welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء / ج 1

نظام النكاح
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

الجزء الأوّل

تأليف
العلامة الفقيه
الشيخ جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي رغب بالنكاح، وحرّم السفاح، وأغناهم بالحلال عن الحرام. فقال عزّ من قائل: «وَ أَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَ إِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» .

والصلاّة والسلام على سفيره، ومبيّن حلاله وحرامه القائل: «من تزوّج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي» محمّد، وآله الطاهرين، حفظة سننه ونقلة آثاره الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

أمّا بعد:

فإنّ البحث عن الأحوال الشخصية الشاملة لكتب النكاح والطلاق بأقسامه واللعان والايلاء والوصية والميراث والاقرار من أهم البحوث الفقهية الّتي تدور عليها الحياة، فردية واجتماعية. وهي من المباحث الهامة الّتي لا غنى للمجتمع عنها، حتّى المجتمعات الوضعية والمادية. ولأجل ذلك قد استغرقت هذه المباحث قسماً كبيراً من الفقه الإسلامي.

وقد طلب منّي حضار بحوثي الفقهية أن أقوم بدراسة الأحوال الشخصية في فقه الإمامية أعني: النكاح والطلاق والوصية والميراث، لكثرة الابتلاء بها، ولزوم الوقوف عليها خصوصاً لمن يعمل في دوائر الأحوال الشخصية. وقد كان علماؤنا


(4)

الأبرار في العصور الماضية، مسلّطين بالأحكام الخاصّة بالأحوال الشخصية، وكانوا يجيبون أسئلة الناس على صعيد النكاح والوصية والطلاق والميراث ونحوها بلا مطالعة كتاب أو ملاحظة باب، فنزلت عند رغبتهم سائلاً من الله سبحانه التوفيق والاهتداء إلى ما هو الحقّ القويم:

وجعلت المحور للبحث كتاب الشرائع (1) للمحقّق الحلّي ـ أعلى الله مقامه ـ فقدّمت البحث عن النكاح على الطلاق، والطلاق على الميراث والفرائض، وأرجو من الله سبحانه أن يهديني إلى ما هو الصواب ويصونني عن الخطاء والزلل إنّه بذلك قدير، وبالإجابة جدير .


1 . وكان محور المحاضرة كتاب العروة الوثقى في الدورة السابقة الّتي ابتدأنا بها عام 1394 هـ. ق .


(5)

النكاح لغة وكتاباً وسنّة

هل النكاح بمعنى العقد، أو هو بمعنى الوطء أو مشترك لفظي بينهما؟

يظهر من ابن فارس في «المقاييس» أنّه بمعنى الأوّل دون الثاني ، ويظهر من «ابن منظور» في لسانه، العكس ونقل أنّه خيرة الأزهري وقبله الجوهري في صحاحه، واستشهد بأمثلة ادّعى أنّها ظاهرة في الوطء وهومختار الجواهر، وقال في الأخير:

ومن الغريب، دعوى عدم شيوع استعمال النكاح بمعنى الوطء في لسان الشرع، فإنّ ملاحظة الأخبار النبوية فضلاً عن غيرها الواردة في النكاح والمرغّبة فيه باعتبار النسل ونحوه ممّا لا يراد منه إلاّ معنى الوطء، أقوى شاهد على بطلانها.(1)

إنّ استعمال النكاح ـ في اللغة والشرع ـ في الوطء موضع تأمّل، لأنّ الموارد الّتي احتجّ بها صاحب اللسان على الاستعمال فيه قابل للتفسير بالعقد أيضاً فلاحظ، كما أنّ ما احتجّ به صاحب الجواهر على استعماله فيه شرعاً لايثبت كونه فيها بمعنى الوطء لكفاية الاستعمال في الأمر الاعتباري سبباً أو مسبباً في أداء ما يرميه الشارع من الأمر بالنكاح أعني: صيانة النفس وكثرة النسل حتّى في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« تناكحوا تكثروا فإنّي أُباهي بكم الأُمم يوم القيامة ولو بالسقط».(2) وذلك لأنّ العقد والتزويج ينتهيان ـ طبعاً ـ إلى الوطء الملازم للصيانة وكثرة النسل. على أنّ الوارد في أكثر الروايات هو التزويج لا لفظ النكاح.


1 . الجواهر : 29/7ـ 8.
2 . البحار:103/220.


