welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء / ج 1

نظام النكاح
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

الجزء الأوّل

تأليف
العلامة الفقيه
الشيخ جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي رغب بالنكاح، وحرّم السفاح، وأغناهم بالحلال عن الحرام. فقال عزّ من قائل: «وَ أَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَ إِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» .

والصلاّة والسلام على سفيره، ومبيّن حلاله وحرامه القائل: «من تزوّج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي» محمّد، وآله الطاهرين، حفظة سننه ونقلة آثاره الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

أمّا بعد:

فإنّ البحث عن الأحوال الشخصية الشاملة لكتب النكاح والطلاق بأقسامه واللعان والايلاء والوصية والميراث والاقرار من أهم البحوث الفقهية الّتي تدور عليها الحياة، فردية واجتماعية. وهي من المباحث الهامة الّتي لا غنى للمجتمع عنها، حتّى المجتمعات الوضعية والمادية. ولأجل ذلك قد استغرقت هذه المباحث قسماً كبيراً من الفقه الإسلامي.

وقد طلب منّي حضار بحوثي الفقهية أن أقوم بدراسة الأحوال الشخصية في فقه الإمامية أعني: النكاح والطلاق والوصية والميراث، لكثرة الابتلاء بها، ولزوم الوقوف عليها خصوصاً لمن يعمل في دوائر الأحوال الشخصية. وقد كان علماؤنا


(4)

الأبرار في العصور الماضية، مسلّطين بالأحكام الخاصّة بالأحوال الشخصية، وكانوا يجيبون أسئلة الناس على صعيد النكاح والوصية والطلاق والميراث ونحوها بلا مطالعة كتاب أو ملاحظة باب، فنزلت عند رغبتهم سائلاً من الله سبحانه التوفيق والاهتداء إلى ما هو الحقّ القويم:

وجعلت المحور للبحث كتاب الشرائع (1) للمحقّق الحلّي ـ أعلى الله مقامه ـ فقدّمت البحث عن النكاح على الطلاق، والطلاق على الميراث والفرائض، وأرجو من الله سبحانه أن يهديني إلى ما هو الصواب ويصونني عن الخطاء والزلل إنّه بذلك قدير، وبالإجابة جدير .


1 . وكان محور المحاضرة كتاب العروة الوثقى في الدورة السابقة الّتي ابتدأنا بها عام 1394 هـ. ق .


(5)

النكاح لغة وكتاباً وسنّة

هل النكاح بمعنى العقد، أو هو بمعنى الوطء أو مشترك لفظي بينهما؟

يظهر من ابن فارس في «المقاييس» أنّه بمعنى الأوّل دون الثاني ، ويظهر من «ابن منظور» في لسانه، العكس ونقل أنّه خيرة الأزهري وقبله الجوهري في صحاحه، واستشهد بأمثلة ادّعى أنّها ظاهرة في الوطء وهومختار الجواهر، وقال في الأخير:

ومن الغريب، دعوى عدم شيوع استعمال النكاح بمعنى الوطء في لسان الشرع، فإنّ ملاحظة الأخبار النبوية فضلاً عن غيرها الواردة في النكاح والمرغّبة فيه باعتبار النسل ونحوه ممّا لا يراد منه إلاّ معنى الوطء، أقوى شاهد على بطلانها.(1)

إنّ استعمال النكاح ـ في اللغة والشرع ـ في الوطء موضع تأمّل، لأنّ الموارد الّتي احتجّ بها صاحب اللسان على الاستعمال فيه قابل للتفسير بالعقد أيضاً فلاحظ، كما أنّ ما احتجّ به صاحب الجواهر على استعماله فيه شرعاً لايثبت كونه فيها بمعنى الوطء لكفاية الاستعمال في الأمر الاعتباري سبباً أو مسبباً في أداء ما يرميه الشارع من الأمر بالنكاح أعني: صيانة النفس وكثرة النسل حتّى في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« تناكحوا تكثروا فإنّي أُباهي بكم الأُمم يوم القيامة ولو بالسقط».(2) وذلك لأنّ العقد والتزويج ينتهيان ـ طبعاً ـ إلى الوطء الملازم للصيانة وكثرة النسل. على أنّ الوارد في أكثر الروايات هو التزويج لا لفظ النكاح.


1 . الجواهر : 29/7ـ 8.
2 . البحار:103/220.


(6)

أضف إليه: ما ذكره الراغب: «أنّه محال أن يكون في الأصل للجماع ثمّ استعير للعقد، وذلك لأنّ أسماء الجماع كلّها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، ومحال أن يستعير من لايقصد فحشاً اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه».(1)

وقد جاءت مادة النكاح بالصيغ المختلفة في الذكر الحكيم بما يناهز ثلاثة وعشرين مورداً ولم يستعمل في مورد بمعنى الوطء حتّى في قوله سبحانه :«فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» (2) فإنّ شرطية الوطء علمت من النصّ لا من الآية. ولو كانت اللفظة حقيقة في الوطء لكان استعمالها في غيره مجازاً محتاجاً إلى القرينة وكونها مشتركة بين المعنيين لاتغنيها عن القرينة المعيّنة أيضاً.

والظاهر كونه حقيقة في المعنى الاعتباري الدارج بين العقلاء سبباًومسبباً من العقد والزواج، ويؤيّده قوله سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ» (3) فالمراد هو العقد والزواج بالمعنى المسبّبي دون الوطء، بقرينة قوله تعالى: «مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ» . فيعلم أنّ «النكاح» قد يكون مع المس وقد يكون بدونه.

والظاهر من بعض الآيات استعماله في المعنى المسببي للعقد مثل قوله سبحانه:«وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ ».(4) أي لاتعقدوا عقدة النكاح حتّى تنقضي العدة. وقوله سبحانه: (إلاّ أنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» (5) فإنّ إضافة العقدة إلى النكاح تعرب عن كونه موضوعاً


1 . مفردات الراغب:526،مادة النكاح، ط دار الكتب.
2 . البقرة/230.
3 . الأحزاب/49.
4 . البقرة/235.
5 . البقرة/237.


(7)

لمسبّبه وهو المنُشأ به.

فاتّضح بذلك: أنّه ليست للفظة النكاح حقيقة شرعية بل هي مستعملة في الكتاب والسنّة بما لها من المعنى لغة وعرفا،ً فلو شكّ في جزئية شيء أو شرطيته للنكاح يصحّ التمسك بالإطلاقات الواردة في الكتاب والسنّة لو كانت صالحة له كما إذا كانت في مقام البيان.

إذا وقفت على معنى النكاح لغة وكتاباً وسنّة فاعلم أنّ كتابنا هذا يشتمل على فصول:


(8)


(9)

الفصل الأوّل:

في أحكام النظر

وفيها مسائل:

1ـ النظر إلى المرأة عند الخطبة.

2ـ النظر إلى نساء أهل الذمّة وشعرهنّ.

3ـ نظر كل من الرجل والمرأة إلى مثله.

4ـ كشف المسلمة بين يدي الكافرة.

5ـ اشتباه من يجوز النظر إليه بغيره.

6ـ نظر الرجل إلى الأجنبية.

7ـ النظر إلى الوجه والكفّين منها.

8ـ نظر المرأة إلى الرجل.

9ـ النظر إلى المرأة في موارد الضرورة.

10ـ النظر إلى القواعد من النساء.

11ـ حكم الصبي والصبية من جهات.

12ـ صوت الأجنبية ومصافحتها.

خاتمة المطاف في الخنثى المشكل.


(10)


(11)

أحكام النظر

المسألة الأُولى :

في جواز النظر إلى المرأة عند الخطبة

إنّ القول بجواز النظر إلى المرأة عند الخِطْبة ، يعدّ تخصيصاً في أدلّة حرمة النظر إلى الأجنبية، وله نظائر كنظر الطبيب والشاهد. وإنّما يصحّ عدّه تخصيصاً إذا لم نقل بجواز النظر إلى الوجه والكفّين مطلقاً حتّى يكون الحكم بالجواز في المقام استثناءً بالنسبة إليه، أو قلنا بالجواز هناك أيضاً لكن مرّة واحدة لا مرّات، بخلاف المقام فيجوز تكرار النظر حتّى يحصل المطلوب وهو الوقوف على محاسنها ومعايبها.

والمسألة معنونة في فقه الفريقين، قال الشيخ الطوسي في الخلاف:يجوز النظر إلى امرأة أجنبية يريد أن يتزوّجها إذا نظر إلى ما ليس بعورة فقط، وبه قال أبوحنيفة ومالك والشافعي إلاّ أنّ عندنا وعند مالك والشافعي أنّ ما ليس بعورة : الوجه والكفّان فحسب، وعن أبي حنيفة روايتان: أحدهما مثل ما قلناه، والثانية: والقدمان أيضاً، وقال المغربي: لا يجوز أن ينظر إليها ولا إلى شيء منها أصلاً، وقال داود: ينظر إلى كلّ شيء من بدنها وإن تعرّت.(1)

والظاهر أنّ أصل الجواز أمر مفروغ عنه وإنّما الخلاف في مقامين:

الأوّل: في تحديد ما يجوز النظر إليها من أعضائها.


1 . الخلاف: 2/357، كتاب النكاح، المسألة 3 .


(12)

الثاني: في كيفية النظر مع الثياب أو بدونها.

أمّا المقام الأوّل: فجوّز الشيخ النظر إلى ما ليس بعورة وفسّره في الخلاف بالوجه والكفّين، واختار في النهاية جواز النظر إلى المحاسن عامة قال:

«ولابأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة يريد العقد عليها، وينظر إلى محاسنها: يديها ووجهها. ويجوز أن ينظر إلى مشيها وإلى جسدها من فوق ثيابها».(1)

ولم يعنون المسألة من القدماء غير الشيخ. وليس في الكافي (لأبي الصلاح)، ولاالمهذّب (لابن البرّاج)، ولاالوسيلة (لابن حمزة )من المسألة أثر.

قال المحقّق: يجوز أن ينظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها وإن لم يستأذنها. وقال في الجواهر في شرح العبارة:«لاخلاف بين المسلمين في الجواز بل الإجماع بقسميه عليه».(2) وقال العلاّمة في التذكرة:«لا نعلم خلافاً بين العلماء في أنّه يجوز لمن أراد التزويج بامرأة أن ينظر إلى وجهها وكفّيها مكرّراً».(3)

وقال السيد الاصفهاني:« يجوز لمن يريد تزويج امرأة أن ينظر إليها...على وجهها وكفّيها ومحاسنها».(4) هذا لدى الأصحاب وأمّا غيرهم:

قال ابن رشد القرطبي: «وأمّا النظر إلى المرأة عند الخطبة فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفّين فقط، وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين، ومنع ذلك قوم على الإطلاق، وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفّين».(5)


1 . النهاية:484 ،كتاب النكاح.
2 . الجواهر: 29/63.
3 . التذكرة: 2، كتاب النكاح، المقدمة الثانية في النظر.
4 . وسيلة النجاة:2/305 ط. طهران منشورات مكتبة الصدر.
5 . بداية المجتهد: 2/3، كتاب النكاح.


(13)

وقال ابن قدامة: «ومن أراد أن يتزوّج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها».(1)

ثمّ إنّ لسان الأحاديث الواردة في المقام بين: مطلق ومقيّد، بوجهها ومعاصمها، أو خلفها ووجهها، أو شعرها ومحاسنها، أو خصوص شعرها أو محاسنها فقط. والذي يقتضي التحقيق، هو عدم اختصاصه بهما.(2) ويمكن استفادة ذلك من وجوه:

أ : التعليل المستفيض الوارد في عدّة من الروايات:

1ـ صحيحة أبي أيّوب الخزاز (وهو إبراهيم بن عثمان أو ابن عيسى الثقة) عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أينظر إليها؟ قال: «نعم إنّما يشتريها بأغلى الثمن».(3)

2ـ صحيحة يونس بن يعقوب (البجلي الثقة) قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : الرجل يريد أن يتزوّج المرأة يجوز له أن ينظر إليها؟ قال: «نعم وترقِّق له الثياب لأنّه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن». (4)

3ـ موثقة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه عن عليّ ـ عليه السّلام ـ في رجل ينظر إلى محاسن امرأة يريد أن يتزوّجها؟ قال: «لابأس إنّما هو مستام فإن يُقضَ أمر يكون».(5)

4ـ خبر الحكم بن مسكين، عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ :


1 . المغني: 7/17، كتاب النكاح.
2 . أي بالوجه والكفّين.
3 . الوسائل:14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، والعجب أنّ صاحب الجواهر عبر عنه «بخبر محمّد بن مسلم» مع أنّه صحيحة.
4 . المصدر نفسه، الحديث 11، 8.
5 . المصدر نفسه، الحديث 11، 8.


(14)

الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أينظر إلى شعرها؟فقال: «نعم إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن».(1)

5ـ خبر مسعدة بن اليسع الباهلي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لابأس أن ينظر الرجل إلى محاسن المرأة قبل أن يتزوّجها فإنّما هو مستام، فإن يقضَ أمر يكون».(2)

6ـ مرسلة معلّى بن محمّد عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : أنّه سأله عن الرجل ينظر إلى المرأة قبل أن يتزوّجها؟ قال: «نعم فَلِمَ يعطي ماله». (3)

7ـ مرسلة (المجازات النبويّة) عنه ـ عليه السّلام ـ أنّه قال للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأة: «لو نظرت إليها فانّه أحرى أن يؤدم بينكما». (4)

فانّ التعليل المستفيض ـ كما عرفت ـ يقتضي جواز النظر فيما هو دخيل في ارتفاع الثمن وانخفاضه ودوام العيش.والسؤال في خبر الحكم وإن كان عن الشعر لكن العلّة تعمّم الحكم.

ب: التصريح بجواز النظر إلى الشعر في مرسلة (عبد اللّه بن الفضل) (5) وخبر (عبد اللّه بن سنان)(6) ففي الأوّل قال ـ عليه السّلام ـ : «لابأس بالنظر إلى شعرها ومحاسنها، إذا لم يكن متلذذاً»، وفي الثاني :«نعم إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن» ـ بعد السؤال عن النظر إلى شعرها ـ وهما وإن كانـا خبرين لكن يصلحان للتأييد.

ج : وقد ورد جواز النظر إلى المحاسن في موثقة غياث بن إبراهيم (7) وخبر عبد اللّه بن الفضل (8) وهو يعمّ كلّ ما يعدّ موضع الحسن.


1 . االوسائل:14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7، 12، 4، 13.
2 . االوسائل:14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7، 12، 4، 13.
3 . االوسائل:14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7، 12، 4، 13.
4 . االوسائل:14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7، 12، 4، 13.
5 . المصدر نفسه، الحديث5و7.
6 . المصدر نفسه، الحديث5و7.
7 . المصدر نفسه: الحديث 5و8.
8 . المصدر نفسه: الحديث 5و8.


(15)

د: الأمر بترقيق الثياب في صحيحة يونس بن يعقوب حيث يقول: «نعم وترقّق له الثياب».

هذه الجهات الأربع يشرف الفقيه إلى الإذعان بعدم اختصاص الحكم، بالوجه والكفّين بل الحكم أوسع من ذلك، غاية الأمر يقتصر على ما يعدّ من محاسن المرأة.

وبذلك يظهر النظر فيما اختاره المحقّق من التخصيص بالوجه والكفّين، إذ لا وجه له، سوى صحيحة هشام بن سالم قال: «لابأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوّجها». (1)

ولايخفى أنّ الحديث، على الخلاف أدلّ، لأنّ المعاصم أوسع من الكفّين إذ هي تطلق على فوق الزند الذي هو خارج عن مفهوم الكفّ.

وبذلك يعلم سرّ اختلاف لسان الروايات، فانّ الظاهر أنّ الكلّ من باب المثال والمقصود الإشارة إلى مواضع الحسن التي بها يرتفع المهر أو تشتدّ العلاقة أو تقلّ أو غير ذلك.

فلا معارضة بين ما خصّ الجواز بالوجه والمعاصم، وبين ما خصّه بالوجه والخلف أو خصّه بالوجه والشعر لما عرفت من حديث التمثيل.

ثمّ إنّ شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ـ رحمة اللّه عليه ـ اقتصر بالموارد الواردة في الروايات قائلاً بأنّه لايصحّ تعليل الخاص بما يكون علّة للعام، فلو كان العلم مثلاً علّة لإكرام كلّ من كان متّصفاً به، لم يصحّ تعليل إكرام خصوص زيد بما هو زيد بكونه عالماً والإمام ـ عليه السّلام ـ عللّ جواز النظر إلى الوجه والمعاصم بإرادة التزويج وقال: « بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوّجها». فيعلم كونه


1 . الوسائل: 14، الباب 36، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث2.


(16)

علّة لخصوصهما دون غيرهما وإلاّ يلزم تفسير الخاص بالعام. (1)

يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على حمل الموارد في الروايات على التحديد فيرد عليه ما ذكره، وأمّا إذا حملت على التمثيل، فيأبى عن كونه علّة للخصوص إذ عندئذ يكون الوجه أو المعصم عنواناً للمحاسن. والإصرار بأنّ المذكور في الروايات من باب التحديد لاالتمثيل، تدفعه العلّة المستفيضة الظاهرة في أنّها من باب التمثيل.

والحاصل أنّ الظاهر من الروايات هو النظر إلى ما يعدّ محاسن للمرأة ولها دخل في غلاء المهر وقلّته. وأمّا ما في العروة من أنّه لايبعد جواز النظر إلى سائر جسدها ما عدا عورتها، فإثباته بالدليل مشكل. بل اللازم الاقتصار بمواضع الحسن. هذا كلّه حول المقدار.

وأمّا المقام الثاني: أعني الكيفية، فلاتتجاوز عمّا هو المتعارف في ذلك المجال، من لبس الثياب والجورب ولها ترقيق الثياب، على الوجه المألوف بينهم.كما في صحيحة يونس بن يعقوب. والاكتفاء على المتعارف في باب الكيفية، هو الأحوط.

المسألة الثانية:

في النظر إلى نساء أهل الذمّة وشعرهن

هذا هو التخصيص الثاني تعرّض له الأصحاب في المقام ولم نجدها معنونة في كتب غيرهم وما نقله العلاّمة في المختلف عن الخلاف أنّه قال: «لابأس بالنظر إلى نساء أهل الكتاب وشعورهن لأنّهنّ بمنزلة الإماء» لم نجده فيه وهو قريب ممّا


1 . النكاح لشيخ مشايخنا العلاّمة الحائري بقلم تلميذه الجليل الشيخ محمود الآشتياني ـ قدّس سرّهماـ ، ص3.


(17)

ذكره الشيخ في النهاية والعبارة المنقولة أنسب بسياق النهاية لاالخلاف كما هو واضح لمن مارسهما».(1)

وقال في المقنعة:«لابأس بالنظر إلى وجوه نساء أهل الكتاب وشعورهن لأنّهنّ بمنزلة الإماء ولايجوز النظر إلى ذلك منهنّ لريبة» وعلى ذلك جرى الأصحاب في كتبهم، ما عدا ابن إدريس فلم يجوّز النظر تمسّكاً بالعمومات، واستقر به العلاّمة في المختلف، وحكى في الحدائق الجواز عنه في باقي كتبه.

استدلّ ابن إدريس بقوله سبحانه:«قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ»(2) وقوله تعالى: «لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ» (3) والآية الأُولى عام يتوقّف التمسك بها على عدم ورود التخصيص عليها في السنّة، والقائلون بالجواز يدّعونه، والآية الثانية لاصلة لها بالمقام، والمراد من الأزواج هو الأصناف، أي الأصناف من الكفّار إذا كان مفعولاً، لقوله تعالى:«متّعنا» ، أو أصنافاً من النعم إذا كان حالاً، والمراد لاتنظر إلى النعم التي أحاطت بهم، حسرة فانّها نعم زائلة وداثرة غير باقية نظير قوله سبحانه:«ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى»(4) والمراد من مدّ العينين هو النظر إلى كلّ ما أُوتوا من زخارف الدنيا نظراً مزدوجاً «مكرّراً» مع الحسرة والحزن.والاستدلال بها في المقام حاك عن عدم التدبّر في الآية.

أدلّة المجوّز

استدل المجوّز بوجوه:


1 . لاحظ المختلف:86، كتاب النكاح والنهاية:484.
2 . النور/30.
3 . الحجر/88.
4 . طه/131.


(18)

الأوّل: تعليل جواز النظر بأنّهنّ كالإماء فيترتّب عليهنّ كلّ مايترتّب على الإماء من جواز النظر إليها وإن لم يكن المالك راضياً، لأنّ الجواز شرعيّ لا مالكي. والظاهر من الروايات عموم المنزلة كما سيظهر وإليك ما روي في المقام.

1ـ صحيحة أبي بصير ـ يعني المرادي ـ عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن رجل له امرأة نصرانية له أن يتزوّج عليها يهودية؟ فقال: «إنّ أهل الكتاب مماليك للإمام، وذلك موسّع منّا عليكم خاصّة فلابأس أن يتزوّج»، قلت: فإنّه تزوّج عليهما أمة؟ قال: «لايصلح له أن يتزوّج ثلاث إماء، فإن تزوّج عليهما حرّة مسلمة ولم تعلم أنّ له امرأة نصرانية ويهودية ثمّ دخل بها فانّ لها ما أخذت من المهر فإن شاءت أن تقيم بعد معه أقامت، وإن شاءت أن تذهب إلى أهلها ذهبت».(1)

ترى أنّه ينزّل الكتابية منزلة الإماء وظاهره عموم المنزلة وذلك من وجوه:

1ـ إنّ عدّتها عدّة الأمة.

2ـ لايجوز تزويج أمة على الكتابيتين، لعدم جواز الجمع بين ثلاثة إماء.

3ـ لايجوز تزويج الحرّة المسلمة على الكتابيتين، لأنّها بمنزلة نكاح الحرّة على الأمة. وعلى ذلك يترتّب عليه كلّ الآثار حتى جواز النظر إليها كالإماء.

2ـ صحيحة زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن نصرانية كانت تحت نصراني وطلّقها هل عليها عدّة مثل عدّة المسلمة؟فقال: «لا،لأنّ أهل الكتاب مماليك للإمام ، ألا ترى أنّهم يؤدّون الجزية كما يؤدّي العبد الضريبة إلى مواليه».(2)

والمراد من «عدّة المسلمة» هو عدّة الحرّة فنفيها يلازم كون عدّتها عدّة الأمة


1 . الوسائل:14، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1.
2 . الوسائل: 15، الباب 45من أبواب العدد، الحديث 1.


(19)

فتكون عدّتها خمسة وأربعين يوماً. والصحيحتان كافيتان في إثبات عموم المنزلة،كما لايخفى. ولأجل ذلك اعتمد عليهما المحقّق من بين روايات الباب.

الثاني: تعليل الجواز في الروايات بأنّهنّ لاينتهين إذا نهين وقد جاءت في المقام روايات:

1ـ روى الكليني عن ابن محبوب، عن عبّاد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ يقول: «لابأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج لأنّهم إذا نهوا لاينتهون».(1)

وتذكير الضمير للتجوّز والتغليب أو تطرّق التصحيف إلى الرواية: والصحيح ـ كما في الجواهر ـ : «لأنّهنّ إذا نهين لاينتهين» و يوافقه لفظ «علل الشرايع» كما سيوافيك.

والمراد من «العلوج» هو الكافر كما في المجمع وغيره من كتب اللغة.

2ـ ورواه في الفقيه بتغيير يسير «والأعراب وأهل البوادي من أهل الذمّة والعلوج».(2)

وما في الوسائل من أنّ المنقول في الفقيه متّحد مع ما في الكافي غير تامّ لما عرفت.

3ـ ورواه في العلل بنحو آخر وهو «وأهل السواد من أهل الذمّة لأنّهن إذا نهين لاينتهين».(3)

والنقل الأوّل سؤال عن مطلق أهل الذمّة، والثاني يخصه لأهل البوادي من


1 . الوسائل: 14، الباب 113، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1 وعبّاد بن صهيب، وثّقه النجاشي.
2 . الفقيه: 3/144ح 1438، باب النوادر.
3 . العلل: الباب 265، الحديث1.


(20)

أهل الذمّة لالأهل الحواضر، والثالث يخصّه لأهل السواد منهم.

وإلغاء الخصوصية بين ما ذكر وما لم يذكر ممكن بفضل التعليل الوارد في الجميع الذي يشمل جميع أهل الذمّة إلاّ إذا كانت المرأة ممّن تنتهي إذا نهيت.

والرواية موثقة، لكون عبّاد بن صهيب عامّي وثّقه النجاشي وذكر الشيخ الطوسي أيضاً أنّه عامّي، والرواية قابلة للاستناد.

الثالث: ما يدلّ على الجواز بلا تعليل وبمعناه روايات:

1ـ ما رواه النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر إلى شعورهنّ وأيديهنّ».(1) والأصحاب يعملون بروايات النوفلي والسكوني وهما ثقتان.

2ـ روى في قرب الإسناد عن السندي بن محمّد وهو ثقة عن أبي البختري، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ قال: «لابأس بالنظر إلى رؤوس نساء أهل الذمة»، وقال: «ينزل المسلمون على أهل الذمة في أسفارهم وحاجاتهم، ولاينزل المسلم على المسلم إلاّ بإذنه».(2)

والمجموع صالح لتخصيص الآية الكريمة :«يغضّوا من أبصارهم» وإن كان تخصيص الذكر الحكيم بالخبر الواحد، مشكل، لكن عرفت تضافر الروايات ولكن يجب الاقتصار على الرؤوس والأيدي مع السواعد مع عدم التلذذ والريبة كما قيّده الأصحاب والرجوع في غيرها إلى العمومات كما لايخفى.

هذا كلّه في الذميات، وأمّا نساء أهل البوادي والقرى والسافرات من النساء المسلمات اللاتي لاينتهين إذا نهين فهل يجوز النظر أخذاً بالتعليل بشرط عدم الريبة والتلذذ أو لا ؟ وجهان: أحوطهما الاجتناب.


1 . الوسائل: 14 ، الباب 112 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
2 . المصدر نفسه، الحديث 2.


(21)

المسألة الثالثة:

في نظر كلّ من الرجل والمرأة إلى مثله

يجوز أن ينظر الرجل إلى مثله ما خلا عورته شيخاً كان أو شابّاً، حسناً كان أو قبيحاً مالم يكن النظر لريبة أو تلذذ وكذا المرأة(1) والمسألة من ضروريات الفقه وقد استمرّ عليه عمل المسلمين في الأعصار، وتدلّ عليه روايات الحمّام، حيث خصّ ما يلزم ستره، بالعورة.

روى حريز عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لاينظر الرجل إلى عورة أخيه».(2)

والاختلاف إنّما هو في معنى العورة فهل هي السوأتان، أو بين السرة والركبة لا في غيرها؟

هذا من غير فرق بين كونه شيخاً أو شاباً، وفي الشاب بين الأمرد والملتحي إذا تجرّد عن التلذذ والريبة.

نعم روى ابن قدامة عن الشعبي قال:«قدم وفد عبد القيس على النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وراء ظهره».(3)

وبما أنّه لم يأمره بالاحتجاب يستكشف أنّ الأمر كان للتعفف الشديد غير البالغ حدّ الوجوب.

وأمّا النظر إلى المثل عن تلذذ وريبة، فخارج عن منصرف الدليل. والمراد من


1 . الشرائع:163، كتاب النكاح.
2 . الوسائل:1، الباب 3 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 1، ولاحظ الأحاديث 2ـ5 من هذا الباب.
3 . المغني: 7/26.


(22)

التلذذ: هو النظر الموجب لهيجان الشهوة ومادّة الجماع ، وأمّا التلذذ الطبيعي الذي يحصل لكلّ إنسان عادي كالحاصل من النظر إلى المناظر الطبيعية الزاهرة، فليس بمحرم. فما في الجواهر من الحكم بالتسوية بينهما وأنّ التفريق من الشيطان ومصائده فلم يعلم كنهه، والإنسان على نفسه بصيرة. وهل يحتمل أحد أن يكون نظر الوالدين إلى أولادهما مع جمال الخلقة، حراماً؟!

المسألة الرابعة:

كشف المسلمة بين يدي الكافرة

يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف رأسها للكافرة ويجوز دخول الحمام معها وعليه استمرّت السيرة غير أنّ المنقول عن الشيخ عدم الجواز في أحد قوليه تمسّكاً بقوله سبحانه:«وَ لايُبْدينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَني إخْوانِهِنَّ أَوْ بَني أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ» .(1) قائلاً بأنّ الذمّية ليست منهنّ.

يلاحظ عليه: أنّ في قوله «أو نسائهنّ» عدّة احتمالات:

1ـ المراد: مطلق النساء والهدف استثناء الجنس المماثل، ويكفي في الإضافة أدنى الملابسة ككونهم متجانسين ومتماثلين وعندئذ يكون المراد من الجملة التالية: «أو ما ملكت أيمانهنّ» هو العبيد وإنّما عبّر بصيغة الإضافة لحفظ سياق الآية فانّ الكلمات فيها مضافة إلى الضمير ،مثل آبائهنّ وأبنائهنّ.

2ـ المراد: الحرائر من النساء و أمّا الإماء فهي داخلة في قوله:«أو ما ملكت أيمانهنّ» .

3ـ المراد: المؤمنات من النساء وملاك الإضافة هو الإيمان.


1 . النور/31.


(23)

4ـ المراد: النساء اللاتي لهنّ المعاشرة من الأقوام والجيران، دون غيرهن.

لاوجه للرابع ولم يقل به أحد. وأمّا الثالث، فلو صحّ فإنّما هو لأجل إضافة النساء إلى المؤمنات (1) ، فيلزم أن يكون المضاف مؤمناً كالمضاف إليه، ولكنّه غير صحيح وإلاّ يلزم تخصيص الآباء والأبناء وغيرهم في قوله:«أو آبائهنّ...» بالمؤمن منهم لإضافتها إلى المؤمنات مثل النساء وهو كما ترى، لأنّه ينتج حرمة ابداء الزينة للأب الكافر مع كون البنت مسلمة. على أنّ التزام بالوجه الثالث بعيد لكثرة معاشرة النساء المؤمنات مع الكتابيات في عصر الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ وكان قسم منهنّ في خدمة بيوتهم. فبقي الاحتمالان وعلى كلا التقديرين يثبت المطلوب. نعم في صحيحة حفص ابن البختري كراهة الكشف حيث روى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لاينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية فإنّهنّ يصفن ذلك لأزواجهنّ» (2) ولابأس بالقول بها في حدّ الكراهة في مظنّة التوصيف لا مطلقاً.

بقي في المقام فرعان:

1ـ نظر الزوج إلى الزوجة وبالعكس.
2ـ النظر إلى المحارم.

وإليك البيان:

أمّا نظر الزوج إلى الزوجة وبالعكس فجائز بالضرورة، فللرجل أن ينظر إلى جسد زوجته باطناً وظاهراً وكذا المرأة ـ بتلذذ وغيره ـ،مضافاً إلى ما تضافر من الروايات من جواز نظر الرجل إلى امرأته وهي عريانة وكراهة النظر إلى الفرج حين الجماع لأنّه يورث العمى كما أنّ التكلّم يورث الخرس في الولد.(3)


1 . لأنّ الضمير في «نسائهنّ» يرجع إلى المؤمنات الواردة في صدر الآية: «قل للمؤمنات».
2 . الوسائل: 14، الباب 98 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
3 . المصدر نفسه، الباب 59 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6.


(24)

ويمكن ادّعاء الكراهة مطلقاً في حال الجماع وغيره لأنّ القرآن يعبّر عن العورة بالسوأة ويقول:«فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا ما وُرِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْءاتِهِما» .(1)

وأمّا النظر إلى المحارم والمراد منها من يحرم عليه نكاحهنّ نسباً أو رضاعاً أو مصاهرة أو ملكاً، فيجوز للرجل النظر إليها ما عدا العورة والأولى الاكتفاء بما لا يستر عادة عند المحارم ولا خلاف في الجواز، بشرط عدم التلذذ والريبة لأنّه القدر المتيقن من السيرة .ولكن لا ملازمة بين كونها من المحارم بمعنى حرمة نكاحها وجواز النظر، فانّ أُخت الزوجة يحرم نكاحها ولا يجوز النظر إليها وعلى ذلك فليس كلّ من يحرم نكاحها يجوز النظر إليها، فلأجل ذلك لابدّ من التعرّف عليها بدليل آخر.

المسألة الخامسة:

فيما إذا اشتبه من يجوز النظر إليه بغيره

إذا اشتبه من يجوز النظر إليه فهنا صور:

الأُولى: إذا اشتبه بالشبهة المحصورة وجب الاجتناب عن الجميع لمنجّزية العلم الإجمالي.

ومثله إذا اشتبه من يجب التستّر عنه بين من لا يجب، فيجب التستّر عن الجميع والأمثلة واضحة.

وإن كانت الشبهة غير محصورة أو بدئيّة فلها صور:

1ـ إذا شكّ في كونه مماثلاً للناظر أو لا.

2ـ إذا علم أنّه امرأة وشكّ في كونها من المحارم النسبية.


1 . الأعراف/20.


(25)

3ـ إذا علم أنّه امرأة وشكّ في كونها من المحارم السببية كالزوجة.

4ـ إذا علم أنّه امرأة وشكّ في كونها من المحارم الرضاعية.

فذهب المشهور إلى حرمة النظر أو وجوب التستر في الجميع وعلّل بوجوه:

الأوّل: التمسّك بعموم العام أي عموم وجوب الغضّ على الرجال إلاّ من المحارم النسبية والسببية، وعلى النساء إلاّ من نسائهن والرجال المذكورين في الآية، فكلّ فرد علم خروجه منه بعد التخصيص يؤخذ به وإلاّ فيبقى تحت العام، فإذا شكّ في كون فرد من مصاديق تلك العناوين يتمسّك بالعام حتّى يثبت خروجه.

يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على القول بصحّة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصِّص وقد تبيّن بطلانه.

وحاصله: أنّ التقييد بالمنفصل، كالتقييد بالمتصل. فالتقييد على كل حال يجعل الموضوع مركّباً من شيئين: ظاهراً كما في المقيّد المتّصل، أو لبّاً كما في المنفصل فإذا قلت:أكرم العالم العادل، أو قال: أعتق رقبة ولاتعتق رقبة كافرة، يكون الموضوع أمراً مركّباً من شيئين فلايكفي كون الرجل عالماً أو عبداً، بل يجب إحراز كلا القيدين والتخصيص بالمنفصل وإن لم يجعل الموضوع مركّباً من شيئين ظاهراً لكنّه يجعل العام حجّة في غير عنوان الخاص، فإذا قال المولى: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، فالموضوع حسب اللفظ وحسب الإرادة الاستعمالية هي العلماء لكن العام ليس حجّة فيه. بل حجّة فيه فيما لايصدق عليه عنوان الخاص(الفاسق).

وإلى هذا يرجع ما ذكره المحقق الخراساني في كفايته حيث قال:

«إنّ الخاص وإن لم يكن دليلاً في الفرد المشتبه فعلاً إلاّ أنّه يوجب اختصاص حجّية العام في غير عنوانه من الأفراد فيكون «أكرم العلماء» دليلاً


(26)

وحجّة في العالم غير الفاسق .فالمصداق المشتبه وإن كان مصداقاً للعام بلاكلام إلاّ أنّه لم يعلم أنّه من مصاديقه بما هو حجّة لاختصاص حجّيته بغير الفاسق».(1)

فنقول في المقام: إنّ قوله سبحانه:«قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ» (2) على فرض عمومه لكلّ إنسان مماثل أو غير مماثل، خصّ بالدليل المنفصل وخرج عنه المماثل، فالآية حجّة في الإنسان غير المماثل، وأحد الجزئين وإن أُحرز بالوجدان لكن الجزء الثاني أي كونه غير مماثل بعد غير محرز، وكون الموضوع في الآية مطلق الإنسان وهو محرز لايكفي في التمسك بها، لأنّها ليست حجّة في موضوعه الأعم بعد التخصيص وإنّما هو حجّة في غير عنوان المخصص وهو ـ عدم عنوان المخصص ـ بعد لم يحرز.

على أنّه يمكن أن يقال: إنّ موضوع العام بعدُ غير محرز، إذ ليس موضوعه مطلق الإنسان، خرج عنه المماثل حتّى يكون المورد ـ المشتبه من حيث التماثل وعدمه ـ من قبيل الشبهة المصداقية للمخصص مع إحراز موضوع العام، بل الموضوع هو الجنس المخالف وغير المماثل، فإذا قيل للرجال: غضّوا أبصاركم، لايفهم منه إلاّ الغضّ عن النساء، وإذا قيل للنساء: غضنَ أبصاركنّ، لا يفهم منه إلاّ الغضّ عن الرجل والقرينة الحالية خصصت العامين بالجنس المخالف، فلو شكّ في كون المنظور إليه مماثلاً أو لا فهو شكّ في تحقّق نفس موضوع العام.

وربّما يتوهّم من وجود العموم في الآيتين وأنّ الموضوع هو الإنسان بقرينة إخراج النساء بقوله سبحانه:«أو نسائهنّ» ولكنّه مدفوع بأنّ قوله : «أونسائهنّ» ليس راجعاً إلى الغضّ حتّى يكون مخصِّصاً بالنسبة إليه، بل هو راجع إلى إظهار الزينة فلاحظ قوله سبحانه:«وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ


1 . الكفاية: 1/342ـ343، طبعة المشكيني.
2 . النور/30.


(27)

أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُروُجَهُنَّ وَلايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَ لايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ ... أَوْ نِسائِهِنَّ» .(1)

نعم يكون الشكّ في غير «الغضّ» أعني: الأفعال المعطوفة عليها، شكّ في الشبهة المصداقية للمخصّص لأنّ الموضوع فيها هو الإنسان، وبما أنّه محرز والشكّ في صدق عنوان المخصّص فيكون الشكّ فيها من قبيل الشكّ في الشبهة المصداقية للمخصّص، لاللعام كما في الغضّ ،على البيان المذكور أخيراً.

الثاني: التمسك بقاعدة المقتضي والمانع، والفرق بينها وبين قاعدة الاستصحاب هو أنّه لو كان الشكّ متعلّقاً ببقاء ما تعلّق به اليقين، كما إذا شكّ في الطهارة بعد اليقين بها، يكون المورد مصداقاً لقاعدة الاستصحاب وأمّا إذا تعدّد المتعلّق، كما إذا شكّ في النوم


1 . النور/31.


(28)

بعد الإذعان بالطهارة فهو من مصاديق قاعدة المقتضي والمانع، وعلى ذلك لو أذعن بالقتل وشكّ في كون المقتول مرتدّاً، أو أيقن بالملاقاة مع النجس، وشكّ في كون الملاقي كرّاً فالجميع من موارد القاعدة فيقال: المقتضي للقصاص والتنجيس موجود، والشكّ في وجود المانع من تأثير الارتداد والكرّية فهو مرفوع بالأصل.

وهذه القاعدة لها جذور في كلمات القدماء ولكن جدّدها المحقّق الشيخ هادي الطهراني ـ قدّس سرّه ـ واستظهرها من روايات الاستصحاب خصوصاً من الصحيحة الأُولى لزرارة.

يلاحظ عليه : أنّ كون مورد الصحيحة من موارد القاعدة لايقتضي أن تكون القاعدة المجعولة فيها، قاعدةَ المقتضي والمانع وكفى الاستصحاب في عدم وجوب الوضوء مع الشكّ في النوم، لأجل تحقّق أركانه وهو الشكّ في بقاء الوضوء بعد الإذعان به، لا لأجل إحراز المقتضي والشكّ في المانع نعم صار الشكّ في النوم سبباً للشكّ في نفس الطهارة، والمعنى: لاتنقض اليقين بالطهارة بالشكّ فيها وإن كان هذا الشكّ ناشئاًمن الشكّ في تحقق رافعها. والتفصيل موكول إلى محلّه.

هذا كلّه حول نفس القاعدة وعلى فرض صحّتها فهي غير تامّة في الصورة الأُولى، لعدم إحراز المقتضي وهو كون المرئي غير مماثل مع الناظر.نعم تتم القاعدة على فرض صحّتها في الصور الباقية.

الثالث: إحراز عدم عنوان المخصص بالأصل الموضوعي، فانّ التمسك بالعام وإن كان غير جائز لكن العنوان الوارد في المخصِّص إذا كان وجودياً يمكن إحراز عدمه بالأصل فأحد الجزئين يحرز بالوجدان وهو كونه إنساناً، والآخر أعني: عدم كونه مماثلاً، أو أُختاً ـ نسبية أو رضاعيةـ أو زوجة بالأصل، فانّ الأصل عدم تحقّق هذه الأُمور وهذا ما يسمّى بأصل العدم الأزلي، و يقال في المثال المعروف: «المرأة ترى الدم إلى خمسين إلاّ القرشية فانّها ترى الدم إلى ستّين»: الموضوع للعام بعد التخصيص هي المرأة غير القرشية، فالأوّل محرز بالوجدان والثاني محرز بأصالة عدم كونها قرشية حيث إنّها عندما لم تكن، كانت فاقدةً للوجود ووصفها (القرشية) وبعد التكوّن نشكّ في انقلاب وصفها إلى الوجود، فالأصل بقاؤها على ما كانت .

يلاحظ عليه: أنّ الأصل الأزلي ـ مضافاً إلى كونه بعيداً عن الأذهان العرفية إذ لايراه العرف مصداقاً لقوله: لاتنقض، إذا لو خالفه وقال بقرشيتها، فلايقال إنّه نقض يقينه بالشكّ وإنّما يقال: إنّه حكم بلا علم وقضى بلا دليل ـ أنّ الأصل المزبور مثبت فإنّ العدم المحمولي الذي يجتمع مع عدم الموضوع وإن كانت له حالة سابقة لكنّه ليس موضوعاً للحكم، والعدم النعتي الذي هو موضوع له، ليس له حالة سابقة.فالموضوع لرؤية الدم هي المرأة غير القرشية فهي ترى الدم إلى خمسين، وبعبارة أُخرى العدم المأخوذ في الموضوع عدم نعتي لا محمولي،


(29)

والمستصحب عدم محمولي لا نعتي.

توضيحه: أنّه يجب تنقيح ما هو الموضوع في جانب المستثنى منه في قولنا:«كلّ امرأة تحيض إلى خمسين إلاّ القرشية» فانّها تحيض إلى ستّين فنقول:الموضوع في المقام له خصوصيتان، بمعنى أنّه مركّب من قيدين: 1ـ المرأة. 2ـ لم تكن قرشية، وبما أنّ الحكم الواحد أعني: ترى، أو (تحيض)يطلب لنفسه موضوعاً واحداً يجب أن تكون بين جزئين صلة وربط. فلا مناص من أن يكون الجزء الثاني وصفاً له، حتى يقع بوحدته موضوعاً لحكم واحد وعند ذاك يصبح العدمُ عدماً نعتياً له، لا محمولياً فيكون الموضوع للدليل الاجتهادي «المرأة الموصوفة بأنّها لم تكن قرشية » لا (المرأة +لم تكن قرشية بلا توصيف) والأوّل ممّا لاسابقة له، فكيف يستصحب.وتصوّر أنّ العدم محمولي، غيرتامّ لأنّه يستلزم فقدان الصلة بين جزئي الموضوع وهو ينافي وحدة الحكم المقتضية لوحدة الموضوع، وعند ذلك يصبح الاستصحاب الأزلي في أمثال المقام مردّداً بين ما ليس موضوعاً للحكم(العدم المحمولي) وما ليس له حالة سابقة (العدم النعتي).

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه ـ ممن أصرّ على صحّة ذلك الاستصحاب في تعليقته على «أجود التقريرات»، ومحاضراته العلمية المختلفة، وفي كتاب مستند العروة، وحاصل ما أفاد في الذبّ عن الإشكال يتلخّص في وجهين:

1ـ الإشكال وارد فيما إذا علم أنّ العدم مأخوذ على نحو النعتية، لظهور الدليل أو لجهة أُخرى نظير ما لو أجرى استصحاب عدم البصر في المشكوك كونه أعمى أو بصيراً فانّه لايثبت كونه أعمى، ولكنّه في المورد غير تام، فانّه إنّما يتمّ في جانب المستثنى لا في جانب المستثنى منه، فإذا قيل: المرأة ترى الدم إلى خمسين إلاّ القرشية ،فالموضوع في جانب المستثنى هي المرأة الموصوفة بالقرشية، وأمّا في جانب المستثنى منه فليس الموضوع هو الفرد المتّصف بعدم الوصف المأخوذ في


(30)

المستثنى فانّه يحتاج إلى العناية والتكلّف ولايقتضيه الدليل بنفسه، إذ أنّ الاستثناء لايقتضي إلاّ خروج العنوان المذكور ـ المستثنى ـ من الحكم الثابت للمستثنى منه.وأمّا اتّصاف المستثنى منه بعنوان آخر مضادّ للمستثنى فليس فيه اقتضاء لذلك، وعليه يكون الباقي تحت العام بعد الاستثناء في قولنا:«كلّ امرأة تحيض إلى خمسين إلاّ القرشية» هي المرأة التي لاتكون قرشية على النحو السالبة المحصّلة بمعنى أنّ موضوع الحكم إنّما هي المرأة التي لاتتّصف بالقرشية لاالمرأة المتّصفة بأنّها ليست قرشية.

وبعبارة أُخرى: الذي يقتضيه الاستثناء إنّما هو كون الموضوع مقيّداً بكونه ليس من المستثنى فيكون القيد عدمياً لا محالة. أمّا كونه مقيّداً باتّصافه بأنّه غير المستثنى بحيث يكون القيد وجوديّاً، فهو بحاجة إلى عناية زائدة ولا يقتضيه الاستثناء.

2ـ أنّ العدم يستحيل أن يكون نعتاً ووصفاً لشيء إذ لا وجود له كي يكون كذلك، وإنّما يؤخذ على نحو من العناية بأن يلحظ أمر وجودي ملازم له، فيكون ذلك الأمر الوجودي نعتاً له وإلاّ فالعدم غير قابل للناعتية.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الباقي تحت المستثنى منه هو العدم النعتي لاالعدم المحمولي، وذلك لأنّ وحدة الحكم تكشف عن وحدة الموضوع فانّ الحكم في جانب المستثنى منه واحد وهو «ترى» فيجب أن يكون الموضوع أيضاً واحداً والجزءان عبارة عن امرين:1ـ المرأة 2ـ التي لاتكون قرشية، وعندئذ إمّا أن يلاحظ كل من الجزئين أمراً مستقلاً من دون ارتباط الثاني بالأوّل، أو لا، فعلى الأوّل يكون الموضوع متكثّراً يستتبع تعدّد الحكم وهو خلف، وعلى الثاني يجب أن يكون بينهما ربط وصلة بأن يكون الثاني من متمّمات الأوّل وقيوده وهو عين كونه وصفاً ونعتاً،


1 . مستند العروة الوثقى: 1/122ـ123،كتاب النكاح.


(31)

وإلاّ يلزم أن تكون«المرأة» بوحدتها و«التي لاتكون قرشية» باستقلالها من دون أن يكون بينهما صلة واتصال، موضوعاً للحكم الواحد وهو غير متصوّر.

وبعبارة أُخرى: إمّا أن يلاحظ كلّ مستقلاً وأن يكون وزان الثاني إلى المرأة كوزان سائر الأُمور غير المرتبطة بالمرأة فيستحيل أن يقع مثل ذلك موضوعاً لحكم واحد، وإمّا أن يلاحظا مرتبطين ولا معنى للارتباط سوى كون الثاني من قيود الأوّل ومتمّماته وحالاته وصفاته.

وثانياً: أنّ ما أفاد من البرهان العلمي من أنّ العدم يستحيل أن يكون وصفاً ونعتاً إلخ، فهو خلط بين التكوين والاعتبار ففي عالم الاعتبار يصحّ أن تقع السالبة المحصلة وصفاً للموضوع والاعتبار خفيف المؤنة.

نعم العدم في صفحة التكوين، أمر باطل لايمكن أن يحكي عن واقعية حتّى يقع وصفاً ولكن البحث في لسان التشريع والاعتبار فله أن يأخذ الأمر السلبي وصفاً للموضوع وإلاّ لما صحّ جعل المعدولة وصفاً مثل قوله: زيد اللاكاتب، مع أنّ حقيقة اللاكاتب ليس إلاّ أمراً عدمياً يكون محصله عدم القدرة على الكتابة. هذا وقد بسطنا الكلام في المقام عند البحث عن تنقيح حال موضوع المخصص بالأصل، في علم الأُصول، فلاحظ.

الرابع: ما أفاده المحقق النائيني ـ ره ـ في تعليقته على العروة الوثقى قال: يدلّ نفس هذا التعليق على إناطة الرخصة والجواز بإحراز ذلك الأمر وعدم جواز الاقتحام عند الشكّ فيه فيكون من المداليل الالتزامية العرفيّة. وأوضحه تلميذه الكاظمي في تقريراته عند البحث عن البراءة وقال: إنّ تعليق الحكم على أمر وجودي يقتضي إحرازه فمع الشكّ في تحقّق ذلك الأمر الوجودي الذي علّق الحكم عليه يبنى ظاهراً على عدم تحقّقه لا من جهة استصحاب العدم، إذ ربّما لايكون لذلك الشيء حالة سابقة قابلة للاستصحاب بل من جهة الملازمة العرفية


(32)

بين تعليق الحكم على أمر وجودي وبين عدمه عند عدم إحرازه. وهذه الملازمة تستفاد من دليل الحكم ولكن لا ملازمة واقعية بل ملازمة ظاهرية، أي في مقام العمل يبنى على عدم الحكم مع الشكّ في وجود ما علّق الحكم عليه.

ويترتّب على ذلك فروع مهمّة:

منها: البناء على نجاسة الماء المشكوك الكرّية عند ملاقاته للنجاسة مع عدم العلم بحالته السابقة، لأنّه يستفاد من دليل الحكم أنّ العاصمية إنّما تكون عند إحراز الكرّية لا من جهة أخذ العلم والإحراز في موضوع الحكم بل من جهة الملازمة العرفية الظاهرية.

ومنها: أصالة الحرمة في باب الدماء والفروج والأموال. فانّ الحكم بجواز الوطء، مثلاً قد علّق على الزوجية وملك اليمين، والحكم بجواز التصرّف في الأموال قد علّق على كون المال ممّا أحلّه اللّه كما في الخبر:لايحلّ مال إلاّ من وجه أحلّه اللّه ، فلا يجوز الوطء أو التصرّف في المال مع الشكّ في كونها زوجة أو ملك اليمين أو الشكّ في كون المال مما قد أحلّه اللّه.(1)

أقول: إنّ ما أفاده وإن كان متيناً لكنّه يختصّ بما إذا كان طبع القضية يقتضي الاجتناب إلاّ إذا دلّ دليل على الجواز ففي تلك الموارد، يكون الاجتناب أصلاً محكّماً في موارد الشبهة ولايجوز الاقتحام إلاّ إذا كان هناك دليل واضح وإن كانت الشبهة موضوعية ،وعلى ذلك جرت سيرة الفقهاء، في أبواب الفقه ولعلّه أصل عقلائي في حياتهم وإليك بعض الأمثلة:

1ـ التصرّف في الوقف بالبيع والهبة فإنّ الحكم الأوّلي فيه البطلان إلاّ إذا أُحرز المجوّز، فلو قام رجل ببيعه لايصحّ لنا منه الشراء إلاّ بعد الوقوف على المجوّز وليس المورد من موارد أصالة الصحّة، لأنّ الحظر في بيع الوقف غالب على إباحته،


1 . فوائد الأُصول: 3 /140، بحث البراءة (ص384 من الطبعة الجديدة).


(33)

فالإباحة بالنسبة إلى التحريم نادر.

2ـ التصرّف في مال اليتيم بالبيع والشراء ممنوع ذاتاً إلاّ إذا أُحرز ا لمجوّز، فلو قام غير الولي ببيعه وإن احتمل وجود المسوّغ، لايجوز لنا منه الشراء إلاّ بعد الوقوف على المسوّغ، لأنّ الغالب في التصرّف في أموال الأيتام هو الحظر ولايكون الموردان من مجاري أصالة الصحّة، مع أنّ ذلك البائع لو قام بالصلاة على الميّت واحتملنا فساد صلاته، يحمل عمله على الصحّة إذ ليس الفساد غالباً في الصلاة على الميّت.

3ـ الأصل في اللحوم هو حرمة الأكل والحلال منه بالنسبة إلى المحرّم، قليل جدّاً فليس لنا الاقتحام على الأكل وإن كانت الشبهة موضوعية، وعلى ذلك جرت سيرة الفقهاء من هذه الأبواب، ونظائرها ولذلك ترى ـ أنّ الشيخ الأعظم قدّس سرّه ـ يقول في فرائده عند البحث عن أصالة الصحّة: وأولى بعدم الجريان ما لو كان العقد في نفسه لو خلّي وطبعه مبنياًعلى الفساد بحيث يكون المصحِّح طارئاً عليه كما لو ادّعى بائع الوقف وجود المصحّح له وكذا الراهن أو المشتري من الفضولي إجازة المرتهن والمالك.(1)

وعلى ذلك فيجب التفريق بين الصور، ففي ما إذا شكّ في كون المرئي مماثلاً أو مخالفاً، لايحكم بالتحريم إذ ليس نظر الإنسان إلى الإنسان محكوماً بالتحريم خرج عنه ما خرج، بل النظر على قسمين قسم جائز وقسم منه غير جائز وكلا الحكمين بالنسبة إلى المورد المشكوك سواء.

وهذا بخلاف ما إذا أُحرز أنّه امرأة فشكّ في كونها محرماً لأجل العلاقة النسبية أو السببية أو اللحمة الرضاعية، فالأصل الأوّلي هو التحريم حتى يثبت الجواز، أضف إلى ذلك وجود الأصل الحاكم المحرز لموضوع العام المحرّم في بعض


1 . الفرائد: بحث أصالة الصحّة ، التنبيه الثالث.


(34)

الصور: كأصالة عدم الزوجية أو عدم تحقق الرضاع المحرّم. نعم لو شكّ في كونه من المحارم النسبية فليس هناك أصل منقّح للموضوع لأنّ المرأة من أوّل يوم إمّا أُخت للرائي أو لا، وأمّا الصور الباقية فإليك البيان.

إذا شكّ في كون المرئي إنساناً أو حيواناً أو شجراً.لاينبغي الشكّ في الجواز لعدم إحراز الموضوع وهو كونه إنساناً فضلاً عن كونه إمرأة كما أنّه إذا شكّ في كون المرأة بالغة أو لا، فالظاهر هو الحكم بجواز النظر لاستصحاب عدم البلوغ المنقّح للموضوع. ومنه يعلم إذا شكّ في كونها مميّزة أو لا فالأصل هو عدم التميز.

المسألة السادسة:

في نظر الرجل إلى الأجنبية

قال المحقق :ولاينظر الرجل إلى الأجنبية أصلاً إلاّ لضرورة.

أقول: الحكم من الضروريات، فهو من ضروريات الفقه، أو ضروريات المذهب، وعلى حدّ قول الجواهر من ضروريات الدين، وعلى قوله يكون المنكر محكوماً بالكفر، لكنّه مبنيّ على كونه من ضروريات الدين لا من ضروريات الفقه وبينهما فرق، ففي الكتاب والسنّة نصوص كافية.

1ـ قوله سبحانه:«قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ».(1)

الغض في الأصل بمعنى الكفّ والنقصان وهو غير الغمض الذي هو ضمّ الجفان يقال:ما ذقت غمضاً من النوم ولا غماضاً، أي كقدر ما تغمض فيه العين.والغض هو نقصان النظر وإدناء الجفان، والغمض هو ضمّها.(2)


1 . النور/30.
2 . مقاييس اللغة: 4/383و396.


(35)

وأمّا دخول لفظة «من » على قوله «أبصارهم» ففيه وجهان:

أ : ما ذكره الزمخشري وقال: «من» للتبعيض والمراد غضّ البصر عمّا يحرم وإنّما دخلت في غضّ البصر دون حفظ الفرج، لأجل دلالة أنّ أمر النظر أوسع، لأنّ المحارم لابأس بالنظر إلى شعورهنّ وصدورهنّ وأمّا الفرج فالأمر فيها غير موسّع.

ب : يمكن أن يكون الوجه الإشارة إلى أنّ المراد من الغضّ هو نقصان النظر، لا ضمّ العيون والأبصار، وعلى ذلك فالآية تشير إلى أنّ الواجب على المؤمنين نقص النظر وكفّه، بمعنى التبعيض في عمل العين وإبصارها فلايفتحون العيون والأجفان بل يدنونها فلأجل ذلك دخلت «من» الدالّة على التبعيض في الرؤية والمرئي.

فإن قلت: فعلى ذلك يكون المعنى هو النهي عن النظر الدقيق، لاالنظر المسامحي وهذا ممّا لم يقل به أحد من الفقهاء فانّ النظر إلى الأجنبية حرام مطلقاً، كان على وجه الدقة أو غيره.

قلت: إنّ تنقيص النظر كناية عن عدم النظر إلى المرأة بمعنى عطف النظر إلى نقطة أُخرى كالأمام بعد النظرة الاتفاقية حتّى يعطى للنظر بذلك نقصاناً وكفّاً ولأجل ذلك لايتبادر في الأوساط العربية من قوله:«غضّ بصرك» إلاّ عدم النظر إلى المنهي عنه بعطف النظر إلى موضع آخر، ولا يتبادر منه غمض العين وطبق الجفنين حتّى لايرى شيئاً وهذا هو مفاد الآية.

وعلى كلّ تقدير فالآية تدلّ بوضوح على حرمة النظر إلى المرأة خرج عنه ما خرج.

2ـ قوله سبحانه: «وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ» (1) فالآية


1 . النور/31.


(36)

تدلّ على ستر الزينة وحرمة إبدائها، ومن المعلوم أنّه لا موضوعية للستر إلاّ لأجل حرمة نظر الرجل إليها. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ النسبة بين وجوب الستر وحرمة النظر هو العموم من وجه، فتارة تجتمعان كما في غير الوجه والكفّين من الأجنبية، وأُخرى يجوز النظر مع وجوب الستر كما في الكتابية وثالثة يحرم النظر مع عدم وجوب الستر كما في المجنونة.

3ـ ما دلّ على جواز النظر لمن يريد أن يتزوّج، وما دلّ على جواز النظر إلى الكتابيات وأهل البوادي ولولا حرمة النظر إلى الأجنبية لما كان لهذه الروايات وجه فهي تدلّ على أنّ الأصل هو حرمة النظر إلاّ في هذه الموارد.

4ـ الروايات الواردة حول النظر وأنّه سهم من سهام إبليس.(1) فإنّ أحاديث الباب وإن لم تخل عن علّة ولكن المجموع يفيد الاطمئنان بصدور مضمونها عن الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ والقدر المتيقّن هو النظر مع الالتذاذ والشهوة، لكن إطلاق غيرها يكفي في إثبات حرمة النظر مطلقاً.

المسألة السابعة:

في النظر إلى الوجه والكفّين منها

قال المحقّق: «ويجوز أن ينظر إلى وجهها وكفّيها على كراهية ولايجوز معاودة النظر».

أقول: إنّ المسألة مع كونها عامة البلوى لم يهتمّ المتقدّمون لبيان حكمها فلم يتعرّض الصدوق لها في المقنع، ولاالمرتضى في الانتصار، والمسائل الناصريات،


1 . الوسائل: 14، الباب 104، من أبواب مقدّمات النكاح.
2 . هنا مسألتان: 1ـ هل يجب على المرأة ستر الوجه والكفّين أو لا؟ 2ـ هل يجوز للأجنبي النظر إليهما إذا كانتا مكشوفتين والمسألتان مخلوطتان في كلمات القوم ولو كانت المسألتان محرّرتين بحيالهما لكان أحسن وسوف نشير في ثنايا البحث إليهما.


(37)

ولاالقاضي في جواهر الفقه، ولا سلاّر في المراسم، ولاالشيخ علاء الدين أبوالحسن علي بن الحسن الحلبي في إشارة السبق، ولا ابن زهرة في الغنية، ولاابن حمزة في الوسيلة، ولا المحقّق في نكت النهاية، ولا يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع، ولعلّهم اكتفوا بما دلّ من الإطلاقات على وجوب الغضّ عن الأجنبية مطلقاً، إلاّ أنّ الشيخ في المبسوط أفتى بكراهة النظر وقال: «لا تحلّ للأجنبي أن ينظر إلى أجنبية لغير حاجة وسبب، فنظره إلى ما هو عورة منها محظور، وإلى ما ليس بعورة مكروه، وهو الوجه والكفّان لقوله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ». وروى أنّ الخثعمية أتت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حَجَّة الوداع تستفتيه في الحَجّ وكان الفضل بن عبّاس رديف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخذ ينظر إليها وأخذت تنظر إليه فصرف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجه الفضل عنها وقال:«رجل شاب وامرأة شابة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان».

وروي أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال لعلي ـ عليه السّلام ـ : «لاتتبع النظرة النظرة فإنّ الأُولى لك والثانية عليك».(1)

وأمّا غيرالشيخ وحتّى نفسه في غير المبسوط فلم يتعرّضوا للمسألة ،نعم ذكروا جواز النظر عند التزويج وإليك كلماتهم في ذلك المقام:

1ـ قال المفيد في المقنعة في باب نظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوّجها وما يحلّ له من ذلك وما لايحلّ: «إذا أراد الرجل أن يعقد على امرأة فلاحرج عليه أن ينظر إلى وجهها قبل العقد ويرى يديها بارزة من الثوب وينظر إليها ماشية في ثيابها،وإذا أراد ابتياع أمة نظر إلى وجهها وشعر رأسها ولايحلّ له أن ينظر إلى وجه امرأة ليست بمحرم ليتلذذ بذلك دون أن يراها للعقد عليها».(2)


1 . المبسوط: 4/160.
2 . المقنعة: 521.


(38)

2ـ قال الشيخ :لابأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة يريد العقد عليها: يديها ووجهها ويجوز أن ينظر إلى مشيها وإلى جسدها من فوق ثيابها ولايجوز له شيء من ذلك إذا لم يرد العقد عليها، ولابأس أن ينظر الرجل إلى أمة يريد شراءها وينظر إلى شعرها ومحاسنها ولايجوز له ذلك إذا لم يرد ابتياعها»(1) فقوله:«لايجوز شيء من ذلك» يشمل الوجه والكفّين.

3ـ قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب:«ويجوز للرجل النظر إلى وجه المرأة التي يريد العقد عليها وإلى محاسنها وجسمها من فوق ثيابها فإن لم يكن مريداً للعقد عليها لم يجز شيء من ذلك وكذلك يجوز له في الأمة التي يريد ابتياعها فإن لم يرد ابتياعها لم يجز شيء من ذلك أيضاً».(2)

فإنّ تخصيص جواز النظر إلى الوجه بصورة إرادة التزويج أو الابتياع دالّ على المنع في غير هاتين الصورتين.

4ـ وقال الحلبي: ولايحلّ لأحدهما ذلك ( النظر إلى وجهها وبدنها) من دون إرادة التزويج.(3)

5ـ وقال ابن حمزة في الوسيلة :وإذا زوّج الرجل جارية من الغير لم يجز له أن ينظر إليها منكشفة وإذا بانت منه جاز له ذلك.(4)

إلى هنا لم نقف على أحد من القدماء ممّن يصرّح بجواز النظر إلاّ ما عرفت من المبسوط، فهم بين ساكت عن الإشارة إلى المسألة أو مطلق حرمة النظر الشامل لهما.

6ـ نعم أوّل من عنون المسألة بصراحة ـ بعد الشيخ الطوسي في المبسوط ـ وأفتى بالجواز مع كراهية هو المحقّق فجوّز النظر الأُولى، دون الثانية وقد عرفت كلامه.


1 . النهاية: 484.
2 . المهذّب: 2/221.
3 . الكافي:296.
4 . الوسيلة: 75.


(39)

7ـ وتبعه العلاّمة في القواعد: حيث قال: ولا يحلّ النظر إلى الأجنبية إلاّ لضرورة كالشهادة عليها ويجوز إلى وجهها وكفّيها مرّة واحدة لاأزيد.(1)

8ـ ومع ذلك فقد أفتى في التذكرة بخلاف ما قال به في القواعد فقال فيها:

النظر إمّا أن يكون لحاجة أو لا، «القسم الأوّل»: أن لايكون لحاجة فلايجوز للرجل النظر إلى الأجنبية التي لايريد نكاحها في ماعدا الوجه والكفّين، فأمّا الوجه والكفّان فإن خاف الفتنة حرم أيضاً، لقوله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ» وإن لم يخف الفتنة قال الشيخ ـ رحمه اللّه ـ: إنّه يكره وليس بمحرّم لقوله تعالى:«وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها» وهو مفسّر بالوجه والكفّين وهو قول أكثر الشافعية، ولهم قول آخر أنّه يحرم ـ إلى أن قال: ـ وهو الأقوى عندي وليس المراد من الكفّ مجرّد الراحة بل من رؤوس الأصابع إلى المعصم، وللشافعية وجه و هو أنّه يختصّ الحكم بالراحة وأخمص القدمين.« القسم الثاني»: أن يكون هناك حاجة إلى النظر فيجوز إجماعاً. كمن يريد نكاح امرأة.(2)

9ـ وقال الشهيد في اللمعة: ولاينظر الرجل إلى الأجنبية إلاّ مرّة من غير معاودة إلاّ لضرورة كالمعاملة والشهادة عليها والعلاج.(3)

10ـ واختار المحدّث البحراني: الجواز استناداً إلى روايات ظاهرة في استثناء الوجه والكفّين.(4)

11ـ واضطرب كلام السيد الطباطبائي ـ قدس اللّه سره ـ فاختار المنع في باب النكاح وأفتى بالجواز في كتاب الصلاة في باب الستر وقال: «ويجب ستر المرأة تمام


1 . إيضاح القواعد: 3/7، قسم المتن.
2 . التذكرة:2، كتاب النكاح، المقدّمة الثامنة في النظر.
3 . الروضة البهية:2/54.
4 . الحدائق: 23/855.


(40)

بدنها عن ما عدا الزوج والمحارم إلاّ الوجه والكفّين مع عدم التلذذ والريبة».

12ـ وقال السيد الفقيه الاصفهاني : ويحرم النظر إلى الوجه والكفّين إذا كان بتلذذ وريبة وأمّا بدونها ففيه قولان بل أقوال: الجواز مطلقاً وعدمه مطلقاً ، والتفصيل بين نظرة واحدة فالأوّل وتكرار النظر فالثاني. وأحوط الأقوال بل أقواها أوسطها. (1)

13ـ واختاره السيد الأُستاذ ـ ره ـ إلاّ أنّه جعل الأوسط أحوط الأقوال لاأقواها. وهذا يعرب عن كون الأقوى عنده هو الأوّل.

وهذه الآراء المختلفة تكشف عن عدم وجود إجماع في المسألة على واحد من الأقوال، والأقوال تستمدّ من الكتاب والسنّة حسب الاستنباط.

وأمّا أهل السنّة، فقال ابن قدامة في المغني: فأمّا نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، فانّه محرّم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد، قال أحمد: لايأكل مع مطلّقته، هو أجنبي لايحلّ له أن ينظر إليها، كيف يأكل معها، ينظر إلى كفّها؟ لا يحلّ له ذلك. وقال القاضي: يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفّين لأنّه عورة، ويباح له النظر إليهما مع الكراهة إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة. وهذا مذهب الشافعي لقول اللّه تعالى:«وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها» قال ابن عبّاس: «الوجه والكفّين» وروت عائشة: أنّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلاّ هذا وهذا ـ وأشار إلى وجهه وكفّيه ـ رواه أبو بكر وغيره، ولأنّه ليس بعورة فلم يحرم النظر إليه بغير ريبة كوجه الرجل.(2)


1 . وسيلة النجاة:303 كتاب النكاح، ولاحظ تحريرها.
2 . المغني لابن قدامة:7/22ـ23.


(41)

أدلّة المجوّزين

استدل المجوّز بوجوه نأتي بها:

1ـ قوله سبحانه :«وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ» .(1)

ومحلّ الاستشهاد هو قوله: «إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها » حيث فسّر في الروايات بالوجه والكفّين وعلى ذلك فأُطلق الحالّ (كالكحل والخاتم) وأُريد المحلّ أي مواضع الزينة بجهة أنّ إبداء الزينة بما هو ليس بمحرّم. فتعيّن أن يكون المراد مواضعها وهو الوجه والكفّين، لوجود الاتفاق على حرمة إبداء غيرهما. ولايخفى ما في الاستدلال من النظر من وجهين:

1ـ إنّ إطلاق الزينة وإرادة مواضعها غير متعارف في القرآن الكريم ولاتجد له نظيراً في استعمالاته وإليك ما ورد فيه مايناسب المقام ، قال سبحانه: «وَ قالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلاََهُ زِينَةً» (2) وقال سبحانه: « يا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد» .(3)

وقال سبحانه:«فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ» .(4)

ونفس الآية:«وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ» ، والمراد هو الخلخال، وعلى ذلك فلا وجه لتفسير الزينة بمواضعها مع كون الاستعمال غريباً.

فإن قلت: إنّ الداعي إلى هذا التفسير هو كون إبداء نفس الزينة بلا إبداء


1 . النور/31.
2 . يونس/88.
3 . الأعراف/31.
4 . القصص/79.


(42)

موضعها جائزاً بالاتّفاق ولايحتاج مثله إلى الاستثناء فلأجل ذلك فسّر بإبداء مواضعها.

قلت: إنّ هنا احتمالاً ثالثاً، وهو أنّ المراد ليس نفس المواضع، ولا نفس الزينة مجرّدة، بل نفس الزينة إذا تحلّت بها المرأة فما ظهر منها يجوز، ومالم يظهر لايجوز، وجواز إظهارها لايلازم جواز إظهار الوجه والكفّين.

2ـ كما يحتمل أن يكون المراد من الزينة الكحل والخاتم ونظائرهما ممّا يلازم إبدائها عند التحلّي بهما إبداءَ مواضعها كذلك يحتمل أن يكون المراد، الثياب الفاخرة التي تظهر بنفسها، ولايلازم إبداؤُها إبداءَ موضع من مواضع بدنها، فتصير الآية مجملة من جهة المصداق فلابدّ من الرجوع إلى الأخبار، فإن تمّت، وإلاّ فلا تكون الآية سنداً للجواز. وسيوافيك البحث في الروايات.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه ـ استشكل على الاستدلال بالآية حتّى بعد ثبوت كون المراد من المستثنى هو الوجه والكفّان قائلاً بأنّ البداء بمعنى الظهور كما في قوله تعالى: «فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما» والإبداء بمعنى الإظهار فإذا كان متعلّقاً بشيء ولم يكن متعدّياً باللام يكون في مقابل الستر، وإذا كان متعدّياً باللام كان في مقابل الإخفاء بمعنى الإعلام والإراءة، كما يقال: يجب على الرجل ستر عورته وليس له إظهارها فيما إذا كان يحتمل وجود ناظر محترم، وكذلك يقال:إنّ بدن المرأة كلّه عورة، فيراد به ذلك. وأمّا إذا قيل: أبديت لزيد رأيي أو مالي، فمعناه أعلمته وأريته.

ومن هنا يظهر معنى الآية الكريمة. فإنّ قوله عزّ وجلّ أوّلاً: «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها» باعتبار عدم اقتران الفعل باللام إنّما يفيد وجوب ستر البدن الذي هو موضع الزينة وحرمة كشفه ما عدا الوجه واليدين لأنّهما من الزينة الظاهرة، فيستفاد منه أنّ حال بدن المرأة حال عورة الرجل لابدّ من ستره بحيث


(43)

لايطّلع عليه غيرها باستثناء الوجه واليدين فانّهما لايجب سترهما، لكنّك قد عرفت أنّ ذلك لايلزم جواز نظر الرجل إليهما، في حين أنّ قوله عزّ وجلّ ثانياً: «وَلايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ...» باعتبار اقتران الفعل باللام يفيد حرمة إظهار بدنها وجعل الغير مطلعاً عليه وإراءته مطلقاً من دون فرق بين الوجه واليدين وغيرهما إلاّ لزوجها والمذكورين في الآية الكريمة.

فيتحصل من جميع ما تقدّم أنّ الآية الكريمة بملاحظة النصوص الواردة في تفسير الزينة تفيد حكمين:

الأوّل: حكم ظهور الزينة في حدّ نفسه فتفيد وجوب ستر غير الظاهرة منها دون الظاهرة التي هي الوجه واليدان.

الثاني: حكم إظهار الزينة للغير فتفيد حرمته مطلقاً من دون فرق بين الظاهرة والباطنة إلاّ للمذكورين في الآية الكريمة حيث يجوز لها الإظهار لهم.

وحيث عرفت أنّ حرمة الإظهار، ووجوب التستر تلازم حرمة النظر إليها فتكون الآية الكريمة أولى بالاستدلال بها على عدم الجواز من الاستدلال بها على الجواز.(1)

يلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فلأنّ التفريق بين الجملتين في آية واحدة «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها» و «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ» بأنّ المراد من الأُولى هو لزوم ستر الزينة إلاّ ما ظهر، ومن الثانية هو حرمة الإبداء والإظهار للغير خلاف الظاهر، فانّ هنا حكماً واحداً وهو إبداء الزينة للغير فيحرم إبداؤها إلاّ ما ظهر منها وهو مفاد الجملة الأُولى ويستثنى ممّا يحرم إبداؤه لهم، الزوج والمذكورون في الآية وهو مفاد الجملة الثانية ،فكأنّه قال: يحرم إبداء الزينة إلاّ ما ظهر منها ويستثنى من تحريم الإبداء البعول و... فالتفكيك بين الجملتين


1 . مستند العروة: 1/55، كتاب النكاح .


(44)

بصرف الأُولى إلى لزوم الستر، والثانية إلى حرمة إبداء الزينة. كما ترى.

وبعبارة أُخرى إنّ الجملة الأُولى تكون بصدد بيان ما كانت الثانية في مقام بيانه وهو تحديد الإبداء والإظهار، غاية الأمر، الأُولى يحدده من حيث الموضوع، والثانية من حيث الناظر، والثانية مكملة للأُولى ومفادهما: يحرم إبداء الزينة وإظهارها إلاّ ما ظهر منها ويحرم إبداء غير ما ظهر منها إلاّ للمذكورين في الآية.

ثمّ إنّه ما ذا يراد من وجوب ستر بدن المرأة فإن أريد مع عدم وجود الناظر فالقول بوجوبه عجيب، حتّى في عورة الرجل فضلاً عن بدن المرأة مع استثناء الوجه والكفّين. والعجب أنّه ملتزم بذلك حيث يقول بعد صحائف: أفاد الحكم الأوّل أنّ بدن المرأة ـ ما عدا الوجه والكفّين ـ كعورة الرجل يجب ستره في نفسه ولايتوقّف صدق عنوان البدء والإبداء على وجود الناظر.(1)

وإن أُريد منه مع وجوده فهو يرجع إلى الإظهار والإبداء فيحرم عليها إبداء زينتها لغير من استثنى وليس حكماً مستقلاً وراء مفاد الجملة الثانية.

وثانياً: أنّ ما ذكره من الضابطة منقوض بالآيات التالية التي استعملت فيها لفظة الإبداء بدون اللام وأُريد منه الإظهار ضدّ الإخفاء لا ضدّ الستر، قال سبحانه: «إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً» .(2)

وقال سبحانه: «تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثيراً» .(3)

والظاهر أنّ المراد من اللفظة في كلا المقامين أمر واحد وهو إبداء الزينة وإظهارها فلو كان المستثنى في الجملة الأُولى، خصوص الزينة الظاهرة يكون المراد منها حرمة إبداء ما عدا الزينة الظاهرة لغير المذكورين في الآية لا وجوب الستر في نفسه.


1 . مستند العروة، ص60،كتاب النكاح.
2 . الأحزاب/54.
3 . الأنعام/91.


(45)

ولأجل الاحتمالين، يجب في رفع الابهام عن الاستثناء الوارد في الآية إمعان النظر في الروايات الواردة في تفسير الآية من حيث إتقان الدلالة وصحّة السند.

فنقول: قد وردت في المقام روايات تفسّر «ما ظهر» تارة بالوجه والكفّين والقدمين، وأُخرى بالزينة الموجودة في الأيدي والوجوه الملازم مع إبداء العضو المتحلّى بها، والروايات بين صحيحة وغير صحيحة لكن الثانية تصلح للتأييد.

الروايات وجملة «ما ظهر منها»

1ـ موثقة الحسين بن سعيد عن القاسم بن عروة، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة عن أبي عبد اللّه ، في قول اللّه عزّوجلّ:«إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها» قال: «الزينة الظاهرة: الكحل والخاتم».(1)

والسند معتبر، غير أنّ القاسم بن عروة لم يوثّق صريحاً في الكتب الرجالية.

أقول: إنّ القاسم بن عروة من مشايخ ابن أبي عمير المتوفّى سنة (217هـ) ، وأحمد بن أبي نصر البزنطي المتوفى عام (221هـ) والحسن بن علي بن فضال المتوفى قبله بثمانية أشهر أوسنة والحسن والحسين ابنا سعيد الأهوازي صاحبا كتب الثلاثين، ومحمّد بن خالد المكنّى بـ «أبي عبد اللّه» وغير ذلك من الثقات الأعاظم ولا يمكن طرح رواية مثل تلك بحجّة أنّه لم يوثق، ولأجل ذلك اعتمد عليه العلاّمة، وكفى له فضلاً أنّه روى عنه الفضل بن شاذان(ت260) وهذا المقدار من القرائن يكفي في اعتباره واعتبار روايته.

2ـ معتبرة الحسين بن محمّد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعد بن مسلم، عن أبي بصير، قال: سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها»


1 . الوسائل: 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.


(46)

قال:« الخاتم والمسكة وهي القلب».(1)

أقول: الذي صدّر به سند الحديث هو الحسين بن محمّد بن عامر الأشعري القمي الثقة، روى عن أحمد بن إسحاق بن عبد اللّه الأشعري المكنّى بـ «أبي علي» كبير القدر، وقال العلاّمة: ثقة، روى عن سعد بن مسلم صاحب الأصل ، يقول المحقق الداماد: شيخ كبير جليل القدر، وهو من رجال كامل الزيارات، وترجمه النجاشي والشيخ في كلا كتابيه، وهو يروي عن أبي بصير الثقة وكان قائده فالرواية معتبرة.

وأمّا ما أورد عليه المحقّق الخوئي من أنّ السؤال عن القسم الأوّل الوارد في الآية الكريمة، دون القسم الثاني فلا تدلّ إلاّ على جواز كشف الوجه واليدين، وعدم وجوب سترهما في نفسه، وذلك لايلازم جواز النظر، فقد عرفت أنّ التفكيك بين الجملتين غير تامّ وأنّهما بصدد بيان حكم واحد وهو حكم إبداء الزينة منعاً وجوازاً.

3ـ عبد اللّه بن جعفر في قرب الإسناد، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة ابن زياد، قال: سمعت جعفراً وسئل عمّا تظهر المرأة من زينتها؟قال: «الوجه، والكفّين».(2) وهارون بن مسلم: ثقة وجه، كما أنّ مسعدة بن زياد الربعي: ثقة، وأمّا المؤلف فهو عبد اللّه بن جعفر الحميري، قال النجاشي ـ شيخ القميين ووجههم ـ ، وإنّما سمّي بقرب الإسناد لقلّة الوسائط بينه وبين الأئمّة ـ عليهم السلامـ.(3)

4ـ صحيحة علي بن سويد، قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السّلام ـ : إنّي مبتلى


1 . المصدرنفسه، الحديث 4، والقُلب ـ بالضم ـ: السوار.
2 . الوسائل: 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5.
3 . لاحظ أُصول الحديث وأحكامه 78ـ 79، للمؤلف.


(47)

بالنظر إلى المرأة الجميلة، فيعجبني النظر إليها؟فقال: «يا علي لابأس إذا عرف اللّه من نيّتك الصدق، وإيّاك والزنا فإنّه يمحق البركة ويهلك الدين».(1)

وقد استدلّ به الشيخ الأنصاري في نكاحه، وحمله المحقّق الخوئي على اقتضاء عمله لذلك وأنّ النظر إنّما يكون اتّفاقياً بمعنى أنّه يقع نظره عليها من دون قصد أو تعمّد فتكون أجنبية عن محلّ الكلام.

يلاحظ عليه: أنّه لا يصحّ حمله على من كان النظر، مقتضى عمله حتّى يكون النظر لا عن اختيار، إذ لو كان كذلك، لكان مقتضاه الابتلاء بالنظر إلى النساء على وجه الإطلاق، لا خصوص الجميلة كما هو مورد السؤال، فلامحيص عن حمله على من اعتاد بالنظر إلى الجميلة عن اختيار، ويكون التلذذ الحاصل أيضاً كذلك، كيف ولو كان النظر اتّفاقيّاً، لما كان لقوله ـ عليه السّلام ـ «من نيّتك الصدق» وجه إذ لا نيّة في الاتّفاق، ولا يكون التلذذ الوارد فيه، تلذذاً بالاختيار كما هو ظاهر الرواية بل خارج عنه.

