welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الاجوبة الهادية إلى سواء السبيل*
نویسنده :عبدالله الحسيني*

الاجوبة الهادية إلى سواء السبيل

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم


(2)

(3)

إيماننا مستقر في قلوبنا
الاجوبة الهادية
إلى سواء السبيل

نقد وتحليل لكتاب
«أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحق»

بقلم

عبدالله الحسيني


(4)

هوية الكتاب

اسم الكتاب: الاجوبة الهادية إلى سواء السبيل

المؤلف: عبدالله الحسيني

الطبعة: الأُولى ـ 1429 هـ

الناشر: مشعر


(5)

الأجبوة الهادية
إلى سواء السبيل


(6)

نشيد السائرين على درب الثقلين

حيدر محمد علي البغدادي

بهُدى الكتابِ، وصفوةِ الرحمنِ *** ضاءتْ طريقُ مواكبِ الإيمانِ
ومَشتْ، فلم تَرهَبْ دياجيَ فتنة *** أنّى؟ ورائدُ دَرْبها الثَّقَلانِ
وَعَنتْ لأنوار الأدلّةِ والحِجى *** فَتَرنَّمتْ بالحقّ والعرفانِ
ومَضتْ، فلم تَحفِلْ بقول مُشكِّك *** مُتحيِّر في وَهْدةِ الخذلانِ
كلاّ، ولم تأبَهْ لِلَسْعةِ شانئ *** يغلي بصدرِهِ مِرجَلُ الأضغانِ
هل يؤلم الضِّرغامَ عضُّ هُريرة *** ويضرُّ وخزٌ صخرةَ الصَّوّانِ

***

أبلغْ دُعاةَ السوءِ أنّ شبابَنا *** في مَعْقل مُتمنِّع الأركانِ
أتَرَونهم يُستنزَلون من العُلى *** وهُمُ يَرَونَكُمُ بِقاعِ هَوانِ؟
هيهاتَ، قد نالوا السعادة والمُنى *** واستأنسوا بالرَّوْحِ والرّيحان
وتفيّأوا ظلَّ الكرامة وارفاً *** من دوحة ملتفَّةِ الأغصانِ
هذا سبيل شبابنا يا واهماً *** إنْ كنتَ تَطعَمُ لذّةَ الإيمانِ
واعلمْ بأن الشمسَ ينفذُ ضوؤها *** حتى وإنْ مُلئَ الفضا بدُخان


(7)

هتاف الشباب:

إيماننا مستقرّ في القلوب

معقل التشيّع، منيع الذروة

حصن التشيع، ملاذ آمن


(8)


(9)

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ تنامي المد الإسلامي وانتشار الحركات التحررية في بقاع العالم الإسلامي، وظهور عدد من القادة والمصلحين الذين تصدّوا لمؤامرات الاستكبار العالمي ومخططاته، وعبّأوا الشارع الإسلامي للوقوف بوجهها بكل قوة، فلمّا أحسّ الاستكبار العالمي بالخطر المحدق به، قرع نواقيسه منبهاً جنوده ومحركاً لأذنابه في داخل البلاد الإسلامية وخارجها، فقام باصطناع فرق متشدّدة ومذاهب غريبة عن واقعنا الإسلامي وثقافتنا المحمّديّة ; لغرض تشويه صورة الإسلام الأصيل، وعرضه بأنّه دين يدعو إلى الإرهاب والتطرّف ويدعو إلى التخلّف والعودة بالمجتمع إلى القرون الوسطى.

ومن بين هذه الفرق المصطنعة والحركات المفبركة ، الوهابيّة الذي لم يتوانْ في أداء مهمّته وتطبيق الخطّة الماكرة . كيف لا وقد منحوا هذا التيّار لقب التوحيد الخالص وأضفوا عليه صبغة الإصلاح الديني، وقاموا بدعمه بالأموال الطائلة والإمكانات اللاّزمة ، ليعمل في هذا الاتّجاه ، فقد قام العملاء من أبناء هذا التيّار ، بطبع كميّات هائلة من الكتب ونشرها ، وعقد المقابلات


(10)

التلفزيونيّة وإنشاء المواقع على شبكة الأنترنت ، كان الهدف من جميعها إعطاء صورة سيّئة عن التشيّع .

فصرفوا الأموال الباهظة التي لم يسبق لها في تاريخ المذاهب الإسلاميّة نظير .

مثلاً قاموا بطباعة كتاب «الشيعة والتصحيح» بأعداد كبيرة جدّاً ، حيث تمّ توزيع ثمانية ملايين نسخة منه في الخرطوم فقط ، ومليوني نسخة في سائر محافظات السودان الأُخرى . السودان هذا البلد العزيز الذي ليس له ذنب إلاّ علاقته الراسخة بأهل البيت(عليهم السلام) وحبّه الكبير لهم ، يُستهدف هذا الاستهداف! .

والمحقّقون في هذا المجال يقولون إنّ 40000 موقع على شبكة الأنترنت تعمل على التبليغ للتيّار الوهابي المختلق . وأنّه قد تمَّ لحدّ الساعة نشر 10000 كتاب ومقالة ضدّ التشيّع ، حيث تُكلِّف هذه العمليّة الملايين من الأموال ، ولكن طبقاً للمثل السائر «انقلب السحر على الساحر» فإنّ هذا المدّ الهائل المضادّ للتشيّع كان سبباً لدفع كثير من العلماء والمثقّفين المنصفين إلى التعرّف على مذهب أهل البيت عن كثب ، فراحوا يتساءلون عن هذه الضجّة الغوغائيّة الكبيرة حول المذهب الشيعي . فقام فريق منهم بالاتّصال المباشر ببعض علماء الشيعة للاستفسار عن حقيقة الأمر . وفي الأخير اطّلعوا على زيف الإدّعاءات الوهابيّة وكذب أصحابها ، وتعرّفوا على الإسلام المحمّدي الأصيل ، وراحوا (يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً) .

نعم ، بهذه الطريقة التي لم يكن لعلماء الشيعة أيّ دخل فيها ، هبّت


(11)

ريح حبّ التعرّف على التشيّع في مصر والأردن وسائر البلاد العربيّة ، بل حتّى في أوروبا وأمريكا حيث امتلأت القلوب الطاهرة للشباب بحبّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام)فراحوا يتبرّؤون من مؤلِّفي الكتب الوهابيّة الضالة .

عجباً! إنّ التاريخ يعيد نفسه ، فالآلة البابويّة حاولت إلحاق أبشع الصور بالإسلام ، وجيّشت الجيوش المختلفة في سبيل ذلك . ولكن النتيجة كانت عكسيّة تماماً فانتشر الإسلام انتشاراً واسعاً في أمريكا وأوروبا وكثُر معتنقوه .

الدواعي لتأليف هذا الكتاب

منذ فترة وجيزة وقع في يدي كتيّب تحت عنوان «أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحقّ» .

وقد أعدّه سليمان بن صالح الخراشي ـ الرجل الذي أفتى في كلام له بوجوب قتل الشيعة ـ وهنا يريد هدايتهم!! وقد نشر متن الكتاب بالكامل على صفحات المواقع الوهابية على الأنترنت.

ويبدو لمن يتصفح هذا الكتاب أنّ جامع هذه الأسئلة ومعدّها قد جمع هذه الأسئلة من مواقع مختلفة للانترنت ، وكتب مضادّة للشيعة ».

ومن بين الشباب الذين اهتدوا ـ على حدّ قول المؤلف ـ ذكر اسم شاب بحريني واحد ـ ولو صحّ فقد خرج شخصٌ واحدٌ فقط من ولاية أهل البيت(عليهم السلام)ـ والتحق بولاية الأمويّين . وبالتالي تكون معرفة الشباب للحقّ لا أساس له ولا أثر .

وأمّا مواقع الانترنت التي ذكرت في الترجمة الفارسية للكتاب فهي


(12)

مواقع وهابيّة يمقتُها عموم المسلمين وينفرون منها .

ومن هذه المواقع ما له طابع سياسي واضح ويتم إعداده وتنفيذه من لندن ، أمثال موقع WWW.isl.org.ukوالمشرفون على إدارته هم من مُعارضي نظام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية.

والآن نريد أن نسأل، هل أنّ هذه الأسئلة هي حقّاً أسئلة أُولئك الشباب الذين لم يجدوا لها جواباً ، فتركوا مذهب أهل البيت والتحقوا بالمذهب الأموي ، أوأنّها أسئلة قام بطرحها أُناس مُغرضون ؟

ثمّ إنّه أليس من الأنسب طرح هذه الأسئلة على أهل العلم وأهل الذِّكر ، ثمّ نشرها مع أجوبتها ، حتّى يكون أصحاب هذه الأسئلة قد عملوا بالآية القرآنيّة الكريمة (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(1) ، فيكونوا قد وقفوا على الحقيقة بعد أن ردّوا نزاعهم إلى القرآن الكريم والسنّة المطهّرة ، وفقاً لقوله تعالى : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)(2) .

فطرح هذه الأسئلة على شباب ليس لهم اطّلاع على هذه المسائل هو أمرٌ مخالف للأمانة العلميّة وانسلاخٌ عن التديّن والتقوى .

معرفة التيّار الوهابي :

باعتبار أنّ هذه الأسئلة طرحها أصحاب هذا التيّار العدائي (الوهابي) كان لِزاماً علينا أن نُسلّط الضوء على جذوره وأسباب ظهوره على الساحة


1 . النحل : 43 .

2 . النساء : 59 .


(13)

الإسلاميّة ، كما نسلّط الضوء على آراء كبار علماء السنّة فيه .

ظهر التيّار الوهابي في القرن الثامن الهجري على يد ابن تيميّة الحرّاني الذي طرح مجموعة من الافكار والنظريات التي لم تلق رواجاً وقبولاً في الوسط السني نفسه حتّى انّه قد سُجن أربع مرّات بسبب أفكاره المنحرفة وذلك بطلب من علماء المسلمين آنذاك . وقد وقع موقع انتقاد كبير من قبل كبار علماء السنّة بل وتكفير بعضهم أيضاً ، أمثال :

1 ـ تقيّ الدِّين السبكي، وهو من كبار علماء الشافعيّة.(1)

2 ـ محمّد بن محمّد بن عثمان الذهبي المؤرِّخ والعالم الكبير في علم الرِّجال والذي يحظى باحترام كبير عند أهل السنّة وهو معاصر لابن تيميّة ، وقد ألّف رسالة بعنوان «بيان زغل العلم والطلب عن علم الحديث » ، ردّ فيها آراء أُستاذه، وندب وتأوّه تأسّفاً على تلك الآراء والأفكار.(2)

3 ـ ابن حجر الهيتمي : حيث قال في ترجمته: ابن تيميّة عبد خذله الله تعالى وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذله.(3)

4 ـ قاضي القُضاة تاج الدِّين السبكي : حيث قال في ترجمته للمزيّ: وأعلم أن هذه الرفقة (يعني المزّي، والذهبي والبرزليّ، وغيرهم) أضرّ بهم


1 . راجع كتاب «الدرر المضيئة في الردّ على ابن تيميّة » للسبكي; وطبقات الشافعية الكبرى: 10 / 149 .

2 . هذه الرسالة على الرغم من إنكار البعض نسبتها إلى الذهبي إلاّ أنّ الحافظ السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ»: ص 77. يقول : «لقد رأيت هذه الرسالة التي ألّفها الذهبي . . .» .

3 . الفتاوى الحديثيّة : 114 و 203  .


(14)

ابن تيمية إضراراً بيّناً، وحملهم من عظائم الأُمور أمراً ليس هينّاً، وجرّهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم، وأوقفهم في دكادك من نار.(1)

5 ـ العلاّمة تقيّ الدِّين الحصني (ت 829 هـ) الّذي قال  : إنّ في قلبه (يعني ابن تيميّة) مرض الزيغ، المتتبع لما تشابه في الكتاب والسنة ابتغاء الفتنة (2) .

6 ـ ابن حجر العسقلاني شارح صحيح البخاري والمعروف بأمير الحديث، قام بالدفاع عن شخص الإمام عليّ(عليه السلام)بذكر الأحاديث في مناقبه ، وقال في شأن ابن تيميّة الذي ردّ هذه الأحاديث المشهورة ما نصُّه :

لقد ردَّ الكثير من الأحاديث المعتبرة وأفرط في سبّ وشتم الأشخاص أمثال العلاّمة الحلّي الذي عاصر ابن تيميّة وقال إنّ كنيته ابن المطهّر ، وأمّا ابن تيميّة فسمّاه ابن المنجّس ، وقد بلغ بإفراط ابن تيميّة إلى النيل من (الإمام) عليّ بن أبي طالب.(3)

7 ـ قال العلاّمة الآلوسي ; صاحب التفسير المعروف «روح المعاني»: أنّ تشنيع ابن تيمية وابن قدامة وابن قاضي الجبل والطوفي وأبي نصر وأمثالهم صرير باب أوطنين ذباب، وهم وإن كانوا فضلاء ومحقّقين وأجلاء مدققين لكنهم كانوا كثيراً ما انحرفت أفكارهم واختلطت أنظارهم، فوقعوا


1 . طبقات الشافعيّة الكبرى: 10 / 400، ترجمة (المزيّ) برقم 1417 .

2 . دفع الشبه عن الرسول والرسالة : 83  ، انظر كذلك كتاب: دفع شبهة من شبّه وتمرّد: 34، طبع مصر عام 1350 هـ .

3 . لسان الميزان : 6 / 319; الدرر الكامنة: 1 / 150  .


(15)

في علماء الأُمّة وأكابر الأئمة، وبالغوا في التعنيف والتشنيع، وتجاوزوا في التسخيف والتقطيع .(1)

8. محمد زاهد الكوثري المصري وهو أكثر الناس تتبعاً لمكامن حياة ابن تيمية، وفضح آرائه وأفكاره، قال عنه: ومن درس حياته يجدها كلها فتناً لا يثيرها حافظ بعقله، غير مصاب في دينه،... ففاه في القبيلين بما لم يفه به أحد من العالمين (2).

9 ـ السيّد حسن السقّاف، من المعاصرين حيث قال:

إنّ الشخص الذي جعل الاقتداء بمعاوية والتهجّم على الإمام عليّ(عليه السلام)منهاجاً لحياته ، قد لقبه الوهابيّون بـ «شيخ الإسلام» واعتبروا آراءه وأفكاره بمنزلة الوحي المنزل.(3)

وقد انطمس مذهب ابن تيميّة وأفُلَ نجمه إلى أن جاء «محمّد بن عبد الوهاب» فبعث فيه الحياة من جديد ، بهدف إيجاد الفُرقة بين المسلمين ، وكلّ همّه إيجاد أتباع وأنصار لمذهبه .

عود على بدء

على كلّ حال فإنّ الكتيّب المذكور سابقاً قد تمَّ نشره ، وقد ظهر الاضطراب والتناقض فيما جاء به من زيف وادّعاء ; حيث اقتصرنا هنا على


1 . روح المعاني : 1 / 18 ـ 19 .

2 . مقدمة الكوثري على كتاب «السيف الصقيل» للسبكي، وانظر مقدمته على كتاب «الاسماء والصفات» للبيهقي.

3 . من مناظرات السقاف مع عثمان الخميس على شبكة الانترنت .


(16)

ذكر ملخّص لمقدّمته . ففي (الصفحة 5) يقول :

فقد أراد الله ـ بإرادته الكونيّة القدريّة ـ أن يتفرّق المسلمون إلى شيع وأحزاب ومذاهب شتّى، يعادي بعضهم بعضاً.

ثمّ يُضيف بعد عدّة أسطر  (في الصفحة 6) ويقول:

ولهذا كان من الواجب على كل ناصحّ لأُمّته، محبّ لوحدتها واجتماعها أن يسعى ـ ما استطاع ـ في لمّ شملها «على الحق» وإعادتها كما كانت في عهده (صلى الله عليه وآله وسلم)عقيدة وشريعة وأخلاقاً ; اتباعاً لقوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا )(1).

أقول: لو تعلّقت إرادته التكوينيّة بالتفرقة والعداوة ثمّ تعلّقت إرادته التشريعيّة بالوحدة والتوحّد ، فمعنى ذلك وجود تناقض بين الإرادتين ، حيث تعلّقت الإرادة التكوينيّة بالتفرقة وتعلّقت الإرادة التشريعيّة بالوحدة ، وبهذا تكون الإرادة الثانية لغواً وبلا أثر ، والحال أنّ إرادة الله تعالى نافذة وغير قابلة للتراجع . . (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(2) .

إنّ هذا الكاتب يزعم انّه يريد هداية الشباب الشيعة إلى طريق الحقّ واتّباع أهل السنّة ، ومقصوده من أهل السنّة هم «الوهابيّون» فقط ، أمّا سائر فرق أهل السنّة الذين يشكّلون أكثريّة مسلمي العالم قطعاً فهم في نظر الفكر الوهابي ليسوا «أهل السنّة» بل يصرّح بتكفيرهم وشركهم، شأنه في ذلك


1 . آل عمران: 103.

2 . يس : 82  .


(17)

شأن شيخه محمد بن عبدالوهاب (1).

ونحن هنا نرى أن الكاتب يقول في أواخر مقدّمته: نسأل الله تعالى أن ينفع به الموفقين من شباب الشيعة، وأن يجعله مفتاح خير لهم، ويذكرهم أخيراً بأن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، وأنّ الواحد منهم في حال لزومه السنة، والفرح بها، ونصرتها، قد يفوق في أجره ومكانته آلافاً من أهل السنة البطالين، المعرضين عن دينهم، اللاهين في الشهوات، أو الواقعين في الشبهات، والله يقول: ( مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلاَِنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)(2) .

