بالسيف، كما في كلام ابن القيّم.

وأمّا المحقّقون الَّذين يتدبّرون القرآن حسب ما أمر به الذكرُ الحكيم، فقد رجعوا إلى نفس الآيات وتدبّروا الجملَ الحافّة بهذه الجملة، ثم قاموا بتفسيرها


1 . التمهيد، لابن عبد البر:7/139.

2 . الأسماء والصفات للبيهقي:515.

3 . الفتوى الحموية:5/40.


( 285 )

وخرجوا بالتنزيه لا بالتجسيم، وإليك البيان :

إنّ الآية الأُولى تتحدث عن الأُمور التالية:

1. إن ربّكم هو الّذي خلق السماوات والأرض.

2. خلقهما في ستة أيام.

3. ثم استوى على العرش.

4. يدبّر أمر الخلقة وليس هنا مُدّبر سواه.

5. لو كان هناك شفيع (علّة مؤثرة في الكون) لا يشفع ولا يؤثِّر إلا بإذنه.

6. هذا هو رَبُّنا الّذي فرضت علينا عبادتهُ.

هذا هو حال الآية الأُولى.

وأمّا الآية الثانية، فتتحدث عن الأُمور التالية:

1. إنّ ربّكم هو الّذي خلق السماوات والأرض.

2. خلقهما في ستة أيام.

3. ثم استوى على العرش.

4. يُغشي الليـل النهار، يغطِّـي كلاً منهما بالآخـر ويأتي بأحدهمـا بعد الآخر.

5. يطلبه حثيثاً فيدركه سريعاً.

6. والقمر والنجوم مسخرات بأمره. مذلّلات جاريات في مجاريهنّ بأمره وتدبيره .

7. ألا له الخلق والإيجاد والإبداع.

8. والأمر: أمر التدبير أو أمره في خلقه بما أحبّ .


( 286 )

9. تبارك اللّه رب العالمين: تعاظم اللّه رب العالمين تعالى فيما لم يزل ولايزال.

نعود مرّة أُخرى ونتدبّر هذه المقاطع، فنجد أنّ قائل هذه الجُمَل ـ عزّ اسمه ـ يتحدّث عن عظمته وأنّه الخالق، خالق العالم ومدبّره، وأنّه خلقه في ستة أيّام، ويغشي الليل النهار، وهو يطلبه، وأنّ الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، وليس هناك من خالق ومدبّر إلا هو، ولا مؤثّر في الكون إلا بإذنه، ثم رتّب على ذلك تارة وجوب عبادته، لكونه القائم بالخلق والتدبير والأمر، فتجب عبادته دون غيره كما في الآية الأُولى; وأُخرى تعظيمه وتنزيهه كما في الآية الثانية.

ما ذكرناه خلاصة مضمون الآيتين، فعندئذ يجب أن تكون هناك مناسبة ذاتية بين استوائه على العرش والإخبار عن هذه الأُمور الكونية، فلو فُسّر الاستواء بمعنى الجلوس على العرش، تفقد الجملة المناسبة وتصبح جملة فاقدة الصلة بما قبلها وما بعدها.

فما هي المناسبة بين التحدّث عن عظمة الخلقة وسعتها وما فيها من السنن الكونية والتحدّث عن جلوسه على السرير، وهذا هو الّذي دفع المحقّقين إلى التدبّر في الآية حتى يفسّروها بالظهور التصديقي لا بالظهور التصوّري، وبالظهور الجُملي لا بالظهور الإفرادي. وهذا يتحقّق بأمرين:

أ. تفسير الاستواء بالاستيلاء، لا بالجلوس والاستقرار .

ب. جعل العرش كناية عن السلطة والقدرة، لا بمعنى السرير .

أمّا الأوّل: فقد استعمل في اللغة العربية لفظ الاستيلاء بمعنى الاستواء، قال الأخطل يمدح بشراً أخا عبد الملك بن مروان حين تولّى إمرة العراقيين:


( 287 )

قد استوى بِشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق

فالحمد للمهيمن الخلاق

فليس المراد من الاستواء الجلوس أو الاستقرار، بل التمكّن والاستيلاء التام والسيطرة على العراقيين وكسح كل مزاحم ومخالف. وإلا فالجلوس المجرّد على السرير، لا يكون مدحاً.

وقال الطرمّاح بن حكيم:

طال على رسم مهدد أبده * وعفا واستوى له بلده

والمراد استقام له الأمر واستتب.

وقال شاعر آخر :

فلمّا علونا واستوينا عليهم * تركناهُمُ صرعى لنسر وكاسر

حتّى أنّ لفظة «استويت» في قوله سبحانه مخاطباً نوحاً (عليه السلام): (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للّهِ الّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).(1) ليس بمعنى الركوب على الفلك أو الجلوس عليه، بل المراد إذا تمكّنت من الفلك على نحو صار زمامها بيدك. ولذلك فسره السيوطي بـ «اعتدلت» .

ومثله قوله تعالى: (وَ الذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَ الأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ


1 . المؤمنون:28.


( 288 )

وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ).(1)

فليس المراد من الاستواء هو الجلوس في الفلك أو الركوب على ظهر الأنعام، بل المراد هو التسلّط على الفلك والأنعام والاستيلاء عليها، بشهادة أنّه سبحانه يأتي بالاستواء بعد الركوب ويقول: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ)، فهو يُعرب على أنّ الاستواء غير الركوب.

فليس الاستواء مجرد الجلوس والركوب، بل هو السيطرة والسلطة على الشيء ولكن كُلٌّ بحسبه، فاستواء الإنسان على الفلك والأنعام سيطرته عليهما بحيث يوجهها إلى أي صوب شاء، كما أنّ استواءه سبحانه على العرش (سيوافيك معنى العرش) هو استيلاؤه وسيطرته على عالم الإمكان بحيث لا يشذ عن إرادته شيء .

ولأجل هذه السيطرة والاستيلاء فهو يُدبّر العالم بعد الإيجاد فهو خالق ومسيطر على الأُمور والكل«مُدبَّر».

وأمّا الثاني: أي تفسير العرش

نقول: إنّ العرش حسب اللغة هو السرير، ولكن بما أنّ الملوك يجلسون عليه ويدبّرون من فوقه ملكهم ويُصدرون منه أحكامهم، صار العرش مظهر القدرة والسلطة وسبباً لأن يُكنّى به عنهما بقول الشاعر:

إذا ما بنو مروان ثلّت عروشُهم * وأوْدَتْ كما أودتْ إياد وحمير

فليس المراد تهدّم العروش الّتي كانوا يجلسون عليها، بل كناية عن زوال الملك والسيطرة وانقطاع سلطتهم.


1 . الزخرف:12ـ 13.


( 289 )

ويقول الآخر:

ان يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبة بن الحارث بن شهاب

واللّه سبحانه أخرج كلامه على المتعارف من كلام العرب حيث يقولون:

استوى الملِك على عرشه: إذا انتظمت أُمور مملكته، وإذا اختلّ أمر ملكه قالوا: ثُلَّ عرشه، وربّما لا يكون له سرير، ولا يجلس على سرير أبداً.

وحصيلة الكلام: إنّ الملاحظة الدقيقة للآيات الّتي ورد فيها استيلاؤه سبحانه على العرش تكشف عن أنّه لا يُراد منه الجلوس والاستقرار عليه، بل المراد هو السيطرة والتمكّن من صحيفة الكون والخلقة، وأنّها بعد الخلقة في قبضة قدرته و حوزة سلطنته لم تفوّض لغيره.

ولأجل ذلك يذكر في سورة يونس بعد هذه الجملة أمر التدبير ويقول: يدبِّر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه معرباً عن أنّه المدبِّر لأمر الخلقة، وذلك لاستيلائه على عرش ملكه. فمن استولى على عرش ملكه يقوم بتدبيره، ومن ثلّ عرشه أو زال ملكه أو انقطع عنه لا يقدر على التدبير. ولكنّه سبحانه في سورة الأعراف يذكر بعد هذه الجملة كيفيّة التدبير و يقول: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرات بِأَمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ وَالأمْرُ)فهذه الجمل (بما أنّها تعبّر عن تدبيره صحيفة الكون، وكونه مصدراً لهذه التدبيرات الشامخة) دليل على أنّه مستول على ملكه، مهيمن عليه، مسيطر على ما خلق ولم يخرج الكون عن حوزة قدرته، ومثله سائر الآيات الواردة فيها تلك الجملة، فإنّك ترى أنّها جاءت في ضمن بيان فعل من أفعاله سبحانه. ففيها دلالات على «التوحيد في التدبير» الّذي هو أحد مراتبه.


( 290 )

وأمّا إذا فسّرنا الاستواء بالجلوس ، والعرش بالكرسي الّذي يتربّع عليه الملوك، يكون المعنى غير مرتبط بما ورد في الآية من المفاهيم، كما تقدّم، إذ أيّ مناسبة بين التربّع على الكرسي المادي والقيام بهذه التدابير الرفيعة؟ فإنّ المصحِّح للتدبير هو السيطرة والهيمنة على الملك وهو لا يحتاج إلى التربّع والجلوس على الكرسي، بل يتوقّف على سعة ملكه و نفوذ سلطته.

والمعطّلة (الذين عطّلوا عقولهم عن التدبّر والتفكير)، يحسبون أنّ ما ذكرناه تأويل، لأنّه مخالف للظهور الإفرادي، حيث لفظ «العرش» بإفراده بمعنى «السرير» لا السلطة والسيطرة على الملك، لكنّك عرفت أنّ الميزان في تفسير الآية هو الظهور «الجُمْلي» والتصديقي بمعنى التدبّر في مجموع الجملة وما يدل عليه ـ بعد رعاية السياق وغيره من القرائن ـ وعليه، فليس ما ذكرناه تأويلاً، بل إرجاع الآية إلى واقعها، وإخراج لها من الظهور المتزلزل (الإفرادي) إلى الظهور المستقرّ (التصديقي) كما هو المتعارف في تفسير سائر الآيات وكلمات البلغاء والفصحاء بل عامة العقلاء. وليس التأويل المقبول إلا إرجاع الآية إلى معناها، كما أنّ تأويل الرؤيا في الذكر الحكيم، هو إرجاعها إلى واقعها وجذورها.

2. خلق سبحانه آدم بيديه

قد تعرّفت على مفاد قوله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) وأنّه لا يدلّ على ما يرومه ابن تيمية وأتباع مسلكه من أنّه سبحانه يجلس على سريره الخاص، وأنّه ينظر إلى العالم من فوق عرشه .

بقي الكلام في تفسير قوله: (يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ).(1)


1 . ص:75.


( 291 )

قال ابن تيمية: إنّ للّه يدين مختصتين ذاتيتين ـ كما يليق بجلاله ـ وإنّه سبحانه خلق آدم بيده... .(1)

فابن تيمية يحمل اليدين على المعنى الإفرادي، جموداً على الظهور البدائي دون أن يتدبّر في القرائن الحافّة بالآية، التي تعطي للآية مفاداً آخر، وهو نتيجة الظهور التصديقي .

وممّا تقدّم من أنّ الميزان هو الظهور المستقرّ لا المتزلزل، يجب الإمعان في موقف الآية وهدفها، وليس لنا صرف الآية عن ظهورها بتوهّم أنّه يخالف حكم العقل كما مرّ عليك، ولو كان هناك تعارض فهو بدائي مرتفع بأحد الأمرين: إمّا لأجل تطرق الخطأ إلى فهم المفسّر في تبيين مفاد الآية، أو طروء القصور والتقصير على العقل في مبادئ البرهان.

وعلى ضوء ذلك لا محيص من القول بأنّ اليدين في الآية بمعنى الجارحة ، لكن اللفظ كناية عن لازمه وهو الاهتمام بخلقة آدم، حتى يتسنّى بذلك ذم إبليس على ترك السجود لآدم فقوله سبحانه:(مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)كناية عن اهتمامه سبحانه بهذا المخلوق، وانّه لم يكن مخلوقاً لغيري حتّى يصحّ لك يا شيطان تجنّب السجود له، بحجّة أنّه لا صلة له بي، مع أنّه موجود خلقتهُ بنفسي، ونفختُ فيه من روحي، فهو مصنوعي و مخلوقي الّذي قمت بخلقه، فمع ذلك تمرّدت عن السجود له.

فأُطلقت الخلقة باليد و كنّي بها عن قيامه سبحانه بخلقه، وعنايته بإيجاده، وتعليمه إيّاه أسماءه، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد،


1 . مجموعة الفتاوى:6/362.


( 292 )

يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربّيته بيدي، ويراد من الكلّ هو القيام المباشري بالعمل، و ربّما استعان فيه بعينه و سمعه و غيرهما من الأعضاء، لكنّه لا يذكرها و يكتفي باليد، وكأنّه سبحانه يندِّد بالشيطان بأنّك تركت السجود لموجود اهتممت بخلقه و صنعه.

و نظير ذلك قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ)(1) ، فالأيدي كناية عن تفرّده تعالى بخلقها، لم يشركه أحد فيها. فهي مصنوعة للّه تعالى والناس يتصرّفون فيها تصرف الملاك، كأنّها مصنوعة لهم، فبدل أن يشكروا يكفرون بنعمته. وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور التّصديقي لا التصوّري.

قال الشريف المرتضى: «قوله تعالى:( لما خلقت بيديّ) جار مجرى قوله «لما خلقت أنا»، و ذلك مشهور في لغة العرب، يقول أحدهم: هذا ما كسبت يداك، وما جرّت عليك يداك. و إذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده، وكذلك في الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل».

وقس على ما ذكر سائر الموارد الباقية التي أوعزنا إلى عناوينها في صدر البحث.

فابن تيمية وأتباعه يأخذون بحرفية المعنى، والظهور البدائي دون التدبّر في الظهور التصديقي، وما يعطيه السياق أو سائر القرائن.


1 . يس:71.


( 293 )

بين التجسيم والتعقيد

قد عرفت أنّ ابن تيمية وأتباعه يفسّرون الصفات الخبرية بنفس معانيها الإفرادية، ولمّا كان القول به ملازماً للتجسيم والتشبيه تدرّعوا، بلفظ «بلا كيف» أو «ممّا يليق بساحته» أو ما أشبهه. وصار ذلك سبباً لاتّسام العقيدة الإسلامية بالتعقيد، مع أنّ العقيدة الإسلامية متّسمة بالسهولة والوضوح.

ذلك لأنّ اليد والوجه والرِّجل موضوعة للأعضاء الخاصة في الإنسان ، ولا يتبادر منها إلا ما يتبادر عند أهل اللغة، وحينئذ فإن أُريد منها المعنى الحقيقي يلزم التشبيه، وإن أُريد غيره فذلك الغير: إمّا معنى مجازي أُريد من اللفظ بحسب القرينة فيلزم التأويل، وهم يفرّون منه فرار المزكوم من المسك، وإمّا شيء لا هذا ولا ذاك، فما هو ذلك الغير؟ بيّنوه لناحتى تتّسم العقيدة بالوضوح والسهولة، ونبتعد عن التعقيد والإبهام، وإلا فالقول بأنّ له وجهاً لا كالوجوه، ويداً لا كالأيدي، ألفاظ جوفاء وشعارات خداعة لا يستفاد منها شيء سوى تخديش الأفكار وتضليلها عن جادة الصواب.

وباختصار: إنّ المعنى الصحيح لا يخرج عن المعنى الحقيقي والمجازي، وإرادة أمر ثالث خارج عن إطار هذين المعنيين يعدّ غلطاً وباطلاً، وعلى هذا الأساس لو أُريد المعنى الحقيقي لزم التشبيه بلا إشكال، ولو أُريد المعنى المجازي لزم التأويل، والكلّ ممنوع عندهم، فما هو المراد من هذه الصفات الواردة في الكتاب والسنّة؟!

إنّ ما يلهجون به ويكرّرونه من أنّ هذه الصفات تجري على اللّه سبحانه بنفس معانيها الحقيقية ولكن الكيفية مجهولة، أشبه بالمهزلة، إذ لو كان إمرارها على اللّه بنفس معانيها الحقيقية لوجب أن تكون الكيفية محفوظة حتى يكون


( 294 )

الاستعمال حقيقياً، لأنّ الواضع إنّما وضع هذه الألفاظ على تلك المعاني التي يكون قوامهابنفس كيفيتها،ويكون عمادها وسنادها بنفس هويتها الخارجية، فاستعمالها في المعاني، حقيقة بلا كيفية، أشبه بقولنا أسد، لكن لا ذنب له ولا مخلب ولا ولا...

فقولهم:«المراد هو أنّ للّه يداً حقيقة لكن لا كالأيدي»أشبه بالكلام الذي يناقض ذيله صدره.

عفا اللّه عنّا وعنهم، فللّه درّ الشيخ محمود صاحب الكشاف فقد عرفهم بقوله:

قد شبّهوه بخلقه وتخوفّوا * شنَعَ الورى فتستروا بالبلْكفة


( 295 )

كلمة شيخ الأزهر

الشيخ سليم البشري(1)

حول الصفات الخبريّة

ونحن نختم هذا البحث بذكر كلمة شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري كتبه حول سؤال رفعه إليه الشيخ أحمد علي بدر شيخ معهد «بلصفورة» وإليك خلاصة السؤال:

ما قولكم ـ دام فضلكم ـ في رجل من أهل العلم يتظاهر باعتقاد ثبوت جهة الفوقية للّه سبحانه و تعالى و يدّعي أنّ ذلك مذهب السلف، وتبعه على ذلك بعض الناس وجمهور أهل العلم ينكرون ذلك، والسبب في تظاهره بهذا المعتقد عثوره على كتاب لبعض علماء الهند نقل فيه صاحبه كلاماً كثيراً عن ابن تيمية في إثبات الجهة للباري سبحانه وتعالى و يخطّئ أبا البركات ـ رضي اللّه عنه ـ في قوله: في خريدته:

منــزه عــن الحلــول والجهـة * والاتصال والانفصال والسفه


1 . تولّى مشيخة الأزهر مرّة بعد أُخرى، توفّي عام 1335هـ.ق.


( 296 )

يخطئه في موضعين من البيت قوله: والجهة، وقوله: والانفصال.

والشيخ اللقاني في قوله:

ويستحيل ضدّ ذي الصفات * في حقّه كالكون في الجهـات

وبالجملة هو مخطّئ لكلّ من يقول بنفي الجهة مهما كان قدره.

ولا يخفى على فضيلتكم أنّ الكلام في مسألة الجهة شهير، إلاّ أنّه من المعلوم أنّ قول فضيلتكم سيما في مثل هذا الأمر هو الفصل، وأرجو أن يكون عليه إمضاؤكم بخطكم والختم ولا مؤاخذة، لازلتم محفوظين ولمذهب أهل السنّة والجماعة ناصرين آمين.

نصّ الجواب

وقد كتب إليه شيخ الأزهر جواباً لسؤاله وهذا نصّه:

إلى حضرة الفاضل العلاّمة الشيخ أحمد علي بدر خادم العلم الشريف ببلصفورة:

قد أرسلتم بتاريخ 22محرم سنة 1325هـ مكتوباً مصحوباً بسؤال عن حكم مَن يعتقد ثبوت الجهة له تعالى، فحررنا لكم الجواب الآتي وفيه الكفاية لمن اتّبع الحق وأنصف، جزاكم اللّه عن المسلمين خيراً.

«اعلم أيدك اللّه بتوفيقه وسلك بنا وبك سواء طريقه، أنّ مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنّيون أنّ اللّه تعالى منزّه عن مشابهة الحوادث، مخالف لها في جميع سمات الحدوث، و من ذلك تنزهه عن الجهة والمكان كما دلّت على ذلك البراهين القطعية، فإنّ كونه في جهة يستلزم قدم الجهة أو المكان وهما من العالم،


( 297 )

وهو ما سوى اللّه تعالى، وقد قام البرهان القاطع على حدوث كلّ ما سوى اللّه تعالى بإجماع من أثبت الجهة ومن نفاها، ولأنّ المتمكن يستحيل وجود ذاته بدون المكان مع أنّ المكان يمكن وجوده بدون المتمكن لجواز الخلاء، فيلزم إمكان الواجب ووجوب الممكن، وكلاهما باطل، ولأنّه لو تحيز لكان جوهراً لاستحالة كونه عرضاً، ولو كان جوهراً فإمّا أن ينقسم وإمّا أن لا ينقسم، وكلاهما باطل، فانّ غير المنقسم هو الجزء الذي لا يتجزأ وهو أحقر الأشياء، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.

والمنقسم جسم وهو مركّب والتركيب ينافي الوجوب الذاتي، فيكون المركّب ممكناً يحتاج إلى علّة مؤثرة، وقد ثبت بالبرهان القاطع أنّه تعالى واجب الوجود لذاته، غنيّ عن كلّ ما سواه، مفتقر إليه كلّ ما عداه، سبحانه ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير....

هذا وقد خذل اللّه أقواماً أغواهم الشيطان وأزلّهم، اتّبعوا أهواءهم وتمسّكوا بما لا يجدي فاعتقدوا ثبوت الجهة تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً.

واتّفقوا على أنّها جهة فوق إلاّ أنّهم افترقوا; فمنهم من اعتقد أنّه جسم مماس للسطح الأعلى من العرش، وبه قال الكرامية واليهود، وهؤلاء لا نزاع في كفرهم.