5ـ ما رواه في قرب الإسناد ، عن علي بن جعفر عن أخيه، قال: سألته عن الرجل ما يصلح أن ينظر إليه من المرأة التي لا تحلّ له؟ قال: «الوجه والكف وموضع السوار».(2)

والمراد من «لا تحل» أي لا يحلّ النظر إليها، لا ما لايحلّ نكاحها حتّى يختصّ الحكم بالمحارم كما استظهره صاحب مستند العروة، فانّ الجواز فيها أوسع ممّا جاء في الرواية كما سبق.

6ـ صحيحة الفضيل: قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال اللّه:«وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ» قال: نعم


1 . الوسائل: 14، الباب 1 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث 3.
2 . قرب الإسناد: 102ورواه في البحار: 104/34.


(48)

وما دون الخمار من الزينة وما دون السوارين.(1) الظاهر أنّ لفظة «دون» بمعنى(2) التحت، والمراد أنّ ما تحت الخمار أي ما يستره الخمار من الرأس و الرقبة، فهو من الزينة التي يحرم إبداؤها، وأنّ ما تحت السوار وما يستره ممتدّاً إلى الساعد والمرفق، منها أيضاً. قال الفيض «و ما دون الخمار» يعني ما يستره الخمار من الرأس والرقبة و هو ما سوى الوجه منهما «و ما دون السوارين» يعنى من اليدين و هو ما عدا الكفين منهما (3).

7ـ مرسلة مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه فقلت: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً ؟ قال: «الوجه والكفّان والقدمان».(4) والرواية مرسلة ، تصلح لتأييد الصحيح.

8ـ رواية عمرو بن شمر: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: خرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يريد فاطمة ـ عليها السّلام ـ وأنا معه فلمّا انتهينا إلى الباب وضع يده عليه فدفعه ثمّ قال:«السلام عليكم ،فقالت فاطمة ـ عليها السّلام ـ : وعليك السلام يا رسول اللّه، قال: أدخل؟ قالت: أُدخل يا رسول اللّه، قال: أدخل ومن معي؟قالت: ليس عليّ قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك فقنّعي به رأسك، ففعلت ثمّ قال: السلام عليك، فقالت: وعليك السلام يا رسول اللّه قال: أدخل؟ قالت: نعم يا رسول اللّه ، قال: أنا ومن معي؟قالت: ومن معك؟ قال جابر: فدخل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ودخلت وإذا وجه فاطمة أصفر كأنّه بطن جرادة، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : مالي أرى وجهك أصفر؟!قالت : يا رسول اللّه الجوع ،فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اللّهمّ مشبع الجوعة ودافع الضيعة أشبع فاطمة بنت محمّد. قال


1 . الوسائل: 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
2 . الطريحي: المجمع، مادة «دون».
3 . الوافي 12/819.
4 . الوسائل: 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.


(49)

جابر: فو اللّه لنظرت إلى الدم ينحدر من قصاصها حتّى عاد وجهها أحمر فما جاعت بعد ذلك اليوم».(1)

وفي السند إسماعيل بن مهران: الثقة، عن عبيد بن معاوية بن شريح: المهمل، عن سيف بن عميرة: الثقة، عن عمرو بن شمر: الضعيف، وبما أنّ جابر ابن عبد اللّه توفّي عام 76 من الهجرة في عصر إمامة السجّاد ـ عليه السّلام ـ الذي توفّي عام 94ـ95هـ، فطبع الحال يقتضي نقل القصة إلى والده لا إلى ولده الباقر الذي ولد عام 57هـ، وتوفّي عام 114هـ، وكان له من العمر يوم مات جابر قرابة عشرين سنة.

9ـ رواية علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبي الجارود في قوله تعالى: «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها»فهي الثياب والكحل والخاتم وخضاب الكفّ والسوار.(2)

والرواية مرسلة، و«أبو الجارود» هو زياد بن منذر الكوفي التابعي الذي يروي عن الباقر والصادق ـ عليهما السّلام ـ ولمّا خرج زيد بن علي ـ عليه السّلام ـ التحق به وصار زيدياً وإن رجع أخيراً إلى الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ .والجاروديّة منسوبة إليه.

10ـ ما رواه الحسن بن فضل، في مكارم الأخلاق، عن محاسن البرقي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في قوله جلّ ثناؤه:«إلاّ ما ظهر منها»قال: «الوجه والذراعان».(3)

هذا ما وقفنا عليه من الروايات من طرق الشيعة. وأمّا من طرق أهل السنّة:

فعن عبد اللّه بن مسعود تفسير الزينة الظاهرة، بالثياب، لكن المروي عن


1 . المصدر نفسه، الباب 120، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
2 . مستدرك الوسائل: الباب 85، من أبواب مقدّمات النكاح ، الحديث 3.
3 . المصدر نفسه: الحديث1.


(50)

عدّة أُخرى من أعلام الصحابة كابن عباس، بالكحل والخاتم والقلادة والقرط تارة، وبخضاب الكفّ والخاتم أُخرى، ووجهها وكفّيها والخاتم ثالثة وبرقعة الوجه وباطن الكفّ، رابعة.

وعن عائشة: الزينة الظاهرة، القلب والفتح وضمّت طرف كمّها.

وعن سعيد بن جبير: الوجه والكفّ.

روت عائشة: أنّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: «يا أسماء، إنّ المرأة إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلاّ هذا»وأشار إلى وجهه وكفّه. وعن قتادة مثله.(1)

وقد أيّده في الحدائق ، قال: المشهور، أنّ بدن المرأة كلّه عورة ما خلا الوجه والكفّين والقدمين ، فلم يوجبوا سترها في الصلاة وهو أظهر ظاهر في تجويزهم النظر إلى هذه الثلاثة، وبإطباق الناس في كلّ عصر على خروج النساء على وجه يحصل منه بدوُّ ذلك من غير نكير.(2)

والأوضح من الكلّ، أنّ كثرة الابتلاء يقتضي وجود النصوص البارزة الظاهرة في الحرمة في المقام ولايصحّ الاكتفاء في مثل هذه المسألة بالإيماء والإشارة إذا كان النظر حراماً واقعاً أو الستر واجباً كذلك، فليست المسألة من جهة الابتلاء بأقلّ من سائر المحرّمات التي ورد النصّ بالحرمة فيها بوضوح.فلا مانع من الاعتماد على هذه النصوص الظاهرة في جواز النظر التي يؤيّد بعضها بعضاً إذا سلمت عن المعارض وإليك البحث عن أدلّة المانعين:

أدلّة القائلين بالتحريم

استدل المانع بوجوه من الآيات:


1 . الدر المنثور: للسيوطى5/41ـ42.
2 . الحدائق : 23/53.


(51)

1ـ إطلاق قوله سبحانه: «قُلْ لِلْمُؤْمِنيِنَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ» .(1)

يلاحظ عليه: أنّ التقييد لو تمّ ، لما كان للاستدلال بالإطلاق مجال.

«وَ لا يُبْدينَ زِينَتَهُنَّ» (2) .

يلاحظ عليه : أنّ مصبّ الاستدلال لو كانت الفقرة الأولى فهي مخصصة بمخصّص متّصل(إلاّ ما ظهر) مجمل بين الثياب، والوجه والكفّين فلايصح التمسّك به في مورد النزاع. ولو كانت الفقرة الثانية في الآية، فالمراد منها أيضاً ما عدا «ما ظهر منها » بحكم توالي الفقرتين وهو أيضاً مجمل بين الأمرين والعام المخصص بمتّصل مجمل، لايكون حجّة في مورد الشكّ .

3ـ قوله سبحانه:«وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجاب ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ».(3) والحجاب هو الستر الكامل.

يلاحظ عليه: أنّ الآية لا صلة لها بمورد البحث من جهات:

أوّلاً: أنّ البحث في ستر المرأة، والحجاب هو الحاجز بين الشيئين ، قال سبحانه: «حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ» .(4) وقال سبحانه: «فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً» (5) فالستر والساتر ما تلبسه المرأة، والحجاب ليس بهذا المعنى ويظهر مفاد الآية إذا لوحظ شأن نزولها فكان المؤمنون يسألون أزواج النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مباشرة عن أشياء يحتاجون إليها فأُمروا أن لايكلّموا إلاّ من وراء حجاب.

وثانياً: أنّ الآية وما قبلها وما بعدها راجعة إلى نساء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلهنّ شأن خاص، ووظائف خاصة، كما هو صريح قوله:«يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساءِ...» (الأحزاب/32) لايشترك فيها غيرهنّ من النساء وإسراء حكمهنّ إلى غيرهنّ أشبه بالقياس.


1 . النور/30.
2 . النور/31.
3 . الأحزاب/53.
4 . ص/32.
5 . مريم/17.


(52)

«وَ القَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبرِّجات بِزِينَة». (1) حيث خصّ وضع الثياب بالقواعد.

يلاحظ عليه: أنّ المراد وضع الخمار والجلباب لا إبداء الوجه والكفّين مع التحفظ عليهما.

«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لاَِزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ المُؤْمِنينَ يُدْنينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً»(2) وكان سيّد مشايخنا آية اللّه البروجردي ـ قدّس سرّه ـ يستدلّ بها على لزوم ستر الوجه في درسه الشريف عند البحث عن مقدار ما يجب ستره للمرأة في الصلاة قائلاً بأنّ إدناء الجلباب وإرخاءه يلازم ستر الوجه، والمراد يدنين جلابيبهن إلى جانب وجوههنّ فتكون النتيجة إسدالها إليها.

يلاحظ عليه أوّلاً:أنّ الآية لاتدلّ على ما رامه ـ وإن كان السيد الأُستاذ ـ قدّس سرّه ـ مصرّاًعلى الدلالة ـ فسواء فسّر الإدناء بالاقتراب وأخذ الجلباب، مقابل الخروج عن البيت بلاجلباب، أو فسّر بالتستر بها، فغاية الأمر به، هو التميّز عن الإماء حتّى لايؤذين في الطرق والشوارع حيث كان المنافقون يمازحون الإماء وربّما يتجاوزون إلى ممازحة الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك قالوا: حسبناهنّ إماء، قطع اللّه عذرهم فأمرهنّ بإدناء الجلباب قائلاً بأنّ ذلك أدنى وأقرب إلى أن يعرفن بزينتهنّ إنّهنّ حرائر ولسن بإماء فلايؤذيهنّ أهل الريبة.(3) فإذا كان الهدف ذلك فهو يحصل بستر الرأس والجيوب والصدور مقابل الإماء حيث يخرجن كاشفات الرؤوس والجيوب، من دون توقّف على ستر ما عداها من الوجه والكفّين.

وثانياً: لو كان المراد ما يرومه لكان الأولى أن يقول: يرخين جلابيبهنّ


1 . النور/60.
2 . الأحزاب/59.
3 . مجمع البيان 4/370.


(53)

ويسدلنها على وجوههنّ إذ يكفي في إدناء الجلباب إدناؤه من فوق الرأس إلى بدء الناصية حتى يستر الشعر والرأس جميعاً، وأمّا إرخاؤه ـ مضافاً إلى ما عرفت ـ إلى جانب الوجه وإسداله إلى الذقن ، فاستفادته منها تحتاج إلى الدليل.

هذه حال الآيات التي استدل بها المانع وإليك مااستدلّ به من الروايات:

6ـ الروايات الواردة حول النظر، وأنّ النظر سهم من سهام إبليس، وأنّه زنا العين، وقد أوردها صاحب الوسائل ـ قدّس سرّه ـ في الباب 140 من أبواب مقدّمات النكاح.

ولكن لا صلة لها بموضوع البحث، فانّها ناظرة إلى النظر بقصد التلذذ وخوف الفتنة وأين هو من النظر المجرّد من ذلك أو من لزوم الستر عليها، لاحظ قوله ـ عليه السّلام ـ : «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة».(1)

7ـ خبر سعد الإسكاف(2) عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ ، استقبل شابّ من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنّعن خلف آذانهنّ، فنظر إليها وهي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان فجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه. فلمّا مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فقال: واللّه لآتينّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولأخبرنّه فأتاه. فلمّا رآه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال:« ما هذا؟» فأخبره. فهبط جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بهذه الآية: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبيرٌ بِما يَصْنَعُونَ» .(3)


1 . الوسائل:14، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1 وغيره .
2 . سعد الإسكاف وسعد الخفاف وسعد بن ظريف، واحد، راجع جامع الرواة وهو ناووسي لم يوثق وغيره ممّن ورد في السند كلّهم ثقات.
3 . الوسائل: 14، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.


(54)

ولا يخفى ضعف الاستدلال به في ناحية حرمة النظر وفي مقدار الستر، فانّ النظر في الخبر لم يكن مقصوراً على الوجه والكفّين وكذا عدم سترها، لأنّه لم يكن عليها يومئذ أيّ ستر لازم، لقوله ـ عليه السّلام ـ :«وكانت النساء يتقنّعن خلف آذانهنّ».

8ـ ما رواه ابن قدامة في المغني، والمحدّث النوري في المستدرك، عن بعض نسخ فقه الرضا: «كان الفضل بن عبّاس رديف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فجاءته الخثعمية تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها فصرف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجه الفضل عنها وقال:«رجل شابّ وامرأة شابّة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان».(1)

ولا يخفى أنّه على العكس أدلّ ، فهو يدلّ على أنّ وجه المرأة كان غير مستور، وقد حجّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ العام العاشر. وأمّا نهيه عن النظر، فلأنّه لم يكن خالياً عن الريبة والتلذذ كما يظهر ممّا نقله صاحب المستدرك عن بعض نسخ فقه الرضا.

9ـ روى الصدوق في الفقيه قال: كتب محمّد بن الحسن الصفّار ـ رضي الله عنه ـ إلى أبي محمّد الحسن بن علي ـ عليهما السّلام ـ في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليست لها بمحرم، هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد عدلان أنّها فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها، أو لاتجوز الشهادة عليها حتّى تبرزنَّ وتثبتها بعينها؟ فوقّع ـ عليه السّلام ـ : « تتنقّب وتظهر للشهود إن شاء اللّه » وقال: هذا التوقيع عندي بخطّه ـ عليه السّلام ـ .(2)

يلاحظ عليه: ما سيوافيك عند البحث عن المستثنيات، من أنّ الإسفار أمر


1 . المغني لابن قدامة: 7/22، والمسالك: 1/436، والمستدرك: 2/554 ح7 وغيره، الباب 80 من أبواب مقدّمات النكاح.
2 . الفقيه: 3/40 باب الشهادة على المرأة، الحديث 2.


(55)

إلزامي على الزوجة إذا لم يعرفها الشاهد أو لم يعرفها من يحضر المجلس من العدول وأمّا في غير هذين الموردين فلا يجب، ولمّا كان في مورد الرواية ما يرفع الإبهام كالعدلين خيّرها الإمام بين الظهور، وعدمه، حفظاً لحقوقها.

نعم يبقى وجه الأمر بالتنقّب عند إرادة الظهور: فلعلّه لأجل أنّ كثيراًمن العفائف لا يرضين بالظهور بلا نقاب فأرشدها الإمام إليه حتّى تتمكّن من الظهور ـ إذا شاءت ـ ومع هذا الاحتمال، لاتكون الرواية سنداً لوجوب ستر وجهها مطلقاً.

10ـ الروايات الدالّة على جواز النظر إلى وجه المرأة ويديها إذا أراد تزويجها فإنّ مفهومها عدم الجواز إذا لم يكن مريداًتزويجها.

11ـ ما ورد في جواز النظر إلى وجه الذمّية ويديها معلّلاً بأنّه لا حرمة لهنّ فإنّه ـ كالصريح في أنّ منشأ الجواز إنّما هو عدم وجود حرمة لأعراضهنّ ـ فيدلّ على عدم الجواز إذا كانت المرأة مسلمة وذات حرمة.

ولا يخفى ما في الدليلين من الضعف، أمّا الأوّل :فلأنّ الموضوع عند إرادة التزويج أوسع من غيرها فالجواز على النحو الموسّع مشروط بها، فانّ الروايات فيه بين مجوّزة مطلق النظر، أو مقيدة بالنظر إلى خلفها ووجهها، أو النظر إلى شعرها ومحاسنها أو خصوص شعرها، أو محاسنها إلى غير ذلك مما يفيد كون الموضوع أوسع ممّا نحن فيه، وقد وردت في رواية واحدة: وجهها ومعاصمها ،وهي رواية حمّاد.(1)ومن المعلوم أنّه ليس حجّة إلاّ في مدلولها لا في نفي غيره ممّا ورد في سائر الروايات كما مرّت.

أمّا الثاني: فالموضوع فيها هو الشعور والأيدي والرؤوس(2) والموضوع في المقام


1 . الوسائل: 14، الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
2 . المصدر نفسه، الباب 112، من أبواب مقدّمات النكاح.


(56)

هو الوجه والكفّان فقط فالاستدلال بهاتين الطائفتين على حرمة النظر إلى الوجه والكفّين كما ترى.

12ـ المرأة كلّها عورة، وقال العلاّمة في التذكرة: وهو قول كلّ من يحفظ منه العلم، والعورة سوأة الإنسان وذلك من العار، وأُطلقت عليها لأنّ ظهورها يورث العار.

و لكنّ الاستدلال بهذه الكلمة المأثورة من دون أن يعلم سندها غير تامّ، مع ذهاب الكثير إلى عدم العار في ظهور الوجه والكفّين.

هذه هي الوجوه التي استدل بها المانع في مقابل الوجوه العشرة التي استدل بها المجوّز.

الجمع الدلالي بين الأدلّة

والحق أنّه لاتعارض بين أدلّة الطرفين وقد حصل الخلط بين المسألتين : مقدار الستر، وجواز النظر . فالحقّ كون الوجه والكفّين خارجين عن مقداره، ومع ذلك لا يجوز النظر إليهما بلا حاجة مقتضية له على الأحوط وليست في المقام ملازمة بين عدم لزوم الستر وجواز النظر.

توضيح ذلك: أنّ ما استدلّ به القائل للجواز من الآيات والروايات، راجع إلى مقدار الستر ولا مانع من القول به، وقد اكتفى به الشارع دفعاً للعسر والحرج خصوصاً في القرى والبلاد التي تقوم النساء بعمليات فلاحية أو نساجية أو صناعية أو تجارية أو غير ذلك.

وليس للإنسان المتقشّف المتظاهر بالغيرة، الاعتراض على الحكم، ولاشكّ أنّ الستر أوفق بالعفّة وأحفظ من الزلّة هذا ومن جانب أنّ الحكم ليس إلزامياً وإنّما هو باختيار المرأة حسب ظروفها وملابساتها الحافّة بها.


(57)

وأمّا جواز النظر، فالدليل عليه عبارة عن الأمرين:

1ـ الروايات الماضية، وهي لا تتجاوز عن ثلاثة: صحيحة علي بن سويد، ومرسلة مروك، وخبر علي بن جعفر(1)والعبرة بالأُولى، والثانية مرسلة، والثالثة قابلة للتأييد لا الاستدلال. والقدر المتيقن منه هو النظر لحاجة، كالمعالجة والمعاملة، والتدريس الذي لا يستقيم الإفهام إلاّ به والشهادة عليها أو لها وغير ذلك من الأُمور التي لاتتمّ إلاّ بالنظر لكن العاري عن التلذذ المحرّك للشهوة والافتتان، وأمّا جواز النظر إليها لا لحاجة، فالقول به غير تامّ في مقابل إطلاقات الغضّ.وحمل آيات الغضّ على النظر الشهوي لا المطلق دون إثباته، خرط القتاد، بل الظاهر الحرمة مطلقاً، حسماً لمادة الفساد، ولاتجد فقيهاً يفتي بالجواز على وجه الإطلاق ولو لم يكن هناك حاجة. وأمّا سائر الروايات فالكلّ راجع إلى مقدار الستر.

2ـ إدّعاء الملازمة بين جواز الكشف وجواز النظر، ولكنّه مورد تأمّل خصوصاً إذا كان الملاك لجواز الكشف، هو دفع العسر والحرج عنها، ولا يكون مثل ذلك دليلاً على جواز النظر إذا لم يكن الرجل في عسر وحرج عند الغضّ.

أضف إلى ذلك: أنّ السيرة المستمرة بين المتدينين هو الغضّ بل الغمض على الفرق الواضح بينهما.

وأمّا التفرق بين النظرتين: الأُولى والثانية، فقد استدلّ عليه بما ورد من الروايات التي أثبتها صاحب الوسائل في الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح. مثل ما نقل الكاهلي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «النظر بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة».(2)ولايخفى أنّها أجنبية عن محلّ النزاع


1 . تقدّمت الروايات فلاحظ الرقم 4، 7و5.
2 . الوسائل:14، الباب 104، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6.


(58)

لأنّها راجعة إلى النظرات المتكرّرة مع الالتذاذ والشهوة.

المسألة الثامنة:

في نظر المرأة إلى الرجل

لاشكّ في حرمة نظرها عند خوف الفتنة، أو بقصد الالتذاذ، وإنّما الكلام فيما إذا لم يكن فيه أحد هذين العنوانين، المحتملات بل الأقوال أربعة:

الأوّل: التحريم مطلقاً، ذهب إليه صاحب المسالك وقال: ونظر المرأة إلى الرجل كنظره إليها لوجود المقتضي فيها ولقوله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ» فلايجوز لها النظر إلى وجهه وكفّيه.(1)

ويظهر ذلك من فخر المحققين في الإيضاح حيث قال: نظر المرأة إلى الرجل كنظره إلى المرأة لقوله تعالى:«قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنّ » ثمّ ذكر رواية أُمّ سلمة وقول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لها ولميمونة «أفعميا وإن أنتما».(2)

وقريب منهما الشهيدان في اللمعة والروضة حيث قال: يحرم على المرأة أن تنظر إلى الأجنبي أو تسمع صوته إلاّ لضرورة كالمعاملة والطب وإن كان الرجل أعمى لتناول النهي له ولقول النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأُمّ سلمة وميمونة: «...أفعميا وإن أنتما، ألستما تبصرانه».(3)

ويقرب من ذلك قول العلاّمة في القواعد وشارحه كاشف اللثام: يقول العلامّة: «ولاللمرأة النظر إليه» أي للأعمى وبطريق أولى لغيره.(4)

والعجب أنّ كثيراً من الكتب الفقهية خالية من عنوان المسألة، فقد راجعنا الكتب التالية فلم نجد المسألة معنونة فيها:المقنع والهداية للصدوق، والمقنعة


1 . المسالك: 1/348.
2 . الإيضاح: 3/8.
3 . الروضة: 5/99.
4 . القواعد: 3/8، قسم المتن.


(59)

للمفيد، والانتصار والمسائل الناصريات للسيد المرتضى، والنهاية والمبسوط للشيخ الطوسي، والمراسم لسلاّر بن عبد العزيز الديلمي، وإشارة السبق لأبي الحسن الحلبي، وجواهر الفقه، والمهذّب لابن برّاج، الغنية لابن زهرة، والوسيلة لابن حمزة الطوسي والجامع للشرائع ليحيى بن سعيد الحلي; ولعلّ وضوح المسألة عندهم أغناهم عن عنوانها.

الثاني: مساواة المرأة في الحكم في المستثنى والمستثنى منه، وهو الذي حكاه العلاّمة في التذكرة عن علمائنا قال: منع جماعة من علمائنا نظر المرأة إلى الرجل كالعكس. لقوله تعالى:«قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنّ» فلايجوز لها النظر إلاّ إلى وجهه وكفّيه لأنّ الرجل في حقّ المرأة كالمرأة في الرجل وهو قول أكثر الشافعية. وقال بعضهم: إنّها تنظر إلى ما يبدو عنه عند المهنة دون غيره إذ لاحاجة إليه. وقال بعضهم: إنّها تنظر إلى جميع بدنه إلاّ ما بين السرّة والركبة وليس كنظر الرجل إلى المرأة لأنّ بدنها عورة في نفسه، ولذلك يجب ستره في الصلاة ولأنّهما لو استويا لأُمر الرجل بالحجاب كالنساء.(1)

الثالث: التفصيل بين النظرة الأُولى وغيرها وهو مختار المحقق ـ قدّس سرّه ـ في الشرائع فيجوز في الأولى دون الثانية .

الرابع: جواز النظر إليه، من دون اختصاص بالوجه والكفّين وهو مختار صاحب مستند العروة.

دليل القائل بالحرمة على الإطلاق

استدل القائل بالحرمة: بآية الغض من جانب المؤمنات حيث يقول سبحانه: «قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ» (2) من


1 . التذكرة: 2/574،كتاب النكاح .
2 . النور/31.


(60)

دون استثناء صالح يخصص عموم الآية، والغضّ وإن كان بمعنى نقصان النظر، لكنّه كناية عن عدم النظر إلى الرجل، نعم ربّما يقال بأنّ استخدام الغضّ مكان الغمض لأجل أحد أُمور:

1ـ نقصان النظر ، لأجل جواز النظر إلى بعض أجزاء المبصر كالوجه والكفّ.

2ـ نقصان النظر، لأجل جواز النظر إلى بعض أفراده كالمحارم.

3ـ نقصان النظر، لأجل الانصراف عن المبصر، والتوجّه بالنظر إلى غيره وفرضه مغفولاً عنه.

4ـ نقصان النظر، بمعنى تقليل الدقة ـ وعدم تعميق النظر، كما احتمله بعض. ولكن الظاهر أنّه كناية عن عدم النظر والمحتملات الأربعة الأخيرة خالية عن الدليل.

هذا هو الدليل الواضح للقول الأوّل، وأمّا ما تمسك به من الروايات فهو غير تام، فهي بين ضعيفة السند وضعيفة الدلالة.

كمرسلة البرقي: استأذن ابن أُمّ مكتوم، على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعنده عائشة وحفصة فقال لهما: «قوما فادخلا البيت» فقالتا: إنّه أعمى؟! فقال: «إن لم يركما فإنّكما تريانه»(1) وضعف السند ظاهر، وخبر الصدوق في عقاب الأعمال: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«اشتدّ غضب اللّه على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها أو غير ذي محرم منها...».(2)

يلاحظ عليه: أنّه مع كونه ضعيف السند، ضعيف الدلالة ، لأنّ البحث في النظر المجرّد لا ما إذا ملأت عينيها بالنظر إلى الغير، ولاينفكّ مثله عن ريبة


1 . الوسائل: 14 ، الباب 129 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
2 . المصدر نفسه: الحديث 2.


(61)

وافتنان والتذاذ وشهوة .ومرسلة مكارم الأخلاق: عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّ فاطمة ـ عليها السّلام ـ قالت في حديث: خير النساء أن لايرين الرجال ولايراهنّ الرجال، فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «فاطمة منّي».(1)

يلاحظ عليه: بالإرسال وكون الحكم فيها أخلاقيّاً.

وفي مكارم الأخلاق أيضاً: عن أُمّ سلمة ما يتّحد مضمونه مع الأوّل، وعلى ذلك لايمكن الاستدلال إلاّ باطلاق الآية وهو إنّما يتمّ إذا لم يكن هناك مخصص.

دليل المساواة مع الرجل منعاً وترخيصاً

وهذا القول هو الظاهر من العلاّمة في التذكرة فرخّص نظرها إلى وجه الرجل وكفّيه مع أنّه منع نظر الرجل إليهما، وعلى كلّ تقدير فاستدل عليه:

أوّلاً: بالتلازم بأنّه متى جاز النظر منه إليها، جاز النظر منها إليه.

ولكنّ إثبات الملازمة مشكل لعدم العلم بوحدة الملاك مع كونهما صنفين، فمن الممكن أن يجوز من جانب دون جانب آخر.

وثانياً: التمسك بلفظة «من» في قوله: «من أبصارهنّ» مستظهراً بأنّ التبعيض في النظر لأجل خروج الوجه والكفّين.

يلاحظ عليه: أنّه يحتمل أن يكون التبعيض لأجل خروج المحارم، أو لغير ذلك من الوجوه المذكورة في تفسير الغض الذي هو بمعنى نقصان النظر.

ثالثاً: إدّعاء الإجماع ولكنّه غير ثابت وقد عبّر العلاّمة بقوله: «أكثر علمائنا».

ورابعاً: العسر والحرج في الغضّ المطلق.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان الملاك ذينك الأمرين يلزم التفصيل بين وجود


1 . الوسائل: 14، الباب 129من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث3.


(62)

الحرج وعدمه لأنّ الملاك فيهما شخصيّ لا نوعي.

وخامساً: السيرة المستمرة بين المسلمات فإنّهنّ ينظرن إلى الرجال وإلى نفس الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ ولو من وراء الحجاب ولم يرد النهي عنه، ويؤيّد ذلك عدم ورود السؤال عن نظرها إليه مع وروده في عكسه فمن البعيد أن يكون سببه كون النظر واضح الحرمة، بل من المحتمل جدّاً أنّ سببه كونه واضح الجواز.

لكن القدر المسلّم في الحكم هو ما جرت العادة على كشفه من الرجل كالرأس واليدين أو الذراعين على تأمّل، وأمّا الزائد فهو مدفوع بإطلاق الآية كما لايخفى.

المسألة التاسعة:

في النظر إلى المرأة في موارد الضرورة

وقد استثني من حرمة النظر، موارد الضرورة في الرجل والمرأة بأدلّة عامّة أو خاصّة.

منها: الشهادة

قال المحقق: ويجوز عند الضرورة إذا أراد الشهادة عليها ويقتصر، الناظر على ما يضطرّ الاطّلاع عليه من غير فرق بين التحمّل والأداء. ويدلّ عليه قوله سبحانه:«وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا» (1) وقوله سبحانه:«وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» (2) فلو دعي من له الحقّ رجلاً، إلى تحمّل الشهادة على زوجته الزانية تجب الإجابة لإطلاق الآية الأُولى.

وفي الاستدلال بالآيتين تأمّل، لأنّ إطلاقهما لايشمل ما إذا


1 . البقرة/282.
2 . البقرة/283.


(63)

كان في تحمّلها أو أدائها ارتكاب للحرام كما في المقام، ومثله وجوب الحجّ فانّه لايشمل ما إذا كان في أدائه ارتكاب للمحظور. نعم لو كان مورد الشهادة تحمّلاً وأداءً من الأُمور المهمّة التي ترتفع عندها حرمة النظر واللمس، كان جائزاً. وليس كلّ شهادة من هذا القبيل.

ويمكن الاستدلال بصحيحة علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأوّل ـ عليه السّلام ـ قال: «لابأس بالشهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو يحضر من عرفها، ولايجوز عندهم أن يشهد الشهود على إقرارها دون أن تسفر وينظر إليها».(1) بناء على أنّ مفادها هو: أنّه إذا عرفت بعينها، أو حضر من العدول من يعرفها فلا حاجة إلى الإسفار.وأمّا إذا لم يعرفها ، ولم يحضر من العدول من يعرفها، فلا يجوز إلاّ بالإسفار خلافاً لأهل السنّة حيث قالوا بالإسفار مطلقاً كما هو ظاهر قوله ـ عليه السّلام ـ : «ولايجوز عندهم أن يشهد الشهود»، ولعلّ هذا هو المستفاد من المتن الذي نقله الكليني عن علي بن يقطين عن أبي الحسن الأوّل قال ـ عليه السّلام ـ : «لابأس بالشهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو حضر من يعرفها فأمّا إن لاتعرف بعينها ولايحضر من يعرفها، فلايجوز للشهود أن يشهدوا عليها وعلى إقرارها دون أن تسفر وينظروا إليها».(2)

وبما أنّ الستر والإسفار من حقوق المرأة فلاتلزم على الإسفار أبداً إلاّفي المورد الذي لايعرفها الشاهد ولايعرفها الحاضرون لما عرفت أنّ الحديث، حديث الحقّ ولاتلزم برفع اليد عنه إلاّ إذا توقف عليه الأمر الشرعي. فلو توقف تحمّل الشهادة أو أداؤها على الإسفار، تلزم على الإسفار جمعاً بين الحقّين وإلاّ فلا.

3ـ مكاتبة الصفّار المتقدّمة في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد عدلان أنّها


1 . الفقيه: 3/41 ح1، باب الشهادة على المرأة.
2 . الكافي: 7/400، كتاب الشهادات، باب الرجل يشهد على المرأة.


(64)

فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها ،أو لا تجوز الشهادة عليها حتّى تبرزنَّ وتثبتها بعينها؟ فوقّع ـ عليه السّلام ـ : «تتنقّب وتظهر للشهود إن شاء اللّه» .(1)

ويقيّد إطلاقها، بما تقدّمها. وقد تقدّم فقه الرواية فلاحظ.

فتلخّص أنّ الأظهر هو الاستدلال بالروايات دون الآيات ثمّ الاستثناء على قول من لايقول بجواز النظر إلى الوجه والكفّين ، وإلاّفلا حاجة إلى الاستثناء ويمكن القول بأنّ النظر في مقام الشهادة يتوقّف على إعمال النظر وتعميقه وهو ليس بجائز في غيرها. فالاستثناء لابدّ منه مطلقاً.

منها: النظر لأجل العلاج

العلاج تارة يتوقّف على النظر، وأُخرى على المسّ، وثالثة على الجرح والكسر وعلى كلّ تقدير ثمّ العلاج بالأجنبي تارة مع إمكان المماثل، وأُخرى مع عدمه ووجود الضرورة، ثمّ العلاج تارة يتوقف على المباشرة في مقدّماتها، وأُخرى يقبل الاستنابة فيقوم أحد المحارم عليها ويخبره بالنتيجة، وعلى فرض المباشرة تارة يمكن المعالجة بالنظر إلى المرآة أو استخدام الوسائل التلفيزيونية ،وأُخرى لا؟

والجواب على الجميع يتوقّف على دراسة أدلّة الحكم.

أمّا إذا لم يوجد المماثل الذي يصدق عليه الاضطرار العقلي فتكفي فيه أدلّة رفع الحرمة عند الاضطرار في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «رفع عن أُمّتي تسعة... ما اضطرّوا إليه»(2) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «رفعت عن أُمّتي أربع خصال: «ما اضطرّوا إليه وما نسوا وما أُكرهوا عليه وما لم يطيقوا».(3)

وفي موثقة سماعة: «... وليس شيء ممّا حرّم اللّه إلاّ وقد أحلّه اللّه لمن اضطرّ إليه».(4)


1 . من لا يحضره الفقيه: 3، باب الشهود على المرأة ، الحديث 3347.
2 . الخصال:417، باب التسع، الحديث 9.
3 . الوسائل: 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 10، مرسلة العياشي.
4 . الوسائل: 4، الباب 1، من أبواب القيام ، الحديث 6و7.


(65)

وفي الأُخرى«...وليس شيء ممّا حرّم اللّه إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه».(1)

ولاإشكال في جواز مراجعة المريضة المضطرّة إلى الطبيب. وما عن السيد الحكيم ـ قدّس سرّه ـ من أنّ أدلّة الاضطرار مختصة بالمضطرّ ولا يعمّ الطبيب، غير تام للملازمة بين الرفعين أو الجوازين وإلاّ يلزم لغوية الرفع وأيّ فائدة لجواز كشفها إذا حرم على الطبيب النظر واللمس.

وإنّما الكلام فيما إذا لم يكن مضطرّاً بأن يوجد المماثل فلاشكّ أنّ أدلّة الاضطرار غير شاملة لها، لكن يمكن استكشاف جوازه من رواية أبي حمزة الثمالي وهي صحيحة على الأصحّ، لأنّ الظاهر أنّ علي بن الحكم فيها هو ما وثّقه الشيخ في الفهرست والعلاّمة في الخلاصة، بقرينة رواية أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري عنه.

فعن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها إمّا كسر وإمّا جرح في مكان لايصلح النظر إليه يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء أيصلح له النظر إليها؟ قال:« إذا اضطرّت إليه فليعالجها إن شاءت».(2)

وبما أنّ كلام الإمام ـ عليه السّلام ـ جواب عن سؤال السائل وهو لم يفرض فقدان المماثل بل أرفقية الرجل من النساء، يستفاد كون المراد من الاضطرار هو الحاجة ورجحان معالجة الرجل على المرأة.

نعم في رواية السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «سئل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ عن الصبي يحجم المرأة؟ قال: إذا كان يُحسِنُ يصف فلا».(3)


1 . الوسائل: 4، الباب 1، من أبواب القيام ، الحديث 6و7.
2 . الوسائل: 14، الباب 130، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
3 . المصدر نفسه: الحديث2.


(66)

وما رواه علي بن جعفر، قال: سألته عن المرأة يكون بها الجرح في فخذها أو بطنها أو عضدها هل يصلح للرجل أن ينظر إليه يعالجه؟ قال: «لا».(1)

ولكنهما محمولتان على صورة وجود المماثل وعدم الحاجة إلى الجنس المخالف وعدم أرجحيته، وإلاّ فيجوز أخذاً بمفاد الرواية السابقة.

وأمّا الاستنابة أو الاستفادة من الأجهزة الصناعية، فلو كانت رافعة للحاجة وخالية عن العسر فالأحوط تقديمها على المباشرة وإلاّ فيباشر بنفسه.

منها: النظر للشهادة على الزنا

وهل يجوز النظر للشهادة على كلّ عمل منكر له حد أو لا؟ جوّزه العلاّمة قائلاً بأنّه وسيلة إقامة حدود اللّه ولما في المنع من عموم الفساد واجتراء النفوس على هذا المحرّم وإنسداد باب ركن من أركان الشرع. ويلزم من حرمة النظر أن لاتسمع شهادته بالزنا لتوقف تحمّلها على النظر المحرّم إلاّ إذا علمت توبته.(2)

يلاحظ عليه: أنّ إقامة الحدود لو كانت واجباً مشروطاً لايجب تحصيل شرطه أعني: النظر المباح، فكيف إذا كان الشرط أمراً محرّماً، وإن كان واجباً مطلقاً يجب تحصيل شرطه لكن إذا كانت المقدّمة محلّلة ـ كما في النظر صدفة ـ لامحرّمة ويكفي في رفع الفساد وإجراء الحدود في الموارد التي يتّفق فيها النظر، على أنّ عدم اكتفاء الشارع بشهادة عدلين والتماس شهادة أربعة أشخاص حاك عن قلّة اهتمامه بالثبوت.

ولعلّه لذلك استقرب في التذكرة المنع لأنّه نظر إلى فرج محرّم فيكون حراماً وليست الشهادة على الزنا عذراً، لأنّه مأمور بالستر.


1 . الوسائل: 14، الباب 130، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث3.
2 . نقله الشهيد في المسالك في المقام عن القواعد ولم نعثر عليه في نكاح القواعد لاحظ إيضاح القواعد 3/7.


(67)

ومنها: النظر للشهادة على الولادة والرضاع

استثنى في المسالك: النظر للشهادة بالولادة والرضاع إذا لم يمكن إثباتهما بالنساء العادلات، أو لم يبلغ عددهنّ مرحلة تفيد الاطمئنان وعلّل الجواز بكونه من مهامّ الدين وأتمّ الحاجات خصوصاً أمر الثدي ويكفي في دعاء الضرورة إلى الرجال، المشقّة في تحصيل أهل العدالة من النساء على وجه يثبت به الفعل.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره قليل الاتّفاق إذ قلّما يتّفق مورد لايبلغ عدد النساء إلى حدّ يحصل من قولهم العلم بالرضاع والولادة، نعم لو مسّت الحاجة الشديدة بحيث تصدق عليه الضرورة الدينية، لجاز.

المسألة العاشرة:

في النظر إلى القواعد من النساء

والأصل في جواز كشفهنّ والنظر إليهنّ قوله سبحانه:«وَ القَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجات بِزِينَة وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» .(2)

ويقع البحث عن أُمور:

1ـ ما هو المراد من القواعد؟

المراد من القواعد من النساء هي التي فسّرت بقوله سبحانه:«لايرجون نكاحاً» والمراد من النكاح هو التزويج وتفسيره بالحيض بعيد عن ظاهر اللفظ، وعلى المختار فالمراد: النساء اللاتي لايرغب في تزويجهنّ غالباً وفسرتها الرواية بـ «إذا كانت المرأة مسنّة» أو «ممن قعدن عن النكاح».(3)


1 . المسالك2/9.
2 . النور/60.
3 . الوسائل: 14، الباب 110، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4و5.


(68)

والكلّ يشير إلى منشأ واحد، وهو بلوغ المرأة إلى حدّ لايثير النظر إليها شهوة الرجال ولايمكن تحديد ذلك بسنّ خاص وربّ امرأة يائسة، حفظت جمالها يعجب الشبّان وجهها وسائر محاسنها، وربّ امرأة لايرغب في نكاحها وإن لم تبلغ حدّ اليأس. ولأجل ذلك قال سبحانه:«لايرجون نكاحاً» ، وفسرت في النصوص بالمرأة المسنّة وهو تفسير بالفرد الغالب كما في صحيحة حريز (1) وبمن قعدن عن النكاح كما في خبر علي بن أحمد بن يونس(2). وعلى ذلك فالقدر المتيقّن هو المرأة المسنّة التي لاترجي نكاحاً، ولايرغب في نكاحها أغلب الناس فلايكون النظر إلى تلك موجباً لثوران الشهوة بل يعاملهنّ الناسُ معاملة الأُمّهات، وأمّا إذا لم تبلغ إلى تلك المرحلة فاللازم حفظ ثيابها.

2ـ مقدار ما يجوز وضعهنّ من الثياب

أمّا مقدار ما يجوز وضعهنّ من الثياب فقد اختلفت الأخبار في حدّها ففي بعضها: الجلباب. روى محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في قول اللّه عزّوجلّ: «وَ القَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتي لا يَرْجُونَ نِكاحاً » ما الذي يصلح لهنّ أن يضعن من ثيابهن؟ قال: « الجلباب»(3) ومثله خبر أبي الصباح الكناني(4) وخبر محمّد بن أبي حمزة بإضافة «وحده» (5) ولعلّها إشارة إلى إبقاء «الخمار» الذي أصغر منه.

وهناك روايات تدلّ على أنّ الموضوع أوسع من الجلباب، ففي صحيحة الحلبي: «الخمار والجلباب».(6) ومثله صحيحة حريز قال: «الجلباب والخمار إذا كانت المرأة مسنّة» (7) وفي خبر محمّد بن سنان، عن الرضا ـ عليه السّلام ـ تفسير الآية


1 . الوسائل: 14، الباب 110، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4و5.
2 . الوسائل: 14، الباب 110، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4و5.
3 . الوسائل: 14، الباب 110، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1و6و3.
4 . الوسائل: 14، الباب 110، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1و6و3.
5 . الوسائل: 14، الباب 110، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1و6و3.
6 . الوسائل: 14 ، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2و4.
7 . الوسائل: 14 ، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2و4.


(69)

بقوله: «أي غير الجلباب فلابأس بالنظر إلى شعور مثلهنّ». (1)

ويمكن الجمع بالحمل على مراتب التعفف الذي يدلّ عليه ذيل الآية: حيث قال تعالى: «وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ» فالتعفف الكامل عدم وضع أي ثياب، ودونه وضع الجلباب، ودونه الخمار وإن كان رفع كليهما جائزاً.

ولا يعدّ مثل هذا الجمع تبرعياً، ويدلّ على ذلك خبر الكناني(2): حيث جوّز لخصوص الأمة إذا كانت من القواعد رفع الكل مع أنّ الأمة شابّتها ومسنّتها ليس عليها حجاب ولاستر، وهذا يدل على أنّ التفريق بين الحرة والأمة إذا كانتا من القواعد تنزيهي، وأمّا القول المحكي عن الشهيد من جواز كشف سائر الأعضاء من البدن أخذاً بإطلاق الثياب فلم يقل به أحد.

3ـ مقدار ما يجوز النظر إليها

وأمّا مقدار ما يجوز النظر إليها فيختلف حسب مقدار ما تضع من ثيابها فعلى القول باختصاصها بالجلباب يجوز النظر إلى اليدين والذراعين وبعض الشعر، لأنّ الخمار لايكون ساتراً لجميع شعرها. وعلى الثاني أي: جواز وضع الجلباب والخمار معاً، يجوز النظر إلى جميعها وعنقها وعليه يحمل ما في خبر علي بن أحمد بن يونس قال: ذكر الحسين أنّه كتب إليه يسأله عن حدّ القواعد من النساء التي إذا بلغت جاز لها أن تكشف رأسها وذراعها؟ فكتب ـ عليه السّلام ـ : «من قعدن عن النكاح».(3)

وما في صحيحة البزنطي قال: سألته عن الرجل يحلّ له أن ينظر إلى شعر أُخت امرأته؟ فقال: «لا ، إلاّ أن تكون من القواعد»، قلت له: أُخت امرأته والغريبة سواء؟قال: «نعم» قلت: فما لي من النظر إليه منها؟ فقال: «شعرها وذراعها».(4) ومع ذلك ليس لهنّ التبرّج بالزينة. كما هو صريح الآية.


1 . الوسائل: 14، الباب 104، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 12.
2 . المصدر نفسه، الباب 110، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6ـ5.
3 . المصدر نفسه، الباب 110، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6ـ5.
4 . الوسائل:14، الباب 107من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1.


(70)

المسألة الحادية عشرة:

في حكم الصبي والصبية من جهات

1ـ حكم البالغ بالنسبة إلى غير المميّز

يجوز النظر من المخالف البالغ إلى غير المميّز صبياًكان أو صبية لانصراف الأدلّة عن مثلهما والسيرة القطعية، ويؤيّده ما دلّ على جواز غسل الرجل للصبية إذا كانت دون الخمس.(2)

وبذلك يعلم أنّه إذاكان الناظر غير مميّز و المنظورة بالغة فلايجب على المرأة التستر، لانصراف الأدلّة عن مثله فعلم أنّ غير المميّز لاحكم له من النظر إليه، أو نظره إلى غيره حتّى يجب عليه التستر منه من غير فرق بين العورة وغيرها والتعفف أليق وأحوط.

2ـ حكم البالغ بالنسبة إلى المميّز صبيّاً أو صبيّةً

يقع الكلام تارة في حكم النظر إليهما، وأُخرى في وجوب التستر إذا كان هناك ناظر مميّز . أمّا الأوّل أعني: النظر إلى غير المماثل المميّز، فيجوز للرجل النظر إليها، لصحيح عبد الرحمان بن الحجّاج، قال: سألت أبا إبراهيم ـ عليه السّلام ـ عن الجاريّة التي لم تدرك متى ينبغي لها أن تغطي رأسها ممّن ليس بينها وبينه محرم؟ ومتى يجب عليها أن تقنع رأسها للصلاة؟ قال: «لاتغطّي رأسها حتّى تحرم عليها


2 . الوسائل: 2، الباب 23، من أبواب غسل الميّت، الحديث 4.


(71)

الصلاة».(1) وحرمة الصلاة عليها: كناية عن صيرورتها حائضاً، والرواية وإن دلّت على جواز كشف الصبية رأسها حتى تحيض، وتدلّ بالملازمة العرفية على جواز النظر إليها حتّى تحيض لكن خرجت عنها البالغة وإن لم تحض وبقيت غيرها.

ومنه يعلم حكم نظر المرأة إلى الصبي المميّز لاتّحاد حكم الرجل والمرأة في باب النظر ويمكن الاستدلال على جواز نظرها إلى المميّز، بما سيأتي من أنّه لايجب عليها الستر من الغلام حتّى يحتلم، بتقريب أنّ جواز كشف الرأس يلازم جواز نظرها إليه.

هذا على قول من يقول بحرمة نظرها إلى الرجل، وأمّا على قول من يجوّز النظر كما هو الظاهر من صاحب مستند العروة، فلاحاجة إلى الاستثناء.

3ـ فيما إذا كانت المميزة ناظرة أو المميز ناظراً

هذا كلّه إذا كان المميّز والمميّزة منظوراً إليه أو إليها. أمّا إذا كانت المميّزة ناظرة فلا يجب على الرجل التستر من المرأة الناظرة البالغة فضلاً عن المميّزة.

وأمّا إذا كان الناظر هو المميّز فهل يجب على المرأة التستر؟ وجهان: الجواز، لصحيحة البزنطي عن الرضا ـ عليه السّلام ـ قال: «يؤخذ الغلام بالصلاة وهو ابن سبع سنين ولاتغطي المرأة شعرها منه حتّى يحتلم».(2) ونحوها خبر قرب الإسناد(3) وعدم الجواز بقوله سبحانه:«وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ...أَوِ الطِفْلِ الّذينَ لَمْيَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ» .(4)

قائلاً بأنّ الظهور كناية عن العلم والاطّلاع وتمييز الأُمور. قال الطبرسي:


1 . الوسائل: 14، الباب 126 من أبواب مقدّمات النكاح الحديث 2.
2 . الوسائل: 14 ، الباب 126 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3و4.
3 . الوسائل: 14 ، الباب 126 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3و4.
4 . النور/31.


(72)

يريد به الصبيان الذين لم يعرفوا عورات النساء ولم يعثروا عليها لعدم شهوتهم فيختصّ ذلك بغير المميّز.

ويمكن أن يقال: إنّ الآية كناية عن البلوغ والمراد من الظهور هو الغلبة والقدرة والمراد من غلبتهم على عورات النساء، قدرتهم على الجماع والاستمتاع، قال سبحانه: «كَيْفَ وَ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاّ وَ لا ذِمَّةً» .(1)

وقال تعالى: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» . (2)

ويؤيده إيجاب الاستئذان على الأطفال عند البلوغ.قال سبحانه:«وَ إِذا بَلَغَ الأَطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» .(3) فالبالغ يستأذن في كلّ الأوقات، وأمّا الأطفال والعبيد يستأذنون في الأوقات الثلاثة التي ذكرها سبحانه في قوله:«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنُكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّات».(4)

ونقله الطبرسي قولاً، وقال: وقيل: لم يطيقوا مجامعة النساء فإذا بلغوا مبلغ الشهوة فحكمهم حكم الرجال. وعلى ضوء هذا فالقول ـ أي عدم وجوب الستر ـ إذا كان الناظر غير بالغ هو الأظهر أخذاً بظاهر صحيحة البزنطي ومنطوق الآية.

ويمكن حمل الآية ـ إذا قلنا بأنّ الظهور كناية عن العلم ـ على ما إذا ترتّب على الإبداء ما لا تحمد عاقبته مثل ثوران الشهوة، لا ما إذا لم يترتّب عليه ذلك، وقد جرت السيرة على الإبداء إلاّ في هذه الصورة والقدر المتيقّن من الصحيحة أيضاً ما إذا لم يترتّب عليه ذلك.

وأمّا إذا كان النظر من المميّز والمميّزة موجباً لذلك، فانّهما وإن كانا غير


1 . التوبة/8.
2 . الصف/9.
3 . النور/59.
4 . النور/58.


(73)

مكلّفين، لكن كان العمل مبغوضاً بذاته، يجب قطع السبيل على الناظر والناظرة، أمّا الأوّل فبستر المرأة وأمّا الثاني فبمنع الولي إيّاها وعدم السماح لها، للنظر.

وأمّا النظر منهما إلى عورة البالغ أو نظره إلى عورتهما فربّما يستدل على الحرمة بقوله سبحانه: «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ» .(1)

مدّعياً بأنّ المراد الأعم من الجماع والنظر، ويمكن أن يقال:إنّ حكم العورة حكم الأشياء التي تعدّ حسب الطبع أمراً محظوراً محرّماً فالجواز يحتاج إلى الدليل، وإنّما خرجنا عنها في غير المميز لدليل هذا كلّه فيما إذا لم يبلغا مبلغاً يترتّب على النظر منهما أو إليها ثوران الشهوة، وإلاّ فلاكلام في الحرمة.

3ـ تقبيل الرجل الصبية

لا إشكال في تقبيل الصبية التي ليست بمحرم ووضعها في الحجر قبل أن يأتي عليها ستّ سنين للنصوص المتضافرة: كصحيح علي بن الحكم الكوفي (الثقة الجليل) عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي (الذي كان وجهاً عند أبي الحسن الأوّل ـ عليه السّلام ـ ) وهو يروي عن أبي أحمد الكاهلي (المهمل الذي لم يوجد له في الكتب الأربعة إلاّرواية واحدة) والرواية مضمرة ويقول: وأظنّني قد حضرته قال: سألته عن جارية «جويرية خ ل» ليس بيني وبينها محرم تغشاني فأحملها وأقبّلها؟ فقال: «إذا أتى عليها ستّ سنين فلاتضعها على حجرك».(2)

وروى الصدوق في الفقيه بسنده عن عبد اللّه بن يحيى، قال: سأل محمّد بن النعمان أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ فقال له: عندي جويرية ليس بيني وبينها رحم ولها ستّ سنين؟ قال: «لاتضعها في حجرك».(3)


1 . المؤمنون/5.
2 . الوسائل: 14، الباب 127، الحديث 1.
3 . الفقيه:3، كتاب النكاح، الباب 128، ص 275، الحديث 2.


(74)

وربّما يحتمل أن يكون أبو أحمد الكاهلي في الرواية الأُولى، هو نفس محمّد بن النعمان في الرواية الثانية فتتحد الروايتان، وعلى فرض صحّة الاحتمال فمحمّد بن النعمان مردّد بين محمّد بن علي بن النعمان الأحول البجلي الثقة، المعروف بمؤمن الطاق، ومحمّد بن النعمان الأزدي الكوفي من رجال الصادق ـ عليه السّلام ـ الذي ترجمه الشيخ في رجاله برقم (352) ومحمّد بن النعمان الحضرمي الذي هو أيضاً كذلك وترجمه الشيخ في رجاله برقم (351) ولكن وجود الاختلاف في المتن، يأبى عن توحيد الروايتين.

ثمّ إنّ دلالة الروايتين على عدم جواز التقبيل إذا مضت عليها ستّ سنين بالأولوية فإذا كان الوضع ممنوعاً فالتقبيل بطريق أولى، وأمّا دلالتهما على جواز التقبيل إذا لم تبلغ ستّ سنين فلأنّ الوضع على الحجر يلازم غالباً مع التقبيل فإذا جاز، جاز.

وأمّا ما أفاده صاحب مستند العروة: أنّ الإمام ـ عليه السّلام ـ أجاب عمّا هو أهون منهما، فيستفاد منه أنّه لا مانع من التقبيل والحمل ما لم تبلغ ستّ سنين.ففيه: أنّ جواز الأهون لايدلّ على جواز غيره وإنّما الملازمة في صورة العكس فلاحظ. ثمّ إنّ القول بالتحريم إذا جاوزت الستّ مشكلة.

أمّا أوّلاً : فلأنّه ورد التعبير في غير واحد من الروايات بلفظ «لاينبغي» المشعر بالكراهة: روى زرارة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «إذا بلغت الجارية الحرّة ستّ سنين فلاينبغي لك أن تقبّلها».(1)

وثانياً: أنّ كثرة الابتلاء يقتضي تضافر النصوص والإفتاء بها، والمسألة غير معنونة في كلماتهم وهذا آية كون الحكم على الكراهة.


1 . الوسائل:14، الباب 127، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث2و7.


(75)

نعم هناك بعض المراسيل تحكي عن عمل الإمام حيث إنّه نحى عن اقتران الجارية إليه على اختلاف مضمونها.

ففي مرسلة هارون بن مسلم عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السّلام ـ : أنّ بعض بني هاشم دعاه مع جماعة من أهله فأتى بصبية له فأدناها أهل المجلس جميعاً إليهم، فلمّا دنت منه سأل عن سنّها فقيل: خمس، فنحاها عنه.(1)

وفي مرسلة علي بن عقبة: وقال: «إذا أتت على الجارية ستّ سنين لم يجز أن يقبّلها رجل ليست هي بمحرم له ولايضمّها إليه».(2)

وفي مرفوعة زكريا المؤمن: رفعه أنّه قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «إذا بلغت الجارية ستّ سنين فلا يقبّلها الغلام، والغلام لايقبّل المرأة إذا جاز سبع سنين».(3) وكون المورد هو الغلام لا يضرّ بالمقصود، فإذا حرم في الأهون ففي غيره بطريق أولى.

لكن الكلّ مراسيل لايصحّ الاستدلال بها، مع اختلافها في المضمون والقول بالكراهة مالم تبلغ ، هو الظاهر لكن إذا لم تكن عن شهوة لكون المنع في هذه الصورة، هو المرتكز، قبل البلوغ أو بعده.

المسألة الثانية عشرة:

حكم صوت الأجنبية ومصافحتها

يحرم على المرأة إسماع الصوت الذي فيه تهييج للسامع بتحسينه وترقيقه، قال تعالى: «يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً»(4)


1 . الوسائل: 14، الباب 127، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3و6و4.
2 . الوسائل: 14، الباب 127، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3و6و4.
3 . الوسائل: 14، الباب 127، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3و6و4.
4 . الأحزاب/32.


(76)

والآية وإن كانت خطاباً لنساء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّ أنّ قوله: « فَلا تَخْضَعْنَ» بيان للتقوى في قوله:« إنِ اتَّقَيْتُنَّ » كما أنّ الأحكام الواردة بعدها كلّها بيان له ، أعني: قوله سبحانه:>>وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ» .(1)

وقال سبحانه: «وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّهِ وَ الحِكْمَةِ إِنَّ اللّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً» .(2)

ومن المعلوم أنّ مراعاة التقوى واجبة على كلّ أحد، وعند ذلك لا فرق بين سائر النساء ونساء النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واحتمال كون الإمساك عن التخضع من مراتب كمال التقوى، خلاف الظاهر، بقرينة ما ورد بعد من قوله: «وقرن» ، «ولاتبرّجن»، «وأقمن الصلاة»، وبالجملة كون الإسماع في هذه الصورة حراماً لاشكّ فيه ويؤيده الارتكاز.

وإنّما الكلام فيما إذا كان صوتها مجرّداً عن ذلك.

فقال المحقّق: لا يجوز له سماع صوت المرأة الأجنبية، لأنّه عورة، وحكى عن القواعد والتحرير، والإرشاد، والتلخيص، وقال في الجواهر:بل قيل إنّه مشهور، وإليك الأقوال:

قال في الحدائق: المشهور تحريم سماع صوت المرأة الأجنبية، مبصراً كان أو أعمى، وإطلاق كلامهم شامل لما أوجب إسماع التلذذ والفتنة أم لا.(3)

قال المحقّق في الشرائع : الثانية: الأعمى لا يجوز له سماع صوت الأجنبية.

وقال العلاّمة في القواعد: ولا للأعمى سماع صوت الأجنبية.(4)

وقال في التذكرة: وصوت المرأة عورة يحرم استماعه مع خوف الفتنة لابدونه


1 . الأحزاب/ 33و34.
2 . الأحزاب/ 33و34.
3 . الحدائق: 23/66.
4 . متن إيضاح القواعد:3/8.


(77)

وينبغي لها أن تجيب المخاطبين لها أو قارع الباب، بصوت غليظ ولاترخم صوتها. وللشافعية وجهان: في أنّه عورة، أم لا لكن يحرم الإصغاء إليه مع خوف الفتنة، لما رواه الصدوق أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ كان يسلّم على النساء وكان يكره أن يسلم على الشابة منهنّ وقال ـ عليه السّلام ـ : «أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل من الإثم عليّ أكثر ممّا طلبت من الأجر». (1)

وقال في التحرير: لا يجوز للأعمى سماع صوت المرأة الأجنبية، ولا للمرأة النظر إليه، لأنّ ابن أُمّ مكتوم دخل على النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ....(2)

وقال الشهيد الثاني في المسالك: يحرم على الأعمى سماع صوت المرأة لأنّ صوتها عورة. وإطلاق الحكم يشمل ما إذا خاف الفتنة، أو تلذّذ وعدمه، ويفيد تحريم سماع صوتها للمبصر بطريق أولى. لكنّه لم يذكره في حكم المبصر واكتفى بالتنبيه عليه ضمناً.(3)

قال المحقّق الكركي(4) الرابع: صوت المرأة عورة يحرم استماعه مع خوف الفتنة لابدونه... واعلم أنّه كما يحرم استماع صوتها يحرم عليها إسماعه الأجانب كما يحرم عليها التكشف.

ولكن الموافقة مع الحرمة على إطلاقها من دون تقييدها بالتلذّذ والريبة مشكلة جدّاً بل غير صحيح، إذ يدلّ على جواز سماع صوتها أُمور:

1ـ تخصيص الآية النهي بصورة التخضّع، لامطلق التكلّم، وإلاّ لكان توجيه النهي إليه أولى.

2ـ السيرة القطعية بين المسلمين من تكلّم النساء مع الرجال والمحادثة


1 . التذكرة: 2/574،كتاب النكاح .
2 . التحرير: 3،كتاب النكاح، الطبعة الحجرية.
3 . المسالك: 1/349.
4 . نكاح جامع المقاصد المطبوع في ذيل القواعد للعلاّمة:5.


(78)

بينهم من دون تقيّد بحال الضرورة، وهذا هو التاريخ، ضبط كلام النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مع النساء في الحروب وغيرها.

3 ـ إنّ العيش في البادية التي تقام فيها المآتم والأعراس لاينفكّ عن اختلاط النساء مع الرجال وتكلّم كلّ مع الآخر ولو كان سماع صوتها حراماً لكان للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ التصريح الأكيد بالمنع.

4ـ ما زالت النساء تتعامل مع الرجال في الأسواق والشوارع من غير نكير. إلى غير ذلك من الوجوه التي يشرف الفقيه على القطع بالجواز.

واستدلّ على الحرمة بوجهين:

الأوّل: ما في الشرائع من أنّ صوتها عورة ولم نجد له سنداً.ومثله ما يقال: صوت المرأة كبدنها عورة.

الثاني: الروايات الناهية من ابتداء الرجل بالسلام على المرأة.

مثل موثقة ابن مسعدة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ :«لاتبدؤا النساء بالسلام ولاتدعوهنّ إلى الطعام، فانّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: النساء عيّ وعورة فاستروا عيّهن بالسكوت واستروا عوراتهن بالبيوت».(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذه الرواية وما بمضمونها يحمل على الكراهة والتنزيه، لأنّه ثبت متواتراً من تكلّم فاطمة بنت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبناته الأُخر مع الناس، كما ثبت مخاطبة النساء للنبيّ والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ ولايمكن حمل كلّ ذلك على الاضطرار الدينيّ أو الدنيوي، والآية الكريمة المخصصة للنهي بصورة التخضع، مشعرة بالجواز في غير هذه الصورة، مع أنّ النساء في جميع الأجيال كنّ يتعاملن مع الناس في حوائجهنّ وكمالاتهنّ، فكيف يمكن رفع اليد عن هذه السيرة بهذه الرواية؟


1 . الوسائل: 14، الباب 131، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.


(79)

وممّا يؤيّد التنزيه ، ما رواه الصدوق، قال: كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يسلّم على النساء ويرددن عليه وكان أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يسلّم على النساء ويكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ ويقول: أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ من الإثم أكثر ممّا طلبت من الأجر.(1)

فبالجملة: نفس التكلّم بما هو هو من غير فرق بين الشابّة وغيرها، لاشكّ في جوازه، وأمّا الطوارئ الموجبة لحدوث الفتنة، واقتراب الإنسان من الذنب فهو خارج عن موضوع البحث.

مصافحة الرجل المرأة الأجنبية

لاشكّ في أنّ كلّ موضع حكم فيه بتحريم النظر، فاللمس أولى، إنّما الكلام في المصافحة باليد فقد وردت حرمتها، إلاّمن وراء حجاب، ولايغمز كفّها.(2)

وأمّا العضو المبان، فهل هو على حكمه الثابت في حال الاتصال، أو لا؟ أو الفرق بين الأظفار والسن وغيرهما من سائر الأجزاء، فالأحوط عدم جواز اللمس والنظر إلى الرأس المقطوع والبدن المقطوع ـ إلاّ إذا صار على وجه يعدّ شيئاً أشبه بالجماد ـ لثبوت حرمته، قبل الانفصال والأصل بقائها على ما كان خصوصاً حكم السوأتين.

خاتمة في الخنثى المشكلة

يقع الكلام تارة في الخنثى المشكلة في جواز نظر كلّ من الرجل والمرأة إليها وأُخرى في نظرها إلى كلّ من الطائفتين وتستّرها عنهما.


1 . الوسائل: 14، الباب 131، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
2 . الوسائل:14، الباب 115، من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1و2.


(80)

أمّا الأوّل: فالظاهر جواز نظر كلّ منهما إليها لأنّ حرمة النظر في جانب الرجل، مشروط بإحراز الأُنوثية في الطرف المقابل وهي بعدُ لم تحرز وعلى العكس في جانب المرأة وليس هناك خطاب واحد متوجّه إليهما، وهذا مثل واجدي المني في الثوب المشترك حيث لا يجب الاغتسال على كلّ واحد منهما، مع العلم بكون أحدهما جنباً، وما هذا إلاّ لأنّ كلاً منهما، شاكّ في توجّه الخطاب بالنسبة إليه وعلم كل واحد بأنّ هنا خطاباً واحداًمتوجّهاً إمّا إليه أو إلى شريكه غير منجّز بعد كون النتيجة، هوالشكّ في حدوث التكليف، ومثله المقام، فانّ كلاً من الرجل والمرأة، واقف بحكم (حرمة النظر إلى الخنثى) متوجّه إلى واحد منهما ومثل هذا لا يخرج عن الشكّ في التكليف، وبهذا البيان لا تحتاج لإثبات الجواز إلى استصحاب الحكم في حال الصغر.

وأمّا الثاني: وهو تكليف نفس الخنثى، فلايجوز لها النظر إلى كلّ من الرجل والمرأة لعلمها بحرمة النظر إلى واحد من الطائفتين ، إمّا الرجال، وإمّا النساء، فتجتنب عنهما لتحصيل البراءة ، إلاّ إذا كان هناك عسر وحرج في الاجتناب.

نعم، لايجب عليها ستر بدنها ما عدا العورة لعدم العلم بكونها امرأة واحتمال كونها رجلاً، نعم لو كانت هنا امرأة ناظرة وقلنا بوجوب ستر ما عدا العورة على الرجل أيضاً إلاّ ما جرت العادة على عدم سترها وجب عليها ستر ما عداها أيضاً.

إلى هنا تمّت أحكام النظر ويليه بيان أحكام الوطء ـ حسب ما ذكره المحقّق ـ قدّس سرّه ـ في الشرائع ـ.

***


(81)

الفصل الثاني:

في أحكام الوطء

1 ـ إتيان المرأة في دبرها

أ: أقوال الفريقين في المسألة

ب: الاستدلال بقوله سبحانه: «نساؤكم حرث لكم»

ج: الاستدلال بآيات أُخر

د: الاستدلال بالروايات على الجواز والمنع

2 ـ العزل عن الحرّة المنكوحة دواماً

* عزل المرأة عن الرجل

3 ـ ترك وطء المرأة أكثر من أربعة أشهر

4 ـ أحكام فروع مذكورة في العروة الوثقى


(82)


(83)

أحكام الوطء

وهنا مسائل:

الأُولى : في حكم إتيان المرأة في دبرها

اختلفت كلمة أصحابنا في حكم إتيان النساء في أدبارهنّ، فالمشهور على الجواز مع كراهة شديدة، ونقلت الحرمة عن قليل منهم، كما أنّ المشهور عند غيرهم هو الحرمة، ونقل الجواز عن مالك بن أنس وغيره كما سيوافيك تفصيله. لتوضيح الحال نقدّم كلماتهم:

قال السيد المرتضى: وممّا يشنّع به على الإمامية وتنسب إلى التفرّد به ـ وقد وافقها فيه غيرها ـ القول بإباحة وطء النساء في غير فروجهنّ المعتادة للوطء، وأكثر الفقهاء يحظرون ذلك.(1)

وقال الشيخ في الخلاف: يكره إتيان النساء في أدبارهنّ وليس ذلك بمحظور.(2)

وقال في المبسوط: يكره إتيان النساء «في أحشاشهن» يعني أدبارهن وليس بمحظور، وقال جميع المخالفين: هو محظور إلاّ ما روي عن مالك وعن الشافعي في القديم من جوازه.(3)

وقال القاضي عبد العزيز بن البرّاج في المهذّب: ويكره إتيان النساء في أحشاشهن.(4)

وقال العلاّمة في كتاب الطهارة عند البحث عن أحكام الحائض: «ويحرم


1 . الانتصار:125.
2 . الخلاف:2/362، المسألة 117.
3 . المبسوط:4/243.
4 . المهذّب: 2/222.


(84)

على زوجها وطؤها قبلاً... ويجوز الاستمتاع ممّا عدا القبل».(1)

وقال أيضاً في أجوبة المسائل المهنّائية: ما يقول سيّدنا في الوطء في دبر المرأة هل هو حرام أو مكروه، أم ليس بحرام ولا مكروه فإنّ للأصحاب اختلافاً كثيراً ؟ الجواب: الأقوى الكراهة; لأصالة الإباحة. وقوله تعالى: «فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» . (2) إلى غير ذلك من العبارات المتّفقة على الجواز مع الكراهة الشديدة.

وأمّا القائلين بالحرمة، فأوّل من أفتى بالحرمة من الأصحاب ـ على ما وقفنا عليه ـ: ابن حمزة، في الوسيلة قال: «وحرّم عليه وطؤها في المحاش».(3)

ويظهر من الشهيد الثاني الجنوح إلى الحرمة قال:«وذهب جماعة من علمائنا منهم القميون وابن حمزة إلى أنّه حرام وهو، اختيار أكثر العامة، وقد اختلفت الرواية فيه من طريق الخاصة وأشهرها ما دلّ على الجواز، واختلفت العامة أيضاً وأشهرها عندهم ما دلّ على المنع.

وفي كشف اللثام:وعن القميين وابن حمزة والشيخ أبي الفتوح الرازي والراوندي في اللباب، والسيّد أبي المكارم صاحب بلابل القلاقل وفي كشف الرموز للمحقّق الأبي تلميذ المحقق، الحرمة.

وأمّا كلمات سائر الفقهاء:

قال الشافعي في كتاب الاُم: اختلف أصحابنا في إتيان النساء في أدبارهنّ فذهب ذاهبون منهم إلى إحلاله، وآخرون إلى تحريمه ـ إلى أن قال: ـ فلست أُرخّص


1 . القواعد: 1/55.
2 . المسائل المهنائيّة:71، المسألة 97.
3 . الوسيلة: 313، تأليف علي بن حمزة الطوسي عماد الدين المعروف بأبي جعفر الثاني (في مقابل الشيخ الطوسي المعروف بأبي جعفر) وابن حمزة الطوسي المشهدي شرع في تأليف كتابه «ثاقب المناقب» سنة 560 ولم تعلم سنة وفاته، ذكره في الذريعة: 5/5،والثقات العيون :272.


(85)

فيه بل أنهى عنه.(1)

وقال ابن قدامة في المغني: ولايحل وطء الزوجة في الدبر في قول أكثر أهل العلم، منهم عليّ وعبد اللّه ، وأبو الدرداء وابن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وأبوهريرة، وبه قال سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمان، ومجاهد، وعكرمة، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، ورويت إباحته عن ابن عمر، وزيد بن أسلم، ونافع ومالك، وروي عن مالك أنّه قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشكّ في أنّه حلال. وأهل العراق من أصحاب مالك ينكرون ذلك.(2)

وقال البيهقي عند تفسير الآية: ونقل عن جابر وأُمّ سلمة من أنّه قالت اليهود: إنّما يكون الحوَل إذا أتى الرجل امرأته من خلفها فأنزل اللّه عزّ وجلّ: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم » من بين يديها ومن خلفها ولايأتيها إلاّ في المأتي.

والروايات بكثرتها تؤيّد ما قلناه حول الرواية: وأمّا حكم الإتيان في الدبر فقد رووا عن النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ اللّه لايستحيي من الحقّ لاتأتوا النساء في أدبارهنّ».(3)

وقال القرطبي: «ذهبت فرقة ممّن فسّر « أَنَّى شِئْتُم» بـ «أين شئتم» إلى أنّ الوطء في الدبر مباح، وممّن نسب إليه هذا القول سعيد بن المسيب، ونافع وابن عمر،ومحمّد بن كعب القرظي، وعبد الملك بن الماجشون وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمّى «كتاب السر».وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب ومالك أجلّ من أن يكون له كتاب سرّ. ووقع هذا القول في العتبية. وذكر


1 . الأُم: 5/156، ولاحظ84.
2 . المغني: 7/226ـ227.
3 . السنن الكبرى: 7/194ـ199،باب إتيان النساء في أدبارهن.


(86)

ابن العربي أنّ ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب جماع النساء وأحكام القرآن.

وقال الكيا الطبري: وروي عن محمّد بن كعب القرظي أنّه كان لايرى بذلك بأساً ويتأوّل فيه قول اللّه عزّوجلّ: «أَتَأْتُونَ الذُكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ * وَ تَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ» وقال: فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم.ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صحّ ذلك، وليس المباح من الموضع الآخر مِثلاً له حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح.قال الكيا: وهذا فيه نظر إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربّكم من أزواجكم ممّا فيه تسكن شهوتكم. ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعاً فيجوز التوبيخ على هذا المعنى....(1)

وإنّما نقلنا كلامه بطوله لأنّ بعض الكتّاب الجدد من أهل السنّة ينفون وجود القول بالجواز بينهم ويتحاملون على الشيعة بأنّ فيهم المجوّز، وبذلك علم مدى صحّة قولهم، وإن كان الأشهر عندهم حسب ما سمعت عدم الجواز.

إذا عرفت الأقوال فقد استدل القائلون بالجواز بآيتين.

الآية الأولى:

قوله سبحانه: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَ قَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَ بَشِّرِ المُؤْمِنِينَ» .(2)

قال السيد المرتضى في الانتصار:ومعنى قول: «أَنَّى شِئْتُمْ » : كيف شئتم، وفي أيّ موضع آثرتم ولايجوز حمل لفظة «أنّى» هيهنا على الوقت لأنّ لفظة «أنّى» تختص الأماكن وقلّما تستعمل في الأوقات، واللفظة المختصة بالوقت«أيّان شئتم» على أنّه لو سلّمنا أنّ الوقت مراد بهذه اللفظة حملناها على الأمرين معاً من


1 . القرطبي: جامع أحكام القرآن: 3/93ـ 94.
2 . البقرة:223.


(87)

الأوقات والأماكن.

وأمّا من ادّعى أنّ المراد بذلك إباحة وطء المرأة من جهة دبرها في قبلها بخلاف ما تكرهه اليهود فهو تخصيص لظاهر القرآن بغير دليل.

وأمّا الطعن على هذه الدلالة ـ بأنّ الحرث لايكون إلاّ بحيث يكون النسل وقد سمّى اللّه تعالى النساء حرثاً فيجب أن يكون الوطء من حيث يكون النسل ـ فليس بشيء لأنّ النساء وإن كنّ لنا حرثاً فقد أُبيح لنا وطؤهنّ بلاخلاف في غير موضع الحرث كالوطء دون الفرج ولو كان ذكر الحرث يقتضي ما ذكروه لتنافي أن يقول لنا:«نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم من قبل أو دبر».(1)

أقول: إنّ لفظة «أنّى» تكون ظرف مكان تارة بمعنى «أين» وتجزم فعلين، نحو «أنّى تجلس أجلس»، وبمعنى «من أين» أُخرى، نحو «يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا» أي من أين، وظرف زمان ثالثة بمعنى متى نحو: «أنّى جئت» يعني متى جئت واستفهامية غير زمانية رابعة بمعنى كيف نحو :«أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها» (البقرة/259) أي كيف يحيي، وقوله سبحانه:«أَنَّى يَكُونُ لِي غُلام» (مريم/8) أي: «كيف يكون لي غلام»(2).

وبذلك يظهر عدم دلالة الآية على الجواز لأنّ «أنّى» لاتخلو إمّا أن تكون بمعنى «أين» فعند ذلك دلّت على جواز الإتيان في جميع الأمكنة وأنّه مباح فيه من دون اختصاص بمكان خاص.ولو كانت بمعنى «من أين» فكما تحتمل أن يكون المراد الإتيان إلى الحرث من القبل والدبر تحتمل أن يكون المراد هوالإتيان إلى الفرج من قبلها أو من دبرها، وعندئذ تكون الآية رادعة لما حكي عن اليهود«الذين كانوا يقولون إذاجامع المرأة في فرجها من ورائها جاء الولد أحول فأنزل اللّه:«نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » من بين يديها أو من خلفها غير أن يأتيها إلاّ


1 . الانتصار: 1/125ـ126.
2 . أقرب الموارد: 22.


(88)

في المأتي». (1)

بقي الكلام في الوجوه التي ذكرها السيد المرتضى، فإليك تبيين الحال فيها:

1ـ ذكر السيد المرتضى ـ ره ـ :أنّ هذا التفسير تخصيص بلا وجه والظاهر هو الأعم من هذا، ومن الإتيان من القبل والدبر.

يلاحظ عليه: أنّ لفظة «حرث» قرينة على التخصيص فإذا قيل للحارث: احرث أيّ موضع شئت فلايفهم منه إلاّ الحرث في الأراضي الصالحة لا القاحلة من الرمل والحجارة، فإذا قيل للزوج: ائت حرثك من أيّ طريق، فلا يفهم منه إلاّ الحرث في المحلّ المعدّ له.

2ـ كيف تكون قرينة، مع جواز التصريح بالتعميم بأن قال: من قبل أو دبر ولما تنافي.

يلاحظ عليه: أنّ التصريح بالتعميم لاينافي الظهور في الاختصاص ولو صرّح يقدم على الظاهر أو على الأظهر.

3ـ قد أُبيح وطؤهنّ في غير موضع الحرث كالوطؤ دون الفرج.

يلاحظ عليه: أنّه قد علم من دليل آخر فلايكون قرينة على التعميم في الآية.

الآية الثانية:

قوله سبحانه: «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ». (2)

وقوله سبحانه: «أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ


1 . المغني:7/227،وغيره.
2 . الأعراف/81.


(89)

تَجْهَلُونَ» .(1)

وقوله سبحانه: «أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ * وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ».(2)

وقوله سبحانه: «وَ جاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ» .(3)

وجه الاستدلال: لايجوز أن يدعو إلى التعويض عن الذكران بالأزواج إلاّ وقد أباح منهنّ في الوطء مثل ما يلتمس من الذكران.

يلاحظ على الاستدلال: أنّ الظاهر أنّ الذمّ لأجل أنّهم تركوا الاستمتاع والتلذذ بالنساء بالتوجّه إلى الذكران مع أنّ التمتع بالنساء أمر طبيعي بخلافه بالذكران، فعليهم رفع العزوبة بالتزوّج بالنساء عوضاً عن العمل المنكر الذي ما سبقهم بها من أحد من العالمين، وأمّا كون التمتع بهنّ مشابهاً لنفس التمتع بالذكران فليس مورداً للعناية كما لا يخفى.

قال السيد المرتضى: لا حجّة في هذا الضرب من الكلام لأنّه غير ممتنع أن يذمّهم بإتيان الذكران من حيث لهم عنه عوض، بوطء النساء، وإن كان في الفروج المعهودة لاشتراك الأمرين في الاستمتاع واللذة وقد يغني الشيء عن غيره وإن لميشارك في جميع صفاته إذا أشركا في الأمر المقصود.

ثمّ إنّه ربّما يستدل ببعض هذه الآيات على التحريم بقوله سبحانه: «أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَد مِنَ الْعالَمِينَ» .

فسمّى الإتيان


1 . النمل:55.
2 . الشعراء: 165، 166.
3 . هود: 78.


(90)

بالدبر فاحشة، وفي الدلالة ضعف ظاهر، لأنّه سمّى الإتيان بدبر الذكران فاحشة لامطلقاً.

الكلام في الروايات

وإجمال الكلام فيها قبل التفصيل أن ما دلّ على الحلّ تسعة أحاديث، ثمانية منها وردت من طرقنا وواحدة من طرق العامّة وجلّ ما دلّ على المنع ثلاثة عشر حديثاً ثلاثة من طرقنا وعشرة من طرق العامّة وأكثرها ضعاف.

نعم قال بعض أصحابنا منهم العلاّمة في المختلف والتذكرة: إنّ واحداً من أحاديث الحلّ صحيح وهو مارواه الشيخ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن معاوية بن حكيم، عن أحمد بن محمّد، عن حمّاد بن عثمان عن عبد اللّه بن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الرجل يأتي المرأة في دبرها؟ قال:

«لا بأس به».(1)

وأمّا التفصيل: فهي على طوائف:

الطائفة الأُولى:

ما تتضمّن الاستدلال على الحكم بالذكر الحكيم من الجانبين وهي بين موثقة تدلّ على الجواز وتؤيدها مراسيل أربع، وصحيحة تدلّ على الحرمة وتؤيدها مراسيل ثلاث وإليك بيانها:

أمّا الموثقة فهي ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الرجل يأتي المرأة في دبرها؟ قال : «لابأس، إذا رضيت»، قلت:فأين قول اللّه عزّ وجلّ: «فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ» ؟ قال: «هذا في طلب الولد، فاطلبوا الولد من حيث أمركم اللّه، إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ


1 . المسالك:1/471، ولاحظ المختلف،86، كتاب النكاح.