تناقضات الكتاب :

ذكرنا سابقاً أنّه تمّت طباعة كُتيّب تحت عنوان «أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحقّ» حيث طرح المؤلف فيه 188 سؤالاً كان الهدف منها النيل من عقائد الشيعة . والآن يلزم الإشارة إلى حقيقة هذا الكتاب وأهمّيته ـ إن كانت له أهمّية تُذكر ـ بغضّ النظر عن مسائله الجانبيّة .

1 ـ في هذا الكتيّب أحياناً يتكرّر السؤال الواحد 27 مرّة ، فمثلاً عقيدة الشيعة في مسألة ارتداد الصحابة تكرّر ذكرها كثيراً ، والحال أنّه يمكن طرح السؤال مرّة واحدة ، ولكن صاحب الكتاب يريد التأكيد على هذه المسألة ولَفْت الأنظار إليها ، فاعتمد على تكرارها بصيغ مختلفة .


1 . انظر: كتاب داعية وليس نبي لحسن بن فرحان المالكي: 85 و 133، ط. الاردن، 1425 هـ .

2 . أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحق: ص 7. والآية 44 من سورة الروم .


(18)

2 ـ أجوبة بعض الأسئلة كانت موجودة في الأسئلة التي تليها ; فمثلاً ينقل حديثاً عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) عن ارتداد الصحابة حيث يقول : «أنا بجنب الكوثر فيُؤتى بقوم . . . . . إنّك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك» حيث أورد هذا الحديث في السؤال 123 ونفس هذا الحديث هو جواب لـ 27 سؤالاً مكرّراً حول مسألة ارتداد الصحابة .

3 ـ بعض الأسئلة تناقض أسئلة أُخرى ، فمثلاً السؤال 78 يقول : إنّ جميع الأصحاب بايعوا أبا بكر ، بحيث لم يتخلّف أحد ; ولكن في السؤال 83 يقول : إنّ الأنصار خالفوا أبا بكر وطالبوا بمبايعة سعد بن عبادة ، وأنّ عليّاً بقي جليس بيته لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء !!

4 ـ بعض هذه الأسئلة لا تُعتبر أسئلة أصلاً، بل هي مجرّد ادّعاء واتّهام لا يتضمّن رائحة السؤال ; فمثلاً في السؤال 134 يقول : واحدة من القواعد المعتمدة عند الشيعة في إثبات الإمامة : أنّ أيّ أحد من أهل البيت إذا ادّعى الإمامة وأظهر شيئاً خارقاً على صدق دعواه تثبت إمامته . ولم يطرح أيّ سؤال ، وأصل هذا الادّعاء بهذا الشكل هو مجرّد اتّهام ، وأنّ الشيعة لا يثبتون الإمامة بهذه الطريقة .

5 ـ بعض الأسئلة الواردة خاطئة وتتضمّن عبارات معادية مثل قوله : (إنّ المرحوم المجلسي) يقول : إنّ الشيعة بعد قراءة الزيارة يستقبلون القبر ويُقيمون الصلاة (راجع السؤال 168) .

6 ـ بعض الأسئلة بل جُلّها ليس له مصدر ; فيذكر اُموراً وينسبها إلى


(19)

الشيعة بطريقة لا يعلم من أيّ كتاب أخذها ، وهذه الميزة طغت على أغلب أسئلة الكتاب ولا نحتاج إلى ذكر نموذج .

7 ـ انّ بعض الأسئلة تنتقد وتتهجم على عالم شيعيّ ورأيه الخاص، ولكن يحولها إلى هجوم على كل الشيعة وعلمائهم وعقيدتهم ومذهبهم.

8 ـ ذكر مسألة الإمام المهدي(عليه السلام) وكأنّها ـ أصلاً ـ ليست من المسائل التي هي مورد اتّفاق الفريقين ، صحيح أنّ مسألة ولادته ليست مورد اتّفاق علماء أهل السنّة وإن كان بعضهم يعتقد بولادته ، ولكن في نفس الوقت جميع المذاهب الإسلامية يعتقدون بتواتر الأحاديث التي تذكر ظهور المهدي المنتظر(عليه السلام) وقد ألفوا كتباً قيّمة في ذلك الموضوع ، حتّى أنّه قد طبع مؤخّراً كتاب في السعوديّة بعنوان «بين يدي الساعة» كُشف فيه السِّتار عن كثير من الأوهام . ولكن مروّج هذه الأسئلة يأبى طرحها إلاّ بالامتهان والتحقير وإنكار العقيدة بالمهدي الّتي هي موضع وفاق المسلمين جميعاً .

9 ـ ينكر بشكل قاطع بعض المسائل التاريخيّة المسلّمة عند الأُمّة ويؤكّد على أنّه لم يكن هناك أيّ نوع من الاختلاف والنزاع بين الصحابة ، ويؤكد على وجود محبّة كاملة بين بني هاشم وبني أُميّة ، وقد أورد في الأسطر الأخيرة أدلّة واهية وسخيفة على كلّ ذلك ; مثل بعض الزيجات النادرة بين الفريقين .

10 ـ بعض الأسئلة جاءت بلهجة ملؤها الإهانة والسخرية تتلاءم مع مذهب السبّ والشتم الوهابي، وكان ذلك في موارد تتعلّق بسيّدي شباب


(20)

أهل الجنّة الإمامين الحسنين(عليهما السلام) ، وهذه ليست لهجة مسلم واع، وإنّما هي لهجة تدلّ على تعصّب صاحبها وبغضه وحقده وجهله .

هذه اللهجة التي تدلّ على أنّ صاحبها لا يتمتّع بأدنى حظٍّ من الواقعيّة والموضوعية.

إنّ هذه الأسئلة والشبهات قد امتلأت بها المواقع الوهابية الحاقدة على الإسلام والمسلمين .

كما أنّ أمثال هذه الأسئلة توجد في كتاب «عقائد الشيعة الاثنا عشريّة ، عرض ونقد» للدكتور ناصر بن علي القفاري الذي هو أُستاذ بجامعة محمّد بن سعود في القصيم بالسعوديّة . وفي الحقيقة لم يكن لأيّ منهم جمع هذه الأسئلة من وحي الفكر والتأمّل ، بل إنّهم غرفوا من منبع ومشرب واحد ، وهو مشرب الذلّ والمهانة ; فكتاب الدكتور القفاري مشبع بالأكاذيب والافتراءات الّتي يمكن جمعها في رسالة واحدة ، وقد فاق ما ذكرنا من التهتّك والإهانة وسوء الأدب ، ولذلك يمكن القول إنّه لحدّ الآن لم يسبق لي أن وقفت على أسوأ منه ، وكلّ شخص يطّلع على ما كتب يجد في نفسه نفوراً وإعراضاً من سوء أدبه وسوء خُلقه . فمذهب يريد أصحابه نشره بهذه الطُرق والأساليب المنحطّة سيصبح غير مقبول عند الأُمّة. خصوصاً إذا كان يدّعي الاقتداء بسنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله)وأنّه هو المذهب الوحيد الذي يمثِّل أهل السنّة ويخطّئ جميع المذاهب الأُخرى ; فهل كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أهل العداوة والسبّ والشتم والتهمة والكذب ؟ حاشاه وكلاّ!!


(21)

وهنا نودّ أن نسأل وهابيّة السعوديّة : إذا كنتم واقعاً تريدون هداية شباب الشيعة إلى الحقّ كما تزعمون ، لماذا لم تستطيعوا هداية شبابكم الذين هربوا من دينكم والتحقوا بالمذاهب المنحرفة ، فقد التحق الآلاف منهم بالماركسيّة والليبراليّة ووقعوا فريسة الفساد والانحراف والإدمان والإرهاب . . . وتركوا الثقافة الإسلاميّة والعربيّة خلف ظهورهم ؟!

أمّا شباب الشيعة فهم ـ بحمد الله ـ متمسِّكون بالثقلين، مثقفون بالثقافة الإسلامية ، وهم بعيدون كُلّ البُعد عن التأثّر بأيّ نوع من الأفكار المسمومة ، وإذا طرح سؤال أو أُثيرت شبهة حول مذهبهم فإنّهم يُجيبون عليها بمجرّد الرجوع إلى علمائهم ، لذلك فأمثال هذه الأسئلة ليس فقط أنّها لا توجِد فيهم تزلزلاً بل إنّها تزيدهم تمسّكاً بدينهم ومذهبهم ، فصار عمل هؤلاء الوهابيّة مصداق الآية الكريمة: (وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ)(1) .

***

هذا الكتيّب اعتمد كثيراً على ثلاثة مواضيع هي:

1 ـ مسألة ارتداد الصحابة ، وأن الشيعة يعتقدون بذلك.

2 ـ سبّ الصحابة ، وأنّ الشيعة يسبّون صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

3 ـ عدم احترام عائشة زوجة النبيّ(صلى الله عليه وآله) .

ونحن ـ فعلاً ـ لا علاقة لنا بصحّة نسبة هذه المواضيع الثلاثة للشيعة ; لأنّه سيتّضح جليّاً عدم اعتبارها وصحّتها.


1 . فاطر : 43 .


(22)

والنكتة الجديرة بالذِّكر هنا هي أنّ هذه الادّعاءات هي بغير الشيعة أليق وأنسب ، لأنّها وردت في أصحّ كتب القوم (البخاري ومسلم) ولكن للأسف يقرؤونها ويمرّون عليها مرور الكرام .

فجذور هذه المسائل في صحيحي البخاري ومسلم ، ولذا ننقل نماذج عن كلّ واحد من المسائل الثلاثة السابقة من أصحّ كتبهم ، ونُرجع التفصيل إلى تلك المنابع لمَنْ أراد التوسّع فيها .

1 ـ ارتداد الصحابة :

ينقل المحدِّث الكبير ابن الأثير الجزري (544 ـ 606 هـ) في كتابه: «جامع الاُصول في حديث الرسول» أنّه لم يستطع أن يجمع أحاديث الكتب الستّة في كتابه ، فهو نقل في القسم الثاني من المجلّد العاشر عن البخاري ومسلم عشر روايات تتعلّق بالحوض ، وكلّها تتحدّث عن ارتداد مجموعة من الصحابة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ولأنّ نقل كلّ هذه الأحاديث يأخذ منّا صفحات كثيرة ; فإنّنا نكتفي بنقل حديثين منها كما وسنشير إلى أرقام باقي الأحاديث :

1 ـ ينقل البخاري ومسلم عن أبي هريرة : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال : يرد عليَّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي فيُحلّؤون عن الحوض فأقول : ياربِّ أصحابي ، فيقول إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى» ، أخرجه البخاري ومسلم(1) .


1 . جامع الاُصول : 10 / 469 برقم 7998 ; صحيح البخاري: 7 / 208، كتاب الرقاق ; صحيح مسلم: 7 / 68، باب اثبات حوض نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)وصفاته.


(23)

2 ـ ينقل البخاري في صحيحه : «عن أبي هريرة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال : يردُ عليَّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي ، فيحلؤون (فيجلون) على الحوض ، فأقول : ياربّ ، أصحابي ، فيقول : إنّك لا علمَ لكَ بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى»(1) .

وللبخاري أيضاً : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال : «بينا أنا قائمٌ على الحوض ، إذا زمرةٌ ، حتّى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم ، فقال هلمّ ، فقلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنّهم قد ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى»  .

نحن نقلنا هذين الحديثين على شكل نموذج وبقيّة الأحاديث هي بهذا المضمون(2) ، ومع وجود هذه الأحاديث في أصحّ كتب أهل السنّة ، هل يبقى شكّ في دعوى نسبة مسألة ارتداد الصحابة للشيعة؟!

2 ـ سبّ الصحابة :

سبّ الصحابة ولعن أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) واحدة من المسائل التي كثيراً ما يعتمد عليها الوهابيّة ، والآن نرى مَن هو المؤسّس لهذا السبّ واللعن، حتّى نجعله محلاًّ لكلامنا ويتبيّن لنا أنّه ليس الشيعة هم الذين يسبّون الصحابة ، بل هم يحبّون كلّ مَن شاهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما دام لم


1 . نفس المصدر ذيل الرقم 7998 ; صحيح البخاري: 7 / 210، كتاب الرقاق .

2 . راجع كتاب جامع الاُصول ، الفرع الثاني من كتاب الحوض ، الأعداد 7995 إلى 8004  ; صحيح البخاري: 7 / 208، كتاب الرقاق .


(24)

ينحرف عن طريق الحقّ ، وإذا ما تبيّن لهم انحرافه تبرّؤوا منه، وهذا الموقف يوافقهم عليه اخوانهم أهل السنة، فهل ترى سنياً يجيز لنفسه موالاة المنحرف عن خط الرسالة.

ونحن هنا ننقل أثرين حتّى يتّضح من هو الشخص الذي روّج لسبّ الصحابة :

1 ـ ينقل مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص : «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسبّ أبا تراب ؟ فقال : أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهن له رسول الله فلن أسبّه . . .»(1) .

ثمّ ذكر بعد ذلك الأشياء الثلاثة التي جعلته يمتنع عن سبّه .

وجود هذا الحديث في أصحّ الكتب شاهد على أنّ واضع حجر الأساس لمسألة سبّ الصحابة وعلى رأسهم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، هو معاوية بن أبي سفيان الذي أشاع هذه السنّة السيّئة في الأُمّة ، ثمّ يأتي الوهابيّون ليقولوا معاوية رضي الله تعالى عنه !!

2 ـ ينقل ابن عبد ربّه في أخبار معاوية : «لمّا مات الحسن بن عليّ حّج معاوية وأراد أن يلعن عليّاً على منبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فقيل له : إنّ هاهنا سعد بن أبي وقّاص ، ولا نراه يرضى بهذا ، فابعث إليه وخُذ رأيه . فأرسل إليه وذكر له ذلك ، فقال : إن فعلت لأخرجنّ من المسجد ، ثمّ لا أعود إليه ، فأمسك معاوية عن لعنه حتّى مات سعد ، فلمّا مات لعنه على المنابر ، وكتب إلى


1 . صحيح مسلم: 7 / 120 ، باب فضائل عليّ بن أبي طالب  .


(25)

عمّاله أن يلعنوه على المنابر ، ففعلوا ، فكتبت أُمّ سلمة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلى معاوية : إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم ، وذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومَن أحبّه ، وأنا أشهد أنّ الله أحبّه ورسوله ، فلم يلتفت إلى كلامها.(1)

بملاحظة هاتين الروايتين نكون قد عرفنا منشأ هذه البدعة السيّئة التي نتبرّأ منها .

3 ـ عدم احترام زوجة النبيّ عائشة :

في هذا الكتيّب يتكرّر اتّهام الشيعة بأنهم يعتقدون أنّ زوجة النبيّ(صلى الله عليه وآله)عائشة هي الّتي عنتها آية الإفك ، والحال أنّ تفاسير الشيعة تقول خلاف ذلك ; وهي خير شاهد في هذا المجال ، وما على القارئ الكريم إلاّ الرجوع إلى تفسير سورة النور عند الفريقين وليقارن بين من يتّهم عائشة ومن يُبرّؤها .

والشيعة رغم انتقادهم لعائشة بسبب خروجها على أمير المؤمنين(عليه السلام)ومجيئها إلى البصرة على رأس جيش لقتاله ، إلاّ أنّهم يُبرِّئون ساحتها من حادثة الإفك .

أمّا البخاري فإنّه يصرّح في صحيحه عن نافع عن عبدالله أنّه قال : قام النبيّ خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة وقال : «ههنا الفتنة ـ ثلاثاً  ـ


1 . العقد الفريد : 2 / 301 و 5 / 108 ; خصائص النسائي : 133 ، الحديث 91 ; سير أعلام النبلاء : 3 / 31 .


(26)

من حيث يطلع قرن الشيطان».(1)

ورواه أحمد في مسنده عن ابن عمر قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من بيت عائشة فقال رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع الشيطان .(2)

مع وجود هكذا روايات في صحاحكم كيف لا تتّهمون أنفسكم ولا مؤلِّفي هذه الصحاح بهتك حرمة زوجة النبيّ(صلى الله عليه وآله)ثمّ تحاولون إلصاق ذلك بالشيعة ؟!

أمّا في الصفحات اللاّحقة فإنّنا سنُجيب ـ بعون الله ـ عن جميع أسئلة هؤلاء الوهابيّين رغم كونها تكراراً مملاً، مذكِّرين ومؤكّدين أنّ هذه الأسئلة لم تكن سبباً في عدم تزلزل عقائد شباب الشيعة فحسب ، بل زادتهم تمسكاً بعقيدتهم.

قال تعالى : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(3) .

ونحن نلفت نظر القارئ العزيز أخيراً بأنّا لم نأت بنص الأسئلة المذكورة، بل قمنا بتلخيصها واختصارها ثم أجبنا عنها، لكي لا يطول المقام.

نسأل الله التوفيق والهداية والحمد لله رب العالمين.


1 . صحيح البخاري: 4 / 46، باب ما جاء في بيوت أزواج النبيّ ، الحديث : 4 و 31 .

2 . مسند أحمد: 2 / 23 .

3 . الأنفال : 30 .


(27)

السؤال 1

يقول جامع الأسئلة إنّه قام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بتزويج ابنته أُمّ كلثوم من عمر بن الخطّاب ، وهذا دليل على حسن العلاقة بينهما .(1)

الجواب : زواج أُمّ كلثوم من عمر بن الخطّاب مسألة تاريخيّة مُختلَفٌ فيها بحيث لا يمكن الاعتماد عليها إطلاقاً . والدليل على ذلك نقل هذه الحادثة بأشكال متناقضة ومتضاربة ، الأمر الذي يجعلنا لا نعتمد على صحّة وجودها ، ومن جملة ذلك :

1 ـ أنّ عليّاً(عليه السلام) هو من قام بالعقد لعمر على أُمّ كلثوم .