ومنهم من أثبت الجهة مع التنزيه، وأنّ كونه فيها ليس ككون الأجسام، وهؤلاء ضلاّل فسّاق في عقيدتهم، وإطلاقهم على اللّه ما لم يأذن به الشارع، ولا مرية أنّ فاسق العقيدة أقبح وأشنع من فاسق الجارحة بكثير سيما من كان داعية أو مقتدى به. وممّن نسب إليه القول بالجهة من المتأخّرين أحمد بن عبد الحليم بن


( 298 )

عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي من علماء القرن الثامن، في ضمن أُمور نسبت إليه خالف الإجماع فيها عملاً برأيه، وشنّع عليه معاصروه، بل البعض منهم كفّروه، ولقى من الذل والهوان ما لقى، وقد انتدب بعض تلامذته للذب عنه وتبرئته ممّا نسب إليه وساق له عبارات أوضح معناها، وأبان غلط الناس في فهم مراده.

واستشهد بعبارات له أُخرى صريحة في دفع التهمة عنه، وأنّه لم يخرج عمّا عليه الإجماع، وذلك هو المظنون بالرجل لجلالة قدره ورسوخ قدمه، وما تمسّك به المخالفون القائلون بالجهة أُمور واهية وهمية، لا تصلح أدلّة عقلية ولا نقلية، قد أبطلها العلماء بما لا مزيد عليه، وما تمسكوا به ظواهر آيات وأحاديث موهمة:

كقوله تعالى: (الرَّحْمنُ عَلى الْعَرش اسْتَوى)، وقوله: (إِليهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب)، وقوله: (تَعرجُ المَلائكة وَالرُّوح إِليه)، وقوله: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماء أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرض)، وقوله: (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوقَ عِبادِهِ).

وكحديث:«إنّه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كلّ ليلة».

وفي رواية « في كلّ ليلة جمعة فيقول هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟».

و كقوله للجارية الخرساء: «أين اللّه فأشارت إلى السماء» حيث سأل بأين التي للمكان ولم ينكر عليها الإشارة إلى السماء، بل قال إنّها مؤمنة.

ومثل هذه يجاب عنها بأنّها ظواهر ظنيّة لا تعارض الأدلّة القطعية اليقينيّة الدالّة على انتفاء المكان والجهة، فيجب تأويلها وحملها على محامل صحيحة لا تأباها الدلائل والنصوص الشرعية، إمّا تأويلاً إجمالياً بلا تعيين للمراد منها كما هو


( 299 )

مذهب السلف، وإمّا تأويلاً تفصيلياً بتعيين محاملها وما يراد منها كما هو رأي الخلف، كقولهم: إنّ الاستواء بمعنى الاستيلاء كما في قول القائل:

قد اسـتوى بشر على العراق * من غـير سيـف ودم مُهـراق

وصعود الكلم الطيب إليه قبوله إيّاه ورضاه به، لأنّ الكلم عرض يستحيل صعوده، وقوله: من في السماء: أي أمره وسلطانه أو ملك من ملائكته موكّل بالعذاب.

وعروج الملائكة والروح إليه صعودهم إلى مكان يتقرب إليه فيه. وقوله: فوق عباده أي بالقدرة والغلبة، فإنّ كلّ من قهر غيره وغلبه فهو فوقه، أي عال عليه بالقهر والغلبة، كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان، أي أنّه أقدر منه وأغلب.

ونزوله إلى السماء محمول على لطفه ورحمته وعدم المعاملة بما يستدعيه علوّ رتبته وعظم شأنه على سبيل التمثيل، وخصّ الليل لأنّه مظنّة الخلوة والخضوع وحضور القلب.

وسؤاله للجارية بـ«أين» استكشاف لما يظن بها اعتقاده من أينية المعبود كما يعتقده الوثنيون، فلمّا أشارت إلى السماء فهم أنّها أرادت خالق السماء، فاستبان أنّها ليست وثنية، وحكم بإيمانها. وقد بسط العلماء في مطولاتهم تأويل كلّ ما ورد من أمثال ذلك، عملاً بالقطعي وحملاً للظني عليه، فجزاهم اللّه عن الدين وأهله خير الجزاء.

ومن العجيب أن يدع مسلم قول جماعة المسلمين وأئمّتهم ويتمشدق


( 300 )

بتُرّهات المبتدعين وضلالتهم. أما سمعوا قول اللّه تعالى: (وَمَنْ يَتَّبع غَير سَبيلِ المُؤْمنين نُولّه ماتَولّى وَنُصْلهِ جَهَنَّم وَساءَتْ مَصيراً) فليتب إلى اللّه تعالى من تلطخ بشيء من هذه القاذورات ولا يتبع خطوات الشيطان فانّه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا يحملنه العناد على التمادي والإصرار عليه فانّ الرجوع إلى الصواب عين الصواب والتمادي على الباطل يفضي إلى أشدّ العذاب (مَنْ يَهْدي اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتد وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدْ لَهُ وَلِيّاً مُرشِداً) نسأل اللّه تعالى أن يهدينا جميعاً سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلّـى اللّه تعالى و سلّم على سيّدنا محمّد وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أملاه الفقير إليه سبحانه (سليم البشري) خادم العلم والسادة المالكية بالأزهر عفا عنه آمين آمين.(1)

اقتراح

وفي الختام نوصي رؤساء الطوائف الإسلامية بالابتعاد عن العصبية وعن الآراء التي ورثوها عن أُناس غير معصومين، وبالاستعداد لإجراء الحوار الهادئ فيم اختلف فيه كلمة المحقّقين من العلماء حتّى يرتفع كثير من الخلافات النابعة من تقديم الهوى على الحقّ.

قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام) : «إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان :اتّباع الهوى و طول الأمل; فأمّا اتباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة».(2)


1 . فرقان القرآن:74ـ 76.

2 . نهج البلاغة: الخطبة42، طبعة عبده.


( 301 )

دور أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في مكافحة البدع

انّ المرجع الديني ـ بعد رحيل الرسول ـ حسب حديث الثقلين، هو الكتاب والعترة ـ كما قال صاحب الرسالة العظمى في غير موقف من مواقف حياته ـ : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا»، وقد تضافرت بل تواترت ألفاظه وتواصلت حلقات أسانيده من عصر الرسالة إلى هنا، وأُلّفت حول الحديث كتب ورسائل.(1)

والأسف كلّه على هؤلاء المتسمّين بالسلفية، حيث يسندون دينهم وشرعهم إلى أقوال السلف من صحابي أو تابعي و... ولكنّهم لا يستضيئون بعلوم أئمة أهل البيت الذين مثلهم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.(2) فلا تجد في كتب هؤلاء خصوصاً الجدد من أتباعهم نقل حديث منهم أو استدلالاً بكلامهم، فكأنّهم ليسوا من السلف، أو أنّ النبي لم يوص الأُمّة بالاهتداء بهم.

والذي يورث الأسى أنّهم يأخذون بقول كلّ سلفي من غير فرق بين المرجئ والناصبي، والخارجي والجهمي والواقفي.(3) إلى غير ذلك من الفرق.

إنّ لأئمّة أهل البيت دوراً بارزاً في مكافحة البدع، والردّ على الأفكار الدخيلة على الشريعة عن طريق أهل الكتاب الذين تظاهروا بالإسلام وبزيّ المسلمين، نظراء: كعب الأحبار، وتميم الداري، ووهب ابن منبه، ومن كان على


1 . انظر: عقبات الأنوار للعلاّمة مير حامد حسين الهندي(المتوفّى1306) فقد خصّ أجزاء من كتابه لبيان أسانيده.

2 . حديث مستفيض.

3 . تدريب الراوي للسيوطي:2/328.


( 302 )

شاكلتهم.

إنّ كتـب الحديـث ـ من غير فرق بين الصحـاح وغيرها ـ مشحونة بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر ونفي الاستطاعة المكتسبة ونسبة الكذب والعصيان إلى الأنبياء والرسل، وقد تأثّر بها المحدثون السُّذَّج وحسبوا أنّها حقائق مسلّمة فنقلوها إلى الأجيال اللاحقة، وقد حيكت العقائد على نول هذه الأحاديث، ولم يتجرّأ أحد من المفكرين الإسلاميين القدامى والجدد على نقدها إلاّ من شذّ.

نرى في مقابل هذه البدع أنّ أئمّة أهل البيت يكافحون التجسيم والتشبيه والجبر وغيرهما، بخطبهم ورسائلهم ومناظراتهم أمام حشد عظيم، وفي وسع القارئ الكريم مراجعة: «نهج البلاغة» للإمام عليّ (عليه السلام) و كتاب «التوحيد» للشيخ الصدوق (306 ـ 381هـ)، وكتاب «الاحتجاج» للشيخ الطبرسي (المتوفّـى 550 هـ)، إلى غير ذلك من الكتب المؤلّفة في ذلك المضمار، وما أحلى المناظرات التي أجراها الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في عاصمة الخلافة الإسلامية (مرو) يوم ذاك مع الماديين والملحدين وأحبار اليهود وقساوسة النصارى، بل ومع المتزمّتين المغترّين بتلك الأحاديث.

كانت لفكرة الإرجاء التي تدعو إلى التسامح الديني في العمل، واجهة بديعة عند السذج من المسلمين ولا سيما الشباب منهم، فقام الإمام الصادق(عليه السلام)بردّها والتنديد بها، وقد أصدر بياناً فيها حيث قال: «بادروا أولادكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة».(1)

هذا هو الإمام الثامن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) يكافح فكرة رؤية اللّه تبارك وتعالى بالعين، ويرد الفكرة المستوردة من اليهود والتي اغترّ بها بعض المحدّثين،


1 . الكافي: 6/47، الحديث 5، ولاحظ البحار: 68/297.


( 303 )

وإليك ما جرى بينه وبين أحدهم باسم أبي قرّة.

قال أبو قرّة: إنّا روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسم لموسى(عليه السلام) الكلام ولمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)الرؤية.

فقال الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام): «فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين الجنّ والإنس (لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ)(1)، (ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(2) و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)(3) أليس محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟»

قال أبو قرّة: بلى.

قال الإمام: «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)و(ولا يحيطون به علماً) و (ليس كمثله شيء) ثم يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً وهو على صورة البشر. أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر».(4)

هذا نموذج من نماذج كثيرة أوردناه حتى يكون أُسوة لنماذج أُخرى.

وإن أردت أن تقف على مدى مكافحة الأئمة الاثني عشر للبدع المحدثة، فعليك مقارنة كتابين قد أُلّفا في عصر واحد بيد محدّثين في موضوع واحد، وهما:

1ـ التوحيد لابن خزيمة (المتوفّـى 311 هـ).

2ـ التوحيد للشيخ الصدوق (306 ـ 381 هـ).


1 . الأنعام:103.

2 . طه:110.

3 . الشورى:11.

4 . الصدوق: التوحيد، باب ما جاء في الرؤية: 111.


( 304 )

قارن بينها، تجد الأوّل مشحوناً بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر وما زال المتسمّون بالسلفية ينشرونه عاماً بعد عام، كأنّ ضالّتهم فيه.

وأمّا الثاني ففيه الدعوة إلى التوحيد وتنزيه الحق، ومعرفته بين التشبيه والتعطيل، وتبيين الآيات التي اغترّ بعضهم بظواهرها من دون التدبّر بالقرائن الحافّة بها.

وبذلك تبيّن أنّ النبيّ الأكرم قد جعل من الأئمّة (عليهم السلام) واجهة دفاعية لصد البدع وأفكار المتبدعين ولا تتبين تلك الحقيقة إلاّ بعد معرفتهم ومراجعة كلماتهم.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

25شوال المكرم1424هـ


( 305 )

الفصل الثالث

الإيمان والكفر بين التساهل والتطرّف


( 306 )

( 307 )

تمهيد(1)

من سمات العقيدة الإسلامية هي بساطتها ووضوحها، ويُسرُ تكاليفها ووظائفها، وقد كان هذان الأمران من أسباب انتشار الإسلام في ربوع الأرض بصورة سريعة عند بزوغ شمس الهداية.

مثلاً، التوحيد الّذي هو الركن الركين للدعوة، قد بيّنه الذكر الحكيم في سورة التوحيد، بلغة واضحة يُدركها الناس ويستفيد منها كلّ بحسب فهمه ومقدرته الفكرية، قال سبحانه: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحدٌ).(2)

فأين هذه العقيدة الواضحة في توحيده سبحانه من عقيدة التثليث والأقانيم الثلاثة للنصرانية الّتي تدّعي أنّها من دُعاة التوحيد ومكافحي الشرك والثنويّة، وفي الوقت نفسه تدعو إلى التثليث وتدّعي أنّه يجب الإيمان به دون أن يدرك واقعه؟

ومثل التوحيد، الاعتقاد بنبوّة النبي الخاتم وخلود شريعته.

ويتلوه في الوضوح الاعتقاد بالحشر والنشر والعود إلى الحياة الجديدة.


1 . الذّي دعاني إلى اختيار هذا الموضوع هو الأوضاع الراهنة الّتي نمرّ بها والّتي شاع فيها التطرّف بين الطوائف الإسلامية، بحيث عاد يكفّر بعضها بعضاً لمجرّد وجود فوارق بسيطة لا تمتّ إلى ملاك الإيمان والكفر بصلة.

2 . الإخلاص:1ـ4.


( 308 )

فالأُصول التي أُنيط بها الإيمان هي الأُصول الثلاثة المشار إليها من التوحيد والنبوّة والمعاد، فلها من الوضوح والبساطة ما يجعلها في متناول الجميع بعيداً عن التعقيد.

هذا كلّه حول العقيدة الإسلامية، وأمّا يسر التكاليف والفرائض الإسلامية، فالكلّ محدّد بإطار عدم الحرج والضرر وما لا يطاق. قال سبحانه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).(1)

وقال سبحانه: (لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها).(2)

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر ولا ضرار».(3)

فأين هذه التكاليف الحنيفية الميسورة والسهلة من الدعوة إلى العزوبة والرهبانية المبتدعة الّتي تضادّ فطرة الإنسان وتنتهي إلى انقطاع النسل؟ ومن التكاليف الشاقة التي تحفل بها الشرائع السابقة.

فالدخول في حظيرة الإسلام رهن الإيمان بأُصول بسيطة وواضحة، كما أنّ الفوز والنجاح رهن العمل بأحكامه الميسورة.

نجاح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته

لقد حالف التوفيق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته الرسالية حيث ضرب الإسلام ـ غبّ دعوته ـ بجرانه في أكثر الربوع العامرة في مدّة قليلة حتّى دخل الناس في دين اللّه زرافات ووحداناً، وإنّ من أبرز أسباب نجاحه هو دعوته إلى


1 . الحج:78.

2 . البقرة:286.

3 . مسند أحمد:5/326; الوسائل:17، الباب2 من إحياء الموات، الحديث5.


( 309 )

عقيدة واضحة المعالم، وتكليف مرفق باليُسر.

نعم لم يكن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) متساهلاً في قبول الإيمان، ولا متشدّداً فيه.

أمّا أنّه لم يكن متساهلاً في قبول الإيمان فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قَبِلَ إسلام قوم ـ عندما أسلموا بلسانهم ـ لكن رفض إدّعاء إيمانهم، إذ كان لعقاً على ألسنتهم، وقد اطّلع على واقع اعتناقهم عن طريق الوحي، فلمّا وفدوا إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)وقالوا آمنا، أمره اللّه سبحانه أن يجيبهم بقوله: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيَعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(1)

وقد كان حزب النفاق من أبرز المنتمين إلى هذه الطائفة حيث كانوا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فلذلك اشتهروا بالنفاق ولم يكن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يعتمد عليهم، ولذا رفض التساهل في قبول الإيمان، وإدخال من لم يكن مؤمناً في حظيرة الإيمان. وقد أماط سبحانه الستر عن كثير من نيّاتهم وفِتَنهم وتخطيطاتهم في ضرب الإسلام.

وكما أنّه لم يكن متساهلاً، لم يكن أيضاً متطرفاً متشدّداً في قبول الإيمان، فإذا دلّت الأمارات على أنّ الرجل آمن بلسانه وقلبه، ونبذ عبادة الأصنام وآمن بنبوته وشريعته وحشره يوم القيامة، قَبِلَ إيمانَه وأدخله مدخل المؤمنين، وأثبت له من الحقوق ما للآخرين دون أن يسأله وراء الأُصول الثلاثة: «التوحيد والنبوّة والمعاد» عن أعرافه وعاداته وتقاليده القومية التي تختلف حسب البيئات والظروف المختلفة.


1 . الحجرات:14.


( 310 )

فقد ندّد سبحانه بالسَّريّة الّتي بعثها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لغاية من الغايات فالتقت برجل صاحب أموال وثروة فحسبوه كافراً، فأرادوا قتله، فتكلّم هو بما يدلّ على إسلامه كإلقاء تحية الإسلام إليهم أو النطق بالشهادة ونحوها، فاعتبرها بعضهم مجرّد كلمات يدفع بها عن نفسه القتل، فعمدوا إلى قتله، ولمّا وصل الخبر إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) شقّ ذلك عليه، وأنّب القاتل فقالوا له: إنّما تعوّذ بها من القتل، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للقاتل:«هلاّ شققت قلبه؟» و قد نزل في ذلك قوله سبحانه: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَة كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً).(1)

قال ابن كثير: روى الإمام أحمد عن ابن عباس، قال: مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يرعى غنماً له فسلّم عليهم، فقالوا: لا يسلّم علينا إلاّ ليتعوّذ منّا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فنزلت هذه الآية: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا...) إلى آخرها.(2)

وحصيلة الآية: أنّ من أظهر الإسلام ولم يدلّ على أنّه آمن بلسانه دون قلبه، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، خصوصاً فيما يرجع إلى حقن الدماء وحفظ الأموال.

ثمّ إنّه سبحانه نقض منطق القاتل ـ إنّما تعوّذ بهذه الكلمة لينجو من القتل ـ بمنطق العقل والوجدان، فقال: (كذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ) أي قد كنتم من قبل في هذه الحالة كهذا الّذي يُسرّ إيمانه ويُخفيه من


1 . النساء:94.

2 . تفسير ابن كثير:2/363.


( 311 )

قومه، أو انّكم كنتم مشركين من قبل، ثمّ دخلتم الإسلام بنفس الكلمة الّتي نطق بها، وبها حُقنت دماؤكم وأموالكم، فكان عليكم أن تقبلوا من القتيل ما قبله النبيّ منكم.

والآية تدلّ على حكمين شرعيّين:

1. وجوب التثبّت في كلّ شيء خاصّة فيما يرجع إلى الدماء والأموال.

2. إنّ كلّ من أظهر الإسلام ونطق بالشهادتين فحكمه حكم المسلمين ما لم يدلّ دليل على نفاقه.

وهذا هو موضوع مقالنا وتحقيق القول في الموضوع يأتي ضمن أُمور:


( 312 )

1

ثقافة التساهل

لقد شاعت ثقافة التساهل بين الساسة الغربيّين والمثقّفين في الشرق، حيث استخدموا هذه الكلمة في مجالات مختلفة أعمّ من الدين والفلسفة والأخلاق والحقوق والسياسة، ونحن نركّز في المقام على خصوص التساهل الديني أو «البيلوراليزم الديني» حسب مصطلح الغربيين، ونفسّره بوجهين:

1. التساهل السلوكي

قد يطلق التساهل ويراد به الخضوع للتعدّدية الدينية وقبولها في صعيد الحياة مع الناس والأخذ بالمشترك الأصيل بين الشرائع السماوية الّذي لا يختلف فيه اثنان من أتباعها، والغمض عن الاختلاف في غيره، أخذاً بقوله سبحانه: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(1) وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ).(2)


1 . الكافرون:6.

2 . آل عمران:64.


( 313 )

والتساهل بهذا المعنى ركيزة التعايش الاجتماعي وأساسه، في مجتمع استولت عليه الثقافات المختلفة، والأفكار المتنوّعة.

وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى * وليلى لا تقرُ لهم بذاكا

فليس للإنسان الراغب في الحياة إلاّ الغمض عن نقاط الافتراق، والتركيز على المشتركات لتدور رحى الحياة لصالح الجميع، مثلاً أصحاب الديانات المختلفة في شبه القارة الهنديّة الّتي هي أشبه بـ «متحف المذاهب» لا محيص لهم من الأخذ بالتعدّدية الدينية حسب التفسير السلوكي، حتّى يعيش أتباع الديانات المختلفة جنباً إلى جنب حياة سِلْميّة، ويتحمّل بعضهم البعض الآخر، فتكون النتيجة هو تقليل التعصّب الديني بالمعنى السلبي بين أتباع الديانات الأُخرى وإيجاد التعاون والتفاهم على طريق تحقيق العدالة الاجتماعية، وإقامة الصلح ونشر الصفاء بين المواطنين.

فالتساهل السلوكي لا يضاد مبادئ الإسلام وأُسسه.

واعترافه بأتباع الشرائع السماوية كاليهودية والنصرانية والمجوسية آية قبول التسالم السلوكي، مالم يت آمروا على مصالح المسلمين وأهدافهم العالية.