(91)

فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » (1)

وقد عبّر عنه في الجواهر بخبر ابن أبي يعفور ولكنّها موثقة رواها الشيخ بسند صحيح عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن أسباط الكوفي الفطحي الثقة، عن محمّد بن حمران الكوفي الثقة عن عبد اللّه بن أبي يعفور الثقة.(2)

وأمّا مؤيّداتها من المراسيل الأربع:

1ـ مرسلة العياشي، عن عبد الرحمان بن الحجّاج، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ وذكر عنده إتيان النساء في أدبارهنّ، فقال: ما أعلم آية في القرآن أحلّت ذلك إلاّ واحدة«إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ» . الآية.(3)

والرواية مرسلة، مضافاً إلى مخالفتها مع مرسلة موسى بن عبد الملك حيث أسندت الحلّ إلى آية أُخرى كما ستوافيك:

2ـ مرسلة العياشي، عن زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول اللّه عزّوجلّ: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » ، قال : «حيث شاء».(4)

3ـ مرسلة العياشي عن عبد اللّه بن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن إتيان النساء في أعجازهن؟ قال: لابأس به.ثمّ تلى هذه الآية:«نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » ، قال: حيث شاء.(5)

4ـ مرسلة موسى بن عبد الملك في رجل قال: سألت أبا الحسن الرضا ـ عليه السّلام ـ عن إتيان الرجل المرأة من خلفها؟ فقال: «أحلّتها آية من كتاب اللّه ، قول لوط:«هؤْلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ» وقد علم أنّهم لايريدون الفرج».(6)

وهناك رواية صحيحة تعارض الموثقة وتفسر الآية بخلاف ما فسرت به


1 . الوسائل: 14، الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح ، الحديث 2.
2 . راجع رجال النجاشي برقم 663، 965، 556.
3 . الوسائل:14، الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح، الأحاديث12، 11، 10و3.
4 . الوسائل:14، الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح، الأحاديث12، 11، 10و3.
5 . الوسائل:14، الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح، الأحاديث12، 11، 10و3.
6 . الوسائل:14، الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح، الأحاديث12، 11، 10و3.


(92)

الموثقة وتؤيدها أيضاً مراسيل ثلاث وإليك البيان:

وأمّا الصحيحة فهي ما رواه معمّر بن خلاّد، قال: قال لي أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ : «أيّ شيء يقولون في إتيان النساء في اعجازهن؟» قلت: إنّه بلغني أنّ أهل المدينة لايرون به بأساً؟ فقال: «إنّ اليهود كانت تقول إذا أتى الرجل المرأة من خلفها خرج ولده أحول فأنزل اللّه عزّ وجلّ:«نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ»من خلف أو قدام خلافاً لقول اليهود ولم يعن في أدبارهن».(1)

وقد رواها الشيخ في التهذيب عن أحمد بن محمّد بن عيسى وسنده إليه صحيح في المشيخة والفهرس كما في جامع الرواة. وأمّا مؤيداتها من المراسيل الثلاثة فهي عبارة:

1ـ روى علي بن إبراهيم في تفسيره، قال: قال الصادق ـ عليه السّلام ـ في قوله تعالى:«فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ»أي متى شئتم في الفرج، والدليل على قوله في الفرج قوله:«نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ » فالحرث الزرع في الفرج في موضع الولد.(2)

2ـ روى العياشي: مرسلاً عن صفوان بن يحيى عن بعض أصحابنا، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن قول اللّه عزّ وجلّ: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ »؟ قال: «من قدامها ومن خلفها في القبل». (3)

3ـ عن زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ »؟ قال: «من قبل».(4)

فتلخّص من جميع ذلك أنّ في الطائفة الأُولى حديثان معتبران متعارضان، ولكلّ مؤيدات من المراسيل ولأجل التعارض يسقط الكلّ عن الحجّية وإليك بيان سائر الطوائف.


1 . الوسائل: 14، الباب 72، من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، 6، 7، 8 .
2 . الوسائل: 14، الباب 72، من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، 6، 7، 8 .
3 . الوسائل: 14، الباب 72، من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، 6، 7، 8 .
4 . الوسائل: 14، الباب 72، من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، 6، 7، 8 .


(93)

الطائفة الثانية:

ما يدلّ على الجواز، من دون استناد إلى الذكر الحكيم، وهي بين معتبرة وغير معتبرة.

أمّا الأُولى أي المعتبرة فهي:

1ـ معتبرة ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الرجل، يأتي المرأة في دبرها؟ قال: «لابأس به» (1) . رواها معاوية بن حكيم، عن أحمد بن محمّد، والمراد منه البزنطي.

2ـ معتبرة أُخرى، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ وأخبرني من سأله، عن الرجل يأتي المرأة في ذلك الموضع وفي البيت جماعة ؟فقال لي ورفع صوته: «قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من كلّف مملوكه ما لايطيق فليعنه» ثمّ نظر في وجه أهل البيت ثمّ أصغى إليّ فقال: «لابأس به».(2)

وفي السند ابن فضال عن الحسن بن الجهم، والثاني ثقة روى عن الرضا ـ عليه السّلام ـ وأمّا ابن فضال فمشترك بين الأب والأبناء الثلاثة، وعند الإطلاق ينصرف إلى الابن الأوّل ثمّ الأب.

والأب هو: الحسن بن علي بن فضال، وأمّا الأبناء فهم عبارة عن:

1ـ على بن الحسن.2ـ أحمد بن الحسن. 3ـ محمّد بن الحسن.

3ـ معتبرة صفوان، يقول: قلت للرضا ـ عليه السّلام ـ : إنّ رجلاً من مواليك أمرني أن أسألك عن مسألة فهابك واستحيا منك أن يسألك عنها قال: «ما هي؟» قال: قلت: الرجل يأتي امرأة في دبرها، قال: «نعم ذلك له» . قلت: وأنت تفعل؟


1 . الوسائل:14، الباب 73، أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5و1.
2 . الوسائل:14، الباب 73، أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5و1.


(94)

قال: «لا إنّا لانفعل ذلك». (1)

وفي السند علي بن الحكم وهو مشترك بين الأنباري والنخعي والكوفي وقد وثّق الأخير دون الأوّلين، واحتمل الأردبيلي، اتّحاد الجميع، إلاّ أنّ في نقل أحمد بن محمّد بن عيسى عنه في المقام نوع شهادة على كونه ثقة.

وأمّا الثانية أي غير المعتبرة

فهي بين مسندة ومرسلة وإن كان الكلّ يشتمل على ضعف فإليك البيان:

1ـ يونس بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ أو لأبي الحسن ـ عليه السّلام ـ : إنّي ربّما أتيت الجارية من خلفها ـ يعني دبرها ـ ونذرت فجعلت على نفسي إن عدت إلى امرأة هكذا فعليّ صدقة درهم، وقد ثقل ذلك عليّ؟ فقال: «ليس عليك شيء وذلك لك». (2)

ويونس بن عمّار، هو أخو إسحاق بن عمّار، وفي «معجم الثقات» أنّ النجاشي وثّقه في ترجمة أخيه إسحاق بن عمّار، ولكن عبارة النجاشي لاتدلّ على ذلك، لأنّه قال: «إسحاق بن عمّار شيخ من أصحابنا ثقة وإخوته يونس ويوسف وقيس وإسماعيل ،وهو في بيت كبير من الشيعة» فإنّ الظاهر أنّ «إخوته» مبتدأ وخبره يونس وما عطف عليه ولو أراد ما استظهره لكان عليه أن يقول بعد «واسماعيل»: ثقات. فالسند غير تام.

وقال في الحدائق: وفيه دلالة على عدم انعقاد النذر على ترك المباح ومثله غيره.

يلاحظ عليه: أنّ ترك الوطء أمر راجح لأنّه فعل مكروه وفي مثله ينعقد النذر، ولعلّ الإمام ـ عليه السّلام ـ حلّ نذره لأنّ الوفاء صار ثقيلاً على الناذر كما قال.


1 . الوسائل:14، الباب 73، أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5و8.
2 . الوسائل:14، الباب 73، أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5و8.


(95)

2ـ مرسلة علي بن الحكم، عن رجل عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «إذا أتى الرجل المرأة في الدبر وهي صائمة لم ينقض صومها وليس عليها غسل».(1) والسند عليل والمضمون معرض عنه.

3ـ مرسلة حفص بن سوقة، عمّن أخبره، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن رجل يأتي أهله من خلفها؟ قال: «هو أحد المأتيين ، فيه الغسل».(2)

4ـ مرفوعة البرقي، عن ابن أبي يعفور، قال: سألته عن إتيان النساء في اعجازهن؟ فقال: «ليس به بأس وما أحبّ أن تفعله».(3)

وهذه المراسيل تصلح للتأييد، لا للاستدلال، ولكن الإفتاء بمضمون الكلّ يتوقّف على رفع التعارض بينها وبين ما يدلّ على المنع وهي الطائفة الثالثة.

الطائفة الثالثة: ما تدلّ على الحرمة

1ـ خبر سدير، قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «محاش النساء على أُمّتي حرام».(4)

وسدير لم يوثّق وإن كان ابنه «حنّان» ثقة.

2ـ مرسلة الصدوق: قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «محاش نساء أُمّتي على رجال أُمّتي حرام».(5)

والمحاش جمع «محشة» وهو الدبر، والمحش: المخرج ومن هنا سمي الكنيف المحش لكونه بيت الغائط.

3ـ روى العياشي ، في تفسيره، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن


1 . الوسائل: 14، الباب 73، أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 9،7،6.
2 . الوسائل: 14، الباب 73، أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 9،7،6.
3 . الوسائل: 14، الباب 73، أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 9،7،6.
4 . المصدر نفسه: الباب72، أبواب مقدمات النكاح، الحديث2و5.
5 . المصدر نفسه: الباب72، أبواب مقدمات النكاح، الحديث2و5.


(96)

الرجل يأتي أهله في دبرها، فكره ذلك وقال: إيّاكم ومحاش النساء وقال: إنّما معنى «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» أي ساعة شئتم. (1)

4ـ وعن زيد بن ثابت، قال: سأل رجل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ :أتؤتي النساء في أدبارهن؟فقال: «سفلت، سفل اللّه بك. أما سمعت يقول اللّه :«أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَد مِنَ العالَمِين»» .(2)

وحصيلة الكلام: أنّ الاستدلال بالآيات على الجواز والمنع، مشكل لخفاء الدلالة على نحو يعوّل عليه في إثبات الحكم الشرعي، لاقوله سبحانه:« فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » ، ولاقوله تعالى: «فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُم» حيث استدل بالأُولى على الجواز، وبالثانية على المنع. وقد عرفت وجه الخفاء.

ومثله قوله:«هؤلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ» لوجود الاحتمالين كما ذكر فبقيت دلالة الروايات والأظهر الحرمة بدون رضاها لأنّها لا تعدّ من شؤون التمتع الرائجة حتى يعدّ حقّاً للزوج ،وأمّا مع الرضا فالأظهر الكراهة الشديدة، نظراً إلى أدلّة الجواز الموجبة لحمل النواهي على الكراهة وإن كانت قاصرة من حيث السند أيضاً.

واللائق لشيعة أهل البيت التجنب تبعاً لأئمّتهم ولايفوتنّك أنّ هذا النوع من العمل عمل جنسي انحرافي، فلايطلبه إلاّ من كان فيه زيغ جنسي. أعاذنا اللّه من شرور أنفسنا.

ثمّ إنّ هنا فروعاً ذكرها في الجواهر نشير إليها:

1ـ إنّ ظاهر قوله ـ عليه السّلام ـ في الموثق: «أنّه أحد المأتيين» أنّه يجب فيه الغسل،وإذا وطأها في الدبر وجاء بالولد لستّة أشهر فصاعداً فهل يلحق به الولد؟ الظاهر لا والدليل منصرف عن هذه الصورة:


1 . الوسائل: 14، الباب 72، أبواب مقدمات النكاح، الحديث 9و11.
2 . الوسائل: 14، الباب 72، أبواب مقدمات النكاح، الحديث 9و11.


(97)

2ـ لو طلّق بعد الوطء في الدبر لزمه تمام المهر لما عرفت من الموثق.

3ـ يحدّ حدّ الزاني إذا كانت أجنبية.

4ـ لها مهر المثل لو وطأها مع فساد العقد.

5ـ عليها العدّة ،والقطع بعدم الحمل لاينافي وجوبها لاحتمال كون الولد حكمة الحكم لا علّة التشريع.

6ـ يحرم بالوطء في الدبر ما يحرم بالوطء في القبل فتحرم بنت الموطوءة وأُمّها، إلى غير ذلك من الأحكام المترتبة على الوطء في القبل.

***

المسألة الثانية:

في العزل عن الحرّة المنكوحة دواماً

اتّفقت كلمتهم على جوازه في المتمتع بها، والأمة، إنّما الكلام في جوازه في المنكوحة دواماً فهل يجوز مطلقاً، أو لا يجوز كذلك؟ أو يفصل بين إذنها وعدمه؟ وجوه:

قال الشيخ في المبسوط: «العزل أن يولج الرجل ويجامع فإذا جاء وقت الإنزال نزع فأنزل خارج الفرج، فإذا ثبت هذا فإن كان تحته مملوكة جاز له أن يعزل بغير أمرها، بلاخلاف، وإن كانت زوجة فإن كانت أمة كان له العزل أيضاً ، وإن كانت حرّة فإن أذنت له فلابأس وإن لم تأذن فهل له العزل؟ على وجهين:

أحدهما : ليس له ذلك وهو الأظهر في رواياتنا لأنّهم أوجبوا في ذلك كفّارة، والثاني: أنّه مستحبّ وليس بمحظور».(1)

فكأنّ الشيخ ـ ره ـ فهم من تعلّق الدية حرمته وسيوافيك مفاد الرواية وأنّها


1 . المبسوط:4/266.


(98)

لاصلة لها بعزل الزوج،وإنّما هي راجعة إلى ما إذا أُفزع الزوج فعزل.

وقال في الخلاف:«من أفزع غيره وهو يجامع حتّى عزل عن زوجته الحرّة، كان عليه عشر دية الجنين «عشرة دنانير» وكذلك إذا عزل الرجل عن زوجته الحرّة بغير اختيارها فانّ عليه عشرة دنانير، وخالف جميع الفقهاء في ذلك».(1)

وقال في النهاية :«ويكره للرجل أن يعزل عن امرأته الحرّة، فإن عزل لم يكن بذلك مأثوماً غير أنّه يكون تاركاً فضلاً. اللّهمّ إلاّ أن يشترط عليها في حال العقد أو يستأذنها في حال الوطء فانّه لابأس بالعزل عنها عند ذلك وأمّا الأمة فلابأس بالعزل عنها على كلّ حال».(2)

وقال ابن حمزة في الوسيلة:«وفي عزل الرجل عن امرأته الحرّة بغير إذنها عشرة دنانير لها وفي إفزاعه حال الجماع حتى يعزل عشرة دنانير أيضاً».(3)

وقال في الشرائع: «العزل عن الحرّة إذا لم يشترط في العقد ولم تأذن قيل: هو محرّم بل يجب معه دية النطفة ـ عشرة دنانير ـ وقيل: مكروه، وإن وجبت الدية وهو أشبه.

وقال في الحدائق: « المشهور بين الأصحاب كراهة العزل عن الحرّة إلاّ مع الإذن وهو مذهب الشيخ في النهاية، وابن البرّاج ، وابن إدريس، ونقل عن ابن حمزة أنّه عدّه من المحرّمات، وهو الظاهر من كلام شيخنا المفيد حيث قال:«وليس لأحد أن يعزل الماء عن زوجة له حرّة إلاّ أن ترضى منه بذلك ونقل هذا القول في المسالك عن الشيخين وجماعة،وظاهرهم الاتّفاق على جواز العزل عن الأمة والمتمتع بها، والحرّة الدائمة مع الإذن.(4)

والمشهور عند أهل السنّة هو الكراهة، قال ابن قدامة: والعزل مكروه ومعناه


1 . الخلاف: 3، كتاب الديات، المسألة 123.
2 . النهاية: 282.
3 . الوسيلة: 755 في الجوامع الفقهية.
4 . الحدائق: 3/86.


(99)

أن ينزع إذا قرب الإنزال فينزل خارجاً من الفرج ورويت كراهته عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق أيضاً لأنّ فيه تقليل النسل وقطع اللذة عن الموطوءة، إلى أن قال: إلاّ إذا دعت الحاجة للتقليل، مثل أن يكون في دار الحرب فتدعوه حاجته إلى الوطء فيطأ ويعزل...وقد روي عن عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ أنّه كان يعزل عن الحاجة، فإن عزل من غير حاجة كره ولم يحرم.(1)

وتدلّ على الجواز روايات متضافرة، وفيها صحاح:

منها: صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن العزل؟فقال: «ذاك إلى الرجل يصرفه حيث شاء» وقد جاء هذا المضمون في روايات بلغت أربعاً.(2)

وفي خبر عبد الرحمان الحذاء، قال: كان علي بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ لايرى العزل بأساً يقرأ هذه الآية :«وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» فكلّ شيء أخذ اللّه منه الميثاق فهو خارج وإن كان على صخرة صماء.(3)

وفي موثقة أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قلت له: ما تقول في العزل؟ فقال: «كان علي ـ عليه السّلام ـ لايعزل وأمّا أنا فأعزل»، فقلت: هذا خلاف، فقال: «ما ضرّ داود إن خالفه سليمان واللّه يقول:«فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ»». (4)

وتظهر الكراهة من صحيح محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ أنّه سئل عن العزل، فقال: أمّا الأمة فلابأس، فأمّا الحرّة فإنّي أكره ذلك إلاّ أن يشترط عليها حين يتزوّجها.(5)


1 . المغني: 6/228.
2 . الوسائل:14، الباب 75، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1، 2، 4و5.
3 . المصدر نفسه: الحديث 3و6.
4 . المصدر نفسه: الحديث 3و6.
5 . الوسائل: 14، الباب 76، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1 .


(100)

ولولا ما دلّ على الجواز لصحّ حملها على الحرمة لشيوع استعمال الكراهة في لسانهم في الحرمة، وفي صحيح آخر عنه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ :«إلاّ أن ترضى أو يشترط ذلك عليها حين يتزوّجها». (1)

وبذلك، يتبين أنّ الحكم هو الكراهة ويرتفع بالاشتراط والإذن.

ويظهر من رواية يعقوب الجعفي أو الجعفري(2) رفع كراهته في موارد ستة، قال: سمعت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ يقول: «لابأس بالعزل في ستة وجوه: المرأة التي تيقّنت أنّها لاتلد، والمسنّة، والمرأة السليطة، والبذية، والمرأة التي لاترضع ولدها ، والأمة.(3)

ولو صحّت الرواية لارتفعت الكراهة، في الموارد الستة، وإلاّ فيحكم بها في غير صورتي الاشتراط والإذن.

ثمّ إنّه لو قيل بالحرمة لما تعلّقت به الدية لكون الرجل مالكاً للماء كما هو مقتضى قوله ـ عليه السّلام ـ :«ذاك إلى الرجل يصرفه حيث يشاء».

وأمّا الاستدلال عليها بما ورد عن ظريف بن ناصح، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: «وأفتى في مني الرجل يفزع عن عرسه فيعزل عنها الماء ولم يرد ذلك: نصف خمس المائة:عشرة دنانير».(4)

فغير تام لوروده في الأجنبي إذا أفزع الزوج فعزل، لا في عزل الزوج باختياره ، والقياس باطل مع كونه مع الفارق.


1 . الوسائل: 14، الباب 76، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2 .
2 . في الفقيه: 3، الباب 132، «الجعفي» ومثله نسخة الوسائل، وفي الخصال باب 6، ج1، ص328 «الجعفري» و الرجلان مهملان أو مجهولان، وقد ذكر المحقّق الخوئي في مستند العروة، أنّ الجعفري ثقة، مع أنّه لم يذكر أيّ توثيق له في رجاله، راجع :20/132.
3 . الوسائل: 14، الباب 76من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.
4 . الوسائل: 19، الباب 19من أبواب ديات الأعضاء، ذيل الحديث 1.


(101)

ثمّ إنّ جواز العزل يختص بغير الواجب في الأربعة أشهر، لأنّ المنساق منه غيره، كما سيوافيك. وأمّا عزل المرأة فغير جائز لكونه مخالفاً للتمكين.ولو عزلت لتتعلّق الدية عليها للزوج لإطلاق الرواية مع إلغاء خصوصية المفزع من كونه أجنبياً أو لا.

المسألة الثالثة:

في ترك وطء المرأة أكثر من أربعة أشهر

المشهور بين الفقهاء أنّه لايجوز للرجل أن يترك وطء امرأته أكثر من أربعة أشهر.

قال ابن قدامة في المغني: الوطء واجب على الرجل إذا لم يكن له عذر، وبه قال مالك، وعلى قول القاضي، لايجب إلاّ أن يترك للإضرار بها، وقال الشافعي: لا يجب عليه لأنّه حقّ له يجب عليه كسائر حقوقه ، ثمّ قال: إذا ثبت وجوبه فهو مقدّر بأربعة أشهر، نصّ عليه أحمد ووجهه أنّ اللّه تعالى قدّره بأربعة أشهر في حقّ المولي فكذلك في حقّ غيره.(1)

قال الشيخ ـ رحمه اللّه ـ في النهاية:لايجوز للرجل أن يترك المرأة ولايقربها أكثر من أربعة أشهر فإن تركها أكثر من ذلك كان مأثوماً.(2)

وقال يحيى بن سعيد الحلي: ويجب عليه عقيب الأربعة الأشهر، جماعها فإن لم يفعل مع كراهتها تركه فهو آثم.(3)

وقال في الشرائع: لايجوز للرجل أن يترك وطء امرأته أكثر من أربعة أشهر وفي المسالك: إنّه موضع وفاق.


1 . المغني: 7/234.
2 . النهاية: 482.
3 . الجامع للشرائع:455.


(102)

استدل على الوجوب بوجوه:

الأوّل: آية الإيلاء

قال سبحانه:«لِلَّذينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر فَإِنْ فاءُو فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .(1)

قال ابن قدامة: إنّ اليمين لاتوجب ما حلف على تركه فيدلّ على أنّه واجب بدونها.

ومن روايات الإيلاء ما رواه الصدوق باسناده عن حمّاد ، عن الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ :«أيّما رجل آلى من امرأته ...فإنّه يتربّص به أربعة أشهر ثمّ يؤخذ بعد الأربعة أشهر، فيوقف فإذا فاء وهو أن يصالح أهله، فإنّ اللّه غفور رحيم وإن لم يف أُجبر على الطلاق.(2)

وفي الاستدلال ما لايخفى، إذ غاية ما تدلّ عليه أخبار الإيلاء، أنّ الإتيان أمر واجب على الرجل، أمّا كونه واجباً في كلّ أربعة أشهر فلا، والمدّة المضروبة في الإيلاء لا صلة لها بالمقام، لأنّ المدّة المضروبة في المقام ترجع إلى مقدار الفصل بين الجماعين، بخلاف المدّة المضروبة في الإيلاء فإنّها ترجع إلى مقدار الفصل بين رفع أمرها إلى الحاكم وبين رجوعه إلى المناكحة أو الطلاق فيكون الفصل في مورد الإيلاء ـ إذا رجع ـ أزيد من أربعة أشهر، فعن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «الإيلاء هو أن يحلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها فإن صبرت عليه فلها أن تصبر، وإن رفعته إلى الإمام أنظره أربعة أشهر، ثمّ يقول له بعد ذلك: إمّا أن ترجع إلى المناكحة وإمّا أن تطلّق فإن أبى حبسه أبداً».(3)


1 . البقرة:226.
2 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب الإيلاء، الحديث 1.
3 . المصدر نفسه، الحديث 6.


(103)

نعم يمكن الاستئناس ببعض ما ورد في ذلك الباب كما سيجيئ.

الثاني: ما دلّ على رفع الحرج والضرر

والمراد من الضرر في المقام هو الضيق الروحي.

يلاحظ عليه: أنّه لايدلّ على أزيد من لزوم الإتيان بها إلى حدّ رفعهما لأنّ تجويز إمساكه حكم حرجي عليها بلا كلام، وأمّا لزومه في المدّة المضروبة، فلايدلّ عليها:

الثالث: ما رواه العامة عن زيد بن أسلم

قال: بينا عمر بن الخطاب يحرس المدينة مرّبامرأة في بيتها وهي تقول:

تطاول هذا الليل واسودَّ جانبه * وطال عليّ أن لاخليل أُلاعبُه

وواللّه لولا خشية اللّه وحده * لحرّك من هذا السرير جوانبه

فسأل عنها عمر، فقيل له: هذه فلانة زوجها غائب في سبيل اللّه، فأرسل امرأة تكون معها وبعث إلى زوجها فاقفله ثمّ دخل على حفصة فقال: يا بنية كم تصبر المرأة عن زوجها، قالت: خمسة أشهر، ستة أشهر، فوقف للناس في مغازيهم ستة أشهر يسيرون شهراً ويقيمون أربعة أشهر ويسيرون شهراًراجعين.(1)

ولايخفى ، أنّه على خلاف المقصود أدلّ. نقله في الجواهر على خلاف ما نقلناه حيث قيل في جواب عمر ـ حسب نقله ـ أربعة أشهر فجعل المدّة المضروبة للغيبة أربعة أشهر.

الرابع: اتّفاق الإمامية على المدّة المضروبة


1 . المغني لابن قدامة: 7/235.


(104)

الخامس: صحيحة صفوان بن يحيى

ورواها الصدوق والشيخ، وسند الصدوق إلى صفوان صحيح وإن كان في سند الشيخ إليه ضعف، في المشيخة ، لكنّه صحيح في الفهرست وقد ذكر فيها طريقين آخرين فيهما ضعف عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السّلام ـ أنّه سأله عن الرجل تكون عنده المرأة الشابّة فيمسك عنها الأشهر والسنة، ولايقربها ليس يريد الإضرار بها، يكون لهم مصيبة ، يكون في ذلك إثماً؟ قال: «إذا تركها أربعة أشهر كان آثماً بعد ذلك».(1)

والدليلان الأخيران صالحان للاحتجاج ويمكن الاستئناس للمسألة ببعض روايات باب الإيلاء.

روى حفص عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ :«إذا غاضب الرجل امرأته فلم يقربها من غير يمين أربعة أشهر استعدت عليه، فإمّا أن يفيء وإمّا أن يطلّق، فإن تركها من غير مغاضبة أو يمين فليس بمؤل».(2)

والرواية وإن كانت ظاهرة في أنّ المغاضبة من غير يمين ملحقة بالإيلاء ـومع ذلك كلّه ـ فيها إشارة إلى أنّ ترك الإتيان في المدّة المضروبة ، ترك لحقّ لها عليه.وعلى ذلك لا غبار في المسألة وإنّما الكلام في الفروع المتفرعة عليها.

وإليك ما ورد في العروة من الفروع:

1ـ هل هناك فرق بين الدائمة و المتمتع بها؟وجهان:عدم التفريق وهو الأقوى لإطلاق صحيحة صفوان الظاهرة في أنّ الموضوع هو الزوجة وهي عامة تشمل كلا القسمين، والتفريق لانصرافها عن المتمتع بها لندرة وجودها في زمن


1 . الوسائل:14، الباب 71 من مقدّمات النكاح ، الحديث 1.
2 . الوسائل: 15، الباب 1 من أبواب الإيلاء، الحديث 2.


(105)

صدور الرواية حيث كانت الحكومات تعتبرها غير مشروعة.وفيه تأمّل(1) أضف إليه أنّه لا إيلاء فيها ولاقسمة ولانفقة ولا ميراث وطريق الاحتياط معلوم.

2ـ هل هناك فرق بين الشابّة والشائبة؟ مقتضى صحيحة صفوان، هو اختصاص الحكم بالأُولى ومع ذلك كلّه ليس على وجه لايمكن إلغاء الخصوصية عنها، لكون القيد وارداً في كلام الراوي أوّلاً، واحتمال كونها وارداً مورد الغالب ثانياً.

نعم الرواية منصرفة عن المسنّة الكبيرة، والعجوزة من النساء اللاتي لاعلاقة لهنّ بالأُمور الجنسيّة.

3ـ حكم المسافر

هل الحكم يختصّ بالحاضر، أو يعمّ المسافر؟ ظاهر قوله، في الصحيحة«من عنده امرأة» هو الحضور ولأجل ذلك يعتبر في الإحصان حضور الزوجة عند الرجل ولايكفي مجرّد التزويج.

ولو كان السفر أمراً اتّفاقياً لا يحصل الغرض منه إلاّ في الزائد عن المدّة لايجب عليه الرجوع إلى الوطن، للسيرة المستمرة، نعم لو كان السفر على وجه يصدق عليه هجران المرأة فهو حرام لقوله سبحانه:«فَلاتَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَةِ».(2)

إنّما الكلام فيما إذا كان هنا عدة أسفار تتجاوز المدّة المزبورة، فهل يجب عليه الرجوع أو لا؟ مقتضى الأصل هو العدم. والاستشهاد بما روي عن عمر من أنّه جعل الغيبة للغزاة أربعة أشهر، قد عرفت مافيه.


1 . وجهه: أنّ ندرة الوجود غير مؤثّرة في الانصراف وإنّما الباعث له، ندرة الاستعمال، كما لايخفى.
2 . النساء: 129.


(106)

نعم لاشكّ في خروج المعقودة غير المدخولة عن ظاهر النص ومعقد الإجماع فلايحرم ترك وطء المعقودة أربعة أشهر وإن كان الوطء ممكناً.ثمّ إنّ القول بالخروج إنّما يتمّ قبل الزفاف، وأمّا بعده والإقامة في بيت الزوج فلا وجه للانصراف فيحرم ترك وطئها أربعة أشهر وإن لم تكن مدخولاً بها.

ثمّ إنّ المنصرف من النص، المحلّ المعهود للوطء والكيفية المعهودة، فلايكفي الدبر، ولا الوطء بلا إنزال كما ذكرناه في مسألة جواز العزل. وما ربّما يقال: بأنّه لو قيل بالانصراف إلى المحلّ والكيفية لزم القول بوجوب مقدّمات الوطء حيث لايخلو الوطء المتعارف منها قياس مع الفارق، لأنّ الواجب هو نفس الوطء ولو قيل بالانصراف فإنّما يقال في محلّه وكيفيته ، وأمّا المقدّمات فهي خارجة عن الوطء وليست مجرى للشمول أو الانصراف.

ثمّ إنّ إطلاق الدليل يقتضي كونه واجباً عليه من غير تقييد بمطالبتها، نعم تسقط مع رضاها بالترك لكونه مثل سائر الحقوق الساقطة بإسقاط صاحبها.

4ـ ثمّ إنّه كما يسقط برضاها يسقط بعدّة أُمور:

أ ـ إذا عجز عن الوطء لمرض أو خوف أو غير ذلك والقدرة من شرائط التكليف.

ب ـ إذا كان الوطء ضارّاً على الزوج أو الزوجة فيسقط الوجوب لحرمة الإضرار على النفس والغير.

ج ـ إذا كانت الزوجة ناشزة تسقط المضاجعة وغيرها من الحقوق، قال سبحانه:«وَ اللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي المَضاجِعِ» .(1)

ثمّ إنّ السيّد الطباطبائي في العروة الوثقى صرّح ببعض المسائل المربوطة


1 . النساء: 34.


(107)

بالمقام، قال ـ قدسّ اللّه سرّه ـ :

5ـ إذا كانت الزوجة من كثرة ميلها وشبقها لاتقدر على الصبر إلى أربعة أشهر بحيث تقع في المعصية إذا لم يواقعها، فالأحوط المبادرة إلى مواقعتها قبل تمام الأربعة، أو طلاقها وتخلية سبيلها:

لاشكّ أنّ ما ذكره هو الأحوط وربّما يستدل عليه بقوله سبحانه:«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَ الْحِجارَةُ» .(1)

ببيان أنّ تفسيرها بالأمر والنهي اللفظيين من أوائل مراتب الوقاية وليس النصوص بصدد حصر الوقاية فيهما وبما أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايختصّ بذلك حتى بالنسبة إلى غير الأهل بل قد يجب الضرب أو ما هو أشدّ منه في بعض الأحيان، فلايمكن أن يكون تكليفه بالنسبة إليهم أقلّ ممّا يجب عليه بالنسبة إلى غيرهم.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الأمر بالمعروف بالنسبة إلى غير الأهل وإن كان لا يختص بالأمر والنهي اللفظيين، بل قد يجب بالضرب وغيره، لكنّه من شؤون الولاية، ولا يجوز لغير الحاكم الإسلامي والمنصوب من قبله، وإذا انتفى الوجوب في المقيس عليه ففي المقيس أولى، ولو قيل بإطلاق الآية لوجب القول بوجوب قيام العامي بكلّ ألوان الأمر بالمعروف وهو كما ترى.

وربّما يستدل بوجه آخر وهو أنّه إذا علمت مبغوضية الفعل للشارع على كلّ تقدير كالزنا والقتل وشرب الخمر، وجب على المكلّف سدّ طريق تحقّقه في الخارج، ومن هنا يجب على الزوج مواقعة زوجته الشبقة دون الأربعة أشهر حفظاً لها من الوقوع في الحرام.


1 . التحريم:6.
2 . مستند العروة :1/149ـ150، كتاب النكاح.


(108)

يلاحظ عليه: أنّه يجب أحد الأمرين إمّا سدّها من نفس العمل بالمنع والحبس، أو المواقعة لا لزوم خصوص الثاني، اللّهمّ إلاّ أن يكون الواجب عنده هو الجامع بين الوطء وغيره، وإذا انحصر الطريق بها وجبت بالخصوص.

أضف إليه أنّه يلزم على هذا، لزوم تزويج الأجنبية إذا علم أنّه لولا التزويج لوقع في الحرام، وهو كما ترى.

والحقّ ما ذكره السيد من الاحتياط، وليس هنا دليل على الإيجاب، والمراد من الوقاية في الآية، الوقاية بحسب المتعارف بين الناس لا أزيد.

6ـ إذا ترك مواقعتها عند تمام الأربعة أشهر لمانع من حيض أو نحوه أو عصيان، يجب عليه إذا تطهّرت أداء ما عليه فوراً، إنّما الكلام في لزوم إرضائها بوجه من الوجوه لكون التأخير في صورة العصيان مصداقاً لتفويت الحقّ عليها كالدين العاجل الذي قصر في أدائه، ويكفي في المقام كونه حقّاً، وتفويته يحتاج إلى الجبران بنحو من الوجوه.

7ـ ثمّ إنّ اللازم عدم التأخير من وطء إلى وطء أزيد من الأربعة فمبدأ اعتبار الأربعة اللاحقة إنّما هو الوطء المتقدّم لا حين انقضاء الأربعة الأُولى، فلو عصى وأخّر المواقعة إلى شهر ثمّ واقعها، فيجب أن لايؤخّرها عن مبدأ المواقعة، أزيد من أربعة أشهر.


(109)

الفصل الثالث:

في العقد وأحكامه

1 ـ اشتراط الصيغة في صحّة النكاح

2 ـ كفاية مجرد «قبلت» في القبول

3 ـ اشتراط الماضوية وعدمه

4 ـ كفاية الإتيان بلفظ الأمر وعدمه

5 ـ حكم القبول بلفظ المستقبل

6 ـ مطابقة القبول مع الإيجاب

7 ـ لو قال مستفهماً

8 ـ اشتراط تقدّم الإيجاب على القبول وعدمه

9 ـ كفاية القبول بكلّ لفظ صريح

10 ـ جواز الإيجاب من الزوج

11 ـ اشتراط العربية في الصيغة

12 ـ نكاح الأخرس

13 ـ كفاية الكتابة والمعاطاة في النكاح وعدمها

14 ـ اشتراط قصد الانشاء

15 ـ اعتبار الموالاة العرفية

16 ـ اشتراط التنجيز في الصيغة


(110)


(111)

العقد وأحكامه

الكلام في مسائل:

الأُولى : في شرطية الصيغة في النكاح

لاشكّ أنّ النكاح ميثاق بين الزوج والزوجة وهو يتوقّف على إنشائه إنّما الكلام في شرطية القول وعدم كفاية الفعل. وأنّ النكاح والطلاق يفارقان أبواب البيوع والإجارات، فلايصحّ النكاح بالمعاطاة.

استدلّ الشيخ الأعظم ـ قدّس سرّه ـ على لزوم العقد «بأنّه لولاه لم يبق فرق بين النكاح والسفاح إذ الثاني أيضاً يقع غالباً بالتراضي»، ولكنّه غير تام لما عرفت أنّ النكاح ميثاق بين الزوجين وتعاهد من الطرفين على أمر له آثار شرعية وعرفية بخلاف السفاح فإنّه لايتجاوز عن نفس العمل، وسفح الماء والتناكر بعده، فالفرق بين النكاح والسفاح يرجع إلى أمر جوهري لاصلة له باللفظ ، والذي يصحّ الاستدلال به ـ مضافاً إلى السيرة المستمرة بين المسلمين من صدر الإسلام بل قبله كما هو الظاهر من تزويج النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خديجة ـ (1) هو السؤال عن الألفاظ التي تقع بها المتعة ، فعن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : كيف أقول لها إذا خلوتُ بها؟ قال: «تقول: أتزوّجك متعة على كتاب اللّه وسنّة نبيّه لاوارثة ولاموروثة...».(2) على أنّ أهمّية الموضوع تقتضي التلفّظ بما عزما عليه حتى


1 . الوسائل:14، الباب 1 من أبواب عقد النكاح، الحديث9.
2 . المصدر نفسه: الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث 1.


(112)

لايكون إبهام في الموضوع ولأجل ذلك لاتبعد كفاية الكتابة وإمضاؤها إذا كانت كافية في المقصود، نعم لايكفي مطلق التعاطي وإن علم القصد إلاّ إذا كانت هناك سيرة كما هي الحال بين العشائر البعيدة عن المجتمعات الإسلامية فيكتفون بالتعاطي مع المقاولة القبلية.

ثمّ الظاهر من الأصحاب افتقاره إلى الإيجاب والقبول، ولكن من المحتمل جدّاً كفاية الإنشاء الواحد إذا كان قائماً مقام الإيجاب والقبول ويفيد فائدتهما.

قال سبحانه:«فَلَمّا قَضَى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها» .(1)

فقد كان التزويج بولاية إلهية وبصيغة واحدة وكانت ولايته مغنية عن اعتبار رضا الزوجين ـ ومع ذلك ـ كان اللفظ الواحد كافياً في إنشاء الحقيقة.

ومثله ما ورد في نكاح آدم ـ عليه السّلام ـ وحوّاء «وقد زوّجتكها فضمّها إليك»(2) والأوضح ممّا تقدّم، ما ورد في حديث امرأة أتت النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالت له: زوّجني، فقال: «من لهذه؟» قام رجل فقال: أنا يا رسول اللّه، قال: «ماتعطيها؟» قال: مالي شيء ـ إلى أن قال: ـ «قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها إيّاه».(3)

وتوهّم صدور قبول منه بعد كلام الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو جعل قوله:«أنا يا رسول اللّه» أو «زوّجنيها» كما في خبر سهل الساعدي قبولاً متقدّماً، خلاف الظاهر، بل هو بمنزلة التوكيل والإذن في تزويجها إيّاه.

ونظير ذلك تزويج علي ـ عليه السّلام ـ الجارية من الغلام بأربعمائة درهم والنقد من ماله.(4)

وتوهّم صدور القبول من الغلام بعد تزويج الإمام ـ عليه السّلام ـ يدفعه خلوّ


1 . الأحزاب: 37.
2 . الوسائل: ج14، الباب 1، من أبواب عقد النكاح، الحديث 1ـ3.
3 . الوسائل: ج14، الباب 1، من أبواب عقد النكاح، الحديث 1ـ3.
4 . الوسائل: ج14، الباب 1 من أبواب العقد، الحديث 6.


(113)

الرواية عنه. مضافاً إلى أنّ الصحيح في تزويج ولي الصغيرين، هو إنشاؤه بصيغة واحدة كما ستوافيك روايات الباب، وعلى ذلك يصحّ الاكتفاء في مورد الوكالة بإنشاء واحد، نظير الاكتفاء في مورد الولاية من دون حاجة إلى الإيجاب والقبول كما لايخفى، وهذا وإن كان ثقيلاً على كثير ممّن اعتاد على كون النكاح متوقّفاً على الإيجاب والقبول لكن الحقّ أحقّ بالإصحار والإجهار و ـ مع ذلك ـ فطريق الاحتياط معلوم.

ثمّ إنّه لا إشكال في صحّة الإيجاب بالتزويج والنكاح لورودهما في الذكر الحكيم، قال سبحانه:«فَلَمّا قَضَى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها» . وقال سبحانه: «وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْْ مِنَ النِّساءِ» . (1)

إنّما الكلام في كفاية لفظ «التمتع» ففيه خلاف وتردّد ناش من عدم استعماله في القرآن إلاّ في العقد المنقطع، قال تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» .(2) وقد نزلت الآية في المتعة باتّفاق الإمامية وكثير من مفسّري العامة.

استدل القائل بالكفاية بأنّ التمتع من ألفاظ النكاح ولذا لو نسى الأجل انقلب دائماً، وأورد عليه بأمرين:

1ـ إنّ المذكور في النصوص هو ترك ذكر الأجل عن عمد لانسياناً.

2ـ إنّها إنّما تتضمن الانقلاب عند عدم ذكر الأجل فيما إذا كان العقد قابلاً لأن يكون زواجاً دائماً فإذا لم يكن العقد كذلك فلايوجب ترك الأجل عمداً ونسياناً، انقلابه دائماً. (3)


1 . النساء: 22.
2 . النساء: 24.
3 . مستند العروة:2/162، كتاب النكاح.


(114)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره أوّلاً وإن كان وجيهاً لكن الثاني مبني على أن يكون الرائج في المتعة هو لفظة النكاح والتزويج القابلين للدوام والانقطاع، فلو نسى الأجل انقلب دائماً. وأمّا إذا كان الرائج هو التمتع، كما هو الظاهر وكان العقد بغيرها نادراً في المتعة فحملها على ما إذا كان المحلّ قابلاً للدوام يستلزم حمل الرواية على الصورة النادرة، ويمكن أن يقال: إنّ الرائج في ذلك الزمان هو لفظالتزويج والنكاح لاالمتعة، بدليل أنّ الإمام ـ عليه السّلام ـ عند تعليمه لأبان، كيفية الإنشاء في المتعة، قال: «تقول: أتزوّجك متعة على كتاب اللّه وسنّة نبيّه» هكذا غيره.(1)

ولنا هاهنا كلام آخر يقضي على كثير من المباحث المطروحة في أمثال هذا المقام، وهو أنّ المستفاد من كلام أكثر الفقهاء، أنّ شأن المعاملات شأن العبادات في كون الكلّ، توقيفية يجب الرجوع في كلّ خصوصية منهما إلى الشارع فلايصحّ لنا الحكم بجواز معاملة و نفوذها، وصلاحية لفظ للإنشاء و الايقاع، إلاّ بالرجوع إلى الكتاب والسنّة، وعلى هذا أفتى كثير من المشايخ خصوصاً في باب النكاح. فتراهم يتعاملون معه معاملة العبادات.

ولكن الظاهر خلافه، للفرق الواضح بين العبادات والمعاملات وهو أنّ العبادات من الأُمور التوقيفية يتوقف كلّ شيء منها على السمع من الصادقين ـ عليهم السّلام ـ وأمّا المعاملات فهي أُمور عرفية عقلائية يجري عليها العقلاء في عيشهم حسب ما توحي إليه مصالحهم، غير أنّ قصور علمهم بما فيه الصلاح والفلاح وما فيه الضرر والفساد صار سبباً لخلط الصالح بالطالح فكان موقف الشارع في ذلك المجال، موقف الهادي إلى ما فيه الصلاح وردّهم عمّا فيه من الفساد، فإذا نبّه على تحريمه وكراهته يُتبع، وأمّا ما سكت عنه فيكون المتّبع فيه سيرة العقلاء فلو


1 . الوسائل: 14، الباب18، أبواب المتعة، الحديث 1، 2، 3، 4.


(115)

كان عندهم نافذاً جائزاً تشمله العمومات، من قوله تعالى:«أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْع» و«أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«والمؤمنون عند شروطهم»، وإلاّ فلا.

وعلى ذاك الأصل ينقلب النظر في باب المعاملات من التوقيفية إلى الإمضائية بل إلى كفاية السكوت عن الجواز والحرمة مع كون الموضوع بمرأى ومسمع منه، وعلى ضوء هذا يجوز الإنشاء بكلّ مايراه العرف كافياً في الإنشاء وراضياً عند المعاملة إلاّ إذا نهى عنه الشارع كما في بيع المنابذة، حيث كانوا يكتفون في الإنشاء بنبذ الثوب على المبيع ووقوعه على واحد من الأشياء أو الاكتفاء بـ «أنت خلية» في مقام الطلاق.

وبالجملة: ما اتخذه الأصحاب طريقاً، طريق لاتساعده روح الشريعة السهلة أوّلاً، وطبيعة المعاملات ثانياً، فالأولى إيكال الأمر إلى العقلاء والاكتفاء بما يكتنفون به ورفض كثير من المباحث الآتية من كفاية المستقبل أو الأمر مكان الماضي، أو لزوم تقدّم الإيجاب على القبول إلى غير ذلك من المباحث التي يرى العرف الالتزام بها من قبيل لزوم ما لايلزم ومع ذلك فنحن تبعاً للقوم ـ وإن كان المرضي عندنا ترك البحث ـ نبحث عن فروع لاطائل تحتهاعندنا.

المسألة الثانية :

هل يكفي في القبول مجرّد «قبلت»؟

الظاهر كفاية لفظ «قبلت» بعد إيجاب الموجب بقوله:«زوّجتك نفسي أو زوّجتك موكّلتي، من دون لزوم أن يقول: قبلت التزويج أو النكاح، أو ما شابهه لصراحته في رجوعه إلى التزويج الصادر من الموجب، واحتمال كونه راجعاً إلى أمر آخر، مرجوح لايعتنى به عند العقلاء.


(116)

المسألة الثالثة:

في اشتراط الماضوية في الإيجاب وعدمه

قال المحقّق :ولابدّ من وقوعها بلفظ الماضي الدالّ على صريح الإنشاء لوجهين:

1ـ اقتصاراً على المتيقّن.

2ـ وتحفظاً من الاشتمار(1) المشبه للإباحة.

وضعفه واضح، لأنّ الصراحة كما تتحقّق بنفس اللفظ، تتحقّق بالقرائن اللفظية والحالية كما يتحقّق بها التحفظ من الاشتمار، وأمّا الاقتصار على المتيقّن فإنّما يتمّ لو لم يكن هنا دليل على غيره وسيوافيك ورود الإيجاب بالمستقبل في بعض الروايات، وعلى فرض كفاية غير الماضي يقع البحث في كفاية الأمر وعدمها.

المسألة الرابعة:

في كفاية الإتيان بلفظ الأمر في القبول

هل يجوز القبول بلفظ الأمر؟ قال المحقّق:«وإن أتى بلفظ الأمر وقصد الإنشاء كقوله:«زوّجنيها» فقال: زوّجتك، قيل: يصحّ، كما في خبر سهل الساعدي وهو حسن». وتصحيح ذلك يتصوّر على أحد الأمرين:

1ـ أن يعدّالأمر من الزوج قبولاً متقدّماً، اختاره الشيخ في المبسوط والمحقّق في الشرائع.

2ـ أن يكون إنشاء وكالة للمخاطب في أمر التزويج وعندئذ يكفي إيجاب


1 . الاشتمار: شمر عن إزاره: رفعه مجمع البحرين.


(117)

الوكيل أو نفس المرأة لما ذكرنا من كفاية إنشاء واحد إذا كان المنشئ وكيلاً من الجانبين أو وكيلاً من جانب وولياً من الآخر، من دون حاجة إلى القبول.

وربّما يستشكل على الثاني: بأنّه من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى، ولكنّه مدفوع بأنّ أحد المعنيين في طول الآخر، واللفظ مستعمل في طلب التزويج وهو بالدلالة الالتزامية يدلّ على التوكيل، وهذا الوجه هو المتعيّن دون الأوّل.

ثمّ إنّ الشيخ في المبسوط، والمحقّق في الشرائع استدلاّ على أنّ الأمر من الزوج قبول، بخبر سهل الساعدي الذي رواه البيهقي (1) من العامة، وابن ابيجمهور في عوالي اللئالي(2) وقد جاء في الحديث: أنّ امرأة أتت النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقالت: يارسول اللّه إنّي وهبتُ لك نفسي. وقامت قياماً طويلاً، فقام رجل وقال: يا رسولاللّه زوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ـ إلى أن قال: ـ فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «هل معك من القرآن شيء ؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا سمّاها، فقال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «زوّجتك بما معك من القرآن».

قال الشيخ في المبسوط: لو تقدّم القبول في النكاح فقال :زوّجنيها فقال: زوّجتكها، صحّ وإن لم يُعد الزوج القبول بلاخلاف لخبر سهل الساعدي.

ثمّ إنّ كلّ من قال بالصحّة لم يستدل إلاّ بخبر سهل ، مع أنّ مضمونه ورد صحيحاً عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «جاءت امرأة إلى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالت: زوّجني. فقال: من لهذه ؟فقام رجل فقال: أنا يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال: ما تعطيها؟ قال: مالي شيء ـ إلى أن قال: ـ فقال: أتحسن شيئاً من القرآن؟قال: نعم، قال: قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها إيّاه».(3) ولعلّ الوجه في عدم


1 . السنن الكبرى للبيهقي:7/242.
2 . المستدرك: 3، الباب الثاني من أبواب المهور، الحديث 2.
3 . الوسائل:14، الباب 1 من أبواب عقود النكاح، الحديث 3.


(118)

الاستدلال بها، لأجل أنّ موضوع البحث جعل الأمر من الزوج قبولاً، ولم يرد الأمر من الزوج في هذه الصحيحة بخلاف المروي عن طريق سهل ففيه الأمر من الزوج بالتزويج. نعم ورد الأمر من الزوجة في الصحيحة دون خبر سهل ولكنّه ليس مورداً للبحث.

المسألة الخامسة:

في حكم القبول بلفظ المستقبل

وممّا يترتّب على عدم لزوم الماضوية القبول، كفاية المستقبل في القبول.

قال المحقّق : ولو أتى بلفظ المستقبل كقوله:أتزوّجك فتقول: زوّجتك ،جاز وقيل لابدّ من بعد ذلك من تلفّظه بالقبول. أقول: إنّ المقام يحتمل فيه أمران:

الأوّل: أن يكون «أتزوّجك» إيجاباً من جانب الرجل لما عرفت من أنّ الزوجية من المفاهيم المتضايفة المتشابهة الأطراف كالأخوَّة، لا من قبيل غير المتشابهة كالعلّية والمعلولية، وعلى ذلك فكما أنّ الرجل زوج للمرأة فهكذا العكس، وعلى ذلك فهو إيجاب من جانب الرجل إذا قاله بقصد الإنشاء.

الثاني: أن يكون قبولاً متقدّماً من الرجل، ويؤيّده كون التزوّج من باب التفعّل وفيه معنى القبول والمطاوعة، أمّا تعيّن هذا الوجه كما عن بعضهم فلا وجه له، إذ ربّما يستعمل أفعال باب التفعّل وحتّى الافتعال في غير معنى القبول.

ويمكن تأييد الوجه الأوّل بما ورد في روايات المتعة، فعن أبان بن تغلب: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : كيف أقول لها إذا خلوت بها ؟قال: «تقول: أتزوّجك متعة على كتاب اللّه وسنّة نبيّه ـ إلى أن قال: ـ فإذا قالت: نعم، فقد رضيت وهي امرأتك وأنت أولى الناس بها».(1)


1 . الوسائل:14، الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث 1.


(119)

وأمّا العكس أي كون «نعم» في الحديث إيجاباً مؤخّراً من الزوجة فهو كما ترى، لأنّ هذه الألفاظ وضعت للقبول والتصديق، لا للإنشاء الابتدائي وقد تكرّر مضمون الرواية في روايات الباب. وعلى ضوء هذه الرواية يكون قول الزوج في مسألتنا إيجاباً ويتعيّن الآخر للقبول.

المسألة السادسة:

في مطابقة القبول مع الإيجاب وعدمها

ولايشترط في القبول مطابقته بعبارة الإيجاب بل يصحّ الإيجاب بلفظ والقبول بلفظ آخر، فلو قال:زوّجتك، فقال: قبلتُ النكاح. أو أنكحتك، فقال: قبلت التزويج صحّ، وذلك لشيوع استعمال المترادف مكان المترادف والمفروض صراحة اللفظين أو ظهورها في إنشاء النكاح وهو كاف، وكما لايشترط التطابق في الفعل لايشترط التطابق في المتعلّقات فيجوز أن يقول الموجب على الصداق والآخر على المهر.

المسألة السابعة:

فيما لو قال مستفهماً

لو قال مستفهماً :زوّجت ابنتك من فلان؟! فقال:نعم، فقال الزوج: قبلت، هل يصحّ العقد أو لا ؟ إنّ قوله: «نعم» لايخلو عن صورتين:

1ـ إمّا أن يكون إخباراً عن الإنشاء ، لا إنشاءً للتزويج وعندئذ لاينعقد قطعاً للفصل الطويل بين إيجاب الأب، وقبول الزوج.

2ـ إمّا أن يقصد به الإنشاء فيحتمل وقوعه لأنّ قوله:«نعم» بمنزلة أن يقول:«زوّجت بنتي من فلان» فإذا قال الزوج:«قبلت» يدخل تحت إطلاق الأدلّة،


(120)

كما يحتمل عدم وقوعه لعدم صراحتها في الإنشاء فلا يقوم مقام الألفاظ الصريحة وهو الأقوى.

وأمّا الاستدلال على الصحّة بما ورد في صيغة المتعة، من أنّه إذا قال: «أتزوّجك متعة على كتاب اللّه... فإذا قالت: نعم فقد رضيت وهي امرأتك».(1) فغير تامّ، إذ من المحتمل جدّاً أن يكون قول الزوج إيجاباً كما ذكرنا فقولها:«نعم» قبولاً، إذ لايصلح الاستفهام للايجاب. وكون باب التفعّل خالصاً في القبول لم يثبت على الإطلاق.

المسألة الثامنة:

هل يشترط تقدّم الإيجاب أو لا؟

إذا كان القبول بصيغة «قبلت» و«رضيت» الصريحين في قبول شيء قد وقع، فيشترط فيه تقدّم الإيجاب وتأخّر القبول إلاّ إذا ذكر المتعلّق في القبول ودلّ بظاهره على أنّ متعلّقه الإنشاء الذي يليه فعندئذ يجوز تقدّمهما، وأمّا غيرهما كقوله: «أتزوّجك» فتقول المرأة: زوّجتك نفسي، فالظاهر صحّة تقدم القبول لكونه متعارفاً غير خارج عن المعمول به، ويدلّ على وقوعه وتعارفه ما ورد في صيغة المتعة حيث علّم الإمام ـ عليه السّلام ـ أبان أن يقول:«أتزوّجك متعة وتقول المرأة:نعم فقد رضيت» بناءً على القول بأنّ المتقدّم قبول، لاإيجاب كما احتملناه ـ ومع ذلك ـ يحتمل كون المتقدّم من الزوج إيجاباً وقولها:«نعم» قبولاً. فلايصلح للاستدلال على جواز تقدّم القبول.

وبالجملة: أنّ اللازم في باب العقود، كون العقد صريحاً في الإنشاء وشائعاً بين الناس وعلى ذلك لا فرق بين تقدّم القبول على الإيجاب أو العكس.


1 . الوسائل:14، الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث 1، 2.


(121)

المسألة التاسعة:

في كفاية القبول بكلّ لفظ صريح

إنّ اللازم في باب العقود ـ تبعاً للعقلاء ـ كون العقد صريحاً في المقصود حتّى لا يقع ذريعة للخلاف فكما يصحّ أن يقول:«قبلت» يصحّ أن يقول:«رضيت» ولو ذكر المتعلّق في الإيجاب ودلّت القرائن على أنّ القبول والرضا راجعان إلى الإيجاب السابق لكفى ولايشترط ذكر المتعلّقات في القبول وقد عرفت ما ورد في صيغة المتعة، وأنّها إذا قالت:«نعم» فهي امرأته، كلّ ذلك يعرب عن أنّ كثيراً من الاحتياطات في باب صيغ المعاملات، من قبيل الالتزام بما لايلزم.

المسألة العاشرة:

جواز الإيجاب من الزوج

المشهور الرائج كون الإيجاب من جانب الزوجة والقبول من جانب الزوج تشبيهاً لها بالبائع، فكأنّها تسلِّمُ بضعها في مقابل الصداق فتصير هي الموجبة والزوج هو المشتري القابل، ولكن واقعية الزوجية غير ذلك وإن وردت في الروايات:«وإنّما يشتريها بأغلى الثمن»(1)، بل هي معاهدة من الطرفين على كون كلّ منهما زوجاً للآخر، ولكلّ حقوق على الآخر، من دون أن يكون هناك بيع ولا شراء، ولأجل ذلك يظهر من الكتاب أنّ النكاح علقة بين الشخصين وربط بين الإنسانين، يقول سبحانه: «إِنّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْن» (2) وأمّا البيع فهو ربط بين المالين ويقول:بعت هذا بهذا.

وعلى ذلك فالزوجية في مقابل الفردية، رابطة قائمة بالطرفين فلكلّ من


1 . الوسائل:14، الباب36 من أبواب مقدمات الزواج ، حديث1، 7، 11 ويستفاد أيضاً من الحديث 4، 8، 12.
2 . القصص: 27.


(122)

الزوجين إنشاء تلك الرابطة وقبول الآخر إيّاها فلا وجه لاختصاص الإيجاب بالمرأة بعد كون كلّ منهما زوجاً للآخر، ولأجل ذلك ترى أنّ القرآن كما يطلق الزوج على المرأة ويقول: «وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ» (1) يطلقه على الرجل ويقول:« فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُحتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» .(2)

وعلى ذلك فالزوجية من التضائف المتشابه الأطراف مثل الإخوة، فكما أنّ كلاّ ً من الأخوين أخ للآخر، فهكذا الزوجان.

المسألة الحادية عشرة :

في اشتراط العربية

هل تشترط العربية مع التمكّن منها أو يكفي إجراء الصيغة بغيرها من سائر اللغات؟ المشهور هو الأوّل. قال المحقّق: «ولايجوز العدول عن هذين اللفظين إلى ترجمتهما بغير العربية إلاّ مع العجز عن العربية» وقد استدل له بكونه القدر المتيقن أوّلاً ، ولورودها في القرآن والسنّة الشريفة، وعدم صدق العقد على غير العربي مع التمكّن منه، إلى غير ذلك من الوجوه غير التامّة خصوصاً الثالث، فإنّه إذا لم يكن العقد صادقاً على غير العربي فلا معنى لتقييده بالتمكّن منه، لأنّه إذا كان غير العربي مسلوباً عنه العقدية فلا معنى لتجويزه عند عدم التمكّن من العربي وأمّا كونه القدر المتيقّن فليس على وجه يمنع التمسّك بالإطلاق، إذا كان المانع هو وجود القدر المتيقّن في مقام الخطاب لا مطلقاً والأوّل ليس بموجود، والثاني ـ على فرض وجوده ـ غير مضرّ.

والظاهر عدم القصور في الخطابات العامّة الواردة في القرآن نحو قوله تعالى:«وَ أَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَ الصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وإِمائِكُمْ» (3) إذا كان


1 . الأعراف: 19.
2 . البقرة: 230.
3 . النور: 32.


(123)

المنشأ بغير العربي، إنشاء نكاح في متعارفهم. مضافاً إلى أنّ سيرة المسلمين في فتح البلاد غير العربية كانت على بعث رجال لتعليم الأحكام والقرآن ولم ينقل في التاريخ دعوة المسلمين غير العرب على تعليم صيغ النكاح ، مع أنّ الشارع أمضى نكاح كلّ أُمّة بقوله:«ولكل قوم نكاح»(1) وبالتالي أمضى ما يعبّرون به عن هذه العلقة والمعاهدة. والظاهر الاكتفاء بغير العربية مطلقاً ـ وطريق الاحتياط واضح ـ. هذا كلّه في التمكّن من العربية ولو بالتوكيل كما هو المعمول، وأمّا فيما إذا لم يتمكّن فلاشكّ في كفاية غيرها لأنّ القدر المسلّم من تقييد الإطلاقات هو حالة التمكّن من العربية، لأنّ المقيّد دليل لبّي وهو التسالم بين الأصحاب وأمّا غير المتمكّن فهو باق تحته وإلاّ يلزم تعطيل الزواج والنكاح وهو قطعيّ البطلان لاستلزامه الفساد العظيم.

وأمّا الاستدلال بما ورد في قراءة الأخرس وطلاقه من تحريك لسانه وإشارته بإصبعه على المقام فهو أشبه بالاستئناس لا الاستدلال.

المسألة الثانية عشرة:

نكاح الأخرس

الأخرس يكفيه الإيجاب والقبول بالإشارة مع قصد الإنشاء سواء تمكّن من التوكيل أو لا، أمّا إذا لم يتمكّن منه فيدخل في البحث السابق وأمّا إذا تمكّن، فلكفاية الإطلاقات في المقام لأنّ المقيّد ـ حسب ما عرفت لبّي ـ وهو تسالم الأصحاب على لزوم العقد بالعربية ولاإطلاق له، حتّى يعمّ الأخرس، فالأخرس واقع تحت الإطلاقات ويؤيّد المقام ما ورد في طلاقه، ففي صحيحة البزنطي قلت: فإنّه لايكتب ولايسمع كيف يطلّقها؟ قال: «بالذي يُعرف به من أفعاله مثل ما


1 . التهذيب:7/472، برقم 99.


(124)

ذكرت من كراهته وبغضه لها».(1)

وفي موثقة السكوني قال: «طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها ويضعها على رأسها ويعتزلها».(2) وليس النكاح أشدّ حالاً من الطلاق فقد اكتفى فيه بما يعرف به من أفعاله، فليكن النكاح مثله.

وعلى ذلك تكفي إشارته في نكاحه، إذا عرف منها قصد الإنشاء. وهل يعتبر تحريك لسانه مضافاً إلى إشارته؟ قيل: نعم، إذ لاتنفكّ إشاراته عن تحريك لسانه، وأمّا قوله ـ عليه السّلام ـ في صحيحة البزنطي: «بالذي يعرف به من أفعاله» فلايخالف ما ذكر، لأنّ المفروض أنّه يُفهم مقاصده بالإشارة المقارنة مع تحريك لسانه، فالمقارنة الغالبية بين الإشارة وتحريك اللسان في الأخرس يصدّنا عن الاكتفاء بمطلق الإشارة.

ويؤيّده ما ورد في قراءته في موثّقة السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «تلبية الأخرس وتشهّده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته بإصبعه».(3)

المسألة الثالثة عشرة:

في كفاية الكتابة وعدمها

المشهور عدم كفاية الكتابة، لعدم الدليل عليها ، وجريان السيرة على اللفظ في الإنشاء. ولكنّه لو كانت الكتابة أمراً رائجاً بين الأقوام بحيث يكون الاعتبار بها دون اللفظ فالأقوى الاكتفاء بها، وقد عرفت أنّه «لكلّ قوم نكاح» وهو إمضاء له بكلّ ما يتحقّق به من الشؤون، ومع ذلك ـ طريق الاحتياط معلوم ـ.


1 . الوسائل: 15، الباب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1.
2 . الوسائل: 15، الباب19 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 3.
3 . الوسائل: 4، الباب 59 من أبواب القراءة في الصلاة ، الحديث 1.


(125)

المسألة الرابعة عشرة:

في اشتراط قصد الإنشاء

هذا الشرط لايختصّ بباب النكاح بل هو يعمّ جميع أبواب العقود، ومن المعلوم أنّ الاستعمال الصحيح في الكلام لايخرج عن القسمين: الإخبار والإنشاء ولاثالث لهما، فالأوّل يكون إخباراً عن أمر محقّق، أو ما يتحقّق في المستقبل، ولايعدّ عقداً ولاعهداً بل يدور أمره بين الصدق والكذب، والثاني يكون اللفظ موجداً لمفاهيم عقلائية كالنكاح والطلاق والبيع بألفاظ المعهودة في كلّ باب.

فكما أنّ الزوجية والتفرّق يتحقّقان بالتكوين فالتفاحتان المزدوجتان المعلّقتان على الشجرة زوجان ، واجتناء أحدهما من الشجرة، تفريق وفصل بينهما تكويناً، فهكذا الرجل والمرأة زوجان اعتباراً، وأمّا العاقد فهو يريد إيجاد ما رآه في التكوين في عالم الاعتبار لما فيه من الآثار المطلوبة في الحياة فيتصوّر أنّ كلاّ من الرجل والمرأة يريد أن يكون زوجاً للآخر، وهذا إنّما يتحقّق بإنشاء الزوجية الاعتبارية بينهما، كما أنّه في مورد الطلاق، يريد أن يصوِّر تقطع الزوجية كاجتناء إحدى التفاحتين فيُنشأ ذلك المعنى باللفظ المعهود.

والمراد من قصد الإنشاء، هو إيجاد هذه المفاهيم باللفظ في عالم الاعتبار لا إيجاد تلك المعاني في الذهن وإبرازها باللفظ فإنّه غير تامّ، وقد أوضحنا حاله في الأُصول وإن أصرّ عليه بعض المحقّقين (1) ـ دام ظلّه ـ.

المسألة الخامسة عشرة:

في اعتبار الموالاة العرفية

إنّ إطلاقات الكتاب والسنّة ناظرة إلى العقد العرفي، فلو كان الفصل على


1 . المحقّق الخوئي في غالب دراساته.


(126)

حدّ، لايصدق معه العقد لاتشمله الإطلاقات، وإلاّ فلا وجه لعدم الصحّة ومثله اتّحاد مجلس الموجب والقابل فلو فرض صدق العقد وإن اختلف مجلس الإيجاب والقبول لكفى كما إذا عقدا بالهاتف.

وبالجملة : فالمعيار صدق العقد عرفاً سواء اتّحد مجلسهما أم لا، توالى الإيجاب والقبول أم لا.

المسألة السادسة عشرة:

في اشتراط التنجيز

التعليق له قسمان رئيسيان : الأوّل: أن يكون العقد معلّقاً عليه في الواقع سواء قصده العاقد أم لا، ذكره أم لا، كالزوجيّة في الطلاق، والملكيّة في البيع، والثاني :ما لايكون كذلك، وعلى الثاني إمّا أن يكون المعلّق عليه أمراً معلوم التحقّق في الحال أو في الماضي أو المستقبل، أو لا، والقسم الأوّل خارج عن موضوع البحث، لأنّه معلّق على وجود ذلك الشرط شاء العاقد أو لا، وأمّا الثاني فباعتبار العلم بتحقّقه جزماً ـ كما إذا قال:لو كان الأمس يوم الجمعة، أو اليوم يوم السبت، أو الغد يوم الأحد، أنكحت ـ ينشأ العقد منجّزاً لامعلّقاً وإن كان في الظاهر معلّقاً إنّما الكلام فيما وراء ذلك من الشروط المشكوكة سواء أكان أمراً فعلياً أم متقدّماً أم متأخّراً وقد ذكروا في بطلانه عدّة وجوه:

1ـ إنّ التعليق في الإنشاء كالتعليق في الإيجاد، فكما أنّ الثاني دائر بين الوجود والعدم ولايقبل التعليق فهكذا الإنشاء.

يلاحظ عليه: إن أُريد من الإنشاء المعلّق، تعليق الاستعمال، فمعلوم أنّه لايقبل التعليق لأنّ أمره دائر بين الوجود والعدم، وإن أُريد تعليق المستعمل فيه أعني: الزوجية، فنمنع عدم قبوله له لأنّ المنشأ تارة تكون الزوجية المطلقة، وأُخرى


(127)

المعلّقة على شيء، وعلى هذا فليس الإنشاء معلّقاً بل المعلّق هوالمنشأ، فإذا قال: بعتُ إن قدم الحاجّ، فقد أنشأ البيع المعلّق على قدوم الحاجّ، والمنشأ بهذا المعنى حاصل وأمّا غير الحاصل فهو البيع المطلق وهو لم ينشأ.

2ـ لو صحّ التعليق لزم تفكيك المنشأ عن الإنشاء ويكون الإنشاء فعلياً والمنشأ استقبالياً:

ويلاحظ عليه: أنّه ليس هنا تفكيك بين الإنشاء والمنشأ، فانّ الإنشاء ـ في المعلّق ـ يستعقب منشأ واقعياً وهو الزوجية المقيّدة. أو البيع المقيّد، وإذا حصل القيد يكون منجّزاً، لحصول القيد وفائدة مثل ذلك الإنشاء عدم الحاجة إلى الإنشاء الجديد إذا حصل القيد كيف وقد دلّ الدليل على إمكانه ووقوعه، فإنّ الإيصاء بالملكية والإيصاء بالعتق الذي يعبّر عنه بالتدبير أمر رائج و المنشأ فيهما هو الملكية والعتق المقيّدان ولايتحقّقان منجّزاً إلاّ بعد الموت أخذاً بمفهوم الوصية والتدبير ودعوى أنّ ذلك كلّه خلاف القاعدة، خلاف الإنصاف.

وعلى ذلك، فلابدّ لإثبات ذلك الشرط في كلّ مورد من دليل خاص.

ويمكن أن يقال: إنّ المتعارف في النكاح هوالتنجّز والقطعية، لا التعليق، فالإطلاقات والعمومات منصرفة عن مثل ذلك.

وأمّا الاستدلال على بطلان التعليق بما ورد في النصوص من أنّه: «إذا قالت (الزوجة): نعم فقد رضيت وهي امرأتك وأنت أولى الناس بها» (1) فغيرتامّ فانّه وإن كان ظاهراً في ترتّب الأثر على العقد بلافصل، لكنّه ناظر إلى طبيعة العقد بما هو عقد. ومنصرف عمّا إذا كان العقد مشروطاً بشيء لم يحصل بعد.

***


1 . الوسائل:14، الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث 1.


(128)


(129)

الفصل الرابع:

في شرائط المتعاقدين في النكاح

يشترط في العاقد أُمور:

1 ـ العقل

2 ـ البلوغ

3 ـ عدم السهو

4 ـ عدم الإكراه

5 ـ بقاء المتعاقدين على الأهليّة إلى تمام العقد

6 ـ حضور الشاهدين عند العقد لزوماً أو استحباباً

الكلام في مسائل:

الأُولى: في حكم جعل الخيار في النكاح

الثانية: في اشتراط الخيار في الصداق

الثالثة: فيما إذا اعترفا على الزوجية

الرابعة: فيما إذا زوّج واحدة من بناته ولم يسمّها عند العقد

الخامسة: في اشتراط امتياز الزوجة عند العقد

السادسة: فيما لو ادّعى زوجية امرأة وادّعت أُختها الزوجية للمدَّعي

السابعة: فيما إذا عقد على امرأة وادّعى آخر أنّها زوجته


(130)


(131)

شرائط المتعاقدين وما يلحق بها

يشترط في العاقد المجري للصيغة أُمور:

الشرط الأوّل: العقل

فلاعبرة بعقد المجنون وإن أفاق بعد الإجراء، لعدم تحقّق القصد منه وعلى فرض تحقّق القصد ـ كما إذا كان الجنون خفيفاً ـ فالأدلّة منصرفة عن مثله، كما لاعبرة به بين العقلاء أيضاً.

الشرط الثاني: البلوغ

فلا يجوز عقد الصبي، وله صور:

الصورة الأُولى: أن يكون مستقلاً في التصرف كالبالغ الرشيد بلا تفاوت بينهما، ويدلّ على شرطيته ـ في خصوص التصرف المالي ـ قوله سبحانه: «وَابْتَلُوا اليَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ» .(1)

فدفع المال مشروط بالبلوغ بضميمة الرشد وهو كناية عن الاستقلال في التصرف.

وأمّا الابتلاء فلو فرض تحقّقه ببعثهم إلى السوق لأجل الاختبار للبيع والشراء فهو خارج عن هذا القسم وهو الاستقلال في التصرف بل هو بإذن الولي، على أنّ الابتلاء يتحقق بشكل آخر وهو أن يمارس الطفل مقدّمات المعاملة فإذا تمّت المفاوضة، يمارس الوليُّ نفس البيع.


1 . النساء: 6.


(132)

الصورة الثانية: أن يكون بإذن الولي سواء كان التصرّف جليلاً أم حقيراً وهذا هو الذي وقع محلّ الخلاف والنقاش، وهل الروايات الواردة في عدم جواز بيع الصبي تشمله أو لا؟

أقول: ما ورد من الروايات على أصناف:

أ ـ ما يدلّ على جواز أمر البالغ وعدم جواز أمر غيره : مثل ما عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ : «إنّ الجارية إذا تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأُقيمت عليها الحدود التامة وأُخذ لها وبها» قال: « والغلام لايجوز أمره في الشراء والبيع ولايخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك».(1)

وقد استفاض هذا المضمون أي«جواز الأمر عند البلوغ وعدمه عند عدمه»مع الاختلاف في حدّ البلوغ وهذه الروايات مع تضاربها في حدّ جواز الأمر، ناظرة إلى عدم جواز أمره ـ مثل جواز أمر البالغين ـ إذا كان بدون إذن الولي، وأمّا إذا كان بإذنه فالروايات غير ناظرة إليه.

ب ـ ما يدلّ على رفع القلم عنه وقد ورد بهذا اللسان في عدّة من الروايات فعن عليّ ـ عليه السّلام ـ : «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة، عن الصبي حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يفيق، وعن النائم حتّى يستيقظ».(2)

والظاهر أنّ المراد قلم المؤاخذة ، لاقلم التكليف حتّى يعمّ التكليف والوضع، بقرينة أنّ النائم لم يرفع عنه قلم التكليف فلايخرج النائم بنومه عن عداد المكلّفين ولايقع في عداد المجانين. ويؤيّده ما روي عن عليّ ـ عليه السّلام ـ : «لا حدّ


1 . لاحظ الوسائل:1/30و 18/251،526،و13/321،430،431،432،435و15/325.
2 . الوسائل: ج1، الباب 4 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 11 ، ص 32.


(133)

على مجنون حتّى يفيق،ولا على صبيّ حتى يدرك، ولا على النائم حتى يستيقظ».(1)

وقال أيضاً: إنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق، وأنّها مغلوبة على عقلها ونفسها، فردّوها إليه، فدرأ عنها الحدّ»(2) فدرء الحدّ عنها يعدّ قرينة على كون المرفوع قلم المؤاخذة ولاأقلّ أنّه القدر المتيقّن.

ج ـ ما يعدّ عمده خطأ: وعن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه كان يقول في المجنون، والمعتوه الذي لايفيق، والصبي الذي لم يبلغ: عمدهما خطاء تحمله العاقلة وقد رفع عنهما القلم.(3)

وعن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ «عمد الصبي وخطؤه واحد».(4)

وعن علي ـ عليه السّلام ـ :«عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة».(5)

والروايات ناظرة إلى المورد الذي يختلف فيه حكم العمد والخطأ ، أعني: موارد الجنايات وبهذا لايمكن الاعتماد عليها فيما يتحد فيه حكم الموردين.

أضف إلى ذلك أنّ تفسير قوله: «عمد الصبي وخطؤه واحد» بأنّ عمد الصبي مطلقاًخطأ، غير تام للفرق الواضح بين التعبيرين، فالأوّل ناظر إلى أنّ حكم العمد حكم الخطأ فيختصّ بالباب الذي يختلف فيه حكمهما وليس هو إلاّ باب الجنايات فيسقط القصاص وتبقى الدية، لأنّ عمده يعدّ خطأً، هذا بخلاف التعبير الثاني فانّه ناظر إلى عدم الاعتداد بقصوده وعقوده، وهذا لايصحّ الالتزام به للاعتداد بقصوده في الصلاة والصوم، فتبطل صلاته بكلامه وصومه بإفطاره العمديين.

ولأجل ذلك فالأقوى صحّة معاملاته مع إذن الولي ومراقبته ولاأقلّ فيما


1 . الوسائل: 18 الباب 8 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 2و1.
2 . الوسائل: 18 الباب 8 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 2و1.
3 . الوسائل: 19، الباب 36 من أبواب قصاص النفس، الحديث 2.
4 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة ، الحديث 2و3.
5 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة ، الحديث 2و3.


(134)

تعارف بين المسلمين وجرت عليه سيرة العقلاء من الإذن للأطفال في ممارسة المعاملات الخالية عن الخطر والغرر والضرر.

الصورة الثالثة: أن يكون مجرياً للصيغة، ولاشكّ في صحّته إذ لا دليل على كونه مسلوب العبارة، إذا كان عارفاً باللغة وقاصداً للمعنى، وقد ورد أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تزوّج أُمّ سلمة وزوّجها إيّاه عمر بن أبي سلمة وهو صغير لم يبلغ الحلم.(1)

وعلى ذلك لاشكّ في صحّة عقده إذا كان وكيلاً ولا دليل على شرطية البلوغ في الوكالة.

والعجب من بعض المحقّقين :حيث حكم ببطلان عقد الصبي إذا كان بإذن الولي، وصحّح عقد الفضولي إذا لحقته إجازة الولي، مع أنّ الأوّل أولى بالصحّة.(2)

الشرط الثالث: كونه غير ساه

قال المحقّق:«وفي السكران الذي لايعقل، تردّد أظهره أنّه لايصحّ، ولو أفاق وأجاز صحّ» ولو قيل بالبطلان مطلقاً ولو أجاز بعد الإفاقة لكان أوفق بالقاعدة لكونه مسلوب العبارة ولااعتداد بقصده وإنشائه بين العقلاء.

وفصّل العلاّمة في المختلف بين ما بلغ السكر إلى حدّ عدم التحصيل (3) كان العقد باطلاً، ولاينعقد بإقرارها «أي رضاه به بعد الإفاقة» وإن لم يبلغ السكر إلى ذلك الحدّ صحّ العقد مع تقريره إيّاه.(4)

وعليه حملت الرواية الآتية .

وأورد عليه في المسالك :بأنّه إذا لم يبلغ السكر إلى ذاك الحدّ صحّ العقد


1 . الوسائل: 14، الباب 16 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.
2 . لاحظ مستند العروة: 187.
3 . كذا في المطبوع والظاهر التمييز.
4 . المختلف: 90، كتاب النكاح.


(135)

وإن لم يقرّر ولم يرض.

ويظهر من الشيخ في النهاية (1) وصاحب الحدائق (2) ، صحّة عقد السكرانة إذا رضيت بعد الإفاقة وأضاف الشيخ ـ قدّس سرّه ـ :وإن دخل بها الرجل في حال السكر، ثمّ أفاقت الجارية، فأقرّته على ذلك كان ذلك ماضياً ، واستدلّ صاحب الحدائق بما رواه الصدوق والشيخ صحيحاً عن أبي الحسن الثاني عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوّجت نفسها رجلاً في سكرها ثمّ أفاقت فأنكرت ذلك، ثمّ ظنّت أنّه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج أحلالٌ هو لها ، أم التزويج فاسد لمكان السكر ولاسبيل للزوج عليها؟

فقال ـ عليه السلام ـ: «إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها»، قلت:ويجوز ذلك التزويج عليها؟! فقال: « نعم». (3)

والرواية مخالفة للقاعدة من وجهين:

الأوّل: تصحيح عقد السكران بالإجازة، وهي لاتصحّح ما وقع باطلاً لأجل فقدان القصد.

الثاني: تصحيح العقد بعد ردّه كما هو ظاهر قوله:«فأنكرت» وكذا قوله:«ففزعت منه» إلاّ أن تحمل تلك الكلمة على أنّها جزعت وأظهرت الحزن تخيّلاً بأنّه لامحيص لها عنه. وهناك وجه ثالث لمخالفة الرواية للقواعد بانّ رضاها كان على تخيل صحّة العقد ولزومه، ولو كانت واقفة على عدم لزومه لما رضيت ومثل ذلك غير كاف في باب العقود، فلو أظهر الرضا بالتصرف في مال بتخيّل أنّه مال المتصرّف فلايصحّ له التصرّف فيه إذا وقف المتصرّف على خطئه.

وعلى ذلك فالرواية مخالفة للقواعد فلابدّ من الحمل على ما حمل عليه في


1 . النهاية:468.
2 . الحدائق:23/173.
3 . الوسائل:14، الباب 14 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.


(136)

المختلف، أو على أنّ المراد من قوله:«فزوجت» هو التزويج بالتسبيب فالعاقد كان غيرها، ويستظهر ذلك الحمل من قوله:«فهو رضا منها» وبهذا الحمل يدفع به الإشكال الأوّل دون الثاني والثالث فيجب ردّ علمها إليهم ـ عليهم السّلام ـ .