2 ـ أنّ العقد كان بواسطة العبّاس عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) .

3 ـ أنّ هذا الزواج تمّ تحت التهديد (تهديد عمر) .

4 ـ أنّه تمَّ بإقامة الزفاف ، وأنّ عمر كان له ولد من أُمّ كلثوم باسم زيد .

5 ـ أنّ الخليفة عمر قد قُتل قبل مراسم الزفاف .

6 ـ أنّ زيداً أيضاً كان له ولد .

7 ـ أنّ زيداً قتل مع أُمّه في يوم واحد .


1 . هذا السؤال رُقّم خطأ في كتاب الخراشي برقم 2، ونحن هنا أعطيناه رقم 1، وهكذا بقية الأرقام فلاحظ .


(28)

8 ـ أنّ أُمّه كانت موجودة بعد وفاته .

9 ـ أنّه قُتل ولم يكن له وارث يرثه .

10 ـ أنّ مهرها كان أربعين ألف درهم .

11 ـ أنّ مهرها كان أربعة آلاف درهم .

12 ـ أنّ مهرها كان خمسمائة درهم .

هذه الاختلافات في النقل تبعث الشكّ في ذهن المرء ، ممّا يجعل صحّة وقوع هذا الزواج مورداً للتساؤل(1) .

ثمّ إنّه على فرض حصول هذا الزواج ، فهو لم يقع عن طيب نفس وقبول ورضى ورغبة ، وذلك بملاحظة الأُمور التالية :

1 ـ العلاقة التي تربط بين بيت النبوّة وبيت الخلافة ، كانت علاقة متوتّرة متكدّرة ، وأنّ الهجوم الذي تمَّ على بيت الوحي من قبل الخليفة الثاني وأتباعه ، وهتك حرمة كريمة النبيّ وقرّة عينه ـ فاطمة الزهراء(عليها السلام)ـ لا يمكن إنكاره ، والوثائق التاريخيّة المعتبرة شاهدة على ذلك.(2)


1 . راجع: «الذريّة الطاهرة» لابن بشر الدولابي (224 ـ 310 هـ): 157 و 162، والذي ذكر هذه الاختلافات .

2 . الهجوم على بيت الوحي وهتك حرمة بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) ذُكر في أهمّ كتب السنّة أمثال «المصنّف» لابن أبي شيبة (استاذ البخاري) (المتوفّى سنة 235 هـ ): 8 / 490 ، رقم 4549 ، وأنساب الأشراف تأليف البلاذري: 1 / 586 طبع دار المعارف ، القاهرة ، وكتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة (213 ـ 276 هـ): 1 / 12 و 13، طبع المكتبة التجارية الكبرى بمصر ، وكتاب تاريخ الطبري: 2 / 443 ، والاستيعاب: 3 / 972 وغيرها . . .


(29)

2 ـ أنّ عمر بن الخطّاب كان رجلاً خشناً وفظّاً ، بحيث إنّ اختيار الخليفة الأوّل لخلافته قد أثار اعتراض فريق من الصحابة على ذلك، كما جاء في كنز العمال عن زيد بن الحارث أن أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: تستخلف علينا فظاً غليظاً، لو قد ولينا كان أفظّ وأغلظ، فما تقول لربك إذا لقيته، وقد استخلفت علينا عمر .(1)

3 ـ نقل الطبري أنّ عمر خطب أُمّ كلثوم بنت أبي بكر ، وهي صغيرة ، وأرسل فيها إلى عائشة ، فقالت الأمر إليك ، فقالت أُمّ كلثوم : ولا حاجة لي فيه ، فقالت لها عائشة : ترغبين عن أمير المؤمنين ؟ قالت : نعم ، إنّه خشن العيش شديد على النساء ، فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته فقال : أكفيك . فأتى عمر فقال : يا أمير المؤمنين بلغني خبر أعيذُك بالله  منه، قال : وما هو ؟ قال : خطبت أُمّ كلثوم بنت أبي بكر ؟ قال : نعم ، أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عنّي ؟ قال : لا واحدة ، ولكنّها حدثة نشأت تحت كنف أُمّ المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة ونحن نهابك وما نقدر أن نردّك عن خلق من أخلاقك ، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها ، كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحقّ عليك . . .»(2) .

4. لو كان الزواج دليلاً على حسن العلاقات بين الأشخاص والعائلات ودليلاً على وجود الانسجام الفكري والعقائدي ، لقلنا إنّ هناك تقارباً بين رسول الله(صلى الله عليه وآله)وبين أبي سفيان بسبب زواج النبيّ من أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان


1 . كنز العمال: 5 / 677، برقم 14178 .

2 . تاريخ الطبري : 3 / 270، مؤسّسة الأعلمي ـ بيروت .


(30)

وهو الذي خاض حروباً دمويّة ضد الإسلام كأُحد والأحزاب واللّتين لعب فيهما دوراً بارزاً وأساسيّاً .

وكذلك فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان قد تزوّج صفيّة بنت حيي بن أخطب ، فهل هذا الزواج يدلّ على التقارب الفكري والعقائدي ؟!

بقي القول إنّ أعلام الشيعة قد كتبوا رسائل متعدّدة حول هذه المسألة التاريخيّة ـ زواج عمر من اُمّ كلثوم ـ ومن أراد مزيداً من الاطلاع فليرجع إلى مقال «نظرة على كتاب حقيقة وليس افتراء». (1)

السؤال 2

إنّ عليّاً(عليه السلام) بايع كلاًّ من أبي بكر وعمر ، أليس ذلك دليلاً على أحقّيتهما في الخلافة ؟

الجواب : في نظر الشيعة أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يبايع أحداً قط ; وذلك لأنّه هو الخليفة المنصوص عليه من قبل الله تعالى ، وكلّ ما في الأمر أنّه عندما رأى أنّ زمام الأمر آلَ إلى غيره ، قام بتشخيص وظيفته الشرعيّة ، المتمثِّلة في الإرشاد والهداية ، ولهذا نجده يقول في كلام له : «فأمسكتُ يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد(صلى الله عليه وآله)فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم . . .».(2)


1 . نشر هذا المقال في: رسائل ومقالات : 6 / 361 ـ 381 .

2 . نهج البلاغة ، الكتاب رقم 62 .


(31)

إنّ الإمام علياً (عليه السلام)وفي الموارد اللاّزمة والضروريّة كشف الستار عن الحقيقة ، ودافع عن حقّه المغتصب.

وأمّا ما يرويه أهل السنة من أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قد بايع بعد وفاة فاطمة الزهراء(عليها السلام)وأنّ فاطمة لم تبايع أبا بكر ولم تكلّمه وماتت غاضبة عليه، ولو صحّ ما ذكر، وأن علياً بايع الخليفة بعد وفاة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فهذا يولد إشكالاً آخر وهو أنّ جميع المحدّثين والعلماء اتّفقوا على رأي واحد مفاده أنّ فاطمة لم تبايع إلى آخر يوم من حياتها ، وأنّها أعرضت عن الخليفة بوجهها .

وممّا جاء في صحيح البخاري : « . . . فوجدَتْ فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت وعاشت بعد النبيّ ستّة أشهر».(1)

وهنا سؤال يطرح نفسه : لماذا لم تُبايع بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) أبا بكر ؟ وهي أفضل نساء العالمين طبقاً لرواية البخاري ، وهي معصومة حسب آية التطهير، وغيرها، وسيكون كلّ المعصومين من نسلها .

وإذا كانت خلافة أبي بكر خلافة مشروعة حقيقةً ، فلماذا كانت بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غاضبة عليه ؟ ومع مزيد من التوضيح نقول : إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)يذكر لنا حديثاً يستحيل لابنته المعصومة مخالفته وهو قوله : «من مات ولم يكن في عنقه بيعة لإمام فقد مات ميتةً جاهليّة».(2)


1 . صحيح البخاري : 5 / 82 ـ 84، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.

2 . صحيح مسلم: 6 / 22، باب حكم من فرّق أمر المسلمين ; سنن البيهقي : 8 / 156 .


(32)

وهنا يجب أن نختار أحد أمرين :

1 ـ إمّا أنّ بنت النبيّ لم تبايع أبا بكر مع كونه هو الخليفة الواقعي ، ممّا يعني أنّها كانت مشغولة الذمّة بالبيعة لإمام زمانها ، وبالتالي يكون موتها ـ والعياذ بالله ـ هو عبارة عن ميتة جاهليّة .

2 ـ وإمّا أن نقول : إنّ أبا بكر الذي قدَّم نفسه على أنّه هو إمام زمانه لم يكن هو الإمام الواقعي والحقيقي ، ممّا جعل بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله) تمتنع عن مبايعته ، وهي التي طهّرها الله من كلّ رجس ، ووصفها رسوله(صلى الله عليه وآله) بقوله : فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة.(1)

وكذلك قوله(صلى الله عليه وآله) : «يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(2) .

وبما أنّها طاهرة مطهّرة يستحيل أن تخالف ما أمر به رسول الله(صلى الله عليه وآله)ممّا يجعلنا نستنتج :

إنّ الشخص الذي امتنعت عن بيعته لم يكن هو الإمام الحقيقي ، وبما أنّ الزهراء(عليها السلام) لا تموت بدون بيعة لإمام زمانها ، فهي حتماً وقطعاً بايعت الإمام الحقيقي ، الذي لم يكن إلاّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

وأخيراً تجب الإشارة إلى أنّه على فرض صحّة قول البخاري ، أنّ عليّاً بايع بعد ستّة أشهر ، فهو بنفسه ينقل أنّ هذا الانتخاب لم يكن صحيحاً في


1 . صحيح البخاري : 4 / 209، باب مناقب قرابة رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

2 . مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 203 ; المعجم الكبير للطبراني: 1 / 108 .


(33)

نظر الإمام، إذ لو كان صحيحاً لما توانى الإمام (عليه السلام)عن تأييده وبيعته.

عجباً! كيف يغض الطرف عن كلّ المستندات التاريخيّة الّتي تذكر مظلوميّة الزهراء وزوجها (عليهما السلام)، والجور الذي وقع عليهما في غصب إرثها وغصب حقّ عليّ في الخلافة ، ثمّ يتحدّث عن بيعة حصلت بعد ستّة أشهر ، محاولاً بذلك التعتيم على الحوادث المرّة التي حدثت بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) .(1)

السؤال 3

كيف يُسمّي عليّ (عليه السلام) أبناءه بأسماء الخلفاء ، وأنتم تقولون إنّهم كانوا أعداءً له ؟

الجواب : يلزم معرفة أنّ أسماء الخلفاء الثلاثة ليست أسماء مختصّة بهم فقط ، بل هي أسماء كانت شائعة ومنتشرة بين العرب قبل الإسلام وبعده ، واتّخاذ عليّ(عليه السلام)هذه الأسماء لأبنائه لا يكون دليلاً على حُسن العلاقة بينه وبين حكومة الخلافة ، وأنتم بإمكانكم مراجعة الكتب الرجاليّة مثل كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البرّ وكتاب «أُسد الغابة» لابن الأثير ، لتلاحظوا الصحابة الذين كانوا يحملون أسماء أبي بكر أو عمر أو عثمان .

ونحن هنا نستعرض أسماء الأشخاص الذين يحملون اسم عمر ـ قبل الإسلام وبعده ـ من كتاب واحد فقط ، وهو كتاب «اُسد الغابة في معرفة الصحابة» كانموذج لما ذكرنا : 1ـ عمر الأسلمي 2ـ عمر الجمعي 3 ـ عمر بن


1 . سنبحث هذا الموضوع ضمن جوابنا عن السؤال رقم 124 .


(34)

الحكم 4 ـ عمر بن سالم الخزاعي 5 ـ عمر بن سراقة 6 ـ عمر بن سعد الأنماري 7 ـ عمر بن سعد السلمي 8 ـ عمر بن سفيان 9 ـ عمر بن أبي سلمة 10 ـ عمر بن عامر السلمي 11 ـ عمر بن عبيدالله 12 ـ عمر بن عكرمة 13 ـ عمر بن عمرو الليثي 14 ـ عمر بن عمير 15 ـ عمر بن عوف 16 ـ عمر بن غزية 17 ـ عمر بن لاحق 18 ـ عمر بن مالك بن عقبة 19 ـ عمر بن مالك الأنصاري 20 ـ عمر بن معاوية الغاضري 21 ـ عمر بن يزيد 22 ـ عمر بن اليماني .

هؤلاء فقط الأشخاص الذين أورد ابن الأثير أسماءهم ، وإلاّ فلو أضفنا التابعين الذين يحملون اسم عمر ، فسوف نقطع بأدلّة راسخة بأنّ هذا الاسم وأسماء الخلفاء الآخرين هي من الأسماء المعروفة والمشتهرة عند العرب في الجاهليّة والإسلام ، ولا يرد في بال أحدهم هذا الادّعاء على الإطلاق .

والحاصل: إنّ التسمية لم تحمل بُعداً عقائدياً إلى عصور متأخّرة، فعلى سبيل المثال نجد من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)ومن بعدهم من أصحاب الأئمة(عليهم السلام)مَن يسمّى بمعاوية ويزيد و...، وكذلك تجد من سفراء الإمام الحجة (عليه السلام)من إسمه عثمان، وكذلك نجد من المخالفين لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)من يحمل أسماء الأئمة(عليهم السلام)، ممّا يكشف عن أنّ التسمية لم تكن تحمل بعداً عقائدياً.

ولنتجاوز هذا ونقول : لو نظرنا إلى الأوضاع المزرية والتضييق الذي لحق الشيعة في تلك الأيّام ، فإنّنا سندرك أنّ الأئمّة المعصومين من أهل البيت(عليهم السلام) قد أُجبروا على تصرّفات معيّنة بهدف الحفاظ على الشيعة


(35)

وتجنيبهم تلك الويلات وهي تصرّفات ـ قطعاً ـ جائزة شرعاً .

ومن جملة تلك التصرّفات أنّهم(عليهم السلام) قد وضعوا أسماء الخلفاء على أبنائهم ، أو أنّهم قاموا بعقد علاقات عائليّة مع بعض كبار الصحابة عن طريق الزواج ، حتّى يقلّلوا من تلك الضغوطات ، ولئلاّ تتمكّن آلة الظلم الأمويّة والعبّاسيّة من استغلال معارضة الأئمّة(عليهم السلام) للخلفاء الثلاثة للضغط على شيعة أهل البيت والإمعان في قتلهم وسحقهم ، خصوصاً وأنّ المجتمع الإسلامي آنذاك كانت تسيطر البساطة والسذاجة على أفراده .

السؤال 4

بعد قتل عثمان هبّ الناس إلى بيت عليّ وطلبوا مبايعته ، والشيعة يقولون إنّ عليّاً قال لهم : «دعوني والتمسوا غيري» فإذا كان عليّ هو الخليفة فلماذا يأمرهم بالتماس غيره ؟

الجواب : إن خلافة علي للنبي تتصور بالصورتين التاليتين:

1 ـ الخلافة بالنصّ : ويتمّ تعيينها من قِبل الله تعالى ، وهي بهذا المعنى ليست قابلة للفسخ أو الرفض ، وهي كالنبوّة من جهة كونها وظيفة إلهيّة توضع على عاتق الشخص المختار من قبل الله تعالى .

2 ـ الخلافة بالانتخاب : أي انتخاب الخليفة من قِبل الناس.

وإنّ الّذي رفضه الإمام (عليه السلام)هو القسم الثاني، لأنّه (عليه السلام)قد فهم القضية فهماً موضوعياً وعرف أنّ الانحراف الّذي حصل خلال الفترة المنصرمة لابدّ


(36)

من التصدّي له وإصلاحه، وهذا التصدي يحتاج إلى مواجهة من النفعيين من جهة وإعداد الأُمّة من جهة ثانية، فلذلك وضع الأُمّة أمام الأمر الواقع مبيناً لهم خطورة الموقف وعظم المهمة التي ستقع على عاتقهم كي يتحملوا هذه المسؤولية عن وعي وفهم، ولكي لا يقال إنّ علياً (عليه السلام)قد خدعنا.

والشاهد على ذلك تعبير الإمام (عليه السلام)حيث قال:

«دَعُونِي وَالَْتمِسُوا غَيْرِي; فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ; لاَ تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلاَ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. وَإِنَّ الاْفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ، وَالَْمحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ. وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ; وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً!».(1)

إذاً إنّ الإمام(عليه السلام) في هذا الكلام بيّن جانباً من الحقائق والأوضاع الحاكمة على ذلك العصر ، كما بيّن أسلوبه ونظرته في إدارة الحكومة ، حيث إنّ جانباً من الأوضاع الحاكمة على حياة الناس في تلك الأيّام ، كانت عبارة عن :

1 ـ الانحراف التدريجي عن سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد مضيّ 23 سنة على التحاقه بالرفيق الأعلى ، مثل بدعة تفضيل العرب على العجم والموالي على العبيد في العطاء .


1 . نهج البلاغة : 1 / 181، الخطبة 92  .


(37)

2 ـ أسلوب عثمان المتمثِّل في التقسيم غير العادل لأموال بيت المال وتعيين أقاربه من بني أُميّة على المناصب المهمّة في الإمارات ، ممّا جعل المسلمين يثورون عليه ويقتلونه.(1)

3 ـ طمع مجموعة بالحصول على مناصب سياسية دعاهم إلى مبايعة الإمام عليّ(عليه السلام) .