(6)

أضف إليه: ما ذكره الراغب: «أنّه محال أن يكون في الأصل للجماع ثمّ استعير للعقد، وذلك لأنّ أسماء الجماع كلّها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، ومحال أن يستعير من لايقصد فحشاً اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه».(1)

وقد جاءت مادة النكاح بالصيغ المختلفة في الذكر الحكيم بما يناهز ثلاثة وعشرين مورداً ولم يستعمل في مورد بمعنى الوطء حتّى في قوله سبحانه :«فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» (2) فإنّ شرطية الوطء علمت من النصّ لا من الآية. ولو كانت اللفظة حقيقة في الوطء لكان استعمالها في غيره مجازاً محتاجاً إلى القرينة وكونها مشتركة بين المعنيين لاتغنيها عن القرينة المعيّنة أيضاً.

والظاهر كونه حقيقة في المعنى الاعتباري الدارج بين العقلاء سبباًومسبباً من العقد والزواج، ويؤيّده قوله سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ» (3) فالمراد هو العقد والزواج بالمعنى المسبّبي دون الوطء، بقرينة قوله تعالى: «مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ» . فيعلم أنّ «النكاح» قد يكون مع المس وقد يكون بدونه.

والظاهر من بعض الآيات استعماله في المعنى المسببي للعقد مثل قوله سبحانه:«وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ ».(4) أي لاتعقدوا عقدة النكاح حتّى تنقضي العدة. وقوله سبحانه: (إلاّ أنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» (5) فإنّ إضافة العقدة إلى النكاح تعرب عن كونه موضوعاً


1 . مفردات الراغب:526،مادة النكاح، ط دار الكتب.
2 . البقرة/230.
3 . الأحزاب/49.
4 . البقرة/235.
5 . البقرة/237.


(7)

لمسبّبه وهو المنُشأ به.

فاتّضح بذلك: أنّه ليست للفظة النكاح حقيقة شرعية بل هي مستعملة في الكتاب والسنّة بما لها من المعنى لغة وعرفا،ً فلو شكّ في جزئية شيء أو شرطيته للنكاح يصحّ التمسك بالإطلاقات الواردة في الكتاب والسنّة لو كانت صالحة له كما إذا كانت في مقام البيان.

إذا وقفت على معنى النكاح لغة وكتاباً وسنّة فاعلم أنّ كتابنا هذا يشتمل على فصول:


(8)


(9)

الفصل الأوّل:

في أحكام النظر

وفيها مسائل:

1ـ النظر إلى المرأة عند الخطبة.

2ـ النظر إلى نساء أهل الذمّة وشعرهنّ.

3ـ نظر كل من الرجل والمرأة إلى مثله.

4ـ كشف المسلمة بين يدي الكافرة.

5ـ اشتباه من يجوز النظر إليه بغيره.

6ـ نظر الرجل إلى الأجنبية.

7ـ النظر إلى الوجه والكفّين منها.

8ـ نظر المرأة إلى الرجل.

9ـ النظر إلى المرأة في موارد الضرورة.

10ـ النظر إلى القواعد من النساء.

11ـ حكم الصبي والصبية من جهات.

12ـ صوت الأجنبية ومصافحتها.

خاتمة المطاف في الخنثى المشكل.


(10)


(11)

أحكام النظر

المسألة الأُولى :

في جواز النظر إلى المرأة عند الخطبة

إنّ القول بجواز النظر إلى المرأة عند الخِطْبة ، يعدّ تخصيصاً في أدلّة حرمة النظر إلى الأجنبية، وله نظائر كنظر الطبيب والشاهد. وإنّما يصحّ عدّه تخصيصاً إذا لم نقل بجواز النظر إلى الوجه والكفّين مطلقاً حتّى يكون الحكم بالجواز في المقام استثناءً بالنسبة إليه، أو قلنا بالجواز هناك أيضاً لكن مرّة واحدة لا مرّات، بخلاف المقام فيجوز تكرار النظر حتّى يحصل المطلوب وهو الوقوف على محاسنها ومعايبها.

والمسألة معنونة في فقه الفريقين، قال الشيخ الطوسي في الخلاف:يجوز النظر إلى امرأة أجنبية يريد أن يتزوّجها إذا نظر إلى ما ليس بعورة فقط، وبه قال أبوحنيفة ومالك والشافعي إلاّ أنّ عندنا وعند مالك والشافعي أنّ ما ليس بعورة : الوجه والكفّان فحسب، وعن أبي حنيفة روايتان: أحدهما مثل ما قلناه، والثانية: والقدمان أيضاً، وقال المغربي: لا يجوز أن ينظر إليها ولا إلى شيء منها أصلاً، وقال داود: ينظر إلى كلّ شيء من بدنها وإن تعرّت.(1)

والظاهر أنّ أصل الجواز أمر مفروغ عنه وإنّما الخلاف في مقامين:

الأوّل: في تحديد ما يجوز النظر إليها من أعضائها.