وأمّا السفيه فلابأس بعقده إذا كان وكيلاً عن الغير في إجراء الصيغة لعدم كونه مسلوب العبارة بل محجور عن التصرف في الأموال على وجه الاستقلال، وكذا إذا كان أصيلاً مع إجازة الولي لارتفاع الحجر مع إذن الولي.

الشرط الرابع: كونه مختاراً

إذا أُكره على إجراء العقد فهو على قسمين:فتارة يُكْره على إجراء الصيغة للغير فيصحّ إذا علم كونه قاصداً للإنشاء إذ ليس من الأُمور العبادية التي يعتبر الإخلاص فيها، ولا من التصرّف في الأموال التي لا يجوز إلاّ بطيب النفس بل من الأُمور التوصلية التي تتحقّق تارة بلاقصد كما إذا غسل الثوب في الماء بإطارة الريح، وأُخرى بالقصد كما في المقام وما دلّ على رفع الإكراه فإنّما هو إذا ترتّب الأثر على نفس المكره وهو مفروض الانتفاء، وإنّما يترتّب الأثر بالنسبة إلى غيره أعني: الزوجين.

وأُخرى على العقد لنفسه فلا يجوز إلاّ إذا رضى وأجاز، وذلك لوجود المقتضي وهو صدور العقد من العاقل البالغ القاصد للإنشاء، والمانع عن النفوذ كونه مكرهاً وهو لايقتضي الفساد مطلقاً، سواء رضي به بعدُ أم لا، وإنّما يقتضيه إذا ردّ العقد، وأمّا إذا ارتفع بلحوق الرضا فيكون مؤثّراً،ووجهه أنّ حديث رفع الإكراه من الأدلّة الامتنانية كما يعرب عنه قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «رفع عن أُمّتي» ولازم ذلك أن لايوجب الفساد مطلقاً بل مادام مكرهاً لأنّ الحكم بفساده بعد رضاه ـ بحجّة أنّه كان مكرهاً سابقاً ـ على خلاف الامتنان.


(137)

ومثل ذلك، الاضطرار فهو ـ مع كونه مرفوعاً كالإكراه ـ لايقتضي بطلان المعاملة، كما إذا اضطرّ لأجل معالجة مريضه إلى بيع ماله فالحكم بالبطلان في هذه الصورة يخرجه عن كونه حكماً امتنانياً بل هو على خلاف الامتنان.

والحاصل أنّه لا دليل على لزوم نشوء العقد من الرضا، حتى لايفيد لحوق الرضا المتأخّر بل السبب هو العقد مع الرضا فكلّما تحقّق ذاك العنوان ترتّب عليه الأثر.

وما يتوهم من شرطية نشوء العقد من الرضا في التجارات لقوله سبحانه: «إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراض»(1) فقد حقّق في محلّه، أنّه محمول على الغالب والمقصود عدم كون المعاملة داخلة في الأكل بالسبب الباطل كما في صدر الآية: «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراض مِنْكُمْ» ومن المعلوم أنّه مع لحوق الرضا لايصدق عليه كونه أكلاً بالسبب الباطل، والتفصيل موكول إلى كتاب البيع.

الشرط الخامس: بقاء المتعاقدين على الأهليّة إلى تمام العقد

هل يشترط أن يكون كلّ من الموجب والقابل متّصفاً بصلاحية الإنشاء عند إنشاء الآخر أو لا؟ وعلى ذلك فلو أوجب، والقابل نائم أو مغمى عليه فأفاق وقبل، ومثله العكس، بأن قبل القابل والموجب نائم أو مغمى عليه ففيه وجهان.

واستدلّ على اشتراط بقاء أهلّية كلّ من المتعاقدين في حال إيجاب الآخر، أو قبوله بوجوه:

1ـ إنّ التخاطب بين المتعاقدين معتبر وهو منتف مع نوم صاحبه.

يلاحظ عليه: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، إذ ربّما لايتوقف العقد على


1 . النساء:29.


(138)

التخاطب كما في البيع إذا قال: بعت هذا بهذا، وقال الآخر:قبلت، وكما في النكاح، إذا عقد الوكيلان فقال:أنكحت الفتاة المعلومة وكالة للفتى المعلوم، وقال الآخر:قبلت النكاح وكالة للفتى المعلوم، نعم لو كان إنشاء العقد بنحو التخاطب يعتبر فيه بقاء الأهلية.

2ـ إنّ ظاهر أدلّة شرطية القصد والرضا ونحوهما في العقد، اعتبار ذلك في تمام العقد المركّب من الإيجاب والقبول، لااعتبار قصد الموجب في الإيجاب فقط وقصد القبول في القبول فقط، فإذا ارتفعت القابلية بعد الإيجاب وقبل القبول لم يحصل الشرط في تمام العقد.

يلاحظ عليه: أنّ صحّة العقد الفضولي دليل على عدم اعتبار نشوء العقد من الرضا، بل يكفي وجوده ولو بعد مدّة عن زمان العقد، وأمّا اعتبار قصد الموجب والقابل فهو تابع لصدق المعاقدة والمعاهدة بين العقلاء، فالظاهر أنّ هنا صورتين يختلف حكمهما:

1ـ إذا جنّ القابل أو اغمي عليه حين الإيجاب، فأفاق فاطّلع على الإنشاء وقبل، فالظاهر صحّة العقد لأنّ الإيجاب باق ببقاء الموجب على الأهلية إلى قبول القابل فإذاانضمّ إليه القبول يكون عقداً تامّاً.

2ـ عكس الصورة، بأن خرج الموجب عن الأهلية حين قبول القابل فصدق المعاقدة مشكل، إذ لا اعتبار بما في ذهن المجنون والمغمى عليه من الإيجاب فلايعدّ أمراً باقياً عرفاً حتّى ينضمّ إليه قبول القابل، وبذلك تظهر صحّة الفرعين اللذين ذكرهما المحقّق في المقام.

أ ـ إذا أوجب ثمّ جنّ أو أُغمي عليه ، فلو قبل بعد ذلك كان لغواً وذلك لعدم الاعتداد بما في ذهن المجنون والمغمى عليه من الإيجاب.

ب ـ لو سبق القبول وزال عقله فلو أوجب الولي بعده كان لغواً، وذلك


(139)

لأجل عدم الاعتداد بما في ذهنهما من القبول المتقدّم.

ومبنى التفصيل أنّه لو خرج البادئ بالإنشاء عن الأهليّة عند إنشاء الثاني به، فلايصحّ، وهذا بخلاف ماإذا خرج الثاني عن الأهلية عند إيقاع الأوّل، فيصحّ لأنّ الجزء المتقدّم من العقد ـ حسب الفرض ـ موجود عند لحوق الثاني.

وأمّا بقاء الطرفين على الأهليّة بين الإيجاب والقبول، فلادليل عليه.فلو خرج البادئ عن الأهليّة لكن صبر القابل حتّى أفاق البادئ فقبل، يكون صحيحاً، لأنّ كلاً من الإيجاب والقبول واجد للشرط.

والحاصل: أنّ العقد من قبيل عقد الحبلين، فتتوقّف الصحّة على وجود كلّ منهما عند العقد، فلو جنّ البادئ، لايصحّ إيقاع المتأخّر، لفقدان الحبل، ولو جنّ المتأخّر، فلايضرّ لعدم الحاجة إلى قصده وضمّ حبله إلاّ عند قبوله والمفروض أنّه موجود عنده و إن لم يكن موجوداً عند إيجاب المتقدّم.

الشرط السادس: حضور الشاهدين عند العقد

قال الشيخ في الخلاف : لايفتقر النكاح في صحّته إلى شهود، وبه قال من الصحابة الحسين بن علي ـ عليهماالسلام ـ، وابن الزبير وابن عمر وإليه ذهب عبد الرحمان بن مهدي ويزيد بن هارون ، وبه قال أهل الظاهر وقال الشافعي: لايصحّ إلاّ بشاهدين عدلين ذكرين، ورووا ذلك عن علي ـ عليه السّلام ـ وعمر وابن عبّاس.

وقال مالك:من شرطه ترك التواصي بالكتمان، فإن تواصوا بالكتمان بطل وإن حضره الشهود، وإن لم يتواصوا بالكتمان صحّ، وإن لم يكن شهود.وقال أبوحنيفة:من شرطه الشهادة وليس من شرطها العدالة ولا الذكورية.(1)


1 . الخلاف:2/363، المسألة 13.


(140)

وعنونه ابن قدامة، وذكر اختلاف آراء قومه ونقل عن يزيد بن هارون ما ورد من رواياتنا أيضاً: من أنّه سبحانه أمر بالإشهاد في البيع دون النكاح فاشترط أصحاب الرأي الشهادة في النكاح ولم يشترطوها للبيع.ثمّ ذكر أنّ مستند القائلين بالاشتراط ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال:لانكاح إلاّ بولي مرشد وشاهدي عدل.

وروى الدارقطني:لابدّ في النكاح من أربعة: الولي والزوج والشاهدان.(1)

هذا والمسألة مورد وفاق بين الأصحاب لتضافر الروايات على عدمهما.ولم ينقل الخلاف إلاّ عن ابن أبي عقيل فاشترط في الدائم لخبر محمول على الاستحباب أو التقية. وفي الروايات تفسير لما رواه العامة، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من أنّه لانكاح إلاّ بشاهدي عدل وأنّ الشهادة ليست شرطاً لصحّة النكاح بل شرط لثبوت النسب والمواريث ففي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «إنّما جعلت البيّنات للنسب والمواريث»(2) وفي صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في الرجل يتزوّج بغير بيّنة، قال: «لابأس»(3)ولأجل وضوح الحكم نكتفي بما ذكرنا من الخبرين.

هذه الأُمور هي المعتبرة في المتعاقدين، وتترتب عليها مسائل:

المسألة الأُولى:

في اشتراط الخيار في النكاح

هل يجوز اشتراط الخيار إلى مدّة محدودة أو غيرها في أصل النكاح كاشتراطه في البيع أو لا؟ وعلى فرض عدم الجواز فهل الشرط فاسد ومفسد، أو هو فاسد وغير مفسد؟


1 . المغني: 6/483.
2 . الوسائل: الجزء 14، الباب 43من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1و4.
3 . الوسائل: الجزء 14، الباب 43من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1و4.


(141)

ذهب الشيخ إلى كونه فاسداً ومفسداً، قال في الخلاف :من شرط خيار الثلاث في عقد النكاح كان العقد باطلاً وبه قال الشافعي، وقال أبوحنيفة:يبطل الشرط والنكاح بحاله، دليلنا أنّ العقد حكم شرعي يحتاج إلى دلالة شرعية ولادلالة على ثبوت هذا العقد.(1)

وقال ابن قدامة:«ولايثبت في النكاح خيار، سواء في ذلك خيار المجلس، وخيار الشرط ولانعلم أحداً خالف في هذا، وذلك لأنّ الحاجة غير داعية إليه، ولايقع في الغالب إلاّ بعد ترو وفكر، ومسألة كلّ واحد من الزوجين في صاحبه، والمعرفة بحاله بخلاف الواقع في الأسواق من غير فكر ولاروية، ولأنّ النكاح ليس بمعاوضة محضة ولهذا لايعتبر فيه العلم بالمعقود عليه برؤية ولاصفة ويصحّ من غير تسمية العوض ولأنّ ثبوت الخيار فيه يفضي إلى فسخه بعد ابتذال المرأة».(2)

وأكثر ما ذكره استحسان إلاّ قوله:«إنّ النكاح ليس بمعاوضة حقيقية».

وعلى كلّ تقدير يقع الكلام في موردين:

1ـ حكم شرط الخيار في النكاح وهل هو شرط فاسد أو لا؟

2ـ على القول بكونه فاسداً هل هو مفسد أو لا؟

أمّا الأوّل: فقد ذكر في تقرير فساده وجوه:

1ـ إنّ اللزوم في النكاح حكم شرعي، وليس من حقوق المتعاقدين، أو أحدهما حتّى يكون زمامه بيدهما، ويدلّ عليه عدم وجود الإقالة فيه كما هو الحال في البيع.

يلاحظ عليه: أنّ التفريق بين البيع والإجارة ومسألة النكاح من جعل اللزوم


1 . الخلاف:ج2، كتاب النكاح، المسألة 59.
2 . المغني: 7/560.


(142)

في الأوّلين من حقوق المتعاقدين دون الثالث وجعله فيه حكماً شرعياً تفريق ذوقي لا دليل عليه.وعدم صحّة الإقالة فيه، (وتشريع الطلاق وسيلة للفراق) لايدلّ عليه، إذ من الجائز منع الشارع عن التمتع بالحقّ بلا شرط لا معه لعلمه بملاكات الأحكام بل ربّما سوّغ للطرفين فسخ العقد بلا شرط في مواقع خاصة، كالجنون في الزوج والمعايب الخاصة في المرأة، وباختصار لامانع من كونه من الحقوق لكنّه لا يجوز التمتع بها إلاّ في ظروف خاصة لامطلقاً.

2ـ إنّ جعل الخيار لمّا كان يرجع إلى تحديد المنشأ وتوقيته بعدم الفسخ، لامتناع الإهمال وعدم معقولية الإطلاق والشمول لمابعد الفسخ كانت الزوجية مقيّدة ومتوقّفة بقبل الفسخ لامحالة وإذا كانت كذلك حكم ببطلانه لأنّ تحديد الأجل بنحو لايقبل الزيادة من أركان العقد المنقطع وهو مفقود ـ في المقام ـ حيث إنّ تاريخ الفسخ مجهول وباختصار: أنّ هذا العقد لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون دائماً أو منقطعاً، والأوّل لايتصوّر في المقام لاستلزام جعل الخيار التقييد والتحديد، والثاني يقتضي البطلان لفقد ركن من أركانه وهو تحديد الأجل بنحو لايقبل الزيادة أو النقصان.

يلاحظ عليه: أنّ جعل الخيار لا يخرجه عن كونه عقداً دائماً، لأنّ الملاك في كون العقد دائماً أو منقطعاً، كون المنشأ متّصفاً بأحدهما، وجعل الخيار لايتجاوز عن إعطاء الخيار للزوجين في حلّ العقد ولو كان ذلك مخالفاً لدوام العقد يلزم أن يكون تمكّن الزوج من الطلاق مخالفاً لذلك أيضاً فيقال مكان قوله:هنا «كانت الزوجية مقيّدة ومتوقفة بقبل الفسخ لا محالة» ، «كانت الزوجية مقيّدة ومتوقعة بقبل الطلاق».

وعلى ذلك فالعقد دائم لامنقطع حسب الإنشاء حتّى يكون فاقداً لركن من أركانه.


(143)

والحاصل، أنّ التقييد بالقدرة على الفسخ لايزيد على القدرة بالطلاق، غير أنّ أحدهما مذكور، والآخر مقدّر مسلّم شرعاً فلايجعل النكاح مقيّداً بما قبل الفسخ في مقام الإنشاء وأمّا علم الباري، ونفس الواقع فكلّ الأشياء مقيّدة بقيود ومحدودة بها والنكاح أيضاً محدود، بطلاق أو فسخ أو تفاسخ.

والذي يمكن أن يقال عدم تعارف شرط الخيار بين العقلاء وأنّهم يقدّسون عقدة النكاح من أن يمسّها خيار شرط وهذا يكفي في عدم شمول أدلّة الشروط للمورد.

وربّما يتخيّل «كون الشرط منافياً لمقتضى العقد ومفهومه نظير بعتك بلاثمن أو آجرتك بلا أُجرة، أو منافياًلمقتضاه في نظر العرف وإن لم يكن منافياً لجوهره» وهو كما ترى، لأنّ المراد من الأوّل، كون الشرط مضادّاً لمفهومه، إذ لامعنى للبيع بلاثمن، أو الإجارة بلا أُجرة، ومثله ما إذا كان الاقتضاء عرفياً وإن لم يكن منافياً لجوهره ـ وإن لم نقف على مثال له ـ وليس النكاح من أحد القسمين بل اللزوم من أحكام النكاح عرفاً وشرعاً. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ عدم كونه متعارفاً بين العقلاء ربّمايوجب انسلاك شرط الجواز في عداد الشرائط المخالفة لمقتضى العقد ويكون قصد النكاح المشروط بخيار، كأنّه من قبيل قصد المتنافيين وهو كما ترى.

2ـ شرط الخيار مفسد للعقد أو لا؟

قد اتضح حكمه ممّا سبق لأنّ إفساد الشرط رهن أحد أمرين، إمّا كونه مخالفاً لمقتضى العقد حتى لايصحّ معه قصد مفهومه، أو كونه موجباً للجهالة في الثمن أو المثمن، والأوّل منتف، والثاني مخصوص بباب المعاملات بالمعنى الأخص. والنكاح خارج عنه فلو شرط يكون الشرط لغواً و العقدُ صحيحاً.


(144)

المسألة الثانية:

في اشتراط الخيار في الصداق

قد عرفت حكم الخيار في النكاح وهل يصحّ جعله في الصداق؟

قال الشيخ في الخلاف: إذا أصدقها داراً وشرط في الصداق ثلاثة أيّام، شرط الخيار، صحّ الصداق والشرط معاً والنكاح صحيح، وللشافعي في صحّة النكاح قولان: أحدهما ، يبطل والثاني يصحّ ـ إلى أن قال:ـ دليلنا، قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«المؤمنون عند شروطهم» لأنّ هذا الشرط لايخالف الكتاب والسنّة فيجب أن يكون صحيحاً.(1)

وجه الصحّة: أنّ ذكر الصداق غير لازم في العقد فيصحّ العقد مع عدم ذكره، فلايضرّ اشتراط الخيار فيه لأنّ غايته جعل العقد بغير صداق فيصير كالمنصوص على صحّته.

وإليه ذهب صاحب المسالك حيث قال: لايضرّ اشتراط الخيار فيه مدّة مضبوطة فإذاانفسخ فإن كان دخل بها، يرجع إلى مهر المثل لو لم يتراضيا على شيء غير الأوّل. وإن لم يكن دخل بها فتجب المتعة على ما سيجيئ شرحه.

نعم جعل الخيار في المتعة مشكل، لأنّ المهر والمدّة فيها ركنان، فلو اشترط الخيار وفسخ، يصير العقد بلا صداق، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الركن وجود الصداق وأمّا المسمّى فلا لأنّ المفروض أنّه لو صحّ يرجع إلى مهر المثل فلايكون العقد بلا مهر فلاحظ.


1 . الخلاف: ج2، كتاب الصداق، المسألة33.


(145)

المسألة الثالثة:

فيما إذا اعترفا أو أحدهما على الزوجية

إذا اعترف رجل بزوجية امرأة فصدقته، أو اعترفت هي فصدّقها قضى بالزوجية ظاهراً وتوارثا.

وتدلّ عليه سيرة العقلاء أوّلاً، وكون الأمر لايعدوهما ثانياً، وأنّها ممّا لايعلم إلاّ من قبلهما ثالثاً.

وأمّا التمسّك بقاعدة الإقرار فلاتثبت بها الزوجية بصورة كاملة إلاّ إذا اتّفقا عليها لأنّ الإقرار بالزوجية اعتراف على الضرر والنفع فلايسمع إلاّ فيما فيه ضرر على المقرّ، وأمّا ما فيه نفع له فلايسمع إلاّ في صورة موافقة الآخر، فلو أقرّ الزوج دونها فيؤخذ عليه بحرمة تزويجه بأُمّها وأُختها، وأمّا إرثه منها أو جواز وطئها فلايثبت بإقراره بها إلاّ بموافقة الآخر، ومثله إذا اعترفت الزوجة دون الآخر، ولذا قال المحقّق: «ولو اعترف أحدهما بها قضى عليه بحكم العقد دون الآخر».

هذا إذا لم يكن لمدّعي الزوجية بيّنة، وإلاّ تجري عليه قواعد الدعوى وذلك لأنّ الزوجية تثبت إمّا بإقامة المدّعي البيّنة على الزوجية، أو بحلف اليمين المردودة، (على القول بجواز الردّ في مورد النكاح) وتنتفي إذا حلف المنكر على عدمها.

لكن حكم الحاكم لايغيّر الواقع بل على كلّ منهما، العمل على الواقع بينه وبين اللّه.

وعلى ذلك فلو ثبتت الزوجية بالبيّنة أو بحلف اليمين المردودة، فإن كان المثبت الزوج فله الطلب ظاهراً وعليها المهرب باطناً، وإن كان المثبت الزوجة فلها طلب النفقة وحقّ القسم والمضاجعة والوطء بعد مضي أربعة أشهر، وله المهرب


(146)

باطناً في الأُمور الأخيرة (1) .

المسألة الرابعة:

إذا زوّج واحدة من بناته ولم يسمّها عند العقد

إذا كان لرجل عدّة بنات فزوّج واحدة منها ولم يسمّها عند العقد لكن قصدها بالنيّة، فاختلف الأب والزوج بعد ذلك، قال الشيخ في النهاية:إن كان الزوج رآهنّ كلّهنّ كان القول قول الأب وعلى الأب أن يسلّم إليه التي نوى العقد عليها عند عقد النكاح ،وإن كان الزوج لم يرهنّ كان العقد باطلاً.(2)

وتبعه ابن البرّاج(3) وجملة من المتأخّرين منهم المحقّق في الشرائع، وقال ابن إدريس بالبطلان، ويظهر الميل إليه من الشهيد في المسالك.

استدلّ الشيخ بما رواه الكليني بسنده، عن أبي عبيدة، قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن رجل كنّ له ثلاث بنات أبكار فزوّج إحداهنّ رجلاً ولم يسمّ التي زوّج للزوج ولا للشهود، وقد كان الزوج فرض لها صداقها، فلمّا بلغ إدخالها على الزوج بلغ الزوج أنّها الكبرى من الثلاثة، فقال الزوج لأبيها، إنّما تزوّجت منك الصغيرة من بناتك، قال: فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ : «إن كان الزوج رآهنّ كلّهنّ ولم يسمّ له واحدة منهنّ فالقول في ذلك قول الأب، وعلى الأب فيما بينه وبين اللّه أن يدفع إلى الزوج الجارية التي كان نوى أن يزوّجها إيّاه عند عقدة النكاح، وإن كان الزوج لم يرهنّ كلهنّ ولم يسمّ له واحدة منهنّ عند عقدة النكاح فالنكاح باطل».(4)


1 . هكذا ذكر المشايخ لكنّ القضاء بهذا الشكل امر عجيب غير قابل للتطبيق ولابد للمسألة من حلول آخر. فلاحظ.
2 . النهاية:468.
3 . المهذّب:2/196.
4 . الوسائل: ج14، الباب15 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.


(147)

نعم ذهب ابن إدريس إلى البطلان قائلاً بأنّه يلزم تعيين الزوجة، بالاسم أو الوصف أو الإشارة إلى معيّن، أو الاتّفاق على معيّن لأنّ العقد حكم شرعي، يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي ومن شرط صحّته، تميّز المعقود عليها ولأنّه إذا ميّزها من غيرها صحّ العقد بلا خلاف وإذا لم يميّزها ليس على صحّته دليل أو فيه خلاف.(1)

هذا و ظاهر الرواية أنّ رؤية الزوج لهنّ كافية في الصحّة ويرجع إلى ما عيّنه الأب وإن اختلفا في القصد، وعدم رؤيته كاف في البطلان مطلقاً وإن اتّفقا في القصد (2)، مع أنّ المدار في الصحّة والبطلان إنّما هو على التعيين وعدمه لا على الرؤية.

ولأجل ذلك نزّلها المحقّق على ظهور الرؤية وعدم التعيين، في إيكال الأمر إلى الأب فيصحّ ويجب أن يسلّم ما نواه وإن لم يكن رآها كان العقد باطلاً.

واعترض في المسالك بما هذا حاصله: أنّ الرؤية أعمّ من تفويض الأمر إلى الأب، كما أنّ عدمها أعمّ من الرضا بتعينيه وعدمه فلا الرؤية دليل على التفويض، ولاعدمها دليل على عدمه ولكلّ حالات.(3)

أقول: مقتضى القاعدة إذا لم يثبت التفويض، هو التحالف لأنّ كلاً منهما مدع ومنكر فيتحالفان وينفسخ العقد، وأمّا إذا ثبت التفويض فالقول، قول المفوض إليه بيمينه لأنّه أعلم بقصده.

ولكن صحّة الرواية تصدّنا عن طرحها، مع عمل جماعة بها من القدماء والمتأخّرين. أمّا الصحّة في صورة الرؤية فلها صورتان:

1ـ إذا رآهنّ واتّفقا على أنّه لم يسمّ واحدة منهنّ وكان الأب مأذوناً في إجراء


1 . السرائر: 2/573.
2 . الرواية منصرفة عن صورة الاتفاق في القصد.
3 . المسالك:1/481.


(148)

العقد فالقول قول الأب، وإلاّ كان العقد فضولياً، فللزوج ردّه بلا حاجة إلى التحاكم.

2ـ تلك الصورة ولكن لايتّفقان على أنّه لم يسمّ واحدة منهنّ ، بل يقول الزوج سمّيت الصغيرة فالأخذ بقول الأب مشكل والقدر المتيقّن من الرواية هو الصورة الأُولى وحينئذ يصحّ تنزيل المحقّق وغيره من أنّها ظاهرة في التفويض، فيكون القول قول المفوض إليه بخلاف الصورة الثانية، ويندفع إشكال المسالك بأنّ الرؤية أعمّ من التفويض، وذلك لأنّ الرؤية ـ إذا انضمّت إلى تسليم أنّه لم يسمّ واحدة منهنّ وأنّه أذن للأب في إجراء العقد ـ تكون ظاهرة في التفويض فقط دون ما إذا لم يسلِّم أنّه لم يسمّ واحدة منهنّ بل ادّعى أنّه سمّى واحدة منهنّ فيكون على طرف النقيض من التفويض، فالعمل بالصحيحة في الصورة الأُولى قريب جدّاً.

نعم إذا اتّفقا على عدم الرؤية سواء اتّفقا على عدم التسمية أو تخالفا فيه، فليس هناك ما يدلّ على واحد من الأمرين: التفويض، وعدمه، فلا مناص عن القول بالبطلان.

المسألة الخامسة:

اشتراط امتياز الزوجة عند العقد

يشترط امتياز الزوجة من غيرها، بالإشارة، أو التسمية، أو الصفة، ويترتّب عليه أنّه لو زوّجه إحدى ابنتيه لم يصحّ.

والفرق بين هذه المسألة وما تقدّم عليها، أنّ مورد السابقة ما إذا كانت معلومة عند الولي دون الزوج، وأمّا هذه ففيما إذا كانت مجهولة عندهما.

وكمايشترط امتياز الزوجة بأحد الأنحاء الثلاثة، كذلك يشترط امتياز الزوج


(149)

فلو قال:زوّجت ابنتي فاطمة لواحد من ولديك، لم يصحّ.

وكما يكفي في حصول الامتياز، أحد الوجوه الثلاثة، يكفي في حصوله، قصد امرأة معيّنة وإن لم يصرّح في اللفظ.وعلى كلّ تقدير أُستدل على الاشتراط بالإجماع تارة، وبأنّ الزوجة المعقودة عليها مقصودة للاستمتاع ويشترط تعيينها في صحّة النكاح، كما في كلّ معقود سواء أُريد عينه كالبيع أو منفعته كالعين الموجرة.(1)

أقول: أمّا الإجماع فمعلوم السند، وأنّ من المظنون جدّاً أن يكون سنده ما ذكروه من الدليل.

وأمّا الاستمتاع، فلاشكّ أنّه يتعلّق بالمعيّن لكنّه لايلازم كونه معيّناً حين العقد بل يكفي التعيين، بعد العقد، بالتفويض، أو القرعة، أو ما أشبههما ، وقياس المقام بالبيع موجب لضعف الاستدلال، لأنّه يجوز بيع الكلي غير المتشخص حين العقد، المتشخص حين التسليم.

على أنّ ظاهر الآية، هوالصحّة، فقد حكى سبحانه عن شعيب ـ عليه السّلام ـ أنّه قال لموسى ـ عليه السّلام ـ :«إِنّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَني ثَمانِيَ حِجَج فَإِنْ أَتْْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُني إِنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّالِحين» .(2)

وحمل الآية على أنّه كان اقتراحاً من شعيب لا عقداً لواحدة منهما لا يلائمه قول موسى :«ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدوانَ عَلَيَّ وَ اللّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيل» .(3)

فإنّ المتبادر أنّ ما تكلّم به شعيب، كان إيجاباً وما قاله موسى، قبولاً. فلو


1 . الحدائق: 23/186.
2 . القصص: 27.
3 . القصص:28.


(150)

منع ظهور الآية في كفاية التعيين بعد العقد، فلامناص عن اختيار القول الآخر تمسّكاً بسيرة العقلاء، في باب النكاح فإنّها جارية على التعيين ، لا الإبهام. وأما الرضا في باب البيع بمصداق من الكلّي فلايكون دليلاً على الصحّة في المقام لاهتمام العقلاء في باب النكاح بتعيين الزوجين و تمييزهما، دون البيع بل يكتفون بصدق التماثل في البيع عرفا.

نعم يكفي التمييز الواقعي وإن لم يكن متميّزاً في الظاهر. كما إذا كان للرجل بنتان، وعقد على الجالس في البيت دون الخارج ولايتميز الجالس عن الخارج في الظاهر وإن كان متميّزاً واقعاً.

المسألة السادسة:

لو ادّعى زوجية امرأة وادّعت أُختها الزوجية للمدَّعي

لو ادّعى الرجل زوجية امرأة فانكرته وادّعت أُختها الزوجية له، أو ادّعى الرجل زوجية البنت وانكرته وادّعت الأُم الزوجية له، فهنا دعويان، إحداهما من الرجل على المرأة الأُولى والثانية من المرأة الأُخرى على الرجل، وللمسألة صور:

الأُولى: أن لاتكون لواحد من ا لمدعيين بيّنة.

الثانية: أن تكون لأحدهما بيّنة دون الأُخرى.

الثالثة: أن تكون لكليهما بيّنة.

وإليك دراسة الصور:

الصورة الأُولى: إذا لم تكن لواحد منهما بيّنة

مقتضى القاعدة توجّه اليمين على المنكر في كلتا الدعويين وهي المرأة في الدعوى الأُولى، والرجل في الدعوى الثانية، وفي هذه الحالة إمّا أن يحلف المنكِر أو


(151)

يتناكر ويردّ اليمين إلى المدّعي أو يحلف أحد المنكرين دون الآخر، وإليك بيان أحكامها.

1ـ إذا حلف كلّ من المنكرين تسقط الدعوى، لا بمعنى تغيّر الواقع وانفساخ الزوجية على فرض وجودها، لوضوح أنّ حكم الحاكم لايغيّر الواقع بل بمعنى سقوط الدعوى حسب الظاهر في نظر المحاكم الشرعية، وإلاّ فلو كان الرجل صادقاً في دعواه الأُولى لم يصحّ للمرأة الأُولى التزويج من غيره، وكذلك لو كانت المرأة الثانية صادقة في دعواها لم يصحّ للرجل التزويج بمن لايمكن الجمع بينهما.

نعم يظهر من صاحب الجواهر في مسألة «إذا اتّفق الزوج و وليّ الزوجة على أنّهما عيّنا معيناً وتنازعا في المعيّن» أنّه مع عدم البيّنة تنفسخ الزوجية إذاتحالفا أو تناكرا وكأنّه لم يكن عقد في البين ولكن الموافقة معه مشكلة، لما عرفت من أنّ حكم الحاكم لايغير الواقع. روى الكليني بسند صحيح عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان وبعضكم الحن بحجّته من بعض فأيّما رجل قطعتُ له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعتُ له به قطعة من النار.(1)

2ـ إذا نكل كلّ من المنكرين عن اليمين وردّ اليمين على المدّعيين(2) وحلف كلّ منهما اليمين المردودة تكون النتيجة كالسابق من سقوط الدعوى وانتهاء النزاع وذلك لأنّ حلف الرجل اليمين المردودة من المرأة في الدعوى الأُولى يثبت دعواه وأنّها زوجته كما أنّه إذا حلفت المرأة الثانية اليمين المردودة من الرجل في الدعوى الثانية تثبت زوجيتها للرجل وتكون نتيجة اليمينين زوجية الأُختين أو زوجية البنت


1 . الوسائل: ج18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 . على القول بجواز الردّ في النكاح كما مرّ.


(152)

والأُمّ لرجل واحد وهو باطل شرعاً، وتكاذب الحلفين مسقط لكليهما.

لايقال: إذا حلف الرجل اليمين المردودة من جانب المرأة الأُولى لايبقى مجال ليمين المرأة الثانية المردودة من الرجل في الدعوى الثانية، وذلك لأنّ تجويز الحلف الثاني بمعنى إبطال ما أثبتته اليمين الأُولى ولغويتها نتيجة، وعلى ضوء ذلك فيجب أن يكتفي باليمين الأُولى المردودة سواء كان المقدّم اليمين المردودة من المرأة إلى الرجل، أو من الرجل إلى المرأة.

لأنّا نقول:لمّا كانت الدعويان مشمولتين لأدلّة القضاء في عرض واحد، لايكون فصل الخصومة في جانب إحداهما سبباً لخروج الآخر عن تحتها، ويجب على الحاكم القيام بقطع الدعوى والنزاع سواء كانت النتيجة ثبوت الزوجية أو انتفاؤها.

3ـ إذا حلف أحد المنكرين كالمرأة في الدعوى الأولى دون الآخر، ولكن حلف المدّعي كالمرأة في الدعوى الثانية اليمينَ المردودة فتكون النتيجة بطلان الدعوى الأُولى لحلف المنكِر وثبوت الدعوى الثانية لحلف المدعي اليمين المردودة. فلو حلف الرجل في الدعوى الثانية و حلف اليمين المردودة في الدعوى الأولى تثبت زوجية البنت و تنتفي زوجية الأمّ.

هذه الأقسام الثلاثة راجعة إلى الصورة الأُولى، أعني: إذا لم تكن لواحد منهما بيّنة من غير فرق بين أن يدخل الرجل بالثانية، أو لا، لأنّ الدخول حتّى الصحيح منه، أعم من النكاح، وحمله على الصحّة، لايثبت عنوان النكاح لاحتمال أن يكون من قبيل الوطء بالشبهة.

الصورة الثانية: إذا كانت لواحد منهما بيّنة

إذا كان لواحد من المدّعيين بيّنة دون الآخر، فحينئذ ثبتت دعوى صاحب


(153)

البيّنة، سواء كان الرجل أو المرأة، فإن أقامها الرجل ثبتت زوجية المرأة الأُولى، وإن أقامتها المرأة الثانية ثبتت زوجيتها للرجل.هذاممّا لاشكّ فيه.

إنّما الكلام فيما إذا أقام الرجل بيّنة لدعواه فهل تسقط الدعوى الأُخرى ، أعني :ادعاء المرأة الثانية كونها زوجة له، بحجّة أنّ ثبوت الزوجية للأُخت الأُولى لا يجتمع مع ثبوت الزوجية للأُخت الثانية فتترك الدعوى الثانية بحالها،ومثله ثبوت الزوجية للبنت لا يجتمع مع ثبوتها للأُمّ أو تجري عليها قواعد الدعوى مستقلاً، من حلف المنكِر، أو ردّه، فلو حلف المنكِر تبطل الدعوى الثانية، ولكن لو ردّها على المدّعية وحلفت تثبت زوجية الأُخت الثانية له وهو لا يجتمع مع زوجة الأُخت الأُولى فلامناص من سقوط الدعويين، ومثل ذلك ما إذا انعكس الأمر بأن أقامت المرأة الثانية البيّنة على كونها زوجة للرجل، دون الرجل بالنسبة إلى المرأة الأُولى فيجري فيه ما ذكر في الأُولى، إذا ردّت اليمين، إلى الرجل وحلف فتكون النتيجة: زوجية الأُختين أو البنت والأُمّ.

ويمكن ترجيح القول الأوّل(سقوط الدعوى) بأنّ البيّنة من الحجج الشرعية التي هي حجّة في لوازمها العقلية والعرفية والشرعية، فإذا قامت في واحد من الدعويين، لاتصل النوبة إلى الدعوى الثانية لأنّ المفروض أنّ ثبوت الزوجية لواحدة منهما تلازم بطلان زوجية الأُخرى ولايحتاج إلى إجراء قواعد الدعوى في الثانية من حلف الرجل أو ردّه على المرأة الثانية حتى يقال بأنّه كيف تردّ اليمين على المرأة الثانية فانّ نتيجة حلفها ثبوت زوجيتها، وقد ثبتت زوجية أُختها له سابقاً.

وما ذكرنا في الصورة الأُولى من لزوم تصدي القاضي لكلّ من الدعويين إنّما هو فيما إذا لم تكن هناك بيّنة كاشفة بمضمونها المطابقي عن صحّة الدعوى الأُولى حتى يلازمها بطلان الدعوى الأُخرى،وإلاّ فيكتفى بتصديق الأُولى.


(154)

الصورة الثالثة: إذا كانت لكليهما بيّنة

إذا أقام كلّ من المدّعيين البيّنة، فهناك وجوه نشير إليها:

أ: أن تكون البيّنتان مطلقتين.

ب : أن تكونا مؤرختين متقاربتين.

ج: أن يكون تاريخ إحداهما أسبق من تاريخ الأُخرى.

فعلى الأوّلين تتساقطان لعدم إمكان الجمع وعدم وجود المرجّح.

وأمّا الثالث، أعني: ما إذا سبق تاريخ إحداهما على الأُخرى فيقع الكلام تارة في الأُختين وأُخرى في البنت والأُمّ.

أمّاالأُولى: فتارة يكون مفاد الأسبق تاريخاً هو حدوث الزوجية في زمان سابق على الدعوى الثانية، أو على استمرارها إلى زمان الثانية من دون دلالة على كونها زوجة بالفعل، وأُخرى يكون مفادها هو الزوجية الفعلية مع سبقها حدوثاً.

أمّا إذا اشهد الأسبق تاريخاً على حدوث الزوجية في زمان سابق على الدعوى الثانية يكون الترجيح بغير الأسبق إذ لاتكاذب بينهما لإمكان صحّة مقولة كلتا البيّنتين بأن يقال إنّه عقد على الأسبق وطلّقها ثمّ عقد على الثانية، فيؤخذ بكلا الدليلين، من غير فرق بين أن يقوم الأسبق على زوجية المرأة الأُولى، أو على استمرار زوجيتها المرأة إلى زمان الدعوى الثانية.

لايقال: إذا ثبتت الزوجية حدوثاً فلامانع من استصحابها إلى زمان تقارن الدعويين.

فانّه يقال:هذا إذا لم تكن هناك بيّنة مانعة عن إجراء الاستصحاب فانّ قيام البيّنة على زوجية المتأخرة تاريخاً لايجتمع مع بقاء زوجية الأسبق تاريخاً فتكون البيّنة دليلاً اجتهادياً رافعاً لموضوع الأصل العملي أي الاستصحاب.


(155)

وأمّا إذا قامت البيّنتان على الزوجية الفعلية في جانب كلتا المرأتين فهناك احتمالان:

1ـ سقوطهما وسقوط الدعويين وانتهاء المخاصمة حسب الظاهر وإن كانت الوظيفة الواقعية غير ساقطة.

2ـ إنّ مصبَّ تعارض البيّنتين هوالزوجية الفعلية فيتساقطان في مورد التعارض وأمّا الزوجية السابقة على الزوجية الفعلية فلاتعارض بينهما ولاتكاذب، وعندئذ لامانع من استصحاب الزوجية السابقة ويكون الترجيح للأسبق لا لأجل ترجيح تلك البيّنة على البيّنة الأُخرى وإنّما هو لأجل استصحاب ما أثبتته تضمّناً وهو حدوث الزوجية المتقدّمة.(1)

يلاحظ عليه: أنّه مبني على جواز التبعيض في العمل بمضمون البيّنة الساقطة لأجل التعارض فانّ الأسبق تاريخاً يتضمّن أمرين: حدوث الزوجية واستمرارها إلى زمان الدعوى ومصبّ التعارض إنّما هو استمرارها فلايؤخذ به لأجل التعارض وأمّا حدوث الزوجية فخارج عن مصبها فيؤخذ به أوّلاً، ثمّ يستصحب ثانياً، وهل يستفاد من دليل حجّية البيّنة جواز التبعيض في العمل بها؟ فيه تأمّل.

هذا إذا كانت المرأتان أُختين وأمّا إذا كانت المرأتان أُمّاً وبنتاً، فله قسمان:

1ـ إذا دلّت البيّنة على تقديم العقد على البنت فهذا كاف في بطلان العقد الثاني سواء دلّت الأُولى على بقائها، أو لا، لأنّ العقد على البنت إنّما يوجب تحريم الأُمّ مطلقاً.

2ـ إذا دلّت البيّنة على تقدّم العقد على الأُمّ في زمان فله قسمان:


1 . مستند العروة الوثقى:2/230.


(156)

وذلك لأنّ البيّنة القائمة في مورد الأُمّ إمّا أن تدلّ على حدوث الزوجية دون استمرارها، أو تدلّ على استمرارها إلى الزمان الحالي فيأتي فيهما ما ذكرناه في الأُختين حذو النعل بالنعل فلانعيد، هذا كلّه حسب القاعدة.

غير أنّ في المقام رواية رواها الكليني والشيخ بسندين غير نقيين، روى الأوّل عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، وعن علي بن محمّد القاساني، عن القاسم ابن محمّد، عن سليمان بن داود، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي عن الزهري، عن علي بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ في رجل ادّعى على امرأة أنّه تزوّجها بوليّ وشهود، وأنكرت المرأة ذلك فأقامت أُخت هذه المرأة على هذا الرجل البيّنة أنّه تزوّجها بوليّ وشهود، ولم يوقّتا وقتاً فكتب ـ عليه السّلام ـ : «إنّ البيّنة بيّنة الرجل ولاتقبل بيّنة المرأة لأنّ الزوج قد استحق بضع هذه المرأة وتريد أُختها فساد النكاح فلاتصدق ولا تقبل بيّنتها إلاّ بوقت قبل وقتها أو بدخول بها».(1)

ورواها الشيخ باسناده، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن علي بن محمّد، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود، عن عبد الوهاب بن عبد الحميد الثقفي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ (2) والسند عليل ففيه:

1ـ علي بن محمّد القاساني، وهو ممّن ضعّفه الشيخ.

2ـ القاسم بن محمّد، مشترك بين الثقة والضعيف.

3ـ عيسى بن يونس، الذي لم يوثق.

4ـ الأوزاعي والزهري، عامّيان.

وفي سند الشيخ، عبد الوهاب بن عبد الحميد وهو لم يوثق.


1 . الوسائل: ج14، الباب 22، من أبواب عقد النكاح، الحديث1.
2 . الوسائل: ج18، الباب 12، من أبواب كيفية الحكم، الحديث13.


(157)

هذا كلّه حول السند، وأمّا المتن ففيه غموض من جهات:

1ـ إنّ الظاهر من قوله:«وتريد أُختها فساد النكاح فلاتصدق ولاتقبل» أنّ الجواب راجع إلى واقعة خاصة، وقف الإمام ـ عليه السّلام ـ على فساد نيّة الأُخت، فيقتصر في العمل على مورد.

2ـ كيف يمكن أن يكون الدخول مرجّحاً لبيّنة المرأة الثانية مع أنّه أعمّ من النكاح حتّى أنّ الصحيح من الوطء لا يلازم النكاح كالوطء بالشبهة.

3ـ انّ لازم هذه الرواية ،تقديم قول الرجل في خمس صور، والمرأة في سبعة صور، لأنّ البيّنتين إمّا مطلقتان أو مؤرختان، متقاربتان أو بيّنة الرجل مؤرخة دون الأُخرى أو بالعكس، أو تكون بيّنة الرجل أسبق تاريخاً من بيّنة المرأة أو بالعكس، وعلى كلّ تقدير فإمّا أن يكون هناك دخول أو لا فتكون الصور اثنتا عشرة ، فعلى العمل بالرواية تقدّم بيّنة الرجل في صور خمس، أعني: ما إذا لم يكن هناك دخول ولم تكن بيّنة المرأة أسبق تاريخاً ولاوجه لهذا التقديم مع اشتراكهما في جميع الجهات.

وربّما يقال: كيف تقدّم بيّنة الرجل على بيّنة المرأة مع أنّ الرجل منكِر، والبيّنة على المدعي «المرأة الثانية» ولكنّه مدفوع بأنّ الرجل في الدعوى الأُولى مدّع وفي الدعوى الثانية منكِر، وتقديم بيّنته لأجل كونه مدّعياً في الأُولى.نعم يمكن أن يقال: إنّ تقديم بيّنة الرجل لما استلزم ردّ بيّنة المدعي(المرأة) في الدعوى الثانية، وصارت النتيجة الأخذ بقول المنكِر فيها(الرجل) أشكل الحكم بتقديم بيّنة الرجل حتّى في الدعوى الأُولى لاستلزامه ردّ بيّنة المدّعي في الدعوى الثانية .

وعلى أيّ تقدير فلو ثبتت حجّية الرواية ، فالإشكالات مندفعة لأجل التعبّد.


(158)

المسألة السابعة:

إذا عقد على امرأة فادّعى آخر أنّها زوجته

لو عقدالرجل على امرأة برضاها وقولها بأنّها غير متزوّجة. ثمّ جاء رجل آخر فادّعى أنّها زوجته فمقتضى القاعدة هو القضاء للمدّعي إذا كانت له بيّنة، وإلاّ فاليمين على المنكِر، فهو إن حلف تسقط الدعوى، وإن نكل وقلنا بالقضاء بمجرّد النكول أو ردّ على المدعي (1) وهو حلف، فيحكم للمدّعي.

ولكن الأصحاب قالوا باختصاص سماع الدعوى في المقام بإقامة البيّنة من المدّعي(الرجل الثاني) وإلاّ فلا تسمع دعواه، فلا تصل النوبة إلى يمين المنكِر (الزوجة) ونكوله أو ردّه، ويدلّ على ذلك أمران:

1ـ وجود خصوصية في المقام، لأنّ اليمين إنّما تتوجه على المنكِر إذا كان بحيث لو اعترف له لزمه الحق، والمقام ليس كذلك لأنّ إقرارها إقرار في حقّ الغير «الزوج الفعلي» فلايؤثر شيئاً، ومنه يظهر أنّه لايصحّ لها ردّ اليمين على المدعي«مدّعي الزوجيّة» وذلك لأنّ اليمين المردودة إمّا بمنزلة إقرار المنكِر، أو بمنزلة بيّنة المدعي، وعلى كلّ تقدير فلاينتج في المقام لأنّه لايصحّ لها الإقرار لأنّه إقرار في حقّ الغير فلاينتج ما هو مثله أعني: حلف المدّعي اليمين المردودة، ومثله كونه بمنزلة البيّنة، فانّها إنّما تفيد بالنسبة إلى المتداعيين دون غيرهما ، أعني: الزوج الفعلي فحينئذ لايفيد ما هو مثلها، أعني: حلف المدّعي اليمين المردودة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الممنوع هو سماع الدعوى إذا زاحم حقّ الزوج كما عرفت،


1 . على القول بجواز الردّ في أمثال المقام.
2 . الجواهر:29/164 بتصرّف.


(159)

وأمّا سماعها فيما لم يزاحم حقّه فلا وجه لعدمه، مثلاً: إنّ كلاً من الإقرار وردّ الحلف إلى المدّعي مع حلفه لايوجب خروجها عن زوجية الزوج لما عرفت من أنّ إقرارها في حقّ الغير، ومثله حلف المدّعي اليمين المردودة فانّها تفيد بالنسبة إلى المتداعيين لا بالنسبة إلى الغير فلا تخرج الزوجة عن زوجيّته.

ولكنّه لاينافي سماعهما فيما إذا خلا عن المزاحمة كما إذا أقرّت ثمّ مات الزوج أوطلّقها فتؤخذ بإقراره و مثله إذا كان ردّ اليمين إلى المدّعي بمنزلة اقرار المنكر لنفع المدّعي أو ببيّنة المدّعي إذا قلنا إنّ الردّ بمنزلة بيّنته وتكون محكومة بزوجيّة الآخر.

وربّما يقال بظهور الثمرة في ضمان البضع في حياة الزوج فتغرم مهر المثل للمدّعي بحيلولتها بينه وبين البضع، فيكون نظير ما إذا أقرّ لزيد بمال ثمّ أقرّ به لآخر أو باع شيئاً من رجل ثمّ أقرّ به لغيره فيغرم للغير المثل أو القيمة.

لكن في ترتّب هذه الثمرة نظر وهو أنّ ضمان البضع غير معهود ولا أمر عرفي، ولأجل ذلك لو حبس زوجة حرّة لايتوجّه على الحابس ضمان، وثبوت الضمان في بعض الموارد بالدليل مثل ما إذا أرضعت الزوجة من يفسد نكاحها أو أسلمت والزوج كافر، ومثلهما الوطء بالشبهة، ففي الكلّ تضمن مهر المثل لكن كلّ ذلك بالدليل، ولأجل ذلك قالوا لامهر لبغي ولا لزوجها. على أنّ في صحة الإقرار أو البيع الثابتين إشكالاً ذكر في محله.

2ـ النصّ الوارد في المقام بحيث يحصر سماع الدعوى في البيّنة، مثل: صحيحة عبد العزيز ابن المهتدي(1) قال: سألت الرضا ـ عليه السّلام ـ قلت: جعلت فداك إنّ أخي مات وتزوّجت امرأته، فجاء عمّي فادّعى أنّه كان تزوّجها سرّاً، فسألتها عن ذلك فأنكرت أشدّ الإنكار، وقالت: ما كان بيني وبينه شيء قطّ،


1 . عبد العزيز ابن المهتدي من أصحاب الرضا ـ عليه السّلام ـ قال النجاشي: الأشعري القمي ثقّة روى عن الرضا ـ عليه السّلام ـ له كتاب، لاحظ الرجال :ج2، برقم 640 فالرواية صحيحة.


(160)

فقال: «يلزمك إقرارها ويلزمه إنكارها».(1)

وروى يونس، قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة في بلد من البلدان، فسألها لك زوج؟فقالت: لا، فتزوّجها، ثمّ إنّ رجلاً أتاه فقال: هي امرأتي، فأنكرت المرأة ذلك ما يلزم الزوج؟ فقال:«هي امرأته إلاّ أن يقيم البيّنة» ورواه الشيخ ، عن ابن سعيد بسند صحيح.(2)

ولكن في دلالتهما على عدم سماع الدعوى مطلقاً إلاّ بالبيّنة، نظر، فانّ الظاهر أنّ الحصر نسبي والمقصود أنّ خروجها عن زوجية الزوج الفعلي يتوقّف على إقامة البيّنة فقط.

وأمّا عدم سماع الدعوى حتى فيما إذا لم يزاحم حقوق الزوج كما عرفت فلا، وحينئذ يتوقف قطع الدعوى من رأس على إجراء قواعد القضاء.

نعم يظهر من مضمر سماعة تصديق المدّعي إذا كان ثقة، قال: سألته عن رجل تزوّج جارية أو تمتّع بها فحدّثه رجل ثقة أو غير ثقة، فقال: إنّ هذه امرأتي وليست لي بيّنة، فقال: «إن كان ثقة فلا يقربها، وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه».(3)

والخبر موثق قابل للتخصيص به ولكن لم يعمل به أحد، وحمل على الاستحباب، ولكن مجرّد عدم القرب لايكفي في الاحتياط لاستلزامه تفويت حقّ آخر محتمل، وهو حقّ الزوجة في كلّ أربعة أشهر، فلابدّ أن يحمل على التفحّص حتى يظهر الحال.


1 . الوسائل: ج14، الباب 23 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1و3و2.
2 . الوسائل: ج14، الباب 23 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1و3و2.
3 . الوسائل: ج14، الباب 23 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1و3و2.


(161)

الفصل الخامس:

في أولياء العقد

1 ـ الأب والجدّ من الأولياء

2 ـ ولاية الجدّ غير مشروطة بحياة الأب

3 ـ ليس للصغيرة والصغير الخيار بعد البلوغ

4 ـ ولاية الأب والجدّ على البكر الرشيدة وفيها اقوال

القول الأوّل: استمرار الولاية

القول الثاني: استبدادها بالتزويج

القول الثالث: التفصيل بين الدائم والمنقطع والولاية في الأوّل.

القول الرابع: عكس الثالث.

القول الخامس: التشريك في الولاية بين البنت والأب خاصّة دون غيره من الأولياء

القول السادس: استقلال كلّ من الأب والبنت

القول السابع: استقلال البنت البالغة الرشيدة إلاّ أن تختار ما فيه هتك شرف الولي.

5 ـ في عضل الأب البالغة الرشيدة.

6 ـ في عدم الولاية على الثيّب مع البلوغ والرشد.

7 ـ لا ولاية على البالغ الرشيد.

8 ـ ولاية الأب والجدّ مع جنون الولد.


(162)


(163)

أولياء العقد

يقع الكلام في أُمور:

الأمر الأوّل:

في ولاية الأب والجدّ

المشهور أنّه لا ولاية لغير الأب، والجدّ للأب، وإن علا، وقد خالف ابن أبي عقيل، ولم يذكر لغير الأب، ولاية كما خالف ابن الجنيد، فقد أثبت للأُمّ وأبيها ولاية وأنّهما يقومان مقام الأب وآبائه(1) كما خالف الشيخ فأثبت للأخ الاستئذان وإن لم تكن له ولاية، قال في الخلاف:إذا اجتمع أخ لأب وأُمّ، مع أخ لأب كان الأخ للأب وللأُمّ متقدّماً في الاستئذان عندنا وإن لم تكن له ولاية، ثمّ نقل عن أبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه: الولاية له. هذا ما لدى الخاصة.(2)

وأمّا العامة: فقد قال مالك بولاية الإخوة بعد الآباء وقبل العمومة، فالأولياء عنده الآباء والإخوة والعمومة والمولى والسلطان.

وعند غيره فالولاية للأب، ثمّ لابنها وابنه ثمّ لأخيها لأبيها وأُمّها، أو للأب فقط ثمّ العمومة ثمّ المولى المنعِم ثمّ السلطان.وسيوافيك الكلام في ولاية الأب والجدّ.

وعلى ذلك فالمخالف لفتوى المشهور القديمان من الفقهاء، فقد قال الأوّل بالضيق وعدم ولاية غير الأب، وقال الثاني: بالسعة وأنّ الأُمّ تقوم مقام الأب وقد ذكر خلافهما في المختلف (3) فلاحظ.


1 . المختلف: 87،كتاب النكاح.
2 . الخلاف: كتاب النكاح، المسألة 24.
3 . المختلف: 87، الفصل الثاني، في العقد وأوليائه.


(164)

الأمر الثاني:

في أنّ ولاية الجدّ غير مشروطة بحياة الأب

لاشكّ أنّ للجدّ ولاية خلافاً لابن أبي عقيل، إنّما الكلام في مرتبته، والأقوال فيها ثلاثة:

1ـ ولايته مطلقة غير مشروطة بحياة الأب

2ـ ذهب الشيخ في النهاية ، إلى أنّ حياة الأب شرط في ولاية الجدّ على البكر البالغة،والصغيرة، وموته مسقط لولايته عليهماوحكاه في المختلف. عن ابن الجنيد وأبي الصلاح وابن البرّاج والصدوق في الفقيه، ونقله في الجواهر عن كشف اللثام.

3ـ وذهب بعض فقهاء العامّة على ما حكاه في المسالك إلى أنّ ولايته مشروطة بموت الأب.

استدل على قول المشهور بروايتين:

1ـ صحيحة عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «الذي بيده عقدة النكاح، هو وليّ أمرها».(1)

2ـ وخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الذي بيده عقدة النكاح؟ قال: «هو الأب والأخ والرجل يوصى إليه والذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها ويشتري، فأيّ هؤلاء عفا، فقد جاز».(2)

وقد وردتا في تفسير قوله سبحانه:«وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاح» .(3)


1 . الوسائل: الجزء14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2و4.
2 . الوسائل: الجزء14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2و4.
3 . البقرة:237.


(165)

وجه الدلالة: أنّه عرّف: «من بيده عقدة النكاح» في الصحيحة بمن هو وليّ أمرها والمقصود ولاية أمرها في أموالها كما عرّف في خبر أبي بصير، بعد التمثيل بالأب ...بمن يجوز أمره في مال امرأة فيبتاع لها.

فإذا ثبت في محلّه أنّ الجدّ له الولاية في أموال ولد الولد، يثبت: أنّ الجدّ له الولاية في النكاح.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاستدلال بهما فرع وجود الإطلاق فيهما وهو يتوقّف على كونهما في مقام البيان وأنّ للجدّ ولاية، سواء أكان الأب حيّاً أم ميّتاً وهو كما ترى لأنّهما ليستا في مقام بيان هذه الجهة حتى تثبت للجدّ الولاية، الولاية المطلقة غير المقيّدة بحياة الأب.

وثانياً: أنّ الظاهر من الروايات أنّ مورد الآية هي البالغات لأنّه فسر في خبر أبي بصير بالأب والأخ والرجل يوصى إليه.(2)

ومن المعلوم أنّه لا ولاية للأخ ولا الوصي على الصغيرة في النكاح إذا لم يوص بالتزويج خصوصاً، والظاهر أنّ الوصي في الحديث هو مطلقه لا الوصيّ في النكاح فيحمل على البالغة، إذا كانوا وكلاء عنها.


1 . بقي هنا مطلب: و هو اختلاف المفسّرين ـ مع قطع النظر عن الأحاديث ـ في المراد ممّن بيده عقدة النكاح، ففسّره أهل السنّة بالزوج، و الشيعة بالجدّ و الأب، و الحقّ هو الثاني لأنّ صحّة إرادة الزوج منه تتوقّف على لحاظين مختلفين في ناحية الصداق إذ لو كان المراد منه الولي المنطبق على الجدّ والأب، يكون معنى عفو الزوجة، و الولي معاً في قوله: «إلاّ أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح»عدم مطالبة نصف الصداق المستحق بالطلاق قبل المس. و أمّا لو كان المراد هو الزوج يلزم التفكيك لأنّه يكون معنى العفو في ناحية الزوجة «إلاّ أن يعفون»عدم مطالبة النصف و في ناحية الزوج «أويعفوا الذي بيده...»عدم استرجاع الصداق، و الأوّل يتوقّف على عدم أخذ شيء من الصداق، و الثاني على أخذه جميعاً. و اعتبار عدم الأخذ في الأوّل، و اعتبار أخذه في الثاني يحتاج إلى عناية ليس عليها دليل.
2 . الوسائل: ج14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.


(166)

وفي رواية إسحاق بن عمّار قال: أبوها إذا عفا، جاز له، وأخوها إذا كان يقيم بها وهو القائم عليها فهو بمنزلة الأب يجوز له، وإذا كان الأخ لايهتمّ بها ولايقوم عليها لم يجز عليها أمره.(1)

وعلى ذلك فتحمل الصحيحة على وليّ أمر الزوجة، المباشر لأُمورها بإذنها، فتكون الولاية على الصغيرة مالاً ونكاحاً خارجة عن مدلول الآية، وعلى ذلك فلابدّ في إثبات الولاية المطلقة للجدّ، من التماس دليل آخر.

والأولى الاستدلال على إطلاق ولاية الجدّ، بما دلّ على ولاية الجدّ في حياة الأب، غير أنّ أخذ حياته في الموضوع ليس لأجل تقييد ولايته بحياة الأب، بل هو مقدّمة لما ورد فيها من السؤال وهو أنّه إذا زوّجها الأب برجل والجدّ رجل آخر، فأيّهما يكون نافذاً.

روى محمّد بن مسلم عن أحدهما ـ عليهماالسلام ـ قال: «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، ولابنه أيضاً أن يزوّجها» فقلت: فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً؟ فقال: «الجدّ أولى بنكاحها».(2) فانّها ظاهرة في إثبات الولاية لكلّ واحد على وجه الاستقلال وأنّه إذا زوّجا الابنة من رجلين كان التزويج للمتقدّم وإذا هويا معاً فالجدّ أولى وفرض حياة الأب مقدّمة للسؤال ولادخل له في ولاية الجدّ.

روى علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته فهوى أن يزوّج أحدهما وهوى أبوه الآخر أيّهما أحقّ أن ينكح؟قال: «الذي هوى الجدّ أحقّ بالجارية لأنّها وأباها للجدّ».(3)

وهنا وجه آخر لفرض حياة الأب في ولاية الجدّ وهو الإيماء إلى ثبوت الولاية له مع حياة الأب ردّاً على المخالف حيث اشترط موت الأب في ثبوت الولاية.


1 . الوسائل: ج15 ، الباب 52 من أبواب المهور، الحديث 5.
2 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح ، الحديث 1و8، ولاحظ روايات الباب.
3 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح ، الحديث 1و8، ولاحظ روايات الباب.


(167)

أضف إليه أنّ تخصيص ولايته بحياة الأب، يخالف مصالحها، فانّها في حال موته أشدّ حاجة إلى الولاية، ثمّ لو قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية الإلهية، فمقتضاه بقاء ولايته بعد موت الأب. وقد بيّنا كيفية جريانه فيها في الأصول.

حجّة القول الثاني:

استدّل للقول الثاني بمعتبرة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال:«إنّ الجدّ إذا زوّج ابنة ابنه، وكان أبوها حيّاً وكان الجدّ مرضيّاً، جاز» قلنا:فإن هوى أبو الجارية هوىً، وهوى الجدّ هوىً وهما سواء في العدل والرضا قال: «أحبُّ إليّ أن ترضى بقول الجدّ».(1)

حيث استدل بمفهوم الشرط على أنّ ولاية الجدّ مشروطة بحياة الأب، حيث شرط جواز ولاية الجدّ بثلاثة أُمور:، تزويجه ابنة ابنه، وكون أبيه حيّاً، وكون عمل الجدّ مرضيّاً، والشرط الأوّل محقّق للموضوع دون الشرطين الآخرين.

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر أنّ فرض حياة الأب لأجل التمهيد لما يأتي بعده من صورة التعارض لا أنّ لحياة الأب دخلاً في ولاية الجدّ، ولولا حياة الأب لما كان للسؤال وجه.

ويمكن أن يكون التقييد لأجل الإشارة إلى استقلال الجدّ في الولاية في حال حياة الأب وأنّ نكاحه يجوز وإن لم يمضه الأب، وليس في مقام بيان شرطية ولايته بحياة الأب، فلاحظ.

نعم تثبت ولايتهما على الصغيرة وإن ذهبت بكارتها، قال المحقّق:وتثبت ولاية الأب والجدّ للأب على الصغيرة وإن ذهبت بكارتها بوطء أو غيره.ووجهه، أنّ مناط الولاية عليها هو الصغر وهو محفوظ سواء أكانت باقية على بكارتها، أم لا.


1 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.


(168)

الأمر الثالث:

هل للصغير والصغيرة الخيار بعد البلوغ؟

ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّه لا خيار للصبيّة بعد البلوغ إذا عقد عليها الأب والجدّ، وإنّما الخلاف في الصبيّ، والمشهور أنّه كذلك ليس له الخيار، ونسبه المحقّق في الأوّل إلى أشهر الروايتين، وفي الثاني إلى الأشهر، ووصفه في الجواهر بالمشهور مشعراً بأنّ خلافه هو الشاذ.

أمّا الأوّل: فتدلّ عليه ـ مضافاً إلى الاتّفاق ـ روايات:

1ـ صحيح ابن بزيع قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عن الصبية يزوّجها أبوها ثمّ يموت وهي صغيرة فتكبر قبل أن يدخل بها زوجها يجوز عليها التزويج، أو الأمر إليها؟ قال:«يجوز عليها تزويج أبيها».(1)

2ـ صحيح عبد اللّه بن الصلت (وهو أبو طالب القمي الثقة) قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الجارية الصغيرة يزوّجها أبوها لها أمر إذا بلغت؟ قال: «لا».(2)

3ـ صحيح ابن يقطين قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ : أتزوّج الجارية وهي بنت ثلاث سنين أو يزوّج الغلام وهو ابن ثلاث سنين وما أدنى حدّ ذلك الذي يُزوّجان فيه، فإذا بلغت الجارية فلم ترض فما حالها؟ قال: «لابأس بذلك إذا رضي أبوها أو وليّها».(3)

نعم تخالفه رواية يزيد الكناسي قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ :متى يجوز


1 . الوسائل: ج14 ، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1و3.
2 . الوسائل: ج14 ، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1و3.
3 . المصدر نفسه، الحديث 7.


(169)

للأب أن يزوّج ابنته ولا يستأمرها؟ قال:«إذا جازت تسع سنين فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين».(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لم تثبت وثاقة يزيد الكناسيّ، فقد عنونه الشيخ في رجاله ولم يوثقه.

نعم عنون النجاشي «يزيد أبو خالد القمّاط، وقال: كوفي، ثقة» ولم تعلم وحدة الرجلين، لو لم نقل بتعدّدهما إذ لو كانا واحداً لكان على النجاشي توصيفه بالكناسي، لأنّ اشتهاره به كما يظهر من الشيخ يوجب ذكر كنيته وهو دليل على أنّ أبا خالد القمّاط غير الكناسي.

وثانياً : أنّها تشتمل على تفصيل غريب وهو أنّ الجارية البالغة إذا عقدت بعد البلوغ ليس لها الخيار بخلاف غير البالغة وهو عجيب جدّاً.

وعلى ذلك فلاتعارض صحاح الروايات المعمولة بها.

نعم احتاط السيّد المحقّق الخوئي في تعليقته على العروة اعتماداً على هذه الرواية، ولايضرّ الإعراض عنده.

أمّا الثاني، أعني: تزويج الصبي فقد وقع فيه الخلاف، فذهب الشيخ (2) وابن البرّاج(3) وابن حمزة(4) وابن إدريس(5) إلى أنّ له الخيار إذا بلغ،ولكنّ المشهور عدم الخيار، كالصبيّة.قال صاحب الجواهر بعد نفي الخيار: نعم خالف فيه جماعة من الأصحاب فاثبتوا له الخيار عملاً ببعض الأخبار.(6)

أمّا الروايات فمقتضى إطلاق الأكثر عدم الخيار نظير:


1 . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث9.
2 . النهاية: 644، قال :لأنّ له الخيار عند البلوغ.
3 . المهذّب:197.
4 . الوسيلة:300.
5 . السرائر:2/568.
6 . الجواهر: 29/216.


(170)

1ـ صحيح محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في الصبيّ يتزوّج الصبيّة يتوارثان؟فقال: «إذا كان أبواهما اللّذان زوّجاهما فنعم» قلت :فهل يجوز طلاق الأب؟قال: «لا».(1)

2ـ ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في الصبيّ يتزوّج الصبيّة هل يتوارثان؟فقال:«إن كان أبواهما اللّذان زوّجاهما حيّين فنعم». قلت:فهل يجوز طلاق الأب؟قال: «لا».(2)

3ـ ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الصبي يتزوّج الصبية هل يتوارثان ؟قال:«إن كان أبواهما هما اللّذان زوّجاهما فنعم» قلنا:يجوز طلاق الأب قال: «لا ».(3)

والظاهر وحدة الروايتين.

4ـ ما رواه عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الرجل يزوّج ابنه وهو صغير قال: إن كان لابنه مال فعليه المهر، وإن لم يكن للابن مال فالأب ضامن المهر، ضمن أو لم يضمن.(4)

5ـ مارواه عبد الملك، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الرجل يزوّج ابنه وهو صغير؟ قال: «لابأس» قلت: يجوز طلاق الأب؟قال: «لا »، قلت: على من الصداق؟ قال: «على الأب إن كان ضمنه لهم وإن لم يكن ضمنه، فهو على الغلام، إلاّ أن لايكون للغلام مال فهو ضامن له».(5)

6ـ ما رواه محمّد (الظاهر محمّد بن مسلم) عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال:


1 . وسائل الشيعة: ج14، الباب 12، من أبواب عقد النكاح، الحديث1.
2 . مستدرك الوسائل: ج14، الباب5 من أبواب عقد النكاح، الحديث3.
3 . الوسائل: ج17، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1.
4 . الوسائل: ج15، الباب 28 من أبواب المهور، الحديث 1، 2.
5 . الوسائل: ج15، الباب 28 من أبواب المهور، الحديث 1، 2.


(171)

قلت: الرجل يزوّج ابنه وهو صغير فيجوز طلاق أبيه؟ قال:« لا»، قلت: فعلى من الصداق؟قال: «على أبيه إذا كان قد ضمنه لهم فإن لم يكن قد ضمنه لهم فعلى الغلام، إلاّ أن لايكون للغلام مال، فعلى الأب ضمن أو لم يضمن».(1)

إنّ في هذه الروايات تصريحاً لأُمور ثلاثة:1ـ صحّة تزويج الصبيّ.2ـ وأنّ الطلاق بيده إذا بلغ، 3ـ وأنّهما يتوارثان.

ويمكن أن يقال إنّها تتضمن أمراً رابعاً وهو عدم الخيار للصبي، إذ لو كان لذكره الإمام ـ عليه السّلام ـ في واحدة من الروايات، وتصوّر أنّها ليست بصدد بيان هذه الجهة كما ترى، وتؤيده رواية دعائم الإسلام عن علي ـ عليه السّلام ـ :«تزويج الآباء جائز على البنين والبنات إذا كانوا صغاراً وليس لهم إذا كبروا خيار».(2)

ولأجل ذلك اختار السيّد الطباطبائي ـ تبعاً للمشهور ـ عدم الخيار في كلا القسمين وقال:لاخيار للصغيرة إذا زوّجهاالأب أو الجدّ بعد بلوغها ورشدها بل هو لازم عليها، وكذا الصغير على الأقوى، والقول بخياره في الفسخ والإمضاء ضعيف، وكذا لا خيار للمجنون بعد إفاقته.(3)

نعم هناك ما يدلّ على الخيار، أعني: ما رواه محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن الصبي يزوّج الصبيّة؟ قال:«إن كان أبواهما اللّذان زوّجاهما، فنعم جائز ، ولكن لهما الخيار إذا أدركا».(4)

ومثله رواية يزيد الكناسي ، فقال: «يا أبا خالد إنّ الغلام إذا زوّجه أبوه ولم يدرك كان بالخيار إذا أدرك، وبلغ خمس عشرة سنة».(5)


1 . الوسائل: ج15، الباب 28 من أبواب المهور، الحديث 5.
2 . مستدرك الوسائل: ج14، الباب 5 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.
3 . العروة الوثقى: فصل أولياء العقد، المسألة 4.
4 . الوسائل: ج14، باب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث8و9.
5 . الوسائل: ج14، باب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث8و9.


(172)

والحديث الأوّل مشتمل على خلاف المجمع عليه، أعني: الخيار للصبية بعد البلوغ وقد عرفت ضعف الحديث الثاني في القسم الأوّل فما عن بعض الأعاظم من العمل بالرواية كالمحقّق الخوئي في تعليقته على العروة غير تام، مضافاً إلى أصالة اللزوم في العقود، فالأقوى عدم الخيار، والأحوط العمل بالفسخ بضميمة الطلاق.

الأمر الرابع:

ولاية الأب والجدّ على البكر الرشيدة

هذه المسألة كما قال الشهيد في المسالك من المهمّات والإفتاء فيها من المشكلات لأجل اختلاف الروايات واضطرابها.

لاشكّ في ثبوت الولاية على الأُنثى إن كانت صغيرة، أو كبيرة غير رشيدة، كما أنّه لاشكّ في سقوطها عن الثيّب الرشيدة، إلاّ ما شذّ عن الحسن بن أبي عقيل، من بقاء الولاية وهو قول شاذ.

إنّما الاختلاف في البكر الرشيدة، فأقوال الأصحاب فيها مضطربة.

قال الشيخ في الخلاف: البكر إذا كانت كبيرة، فالظاهر من الروايات، أنّ للأب والجدّ أن يجبراها على النكاح ويستحبّ لهما أن يستأذناها، وإذنها صماتها فإن لم تفعل فلاحاجة بهما إليه وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق وقال قوم من أصحابنا: ليس لوليها إجبارها على النكاح كالثيّب الكبيرة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي والثوري، فاعتبر أبو حنيفة الصغر والكبر وفرّق بينهما، واعتبر الشافعي الثيبوبة والبكارة.(1)

وقال ابن رشد في بداية المجتهد:واختلفوا في البكر البالغة فقال مالك


1 . الخلاف: كتاب النكاح، المسألة 10.


(173)

والشافعي وابن أبي ليلى: للأب فقط أن يجبرها على النكاح، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي، وأبو ثور وجماعة:لابدّ من اعتبار رضاها، ووافقهم مالك في البكر على أحد القولين عنه.(1)

وقال ابن قدامة في المغني: وأمّا البكر البالغة العاقلة فعن أحمد روايتان:

إحداهما: له إجبارها على النكاح وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة، هذا مذهب مالك، وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق.

والثانية: ليس له ذلك واختارها أبو بكر، وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وأبي عبيدة، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، لما روى أبو هريرة، أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «لاتنكح الايّم حتى تُستأمر، ولاتنكح البكر حتى تُستأذن» فقالوا يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت».

وروى أبو داود، وابن ماجة عن ابن عباس: أنّ جارية بكر أتت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فذكرت أنّ أباها زوّجها وهي كارهة فخيّرها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولأنّها جائزة التصرّف في مالها فلم يجز إجبارها كالثيّب.(2)

وأمّا أقوال أصحابنا فتناهز السبعة، أو الثمانية:

أحدها: استمرار الولاية عليها، نقله شيخناالشهيد في شرح نكت الإرشاد، عن الشيخ في أكثر كتبه والصدوق، وابن أبي عقيل، ونقله أيضاً عن ظاهر القاضي.

ثانيها: وهو المشهور بين المتأخّرين، استقلالها بالعقد دونهما مطلقاً، ونقل عن الشيخ في التبيان، والمرتضى ، والشيخ المفيد في أحكام النساء، وابن الجنيد وسلاّر، وابن إدريس، وهو مذهب المحقّق والعلاّمة.


1 . بداية المجتهد: 2/5، كتاب النكاح.
2 . المغني: 6/516.


(174)

ثالثها: استمرار الولاية عليها في الدائم دون المنقطع وهو مذهب الشيخ في كتابي الأخبار.

رابعها: عكسه وهو ثبوت الولاية عليها في المنقطع دون الدائم ولم يعلم قائله، ونقله المحقّق في الشرائع.

خامسها: التشريك بينها وبين الولي، وهو منقول عن أبي الصلاح والشيخ المفيد في المقنعة وهو خيرة الشيخ الحرّ العاملي في الوسائل، هذه هي الأقوال المشهورة بينهم.

وهناك أقوال غير مشهورة ، إليك بيانها:

سادسها: التشريك في الولاية بين المرأة وأبيها خاصة دون غيره من الأولياء.

سابعها: ثبوت الولاية لكلّ من الأب والبنت والأفضل لهماالاستئذان من الآخر.

ثامنها: ما اختاره كاشف الغطاء في حاشيته على تبصرة المتعلّمين، وهو استقلال البنت البالغة الرشيدة وإن كان الأحوط تحصيل إذن الولي، ولكن لو تشاحّا قدّم رضاها إلاّ أن تختار ما فيه هتك شرف الوليّ، فيجوز له منعها منه حينئذ، لا إجبارها أو إكراهها على غيره ممّن يريد.

ولعلّ هناك أقوال أُخر لم نقف عليها.

إذاعرفت موقف المسألة بين فقهاء الفريقين، فالقول بالتشريك اى القول الخامس هو الأظهر سنداً ودلالةً واحتياطاً، وهو خيرة أبي الصلاح الحلبي.(1)

ولنذكر دليل المختار، أقول: تدلّ عليه صحيحتان:

الأُولى: صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ :«تستأمر


1 . الكافي:293.


(175)

البكر وغيرها ولاتنكح إلاّ بأمرها».(1) والمراد من غيرها هو الثيّب، كما أنّ المراد من البكر، هي البالغة الرشيدة لا الصغيرة لأنّها لاتستأمر وليست في مظنّة الاستئمار وحمل الاستئمار في مورد البكر على من ليس لها وليّ من الأب والجدّ خلاف الظاهر لأنّ توقف تزويج غير الوليّ على الاستئمار ليس أمراً مخفياًحتّى يحتاج إلى البيان، إذ من المعلوم أنّه ليس لغير الوليّ تزويجها بلا إذن ولا استئمار، وإن كان ذلك الغير أخاً أو أُمّاً أو عمّـاً المعدودين من الأولياء عرفاً.

والحاصل أنّ حملها على الصغيرة تفسير بعيد، كما أنّ حملها على خصوص من لا وليّ لها شرعي مثله. وهذه الرواية لا غبار في دلالتها كما لا غبار في سندها، والعبّاس الوارد في السند هو العبّاس بن معروف وهو قمي ثقة يروي عن صفوان وهو من مشايخ أحمد بن محمّد بن خالد.

الثانية: موثقة صفوان، قال: استشار عبد الرحمان، موسى بن جعفر ـ عليهما السلام ـ في تزويج ابنته لابن أخيه فقال: «افعل ويكون ذلك برضاها، فانّ لها في نفسها نصيباً» واستشار خالد بن داود، موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ في تزويج ابنته علي بن جعفر، فقال: «افعل ويكون ذلك برضاها، فانّ لها في نفسها حظّاً».(2) ورواها الشيخ باسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى وسنده إليه مصحّح في الفهرست والمشيخة.

والرواية وإن كانت مطلقة من حيث البكر والثيّب ولكن الثيّب خارجة عنها، لأنّها مستبدة بفعلها ولا مورد للتشريك فيها، فتكون الرواية محمولة على البكر البالغة.ويشعر بذلك: معتبرة الفضل بن عبد الملك ،عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «إنّ الجدّ إذا زوّج ابنة ابنه وكان أبوها حيّاً وكان الجدّ مرضياً جاز» قلنا:


1 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.
2 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.


(176)

فإن هوى أبو الجارية هوىً وهوى الجدّ هوىً، وهما سواء في العدل والرضا؟ قال: «أحبّ إليّ أن ترضى بقول الجدّ».(1)

وجه الدلالة: أنّ قوله «أحبّ إليّ أن ترضى» يعرب عن اشتراط رضاها في الجملة فاقترح الإمام عليه أنّ رضاها بقول الجدّ أحبّ إليه، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ اعتبار رضاها لأجل كونها مخيّرة في قبول أحد الزوجين ولو لم يكن هناك تشاح لتعيّن عليها قبول الواحد، وفي سند الرواية محمّد بن زياد، وهو واقفي ثقة عن الحسن بن محمّد بن سماعة عن عمّه جعفر بن سماعة، والكلّ من الواقفة الثقاة.

وأمّا الفضل بن عبد الملك وهو أبو العبّاس البقباق فهو كوفي ثقة، فالرواية معتبرة. هذا ما يمكن الاستدلال به على هذا القول، فإذا عرفته نرجع إلى دراسة سائر الأقوال واحداً بعد الآخر.

القول الأوّل: استمرار الولاية عليها

استدل لهذا القول بروايات صحيحة صريحة، لايمكن الخدش في سندها ودلالتها، إذا صحّت جهة الصدور ولكن اشتهار القول بمضمونها بين فقهاء العامّة يصدّنا عن الأخذ به وإن صحّت، سنداً و هي على قسمين صريح في المطلوب و غير صريح قابل للحمل و إليك ما يدلّ على الحكم بصراحة.

الأولى: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ ، قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يزوّج ابنته بغير إذنها ؟قال: «نعم ليس يكون للولد أمر إلاّ أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك فتلك لايجوز نكاحها إلاّ أن تستأمر»(2)، وهي صريحة في المطلوب.


1 . الوسائل: ج14، الباب 11، من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
2 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 8.


(177)

الثانية: معتبرة الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ ، قال: «لاتستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوّجها، هو أنظر لها، وأمّا الثيّب فانّها تستأذن، وإن كانت بين أبويها، إذا أرادا أن يزوّجاها».(1)

الثالثة: خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ :«لا تستأمر الجارية في ذلك إذا كانت بين أبويها، فإذا كانت ثيّباً فهي أولى بنفسها».(2)

الرابعة: ما في ذيل معتبرة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر؟ فقال: الجدّ أولى بذلك مالم يكن مضاراً إن لم يكن الأب زوّجها قبله ويجوز عليها تزويج الأب والجدّ. (3)

الخامسة: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما قال:«لاتستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس لها مع الأب أمر وقال: يستأمرها كلّ أحد ما عدا الأب».(4)

والجارية وإن كانت مطلقة تشمل الثيّب والبكر، والصغيرة والكبيرة لكن الثيّب خرج بالدليل لوجوب استئمارها ، والصغيرة خارجة عن الرواية إذ لامعنى لاستئمارها في قوله: «يستأمرها كلّ أحد» فتبقى البالغة الرشيدة.