وهذا ما نراه في كلام طلحة والزبير حيث قالا له : نبايعك على أنّا شركاؤك في هذا الأمر ، ]فقال[ : لا ، ولكنّكما شريكان في القوّة والاستعانة ، وعَونان على العجز والأَوْد.(2)

4 ـ إشاعة الأعداء بين الناس أنّ عليّاً(عليه السلام) يحرص على الحكومة.(3)

5 ـ وجود معاوية الذي امتلأ غيظاً وحقداً على الإمام(عليه السلام) بسبب القتل الذي تعرّض له أقاربه على يد الإمام عليّ(عليه السلام) في حروب المشركين على النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، فوجد في قتل عثمان ذريعة للثأر من الإمام(عليه السلام) فاتّهمه بالمشاركة في قتله ، وبحجّة القصاص من قَتَلَة عثمان أطلق لنفسه العنان في الخروج على إمام زمانه ومحاربته.(4)

6 ـ تنبّأ الإمام(عليه السلام) قبل عشر سنوات حينما بُويع عثمان للخلافة


1 . راجع نهج البلاغة ، الخطبة 164 ; الملل والنحل للشهرستاني : 32 ـ 33 .

2 . نهج البلاغة ، الكلمات القصار، برقم 202 .

3 . نهج البلاغة ، الخطبة 172 .

4 . لاحظ : نهج البلاغة ، الكتاب رقم 10 و 28 و 64  .


(38)

بحدوث فتنة(1) ، والآن بعد مقتل عثمان فإنّ الإمام يصرّح أنّه يرى ذلك بشكل واضح تهتزّ له القلوب والعقول .

وأُمور أُخرى من هذا القبيل أوجبت على الإمام بيان الحقيقة للناس والظروف الخطيرة التي تنتظرهم بدون مجاملة ، حتّى لا يُبقي لهم أيّ ذريعة أو حجّة يحتجّون بها عليه ، بعد مبايعتهم له ، لذلك أكّد على هذه النكتة في ما بعد قائلاً :

«لم تكن بيعتكم إيّاي فلتة . . .»(2) ; يعني أنّ بيعتهم له لم تكن بدون تفكير وتأمّل منهم حتّى ينقضوها بل كانت بإرادتهم الكاملة .

ولذا ذكر أمير المؤمنين(عليه السلام) سبب سكوته بعد واقعة السقيفة وسبب قبوله للخلافة بعد مقتل عثمان بقوله : «فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم»(3) .


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 1 / 195 .

2 . نهج البلاغة ، الخطبة 136، والكتاب رقم 54 .

3 . نهج البلاغة ، الكتاب رقم 62 ، كتابه (عليه السلام)إلى أهل مصر، مع مالك الأشتر لمّا ولاّه إمارتها.


(39)

السؤال 5

إذا كانت فاطمة(عليها السلام) قد ظُلمت من قِبل الخلفاء ، لماذا لم يُدافع عنها زوجها وهو البطل المعروف بشجاعته؟

الجواب : إنّ عدم دفاع الإمام عن حقّه ليس أمراً مسلّماً، ولم يدلّ عليه دليل .

فقد قام الإمام(عليه السلام) بالدفاع عن حرمة بيته عملاً بواجبه الشرعي ، إلاّ أنّ الدفاع في ذلك اليوم لم يتّخذ شكل الحرب وإراقة الدماء لأنّ مصلحة الإسلام اقتضت ذلك ، ولو أنّه شهر السيف ووقف معه بنو هاشم ومجموعة من الصحابة الذين عقدوا له البيعة يوم غدير خمّ في وجه الخلفاء وأنصارهم لانقسم المسلمون إلى فريقين ، ولانهدّ أصل الإسلام ، وقد حدث أن جاء أحد المنافقين في زيّ الُمحبّ المُشفق إلى عليّ(عليه السلام)وقال له : يا أبا الحسن أبسط يدك حتّى أُبايعك ، وقائل هذه الجملة هو أبو سفيان العدوّ اللّدود للإسلام . إلاّ أنّ أمير المؤمنين كان مطّلعاً على دخيلة أمره ، في أنّه يريد إيقاع أهل بيت النبيّ في حرب داخليّة بالمدينة ، ولذلك أجابه(عليه السلام) بقوله :

«إنّك والله ما أردت بالإسلام إلاّ الفتنة ، وإنّك والله طالما بغيت الإسلام ، لا حاجة لنا في نصيحتك».(1)

هنا أريد أن ألفت نظر السائل (إن كان هناك سائل) إلى أنّه ليس الشجاع


1 . تاريخ الطبري : 2 / 449، حوادث السنة الخامسة عشر للهجرة .


(40)

من يشهر السيف في كلّ المواضع، وإنّما الشجاع هو الذي يعمل بواجبه ووظيفته ، فكم من شجعان ليس لهم استعداد لسماع قول الحقّ ، كما هو حال جامع الأسئلة.

وقد مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بقوم يتشايلون حجراً ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : نختبر أشدّنا وأقوانا ، فقال : ألا أخبركم بأشدّكم وأقواكم ؟ قالوا : بلى يارسول الله ، قال : «أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يُدخله رضاه في إثم ولا باطل ، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحقّ ، وإذا ملك لم يتعاط ما ليس له بحقّ».(1)

وتاريخ الإسلام يشهد على أنّ شجرة الإسلام لم تضرب بجذورها في قلوب بعض الصحابة ، بل إنّ أغصانها لا زالت غضّةً طريّة يمكن زوالها مع أوّل ريح تهبّ . لذلك قال النبيّ(صلى الله عليه وآله) لعائشة : «لولا أنّ قومك حديثٌ عهدهم بالجاهليّة لهدمت الكعبة ثمّ لجعلت لها بابين»(2) . ونحن لا نعرف شخصاً أشجع من رسول الله(صلى الله عليه وآله) فهو لا يرى توفّر الظروف المناسبة لذلك العمل ، فمراعاة الظروف المحيطة هو دأب رسول الله(صلى الله عليه وآله)وكذلك عليٍّ (عليه السلام)، فهل كان يصحّ إشعال نار حرب داخليّة في المدينة مع ارتداد بعض المسلمين؟!

فهؤلاء الذين ينتظرون من عليّ(عليه السلام) البطل أن يحمل سيفه ويقطع رؤوس المخالفين بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، كما حمله في بدر والأحزاب وأُحد ، هؤلاء لم يبحثوا في تاريخ الإسلام، ولم يطّلعوا على ظروف ذلك الزمان .


1 . وسائل الشيعة : 15 / 361 ، الباب 53 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1 .

2 . مسند أحمد : 6 / 176 .


(41)

يضاف إلى هذا: يمكننا أن نقول إذا ثبت أنّ الاعتداء على بيت فاطمة (عليها السلام)قد حصل بالأدلّة القطعية التي نقلها الفريقان، فلا مجال للاستبعادات المزاجية التي لا تقوم على دليل أو برهان. هذا من جهة ومن جهة ثانية نحن نعلم أنّ دراسة القضية خارج نطاقها الموضوعي ليس بالأمر الصحيح فإنّ سكوت الإمام ـ إن صحّ ـ لابد أن يدرس من جميع الأبعاد لا من بُعد واحد، كما هو واضح.

السؤال 6

الكثير من كبار الصحابة تربطهم علاقات مصاهرة بآل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، ألا يُعدّ ذلك دليلاً على وجود علاقة محبّة ومودّة بينهم ؟

الجواب : ألفِتُ انتباه السائل إلى نكتتين :

1 ـ إنّ السائل من خلال طرحه لهذا السؤال يكشف عن أنّ له تفكيراً قبليّاً ، لأنّه يقول إنّ المصاهرة الحاصلة بين الصحابة وأهل البيت(عليهم السلام) دليلٌ على المحبّة والأُلفة الكاملة بينهم . وهذه عادة قبليّة منتشرة بين قبائل العرب ; وهي أنّ الزواج علامة على المحبّة والأُلفة بين القبيلتين . والحال أنّ الاختلاف بين أهل البيت وبعض الصحابة ـ وليس كلّ الصحابة ـ لم يكن اختلافاً قبليّاً ، بل كان اختلافاً عقائديّاً وسلوكياً لا يزول بمجرّد التزاوج بين بعض الأحفاد أو أبناء الأحفاد .


(42)

وبتعبير آخر : لو كان اختلاف أهل بيت الرسالة مع الفِرق الأُخرى اختلافاً سياسيّاً أو ماديّاً لكان إنشاء علاقة مصاهرة أو نسب من شأنه أن يُقرّب بين الفريقين ويزرع الأُلفة بينهما .

إنّ اختلاف بعض الصحابة مع قائد الأُمّة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) مبنيّ على أمر أساسيّ ، لا يمكن أن يزول بحصول بعض الزيجات ، والدليل على ذلك أنّه لا يزال باقياً إلى يومنا هذا .

إذن زواج شخصين أو ثلاثة من أبناء الحسن أو الحسين(عليهما السلام) ببعض أحفاد الخلفاء أو أتباعهم ليس دليلاً على الاتفاق معهم في جميع المسائل ; عقائديّة كانت أم سياسيّة أم فقهيّة ، ففي العراق مثلاً : يكثر الزواج بين العوائل السنّية والشيعيّة لكنّه لا يدلّ إطلاقاً على أنّ عائلة أحد الزوجين تقبل عقيدة العائلة الأُخرى بمجرّد ذلك الزواج ، كما أنّ الخليفة الثالث كانت له امرأة مسيحيّة باسم «نائلة» فهل يكون هذا مؤشّراً على أنّه صار مسيحيّاً بزواجه منها ؟(1) .

2 ـ إنّ الزواج بين أحفاد الصحابة قائم على أصل قرآني وهو: (أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(2) ، بمعنى أنّه إذا اعتدى أقارب الزوج أو الزوجة على أهل بيت النبوّة وقاموا بظلم بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله) فذلك لا يعدّ سبباً لإشراك أحفادهم وأحفاد أحفادهم في ذلك الظلم ; لأنّ كلّ إنسان مسؤول عن أعماله .


1 . البداية والنهاية : 7 / 173 .

2 . النجم : 38 .


(43)

ولقد مرّ في جواب السؤال الثالث أنّنا ذكرنا أنّ الأئمّة المعصومين كانوا يضعون أسماء الخلفاء لأبنائهم ، وفي بعض الحالات كانوا يقبلون ببعض الزيجات بُغية التقليل من الضغط والتضييق .

والحاصل: أنّ هذه العلاقات والروابط لا يمكنها أن تدلّ على وحدة العقيدة وانسجام الفكر .

ثم إنّه لمن السذاجة معالجة الأُمور الدقيقة والخلافات المعمقة بهذه الأدلّة السطحية التي لا تقوم على دليل راسخ، بل الواقع التاريخي للمسلمين يكذبها، فكم من واقعة وجدنا الأخ يقف بوجه أخيه والابن بوجه أبيه و... فهذا الزبير يقود الجيوش لمحاربة ابن خاله أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وهذا محمد بن أبي بكر يقف إلى جنب أمير المؤمنين (عليه السلام)بوجه أخته عائشة في معركة الجمل .

هذا من جهة، ومن جهة أُخرى أنّ الانحراف بالمسألة عن مسارها الطبيعي وتصوير القضية بأنّ الشيعة تدّعي أنّ الصحابة لا تحب أهل البيت(عليهم السلام)وتكن لهم العداء، يُعد انحرافاً عن البحث الموضوعي، لأن معتقدات الشيعة في واقع الحال يدور بحثها ونقاشها حول البحث عن الحجّة الشرعية بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما أنّهم قد ثبت عندهم بالدليل القاطع أنّ الحجة المنصوب من قبل الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الإمام علي (عليه السلام)وعترته الطاهرين(عليهم السلام)، من هنا يرون أنّ كل تجاوز على مقام الحجة ودفعه عن مرتبته التي رتبه الله فيها يُعد اعتداء على الدين وانحرافاً عن قيم الرسالة ومخالفة لأوامر رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم).


(44)

السؤال 7

يعتقد الشيعة أنّ أئمّتهم يعلمون الغيب ، فلو صحّ ذلك ألا يُعدّ شرب الإمام للسمّ نوعاً من الانتحار ؟

الجواب : إنّ الشهادة في سبيل الله واختيار الموت الأحمر من الإمام هو نوع من أداء التكليف ، بل هو عين التسليم لمشيئة الله تعالى . فالحسين بن عليّ(عليهما السلام) سلك طريق كربلاء مع علمه التام بأنّه سيُقتل ; لأنّ الشهادة كانت بالنسبة إليه تكليفاً، حتّى يطّلع المسلمون على حقيقة الأمويّين ويزول ذلك الوضع السيّىء، ويكون قد أحيا روح الجهاد ضدّ حكّام الجور ، فحاكم مثل يزيد الّذي ينكر الوحي ويشكّك في النبوّة ويقوم بالانتقام لأسلافه في حروب بدر وأحُد ، وهو القائل :

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل
لستُ من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
ليت أشياخي ببدر شهِدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً *** ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل(1)

فمثل هذا الحاكم يجب القيام بوجهه والثورة عليه وبيان انحرافه عن الإسلام الصحيح.


1 . روضة الواعظين: 191 ; الاحتجاج: 2 / 34 ; تاريخ الطبري: 8 / 187 .


(45)

وفي مواجهة الحكومة الجائرة لابدّ للإمام مع العلم القطعي بموته ، من قبوله للشهادة والعمل بتكليفه ووظيفته ، هذا كله حول ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)وأمّا شهادة سائر الأئمة بالسمّ فالإجابة عن ذلك بوجهين:

الأوّل: إنّ عمليات الاغتيال بالسمّ التي تعرّضوا لها كان نتيجة لجهادهم باللِّسان والقلم ضدّ الظَلَمة وخلفاء الجور . ولو أنّهم آثروا السلامة بالتخلّي عن هذا الجهاد ، لكانوا قد أعطوا الفرصة للأعداء المترصّدين لهم للقضاء على الإسلام ، لذلك عندما يُقال إنّ شهادتهم وموتهم كان باختيارهم فالمقصود هو هذا ، أي محاربة الظالمين باختيارهم مع علمهم بالنتيجة الحتميّة المتمثّلة في القتل والتسميم ، ولو وضعوا يداً على يد ، وباركوا أعمال الظَلَمة من خلفاء الأمويّين والعبّاسيّين لاستحال عليهم نيل تلك الشهادة .

إنّ حياة الأئمّة(عليهم السلام) لم تكن حياةً إنزوائيّة إنعزاليّة ، فهم كانوا يقومون بأداء وظائفهم من تبيين الأحكام وبيان العقائد وفضح ظلم الحكام، حيث كانت النتيجة الحتميّة لذلك هو قتلهم وتسميمهم ، وهم قد قبلوا ذلك بكامل اختيارهم لضمان النجاح والتقدّم لمقاصد الإسلام ، وهذا هو المقصود من اطلاعهم على شهادتهم .

والثاني: هو أنّ تمكّن الإمام من العلم بالغيب ليس علماً حضورياً بل هو علم حصولي يتوقف على مشيئته فإن شاء علم، مثل ذلك مثل من يحمل معه رسالة، فهو يستطيع في أيّ وقت أن يفتحها ويطّلع على مضمونها، فإن لم يفتح لا يقف على مضمونها. فإذا وافتهم المنية بالسم وغيره، فإنّما هو لأجل عدم رغبتهم في الاطلاع على الغيب .


(46)

السؤال 8

كان الحسن بن عليّ(عليهما السلام) يمتلك قوّة كبيرة تمكِّنه من خوض الحرب ، ومع ذلك صالحَ معاوية ، أمّا الحسين بن عليّ(عليهما السلام)فلم يكن يمتلك قوّة تمكّنه من خوض حرب ومع ذلك خرج في مقاتلة جيش يزيد! وهذا يدلّ على أنّ أحدهما (الحسن والحسين) كان مخطئاً ؟

الجواب : 1. أنا أعجب من هذا السائل وأصحابه لأنّهم ألبسوا الصحابة لباس العدالة إن لم نقل لباس العصمة ، وهم يعدّونهم على جانب كبير من الطهارة والتنزّه عن المعصية .

أو ليس الحسن والحسين اللّذان ورد الثناء عليهما ومدحهما على لسان جدّهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الأحاديث الصحيحة من الصحابة ؟ ولماذا يجب تخطئة أحدهما ؟

إنّ هذا يدلّ على أنّ مروّج الأسئلة شخص ناصبي وانّه لم يُعر أيّ اهتمام لقرّتيّ عيني رسول الله وفلذتيّ كبده ، ولم يهتم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)بحقهما: «مَنْ أحبّني وأحبّ هذين (يعني الحسن والحسين) وأباهما وأُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة»(1) .


1 . سنن الترمذي : 5 / 305، برقم 3816، باب 92 مناقب علي بن أبي طالب ; مسند أحمد : 1 / 77 .


(47)

وقال أيضاً : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»(1) .

2 ـ صاحب السؤال يتصوّر أنّ هذين الإمامين الطاهرين كانا يطلبان السلطة والحكومة ، وأنّ هدفهما كان كهدف معاوية الذي صعد المنبر بعد صلحه مع الإمام الحسن بن عليّ ، وقال : ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجّوا ولا لتزكوا، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم .(2)

فالحسن والحسين إمامان معصومان ، كانا يؤدّيان واجبهما ووظيفتهما ، ولم يكونا يبحثان عن الحكم ، فكانت وظيفتهما أحياناً تتمثّل في عقد الصلح ، وأحياناً أُخرى تتمثّل في الثورة والجهاد ، شأنهما في ذلك شأن جدّهما النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)الذي قاتل في بدر وأُحد والأحزاب ، وصالح في الحديبيّة .