1 . الخلاف: 2/357، كتاب النكاح، المسألة 3 .


(12)

الثاني: في كيفية النظر مع الثياب أو بدونها.

أمّا المقام الأوّل: فجوّز الشيخ النظر إلى ما ليس بعورة وفسّره في الخلاف بالوجه والكفّين، واختار في النهاية جواز النظر إلى المحاسن عامة قال:

«ولابأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة يريد العقد عليها، وينظر إلى محاسنها: يديها ووجهها. ويجوز أن ينظر إلى مشيها وإلى جسدها من فوق ثيابها».(1)

ولم يعنون المسألة من القدماء غير الشيخ. وليس في الكافي (لأبي الصلاح)، ولاالمهذّب (لابن البرّاج)، ولاالوسيلة (لابن حمزة )من المسألة أثر.

قال المحقّق: يجوز أن ينظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها وإن لم يستأذنها. وقال في الجواهر في شرح العبارة:«لاخلاف بين المسلمين في الجواز بل الإجماع بقسميه عليه».(2) وقال العلاّمة في التذكرة:«لا نعلم خلافاً بين العلماء في أنّه يجوز لمن أراد التزويج بامرأة أن ينظر إلى وجهها وكفّيها مكرّراً».(3)

وقال السيد الاصفهاني:« يجوز لمن يريد تزويج امرأة أن ينظر إليها...على وجهها وكفّيها ومحاسنها».(4) هذا لدى الأصحاب وأمّا غيرهم:

قال ابن رشد القرطبي: «وأمّا النظر إلى المرأة عند الخطبة فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفّين فقط، وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين، ومنع ذلك قوم على الإطلاق، وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفّين».(5)


1 . النهاية:484 ،كتاب النكاح.
2 . الجواهر: 29/63.
3 . التذكرة: 2، كتاب النكاح، المقدمة الثانية في النظر.
4 . وسيلة النجاة:2/305 ط. طهران منشورات مكتبة الصدر.
5 . بداية المجتهد: 2/3، كتاب النكاح.


(13)

وقال ابن قدامة: «ومن أراد أن يتزوّج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها».(1)

ثمّ إنّ لسان الأحاديث الواردة في المقام بين: مطلق ومقيّد، بوجهها ومعاصمها، أو خلفها ووجهها، أو شعرها ومحاسنها، أو خصوص شعرها أو محاسنها فقط. والذي يقتضي التحقيق، هو عدم اختصاصه بهما.(2) ويمكن استفادة ذلك من وجوه:

أ : التعليل المستفيض الوارد في عدّة من الروايات:

1ـ صحيحة أبي أيّوب الخزاز (وهو إبراهيم بن عثمان أو ابن عيسى الثقة) عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أينظر إليها؟ قال: «نعم إنّما يشتريها بأغلى الثمن».(3)

2ـ صحيحة يونس بن يعقوب (البجلي الثقة) قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : الرجل يريد أن يتزوّج المرأة يجوز له أن ينظر إليها؟ قال: «نعم وترقِّق له الثياب لأنّه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن». (4)

3ـ موثقة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه عن عليّ ـ عليه السّلام ـ في رجل ينظر إلى محاسن امرأة يريد أن يتزوّجها؟ قال: «لابأس إنّما هو مستام فإن يُقضَ أمر يكون».(5)

4ـ خبر الحكم بن مسكين، عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ :


1 . المغني: 7/17، كتاب النكاح.
2 . أي بالوجه والكفّين.
3 . الوسائل:14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، والعجب أنّ صاحب الجواهر عبر عنه «بخبر محمّد بن مسلم» مع أنّه صحيحة.
4 . المصدر نفسه، الحديث 11، 8.
5 . المصدر نفسه، الحديث 11، 8.