السادسة: ما رواه أحمد بن عيسى بن محمّد في نوادره بسند صحيح، عن عبد اللّه بن أبي يعفور في حديث، قال: «والجارية يستأمرها كلّ أحد إلاّ أبوها».(5)

وهذه الروايات صريحة في هذا القول، ونافية لجميع الأقوال إلاّ القول


1 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.
2 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 13.
3 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.
4 . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
5 . المستدرك: ج2، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 3، ص589.


(178)

السابع، وهو استقلال كلّ منهما في التزويج فانّ أقصى ما فيها أنّ الأب مستقلٌّ في التزويج إذا قدم عليه قبل البنت وليس لها معه أمر وأمّا إذا كانت البنت مُقْدِمَة قبله فالروايات ساكتة عنه، وهناك روايات أُخرى ليست صريحة في هذا القول،وإليك دراستها:

الأُولى: صحيحة عبد اللّه بن الصلت، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الجارية الصغيرة يزوّجها أبوها، لها أمر إذا بلغت؟قال: «لاليس لها مع أبيها أمر».قال: سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر؟ قال: «ليس لها مع أبيها أمر مالم تكبر(تثيب خ ل)» (1) وهي صريحة في البكر البالغة والصحيح تثيب مكان «تكبر» لأنّ السؤال عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء وهي تكون كبيرة قطعاً فلايصحّ أن يقال: مالم تكبر ، أضف إلى ذلك ورود هذا القيد في بعض الروايات الآتية ذكرها. والرواية قابلة للحمل على نفي الاستقلال.

الثانية: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر ؟فقال:«ليس لها مع أبيها أمر مالم تُثَيّب»(2) والحديث ليس نصاً في المطلوب لاحتمال كون المراد من الأمر الاستقلال كالثيّب في المسألة.

الثالثة: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في المرأة الثيّب تخطب إلى نفسها قال: «هي أملك بنفسها تولّي أمرها من شاءت إذا كان كفؤاً بعد أن تكون قد نكحت رجلاً قبله».(3)

وأمّا كونها غير صريحة في هذا القول فانّ الدلالة بالمفهوم لا بالمنطوق أوّلاً،


1 . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
2 . الوسائل: ج14، الباب 3من أبواب عقد النكاح، الحديث 11.
3 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.


(179)

وأنّها لاتنفي التشريك ثانياً، لأنّ كون غيرالثيّب غير مالكة لنفسها يتصوّر بوجهين: استقلال الأب، أو التشريك بين الأب والبنت.

الرابعة: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «في الجارية يزوّجها أبوها بغير رضا منها؟قال:«ليس لها مع أبيها أمر إذا أنكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة». (1)

والرواية ليست صريحة في البالغة الرشيدة فيحتمل كونها واردة في الصغيرة ولو كانت مطلقة شاملة للبالغة الرشيدة فهي تقيّد بما دلّ على استقلالها أو تشريكها مع الوليّ.

الخامسة: صحيحة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لاتنكح ذوات الآباء من الأبكار إلاّ بإذن آبائهنّ».(2) والرواية لاتنفي نظرية التشريك فليست صريحة في هذا القول.

السادسة: مرسلة ابن بكير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال:«لابأس أن تزوّج المرأة نفسها إذا كانت ثيّباً بغير إذن أبيها إذا كان لابأس بما صنعت».(3)

وجه عدم الصراحة: أنّ دلالتها بالمفهوم أوّلاً، وأنّها لاتنفي نظرية التشريك ثانياً.

السابعة: خبر سعيد بن إسماعيل عن أبيه، قال: سألت الرضا ـ عليه السّلام ـ ، عن رجل تزوّج ببكر، أو ثيّب لايعلم أبوها ولا أحد من قراباتها ولكن تجعل المرأة وكيلاً فيزوّجها من غير علمهم؟ قال:«لايكون ذا».(4)


1 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 7.
2 . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث5.
3 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 14.
4 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 15.


(180)

يلاحظ على الاستدلال: أنّ عدم الصحّة في الثيّب خلاف المتفق عليه أوّلاً، وأنّها لاتنفي نظرية التشريك ثانياً.

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه ولابنه أيضاً أن يزوّجها» فقلت: فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً؟ فقال:«الجدّ أولى بنكاحها».(1)

والرواية ليست في مقام بيان اعتبار عدم رضاها ولعلّها كانت راضية بكلا الزواجين فعند ذلك يقدّم نكاح الجدّ على الأب، فدلالتها على استبداد كلّ من الجدّ والأب ضعيفة.

ومنها: معتبرة الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «إذا زوّج الرجل ابنه فذاك إلى ابنه وإذا زوّج الرجل الابنة جاز».(2)

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الرواية ليست صريحة في البلوغ مع الرشد ولعلّها تهدف إلى تزويج الصغير والصغيرة، ولو فرض لها الإطلاق بالنسبة إلى البالغة فتخرج بما دلّ على استقلالها أو لزوم تشريكها مع الأب فالابن الصغير له الخيار دون الابنة الصغيرة. والكلام في البالغة لا الصغيرة.

ومنها: صحيحة زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: «لاينقض النكاح إلاّ الأب».(3)

وروى مثله في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ .(4)

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الرواية تنفي استقلال البنت ، لانظرية التشريك وما في الحدائق، من أنّها لو كانت شريكة لما انحصر النقض في الأب


1 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.
2 . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
3 . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1و5.
4 . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1و5.


(181)

مدفوع بأنّ الحصر نسبي في مقابل الأُمّ، وليس بمطلق حتّى يعمّ نفس البنت فلايجوز لها النقض إذا عقد الأب.

ومنها: خبر إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر وإذا كانت قد تزوّجت لم يزوّجها إلاّ برضا منها».(1)

يلاحظ على الاستدلال: ـ مع أنّ إبراهيم بن ميمون لم يوثّق ـ أنّ الجارية أعم من الصغيرة والكبيرة فلو دلّ دليل على استقلال الباكرة الرشيدة أو لزوم التشريك بينها وبين الوليّ، يقيّد إطلاقها.

وحاصل البحث في القسم الثاني من الروايات أنّها بين ما لاتنفي نظرية التشريك وما ليست بصريحة في البكر البالغة، بل أقصاها أنّ إطلاقها يعمّ الصغيرة والكبيرة البالغة فلو تمّت أدلّة استقلال الكبيرة أو اعتبار رضاها تخصص هذه الروايات بها.

إلى هنا وقفت على أدلّة القول الأوّل، ولكنّها ـ مع تماميتها سنداً ودلالة ـ لايمكن الإفتاء بمضمونها لجهات:

الأُولى: أنّ مضمونها مخالف للكتاب والسنّة حيث إنّ الكتاب يعتبر في التجارة رضا المالك بها، ويقول: «إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراض» فكيف لايعتبر رضا البنت في نكاحها بعد ما كبرت وبلغت مبلغ النساء.

وأمّا السنّة، فقد تضافر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «رفع عن أُمّتي ما استكرهوا عليه» وقد وراه الصدوق بسند صحيح في باب التسع من كتاب الخصال.(2)

الثانية: كونها موافقة لفتوى مشاهير العامة وقد عرفت أنّ مالك والشافعي


1 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
2 . الخصال: 417 ح9، باب التسع.


(182)

وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق ذهبوا إليه. نعم ذكر في الحدائق ما هذا نصّه: إنّ مذهب العامة في الصدر الأوّل كانت على وجه يعسر ضبطه وتتعذّر الإحاطة به لما ذكره علماء الفريقين من أنّ مدار مذهبهم في الأعصار السابقة على من نصبه خلفاء الجور للقضاء، فترفع إليه الفتوى في جميع الأقطار، ولهذا قيل إنّ المعتمد في زمن هارون الرشيد على فتاوى أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة قالوا قد استقضاه الرشيد واعتنى به حتّى لم يُقَلّد في بلاد العراق والشام ومصر إلاّ من أشار إليه أبويوسف، وفي زمن المأمون، على يحيى بن أكثم القاضي وفي زمن المعتصم على أحمد بن أبي داود القاضي وهكذا.

والأئمّة الأربعة المشهورون الآن لم يكونوا في الزمن السابق إلاّ كغيرهم من المجتهدين الذين ليس لهم مزيد ذكر ولامذهب منتشر، والاجتماع على هؤلاء الأربعة إنّما وقع في حدود سنة خمس وستين وستمائة باصطلاح خليفة ذلك الوقت واستمرت إلى الآن وحينئذ فكيف يمكن الترجيح بالتقية والحال هذه.(1)

أقول: ما ذكره وإن كان متيناً في حدّ نفسه إلاّ أنّ القول باستقلال الأب كان رأي ابن أبي ليلى الذي تولّى القضاء بالكوفة وأقام حاكماً ثلاثاً وثلاثين سنة، وليَ لبني أُميّة ثمّ لبني العبّاس وتوفّي سنة (148هـ .ق) بالكوفة وهو باق على القضاء وكانت ولادته عام (74 هـ. ق) فجعل أبو جعفر المنصور ابن أخيه مكانه، وعلى ذلك فيحتمل جدّاً صدور هذه الروايات تقية لكونه رأي ابن أبي ليلى وله مع محمّد ابن مسلم الثقفي قصّة (2) ويظهر من إرجاع الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ أبا كهمس إلى ابن أبي ليلى، أنّه كان القاضي المعروف في عصر الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ .(3)

أضف إلى ذلك، أنّ فتوى مالك أو الشافعي لم تكن فتوى ارتجالية مختصة


1 . الحدائق:3/226.
2 . الكافي:5/215 ح 12، باب من يشترى الرقيق.
3 . روضات الجنات: 7/252ـ255.


(183)

بهما بل كان لفتواهما جذوراً بين التابعين بل الصحابة، فلا يضرّ عدم كون مالك أو الشافعي مرجعين للفتيا في عصر الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ . باحتمال التقية في الروايات المطابقة لفتاواهما.

القول الثاني: استبدادها بالتزويج

وقد استدلّ عليه ببعض الآيات التي لا دلالة لها أصلاً، منها قوله سبحانه: «فَإذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبيرٌ » .(1)

ومنها: قوله سبحانه:«فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَِحلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوجاً غَيْره» .(2)

ومنها: قوله سبحانه:«فَإنْ طَلّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقيما حُدُودَ اللّهِ» .(3)

ومنها: قوله سبحانه: «وَ إِذا طَلّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ» .(4)

أمّا الآية الأُولى فهي ناظرة إلى المتوفّى عنها زوجها وهي تكون غالباً مدخولة فليس إطلاقها في مقام البيان حتّى يعمّ غير المدخولة ويستفادَ منها استقلالها، مع أنّها لاتنفي شرطية إذن الأب، أضف إلى ذلك أنّ كلمة «بالمعروف» يخدش الإطلاق لأنّه من المحتمل أن يكون إذن الأب، من المعروف.

ويظهر ممّا ذكرنا عدم تمامية الاستدلال بسائر الآيات.

وربّما يستدل بالروايات العامية وقد ذكرنا بعضها في صدر البحث.

منها: قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : « الايِّم أحقّ بنفسها من وليّها» فقد استدل به على استقلالها


1 . البقرة: 234و230و 232.
2 . البقرة: 234و230و 232.
3 . البقرة: 234و230و 232.
4 . البقرة: 234و230و 232.


(184)

ولكنّه لايخالف التشريك أخذاً بمفاد صيغة التفضيل، فلأجل ذلك لايصحّ عقد الوليّ إلاّ بإذنها.

منها قوله: البكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها: وهي لاتنافي التشريك بل تدلّ عليه.

ومنها:ما ورد من أنّ جارية بكراً جاءت إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالت: إنّ أبي زوّجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته وأنا له كارهة فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اجيزي ما صنع أبوك»! فقالت: لارغبة لي فيما صنع إليّ! قال: «فاذهبي فانكحي من شئتِ» . فقالت: لارغبة لي عمّا صنع أبي، ولكنّي أردت أن أُعلم النساء أن ليس للآباء في أُمور بناتهم شيء.(1)

والحديث ظاهر في استقلالها، لكن يمكن حمله على التشريك حملاً بعيداً.

وقد استدل عليه بروايات مروية عن طرقنا أسدّها (صحيحة الفضلاء) الفضل بن يسار ومحمّد بن مسلم وزرارة وبريد بن معاوية كلّهم عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ ، قال: المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولّى عليها تزويجها بغير ولي جائز.(2)

كيفية الاستدلال هو أنّ الملاك في جواز تزويجها بغير وليّ هو كونها مالكة لنفسها، وهو كما يصدق على الثيّب يصدق على البكر البالغة الرشيدة.

ولكن المهم هو بيان ما هو المقصود من كونها لنفسها فتظهر الحال منه من الرجوع إلى الروايات التي وردت فيها هذه الكلمة.

منها: معتبرة أبي مريم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «الجارية البكر التي لها الأب، لاتتزوّج إلاّبإذن أبيها» وقال: «إذاكانت مالكة لأمرها تزوّجت متى (ما.


1 . راجع في مصادر الحديث السنن الكبرى للبيهقي.
2 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.


(185)

خ) شاءت».(1)

فلو كان قوله:«وقال إذا كانت الخ» من جمع الإمام ـ عليه السّلام ـ بين القولين لا من جمع الراوي يكون المراد من المالكة لأمرها من ليس لها أب فيختص جواز التزويج بمن لاوليّ لها، وهو خلاف المطلوب.

ومنها: معتبرة عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : قال:«تزوّج المرأة من شاءت إذا كانت مالكة لأمرها فإن شاءت جعلت وليّاً».(2)

والرواية مجملة ليست صريحة في البكر البالغة ولا المطلقة فيحتمل كون المراد المرأة الثيب لورود هذه الكلمة في الثيّب. مضافاً إلى ما ذكرناه في الرواية المتقدمة.

ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ ، انّه قال في المرأة الثيّب تخطب إلى نفسها قال: «هي أملك بنفسها تولّي أمرها من شاءت إذا كان كفؤاً بعد أن تكون قد نكحت رجلاً قبله».(3)

والرواية لاتدلّ على أزيد من كون الثيّب مالكة وهي ساكتة عن الباكر الرشيدة.

ومنها: معتبرة زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها، تبيع وتشتري وتعتق وتشهد وتعطي من مالها ما شاءت، فانّ أمرها جائز تزوّج إن شاءت بغير إذن وليّها، وإن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلاّ بأمر وليّها».(4)


1 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 7.
2 . الوسائل: ج14، الباب 3من أبواب عقد النكاح، الحديث 8.
3 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
4 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.


(186)

وفي سند الرواية علي بن إسماعيل الميثمي، قال النجاشي: كوفي سكن البصرة، وكان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا، كلّم أبا الهذيل والنظام.(1)

والرواية تفسر«المالكة أمرها» بكونها التي «تبيع وتشتري، الخ» ويكون الملاك هو كونها بهذا الوصف لا الثيبوبة ولا البكارة، ولكن تحتمل كون المراد من الشقّ الأوّل هو الثيّب، ومن الشقّ الثاني الباكر لغلبة وجود الملاك في الأُولى وعدمه في الثانية.

وحملها في الوسائل، على من لا أب لها، وقال: ويحتمل تخصيص الوليّ بغير الأب.

وعلى ذلك تكون النتيجة جواز تزويجها بغير إذن الجدّ وعدمه بدون إذن الأب وهو كما ترى، وهو قول في المسألة.

واحتمل أيضاً أن تكون جملة«تبيع وتشتري» خبراً ثانياً لكان، فعلى ذلك لايكفي ارتفاع الحجر المالي لأصل البيع والشراء. بل لابدّ من مالكية الأمر وعندئذ تصبح الرواية مجملة لعدم وضوح المراد من كونها مالكة لأمرها، فيحتمل كونها ثيّبة أو غير ذات أب .

وباختصار، أنّ الاستدلال بالروايات التي وردت فيها كونها مالكة لأمرها غير ظاهر.

ومنها: معتبرة ميسر ـ والمراد منه ميسر بن عبد العزيز وهو يروي عن الباقر والصادق ـ عليهما السلام ـ ـ قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد فأقول لها لك زوج؟فتقول: لا، فأتزوّجها ؟ قال: «نعم هي المصدَّقة على نفسها».(2)


1 . رجال النجاشي: برقم 1661.
2 . الوسائل: ج14، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 1.


(187)

ودلالتها بالإطلاق، ولكنّها قابلة للتخصيص بأدلّة سائر الأقوال، مع أنّها أقرب إلى الحمل على الثيّب.

ومنها: خبر سعدان بن مسلم، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «لابأس بتزويج البكر إذا رضيت بغير إذن أبيها».(1)

والرواية ضعيفة السند، فانّ سعدان بن مسلم لم يوثّق.

ومنها: مرفوع أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «لابأس بتزويج البكر إذا أُرضيت من غير إذن أبيها».(2) والرواية مرفوعة ليست بحجّة.

القول الثالث: الولاية عليها في الدائم دون المنقطع

والقائل به يجعل استمرار الولاية هو الأصل، غير أنّه يخصص بما دلّ على استقلالها في المنقطع، ولكن ما دلّ على استقلالها فيه لا يخلو عن إشكال، لضعف رواياته وعدم خلوّها عن المعارض الصحيح، وإليك روايات الباب:

1ـ رواية أبي سعيد، قال: سئل أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن التمتّع من الأبكار اللّواتي بين الأبوين، فقال: «لابأس ،ولا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب».(3)

وفي السند موسى بن عمر بن يزيد وهو لم يوثّق، ومحمّد بن سنان وقد اختلفت فيه الأنظار.

2ـ بالاسناد المتقدّم عن أبي سعيد القمّاط، عمّن رواه، قال:قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ ، جارية بكر بين أبويها، تدعوني إلى نفسها سرّاً من أبويها فأفعل


1 . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
2 . المستدرك: ج14، الباب7 من أبواب المتعة الحديث 3، طبعة آل البيت.
3 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 6. الأقشاب جمع القشب: من لاخير فيه.


(188)

ذلك؟ قال: «نعم، واتق موضع الفرج» قال: قلت: فإن رضيت بذلك؟ قال: «وإن رضيت فانّه عار على الأبكار».(1)

والسند يتّحد مع ما تقدّم، والظاهر وحدة الروايتين، والظاهر أنّ السائل في الروايتين هو الحلبي، للرواية التالية:

3ـ روى الشيخ باسناده عن أبي سعيد عن الحلبي، قال: سألته عن التمتّع من البكر إذا كانت بين أبويها، بلا إذن أبويها، قال:« لابأس، مالم يفتضّ ماهناك لتعفّ بذلك».(2)

فهذه الروايات الثلاث مرجعها إلى رواية واحدة وهي غير صالحة للاستدلال.

4ـ خبر محمّد بن عذافر، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن التمتّع بالأبكار، فقال: «هل جعل ذلك إلاّ لهنّ، فليستترن وليستعففن».(3)

و السند ضعيف، مضافاً إلى أنّ هذا القول، مردود بحديثين صحيحين، سيوافيك ذكرهما في القول الآتي.

5ـ خبر جميل بن درّاج، حيث سئل الصادق ـ عليه السّلام ـ عن التمتع بالبكر قال: «لابأس أن يتمتع بالبكر مالم يفض إليها كراهيّة العيب إلى أهلها».(4)

والرواية و إن كانت ظاهرة في صورة عدم إذن الأب لكنه خبر لايحتج به مضافاً إلى ما سيأتي في الرواية التالية.

6ـ رواية محمّد بن حمزة، قال: قال بعض أصحابنا لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ :


1 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 7.
2 . نفس المصدر ، الحديث 9، والمقصود الاسناد الوارد في الحديث 6 من هذا الباب.
3 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 4.
4 . المستدرك: ج14، الباب10 من أبواب المتعة، الحديث 2.


(189)

البكر يتزوّجها متعة؟ قال: «لابأس مالم يستفضها».(1)

ويمكن حمل الروايتين على ما إذا لم يكن لها أب.

القول الرابع: الولاية عليها في المنقطع دون الدائم

واستدل عليه بما يلي:

1ـ صحيحة البزنطي، عن الرضا ـ عليه السّلام ـ قال: «البكر لاتتزوّج متعة إلاّ بإذن أبيها».(2)

2ـ صحيحة حفص البختري، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في الرجل يتزوّج البكر متعة؟ قال: «يكره للعيب على أهلها».(3)

والروايتان وإن كانتا صحيحتين لكن دلالتهما على المطلوب بالمفهوم ويمكن أن تكونا ناظرتين إلى ردّ توهم استقلالها في المتعة فلايدلّ على إثبات استقلالها في الدائم.

3ـ صحيحة أبي مريم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «العذراء التي لها أب لاتزوّج متعة إلاّ بإذن أبيها».(4) والجواب عن الاستدلال بها هو ما سبق في الصحيحتين المتقدمتين.

4ـ خبر المهلّب الدلاّل، أنّه كتب إلى أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ أنّ امرأة كانت معي في الدار ثمّ إنّها زوّجتني نفسها وأشهدت اللّه وملائكته على ذلك، ثمّ إنّ أباها زوّجها من رجل آخر فما تقول؟ فكتب ـ عليه السّلام ـ : «التزويج الدائم لايكون إلاّ بوليّ وشاهدين، ولايكون تزويج متعة ببكر، استر على نفسك، واكتم رحمك اللّه».(5)


1 . المستدرك: ج14، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 4.
2 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 5 ، 10، 12، 11.
3 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 5 ، 10، 12، 11.
4 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 5 ، 10، 12، 11.
5 . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 5 ، 10، 12، 11.


(190)

والرواية تحتمل التقية لعدّة جهات:

منها: اشتراطه في التزويج الدائم وجود شاهدين.

منها: حكمه بعدم تزويج البكر متعة، اللّهمّ إلاّ أن يحمل على عدم الإذن من أبيها.

ومنها: قوله: «استر على نفسك، واكتم رحمك اللّه» وهذا يعرب عن أنّ الإمام ـ عليه السّلام ـ لم يكن في فسحة من الجواب الصحيح.

5ـ رواية الصدوق في المقنع، ولاتمتع بذوات الآباء من الأبكار إلاّ بإذن آبائهنّ.(1)

6ـ صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : يتزوّج بالجارية متعة؟ فقال:« نعم، إلاّ أن يكون لها أب».(2)

وقد عرفت الإجابة عن مثل هذه الروايات بما سلف، فانّ من المحتمل كونها بصدد إثبات ولايته في المنقطع لا بصدد نفي ولايته في الدائم ، وعلى هذا لاينافي التشريك. و قد قدّمنا برهان القول الخامس فلنذكر دليل سادس الأقوال.

القول السادس: التشريك في الولاية بين البنت والأب خاصة دون غيره من الأولياء

ويمكن الاستدلال له بصحيحة زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: «لاينقض النكاح إلاّ الأب».(3)

ورواه أيضاً محمّد بن مسلم في الصحيح، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ .(4)


1 . المستدرك: الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 2، ص589.
2 . المستدرك: الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث3.
3 . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.
4 . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث5.


(191)

ويمكن أن يقال: إنّ المراد من الأب ما يعمّ الأب والجدّ بقرينة ما دلّ على ولاية الجدّ على الباكر، وقد تقدّم، أنّ الأولى بالبنت أن ترضى بعقد الجدّ عند التشاح.

وقد استعمل الأب في القرآن الكريم في الأعمّ من الأب والجدّ، قال سبحانه:«أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتَ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ».(1)

ولاشكّ أنّ إسماعيل كان عمّاً لأولاد يعقوب.

وقال سبحانه: «وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهيمَ لأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ» .(2)

ففي هذه الآية يتبرّأ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ من أبيه مع أنّا نرى أنّه يدعو لوالده في أواخر عمره ويقول:«رَبَّنا اغْفِر لي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِساب»(3) وهذا يعرب عن أنّ الوالد الذي كان يدعو له في أُخريات عمره، غير الأب الذي تبرّأ منه في شبابه، ويكشف عن اختصاص الوالد بالأب المباشر، وأمّا الأب فيستعمل في العمّ فضلاً عن الجدّ.(4) والمراد من الأب في الآية ـ عندئذ ـ هو العمّ، لعدم كونه جدّاً لإبراهيم، فتعيّن كونه عمّاً.

القول السابع: استقلال كلّ من الأب والبنت

ويمكن الاستدلال عليه بالأخذ بالطائفتين من الروايات اللتين دلّتا على


1 . البقرة:133.
2 . التوبة:114.
3 . إبراهيم:41.
4 . قال في الحدائق: قد ثبت بالآيات والروايات كون الأب جدّاً ودلّت الأخبار على أنّ ولاية الجدّ أقوى من ولاية الأب، فإذا ثبتت الولاية للأضعف ثبتت للأقوى.


(192)

صحّة عقد الأب من دون رضا البنت وما دلّ على عكسه، والروايات في كلا الجانبين لاتأبى هذا الجمع.

غير أنّك عرفت أنّ الطائفة الأُولى وإن كانت صحيحة، لكنّها موهونة من جهة صدورها، وأمّا الطائفة الثانية فهي عليلة من جهة الدلالة لما عرفت من المناقشة في دلالتها، وأنّ الصحيح منها ناظر إلى الثيّب أو من لا أب لها، وأمّا الصريح منها كرواية سعدان بن مسلم فلم تثبت صحّة سنده.

القول الثامن: استقلال البنت البالغة الرشيدة إلاّ أن تختار ما فيه هتك لشؤونها

هذا ما ذهب إليه كاشف الغطاء في حاشيته على تبصرة المتعلّمين، وقال باستقلال البنت البالغة الرشيدة إلاّ أن تختار ما فيه هتك شرف الوليّ.

ويمكن استظهاره ممّا دلّ على أنّ الأب ينقض النكاح، والاستظهار مبنيّ على أنّ متعلّق النقض هنا هو الأمر المبرم والصحيح من جميع الجهات و مما دل على استقلال البنت في تزويج نفسها.

فبالجمع بين هاتين الطائفتين يمكن استظهار هذا القول، وهو أنّ الأب ينقض عقد البنت، الصحيح من جميع الجهات ولو في بعض الموارد، فيكون نقض الأب بمنزلة الفسخ كما في غير هذا المورد من موارد فسخ النكاح.

ولكنّه من المحتمل أن يكون المراد من الصحّة هو الصحّة التأهلية، أي الصادرة من أهله والواقعة في محلّه، فيعمّ ماله أهلية الإتمام والصحّة عند استكمال سائر الشروط المعتبرة، وقد استعمل النقض في هذا المعنى في موارد، منها: ما رواه زرارة في الصحيح ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ ، في رجل جهر فيما لاينبغي الإجهار فيه وأخفى فيما لاينبغي الإخفاء فيه فقال: «أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض


(193)

صلاته وعليه الإعادة».(1)

وعلى ذلك فيمكن أن يكون الحديث دليلاً على التشريك في الرضا كما استظهرناه أوّل البحث.

هذه دراسة الأقوال وقد عرفت أنّ الأحوط بل الأقوى هو التشريك. وليعذرني الاخوان في إطالة البحث وقد سبق من صاحب المسالك في صدر البحث أنّه من المشكلات.

الإمر الخامس:

في عضل الأب البالغة الرشيدة

قال المحقّق في الشرائع:إذا عضلها الولي وهو أن لايزوّجها من كفوء مع رغبتها، فانّه يجوز لها أن تزوّج نفسها ولو كرهاً إجماعاً.

العضل في اللغة، المنع، والمراد هنا منعها من التزويج بالكفوء إذا طلبت وصور المسألة ثلاث:

1ـ أن يمنعها من التزويج بغير الكفوء شرعاً وعرفاً.

2ـ أن يمنعها من التزويج بالكفوء الشرعي غير العرفي.

3ـ أن يمنعها من التزويج بالكفوء الشرعي العرفي.

والمراد من غير الكفوء الشرعي من يفقد الكفاءة المعتبرة شرعاً في صحّة النكاح كالإسلام، ومن ورد النهي عن التزويج بهم كشارب الخمر وتارك الصلاة والمتجاهر بالفسق.

نعم النكاح بدون الإسلام باطل دون غيره.

أمّا الصورة الأُولى: فربما يصحّح العضل تمسكاً باطلاقات ولاية الأب،


1 . الوسائل: ج4، الباب 26 من أبواب القراءة، الحديث 1.


(194)

ولكن لا حاجة إلى الولاية، فانّ التزويج بنفسه باطل.

وأمّا الصورة الثانية:فمثل الأُولى أخذاً بالإطلاقات.

وأمّا الصورة الثالثة: فلاشكّ في سقوط ولاية الأب، لأنّ ولايته على البنت امتنانية، فإذا كان العضل بلامصلحة وعن عناد ولجاج للبنت أو الزوج فالولاية ساقطة عندئذ.

وقد تمسّك في الحدائق بقاعدة «لاضرر ولاضرار» ـ ورفع الحرج، وسعة الشريعة السمحة السهلة، والاستدلال بالأُولى صحيح على القول بأنّ المراد هو نفي الحكم الضرريّ كما يصحّ على المختار من أنّ المراد عدم جواز إضرار بعض الناس ببعضهم وعدم كونه نافذاً.

أضف إلى ذلك أنّه لو منعها من التزويج بالكفوء، فانّه يخالف الفطرة الإنسانية، ويوجب شيوع الفساد المنفي في الإسلام، ففي صحيحة أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال لرجل أنت ومالك لأبيك، قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ : «ما أحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلاّ ما احتاج إليه ممّا لابدّ منه إنّ اللّه لايحبّ الفساد».(1) فإذا كانت ولاية الأب في المال محدودة بعدم الفساد ففي الفرض بطريق أولى، على أنّ المسألة اتّفاقيّة.

اللّهمّ إلاّ أن يكون الزوج كفوءاً شرعياً أو عرفياً، لكن الأب مطّلع على أنّ هذا التزويج ليس لصالح البنت وأنّه سوف ينفصم عقدهما لعدم مقوّمات الثبات بين الزوجين وليس عضله في هذا التزويج عضلاً عن أصل التزويج فإطلاقات الولاية حسب ما قويناه من التشريك محكمة.

ثمّ إنّه إذا ثبت أنّ العضل من قبيل العضل الممنوع المسقط لولاية الأب،


1 . الوسائل: ج12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.


(195)

فهل تتولّى تزويجها بنفسها لعدم الوليّ عندئذ أو يتولاّه الحاكم؟ فالعامة، على الثاني، لكون الحاكم عندهم من الولاة بل الأخ، والعمّ، والأُمّ، كذلك والظاهر هو استقلالها.

ثمّ إنّ القول بسقوط الولاية عند العضل ثابت على القول بالتشريك، والقول باستقلاله، فانّ استقلال الأب في التزويج لا في المنع دائماً.

ثمّ لو فرض إرادتها زوجاً، وإرادة الوليّ غيره وكان كلا الزوجين كفوءاً شرعياً وعرفياً، قال في المسالك:«يلاحظ المصدر، فعلى القول بأولويتها مطلقاً يقدم رأيها، وعند من اعتبر ولاية الأب ولو على بعض الوجوه ففي تقديم مختاره نظراً إلى أنّ رأيه في الأغلب أكمل، ولأنّه الوليّ على تقديره، أو مختارها لأنّه أقرب بعفّتها وجهان أجودهما ، الثاني».(1)

والظاهر أنّه ، على القول بالتشريك ليس لها الاستقلال بالتزويج بمرادها ولايصدق على منع الأب عن مختارها، العضل الممنوع حتّى تسقط ولايته.

وما استجوده صاحب المسالك، مبنيّ على دليل اعتباري لا اعتبار به ولو كان المجال للاعتبارات مفتوحاً لقلنا إنّ الأب أكمل وأعقل وعقده أصحّ وأتمّ وأوفق للمصلحة.

ثمّ لو كان الولي غائباً، لايمكن الاستئذان منه مع حاجتها إلى التزويج فالولاية ساقطة، لاشتراك هذه الصورة مع العضل في الضرر والحرج. نعم لو أمكن الاستئذان فالولاية باقية لعدم الضرر والحرج، اللّهمّ إلاّ إذا كان الاستئذان متوقفاًعلى مرور زمن يستلزم مضيّه الحرج والضرر.


1 . الشهيد: المسالك:1/488.


(196)

الأمر السادس:

في عدم الولاية على الثيّب مع البلوغ والرشد

المشهور (بل لم ينقل الخلاف إلاّ من ابن أبي عقيل) أنّه لا ولاية على الثيّب البالغة الرشيدة، وتدلّ عليه جملة من الأخبار ، وقد مرّ قسم منها في المسألة السابقة ونذكر بعضها في المقام.

1ـ ما رواه في الكافي، في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في المرأة الثيّب تخطب إلى نفسها، قال:« هي أملك بنفسها تولِّي أمرها من شاءت إذا كان كفؤاً بعد أن تكون قد نكحت رجلاً قبله».(1)

والمعيار هو أن تنكح رجلاً قبله، وأمّا تقييد استقلالها بما إذا شاءت كفؤاً فهو قيد وارد مورد الغالب فلا يكون قيداً ثانيا، وسيوافيك الكلام فيه.

2ـ روى الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن القاسم، عن أبان، عن عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الثيّب تخطب إلى نفسها؟ قال:«نعم، هي أملك بنفسها تولّي أمرها من شاءت إذا كانت قد تزوّجت زوجاً قبله».(2) وعبد الرحمان بن أبي عبد اللّه ثقة، وثّقه النجاشي في ترجمة ابنه إسماعيل بن همام، والراوي عنه أبان، ولعلّ المراد هو أبان بن محمّد المسمّى بسندي البجلي الثقة.

إلى غير ذلك من الروايات والمسألة كما عرفت موضع اتفاق.

ونقل الخلاف عن ابن أبي عقيل، ولعلّه استند إلى ما روى عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«لانكاح إلاّ بوليّ» وعلى فرض صحّة صدوره، فهو مخصص بما دلّ على استقلال الثيّب.


1 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
2 . الوسائل: ج14، الباب3 من أبواب عقد النكاح، الحديث12.


(197)

وأمّا ما ورد في خبر سعيد بن إسماعيل، عن أبيه، قال:سألت الرضا ـ عليه السّلام ـ عن رجل تزوّج ببكر، أو ثيّب لايعلم أبوها ولا أحد من قراباتها ولكن تجعل المرأة وكيلاً فيزوّجها من غير علمهم؟ قال: «لايكون ذا».(1)

فهو محمول على ضرب من الإرشاد، وأنّه لايتحقّق حسب العادة.

غير أنّ المهمّ هوالوقوف على المراد من الثيّب حتّى يخرج ما يقع تحتها ويبقى الباقي تحت العام.

وقد أُشير إليها في روايات الباب بعناوين ثلاثة:

1ـ بمن قد نكحت زوجاً قبل ذلك.(2)

2ـ بمن تزوّجت زوجاً قبله.(3)

3ـ أو امرأة قد دخل بها قبل ذلك.(4)

فبين الأوّلين و الثالث عموم من وجه فلو قيل بإطلاقهما، يعمّ من تزوّجت وقد مات زوجها قبل الدخول أو طلّق قبله، كما أنّه لو قيل بإطلاق الثالث، يعمّ من دخل بها عن وطء بشبهة أو زنا.

ويمكن أن يقال: إنّ الحكمة الواضحة في التفريق بين البكر والثيّب يصدّنا عن حمل الدخول على الأعم من الدخول الصحيح والدخول عن زنا بل شبهة لعدم وجود الحكمة المزبورة في مطلق الوطء خصوصاً عن زنا، فينحصر الدخول، بالدخول عن نكاح صحيح وبه يقيّد ما دلّ على أنّ الميزان مطلق الزواج وإن مات الزوج أو طلّق قبل الدخول.

وأمّا البحث عن مفاد البكر، فليس بلازم، لأنّ المهمّ هو الوقوف على مفهوم


1 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث15.
2 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2، 4، 12.
3 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2، 4، 12.
4 . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2، 4، 12.


(198)

المخصِّص (الثيّب)فلو تعيّن حدوده، فيتمسك في غيره بالعام كما لا يخفى.

نعم يحتمل أنّ الحكم دائر مدار البكر وعدمها، وعليه يجب تفسير مفهومه ونقول فيها احتمالات:

1ـ من لم تذهب عذرتها أبداً، فلو ذهبت ولو بعثرة أو إجراء عملية جراحية فليست ببكر.

2ـ من لم تذهب عذرتها بالوطء ولو كانت عن زنا أو عن شبهة، فالزائل عن عثرة أو وثبة بكر.

3ـ من لم تذهب عذرتها عن نكاح صحيح، فالذاهبة عن زنا أو شبهة، فضلاً عن المطلقة قبل الدخول أو المتوفّى عنها زوجها قبله بكر ليست بثيّب.

والثالث: مرجوح جدّاً ولايوافقه العرف ولا الكتاب العزيز ـ يقول سبحانه:«إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً» .(1)

ويقول سبحانه أيضاً: «فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جانّ» .(2)

والمراد من الطمث هوالفضّ فلايصدق على الثالث، والأوّل بعيد حيث يقيد الطمث بالإنس والجنّ، فلا يكفي الفضّ بوثبة أو عثرة،ويتعيّن كون المراد من البكر هو الثاني، فلايصدق على من ذهبت عذرتها بالزنا أو الوطء عن شبهة فلايعمّها حكم البكر، ولاتتوقّف صحّة عقدهما على إذن الوليّ، فتكون النتيجة خلاف ما استظهرناه عند البحث عن الثيّب، حيث قلنا إنّ الخارج هو الموطوء بعقد صحيح وبقي الباقي تحت العام، ولأجل ذلك فلايترك الاحتياط في غير الموطوء عن نكاح صحيح بالاستئذان من الوليّ.


1 . الواقعة: 35ـ 36.
2 . الرحمن:56.


(199)

الأمر السابع:

لا ولاية على البالغ الرشيد

والمسألة اتّفاقية، وتدلّ عليها عدّة من الروايات:

1ـ موثقة زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه أراد أن يتزوّج امرأة قال: «فكره ذلك أبي فمضيت فتزوّجتها».(1) لكن المضمون لايخلو عن غموض، كيف يتزوّج الإمام مع كراهة أبيه.

2ـ موثقة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له إنّي أُريد أن أتزوّج امرأة وأنّ أبويّ أرادا أن يزوّجاني غيرها؟ فقال: «تزوّج التي هويت ودع التي يهوى أبواك».(2)

3ـ خبر أبان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «إذا زوّج الرجل ابنه كان ذلك إلى ابنه وإذا زوّج ابنته جاز ذلك».(3)

الأمر الثامن:

ولاية الأب والجدّ مع الجنون

لا خلاف في ثبوت ولايتهما على المجنون من الأولاد ذكراً أو أُنثى، بكراً كان أو ثيّباً إذا اتصل الجنون بالبلوغ، وأمّا الطارئ بعد البلوغ والرشد فمختلف فيه.

أمّا الأوّل: فقد ورد النص في غير واحد من الروايات ولايتهما عليه في الأُمور المالية كصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «انقطاع يتم اليتيم


1 . الوسائل: ج14، الباب 13 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2و1، ولاحظ باب 6 من تلك الأبواب.
2 . الوسائل: ج14، الباب 13 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2و1، ولاحظ باب 6 من تلك الأبواب.
3 . الوسائل: ج14، الباب13 من أبواب عقد النكاح، الحديث3.


(200)

الاحتلام وهو رشده، وإن احتلم ولم يؤنس فيه رشد وكان سفيهاً أو ضعيفاً فليمسك عنه وليّه ماله».(1)

ومورد هذا وغيره هو الولاية على المال إلاّ أنّه لافرق بين المال والنكاح فالثاني أولى من الأوّل ودلّ النص على أنّ وليّ الأمر في المال، هو الذي بيده عقدة النكاح.(2)

ويؤيّده الاستصحاب ومايقال بأنّ البالغ يغاير غيره وأنّهما عنوانان فكيف يحكم عليه بحكم غير البالغ، قد عرفت الجواب عنه عند تبيين كيفية جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية.

نعم حكى في الجواهر، عن المالك وغيره في باب الحجر، أنّ الأكثر على ثبوت الولاية للحاكم على من بلغ سفيهاً وإن كان أبوه حيّاً، لكنّه مخالف للنص والاستصحاب والاعتبار.

أمّا الثاني: فقد اعترف صاحب الحدائق ـ قدّس سرّه ـ على عدم وقوفه على النص، وعليه فهل يدخل تحت قوله ـ عليه السّلام ـ :«السلطان وليّ من لاوليّ له» فيرجع أمره إلى الحاكم أو ينصرف عن مثل هذه الصورة فانّ العرف لايرى المورد من مصاديق «من لاوليّ له» وأي ولي أشفق من الوالد والجدّ، أضف إليه قوله سبحانه: «أُولي الأَرْحامِ بعَْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْض فِي كِتابِ اللّهِ» ، ولاوجه لتخصيصه بالإرث. على أنّ القول برجوع أمره إلى الحاكم ربّماينتهي إلى التفصيل، في الجنون الأدواري بين اتّصاله بالبلوغ، فالولاية للأب وانفصاله عنه بالولاية للحاكم وهو غريب.

وعلى كلّ تقدير فلا خيار لواحد من البكر، والثيّب اذا زوّجتا بعد الإفاقة لأصالة اللزوم في العقود أوّلاً، ولعدم معروفية النكاح الصحيح المتزلزل ثانياً.


1 . الوسائل: ج13، الباب44 من أبواب الوصايا، الحديث9.
2 . الوسائل: ج14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2ـ4.


(201)

الفصل السادس:

في ولاية الحاكم والوصي ومسقطات الولاية

1 ـ ولاية الحاكم على الطفل في النكاح

2 ـ لا ولاية للحاكم على البالغ الرشيد

3 ـ ولاية الحاكم على من بلغ غير رشيد

4 ـ في ولاية الوصي على الإنكاح

5 ـ نكاح المحجور عليه

6 ـ في توكيل المرأة المالكة لنفسها

7 ـ في تزويج الوليّ بدون مهر المثل

8 ـ حكم النكاح الفضولي

9 ـ إذن الباكرة صماتها

10 ـ في مسقطات الولاية

11 ـ إذا اختار كلّ من الوليّين رجلاً

12 ـ في تزويج الصغيرة بالمجنون والخصي

13 ـ في تزويج غير الوليّ الصغيرين

14 ـ استحباب استئذان البكر أباها

15 ـ إذا زوّجها الأخوان برجلين

16 ـ لا ولاية للأُمّ


(202)


(203)

ولاية الحاكم والوصي و المولى

بما أنّ البحث عن ولاية المولى على العبد بحث عمّا لا وجود له في الخارج نقتصر بالبحث عن ولاية الحاكم والوصيّ، فنقول:إنّ ولاية الحاكم تتصوّر على وجوه:

1ـ ولاية الحاكم على من لم يبلغ.

2ـ ولايته على البالغ الرشيد.

3ـ ولايته على من لم يبلغ رشيداً.

4ـ ولايته على من تجدّد فساد عقله.

البحث عن الموارد الأربعة فرع عدم وليّ منصوص له كالأب والجدّ، كما أنّ ولايته على النكاح يتصوّر على ما إذا كانت هناك مصلحة في النكاح وبذلك تفترق ولاية الحاكم عن ولاية الوليّين، فانّ ولايتهما ولاية قرابية ناشئة من الإشفاق والرأفة، فيكفي في إعمالهما عدم الضرر والمفسدة بخلاف ولاية الحاكم فانّها من باب الحسبة وصدقها فرع كون وجود مصلحة ملزمة في المورد كالنكاح كما سيوافيك.

1ـ ولاية الحاكم على الطفل

أمّا ولايته في النكاح على الصغيرة والصغير، فقد نفى المحقّق ولايته عليه، وقال: وليس للحاكم ولاية في النكاح على من لم يبلغ، وعلّل في بعض الكلمات بالأصل أوّلاً، وبعدم الحاجة ثانياً.والأوّل مردود بإطلاق دليل ولاية الحاكم، من قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «السلطان وليّ من لاوليّ له»، وقد عمل به الأصحاب، ورواه أصحاب


(204)

السنن.(1) وما روي من طرقنا ليس منحصراً بمقبولة عمر بن حنظلة حتّى يقال باختصاصها بباب القضاء والإفتاء كما في الحدائق في المقام. والثاني مثل الأوّل إذ ليس الغرض منحصراً في الوطء ونحوه، ولأجل ذلك يجوز تزويج الأب والجدّ الصغير والصغيرة، على أنّه لاشكّ في كون الحاكم في المقام، هو الوليّ المالي فيكون وليّاً في النكاح لصحيح ابن سنان ... الذي بيده عقدة النكاح هو وليّ أمرها.(2)

وبذلك تعرف قوّة ما ذكر في المسالك: من أنّه إن اعتبرت الإطلاقات والعمومات المتضمنة لولاية الحاكم وجب القول بثبوت ولايته في النكاح على الصغير والمجنون مطلقاً «سواء كان صغيراً أم بالغاً متصلاً كان الجنون أم لا».

وبذلك يظهر أنّ التفصيل المعروف من عدم ولايته على الصغير والصغيرة، وولايته على البالغ إذا طرأ عليه الجنون، ليس بتام.(3)

والحاصل أنّ حفظ مصالح الصغير والصغيرة أمر لازم فلو كان هناك أب أو جدّ فعليهما الحفظ، وإلاّ فليس هنا أمر أقرب إليه من الحاكم، ولأجل ذلك قلنا في محلّه: إنّ كلّ مصلحة حيوية فرديّة أو اجتماعية ليس في حيازتها إشكال أو منع، إذا لم يسمّ فاعلها من الأب والجدّ فالفاعل والقائم به هوالحاكم الإسلامي العادل.

وأمّا الاستدلال على عدم الجواز بما ورد في صحيحة محمّد بن مسلم:«في الصبي يتزوّج الصبية يتوارثان قال:إذاكان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم». (4)


1 . صحيح الترمذي: 407 ح2،كتاب النكاح ، الباب 14، وصحيح ابن ماجة: 605، كتاب النكاح، الباب15، عن عروة عن عائشة قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أيّما امرأة لم ينكحها الولي فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها، فلها مهرها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان وليّ من لاوليّ له.
2 . الوسائل: ج14، الباب8 من أبواب عقد النكاح، الحديث2.
3 . زين الدين العاملي: المسالك 1/480.
4 . الوسائل: ج14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.


(205)

ومثله صحيحة عبيد بن زرارة. (1)

فغير تام إذ ليس لهما مفهوم ويحتمل أن يكون ذكر الأب من باب المثال لمن يصحّ العقد مع إذنه، لا لإخراج عقد الحاكم والوصي. بل لإخراج الأم و الأخ.

2ـ لا ولاية للحاكم على البالغ الرشيد

إنّ عدم ولاية الحاكم على البالغ الرشيد من ضروريات الفقه، خصوصاً في الذكر، لعدم ولاية الأب عليه فالحاكم بطريق أولى.

نعم ربما يختلج بالبال، أنّ استقلال البنت في أمر النكاح مع عدم الأب والجدّ، يوجب غبنها في أمر النكاح وعدم استهدائها إلى ما فيه صلاحها، ولكنّه ليس بمشكلة فانّ غالب البنات إذا فقدن الأب والجدّ لايفقدن الأُمّهات والأعمام والإخوة وغيرهم من الأقرباء، ففي مثل تلك الموارد يستحبّ لها أن تستشيرهم ولاتستبدَّ برأيها كما نصّ عليه المحقّق في المسألة الحادية عشرة في اللواحق.

3ـ ولاية الحاكم على من بلغ غير رشيد

أمّا ولايته على من بلغ غير رشيد، أو تجدّد فساد عقله إذا كان النكاح لصالحه فلا كلام فيه لثبوتها للوليّ من حيث القرابة فتثبت للوليّ من حيث الحسبة بتفاوت أنّ الملاك في ولاية الأب والجدّ هو عدم المفسدة كما سيوافيك، ولكنّه في ولاية الحاكم، الحسبة والمصلحة اللازمة.

4ـ في ولاية الوصي على الإنكاح

اختلفت كلماتهم في ولاية وصيّ الأب والجدّ على النكاح فقيل بالولاية وقيل


1 . الوسائل: ج15، الباب 33 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 2.


(206)

بعدمها وقيل بالتفصيل بين الإيصاء بالنكاح وعدمه وهو الظاهر من الخلاف(1) حيث فرض الكلام في صورة الإيصاء وقيل بالفرق بين غير البالغ ومن بلغ فاسد العقل إذا كانت هناك ضرورة إلى النكاح فلا ولاية إلاّ في الثاني وهو صريح الشرائع. فصارت الأقوال أربعة.

وقال في الخلاف:إذا أوصى إلى غيره بأن يزوّج ابنته الصغيرة صحّت الوصيّة وكان له تزويجها ويكون صحيحاً سواء عيّن الزوج أو لم يعيّن وإن كانت كبيرة لم تصح الوصية، وقال الشافعي: الولاية في النكاح لاتستفاد بالوصيّة فإذا أوصى بالنظر في مال أطفاله صحّ وإن أوصى بإنكاحهنّ لم تصحّ الوصية صغيرة كانت أو كبيرة، عيّن الزوج أو لم يعيّن وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وقال مالك : إذا كانت البنت كبيرة، صحّت الوصية، عيّن الزوج أو لم يعيّن وإن كانت صغيرة صحّت الوصية إذا عيّن الزوج ولم تصحّ إذا لم تعيّن. (2)

وقال المحقّق: لاولاية للوصي وإن نصّ له الموصي على الإنكاح على الأظهر وللوصي أن يزوّج من بلغ فاسد العقل إذا كانت ضرورة إلى النكاح.

والقول الرابع هو صريح المحقّق في الشرائع، والقول الثالث هو الأظهر كتاباً وسنّة.

أمّا الكتاب فيدلّ عليه قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوتُ إنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصيّةُ لِلْوالِدَينِ وَ الاْقْرَبينَ بِالمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلَى المُتَّقينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإنّما إثْمُهُ عَلى الّذينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ». (3) إنّ صدر الآية وإن كان وارداً في الإيصاء بالمال ولكن المورد ليس بمخصص.

وقد استدل به في غير مورد المال في بعض الروايات:


1 . الخلاف:2، كتاب النكاح، المسألة 9.
2 . الخلاف:2، كتاب النكاح، المسألة 9.
3 . البقرة:180ـ181.


(207)

مثل ما رواه علي بن مهزيار، قال: كتب أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ إلى جعفر وموسى: «وفيما أمرتكما من الإشهاد بكذا وكذا نجاة لكما في آخرتكما، وإنقاذ لما أوصى به أبوكما وبرّ منكما لهما، واحذرا أن لاتكونا بدّلتما وصيّتهما ولا غيّرتماها عن حالها، لأنّهما قد خرجا عن ذلك، رضي اللّه عنهما ، وصار ذلك في رقابكما وقد قال اللّه تبارك وتعالى في كتابه في الوصية:«فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإنّما إثْمُهُ عَلى الّذينَ يُبَدِّلُونَهُ إنّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ»».(1)

وقوله سبحانه :«ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إنْ تُخالِطُوهُمْ فَإخْوانُكُمْ وَ اللّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح» (2) ببيان أنّ التزويج لأجل مصالح إصلاح لهم ولا يختص الإصلاح بالأُمور المالية، ولكن القدر المتيقّن منه هو صورة الإيصاء.

أمّا السنّة : فتدلّ عليه، صحيحة ابن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ ، قال: «الذي بيده عقدة النكاح هو وليّ أمرها».(3) ولاشكّ أنّ الوصيّ هو الوليّ المالي فيكون وليّاً في النكاح.

وصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الذي بيده عقدة النكاح؟ قال:« هو الأب والأخ والرجل يوصى إليه».(4)وذكر الأخ لعلّه لأجل كونه وكيل الأب. ومقتضى ما ذكرناه، نفوذ وصيته فيما إذا نصّ على الإنكاح، من غير فرق بين الصغير والصغيرة، ومن بلغ غير رشيد.

وأمّا صحيحة محمّد بن مسلم في الصبي يتزوّج الصبيّة يتوارثان؟! فقال:


1 . الوسائل: 13، الباب32 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث2.
2 . البقرة:220.
3 . الوسائل:14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث2.
4 . الوسائل:14، الباب8 من أبواب عقد النكاح، الحديث4.


(208)

«إن كان أبواهما اللّذان زوّجاهما فنعم». (1) فقد عرفت أنّه لامفهوم لها على أنّه من المحتمل أنّ المقصود أنّه إن صدر العقد عمّن بيده الأمر سواء أكان هو الأب أم غيره و أمّا ذكر الأبوين فهو من باب المثال.

وربّما يستدل بصحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال:سأله رجل عن رجل مات وترك أخوين وابنة، والبنت صغيرة فعمد أحد الأخوين الوصي، فزوّج الابنة من ابنه ثمّ مات أبو الابن المزوِّج فلمّا أن ماتَ قال الآخر:أخي لم يزوّج ابنه فزوّج الجارية من ابنه فقيل للجارية: أيّ الزوجين أحبُّ إليك الأوّل أو الآخر؟ قالت: الآخر، ثمّ إنّ الأخ الثاني مات وللأخ الأوّل ابن أكبر من الابن المزوَّج فقال للجارية: اختاري أيّهما أحبُّ إليك الزوج الأوّل أو الزوج الآخر؟ فقال: «الرواية فيها أنّها للزوج الأخير وذلك أنّها قد كانت أدركت حين زوّجها وليس لها أن تنقض ما عقدته بعد إدراكها». (2)

ولايخفى أنّه ليس صريحاً ولاظاهراً في الوصية بالإنكاح ولعلّه كان وصياً فيما ترك من الأموال أضف إلى ذلك اشتمال الرواية على ما يوهم التقية. و في المضمون أيضاً غرابة فلاحظ.

وبذلك يظهر ولايته على من بلغ فاسد العقل إذا اقتضت المصلحة النكاح إنّما الكلام فيما إذا لم يوص بذلك ولادليل على ولايته فيما لم يوص به.نعم ظاهر الشيخ في المبسوط جواز النكاح عند الحاجة إلى التزويج وإن لم يوص. (3) فلاحظ.

5ـ نكاح المحجور عليه للتبذير

ظاهر كلمات الأصحاب ـ كما اعترف به في الحدائق ـ هو أنّ المحجور عليه


1 . الوسائل:14، الباب 12 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.
2 . الوسائل:14، الباب8 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.
3 . المبسوط: 4/60، كتاب الوصايا.


(209)

للتبذير يمنع من النكاح مع عدم حاجته إليه، فان اضطرّ جاز للوليّ تزويجه مقتصراً على ما تندفع به الحاجة كمّاً وكيفاً.

يلاحظ عليه: أنّ المحجور للتبذير، بالغ عاقل مكلّف بالتكاليف الشرعية مكلّف بها واجباتهاو مستحبّاتها، وغاية ماتدلّ عليه أدلّة الحِجر هو عدم جواز تمكينه من المال خوفاً من أن يصرفه في غير مصارفه وليس التزويج مع عدم الضرورة والحاجة صرفاً له في غير مصارفه،وإلاّ لما جاز لغيره لكونه تبذيراً وإسرافاً.

ولأجل ذلك فالظاهر جواز التزويج له مطلقاً في حالة الضرورة وعدمها، ومع ذلك لا يجوز تمكينه من المال خوفاً من أن يصرفه في غير المصارف الشرعية.

وعلى ضوء ذلك فجواز تزويجه غير مقيّد بالاضطرار، وأمّا تقييده بإذن الوليّ، فالظاهر من الروايات بقاء الولاية عليه ذكراً كان أم أُنثى.

أمّا الأوّل: فيدلّ عليه ما رواه في الوسائل عن الخصال عن أبي الحسين الخادم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سأله أبي وأنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال: «حتى يبلغ أشدَّه» قال: وما أشدّه؟قال:« احتلامه»، قال: قلت : قد يكون الغلام ابن ثماني عشرة سنة أو أقلّ أو أكثر لم يحتلم؟ قال: «إذا بلغ وكتب عليه الشيء ونبت عليه الشعر جاز عليه أمره إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً». (1)

والرواية صحيحة، وأبو الحسين الخادم هو آدم بن المتوكّل المعروف ببياع اللؤلؤ، كوفي ثقة روى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ ، ذكره أصحاب الرجال له أصل.(2) ورواه في الخصال عنه عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ وعلى كلّ تقدير فالسند صحيح.

وأمّا الثاني: فتدلّ عليه صحيحة الفضلاء، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال:


1 . الوسائل: 13، الباب2 من أبواب أحكام الحجر، الحديث5.
2 . رجال النجاشي:1/261، برقم 258.


(210)

«المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولّى عليها تزويجها بغير وليّ جائز».(1)

بقي هنا أمران:

1ـ لو بادر إلى التزويج قبل الإذن من الوليّ.

فقال المحقّق في الشرائع:صحّ العقد وإن أثم وتبعه العلاّمة في القواعد لأصالة الصحّة مع عدم كون التزويج من التصرفات المالية....

ولكن الحقّ ـ بالنظر إلى الصحيحتين ـ عدم الصحّة إلاّ إذا أذن الوليّ، لما عرفت من بقاء الولاية غاية الأمر يكون فضولياً موقوفاً على إذن الوليّ وليس له الإذن إلاّ فيما إذا لم يعدّ تبذيراً للمال، فلو تزوّج بمن يحيط مهر مثلها بماله أو نصفه مع وجود من ليس كذلك لم يصح وإن أذن له الوليّ.

ولو وطأ والحال هذه وجب لها مهر المثل مع جهلها بالتحريم وإن استغرق ماله لكونه كوطء الشبهة إذاكانا جاهلين أو كانت الزوجة جاهلة بالأمر وإلاّ فلا.

2ـ إذا أراد التزويج بإذن الوليّ، فهل يجب عليه تعيين الزوجة ومهرها أو يكفي الإطلاق؟ الظاهر هو الأوّل لأنّ الغاية من استمرار الولاية منعه من الوقوع في التبذير في المال وإطلاق الإذن مع عدم التعيين مظنّة صدور التزويج من المبذر، بالمهر غير المناسب لحاله، الملازم للإتلاف.

وتصوّر ـ أنّ المبذر مكلّف عاقل يحرم عليه تبذير ماله فينصرف الإذن إلى ما فيه المصلحة ـ مدفوع بأنّ خفّة عقله وطيشه في الأُمور، دعى الشارع إلى حفظ الولاية عليه، وليس المقصود من الجعل إلاّ تحقيق ولايته في الخارج وتجسيدها وهو فرع تعيين الزوجة ومهرها.


1 . الوسائل:14، الباب3 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.


(211)

6ـ في توكيل المرأة شخصاً في تزويجها

إذا وكلت المرأة، المالكة لنفسها، شخصاً في تزويجها فله صور:

1ـ أن يعيّن الزوج.

2ـ أن تُطلِقَ.

3ـ أن تعمّم بالنسبة إلى كلّ أحد.

4ـ أن تعيّن الوكيل بعد التعميم.

أمّا الأوّل: فلا يجوز له التجاوز عن حدّ الوكالة فيبطل إذا زوّجها بغير من عيّنت، من غير فرق بين تزويجها بنفسه أو بغير من عُيِّنَ إذا كان خارجاً عن حدود الوكالة.

وأمّا الثاني: فلايجوز تزويجها من نفسه لانصرافه إلى غير المخاطب فلاتعمّه الوكالة.

وأمّا الثالث: كما إذا قالت:زوّجني بمن شئت.

و الرابع: كما إذا قالت بعد التعميم ولو لنفسك، فتصحّ إذا زوّجها بنفسه، ولزوم وحدة الموجب والقابل مدفوع بكفاية التغاير الاعتباري أوّلاً، ولزومه ثانياً في تزويج الوليّ الصغيرة فانّ لكلّ من الأب والجدّ أن يتولّيا طرفي العقد.

وما رواه الحلبي(1) في المقام راجع إلى الصورة الأُولى لأنّه صريح في أنّها عيّنت الزوج بشهادة قولها : زوّجني فلاناً، لكن الوكيل خدعها وطلب منها أن تشهد له على الوكالة المطلقة ليتوسل بذلك إلى إدخال نفسه ولما وقفت المرأة على الخدعة قالت: لا ولاكرامة وما أمري إلاّ بيدي وما ولّيتك أمري إلاّ حياء من الكلام قال: تنزع منه ويوجع رأسه.

نعم ربّما يستظهر من رواية عمّار بطلان توكيل المرأة رجلاً يزوّجها بنفسه


1 . الوسائل:14 ، الباب10 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.


(212)

قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عن امرأة تكون في أهل بيت فتكره أن يعلم بها أهل بيتها أيحلّ لها أن توكل رجلاً يريد أن يتزوّجها؟تقول له:قد وكلتك فاشهد على تزويجي؟قال: «لا» قلت له: جعلت فداك وإن كانت أيّماً؟ قال: «وإن كانت أيّماً» قلت: فإن وكلت غيره فيزوّجها منه؟ قال: «نعم». (1)

وأورد عليه الشهيد في المسالك بضعف السند، وهو مبني على اعتبار الإيمان بالمعنى الأخص في قبول الرواية وقد اشتمل السند على فطحيين:1ـ أحمد ابن الحسن والمراد منه أحمد بن الحسن بن فضال وهو فطحي.2ـ عمّار الساباطي، وكلاهما ثقتان والأولى أن يقال: إنّها أجنبية عن المسألة فإنّها واردة في نفي صلاحية الزوج للشهادة المعتبرة واجباً أو استحباباً في النكاح كما هو ظاهر قوله:«قد وكلتك فاشهد على تزويجي، قال: لا» فالنفي ليس لأجل اتّحاد الوكيل والزوج بل لأجل عدم صلاحية الزوج لكونه شاهداً.

وأمّا قوله: «فإن وكلت غيره بتزويجها فيزوّجها منه، قال: نعم» فراجع إلى مسألة كفاية شهادة الوكيل في إجراء العقد دون الزوج وهو أحد الأقوال في الشهادة لدى النكاح.

7ـ في تزويج الوليّ بدون مهر المثل

لو زوّجها الوليّ بدون مهر المثل أو زوج الصغير بأزيد منه فهناك أقوال ثلاثة:

الأوّل: صحّ العقد والمهر أخذاً بإطلاقات أدلّة الولاية.

الثاني: صحّ العقد وبطل المهر ويرجع فيه إلى مهر المثل.

الثالث: بطل العقد والمهر معاً.


1 . الوسائل:14، الباب10 من أبواب عقد النكاح، الحديث4.


(213)

والمراد من البطلان عدم النفوذ بمعنى توقفه على إجازتها بعد البلوغ.

واختار الشيخ في الخلاف القول الأوّل وقال:«إذا زوّج الأب أو الجدّ من له إجبارها على النكاح من الصغيرة أو البكر الكبيرة بمهر دون مهر المثل ثبت المسمّى ولايجب مهر المثل وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يبطل المسمّى ويجب مهر المثل، قال: دليلنا أنّ المسمّى لا خلاف أنّه واجب عليه، ومن أوجب مهر المثل فعليه الدلالة، وأيضاً قوله تعالى:«وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قبلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَريضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ» . (1) ولم يفصّل بين أن يكون المفروض مهر المثل أو دونه أو فوقه فوجب حمله على عمومه. (2)

والدليل الأوّل مبني على صحّة العقد وإنّما الشكّ في وجوب الأكثر من المسمّى، والمراد من العلم في قوله «لاخلاف انّه واجب عليه» هو العلم بوجوب ذات المسمّى لا بوصف كونه مسمّى، فإذا كان مهر المثل أزيد يقع الزائد، مجرى للبراءة.

وأمّا الدليل الثاني فموهون فإنّ الآية بصدد بيان أنّه إذا صحّ فرض المسمّى، فالطلاق قبل المس منصِّف وأمّا أنّه إذا شكّ في صحّته فالطلاق أيضاً منصِّف فليست في مقام بيانه.

والحاصل أنّ مورد الآية، هو الطلاق الوارد على المسمى الصحيح، لاالطلاق الوارد على المسمّى المشكوكة صحّته كما في المقام.

ويظهر من المحقّق، اختيار القول الثاني، قال: الجارية الحرّة المتوفّى عليها إذا زوّجها الوليّ بدون مهر المثل هل لها أن تعترض؟فيه تردّد والأظهر أنّ لها الاعتراض.


1 . البقرة: 237.
2 . الخلاف: كتاب الصداق، المسألة37.


(214)

ثمّ إنّ الكلام مركّز فيما إذا زوّجها بالكفوء بدون مهر المثل وأمّا لو زوّجها بغيره فهو خارج عن محلّ البحث. ومع ذلك فمختار المحقّق ضعيف لأنّ المنشأ أمر واحد لايتبعّض إلاّ بالدليل فتصحيح العقد والرجوع إلى مهر المثل شيء غير منشأ، وإلزام الزوج به ضرر وحرج، خصوصاً إذا كان جاهلاً.

وعدم فساد النكاح بفساد المهر فيما إذا كان المهر مثل الخمر والخنزير لايصير دليلاً على التبعيض في المقام لأنّ الفساد هناك لأجل عدم كونه ممّا يملك بخلاف المقام فانّ البطلان ـ على القول به ـ مستند إلى رفض أحد المتعاقدين ما عيّن للمهر.

والحاصل أنّ التفريق بين العقد والمهر مع كون المنشأ أمراً واحداً، يحتاج إلى دليل خاص.

وأمّا القول الثالث أي بطلان العقد والمهر، فإنّما يتمّ إذا لم يكن التزويج مقروناً بالمصلحة أو كان مقروناً بالمفسدة وأمّا إذا كان مقروناً بالصلاح بحيث يفوت لو ترك التزويج فلا وجه للبطلان، لأنّ اعمال الولاية تتوقّف عليه والمفروض كونه كذلك أي ذا صلاح.

نعم احتمل السيد الطباطبائي في العروة الوثقى (1) ، البطلان ولو مع الإجازة بناء على اعتبار وجود المجيز في حال العقد، ولكن المبنى ضعيف، لأنّ الإجازة توجب انتساب العقد الصادر من الغير إلى المجيز من حينها فيكون العقد منتسباً إلى المجيز حين الإجازه وأمّا قبل الإجازة، فالعقد أشبه بالمقاولة بلا إمضاء ولا عقد وعدم وجود المجيز حين العقد باعتبار كون المعقود صبيّاً، لايضر.

فاتّضح أنّ الحقّ هوالقول الأوّل بشرط مقارنة التزويج مع المصلحة للصغيرة.


1 . العروة الوثقى: كتاب النكاح، فصل في أولياء العقد، المسألة6.


(215)

واعلم عبارة المرأة معتبرة مع البلوغ والعقل في العقد سواء كانت في تزويج نفسها أو تزويج غيرها، سواء قلنا بثبوت الولاية على البكر البالغة الرشيدة للأب والجدّ أو لا، لأنّ ثبوت الولاية لايلازم كون عبارتها مسلوبة، وقد مرّ اعتبار عبارة الصبي غير البالغ فكيف بالبالغة وقد نقل الخلاف عن الشافعي وهو كما ترى.

8ـ حكم النكاح الفضولي

المشهور بين الأصحاب صحّة عقد النكاح فضولاً كما في غيره من العقود ولزومه موقوف على الإجازة، وعن المرتضى ادّعاء الإجماع على صحّته ووافقه ابن إدريس وقال الشيخ في الخلاف، بعدم صحّته ووافقه فخر المحقّقين في النكاح والبيع وإليك نصّ الشيخ في الخلاف:

النكاح لايقف على الإجازة، مثل أن يزوّج رجل امرأة من غير إذن وليّها لرجل ولم يأذن له في ذلك لم يقف العقد على إجازة الزوج، وكذلك لو زوّج الرجل بنت غيره وهي بالغة فقبل الزوج لم يقف العقد على إجازة الوليّ ولا إجازتها، وكذلك لو زوّج الرجل بنته الثيّب الكبيرة الرشيدة أو أُخته الكبيرة الرشيدة لم يقف على إجازتها ، وكذلك لو تزوّج العبد بغير إذن سيّده بالأمة بغير إذن سيّدها كلّ ذلك باطل لايقف على إجازة أحد، وكذلك لو اشترى لغيره بغير أمره لم يقف على إجازته وكان باطلاً وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك:إن أجازه عن قرب صحّ وإن أجازه عن بعد بطل، وقال أبو حنيفة: يقف جميع ذلك على إجازة الزوج والزوجة والوليّ وكذلك البيع إلى آخر ما نقل من الأقوال. (1)

ثمّ استدل الشيخ على البطلان بروايات أربع من طرقهم و رواية خامسة من طرقنا . فإليك ما روي من طرقهم:


1 . الخلاف: كتاب التكاح، المسألة 11.


(216)

1ـ روت عائشة ، أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل» (1) وفي دلالتها بعد سلامة سندها نظر، لأنّها ناظرة إذا لم يكن هناك أيُّ إذن لا قبل النكاح ولابعد النكاح وهو خلاف المفروض.

2ـ روى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لانكاح إلاّ بوليّ».(2) يرد عليه مثل ما ورد على السابق فانّ المتيقّن منه عدم إذن الوليّ لاسابقاً ولا لاحقاً، ولايعمّ ماإذا لحقه الإذن.

3ـ روى جابر، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «أيّما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر».(3) والدلالة غير تامة لأنّها ناظرة إذا دخل بها بلا إذن ولا صلة لها بالمقام، لأنّ الكلام في صحّة العقد بما هو هو إذا لم يسبقه الإذن بل لحقه، وأين هو من مورد الرواية من مسّها بلا إذن من وليّها مطلقاً.

4ـ روى بن عمر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «أيّما عبد نكح بغير إذن مواليه فنكاحه باطل».(4) ويرد عليه ما يرد على ما قبله.

وبذلك يظهر الجواب عن الاستدلال برواية أبي العبّاس البقباق قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : الرجل تزوّج الأَمة بغير إذن أهلها؟ قال: «هو زنا إنّ اللّه تعالى يقول:«فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ»». (5)

والحاصل أنّ الروايات ناظرة فيما لم يكن هناك إذن ولا إجازة أي بإلغاء إذن الوليّ مطلقاً، لا ما إذا لحقه إذن الوليّ.

وبذلك يظهر الجواب عن دليل آخر للشيخ في الخلاف قال: إنّ العقود الشرعية تحتاج إلى أدلّة شرعية ولادليل على أنّ هذه العقود واقفة على الإجازة


1 . السنن الكبرى:7/105ـ107ـ111 باب لانكاح إلاّ بوليّ، .
2 . السنن الكبرى:7/105ـ107ـ111 باب لانكاح إلاّ بوليّ، .
3 . السنن الكبرى:7/105ـ107ـ111 باب لانكاح إلاّ بوليّ، .
4 . السنن الكبرى:7/105ـ107ـ111 باب لانكاح إلاّ بوليّ، .
5 . الخلاف: ج2، كتاب النكاح، المسألة 11.


(217)

فوجب القضاء بفسادها.

توضيح الجواب: أنّ قوله سبحانه: «أَوْفُوا بِالعُقُود» يخاطب أصحاب العقود بالوفاء بعقودهم، وكأنّ الألف واللام عوض عن الضمير المضاف إليه ويقول سبحانه: أوفوا بعقودكم، فالعقد، الواجب الوفاء، عبارة عن العقد المستَند لصاحبه، فإذااستند إليه يتمّ الموضوع.

والعقد الفضولي وإن كان عقداً لكنّه فاقد الاستناد إلى صاحبه، فإذا لحقته الإجارة وتلقاه صاحبه بالقبول يصير العقد عقداً مستنداً. والعقد الفاقد للإذن، كالمحضر المحرّر بلا إمضاء فإذا أُمضي وختم يكون المحضر لصاحب الإمضاء لا للكاتب ولا للمحرّر.

وبذلك يظهر أنّ العقد الفضولي ليس من مصاديق العمومات والإطلاقات قبل لحوق الإذن بل هي أشبه بإيجاد بعض أجزاء المأمور به دون بعض.

وما قاله الشيخ الأنصاري في متاجره من كون العقد الفضولي عقداً حقيقيّاً ومصداقاً للعمومات والإطلاقات لكن ينقصه شرط العقد أو جزء منه ـ ليس بتام ـ ضرورة أنّ العرف لايعدّه عقداً، ولابيعاً وارداً تحت العموم قبل لحوق الإذن فإذا لحقه، حصل الاستناد، وشملته العمومات والإطلاقات.

وعلى ذلك يكون عقد الفضولي ـ بعد لحوق الإجازة ـ عقداً قانونياً مشمولاً لقوله سبحانه: «أَوْفُوا بِالعُقُود» فلايحتاج إلى دليل آخر، غير العمومات والإطلاقات.

نعم لايصحّ عدّ كل عقد فضولي صدر من أيّ شخص، مصداقاً للعام بل لابدّ أن تكون بين العاقد والمعقود له، صلة ورابطة نسبية أو سببية أو ملابسة من الملابسات المصحِّحة عرفاً للقيام بهذه الأُمور وإلاّ فلو كان العاقد أجنبياً محضاً، وعقد لأجنبي فشموله للعمومات والإطلاقات حتّى بعد الإذن بعيد ولأجل ذلك


(218)

ترى في الروايات الواردة في النكاح الفضولي أنّ العاقد ليس شخصاً أجنبياً محضاً .

هذا كلّه حسب القواعد.

وأمّا الروايات الخاصة، فقد وردت في خصوص النكاح الفضولي روايات نذكر منها ما يلي:

1ـ صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه سأله عن رجل زوّجته أُمّة وهو غائب؟ قال :«النكاح جائز إن شاء المتزوّج قبل وإن شاء ترك، فإن ترك المتزوّج تزويجه فالمهر لازم لأُمه».(1)

والرواية معتبرة، وكون المهر لازماً لأُمّه مخالف للقاعدة ولابدّ من حملها على ادّعاء الأُمّ الوكالة ولم تكن وكيلة، وإن كان هذا التوجيه قاصراً أيضاً.

2ـ صحيحة زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته، عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده؟ فقال: «ذاك إلى سيّده، إن شاء أجاز، وإن شاء فرّق بينهما» قلت: أصلحك اللّه، إنّ الحكم بن عيينة(2) وإبراهيم النخعي(3)وأصحابهما يقولون:إنّ أصل النكاح فاسد، ولاتحلّ إجازة السيّد له؟ فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ : «إنّه لم يعص اللّه، وإنّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو له جائز».(4)

وأمّا التفكيك بين عصيان اللّه وعصيان السيّد، مع أنّ عصيان الثاني يلازم عصيان الأوّل فيظهر وجهه ممّا جاء في رواية ثانية لزرارة في نفس المسألة حيث قال للإمام: فإنّ أصل النكاح كان عاصياً ، فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ :«إنّما أتى شيئاً


1 . الوسائل:14، الباب7 من أبواب عقد النكاح، الحديث3.
2 . الصحيح حكم بن عتيبة (50ـ113هـ) وكان زيدياً بترياً ذكره الشيخ في أصحاب السجّاد والباقر والصادق ـعليهم السلام ـ ، لاحظ سير أعلام النبلاء: 5/208 برقم 83، أعيان الشيعة: 6/209.
3 . الكوفي(50ـ96هـ) ذكره الشيخ في أصحاب السجاد ـ عليه السلام ـ ، لاحظ: سير أعلام النبلاء: 4/52 برقم 313، وأعيان الشيعة: 2/248.
4 . الوسائل:14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1ـ2.


(219)

حلالاً وليس بعاص للّه إنّما عصى سيّده ولم يعص اللّه إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح في عدّة وأشباهه».(1)

والإمعان في الرواية يعرب عن أنّ العصيان المنفي، هو العصيان الذاتي بالنسبة إليه سبحانه، وأمّا العصيان الطارئ من جانب عصيان المولى فليس بمنفىّ عنه ولكنّه يرتفع بارتفاع عصيان المتبوع بالإجازة الطارئة.

وبهذا المضمون روايات في باب نكاح العبيد. (2)

وربّما يستدل بصحيح أبي عبيدة الحذّاء، قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن غلام وجارية زوّجهما وليّان لهما وهما غير مدركين؟ قال: فقال: «النكاح جائز، أيّهما أدرك كان له الخيار...» والمراد من «وليّان» الوليّان العرفيان من الأخ والعمّ، والقرينة عليه، ذيل الرواية. «قلت:فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: « يجوز عليها تزويج الأب ويجوز على الغلام، والمهر على الأب للجارية». (3) وبذلك تستغني عن السؤال والجواب اللذين ذكرهما الشهيد في المسالك بالنسبة إلى صدر الرواية وقال: «لايقال الرواية متروكة الظاهر لتضمنّها أنّ عقد الوليّ يقع موقوفاً وأنتم لاتقولون به، فلايصحّ الاستدلال بهما على موضع النزاع لسقوط اعتبارها بذلك، ثمّ أجاب بما لا حاجة إليه.

والظاهر أنّه لم يلاحظ ذيل الرواية وإلاّ لما أتعبَ نفسه، ومبنى السؤال زعم كون المراد من الوليّين هما الشرعيّان لكن الذيل شاهد على خلافه ولأجل ذلك عدَّ عقدهما فضولياً موقوفاً.

وعلى كلّ تقدير ففيما ذكرنا غنى وكفاية في تصحيح عقد النكاح الفضولي،


1 . الوسائل:14، الباب24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث2.
2 . الوسائل:14، الباب18 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1ـ3 والباب27، الحديث1.
3 . الوسائل: 17، الباب11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث11.


(220)

فالصحّة التنجيزية تتوقف على لحقوق الإذن ممّن يشترط إذنه من الأب والجدّ في نكاح الصغير والصغيرة والبنت الباكر الرشيدة على القول بالتشريك، والزوجة والمولى في نكاح العبيد والإماء.

9ـ إذن الباكر صماتها

قال المحقّق: «ويقنع من البكر بسكوتها عند عرضه عليها، وتكلّف الثيّب النطق» وهل المراد هو ا لسكوت الكاشف عن الرضا قطعاً أو الكاشف عنه على وجه الاطمئنان أو مطلقاً، بشرط عدم ظهور أمارات الخلاف وعدم الرضا؟ وجوه:

ويدلّ على أصل الحكم صحيح البزنطي، قال: قال لي أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ : «في المرأة البكر، إذنها صماتها، والثيّب أمرها إليها». (1)

وعن الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في حديث قال:وسئل عن رجل يريد أن يزوّج أُخته ؟قال: «يؤامرها، فإن سكتت فهو إقرارها وإن أبت لايزوّجها».(2)

وخبر داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في رجل يريد أن يزوّج أُخته؟ قال: «يؤامرها فإن سكتت فهو إقرارها وإن أبت لم يزوّجها». (3) والظاهر من قوله:«فإن سكتت» بحكم مقابلته لقوله:«وإن أبت لم يزوّجها» هو كفاية مطلق السكوت في مقابل الإباء فلايشترط اقترانه بالقرينة المفيدة للعلم والاطمئنان بالرضا، نعم هو منصرف عمّا علم أو استكشف من القرائن المفيدة للعلم والاطمئنان عدم رضاها أو تعارضت القرائن، ولمّا كان حياء البكر يصدّها عن التصريح بالرضا بالتزويج، اكتفى الشارع بسكوتها مالم يعلم أو يطمئن خلافه من غير فرق بين كون صماتها قبل العقد، أو بعده، بعد الوقوف عليه.


1 . الوسائل:14، الباب5، 4، 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث1، 4، 3.
2 . الوسائل:14، الباب5، 4، 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث1، 4، 3.
3 . الوسائل:14، الباب5، 4، 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث1، 4، 3.


(221)

وما ربّما يقال:إنّ موردها هو السكوت السابق على العقد فلا يعمّ اللاحق ، مدفوع بأنّه إذا كان النكاح الفضولي على وفاق القاعدة، يكون السكوت اللاحق بمنزلة المقترن، أو السابق عليه.

ولأجل ذلك اكتفى بسكوت الوليّ عن الإذن الصريح إذا وقف على نكاح العبد، ففي صحيح معاوية بن وهب، قال: جاء رجل إلى أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ فقال: إنّي كنت مملوكاً لقوم وإنّي تزوّجت امرأة حرّة بغير إذن مواليّ ثمّ أعتقوني بعد ذلك فأُجدّد نكاحي إيّاها حين أُعتقت؟ فقال له: «أكانوا علموا أنّك تزوّجت امرأة وأنت مملوك لهم؟» فقال: نعم وسكتوا عنّي ولم يغيروا عليّ، قال: فقال: «سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم، أثبت على نكاحك الأوّل». (1) هذا كلّه في البكر.

وأمّا الثيّب، فقد عرفت المراد منها، فقيل: تكلّف بالنطق، فهل هو على إطلاقه ولو علم الرضا، أو دلّت القرائن عليه، أو هو وارد في غير ذينك الموردين فيكتفى في البكر بالسكوت إلاّ إذا علم عدم رضاها أو دلّت القرائن عليه وتلزم الثيّب بالنطق، إلاّ إذا علم الرضا أو دلّت القرائن عليه فالتقابل بين البكر والثيّب في غير هاتين الصورتين:

ثمّ إنّه ربّما يحتمل لزوم اللفظ في الإجازة لقوله ـ عليه السّلام ـ إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام، ولأنّه الحاسم لمادّة النزاع، لكن ما عرفت من صحيح ابن وهب وما ورد في مورد البكر، أقوى دليل على عدم لزومه، نعم البيع والنكاح من الأُمور الاعتبارية التي يتوقّف تحقّقها في عالم الاعتبار على الإنشاء والإيجاد في عالم الاعتبار والمفروض وجود الإنشاء فيها.