3 ـ إنّ الحسن بن عليّ(عليهما السلام) لو كان جيشه مطيعاً له، لسلك نفس الطريق الذي سلكه أخوه الحسين بن عليّ(عليهما السلام) ، لأنّ جيش الحسن(عليه السلام)غلب عليه الخلاف والتشتت وحبّ الراحة والدِّعة، وتسرب حب الدُّنيا إلى قلوب أصحابه فتقاعسوا عن الجهاد وحبّ الشهادة، وخوض حرب بهكذا جيش ليس معناه إلاّ الهزيمة والدمار ، ممّا جعل الحسن(عليه السلام) يسحب يده من الحرب ويتحمّل مرارة الصلح .


1 . سنن الترمذي : 5 / 321، برقم 3856، باب مناقب الحسن والحسين (عليهما السلام); مستدرك الحاكم : 3 / 151 ـ 154 .

2 . البداية والنهاية: 8 / 140 .


(48)

ولعلّه لا توجد وثيقة أصدق وأبلغ من كلام الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)، لرسم أبعاد المجتمع المتشتّت والمنقسم في تلك الأيّام ، وتبيّن مدى عجز العراقيّين عن الحرب في ذلك الزمان، فعندما كان الحسن(عليه السلام) في «المدائن» وهي أقصى نقطة تقدّم إليها جيشه لمواجهة معاوية ، قام بإلقاء خطبة جامعة مهيّجة للأحزان ، حيث قال بعد حمد الله عزّ وجلّ :

«إنّا والله ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم وإنّما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فسُلبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ، وكنتم في منتدبكم إلى صفّين ودينكم أمام دُنياكم ، فأصبحتم اليوم ودُنياكم أمام دينكم ، ألا وأنّا لكم كما كنّا ، ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين ; قتيلٌ بصفّين تبكون عليه ، وقتيلٌ بالنهروان تطلبون بثأره ، فأمّا الباقي فخاذل ، وأمّا الباكي فثائر ، ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة ، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ بظباء السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا» . فناداه القوم من كلّ جانب: البقية البقية ، فلمّا أفردوه(1) أمضى الصلح.(2)

فإنّ النظر إلى جيش كهذا فاقد لروح القتال ، كيف يمكن للإمام(عليه السلام) أن يدخل به في حرب مع عدوٍّ ماكر مثل معاوية ؟ وهل يبقى هناك أملٌ بالانتصار مع هذا الحال ؟

لقد كتب المؤرِّخون كتباً قيّمة حول موضوع صلح الإمام الحسن(عليه السلام)


1 . أفردوه : أي تركوه فرداً وحيداً .

2 . أُسد الغابة : 2 / 17 .


(49)

ولكن للأسف أنّ صاحب هذا الكتيّب ليس له علمٌ بذلك ، ولذلك ننصح من يريد التعرّف على هذا الموضوع أن يقرأ كتاب «صلح الحسن» للشيخ راضي آل ياسين .

وهناك أمرٌ آخر نشير إليه هنا وهو أن عدم مقاتلة الحسن(عليه السلام) بذلك الجمع من جيشه كما قاتل أخوه الحسين(عليه السلام)بذلك العدد القليل من أصحابه (72 رجلاً) ، يعود إلى أنّ الإمام الحسن(عليه السلام) كان يعلم أنّ شهادته في تلك الظروف سوف لا تساعد على تغيير الأوضاع ، ولا تقود الناس للثورة على النظام الأموي الظالم ، لأنّهم لم يتعرفوا آنذاك على هذا النظام بشكل جيّد والرؤية عندهم لم تكن واضحة ، على خلاف وضوح الرؤية في عهد يزيد بن معاوية ومعرفة ظلمه وفجوره، ممّا دفع بالحسين(عليه السلام)بالثورة عليه ، فكانت شهادته سبباً حرّك العالم الإسلامي برمّته ، وأوجدت ثورات متعاقبة .

السؤال 9

نقل جامع الأسئلة حديثاً من أُصول الكافي ورد فيه ذكر «مصحف فاطمة» حيث أخذ لفظة المصحف بمعنى القرآن ، وقام بطرح أسئلة عديدة منها:

هل كان رسول الله والصحابة يعرفون قرآن فاطمة ؟

الجواب : إنّ السائل يتصوّر أنّ لفظة «مصحف» هي بمعنى القرآن في لغة العرب ، وكذا في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، والحال أنّ لفظة «مصحف» أُخذت من


(50)

لفظة «صحيفة» وهي بمعنى مطلق الكتاب .

وقد جاءت هذه الكلمة في القرآن ، قال تعالى : (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)(1) . وقال سبحانه: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الاُْولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)(2) .

كما أنّ التاريخ شاهد على أنّ «المصحف» في صدر الإسلام كان يُطلق على الدفتر أو الكتاب المجلّد ، وحتّى بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يكن المصحف اسماً للقرآن بل كان اسماً لكلّ كتاب مجلَّد .

ينقل ابن أبي داود السجستاني في باب جمع القرآن في مصحف ، عن محمّد بن سيرين : عندما توفّي النبيّ(صلى الله عليه وآله) أقسم عليّ على أن لا يضع رداءه على عاتقه إلاّ لصلاة الجمعة حتّى يجمع القرآن في مصحف .

كما ينقل ابن أبي العالية : أنّهم جمعوا القرآن في خلافة أبي بكر في مصحف . ونُقل أيضاً : أنّ عمر بن الخطّاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل كانت مع فلان فقُتل يوم اليمامة فقال : إنّا لله ، وأمر بالقرآن فجُمع ، وكان أوّل من جمعه في مصحف.(3)

وهذه الجمل المنقولة تحكي أنّ المصحف في تلك الأيّام بمعنى الكرّاس الكبير أو الكتاب المجلّد ، يوضع لحفظ الأوراق المبعثرة ، وبمرور الزمن أصبح المصحف مختصّاً بالقرآن .

والجدير بالذكر أنّ روايات أئمّتنا(عليهم السلام) تحكي أنّه حتّى في زمانهم كان


1 . التكوير : 10 .

2 . الأعلى : 18 و 19 .

3 . كتاب المصاحف ، تأليف الحافظ أبي بكر عبدالله بن أبي داود السجستاني : 16 .


(51)

لفظ المصحف بمعنى الكتاب والدفتر المكتوب .

يقول الإمام الصادق(عليه السلام) : «من قرأ القرآن في المصحف متّع ببصره وخفّف عن والديه».(1)

وقال أيضاً : «قراءة القرآن في المصحف تُخفّف العذاب عن الوالدين وإن كانا كافرين».(2)

ونقل المؤرّخون حول ترجمة خالد بن معدان : الحمصي (المتوفّى 104 هـ ) ما رأيت أحداً ألزم للعلم منه ، كان علمه في مصحف له أزرار وعرى.(3)

وخالد بن معدان من التابعين وقد أدرك سبعين صحابيّاً.(4)

إلى هنا يتّضح أنّه إلى آخر القرن الأوّل كان لفظ «المصحف» بمعنى الكتاب المجلّد ، والكرّاس المجلّد الذي يكتب فيه العلماء والمتعلِّمون علومهم ، فإذا سمّوا بعد ذلك القرآن مصحفاً ، فإنّه بسبب تبادر ذلك إلى أذهانهم بعدما كُتب في الأوراق ، وجُمع على شكل كتاب مجلّد .

وبالالتفات إلى ما ذكرنا ، يزول ذلك العجب من أن يكون لبنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) مصحف جمعت فيه علومها لتتركه لأبنائها من بعدها كأفضل ميراث وأعزّ ذكرى .


1 . أُصول الكافي : 2 / 613 .

2 . نفس المصدر .

3 . تذكرة الحفاظ: 1 / 93 .

4 . اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير : 3 / 123.


(52)

ومن حسن الحظّ فإنّ أبناء فاطمة(عليها السلام) يعرفون حقيقة هذا المصحف ; فذكروا أنّه ليس إلاّ قسماً من الأخبار التي سمعتها(عليها السلام) من أبيها(صلى الله عليه وآله) ومن الملائكة «لأنّها محدَّثة» وليس شيئاً آخر .

ولنذكر بعض الروايات في ذلك :

عن أبي بصير قال : دخلت على أبي عبدالله(عليه السلام) . . . . إلى أن قال : «وإنّ عندنا لمصحف فاطمة(عليها السلام) وما يدريهم ما مصحف فاطمة(عليها السلام) ؟» قال : قلت : وما مصحف فاطمة ؟ قال : «مصحف فاطمة فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات ، والله ما فيه من قرآنكم حرفٌ واحد» ، قال : قلت : هذا والله العلم ، قال : «إنّه لعلم وما هو بذاك».(1)

وروى أبو حمزة عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه قال : «مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب الله ، وإنّما هو شيء أُلقي إليها بعد موت أبيها صلى الله عليهما».(2)

فظهر ممّا ذكرنا أنّه كان عند فاطمة مصحف ، حسب ما تضافرت عليه الروايات ، ولكن المصحف ليس اسماً مختصّاً بالقرآن حتّى تختصّ بنت المصطفى بقرآن خاصّ ، وإنّما كان كتاباً فيه الملاحم والأخبار .

وبالتمعّن في هذه الروايات يتّضح لنا أنّ مصحف فاطمة لا علاقة له بالقرآن .


1 . الكافي : 1 / 239 .

2 . بصائر الدرجات : 195، الحديث 27 .


(53)

السؤال 10

نقل جامع الأسئلة ما يدلّ على أنّ بعض الرواة الشيعة يحمل اسم عمر .

الجواب : هذا السؤال هو تكرار للسؤال الثالث، وقد ذكرنا الإجابة عنه مفصلاً .

السؤال 11

جاءت في كتب الشيعة روايات تأمر بالصبر على المصائب وتحض على الابتعاد عن كلّ أنواع السخط وعدم الرضا بقضاء الله واجتناب لطم الوجه وأمثال ذلك .

إذا كان الأمر هكذا ، فلماذا يقوم الشيعة أيّام العزاء بالعمل على خلاف ما جاء في كتبهم من أحاديث  ؟

الجواب : يجب التمييز بين البكاء على الأهل والأحباب الذين يفقدهم الإنسان بسبب الموت ، وهذا النوع من البكاء ينسجم مع الفطرة الإنسانيّة ، وبين البكاء المصحوب بشقّ الثياب ولطم الوجوه . والنوع الأوّل من البكاء هو ما عمل به رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأصحابه ، حيث إنّه عندما توفّي ولده إبراهيم بكى عليه وقال : «وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون ، تبكي العين ويحزن


(54)

القلب ولا نقول ما يُسخط الربّ عزّ وجلّ».(1)

وورد أنّه لمّا أُصيب حمزة(رضي الله عنه) جاءت صفيّة بنت عبد المطّلب تطلبه فحالت بينها وبينه الأنصار ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : دعوها ، فجلست عنده ، فجعلت إذا بكت بكى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وإذا نشجت نشج ، وكانت فاطمة(عليها السلام)تبكي ورسول الله(صلى الله عليه وآله)كلّما بكت بكى ، وقال : «لن أُصاب بمثلك أبداً»(2) .

وعن أنس قال : لمّا ثقل النبيّ(صلى الله عليه وآله) جعل يتغشّاه ، فقالت فاطمة : واكرباه لكربك يا أبتاه ، فقال لها : «ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم» ، فلمّا مات قالت : «يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه ، يا أبتاه من جنّة الفردوس مأواه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه» ، فلمّا دُفن قالت فاطمة(عليها السلام) : «يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله)التراب».(3)

نجد في التاريخ الإسلامي أنّ البكاء على الأموات كان أمراً طبيعيّاً بين الصحابة والتابعين بالشكل الذي لا يسمح لنا اليوم بإنكاره ، وبكاء الشيخين أبي بكر وعمر على أحبابهم يعدّ أمراً مسلماً ذكره التاريخ في عدّة مواقف.(4)

تقول عائشة : عندما توفّي النبيّ(صلى الله عليه وآله) وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدِمُ مع النساء وأضرب وجهي.(5)


1 . مجمع الزوائد : 3 / 17 .

2 . إمتاع الأسماع للمقريزي : 154 .

3 . صحيح البخاري: 5 / 144 ، باب مرض النبيّ ووفاته ; مسند أبي داود : 272; سنن النسائي : 4 / 13 ، مستدرك الحاكم : 1 / 382 ; تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : 6 / 259 .

4 . راجع كتاب: بحوث قرآنية في حدود التوحيد والشرك : 195 ـ 201 .

5 . تاريخ الطبري : 2 / 441 .


(55)

إنّ إقامة العزاء على الأحبّة والبكاء عليهم أمر ينبع من الفطرة الإنسانيّة السليمة ، وهي على الأنبياء والمرسلين والأشخاص المهمّين أولى وأجدر ، فالتاريخ يذكر :

أنّه لمّا رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أُحد سمع نساء الأنصار يبكين، فقال : «لكن حمزة لا بواكيَ له» ، فبلغ ذلك نساء الأنصار فبكين حمزة.(1)

وعن أُسامة بن زيد أنّ ابنةً لرسول الله(صلى الله عليه وآله) أرسلت إليه وأنا معه وسعد  وأحسب أُبيّاً، أنّ ابني أو ابنتي قد حُضر فأشهدنا ، فأرسل يقرئ السلام ، فقال : «قل لله ما أخذ وما أعطى ، وكلّ شيء عنده إلى أجل» فأرسلتْ تُقسم عليه ، فأتاها فوُضع الصبيّ في حِجر رسول الله ونفسه تقعقع ، ففاضت عينا رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقال له سعد : ما هذا ]يارسول الله[ ؟ قال : «إنّها رحمة ، وضعها الله في قلوب مَنْ يشاء ، وإنّما يرحم الله من عباده الرُّحماء».(2)

أمّا بالنسبة لموت الشخصيّات العظيمة من القادة الإلهيّين فله شأنٌ آخر يُحسب له حساب كبير يتلاءم مع مكانتهم ومنزلتهم . وإقامة العزاء والحُزن عليهم ليس معناه الجزع على فقدهم ، بل هو نوع من الدفاع عن منهجهم والدعوة إلى السير على طريقهم وتحقيق أهدافهم ، فهم كانوا الحُماة الحقيقيّين عن الإسلام والمدافعين عنه ، ولم يهادنوا الظالمين أبداً من أمثال الأمويّين والعبّاسيّين حتّى غرفوا من كأس الشهادة . فمراسم الحزن ومجالس العزاء عليهم تهدف إلى إحياء منهجهم . وكلّ نوع من أنواع النوح والندب


1 . مجمع الزوائد : 6 / 120 «يقال إنّ ذلك كان قبل بكاء صفيّة على حمزة» .

2 . سنن أبي داود : 2 / 64، برقم 3125 ; مسند أبي داود الطيالسي: 235 .


(56)

واللّطم عليهم وغيرها من مظاهر الحزن يُصبّ في هذا الاتّجاه ، حتّى لا تقع الأُمّة مرّةً أُخرى تحت ظلم الظالمين ولا تستسلم لبطشهم ; لأنّ الموت الأحمر خيرٌ من الحياة السوداء .

والنتيجة التي يمكن استخلاصها في هذا الصدد هي:

1 ـ إنّ إقامة العزاء على الأحبّة وذرف الدموع والبكاء عليهم هو نوع من الرحمة الإلهيّة ، التي تحكي عن الكمال الإنساني ، في مقابل القسوة التي تُصيب بعض القلوب فلا تبقي أثراً لتلك الرحمة بين الناس .

2 ـ الخروج في مجموعات ومسيرات وإقامة العزاء وإبراز مظاهر الحزن لأجل إحياء المذهب هو أمرٌ مطلوب ، وهو مورد مدح وثناء فضلاً عن أن يكون مورد نهي وتحريم .

3 ـ التظاهرات التي يقوم بها الشيعة أيّام تاسوعاء وعاشوراء وبعض الأيّام الأُخرى ، هي تظاهرات ذات طابع سياسي ; الهدف منها محاكمة بني أُميّة وفضحهم أمام كلّ من يحبّهم ويعتقد بولائهم ، وتجسيد لمظلوميّة أهل البيت(عليهم السلام)أمام الرأي العام العالمي . فاللطم والندب والصياح لغاية إلفات نظر الناس إلى تلك الوقائع المرّة الّتي يريد الظالمون إسدال الستار عليها فربّما لا يكون اللطم نابعاً عن الحزن فقط بل نابعاً عن الرغبة الشديدة في محاكمة الظالمين ـ الأمويين والعبّاسيين ـ في محكمة التاريخ فما ورد في اللطم لا يشمل هذه المظاهرات وإنّما هو راجع إلى المصائب الفردية.

4 ـ إنّ المخالفين لإقامة هذه المظاهر هم في الحقيقة يخافون من


(57)

انتشار فكر أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق إعلان مظلوميّتهم ومعاناتهم على يد الظلمة ، فقاموا بالبحث عن طرق وأساليب تمنع الشيعة من إقامة تلك المظاهر ، معتمدين في ذلك على روايات من مصادر شيعيّة . وفي الحقيقة أنّهم يهدفون من عملهم هذا التغطية على ظلم بني أُميّة وتبرير أعمالهم المنافية للإسلام ، وإبعاد الناس عن أهل البيت(عليهم السلام) ، إلاّ أنّ المطّلع على المذهب الشيعي يعرف أنّه لا يوجد عالم من علمائه يجوِّز ما ادّعوه من أعمال تخالف الأوامر الإلهيّة ، وكلّ عمل كذلك فالمذهب منه بريء وإن ارتكبه بعض الناس افراطاً منهم في الحب.