وقد اعترف الفقه الإسلامي بحقوقهم، ففيه فصول تعكس تعاطف الإسلام مع أتباع هذه الشرائع، نذكر على سبيل المثال:

عندما كان الإمام علي(عليه السلام) يتجوّل في شوارع المدينة رأى رجلاً أعمى يستعطي الناس، فسأل:«ما هذا؟» فقيل: رجل نصراني، فأجاب الإمام: «عجباً، استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه! اصرفوا عليه من بيت اللّه لتصونوا وجهه».(1)


1 . الوسائل:11/49، الباب19 من أبواب الجهاد، الحديث1.


( 314 )

إنّ الحياة السليمة لا تختص بأهل الكتاب، بل جوّز القرآن ذلك التعامل مع المشركين أيضاً، شريطة عدم اشتراكهم في حرب ضدّ المسلمين، وعندئذ يجب معاملتهم بالحسنى والعدل والقسط، لأنّ اللّه يحبّ المقسطين.

وهذا السلوك لا ينطوي على شيء من النفاق، وإنّما هو من صميم الدين الإسلامي، بل كان هذا أحد الأسباب المشجِّعة على اعتناق الإسلام. وليس في هذا الشأن أجمل من كلام الإمام علي(عليه السلام) وهو يخاطب واليه على مصر، إذ يقول: «وأشعِر قلبكَ الرحمةَ للرعية والمحبةَ لهم، واللطف بهم، ولا تكون عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فانّهم صنفان:

]أ.[ إمّا أخ لك في الدين.

]ب.[ أو نظير لك في الخلق».(1)

نعم التساهل بهذا المعنى، لا يعني توفر السعادة الأُخروية للناس في جميع الأعصار ومن أتباع أيِّ دين، فالتساهل الديني بهذا المعنى ـ و إن صدر عن بعض الكُتّاب ـ تفسير خاطئ يناقض القرآن الكريم الذي يرى الفوز والسعادة والإيمان بما نزل على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، والعمل به، يقول سبحانه: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدُوا)(2)، وقد أوضحنا التساهل الديني بهذا المعنى في كتابنا «مفاهيم القرآن» وفنّدنا أدلّة اتباع تلك الفكرة في الأوساط الإسلامية.(3)


1 . نهج البلاغة، قسم الكتب، الكتاب 53.

2 . البقرة:137.

3 . مفاهيم القرآن:3/200ـ 214.


( 315 )

2. التساهل العملي

التساهل العملي عبارة عن فكرة الإرجاء، بمعنى الاكتفاء في فوز الإنسان بالسعادة الأُخروية ودخوله في حظيرة الإيمان، بالإقرار باللسان والإيمان بالقلب، وإن اقترف المعاصي، وترك الفرائض، فهؤلاء هم القائلون بالإرجاء، والمعروفون بالمرجئة.

وفي هذا النوع من التساهل ـ لو صحّت نسبته إلى المرجئة ـ خطر على أخلاق المجتمع، ولو ساد لم يبق من الإسلام إلاّ رسمه ومن الدين إلاّ اسمه، ويكون المتظاهر بهذه الفكرة كافراً حقيقة، اتّخذ هذه الفكرة واجهة لما يكنّ في ضميره.

ولقد شعر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بخطورة الموقف،وعلموا بأنّ إشاعة هذه الفكرة عند المسلمين عامّة، والشيعة خاصّة، سترجعهم إلى الجاهليّة، فقاموا بتحذير الشيعة وأولادهم من خطر المرجئة فقالوا:

«بادِرُوا أولادَكُم بالحديثِ قبلَ أن يَسبقكُم إليهم المرجِئَةُ».(1)

وحصيلة الكلام : انّ فكرة الإرجاء وإن كانت تضرّ بالمجتمع عامّة. ولكن الإمام خصّ منه الشباب لكونهم سريعي التقبّل لهذه الفكرة، لما فيها من إعطاء الضوء الأخضر لهم لاقتراف الذنوب والانحلال الأخلاقي والانكباب على الشهوات مع كونهم مؤمنين.

ولو صحّ ما تدّعيه المرجئة من الإيمان والمعرفة القلبيّة، والمحبّة لإله العالم، لوجب أن تكون لتلك المحبّة القلبيّة مظاهر في الحياة، فإنّها رائدة الإنسان وراسمة حياته، والإنسان أسير الحبّ وسجين العشق، فلو كان عارفاً


1 . الكافي:6/47، الحديث5.


( 316 )

باللّه، محبّاً له، لاتّبع أوامره ونواهيه، وتجنّب ما يُسخطه وعمل بما يرضيه، فما معنى هذه المحبّة للخالق الّتي ليس لها أثر في حياة المحبّ؟!

ولقد وردت الإشارة إلى التأثير الذي يتركه الحبّ والودّ في نفس المحبّ في كلام الإمام الصادق(عليه السلام)حيث قال:«ما أحبّ اللّه عزّ وجلّ من عصاه» ثمّ تمثّل وقال:

تعصي الإله وأنت تظهر حبـّه * هـذا محالٌ في الفعـال بديـع
لو كان حبّك صـادقاً لأطعتـه * إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع(1)


1 . سفينة البحار:1/199، مادة «حبّ».


( 317 )

2

ثقافة التكفير

إذا كان التساهل يطلق ويراد به تارة التساهل السلوكي، وأُخرى الانحلال الأخلاقي. والأوّل منهما أساس الحياة الاجتماعية، والثاني دعامة المادية المحضة، فهكذا التكفير، يطلق ويراد به أحد الأمرين:

1. إنكار دعائم الإيمان

للإيمان في الكتاب والسنّة دعائم ثلاث، قامت عليها خيمة الإيمان وعرشه، ألا وهي:

1. الإيمان بتوحيده سبحانه، وانّه واحد لا ثاني له، ولا مدبِّر غيره، ولا معبود سواه.

2. إنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) رسول اللّه وخاتم النبيّين، لا نبي بعده، وإنّ كتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع.

3. إنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وانّ اللّه يبعث من في القبور.

هذه هي الأُصول الثلاثة التي تدور عليه رحى الإيمان، فمن اعتنقها فهو مؤمن، ومن أنكرها فهو كافر.


( 318 )

فمن أنكر هذه الأُصول، أو واحداً منها، أو ثبت بالدليل إنكاره، فهو محكوم بالكفر، خارج عن ساحة الإيمان، فلو ولد من والدين مسلمين أو أحدهما مسلم، ومع ذلك رفضها أو رفض واحداً منها، فيحكم عليه بالكفر والارتداد، وللكافر والمرتد أحكام محرّرة في الكتاب والسنّة.

أمّا من شكّ فيها، تأثّراً بتيارات كلامية مناهضة للدين، ولكن بغير إنكار، بل مع محاولة جادّة لإزالة الشّك عن ضميره، فلا يحكم عليه بالكفر ولا بالارتداد.

فهذا النوع من التكفير ـ القائم على ثبوت إنكار الرجل دعائم الإيمان وأُسسه، باعترافه أو بدليل قاطع ـ ممّا ثبت بالكتاب والسنّة، قال سبحانه: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خالِدُونَ)(1).

وهذا هو القرآن الكريم، يحكي لنا اتّخاذ اليهود، الإيمان بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ثمّ الارتداد عنه في عصر الرسالة، ذريعة لإيجاد الريب والشكّ في قلوب البسطاء من الناس، قال سبحانه:(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).(2)

إنّ شيوع الارتداد بين المؤمنين، هو إحدى الأُمنيات الكبرى لأهل الكتاب، لأجل انّ الارتداد كما يضرّ بدين المرتد، يضر بالمجتمع الديني أيضاً، ويورث الفوضى في اعتناق الدين، ويزعزع الإيمان بالأُصول، وينبت العداء بين المسلمين، يقول سبحانه حاكياً عن أُمنية كثير من أهل الكتاب، في


1 . البقرة:217.

2 . آل عمران:72.


( 319 )

أن يروا ارتداد المسلمين على أعقابهم: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(1)

فتكفير من أنكر الأُصول ودعائم الإيمان، لا صلة له بالتشدّد والتطرّف، بل هو عمل بالكتاب والسنّة، وقد أطبق عليه فقهاء الإسلام وعلماؤه.

قال سبحانه:(إِنّما المؤمنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبيلِ اللّهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ).(2)

فالإيمان باللّه ورسوله، من دعائم الإيمان ولا ينفك الإيمان بالرسول، عن الإيمان بالحياة الأُخروية. فمن آمن بهذه الاصول فهو مؤمن بشرط أن لا يطرأ عليه الريب والشكّ دون أن يسعى في قلعه وإزالته.

وأمّا الجهاد الوارد في الآية فهو من علائم الإيمان وأماراته، فالتضحية بالنفس والنفيس آية الإذعان بالذي ضحّى من أجله، وأراق دمه في طريقه.

هذه هي نصوص الكتاب، أمّا كلمات المحقّقين فنذكر منها ما يلي:

1. قال أبو الحسن الأشعري(المتوفّـى324هـ): إنّ الإيمان هو التصديق للّه ولرسله في أخبارهم، ولا يكون هذا التصديق صحيحاً إلاّ بمعرفته والكفر هو التكذيب.(3)

2. قال القاضي الايجيّ(المتوفّـى 756هـ) : الكفر وهو خلاف الإيمان، فهو عندنا عدم تصديق الرسول في بعض ما علم بمجيئه به ضرورة.(4)


1 . البقرة:109.

2 . الحجرات:15.

3 . أُصول الدين لأبي منصور البغدادي:248.

4 . المواقف:388.


( 320 )

3. وقال سديد الدين الحمصي الرازي (المتوفّى حوالي 585هـ): وقد أجمعت الأُمّة على أنّ الإخلال بمعرفة اللّه تعالى وتوحيده وعدله، والإخلال بمعرفة رسوله، وبكلّ ما تجب معرفته ممّا يعدّ من أُصول الدين، كفر.(1)

4. وقال ابن ميثم البحراني (المتوفّى 699هـ): الكفر هو إنكار صدق الرسول، وإنكار شيء ممّا علم بمجيئه به بالضرورة.(2)

5. وقال الفاضل المقداد(المتوفّى 826هـ): الكفر اصطلاحاً إنكار ما علم ضرورة مجيء الرسول به.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن أنّ منكر أحد الأُصول الثلاثة محكوم بالكفر أو الارتداد.

فاللازم على حكّام الإسلام وفقهاء المسلمين تصفية المجتمع الإسلامي من المرتدّين بعد السعي إلى هدايتهم وإزالة شبهاتهم وحلّ عُقَدِهم، مهما استغرق ذلك من الوقت، وكلّف من الثمن، وإلاّ فيحكم عليهم بما حكم به الكتاب والسنّة.

2. مسلسل التكفير بلا ملاك

فإذا كان ملاك الإيمان هو التصديق القلبي بالأُصول الثلاثة، وهي جامعة لكلّ ما يجب الاعتقاد به على وجه الإيجاز، فأبناء الطوائف الإسلامية الذين يؤمنون بها بجد وحماس،ويُقرّون بها باللسان، كلّهم مؤمنون وفي حظيرة الإيمان متبوّئون، فمن التطرّف تكفير طائفة لم يظهر منها إنكار أحد الأُصول وإن غلب عليها


1 . المنقذ من التقليد:2/161.

2 . قواعد المرام:171.

3 . ارشاد الطالبين:433.


( 321 )

الهوى فاقترفت معاصي أو تركت فرائض، دون أن تُنكر جزءاً من هيكل الشريعة الإسلامية.

نعم إنّ القول بإيمان هؤلاء المحكومين بهوى النفس، لا يعني عدم الاهتمام بالعمل، وأنّ مجرّد التصديق هو المنقذ من عذاب النار، بل يعني أنّ الّذي ينقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان ـ والّذي من آثاره حرمة دمه وعرضه وماله ـ هو التصديق القلبي المقترن بالإقرار باللسان إن أمكن أو بالإشارة إذا امتنع، وأمّا المنقذ من عذاب اللّه سبحانه، أو المُدخل إلى الجنة، فهو أمر آخر، مرهون بالعمل بالشريعة وترك المعاصي وأداء الفرائض.

ولذلك ترى أنّ الآيات تركّز على العمل بعد الإيمان نحو قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)(1)، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً).(2)

وقال عزّ من قائل:(وَالْعَصْرِ * إِنّ الإِنسانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).(3)

فللتصديق القلبي المظهر بالإقرار، أثر، وهو احترام دمه وعرضه وماله، وله ـ مقروناً بالعمل بالصالحات ـ أثر آخر، وهو الفوز بالسعادة الأُخروية.

مبدأ التطرّف في التكفير

ظهر التطرّف في أمر التكفير من الخوارج الذين كفّروا مرتكب الكبيرة


1 . البينة:7.

2 . طه:112.

3 . العصر:1ـ3.


( 322 )

وأخرجوه من ساحة الإيمان، وتشدّدوا إلى حد جعلوه مخلّداً في النار لخروجه عن ربقة الإيمان، إلاّ أن يتوب.

وتلتهم المعتزلة، الذين جعلوا لمرتكب الكبيرة منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، ولكنّهم اقتفوا أثر الخوارج فجعلوه مخلداً في النار إذا مات بلا توبة، وحُرم من شفاعة الشفعاء.

إنّ المسلمين اليوم بأمسّ الحاجة إلى توحيد الكلمة ورصّ الصفوف، والابتعاد عن كلّ ما يُفرّق جمعهم. ويشتّتُ كلمتهم. ولو جعلنا هذه الفوارق وما شابهها ممّا يوجب خروج هذه الجماعة من الإسلام لتمزّقت وحدة الأُمّة، وسهل حينئذ ابتلاعها جميعاً من قبل أعداء الإسلام المتربّصين الطامعين.

ونحن نأسف لما مضى من إقدام أتباع بعض المذاهب الإسلامية على تكفير بعضها بعضاً من دون تورّع وتحرّج، فأهل الحديث والحنابلة يكفّرون المعتزلة، والمعتزلة يكفّرون أهل الحديث والحنابلة.

ثمّ لمّا ظهر الأشعري، وحاول إصلاح عقائد أهل الحديث والحنابلة، ثارت ثائرة تلك الطائفة ضدّه، فأخذ الحنابلة يكفّرون الأشاعرة، ويلعنونهم ويسبّونهم على صهوات المنابر.

فهذا هو تاج الدين السُّبكي يقول حول تكفير الحنابلة للأشاعـرة: هذه هي الفتنة التي طار شررها فملأ الآفاق وطال ضررها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق وعظم خطبُها وبلاؤها، وقام في سبّ أهل السُّنة(يريد بهم الأشاعرة) خطيبها وسفهاؤها، إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجمع، وتوظيف سبِّهم على المنابر، وصار لأبي الحسن الأشعري ـ كرّم اللّه وجهه ـ بها أُسوة بعليّ بن أبي طالب ـ كرّم اللّه وجهه ـ في زمن بعض بني أُميّة


( 323 )

حيث استولت النواصب على المناصب، واستعلى أُولئك السفهاء في المجامع والمراتب.(1)

كما نأسف لسريان هذه الحالة إلى مجال الفروع فإذا بأصحاب المذاهب الفقهية الأربعة تختلف وتتشاحن وتتنازع، ونجمت عن ذلك فتنٌ كثيرة دامية بينها.

فقد وقعت فتنة بين الحنفية والشافعية في نيسابور ذهب تحت هياجها خلقٌ كثير، وأُحرقت الأسواق والمدارس وكثُر القتل في الشافعية فانتصروا بعد ذلك على الحنفية وأسرفوا في أخذ الثأر منهم في سنة 554هـ، ووقعت حوادث وفتنٌ مشابهةٌ بين الشافعية والحنابلة واضطرت السلطات إلى التدخّل بالقوّة لحسم النزاع في سنة 716هـ وكثر القتلُ وحرق المساكن والأسواق في أصبهان، ووقعت حوادثُ مشابهة بين أصحاب هذه المذاهب وأتباعها في بغداد ودمشق وذهب كلُّ واحد منها إلى تكفير الآخر. فهذا يقول: من لم يكن حنبليّاً فليس بمسلم، وذاك يغري الجهلة بالطرف الآخر فتقع منهم الإساءة على العلماء والفضلاء منهم وتقع الجرائم الفظيعة.(2)

يا للّه ولهذه الدماء المراقة، والأعراض المهتوكة والأموال المنهوبة وقد صارت ضحيّة التعصّب الممقوت والجهل المطبق بالشريعة السمحة السهلة، والحنيفية البيضاء.

لم يكن الشافعي ولا أحمد مختلفين في الأُصول وأركان الدين ودعائمه بل


1 . طبقات الشافعية:3/391.

2 . راجع: البداية والنهاية لابن كثير:14/76; مرآة الجنان:3/343; الكامل لابن الأثير:8/229; تذكرة الحفّاظ:3/375; طبقات الشافعية:3/109، وغيرها. ولاحظ الإمام الصادق(عليه السلام)لأسد حيدر، فقد أشبع المقال في هذا المجال.


( 324 )

كانا متعاطفين، وقد تبرّك أحمد بشرب الماء الّذي غُسِلَ فيه قميص الشافعي، وفي قاموس الدهر أن يرث المأموم ما ورّثه إمامه، فلو كان بينهما اختلاف فإنّما كان في الفروع ولم تزل الأُمّة مختلفة فيها بعد غروب شمس الدين ومصباحه وكلّ مأجور في فتياه إذا كانت جامعة للشرائط.

يقول محمد صالح العثيمين:

«لقد جرى في سنة من السنين مسألة في «منى » على يدي ويد بعض الإخوان، وقد تكون غريبة عليكم، حيث جيء بطائفتين، وكلّ طائفة من ثلاثة أو أربعة رجال ، وكلّ و احدة تتّهم الأُخرى بالكفر واللعن ـ وهم حُجّاج ـ و خبر ذلك أنّ إحدى الطائفتين، قالت: إنّ الأُخرى إذا قامت تصلّي وضعت اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر، وهذا كفر بالسنّة، حيث إنّ السنّة عند هذه الطائفة، إرسال اليدين على الفخذين; والطائفة الأُخرى تقول: إنّ إرسال اليدين على الفخذين دون أن يجعل اليمنى على اليسرى، كفر مبيح للّعن، وكان النزاع بينهم شديداً.

ثمّ يقول: فانظر كيف لعب الشيطان بهم في هذه المسألة التي اختلفوا فيها، حتّى بلغ أن كفّر بعضهم بعضاً بسببها التي هي سنّة من السُّنن، فليست من أركان الإسلام، ولا من فرائضه، ولا من واجباته، غاية ما هنالك إنّ بعض العلماء يرى أنّ وضع اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر هو السنّة وآخرين من أهل العلم يقولون: إنّ السنة هو الإرسال، مع أنّ الصواب الذي دلّت عليه السنّة هو وضع اليد اليمنى على الذراع اليسرى».(1)


1 . محمد بن صالح العثيمين: دروس وفتاوى في الحرم المكّي:26.


( 325 )

أقول: لا أظنّ أنّ الشباب أو غيرهم ـ الذين يتنازعون في مسألة القبض ونظائرها حتّى كادوا أن يقتتلوا ـ مقصّرون، وإنّما يرجع التقصير إلى خطباء القوم وعلمائهم، فانّ خطيب كلّ مذهب يثني على إمام مذهبه إلى درجة يُصوّر فيها انّ الحقّ يدور على قوله وفعله، وبالتالي عندما يبرز الخلاف في الفتوى، فأتباع كلّ إمام يتّهم الآخر بالانحراف عن الحقّ، وربّما ينتهي الأمر إلى ما لا تحمد عقباه.

فالشافعي وابن حنبل وعامّة أئمّة المذاهب، كلّهم خرّيجو مدرسة الكتاب والسنّة الّتي تدعو إلى الاعتصام بحبل اللّه والتحرّز عن الجدال والتفرقة.

يقول تعالى شأنه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً).(1)

ويقول سبحانه: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ).(2)

موقف النبي من تكفير المسلم

لقد حذر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المؤمنين من تكفير بعضهم بعضاً، ونحن نعكس في هذه الصفحات بعض ما أُثر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم):

1. بني الإسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وانّ محمّداً رسول اللّه، والإقرار بما جاء من عند اللّه، والجهاد ماض منذ بعث رسله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين... فلا تكفّروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك».(3)

2. أخرج أبو داود عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما


1 . آل عمران:103.

2 . آل عمران:105.

3 . كنز العمال:1/29، برقم 30.


( 326 )

رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً، فإن كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر».(1)

3. أخرج مسلم، عن نافع، عن ابن عمر، انّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما».(2)

4. أخرج مسلم، عن عبد اللّه بن دينار، أنّه سمع ابن عمر، يقول: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلاّ رجعت عليه».(3)

5. عقد البخاري باباً باسم «المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلاّ بالشرك»، يقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّك امرؤ فيك جاهلية، وقول اللّه تعالى: (إِنَّ اللّهَ لا يَغفرُ أَنْ يُشركَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)(4).(5)

6. أخرج الترمذي في سننه عن ثابت بن الضحاك، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ليس على العبد نذر فيما لا يملك، ولاعن المؤمن كقاتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله».(6)

7. أخرج أبو داود عن أُسامة بن زيد قال: بعثنا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)سرية إلى الحرقات، فنذروا بنا فهربوا، فأدركنا رجلاً فلمّا غشيناه قال: لا إله إلاّ اللّه، فضربناه حتى قتلناه، فذكرته للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «من لك بلا إله إلاّ اللّه يوم القيامة؟» قال:


1 . سنن أبي داود:4/221، برقم 4687، كتاب السنّة.