1 . الوسائل:14، الباب26 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.


(222)

10ـ في مسقطات الولاية

مسقطات الولاية عندهم أربعة: وهي الكفر وعدم الرشد، والإحرام، والرقّية.

أمّا الأوّل: فللمسألة صورتان:

الأُولى: فيما إذا كان المولّى عليه محكوماً بالإسلام أو مسلماً حقيقة و الوليّ كافراً.

الثانية: فيما إذا كان المولّى عليه محكوماً بالكفر مثل الولي.

أمّا الصورة الأُولى: فلا خلاف عندهم في سقوط ولاية الأب فإذا أسلم الجدّ أو الأُم أو وصف الصبي الإسلام قبل البلوغ وكان الوالدان كافرين تسقط ولاية الأب لأنّ الولد يتبع أشرف العمودين فتكون الولاية للحاكم الذي هو وليّ من لاوليّ له.

ومثله البالغ إذا أسلم ثمّ جنّ وقلنا بثبوت ولاية الأب عليه إذا كان مسلماً ولكن تسقط ولايته بالكفر. أو البكر الرشيدة إذا أسلمت بناء على الولاية على البكر، ففي هذه الموارد لو كان أحد العمودين مسلماً فهو، وإلاّ فالولاية للحاكم.

واستدل له بعد الإجماع بقوله سبحانه:«وَلَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرينَ عَلَى المُؤمِنينَ سَبِيلاً». (1) والنكرة في سياق النفي يعمّ كل السبل، وبقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«الإسلام يعلو ولايعلى عليه». (2) وهو مرسل وفي الدلالة ما لايخفى فإنّ الولاية إذا كانت لصالح الولد، لا تعدّ علواً على المسلم، خصوصاً إذا كانت مقرونة بالشفقة والمحبّة، ولا يقاس بإرث الكافر من المسلم فإنّه لصالح الوارث دون الميّت نظير


1 . النساء:141.
2 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث11.


(223)

ما كان أحد الوكيلين كافراً والآخر مسلماً، فلا تعدّ الوكالة ولاية للكافر، وعلى القول بالسقوط فلو لم يكن هناك وليّ قربي مسلم، كانت الولاية للحاكم الذي هو وليّ من لا وليّ له.

أمّا الصورة الثانية: أعني ما إذا كان المولّى عليه محكوماً بالكفر مثل الوالي، فهل له الولاية عليه مع كونه محكوماً بالكفر لأجل التبعية؟ الظاهر نعم، لقوله سبحانه:«وَ الّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أولِياءُ بَعْض» . (1) مضافاً إلى السيرة المألوفة بين المسلمين حتى في الأدوار التي كانت لهم قوّة وشوكة، على الكافرين.

أمّا الثاني: إذا كان الولي مجنوناً أو سفيهاً أو سكراناً، فعدم ولايتهم لأجل عجزهم عن إدارة ما يتعلّق بأُمور المولّى عليه نعم لو زال الجنون والإغماء والسكر عادت الولاية لوجود المقتضي وارتفاع المانع، أمّا المقتضي، أعني: الأُبوة والجدودة، فظاهر،وأمّا ارتفاع المانع فلأنّه يؤثّر مادام موجوداً، وأمّا الوصي فعود ولايته يتوقّف على سعة جعل الوصاية فلو أوصاه على وجه الإطلاق وأوصى بالنكاح كذلك فيكون وصياً ووليّاً، وأمّا إذا كان قاصراً فلا يعود لكون ولايته تابعة للجعل وهذا بخلاف أدلّة ولاية الجدّ والأب فإنّ إطلاقها أمر لا ينكر.

وأمّا الثالث أي الاحرام: فسقوط ولايته بمعنى أنّه يحرم عليه العقد إيجاباً وقبولاً ويبطل عقده لصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «ليس للمحرم أن يتزوّج ولايزوِّج فإن تزوّج أو زوّج محلاّ فتزويجه باطل». (2)

وأمّا الرابع: فلا ولاية له على ولده حرّاً كان الولد أم مملوكاً لمولى الأب أو لغيره، ويدلّ عليه قوله سبحانه: «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى


1 . الأنفال:73.
2 . الوسائل: 9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.


(224)

شَيء»(1) أضف إلى ذلك أنّه لايستطيع تزويج نفسه بغير وليّ فكيف يكون وليّاً في التزويج لغيره؟! هذا كلّه إذا لم يأذن له مولاه وإلاّ فانّه يصحّ مع إذنه كما لايخفى.

11ـ إذا اختار كلّ من الوليين زوجاً

(2)

لو زوّج الأب الصغيرة برجل، والجدّ برجل آخر صحّ عقد المتقدّم وبطل عقد المتأخّر لاستقلال كلّ واحد بالولاية.

ويدلّ عليه صحيح هشام بن سالم«إذا زوّج الأب والجدّ كان التزويج للأوّل، فإن كانا جميعاً في حال واحد فالجدّ أولى». (3) والمراد من الأوّل هو السابق في العقد.

وموثق عبيد بن زرارة :قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر؟ فقال: «الجدّ أولى بذلك مالم يكن مضارّاً، إن لم يكن الأب زوّجها قبله، ويجوز عليها تزويج الأب والجدّ».(4) إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا المجال.

ولو تشاحَّ الأب والجدّ قدّم اختيار الجدّ، ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى ما تقدّم من موثق عبيد بن زرارة ـ صحيح محمّد بن مسلم عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ .«إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، ولابنه أيضاً أن يزوّجها»، فقلت: فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً آخر؟ قال: «الجدّ أولى بنكاحها». (5) إلى غير ذلك من الروايات، وهذا ممّا لاإشكال فيه، ولا ينافيه خبر فضل بن عبد الملك البقباق: «أنّ


1 . النحل:75.
2 . كان المناسب البحث عن هذا الفرع ومابعده من الفروع بعد الفراغ من ولاية الأب والجدّ، وقبل البحث عن ولاية الحاكم والوصي ولكنّا اقتفينا أثر المحقّق لتسهيل الأمر على حضار البحث.
3 . الوسائل: ج14، الباب11 من أبواب عقد النكاح، الحديث3،2،1.
4 . الوسائل: ج14، الباب11 من أبواب عقد النكاح، الحديث3،2،1.
5 . الوسائل: ج14، الباب11 من أبواب عقد النكاح، الحديث3،2،1.


(225)

الجدّ إذا زوّج ابنة ابنه وكان أبوها حيّاً وكان الجدّ مرضياً جاز »، قلنا: فإن هوى أبو الجارية هوىً، وهوى الجدّ هوىً، وهما سواء في العدل والرضا؟ قال:«أحبُّ إليَّ أن ترضى بقول الجدّ». (1) فإنّ تكليف المزوّجة بالرضا لفعل الجدّ، دليل على أنّه وارد في الكبيرة دون الصغيرة.

فلو كانا متشاحين ولكن سبق الأب بالتزويج على الجدّ، فهل يصحّ العقد وإن خالف الحكم التكليفي وجوباً أو استحباباً أو يبطل من أصل؟ لكن الظاهر الصحّة لأنّه فعل صدر من أهله ووقع في محلّه، ويدلّ عليه إطلاق صحيحة هشام ابن الحكم أعني قوله: «إذا زوّج الأب والجدّ كان التزويج للأوّل» وإطلاق مفهوم صحيح عبيد بن زرارة حيث قال: «إن لم يكن زوجّها قبله» فهو شامل لهذه الصور.

وربّما يستظهر البطلان من قوله: «الجدّ أولى بنكاحها» بحجّة أنّ معناه، أنّ له الولاية دون الأب لكنّه غير تامّ، لأنّ استعمال صيغة التفضيل فيما إذا كان المفضّل واجداً للمبدأ دون المفضّل عليه، صحيح لكنه (2) غير ذائع، والشائع ما إذا كان الطرفان واجدين له وعلى ذلك فمعنى قوله:«الجدّ أولى بنكاحها» أنّ لهما الولاية، ولكن للجدّ أولوية على الأب.

وبذلك يظهر عدم تمامية الاستدلال على البطلان بما في صحيح هشام فيما إذا تقارنا حيث قال: «فإن كانا جميعاً في حال واحدة فالجدّ أولى» (3) وذلك لعدم دلالة البطلان على سلب الولاية عن الأب، وأمّا الحكم بالبطلان، فلعدم إمكان


1 . الوسائل: ج14، الباب11 من أبواب عقد النكاح، الحديث4.
2 . و منه قوله سبحانه : «قل أذلك خيرٌ أم جنة الخلد التي وعد المتّقون»(الفرقان/15 ) و قوله سبحانه: «ربّ السجن أحبّ إليّ ممّا يدعوننى إليه»(يوسف/33) وليس الزنا محبوبا للمعصوم مثل يوسف. وللمحقق الكراجكي، تحقيق في الموضوع، لاحظ كنز الفوائد:209 الطبعة الأولى.
3 . الوسائل: 14، الباب11 من أبواب عقد النكاح، الحديث3.


(226)

الحكم بصحّة كليهما، وتقديم صحّة عقد الأب تقديم للمفضول على الفاضل فتعيّن صحّة عقد الجدّ.

والأشبه بالقواعد عند سبق عقد الأب (كون الولاية لهما وأنّ المخالفة مخالفة حكم تكليفي لا وضعي) صحّة عقد الأب، ويمكن استظهار الصحّة من خبر أبي العباس البقباق«إذا زوّج الرجل فأبى ذلك والده فانّ تزويج الأب جائز وإن كره الجدّ، ليس هذا مثل الذي يفعله الجدّ ثمّ يريد الأب أن يردّه». (1) فانّ المقام داخل في قوله ـ عليه السّلام ـ :«وإن كره الجدّ» وأمّا الذيل فالظاهر أنّ المراد منه أنّه لو قام الجدّ بالعقد وأراد الأب التزويج بالغير فليس للأب إبطاله وليس المقام من هذا القبيل إذ لم يصدر من الجدّ شيء و إنّما العقد صدر من الأب.

إذا عقد الأب والجدّ معاً

إذا عقد الأب والجدّ معاً، مع التشاح وعدمه ثبت عقد الجدّ دون الأب لصحيح هشام بن سالم وموثّق عبيد بن زرارة الماضيين.

وهل الأحكام مختصة بالجدّ الأدنى مع الأب، أو يعمّ للجدّ وإن علا مع الأب؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ الوارد في لسان الدليل هو الجدّ والأب وهو يصدق على الأعلى مع الأب نعم لايصدق ذلك العنوان إذا فقد الأب، وبقى الجدّان الأوّل والثاني، فلايصدق عليه الأب والجدّ بالنسبة إلى البنت وإن كان صادقاً بالنسبة إلى أنفسهما.

ولكن الظاهر من رواية عبيد بن زرارة (2) الحاكية لقول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أنت ومالك لأبيك» ومثله خبر علي بن جعفر (3) هو العموم وأنّه يعامل مع الجدّين


1 . الوسائل:14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث6و2و 8.
2 . الوسائل:14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث6و2و 8.
3 . الوسائل:14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث6و2و 8.


(227)

معاملة الجدّ والأب، فلاحظ.

12ـ تزويج الصغيرة بالمجنون والخصي

قال الشيخ في الخلاف: «للأب أن يزوّج بنته الصغيرة بعبد أو مجنون أو مجذوم أو أبرص أو خصي، وقال الشافعي: ليس له ذلك ـ دليليناـ أنّ الكفاءة ليس من شرطها الحرّية ولاغير ذلك من الأوصاف، فعلى هذا يسقط الخلاف». (1)

وقال المحقّق: «إذا زوّجها الوليّ بالمجنون أو الخصيّ، صحّ ولها الخيار بعد البلوغ وكذا لو زوّج بمن بها أحد العيوب الموجبة للفسخ».

أمّا الصحّة فلأنّ كلّ واحد من المجنون والخصي كفوء، والعيوب المذكورة لاتنافي الكفاءة، وأمّا ثبوت الخيار فلمكان العيب الموجب له لو كان هو المباشر للعقد جاهلاً، وفعل الوليّ له حال صغره بمنزلة الجهل وهناك وجه آخر وهو التفصيل بين علم الوليّ بالعيب فيبطل كما لو اشترى له المعيب مع علمه بالمعيب، أو الجهل فيصحّ ويثبت له الخيار للوليّ.

ولا يخفى ، أنّ الكفاوة ليست من الحقائق الشرعية بل هي مفهوم عرفي وهي غير صادقة في المقام مع وجود العيوب المنفِّرة، أضف إليه أنّ إعمال الولاية وإن لمتكن مشروطة بالمصلحة والغبطة إلاّ أنّها مشروطة بالخلو عن المفسدة والإقدام بالضرر، ولاشكّ أنّ التزويج المزبور حرجي فليس له الولاية في تلك المورد فالعقد باطل بمعنى أنّه فضولي موقوف على رضاها بعد البلوغ، وما في المسالك من تخصيص المفسدة بالمفسدة المالية غير تام بل هي أعمّ منها، والحكم المزبور من الشيخ على الصحّة بلا خيار، أمر عجيب وإن كان مع الخيار ـ كما عن المحقّق ـ


1 . الخلاف: كتاب النكاح، المسألة49.


(228)

أهون منه.

13ـ في تزويج غير الوليّ الصغيرين

إذا زوّج الوليّ الصغيرين مراعياً كلّ ما يعتبر في جواز ذلك لهما يترتّب عليه أمران:

1ـ لزوم العقد وعدم ثبوت الخيار للمولّى عليه بعد البلوغ إجماعاً في الصبية وعلى المشهور في الصبي، فقد تقدّم الكلام فيه ولانعيد.

2ـ الوراثة إذا مات أحدهما بل يرثه حتى على القول بالخيار لعدم منافاته لتحقّق موجب الإرث الذي هو الزوجية.

وأمّا لو كان المزوّج لهما غير الأبوين فله صور:

الأُولى: إذا مات أحد الزوجين قبل البلوغ بطل العقد وسقط المهر والإرث بانتفاء المعقود عليه قبل لحوق الرضا أو الردّ.

الثانية: إذا بلغ أحدهما ورضى بالعقد لزم العقد من جهته ولكنّه مات والحال هذه عزل من تركته نصيب الآخر وإذا بلغ وأجاز، حلف أنّه لم يُجز لطمع الميراث والرغبة فيه، فإن حلف ورث.

الثالثة: الصورة السابقة لكن مات الذي لم يجز، بطل العقد ولا ميراث.

والمسألة في تزويج غير الولي مبني على صحّة عقد الفضولي في النكاح، وإن لم يجز الوليّ أو لم يوجد، وإلاّ يبطل العقد.

والأصل في هذه الأحكام الثلاثة صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال: سألت أباجعفر ـ عليه السّلام ـ عن غلام وجارية زوّجهما وليّان لهما، وهما غير مدركين؟ قال :فقال: «النكاح جائز، أيُّهما أدرك كان له الخيار فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر إلاّ أن يكونا قد أدركار ورضيا» قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟


(229)

قال: «يجوز ذلك عليه إن هو رضي»، قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي بالنكاح ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟قال:«نعم يعزل ميراثها منه حتّى تدرك وتحلف باللّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلاّ رضاها بالتزويج ثمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر».

قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرِك؟ قال:«لا، لأنّ لها الخيار إذا أدركت» .قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: «يجوز عليها تزويج الأب ويجوز على الغلام والمهر على الأب للجارية». (1) وقد اعترض على الاستدلال بالرواية بأمرين:

1ـ أنّ صدور الرواية حاك من كون التزويج واقعاً بالوليّ وهو ماض على الولد فكيف قال: «وأيّهما أدرك كان له الخيار»؟

وقد مضى الجواب عنه بأنّ المراد من «وليّان» هو الوليّان العرفيان من أُمّ أو أخ أو عمّ وذلك لما في ذيله:«فإن كان أبوها هو الذي زوّجها».

2ـ حكمه فيها بنصف المهر على تقدير موته مع أنّ الموت غير منصّف وإن كان قبل الدخول، ويحمل على ما إذا دفع نصف المهر عند العقد كما هو، المستفاد من تقديم شيء قبل الدخول وأنّ الباقي هو النصف خاصة.

ما ذا يراد من اللزوم؟

قد تعرفت على أنّه لو بلغ أحدهما فرضي لزم العقد من جهته، فما هو المراد من اللزوم؟فهل المراد عدم جواز فسخه له وعليه يحرم المصاهرة عليه فلايجوز ـ لو كان الراضي هو الزوج ـ نكاح الأُخت والخامسة إلاّ إذا فسخت الزوجة وإن كانت


1 . الوسائل: 17، الباب11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1.


(230)

الراضية في الزوجة لم يحلّ لها نكاح غيره مطلقاً إلاّ إذا فسخ.

أو المراد هو الصحّة التأهلية وأنّه لو لحقه الرضا من الطرف الآخر تمّ العقد؟ وأمّا عدم جواز فسخه فضلاً عن ترتّب سائر الأحكام فلا لأنّها مترتّبة على التزويج وهو بعدُ غير متحقّق، لما عرفت من أنّ العقد الفضولي مالم يلحق به الرضا المعتبر في العقد لا يعدّ مصداقاً للعقد فكيف يجب عليه الوفاء ولأجل ذلك لو بيع ماله من غيره بلا إذنه لم يمتنع عليه الانتفاع به ولو بالإتلاف، وعلى ذلك فلو فسخ المدرك المجيز، قبل رضا الآخر بطل العقد وإن رضي الآخر بعد الإدراك، والرضا اللاحق إنّما يكون كاشفاً إذا لم يتوسّط بين العقد والإجازة ما يبطله فإذا توسّط، فيرتفع الموضوع ـ موضوع الإجازة ـ ولاتتصف بالنقل ولا بالكشف وأمّا العزل في خبر الحذّاء، فلأنّ المفروض أنّ الراضي قد مضى، فلا يحتمل تطرّق البطلان من جانبه وإنّما يرجى الرضا من الآخر فيفرز سهمها أخذاً بالاحتياط.

نعم إنّ للمدرك المجيز الفسخ، وأمّا الطلاق قبل إجازة الآخر، فلا لأنّه فرع تحقّق النكاح و«لاطلاق إلاّ بعد نكاح» وتصوّر أنّ الطلاق مبنيّ على فرض صدور الإجازة الكاشفة عن النكاح غير صحيح، لأنّ معنى الكشف هو إنشاء الزوجية من زمان صدورها إلى زمان العقد لا كونها كاشفة عن زوجية محقّقة في الواقع حتّى يصحّ لأجلها الطلاق فلا يصحّ الطلاق حتّى على القول بكونها كاشفة.

فلو بلغ ورضي ومات قبل اليمين لم يرث لأنّ الإرث ترتّب على الرضا الواقعي بالعقد ولا يعلم ذلك شرعاً إلاّ باليمين ولايكفي إظهار الرضا، وكون العقد كاملاً أو ناقصاً لا صلة له بالبحث لأنّه على فرض كماله، لايكفي في التوارث إلاّ كشف الرضا الواقعي وهو غير مكشوف إلاّ باليمين.

3ـ ولو أجاز الزوج ونكل عن اليمين ففي لزوم المهر عليه وجه لأنّ الزوجية قد تمّت بالرضا واليمين شرط للإرث فهو لايرث لعدم اكتشاف الرضا الواقعي


(231)

ولكن يدفع المهر لأنّ إقرار العقلاء نافذ في حقّهم.

14ـ استحباب استئذان البكر أباها أو كراهة استبدادها

اشتهر بين الفقهاء بأنّه يستحب للمرأة أن تستأذن أباها في العقد، بكراً كانت أو ثيّباً فهو في الأُولى مؤكّد، وعلّل ببعض الأُمور من كونه أعرف بمصالح ابنته، وهو كما ترى لايثبت الاستحباب المولوي، والظاهر كراهة استبدادها بالتزويج «على القول بجواز استبدادها» للنهي المحمول على الكراهة أعني: «وليس لها مع أبيها أمر مالم تكبر (تثيب خ ل)» (1)

ومن ذلك يعلم حال الأخ الأكبر، حيث قالوا: يستحبّ لها أن توكل أخاها إذا لم يكن لها أب ولا جدّ لما ورد أنّه من الذي بيده عقدة النكاح.(2)

وما ورد مرسلاً «الأخ الأكبر بمنزلة الأب». (3) إلى غير ذلك ما لايستفاد منه إلاّ كراهة استبدادها بالأمر لااستحباب إيكالها الأمر إليه.

15ـ إذا زوّجها الأخوان برجلين

قد عرفت أنّه لا ولاية للأُم والأخ والعمّ على التزويج ولكن ربّما يصدر التزويج عنهم بالنسبة إلى البنت والأُخت وبنت الأخ، فلأجل تبيين حكمه نذكر صور المسألة باسم الأخ والنتيجة عامة لغيره ممّن ليسوا بأولياء ونقول:زوّجها الأخوان برجلين فله صور:

أـ فإمّا أن يكونا وكيلين.

ب ـ أو يكونا أجنبيين.


1 . الوسائل:14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث3.
2 . الوسائل:14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث4و6.
3 . الوسائل:14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث4و6.


(232)

ج ـ أو يكون أحدهما وكيلاً دون الآخر.

إمّا أن يسبق أحد العقدين على الآخر، أو يتقاربان، وعلى التقادير إمّا أن يتحقّق الدخول من أحد الزوجين أو لا، فتصير الصور إثنتا عشرة، نذكر المهمّ منها وتعلم حال غيره ممّا ذكرناه.

أ : إذا كان الأخوان وكيلين:

إذا كان كلّ من الأخوين وكيلاً فالعقد للسابق منهما، سواء لم يدخلا، أو دخل السابق بها وأمّا لو دخل اللاحق بها، فإن كانا جاهلين، أُلحق الولد بهما، لكون الوطء عن شبهة وردّت إلى الأوّل، بعد خروجها عن العدّة وإن كان أحدهما جاهلاً دون الآخر أُلحق بالجاهل دون العالم وردّت إلى السابق أيضاً بعد خروجها عن العدّة وإن كانا عالمين يكون الوطء عن زنا فعلى القول بلزوم الاستبراء من الزنا، ردّت بعد الاستبراء هذا فيما إذا سبق أحد العقدين على الآخر.

وأمّا إذا كانا متقاربين فمقتضى القاعدة بطلانهما أكان هناك دخول أم لا، وهناك احتمالات أو أقوال أُخرى.

1ـ إذا سبق أحد العقدين على الآخر، فالعقد للأوّل، إلاّ إذا دخل الثاني بها، قال الشيخ في المبسوط بعد الحكم بصحّة المتقدم وبطلان المتأخّر:«وفيه خلاف فقد روي أنّه إن كان دخل بها الثاني كان العقد له...». (1)

روى الكليني عن وليد بيّاع الاسقاط، قال:سئل أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ ـ وأنا عنده ـ عن جارية كان لها أخوان زوّجها الأكبر بالكوفة وزوّجها الأصغر بأرض أُخرى؟ قال: «الأوّل بها أولى إلاّ أن يكون الآخر قد دخل بها فهي امرأته ونكاحه


1 . المبسوط: 4/182.


(233)

جائز». (1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الرواية ضعيفة بوليد لأنّه لم يوثق.

وثانياً: لا قرينة في الرواية على كونهما وكيلين، والظاهر أنّ الأخوين كانا فضوليين وكون الأخ الأكبر أحق، حكم أخلاقي لا شرعي ما دام لم يدخل الثاني بها، فإنّ الدخول كاشف عن الرضا بالعقد الثاني ومعه لا يبقى محلّ للأوّل.

وحمله الشيخ في التهذيب على ما إذا جعلت المرأة أمرها إلى أخويها، واتّفق العقدان في حالة واحدة فيكون عقد الأكبر أولى مالم يدخل الذي عقد عليه الأصغر. (2)

يلاحظ عليه: أنّ كونهما وكيلين لاقرينة عليه، وأبعد منه فرض تقارن العقدين مع كون المفروض أنّ أحدهما عقد عليه بالكوفة والأُخرى في أرض أُخرى.

2ـ إذا سبق أحد العقدين ولكن دخل بها الثاني، تستحق مهر المثل من الثاني والمسمّى من الأوّل وتردّ إليه بعد العدّة.

3ـ ربّما يستظهر من صحيحة محمّد بن قيس، كون المستحق مطلقاً من غير فرق بين الداخل وغيره هو المسمّى،قال: إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قضى في امرأة أنكحها أخوها رجلاً ثمّ أنكحتها أُمّها بعد ذلك رجلاً وخالها أو أخ لها صغير فدخل بها فحبلت فاحتكما فيها فأقام الأوّل الشهود، فألحقها بالأوّل وجعل لها الصداقين جميعاً ومنع زوجها الذي حقّت له أن يدخل بها حتّى تضع حملها ثمّ ألحق الولد بأبيه. (3)

لظهور«الصداقين» في المسمّيين. ويحمل على صورة تطابقه مهر المثل كما هو


1 . الوسائل:14، الباب7 من أبواب عقد النكاح، الحديث4.
2 . الوسائل:14 والباب7، الحديث 4 وعليه عبارة الشيخ في النهاية فلاحظ.
3 . الوسائل:14، الباب7 من أبواب عقد النكاح، الحديث2.


(234)

الغالب واستحقاقها الصداقين دليل على كونهما وكيلين من جانبها وإلاّ فلا معنى للاستحقاق على فرض كون الأوّل فضولياً.

ب ـ إذا لم يكونا وكيلين:

إذا لم يكونا وكيلين أو كانا أجنبيين فتختار ما تشاء منهما سواء كان هناك سبق أو لا، فلا السبق مفيد، ولا التقارن مضرّ، اللّهمّ إلاّ إذا دخل أحدهما بها، فانّ الدخول يكون إجازة فعليّة أو كاشفة عنها.

ج ـ إذا كان أحدهما وكيلاً والآخر فضولياً:

إذا كان أحدهما وكيلاً والآخر فضولياً، فالعقد للوكيل سبق، أو تقارن أو تأخّر، إلاّ إذا سبق الفضولي ودخل بها بعد العقد له، فإنّ الدخول يكون رضاً ولايبقى موضع للوكالة كماإذا وكّل رجلاً لبيع مال ثمّ باعه قبل بيع الوكيل.

16ـ لا ولاية للأُمّ

لا ولاية لغيرالأب والجدّ، فإذا زوّجه كان فضولياً سواء كان المزوَّج صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أُنثى، فلو رضى بعد العقد يلزمه المهر، وإن ردّ، كما إذا كان بالغاً حين العقد أو بلغ وردّ فلا يلزمه شيء. نعم أفتى الشيخ في النهاية بأنّه لو زوّجت الأُمّ ولدها لزمها المهر إن ردّ الولد قال: ومتى عقدت الأُمّ بابن لها على امرأة كان مخيّراً إذا بلغ في قبول العقد والامتناع منه فإن قبله لزمه المهر، فإن أبى لزمها المهر(1) وتبعه ابن البراج. (2)

وقال ابن إدريس: لا يلزمها شيء بحال وقد استند الشيخ في فتواه إلى رواية


1 . النهاية:468.
2 . المهذّب: 2/196.


(235)

محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه سأله عن رجل زوّجته أُمّه وهو غائب؟ قال: «النكاح جائز إن شاء المتزوّج قبل، وإن شاء ترك فإن ترك المتزوّج تزويجه، فالمهر لازم لأُمّه». (1)

إنّ ضمان الأُمّ المهر مع ردّ الولد، مخالف للقواعد وتصوّر أنّ الأُمّ فوّتت البضع على المعقودة غير تام لأنّ الضمان بالاستيفاء لا بالتفويت، وقد نقل صاحب الوسائل: إنّ بعض علمائنا حمل الرواية على مورد دعوى الأُمّ الوكالة فتبيّن كذبها، وعلى كلّ تقدير، الإفتاء بالرواية مشكل خصوصاً ضمان المهر كلّه مع أنّها غير مدخولة، أضف إلى ذلك أنّ صحيحة أبي عبيدة (2) تدلّ على ضمان النصف.

بقي الكلام في أسباب التحريم و هي ستة: 1ـ النسب، 2ـ الرضاع، 3ـالمصاهرة، 4ـ استيفاء العدد، 5 ـ اللعان، 6 ـ الكفر.

و يبحث عن الجميع ضمن فصول:


1 . الوسائل:14، الباب7 من أبواب عقد النكاح، الحديث3.
2 . الوسائل: 17 ، الباب11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1.


(236)


(237)

الفصل السابع:

في السبب الأوّل:

النسب

1 ـ المحرّمات النسبية السبعة:

2 ـ النسب يثبت بأمرين: النكاح الصحيح والوطء بشبهة.

3 ـ تعريف الوطء بشبهة.

4 ـ إذ وطأ ظاناً بالاستحقاق.

5 ـ الوطء بالزنا وتعريفه وعدم ثبوت النسب به.

6 ـ في ترتّب أحكام الأولاد على المولود عن زنا، من حرمة نكاحه وتحريم حليلته....

7 ـ إذا اجتمع الوطء الصحيح مع الوطء بشبهة.

8 ـ فرعان للمسألة .


(238)


(239)

أسباب التحريم

1

النسب

ذكر المحقّقون أنّ للتحريم، واحداً وعشرين سبباً، وقد ذكر المحقّق منها ستة أسباب ونحن نقتفيه ونقول:

الأول: النسب

يحرم بالنسب نساء سبع و إليك البيان:

1ـ المحرّمات النسبية السبعة:

تحرم بالنسب صنوف سبعة، ذكره الذكر الحكيم وقال:«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أخَواتُكُمْ وَ عَمّاتُكُمْ وَ خالاتُكُمْ وَ بَناتُ الأخِ وَ بَناتُ الأُخْت» . (1)

وهؤلاء السبع هنّ المحرّمات بالنسب، وقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال: «حرّم اللّه من النساء سبعاً بالنسب» وإليك توضيح الأصناف:

1ـ الأُمّ: من اتصل إليها نسب الإنسان بالولادة كمن ولدته من غير واسطة أو بواسطة كوالدة الأب أو الأُمّ فصاعداً.

2ـ البنت: من اتصل نسبها بالإنسان بسبب ولادتها منه كالمولودة من صلبه بلا واسطة أو معها كبنت الابن والبنت فنازلاً.


1 . النساء:23.


(240)

3ـ الأُخت: من اتصل نسبها بالإنسان من جهة ولادتهما معاً من الأب أو الأُمّ، أو منهما جميعاً بلا واسطة.

4ـ العمّة: أُخت الأب وكذا أُخت الجدّ من جهة الأب أو الأُمّ.

5ـ الخالة: أُخت الأُمّ وكذا أُخت الجدّة من جهة الأب أو الأُمّ.

6ـ بنات الأخ: سواء كان لأب أو لأُمّ أو لهما وهي كلّ امرأة تنتمي بالولادة إلى أخ الإنسان بلا واسطة أو معها فتحرم عليه بنت أخيه، بنت ابنه، بنت ابن ابنه، وبنت ابنته، وبنت بنت ابنته وبنت ابن ابنته.

7ـ بنات الأُخت: كلّ أُنثى تنتمي إلى أُخته بالولادة على النحو الذي ذكر في بنات الأخ.

والمراد بتحريم الأُمّهات وما يتلوها، حرمة نكاحهنّ على ما تفيده مناسبة الحكم والموضوع كما في قوله تعالى:«حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَ الدَّمُ» ، أي أكلها.

2ـ النسب يثبت بأمرين:

الأوّل: النكاح الصحيح: والمراد من النكاح هنا هو الوطء لا العقد حتى يعمّ الوطء بملك يمين، أو التحليل فانّ الوطء في الجميع صحيح لأجل الأسباب الشرعية، والمراد من الوطء الصحيح هو الصحيح في نفس الأمر ونفس الواقع لا الصحيح ظاهراً وغير الصحيح باطناً، وإن شئت قلت: الوطء عن استحقاق في نفس الأمر بما هو هو سواء حرّم لأجل العناوين العارضة، كالصوم والاعتكاف والحيض والإحرام والحلف والنذر أو لا. وبالجملة الوطء الحلال بما هو هو، سواء حرّم بالعرض أو لا، وسواء علم بالحلّ أو لا، كما إذا وطأ حليلته باعتقاد أنّها أجنبيّة، أو وطأ من زوّجها وكيله ولم يعلم، أو ظنّ العقد فاسداً لكون العاقد فضولياً مع كونه مجيزاً، فالكلّ من أقسام النكاح الصحيح أي الوطء الذي


(241)

يستحقه الواطئ من حيث هو هو.

الثاني: الوطء بشبهة: لاشك أنّ الوطء بالشبهة يثبت بها النسب إنّما الكلام في تعريفه:

3ـ تعريف الوطء بالشبهة

تعريفه إجمالاً هو الوطء الذي ليس يستحق في نفس الأمر، لكن الواطئ:

1ـ إمّا قاطع بالاستحقاق استحقاقاً قطعياً.

2ـ أو ظانّ بالاستحقاق مع كون ظنّه حجّة شرعية.

3ـ أو شاكّ مع كون جهله عذراً شرعياً.

4ـ أو غافل مع كون غفلته عذراً كذلك.

5ـ أو غير مختار كما إذا كان مكرهاً.

والأوّل: أعني ما إذا كان قاطعاً بالحلّية والاستحقاق ولم يكن في الواقع كذلك، مقابل الزنا.

والثاني: كما إذا اعتمد على حجّة شرعية مع عدم علمه بالواقع كما إذا أخبرت المرأة بعدم الزوج، أو بانقضاء العدّة، أو اعتمد على شهادة العدلين على كونها مطلقة، أو على موت زوجها فبانت الأمارة مخالفة للواقع.

والثالث: كما إذا اشتبه المحرّم في عدة غير محصورة من النساء فتزوّجت واحدة منها فبانت محرّمة، ولمّا كان العلم الإجمالي غير منجّز في تلك الصورة، كانت الجهالة عذراً.

الرابع: كما في المجنون والنائم والسكران بشيء حلال، فانّ الغفلة وعدم التوجّه عذر فلا يعدّ العمل زنا.

والحاصل، إذا كان الوطء مقروناً بحجّة عقلية قاطعة للعذر كما في الجهل


(242)

المركّب والنائم والمجنون والسكران بأمر محلّل، أو بحجّة شرعية كذلك، وسوى ذلك إمّا نكاح شرعي أو زنا لا غير.

والخامس: كالتهديد بشيء يصعب تحمّله لا مطلق التهديد، ولتحديد الإكراه وتبيين مورده محلّ آخر.

وأمّا وطء السكران بمحرّم كشرب الخمر، فالظاهر جريان حكم الزنا عليه، لأنّه ارتكب بما ينتهي إليه بالاختيار، والامتناع بالاختيار لاينافي الاختيار كما لا يخفى، وادّعى في الجواهر، أنّه يستفاد من النصوص أنّ السكران في أفعاله بمنزلة الساهي في أفعاله، فيترتّب ما يترتب عليه من قِود، وحدّ، ونفي ولد، وهو معنى قولهم ـ عليهم السّلام ـ :«إنّ الخمر مفتاح كلّ شرّ» (1) ، وعدم توجيه الخطاب إليه باعتبار ارتفاع قابليته لذلك لاينافي ترتّب الأحكام ولو للخطاب السابق على حال السكر.

والفرق بين المعذور وعدمه هو الذي يستفاد من روايات باب الحدود، فقد سأل أبو عبيدة الحذّاء، أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن امرأة تزوّجت رجلاً ولها زوج ـفذكر الإمام حكمه ـ ثمّ قال السائل: فإن كانت جاهلة بما صنعت، قال: فقال: «أليس هي في دار الهجرة؟» قلت: بلى، قال:«فما من امرأة اليوم من نساء المسلمين إلاّ وهي تعلم أنّ المرأة المسلمة لايحلّ لها أن تتزوّج زوجين، قال:ولو أنّ المرأة إذا فجرت قالت: لم أدر أو جهلت أنّ الذي فعلت حرام ولم يقم عليها الحدّ إذاً لتعطّلت الحدود». (2)

وتقرب منه صحيحة الكناسي، حيث سأل أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن امرأة تزوّجت في عدّتها ـ وذكر الإمام حكمه ـ ثمّ سأل وقال: أرأيت إن كان ذلك منها بجهالة قال: فقال: «ما من امرأة اليوم من نساء المسلمين إلاّ وهي تعلم أنّ عليها


1 . مستدرك الوسائل : 17، الباب5 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث9.
2 . الوسائل: 18، الباب27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.


(243)

عدّة في طلاق أو موت ولقد كنّ نساء الجاهلية ليعرفن ذلك». (1)

كلّ ذلك يعرب عن الفرق بين الجاهل القاصر والمقصّر، بين المعذور وعدمه بين من أقدم عن بيّنة وحجّة شرعية ومن أقدم بدونها، ولاشكّ في وجود العذر في الخامسة دون السادسة، أعني: السكران بمحرّم.

4ـ إذا وطأ ظانّاً بالاستحقاق

قد عرفت أنّ الوطء بشبهة لاتصدق إلاّ إذا أقدم عن عذر شرعي معتبر، ولكن ربّمايستظهر ـ كما في الجواهر ـ بأنّه يكفي ظنّ الاستحقاق وإن لم يكن معتبراً، بل عن المسالك تعريفها بالوطء الذي ليس بمستحق مع عدم العلم بالتحريم: وهو يقتضي حصولها بمجرّد الاحتمال، وإن كان مساوياً أو مرجوحاً فكيف بالاحتمال الراجح ـ وقد استشهد في الجواهر ببعض عبارات الفقهاء كعبارة النهاية والخلاف وغيرهما الظاهرة في الاكتفاء بمطلق الظنّ وفي دلالتها على مطلوبه نظر يظهر من الإمعان في المنقولات، وإليك بيان بعضها:

قال الشيخ في نهايته: وإذا نعى الرجل إلى امرأته او أخبرت بطلاق زوجها لها واعتدّت وتزوّجت ورزقت أولاداً، ثمّ جاء زوجها الأوّل وأنكر الطلاق وعلم أنّ شهادة من شهد بالطلاق شهادة زور، فرِّق بينهما وبين الزوج الأخير، ثمّ تعتد منه وترجع إلى الأوّل بالعقد المتقدّم، ويكون الأولاد للزوج الأخير دون الأول (2) .

ويقال: إنّ الموضوع هو مطلق النعي إلى الزوجة سواء كان قول الناعي حجّة أو لا، ولكن العبارة منصرفة إلى حصول الاطمئنان وهو علم عرفي، فلا إطلاق لكلامه، وليس هو بصدد بيان هذه الجهة.


1 . الوسائل: 18، الباب27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
2 . النهاية:506.


(244)

وعلى ذلك يحمل كل ما نقله من غيره واستظهر الإطلاق لأجل عدم تقييدهم الظن بكونه معتبراً أو بما إذا اعتقد جواز العمل شرعاً إذ لا إطلاق لكلماتهم لعدم كونهم في مقام البيان من هذه الجهة.

أضف إليه أنّ من المحتمل أن يكون الظن بمعنى الاطمئنان الذي هو علم عرفي. والحقّ أن يقال: إنّ الفروج لاتستباح إلاّ بإذن شرعي، ففي موارد الظن بالاستحقاق إن كان الظنّ حجّة، أو اعتقد كونه حجّة وإن لم يكن كذلك في الدوافع، فهو ملحق بالوطء بالشبهة، وإلاّ فبما أنّه ليس مسوّغاً شرعيّا للوطء، لايكون وطأً بشبهة، والمفروض أنّه ليس بنكاح صحيح.

وأمّا الروايات التي رواها صاحب الجواهر فلايستفاد منها ما يمكن دعم مقالته وإليك بيانها:

1ـ عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ :سئل عن رجل أصاب جارية من الفيء فوطأها قبل أن يقسّم؟ قال: «تقوّم الجارية وتدفع إليه بالقيمة، ويحطّ له منها ما يصيبه من الفيء، ويجلد الحدّ، ويدرأ عنه من الحدّ بقدر ما كان له فيها». (1)

أمّا الحدّ، فلأجل أنّه أقدم على الوطء قبل أن يقسّم ،وأمّا درء الحدّ عنه بقدر ما كان له فيها، فلاستحقاقه بهذا القدر من الفيء المتمثّل في المرأة، فلا دلالة له بما يدّعيه من كفاية مطلق الظن، وإن لم يكن حجّة.

2ـ روى زرارة: إذا نعى الرجل إلى أهله أو أخبروها أنّه طلّقها فاعتدّت ثمّ تزوّجت فجاء زوجها الأوّل، فإنّ الأوّل أحقّ بها من هذا الأخير دخل بها الأوّل أو لم يدخل بها وليس للآخر أن يتزوّجها أبداً ولها المهر بما استحلّ من فرجها. (2)


1 . الوسائل: 18، الباب22 من أبواب حدّ الزنا، الحديث6.
2 . الوسائل: 14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث6.


(245)

3ـ روى محمّد بن قيس، قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن رجل حسب أهله أنّه قد مات أو قتل فنكحت امرأته وتزوّجت سريّته، فولدت كلّ واحد منهما من زوجها فجاء زوجها الأوّل ومولى السرية؟ قال: فقال: «يأخذ امرأته فهو أحقّ بها ويأخذ سريّته وولدها ويأخذ عوضاً عن ثمنه». (1)

ولايخفى، أنّه إذا نعي الرجل إلى أهله أو أخبر بالطلاق تطمئنّ المرأة به ولاتقدم بالعدّة إلاّ بعد الطمأنينة وحصول السكينة، ولو أخبرت للخاطب بأنّها غير مزوّجة جاز للآخر تزويجها، فعدم إجراء الحدّ لأجل حصول الاطمئنان للمرأة والرجل معاً أو اعتماد الرجل على قول المرأة في هذا المورد. إلى غير ذلك من الروايات التي لم يقيد الظن والحسبان فيها بما يعول عليه، لأنّها لم تكن في مقام البيان، وقد درأ الحدّ عن الواطئ بشهادة الحال باعتقاد الرجل بأنّها غير ممنوعة، أو لأنّ القاضي لم يحرز كون اقتحامه بلاعذر شرعي، فما في خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ أنّ عليّاً قضى في الرجل الذي تزوّج امرأة لها زوج، فرجم المرأة وضرب الرجل الحدّ قال:«لو علمت أنّك علمت لفضخت رأسك بالحجارة». (2) لايدلّ على أنّ الرجم مخصوص بصورة العلم بعدم الاستحقاق حتّى يعذر عند احتمال الاستحقاق أو الظنّ به وإن لم يكونا حجّتين وذلك لأنّ القيد (علمت) وارد مورد الغالب وهو العلم بعدم الاستحقاق.

تحليل كلام لصاحب الجواهر

قال صاحب الجواهرـ قدس سرّه ـ ـ بأنّ الوطء مع عدم العلم بالحلّ وانتفاء


1 . الوسائل: 15، الباب37 من أبواب العدد، الحديث3، هكذا في الكافي وغيره وفي الوسائل «رضا» مكان «عوضاً».
2 . الوسائل: 18، الباب 27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث7.


(246)

الظنّ المعتبر وإن كان محرّماً لما ذكر أنّ الفروج لاتستباح بالاحتمال ـ لكن لم لا يجوز أن يثبت به النسب مع ظنّ الاستحقاق، نظراً إلى إطلاق النصّ والفتوى، وأيّ مانع من القول بتحريم الوطء وثبوت النسب معه إذا اقتضته الأدلّة الشرعية، ولعلّ المناط في الزنا وانتفاء الشبهة ، العلم بعدم الاستحقاق مع انتفائه. (1)

يلاحظ عليه : أنّ التفكيك بين حرمة الوطء حرمة ذاتية وبين نفي النسب بعيد جدّاً، وما ذكره من إطلاق الفتوى والنص قد عرفت حاله وأنّ الروايات لم تكن في مقام البيان. نعم يجب على القاضي في نفي النسب إحراز الموضوع وأنّه اعتمد على ما لايعتمد مع علمه بكونه كذلك وإلاّ فلو شكّ في أنّه هل كان عالماً بأنّه لايعتمد عليه أو لا، يدرأ عنه الحدّ، وأمّا سائر الأحكام من ثبوت النسب والمهر والميراث فيرجع فيه إلى القواعد.

وعلى ذلك فيعرّف الوطء الصحيح بأنّه الوطء المستحق شرعاً بعقد صحيح، أو تحليل، أو ملك، والوطء بشبهة بأنّه الوطء غير المستحق شرعاً مع كونه معذوراً عقلاً وشرعاً في فعله. وأمّا على مختار الجواهر فهو الوطء الذي ليس بمستحق شرعاً مع ظنّه أو احتماله أنّه مستحق.

5ـ الوطء بالزنا و عدم ثبوت النسب

وأمّا الوطء بالزنا فهو وطء المكلّف من يحرم عليه بالأصالة مع علمه بالتحريم فلا يثبت به النسب، فلا يكون أولاد الزاني إخوة ولاأخوات للمتولّد من الزنا ولا إخوته وأخواته أعماماً وعمّات له، ومثله أولاد الزانية وإخوتها وأخواتها ولعلّ خصوص ذلك الحكم مورد للاتفاق إنّما الإشكال في ترتب سائر أحكام الأولاد مثل:


1 . الجواهر: 29/252.


(247)

1ـ تحريم نكاحه فيحرم على الزاني نكاح المخلوقة من مائه وعلى الزانية نكاح المتولّد منها بالزنا.

2ـ تحريم حليلته على الزاني.

3ـ عدم جواز القود بقتله.

4ـ الانعتاق القهري فيما إذا ملك المولود عن زنا أحد أبويه الزانيين بحجّة أنّ الإنسان لايملك العمودين.

5ـ عدم جواز شهادته على الأب.

6ـ تحرم زوج البنت المولودة عن زنا على أُمّها.

7ـ الجمع بين الأُختين من الزنا أو إحداهما منه.

8ـ حبس الأب من دين ابنه إن منع منه.

9ـ الإرث.

10ـ قطع يده إذا سرق من ماله.

إلى غير ذلك من أحكام الأجانب المنتفية في مجال الآباء والأمّهات والأولاد.

6ـ في ترتب أحكام الأولاد و عدمه

المنقول عن المشهور هو التفصيل بين حرمة النكاح وغيره فيثبت الأوّل دون غيره.

أمّا الأوّل فلم ينقل الخلاف إلاّ عن الشافعي ولذلك أنكر الزمخشري على الشافعي، تجويز نكاح البنت المتولّدة من الزنا، بقوله:

وإن شافعياً قلت، قالوا بأنّني * أُبيح نكاح البنت والبنت محرّم

مضافاً إلى صدق البنت لأنّ الولد لغة حيوان يتولد من نطفة ذكر من نوعه والأصل عدم النقل وعدم ثبوت الحقيقة الشرعية.


(248)

وأورد عليه الشهيد الثاني، بأنّ المعتبر إن كان لحوق الولد لزم ثبوت باقي الأحكام الشرعية على الولد كإباحة النظر وعتقه على القريب وتحريم حليلته وعدم القود من الوالد بقتله ونحو ذلك وإن كان الميزان لحوقه شرعاً فاللازم انتفاء الجميع فالتفصيل غير واضح. (1)

والعجب من صاحب الحدائق، أنّه وجّه فتوى المشهور بأنّ المعتمد في تخصيص التحريم« تحريم نكاحه» دون غيره من متفرعات البنت، إنّما هو الإجماع أوّلاً والاحتياط ثانياً. (2)

يلاحظ عليه: أنّ ادّعاء الإجماع في هذه الأحكام التي اختلفت فيها الآراء بعيد جدّاً، وأمّا الاحتياط فهو يختلف حسب الموارد، فليس سلب الأحكام مطابقاً للاحتياط فسلب جواز النظر وإن كان يوافق الاحتياط لكن سلب حرمة تزويج حليلته ليس كذلك وقس عليه غيرها.

أضف إليه أنّه إذا دخلت البنت المتولدة من زنا في قوله:«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ» (النساء/23) حرمت نكاحها أو في قوله تعالى: «وَ لايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ» (النور/31)، حرمت نكاحها للأب ويجوز إبداء الزينة له .

وأمّا الاستدلال على سلب جميع الأحكام بقوله:«وللعاهر الحجر» أي لايكون نصيبها إلاّ الحجر، فالظاهر أنّه مخصوص بمن تولّد من الزنا في فراش غيره ولم يعلم تولّده من الزاني أو من صاحب الفراش فالولد يلحق بصاحب الفراش لابالزاني، وهو خارج عن البحث.

ولايبعد الفرق بين الأحكام المتعلّقة بالولد بما هو ولد من غير فرق بين


1 . الحدائق: 23/312.
2 . الحدائق: 23/312.


(249)

شريعة وأُخرى وقوم دون آخر وما يترتّب عليه في خصوص الشريعة الإسلامية، فتحريم النكاح وجواز النظر ووجوب النفقة من القسم الأوّل، وأمّا تحريم الاقتصاص وعدم جواز تملّك العمودين إلى غير ذلك من الأحكام فهي من خصائص الشريعة الإسلامية، وذلك لأنّ المنساق من أدلّة القسم الأوّل هو ترتّب الأحكام على ما هو المرتكز عند العرف من الولد أعني المخلّق من ماء الإنسان ، بخلاف المنساق من القسم الثاني، فالظاهر أنّ الموضوع هو المحكوم شرعاً بكونه ولداً والمولود عن زنا ليس ولداً شرعياً،وهذه الضابطة حاكمة إلاّ ما خرج بالدليل كالإرث فانّه عرفاً يتبع الولد العرفي وقيّده الإسلام بالولد الشرعي كما لايخفى، واللّه العالم.

7ـ إذا اجتمع الوطء الصحيح مع الوطء عن شبهة

قد مرّ أنّ النسب كما يثبت بالنكاح الصحيح يثبت بالوطء بشبهة، هذا إذا تفردا، وأمّا إذا اجتمعا كما إذا وطأ زوجته ثمّ وطأها آخر بشبهة فأتت بولد أو إذا طلّق زوجته فوطئت شبهة فهنا صور:

1ـ أن لا يمكن إلحاقه بالثاني وأمكن بالأوّل كما إذا وضعت لأقلّ من ستة أشهر من


(250)

وطء الثاني، ومن تسعة أشهر فما دون إلى ستة أشهر عن وطء الأوّل فيلحق بالأوّل لعدم إمكان الحاقه بالثاني لعدم مضيّ مدة يمكن ولادته منه مع إمكان ولادته من الأوّل وهو زوجها في هذه المدّة.

2ـ أن لا يمكن إلحاقه بالأوّل وأمكن بالثاني كما إذا وضعت لستة أشهر فصاعداً إلى أقصى الحمل من وطء الثاني وللزائد عن أقصى الحمل من وطء الأوّل فيلحق بالثاني لعدم إمكان إلحاقه بالأوّل.

3ـ أن لايمكن إلحاقه بواحد منهما كماإذا وضعت لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني ولأكثر من أقصى الحمل من الأوّل فينتفي عنهما لفقد شرط اللحوق بواحد منهما.

4ـ إذا أمكن اللحوق بكليهما كما إذا وضعت ستة أشهر فصاعداً إلى ما دون اقصى الحمل من وطء الثاني ولأقصى مدّة الحمل فما دون من وطء الأوّل حيث يمكن تولّده منهما.

ذهب الشيخ إلى أنّه يخرج بالقرعة لأنّها مخصوصة لكلّ أمر مشكل حيث إنّ لكلّ واحد منهما فراشاً، وذهب المشهور إلى أنّه يلحق بالثاني قائلاً بأنّ فراش الأوّل قد زال بالطلاق وفراش الثاني ثابت.

يلاحظ عليه بأمرين:

1ـ أنّه يصحّ في المورد الثاني أعني: ما إذا طلقت زوجته فوطئت بالشبهة حيث يزول فراش الأوّل بالطلاق، لا في المورد الأوّل كما إذا وطأ زوجته ثمّ وطأها آخر بالشبهة فأتت بولد.

2ـ أنّ كلاً منهما ذو فراش بالنظر إلى حال الاجتماع، والمراد منه من كان وطؤه صحيحاً إمّا بالزوجية أو بالشبهة وإن كان بالنظر إلى الزمان الفعلي يختلف ففيما إذا وطأت زوجته ثمّ وطئت بالشبهة، فالفراش الفعلي للزوج لا للواطئ شبهة، وأمّا إذا طلقت ووطئت شبهة فلا فراش أصلاً،أمّا الزوج فلزوال زوجيته، وأمّا الثاني فلزوال الشبهة على أنّ المتبادر من الفراش هو الزوجة أو النازل منزلتها كالأمة.

نعم يمكن الاستدلال على هذا القول، ببعض الروايات الواردة فيما إذا كان العقد الثاني فاسداً فولدت على وجه يمكن لحوقها بهما، روى الحلبي عن أبي: عبداللّه ـ عليه السّلام ـ : «إذا كان للرجل منكم الجارية يطأها فيعتقها فاعتدّت ونكحت، فإن وضعت لخمسة أشهر فإنّه من مولاها الذي أعتقها وإن وضعت


(251)

بعد ما تزوّجت لستة أشهر فانّه لزوجها الأخير».(1)

فإنّ الظاهر من قوله:«فإن وضعت بعد ما تزوّجت لستة أشهر» أنّه يلحق بالثاني وإن أمكن اللحوق بالأوّل أيضاً، لأنّ الخروج عن العدّة ربّما يتحقق بشهر أو شهرين ونظيره مرسل زرارة، (2) وغيره. نعم وهذه الروايات واردة فيما إذا كان الواطء الثاني عاقداً، وإلحاق غيره به يحتاج إلى تنقيح المناط، وعلى كلّ تقدير فالعمل بقول المشهور أوفق.

8 ـ بقيت هنا صورتان

1ـ صورة الجهل بتاريخ الوطء بحيث احتمل أن يكون المورد من ممكن اللحوق بهما أو بواحد منهما أو عدم إمكان اللحوق أصلاً فيلحق بالثاني أيضاً.

ويدلّ عليه خبر الصيقل، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: وسئل عن رجل اشترى، جارية ثمّ وقع عليها قبل أن يستبرئ رحمها قال: «بئس ما صنع يستغفر اللّه ولايعود»، قلت: فإنّه باعها من آخر ولم يستبرئ رحمها ثمّ باعها الثاني من رجل آخر ولم يستبرئ رحمها فاستبان حملها عند الثالث؟ فقال أبو عبداللّه ـ عليه السّلام ـ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر».(3) والمراد الأخير الذي عنده الجارية.

2ـ أن لايكون هناك فراش فعلي كما إذا وطأ الجميع عن شبهة ، فلا مورد لقاعدة «الولد للفراش» فالمرجع عند المخاصمة هو القرعة، ويؤيّده ما رواه معاوية


1 . الوسائل:14، الباب58 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.
2 . الوسائل: 15، الباب17 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث11 ولاحظ 12، والباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث14.
3 . الوسائل:14، الباب58 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 3 ولاحظ الحديث4.


(252)

بن عمّار عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ :«إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر فولدت فادّعوه جميعاً أقرع الوالي بينهم فمن قرع كان الولد ولده».(1)

تمّ الكلام في السبب الأوّل، وحان حين البحث عن السبب الثاني وهو الرضاع.


1 . الوسائل:14، الباب 57 من أبواب نكاح العبيد والإماء ، الحديث 1 ولاحظ الحديث 2ـ4.


(253)

الفصل الثامن:

في السبب الثاني:

الرضاع

1 ـ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

2 ـ القاعدة لا تشمل المصاهرة

3 ـ ليس للرضاع حقيقة شرعية ولا متشرّعية

4 ـ شرائط الرضاع.

5 ـ الشرط الأوّل: كون اللبن عن نكاح صحيح.

6 ـ حكم اللبن عن الوطء بالشبهة.

7 ـ الشرط الثاني: حصول أحد التحديدات الثلاثة.

8 ـ التحديد بالعدد

9 ـ أدلّة القول باشتراط خمس عشرة رضعة

10 ـ أدلّة القول بكفاية عشر رضعات

11 ـ القضاء بين القولين.

12 ـ التحديد بالأثر: نبت اللحم وشدّ العظم.

13 ـ التحديد بالمدة

14 ـ مشكلة عدم الانعكاس بين المدّة وكل من العدد والأثر.

15 ـ الشرط الثالث: كيفية الرضاع

16 ـ أن تكون الرضعة كاملة

17 ـ أن تكون الرضعات متوالية وتكون أيضاً بالرضاع لا بالإيجار

18 ـ الشرط الرابع: كون الرضاع فيما دون الحولين

19 ـ هل يشترط دون الحولين أيضاً في ولد المرضعة

20 ـ الشرط الخامس: اتّحاد الفحل


(254)


(255)

أسباب التحريم

2

الرضاع

الثاني من أسباب التحريم ـ بعد النسب ـ هو الرضاع، وقد ورد به النصّ في الذكر الحكيم والسنّة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة، ولا خلاف بين الأُمّة في أنّه من أسباب التحريم، وإنّما الخلاف في شروطه وفروعه.

وقد فصّلنا الكلام في هذا المجال في محاضراتنا التي ألقيناها، ولمّا قام قرّة عيني الفاضل المحقّق الشيخ حسن مكي ـ دامت إفاضاته ـ بنشر ما ألقيناه في خصوص باب الرضاع مشفوعاً برسالة «لاضرر ولاضرار» بدا لنا أن نجمل الكلام في المقام ونحيل التفصيل إلى تأليفه ورسالته، ولأجل ذلك نقتبس ممّا كتبه من أبحاثنا في الرضاع، ما يرجع إلى دليل التحريم وشروطه ونترك الباقي إلى كتابه.

وهناك سبب آخر للإيجاز في المقام وهو قلّة الابتلاء بمسائل الرضاع بعد ظهور الحليب المجفّف في العصور المتأخّرة حيث استغنت النساء عن إرضاع أولادهنّ، ولعلّ هذه الحادثة الطارئة لاتطول وسوف يرجع الإنسان إلى التغذية بلبن الأُم الذي خلقه اللّه سبحانه في ثديها قبل أن يخرج الطفل إلى عالم الوجود، وربّما نسمع من بعض الأطبّاء أنّ الغذاء الكامل للطفل هو لبن الأُمّ فقط ولاينوبه شيء ولكن أين الأُذن الواعية؟!

يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

قد نصّ الكتاب على أنّ الرضاع سبب لحرمة النكاح قال سبحانه:


(256)

«وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرضاعةِ» .(النساء/23) وتضافر عن الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» رواه المشايخ الثلاثة.(1)

وأمّا أهل السنّة فروى البخاري ومسلم أنّ رسول اللّه قال: «إنّ الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة». وروى مسلم: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، إلى غير ذلك من الألفاظ المتقاربة، قال البيهقي بعد نقلها: وروينا هذا المذهب من التابعين عن القاسم بن محمّد وجابر بن زيد أبي الشعثاء، وعطاء وطاووس، ومجاهد والزهري(2) وتحقيق المقام يستدعي البحث عن أُمور:

1ـ توضيح مفاد القاعدة

المتبادر من الرواية ـ بعد ملاحظة ورود قوله: «وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ... » في ثنايا المحرّمات النسبية السبعة، هو أنّ المحرّم بالرضاع هو نفس المحرّم بالنسب، والرضاع يقوم مقام النسب.

وبعبارة أُخرى: المراد من الموصول العناوين النسبية السبعة المحرّمة الواردة في الذكر الحكيم في قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَ خالاتُكُمْ وَ بَناتُ الأَخِ وَ بَناتُ الأُخْتِ وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَةِ وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» (النساء/23) و المعنى أنّ كلّ عنوان محرّم من جهة


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1، 3، 4، 5و8 والباب8 ، الحديث 7، الباب 17، الحديث 1، إلى غير ذلك ممّا يدلّ على كونه حديثاً مستفيضاً، وهو مروي في كتبنا عن 26 طريقاً.
2 . السنن الكبرى للبيهقي:7/451.


(257)

النسب، هو بنفسه محرّم من جهة الرضاع فالأُمومة ـ مثلاً ـ المتحققة بالنسب والمتحقّقة بالرضاع، سواء في الحكم. وعندئذ لاحاجة إلى تقدير لفظة «نظير» مع ما فيه من سقوط العبارة عن البلاغة الخاصة لكلام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

قال الشيخ الأنصاري: «وإنّما عبّر بهذا للتنبيه على اعتبار اتّحاد العنوان الحاصل بالرضاع والحاصل بالنسب في التحريم، صنفاً. مثلاً الأُمّ محرّمة من جهة النسب، فإذا حصل بالرضاع نفس هذا العنوان، حصل التحريم من جهة الرضاع. ولو حصل بالرضاع ما يلازمه (العنوان) مثل أُمومة أخيه لأبويه، لم يحرم... إلى أن قال: فحاصل معنى هذا الحديث: التسوية بين النسب والرضاع في إيجاد التحريم، وأنّ العلاقة الرضاعية تقوم مقام العلاقة النسبية وتنزل مكانها.(1)

فلو رضع صبيّ من امرأة حرمت عليه لا على أخيه لأبويه، لأنّها أُم أخيه لأبويه بالرضاع، لا أُمّه والعنوان المحرّم في النسب هو أُمّ نفس الانسان لا «أُمّ الأخ» ولو حرمّت أُمّ الأخ في النسب، فلكونها أُمّ المحرّم عليه لا لكونها أُمّ أخيه. ولأجل ذلك لاتكون العناوين الملازمة في النسب، محرّمة في الرضاع . فأُمّ الأخ للأبوين محرّمة في النسب دون الرضاع لأنّها في الأوّل ملازمة لأُمومة نفس الإنسان المحرّم عليه، بخلاف باب الرضاع فليست ملازمة للأُمومة فيه. والأولى أن يبحث في ذلك عند البحث عن عموم المنزلة.

2ـ في عدم شمول القاعدة للمصاهرة

لاشكّ أنّ القاعدة نصّ في قيام العلاقة الرضاعية مقام العلاقة النسبية ولكن هل يمكن أن يستفاد منها أيضاً قيام العلاقة الرضاعية مقام العلاقة المصاهرية أو لا؟


1 . رسالة الشيخ الأعظم في الرضاع:1.


(258)

الظاهر هو العدم، لأنّ المتبادر من الحديث قيام الرضاع مقام النسب. والنسب غير المصاهرة. قال سبحانه:«وَ هُوَ الّذي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً» (الفرقان/54)

وعلى هذا فلو أرضعت امرأة ولدك فلاتحرم عليك أُمّها من حيث إنّها الجدّة الرضاعية لولدك، لأنّ جدّة الولد النسبي إنّما تحرم على الرجل لكونها أُمّ زوجته والزوجية هنا منتفية، ومجرّد إرضاع ولد الرجل لايصيّر المرضعة في حكم الزوجة لأنّه لايصحح مصاهرة بلا ريب.

بخلاف ما لو ارضعت امرأة زوجتك الحقيقية محرّمة على الزوج، لالقيام الرضاع مقام المصاهرة، بل لقيامه مقام النسب. وذلك لأنّ المحرّم حسب قوله سبحانه: «وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ» هو أُمّ الزوجة والزوجية ثابتة هنا بلا ريب. وإنّما الكلام في ثبوت الجزء الثاني أعني: كون المرضعة للزوجة أُمّاً لها حكماً، وهو ما يثبته الحديث بنصّ دلالته ، حيث نزّل الأُمّ الرضاعية منزلة الأُمّ الحقيقية. فقام الرضاع مقام النسب لامقام المصاهرة.

والحاصل أنّه إذا كانت المصاهرة منتفية، ـ كما إذا ارضعت ولدك ـ فلايمكن إثبات الحرمة بالرضاع لأنّ مفاد أدلّة نشر الحرمة به، وإلحاقه بالنسب جعل كلّ عنوان حاصل به في حكم العنوان الحاصل بالنسب لا غير. ففي المثال الأوّل الذي ذكرناه، لادليل على تنزيل مرضعة الولد مقام الزوجة حتى تحرم أُمّها على الزوج ـ باعتبار أنّها أُمّ زوجته ـ لأنّ الأُمومة محقّقة بالنسب (أُم المرضعة) والزوجية منتفية، والرضاع لايصحح مصاهرة.(1)

وهذا بخلاف ما إذا كان النسب منتفياً والمصاهرة متحقّقة، كالأُمّ الرضاعية


1 . أي أنّ إرضاع امرأة ولد رجل لايجعلها زوجة له، ولو حكما حتّى تتحقّق بذلك علاقات مصاهرية فيما بين الرجل وأنساب المرأة ولم يدع ذلك أحد.


(259)

للزوجة الحقيقية، فالزوجية حاصلة لاتحتاج إلى التنزيل، وإنّما المحتاج إليه هو الأُمومة، فتنزل الأُمّ الرضاعية منزلة الأُمّ النسبية بمقتضى الحديث. فتكون المسألة من قبيل ما إذا كان الموضوع مركّباً من جزئين، أُحرز أحدهما بالوجدان ، والآخر بالتنزيل. وتكون النتيجة حرمة الأُمّ الرضاعية للزوجة على الزوج كما لا يخفى.

نعم ربما يستظهر(1) من الحديث معنى أضيق ممّا ذكرناه وهو أنّ المراد بلفظ النسب، النسب الحاصل بين المحرّم والمحرّم عليه، فالرضاع حينئذ إنّما ينزّل منزلة النسب، إذا كان التنزيل بين المحرّم والمحرّم عليه، كتنزيل الأُم الرضاعية للرجل منزلة الأُم الحقيقية. لا ما إذا كان التنزيل بين غيرهما كتنزيل الأُمّ الرضاعية للزوجة، منزلة الأُمّ الحقيقية لها، فانّ طرفي التنزيل فيه هما: الأُمّ الرضاعية للزوجة والأُمّ الحقيقية لها، وأمّا الزوج فهو خارج عن حدود التنزيل، كما هو واضح.

ولكن هذا تقييد من غير دليل، بل المراد من النسب في الحديث مطلق النسب الموجب للتحريم سواء أكان حاصلاً بين نفس المحرّم والمحرّم عليه كما مثّلناه، أم كان بين أحدهما ـ وهو الأُمّ الرضاعية للزوجة هنا ـ وطرف ثالث، وهو الزوج هنا. ولايكون التنزيل لغواً، بل تؤثر حرمة الأُمّ الرضاعية للزوجة ـ المنزّلة منزلة الاُّمّ الحقيقة لها ـ على الزوج.

وبهذا يظهر إمكان استفادة حرمة الأُمّ الرضاعية للمزني بها، على الزاني. وحرمة أُمّ الغلام الموقب فيه وابنته وأُخته من الرضاعة ، على الموقب. لأنّ الموضوع الحرمة مركّب من أمرين: الأوّل : الزنا أو الإيقاب، وهو حاصل بالوجدان. والثاني: كون المرأة أُمّاً للمزني بها أو الغلام الموقب فيه، أو بنتاً أو أُختاً له، وهذا ثابت بتنزيل الحديث الرضاعيات من الأُمّ والبنت والأُخت مكان النسبيات منهنّ فتحرمن جميعهنّ على الزاني والموقِب كحرمة النسبيات.


1 . نقله الشيخ الأعظم في أول رسالة الرضاع المطبوعة في ملحقة بالمكاسب.


(260)

3ـ ليس للرضاع حقيقة شرعية ولا متشرعية

الظاهر أنّه ليس للرضاع إلاّ معنى واحد متبادر عند الجميع(1) وعلى ذلك، فلو شكّ في كون شيء شرطاً لنشر الحرمة أو مانعاً منه، فالإطلاق هو المحكّم حتّى يثبت خلافه، كما هو الحال في سائر المفاهيم العرفية. وهذا بخلاف ما إذا قلنا إنّ له حقيقة شرعية ومصطلحاً خاصّاً، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في الشرطية أو المانعية ، لعدم العلم بالموضوع له، ويعود الشكّ إلى كون المورد مصداقاً له أو لا وهذا واضح.

وبما أنّ المختار أنّ اللفظ باق على معناه العرفي، فكلّما شكّ في كون شيء شرطاً أو مانعاً يحكم بعدمه بمقتضى الإطلاق الموجود في الأدلّة نحو قوله تعالى: «وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَةِ» (النساء/23) نعم إذا كان المقيد دائراً بين الأقل والأكثر كتردّد كون المحرم هو عشر رضعات أو الخمسة عشر، فالمرجع هو اطلاق الحلّ كما سيوافيك. هذا كلّه إذا كانت الشبهة حكمية.

وأمّا إذا كانت الشبهة موضوعية، مع كون مفهوم الرضاع أمراً واضحاً مبيّناً فالمرجع هو الأُصول العملية الموضوعية، أو الحكمية عند عدم الأولى. فإذا شكّ في كون الرضاع متحققاً بشروطه الشرعية كيفاً وكمّاً، جرت أصالة عدم تحقّق العناوين السبعة المحرّمة، على وجه لايكون مثبتاً. كما أنّه يجوز التمسّك ـ عند عدم الأصل الموضوعي ـ بالأصل الحكمي، أعني: بقاء الحلّية وجواز التزويج، كما لايخفى. وبهذا تبيّن أنّ المرجع في الشبهات الحكمية هو الإطلاقات، وفي الشبهات الموضوعية هو الأُصول العملية. إلى هنا تمّ مايرجع إلى أصل القاعدة وإليك الكلام في شرائطها.


1 . الحاصل من كلمات أهل اللغة أنّ الرضاع مطلق مصّ اللبن من الثدي بالفم فليس له معنى سوى المعنى اللغويّ.


(261)

شرائط الرضاع

إذا عرفت ما قدّمناه، فاعلم أنّه يشترط في تحقّق الرضاع عرفاً أو شرعاً أُمور إليك بيانها:

الشرط الأوّل:

أن يكون اللبن عن نكاح صحيح

أقول: هكذا عنونه المحقّق ـ رحمه اللّه ـ في الشرائع . والمراد من النكاح هو الوطء لا العقد. وما عبّر به هو ما استحصله من الروايات ، والوارد فيها إنّما هو اشتراط كون اللبن « لبن الولادة» أو ما يقاربه.

قال الشيخ ـ رحمه اللّه ـ في الخلاف: «إذا درّ لبن امرأة من غير ولادة، فأرضعت صبيّاً صغيراً، لم ينشر الحرمة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم».(1) وأشار بقوله: «أخبارهم» إلى الروايات التالية:

1ـ ما رواه يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن امرأة درّ لبنها من غير ولادة فأرضعت جارية وغلاماً من ذلك اللّبن، هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرّضاع؟ قال: «لا».(2)

2ـ ما رواه يعقوب بن شعيب، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : امرأة درّ لبنها من غير ولادة فأرضعت ذكراناً وإناثاً، أيحرم من ذلك ما يحرم من الرضاع؟ فقال لي: «لا».(3)


1 . الخلاف:3/73، المسألة 22.
2 . الوسائل:14، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 9 ، الحديث 1.
3 . المصدر نفسه، الباب 9، الحديث 2.


(262)

أضف إلى ذلك انصراف أدلّة الرضاع عمّا درّ من دون ولادة، لندرة وجوده، إذا قلنا إنّ ندرة الوجود كندرة الاستعمال من أسباب الانصراف. فإذا ثبت الانصراف صار المقام مجرىً للأُصول الموضوعية أو الحكمية القاضية بالحلّية.

اللبن عن الوطء بالشبهة

إذا حملت المرأة عن وطء بالشبهة ، فأرضعت حال الحمل أو بعد الولادة، على الخلاف، فهل هو ناشر للحرمة أو لا؟ الظاهر هو الأوّل لأنّه ملحق بالوطء الصحيح فتشمله الإطلاقات. وقد دلّ الاستقراء على مشاركة ولد الشبهة ، غيره في كثير من الأحكام من الإرث، ولزوم النفقة، ولزوم المهر على الموطوءة، والاعتداد.

ويمكن الاستدلال بما ورد عنهم ـ عليهم السّلام ـ من أنّ «لكلّ قوم نكاحاً» (1) في الأنكحة الرائجة بين المجوس وغيرهم. فإذا تلقّى الشارع هذه الأنكحة الفاسدة في شرعنا، بالقبول في الظاهر، ورتّب عليها أثر النكاح الصحيح واقعاً، فيلزم تلقّي الوطء عن شبهة كالوطء عن النكاح الصحيح. والجامع بينهما هو الشبهة، غاية الأمر أنّ الشبهة في القسم الأوّل حكمية وفي الثاني موضوعية، وهو بمجرّده لايكون فارقاً بين الأمرين. فإذا كان إقدام الإنسان على عمل باعتقاد كونه عملاً صحيحاً، مرضياً عند اللّه، فلاريب أنّ الشارع يتلقّاه صحيحاً ويرتّب عليه الأثر.

وبذلك يظهر ضعف ما نقل عن الحلّي من التردّد، فتمسك بأصالة الحلّية تارة، وبمنع وجود العموم في الأدلّة أُخرى، وعدم الدليل على عموم المنزلة ـ أي تنزيل المتولّد عن شبهة منزلة الولد الصحيح ـ ثالثة. و الكلّ ضعيف، لبطلان الأصل بعد وجود الدليل ، كما تقدّم. وشمول إطلاق قوله تعالى: «وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ » للموطوءة عن شبهة لكونها أُمّاً رضاعية قطعاً. وثبوت التنزيل


1 . الوسائل:14، الباب83، أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.


(263)

كما قدّمنا في قوله:«فإنّ لكلّ قوم نكاحاً» وغيره من غير فرق بين كون الشبهة من الطرفين أو من طرف واحد. كالأمّ في المقام.

الشرط الثاني:

لزوم تحقّق أحد التحديدات الثلاثة

يجب أن يكون الرضاع محدداً بأحد التحديدات الثلاثة: العدد، الأثر، والزمان وإليك التفصيل في كلّ واحد.

الأول: التحديد بالعدد (1)

اختلفت المذاهب الإسلامية في كمّية اللبن الناشر للحرمة على أقوال، وهي بين الجمهور لاتتجاوز الثلاثة(2):

1ـ خمس رضعات متفرّقات.

2ـ ثلاث رضعات.

3ـ الرضعة بل المصّة الواحدة ولو كانت قطرة.

قال الشيخ ـ قدّس سرّه ـ في الخلاف : «وقال الشافعي: لا يحرم إلاّ في خمس رضعات متفرّقات، فإن كان دونها لم يحرم. وبه قال ابن الزبير وعائشة وفي التابعين سعيد بن جبير، وطاووس. وفي الفقهاء أحمد، وإسحاق.

وقال قوم: قدرها ثلاث رضعات فما فوقها ، فأمّا أقلّ منها فلا ينشر الحرمة. وذهب إليه زيد بن ثابت في الصحابة. وإليه ذهب أبو ثور، وأهل الظاهر.

وقال قوم: إنّ الرضعة الواحدة أو المصّة الواحدة، حتّى لو كان قطرة، تنشر الحرمة. ذهب إليه على ما رووه علي ـ عليه السّلام ـ ، وابن عمر، وابن عبّاس. وبه قال في


1 . التحديد الثاني هو التحديد بالأثر يأتي في الصفحة 274.
2 . سيأتي ذكر قول رابع لهم وهو عشر رضعات عند نقل كلام ابن رشد.


(264)

الفقهاء مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو حنيفة، وأصحابه».(1)

وقال ابن رشد:«أمّا مقدار المحرِّم من اللبن. فإنّ قوماً قالوا فيه بعدم التحديد وهو مذهب مالك وأصحابه، وروى عن علي وابن مسعود، وهو قول ابن عمر وابن عبّاس، وهؤلاء يُحرِّم عندهم أيّ قدر كان. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي.

وقالت طائفة بتحديد القدر المحرّم، وهؤلاء انقسموا ثلاث فرق. فقالت طائفة: لاتحرم المصّة ولا المصّتان وتحرم الثلاث رضعات فما فوقها، وبه قال أبو عبيدة وأبو ثور. وقالت طائفة: المحرّم خمس رضعات، وبه قال الشافعي. وقالت طائفة: عشر رضعات».(2)

وأمّا الخاصّة: فلهم في المسألة أقوال أشهرها ثلاثة:

1ـ عشر رضعات.

2ـ خمس عشرة رضعة.

3ـ ما أنبت اللحم وشدّ العظم.

قال الشيخ ـ رحمه اللّه ـ في الخلاف: «من أصحابنا من قال: إنّ الذي يحرم من الرضاع عشر رضعات متواليات لم يفصل بينهنّ برضاع امرأة أُخرى. ومنهم من قال:خمس عشرة رضعة وهو الأقوى أو يوم وليلة أو ما أنبت اللحم وشدّ العظم إذا لم يتخلل بينهن رضاع امرأة أُخرى».(3)

وقال العلاّمة في المختلف:«ذهب المفيد وسلاّر وابن البراج وأبو الصلاح وابن حمزة إلى أنّ المحرِّم من الرضاع باعتبار العدد عشر رضعات متواليات، وهو قول ابن أبي عقيل من قدمائنا وقال الشيخ في النهاية والمبسوط وكتاب الأخبار:


1 . الخلاف:3/68، كتاب الرضاع، المسألة 3.
2 . بداية المجتهد:2/35.
3 . الخلاف:3/68، كتاب الرضاع، المسألة 3.


(265)

لايحرم أقلّ من خمس عشرة رضعة، وقال ابن إدريس في أوّل كتاب النكاح: المحرِّم عشر رضعات متواليات. ـ إلى أن قال ـ: والذي أُفتي به وأعمل عليه الخمس عشرة رضعة لأنّ العموم قد خصّصه جميع أصحابنا المحصّلين والأصل الإباحة والتحريم طارئ، فبالإجماع من الكلّ يحرم الخمس عشرة رضعة فالتمسك بالإجماع أولى وأظهر، فإنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع... إلى أن قال:وقال ابن الجنيد: قد اختلفت الرواية من الوجهين جميعاً في قدر الرضاع المحرِّم إلاّ أنّ الذي أوجبه الفقه عندي والاحتياط المرّ لنفسه: أنّ كلّ ما وقع عليه اسم رضعة وهو ما ملأت بطن الصبي إمّا بالمصّ أو بالوجور يحرّم النكاح. وقال الصدوق في المقنع: لايحرّم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم. و روى أنّه لايحرّم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهن ليس بينهنّ رضاع وبه كان يفتي شيخنا محمّد بن الحسن ـ رحمه اللّهـ».(1)

نقول:لاريب أنّه لايكفي مسمّى الرضاع ولا الرضعة الواحدة، إجماعاً وسنّة مستفيضة، بل كتاباً أيضاً، لعدم صدق الأُمّ، الواردة في قوله سبحانه:«وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ » ، على من أرضعت طفلاً مرّة أو مرّتين. ومثله قوله سبحانه: «وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَةِ» بل يتوقّف صدقها على أن يرتضع الولد من لبنها مقداراً يتحقّق معه عرفاً عنوان الأُمومة وغيرها من العناوين المحرّمة، فالعرف والاعتبار متصادقان على عدم كفاية المسمّى والدفعات القليلة.

ومن هنا يظهر بطلان ما نقل عن الليث من نشر الحرمة بمثل ما يفطر به الصائم وما نقلناه عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعي والثوري من التحريم بمطلق الرضاع وإن قلّ. ومن الغريب ذهاب صاحب الدعائم إلى هذا القول مستنداً إلى رواية رواها عن علي ـ عليه السّلام ـ قال: وعن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه


1 . المختلف:3/70، كتاب النكاح.


(266)

قال:«يحرم من الرضاع قليله وكثيره و المصّة الواحدة تحرّم». ثمّ أضاف قائلاً: «وهذا قول بيّن صوابه لمن تدبّره ووفّق لفهمه لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال:«وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ » ، فالرضاع يقع على القليل والكثير» الخ.(1)

ولكنّه غفل عن أنّه وإن صدق الرضاع بالقليل، لكنّه لايصدق عنوان الأُمّ الذي هو الموضوع في الآية. خصوصاً إذا قلنا بأنّ تحقّق هذه العناوين بالإرضاع لم يكن أمراً مبتدعاً في الإسلام بل كان دارجاً قبله في عصر الجاهلية، ومن المعلوم عدم تحقّق الأُمومة عندهم بمسمّى الإرضاع.

ومنه يظهر بطلان ما نقل عن ابن الجنيد من تحديده بالرضعة الكاملة وهي ملأها بطن الصبي.

نعم روى الشيخ بإسناد صحيح عن علي بن مهزيار عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ أنّه كتب إليه يسأله عمّا يحرم من الرضاع؟ فكتب ـ عليه السّلام ـ : «قليله وكثيره حرام».(2)

وروى (3) عن زيد بن علي عن آبائه عن علي ـ عليه السّلام ـ قال: «الرضعة الواحدة كالمائة رضعة لاتحل له أبداً»(4). ولكنّهما ـ مضافاً إلى الحزازة الموجودة في متنها، حيث إنّ ظاهر قوله:«قليله وكثيره حرام» أنّ نفس الرضاع قليله وكثيره حرام مع أنّ المراد أنّ قليله وكثيره «محرِّم» ـ محمولان على التقية، وقد أعرض الأصحاب عنهما، وانعقدت الشهرة على خلافهما.