السؤال 12

ما حكم الضرب على الرأس إلى درجة الإدماء  ؟

الجواب : ذكرنا في الجواب السابق أنّ إقامة مظاهر الحزن بغرض إحياء مذهب الحقّ ومحاكمة الظالمين من بني أُميّة وبني العبّاس ، هو نوع من الإعانة على الحقّ والدعوة إلى طريق الله ، لكن إذا اتّخذ هذا العمل صورة تخالف الشريعة الإسلاميّة أو تضمّن عملاً منافياً لها ، فإنّه سيكون مرفوضاً من قبل علماء الإسلام ويقومون بتسديد المؤمنين نحو الأعمال الصالحة .

ونحنُ هنا نسأل مروّج هذه الأسئلة عن الحادثة التالية :

قبل سنوات قام شاب أُردني بتفجير نفسه بحزام ناسف في حفل زفاف في مدينة الحلّة بالعراق فقتل معه مائة شخص ، وعندما وصل الخبر


(58)

إلى عائلته في الأردن ، قامت هذه العائلة بالاحتفال بتلك العمليّة ، مقيمة لولدها عرساً كأنّه عريس في ليلة زفافه .

فهل تجيزون مثل هذا القتل للأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ ؟

وهذه الحادثة هي واحدة من مئات الجرائم الّتي تجري ضد المسلمين باسم السلفية وبايدي أبناء الوهابيين وقد سمعنا أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى.

فابدأ بنفسك فانهها عن غيّها *** فإن انتهت منها فأنت حليمُ

(فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )(1).

السؤال 13

لماذا لم يعترض من حضر من الصحابة في غدير خمّ وبايع عليّاً على غصب الخلافة؟

الجواب : إن هكذا سؤال يعرب عن أنّ السائل ليس له أدنى اطّلاع على تاريخ تلك الفترة ; إذ من أين له القول بأنّ الصحابة لم يعترضوا على إقصاء علي (عليه السلام)عن الخلافة ، ولأنّ المقام هنا مقام الاختصار ، فإنّنا لا نستطيع أن نورد كلّ الاحتجاجات والاعتراضات على تلك الحادثة الأليمة. وتكفي مطالعة كتاب «الغدير» الذي ذكر 22 مناظرة واحتجاجاً نُقل عن الصحابة والتابعين(2) .


1 . الأنعام: 81 .

2 . الغدير : 1 / 327 ـ 422 .


(59)

وما أجمل ما كتب عمرو بن العاص في رسالته لمعاوية قائلاً : ويحكَ يا معاوية . . . . وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ : «ألا مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه اللُّهمَّ والِ مَنْ والاه وعاد مَن عاداه وانصُر مَنْ نَصَرَه واخذُل مَن خذلَه»(1) .

أضف إلى ذلك أنّ جامع هذه الأسئلة تصوّر أنّ الصحابة يستحيل أن يتخلّفوا عن أمر من أوامر رسول الله(صلى الله عليه وآله) والواقع غير ذلك ، كما نشاهده في ما رواه ابن عبّاس حيث قال : «لمّا اشتدّ بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) وجعه قال : إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده . قال عمر : إنّ النبيّ غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللّغط ، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عبّاس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حالَ بين رسول الله وبين كتابه».(2)

والموارد التي خالف فيها بعض الصحابة أوامر رسول الله(صلى الله عليه وآله) أكثر من أن تُحصى في هذا المقام .(3)


1 . مناقب الخوارزمي : 199، الحديث 240 .

2 . صحيح البخاري: 1 / 37، باب كتابة العلم ، الحديث 114.

3 . راجع في هذا الصدد كتاب «النص والاجتهاد» للسيد عبدالحسين شرف الدين (قدس سره).


(60)

السؤال 14

أراد النبيّ(صلى الله عليه وآله) أن يكتب رسالة قبل وفاته فمنعه عمر من ذلك ، فلماذا سكت عليّ(عليه السلام) ولم يقل شيئاً رغم أنّه رجلٌ يوصف بالشجاعة ؟

الجواب : تظهر الحقيقة فيما ذكره ابن عبّاس حول هذه الرزية حيث إنّه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ثمّ بكى حتّى خضّب دمعه الحصباء ، فقال :اشتدّ برسول الله(صلى الله عليه وآله) وجعه يوم الخميس ، فقال : «إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبيّ التنازع ، فقالوا : أهجر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟، قال : «دعوني فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعوني إليه».(1)

وهنا نطرح هذين السؤالين :

1 ـ لماذا قام الخليفة الثاني بمخالفة أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله)؟! أو لا يُعدّ هذا عصياناً لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وتقدماً عليه الذي نهى عنه القرآن الكريم بقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(2) ؟!

2 ـ لماذا لم يكتب النبيّ(صلى الله عليه وآله) الرسالة ؟


1 . صحيح البخاري: 4 / 31، باب دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم); لاحظ أيضاً صحيح البخاري: 1 / 37، 4 / 66، 5 / 137، 7 / 9، 8 / 161 ; صحيح مسلم: 5 / 75 .

2 . الحجرات : 1 .


(61)

إنّ سبب ذلك واضح وجليّ، لأنّه لمّا اتّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ نعوذ بالله ـ بالهذيان والهجر فلو كتب رسالة لوصفوها بما وصفوا به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ولذلك يتضح لنا سبب عدم تدخّل الإمام عليّ(عليه السلام) . ثمّ إنّه عندما يصرف النبيّ(صلى الله عليه وآله) النظر عن كتابة الرسالة فإنّه لا يبقى لعليّ حينئذ إلاّ الطاعة والامتثال .

إنّ جامع هذه الأسئلة أراد الإطاحة بعقائد الشيعة بأيّة وسيلة كانت ، ولكن وجود هذا الحديث في ستّة مواضع من صحيح البخاري تسبّب في هدم أساس المذهب الأموي ، ووجّه ضربة قاضية لما يُسمّى بعدالة جميع الصحابة ، ومن حسن الحظّ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) رغم عدم كتابته للكتاب إلاّ أنّه جبر ذلك بنحو آخر ، حيث إنّه قام في وقت سابق بالذهاب إلى المسجد وذكر حديث الثقلين قائلاً : «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً».(1)

وهكذا نرى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)جاء بنفس الجملة «لن تضلّوا بعدي» التي ذكرها في حديث ابن عبّاس.


1 . خصّ المرحوم «مير حامد حسين» ستة مجلدات من كتابه «عبقات الأنوار» ذكر فيها سند هذا الحديث ومتنه وممّا ذكره كمثال على ذلك: سنن الترمذي : 2 / 307 ، مسند أحمد : 3 / 17 و 26 و 59 وج4 / 366 و 371 ، مستدرك الحاكم : 3 / 101 إلى 109 ، وكتاب السنّة لابن أبي عاصم : 629، الحديث 1553 .


(62)

السؤال 15

كيف يكون كتاب الكافي شرحاً وتفسيراً للقرآن ، على الرغم من أنّ أغلب رواياته ضعيفة  ؟

الجواب : من أساليب اتّباع الباطل هي اتّهام الطرف المخالف أوّلاً ثمّ توجيه السؤال إليه ثانياً .

فنقول: أوّلاً : من أين يدّعي السائل أنّ أغلب روايات الكافي ضعيفة ؟

إنّ روايات الكافي على أربعة أقسام عند الشيعة :

1 ـ صحيحة 2 ـ موثّقة 3 ـ حسنة 4 ـ ضعيفة .

وتقسيم الشيعة لروايات أهمّ كتاب عندهم (الكافي) دليلٌ على واقعيّتهم ، لأنّه لا يوجد بين يدي البشر كتاب صحيح إلاّ القرآن الكريم . أمّا سائر الكتب الأُخرى فيجب أن تبقى مورد تحقيق وتأمّل من قبل العلماء .

ووفقاً لهذه الرؤية فإنّ كتاب الكافي قُسّم بدقّة فائقة إلى الأقسام الأربعة المذكورة آنفاً ، وقد عيّن العلاّمة المجلسي هذه الأقسام كلّها في كتابه «مرآة العقول» .

إنّ مؤلّف الكافي ذكر في أوّل الكتاب أنّ المعيار الذي تُوزن به الأحاديث هو ما نُقل عن الأئمّة(عليهم السلام) في قولهم : «إعرضوها على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدَعوه».(1)


1 . الكافي : 1 / 69، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب.


(63)

لكن في المقابل نجد أنّ أهل الحديث والسلفيّين ، يعتقدون بصحّة كتاب البخاري من أوّله إلى آخره ، ممّا جعلهم يواجهون مشاكل كثيرة ، ولا زالوا كذلك حتّى يومنا هذا ، والإشارة إلى تلك الأحاديث الموضوعة (التي يتضمّنها صحيح البخاري) لا يتناسب مع منهجنا في الاختصار ، ولدراسة هذا الموضوع بتفصيل أكثر ينبغي مراجعة الكتب التي صنفت في هذا المجال من قبيل كتاب «الحديث النبويّ بين الرواية والدراية» لآية الله جعفر السبحاني.

ثانياً : الادّعاء بأنّ الكافي هو شرح وتفسير للقرآن هو ادّعاءٌ يحتمل وجهين :

إذا كان المقصود من ذلك أنّ كتاب الكافي يبيّن ويفسّر مجملات القرآن أمثال الصلاة والزكاة والحجّ والجهاد ، وأجزاء وشرائط تلك المجملات ، فهذا أمرٌ لا يختصّ به الكافي فحسب ، فكلّ كتب الأحاديث ومن بينها صحاح أهل السنّة هي مُفسِّرة للقرآن بهذا المعنى .

وأمّا إذا كان المقصود أنّ كتاب الكافي كُتب كتفسير للقرآن شأنه شأن كتب التفاسير ، فهذا ادّعاء بلا أساس ، لم يقل به أحد .

وعلى فرض أنّه أخذ شكل كتاب التفسير فبسبب الضوابط التي راعاها الكاتب ، ممّا جعل رواياته ذات أهمّية وقيمة . بخلاف السلفيّين الذين يقبلون خبر الواحد ليس فقط في المسائل الفقهيّة والعمليّة بل حتّى في المسائل الاعتقاديّة ، ممّا جعلهم يواجهون مشاكل وتناقضات كبيرة . فقد عُقد


(64)

مؤخّراً مؤتمر في المدينة المنوّرة حول موضوع «حجّية خبر الواحد في العقائد» وقد كان كلّ المشاركين فيه من السلفيّين تقريباً ، وقد أجمعوا على هذا الموضوع ، ممّا يجعل معتقدهم مستنداً إلى خبر الواحد ، فكانت النتيجة قبولهم للجبر والتجسيم والتشبيه وأشباه ذلك من انحرافات عقائديّة تخالف صريح القرآن .

السؤال 16

الإنسان عبدٌ لله فقط ، فلماذا تقولون عبد الحسين ؟

الجواب : للعبوديّة معان مختلفة :

1 ـ العبوديّة في مقابل الالوهيّة : وهي بهذا الاستعمال بمعنى المملوكيّة وهي تشمل جميع عباد الله ، حيث إنّ منشأ مملوكيّة الإنسان هو كون الله تعالى خالقاً ، والإنسان مخلوقاً ، فيكون وصف العبوديّة التي هي رمز المملوكيّة ، لا يضاف إلاّ إلى الله تعالى فقط ، فيُقال «عبد الله» لأنّه: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً)(1) .

وينقل القرآن عن المسيح عيسى بن مريم(عليهما السلام) قوله : (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)(2) .

2 ـ العبوديّة الوضعيّة : وهي ناشئة من الانتصار والغلبة في ميدان القتال


1 . مريم : 93 .

2 . مريم : 30 .


(65)

والحرب، حيث إنّ الإسلام يقبل هذا النوع من العبوديّة وفقاً لشروط خاصّة مبيّنة في الفقه ، حيث يتمّ اختيار الأشخاص الذين وقعوا أسرى في أيدي المسلمين ، فيرجع أمرهم إلى الحاكم الشرعي الذي يستطيع اختيار أحد الطرق الثلاث في شأنهم :

إمّا إطلاق سراحهم بدون أخذ أيّ غرامة ، أو إطلاق سراحهم مع أخذ غرامة منهم ، أو إبقاءهم أسرى . وفي الصورة الأخيرة يعدّ الشخص الأسير عبداً للمسلمين ، والدليل على ذلك أنّه يوجد في الكتب الفقهيّة باب يسمّى «باب العبيد والإماء» .

ولنأخذ مثالاً على ذلك من القرآن الكريم في قوله تعالى : (وَأَنكِحُوا الاَْيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(1) .

ففي هذه الآية يصف الله تعالى أسرى الحرب بالعبيد والإماء في قوله : (مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) فجاء العبد هنا مضافاً إلى غير الله تعالى .

3 ـ العبوديّة بمعنى الطاعة والعمل بالأوامر : وقد جاء هذا المعنى في الكتب اللّغويّة.(2)

لذلك فإنّ معنى أمثال «عبد الرسول» و «عبد الحسين» هي ناظرة إلى المعنى الثالث ، حيث إنّ عبد الرسول وعبد الحسين بمعنى مطيع الرسول


1 . النور : 32 .

2 . كتاب لسان العرب والقاموس المحيط ، مادّة (عبد) .


(66)

ومطيع الحسين ، ولا شكّ أنّ هذه الطاعة للرسول(صلى الله عليه وآله) ولأُولي الأمر من بعده هي طاعةٌ واجبة ، وكلّ مسلم مطيع لله والرسول وأُولي الأمر ، قال تعالى : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ)(1) .

فانطلاقاً من هذه الآية الكريمة فإنّ القرآن يعتبر النبيّ «مُطاعاً» والمسلمين «مطيعين» . فإذا اتّخذ شخص نفس هذا المعنى في تسمية ولده ، فلن يكون ذلك سبباً لذمّه ، بل سيكون مدعاةً لمدحه والثناء عليه .

ونحنُ نفتخر أنّنا مطيعون لرسول(صلى الله عليه وآله) والأئمة من بعده ونعمل بأوامرهم . ومن المؤكّد أنّه لا منافاة بين كون الشخص عبداً لله وعبداً للرسول(صلى الله عليه وآله) ; إذ المعنى أنّه عبد لله ومطيعٌ للرسول . ولأنّنا نعلم أنّ العبوديّة لله هي عبوديّة تكوينيّة ناشئة من خالقيّته تعالى ، أمّا العبوديّة للرسول(صلى الله عليه وآله)فهي عبوديّة تشريعيّة ناشئة من الأمر الإلهي القاضي بطاعة الرسول ونعته بالمُطاع ، فبين المعنيين فرقٌ كبير  وبون شاسع.


1 . النساء : 59 .


(67)

السؤال 17

بما أنّ عليّاً(عليه السلام) يعلم أنّ الله قد جعله خليفة ، فلماذا بايع أبا بكر وعمر وعثمان ، فإذا لم تكن له القدرة فهذا يعني أنّه ليس إماماً ; لأنّ الإمام يجب أن تتوفّر فيه القدرة والقوّة على الحكم ، وأمّا إذا كان مقتدراً ولم يستفد من قدرته فمعنى ذلك الخيانة لأمر الله عزّ وجلّ ، فما هو جوابكم ؟

الجواب : أوّلاً : لا يوجد في أيّ مصدر تأريخي يركن له أنّ عليّاً(عليه السلام)قام بمبايعة عمر وعثمان ، لأنّ خلافة عمر تمّت بتنصيب أبي بكر ، فهو كان خليفة أبي بكر ، وعندما نصب أبو بكر عمر للخلافة حضر عنده جمع من أكابر الصحابة فقالوا له : أتخلّف علينا فظّاً غليظاً ، لو قد ولينا كان أفظّ وأغلظ ، فماذا تقول لربّك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر ؟(1) ; فهذا يدل على أنّ أكابر الصحابة لم يبايعوه فضلاً عن عليّ(عليه السلام) .

وكذلك بالنسبة إلى خلافة عثمان فقد كانت عن طريق عبد الرحمن بن عوف الذي لعب دوراً بارزاً فيها وذلك بإضفاء طابع الشرعيّة والرسميّة عليها بمهارة عالية كما تذكر ذلك كتب التاريخ ، فانتهى الأمر إلى نصب عثمان بالخلافة عن طريق ابن عوف ولم يستدع الأمر مبايعة عليّ(عليه السلام) من الأصل ، فكيف للسائل أن يحكم بمبايعة عليّ لهذين الشخصين ؟


1 . الخراج ، تأليف أبي يوسف البغدادي : 11; المصنف: 8 / 574 .


(68)

أمّا ما ذكر من بيعة عليّ(عليه السلام) لأبي بكر فلم تكن بيعةً في نظر الشيعة . وأمّا في نظر السنّة فإنّ عليّاً كان قد بايع بعد ستّة أشهر ، أي بعد وفاة فاطمة بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله).

وهنا نطرح سؤالاً : لماذا يتخلّف عليّ عن أداء أمر مشروع كالخلافة وهو ـ في نظر السنّة ـ إن لم يكن وصيّ رسول الله ، فهو على الأقلّ صحابي عادل ، فما هي علّة تأخّره عن البيعة طيلة هذه المدّة ؟ ثمّ لماذا امتنعت بنت النبيّ وكريمته(عليها السلام)عن مبايعة أبي بكر إلى آخر لحظة من حياتها ، مع أنّ أبيها(صلى الله عليه وآله)قال : «من مات ولم يكن في عنقه بيعة فقد مات ميتةً جاهليّة»(1) .

ولنترك ذلك ولنخوض في أمر آخر وهو الذي ذكره صاحب الكتاب في قوله : «إذا لم يكن مقتدراً فهو ليس إماماً» ، حيث تصوّر أنّ الإمامة مقام انتخابي لا يصل إليه المرء إلاّ بالقوّة المتمثّلة في انتخاب الناس ، والصحيح أنّ الإمامة عند الشيعة منصب إلهي، لا يتوقف على انتخاب الناس أو بيعتهم ، كما هي إمامة عليّ(عليه السلام)وإمامة أولاده من بعده .