2 . صحيح مسلم:1/56، باب «من قال لأخيه المسلم يا كافر» من كتاب الإيمان.

3 . صحيح مسلم:1/57، باب «من قال لأخيه المسلم يا كافر» من كتاب الإيمان، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده:2/22و 60 و142; وأخرجه الترمذي في سننه:5/22 برقم 2637، كتاب الإيمان.

4 . النساء:48.

5 . صحيح البخاري:1/11، باب «المعاصي من أمر الجاهلية» من كتاب الإيمان.

6 . سنن الترمذي:5/22، برقم 2636، كتاب الإيمان.


( 327 )

قلت: يا رسول اللّه، إنّما قالها مخافة السلاح والقتل، فقال: «أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إله إلاّ اللّه يوم القيامة؟» قال: فمازال يقولها حتى وددت انّي لم أسلم إلاّ يومئذ.(1)

8. لما خاطب ذو الخويصرة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: اعدل، ثارت ثورة من كان في المجلس، منهم خالد بن الوليد قال: يا رسول اللّه ألا أضرب عنقه؟ فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا، فلعلّه يكون يصلّي» فقال: إنّه رب مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي لم أُؤمر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم».(2)

وعلى ضوء هذه الأحاديث المتضافرة والكلمات المضيئة المرويّة عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم أنّ تكفير المسلم ليس بالأمر الهيّن، بل هو من الموبقات.

إجابة عن شبهة

إنّ هؤلاء المكفّرين ـ المتطرّفين عندنا ـ ربّما يشتبه عليهم الأمر ويقولون: إنّ الكتاب وإن أمر بالاعتصام بحبل اللّه ونهى التفرقة، والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وإن حذّر من التكفير، لكن مصب الآيات أو موضوع الروايات، هم المسلمون والمؤمنون، وهؤلاء الذين نكفِّرهم أو نغتالهم، ونقتلهم وننهب أموالهم، ليسوا منهم، فتُستحل دماؤهم وأعراضهم وأموالهم؟

هذه الشبهة الّتي تدرّعوا بها في سفك الدماء، محجوجة بكلام الرسول ولا شيء في المقام أحسم وأقطع منه، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعتبر في وصف الرجل بالإسلام


1 . سنن أبي داود:3/45برقم 2643; صحيح البخاري:5/144، باب بعث النبي أُسامة بن زيد إلى الحرقات من كتاب المغازي.

2 . صحيح البخاري:5/164، باب بعث علي وخالد بن الوليد من كتاب المغازي.


( 328 )

والإيمان سوى الإيمان بالأُصول الثلاثة، وهذه هي كلماته:

1. أخرج البخاري ومسلم في باب فضائل علي(عليه السلام) أنّه قال رسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يوم خيبر: «لأُعطينّ هذه الراية رجلاً يحبّ اللّه ورسوله يفتح اللّه على يديه».

قال عمر بن الخطاب: ما أحببتُ الأمارة إلاّ يومئذ، قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى لها، قال فدعا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها، وقال: «إمشِ ولا تلتفت حتّى يفتح اللّه عليك» فسار «عليٌّ» شيئاً ثمّ وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول اللّه على ماذا أُقاتل الناس؟

قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «قاتِلهُمْ حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك فقد مُنِعُوا منك دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه».(1)

2. روى الشافعيّ في كتاب «الأُمّ» عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«لا أزال أُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ اللّه، فإذا قالوا لا إله إلاّ اللّه فقد عصموا منّي دماءَهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه».

قال الشافعي: فأعلمَ رسول اللّه أن فرض اللّه أن يقاتلهم حتّى يُظهروا أن لا إله إلاّ اللّه فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، يعني إلاّ بما يحكمُ اللّه عليهم فيها وحسابهم على اللّه بصدقهم وكذبهم وسرائرهم، اللّهُ العالم بسرائرهم، المتولّي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكّام خلقه، وبذلك مضت أحكام رسول اللّه فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، وأعلمهم أنّ جميع أحكامه على ما يظهرون وأنّ اللّه يدين بالسرائر.(2)

3. روى الجزريّ في «جامع الأُصول» عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «من شهد


1 . صحيح البخاري:2، مناقب عليّ(عليه السلام); صحيح مسلم:ج6 باب فضائل علي(عليه السلام).

2 . الأُمّ: 7/296ـ 297.


( 329 )

أن لا إله إلاّ اللّه، واستقبل قبلتنا، وصلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلمُ، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم».(1)

وقال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) روى أنس قال: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، فإذا شهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلُّوا صلاتنا، حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها».

كلّ هذه الأحاديث تصرّح بأنّ ما تُحقَن به الدماء وتُصان به الأعراض ويدخل به الإنسان في عداد المسلمين هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول، فإذا كان هذا هو ملاك الدخول في الإسلام، فقد حفظ اللّه للمقرّين بها، أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وحرم انتهاكها، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة حجة الوداع:

«إنّ اللّهحرم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة شهركم هذا».(2)

موقف علماء الإسلام من تكفير المسلم

وقد تشدّد علماء الإسلام في تكفير المسلم ونهوا عنه بقوّة، وبالغوا في النهي عنه.

قال ابن حزم حيث تكلّم فيمن يكفّر ولا يكفر(3): وذهبت طائفة إلى أنّه لا يكفَّر ولا يفسَّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فُتيا، وأنّ كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحقّ فإنّه مأجورٌ على كلّ حال، إن أصابَ فأجران،


1 . جامع الأُصول:1/158ـ 159.

2 . السيرة النبوية:2/605. والمذكور في السيرة، يختلف مع ما في سائر الجوامع الحديثية بشيء يسير.

3 . الفصل بين الأهواء والملل والنحل:3/247.


( 330 )

وإن أخطأ فأجرٌ واحدٌ.

(قال): وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود ابن علي، وهو قول كلّ من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة (رض) لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً.

وقال شيخ الإسلام تقي الدين السُّبكي: إنّ الإقدام على تكفير المؤمنين عَسِر جداً، وكلُّ من كان في قلبه إيمان يستعظم القولَ بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، فإنّ التكفير أمرٌ هائل عظيم الخطر(إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتفظيع خطره).(1)

وكان أحمد بن زاهر السرخسي(وهو أجل أصحاب الإمام أبي الحسن الأشعري) يقول: لمّا حَضَرتِ الشيخ أبا الحسن الأشعري الوفاةُ بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتُهُم له فقال: إشهَدوا عليّ أنّني لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب، لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد، والإسلام يشملهم ويعمّهم.(2)

وقال القاضي عبد الرحمان الإيجيّ: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة ـ واستدلّ قائلاً ـ : إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة ـ من كون اللّه تعالى عالماً بعلم، أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها ـ لم يبحث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام.(3)


1 . اليواقيت والجواهر:58.

2 . اليواقيت والجواهر:58.

3 . المواقف:393، طبعة القاهرة، مكتبة المتنبي، لاحظ ذيل كلامه ترى أنّه يستدلّ على أنّه لا يجوز تكفير أية فرقة من الفرق الإسلامية إذا اتّفقوا على أصل التوحيد والرسالة.


( 331 )

وقال السيد محمّد رشيد رضا: إنّ من أعظم ما بُليَت به الفرق الإسلامية رميَ بعضهم بعضاً بالفسق والكفر مع أنّ قصد الكلّ الوصول إلى الحقّ بما بذلوا جهدهم لتأييده، واعتقاده والدعوة إليه، فالمجتهد وإن أخطأ معذور....(1)


1 . تفسير المنار:17/44.


( 332 )

3

التكفير والمسائل الكلامية الخلافية

المسائل العقائدية على قسمين:

الف. ما اتّفق فيها المسلمون على رأي واحد، فإنكارها يوجب الكفر، ويناقض الاعتقاد برسالة الرسول، كرسالة النبي وخاتميته.

ب. ما اختلف فيها المسلمون. ونحن نركّز الكلام على القسم الثاني ونأتي ببعض الأمثلة.

1. رؤية اللّه في الآخرة

إنّ رؤية اللّه يوم القيامة، من المسائل الخلافية بين علماء الإسلام ومفسّري القرآن، فهم بين مثبت وناف، ونحن لا نخوض في الموضوع، إنّما نركّز على أنّ إنكار رؤية اللّه يوم القيامة لا يلازم إنكار ما جاء به النبي، إذ لم يثبت انّها ممّا جاء به النبي بضرورة من الدين وإن كان المثبت يستدلّ عليها بآية قرآنية نظير: (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ)(1)، لأنّ الثاني أيضاً يستدلّ بآية أُخرى نحو: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ


1 . القيامة:23.


( 333 )

يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ).(1)

نحن نأسف على الجواب الّذي صدر من مفتي السعودية السابق: عبد العزيز بن باز المؤرخ بـ 8/3/1407هـ رقم 717/2 على السؤال الّذي وجّه إليه حول الائتمام بمن ينكر الرؤية يوم القيامة، أي رؤية اللّه جلّ وعلا من قبل أهل الجنة.

فنَقَل عن عدّة منهم بأنّه كافر، منهم: ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم، فقال الأوّل: والذي عليه جمهور السلف أنّ من جَحَدَ رؤية اللّه في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممّن لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّف ذلك كما يُعرَّف مَن لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصرّ على الجحود بعد بلوغ العلم فهو كافر.

إنّ هذه الفتوى تضادّ ما تضافر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّ أركان الإسلام عبارة عن التوحيد والإقرار بالرسالة وغيرهما ممّا مضى ذكره، فهل كان النبيّ يفرض على من يعترف بالشهادتين، الاعتقاد برؤية اللّه؟!

إنّ الرؤية مسألةٌ اجتهاديةٌ تضاربت فيها أقوال المفسّرين، ومن نفى الرؤية فإنّما اجتهد في النصوص التي زعم القائل دلالتها عليها.

إنّ التكفير أمر خطير له من المضاعفات ما لا تحمد عقباه، ولا يصحح بأي مقياس، وهو بطبيعته يقتضي الحزم والتثبت، ولا أقلّ من دعوة المكفَّر كالنافي لرؤية اللّه يوم القيامة لإراءة دليله من الكتاب والسنّة، فلو كان ذلك مقنعاً للغير، أو على الأقلّ مقنعاً لنفس المستدل، فيجتنب عن تكفيره، إذ لا ملازمة عند النافي بين نفي الرؤية، وإنكار رسالته(صلى الله عليه وآله وسلم).

ولعمر الحقّ انّ ما يعاني منه مجتمعنا اليوم من التطرّف والإرهاب والخوف،


1 . الأنعام:103.


( 334 )

بل تفجير المراكز والمؤسّسات المدنية، وقتل النفوس وحرق الأموال، ناجم عن هذا النوع من الفتيا، وقد ابتليت البلاد الإسلامية بهذا الشر بلا استثناء حتّى صارت الأراضي المقدسة هدفاً له، وأُعيد الحجر إلى ما جاء منه.

2. الاعتقاد بعلم الغيب للأنبياء والأولياء

كثيراً ما نرى المتطرّفين في التكفير، يكفّرون من أثبت علم الغيب لغيره سبحانه، بزعم أنّ هذه العقيدة تضاد قوله سبحانه: (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللّه).(1)

ولا أظنّ أنّ مسلماً واعياً يصف الأولياء بعلم الغيب بنفس المعنى الّذي يصف به اللّه سبحانه، فعلمه سبحانه بالغيب، نابع من ذاته، غير مكتسب و لا محدود; والآخر تعلّم من ذي علم مأخوذ من اللّه سبحانه، مكتسب محدد، وأين المعنى الأوّل من الآخر؟ وليس علم الأنبياء والأولياء بالغيب ـ بإذن اللّه سبحانه ـ في موارد خاصّة، إلاّ كعلم صاحب موسى بالأُمور الخفية الّتي تعلّمها من لدنه سبحانه، قال تعالى في وصفه: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبَادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً).(2)

ولأجل تحلّيه بهذا العلم اللّدني، طلب منه موسى(عليه السلام) أنْ يعلِّمه من ذاك العلم وقال له:(هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً).(3)

فالاعتقاد بهذا النوع من العلم بالمغيّبات، لا ينافي تخصيص علم الغيب باللّه سبحانه.


1 . النمل:65.

2 . الكهف:65.

3 . الكهف:66.


( 335 )

3. الاعتقاد بالقدرة الخارقة للعادة

الاعتقاد بكون الأولياء مصادر لأُمور خارقة للعادة، كنفس الاعتقاد، بعلمهم بالغيب،لا يستلزم كفراً وانكاراً لأصل من الأُصول الثلاثة، وذلك لأنّ غير اللّه سبحانه لا يملك لنفسه شيئاً، وأنّ ما يصدر منه من الأفعال، سواء أكانت عادية أو غيرها انّما هو بإقداره سبحانه عليها، ولولا إفاضة القدرة على العبد الّذي لا يملك شيئاً، لعجز عن أبسط الأعمال فضلاً عن الأُمور الخارقة للعادة.

فالاعتقاد بهذا النوع من المقدرة المفاضة من اللّه سبحانه لا ينافي التوحيد أبداً، لأنّ هنا قادراً بالذات وهو اللّه سبحانه، وقادراً بالغير (الإنسان)، فهو قادر بفضله وبإفاضة منه سبحانه.

هذا هو الذكر الحكيم يخبر عن مقدرة خارقة للعادة لبعض أصحاب سليمان. ويقول: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ).(1)

هذه هي المقدرة الخارقة للعادة الّتي أثبتها سبحانه لعفريت من الجن، أثبتها بشكل أوسع إلى من كان عنده علم من الكتاب حيث استطاع أن يأتي بالعرش قبل أن يرتد إلى سليمان طرفُه، كما أشار سبحانه إلى هذه الحقيقة بقوله:

(قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي).(2)


1 . النمل:38ـ 39.

2 . النمل:40.


( 336 )

وقد شعر سليمان أنّ ذلك كلّه من فضل ربّه وكرمه، وحينئذ ندرك بما لاريب فيه أنّ تفضّل اللّه على بعض عباده بالكرامة لا ينافي كبرياءه سبحانه ولا ينازع توحّده بالملك.

4. الصفات الخبرية

لقد شغلت الصفات الخبرية الكثير من المحدّثين وبعض المتكلّمين، ككونه سبحانه مستوياً على العرش، وانّ له وجهاً، وعيناً، ويدين، فالتشاجر قائم على قدم وساق من القرن الثاني إلى يومنا هذا، حتّى أنّ الإمام الأشعري جعل الاعتقاد بها من عقائد أهل السنّة، فقال في رسالته الّتي كتبها في عقيدة أهل السنّة: من جملة قولنا....

وإنّ اللّه استوى على عرشه كما قال: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى).(1)

وإنّ له وجهاً بلا كيف، كما قال: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرامِ).(2)

وإنّ له يدين بلا كيف، كما قال سبحانه:(خَلَقْتُ بِيَدَيَّ).(3)

وإنّ له عيناً بلا كيف كما قال سبحانه:(تَجْري بِأَعْيُنِنَا)(4).(5)

ولسائل أن يسأل الشيخ الأشعري لماذا جعلتَ هذه البنود من عقائد أهل السنّة؟ فإن كان الملاك ورودها في القرآن الكريم، فقد ورد في القرآن أُمور كثيرة


1 . طه:5.

2 . الرحمن:27.

3 . ص:75.

4 . القمر:14.

5 . مقالات الإسلاميين:330ـ 335.


( 337 )

حول موضوعات مختلفة، تصلح لأنْ تكون نواة للعقيدة فلماذا تركتها؟!

ثمّ هل كان النبي عند وفود الناس إليه، يسألهم عن عقيدتهم في الصفات الخبرية؟!

فالعقيدة الإسلامية عند الشيخ الأشعري بعدما تاب من الاعتزال والتحق بالحنابلة، عبارة عن عدّة أُصول، دام فيها الخلاف بين المحدّثين وأهل الفكر والوعي من الإسلاميين، ولولا الخلاف بينهم لما رأيت منها أثراً في كتابيه: الإبانة، ومقالات الإسلاميين، فكأنّ العقيدة الإسلامية عبارة عن عدة مسائل، تضاربت فيها الآراء والأفكار، فصار الخلاف نواة للعقيدة.«ما هكذا تورد يا سعد الإبل»!!

5. خلق القرآن وحدوثه

ومن أعظم الفتن الّتي ابتليت بها الأُمّة الإسلامية في أوائل القرن الثالث هو مسألة خلق القرآن وحدوثه، أو قدمه، وكان الأولى بمنهج أهل الحديث، عدم الخوض في هذا الموضوع، لأنّ مسلك أهل الحديث في اتّخاذ العقيدة في مسائل الدّين هو اقتفاء كتاب اللّه وسنّة رسوله، فما جاء فيها يؤخذ به، وما لم يجئ فيها يسكت عنه ولا يبحث فيه، ولأجل ذلك ، حرّم أهل الحديث علم الكلام ، ومنعوا البحث عن ما لم يرد في الكتاب والسنّة.

وعلى ضوء هذا كان اللازم على أهل الحديث السّكوت وعدم النّبس ببنت شفة في هذه المسألة، لأنّ البحث فيها حرام على أُصولهم، سواء أكان الموقف هو قدم القرآن أم حدوثه، لأنّه لم يرد فيه نصّ عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا عن أصحابه، ومع الأسف كان موقفهم ـ وفي طليعتهم أحمد بن حنبل ـ سلبياً وقاموا بتكفير المخالف.


( 338 )

يقول الإمام أحمد بن حنبل في كتاب «السنّة»: «والقرآن كلام اللّه ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهميّ كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام اللّه عزّ وجلّ ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام اللّه، فهو جهميّ، ومن لم يكفّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم».(1)

إنّ السّلفيين وحتّى أتباعهم في هذه الأيّام يتحرّجون من القول بأنّ اللّه ليس بجسم، قائلين بأنّه لم يرد فيه نصّ في الشّريعة، ولكن يتشدّقون بقدم القرآن وعدم حدوثه بلا اكتراث، سالفهم ولاحقهم حتّى جعلوه أصلاً يدور عليه إسلام المرء وكفره.

وأنا أُجلّ الإمام أحمد، من هذا التطرّف والتشدد الّذي أفضى به إلى تكفير من لم يكفّر هؤلاء القوم، ولعل الرسالة موضوعة على لسانه، كما عليه بعض أهل التحقيق.

ماذا يراد من قدم القرآن؟ فإن أُريد قدم علمه سبحانه فلا شكّ انّ علمه بما في القرآن قديم، وإن أُريد به قدم ما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين فلا شكّ أنّه حادث، وكيف يمكن أن يكون قديماً وهو فعله سبحانه، وكلّ ما سواه فهو حادث وإن أُريد من نفي كونه مخلوقاً انّه غير مختلق فهو حقّ لا غبار عليه، كيف والاختلاق تهمة ألصقها المشركون بالقرآن فقالوا: (مَا سَمِعْنَا بِهَذا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذا إِلاّ اخْتِلاقٌ).(2)

وكيف يعدّ القول بعدم حدوث القرآن أو حدوثه ملاكاً للإيمان والكفر مع


1 . كتاب السنّة:49.

2 . ص:7.


( 339 )

أنّ محل النزاع غير واضح جدّاً؟!

هذه نماذج من المسائل الكلامية التي صارت ذريعة للمتطرّفين لئن يكفّروا مخالفيهم مع أنّها مسائل كلامية، لا صلة لها بالعقيدة التي يُسأل العبد عنها يوم الورود.

وهناك مسائل فقهية، تذرّعت بها المتطرّفة لتكفير من يخالفهم، وإليك عناوينها:


( 340 )

4

التكفير والمسائل الفقهية

ما عشت أراك الدهر عجباً، والعجب العجاب أن تصبح المسائل الفرعية محوراً للإيمان والكفر أو التوحيد والشرك،خصوصاً ما اختلفت فيها كلمة الفقهاء، فنرى أنّ المتخصّصين في توزيع الكفر والشرك والألقاب البذيئة، ينثرونها على مخالفيهم في المسائل الفقهية مرفقة بشيء من السب والشتم، كالدجل والخرف. أعاذنا اللّه وإيّاكم من التنابز بالألقاب وسباب المؤمن وشتمه.

لقد خفي على هؤلاء أو تجاهلوا حقيقة الأمر، فإنّ الإيمان والكفر لا يدور على المسائل الفرعية، بل على المسائل العقائدية، فالاختلاف في الفروع لا يورث كفراً ولا شركاً، فغاية ما يُقال في هذا الشأن، أن يوصف المخالف بالخطأ، والجهل بحكم اللّه الشرعي، ومع ذلك يكون القائل به معذوراً إلاّ إذا كان الحكم الشرعي من ضروريات الدين على نحو يكون إنكاره ملازماً لإنكار الرسالة، وهذا خارج عن محلّ البحث.

وها نحن نذكر رؤوس بعض المسائل الفقهية الّتي صارت ذريعة للرمي بالشرك:

1. زيارة القبور.