(14)

الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أينظر إلى شعرها؟فقال: «نعم إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن».(1)

5ـ خبر مسعدة بن اليسع الباهلي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لابأس أن ينظر الرجل إلى محاسن المرأة قبل أن يتزوّجها فإنّما هو مستام، فإن يقضَ أمر يكون».(2)

6ـ مرسلة معلّى بن محمّد عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : أنّه سأله عن الرجل ينظر إلى المرأة قبل أن يتزوّجها؟ قال: «نعم فَلِمَ يعطي ماله». (3)

7ـ مرسلة (المجازات النبويّة) عنه ـ عليه السّلام ـ أنّه قال للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأة: «لو نظرت إليها فانّه أحرى أن يؤدم بينكما». (4)

فانّ التعليل المستفيض ـ كما عرفت ـ يقتضي جواز النظر فيما هو دخيل في ارتفاع الثمن وانخفاضه ودوام العيش.والسؤال في خبر الحكم وإن كان عن الشعر لكن العلّة تعمّم الحكم.

ب: التصريح بجواز النظر إلى الشعر في مرسلة (عبد اللّه بن الفضل) (5) وخبر (عبد اللّه بن سنان)(6) ففي الأوّل قال ـ عليه السّلام ـ : «لابأس بالنظر إلى شعرها ومحاسنها، إذا لم يكن متلذذاً»، وفي الثاني :«نعم إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن» ـ بعد السؤال عن النظر إلى شعرها ـ وهما وإن كانـا خبرين لكن يصلحان للتأييد.

ج : وقد ورد جواز النظر إلى المحاسن في موثقة غياث بن إبراهيم (7) وخبر عبد اللّه بن الفضل (8) وهو يعمّ كلّ ما يعدّ موضع الحسن.


1 . االوسائل:14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7، 12، 4، 13.
2 . االوسائل:14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7، 12، 4، 13.
3 . االوسائل:14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7، 12، 4، 13.
4 . االوسائل:14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7، 12، 4، 13.
5 . المصدر نفسه، الحديث5و7.
6 . المصدر نفسه، الحديث5و7.
7 . المصدر نفسه: الحديث 5و8.
8 . المصدر نفسه: الحديث 5و8.


(15)

د: الأمر بترقيق الثياب في صحيحة يونس بن يعقوب حيث يقول: «نعم وترقّق له الثياب».

هذه الجهات الأربع يشرف الفقيه إلى الإذعان بعدم اختصاص الحكم، بالوجه والكفّين بل الحكم أوسع من ذلك، غاية الأمر يقتصر على ما يعدّ من محاسن المرأة.

وبذلك يظهر النظر فيما اختاره المحقّق من التخصيص بالوجه والكفّين، إذ لا وجه له، سوى صحيحة هشام بن سالم قال: «لابأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوّجها». (1)

ولايخفى أنّ الحديث، على الخلاف أدلّ، لأنّ المعاصم أوسع من الكفّين إذ هي تطلق على فوق الزند الذي هو خارج عن مفهوم الكفّ.

وبذلك يعلم سرّ اختلاف لسان الروايات، فانّ الظاهر أنّ الكلّ من باب المثال والمقصود الإشارة إلى مواضع الحسن التي بها يرتفع المهر أو تشتدّ العلاقة أو تقلّ أو غير ذلك.

فلا معارضة بين ما خصّ الجواز بالوجه والمعاصم، وبين ما خصّه بالوجه والخلف أو خصّه بالوجه والشعر لما عرفت من حديث التمثيل.

ثمّ إنّ شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ـ رحمة اللّه عليه ـ اقتصر بالموارد الواردة في الروايات قائلاً بأنّه لايصحّ تعليل الخاص بما يكون علّة للعام، فلو كان العلم مثلاً علّة لإكرام كلّ من كان متّصفاً به، لم يصحّ تعليل إكرام خصوص زيد بما هو زيد بكونه عالماً والإمام ـ عليه السّلام ـ عللّ جواز النظر إلى الوجه والمعاصم بإرادة التزويج وقال: « بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوّجها». فيعلم كونه


1 . الوسائل: 14، الباب 36، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث2.


(16)

علّة لخصوصهما دون غيرهما وإلاّ يلزم تفسير الخاص بالعام. (1)

يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على حمل الموارد في الروايات على التحديد فيرد عليه ما ذكره، وأمّا إذا حملت على التمثيل، فيأبى عن كونه علّة للخصوص إذ عندئذ يكون الوجه أو المعصم عنواناً للمحاسن. والإصرار بأنّ المذكور في الروايات من باب التحديد لاالتمثيل، تدفعه العلّة المستفيضة الظاهرة في أنّها من باب التمثيل.

والحاصل أنّ الظاهر من الروايات هو النظر إلى ما يعدّ محاسن للمرأة ولها دخل في غلاء المهر وقلّته. وأمّا ما في العروة من أنّه لايبعد جواز النظر إلى سائر جسدها ما عدا عورتها، فإثباته بالدليل مشكل. بل اللازم الاقتصار بمواضع الحسن. هذا كلّه حول المقدار.