وقد حمل الشيخ ـ رحمه اللّه ـ أوّلهما على ما إذا بلغ الحدّ الذي يحرم، فانّ الزيادة


1 . دعائم الإسلام:2/240، الرقم (920).
2 . الوسائل:14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم من الرضاع، الحديث 10.
3 . في السند الحسين بن علوان و هو عامي لم يوثق، وعمرو بن خالد وهو إمامي مجهول.
4 . المصدر نفسه، الباب 2، الحديث 12.


(267)

قلّت أو كثرت تحرّم، وقال الشيخ الحرّ في الوسائل: ويمكن حمله على الكراهة وعلى تحديد كلّ رضعة فانّه إن رضع قليلاً أو كثيراً فهي رضعة محسوبة من العدد إلى آخر كلامه وذكر في الخبر الثاني نحو ما ذكر في الأوّل. والأقرب الحمل على التقية.

وأمّا ما رواه ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «سألته عمّا يحرم من الرضاع قال: إذا رضع حتّى يمتلئ بطنه ، فانّ ذلك ينبت اللحم والدم، وذلك الذي يحرّم».(1)

وما أرسله ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال:« الرضاع الذي ينبت اللحم والدم، هو الذي يرضع حتّى يتضلّع،ويمتلي وينتهي نفسه».(2)

فالظاهر أنّهما واردان في مقام تحديد كيفية الرضعة، لا تحديد الرضاع المحرِّم بها كما لايخفى.

إذا تبيّن ما ذكرنا فاعلم أنّ القول المعتمد أحد القولين:

1ـ ما دلّ على اعتبار خمس عشرة رضعة.

2ـ ما دلّ على اعتبار عشر رضعات، فإليك دراسة كلا القولين:

أ : ما دلّ على اعتبار خمس عشرة رضعة

منها: موثقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ : هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟فقال:«لايحرِّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات، من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها. فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو (3) جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد،


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم من الرضاع، الباب 4، الحديث 1.
2 . المصدر نفسه، الباب 4، الحديث2.
3 . قال في الوافي:«هكذا في النسخ التي رأيناها،والصواب وجارية، بواو الجمع».


(268)

وأرضعتهما امرأة أُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».(1)

منها: ما رواه الصدوق ـ رحمه اللّه ـ في المقنع مرسلاً، قال: لايحرّم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم، قال: وسئل الصادق ـ عليه السّلام ـ ، هل لذلك حدّ؟ فقال: «لايحرّم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات لايفصل بينهنّ».(2)

وهذه الرواية غير متحدة مع سابقتها، لأنّ السابقة مروية عن الباقر ـ عليه السّلام ـ وهذه عن الصادق ـ عليه السّلام ـ وإرادة المعنى الوصفي من الصادق الأعم من أبي جعفر و أبي عبد اللّه ـ عليهما السّلام ـ خلاف الاصطلاح الجاري.

ولكن هنا رواية تعارض بمنطوقها هاتين الروايتين، وهي ما رواه الشيخ عن حمّاد بن عثمان، أو غيره عن عمر بن يزيد قال: «سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ يقول: خمس عشرة رضعة لاتحرّم».(3)

ويكفي في ردّ الرواية إرسالها بقرينة «أو غيره». وقد ذكر لها محامل منها حمل الشيخ على كون الرضعات متفرّقات من نساء شتى، واحتمل الشيخ الحرّ ـ رحمه اللّه ـ الحمل على الإنكار. وأمّا ما ذكره من الحمل على التقية، فهو بعيد غايته كما لايخفى.

ب : ما دلّ على كفاية عشر رضعات في التحريم

وتدلّ على هذا القول صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 1، وهي موثقة بعمّار بن موسى الساباطي فإنّه فطحي لكنّه ثقة في الرواية ، قاله النجاشي والعلاّمة والشيخ في موضع من التهذيب.
2 . المصدر نفسه، الباب 2، الحديث 14.
3 . المصدر نفسه، الحديث6.


(269)

قال: «لايحرّم من الرضاع إلاّ المخبورة أو خادم أو ظئر، ثمّ يرضع عشر رضعات، يروي الصبيّ، وينام» (1)

وهذه الرواية أوضح ما في الباب، وتدلّ بصراحتها على كفاية العشرة في التحريم بلا إشكال، ثمّ إنّ صاحب الجواهر بالغ في الإشكال عليها بوجوه متعددة: ستعرف ضعف أكثرها أو جميعها عند المناقشة.

وقد رويت هذه الرواية بصورة أُخرى عن الفضيل بن يسار عن عبد الرحمان ابن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما كان مخبوراً»، قلت: وما المخبور؟ قال: أُمّ مربّية، أو أُمّ تربى، أو ظئر تستأجر، أو خادم تشترى، أو ما كان مثل ذلك موقوفاًعليه».(2)

وسيأتي جواب هذا الاختلاف عند إيراد إشكالات صاحب الجواهر.

وهناك روايات أُخرى تدلّ على كفاية العشرة مفهوماً لامنطوقاً.


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 11. رواه الشيخ في الاستبصار: 3 الحديث709 عن محمّد بن علي بن محبوب عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان عن حريز، عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ . ولكن الموجود فيه«المجبورة» بالجيم. واحتمل في ذيله أن يكون المراد من الحديث نفي التحريم عمّن أرضعه رضعة أو رضعتين، ثمّ استشهد بالروايات الواردة بهذا المعنى.
وأورده في التهذيب بالسند نفسه، ج7، الحديث 1305 ولكن بدل قوله«ثمّ يرضع»، قوله«قد رضع» وما في الاستبصار أصحّ.كماأنّ الموجود فيه«المجبورة» بالجيم.
2 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث7وقد سقط من نسخة الوسائل المطبوعة «عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ ». رواه الشيخ في التهذيب ج7، الحديث1334، عن علي بن الحسن بن فضال عن أيوب بن نوح عن حريز عن الفضيل بن يسار عن عبد الرحمان ابن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ .وقوله في الرواية (أو أُمّ تربى) يحتمل قوياً أن يكون ترديداً من الراوي أو اختلافاً في النسخ أدرج في المتن، ويؤيّده ما نقله الصدوق كما سنذكره وقال الشيخ في ذيل الرواية بعد إيرادها: إنّ القصد بهذه الرواية نفي التحريم عمّن يرضع رضعة أو رضعتين أو ما أشبه ذلك.


(270)

منها: ما رواه عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الغلام يرضع الرضعة والثنتين؟ فقال: «لايحرّم». فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات، فقال: «إذا كانت متفرقة فلا».(1)

ودلالة الرواية كما ترى بالمفهوم، وهو أنّ العشر إذا كانت متوالية فانّها تحرّم مع أنّ عمر بن يزيد نفسه روى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ أنّ الخمس عشرة رضعة لاتحرّم، كما مرّ، فكيف يمكن أن نأخذ عنه التحريم بالعشر.

ومنها: ما رواه هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد العبدي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لايحرّم من الرضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم، فأمّا الرضعة والثنتان والثلاث حتى بلغ العشر إذا كنّ متفرقات فلابأس»(2) وقد نقله هارون بن مسلم تارة عن مسعدة كما أوردناه وأُخرى بلا واسطة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ .

والاستدلال به بالمفهوم كسابقه. وأورد عليه في الجواهر بأنّ الظرف فيه إذا كان متعلّقاً بالبأس المنفي، اقتضى مفهومه تحريم ما دون العشر أيضاً مع الاجتماع(3) نعم، لايرد ما ذكره على رواية عمر بن يزيد، كما هو واضح لمن تدبّر. غير أنّ دلالة هذا أيضاً بالمفهوم الذي لايُعدِل دلالة ما يخالفه.

ومنها: ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟ قال: «ما ينبت اللحم والدم ـ ثمّ قال ـ: أترى واحدة تنبته؟» فقلت: اثنتان أصلحك اللّه؟ فقال: «لا». فلم أزل أعد عليه حتى بلغت


1 . الوسائل:14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع» الحديث 5. وقد وقع في سند الشيخ الوارد في الوسائل المطبوعة سقط فالراوي عن عبد اللّه بن سنان هو الحسن بن علي ابن بنت الياس وهو الحسن بن علي بن زياد، ثقة من وجوه الطائفة. فالرواية صحيحة.
2 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2 ، الحديث 9 ، وكذلك الحديث 19.
3 . الجواهر:29/284.


(271)

عشر رضعات».(1)

ولكن في دلالة هذه الرواية نظر، إن لم نقل إنّه على خلافه أدلّ. فانّ الظاهر من ذيل الرواية «إنّي لم أزل أعدّ عليه حتّى بلغت عشر رضعات وهو يقول: لا».

ومنها: ما رواه عبيد بن زرارة أيضاً قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : إنّا أهل بيت كبير، فربّما كان الفرح والحزن الذي يجتمع فيه الرجال والنساء ، فربّما استخفت المرأة أن تكشف رأسها عند الرجل الذي بينها وبينه رضاع، وربّما استخف الرجل أن ينظر إلى ذلك، فما الذي يحرم من الرضاع؟فقال: «ما أنبت اللحم والدم» فقلت: وما الذي ينبت اللحم والدم؟فقال: «كان يقال: عشر رضعات»، قلت: فهل تحرم عشر رضعات؟ فقال: «دع ذا ـ وقال ـ: ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع».(2)

ولكن الرواية ظاهرة في الإعراض عن كفاية العشر فكيف تكون دليلاً عليها؟ مع أنّها لو سلّمنا دلالتها على العشر، كانت خارجة مخرج التقية وما شابهها، كما لايخفى.على أنّ عبيد هو الذي روى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ :«عشر رضعات لايحرِّمن شيئاً».(3) فكيف، يمكن الاستناد على قوله هذا.

هذا غاية ما يمكن الاستدلال به على تحريم العشر، ولكن تعارضه روايات:

منها: صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: ما يحرم من الرضاع؟قال: «ما أنبت اللحم وشدّالعظم». قلت:فيحرم عشر رضعات؟ قال: «لا، لأنّه لاتنبت اللحم ولاتشدّ العظم عشر رضعات».(4)


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 21.
2 . المصدر نفسه، الحديث 18.
3 . المصدر نفسه، الحديث 3.
4 . المصدر نفسه، الحديث 2.


(272)

ومنها: موثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «سمعته يقول: عشر رضعات لا يحرّمن شيئاً».(1)

ومنها: موثقة عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «سمعته يقول: عشر رضعات لاتحرم».(2)

ومنها: موثقة زياد بن سوقة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ :«... فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد وأرضعتهما امرأة أُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».(3)

القضاء بين القولين:

إنّ عمدة ما دلّ على كفاية العشر في التحريم رواية الفضيل بن يسار، كما أنّ عمدة ما دلّ على لزوم الخمس عشرة، رواية زياد بن سوقة، فاللازم استفراغ الوسع في اختيار إحداهما وطرح الأُخرى، بعد عدم إمكان الجمع العرفي.

وقد أطنب صاحب الجواهر في الإشكال على رواية الفضيل بوجوه أخرجها بها عن حيّز الحجّية:

منها: أنّها مختلفة المتن، مع حذف العشر في بعض طرقها.

يلاحظ عليه، أنّ الاختلاف غير مضرّ إذا تعلّق القصد بالمذكور، والناظر فيها بصورها المختلفة يقضي بأنّ هناك رواية واحدة نقل كلّ راو ما يتعلّق بغرضه، كما أنّ الاختلاف في المجبور، بالحاء أو الخاء أو الجيم غير مضرّ.

ومنها: أنّها متروكة الظاهر، ضرورة عدم اعتبار نوم الصبي في التحريم.

يلاحظ عليه: أنّ ذكر النوم كناية عن الرضاع التام، فانّ نومه قرينة على


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 3.
2 . المصدر نفسه، الحديث 4.
3 . المصدر نفسه، الحديث 1.


(273)

شبعه لا أنّه دخيل في التحريم تعبّداً.

ومنها: عدم انحصار المحرّم في ذلك، فانّ رضاع المتبرعة أيضاً محرّم.

يلاحظ عليه: أنّ تعليق الحرمة بما ذكر في الرواية إنّما كان لأجل التحرز عن كفاية الرضعة والرضعتين فما فوقهما ممّا دون العشر، فهي غير محرّمة، بخلاف الظئر المستأجرة والخادم المشتراة والأُمّ المربيّة، فإنّ المتحقّق معهنّ غالباً هو الإرضاع بالعدد المحرّم فما فوقه.

ومنها : أنّ قوله: «ثم ترضع عشر رضعات»، إن كان مختصّاً بالظئر، كان مخالفاً للظاهر عند الخصم.

يلاحظ عليه: أنّه لامانع من الرجوع إلى الجميع باعتبار كلّ واحد. مع أنّ الموجود في النسخ«يرضع» بالياء» لا بالتاء، فإذا قرأ بالمجهول أو بالمعلوم كان راجعاً إلى الصبي، وينتفي الإشكال من أصله.

ومنها: أنّ في طريقها محمّد بن سنان الذي ضعّفه الشيخ والنجاشي وابن الغضائري.

وفيه، أنّ ضعفه ـ إن سلّم ـ مجبور بعمل كثير من الأصحاب، وهذه طريقة القوم وطريقة صاحب الجواهر نفسه في مسائل كثيرة، فلماذا أغمض عنها في هذا الموضع، مع أنّه كما وردت روايات في ذمّ محمّد بن سنان قد وردت أُخرى في مدحه؟ فتضعيفه محلّ نظر. وقد أوضحنا حاله في كتابنا «كلّيات في علم الرجال».

والحقّ أنّ هذه الوجوه لاتصلح لإسقاطها عن الحجّية، فلابدّ من الرجوع إلى المرجّحات التي منها الأبعدية عن قول العامة. وقد عرفت ممّا نقلناه سابقاً من كلام الشيخ في الخلاف وابن رشد في بداية المجتهد، أنّ العامة يميلون إلى جانب القلّة، فيكون الخمس عشرة أبعد عن قولهم، فالعمل به متعيّن.

ثمّ على فرض عدم الترجيح بين الروايات، فهل المرجع في مورد الشكّ هو


(274)

آية الحلّ، أعني: قوله سبحانه:«و لَكُمْ ما وراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» (النساء/24) أو أنّ المرجع قوله سبحانه:«وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرِّضاعَةِ» (النساء/23) لصدق قوله « أَرْضَعْنَكُمْ»على الأقلّ من خمس عشرة رضعة. الظاهر هو الأوّل لوجهين:

1ـ ما ربما يقال من عدم وجود الإطلاق في المخصص لكونه بصدد بيان أصل التشريع، ولذلك اكتفى بذكر الأُمّهات والأخوات من الرضاعة دون غيرهما. ولكنه موضع تأمّل.

2ـ على فرض التسليم، فقد قام الإجماع وتضافرت السنّة على أنّ الرضاع محرّم إذا بلغ عدد الرضعات حدّاً خاصّاً، ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر، فهو حجّة قطعاً في الأكثر و مشكوك الحجّية في الأقلّ ، أعني: العشر رضعات، فلايؤخذ إلاّ بما هو حجّة قطعاً، ويرجع في المشكوك إلى العمومات التي هي حجّة مطلقاً، خرج ما خرج قطعاً.(1)

الثاني: التحديد بالأثر

وقد تضافرت عليه الروايات ، نذكر منها ما يلي:

1ـ صحيحة حمّاد عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم والدم»(2)


1 . فيرجع هنا إلى عمومات الحلّ لأنّها محكمة في عمومها، وأمّا عموم «أُمّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ» لو سلّم وكذا عموم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فانّ موضوعه هو الرضاع الخاص وصدقه مشكوك، فلاندري هل هو العشر رضعات أو الخمس عشرة رضعة ؟ الثاني متيقّن التحريم بالإجماع من الجميع والأوّل مشكوك المصداقية فلايتمسّك فيه بالعام، بل نلجأ إلى عمومات أُخرى وهي عمومات الحلّ السالمة عن أيّة شبهة.
2 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 3، الحديث 1.


(275)

2ـ ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ يقول:«لا يحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّالعظم».(1)

3ـ صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ وأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال:«إذا رضع الغلام من نساء شتّى وكان ذلك عِدَّة، أو نبت لحمه ودمه عليه، حرم عليه بناتهنّ كلهنّ».(2)

4ـ وصحيحته عن أبي جعفر أو أبي عبد اللّه ـ عليهما السّلام ـ قال: «إذا رضع الغلام من نساء شتّى فكان ذلك عدّة، أو نبت لحمه ودمه عليه، حرم بناتهنّ كلّهن».(3)

ويظهر من كثير من الروايات أنّه الأصل وأنّ التحديد بالعدد والزمان طريقان إليه، ودونك بعضها:

5ـ ما رواه علي بن رئاب في الصحيح عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: قلت ما يحرم من الرضاع؟قال: «ما أنبت اللحم وشدّالعظم». قلت: فيحرم عشر رضعات؟قال: «لا ، لأنّه لاتنبت اللحم ولاتشدّالعظم عشر رضعات».(4)

6ـ ما رواه مسعدة بن زياد العبدي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّما شدّ العظم وأنبت اللحم، فأمّا الرضعة والثنتان و الثلاث حتّى بلغ العشر إذا كنّ متفرّقات فلابأس».(5)

7ـ ما عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : إنّا أهل بيت


1 . الوسائل: ج14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 3، الحديث 2.
2 . المصدر نفسه، الحديث 3.
3 . المصدر نفسه، الباب 15، الحديث 2. والظاهر اتّحادها مع الرواية السابقة إلاّ أنّ الكليني أوردهما في موضعين من كتابه مع اختلاف طفيف في المتن.
4 . المصدرنفسه، الباب 2، الحديث 2.
5 . المصدر نفسه، الحديث 9.


(276)

كبير... ـ إلى أن قال:ـ فمـا الذي يحرم من الرضاع ؟قال: «ما أنبت اللحم والدم»، فقلت: وما الذي ينبت اللحم والدم؟فقال: «كان يقال عشر رضعات» الحديث.(1)

8ـ وما رواه أيضاً عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟قال: «ما ينبت اللحم والدم ـ ثمّ قال ـ: أترى واحدة تنبته؟» فقلت: اثنتان أصلحك اللّه فقال: «لا»، فلم أزل أعد عليه حتّى بلغت عشر رضعات.(2)

9ـ ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: يحرم من الرضاع الرضعة والرضعتان والثلاثة؟قال: «لا، إلاّ ما اشتدّ عليه العظم ونبت اللحم».(3)

وقد علّل في بعض الروايات شرطية امتلاء بطن الرضيع بأنّه الذي ينبت اللحم والدم.

10ـ عن ابن أبي يعفور قال: سألته عمّا يحرم من الرضاع؟ قال: «إذا رضع حتى يمتلي بطنه، فانّ ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الذي يحرم».(4)

11ـ وروى محمّد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا رواه عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «الرضاع الذي ينبت اللحم والدم هو الذي يرضع، حتّى يتضلع، ويتملى ، وينتهي نفسه».(5)

ويلوح من جميع ما أوردناه أنّ الأثر هو الأصل في التحريم، وقد جعل الشارع العدد والزمان طريقين إلى حصوله وتحقّقه.


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 18.
2 . المصدر نفسه، الحديث21.
3 . المصدر نفسه، الحديث23.
4 . المصدر نفسه، الباب 4، الحديث1.
5 . المصدر نفسه، الحديث2.


(277)

ثمّ إنّه جعل الأثر في سبعة منها، أعني: الرواية الأُولى والثالثة والرابعة والسابعة والثامنة والعاشرة والحادية عشرة، إنبات اللحم والدم. وفي أربعة منها، أعني: الثانية والخامسة والسادسة والتاسعة، إنبات اللحم والعظم. ولايخفى أنّ الدم أسرع نباتاً من اللحم، وهو أسرع من العظم. فلو كان الميزان هو الدم، لحصل التحريم قبل أن يتحقّق الثاني والثالث. وسيأتي التوفيق بين الطائفتين.

الثالث: التحديد بالمدّة

تضاربت الروايات أيضاً في تحديد مدّة الرضاع المحرّم، وهي على طوائف:

الأُولى: ما دلّ على أنّ المحرِّم الارتضاع حولين كاملين وهو:

1ـ ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين»(1)

2ـ ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما كان حولين كاملين».(2)

وظاهرهما متروك لم يذهب إليه أحد، وقد حمل الشيخ الحولين على كونهما ظرفاً للرضاع بتقدير «في» فكأنّه قال: لايحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد في حولين كاملين.

الطائفة الثانية: ما دلّ على أنّ المحرّم الارتضاع سنة، وهو:

1ـ ما رواه العلا بن رزين عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 5 ، الحديث 8، وأراد عليه السّلام من التقييد بثدي واحد الإشارة إلى لزوم وقوع الكمّية المحرّمة من امرأة واحدة.
2 . المصدر نفسه، الحديث10.


(278)

الرضاع؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد سنة».(1)

قال الشيخ: «هذا نادر مخالف للأحاديث كلّها».وقد حاولوا التخلّص عن ظاهره بتوجيهات عديدة، منها التصرف في العبارة أي «من ثدي واحد سُنة» بضم السين وتشديد النون ،وهو خلاف الظاهر. وربّما حمله البعض على التقية، وهذا غير تامّ لأنّ العامة يميلون إلى القلّة لا إلى الكثرة.

قال صاحب الوسائل في ذيل الحديث: «يمكن حمله على التقية والحصر الإضافي بالنسبة إلى ما دون الخمس عشرة، أو بالنسبة إلى ما ارتضع من لبن فحلين وأن يكون «سنة» ظرفاً للرضاع كما يأتي في مثله ومفهومه غير مقصود».

وكيف كان لابدّ من رفع اليد عن ظاهرها لما يأتي من الأخبار ولمخالفتها إجماع الطائفة.

2ـ ما رواه الصدوق في المقنع قال: «وروي أنّه لا يحرم من الرضاع إلاّما ارتضع من ثدي واحد سنة». (2)

وفيه ما في سابقه مع أنّه مرسل.

الطائفة الثالثة:

ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع مدّة مديدة

يمكن استفادة هذا المعنى من رواية الفضيل بن يسار التي تقدّمت مناقشتها متناً وسنداً فانّ فيها عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّما كان مخبوراً، قلت: وما المخبور؟ قال: أُمّ مربية أو أُمّ تربى، أو ظئر تستأجر، أو خادم تشترى، أو ما كان مثل ذلك، موقوفاً عليه»(3) فانّ إرضاع كلّ من المربيّة


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 13.
2 . المصدر نفسه، الحديث 17، هذا ما ذكره في الوسائل، ولم نجده في المقنع ولا في الهداية.
3 . المصدر نفسه، الحديث 7.


(279)

والمستأجرة والخادم لايكون مدّة قصيرة، بل المتبادر منه إرضاعه فترة طويلة من الزمن. ويؤيّده قوله في ذيل الرواية«أو ما كان مثل ذلك موقوفاً عليه»، فبيّن أنّه لا خصوصية فيما ذكره إلاّ من جهة كونه موقوفاً على الولد لإرضاعه.

وحيث إنّ هذه الرواية بنظرنا متّحدة مع الرواية الأُخرى التي رواها فضيل عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ ويذيّلها «ثمّ يرضع عشر رضعات»(1) فلايمكن التمسك بها من دون الذيل، ولا الأخذ بما تفيده حينئذ من اعتبار المدّة الطويلة.

الطائفة الرابعة:

ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع خمسة عشر يوماً ولياليهنّ

وهو ما نقله الصدوق في الهداية قال: و روي لايحرم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهنّ، ليس بينهنّ رضاع».(2)

ولا يخفى عدم حجّيته لكونه مرسلاً.

الطائفة الخامسة:

ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع ثلاثة أيّام

وهو ما روي في الفقه الرضوي قال: «والحدّ الذي يحرم به الرضاع ـ ممّا عليه


1 . الوسائل: ج14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 11.
2 . المصدر نفسه، الحديث 15. كذا في الوسائل وحمله على ما لو رضع كلّ يوم رضعة. وفي المقنع «لايحرم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات لايفصل بينهنّ» كما سيأتي، وفيه أيضاً: «ولايحرم الرضاع ثلاثين رضعة متفرقة» وفي الهداية وقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إلاّ رضاع خمس عشرة يوماً ولياليهنّ وليس بينهنّ رضاع».
ولكن قال العلاّمة في المختلف نقلاً عن الصدوق في المقنع قال: «وروي أنّه لايحرم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهنّ ليس بينهنّ رضاع. وبه كان يُفتي شيخنا محمّد بن الحسن ـ رحمه اللّهـ وأراد به شيخه ابن الوليد. ونقل عنه أيضاً الرضاع سنة.


(280)

العصابة دون كلّ ما روي فإنّه مختلف ـ ما أنبت اللحم وقوي العظم، وهو رضاع ثلاثة أيّام متواليات، أو عشر رضعات متواليات (محرزات مرويات بلبن الفحل)، وقد روي مصّة ومصّتين وثلاث».(1)

ولايخفى عدم حجّية الرواية، فلا اعتماد عليها. مضافاً إلى البون الشاسع بين العلامتين ـ الثلاثة أيّام متواليات والعشر رضعات متواليات ـ كما هو واضح.

فكلّ ما تقدّم من الروايات متروك أو مؤوّل كما عرفت، مع انعقاد الإجماع على خلافه. والمعوّل عليه في تحديد المدّة ما يلي:

الطائفة السادسة: ما دلّ على اليوم والليلة، وهو:

1ـ موثقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ : هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لايحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات». الحديث.(2)

2ـ يؤيّده ما رواه الصدوق في المقنع قال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم» قال: وسئل الصادق (أبو جعفر خ ل ) ـ عليه السّلام ـ : هل لذلك حدّ ؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعةً متواليات لايفصل بينهن».(3)

وقد ادّعى صاحب الجواهر وغيره فتوى الطائفة عليه من دون مخالف. وعليه العمل.

***


1 . الفقه المنسوب إلى الرضا ـعليه السّلام ـ :234.
2 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 1.
3 . المصدر نفسه، الحديث 14، والظاهر أنّهما رواية واحدة، خاصة مع نقلها في المقنع في نسخة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ .


(281)

مشكلة عدم الانعكاس بين المدّة وكلّ من العدد والأثر

إنّ ظاهر الموثقة هو الاكتفاء بالمدّة في نشر الحرمة وإن لم يبلغ العدد، وهو مشكل، ضرورة لغوية التحديد بالعدد حينئذ. فالظاهر تحقّق المدّة غالباً قبل تحقّق العدد، فإنّ الطفل ـ حسب العادة ـ لايرضع في اليوم و الليلة أزيد من عشر رضعات أو اثنتي عشرة كما هو ظاهر لمن لاحظ ولده الرضيع أو استفسر عمّن له ولد رضيع. فما ذكره صاحب الجواهر معلّلاً الاكتفاء بالمدّة وإن لم يبلغ العدد بقوله:«يمكن أن يكون تحديد الشارع ملاحظاً فيه الوسط من الناس، فانّه كما اعترف به في المسالك يأتي على العدد تقريباً» لايخلو من نظر.

ولأجل هذا الإشكال التجأ الشيخ، والعلاّمة في التذكرة إلى أنّهما (أي اليوم والليلة أو الأثر ) لمن لم يضبط العدد، ومقتضاه عدم اعتبارهما مع العلم بالنقص عن العدد.

والحقّ أنّ عدم انعكاس العلامتين(المدّة والعدد) معضلة تحتاج إلى تدبير تام للدفاع عنها.(1)

وأمّا عدم الانعكاس من جانب الأثر فغير مضرّ، ضرورة ندرة اتفاق حصول الأثر المحسوس قبل المدّة و العدد، فالقول بكون الأثر علامة مستقلّة، لايضرّ بكون العدد والمدّة علامتين.

على أنّ للأثر مادّة افتراق لايزاحم فيها العلامتين وهي ما إذا تحقّق الأثر


1 . أقول: يمكن أن يقال: إنّ طبيعة التحديد بالعدد تقتضي كون الرضعات كاملة، وعلى هذا يكون تحديد الشارع المحرّم بالمدّة ناظراً إلى الرضعات الناقصة فحسب. وعلى ذلك، فلو وقع الرضاع برضعات كاملة اشترط وقوع خمس عشرة رضعة مع الشرائط الآتية حتى يحصل التحريم. ولو وقع الرضاع برضعات ناقصة متتالية اشترط أن يستغرق مدّة يوم وليلة حتى يحصل التحريم. (المقرّر)


(282)

نتيجة رضاع لفترة طويلة تخلّلها رضاع من امرأة أُخرى، فإنّ الحقّ أنّه يحرم ،وإن كان بالنظر إلى العدد والمدّة غير واجد لشرائطهما.

هاهنا فروع:

الأوّل : إنّ اليوم والليلة عنوانان مشيران إلى الظرف الخاص الذي يرضع فيه الصبيّ، فلا يعتبر خصوص اليوم والليلة الحقيقيين، بل يكفي الملفّق منهما. وخاصة مع ملاحظة ما نبّه عليه الشيخ الأعظم في رسالته في المقام بما مغزاه أنّ قوله ـ عليه السّلام ـ : «لا يحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة» ، أظهر في صدقه على الملفّق من صدق: يحرم رضاع يوم وليلة.(1)

الثاني: إذا أطعم الرضيع في أثناء اليوم والليلة طعاماً آخر، فالظاهر كونه مضرّاً بصدق رضاع يوم وليلة، لأنّ المتبادر كون غذاؤه في ذاك الظرف هو اللبن الذي يرضعه. نعم، لايضرّ الغذاء القليل، غير المؤثر في جوعه وعطشه.

الثالث: هل المعتبر في الرضاع يوماً وليلة، رضاع نوع الأطفال الرضّع، أو المناط فيه حال شخص الطفل الراضع. الظاهر هو الثاني، سواء كان شربه اللبن أكثر من المتعارف أو أقلّ منه، لأنّ الحكم هنا تابع لموضوع نفسه.

الرابع: يشترط في نشر الحرمة بالإرضاع يوماً وليلة احتمال تأثير اللبن في شدّالعظم وإنبات اللحم. فلو فرض حصول العلم بعدم التأثير فلا نشر. لأنّ


1 . قال رحمه اللّه في رسالته في الرضاع الملحقة بالمكاسب، ص4: «وهل يعتبر ابتداء الرضاع في ابتداء اليوم وانتهائه في آخر الليلة أو العكس، أو يكفي الملفق لو ابتدأ في أثناء أحدهما؟ وجهان: أقواهما الثاني، إمّا لصدق رضاع يوم وليلة عرفاً على رضاع الملفّق، وإمّا لأنّ الرضاع في الملفّق لايكون أقلّ من رضاع يوم وليلة بل يكون مساوياً له، فلاتدلّ الرواية على انتفاء النشر به، فيبقى داخلاً تحت الإطلاقات الدالّة على النشر، والتعويل على الوجه الأوّل».


(283)

المتبادر أنّ ملاك نشر التحريم، تأثير اللبن في شدّالعظم ونبات اللحم، غاية الأمر أنّ الزمان أو العدد طريقان إليهما، فإذا علم التخلف فلا تحريم. نعم احتمال التأثير كاف ،لأنّ العلم بالأثر أمر مشكل.

الشرط الثالث:

كيفية الرضاع

يشترط في الرضاع الناشر للحرمة ، من حيث الكيفية، ثلاثة شروط:

الأوّل: أن تكون الرضعة كاملة.

الثاني: أن تكون الرضعات متوالية.

الثالث: أن يرضع من الثدي، فلايكفي الوجور.

1ـ اشتراط كمال الرضعة

أمّا اشتراط كمالية الرضعة، فيدلّ عليه مرسل ابن أبي عمير: عن بعض أصحابنا رواه عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «الرضاع الذي ينبت اللحم والدم، هو الذي يرضع حتّى يتضلع ويتملى وينتهي نفسه».(1)

وخبر ابن أبي يعفور قال: سألته عمّا يحرم من الرضاع، قال: «إذا رضع حتّى يمتلي بطنه، فانّ ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الذي يُحَرِّم»(2)

ورواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ المخبورة أو خادم أو ظئر، ثمّ يرضع عشر رضعات، يروي الصبي وينام»(3) فانّ ذيلها دالّ على كون الرضعة كاملة تروي الصبي فينام. والتقليد


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
2 . المصدر نفسه، الحديث 1.
3 . المصدر نفسه، الباب 2، الحديث 11.


(284)

بالنوم لمجرّد الإشارة إلى شبع الولد من اللبن.

وهل كمالية الرضعة شرط في كلّ من الأثر والعدد والمدّة أو تختص ببعضها؟

أمّا شرطيته في العدد فممّا لاريب فيه. وذلك، (مضافاً إلى انصراف دليله إلى الرضعات الكاملة)، أنّه لو كفت الناقصة للزم هدم الحدّ الذي اعتنى به الشارع وجعله حداً، فانّ لازم ذلك، الاكتفاء بخمس عشرة مصّة أو أكثر منها بقليل، وهو بمجموعه ربّما لايكاد يعادل الرضعة الواحدة ، وهذا ـ مضافاً إلى أنّه لاينبت ولايشدّ ـ رجوع إلى القول بالاكتفاء بالرضعة الواحدة، لبّاً، مع أنّ الناظر في أخبار الباب يحدس بأنّ الشارع اعتبر في نشر الحرمة بالرضاع مرتبة خاصة يتكوّن معها لحم الصبي وعظمه من لبن المرضعة، ولم يكتفِ بالإنبات والشدّ العقليين اللذين يحصلان بالرضعة الواحدة فما فوقها.

وهذا مضافاً إلى المرسل والخبر الماضيين، فانّ القدر المتيقّن منهما هوالعدد دون الأثر، فانّه يحصل بالرضعات الناقصة إذا استمرّ الرضاع مدّة طويلة، كما لايخفى. ولايشترط فيه التضلّع و التملي.

ومنه يظهر عدم اشتراط كمالية الرضعة في النشر بالأثر، فانّ الملاك فيه هو شدّ العظم ونبات اللحم، وهو كما يحصل بالرضعات الكاملة، يحصل بالناقصة أيضاً على الوجه الذي ذكرناه. وأمّا الروايتان (المرسل والخبر) فقد عرفت حالهما ولو أخذ بظاهرهما المتوهم للزم خلاف الواقع، فانّ النبات لايتوقّف على الكمال.

وأمّا شرطيته في التحريم بالمدّة، فربّما يقال بالشرطيّة لأجل عدم صدق رضاع يوم وليلة بالرضعات الناقصة. ولكنّه ضعيف جداً، فانّ الملاك في التحريم بالتقدير الزماني هو أن يعيش الطفل على لبن المرضعة ويتغذّى به. وهذا كما يحصل بالرضعات الكاملة يحصل بالناقصة أيضاً، غاية الأمر انّ عدد الرضعات في اليوم والليلة يزيد إذا كانت الرضعات ناقصة ، وينقص إذا كانت كاملة.


(285)

وإن شئت قلت: إن كان التقدير بالزمان أمارة على حصول الغاية، أعني: الإنبات والشدّ، فلافرق بين رضاعه الرضاع الناقص أو الكامل، بعد فرض أنّ الطفل لايبقى جائعاً طوال الزمان المفروض، ولو فرض ارتضاع الصبي بعض الرضعة ثمّ اشتغل بلعب ونحوه ، ثمّ بعد فصل طويل رضع رضعة كاملة، وهكذا في جميع المدّة يصدق عليه رضاع يوم وليلة.

الميزان في كمال الرضعة

قد ذكر لحدّكمال الرضعة في كلامهم أمران: الأوّل: أن يرجع في تقدير الرضعة إلى العرف. والثاني: أن يروّى الصبي ويصدر من قبل نفسه.والحدّالثاني مأخوذ من الرواية التي تقدّمت عند البحث عن شرطية كيفية الرضعة.

والظاهر رجوع الأمرين إلى شيء واحد، وأنّ الملاك شبعه من اللبن بحيث لا يحتاج إلى الرضاع. وأمّا قوله ـ عليه السّلام ـ :«حتّى يتضلّع (أي تمتلئ أضلاعه) ويتملى وينتهي نفسه»، فمحمول على الغالب ، فانّ هذا هو الغالب على الأطفال إذا شبعوا.

2ـ اشتراط توالي الرضعات

والأصل في اشتراط توالي الرضعات، موثقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ : هل للرضاع حدّيؤخذ به؟فقال: «لا يحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينهما رضعة امرأة غيرها...».(1)

وهل القيد «متواليات لم يفصل بينها» راجع إلى الأخير، أو إليه وإلى الأوّل؟


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 1.


(286)

وجهان.(1)

ثمّ إنّ ظاهره كون التوالي بمعنى عدم الفصل برضاع من امرأة أُخرى، وأمّا شموله الفصل بالإطعام أو إيجار اللبن فالظاهر كونه مخلاً، وإنّ قوله :«لم يفصل...» من باب المثال.

وعلى أيّ تقدير يكفي في شرطية التوالي وروده في هذه الموثقة عند التقدير بالعدد، والزمان معاً، هذا مضافاً إلى أنّ ظاهر قوله:«لايحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة» كون الرضاع في ذلك الظرف من لبنها خاصة دون غيره، فلو ارتضع في أثنائه من غيرها لم يصدق أنّه رضع منها يوماً وليلة، بل بعض يوم أو بعض ليلة. والقول بكفاية التلفيق في المقام بأن يرضع من لبنها في اليوم اللاحق مثل المقدار الذي رضعه من غيرها في اليوم الأوّل، يحتاج إلى دليل.

وأمّا التقدير بالأثر، فالظاهر عدم اشتراطه بالتوالي، لحصول الملاك المنصوص في الحديث، حصل التوالي أم لم يحصل، كما لايخفى.

3ـ اشتراط كون الرضاع من الثدي

أمّا اشتراط كون الرضاع من الثدي، فالعامة فيه على قولين. قال ابن رشد: «وأمّا هل يُحرِّم الوجور واللدود، وبالجملة ما يصل إلى الحلق من غير رضاع؟ فإنّ مالكاً قال: «يحرم الوجور واللدود»، قال عطاء وداود: «ولايحرم». وسبب اختلافهم هل المعتبر وصول اللبن كيفما وصل إلى الجوف، أو وصوله على الجهة المعتادة؟ فمن راعى وصوله على الجهة المعتادة، وهو الذي يطلق عليه اسم الرضاع، قال: لايحرم الوجور و لا اللدود، ومن راعى وصول اللبن إلى الجوف


1 . هو وإن كان راجعاً لفظاً إلى الأخير دون الأوّل وهو الرضاع في اليوم والليلة و إلاّ ناسبه أن يقول: «متوالياً» إلاّ أنّه لايمتنع رجوعه روحاً ومعنىً إليهما.


(287)

كيفما وصل، قال: يحرم».(1)

وأمّا عندنا، فمن ذهب إلى الاشتراط تمسك بعدم تحقّق الرضاع بدونه، وبصحيحة العلاء بن رزين عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّما ارتضع من ثدي واحد، سنة».(2)

وخبر زرارة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد، حولين كاملين».(3)

وفيه، منع عدم صدقه خصوصاً في بعض الصور، كالوجور من الثدي من دون امتصاص أو وجور الحليب إذ شرطية التقام الثدي أو امتصاصه غير واضحة.

والروايتان، مضافاً إلى الشذوذ في متنهما، ناظرتان إلى لزوم وحدة المرضعة أثناء الارتضاع سنة أو سنتين من دون نظر إلى شرطية كون ذاك الرضاع من الثدي، هذا مع ما عرفت من اشتمالهما على ما لانقول به من السنة والسنتين.

فالأحوط، إن لم يكن أقوى، نشر الحرمة في بعض الصور التي ليست بعيدة عن المتعارف، كالإيجار مباشرة من الثدي في حلق الصبي عند رفضه التقامه.

وأمّا لو أفرغ اللبن في وعاء ثمّ جعله جبناًوأُطعم للصبي فلا يحرم قطعاً.(4)

وهل يلزم الامتصاص من الثدي من الحَلَمة، أو يكفي الامتصاص من ثقب في الثدي، ناشر للحرمة أيضاً؟ الثاني أقرب إلى الاحتياط، بل لا يخلو من قوّة.

ثمّ، لو رضع من ثدي المرأة الحية بعض الرضعات ثمّ أكملها منها وهي ميتة، لم ينشر الحرمة للشك في صدق إطلاقات الرضاع على هذا المورد، مضافاً إلى


1 . بداية المجتهد:2/37.
2 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 13.
3 . المصدر نفسه، الباب 5، الحديث 8.
4 . لعدم تبادره من روايات الباب بلاشبهة.


(288)

أنّها خرجت بالموت عن التحاق الأحكام بها، كما ذكر المحقّق في شرائعه، ولايصلح قياس الميتة بالنائمة والغافلة بل المغشي عليها.

الشرط الرابع:

وقوع الرضاع فيما دون الحولين

يشترط وقوع الرضاع جميعه فيما دون الحولين من عمر الراضع، فإذا وقع بعضه أو جميعه فيما زاد عن الحولين لم ينشر الحرمة. ولكن في المسألة أقوال مختلفة عند العامة والخاصة.

قال ابن رشد:«اتّفقوا على أنّ الرضاع يحرم في الحولين، واختلفوا في رضاع الكبير. فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وكافّة الفقهاء :لا يحرم رضاع الكبير، وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنّه يحرم، وهو مذهب عائشة ومذهب الجمهور: وهو مذهب ابن مسعود وعمر وأبي هريرة وابن عباس وسائر أزواج النبي ـ عليه الصلاة والسلامـ (1) ثمّ أورد أدلّة الفريقين.

وقال شيخ الطائفة في الخلاف: «الرضاع إنّما ينشر الحرمة إذا كان المولود صغيراً ، فأمّا إن كان كبيراً، فلو ارتضع المدّة الطويلة لم ينشر الحرمة، وبه قال عمر ابن الخطّاب(عمرو بن العاص خ ل)، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وهو قول جميع الفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك وغيرهم. وقالت عائشة: رضاع الكبير يحرم كما يحرم رضاع الصغير. وبه قال أهل الظاهر» ثمّ أورد أدلّة مختارة.(2)

وقال رحمه اللّه في مسألة أُخرى: «القدر المعتبر في الرضاع المحرِّم ينبغي أن


1 . بداية المجتهد:2/26.
2 . الخلاف3/69ـ70، كتاب الرضاع، مسألة 4.


(289)

يكون كلّه واقعاً في مدّة الحولين. فإن وقع بعضه في مدّة الحولين، وبعضه خارجاً لم يحرم، مثاله:أنّ من راعى عشر رضعات من أصحابنا أو خمس عشرة رضعة على ما اعتبرناه ، فإن وقع خمس رضعات في مدّة الحولين وباقيها بعد تمام الحولين، فانّه لايحرم. قال الشافعي: إن وقع أربع رضعات في الحولين وخامسها بعدهما، ينشر الحرمة.وبه قال أبو يوسف ومحمّد. وعن مالك روايات، المشهور منها حولان وشهر، فهو يقول: المدّة خمسة وعشرون شهراً، فخالفنا في شهر.وقال أبو حنيفة: المدّة حولان ونصف، ثلاثون شهراً. وقال زفر: ثلاثة أحوال، ستة وثلاثون شهراً» ثمّ ذكر أدلّة ما اختاره.(1)

وكيف كان فالأقوال عند الخاصة ثلاثة مع احتمال رابع:

1ـ كون الراضع في الحولين سواء فطم أو لا، وهذا هو المشهور.

2ـ كون الراضع في الحولين مع عدم فطامه. وهذا هو المحكي عن ابن أبي عقيل.

3ـ يكفي عدم الفطام وإن كان بعد الحولين، وهو قول الإسكافي.

وأمّا كفاية مطلق الرضاع في نشر الحرمة ولو بعد الحولين مع الفطام أيضاً فلم يقل به أحد.

ويدلّ على قول المشهور ما يحدّد الرضاع بعدم الفطام، وتفسيره بالحولين:

روى حمّاد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ يقول:«لارضاع بعد فطام». قلت: وما الفطام؟ قال: «الحولين الذي قال اللّه عزّ وجلّ».(2)

وعليه يحمل ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «قال


1 . الخلاف:3/69ـ70، كتاب الرضاع، مسألة 5.
2 . الوسائل: ج14، كتاب النكاح، ما يحرم بالرضاع، الباب5، الحديث 5.


(290)

رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا رضاع بعد فطام».(1)

وكذلك ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لا رضاع بعد فطام».(2)

وكذلك ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين».(3)

وكذلك ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما كان حولين كاملين»(4)

وأمّا ما ذهب إليه الحسن ابن أبي عقيل فيدلّ عليه صحيح الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم»(5) وبه يقيّد إطلاق ما يدلّ على كفاية الرضاع في الحولين مطلقاً، فطم أم لا، وجعل قوله «قبل أن يفطم» تفسيراً لما قبله، خلاف الظاهر.

ويؤيّده ما في الكافي في ذيل رواية منصور بن حازم أنّ معنى قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«لا رضاع بعد فطام» ، أنّ الولد إذا شرب لبن المرأة بعد ما تفطمه، لايحرم ذلك الرضاع التناكح. نعم سبق في التعليق انّ التفسير من الكليني.

ولولا الخوف من الشهرة والاتّفاق المحكي لكان الأخذ به متعيّناً. ومع الشكّ في الشرطية فالمرجع هو أصالة الحلّ فيما إذا رضع بعد الفطام ، لا أصالة


1 . المصدر نفسه، الحديث 1. أقول: وقوله في ذيل الرواية«فمعنى قوله: «لارضاع بعد فطام» أنّ الولد إذا شرب لبن المرأة بعد ما تفطمه، لايحرم ذلك الرضاع التناكح، فهو من تفسير الكليني. بقرينة تفرّده في نقله، فانّ الصدوق نقل الرواية في المجلس الستين من أماليه من دون هذا الذيل.
2 . الوسائل:14، كتاب النكاح، ما يحرم بالرضاع، الباب5، الحديث 2.
3 . المصدر نفسه، الحديث 8.
4 . المصدر نفسه، الحديث10.
5 . المصدر نفسه، الحديث 4.


(291)

البراءة من الشرطية، لعدم جريان أدلّتها في المقام، إذ لا كلفة في شرطيته حتّى يرتفع بها، بل الكلفة ـ أعني الحرمة ـ حاصلة من رفع الشرطية ، كما لايخفى.

وأمّا القول بالنشر بالرضاع بعد الحولين إذا لم يفطم، فتردّه النصوص والإجماع المحقّق. ولايتمّ الاستدلال عليه بخبر داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال:«الرضاع بعد الحولين قبل أن يفطم محرّم (يحرّم)».(1)، فانّه معرض عنه، مع أنّه موافق لمذهب بعض العامة فيحمل على التقية.

هل يشترط ذلك في ولد المرضعة؟

ربما يقال بأنّه يشترط كون ولد المرضعة في الحولين و نقل ذلك عن أبي الصلاح وابني حمزة وزهرة، وعن الغنية الإجماع عليه لأصالة الحلّية، وإطلاق «لا رضاع بعد فطام»، وإطلاق الحولين . وقد فهم ابن بكير ذلك حيث سأله ابن فضال في المسجد فقال: «ما تقولون في امرأة أرضعت غلاماً سنتين، ثمّ أرضعت صبيّة، لها أقلّ من سنتين حتّى تمّت السنتان، أيفسد ذلك بينهما؟ قال: «لايفسد ذلك بينهما، لأنّه رضاع بعد فطام، وإنّما قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«لا رضاع بعد فطام» ، أي أنّه إذا تمّ للغلام سنتان أو الجارية، فقد خرج من حدّاللبن ولايفسد بينه وبين من شرب(يشرب منه خ ل) لبنه »قال: «وأصحابنا يقولون إنّه لايفسد إلاّ أن يكون الصبيّ والصبيّة يشربان شربة شربة».(2)

ولكن الانصاف أنّ الأصل لا مجال له بعد إطلاق الأدلّة، لو قلنا به وانصراف قوله: «لا رضاع بعد فطام» والحولين إلى المرتضع، تحقيقاً لمعنى التنزيل، أي فكما أنّ مدّة ارتضاع الولد الحقيقي لاتتجاوز السنتين، فهكذا الولد التنزيلي


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم من الرضاع ، الباب 5 ، الحديث 7.
2 . المصدر نفسه، الحديث 6.


(292)

لايتجاوز ذلك الحدّ. فلايتحقّق التنزيل إلاّ إذا رضع في ضمن هذا الحدّ، ولايصير ولداً إلاّ بهذا الشرط ولاربط له بولد المرضعة.

ويؤيّده ما رواه الترمذي: «لا رضاع إلاّ ما فتق الأمعاء من الثدي وكان قبل الفطام»(1) فانّه ناظر إلى الراضع ولا ارتباط له بولد المرضعة أصلاً. وأمّا فهم ابن بكير فليس حجّة علينا.

نعم، نقل في الجواهر عبارات المقنعة والنهاية والمبسوط والخلاف والمراسم وادّعى إجمالها وعدم ظهورها في عدم اشتراطه.ولكن الانصاف عدم الإجمال فيها، بل هي بإطلاقها تنفي اشتراط شيء آخر في الرضاع.

وقد أيّد صاحب الجواهر فهم ابن أبي بكير بأنّه لو نزّل كلام الأصحاب على إرادة حولي المرتضع خاصة، فعندئذ يكون لا حدّعندهم لمدّة الرضاع بالنسبة إلى المرضعة فانّه يبقى رضاعها مؤثراً ولو سنين متعددة، وهو مع إشكاله في نفسه لكونه حينئذ كالدّرّ ، مناف لعادتهم من عدم إهمال مثل ذلك، خصوصاً بعد أن تعرض له العامة.(2)

يلاحظ عليه: أنّه لامانع من أن لايكون لمدّة الرضاع بالنسبة إلى المرضعة حدّ، مادام يصدق على عملها الرضاع، وعلى ما يتغذى به المرتضع اللبن. مع أنّ الخاصة إذا أهملته، فقد أهمله العامة أيضاً فلم يتعرّضوا لحدّالرضاع بالنسبة إلى المرتضع كما لايخفى على من أمعن النظر فيها.

على أنّه، يمكن إثبات نشر الحرمة عن طريق الاستصحاب، فيقال بأنّ إرضاع هذه المرأة عندما كان ولدها دون الحولين كان سبباً لنشر الحرمة، والأصل بقاؤه على ما كان.


1 . حاشية التاج:2/266.
2 . الجواهر:29/299.


(293)

هاهنا فروع تترتّب على ما مضى:

1ـ لو مضى من عمر ولدها أكثر من حولين، ثمّ ارضعت من هو دون الحولين، نشر الحرمة على المختار، دون القول الآخر.

2ـ لو مضى لولدها أكثر من حولين، ثمّ أرضعت من هو دونهما، العدد إلاّ رضعة واحدة، فتمّ حولاه، ثمّ رضع الباقي بعدهما، لم ينشر على القولين، لوقوع بعض الرضعات خارج الحولين.

وهنا بحث لايختص بالمقام وهو أنّ التحديدات الواردة في الشرع من الأوزان والمثاقيل، والشهور والسنوات، والتقدير بالأشبار والمساحات، هل تجب فيها الدقة العقلية، فلو وقعت الرضعة أو بعضها في الدقائق المتعلّقة بالسنة الثالثة، لما نشرت الحرمة ،لأنّه لايصدق عليه أنّه رضع في الحولين، أو نُقِص الماء المقدّر بالأرطال والأشبار مقداراً طفيفاً، أو كانت الغلّة قريبة من النصاب ولم ينقص منها إلاّ مثقالاً أو مثقالين، لما كان الماء عاصماً ولاتعلّقت الزكاة بالغلّة، لعدم صدق الحدّبالدقة العقلية.

أو يكفي فيه الصدق العرفي، إذا كان العرف منعزلاً عن الدّقة العقلية. فإذا كانت الحنطة الموجودة مائة منّ إلاّمثقالاً، أو كان الماء مائة منّ إلاّ مثقالين، فلايتوقّف العرف في إطلاق المائة عليهما، مع علمه بالنقصان.

فإذا كانت التحديدات الشرعية واردة على مستوى الأفهام العرفية من دون مراعاة تلك الدقة العقلية، فيدور الحكم مدار صدقها العرفي، وإن كان الموضوع منتفياً في نظر العرف. وعلى ما ذكرناه تبتني أحكام متعددة في مختلف الأبواب ومنها نشر الحرمة في الفرع المزبور.

3ـ الصورة السابقة مع وقوع الرضعة الأخيرة في الحولين، لكنّه لم يرتوِ منها


(294)

فيهما. والكلام فيها عين ما تقدّم في سابقتها.

4ـ الصورة السابقة، ولكن تمّت الرضعة الأخيرة مع تمام الحولين، ينشر على المختار دون القول الآخر.

في كون الشهور هلالية أو عددية

مبدأ الحولين من حين انفصال الولد، فإن كان أوّل شهر فواضح، وإلاّ فيكمل المنكسر من الشهر الخامس والعشرين على وجه يكون شهراً هلالياً أو عددياً. والفرق بينهما واضح، فلو كان الشهر الذي ولد فيه، غير كامل، حسب مثله في الخامس والعشرين إذا قلنا بتكميله هلالياً، دون ما إذا قلنا بتكميله عددياً. فلو ولد في اوّل نهار الحادي والعشرين من رجب، وكان الشهر غير كامل، يكمل ذلك الشهر بعشرين يوماً من الشهر الخامس والعشرين بحساب كون الشهر هلالياً، أعني: تسعة وعشرين يوماً بخلاف ما إذا قلنا بتكميله شهراً عددياً فانّه يحسب من الشهر الخامس والعشرين، واحد وعشرون يوماً حتّى يكون مع التسعة أيّام شهراً عددياً، أعني: ثلاثين يوماً.

ويحتمل إكماله ممّا يليه من الشهر وهكذا، فيجري الانكسار في الجميع حينئذ، والتكملة عند ذاك إمّا هلالية أو عددية. والفرق بينهما كالفرق بين السابقين فلو قلنا بالتكملة الهلالية حسب نقصان الشهر الأوّل بمقدار نقصانه. فلو رؤي الهلال في ليلة الثلاثين وتولِّد الرضيع في اوّل نهار اليوم الحادي والعشرين ، كفى ضمّ عشرين يوماً من الشهر الثاني لا أكثر، فيصير شهراً هلالياً، تسعة وعشرين يوماً.ومثله الشهر التالي بالنسبة إلى الثالث وهكذا بخلاف ما إذا قلنا بتكميله عددياً، وذلك أنّه لو كان الشهر الذي تولّد فيه تسعة وعشرين يوماً، لزم ضمّ واحدوعشرين يوماً إلى هذه التسعة حتّى يصير شهراً كاملاً عددياً، وهكذا


(295)

الشهر التالي بالنسبة إلى الثالث.

فإن قلت: ما الفرق بين إكمال الشهر الأوّل من الشهر الخامس والعشرين وبين إكماله من الشهر الذي يليه.

قلت: الفرق بين الهلالي الأوّل والثاني واضح، فانّه في الفرض يحسب الشهر الأوّل هلالياً فقط، وأمّا الشهور الأُخر فالحاسب بالخيار بين حسابها عددية أو هلالية. وهذا بخلاف ما إذا ضرب الكسر على الشهور، فانّ الشهور عامة تحسب هلالية.ومثله الفرق بين العدديين ، فانّه في الفرض الأوّل يحسب الشهر الأوّل عددياً، وأمّا الشهور الأُخر فيمكن أن تحسب هلالية أو عددية.وأمّا إذا ضرب الكسر على الجميع، فالشهور كلّها عددية، وعند ذاك تزيد عدد الأيّام على الهلالي في ظرف السنتين كثيراً.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر احتمل وجهاً آخر، فقال: المراد من تحقّق الحولين هو أربعة وعشرين شهراً هلالياً على وجه يخرج المنكسر عنهما وإن لحقه الحكم(1) والظاهر أنّ مراده أنّه تحسب السنتان من أوّل الشهر الهلالي إلى أربعة وعشرين شهراً، فلو تولّد في الحادي والعشرين من رجب، تحسب السنتان من أوّل شعبان، وأمّا المنكسر فلايحسب من السنتين وإن نشر الحرمة إذا رضع فيه على الشرائط المعلومة.

الشرط الخامس:

اتّحاد الفحل

وقبل إيراد الروايات الواردة في الباب وتوضيح مفادها نذكر أُموراً:

الأمر الأوّل: ممّا انفردت به الإمامية شرطية كون اللبن لفحل واحد، وليس


1 . الجواهر:29/296، س5.


(296)

من هذا الشرط أثر في كلمات سائر الفقهاء، فالإخوة للأُمّ عندهم كالإخوة للأب، بلا فرق بينهما. بل يظهر من بعضهم إرجاع الثانية إلى الثانية. روى الترمذي قال: «سئل ابن عباس عن امرأتين في عصمة رجل، أرضعت إحداهما جارية، والأُخرى غلاماً، أتحلّ الجارية للغلام؟ فقال: لا، إنّ اللقاح واحد».وأوضحه الترمذي قائلاً: أي لقاحهما من رجل واحد، فكأنّ الجارية والغلام رضعا من امرأة واحدة، وعليه أحمد وإسحاق.(1)

وكيف كان فالمسألة قد عنونت عند العامة بصورة تختلف عمّا عند الإمامية. فلاخلاف عند العامة في كفاية الاتّحاد في الأُمّ وإن اختلف الفحل، وإنّما اختلفوا في كفاية الاتّحاد في الفحل مع اختلاف الأُمّ، والمشهور عندهم كما سيأتي كفايته أيضاً، وروي عن طائفة منهم عدم الإجزاء.

فالأساس الذي تبنى عليه هذه المسألة هو أنّ الإُخوة من جانب الأب ـ وإن اختلفا من جهة الأُمّ ـ ناشرة للحرمة أو لا؟ ذهبت الإمامية إلى الأوّل وجماعة من الفقهاء إلى الثاني، فلايكون من الرضاع أب ولا عمّ ولاعمّة....

قال الشيخ في الخلاف: «وذهبت طائفة إلى أنّ لبن الفحل لاينشر الحرمة، ولايكون من الرضاع أب ولا عمّ، ولا عمَّة، ولاجدّ أبو أب، ولا أخ لأب ولهذا الفحل أن يتزوّجها، أعني: التي أرضعتها زوجته. ذهب إليه (ابن خ ل) الزبير، وابن عمر، وفي التابعين سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وفي الفقهاء ربيعة بن أبي عبد الرحمان أُستاذ مالك، وحمّاد بن أبي سليمان أُستاذ أبي حنيفة، والأصم، وابن علّية وهو أُستاذ الأصم، وبه قال أهل الظاهر داود وشيعته».ثمّ ردّ هذا القول بإجماع الفرقة وأخبارهم ،وبما رواه القوم عن عائشة، قالت: «دخل عليَّ أفلح بن تعيس فاستترت منه، فقال: أين تستترين منّي وأنا عمّك؟ قالت: قلت: من


1 . التاج:2/266.


(297)

أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي، قلت: إنّما أرضعتني امرأة ولم يرضعني الرجل. فدخلت على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فحدثته فقال: إنّه عمّك فليلج عليك! قال الشيخ : وهذا نصّ في المسألة فانّه أثبت الاسم والحكم معاً، وقد نقل هذا بألفاط أُخر». (1)

وقال ابن رشد: «وأمّا هل يصير الرجل الذي له اللبن: أعني زوج امرأة، أباً للمرتضع حتّى يحرم بينهما ومن قبلهما ما يحرم من الآباء والأبناء الذين من النسب، وهي التي يسمّونها لبن الفحل؟فانّهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي والثوري: لبن الفحل يحرم، وقالت طائفة لا يحرم لبن الفحل.وبالأوّل قال علي وابن عباس،وبالقول الثاني قالت عائشة وابن الزبير وابن عمر. وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الكتاب لحديث عائشة المشهور، أعني: آية الرضاع، وحديث عائشة هو (2)...أخرجه البخاري ومسلم ومالك، فمن رأى أنّ ما في الحديث شرع زائد على ما في الكتاب، وهو قوله تعالى: «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرِّضاعَةِ» ، وعلى قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» قال: لبن الفحل محرّم ومن رأى أنّ آية الرضاع وقوله:«يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة»، إنّما ورد على جهة التأصيل لحكم الرضاع، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، قال:ذلك الحديث إن عمل بمقتضاه أوجب أن يكون ناسخاً لهذه الأُصول، لأنّ الزيادة المغيّرة للحكم ناسخة، مع أنّ عائشة لم يكن مذهبها التحريم بلبن الفحل وهي الراوية للحديث، ويصعب ردّ الأُصول المنتشرة التي يقصد بها التأصيل والبيان عند وقت الحاجة، بالأحاديث النادرة وبخاصة التي تكون في عين. ولذلك قال عمر في حديث فاطمة بنت قيس:لاتترك كتاب اللّه لحديث امرأة».(3)


1 . الخلاف3/67ـ 68، كتاب الرضاع، المسألة 2.
2 . جاء حديث عائشة في ضمن كلام «الخلاف» فراجع.
3 . بداية المجتهد2/38ـ39.


(298)

وقد نقلنا كلام ابن رشد بطوله ليعلم ما هو محطّ البحث بين الأُمة في عصور الأئمّة وبعدها، وأنّ طائفة من العامة يشترطون اتّحاد الأُمّ تمسّكاً بنصّ الكتاب، ويجعلون كلّ الاعتبار للإخوة للأُمّ فقط ولايكتفون بها للأب، ومنهم من يرى كفاية كلّ واحد منهما، الوحدة في الأُمّ المرضعة أو في الفحل صاحب اللبن.

وأمّا الخاصّة، فالملاك عندهم بلا خلاف إلاّ من الطبرسي، الاتّحاد في الفحل، ولولاه لما كفى الاتّحاد في المرضعة.

الأمر الثاني: ليعلم أنّ الاتّحاد في الأُم مع اختلاف الفحل إنّما لايكفي إذا كان الرضيعان أجنبيين بالنسبة إلى الأُمّ المرضعة، وأمّا إذا كان أحدهما نسبياً لها والآخر المرتضع أجنبياً، فانّه ينشر الحرمة بينهما وإن اختلف الفحلان.

كما أنّ إتّحاد الفحل شرط لنشر الحرمة بين الرضيعين، وليس شرطاً لأصل الرضاع. فعلى هذا فالرضاع ناشر للحرمة بين المرضعة والمرتضع مطلقاً، وكذا بين كلّ من الفحلين والمرتضع، كلّ بالنسبة إلى لبنه، فإذا رضعت امرأة غلاماً وجارية، بلبن فحلين فلا ينشر الحرمة بالنسبة إلى الغلام والجارية، نعم ينشر الحرمة بالنسبة إلى فحل كل واحد منهما. كما سيوافيك في رواية «بريد العجلي».

الأمر الثالث: قال المحقّق ـ رحمه اللّه ـ في الشرائع:

1ـ لو أرضعت بلبن فحل واحد مائة، حرم بعضهم على بعض.

2ـ لو نكح الفحل عشراً وأرضعت كلّواحدة واحداً أو أكثر، حرم التناكح بينهم جميعاً.

3ـ لو أرضعت اثنين بلبن فحلين، لم يحرم أحدهما على الآخر.

وادّعى عليه في الجواهر الإجماع بقسميه، وقال عند البحث عن الفرع الثالث:«على المشهور بين الأصحاب كادت تكون إجماعاً، بل عن السرائر


(299)

والمبسوط والتذكرة الإجماع عليه».(1)

وحدة الفحل في الروايات

وأمّا روايات الباب الدالة على ما تقدّم فهي على قسمين:

الأوّل: الروايات التي تصرّح بعدم كفاية الوحدة في الأُم.

الثاني: الروايات التي تعتبر الوحدة في الفحل.

أمّا ما يدلّ على عدم كفاية الوحدة في الأُمّ، فمنه رواية بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فسِّر لي ذلك؟ فقال: «كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أُخرى من جارية أو غلام، فذلك الذي قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،وكل امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحداً بعد واحد من جارية أو غلام فانّ ذلك رضاع ليس بالرضاع الذي قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وإنّما هو من نسب ناحية الصهر رضاع، ولايحرم شيئاً، وليس هو سبب رضاع من ناحية لبن الفحولة فيحرم».(2)

وقوله: «واحداً بعد واحد» مفعول لقوله: «أرضعت»، وقوله: «من جارية أو غلام» بيان «واحد بعد واحد». وعند ذاك فلابدّ أن يفرض الرضيعان أجنبيين كما هو ظاهر صدره، أعني: قوله ـ عليه السّلام ـ : «أرضعت ولد امرأة أُخرى من جارية أو غلام» فلاينشر الحرمة بالنسبة إليهما، وإن اتحدت الأُم، لاختلافهما في الفحل نعم لو كان واحد منهما نسبياً بالنسبة إلى الأُمّ لايشترط فيه حسب مختار المشهور. كما مرّ وعلى أيّ تقدير يكون دليلاً على ما ذهب إليه المشهور في المقام.


1 . الجواهر:29/303.
2 . الوسائل: 14،كتاب النكاح، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1، والرواية صحيحة.


(300)

وأمّا القسم الثاني وهي الروايات التي تعتبر الوحدة في الفحل:

فمنها: موثقة زياد بن سوقة: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ : هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لايحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد، وأرضعتهما امرأة أُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».(1)

فانّ قوله ـ عليه السّلام ـ : «من لبن فحل واحد» ، دليل على المدّعى. لكن الحديث يشتمل على شرط آخر وهو لزوم الاتّحاد في الأُمّ الذي لانقول به كما تقدّم في بعض الفروع.

ومنها: رواية عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن لبن الفحل؟ قال: «هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك، ولد امرأة أُخرى، فهو حرام».(2) ولكن الرواية ليست صريحة فيما نريد لاحتمال انطباقها على القول المشهور بين العامة وهو كفاية الاتّحاد في واحد من الفحل أو المرضعة.

ومنها: رواية سماعة قال: سألته عن رجل كان له امرأتان، فولدت كلّ واحدة منهما غلاماً، فانطلقت إحدى امرأتيه فأرضعت جارية من عرض الناس، أينبغي لابنه أن يتزوج بهذه الجارية؟قال: «لا، لأنّها أرضعت بلبن الشيخ»(3) والرواية دالّة على المطلوب لأنّه ـ عليه السّلام ـ علّل الحرمة بوحدة الفحل ولم يعلّل بوحدة أُمّهما.

ومنها: رواية مالك بن عطيّة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في الرجل يتزوّج المرأة


1 . المصدر نفسه، الباب 2، الحديث 1.
2 . الوسائل:14، كتاب النكاح، ما يحرم بالرضاع، الباب 6، الحديث 4، والرواية صحيحة.
3 . المصدر نفسه، الحديث 6، والرواية موثقة مضمرة.


(301)

فتلد منه ثمّ ترضع من لبنه جارية، يصلح لولده من غيرها أن يتزوّج تلك الجارية التي أرضعتها؟ قال:«لا، هي بمنزلة الأُخت من الرضاعة، لأنّ اللبن لفحل واحد».(1)

ودلالة الرواية كسابقتها.

ومنها: رواية صفوان عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له. أرضعت أُمّي جارية بلبني، فقال: «هي أُختك من الرضاعة»، قلت: فتحلّ لأخ لي من أُمّي لم ترضعها أُمّي بلبنه يعني ليس بهذا البطن ولكن ببطن آخر، قال: «والفحل واحد؟» قلت: نعم، هو أخي (هي أُختي خ ل) لأبي وأُمّي، قال: «اللبن للفحل، صار أبوك أباها وأُمّك أُمّها».(2)

والرواية دالّة على المطلوب، بدليل سؤاله ـ عليه السّلام ـ عن وحدة الفحل دون الأُمّ، فيعلم اشتراطه .نعم الرواية كسابقتها من الروايات لاتدلّ على اشتراط وحدة الفحل إلاّ بضميمة الروايات التي قدّمناها الدالة على عدم كفاية الوحدة في الأُمّ.

وظاهر هذه الرواية اشتراط وحدة الفحل بين الابن النسبي للمرضعة والأجنبي المرتضع منها، مع أنّ المشهور عندهم عدم شرطيته إلاّ في المتراضعين الأجنبيين، فتكون الرواية ظاهرة في خلاف مختار المشهور .

وهنا روايات أُخرى تختلف دلالتها في اعتبار وحدة الفحل. وكيف كان فالظاهر من مجموع الروايات الدال بعضها على عدم كفاية الوحدة في الأُمّ، وبعضها الآخر على اعتبار الوحدة في الفحل، كون اتّحاد الفحل شرطاً في نشر الحرمة، فيكفي فيها ولو وقع الاختلاف في الأُمّ المرضعة، ويظهر بذلك دليل الفروع


1 . الوسائل:14، كتاب النكاح، ما يحرم بالرضاع، الباب 6، الحديث 13.
2 . المصدر نفسه، الباب 8، الحديث 3،والرواية صحيحة.


(302)

التي تقدّمت.

وما ذكرناه من اشتراط وحدة الفحل بين الرضيعين الأجنبيين دون النسبي والأجنبي هو المشهور وهناك مذهبان آخران يقعان بين الإفراط والتفريط، فراجع رسالة قاعدة الرضاع تقريراً لأبحاثنا في هذا المقام. بقلم المحقّق: الشيخ حسن مكي العاملي ـ حفظه اللّه ـ.

تمّ الكلام في السبب الثاني وحان حين البحث عن السبب الثالث

وهو المصاهرة وتوابعها وهو الفصل التاسع.


(303)

الفصل التاسع:

في السبب الثالث:

التحريم بالمصاهرة

أ: العقد الصحيح مع الدخول بالزوجة يحرِّم

1 ـ أُمّ الزوجة على الزوج.

2 ـ وبنت الزوجة على الزوج.

3 ـ حليلة الابن على الأب.

4 ـ زوجة الأب على الابن.

ب: وإذا تجرّد العقد عن الدخول بالزوجة تحرِّم الثلاثة عيناً إلاّ بنت الزوجة فانّها تحرم جمعاً، لا عيناً.

ج: تحريم الجمع

1 ـ حرمة الجمع بين الأُختين

2 ـ الفروع الموجودة في المقام

3 ـ حرمة نكاح بنت الأخ أو الأُخت على العمّة والخالة.

4 ـ ادخال العمّة والخالة عليهما .


(304)


(305)

أسباب التحريم

3

المصاهرة

المصاهرة في اللغة بمعنى الزواج، قال الفيّومي في المصباح: وصاهرت إليهم: إذا تزوّجت منهم. وهي في مصطلح الفقهاء تطلق على كلّ علاقة بين الزوجين وأقرباء كلّ منهما بسبب النكاح.

وأمّا الحرمة بسبب نفس الوطء أو النظر واللمس وغيرها ـ ممّا سيأتي ـ فهي خارجة عن باب المصاهرة، نعم ليست المصاهرة عنواناً للحرمة في الكتاب والسنّة، وإنّما عنوان انتزاعي يطلق على كلّ علاقة بين الزوجين وأقرباء كلّ منهما بسبب النكاح، لكن الحرمة بالمصاهرة تختصّ بما إذا كانت المصاهرة بهذا المعنى سبباً لها، وأمّا إذا كان السبب أمراً غيرها كما عرفت فهو خارج عن صلب الموضوع وإنّما يبحث عنها بعنوان اللواحق.

واعلم أنّه سبحانه حرّم أربع عشرة امرأة:

سبع منها بالنسب وهي ما جاءت في الآية الكريمة: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ»«أُمَّهاتُكُـمْ » ، 2ـ «وَبَنـاتُكُـمْ » ، 3ـ «وَأَخَواتُكُـمْ»، 4ـ «وَعَمّاتُكُـمْ»، 5ـ«وَخالاتُكُمْ» ، 6ـ «وَبَناتُ الأَخِ» ، 7ـ «وَ بَناتُ الأُخْتِ» .

واثنتان منها بالرضاع كما في قوله تعالى: 1ـ «وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ»، 2ـ «وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرِّضاعَة».

وأربع منها بالمصاهرة كما في قوله تعالى:1ـ «وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ» ، 2ـ«وَرَبائِبِكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ»،3ـ«وَحَلائِلِ


(306)

أَبْنائِكُمْ» ، 4ـ و زوجات الآباء كما في قوله تعالى:«وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤكُمْ مِنَ النِّساءِ» .

وواحدة بالجمع كما في قوله تعالى:«أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَينِ» .

وعلى ضوء ذلك فنقدّم البحث عن هذه المسائل التي تكون الحرمة فيها لأجل المصاهرة.ثمّ نبحث عن التوابع .

حرمة النساء الأربع بعينها بالمصاهرة

1ـ أُمّهات النساء

2ـ الربائب من النساء المدخول بها.

3ـ حلائل الأبناء.

4ـ زوجات الآباء.

ولمّا كانت المصاهرة متحقّقة بمجرّد العقد، يقع الكلام في حرمة هؤلاء في مقامين:

الأوّل: إذاكان هناك عقد ووطء فتحرم هؤلاء النساء الأربع.

الثاني: إذا كان هناك عقد على الزوجة مجرّداً من الوطء فهل يحرِّم العقد المجرّد على الزوجة هؤلاء النساء الأربع أو لا؟ فيقع الكلام في مقامين :

المقام الأوّل:

العقد المقرون بالدخول بالزوجة، يحرّم النساء الأربع

إنّ الوطء الصحيح وهو الوطء بالعقد الصحيح دواماً أو متعة بل ملكاً وتحليلاً موضوع لحرمة النساء الأربع إليها:

1ـ من وطأ امرأة بالعقد الصحيح دواماً أو متعة حرمت على الواطئ، أُم


(307)

الموطوءة وإن علت لأب أو أُمّ، لقوله سبحانه:«وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ» .(النساء/23) وإطلاقه يعمّ جميع الأُمّهات دانيتها وعاليتها.

2ـ من وطأ امرأة بالعقد الصحيح حرمت على الواطئ بنت الموطوءة وإن سفلت لقوله سبحانه:«وَ رَبائبُكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» (النساء/23) والتقييد في الآية خرج مخرج الغالب والوصف للتعريف لا للتخصيص، والأخبار من الفريقين مستفيضة روى إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه: انّ عليّاً ـ عليه السّلام ـ كان يقول: «الربائب عليكم حرام من الأُمّهات التي قد دخل بهنّ، هنّ في الحجور وغير الحجور سواء».(1)

قال في الخلاف: إذا دخل بالأُمّ حرمت البنت على التأبيد، سواء كان في حجره أو لم تكن، وبه قال جميع الفقهاء، وقال داود:إن كانت في حجره حرمت عليه وإن لم تكن في حجره لم تحرم عليه. دليلنا; إجماع الفرقة وأمّا قوله تعالى: «وَرَبائبُكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُم » فليس ذلك شرطاً في التحريم وإنّما وصفهن بذلك لأنّ الغالب تكون في حجره.(2)

إنّ وجه الحمل على الغالب هو أنّ المطلّقة أو المتوفّى عنها زوجها كانت تسلِّم أبناء الزوج إليه أو إلى أوليائه وتأخذ الإناث من أولاده لنفسها لاهتمام العرب بالذكور دون الإناث، فالزوجة المطلقة أو المتوفّى عنها زوجها تدخل إلى بيت الزوج الثاني بما معها من البنات.

قال ابن قدامة: بنات النساء اللاتي دُخِلَ بهنّ وهم الربائب فلا يحرمن إلاّ بالدخول بأُمّهاتهنّ وهي كلّ بنت للزوجة من نسب أو رضاع، قريبة أو بعيدة، وارثة أو غير وارثة، إذ دخل بالأُمّ حرمت عليه سواء كانت في حجره أو لم تكن، في


1 . الوسائل،14، الباب 18، من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3، و لاحظ4، 5، 6 وغيرها.
2 . الخلاف:4، كتاب النكاح، المسألة 76.


(308)

قول عامة الفقهاء إلاّ أنّه روي عن عمر وعلي رضي اللّه عنه ـ أنّهما رخّصا فيها إذا لم تكن في حجره ، وهو قول داود لقول اللّه تعالى:«وَ رَبائبُكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُم» قال ابن المنذر: وقد أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول.(1)

وما نقله عن علي ـ عليه السّلام ـ ليس في كتبنا منه عين ولا أثر وأهل البيت أدرى بما في البيت ، نعم روى صاحب الاحتجاج عن محمّد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان أنّه كتب إليه: هل يجوز للرجل أن يتزوّج بنت امرأته؟فأجاب ـ عليه السّلام ـ : «إن كانت ربّيت في حجره فلايجوز، وإن لم تكن ربيت في حجره وكانت أُمّها في غير حباله فقد روي أنّه جائز».(2)

إنّ ذيل الحديث ونسبة الجواز إلى الرواية مشعر بأنّه لم يكن من رأيه ـ عليه السّلام ـ . ولعلّ التقييد بكونها في غير حباله لأجل عدم جواز الجمع بين الأمّ والبنت.

3ـ ومن وطأ امرأة بالعقد الصحيح يحرم على الموطوءة أبو الواطئ وإن علا وأولاده وإن سفلوا تحريماً مؤبداً.

أمّا حرمتها على أب الواطىء لقوله سبحانه: «وَ حَلائِلِ أَبْنائِكُمُ الّذينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ» . (النساء/23)

والتقييد بالأصلاب لإخراج من لم يكن من الصلب كالذي يتبنّى.

4ـ وأمّا حرمتها على أولاده لقوله سبحانه:«وَ لا تَنْكِحُوا مانَكَحَ آباؤُكُمْ» . (النساء/22) والحكم من المسلّمات عند الفقهاء.

فقد تبينت حرمة النساء الأربع بالعقد على الزوجة مع الدخول بها وحان حين الكلام في المقام الثاني. ولم يراع الترتيب في ذكر النساء الأربع الموجود في المقام الأوّل فنذكر.


1 . المغني: 7/472 و 473.
2 . الوسائل:14، الباب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 7.


(309)

المقام الثاني:

العقد المجرّد عن الوطء وحكم النساء الأربع

1ـ لو عقد على امرأة مجرّداً عن الوطء حرمت المعقودة على أب العاقد وإن علا لقوله سبحانه:«وَ حَلائِلِ أَبْنائِكُم» أى بالنكاح الشامل للمدخول بها وغيرها والنكاح بمعنى العقد لا الوطء، قال سبحانه:«يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّة تَعْتَدُونَها» (الأحزاب/49)، وقال سبحانه:«وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً»(الأحزاب/53)، وقال سبحانه:«وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ»(النساء/127) ولعلّك لاتجد مورداً في القرآن استعمل فيه لفظ النكاح في الوطء حتّى في قوله سبحانه:«حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» (البقرة/230) فإنّ النكاح هناك أيضاً بمعنى العقد، وشرطية الدخول في حصول التحليل علم من الخارج لقولهم ـ عليهم السّلام ـ : «حتّى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته».(1)

2ـ لو عقد على امرأة مجرّداً عن الوطء حرمت المعقودة على أولاد العاقد، لقوله سبحانه:«و لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ» وقد عرفت أنّ النكاح بمعنى العقد والزواج، وتضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على الحرمة. ويظهر من الروايات أنّها من سنن عبد المطلّب ففي وصية النبي لعليّ ـ عليه السّلام ـ قال: «يا علي إنّ عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه عزّ وجلّ له في الإسلام : حرّم نساء الآباء على الأبناء، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: «و لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساء»» .(2)


1 . الوسائل: 15، الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1ـ3.
2 . الوسائل:14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 10، ولاحظ بقية روايات الباب.


(310)

وروى يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي إبراهيم موسى ـ عليه السّلام ـ : رجل تزوّج امرأة فمات قبل أن يدخل بها أتحلّ لابنه؟فقال: «إنّهم يكرهونه لأنّه ملك العقدة».(1)

3ـ لو عقد على امرأة مجرّداً عن الوطء حرمت بنتها على العاقد جمعاً لاعيناً، فلو فارق الأُمّ ولم يدخل بها جاز تزويج البنت لقوله تعالى:«وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمْ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بهِِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ» .(النساء/23). والمسألة مورد اتّفاق بين المسلمين.

4ـ لو عقد على امرأة مجرّداً عن الوطء تحرم ـ عند فقهائنا ـ أُمّها بنفس العقد وإن لم يدخل بها .

قال الشيخ في الخلاف: إذا تزوّج بامرأة حرمت عليه أُمّها ، وجميع أُمّهاتها، وإن لم يدخل بها، وبه قال في الصحابة: عبد اللّه بن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري. وبه قال جميع الفقهاء إلاّ أنّ للشافعي فيه قولين، و رووا عن علي ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: «لاتحرم الأُمّ بالعقد، وإنّما تحرم بالدخول كالربيبة، سواء طلّقها أو مات عنها»، وبه قال ابن الزبير وعطاء وقال زيد بن ثابت: إن طلّقها جاز له نكاح الأُمّ، وإن ماتت لم يحلّ له نكاح الأُمّ، وإن ماتت لم يحلّ له نكاح أُمّها، فجعل الموت كالدخول، دليلنا : قوله تعالى: «وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ» ، فأبهم ولم يشترط الدخول. وقال ابن عباس في هذه الآية: أبهِمُوا ما أبهم اللّه سبحانه.