( 341 )

2. شدّ الرحال إلى زيارة القبور.

3. البناء على القبور.

4. بناء المسجد على القبور، والصلاة فيه.

5. الاحتفال بميلاد النبي.

6. البكاء على الميت.

7. التوسّل بالأنبياء بأقسامه.

8. التبرّك بآثار الأنبياء.

9. صيانة الآثار الإسلامية .

10. الاستغاثة بالنبيّ.

هذه المسائل كلّها مسائل فرعية عملية، ولكلّ من القائل بالجواز وعدمه دليله الذي يطرحه على صعيد النقاش العلمي كسائر المسائل الفقهية، وليس لواحد من الطرفين رمي الآخر بالشرك، وإنّما له نقد دليل المخالف وإرشاده إلى الحقّ المهيع، شأن عامة المسائل الفقهية الّتي لم تزل محلاً للخلاف بعد رحيل الرسول إلى يومنا هذا.

ونحن إذا طالعنا كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» للشيخ الجزيري، لرأينا فجوة الخلاف فيه متّسعة بين فقهاء المذاهب، ومع ذلك نجد آراء الجميع فيه محترمة.

ولا نريد هنا الخوض في هذه المسائل الفرعية لأنّنا أشبعنا الكلام فيها في محاضراتنا، وإنّما نودّ أن نسلّط بصيص ضوء عليها ليتاح للقارئ معرفة دليل القائل بالجواز.


( 342 )

1. زيارة القبور

تنطوي زيارة القبور على آثار تربوية هامّة، وقد أشار الرسول الأعظم إلى بعضها، فقال «زوروا القبور فإنّها تذكّركم بالآخرة».(1)

وفي كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة»: زيارة القبور مندوبة للاتّعاظ وتذكّر الآخرة وتتأكد يوم الجمعة، وينبغي للزائر الاشتغال بالدعاء والتضرّع، والاعتبار بالموتى، وقراءة القرآن للميت فإنّ ذلك ينفع الميت على الأصحّ، وبما ورد أن يقول الزائر عند رؤية القبور:«السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون» ولا فرق في الزيارة بين كون المقابر قريبة أو بعيدة(2)، بل يندب السفر لزيارة الموتى خصوصاً مقابر الصالحين.(3)

2. شدّ الرحال إلى زيارة القبور

فإذا كانت زيارة القبور أمراً مستحباً فتكون مقدّمته أمراً مستحباً، أو على الأقلّ مباحاً لا حراماً.

وتخصيص الحديث النبوي الحاث على زيارة القبور بالقبور القريبة على خلاف الإطلاق أوّلاً، وعلى خلاف إطلاق الحكمة الّتي ذكرها النبي لها، لأنّ التذكير بالآخرة يشارك فيه القبر القريب والبعيد.

إنّ النبيّ الأعظم كان يشدّ الرحال إلى زيارة قبور شهداء أُحد ويقول: هذه قبور إخواننا.(4)


1 . سنن ابن ماجة: 1/117، باب ما جاء في زيارة القبور.

2 . إلاّ الحنابلة فقالوا: إذا كانت القبور بعيدة فزيارتها مباحة لا مندوبة.

3 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/340، خاتمة في زيارة القبور.

4 . سنن أبي داود:2/218برقم 2043، آخر كتاب الحجّ.


( 343 )

وقد جرت سيرة المسلمين عبر القرون على شدّ الرحال إلى زيارة قبر النبي في المدينة المنورّة، والقصص والأخبار في ذلك كثيرة لا يسع المجال لنقل معشارها.

وأمّا ما رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه«لا تشدّ الرحال إلاّ إلى مساجد ثلاثة: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى»(1) فليس له مساس بشدّ الرحال إلى زيارة القبور، لانّ الاستثناء فيه مفرّغ والمستثنى منه محذوف وهو المسجد، فالنهي فيه متوجّه إلى شدّ الرحال إلى مسجد غير هذه المساجد الثلاثة، لا إلى شدّ الرحال إلى مكان من الأمكنة غير هذه المساجد الثلاثة، لوضوح جواز شدّ الرحال إلى التجارة، والسياحة، وصلة الأرحام، وتحصيل العلم، والإصلاح بين الفئتين إلى غير ذلك، وهذا يُعرب عن أنّ مصب النهي هو المساجد، جوازاً أو منعاً، لا مطلق الأماكن.فكأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: لا تشدّ إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة....

3. البناء على القبور

المراد من القبور في العنوان هو قبور الأنبياء والشهداء والأئمّة والأولياء الذين لهم مكانة عالية في قلوب المؤمنين، فهل هو أمر جائز أو لا؟

وهذه المسألة كالمسألتين السابقتين لا تمتّ إلى العقيدة الإسلامية بصلة حتّى تكون ملاكاً للتوحيد والشرك، وإنّما هي من المسائل الفقهية التي يدور أمرها بين الإباحة والكراهة والاستحباب وغيرها.

ولا يصحّ لمسلم واع أن يتّخذ هذه المسألة ذريعة لتوزيع تُهم الشرك والتكفير والابتداع، فكم من مسائل فقهية اختلفت فيها كلمة الفقهاء، ومن


1 . صحيح مسلم:4/126، باب لا تشد الرحال، كتاب الحجّ.


( 344 )

حسن الحظ لم يختلف في هذه المسألة فقهاء الأئمّة الأربعة ولا فقهاء المذهب الإمامي، ودليلهم على جواز البناء على قبور تلك الشخصيات، هو ما اتّفق عليه المسلمون منذ رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا من صيانة الأبنية على قبور الأنبياء والصالحين والبناء على قبور الأولياء.

مضت القرون، وذي القباب مشيّد * فبسيرة للمسلمين تتابعت
من كلّ عصر فيه أهل الحلّ والـ * ـعقد الذين بغيرهم لم يعقد
لم ينكروا أبداً على ما شادها * شيدت ولا من منكر ومفنّد
والناس بين مؤسّس ومجدّد * في كلّ عصر نستدلّ ونقتدي(1)

أضف إلى ذلك، انّ البناء على قبور الأنبياء والأولياء من مظاهر حبّ الرسول ومودة آله، فصيانة آثارهم والعناية بكلّ ما يتّصل بهم من مظاهر الحب والودّ. قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين».(2)

نعم من مظاهر الحب، الاتّباع، ولكن تخصيص المظهرية بالاتّباع فقط، قول بلا دليل، بل له مظاهر أُخرى كما عرفت.


1 . ذيل كشف الارتياب.

2 . صحيح البخاري:1/8، باب حب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من الإيمان، من كتاب الإيمان.


( 345 )

4. بناء المسجد على القبر والصلاة فيه

إنّ بناء المساجد على القبور أو عندها والصلاة فيها مسألة فقهية فرعية لا تمتُّ إلى العقائد بصلة.

فالمرجع في هذه المسائل هم أئمّة المذاهب وفقهاء الدين ـ أعني: الذين يستنبطون أحكامها من الكتاب والسنّة ـ و ليس لنا تكفير أو تفسيق واحد من الطرفين إذا قال بالجواز أو بعدمه، ونحن بدورنا نعرض المسألة المذكورة على الكتاب والسنّة لنستنبط حكمها من أوثق المصادر الفقهية.

الذكر الحكيم يشرح لنا كيفية عثور الناس على قبور أصحاب الكهف وانّهم ـ بعد العثور ـ اختلفوا في كيفية تكريمهم وإحياء ذكراهم والتبرّك بهم على قولين: فمن قائل: يُبنى على قبورهم بنيان ليُخلّد ذكرهم بين الناس.

إلى قائل آخر: يبنى على قبورهم مسجد يصلّـى فيه.

وقد حكى سبحانه كلا الاقتراحين من دون تنديد بواحد منهما.

قال سبحانه:(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيعْلَمُوا أَنّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَانّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).(1)

قال المفسّّرون: إنّ الاقتراح الأوّل كان لغير المسلمين ويؤيده قولهم في حقّ أصحاب الكهف:(رَبّهُم أَعْلَمُ بِهِمْ) حيث حوّلوا أمرهم إلى ربّهم.

وأمّا الاقتراح الثاني فنفس المضمون(اتّخاذ قبورهم مسجداً) شاهد على أنّ المقترحين كانوا من المؤمنين، وما اقترحوا ذلك إلاّ للتبرّك بالمكان الذي دفنت فيه


1 . الكهف:21.


( 346 )

أجساد هؤلاء الموحّدين.

والقرآن يذكر ذلك الاقتراح من دون أن يعقب عليه بنقد أو رد،وهو يدلّ على كونه مقبولاً عند مُنزل الوحي.

إنّ المسلمين من عهد قديم أي من سنة 88هـ و الّتي وُسِّع فيها المسجد النبويّ ودخل مرقد النبيّ الشريف فيه ـ ، مازالوا يصلّون في المسجد النبوي وفيه قبر النبي الأعظم، ولم يخطر ببال أحد، انّه تحرم الصلاة في مسجد فيه قبر إنسان.

5. الاحتفال بميلاد النبي

الاحتفال بمواليد الأنبياء والأولياء خصوصاً ميلاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كلّه من مظاهر الحب والودّ، قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه من سواهما...».(1)

وعلى ذلك جرت سيرة المسلمين عبر قرون.

ففي «تاريخ الخميس»: لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويُظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الشريف ويظهر عليهم من كراماته كلّ فضل عظيم.(2)

وقال القسطلاني: ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده(صلى الله عليه وآله وسلم)، يعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركات كلّ فضل


1 . جامع الأُصول:338رقم 22.

2 . تاريخ الخميس:1/323للديار بكري.


( 347 )

عميم... فرحم اللّه امرئ اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً ليكون أشدّ علّة على من في قلبه مرض وأعياه داء.(1)

6. البكاء على الميت

الحزن والتأثّر على فقد الأحبّة أمر جبلت عليه الفطرة الإنسانية وربّما يتعقبه ذرف الدموع على صفحات الوجه دون أن يملك الإنسان حزنه أو بكاءَه،والإسلام دين الفطرة ولا يكون حكمه مخالفاً لها.

وهذا رسول اللّه يبكي على ولده إبراهيم ويقول:«العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يُرضي ربّنا، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون».(2)

وقد بكى النبي وأصحابه في مواقف كثيرة على فقدان أحبّتهم وأفلاذ أكبادهم، ولا يسع المجال لبيانها.(3)

7. التوسل بالأنبياء والصالحين

قد وصلت تهمة الشرك للمتوسّلين بأنبياء اللّه والصالحين من عباده ذروتها، وظهرت بأشدّ صورها، فصار المتوسّلون بهم، دعاة للشرك والضلال، ومجددي نحلة «عمرو بن لُحَيّ» الّذي هو أوّل من دعا إلى عبادة غير اللّه سبحانه في مكّة المكرمة، فكأنّهم نسوا قول اللّه سبحانه: (ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَن إِنّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ


1 . المواهب اللدنية:1/27.

2 . سنن أبي داود:1/58; سنن ابن ماجة:1/482.

3 . لاحظ: بحوث قرآنية: 140ـ 147.


( 348 )

سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدينَ).(1)

وبالتالي نسوا أُسلوب الدعوة، وأدب الحوار في الإسلام، وطرق النقاش في الشريعة، فعادوا يكيلون للمتوسّلين ـ و هم جمهرة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ـ أنواع التهم من التكفير، والشرك، والبدعة، والانحراف عن الحنيفية، إلى غير ذلك من ردود وكلمات تحوّلت إلى عناد شخصيّ ورغبة إلى إلصاق التهم، لجمهور المسلمين.

ثمّ مَن المستفيد من هذا الهجوم في الكلام، وإلحاق جماهير المسلمين بالمشركين؟!

لا شكّ انّها فتنة يستغلّها أعداء الإسلام حيناً بعد حين.

فإذا بلغ السيل الزبى، لا محيص من بسط الكلام لأجل إيقاف القارئ على واقع التوسّل الدائر بين المسلمين من عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا، كلّ ذلك من منظار التوحيد والشرك. فنقول انّ للتوسل أقساماً:

الف. التوسّل بدعاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حال حياته

إنّ التوسل بدعاء البني(صلى الله عليه وآله وسلم) حال حياته، أمر اتّفق على جوازه المسلمون، ودعا إليه الكتاب وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً).(2)

فتجد انّه سبحانه يدعو الظالمين إلى المجيء إلى مجلس الرسول كي يستغفر لهم النبي.


1 . النحل:125.

2 . النساء:64.


( 349 )

ب. التوسّل بدعاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله

التوسّل بدعاء الرسول بعد رحيله لا يمكن أن يصبح شركاً، وإلاّ يكون التوسّل بدعائه في حياته شركاً أيضاً، لأنّ الحياة والموت ليسا مدار التوحيد والشرك، بل هما مدار كون الفعل (الدعاء) مفيداً أو غير مفيد، فلو كان نبيّ الشهداء ورسولهم، كنفس الشهداء حياً، فيكون طلب الدعاء منه كطلبه في حياته الدنيوية.

فإذا كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمع كلام المتوسّل، يصبح التوسل مفيداً لا لغواً، موافقاً لأُصول التوحيد لا شركاً، مع أنّ الكلام في إلصاق تهمة الشرك بالمتوسّل بدعاء النبي بعد رحيله، لا في كونه مفيداً أو غير مفيد.

ومن حسن الحظ أنّ المسلمين اتّفقوا على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حيّ، وعلى الرغم من الخلافات المذهبية بينهم في فروع الدين، يسلّمون على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في الصلاة في تشهدهم،ويقولون:

«السّلام عليك أيّها النَّبيّ ورحمة اللّه وبركاته».

وقد أفتى الإمام الشافعي وآخرون بوجوب هذا السلام بعد التشهد، وأفتى الآخرون باستحبابه، لكن الجميع متّفقون على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)علّمهم السلام وانّ سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ثابتة في حياته وبعد وفاته.(1)

فلو انقطعت صلتنا بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بوفاته، فما معنى مخاطبته والسلام عليه يومياً؟!


1 . تذكرة الفقهاء:3/333، المسألة 294; الخلاف:1/47.


( 350 )

ج. طلب الشفاعة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

وقد اتّضحت بما ذكرنا حقيقة طلب الشفاعة من النبيّ بعد رحيله، إذ هو من أقسام طلب الدعاء منه، فلو جاز طلب الدعاء منه لجاز طلب الشفاعة، مضافاً إلى أنّ سيرة المسلمين تكشف عن جواز طلب الشفاعة في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبعده.

أخرج الترمذي في سننه عن أنس قال: سألت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل، قال: قلت: يا رسول اللّه فأين أطلبك؟ فقال: «اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط».(1)

ونقل ابن هشام في سيرته: انّه لما توفّـي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كشف أبو بكر عن وجهه وقبله، وقال: بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب اللّه عليك فقد ذقتها، ثمّ لن تصيبك بعدها موتة أبداً.(2)

وقال الرضي في «نهج البلاغة» لمّا فرغ أمير المؤمنين(عليه السلام) من تغسيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال كلاماً وفي آخره:«بأبي أنت وأُمّي طبت حياً وطبت ميتاً، اذكرنا عند ربّك».(3)

إنّ طالب الشفاعة من الشفعاء الصالحين ـ الذين أذن اللّه لهم بالشفاعة ـ إنّما يعتبرهم عباداً للّه مقربين لديه، وجهاء فيطلب منهم الدعاء، وليس طلب الدعاء من الميت عبادة له، وإلاّ لزم كون طلبه من الحيّ عبادة لوحدة واقعية العمل.


1 . سنن الترمذي:4/621، كتاب صفة القيامة.

2 . السيرة النبوية:2/656، ط عام 1375هـ. وهو يدلّ على وجود الصلة بين الأحياء والأموات، وقد جئنا به لتلك الغاية.

3 . نهج البلاغة، رقم الخطبة23.


( 351 )

وقياس طلب الشفاعة من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بطلب الوثنيين الشفاعة من الأصنام قياس مع الفارق، لأنّ المشركين كانوا على اعتقاد بأُلوهية معبوداتهم وربوبيتها، وأين هذا من طلب الموحد الذي لا يراه إلهاً ولا ربّاً ولا ممّن بيده مصير حياته؟! وإنّما تعتبر الأعمال بالنيات لا بالصور والظواهر.

د. التوسّل بذات النبي وقدسيّته

وهناك من لا يرى التوسّل بدعاء النبي أو طلب الشفاعة منه حياً وميّتاً، عبادة له، لأنّ أقصاه، هو طلب الدعاء وأمره يدور بين كونه مفيداً أو غير مفيد، ولكن ربّما يدور في خلده انّ التوسّل بذاته وشخصيته، أو قدسيّته ومنزلته أمر ممنوع أو شرك خفي، ويتوهّم انّ هذا النوع من الخضوع عبادة للنبي.

ولكن التفريق ما بين التوسّلين، تفريق بلا فارق، لأنّ التوسّل بدعاء النبي في كلتا الحالتين إنّما هو لأجل كونه ذا مقام محمود ومنزلة كبيرة عند اللّه، بل هو الرصيد لأمره سبحانه بالمجيء إليه(صلى الله عليه وآله وسلم)وطلب الدعاء والاستغفار منه ثمّ استجابة دعائه، فلولا طهارة روحه، وقدسية نفسه، لكان هو وسائر الناس سواء، فالتوسّل بدعائه، في الحقيقة توسّل بقربه منه، ومنزلته لديه،(وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).(1)

وقد أحسّ أولاد النبي يعقوب بذلك، فعندما تبيّن أنّهم عصاة التجأوا إلى والدهم فقالوا: (يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنّا خَاطِئينَ)، فاستجاب الأب لدعوتهم و(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ).(2)


1 . النساء:113.

2 . يوسف:97ـ 98.


( 352 )

ثمّ كيف يوصف هذا النوع من الخضوع عبادة للنبي، مع عدم صدق حدّها عليه، فإنّها عبارة عن الخضوع لشخص بما أنّه إله العالمين، أو لمن فوّض إليه أُموره سبحانه فصار إلهاً صغيراً، بيده التدبير والنصر، والعزّ، والذلّة، والمغفرة، والشفاعة، كما كان عليه المشركون في عصر الرسالة حيث كانوا يسوّون بين الأوثان وإله العالمين كما يحكي عنهم سبحانه بقوله:(تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ).(1)

وكانوا يعبدون الأوثان، بتصوّر انّ العزة في الحياة الدنيا، أو الانتصار في الحرب بأيديهم وقد فوّض اللّه سبحانه ذلك لهم. كما يقول سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً).(2)

وقال عزّ من قائل:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ).(3)

وأين هذا من التوسّل بقدسية النبي ومنزلته عند اللّه، بما أنّه من عباد اللّه الصالحين، فالعبودية جوهره، والحاجة إلى اللّه سبحانه، طبيعته، لم يفوّض إليه شيء من الشفاعة والتدبير.

يا للّه وللأفهام الصافية والأذهان المستقيمة، الّتي تجعل التوسّل بالنبيّ بما هو عبد صالح مقرّب عند اللّه، والتوسل بالآلهة المزعومة ـ الّتي يتخيل المتوسل انّه فوض إليها أمر التكوين والتشريع، والشفاعة والمغفرة ـ في كفّ واحد!!

وهاهنا وثيقة تاريخية ننقلها بنصّها تعرب عن توسّل الصحابة بدعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حال حياته أوّلاً، وبقدسيّته وشخصيته ثانياً، والمقصود من نقلها هو الاستدلال على الأمر الثاني.


1 . الشعراء:97ـ 98.

2 . مريم:81.

3 . يس:74.


( 353 )

روى عثمان بن حنيف أنّه قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى النبي فقال: ادع اللّه أن يعافيني؟

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت وهو خير».

قال: فادعه، فأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوضّأ فيُحسن وضوءه ويصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللّهمّ شفّعه فيّ».

قال ابن حنيف: فو اللّه ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضرّ.

وهذه الرواية من أصحّ الروايات، قال الترمذي: هذا حديث حق، حسن صحيح.(1)

وقال ابن ماجة: هذا حديث صحيح.(2)

ويستفاد من الحديث أمران:

الأوّل: يجوز للإنسان أن يتوسّل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويدلّ على ذلك قول الضرير: ادعُ اللّه أن يعافيني، وجواب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): إن شئتَ دعوتُ، وإن شئت صبرتَ وهو خير.

الثاني: انّه يجوز للإنسان الداعي أن يتوسّل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في ضمن دعائه، وهذا يستفاد من الدعاء الذي علّمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)للضرير، والإمعان فيه يثبت هذا المعنى، وانّه يجوز لكلّ مسلم في مقام الدعاء أن يتوسل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ويتوجه به إلى اللّه.


1 . صحيح الترمذي:5، كتاب الدعوات، الباب119 برقم 3578.

2 . سنن ابن ماجة:1/441برقم 1385; مسند أحمد4/138; إلى غير ذلك.


( 354 )

وإليك الجمل التي تدلّ على هذا النوع من التوسّل:

1. اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك.

إنّ كلمة «بنبيّك» متعلّق بفعلين«أسألك» و «أتوجّه إليك» والمراد من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاؤه.

2. محمد نبي الرحمة.