وأمّا المقام الثاني: أعني الكيفية، فلاتتجاوز عمّا هو المتعارف في ذلك المجال، من لبس الثياب والجورب ولها ترقيق الثياب، على الوجه المألوف بينهم.كما في صحيحة يونس بن يعقوب. والاكتفاء على المتعارف في باب الكيفية، هو الأحوط.

المسألة الثانية:

في النظر إلى نساء أهل الذمّة وشعرهن

هذا هو التخصيص الثاني تعرّض له الأصحاب في المقام ولم نجدها معنونة في كتب غيرهم وما نقله العلاّمة في المختلف عن الخلاف أنّه قال: «لابأس بالنظر إلى نساء أهل الكتاب وشعورهن لأنّهنّ بمنزلة الإماء» لم نجده فيه وهو قريب ممّا


1 . النكاح لشيخ مشايخنا العلاّمة الحائري بقلم تلميذه الجليل الشيخ محمود الآشتياني ـ قدّس سرّهماـ ، ص3.


(17)

ذكره الشيخ في النهاية والعبارة المنقولة أنسب بسياق النهاية لاالخلاف كما هو واضح لمن مارسهما».(1)

وقال في المقنعة:«لابأس بالنظر إلى وجوه نساء أهل الكتاب وشعورهن لأنّهنّ بمنزلة الإماء ولايجوز النظر إلى ذلك منهنّ لريبة» وعلى ذلك جرى الأصحاب في كتبهم، ما عدا ابن إدريس فلم يجوّز النظر تمسّكاً بالعمومات، واستقر به العلاّمة في المختلف، وحكى في الحدائق الجواز عنه في باقي كتبه.

استدلّ ابن إدريس بقوله سبحانه:«قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ»(2) وقوله تعالى: «لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ» (3) والآية الأُولى عام يتوقّف التمسك بها على عدم ورود التخصيص عليها في السنّة، والقائلون بالجواز يدّعونه، والآية الثانية لاصلة لها بالمقام، والمراد من الأزواج هو الأصناف، أي الأصناف من الكفّار إذا كان مفعولاً، لقوله تعالى:«متّعنا» ، أو أصنافاً من النعم إذا كان حالاً، والمراد لاتنظر إلى النعم التي أحاطت بهم، حسرة فانّها نعم زائلة وداثرة غير باقية نظير قوله سبحانه:«ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى»(4) والمراد من مدّ العينين هو النظر إلى كلّ ما أُوتوا من زخارف الدنيا نظراً مزدوجاً «مكرّراً» مع الحسرة والحزن.والاستدلال بها في المقام حاك عن عدم التدبّر في الآية.

أدلّة المجوّز

استدل المجوّز بوجوه:


1 . لاحظ المختلف:86، كتاب النكاح والنهاية:484.
2 . النور/30.
3 . الحجر/88.
4 . طه/131.


(18)

الأوّل: تعليل جواز النظر بأنّهنّ كالإماء فيترتّب عليهنّ كلّ مايترتّب على الإماء من جواز النظر إليها وإن لم يكن المالك راضياً، لأنّ الجواز شرعيّ لا مالكي. والظاهر من الروايات عموم المنزلة كما سيظهر وإليك ما روي في المقام.

1ـ صحيحة أبي بصير ـ يعني المرادي ـ عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن رجل له امرأة نصرانية له أن يتزوّج عليها يهودية؟ فقال: «إنّ أهل الكتاب مماليك للإمام، وذلك موسّع منّا عليكم خاصّة فلابأس أن يتزوّج»، قلت: فإنّه تزوّج عليهما أمة؟ قال: «لايصلح له أن يتزوّج ثلاث إماء، فإن تزوّج عليهما حرّة مسلمة ولم تعلم أنّ له امرأة نصرانية ويهودية ثمّ دخل بها فانّ لها ما أخذت من المهر فإن شاءت أن تقيم بعد معه أقامت، وإن شاءت أن تذهب إلى أهلها ذهبت».(1)

ترى أنّه ينزّل الكتابية منزلة الإماء وظاهره عموم المنزلة وذلك من وجوه:

1ـ إنّ عدّتها عدّة الأمة.

2ـ لايجوز تزويج أمة على الكتابيتين، لعدم جواز الجمع بين ثلاثة إماء.