وروي مثل ذلك عن أئمّتنا ـ عليهم السّلام ـ وعليه إجماع الفرقة، وقد رويت رواية شاذة مثلما روته العامة عن علي ـ عليه السّلام ـ .(2)


1 . الوسائل:14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث9، ولاحظ سائر روايات الباب.
2 . الخلاف:3، كتاب النكاح ، المسألة 75.


(311)

وقال ابن قدامة: من تزوّج امرأة حرم عليه كلّ أُمّ لها من نسب أو رضاع قريبة أو بعيدة بمجرّد العقد نصّ عليه أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم ابن مسعود، وابن عمر، وجابر وعمران بن حصين، وكثير من التابعين، وبه يقول مالك والشافعي، وحكي عن علي ـ عليه السّلام ـ أنّها لاتحرم إلاّ بالدخول بابنتها كما لاتحرم ابنتها إلاّ بالدخول.

لنا قول اللّه تعالى: «وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُم» ، والمعقود عليها من نسائه، فتدخل أُمّها في عموم الآية، قال ابن عباس: أبهِمُوا ما أبهم القرآن.أي عمِّموا حكمها في كلّ حال ولاتفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها، وروى عمر بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النبيّ قال: «من تزوّج فطلّقها قبل أن دخل بها لابأس أن يتزوّج ربيبته ولايحلّ له أن يتزوّج أُمّها». رواه أبو حفص باسناده ، وقال زيد:تحرم بالدخول أو بالموت، لأنّه يقوم مقام الدخول.(1)

أقول: المشهور بين علمائنا هو حرمة الأُمّ على العاقد مطلقاً دخل بالبنت أو لا، إلاّ ما روي عن ابن أبي عقيل من الذهاب إلى عدم الحرمة إلاّ بالدخول والآية في جانب الأُمّ مطلقة، دون جانب البنت فانّ الحرمة فيها مقيّدة بالدخول بالأُمّ. وليس حرمة الأُمّ كذلك، قال سبحانه: «وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» (النساء/23) فابن أبي عقيل، جعل قوله:«مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنّ» قيداً، لكلتا الجملتين فكأنّه سبحانه قال: وأُمّهات نسائكم... من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ... وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ. ولكنّه مرفوض بوجوه:

1ـ إنّ القيد الواقع بعد جملتين أو أكثر، يعود إلى الجملة الأخيرة ولايعود إلى الجميع إلاّ بالقرينة الدالّة على خلاف ذلك وهي في المقام منتفية.


1 . المغني: 7/473.


(312)

2ـ إذا جعل قوله :«مِنْ نِسائِكُمْ» قيداً للجملة الأُولى يكون حرف الجرّ(من) بيانيّة لبيان الجنس وتمييز المدخول بهنّ من غير المدخول بهنّ فيكون معنى الآية:حرّمت أُمّهات النساء اللاتي دخلتم بهنّ وإذا جعل قيداً لربائبكم تكون ابتدائية لابتداء الغاية كما نقول: بنات رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من خديجة. قال سبحانه :«يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة» (النساء/1) واللفظة لاتتحمل كلا المعنيين إلاّ بالقرينة.

3ـ إنّ الروايات المتضافرة عن الفريقين ، تدلّ على أنّ الجملة الأُولى مطلقة، مرسلة مبهمة، والقيد يرجع إلى الثانية، روى إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه عن علي ـ عليه السّلام ـ في حديث قال: «والأُمّهات مبهمات»(1) دخل بالبنات أو لميدخل بهنّ، فحرِّموا وأبهِمُوا ما أبهم اللّه.(2)

روى العياشي: عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السلام ـ عن رجل تزوج امرأة و طلّقها قبل أن يدخل بها أ تحلّ له ابنتها؟ قال: فقال: «قد قضى في هذا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ لابأس به إنّ اللّه يقول : «و ربائبكم اللاتي...» إلى أن قال: لو تزوج الابنة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها، لم تحلّ له أُمّها» قال: قلت له: أليس هما (الأُمّ والابنة) سواء؟ قال: فقال: «لا ليس هذه مثل هذه إنّ اللّه يقول: «وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ»لميستثن في هذه كما اشترط في تلك، هذه هاهنا مبهمة ليس فيها شرط وتلك فيها شرط».(3)

وأظنّ دراسة الآية، أغنتنا عن التمسك بدليل آخر، وقد ورد في السنّة ما يدلّ على التحريم مطلقاً.


1 . والإبهام يستعمل بمعنى الإغلاق من إبهام الباب: بمعنى إغلاقه، وغير المبيّن وكان الجملة الأُولى لم تفصل بشيء من القيد، بخلاف الجملة الثانية.
2 . الوسائل:14، الباب20، من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2و7 وسيأتي بعض ما يتعلّق بالآية عند نقل دليل المخالف، فانتظر.
3 . الوسائل:14، الباب20، من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2و7 وسيأتي بعض ما يتعلّق بالآية عند نقل دليل المخالف، فانتظر.


(313)

روى غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه أنّ علياً ـ عليه السّلام ـ قال: «إذا تزوّج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالأُم ، فإذا لم يدخل بالأُمّ فلابأس أنيتزوّج بالابنة، وإذا تزوّج بالابنة فدخل بها أو لم يدخل فقد حرمت عليه الأُمّ».(1)

تحليل دليل المخالف

بقي الكلام في دليل المخالف أهمّها صحيحة منصور بن حازم قال: كنت عند أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوّج امرأة فماتت قبل أنيدخل بها أيتزوّج بأُمّها؟ فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «قد فعله رجل منّا فلمير به بأساً» فقلت له: جعلت فداك ما تفخر الشيعة إلاّ بقضاء علي ـ عليه السّلام ـ في هذا الشمخية التي أفتاها ابن مسعود أنّه لابأس بذلك ثمّ أتى عليّاً ـ عليه السّلام ـ فسأله فقال له علي ـ عليه السّلام ـ : «من أين أخذتها»؟ قال: من قول اللّه عزّ وجلّ: «وَرَبائِبُكُمُ اللاّتي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ» فقال علي ـ عليه السّلام ـ : «إنّ هذا مستثناةوهذا مرسلة:«وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُم» » إلى أن قال: فقلت لها: ما تقول فيها؟فقال: «ياشيخ تخبرني أنّ عليّاً ـ عليه السّلام ـ قضى بها وتسألني ما تقول فيها».(2)

أقول: إنّ الرواية على عكس المقصود أدلّ وذلك من وجهين:

1ـ يكشف عن أنّ الرأي المعروف بين الشيعة هو الحرمة مطلقاً وأنّ الشيعة كانت تفتخر بذلك مقابل ابن مسعود الذي أفتى بعدم البأس.


1 . الوسائل:14، الباب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 4.
2 . المصدر نفسه، الباب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1، وقد لخّصه صاحب الوسائل ونقله العياشي بالتفصيل، لاحظ تعليقة الوسائل.


(314)

قوله:«إنّ هذا مستثناة» راجع إلى حرمة الربيبة، أي قيّدت حرمتها بعدم الدخول بامّها. وقوله:«هذا مرسلة» راجع إلى حرمة الأُمّ فهي مطلقة غير مقيّدة وقد جاء في بعض الروايات مكانها لفظ «مبهمة» قوله:«وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُم» عطف بيان لقوله «وهذا مرسلة» والواو، جزء الآية وليست بعاطفة.

2ـ إنّ الراوي لما أحسّ أنّ نقل الفتوى عن علي، في محضر الإمام كان جسارة، وأنّه كان من الواجب أن يسكت ويسمع كلام الإمام وقال: جعلت فداك مسألة الرجل إنّما كان الذي كنت تقول، كان زلة منّي، قابله الإمام بالعنف أنّه لميكن موضع سؤال بعد الوقوف على فتوى علي بالحرمة مطلقاً حيث قال: «يا شيخ تخبرني أنّ عليّاً قضى بها، وتسألني ما تقول فيها».

ثمّ الاستدلال مبني على كون جملة: «فلم ير به بأساً» بصيغة المتكلم مع أنّه يحتمل أن يكون بصيغة الغائب أي لم ير ذلك الرجل منّا بأساً، والاستدلال بفعله دليل على عدم كونه مرضيّاً عنده وإلاّ كان على الإمام أن يصرّح بالجواز، وبالجملة إنّ الإمعان في الرواية يعرب أنّ الإمام كان بصدد الإبهام لابصدد تبيين الموقف، فلايصحّ الاستدلال بمثله، والعجب أنّ أهل السنّة نقلوا عن الإمام علي ـ عليه السّلام ـ في هذه المسألة وما تقدّمها، رأيين ليس عندنا منهما عين ولاأثر:

1ـ تخصيص حرمة الربائب بكونهنّ في الحجور مع أنّ المشهور بين أئمّة أهل البيت هو الحرمة مطلقاً.

2ـ تخصيص حرمة الأُمّ بالدخول بالبنت مع أنّ المشهور بين الشيعة عن علي حسب هذه الرواية هو ا لعكس.

دليل آخر للمخالف

صحيحة جميل وحمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «الأُمّ


(315)

والبنت سواء إذا لم يدخل بها يعني إذا تزوّج المرأة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها فانّه إن شاء تزوّج أُمّها وإن شاء ابنتها».(1)

ولو صحّ هذا التفسير لكان مفروض السائل نساء ثلاث تزوّج بواحدة وبقيت الأُم والابنة لها، فما لم يدخل بالمرأة المتزوّجة وفارقها يجوز له التزوّج بأُمّ المتزوّجة وبنتها وعليه يكون دليلاً في المسألة للمخالف، ولكن الاعتماد على الرواية مشكل من جهات:

1ـ إنّ من المحتمل قوياً أن يكون التفسير من بعض الرواة، بشهادة أنّه نقل في نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري بالنحو التالي: الأُمّ والبنت سواء إذا لم يدخل بها فانّه إن شاء تزوّّج ابنتها وإن شاء تزوّج أُمّها.(2) فليس فيه قوله: «يعني إذا تزوّج المرأة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها» وعليه يمكن حمله على المعنى الآتي دون المذكور في المتن.

2ـ يحتمل أن يكون معنى الرواية أنّه إذا تزوّج الأُمّ ولم يدخل بها فالأُمّ والبنت سواء في أصل الإباحة ، فإن شاء دخل بالأُمّ، وإن شاء فارقها وتزوّّج البنت، وبعبارة أُخرى: أنّ الراوي فرض أُمّاً وبنتاً فقط وتزوّّج بالأُمّ فهما قبل الدخول بالأُمّ سواء في أصل الإباحة، لا أنّ هناك نساء ثلاثاً تزوّج بواحدة منها لها أُمّ وبنت، فعندئذ يخرج عن الصلاحية للاستدلال.

ويحتمل بعيداً أن يكون المراد إذا تزوّج الأُمّ والبنت ولم يدخل بهما، فهما سواء في التحريم جمعاً لا عيناً.

نعم على ما نقله الصدوق في الفقيه تصلح الرواية للاستدلال قال: عن جميل بن درّاج أنّه سئل أبو عبد اللّه عن رجل تزوّّج امرأة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل


1 . الوسائل:14، الباب 20، من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3.
2 . النوادر:100، الحديث 239.


(316)

بها أ تحلّ له ابنتها؟قال: الأُمّ والابنة في هذا سواء إذا لم يدخل بإحداهما حلّت له الأُخرى.(1)

واستظهر في الحدائق(2) أنّ التفسير من الصدوق أعني: قوله: إذا لم يدخل بإحداهما حلّت له الأُخرى ولكنّه غير تام لوروده بهذا النحو في نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري(3) نعم أنّ الصدوق ما أفتى بمضمونه، قال في كتاب المقنع: إذا تزوّج البنت فدخل بها أو لم يدخل فقد حرمت عليه الأُمّ.

قال: وقد روي الأُمّ والبنت في هذا سواء إذا لم يدخل بإحداهما حلّت له الأُخرى(4) وبالجملة الرواية بعد هذه الاحتمالات لاتصلح للاستدلال.

دليل ثالث للمخالف

مضمرة محمّد بن إسحاق بن عمّار، قال: قلت له: رجل تزوّج امرأة ودخل بها ثمّ ماتت أيحلّ له أن يتزوّج أُمّها؟قال: «سبحان اللّه كيف تحلّ له أُمّها وقد دخل بها؟» قال: قلت له: فرجل تزوّج امرأة فهلكت قبل أن يدخل بها تحلّ له أُمّها؟قال: «وما الذي يحرّم عليه منها ولم يدخل بها».(5)

والرواية بما أنّها مخالفة للكتاب لاتصلح للإفتاء ، فالحقّ كما هو المشهور هو الحرمة إذا عقد على البنت، فأُمّ الزوجة محرمة بمجرّد العقد سواء دخل بالبنت أو لا.

إلى هناك تعرفت على ما يحرم بالمصاهرة، و إليك بيان توابعها:


1 . الفقيه:3/ 262، الحديث 32.
2 . الحدائق: 23/456.
3 . النوادر: 100، الحديث 24.
4 . المقنع :103ـ104.
5 . الوسائل:14، الباب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 5.


(317)

الكلام في تحريم الجمع بين الأُختين

من توابع المصاهرة تحريم أُخت الزوجة لأب وأُمّ، أو أحدهما جمعاً لا عيناً، دلّ عليه الكتاب والسنّة، والإجماع، قال سبحانه:«وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ» (النساء/23) وهناك فروع وهي:

1ـ إذا عقد على الأُختين معاً فهل العقد باطل من أصل أو صحيح بمعنى أنّ له إمساك إحداهما وتخلية الأُخرى؟وجهان.

2ـ إذا عقد على امرأة ثمّ عقد على أُختها، فيبطل العقد الثاني قطعاً.

3ـ إذا طلّق الزوجة فهل له تزويج أُختها قبل انقضاء عدّتها مطلقاً أو لا، كذلك؟ أو يفصل بين البائنة فيجوز، والرجعية فلايجوز؟

4ـ إذا انقضى أجل المتعة فهل يجوز العقد على أُختها قبل انقضاء عدّتها أو لا؟

وفي المقام مسائل:

الأُولى: يحرم الجمع بين الأُختين في النكاح دواماً أو متعة سواء كانا سببيّين أو رضاعيّين نصّاً وإجماعاً، قال سبحانه: «وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ» وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وعلى هذا لو تزوّج أُختين صحّ السابق وبطل اللاحق لفقدان القابلية الشرعية لزواج الثانية فيفرق بينهما سواء دخل في الثانية أو لا، وسواء دخل بالأُولى أو لا.

إنّما الكلام في ما إذا دخل بالثانية جهلاً بالحكم أو بالموضوع فكانت ذات العدّة فهل له أن يدخل بالأُولى وإن لم تخرج الثانية عن عدّتها أو لا؟ فيه خلاف:


(318)

قال الشيخ : ومتى عقد على امرأة ، ثمّ عقد على أُختها أو أُمّها بجهالة، فرّق بينهما، فإن وطأها وجاءت بولد كان لاحقاً به، ولايقرب الزوجة الأُولى في مدّة تنقضي عدّتها.(1)

وقال ابن البرّاج: فإن عقد على واحدة منهما، ثمّ عقد على الأُخرى بعد ذلك، كان عقده على الثانية باطلاً ، فإن وطأ الثانية فرّق بينهما وحرم عليه الرجوع إلى الأُولى حتّى تخرج التي وطأها من عدّتها منه.(2)

وقال ابن حمزة: فإن دخل بالثانية فرّق بينهما ولم يرجع إلى الأُولى بعد خروج الثانية عن العدّة(3) ويدلّ عليه صحيحة زرارة (4)وحملها صاحب الجواهر (5) على الكراهة، وتبعه السيّد الطباطبائي في العروة فقال: «نعم لو دخل بها مع الجهل بأنّها أُخت الأُولى يكره وطء الأُولى قبل خروج الثانية من العدّة، بل قيل يحرم للنصّ الصحيح وهو الأحوط» (6) ولاوجه لحملها على الكراهة بعد إمكان تخصيص العمومات بها.واستظهار الكراهة من أنّها ليست بأولى من حلّ نكاح الأُخت في عدّة الأُخرى البائنة، أشبه بالقياس.

ولافرق فيما ذكره بين الدائم والمنقطع والمختلف فلايجوز الجمع بين الأُختين أبداً.

نعم يجوز العقد على الأُخرى إذا كانت الأُولى مطلّقة بائناً، بل ربّما يقال بأنّه يجوز العقد على الأُخرى إذا تزوّج بالأوّل متعة وانقضى أجلها وإن كانت في العدّة، بزعم أنّه من عدّة البائن وبذلك ربّما يحتال للجمع بين الأُختين واحدة بعد


1 . النهاية: 454.
2 . المهذّب: 2/184.
3 . الوسيلة: 293.والظاهر سقوط لفظة «إلا»: إلاّ بعد خروج الثانية.
4 . الوسائل: الجزء14، الباب 26 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1.
5 . الجواهر: 29/381.
6 . العروة الوثقى في فصل المحرّمات بالمصاهرة، المسألة 42.


(319)

الأخرى على الاستمرار. وسيجئ البحث عن المسألة الأُولى في باب العدد، والثانية في باب المتعة وإن طرحهما صاحب الجواهر في المقام.

لو تزوّج بالأُختين واشتبه السابق

لو تزوّج بالأُختين ولم يعلم السابق و اللاحق فله صورتان:

الأُولى: إذا علم تاريخ أحد العقدين وجهل الأُخرى، فعلى القول بأنّه يجري الأصل في مجهول التاريخ لا في معلومه يصحّ العقد المعلوم تاريخه لوجود المقتضي كما هو معلوم وعدم المانع وهو أصالة عدم تزويج الأُخرى إلى حينه فيحكم بالصحّة، ويكفي نفس الأصل وإن لم يثبت به التأخّر، لأنّ الأثر مترتّب على عدم المانع عند وجود المقتضي، لا على تأخّر المانع، نعم على القول بجريانه فيهما، يتعارض الأصلان، لكنّه ليس بسديد، لأنّ المتيقّن من أدلّة الاستصحاب هو استكشاف حال المتيقّن في الخارج من حيث البقاء وعدمه كما هو في مجهول التاريخ، وأمّا إذا كان الواقع مبيَّناً وعلم نقض الحالة السابقة في ظرف كذا، ولكن طرأ الشكّ في انتقاضها وعدمها بالنسبة إلى حادث آخر كما هو الحال في معلوم التاريخ بالنسبة إلى مجهوله، فدليل الاستصحاب منصرف عنه إذ ليست القضية الخارجية بهويّتها مجهولة حتّى توصف بالشكّ، وإنّما يطرأ عليها الجهل، عند المقايسة، فمثله غير داخل تحت أدلّة الاستصحاب.

الثانية: إذا جهل تاريخهما: فبما أنّ الأصلين يتعارضان، فمقتضى القواعد ترك وطئهما تحصيلاً للموافقة القطعية.

نعم لو طلّق الزوجة الواقعية، فله أن يتزوّج من شاء منهما بعقد جديد بعد خروج الأُخرى من العدّة إذا دخل بها ـ وكان الطلاق رجعياً ـ لاحتمال كونها زوجة فلا يقدم على تزويج غير المدخول بها قبل خروج المدخولة عن العدّة، و إلاّ يحتمل


(320)

أن يكون من قبيل الجمع بين الأختين لأنّ الرجعية زوجة.

وله أن يطلّق كلّ واحد رجاء كونها زوجة.

إنّما الكلام في أنّه هل يجب عليه الطلاق أو لا ؟ الظاهر ذلك، فراراً عن ترك الواجب حيث إنّه يجب عليه القسم في كلّ أربعة ليال ،والوطء في كلّ أربعة أشهر، ولايتمكّن من أداء الواجب، ولايتخلّص من تركه إلاّ بالطلاق.

وأمّا الاستدلال على وجوب الطلاق بآية الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان ، فلاصلة لها بالمقام.(1)وعلى ما ذكرنا يجوز إجباره على الطلاق حسبة ومن باب الأمر بالمعروف اللّهمّ إلاّ رضيتا بترك الحقوق.

وأمّا جواز إجباره بقاعدة لاضرر أو لاحرج لكون الصبر عليهماوالحال هذه ضرراً و حرجاً عليهما. فقد نوقش فيه بأنّ الضرر أو الحرج ليس ناشئاً من الزوجية، بل من أحكام الزوجية بعد الاشتباه فدليل نفيهما يقتضي نفي تلك الأحكام ولازمه جواز استمتاع الغير بهما دفعاً للحرج لكن ليس بناء الفقهاء عليه إذ لايكون الحرج مجوّزاً لفعل المحرّمات عندهم وإن كان مجوّزاًلترك الواجبات، وبذلك يفترق المقام من المعاملة الغبنية فإنّ مبادلة القليل بالكثير نفس الضرر بخلاف المقام فانّ الزوجية ليس ضررية ولاحرجية وإنّما يلزمان من الالتزام بأحكامهما عند الاشتباه حيث يجب على كلّ واحد من المرأتين ترتيب آثار الصحّة على العقد، وفي الوقت نفسه، لايجوز للزوج ترتيب آثارها على كلّ واحدة للعلم الإجمالي بأنّ إحداهما أجنبية فيتولّد منهما الحرج.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الشيء تارة يكون بنفسه حرجياً أو ضررياً، وأُخرى بمالها


1 . البقرة الآية 229، 231، سورة الطلاق الآية 2 ، لاحظ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، ص178 فقد أوضحنا حال الآيات فيه.
2 . المستمسك:14/247، بتصرف يسير .


(321)

من الآثار في ظروف خاصّة ولاتختصّ القاعدة بالأُولى فالمقام أشبه بالغائب عنها زوجها ولم يكن هناك منفق، ولاشكّ أنّ الزوجية ليست ضررية أو حرجية، وإنّما ينشئان من أحكامها في تلك الظروف حيث تصبح المرأة معلّقة، لا مزوّجة ولا مطلّقة.

نعم لازم ذلك تسلّط المرأة على الفسخ، كما في مورد خيار الغبن لاوجوب الطلاق على الزوج اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ حلّ العقد بالفسخ أمر غير شائع في الشرع، ونادر بين العقلاء فيختصّ التخلّص عن الضرر بإجباره على الطلاق، وأمّا معارضة ضرر المرأة بأنّ الطلاق يوجب الضرر على الزوج بنصف المسمّى فغير تامّ، لأنّه واجب عليه بنفس العقد، سواء طلّق أم لا.

وهنا قولان آخران:

1ـ القول بالقرعة لتعيين الزوجة الواقعية عن غيرها، ذكره العلاّمة في القواعد، واستدلّ له في جامع المقاصد بما روى عنهم: «وكلّ أمر مشكل فيه القرعة»(1) وأورد عليه في الأخير بأنّه لامجال لها في الأُمور التي هي مناط الاحتياط التام، أعني: الأنكحة والأنساب وغيرهما.(2)

يلاحظ عليه: أنّه خلاف مقتضى الإطلاق في باب القرعة إلاّ أنّ الذي يصدّالفقيه عن الإفتاء به ما ذكرناه في رسالة القرعة من أنّ القدر المتيقّن منها هو مورد الخصومة وفصلها بها.ولم يرد في الشرع أمر بالقرعة في غير ذلك الباب إلاّ مورد واحد، أعني: ما إذا نزيت شاة في قطيع غنم وقد أشبهت بغيرها، وهي رواية شاذة لايكون مقياساً لغير موردها بعد اتّفاق الروايات على تخصيص موردها بالتخاصم والترافع، وليس المقام كذلك لأنّ كلاً من الزوج والزوجين، جاهل


1 . مستدرك الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 . جامع المقاصد: 2/24، المطبوع مع القواعد.


(322)

بالحقيقة مشتبه لايدّعي شيئاً، سوى العلم الإجمالي الذي لا تثير خصومة.

2ـ انّ الحاكم يفسخ نكاحهما: ذكره العلاّمة في القواعد في تزويج وليّ المرأة من رجلين مع اشتباه السابق وقرّره في جامع المقاصد بأنّ فيه دفع الضرر مع السلامة من ارتكاب الإجبار في الطلاق. (1)

يلاحظ عليه : أنّ قيامه بالفسخ فرع ولايته على ذلك وهو غير ثابت، والضرر يندفع بولاية نفس المرأة على حلّ العقد، بعد رفع الأمر إلى الحاكم ولاتصل النوبة إلى ولاية الحاكم.

بقي الكلام في النفقة عند عدم الطلاق والمهر عنده فنقول:

وهل يجب الإنفاق عليهما مالم يطلق أخذاً بمقتضى العلم الإجمالي مالم يطلّق، أو يتعيّن الرجوع إلى القرعة في تعيين المستحق للنفقة، أو يجب عليه تنصيف النفقة بينهما عملاً بقاعدة العدل والإنصاف؟ والأقوى هو الأوّل ومعارضته بلزوم الضرر المالي من العمل بالاحتياط على الزوج، مدفوع بأنّه هو السبب له، ولو طلّق الزوجة الواقعية، لارتفعت النفقة من أصل، وأمّا القرعة فلا لما عرفت أنّ المقام ليس منها والتنصيف لأجل قاعدة العدل والانصاف ليس أولى من تخصيص واحدة بالنفقة، إذ لكل واحد من هذه الوجوه مزيـة . فالأُولى تتضمن موافقة قطعية مع مخالفة كذلك، والثانية تتضمّن مخالفة احتمالية مع موافقة كذلك. ومع ذلك كلّه فلعلّ تخصيص كلّ بالتنصيف ألصق بالقواعد إذ ليس له إلاّ دفع نفقة واحدة، وجهالة الآخذ لايصير سبباً لوجوب نفقتين عليه كما أنّه لو علم أنّه مديون بدرهم لزيد، وهو مردّد بين الشخصين، فهل ترى أنّه يجب عليه دفع درهمين. وإلاّ فلو تردّد بين العشر، يجب عليه دفع عشرة دراهم وهو كما ترى، وبالجملة القصور في الآخذ، لايكون دليلاً على لزوم الاحتياط عليه كما


1 . جامع المقاصد: 2/24، المطبوع مع القواعد.


(323)

لايخفى.

و أمّا إذا طلّق فإن كان بعد الدخول فلكلّ تمام المسمّى، لأنّ إحداهما زوجة مدخولة،والأُخرى موطوءة بالشبهة وفيها المهر أيضاً، وإلى ذلك يشير صاحب الجواهر: «وأمّا مع الدخول فيثبت المسمّيان لهما مع جهلهما بالحكم أو وقوع العقدين على وجه يحرم وطؤهما بناء على وجوب المسمّى في النكاح الفاسد مع الوطء شبهة».(1)

وأمّا إذا طلّق مع عدم الدخول فهناك احتمالات:

1ـ القرعة في مستحقة المهر منهما، لأنّها واحدة منهما وقد اشتبهت، فمن خرجت القرعة لها استحق نصف مهرها وهو خيرة الجواهر، وقد عرفت ما فيه من اختصاص القرعة بموارد الترافع والتخاصم.

2ـ نصف المهر لكلّ منهما أخذاً بحكم العلم الإجمالي.لكن قد عرفت أنّ الإجمال في جانب الآخذ، لا يحدث تكليفاً، للمعطي، فالواجب عليه نصف أحد المهرين فإيجاب النصف لكلّ منهما أمر لادليل عليه.

3ـ ربع المهرين مع اتّفاقهما جنساً وقدراً ووصفاً، وتقسيمه بين الأُختين، وربعهما يساوي نصف واحد في المهرين الذي هو الواجب عليه، وأمّا تقسيمه بينهما بالمناصفة لأنّه مقتضى قاعدة العدل والانصاف.

نعم لو اختلفا جنساً أو قدراً أو وصفاً، فلايساوي ربع المهرين نصف أحد المهرين لكون المفروض أنّ أحدهما أقلّ قدراً مثلاً، فلو كان أحد المهرين ثمانين درهماً والآخر أربعين درهماً، فربعهما أي الثلاثون، يكون أقلّ من نصف الثمانين وأزيد من نصف الأربعين، ولعلّ لذلك قال العلاّمة في القواعد: فلو طلّقهما معاً


1 . الجواهر: 29/383.


(324)

ثبت لهما ربع مجموع مهريهما مع اتّفاقهما جنساً وقدراً ووصفاًومع اختلافهما على إشكال(1) وقد عرفت وجه الإشكال اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّه يغتفر في مورد القاعدة ما لايغتفر في غيرها، فكما أنّه مع الاتفاق يلزم حرمان المستحق من ربع سهمه، كذلك يلزم في صورة الاختلاف إعطاء غير الواجب كلّ ذلك لعدم المرجّح ولعلّ الوجه الثالث أوضح.

تزويج الأُختين في عقد واحد

لو تزوّج الأُختين في عقد واحد، أو عقد هو على إحداهما ووكيله على الأُخرى في زمان واحد.ففيه قولان:

الأوّل: يتخيّر في أخذ أيّتها شاء، وهو خيرة الشيخ وغيره.

1ـ قال في النهاية: فإن عقد عليهما في حالة واحدة كان مخيّراً بين أن يمسك أيّتهما شاء.(2)

2ـ وقال ابن البرّاج: فإن تزوّج بهما في لفظ واحد في وقت واحد، كان مخيّراً في إمساك الواحدة منهما وتخلية الأُخرى.(3)

3ـ وقال يحيى بن سعيد: فإن جمع بينهما في العقد اختار أيّتهما شاء.(4)

الثاني: بطلانها وهو خيرة ابن حمزة و ابن إدريس والمحقّق وغيرهما .

4ـ قال ابن حمزة: وإن عقد عليهما عقد مقارنة لم يصح ، وروى أنّه اختار أيّتهما شاء.(5)

5ـ وقال ابن إدريس بعد نقل قول الشيخ في النهاية: والذي تقتضيه أُصول


1 . قواعد الأحكام: 2/17.
2 . النهاية:454.
3 . المهذّب: 2/184.
4 . الجامع للشرائع: 429.
5 . الوسيلة: 293.


(325)

المذهب أنّ العقد باطل يحتاج أن يستأنف عقداًعلى أيّهما شاء على ما قدّمناه، لأنّه منهي عنه، والنهي يدلّ على فساد المنهي عنه بلا خلاف بين محقّقي أصحاب أُصول الفقه ومحصِّلي هذا الشأن، وشيخنا قد رجع في مبسوطه عمّا أورده في نهايته.(1)

6ـ وقال المحقّق: ولو تزوّجهما في عقد واحد بطل نكاحهما، وروي أنّه يتخير ما شاء والأوّل أشبه.

7ـ وقال العلاّمة في المختلف: لا يجوز الجمع بين الأُختين في العقد، ولابين الخمس ولابين الاثنين وعنده ثلاث إجماعاً فإن فعل دفعة، قال الشيخ: يتخير في أيّ الأُختين ما شاء وكذا في الزائد على الأربع وهو قول ابن الجنيد وابن البرّاج وقال ابن إدريس: يبطل العقد، وبه قال ابن حمزة، والمعتمد هو الأوّل.(2)

لايخفى أنّ مقتضى القاعدة هو الفساد للنهي الدالّ عليه أوّلاً، وصحّتهما معاً غير ممكن فتخصيص الصحّة بإحداهما ترجيح بلا مرجّح، لكن النص الصريح دلّ على الصحّة وهو رواية جميل التي رواها المشايخ الثلاثة في الجوامع ورواها الصدوق بسند صحيح عن جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه، ورواها الكليني مرسلاً، أي عن جميل بن درّاج عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه ، ورواه الشيخ بسند فيه علي بن السندي المجهول(3) ولاوجه لترك الرواية الصحيحة التي تعضدها رواية مرسلة أو غيرها.

وحملها على إمساك ما شاء بعقد جديد، حمل على خلاف الظاهر أو الصريح، وله نظائر في الشرع كما إذا طلّق زوجته ثلاثاً فتقع واحدة، وكما إذا أسلم


1 . السرائر: 2/536.
2 . الوسائل: الجزء 14، الباب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1ـ2.
3 . المختلف، كتاب النكاح:78.


(326)

عن أزيد من أربع ، فيختار الأربع، ويفارق سائرهن وطريق الاحتياط معلوم وهو أنّه يختار إحداهما فلو أراد التسريح يطلّقها، وإن أراد الإمساك يعقد عليها عقداً جديداً بعد تطليق الاخرى.

تكملة

قال السيّد الطباطبائي بعد ما اختار في المسألة السابقة (اقتران العقدين) البطلان: ولو تزوّجهما وشكّ في السبق والاقتران حكم ببطلانهماأيضاً.

أقول: إنّ للمسألة صورتين:

الأُولى: إذا كان السبق والاقتران أمراً محتملاً في كلّ من العقدين.

الثانية: إذا كان السبق محتملاً في أحدهما دون الآخر كما إذا تردّد العقد على هند بين كونه سابقاً أو مقارناً، وتردّد عقد زينب بين كونه لاحقاً أو مقارناً.

أمّا الصورة الأُولى: فالظاهر البطلان سواء اخترنا في صورة الاقتران نفس الحكم، أو قلنا بالصحّة وجواز اختيار أيّتهما شاء.

وذلك لأنّ العقدين مردّد بين التقارن والتلاحق واحتمال التقارن وإن كان ينتج صحّة واحد من العقدين إذا شاء لكن احتمال التلاحق، يوجب لزوم الاجتناب عن كليهما ، لأنّ أصالة الصحّة في كلّ معارضة مع جريانها في الأُخرى، أو أنّ استصحاب عدم العقد على أُخت هذه المرأة قبل الفراغ من عقدها، معارض بمثله في الطرف الآخر، فيحكم بلزوم الاجتناب.

ويمكن أن يقال: إنّه تختلف النتيجة على القولين(بطلان العقد عند التقارن وصحّة واحد منهما بالاختيار) لأنّه على القول ببطلان العقدين عند التقارن، لا علم بوجود عقد صحيح ، لأنّه وإن كان يحتمل سبق أحدهما على الآخر، وبالتالي يكون السابق صحيحاً، لكنّه يحتمل التقارن أيضاً الذي افترضنا أنّ الحكم فيه


(327)

البطلان، وعندئذ لاتكون صحّة عقد على واحدة من الأُختين محرزة، فتستصحب الحرمة المتقدّمة قبل العقد.

وأمّا إذا قلنا بأنّ الحكم في التقارن هو الصحّة باختيار ما شاء فعندئذ تكون صحّة أحد العقدين محرزة، لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون العقدان متقاربين أو متلاحقين، وعلى كلّ تقدير، يكون واحد منهما صحيحاً وإن كان التعيين على التقارن متوقفاًعلى الاختيار، فلو قلنا بعموم أدلّة القرعة للمقام، فهو وإلاّ كما هو الحقّ فطريق الاحتياط إذا أراد الإمساك أن يختار إحداهما ثمّ يعقد عليها بعقد جديد، ويطلق الأُخرى رجاء.

ثمّ إنّ ما ذكره السيد الطباطبائي يتمّ إذا قلنا بجريان الأصل في المعلوم والمجهول وإلاّ فلو خصصنا الأصل بالمجهول دون المعلوم كما هو الحقّ فيجري الأصل في المجهول ولازمه الحكم بالصحّة فيه لا البطلان، وطريق الاحتياط كمامرّ.

أمّا الصورة الثانية: أعني: ما إذا احتمل السبق في أحدهما دون الآخر بأن كان العقد على هند مردّداً بين السبق والتقارن بخلاف العقد على الآخر، بل تردّد أمره بين التقارن واللحوق. فالظاهر الحكم بالصحّة في الأوّل والبطلان في الثاني مطلقاً سواء قلنا بأنّ الحكم في التقارن البطلان أو الصحّة بمعنى اختيار أيّتهما شاء. وذلك لأنّ الأوّل لمّا كان محتمل السبق، دون الآخر بل كان احتمال السبق فيه منتفياً قطعاً، يجري في الأوّل الأصل دون الآخر، فيقال الأصل عدم العقد على الأُخرى قبل الفراغ عن عقدها فيحكم بالصحّة، ولايجري في الآخر للعلم بعدم السبق.واحتمال كون العقدين متقارنين، لايصحح العقد الثاني حتى على القول بالصحّة واختيار أيّتهما شاء، وذلك لعدم إحراز التقارن، لاحتمال اللحوق الذي لاشكّ في بطلان الثاني عندئذ.


(328)

حرمة نكاح بنت الأخ والأُخت على العمّة والخالة

قبل الخوض في الاستدلال نذكر أُموراً:

1ـ إنّ البحث في المقام مركّز على الصورة المعنونة، وأمّا العكس، أعني: تزويج نكاح العمّة والخالة على بنتي الأخ والأُخت فهو مسألة أُخرى سيوافيك البحث عنها بعد الفراغ عن المسألة الأُولى.

2ـ إنّ فقهاء أهل السنّة بحثوا عن المسألتين جملة و احدة لأنّهم لم يفرّقوا بينهما، فقالوا: الجمع بين المرأة وبين عمّتها وبينها وبين خالتها أخذاً بما رواه أبو هريرة عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال:«لا يجمع بين المرأة وعمّتها، ولابين المرأة وخالتها» وفي رواية أبي داود: «لاتنكح المرأة على عمّتها، ولا العمّة على بنت أُختيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أُختها، لاتنكح الكبرى على الصغرى، والصغرى على الكبرى» ولأنّ العلّة في تحريم الجمع بين الأُختين إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرّم، وهذا موجود فيما ذكرناه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ العلّة لو كان ما زعم تلزم حرمة تزويج بنت العمّ على بنت العمّ، وبنت العمّة على بنت الخال، مع أنّه لم يقل أحد بالتحريم، وإنّما علّة التحريم هو الإجلال والتكريم للعمّة والخالة فعن الصادق ـ عليه السّلام ـ : «إنّما نهى رسول اللّه عن تزويج المرأة على عمّتها وخالتها إجلالاً للعمّة والخالة، فإذا أذنت في ذلك فلابأس» (2) وليس ذلك المناط موجوداً في العكس أي إدخال العمّة على بنت الأخ، أو الخالة على بنت الأخ.

3ـ إنّ فقهاء أهل السنّة جعلوا التحريم في الموردين كالتحريم بين الأُختين،


1 . المغني: 7/478.
2 . الوسائل: الجزء 14 ، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 10.


(329)

فكما أنّ الجمع هناك حرام مطلقاً، فهكذا في المقام والمسألتان عندهم كالجمع بين الأُختين، فلو جمعهما في العقد يبطل العقد من رأس ولو عقد على إحداهما ثمّ على الأُخرى صحّ السابق وبطل اللاحق، وهذا بخلاف الشيعة، فانّ التحريم هنا ليس كالتحريم بين الأُختين، بل موضوع الحرمة تزويج بنت الأخ وبنت الأُخت للزوجة بلا إذنها، فلو سبقه الإذن أو قارنه يصحّ بالاتفاق، وأمّا إذا تأخّر فسيأتي فيه الكلام.

4ـ إنّ الأقوال بين فقهاء الشيعة ثلاثة:

الأوّل: البطلان إذا لم يكن عن رضا:

المشهور تحريم نكاح بنت الأخ أو الأُخت على نكاح العمّة والخالة إلاّ برضاهما فإن كان النكاح عن رضى منهما صحّ الجمع .ذهب إليه الشيخان والسيد المرتضى وابن البرّاج وأبو الصلاح وسلاّر وأكثر علمائنا إلى عصرنا هذا.

الثاني: هو الصحّة مطلقاً:

قال ابن أبي عقيل بالصحّة مطلقاً مستدلاً بعموم قوله سبحانه:«وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» وإن ادّعى أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حرّم غير هذه الأصناف، وهو يسمع قوله سبحانه:«وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِك» فقد أعظم القول على رسول اللّهـ إلى أن قال ـ : وقد روى عن علي بن جعفر: سألت أخي موسى عن الرجل يتزوّج المرأة على عمّتها أو خالتها قال: لا بأس لأنّ اللّه عزّوجلّ قال: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» .

وقال ابن الجنيد: وقول اللّه عزّ و جلّ: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» غير حاظر الجمع بين العمّة وابنة الأخ، أو الخالة وابنة الأُخت، والحديث الذي روى فيه إنّما هو نهي احتياط لاتحريم،وقد روى جوازه إذا تراضيا عن أبي جعفر وموسى


(330)

ابن جعفر، وقال يحيى بن الحسن وعثمان المثنى: والاحتياط عندي ترك ذلك، ومن عقده لم ينفسخ كما ينفسخ نكاح الأُخت على الأُخت والأُمّ على البنت.(1)

الثالث: البطلان مطلقاً:

ذهب الصدوق في المقنع إلى البطلان مطلقاً سواء كان هناك إذن أو لا، بل أبطل عكس المسألة التي سنبحث عنها فيما بعد. قال:ولاتنكح المرأة على عمّتها ولاعلى خالتها ولا على ابنة أُختها ولا على بنت أُختها(2)، فعمّم النهي ولم يفرق بين دخول العمّة والخالة على بنت الأخ وبنت الأُخت وبالعكس.

هذه هي الأقوال في المسألة ولنذكر بعض الكلمات حتّى يكون القارئ على ثقة.

قال المفيد: ولابأس أن ينكح الرجل المرأة وعمّتها وخالتها ويجمع بينهنّ غير أنّه لايجوز له أن ينكح بنت الأخ على عمّتها إلاّ باذن العمّة ورضاها ولاينكح بنت الأُخت على خالتها إلاّ باختيار الخالة وإذنها ثمّ أشار إلى المسألة الثانية، وقال: وله أن يعقد للعمّة وعنده بنت أخيها من غير استئذان بنت الأخ، ويعقد للخالة، وعنده بنت أُختها من غير رضى بنت الأُخت والاستئذان لها.(3)

وقال الشيخ :ولايجوز العقد على امرأة وعند الرجل عمّتها أو خالتها إلاّ برضى منهما، ثمّ أشار إلى المسألة الثانية وقال:ولابأس بالعقد على العمّة والخالة وعنده بنت الأخ أو بنت الأُخت وإن لم ترضيا بذلك.(4)

وقال في الخلاف: يجوز الجمع بين المرأة وعمّتها وخالتها إذا رضيت العمّة والخالة بذلك، وعند جميع الفقهاء أنّه لا يجوز ذلك ، أعني: الجمع بينهما، ولا تأثير


1 . المختلف:79، كتاب النكاح.
2 . المقنع، 100،ولاحظ التعليقة.
3 . المقنعة: 504ـ505.
4 . النهاية: 459.


(331)

لرضاهما، ذهبت الخوارج إلى أنّ ذلك جائز على كلّ حال.دليلنا إجماع الفرقة وأيضاً الأصل جوازه والمنع يحتاج إلى الدليل.(1)

قال القاضي: ولايجوز لرجل العقد على امرأة تكون زوجته عمّتها أو خالتها من جهة النسب أو الرضاع إلاّ برضاهما، فإن رضيتا ذلك كان جائزاً.(2)

وقال ابن حمزة: و[تحرم] ابنة أخي الزوجة أو أُختها بغير رضى منهما فإن عقدا عليهما برضاهما جاز ولم يكن لهما بعد ذلك خيار.(3)

وقال ابن سعيد: ويجوز عقد العمّة والخالة على بنت الأخ أو الأُخت من غير رضاهما.(4)

وقد استمرّ الإفتاء بالصحّة مع الرضى إلى عصرنا هذا.قال السيّد الاصفهاني: ولايجوز نكاح بنت الأخ على العمّة وبنت الأُخت على الخالة إلاّ بإذنهما من غير فرق بين كون النكاحين دائمين أو منقطعين أو مختلفين، ولا بين علم العمّة والخالة حال العقد وجهلهما، ولابين اطّلاعهما على ذلك وعدم اطّلاعهما، فلو تزوّجهما عليهما بدون إذنهما كان العقد الطارئ كالفضولي، على الأقوى تتوقف صحّته على إجازة العمّة والخالة فإن أجازه جاز وإلاّبطل.(5)

إذا عرفت هذا ولنذكر أدلّة الأقوال:

استدل للقول بالجواز مطلقاً، بماعرفت في كلام «القديمين» من التمسك بإطلاق الآية مضافاً إلى ما رواه العلاّمة في المختلف من مرسلة علي بن جعفر.

يلاحظ عليه: أنّ الآية قابلة للتخصيص بما ورد في السنّة، وقد روى ابن قدامة مناظرة بعض الخوارج مع عمرو بن عبد العزيز حيث استدلوا بعدم ورود


1 . الخلاف: 4/296.
2 . المهذّب: 2/188.
3 . الوسيلة:293.
4 . الجامع للشرائع: 430، ويدل بالفحوى على عدم الجواز في عكس الصورة.
5 . الوسيلة، كتاب النكاح، القول في المصاهرة، المسألة 9.


(332)

الحرمة في الكتاب، وأجاب بورودها في السنّة، مثل ورود تفاصيل الصلاة والزكاة فيها.(1) والمرسلة ليست بحجّة لعدم ورودها فيما بأيدينا من الجوامع، ولو ثبتت تحمل على ردّ العامة حيث عطفوها على تزويج الأُختين الذي لايصحّ مطلقاً، أذنت العمّة أو الخالة أو لا، والرواية وردت لردّ تلك الفكرة وأنّها لم ترد في الكتاب وإنّما وردت في السنّة، والسنّة لاتمنع عن الصحّة مع الإذن ، ويؤيّد ما ذكرنا من الحمل قول ابن الجنيد: «وقد روى جوازه إذا تراضيا عن أبي جعفر وموسى بن جعفر...» ، أضف إلى ذلك أنّ المرسلة وردت في رواية أُخرى لعلي بن جعفر وهي صريحة في أنّ المنهي عنه هو التزويج بلا إذنهما.(2)

استدل للقول بالمنع مطلقاً ببعض الإطلاقات(3) وهي صالحة للتقييد ومحمولة على صورة عدم الإذن.

ويدلّ على القول المشهور المنصور بروايات متضافرة تفصل بين إذنهما وعدمه فيصح مع الأوّل دون الثاني ونذكر بعضها:

1ـ صحيحة أبي عبيدة الحذّاء، قال سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: «لاتنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها إلاّ بإذن العمّة والخالة».(4)

2ـ موثقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «لاتزوّج ابنة الأخ ولا ابنة الأُخت على العمّة ولا على الخالة إلاّ بإذنهما».(5)

3ـ روى الشيخ في التهذيب باسناده إلى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر


1 . المغني: 7/478.
2 . الوسائل : الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3، والتعارض بين الصدر والذيل، يرفع بحمل الأوّل على الثاني.
3 . الوسائل: الباب 30، الحديث 4، 7، 8، 9، 12.
4 . المصدر نفسه: 2و 1.
5 . المصدر نفسه: 2و 1.


(333)

قال:« لاتزوّج ابنة الأُخت على خالتها إلاّبإذنها، وتزوّج الخالة على ابنة الأُخت بغير إذنها».(1) وسيوافيك الكلام في ذيل الحديث في المسألة الثانية.

وتحتمل وحدة الروايتين لكون الراوي فيهما محمّد بن مسلم غير أنّ الأُولى أكمل من الثانية إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على عدم الجواز إلاّ بإذنهما، وأنت إذا لاحظت روايات الباب مطلقها ومقيّدها تقف على أنّ مختار المشهور، هو مقتضى الجمع الدلالي في المسألة حتى أنّ ما رواه السكوني عن جعفر عن أبيه محمول على ما إذا عقد بلا إذن، قال: إنّ عليّاً أُتي برجل تزوّج امرأة على خالتها فجلده وفرّق بينهما.(2)

إذا تزوّج بنت الأخ أو الأُخت مع لحوق الإجازة

قد عرفت أنّه يجوز إدخال بنت الأخ والأُخت على العمّة والخالة بإذنهما، فعليه لا إشكال إذا سبق الإذن العقد أو قارنه.إنّما الكلام إذا لحقه ،فهل يصح أو لا؟ فهناك أقوال أربعة:

1ـ بطلان عقد الداخلة : وهو خيرة المحقّق في الشرائع، قال:ولو تزوّّج بنت الأخ أو بنت الأُخت على العمّة والخالة من غير إذنهما كان العقد باطلاً (3) وعلى ذلك لاتنفع الإجازة بعده.

2ـ بطلان عقد الداخلة وتزلزل عقد المدخول عليها، فلها أن تفسخ عقد نفسها وهو خيرة ابن إدريس.(4)

3ـ تزلزل العقدين :السابق والطارئ وهو خيرة الشيخين: المفيد والطوسي


1 . الوسائل: الباب 30، الحديث 6، ولاحظ الحديث 5 فانّه يدلّ في المفهوم على الجواز مع الإذن في المقام.
2 . المصدر نفسه، الحديث 4.
3 . الجواهر: 22/361، قسم المتن.
4 . السرائر: 2/521.


(334)

قال: تتخير العمّة والخالة بين إمضاء عقد الداخلة وفسخه وبين فسخ عقد أنفسهما السابق، والاعتزال ويكون اعتزالهما بمنزلة الطلاق.(1)

4ـ تزلزل العقد الطارئ خاصة بحيث يكون موقوفاً على رضى المدخول عليها مع لزوم عقده، وهو خيرة العلاّمة وجمع من المتأخّرين ومراجع الفتيا في عصرنا هذا. قال السيّد الطباطبائي : إذا تزوّجهما من غير إذن، ثمّ أجازتا صحّ على الأقوى(2) وتبعه كل من علّق على العروة وإليك دراسة الأقوال:

أمّا القول الأوّل فاستدل له بأُمور:

1ـ ما رواه علي بن جعفر عن أخيه في حديث: «... ولاتزوّج بنت الأخ والأُخت على العمّة والخالة إلاّ برضاء منهما، فمن فعل ذلك فنكاحه باطل»(3) ومع كونه باطلاً كيف يصحّ بالإذن الطارئ عليه.

2ـ انّ النهي عن التزويج بلا إذن سابق أو مقارن في الروايات السابقة يدلّ على الفساد كدلالته عليه في سائر المقامات.

3ـ إنّ المتبادر من قولهم: «إلاّ بإذنهما» هو مصاحبة الإذن مع العقد وعليه لايكفي تأخّر الإذن.

يلاحظ على الأوّل: أنّوزان قوله:«فنكاحه باطل» في رواية علي بن جعفر وزان قوله:«أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فنكاحه باطل»، والمعنى في كلا الموردين واحد وهو أنّه مسلوب الأثر فعلاً لا أنّه لايترتّب عليه الأثر وإن لحقه الشرط فيما بعد، وقد تضافرت الروايات على صحّة عقد العبد إذا لحقته إجازة المولى.(4)


1 . المقنعة: 504ـ505، النهاية: 459.
2 . العروة الوثقى، فصل في المحرّمات بالمصاهرة، المسألة 20، وقد مرّ نصّ السيّد الاصفهاني.
3 . الوسائل: الجزء 14، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3.
4 . الوسائل: الجزء 14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1، 2.


(335)

يلاحظ على الثاني: أنّه إن أُريد من دلالة النهي على الفساد، خروج الموضوع عن القابلية كالمحرّمات النسبية والرضاعية فممنوع، وإن أُريد منه عدم ترتّب الأثر، والحال هذه أي مالم يكن هناك إذن لا سابقاًولا لاحقاً فهو حق، ولكن لايكون دليلاً على الفساد إذا لحقه الإذن.وأيّ فرق بين المقام والنهي عن تزويج العبد بدون إذن مولاه حيث يصحّ العقد بلحوق الإذن هناك دون المقام مع وجود النهي في كلا المقامين.

استُدلّ للقول الثاني بما يلي: أمّا بطلان عقد الداخلة فللنهي الوارد في الأخبار في دلالته على الفساد، وأمّا تزلزل عقد المدخول عليها فلم يذكر دليله، وكأنّه أخذه من كلام الشيخ الآتي، وضعف هذا القول ظاهر، لما عرفت من أنّ النهي لايدلّ على الفساد المطلق، وأمّا تزلزل عقد المدخول عليها، فسيوافيك بيانه في القول الثالث.

وأمّا القول الثالث: فلم يذكر الشيخان وجهاً لكلامهما، وربّمااستدل له بما يلي: أنّ العقدين وقعا صحيحين. أمّا الأوّل (أي عقد العمّة والخالة) فظاهر، وأمّا الثاني ، فلأنّه عقد صادر من أهله في محلّه ولا يؤثر تجدّد البطلان بفسخ العمّة والخالة في صحّته الأصلية كغيره من العقود الموقوفة على رضا الغير. فإذا وقع صحيحاً كانت نسبة العقدين إلى العمّة والخالة على السواء، ولمّا كان الجمع موقوفاً على رضاهما تخيّرتا في رفع الجمع بما شاءتا من فسخ عقدهما وعند الداخلة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ العقد الأوّل صدر لازماً بالأصل والأصل يقتضي بقاءه على اللزوم إلى أن يثبت المزيل، ورفع الجمع وإن كان يحصل بفسخ أحد العقدين ، إلاّ أنّ فسخ السابق قد منع منه مانع شرعي وهو لزومه فيختص التسلّط على رفع الثاني.


1 . الحدائق الناضرة:23/477.


(336)

أضف إلى ذلك أنّ جعل العقد الثاني عدلاً للعقد الأوّل على خلاف الحقّ، فانّ الأوّل اجتمعت فيه شرائط الصحّة بخلاف الثاني، فلم تجتمع فيه شرائط الصحّة بدون الإذن، فلايصحّ قوله: إنّ نسبة العقدين إلى العمّة والخالة على السواء، وأعجب منه هو الاكتفاء بالاعتزال عن الفسخ والطلاق، ولا دليل عليه في الشرع.

وأمّا القول الرابع، فهو القول المشهور عند المتأخّرين ، فلأنّ النهي في المقام إنّما هو لصالح العمّة والخالة فإذا رضيتا تمّت الشرائط، وهذا مثل قوله ـ عليه السّلام ـ في العبد المتزوّج بغير إذن مولاه، فقال الإمام: «إنّما أتى شيئاً حلالاً وليس بعاص للّه وإنّما عصى سيّده...»(1) وبذلك يظهر ضعف ما أفاده المحدّث البحراني في المقام حيث قوّى شرطية مصاحبة الإذن، واختار الوجه الأوّل.

ثمّ إنّ مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الصغيرتين والكبيرتين والمختلفتين ولا بين اطّلاع العمّة والخالة على ذلك، وعدم اطّلاعهما أبداً، ولا بين كون مدّة الانقطاع قصيرة ولو ساعة أو طويلة، أخذاً بإطلاق الروايات وإن ادّعى السيّد الطباطبائي انصراف الأخبار عن بعض الصور(2) لكن التعميم هو الأقوى لأنّ ما ذكر من العلّة، حكمة الحكم.

ثمّ إنّ السيّد الطباطبائي تعرّض في المقام لفروع جزئية، فمن أراد التفصيل فليرجع إليها.

في إدخال العمّة والخالة على بنت الأخ والأُخت

اتّفقت كلمة جلّ فقهائنا على جواز إدخال العمّة والخالة على بنت الأخ


1 . الوسائل: الجزء 14، الباب 14، من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1و2.
2 . العروة الوثقى: فصل في المحرمات بالمصاهرة: المسألة 10.


(337)

والأُخت مطلقاً سواء رضي المدخول عليها أو لا، ويدلّ عليه مضافاً إلى عموم الآية، نصوص في المقام صريحة في الجواز. ففي موثق محمّد بن مسلم:«وتُزوّج العمّة والخالة على ابنة الأخ وابنة الأُخت بغير إذنهما»(1) وغيره ممّا أشرنا إليه في التعليقة.

نعم قال الصدوق في المقنع بالحرمة في هذه الصورة أيضاً، فعمّم المنع ولم يفرّق بين المسألتين مع صراحة الأخبار بالفرق وقد نقل هو ـ قدّس سرّه ـ ما يدلّ على الجواز من الأخبار في الفقيه، وأمّا ما رواه أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لايحلّ للرجل أن يجمع بين المرأة وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها»(2) فيحمل على الصورة الأُولى أخذاً بالأحاديث المفصّلة.

فقد تبيّن من ذلك عدم شرطية إذن المدخول عليها، وهل يشترط علم الداخلة بأنّ المدخول عليها، بنت أخيها أو بنت أُختها أو لا ؟ ذهب إلى الأوّل صاحب المسالك، وإلى الثاني صاحب الرياض، قال الثاني: «لافرق في الجواز بين علم الداخلة بكون المدخول عليها بنت أخ أو أُخت أم لا، وفاقاً للأكثر. للأصل وإطلاق النصوص وعن العلامة اشتراط العلم ومستنده غير واضح، والنصوص باعتبار إذنهما مختصة بالصورة الأُولى، نعم احتاط السيّد البروجردي إذا كانت العمّة والخالة جاهلتين .(3)

ويمكن الاستدلال عليه بوجوه أنّه مخالف للإجلال المنصوص عليه:

يلاحظ عليه: أنّه فرق واضح بين كونهما مدخولتين أو داخلتين، فاشتراط الإذن في الأُولى لأجل أصالتهما في الزوجية، بخلاف ما إذا كانتا داخلتين فالأصالة


1 . الوسائل: 14، والباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 1، ولاحظ الحديث: 3، 5، 6، 9، 12، 13.
2 . المصدر نفسه: الحديث 7.
3 . العروة الوثقى: فصل في المحرّمات بالمصاهرة، تعليقة، المسألة 9.


(338)

عندئذ لبنت الأخ والأُخت وهما واردتان عليهما فاعتبار الإذن في الأُولى لايكون دليلاً على اعتباره في الثانية.

1ـ ما رواه صاحب المسالك عن محمّد بن مسلم:لاتزوّج ابنة الأخ... ولاتزوّج العمّة والخالة على ابنة الأخ وابنة الأُخت بغير إذنهما(1)والظاهر أنّه مصحف والصحيح كما في الوسائل(2): «وتزوّج العمّة والخالة...»، و لو فرضت صحّة النسخة يلزم رجوع الضمير إلى الأقرب أي ابنة الأخ والأُخت، وهو مخالف للإجماع.

2ـ قياس المقام بنكاح الحرّة على الأمة حيث إنّه يشترط علمها بكون المدخولة أمة لاشتراك الدليلين في حكمة الحكم.

يلاحظ عليه: أنّه قياس لا نقول به أضف إلى ذلك أنّه لو قلنا بالشرطية ، فلايبطل من أصل، بل لو لحقه إذن الداخلة، لصحّ العقد. شأن كلّ عقد فضولي.

***

إذا جمع عقد العمّة أو الخالة، مع إحداهما في عقد واحد هل تتوقف صحّة العقد على إذنهما كما إذا سبق عقد العمّة أو الخالة أو لا ؟ قال السيّد الطباطبائي: الظاهر أنّ حكم اقتران العقدين حكم سبق العمّة والخالة.(3)

وقد استدل عليه في الجواهر بوجوه مخدوشة من حديث الإجلال المعلوم أنّه حكمة الحكم لا مناطه، وإطلاق خبر أبي الصباح (4)، الذي يرويه محمّد بن


1 . المسالك: 1/517، بحار الأنوار:10/260.
2 . الوسائل: الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1.
3 . العروة الوثقى: فصل ما يحرم بالمصاهرة، المسألة 11.
4 . الوسائل: الباب30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث7. لايحلّ للرجل أن يجمع بين المرأة و عمّتها و لا بين المرأة و خالتها.


(339)

الفضيل المشترك بين محمّد بن الفضيل بن غزوان الثقة، ومحمّد بن الفضيل بن كثير الذي لم يوثق، ومحمّد بن القاسم بن الفضيل صاحب الرضا (1) وإن كان الأقرب هو الثاني، لأنّ ابن غزوان من أصحاب الصادق فكيف يروي عن أبي الصباح الذي صحب الصادق وروى عن الكاظم، ويروي عنه الحسين بن سعيد الأهوازي الذي هو من أصحاب الرضا والجواد والهادي ـ عليهم السّلام ـ ، أضف إلى ذلك أنّ إطلاقه موافق لفتوى العامة.

نعم يمكن أن يقال:إنّ المفهوم من الروايات، هو أنّ الجمع بين العمّة والخالة وبنت الأخ والأُخت يتوقّف على إذنهما، غير ما إذا كانتا داخلتين على بنت الأخ والأُخت، فلافرق بين المتأخّر والمقارن.

كما أنّ الظاهر عدم الفرق بين العمّة والخالة المسلمتين أو الكافرتين، والإجلال حكمة التشريع لا علّته ومناطه، كما لافرق بين العليا والدنيا واحتمال الانصراف خلاف الإطلاق.

وهل يشترط الإذن، أو يكفي الرضا الباطني؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ الإذن طريق إليه فإذا استكشف، كفى في الصحّة، والتأكيد على الإذن في أكثر الروايات(2) وقلّة ورود الرضا(3) لأجل حسم مادة النزاع فيما بعد إذ لها أن تنكر الرضا بالباطني بخلاف ما إذا أذنت على رؤوس الاشهاد، ولأجل ذلك تضافر التعبير على الإذن.

فلو أذنت ثمّ رجعت ولم يبلغه الخبر فتزوّج لم يكفه الإذن السابق، لأنّ الشرط هو وجوده الواقعي وهو بعد غير حاصل، نعم ورد في باب الوكالة أنّ العزل


1 . تنقيح المقال: 1/39.
2 . لاحظ الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1، 2، 6، 10، 12.
3 . لاحظ الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.


(340)

الواقعي لايؤثر مالم يبلغ إلى الوكيل(1) وهو خرج بالدليل ولعلّ الضرورة الاجتماعية في باب الوكالة صيّرت أحكام الوكالة مستمرة إلى أن يبلغه العزل ومنه يظهر عدم تأثير الرجوع بعد العقد إذ لا دليل على شرطيته إلاّ قبل العقد، وأمّا غيره فالكل باق تحت عموم قوله:«وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» ومعه لاحاجة إلى الاستصحاب وإن ذكره بعض الأعلام.(2)

ثمّ إذا توفق الرجل لجلب رضى المرأة بالوعد، فرضيت فإن وفى بوعده وإلاّ فهل يبطل بالتخلف أو لا ؟ الحقّ التفصيل بين تقييد الإذن بالوفاء بالوعد، فلو تخلّف كشف عن بطلان الإذن والعقد، إنّما الكلام فيما إذا صار الوعد، داعياً للإذن المطلق بلا تقييده بالوفاء بالوعد، فالظاهر الصحّة ، سواء كان بانياً على التخلّف حين الوعد أو لا، لأنّ تخلّف الداعي لايؤثّر في أبواب العقود، وإن استشكل سيّد مشايخنا البروجردي فيما إذا كان بانياً على عدم الوفاء حين العقد في تعليقته وهو غير ظاهر.

ثمّ الظاهر أنّ إذن العمّة والخالة حكم شرعي، لا حقّ فلا يسقط بالإسقاط، وذلك لتبادر الحكم من النهي عن تزويجها بلا إذنهما. على أنّ الحقّ إمّا يقوم بالعين كحقّ المرتهن القائم بالعين المرهونة، أو يتولّد بالفعل كالتحجيز وليس المقام عنهما، وعلى هذا ولو شكّ في كفاية الإسقاط، فالأصل هو الفساد.

إذا اشترط في عقد العمّة والخالة إذنهما في تزويج بنت الأخ أو الأُخت، ثمّ لمتأذنا عصياناً منهما في العمل بالشرط، لايصحّ العقد على إحدى البنتين ، لعدم حصول الشرط وإن كانتا عاصيتين.

وهل له إجبارهما بالشرط ولو بالمراجعة إلى الحاكم الشرعي، أو لا ؟ الظاهر


1 . الوسائل: 13، الباب 2 من أحكام الوكالة.
2 . مستمسك العروة الوثقى: ج14 ، فصل في المحرمات بالمصاهرة، المسألة 16.


(341)

لا، وإن قلنا به في سائر الموارد كاشتراط الخياطة في بيع الدار واشترائه وذلك للفرق بين الموردين، لأنّ الشرط في الثاني قابل للإجبار دون المقام إذ ليس الأُمور القلبية قابلة للإجبار والإكراه.

وبذلك يتبيّن أنّ المسألة ليست مبنية على أنّ الشرط، هل يحدث حقّاً للشارط أو لا ؟ فعلى الأوّل يجوز، دون الثاني، لأنّ ما ذكر إنّما يتمّ فيما إذا كان الشرط قابلاً للإجبار والإكراه، دون المقام فإحداث الحقّ غير كاف في جواز الإجبار وترتّب الأثر.

إلى هنا تعرفت ما يحرم بالمصاهرة و توابعها، و إليك بيان ما يقوم مكانها:


(342)


(343)

ملحقات المصاهرة

1 ـ الزنا بامرأة تحرم النساء الأربع؟

2 ـ إذا زنى بالعمة والخالة تحرم بنتهما

3 ـ الوط بالشبهة وحكم النساء الأربع

4 ـ في المملوكة إذا كانت منظورة أو ملموسة

5 ـ إذا دخل قبل تسع سنين وافضى وفيه خمسة عشر فرعاً

مسائل في من تحرم نكاحها بعينها

6 ـ العقد على ذات العدّة

7 ـ العقد على ذات البعل

8 ـ الزنا بذات العدّة أو البعل

9 ـ الإيقاب بغلام

10 ـ عقد المحرم على امرأة


(344)


(345)

ملحقات المصاهرة

قد تعرفت على مفهوم المصاهرة و أحكامها في مورد النساء الأربع و هناك أُمور ملحقة بها و إن لم يكن من نوعها، فلها دور في تحريم النساء الأربع، أو تحريم المرأة فيلزم البحث عنها و لنقدم قبل الخوض في الصور كلام السيد الأصفهاني ـقدّس سره ـ في الوسيلة:

قال السيد الاصفهاني: لا إشكال في ترتّب الحرمات الأربع على النكاح والوطء الصحيحين، وهل تترتب على الزنا ووطء الشبهة أم لا؟ قولان: أقواهما وأشهرهما أوّلهما: فلو زنى بامرأة حرمت على:

1ـ أبي الزاني.

2ـ وابن الزاني.(1)

3ـ وحرمت على الزاني أُمّ المزني بها.

4ـ وبنتها.

وكذلك الموطوءة شبهة.

نعم الزنا الطارئ على التزويج لايوجب الحرمة لو كان بعد الوطء أو قبله وبعد العقد فلو تزوّج بامرأة ثمّ زنى بأُمّها أو بنتها ، لم تحرم عليه امرأته وكذا لو زنى الأب بامرأة الابن لم تحرم على الابن ولو زنى الابن بامرأة الأب لم تحرم على أبيه.(2)

ذكرنا نص السيّد، ليكون القارئ على بصيرة على صور المسألة. ولكن المذكور في كلام الأصحاب غالباً هو تحريم أُم المزنيّ بها أو بنتها، دون الأوليين


1 . سقط من النسخة: الطبعة الثامنة.
2 . فصل المصاهرة ، المسألة 5.


(346)

والأولى التعميم كما سيوافيك في كلام السيّد عن أبي حنيفة و لأجل ذلك جعلنا العنوان حرمة النساء الأربع.

1ـ إذا فجر بامرأة، هل تحرم عليه النساء الأربع؟!

إذا فجر بامرأة فتارة يكون الفجور متقدّماً على الزواج المفروض، وأُخرى متأخّراً والمسألة في بدء الأمر ذات قولين:

الأُولى: أنّه لاتنشر الحرمة.

الثانية: التفصيل بين كونه متقدّماً فينشر، ومتأخّراً فلاينشر.

وقد لخّص العلاّمة الأقوال فيهما وقال: اختلف علماؤنا في الزنا هل ينشر حرمة التزويج بأُمّها وبنتها ؟ فأثبته الشيخ وأبو الصلاح وابن البرّاج وابن زهرة وابن حمزة.

وقال المفيد والسيّد المرتضى والصدوق في المقنع وسلاّر وابن إدريس أنّه لاينشر الحرمة فللرجل نكاح أُمّ المزني بها وبنتها سواء تقدّم العقد على الزنا أو تأخّر.(1)

وقال المحدّث البحراني: لا خلاف بين الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ في أنّ الزنا المتأخّر عن العقد الصحيح لاينشر حرمة المصاهرة سواء في ذلك الزنا بالعمّة أو الخالة أو غيرهما، لأصالة بقاء الحكم الحاصل بالعقد، وقولهم: «لايفسدالحرام الحلال» وإنّما الخلاف في الزنا المتقدّم هل ينشر حرمة المصاهرة أم لا ؟ الأشهر ذلك(2) ولأجل الوقوف على متون الكلمات ننقل بعضها:


1 . المختلف، كتاب النكاح، ص74، وستقف على نصوص بعض هؤلاء وهي ربّما لاتوافق مع ما ذكروه في بعض الموارد.
2 . الحدائق: 23/479.


(347)

1ـ قال الصدوق:فإن زنى بأُمّها فلابأس أن يزوّجها بعد أُمّها وابنتها وأُختها.(1)

2ـ قال المفيد: ولابأس للرجل أن يتزوّج بامرأة قد سافح أُمّها أو ابنتها ولايحرّم ذلك عليه نكاح الأُم والبنت سواء كانت المسافحة قبل العقد على من سمّيناه أو بعده.(2)

3ـ قال السيد المرتضى: وممّا ظنّ انفراد الإمامية به القول: بأنّ من زنى بعمّته أو خالته حرمت عليه بناتهما على التأبيد، وأبو حنيفة موافق في ذلك، ويذهب إلى أنّه من زنى بامرأة حرمت عليه أُمّها وبنتها، وحرمت المرأة على أبيه وابنه، وهو أيضاً قول الثوري والأوزاعي، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يحرموا بالزنا الأُمّ والبنت.

يمكن أن يستدل على ذلك بقوله تعالى:«وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ» ، ولفظ النكاح واقع على الوطء والعقد معاً، فكأنّه تعالى قال: لاتعقدوا على ما عقد عليه آباؤكم من النساء ولاتطأوا ما وطؤهنّ، وكلّ ما حرِّم بالوطء في الزنا المرأة على الابن والأب، حرّم بنتها وأُمّها عليهما جميعاً.

والاحتجاج في هذا الموضع بما يروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من قوله: الحرام لايحرِّم الحلال غير صحيح، لأنّه خبر واحد ولأنّه مخصوص بإجماع ويحمل على مواضع: منها: أنّ الوطء في الحيض وهو حرام لايحرم ما هو مباح من المرأة. ومنها: إذا زنى بامراة فله أن يتزوّجها.ومنها: إنّوطأ الأب لزوجة ابنه التي دخل بها أو وطأ الابن لزوجة أبيه وهو حرام لا يحرم تلك المرأة على زوجها ولايجعل هذا الحلال ـ ذلك الحرام ـ حراماً.(3)


1 . المقنع: 108.
2 . المقنعة: 504.
3 . الانتصار: 108، إنّ السيد وإن خصّ العنوان على العمّة والخالة وحكم بالحلّية في مورد النزاع كما من وطأ حليلة الابن، أو وطئه زوجة الابن ،فعلى هذا فهو من النافين ،كما حكيناه عن المختلف.


(348)

4ـ وقال أبو الصلاح في عدّ المحرّمات بالأسباب «وأُمّ المزني بها قبل العقد وابنتها».(1)

5ـ وقال الشيخ : اختلف روايات أصحابنا في الرجل إذا زنى بامرأة هل يتعلّق بهذا الوطء تحريم نكاح أم لا؟ فروى أنّه لايتعلّق به تحريم نكاح، ويجوز له أن يتزوّج أُمّهاتها وبناتها وهو المروي عن علي ـ عليه السّلام ـ وابن عباس وسعيد بن المسيب وربيعة ومالك والشافعي وأبي ثور، وقد روى أنّه يتعلّق به التحريم كما يتعلّق بالوطء المباح وهو الأكثر في الروايات وهو الذي ذكرناه في النهاية; وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة: إن نظر إلى فرجها بشهوة أو قبّلها بشهوة أو لمسها بشهوة فهو كما لو زنى بها في تحريم النكاح، قال: ولو قبّل أُمّ امرأته بشهوة حرمت عليه امرأته، ولو قبّل رجل زوجة أبيه (ابنه خ ل) بشهوة انفسخ نكاحها ـ دليلنا ـ على الأوّل الأخبار التي رويناها في الكتاب الكبير وأيضاً قوله تعالى: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ» وأيضاً قوله: « وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» وأيضاً الأصل الإباحة، وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لايحرّم الحرام الحلال» يدلّ عليه أيضاً لأنّه لم يفصل، وأمّا الذي يدلّ على الثاني فطريقه الاحتياط وأخبارنا التي ذكرناها في الكتاب المذكور (الكبير خ ل) (2).

6ـ وقال ابن البرّاج: وإذا فجر رجل بامرأة حرم عليه العقد على أُمّها وبنتها من النسب والرضاع على كلّ حال فإن قبّلها أو لامسها من غير جماع أو ما جرى مجرى ذلك، جاز له العقد على الأُمّ والبنت، ومن فجر بأُمّ زوجته أو ابنتها(الزوجة) لم تحرم عليه بذلك زوجته.(3)

7ـ وقال سلاّر: أن لاتكون امرأة ابنه فإنّها لاتحلّ أبداً وأن لاتكون بنت عمّته أو خالته وقد فجر بأُمّهما لاتحلّ له أبداً فإن زنى بأجنبية لم تحرم عليه أُمّها


1 . الكافي: 286.
2 . الخلاف: كتاب النكاح ، المسألة 79.
3 . المهذّب:2/188.


(349)

ولابنتها.(1)

8ـ قال ابن حمزة: والتي زنى بأُمّها أو ببنتها وإن علت الأُمّ، ونزلت البنت نسباً أو رضاعاً.(2)

9ـ قال ابن إدريس: والأظهر والأصح في المذهب أنّ المزني بها لاتحرم أُمّها ولاابنتها للأدلّة القاهرة من الكتاب والسنّة والإجماع ، وهذا المذهب الأخير، مذهب شيخنا المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان، والسيّد المرتضى. والأوّل مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي في نهايته، ومسائل خلافه، وإن كان قد رجع عنه في التبيان في تفسير قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ» الآية إلى أن قال: والذي يدلّ على صحّته ما اخترناه، أنّ الأصل الإباحة، والحظر يحتاج إلى دليل، وقوله تعالى:«فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساء»وهما داخلتان في عموم الآية، وقوله ـ عليه السّلام ـ :«لايحرّم الحرام الحلال» ولا إجماع على ما ذهب إليه من خالف في هذه المسألة، فلايرجع عن هذه الأدلّة بأخبار الآحاد التي لاتوجب علماً ولا عملاً.(3)

10ـ وقال ابن سعيد: ويحرم على الزاني أُمّ المزني بها وبنتها قبل العقد عليها نسباً ورضاعاً.(4)

11ـ وقال المحقّق: أمّا الزنا بغير العمّة والخالة فهل تنشر حرمة المصاهرة كالوطء الصحيح؟ فيه روايتان إحداهما تنشر وهي أوضحهما طريقاً(وأضاف صاحب الجواهر وأكثرها عدداً وعاملاً) والأُخرى لاتنشر، وأضاف صاحب الجواهر ولكن العمل على الأولى وفاقاً للأكثر نقلاً مستفيضاً ومحصلاً بل هو المشهور كذلك.(5)


1 . المراسم: 149، ترى أنّ سلاّر يقول بالتحريم في مورد العمّة والخالة لامطلقاً مع أنّ العلاّمة عدّه من القائلين بالتحريم مطلقاً.
2 . الوسيلة: 292.
3 . السرائر: 2/523.
4 . الجامع للشرائع: 428.
5 . الجواهر: 29/367ـ 368.


(350)

هذا مالدينا وأمّا ما لدى أهل السنّة فإليك ما ذكره ابن قدامة حيث يظهر منه أنّ الزنا موجب لحرمة النساء الأربع مع ما عرفت من السيّد في انتصاره والشيخ في خلافه .

12ـ قال ابن قدامة: فإذا زنى بامرأة حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أُمّها وبنتها كما لو وطأها بشبهة أو حلالاً، ولو وطأ أُمّ امرأته أو بنتها حرمت عليه امرأته نصّ أحمد على هذا في رواية جماعة، وروي نحو ذلك عن عمران بن حصين، وبه قال الحسن وعطاء وطاووس ومجاهد والشعبي والنخعي والنوري وإسحاق وأصحاب الرأي.

و روي عن ابن عبّاس أنّ الوطء الحرام لايحرّم ، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وعروة والزهري ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «لا يحرّم الحرام الحلال» ولأنّه وطء لاتصير به الموطوءة فراشاً فلايحرم كوطء الصغيرة، ثمّ استدل بقوله تعالى: «وَ لاتَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ» والوطء يسمّى نكاحاً و روي عن النبي أنّه قال: «لاينظر اللّه إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها» فذكرته لسعيد بن المسيب فأعجبه. ولأنّ ما تعلّق من التحريم بالوطء المباح تعلّق بالمحظور كوطء الحائض ـ ثمّ قال: ـ إنّ حديث الحرام لايحرِّم الحلال، لا تعرف صحّته وإنّما هو من كلام بن أسوع بعض قضاة العراق.(1)

إذاعرفت ما ذكر أنّ الروايات الواردة على أصناف:

الأوّل: ما يدلّ على أنّ الفجور المتقدّم على العقد، محرِّم وننقل منه ما يلي:

1ـ ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه في رجل كان بينه وبين امرأة فجور هل يتزوّج ابنتها؟ فقال: « إن كان من قُبلة أو شبهها فليتزوّجها ابنتها


1 . المغني: 7/40.


(351)

وليتزوّجها هي إن شاء».

وفي نصّ آخر أنّه قال: «فليتزوّج ابنتها إن شاء. وإن كان جماعاً فلايتزوّج ابنتها وليتزوّجها».(1) ومحلّها هو بنت المزني بها وتسرية الحكم إلى النساء الثلاث يحتاج إلى دليل.

2ـ صحيح محمّد بن مسلم: سألته عن رجل فجر بامرأة أيتزوّج أُمّها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال:«لا»(2) وموردها البنت والأُمّ.

3ـ صحيح عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل باشر امرأة وقبّل غير أنّه لم يفض إليها ثمّ تزوّج ابنتها؟ فقال:« إن لم يكن أفضى إلى الأُمّ فلابأس وإن كان أفضى فلايتزوّج ابنتها».(3) وموردها البنت.

4ـ معتبر يزيد الكناسي: أنّ رجلاً من أصحابنا تزوّج امرأة قد زعم أنّه كان يلاعب أُمّها ويقبّلها من غير أن يكون أفضى إليها، قال: فسألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ فقال لي: «كذب مره فليفارقها» قال: فرجعت من سفري فأخبرت الرجل فواللّه ما دفع ذلك عن نفسه وخلّى سبيلها.(4)

إلى غير ذلك من الروايات الدالة على نشر الزنا المتقدمة بلا تعرض للمتأخرة منها.

الثاني: ما يدلّ على التفصيل بين كون الزنا متقدّماً أو متأخّراً، فينشر في الأوّل دون الثاني، مثل ما روي عن محمّد بن مسلم صحيحاً عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ أنّه سأل عن الرجل يفجر بامرأة أيتزوّج بابنتها؟ قال: «لا، ولكن إن كانت عنده امرأة


1 . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3. اى ليتزوج الزانية.
2 . المصدر نفسه، الباب 7 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1.
3 . المصدر نفسه، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2و5.
4 . المصدر نفسه، الحديث5.


(352)

ثمّ فجر بأُمّها أو أُختها لم تحرم عليه امرأته. إنّ الحرام لايفسد الحلال».(1)

وما رواه أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «إذا فجر الرجل بالمرأة لم تحلّ له ابنتها أبداً. وإن كان قد تزوّج ابنتها قبل ذلك ولم يدخل بها فقد بطل تزويجه وإن هو تزوّج ابنتها ودخل بها ثمّ فجر بأُمّها بعد ما دخل بابنتها فليس يُفسِد فجوره بأُمّها نكاح ابنتها إذا هو دخل بها وهو قوله: لايفسد الحرام الحلال إذاكان هكذا».(2)

الثالث: ما ورد في خصوص الفجور بعد العقد على البنت أو بعد الدخول عليها وأنّه لايحرّم لكن خالياً عن المفهوم.

1ـ صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في رجل تزوّج جارية فدخل بها ثمّ ابتلى بها ففجر بأُمّها أتحرم عليه امرأته؟ فقال: «لا، إنّه لايحرّم الحلال الحرام».(3)

2ـ صحيح زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في رجل زنا بأُمّ امرأته أو بابنتها أو بأُختها فقال: «لايحرِّم ذلك عليه امرأته ـ ثمّ قال:ـ ما حرّم حرام حلالاً قط»(4) ولزرارة بهذا المضمون حديثان آخران.(5)

الرابع: ما يدلّ على أنّ الزنا بالمرأة لايحرّم البنت والأُم فيما إذا كان الفجور متقدّماً أو مطلقاًوهي لاتنقص عن سبع روايات وفيها الصحيح.

1ـ صحيح سعيد بن يسار قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل فجر بامرأة يتزوّج ابنتها؟ قال: «نعم، يا سعيد إنّ الحرام لايفسد الحلال».(6)

2ـ صحيح صفوان قال: سأله المرزبان...ورجل فجر با