أضف إلى ذلك : أنّه لو كانت القوّة والقدرة دليلاً على استحقاق الخلافة لكانت نبوّة الأنبياء ووصاية أوصيائهم غير مشروعة ، لأنّها مفتقرة للقوّة والقدرة ، لأنّهم تعرّضوا للقتل والتنكيل والتعذيب على أيدي حكّام زمانهم ، ممّا يدلّ على عدم امتلاكهم لأدنى قوّة أو قدرة ، فهل يكون ما يدّعونه من نبوّة ووصاية أمراً غير مشروع ؟! .


1 . صحيح مسلم: 6 / 22، باب حكم من فرّق بين المسلمين ; سنن البيهقي: 8 / 156، باب الترغيب في لزوم الجماعة.


(69)

السؤال 18

عندما آلت الخلافة لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) :

1 ـ لماذا قال من فوق المنبر : خير هذه الاُمّة بعد نبيّها أبو بكر وعمر ؟

2 ـ لماذا لم يعمل في خلافته بزواج المتعة ؟

3 ـ لماذا لم يسترجع فدكاً ؟

4 ـ لماذا لم يُرجع عبارة «حي على خير العمل» في الأذان والإقامة ؟

5 ـ لماذا لم يحذف عبارة «الصلاة خيرٌ من النوم» من الأذان ؟

6 ـ لماذا لم يأت للناس بقرآن جديد ؟

الجواب : جامع هذه الأسئلة من مواقع الانترنت : يدّعي هذه الأُمور الستّة ، وأنا أُطالبه بإثباتها ، فهو طرح جملة من الادّعاءات ولم يذكر من أيّ مصدر أخذها ؟! ومن أين له أن يدّعي أنّ الإمام لم يقم بها؟ فنقول:

1 ـ الحديث المنقول عن أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) حول الخليفتين الأوّل والثاني هو حديثٌ موضوع ، وليس هذا هو الحديث الوحيد الذي وضعتموه على لسان عليّ(عليه السلام) في شأن الخلفاء ، فقد بلغ عدد الأحاديث الموضوعة في


(70)

فضل الخلفاء على لسان أمير المؤمنين(عليه السلام) 36 حديثاً ، حيث إنّ آثار الكذب والوضع في هذه الأحاديث واضحة . وللاطّلاع على هذه الأحاديث وأساليب الوضع يمكنك مراجعة كتاب «الغدير»(1) ، والمحقّق في هذه الأحاديث سيصل إلى نتيجة مفادها أنّ أصحابها كاذبون جعلوا من عليّ(عليه السلام)مدّاحاً يعمل في بلاط الخلفاء .

ثمّ إنّه إن كان يعطي تلك المكانة والمنزلة للخلفاء فلماذا تأخّر عن بيعتهم مدّة ستّة أشهر ؟ ولماذا امتنعت زوجته سيّدة نساء العالمين عن مبايعتهم ؟ ولماذا لم تمدحهم وتثنِ عليهم ؟ بل خرجت من الدُّنيا وهي غاضبة عليهم ؟!

لماذا نقبل هذه الأحاديث الموضوعة والمكذوبة ولا نقبل تلك الخطبة الغرّاء التي اتّفق الباحثون والمحقّقون على صحّة نسبتها لعليّ(عليه السلام) ، والتي يقول فيها :

«أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى»(2) .

وكيف نغفل عن قول الإمام(عليه السلام) : «أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً ، والأشدُّون برسول الله(صلى الله عليه وآله) نَوْطاً ، فإنّها كانت أثرة شحّت عليها


1 . كتاب الغدير  للأميني: 8 / 54 ـ 62 ، تذكرة الحفّاظ : 1 / 77 .

2 . نهج البلاغة ، الخطبة الثالثة . وقد نقل هذه الخطبة ابن الخشّاب قبل ولادة الرضيّ سنة 306 هـ ، لمصدّق بن شبيب ; شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : 1 / 205 .


(71)

نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، ونعم الحَكَم الله والمعُود إليه القيامة».(1)

2 ـ أمّا فيما يخصّ زواج المتعة الذي ذكره فيكفي في ذلك توبيخ أمير المؤمنين(عليه السلام) لعمر بن الخطّاب الذي منع زواج المتعة حيث قال : «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ».(2)

أضف إلى ذلك أنّ واحدة من مسلّمات التاريخ اتّفاق مجموعة كبيرة من الصحابة وتأكيدهم على حلّية الزواج المؤقّت ، وطبقاً لما ذهب إليه الذهبي أنّ ابن جريج كان قد تزوج نحوا من سبعين امراة نكاح المتعة، كان يرى الرخصة في ذلك، وكان فقيه أهل مكة في زمانه (3)  .

3 ـ وأمّا بالنسبة لمسألة «فدك» فإعراض عليّ (عليه السلام) عن استرجاعها مسألة في غاية الوضوح ، لأنّه لو أخرج عمّال من سبقه من الخلفاء عن فدك، أيّام خلافته(عليه السلام) لاتُّهم بحبّه للدُّنيا ، فقد كتب بنفسه رسالة إلى عثمان بن حُنيف :

« . . . كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْم آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ. وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَك وَغَيْرِ فَدَك، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَد جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لاََضْغَطَهَا


1 . نهج البلاغة : 2 / 64، الخطبة 162 .

2 . تفسير الطبري : 5 / 19 ; الدر المنثور : 2 / 141 .

3 . ميزان الاعتدال : 2 / 659 ، ترجمة عبد الملك بن عبدالعزيز بن جريج . انظر: صحيح مسلم : 4 / 131 ، باب نكاح المتعة ، مسند أحمد : 2 / 95 ، 4 / 436 .


(72)

الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ  . . .»(1) .

إنّ السائل لم يقرأ صفحة واحدة من تاريخ فدك ، حيث كانت فدك تُرجع إلى أهلها ثمّ تُغصب منهم على طول تاريخ الخلفاء إلى عصر المأمون ، ولمزيد من الاطّلاع على تاريخ فدك يرجع إلى مطالعة كتاب «سيد المرسلين»(2) .

4 ـ أمّا فيما يخصّ عبارة «حي على خير العمل» فيكفي التذكير بكلام أحد متكلّمي الأشاعرة الذي يقول : إنّ الخليفة الثاني قال وهو على المنبر: ثلاث كن على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيَّ على خير العمل.(3)

فقد كتب الحلبي في سيرته أنّ ابن عمر والإمام زين العابدين كانا يقولان في الأذان بعد جملة «حيَّ على الفلاح» : «حيَّ على خير العمل».(4)

وقد كان قول «حيَّ على خير العمل» على المآذن علامة لاتّباع أهل البيت(عليهم السلام) على طول التاريخ ; فقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني (284 ـ 356 هـ) : «عندما استولى أحد الحسنيين على المدينة ، صعد عبدالله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبيّ(صلى الله عليه وآله) عند موضع الجنائز فقال للمؤذِّن : أذِّن بحيَّ على خير العمل.(5)


1 . نهج البلاغة : الكتاب رقم 45 .

2 . سيد المرسلين: 2 / 421 ـ 429 .

3 . شرح التجريد للقوشجي : 484 .

4 . السيرة الحلبيّة : 2 / 305; المحلى لابن حزم: 3 / 160 ; الروض النظير: 1 / 542 ; السنن الكبرى للبيهقي: 1 / 425  .

5 . مقاتل الطالبيين : 297 .


(73)

وأمّا لماذا لم يقم أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بنشر وإشاعة «حيَّ على خير العمل» فالسبب يعود إلى مواجهة عليّ(عليه السلام) في أيّامه لثلاث فرق : 1 ـ الناكثين ، 2ـ القاسطين ، 3 ـ المارقين . فكيف يفتح على نفسه جبهة رابعة ، رغم أنّه كان في بعض الموارد المناسبة يخفّف من البدع التي ابتدعها الخلفاء في الدِّين ، كما فعل ببدعة صلاة التراويح التي ابتدعها الخليفة الثاني وبقي العمل بها جارياً في مساجد بعض المسلمين إلى يومنا هذا ، على الرغم من أنّه لم يكن لها أيّ وجود على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)!!(1) .

روي عن عبدالرحمن بن عبد القاري أنّه قال : خرجت مع عمر بن الخطّاب ، ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون يُصلّي الرجل لنفسه ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثمّ عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب ، ثمّ خرجتُ معه ليلة أُخرى والناس يُصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نِعْمَ البدعة هذه ، والتي ينامون أفضل من التي يقومون ـ يريدُ آخر الليل ـ وكان الناس يقومون أوّله»(2) .

إنّ هذا عملٌ مخالف لما جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، بل لقد منع رسول الله(صلى الله عليه وآله)العمل به ، وقد روي أنّه لمّا دخلت أوّل ليلة من شهر رمضان صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله)المغرب ثمّ صلّى أربع ركعات التي كان يصلّيهنّ بعد المغرب


1 . فتح الباري في شرح صحيح البخاري : 4 / 203 الحديث 2009 و 2010، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1405 هـ .

2 . صحيح البخاري: 2 / 252 ; عمدة القاري للعيني: 11 / 125 ; النهاية لابن الأثير: 1 / 79 .


(74)

في كلّ ليلة ، ثمّ صلّى ثماني ركعات ، فلمّا صلّى العشاء الآخرة وصلّى الركعتين اللّتين كان يصلّيهما بعد العشاء الآخرة ، وهو جالس في كلّ ليلة ، قام فصلّى اثني عشرة ركعة ، ثمّ دخل بيته ، فلمّا رأى ذلك الناس ، نظروا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقد زاد في الصلاة حين دخل شهر رمضان ، فسألوه عن ذلك فأخبرهم أنّ هذه الصلاة صلّيتها لفضل شهر رمضان على الشهور ، فلمّا كان من الليل قام يصلّي فاصطفّ الناس خلفه فانصرف إليهم ، فقال : أيُّها الناس إنّ هذه الصلاة نافلة ولن يُجتمع للنافلة وليصلِّ كلّ رجل منكم وحده ، وليقُل ما علّمه الله من كتابه ، واعلموا أن لا جماعة في نافلة ، فافترق الناس فصلّى كلّ واحد منهم على حياله لنفسه . . .»(1) . وهذا ما عليه الشيعة إلى يومنا هذا .

وفي رواية اُخرى : «أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ، ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيُصلّي ، فخرج في أوّل ليلة شهر رمضان ليُصلّي كما كان يصلّي فاصطفّ الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم ، ففعلوا ذلك ثلاث ليال ، فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : «أيُّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة ، وصلاة الضحى بدعة ، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل ولا تصلّوا صلاة الضحى فإنّ ذلك معصية ، ألا وإنّ كلّ بدعة ضلالة سبيلها إلى النار» ، ثمّ نزل وهو يقول : «قليلٌ في سنّة خيرٌ من كثير في بدعة»(2) .


1 . التهذيب للشيخ الطوسي: 3 / 64 ، فضل شهر رمضان والصلاة فيه .

2 . المصدر السابق : 3 / 69 ـ 70 .


(75)

ولمّا قدِمَ أمير المؤمنين(عليه السلام) الكوفة أمر الحسن بن عليّ(عليهما السلام) أن يُنادي في الناس : لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة ، فنادى الناس الحسن بن عليّ(عليه السلام) بما أمره أمير المؤمنين(عليه السلام) ، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن عليّ صاحوا : واعمراه واعمراه ، فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين(عليهما السلام)قال له : ما هذا الصوت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين الناس يصيحون : واعمراه واعمراه ، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : «قُل لهم صلّوا»(1) . فأنكر منهم الاجتماع ولم ينكر منهم الصلاة .

والعجب أنّ عمر اعتبر هذه الصلاة «بدعة حسنة!» ، فهل يمكن أن تكون «البدعة في الدِّين» حسنة وجميلة ؟! .

وأخيراً نُذكِّر أنّ صلاة نوافل شهر رمضان شُرعت لتقام في البيوت بشكل منفرد لا في المساجد بشكل جماعيّ ، وفي هذا المورد ينبغي التوقّف عند الحديث الذي نقله مسلم في صحيحه ، حيث روى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال : «عليكم بالصلاة في بيوتكم فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة»(2) .

5 ـ أمّا عبارة «الصلاة خيرٌ من النوم» فقد أُضيفت للأذان فيما بعد عهد رسول الله وأبي بكر في نظر المحقّقين ، وهنا يكفي التذكير بأنّ مالكاً يذكر في الموطأ :

أنّه بلغه أنّ المؤذّن جاء إلى عمر بن الخطّاب يؤذنه لصلاة الصبح


1 . المصدر السابق .

2 . فتح الباري : 4 / 250 ، الحديث 201 .


(76)

فوجده نائماً ، فقال : الصلاة خيرٌ من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح.(1)

وتجدر الإشارة هنا إلى نكتة مهمّة وهي أنّ كلّ فقرة من فقرات الأذان تحتوي على واحدة من المعارف الإلهيّة أو تدعو إلى فريضة من الفرائض ، وفقرة «حيَّ على خير العمل» تشتمل على هذه الخصوصيّة حيث تعني أنّ الصلاة هي أفضل الأعمال وأعلاها قدراً ومنزلةً ، أمّا فقرة «الصلاة خير من النوم» فهي تبيّن أنّ الصلاة خيرٌ من النوم فقط ، وهذا ليس إلاّ تنقيصاً من شأن الصلاة . وهل يشكّ عاقل في أفضليّة الصلاة على النوم حتّى تحتاج إلى الإعلان من فوق المآذن : أيّها الناس إعلموا أنّ الصلاة خيرٌ من النوم ؟!

6 ـ أمّا قول السائل : «لماذا لم يأت عليّ بقرآن آخر للناس» ؟ فهذا سؤال لا يستحقّ الإجابة ; لافتقاده للقيمة العلميّة ، فهذا القرآن الذي بين أيدي المسلمين هو بقراءة عاصم برواية حفص أخذها عن عليّ(عليه السلام)، وان علياً(عليه السلام)هو المدافع الأوّل عن حفظ القرآن وصيانته طوال عمره الشريف فكيف يطلب منه ان يخالفه ويأتي بغيره!! ثم ماهي الملازمة بين التصدّي للخلافة والاتيان بقرآن جديد، وهل سبقه الخلفاء السابقون إلى ذلك؟! فما الداعي لأن يأتي الناس بقرآن آخر ؟!

نعم ، إذا كان المقصود هو القرآن الذي احتفظ به عليّ لنفسه ، فالروايات ذكرت أنّ عليّاً قام بترتيب القرآن حسب نزول آياته ، واحتفظ به


1 . الموطأ : 78، برقم 8  .


(77)

لنفسه وليس هناك أيّ اختلاف بينه وبين القرآن الموجود بين الدفّتين بين أيدي المسلمين إلاّ من جهة الترتيب والتنظيم.(1)

السؤال 19

توسّعت الفتوحات الإسلاميّة في زمن الخليفتين الأوّل والثاني ، ولكن في زمان خلافة عليّ بن أبي طالب اختلف المسلمون وانقسموا ودخلوا في حروب داخليّة مع بعضهم!! فكيف تفسِّرون ذلك ؟

الجواب : إذا كانت أفضليّة الأشخاص تُقاس بمقدار اتّساع الرقعة الجغرافيّة التي يحكمونها ، فإنّ معنى ذلك أنّ الخليفتين الأوّل والثاني أفضل من النبيّ(صلى الله عليه وآله) ; لأنّ انتشار الإسلام في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أقلّ من انتشاره في زمن الخليفتين الأوّل والثاني .

وإذا كان الميزان هو اتّساع الرقعة الجغرافية للحكومة الإسلاميّة فإنّ هارون «الرشيد» يكون حينئذ أفضل من الجميع حتّى من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ حاشا لله ـ لأنّ شمس الإسلام قد أشرقت في زمن هارون أكثر من أيّ وقت آخر .

ثمّ إنّ النكتة اللطيفة هنا هي أنّ انتشار الإسلام على عهد الخليفتين الأوّل والثاني لم يكن نتيجة لجهودهما الشخصية، بل كان نتيجة لاستعداد


1 . تاريخ اليعقوبي : 2 / 135 ـ 136 ، طباعة بيروت ـ دار صادر .


(78)

الشعوب المُتعبة والمُثقلة بظلم حكوماتها الجائرة لتقبّل الإسلام  ، فنداء «لا إله إلاّ الله» المقترن بطلب العدالة والمساواة بين الناس هداهم إلى الإسلام . وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل دور الجهاد والشهادة التي جاء بها الإسلام ، والتي ساعدت في انتشار هذا الدِّين الحنيف . فلو كان هنا فضل فهو يرجع إلى المجاهدين في سبيل الله دون غيرهم ممّن لم يجردوا شيئاً في طريق نشر الإسلام .

أمّا الاختلافات والصراعات التي وقعت أيّام حكومة الإمام عليّ(عليه السلام)فقد كانت نتيجة طبيعيّة لسياسة الخلفاء، خصوصاً أيّام الخليفة الثالث ; حيث حلّت العصبية والقبلية محل العدالة والمحبّة الإسلامية ، وكان الإمام عليّ(عليه السلام)يريد إرجاع هذه الأُمّة عن تلك القبليّة والعصبيّة وهاوية الانحراف وحبّ الدُّنيا ، إلى سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله)وأيّامه ، فقام أصحاب الدُّنيا بمخالفة سيرته (عليه السلام)حيث جيّشوا جيشاً بالأموال التي اغتصبوها من بيت مال المسلمين لمحاربة الإمام (عليه السلام) . فحاربهم(عليه السلام) امتثالاً لصريح القرآن وأوامر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فلم تكن الاختلافات والصراعات معلولة لحكومة عليّ (عليه السلام)، بل كانت أثراً طبيعياً للتربية غير السليمة لمن سبقه ممّن رفضوا حكومة العدل الإلهي وسعوا وراء ملذّاتهم الدنيويّة ، والتي وقف علي (عليه السلام)حائلاً بينهم وبينها ، ممّا دعاهم للتآمر عليه ومحاربته .