3ـ لايجوز تزويج الحرّة المسلمة على الكتابيتين، لأنّها بمنزلة نكاح الحرّة على الأمة. وعلى ذلك يترتّب عليه كلّ الآثار حتى جواز النظر إليها كالإماء.

2ـ صحيحة زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن نصرانية كانت تحت نصراني وطلّقها هل عليها عدّة مثل عدّة المسلمة؟فقال: «لا،لأنّ أهل الكتاب مماليك للإمام ، ألا ترى أنّهم يؤدّون الجزية كما يؤدّي العبد الضريبة إلى مواليه».(2)

والمراد من «عدّة المسلمة» هو عدّة الحرّة فنفيها يلازم كون عدّتها عدّة الأمة


1 . الوسائل:14، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1.
2 . الوسائل: 15، الباب 45من أبواب العدد، الحديث 1.


(19)

فتكون عدّتها خمسة وأربعين يوماً. والصحيحتان كافيتان في إثبات عموم المنزلة،كما لايخفى. ولأجل ذلك اعتمد عليهما المحقّق من بين روايات الباب.

الثاني: تعليل الجواز في الروايات بأنّهنّ لاينتهين إذا نهين وقد جاءت في المقام روايات:

1ـ روى الكليني عن ابن محبوب، عن عبّاد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ يقول: «لابأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج لأنّهم إذا نهوا لاينتهون».(1)

وتذكير الضمير للتجوّز والتغليب أو تطرّق التصحيف إلى الرواية: والصحيح ـ كما في الجواهر ـ : «لأنّهنّ إذا نهين لاينتهين» و يوافقه لفظ «علل الشرايع» كما سيوافيك.

والمراد من «العلوج» هو الكافر كما في المجمع وغيره من كتب اللغة.

2ـ ورواه في الفقيه بتغيير يسير «والأعراب وأهل البوادي من أهل الذمّة والعلوج».(2)

وما في الوسائل من أنّ المنقول في الفقيه متّحد مع ما في الكافي غير تامّ لما عرفت.

3ـ ورواه في العلل بنحو آخر وهو «وأهل السواد من أهل الذمّة لأنّهن إذا نهين لاينتهين».(3)

والنقل الأوّل سؤال عن مطلق أهل الذمّة، والثاني يخصه لأهل البوادي من


1 . الوسائل: 14، الباب 113، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1 وعبّاد بن صهيب، وثّقه النجاشي.
2 . الفقيه: 3/144ح 1438، باب النوادر.
3 . العلل: الباب 265، الحديث1.


(20)

أهل الذمّة لالأهل الحواضر، والثالث يخصّه لأهل السواد منهم.

وإلغاء الخصوصية بين ما ذكر وما لم يذكر ممكن بفضل التعليل الوارد في الجميع الذي يشمل جميع أهل الذمّة إلاّ إذا كانت المرأة ممّن تنتهي إذا نهيت.

والرواية موثقة، لكون عبّاد بن صهيب عامّي وثّقه النجاشي وذكر الشيخ الطوسي أيضاً أنّه عامّي، والرواية قابلة للاستناد.

الثالث: ما يدلّ على الجواز بلا تعليل وبمعناه روايات:

1ـ ما رواه النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر إلى شعورهنّ وأيديهنّ».(1) والأصحاب يعملون بروايات النوفلي والسكوني وهما ثقتان.

2ـ روى في قرب الإسناد عن السندي بن محمّد وهو ثقة عن أبي البختري، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ قال: «لابأس بالنظر إلى رؤوس نساء أهل الذمة»، وقال: «ينزل المسلمون على أهل الذمة في أسفارهم وحاجاتهم، ولاينزل المسلم على المسلم إلاّ بإذنه».(2)

والمجموع صالح لتخصيص الآية الكريمة :«يغضّوا من أبصارهم» وإن كان تخصيص الذكر الحكيم بالخبر الواحد، مشكل، لكن عرفت تضافر الروايات ولكن يجب الاقتصار على الرؤوس والأيدي مع السواعد مع عدم التلذذ والريبة كما قيّده الأصحاب والرجوع في غيرها إلى العمومات كما لايخفى.

هذا كلّه في الذميات، وأمّا نساء أهل البوادي والقرى والسافرات من النساء المسلمات اللاتي لاينتهين إذا نهين فهل يجوز النظر أخذاً بالتعليل بشرط عدم الريبة والتلذذ أو لا ؟ وجهان: أحوطهما الاجتناب.


1 . الوسائل: 14 ، الباب 112 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
2 . المصدر نفسه، الحديث 2.

Website Security Test