نجد انّه يذكر اسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ يصفه بنبي الرحمة معرباً عن أنّ التوسّل حصل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بما لها من الكرامة والفضيلة.

3. يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي.

إنّ جملة : «يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي» تدلّ على أنّ الضرير حسب تعليم الرسول، اتّخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه وسيلة لدعائه وتوسّل بذاته بما لها من المقام والفضيلة.

إلى هنا تمّ بيان أحكام التوسل على وجه موجز فلنذكر سائر الأُمور التي صارت ذرائع للتكفير.

8. التبرك بآثار الأنبياء والصالحين

جرت سنّة اللّه الحكيمة على إجراء فيضه إلى الناس بالطرق والأسباب العادية، فاللّه سبحانه مع أنّه «هو الرازق ذو القوة المتين»، أمرنا بطلب الرزق عن طريق العمل، فمن جلس في البيت وطلب الرزق فقد أخطأ في فهم سنّة اللّه.

ومع ذلك ربّما تقتضي المصلحة جريان فيضه بطرق وأسباب غير مألوفة، خارقة للعادة لغايات قدسية، فتارة تكون الغاية هو إثبات النبوة ـ كما في المعاجز ـ


( 355 )

و أُخرى، إجلال الشخص وإظهار كرامته عند اللّه.

أمّا الأوّل فلا حاجة إلى البيان، فقد حكى الذكر الحكيم معاجز الأنبياء وتحدّيهم للمخالفين. وأمّا الثاني فالنموذج الواضح له في الذكر الحكيم هو قصة مريم في محرابها أوّلاً، وبعد مخاضها ثانياً.

يقول سبحانه: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هَذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسَاب).(1)

وقال أيضاً:(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً).(2)

كلّ ذلك كان تفضّلاً من اللّه على مريم في فترات متلاحقة دون أن يعدّ ذلك من معاجزها وتحدّياتها.

وهذا ما نلاحظه أيضاً في قصة النبي يعقوب(عليه السلام) الذي ابتلي بفراق ابنه يوسف، وصبّ عليه أنواع المحن والغصص، فبكى عليه حتّى ابيّضت عيناه من الحزن فهو كظيم(3)، وقد ردّ اللّه سبحانه بصره إليه بسبب غير مألوف، وهو تبرّكه بـقميص ابنه يوسف فارتدّ بصيراً.

والذكر الحكيم يحكي تفصيل ذاك التبرّك وانّه قال يوسف: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ... * فَلَمّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ).(4)

لكن أيّة صلة هنا بين إلقاء القميص و ارتداد البصر؟ وهو شيء لا تؤيّده


1 . آل عمران:37.

2 . مريم:25.

3 . يوسف:84.

4 . يوسف:93ـ 96.


( 356 )

التجربة العلمية، ولا يمكن تفسيره وتعليله إلاّ عن طريق التمسّك بعلل غيبية فوق تلك الحسابات، فاللّه سبحانه ربّما يخرق سنّته وعادته بتدبير الأُمور عن طرق غير مألوفة.

وقد كان التبرّك بآثار الأنبياء من الأشياء الثابتة في الأُمم السابقة على نحو يحكيه القرآن بتحسين.

تبرّك بني إسرائيل بصندوق العهد

لمّا أخبر نبي بني إسرائيل قومه بـ(إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً) حتّى يقاتلوا العدو بأمره، طلبوا منه آية تدلّ على أمره سبحانه، فبعث إليهم ملكاً فقال لهم: (إِنَّ آية مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ).(1)

قال ابن كثير في تفسير الآية:

فاللّه سبحانه يصف الصندوق الّذي فيه آثار موسى وهارون بالأوصاف التالية:

1. فيه سكينة من ربّكم وطمأنينة لقلوبكم حيث كانوا يستفتحون به على عدوهم ويقدّمونه في القتال ويسكنون إليه.

2. فيه بقية ممّا ترك آل موسى وآل هارون، حيث كان فيه: نعلا موسى وعصاه وعمامة هارون وقفيز من المنّ الّذي ينزل عليهم من السماء ورضاص الألواح.(2)

3. تحمله الملائكة فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون حتّى


1 . البقرة:248.

2 . تفسير ابن كثير:1/301.


( 357 )

وضعته أمام طالوت.

فإذا جاز التبرّك بصندوق فيه نعلا موسى وعمامة أخيه هارون وغير ذلك، وقد بلغ شرفاً وكرامة إلى درجة كانت الملائكة تحمله، فلماذا لا يجوز التبرّك بآثار النبي والصالحين من عباد اللّه سبحانه؟!

9. صيانة الآثار الإسلامية

تسعى الأُمم المتحضّرة المعتزّة والمهتمة بماضيها وتاريخها بما فيه من شخصيات و مواقف وأفكار، إلى إبقاء كلّ أثر تاريخي يحكي عن ذلك الماضي لتدلّل به على واقعية ماضيها، وتُبقي على أمجادها وأشخاصها في القلوب والأذهان.

ولا شكّ أنّ لهدم الآثار والمعالم التاريخية الإسلامية وخاصّة في مهد الإسلام: مكّة، ومهجر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة المنورة، نتائج وآثاراً سيئة على الأجيال اللاحقة التي سوف لا تجد أثراً لوقائع التاريخ الإسلامي وربّما ينتهي بها الأمر إلى الاعتقاد بأنّ الإسلام قضية مُفتعلة، وفكرة مُبتدعة ليس لها أيّ أساس واقعي، تماماً كما أصبحت قضية السيد المسيح(عليه السلام)في نظر الغرب، الذي بات جُلُّ أهله يعتقدون بأنّ المسيح ليس إلاّ قضية أُسطورية حاكتها أيدي البابوات والقساوسة، لعدم وجود أيّة آثار ملموسة تدلّ على أصالة هذه القضية ووجودها التاريخي.

فالواجب على المسلمين تشكيل لجنة من العلماء من ذوي الاختصاص للمحافظة على الآثار الإسلامية وخاصّة النبويّة منها، وآثار أهل بيته والعناية بها وصيانتها من الاندثار، أو عمليات الإزالة والمحو، لما في هذه العناية والصيانة من


( 358 )

تكريم لأمجاد الإسلام وحفظ لذكرياتها في القلوب والعقول وإثبات لأصالة هذا الدين، إلى جانب ما في أيدي المسلمين من تراث ثقافي وفكري عظيم.

وليس في هذا العمل أيُّ محذور شرعي فحسب، بل هو أمر محبّذ كما عرفت، بل هو أمر وافق عليه المسلمون الأوائل.

فهذا هو السلف الصالح قد وقف ـ بعد ما فتح الشام ـ على قبور الأنبياء ذات البناء الشامخ... فتركها على حالها من دون أن يخطر ببال أحدهم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب بأنّ الإبقاء على الآثار أمرٌ محرّمٌ فيجب أن يهدم، وهكذا الحال في سائر القبور المشيَّد عليها الأبنية في أطراف العالم، وإن كنت في ريب من هذا فاقرأ تواريخهم وإليك نصّ ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية:

إنّ المسلمين عند فتحهم فلسطين وجدوا جماعةً في قبيلة «لخم» النصرانية يقومون على حرم إبراهيم بـ«حبرون» ولعلّهم استغلّوا ذلك ففرضوا اتاوة على حجّاج هذا الحرم... وربّما يكون توصيف تميم الداري أن يكون نسبة إلى الدار أي الحرم، وربّما كان دخول هؤلاء اللخميين في الإسلام، لأنّه قد مكّنهم من القيام على حرم إبراهيم الذي قدّسه المسلمون تقديس اليهود والنصارى من قبلهم.(1)

محافظة الخلفاء على خاتم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

روى البخاري بسنده عن ابن عمر قال:«اتّخذ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)خاتماً من ورق وكان في يده، ثمّ كان بعد في يد أبي بكر، ثمّ كان بعد في يد عمر، ثمّ كان بعد في يد عثمان، حتّى وقع بعد في بئر أريس، نقشه محمد رسول اللّه».


1 . دائرة المعارف الإسلامية:5/484، مادة «تميم الداري».


( 359 )

عبد اللّه بن عمر والاعتناء بآثار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

اشتهر ابن عمر بتتبّعه للآثار واعتنائه بها ومحافظته عليها، قال الشيخ ابن تيمية: سئل الإمام أحمد بن حنبل عن الرجل يأتي هذه المشاهد؟ فأجاب وذكر في جوابه: أنّ ابن عمر كان يتتبع مواضع سير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى أنّه رُئي يصب في موضع ماء، فسئل عن ذلك، فقال: كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يصب هاهنا ماء.

وروى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة قال: رئي سالم بن عبد اللّه يتحرّى أماكن من الطريق ويصلّي فيها، ويحدّث أنّ أباه كان يصلّي فيها وأنّه رأى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي في تلك الأمكنة، قال موسى: وحدّثني نافع أنّ ابن عمر كان يصلّي في تلك الأمكنة.(1)

10. الاستعانة بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

ونركّز في المقام على أُمور ثلاثة:

1. إذا كانت الاستعانة بحكم قوله سبحانه:(وَإِيّاكَ نَسْتَعينُ) مختصة به سبحانه، فكيف نستعين في قضاء الحوائج بالأولياء ونستعين بهم؟

2. هل الاستعانة بالنبي ـ مثلاً ـ عبادة له؟

3. هل للصالحين القدرة على الإجابة عند الاستعانة والاستغاثة بهم؟

وإليك دراسة الجميع واحداً بعد الآخر:

الف. الاستعانة المختصّة باللّه، غير الاستعانة بالمخلوق

إنّ الاستعانة، مختصّة باللّه سبحانه وقد أمرنا اللّه سبحانه أن نقول في


1 . اقتضاء الصراط المستقيم:385.


( 360 )

صلواتنا:(وَإِيّاكَ نَسْتَعينُ) ، ومع ذلك كلّه، فإنّ حياة البشر ـ فضلاً عن المسلمين ـ لا تستغني عن الاستعانة بالغير. فكيف الجمع بين حصرها في اللّه، وكون التعاون أساس الحياة؟

وبعبارة أُخرى إنّ الاستعانة بالغير تشكّل الحجر الأساس للحضارة الإنسانية حيث إنّ حياة البشر في هذا الكوكب قائمة على أساس التعاون، وإنّ العقلاء يتعاونون في أُمورهم الحيوية.

وهذا هو العبد الصالح ذو القرنين استعان في بناء السد وقال: (فَأَعينُوني بِقُوَّة أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً)(1)، ومع ذلك كيف تحصر الاستعانة باللّه سبحانه؟!

والجواب: انّ المُعين حقيقة وفي عامّة الصور، هو اللّه سبحانه، فلو قام شخص بإعانة غيره، فانّما يُعين بقدرة مكتسبة وبإرادة من اللّه سبحانه.

وعلى ضوء هذا فالاستعانة بمن يعين بذاته، وبقدرته الّتي هي عين ذاته، مختصة باللّه سبحانه; وأمّا الاستعانة بمن يعين بقدرة مكتسبة من اللّه سبحانه، لا تؤثر إلاّ بإذنه فهو يختص بالمخلوق. وكم في القرآن الكريم نظائر لهذا الأمر، مثلاً انّه سبحانه ينسب التوفّي لنفسه ويقول: (اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا).(2)

وفي ذات الوقت ينسبه إلى الملائكة ويقول:(حَتّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ).(3)

فالتوفّي المنسوب إلى اللّه غير المنسوب إلى رسله، فالتوفّي الصادر عن شخص بقدرة ذاتية غير محددة، هو قائم باللّه سبحانه لا يعمّ غيره; وأمّا التوفّي


1 . الكهف:95.

2 . الزمر:42.

3 . الأنعام:61.


( 361 )

الصادر عن الرسل بقدرة مكتسبة محددة، فهو للرسل.

وقس على ذلك كثيراً من الأفعال الّتي نسبت إلى اللّه سبحانه وفي الوقت نفسه نسبت إلى المخلوق.

ب. الاستعانة بالأولياء ليست عبادة لهم

إنّ طلب الإعانة أو الاستعانة بالأولياء ليست عبادة لهم، وإنّما يكون عبادة لهم إذا استعان الإنسان واستغاث بهم بما أنّهم آلهة، أو فُوّض إليهم تدبير العالم في عامّة الجهات أو بعضها، وتحدّثنا بالتفصيل في محاضراتنا عن معنى العبادة ومواردها، وقلنا : إنّ الاعتقاد بالإلوهيّة والربوبيّة هو الّذي يصبغ العملَ بصبغة العبادة، ومن الواضح أنّ المتوسّل بأولياء اللّه لا يعتقد بإلوهيتهم ولا بربوبيّتهم، ولا بتدبيرهم لشؤون الكون ولا بقيامهم بأفعال اللّه ـ بالاستقلال والاختيار ـ بل يعتبرهم عباداً مكرمين، أطهاراً طيّبين، وُجَهاء عند اللّه، مطيعين له، غير مرتكبين لأدنى ذنب ومعصية.

إنّ التواضع والخضوع أمام قبور أولياء اللّه هو ـ في الحقيقة ـ تواضعٌ للّه وخضوعٌ له، وإن كان في ظاهره تواضعاً لذلك الوليّ الصالح، إلاّ أنّه لو كشفنا الستار عن قلب ذلك المتواضع لرأينا أنّه يتواضع للّه من خلال تواضعه لوليّه الصالح، وأنّه يطلب حاجته من اللّه بواسطة هذا الوليّ الصالح وبسببه، فالتوسُّل بالأسباب هو عين التوسّل بمسبِّب الأسباب ـ وهو اللّه سبحانه ـ وهذا واضح لأهل البصيرة والمعرفة.

وأنت لو سألتَ المتوسِّل بأولياء اللّه عن الّذي دعاه إلى التوسُّل به، لأجابك ـ فوراً ـ بأنّه «وسيلة» إلى اللّه سبحانه، كما قال تعالى:


( 362 )

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).(1)

فكما أنّ الإنسان يتوسَّل إلى اللّه بالصلاة والصوم والعبادات والطاعات، كذلك يتوسَّل إليه سبحانه بأوليائه الصالحين المكرَّمين لديه.

والخلاصة: أنّ المؤمن يعتقد ـ في قرارة نفسه ـ بأنّ توسُّله بالنبيّ وغيره من المعصومين والصالحين يدفع المتوسَّل به إلى السؤال من اللّه تعالى لقضاء حاجة من توسَّل به، سواء أكانت الحاجة غفران ذنب، أو أداء دَين، أو شفاء مريض، أو رفاهيّة عيش، أو غير ذلك.

ج. هل للصالحين القدرة على الإعانة؟

إذا تبيّن انّ الاستعانة بالخالق غير الاستعانة بالمخلوق، كما أنّها ليست عبادة للمستعان مادام المستعين يعترف بكونه عبداً، لا يقدر على الإعانة إلاّ بما قدّره سبحانه ومكّنه منه.

فعندئذ ينتهي البحث إلى الأمر الثالث وهو كون الصالحين قادرين على إنجاز ما يطلب منهم ـ إذا شاء اللّه ـ و دراسة الحياة البرزخية، يزيح الستار عن وجه الحقيقة. وإليك موجز الكلام فيه.

هل الموت انعدام وفناء مطلق، أو انّه انتقال من دار إلى دار ومن عالم ضيق إلى عالم فسيح؟

فالمادّيون على الأوّل، فالموت عندهم عبارة عن فناء الإنسان وضلاله في الأرض، فلا يبقى بعد الموت إلاّ الذرات المادية المبعثرة في الطبيعة، وهي غير


1 . المائدة:35.


( 363 )

كافية في إعادة الإنسان، إذ ليس هنا شيء متوسط بين المبتدأ والمعاد.

والإلهيون على الثاني، وأنّ الموت خروج الروح من البدن العنصري وتعلّقه ببدن آخر يناسبه، وهو أمر يدعمه كتاب اللّه الأكبر، ويدلّ عليه بأوضح دلالة، ويفنّد دليل المشركين القائلين: (أإِذا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد) بقوله:(قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجعُون).(1)

ومعنى الآية: هو أنّ الموت ليس ضلالاً في الأرض وأنّ الشخصية الإنسانية ليست هي الضالّة الضائعة في ثنايا التراب، إنّما الضال في الأرض هو أجزاء البدن العنصري المادي، فهذه الأجزاء هي التي تتبعثر في الأجواء والأراضي، ولكن لا يشكّل البدنُ حقيقةَ الشخصية الإنسانية، ولا يكون مقوّماً لها، وإنّما واقعيتها هي نفس الإنسان، وروحه، وهي لا ينتابها ضلالٌ، ولا يطرأ عليها تبعثر، بل يأخذها اللّه سبحانه ويحتفظ بها كما قال:(قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجعُون).

ويتجلّى معنى الآية بوضوح إذا عرفنا أنّ التوفّي في الآية يعني الأخذ في مثل قوله سبحانه: (اللّهُ يَتَوفّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الّتي قَضى عَلَيْهَا الْمَوتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرى إِلى أَجَل مُسَمّىً إِنَّ في ذَلِكَ لآيات لِقَوم يَتَفَكَّرُونَ).(2)

والمعنى : هو أنّ اللّه يقبض الأنفس ويأخذها في مرحلتين: حين الموت، وحين النوم، فما قضى عليها بالموت أمسكها ولم يردّها إلى الجسد، وما لم يقض عليها بالموت أرسلها إلى أجل مسمّى.


1 . السجدة:10ـ 11.

2 . الزمر:42.


( 364 )

كلّ ذلك يكشف عن أنّ الموت ليس علامة الفناء وآية العدم، بل هناك انخلاع عن الجسد، وارتحال إلى عالم آخر، ولولا ذلك لما كانت الآية جواباً على اعتراض المشركين، ورداً على زعمهم.

فإذا كانت الحياة البرزخية، حياة واقعية، فالمسيح الّذي كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن اللّه، هو نفس المسيح في الحياة البرزخية، فيستطيع قطعاً أن يقوم بنفس ما كان يقوم به في حياته المادّية.

كلّ ذلك بإذنه سبحانه.

فإذا كان الاستسقاء بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في حياته المادية ـ سبباً، لاستجابة الدعاء وانفتاح أبواب الرحمة، كما قاله أبو طالب:

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتـامى عصمـة للأرامل

فالاستسقاء به في الحياة البرزخية لا ينقص عن الاستسقاء به في حياته المادية، لأنّ سبب استجابة دعائه، هو منزلته ومكانته عند اللّه وقربه لديه، والجميع محفوظ في كلتا الحالتين.


( 365 )

5

الآن حصحص الحق

الآن حصحص الحقّ، وتجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها وتبيّن أنّ تكفير أهل القبلة لأجل الاختلاف في المسائل الكلامية أو الأحكام العملية، على خلاف الكتاب والسنّة النبوية، وسيرة علماء الإسلام خصوصاً إذا صدر المخالف فيها عن دليل، لا عن الهوى والعصبية.

والعجب انّ هؤلاء المتطرّفين، يرون أنفسهم أتباع أحمد بن تيمية، ولكنّه بريء منهم حسب فتاواه الّتي جمعها عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي.

فعلى هؤلاء ـ الذين يقتلون الأبرياء ولا يقيمون لدمائهم وأعراضهم وأموالهم وزناً ـ أن يرجعوا إلى فتاوى إمامهم حتّى يقفوا على أنّه يعذِّر المخالف إذا صدر عن اجتهاد، وقد ذكر عدّة مسائل عذّر فيها المخالف ـ بما ليس معذوراً عند المتطرفين ـ وإليك نصّ كلامه:

«والخطأ المغفور في الاجتهاد هو نوعي المسائل الخبرية والعلمية كما قد بُسط في غير موضع، كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما


( 366 )

يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه.

مثل من اعتقد أنّ الذبيح إسحاق، لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أنّ اللّه لا يُرى، لقوله: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ)، ولقوله: (وَما كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب)، كما احتجّت عائشة بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حقّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما يدلاّن بطريق العموم.

وكما نقل عن بعض التابعين أنّ اللّه لا يُرى، وفسّروا قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ)بأنّها تنتظر ثواب ربّها، كما نقل عن مجاهد وأبي صالح.

أو من اعتقد أنّ الميت لا يعذب ببكاء الحي; لاعتقاده أنّ قوله: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) يدلّ على ذلك; وأنّ ذلك يقدّم على رواية الراوي، لأنّ السمع يغلط، كما اعتقد ذلك طائفة من السلف والخلف.

أو اعتقد أنّ الميت لا يسمع خطاب الحي; لاعتقاده أنّ قوله تعالى: (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى) يدلّ على ذلك.

أو اعتقد أنّ اللّه لا يعجب، كما اعتقد ذلك شريح; لاعتقاده أنّ العجب إنّما يكون من جهل السبب واللّه منزّه عن الجهل.

أو اعتقد أنّ عليّاً أفضل الصحابة; لاعتقاده صحّة حديث الطير; وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «اللّهمّ ائتني بأحبِّ الخلق إليك; يأكل معي من هذا الطائر».

أو اعتقد أنّ من تجسّس للعدو وعلّمهم بغزو النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فهو منافق; كما اعتقد ذلك عمر في حاطب وقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق.

أو اعتقد أنّ من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق; كما اعتقد ذلك أُسَيْد بن حُضَيْر في سعد بن عبادة وقال: إنّك منافق! تجادل عن المنافقين.

أو اعتقد أنّ بعض الكلمات أو الآيات أنّها ليست من القرآن; لأنّ ذلك لم


( 367 )

يثبت عنده بالنقل الثابت، كما نقل عن غير واحد من السلف أنّهم أنكروا ألفاظاً من القرآن، كإنكار بعضهم: (وَقَضَى رَبُّكَ)، وقال: إنّما هي «ووصيّ ربّك». وإنكار بعضهم قوله:(وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيّينَ)، إنّما هو ميثاق بني إسرائيل، وكذلك هي في قراءة عبد اللّه. وإنكار بعضهم:(أَفَلَمْ يَيْأْسِ الَّذِينَ آمَنُوا) إنّما هي أو لم يتبين الذين آمنوا. وكما أنكر عمر على هشام بن الحكم، لما رآه يقرأ سورة الفرقان على غير ما قرأها. وكما أنكر طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها، حتّى جمعهم عثمان على المصحف الإمام.

وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أنّ اللّه يريد المعاصي، لاعتقادهم أنّ معناه أنّ اللّه يحب ذلك ويرضاه ويأمر به. وأنكر طائفة من السلف والخلف أنّ اللّه يريد المعاصي، لكونهم ظنوا أنّ الإرادة لا تكون إلاّ بمعنى المشيئة لخلقها، وقد علموا أنّ اللّه خالق كلّ شيء، وأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والقرآن قد جاء بلفظ الإرادة بهذا المعنى، ولكن كلّ طائفة عرفت أحد المعنيين وأنكرت الآخر.

وكالذي قال لأهله: إذا أنا متُّ فأحرقوني، ثمّ ذرّوني في اليمّ فواللّه لئن قدر اللّه عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين. وكما قد ذكره طائفة من السلف في قوله: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِِ أَحَدٌ)، وفي قولِ الحواريّين: (هَلْ يسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مَائدَةً مِنَ السَّمَاءِ).

وكالصحابة الذين سألوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فلم يكونوا يعلمون أنّهم يرونه، وكثير من الناس لا يعلم ذلك، إمّا لأنّه لم تبلغه الأحاديث، وإمّا لأنّه ظن أنّه كذب وغلط».(1)


1 . ابن تيمية: أحمد، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي: 20/33ـ 36.


( 368 )

معنى كلامه: انّ هنا مجموعة من المسائل اتّفق جمهور الأُمّة فيها على رأي واحد، ومع ذلك عذّر المخالف حتّى لم ير اعتقاد المخالف بتحريف القرآن خروجاً عن الدين.

يا أُمّه اثكليه

يعاني العصر الراهن من الإرهاب الواسع الّذي من ثمراته: قتل الأبرياء، وإراقة دماء الشيوخ الرُّكّع، والأطفال الرُّضّع، وتمارسه كوادر سياسية ـ لا دينية ـ عليها سمة الإسلام، فصار ذلك سبباً لتشويه سُمْعة الإسلام في مختلف الأقطار، وعاد الشياطين يشهّرون بالإسلام، ويزعمون أنّه دين الإرهاب وانّهما وجهان لعملة واحدة.

وقد قام غير واحد من علماء الإسلام بإدانة هؤلاء والتبرّي منهم، وأكّدوا على أنّها فتنة استغلها أعداء الإسلام للإيقاع بالمسلمين وضرب بعضهم ببعض، عبر خطابات من عُلى المنابر، ووسائل الإعلام، حتّى وقف الأبكم والأصمّ على أنّ هذه الأعمال الوحشية، تغاير مبادئ الإسلام في عقيدة عامة طوائفه.

ولكن ما عشتَ أراك الدهر عجباً، فقد قام في هذه الظروف العصيبة أحد دكاترة السعودية(1) بمهمة التحقيق والتعليق على كتاب يحمل اسم «كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب» والكتاب حافل بذكر الأعمال الدموية والإرهابية وملخّص الكتاب: انّ انتصار الشيخ كان قائماً على شنّ الغارات على الطوائف العربية في داخل نجد وخارجها وأحياناً على القبائل البعيدة، وكلّ هؤلاء كانوا من أهل القبلة، يصلّون ويصومون، وعلى ذلك درج آل


1 . الدكتور عبداللّه الصالح العثيمين بجامعة الملك سعود، نشرته دار الملك عبد العزيز.


( 369 )

سعود أيضاً بعد رحيل الشيخ.

وها نحن نقتطف من الكتاب، نموذجاً يوقف القارئ على عامّة محتوياته.

غزوات بإذن محمد بن عبد الوهاب

لما التجأ ابن عبد الوهاب ـ هرباً من حاكم الإحساء ـ إلى الدرعية الّتي كان يحكمها محمد بن سعود، قال له الأمير: يا شيخ ما يكون لك قعود(1) عندنا ولا مسكن، فأنا رجل متعوّد على أكل الحرام، وأنت عالم زاهد. هل عندك أن تفتينا؟(2) قال له الشيخ محمد: نعم أنا أبقيك على ما أنت عليه من أكل الحرام وأنت تتركني أسكن عندك، أُقوّم الدين. فرضي ابن سعود بذلك. وقام ابن سعود و غزا من بلده على أربع ركائب. فوجد غنماً لقوم يسمّون القرينية، فذبح راعي الغنم وأخذها... ثمّ بعدها أرسل ثماني ركائب على أهل القرينية لأنّهم قريبون منه. ثمّ ]غزا[ هذه القرية الّتي تسمّى عرقة. و]حارب ثانية، وغزا [بقدر أربعين ذلولاً. وبعث إلى جماعة له بالعيينة ثمانية رجال، وذبح عثمان بن معمّر وعبيداً حوله أربعين. ثمّ إنّه ضجّت القوم، وقالوا: مريدون. ولا اختلف منهم أحد. وملك العيينة والجبلية. وهذه تبعد عن الدرعية بقدر ست ساعات. واللّه أعلم بالصواب.

وبعدما قتل ابن معمر خاف ابن سعود منه، وقال: أخاف أن يقتلني. وأمّا الشيخ كان بذلك الوقت إذا خرج من بيته إلى المسجد يمشي خلفه مقدار مائتي رجل. وإذا دخل كذلك.(3)


1 . (قعود): إقامة.

2 . (هل عندك أن تفتينا؟): هل عندك لنا فتوى بحلّ ذلك.

3 . كيف كان ظهور محمد بن عبد الوهاب:58ـ59.


( 370 )

نموذج آخر

إنّه لمّا أراد الجهاد تجهز معه مائة وعشرون جملاً، فحارب قرية تسمّى الهلالية. وأخذها وأخرج أهلها منها ودخلها. وهي بأرض القصيم تبعد عن الدرعية بقدر سبعة أيام. وأسلم رياض العارض وضرما. الرياض حاكمها ابن دوّاس، وأهل «ضرما» حاكمها ناصر بن إبراهيم. وصارت غزوته مقدار ثلاثمائة ذلول. وطاعوا له بنو سبيع، وهم بدو و أصحاب بيوت شعر. وتبعوا الدين الظفير.(1)

وهكذا ساق المؤلّف غزوات آل سعود طيلة سنين وكلّها تخريب ودمار، اغتيال وإغارة، لا على الكافرين والمشركين ولا على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بل على المسلمين الذين يخالفون تطرّف ابن عبد الوهاب في التكفير والاتّهام بالشرك!!

إنّ نشر هذا الكتاب وأمثاله، هو الّذي أعطى بعض المبرّرات للأعداء والمتربّصين بنا للنيل من إسلامنا العظيم، وفتح لهم أبواب الطعن عليه لتشويه صورته الناصعة.

كما لعبت هذه الكتب دوراً فاعلاً في تهيئة الأرضية المناسبة لبث الأحقاد والأضغان في النفوس المريضة الّتي انطلقت لتزرع الرعب والقتل والدمار في كلّ زاوية، غير مكترثة بالضحايا الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى نشدان الأمن والراحة والسلام، تلك الآمال الّتي حرص إسلامنا العزيز على تحقيقها من خلال تجسيد مبادئه وقيمه ومفاهيمه السامية على أرض الواقع.


1 . المصدر نفسه:61ـ 62.


( 371 )

ولعل المحقّق ـ سامحه اللّه وإيّانا ـ لم يكن يحسب لهذه المضاعفات الخطيرة والنتائج المأساوية الّتي يسببها نشر مثل هذه الكتب. واللّه العالم.

بيان هيئة كبار العلماء في الأراضي المقدسة

لمّا أحسّت هيئة كبار العلماء في الأراضي المقدّسة، بخطورة الموقف، وانّ التكفير ثمّ التفجير وما ينشأ عنه من سفك الدماء وتخريب المجتمعات و... يضاد أُصول الإسلام ومبادئه، أصدرت بياناً يُعرب عن وقوفهم في وجه أعداء الإسلام والمغفّلين المشغولين بالمسائل الخلافية، مكان التركيز على المسائل المتّفق عليها.

وإليك نصّ البيان:

أعلن مجلس هيئة كبارالعلماء في بيان أصدره عن ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها من التكفير والتفجير، وما ينشأ عنه من سفك الدماء وتخريب المنش آت. وما يترتّب عليه من إزهاق أرواح بريئة، وإتلاف أموال معصومة، وإخافة الناس،وزعزعة الأمن والاستقرار.

أعلن أنّ الإسلام بريء من معتقد التكفير الخاطئ، وإنّ ما يجري في بعض البلدان من سفك للدماء البريئة وتفجير المساكن والمركبات والمرافق العامة والخاصة وتخريب للمنش آت هو عمل إجرامي والإسلام بريء منه وكذلك كلّ مسلم يؤمن باللّه واليوم الآخر.

وأوضح البيان أنّ مَن يقوم بمثل هذه الأعمال من التفجير والتخريب بحجة التكفير إنّما هو تصرّف من صاحب فكر منحرف، وعقيدة ضاّلة. فهو يحمل إثمه وجرمه فلا يحتسب عمله على الإسلام ولا على المسلمين المهتدين بهدى الإسلام، المعتصمين بالكتاب والسنّة، المتمسكين بحبل اللّه المتين، وإنّما هو


( 372 )

محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة. ولهذا جاءت نصوص الشريعة قاطعة بتحريمه محذرة من مصاحبة أهله.

قال اللّه تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبهِِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسادَ * وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ).(1)

وأوضح بيان مجلس هيئة كبار العلماء أنّ التكفير حكم شرعي مردّه إلى اللّه ورسوله، فكما أنّ التحليل والتحريم والإيجاب إلى اللّه ورسوله، فكذلك التكفير، وليس كلّ ما وصف بالكفر من قول أو فعل يكون كفراً أكبر مخرجاً من الملّة.

ولمّا كان مردّ حكم التكفير إلى اللّه ورسوله لم يجز أن نكفّر إلاّ من دلّ الكتاب والسنّة على كفره دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة.

وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات مع أنّ ما يترتّب عليها أقلّ ممّا يترتّب على التكفير فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، ولذلك حذر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر فقال:«... أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه...».(2)

نشكر اللّه سبحانه على وجود هؤلاء العلماء الواعين، الذين لا تأخذهم في اللّه لومة لائم. فشكراً لهم ثمّ شكراً شكراً.


1 . البقرة:204ـ 206.

2 . اقرأ البيان بتمامه في رسالة «التحذير من المجازية بالتكفير»: د ـ ج.


( 373 )

6

ذرائع واهية

في تضليل الشيعة

ما تقدّمت الإشارة إليه من ذرائع التكفير أو التفسيق، لم تكن مختصة بطائفة دون طائفة، بل كانت تستهدف عامّة المسلمين بفرقهم المختلفة. ونريد أن نتحدّث هنا عن أُمور يُضلّل بها طائفة خاصّة من المسلمين وهم الشيعة الإماميّة المتمسّكون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته.

وقد أخذ الجُدَد من الكُتّاب ـ الذين لهم ولع بتمزيق الشمل وتفريق الصف ـ بنشرها وترويجها، مركِّزين على الفوارق، ومُعرضين عن المشتركات، وكأنّه ليس بين تلك الطائفة وسائر المسلمين سوى هذه الفوارق.

إنّ الشيعة تشارك السنّة في أغلب الأُصول والفروع وتفارقها في أُمور كلّها عند السنّة من الفروع وليست من الأُصول، والاختلاف في الفروع بين العلماء قائم على قدم وساق منذ رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا، ونحن ندرسها على ضوء الكتاب والسنّة، وسيظهر للقارئ الكريم أنّ الخلاف في هذه المسائل لا يمتّ إلى الإيمان والكفر بصلة على أنّ بعضها ممّا أُلصق بالشيعة وهم منه برآء براءة يوسف ممّا اتّهم به.


( 374 )

1. عدم الاعتراف بخلافة الخلفاء

إنّ الشيعة ترفض خلافة الخلفاء وتعتقد بإمامة الأئمّة الاثني عشر.

أقول: إنّ الشيعة لا تعترف بخلافة الخلفاء، لأنّ الإمامة عندهم ـ بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ مقام تنصيبيّ، لا انتخابي، وقد قام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حسب الأخبار المتواترة بتنصيب وصيّه عند منصرفه من حجة الوداع إلى المدينة في أرض الغدير وقال مخاطباً أصحابه البالغين إلى ثمانين ألفاً أو أزيد:

«ألستُ أولى بكم من أنفسكم»؟ قالو: بلى.

قال:«من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله». ثمّ قال: «اللّهم اشهد أنّي قد بلّغت».

وهو حديث متواتر رواه الصحابة والتابعون والعلماء في كلّ عصر وقرن، وقد احتفلت بنقله كتب التفسير والحديث والتاريخ والسير. كما أُلّف في هذا الموضوع عشرات الموسوعات ومئات الكتب، وصاغه الشعراء في قصائدهم عبر القرون.(1)

ونحن نضرب عن ذلك صفحاً ونركّز على أمر آخر وهو:

هل الاعتقاد بخلافة الخلفاء من الأُصول؟ وهل كان إسلام الصحابة وإيمانهم في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مشروطاً بالإيمان بخلافة الخلفاء؟ وهل كان النبي يسأل الوافدين لاعتناق الإسلام عن إيمانهم بخلافتهم؟ أو انّها عند أهل السنّة


1 . لاحظ الغدير للأمين في 11جزءاً. يُذكر أنّ الحافظ المؤرخ شمس الدين الذهبي ممّن جزم بصدور حديث الغدير، حيث قال عند ترجمته للمؤرخ الشهير أبي جعفر الطبري: جمع طرق حديث غدير خمّ في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك. سير أعلام النبلاء:14/267برقم 175.


( 375 )

من الفروع ومن شعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث إنّهما من الواجبات المطلقة ولا يتحقّقان إلاّ بنصب الإمام. فيكون واجباً بحكم وجوب مقدّمته؟

وإن كنت في شكّ فاستمع لما نتلو عليك من كلمات أكابر أهل السنّة:

قال الغزالي: «اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمّات، وليس أيضاً من فنّ المعقولات، بل من الفقهيّات».(1)

وقال الآمدي: «واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات، ولا من الأُمور اللابدّيّات، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها».(2)

وقال الايجي: وهي عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسّياً بمن قبلنا».(3)

وقال التفتازاني: «لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة، بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أنّ القيام بالإمامة، ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة، من فروض الكفايات، وهي أُمور كليّة تتعلّق بها مصالح دينية أو دنيوية، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها، فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كلّ أحد. ولا خفاء في أنّ ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية».(4)

وإذا كانت الإمامة، بعامّة أبحاثها من الفروع ، فما وجه إقحام ذلك في عداد المسائل الأُصولية، كما صنع إمام الحنابلة، وقال: «خير هذه الأُمّة بعد نبيّنا،


1 . الاقتصاد في الاعتقاد:234.

2 . غاية المرام في علم الكلام:363.

3 . المواقف:395.

4 . شرح المقاصد:2/271.


( 376 )

أبو بكر; وخيرهم بعد أبي بكر، عُمَر; وخيرهم بعد عُمر ، عُثْمان; وخيرهم بعد عثمان، عليّ; رضوان اللّه عليهم، خلفاء راشدون مهديُّون».

ومثله، أ(1)بو جعفر الطحاوي الحنفي في العقيدة الطحاوية، المسمّاة بـ«بيان عقيدة السنّة والجماعة»، حيث قال: «وتثبت الخلافة بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لأبي بكر الصِّدّيق، تفضيلاً، وتقديماً على جميع الأُمّة، ثم لِعُمر بن الخطاب، ثم لعثمان بن عفّان، ثمّ لعليّ بن أبي طالب».(2)

وقد اقتفى أثرهما الشيخ أبو الحسن الأشعري، عند بيان عقيدة أهل الحديث وأهل السُّنة، والشيخ عبد القاهر البغدادي في بيان الأُصول التي اجتمع عليها أهل السنّة.(3)

وهذا الصراع في المسألة الفرعيّة، أراق الدماء الطاهرة، وجرّ على الأُمّة الويلَ والثُّبُور، وعظائم الأُمور، فما معنى إقحام الاعتقاد بالأحكام الفرعية في قائمة العقائد؟ وإن هذا إلاّ زَلّة لا تُقال.

2. نظرة الشيعة إلى أصحاب الرسول نظرة سيّئة

وممّا يؤاخذ به الشيعة هو أن نظرتها إلى أصحاب رسول اللّه نظرة سيّئة.


1 . كتاب السنّة: 49، المطبوع ضمن رسائل بإشراف حامد محمد الفقي. وهذا الكتاب أُلّف لبيان مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السُّنة،ووصف مَن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طغى فيها أو عاب قائلها، بأنّه مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة وسبيل الحق.

2 . شرح العقيدة الطحاوية، للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي:471، وأخذنا العبارة من المتن. وتوفّي الطحاوي عام 321هـ.

3 . لاحظ «الإبانة عن أُصول الديانة»: 190، الباب16; و«الفَرْق بين الفِرَق»:350. ولاحظ «لُمَع الأدلّة» للإمام الأشعري: 114; و «العقائد النَّسَفية»:177.


( 377 )

أقول: إنّ نظرة الشيعة إلى أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هي نفس نظرة أئمتهم الهداة إليهم، فهذا هو الإمام علي(عليه السلام)يقول في حقّهم:

«أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمّار، وأين ابن التيّهان، وأين ذو الشهادتين، وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية؟».(1)

وهذا هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) يدعو لأصحاب جدّه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين أحسنوا الصحبة ويقول: «اللّهم وأصحاب محمد خاصّة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته، وانتصروا به، ومَنْ كانوا منظوين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته» إلى أن قال: «اللّهمّ وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك».(2)

إنّ الّذي يميّز الشيعة عن غيرهم، هو قولهم بأنّ حكم الصحابة، حكم التابعين، فكما أنّ فيهم الصالح والطالح، والعادل والفاسق، فهكذا الصحابة ففيهم عدول اتقياء بهم يستدرّ الغمام، وفيهم من سماه سبحانه، فاسقاً وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا).(3)

وفيهم من ترك النبي قائماً وهو يخطب وأعرض عن الذكر والصلاة واشتغل بالتجارة، قال سبحانه: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا


1 . نهج البلاغة: الخطبة 182.

2 . الصحيفة السجادية:الدعاء رقم4.

3 . الحجرات:6.


( 378 )

عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرَّازِقينَ).(1)

لنفترض أنّ بين الشيعة من لا يحب بعض الصحابة لا لكونهم صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل لما صدر عنهم من أعمال لا تنطبق على موازين الشريعة، وعلى كلّ تقدير فالشيعي إمّا مصيب في اعتقاده واجتهاده وإمّا مخطئ; وعلى الأوّل له أجران، وعلى الثاني له أجر واحد.

كيف لا وقد حدث هذا التشاجر والتعارض بين صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنفسهم، فهذا هو الإمام البخاري ينقل لنا مشاجرة حامية بين سعد بن عبادة الذي قال لسعد بن معاذ في محضر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)«كذبتَ لعمر اللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من أهلك ما أحببتَ أن يُقتل، فقام أسيد بن حُضير ـ و هو ابن عم سعد بن معاذ ـ و قال لسعد بن عبادة: كذبت، وعمر اللّه لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين».(2)

وكم لهذه المشاجرات الساخنة والتراشق بالاتّهامات بين الصحابة من نظير، ومع ذلك لم يعتبرها أحد موجباً للكفر أو الخروج عن ربقة الإيمان.

ثمّ ماذا يفعل الشيعة إذا وجدوا في أصحّ الكتب عند أهل السنّة بعد كتاب اللّه عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُحلَّؤن عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»، وغير ذلك من الروايات الّتي أخرجها الإمام البخاري في صحيحه في باب الحوض وغيره.(3)


1 . الجمعة:11.

2 . صحيح البخاري:5/118ـ 119، في تفسير سورة النور.

3 . لاحظ جامع الأُصول:11/10.


( 379 )

وما ذنب الشيعي إذا وجد في أصحّ الكتب لدى إخوانه السنة انّ صحابياً جليلاً كأسيد بن حُضير يصف سعد بن عبادة ذلك الصحابي الجليل بالنفاق ويقول: إنّك منافق تجادل عن المنافقين؟!

فإذا صحّ ذلك العمل من الصحابي بحجّة أنّه وقف على نفاق أخيه الصحابي الآخر، فلماذا لا يصحّ صدوره من الآخرين إذا وقفوا على أنّ بعض من كان حول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد اقترف مالا يرضى به اللّه ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)فيبدي عدم رضاه عن عمله كما أبداه أسيد بن حُضير؟!

أفبعد هذه الحقائق، يصحّ أن يعدّ الاعتقاد بطهارة كلّ صحابي من الأُصول ممّا يناط بها الإيمان والكفر.

ثمّ هل كان النبي يسأل الوافدين من مختلف الأقطار عن اعتقادهم بعدالة أصحابه وطهارتهم أو انّها مسألة تاريخية، يجب أن تطرح على صعيد البحث، ولكلّ دليله ونظره دون أن يخرج أحد الطرفين عن حظيرة الإسلام.

ثم إنّ لعضد الدين الإيجي في «المواقف» وشارحه السيد الجرجاني في شرحها كلاماً في عدم جواز تكفير الشيعة بمعتقداتهم نأتي بنصهما متناً وشرحاً قد ذكرا الوجوه وردّها:

الأوّل: أنّ القدح في أكابر الصحابة الذين شهد لهم القرآن والأحاديث الصحيحة بالتزكية والإيمان (تكذيب) للقرآن و (للرسول حيث أثنى عليهم وعظّمهم) فيكون كفرا.

قلنا: لا ثناء عليهم خاصة، أي لا ثناء في القرآن على واحد من الصحابة بخصوصه وهؤلاء قد اعتقدوا انّ من قدحوا فيه، ليس داخلاً في الثناء العام الوارد فيه وإليه أشار بقوله: (ولاهم داخلون فيه عندهم) فلا يكون قدحهم تكذيباً


( 380 )

للقرآن، وأمّا الأحاديث الواردة في تزكية بعض معين من الصحابة والشهادة لهم بالجنّة فمن قبيل الآحاد، فلا يكفّر المسلم بإنكارها أو تقول ذلك، الثناء عليهم، وتلك الشهادة لهم مقيّدان، بشرط سلامة العاقبة ولم توجد عندهم، فلا يلزم تكذيبهم للرسول.

الثاني: الإجماع منعقد من الأُمّة، على تكفير من كفّر عظماء الصحابة، وكلّ واحد من الفريقين يكفّر بعض هؤلاء العظماء فيكون كافراً.

قلنا: هؤلاء، أي من كفّر جماعة مخصوصة من الصحابة، لا يسلِّمون كونهم من أكابر الصحابة وعظمائهم، فلا يلزم كفره.

الثالث: قوله(عليه السلام): «من قال لأخيه المسلم يا كافر، فقد باء به ـ أي بالكفر ـ أحدهما».

قلنا: آحاد، وقد أجمعت الأُمّة على أنّ إنكار الآحاد ليس كفراً، ومع ذلك نقول: المراد مع اعتقاد أنّه مسلم، فإنّ من ظن بمسلم أنّه يهودي أو نصراني فقال له ياكافر لم يكن ذلك كفراً بالإجماع.(1)

أقول: إنّ القدح في الصحابة غير تكفيرهم; ثم إنّ القدح في البعض منهم ـ الذين لا يتجاوزون عدد الأصابع ـ دون جميعهم.

ثم القدح ليس بما أنّهم صحابيون، بل بما أنّهم أُناس مسلمون، ولو كان القدح كفراً، فقد قدح فيهم القرآن فسمّى بعضهم فاسقاً، وقال: (إِن جَاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا...).(2)

نعم إنّ الخلاف الذي دام قروناً، لا يرتفع بيوم أو اسبوع، ولكن رجاؤنا


1 . السيد الشريف الجرجاني: شرح المواقف:8/344، ط مصر.

2 . الحجرات:6.


( 381 )

سبحانه أن يُلمَّ شعث المسلمين ويجمع كلمتهم، ويفرّق كلمة الكفر وأهله.

3. الشيعة لا تعمل بصحيحي البخاري ومسلم

إنّ الشيعة لا تعمل بالصحيحين لدى السنّة، أعني: صحيحي البخاري ومسلم!!

وهل الأمر كذلك، أو أنّها تعمل بما صحّ عندهم من السنّة من غير فرق بين الصحيحين وغيرهما من السنن: نحو سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وابن ماجة، وما صحّ عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين جعلهم اللّه أعدال الكتاب وقرناؤه وقال:

«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي».(1)

وأخيراً نقول: لم يكن الأخذ بالصحيحين ملاكاً للإيمان، بشهادة أنّ المسلمين كانوا يعملون بسنّة رسول اللّه ويروونها قبل أن يولد البخاري ومسلم ويكون لهما أثر في الوجود، فمتى أصبح البخاري ومسلم أصلاً ومناراً ومحوراً للإيمان والكفر؟! مع أنّ الأصل هو سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وعند الشيعة سنّته(صلى الله عليه وآله وسلم) المروية عن طريق رجال عدول، خصوصاً ما روي عن طريق أهل بيته المطهرين بأسانيد عالية ونقية من كلّ شائبة.

4. عصمة الأئمّة الاثني عشر

قالت الشيعة بعصمة الأئمّة الاثني عشر، والعصمة من خصائص الأنبياء.

أقول: إنّ الشيعة الإمامية على أنّ الأئمّة الاثني عشر معصومون من الذنب


1 . حديث مستفيض أو متواتر. لاحظ مسند الإمام أحمد:4/371; صحيح مسلم:4/1873; وسنن الترمذي:5/665.


( 382 )

والخطأ، ولا ينسون شيئاً من الأحكام.

ويقع الكلام في موضعين:

أ. ما هو الدليل على عصمتهم؟

ب. القول بالعصمة لا يلازم النبوة.

أمّا الأوّل: فهو خارج عن موضوع بحثنا، وموجز القول فيه: إنّه ليست عصمتهم فكرة ابتدعتها الشيعة، وإنّما دلّهم عليها في حقّ العترة الطاهرة كتاب اللّه وسنّة رسوله، قال سبحانه:(إِنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(1)، وليس المراد من الرجس إلاّ الرجس المعنوي، وأظهره هو الفسق.

وقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «علي مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه كيفما دار».(2) ومن دار معه الحقّ كيفما دار لا يعصي ولا يخطأ.

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ العترة:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً».(3) فإذا كانت العترة عِدل القرآن، والقرآن هو كلام اللّه تعالى، فاللازم أن تكون معصومة كالكتاب، لا يخالف أحدهما الآخر.

ومن ألطف ما استُدلّ به على عصمة الإمام ـ بوجه مطلق ـ هو ما ذكره الرازي في تفسيره حول قوله: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(4) قال ما هذا نصّه: إنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ;


1 . الأحزاب:33.

2 . حديث مستفيض، رواه الخطيب في تاريخه:14/321 والهيثمي في مجمعه:7/236وغيرهما.

3 . تقدّم بعض مصادره.

4 . النساء:59.


( 383 )

إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً.(1)

وأمّا الثاني: أعني : انّ العصمة لا تلازم النبوة، فهو أمر واضح لمن درس حياة الصالحين والصالحات. ونذكر على سبيل المثال:

إنّ مريم العذراء كانت معصومة بنصّ الكتاب العزيز حيث طهّرها اللّه سبحانه من المساوئ والسيّئات واصطفاها على نساء العالمين مع أنّها لم تكن نبيّة، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلى نِساءِ الْعَالَمِينَ).(2)

وهل المراد من التطهير هو تطهيرها من الذنوب و الآثام، أو تطهيرها من مسّ الرجال؟

الظاهر هو الأوّل.

لأنّ امرأة عمران أُمّ مريم طلبت من اللّه سبحانه أن يعيذ«مريم» وذرّيّتها من الشيطان الرجيم وقال: (وَإِنّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجيمِ)(3). فاستجاب سبحانه دعوتها فصانها سبحانه من وساوس


1 . مفاتيح الغيب:10/144.

2 . آل عمران:42.

3 . آل عمران:36.


( 384 )

الشيطان ودعوته إلى العصيان، فمن عُصِم من وساوسه ودعوته فهو مطهّر من الذنوب.

واللّه سبحانه يشير إلى استجابة دعوتها تارة بقوله: (فَتَقَبَّلَها رَبُّهَا بِقَبُول حَسَن وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً).(1)

وأُخرى بقوله في المقام:(وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ).

وتفسير التطهير بمسّ الرجال ـ أعني: القسم المحرم منه ـ لا دليل عليه بعد إطلاق الآية في أمر التطهير وصيانته سبحانه إيّاها من الشيطان الرجيم.

أضف إلى ذلك اتّفاق المفسّرين على أنّ المراد من التطهير في قوله سبحانه:(إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) هو التنزيه من الذنوب ومساوئ الأخلاق وسيئات الأعمال.

من غير فرق بين تفسير أهل البيت بالعترة الطاهرة الّذين جمعهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الكساء وقال:«اللّهمّ إنّ لكلّ نبي أهل بيت وهؤلاء أهل بيتي».(2) أو فسّرت بنساء النبي.

5. التقية من المسلم المخالف

إنّ الشيعي يتّقي من المسلم الذي يخالفه في العقيدة، مع أنّ التقية الّتي نزل بها الذكر الحكيم، هي تقية المسلم من الكافر لا المسلم من المسلم، قال سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ).(3)

فقد نزلت الآية في حقّ عمّار الّذي أظهر الكفر وأبطن الإيمان تقيّة من كفّار


1 . آل عمران:37.

2 . تفسير الطبري:22/125; والدر المنثور:5/198ـ 199.

3 . النحل:106.


( 385 )

قريش لصيانة دمه.

ولكنّ الشيعي، يتّقي من المسلم المخالف، فيقول على خلاف عقيدته ويعمل على خلاف مذهبه.

أقول: التقية شعار كلّ مضطهد صُودرت حرياته وحقوقه، ولاقى ضروبَ المحن وصنوف الضيق إلى درجة اضطرّ معها إلى استعمال التقية في تعامله مع المخالفين وترك مظاهرتهم، فلو كانت التقية أمراً مذموماً أو محرّماً فالأخ المسلم الّذي صادر حريات أخيه، هو الأولى بتحمل وزر عمل هذا المضطهد الضعيف الّذي ليس له سلاح في حفظ دمه وعرضه وماله إلاّ بالمسايرة والمداراة والتكتّم على معتقداته.

ولعمر الحق لو سادت الحرية جميع الفرق الإسلامية، وتحمّلت كلّ فرقة آراء الفرق الأُخرى، لتجدنّ الشيعة في طليعة الفرق التي تهتف بآرائها ومعتقداتها بكلّ صراحة ووضوح، ولأُلغيت هذه اللفظة (التقية) من قاموس حياتها، ولساد الوئام والانسجام، وولّى النزاع والخصام.

نعم مورد الآيات الواردة في القرآن حول التقية، هي التقية من الكافر لا من المسلم، لكن الملاك واحد، فانّ ملاك التقيّة هو التحرّز من الضرر المرتقب عند التظاهر بالخلاف، وهذا بنفسه موجود في التقية من المسلم الذي لا يحترم أخاه المسلم، وهذا ليس بأمر بديع، بل صرّح به جمع من الفقهاء والمفسّرين.

1. قال الشافعي: تجوز التقية بين المسلمين كما تجوز بين الكافرين محاماة عن النفس.(1)

2. وقال الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: (أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً):


1 . تفسير النيسابوري في هامش تفسير الطبري:3/178.


( 386 )

ظاهر الآية يدلّ على أنّ التقية إنّما تحل مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من قتل دون ماله فهو شهيد».(1)

3. ونقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما نصّه: وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن، وإجماع أهل الإسلام، ومازال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقُّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال ـ في ذلك العصر الأوّل ـ : حفظت من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.(2)

4. وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ): ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّم في وجوههم، وبذل المال لهم، لكف أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما وقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».(3)


1 . مفاتيح الغيب:8/13في تفسير الآية.

2 . محاسن التأويل:4/82.

3 . تفسير المراغي:3/136.


( 387 )

6. قولهم بالبداء للّه

وممّا يؤاخذ به الشيعة، إثباتهم البداءَ للّه ومعناه: ظهور ما خفى عليه سبحانه، وهو يلازم جهله تعالى بالمستقبل.

أخي العزيز: لو أُريد من قولهم «بدا للّه» ما فسّرتَ به، فالحقّ معك فإنّه عقيدة باطلة ولكن ـ يا للأسف ـ قد فسّرت كلام الشيعة بغير ما يقصدون منه، فإنّهم يريدون به أنّه سبحانه أبدى للناس ما خَفي عليهم، وأمّا التعبير عن هذا المعنى الصحيح بقولهم «بدا للّه» فهو من باب المجاز أوّلاً، أو من باب التأسّي بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثانياً على ما رواه البخاري في صحيحه في باب حديث أبرص وأقرع وأعمى في بني إسرائيل عن أبي هريرة أنّه سمع من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بدا للّه أن يبتليهم....(1)

ولو احفيت الحقيقة من كتب الفريقين لوقفت على أنّ النزاع في البداء نزاع لفظي، فالقائل بعدم الجواز يريد به معناه الحقيقي الّذي يستلزم الجهل للّه، والقائل بالجواز يريد معناه المجازي أي إبداء من اللّه لما خفى على الناس، وإن كان يتخيّل في بادئ الأمر انّه بداء له سبحانه.

وأمّا مورد البداء فهو عبارة عن تغيير مصير العباد، بحسن أفعالهم وصلاح أعمالهم من قبيل: الصدقة والإحسان، وصلة الرحم، وبرّ الوالدين، والاستغفار، والتوبة، وشكر النعمة وأداء حقّها، إلى غير ذلك من الأُمور التي تغيّر المصير وتبدّل القضاء، وتفرّج الهموم والغموم، وتزيد في الأرزاق والأمطار والأعمار والآجال; كما أنّ لمحرّم الأعمال وسيّئها من قبيل: البخل والتقصير، وسوء الخلق،


1 . الصحيح:4/171ـ 172، كتاب الأنبياء.


( 388 )

وقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، والطيش، وعدم الإنابة، وكفران النعمة، وما شابهها تأثيراً في تغيير مصيرهم بعكس ذلك من إكثار الهموم، والقلق، ونقصان الأرزاق والأمطار والأعمار والآجال، وما شاكلها.

فليس للإنسان مصير واحد، ومقدّر فارد; يصيبه على وجه القطع والبتّ، ويناله شاء أو لم يشأ، بل المصير أو المقدر يتغيّر ويتبدّل بالأعمال الصالحة والطالحة وشكر النعمة وكفرانها، وبالإيمان والتقوى، والكفر والفسوق. وهذا ممّا لا يمكن ـ لمن له أدنى علاقة بالكتاب والسنّة ـ إنكاره أو ادّعاء جهله.

وهذا ما نراه جلياً في عدة موارد من الذكر الحكيم:

منها: قوله سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوال وَبَنينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً).(1)

ترى أنّه(عليه السلام) يجعل الاستغفار علّة مؤثرة في نزول المطر، وكثرة الأموال والبنين، وجريان الأنهار إلى غير ذلك، وأمّا بيان كيفيّة تأثير عمل العبد في الكائنات الطبيعية، فيطلب من محلّه.

وقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).(2)

وقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).(3)


1 . نوح:10ـ 12.

2 . الرعد:11.

3 . الأنفال:53.


( 389 )

7. اعتقادهم بالمهدي الموعود

إنّ الشيعة وإن كانت تعتقد بالإمام المهدي الّذي يُظهره اللّه سبحانه في آخر الزمان لبسط العدل، وإعلاء كلمة الحق، ولكن هذه العقيدة ليست مختصة بهم، بل هي عقيدة اتّفق عليها المسلمون إلاّ من أصمّه اللّه. وقد تضافر قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً و ظلماً».

وليس هناك اختلاف بين الفريقين إلاّ أنّ الشيعة قاطبة وقليلاً من السنّة يقولون بأنّه ولد عام (255هـ) وهو حيٌّ يُرزق وله حياة طبيعية والناس يرونه ولا يعرفونه، وأكثر السنّة يقولون: إنّه سيولد في آخر الزمان.

وقد ألّف عدّة من محقّقي السنّة ومحدّثيهم كتباً حول المهدي وألّف أخيراً الدكتور عبد الباقي كتاباً في نفس الموضوع أسماه«بين يدي الساعة» فقال: أمّا عقيدة السُّنة بالنسبة إلى المهدي فإنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث والأخبار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح.

لماذا نردّ كلّ هذه الكمّية؟ أكلّها فاسدة؟ لو صحّ هذا الحكم لانهار الدين ـ والعياذ باللّهـ نتيجة تطرّق الشك والظن الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).

ثمّ إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي، أو حول حاجة العالم إليه، وإنّما الخلاف حول من هو، حسني أو حسيني؟ سيكون في آخر الزمان، أو موجود الآن؟ خفي وسيظهر؟ ظهر أو سيظهر؟ ولا عبرة بالمدّعين الكاذبين، فليس لهم اعتبار.


( 390 )

ثمّ إنّي لا أجد مناقشة موضوعية في متن الأحاديث، والذي أجده إنّما هو مناقشة وخلاف حول السند، واتّصاله وعدم اتّصاله، ودرجة رواته، ومن خرّجوه، ومن قالوا فيه.

إذا نظرنا إلى ظهور المهدي نظرة مجرّدة فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها، أو على الأقلّ عدم رفضها. فإذا تؤيّد ذلك بالأدلّة الكثيرة، والأحاديث المتعددة، ورواتها مسلمون مؤتمنون، و الكتب التي نقلتها إلينا كتب قيمة، والترمذي من رجال التخريج والحكم، بالإضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها ما يصحّ أن يكون سنداً لها في البخاري ومسلم، كحديث جابر في مسلم الذي فيه: «فيقول أميرهم (أي لعيسى): تعال صلّ بنا»(1)، وحديث أبي هريرة في البخاري، وفيه: «كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح بن مريم وإمامكم منكم»(2)، فلا مانع من أن يكون هذا الأمير، وهذا الإمام هو المهدي.

يضاف إلى هذا انّ كثيراً من السلف ـ رضي اللّه عنهم ـ لم يعارضوا هذا القول، بل جاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لإثبات هذه العقيدة عند المسلمين.(3)

8. حلّية المتعة

وممّا يُشنع به على الشيعة قولهم بجواز نكاح المتعة، وهو عبارة عن تزويج المرأة الحرة الكاملة نفسها ـ إذا لم يكن بينها و بين الزوج مانع نسب أو سبب أو


1 . صحيح مسلم:1/59، باب نزول عيسى.

2 . صحيح البخاري، بشرح الكرماني:14/88.

3 . بين يدي الساعة للدكتور عبد الباقي:123ـ 125.


( 391 )

رضاع ـ بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا والاتّفاق، فإذا انتهى الأجل تبين المرأة من الزوج من غير طلاق، ويجب عليها مع الدخول ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً.

وقد أجمع أهل القبلة على أنّه سبحانه شرّع هذا النكاح في صدر الإسلام وعمل به الصحابة انّما الاختلاف في كونه على حليته أو أنّه منسوخ.

وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أنّ قوله سبحانه: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِِهِ مِنْهُنَّ فَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)(1) نزل في هذا الشأن.(2)

وعلى كلّ تقدير سواء أقلنا بأنّها غير منسوخة أو قلنا بأنّها منسوخة فهي من المسائل الفقهية، الّتي تضاربت فيها الأقوال، وليس الخلاف فيها معياراً للتكفير، أو التفسيق.

هذه بعض المؤاخذات على عقائد الشيعة.

أكاذيب ومفتريات

وهناك أكاذيب ومفتريات نسبوها إلى الشيعة، نظير:

1. تأليههم لعلي وأولاده وأنّهم يعبدونهم ويعتقدون بإلوهيّتهم.

2. تحريف القرآن الكريم وانّه حذف منه سور أو آيات.

3. نسبة الخيانة لأمين الوحي وانّه سبحانه بعثه لإبلاغ الرسالة إلى علي، فخان فجاء بها إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).


1 . النساء:24.

2 . تفسير الطبري:5/9; أحكام القرآن:2/178; سنن البيهقي:7/205; وجامع أحكام القرآن:5/13، إلى غير ذلك من كتب الحديث و التفسير.


( 392 )

إلى غير ذلك من المهازل والمنكرات التي افتعلها الكذّابون الأفّاكون الذين لا يخافون حساب اللّه يوم الورود، والشيعة منها برآء; وهذه كتبهم، وهؤلاء علماؤهم وخطباؤهم كلّهم متّفقون على خلاف هذه النِّسب.

ونعم ما قال المرحوم محمد جواد مغنية:

إنّ لكلّ شيء دليلاً إلاّ الافتراء على الشيعة.

وإنّ لكلّ شيء نهاية إلاّ الكذب على الشيعة.

وفي الختام نقدّم كلمة فيها رضى اللّه ورضى رسوله وصلاح الأُمّة جميعاً.

نصيحة للمتطرّفين

إنّ للّه سبحانه يوماً، تقام فيه الموازين، وتنشر فيه الصحف، وتتمثّل فيه الأعمال(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبادِ)(1) يُحاسب ف