(79)

السؤال 20

إذا كان معاوية رجلاً سيّئاً ، فلماذا قام الحسن بن عليّ(عليه السلام)بعقد الصلح معه ؟

الجواب : هذا السؤال تكرار للسؤال الثامن ولا يحتاج إلى جواب مستقلّ ، ولكن لا بأس بإضافة نقطتين في هذا المجال :

1 ـ معاوية بن أبي سفيان هو أوّل من قنّن سبّ الصحابة ولعنهم ; حيث أمر بلعن خليفة المسلمين وأمير المؤمنين (عليه السلام) ، حتّى سمِع سعد بن أبي وقّاص يقول : لا ألعن عليّاً . . ..

فقد روى مسلم عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسبّ أبا تراب ؟ فقال : أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فلن أسبّه ، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبُّ إليَّ من حُمر النِّعم ; سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول له : خلّفه في بعض مغازيه فقال له عليّ : يارسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله) : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي . وسمعته يقول يوم خيبر : لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، قال : فتطاولنا لها ، فقال : ادعوا لي عليّاً ، فأُتي به أرمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه ، ولمّا نزلت هذه الآية : (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ . . .)دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله)عليّاً


(80)

وفاطمة وحسناً وحسيناً ، فقال : «.. اللّهُمَّ هؤلاء أهلي . . .».(1)

والآن نطرح سؤالاً : أنّ من يعادي شخصية مثالية نظير الإمام عليٍّ(عليه السلام)ويأمر وعّاظه وخطباءه بلعنه على المنابر ، هل يُعتبر مسلماً ؟

2 ـ وجميل أن تسمع من صاحب تفسير المنار قوله : «قال أحد كبار علماء الألمان في الأستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكّة : إنّه ينبغي لنا أن نُقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا (برلين) ، فقيل له : لماذا ؟ قال : لأنّه هو الذي حوّل نظام الحكم الإسلامي من قاعدته الديمقراطية إلى عصبيّة الغلب ، ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه ، ولَكُنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا عرباً مسلمين.(2)

يقول اُستاذ البخاري (أعني إسحاق بن راهويه) : إنّني لا أعرف حديثاً صحيحاً حول معاوية . والبخاري بطريقته المعهودة وبأُسلوب ظريف جعل ذكر معاوية تحت عنوان «باب ذكر معاوية» بدلاً من باب فضائل معاوية .(3)

عن عبدالله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي ما تقول في عليٍّ ومعاوية ؟ فأطرق ، ثمّ قال : إعلم أنّ عليّاً كان كثير الأعداء ففتّش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا ، فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه ، كيداً منهم لعليّ.

يقول ابن حجر في تعليقه على كلام أحمد بن حنبل : فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له.(4)


1 . صحيح مسلم : 7 / 120 ، ط القاهرة .

2 . تفسير المنار : 11 / 260 .

3 . صحيح البخاري: 4 / 219 .

4 . فتح الباري: : 7 / 81 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب ذكر معاوية .


(81)

السؤال 21

هل سجد النبيّ(صلى الله عليه وآله) على تربة كربلاء ؟

الجواب : إنّ أبرز مظاهر العبوديّة هو السجود على التراب الطاهر ، وقد أرشد النبيّ(صلى الله عليه وآله) المسلمين إلى ذلك وقال : «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(1) ، ولذلك فإنّ التراب في نظر الحديث الشريف له خصوصيّتان :

الأُولى : السجود ووضع الجبهة عليه .

الثانية : في حالة عدم وجود الماء يكون التيمّم بالتراب عوضاً عن الغسل والوضوء .

ولكن ـ ومع الأسف ـ انتفى هذا الأمر النبوي من مساجد السنّة لسنين طويلة ولا يزال ، والحال أنّه في ما مضى بسبب انعدام الإمكانيّات الماديّة ، كان المسلمون يسجدون على الحصير أو الأرض ، ولكن مع توفّر الإمكانيّات المادّية تمّ فرش المساجد بأنواع الزرابي الفاخرة ، ذهبت سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) أدراج الرِّياح .

أمّا الشيعة فإنّهم يعتقدون بوجوب السجود على الأرض أو على شيء ينبت منها، ولهم أدلّتهم على ذلك ، وقد تمّ شرحها في كتاب «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف».(2)


1 . صحيح البخاري : 1 / 91، كتاب التيمّم ، برقم 2 .

2 . الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف : 1 / 234 ـ 267 .


(82)

ولكن في نفس الوقت فإنّ السجود على تربة كربلاء له فضيلة كبيرة حسب ما جاء في الروايات ، وهذا ليس معناه أنّ السجود يكون للحسين(عليه السلام)، بل يكون لله تعالى ، والتربة الحسينيّة بحسب الاصطلاح الفقهي «مسجودٌ عليها» والسجود عليها مستحبّ وليس واجباً ; والنكتة في ذلك هو أنّ ذلك التراب «تربة الحسين(عليه السلام)» ، قد عُجن بدم أكبر حام للإسلام وهو الذي زلزل أركان الحكومة الأُمويّة الظالمة ، والسجود على تلك التربة ـ خاصّةً ـ هو ذكرٌ لأُولئك الشهداء الذين بذلوا مهجهم من أجل حماية الدِّين ، وهم أنصار الحسين (عليه السلام)الذين آثروا الموت الأحمر على العيش الأسود الذليل والركون إلى الظَّلَمة .

وأمّا القول بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يسجد على تربة الحسين(عليه السلام) ـ إن كان ذلك صحيحاً ـ فيعود إلى أنّ ملاك السجود على تلك التربة الشريفة لم يتحقّق بعد ، ولأنّ ذلك التراب لم يُسق من دم الحسين بعدُ ، ولم يكتسب البركة .

والأصل المعمول به في سيرة العظماء أنّهم دائماً يسجدون على تراب الأمكنة المقدّسة ويقبّلونه ، فمسروق بن الأجدع (المتوفّى سنة 62 هـ) بالمدينة ـ وهو من التابعين ـ كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنةً يسجد عليها.(1)

وممّا مرَّ ذكره فإنّ السجود على التربة الطاهرة في البيوت والفنادق


1 . مصنّف ابن أبي شيبة : 2 / 172 .


(83)

والمدارس وسائر الأماكن التي يتردّد إليها المسلم ، ليس أمراً سهلاً وميسوراً ، ممّا استدعى إلى جلب أطهر أنواع الأتربة الموجودة في العالم الإسلامي التي صُنعت على شكل قوالب يمكن حملها في الجيب ، حتّى يتمّ للمسلم العمل بالحكم الإلهي بصورة أسهل ، ويعبد الله كما أراد منه ، في أيّة بقعة تواجَدَ فيها الإنسان المصلّي .

لنا أن نسأل : هل سجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) على هذه الزرابي الثمينة والأفرشة الباهظة الثمن التي فرشتم بها مساجدكم ، أو أنّه(صلى الله عليه وآله)سجد على الحصى والحصير ؟!

والعجيب هنا أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) يصرّ على أن يسجد المصلّي على التراب ، فاذا رأى من سجد على كور عمامته، قال له: «ألزِق جبهتك بالأرض».(1)

وعن خبّاب : «شكونا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) حرّ الرّمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يُشكنا، أي لم يزِل شكوانا»(2) .

وعن جابر بن عبدالله، قال: كنت أصلي الظهر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر.(3)

والشيء الأكثر مخالفةً لما تضمّنته هذه الروايات ، هو إصرار القوم على السجود على الفرش والسجّاد الثمين ، ممّا يجعلنا نحكم أنّ عصرنا هذا قد


1 . العزيز في شرح الوجيز ، المعروف بالشرح الكبير : 1 / 557 .

2 . السنن الكبرى للبيهقي: 2 / 105 ; فتح الباري: 2 / 13 .

3 . سنن أبي داود: 1 / 100، برقم 399 .


(84)

تحوّلت فيه السنّة إلى بدعة ، والبدعة إلى سنّة!!

وأخيراً نذكر أنّ زوجة النبيّ(صلى الله عليه وآله) أُمّ سلمة تقول : إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال وهو يبكي : «أتاني جبرئيل فأخبرني أن أمتي يقتلونه ] يعني الإمام الحسين (عليه السلام)[، وأتاني بالتربة التي يُقتل عليها  ، فهي التي أُقلِّب في كفّي».(1)

السؤال 22

يقول الشيعة : إنّ صحابة النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد ارتدّوا مباشرةً بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)  ؟

الجواب : يبدو أنّ جامع الأسئلة ليس له أدنى اطّلاع بمذهبه ، فكلّ همّه فقط جمع المطالب والمواضيع ، لكنّه غافل عن كون أهل السنّة أنفسهم يروون بأنّ الكثيرالكثير من الصحابة قد ارتدّوا بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)وفقاً لروايات تضمّنتها صحاحهم ، حيث ينقل البخاري في صحيحه : عن سهل بن سعد يقول : سمعت النبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول : أنا فرطُكم على الحوض مَن وردهُ شرب منه ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً ، ليَرِدُ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يُحال بيني وبينهم ، فأقول: إنّهم منّي، فيُقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك ، فأقول سُحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي».(2)


1 . المعجم الكبير : 3 / 107 ـ 111 ، الحديث 2814 ـ 2827; كنز العمال: 13 / 657، برقم 3668 .

2 . صحيح البخاري : 7 / 208، كتاب الرقاق، و 8 / 87، كتاب الفتن.


(85)

والبخاري ومسلم كلاهما نقلا هذا الحديث : قال النبيّ(صلى الله عليه وآله) : «أنا فرطُكُم على الحوض ليُرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا هويت لأناوِلهم اختلجوا دوني فأقول أي ربِّ أصحابي ، يقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك».(1)

وفي هذا المورد تمّ نقل أكثر من عشرة أحاديث صحيحة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)كلّها تحكي عن ارتداد مجموعة من الصحابة.(2)

فهل الشيعة هم الذين يكفّرون الصحابة أم أصحاب هذه الكتب؟!

إنّ الشيعة لم يكفّروا أحداً من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) قط ، لأنّ قسماً كبيراً منهم بقي على بيعة الإمام عليّ(عليه السلام) ، وكانوا من روّاد التشيّع . وأمّا القسم الآخر من الصحابة فليس معروفاً عندنا ، ونحن لا نذكرهم إلاّ بخير .

وقسمٌ آخر نكث بيعة أمير المؤمنين(عليه السلام) وهم في نظر الشيعة ناكثين للعهد ولهم حكمٌ خاصّ وصريح في الشريعة الإسلاميّة .


1 . جامع الاُصول : 11 / 12، برقم 1972 ، كتاب الحوض . وقد نقل بعض الروايات في المقدّمة .

2 . نفس المصدر السابق .


(86)

السؤال 23

لماذا كانت الإمامة في أولاد الحسين بن عليّ ولم تكن في أولاد الحسن بن عليّ ؟

الجواب : كان لإبراهيم الخليل(عليه السلام) ولدان باسمي إسماعيل وإسحاق ، فنرى أن النبوة استمرت في نسل إسحاق دون إسماعيل إلى عصر نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي هو من نسل إسماعيل (عليه السلام)وهذا يكشف عن كون المنصب الالهي يمنح للأكفأ فقط، كما كان لنبيّ الله يعقوب إثنا عشر ولداً ، لم تكن النبوّة مستمرّة في نسل كلّ واحد منهم ، بل استمرّ في نسل واحد منهم .

الجواب على ذلك بيّنه الله سبحانه وتعالى في آية قصيرة حيث قال سبحانه : (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(1) .

السؤال 24

لماذا لم يصل علي بن أبي طالب (عليه السلام)بالناس صلاة واحدة في أيام مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي مات فيه، ما دام هو الإمام من بعده؟ فالإمامة الصغرى دليل على الإمامة الكبرى.

الجواب: إنّ هذا السؤال يشير إلى أُمور ثلاثة:


1 . الأنعام : 124 .


(87)

الأوّل: أنّ الإمامة الصغرى (في الصلاة) دليل على الإمامة الكبرى (الولاية).

الثاني: أنّ علياً لم يصل بالناس أيام مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو دليل على عدم كونه إماماً.

الثالث: أنّ أبا بكر صلى بالناس في مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهذا دليل على إمامته الكبرى.

وإليك تحليل هذه الأُمور:

أما الأوّل فهو أمر عجيب إذ كيف يستدل بتكليف الإنسان بوظيفة صغيرة (كإمامة الجماعة) على كفاءته واستحقاقه لوظيفة ومنصب خطير (الولاية).

فلو افترضنا أنّ رجلاً كان صالحاً لأن يكون حاكماً لمدينة صغيرة فهل يكون ذلك دليلاً على صلاحيته لرئاسة دولة كبيرة، ومن استدل بهذه الطريقة، كعضد الدين الإيجي في مواقفه(1) والرازي في أربعينه(2) فقد غفل عن الضابطة، ومع ذلك فهناك من أهل السنة من وقف على ضعفّ الاستدلال منهم ابن تيمية حيث قال: فالاستخلاف في الحياة نوع نيابة لابد منه لكل ولي أمر، وليس كل من يصلح للاستخلاف في الحياة على بعض الأُمّة يصلح أن يستخلف بعد الموت (على جميع الأُمّة) فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)استخلف في حياته غير واحد ومنهم من لا يصلح للخلافة بعد موته. كما استعمل ابن أُم مكتوم


1 . المواقف: 3 / 609 .

2 . الأربعين في أُصول الدين: 2 / 92 .


(88)

الأعمى في حياته وهولا يصلح للخلافة بعد موته .(1)

أمّا الثاني، فجوابه أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يؤم الناس طيلة أيام مرضه فلم يكن لعلي مع وجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مجال للصلاة بالناس.

والدليل على اهتمامه بإمامة الناس في الصلاة أيام مرضه هو أنّه بعدما سمع أنّ أبا بكر تقدم لإمامة المصلين خرج من بيته وأمر أبا بكر بالتأخر وقام مكانه وصلى هو بالناس. وسيوافيك تفصيله.

وإذا كان الحال كما ذكرنا فعدم إمامة علي (عليه السلام)بالناس للصلاة لا يكون دليلاً على عدم استحقاقه الإمامة الكبرى.

ويشهد على اهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمر صلاة الجماعة طيلة فترة مرضه وعدم فسح المجال لإمامة شخص آخر أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وجد من نفسه خفّة فخرج بين رجلين ـ أحدهما العباس ـ لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخر... (2)

وهذا يدل على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان مهتماً بأمر الصلاة بنفسه وعندما اطّلع على أنّ أبا بكر تقدّم للصلاة خرج متّكئاً على رجلين، ليأمّ الناس بنفسه.

وأما الثالث ـ أعني: أنّ أبا بكر قد صلى بالناس في مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمر منه ـ فهذا غير ثابت ، وإن كان القوم قد أكثروا من الاستدلال به، ولكن


1 . منهاج السنة: 4 / 91 .

2 . مسند أحمد: 2 / 52، وج 6 / 224 ; صحيح البخاري: 1 / 169 ; صحيح مسلم: 2 / 21 ; سنن ابن ماجة: 1 / 389، برقم 1232 .


(89)

هناك وجوها ربّما تشرف الإنسان على القطع بكذب القضية بأجمعها أو ببعضها وإليك تلك الوجوه:

1. كون أبي بكر في جيش أُسامة

اتفقت المصادر على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث سرية بإمرة أُسامة بن زيد لجهاد الروم وأمر بخروج أكابر الصحابة فيها، كأبي بكر وعمر، وجعل أُسامة أميراً عليهم .

وكان تجهيز أُسامة يوم السبت قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بيومين (1)، ولمّا وصل القوم إلى الجرف توقفوا عن المسير لعلمهم بمرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولمّا اطّلع الرسول على توقّفهم وعدم سيرهم، خرج (صلى الله عليه وآله وسلم)ولعن من تخلّف عن المسير معه .(2)

فلو صلى أبو بكر مكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّما صلى في ذينك اليومين ولكنه كيف يمكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يأمر أبا بكر بالصلاة في مكانه من جانب، ومن جانب آخر يبعثه مع أُسامة لجهاد الروم ويلعن من تخلّف عنه، فهاتان القضيتان لا تجتمعان.

2. لو صحّ صلاة أبي بكر بالناس في حال حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لاستند هو نفسه بذلك في يوم السقيفة وجعل ذلك دليلاً على استحقاقه للخلافة.

3. ان القضية نقلت بصور مختلفة، ويشهد هذا الاختلاف على كذب


1 . فتح الباري: 8 / 115 ـ 124، باب بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أُسامة بن زيد.

2 . الملل والنحل: 1 / 23 ; شرح المواقف: 8 / 386 .


(90)

القضية أو تطرق الدس والتزوير على مضمونها، فتارة نرى أنّ الرواية كانت هي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): مروا أبا بكر فليصل بالناس.(1)

وأُخرى ما يدل على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بأن يصلي بالمسلمين أحدهم من دون أن يعيّن شخصاً. ويدل على ذلك ما رواه أبو داود عن ابن زمعة قال: لما استعزّ برسول الله، وأنا عنده في نفر من المسلمين، دعاه بلال إلى الصلاة، فقال: مروا من يصلي بالناس (2).

وثالثة: نراه (صلى الله عليه وآله وسلم)يأمر بلالاً أن يصلي بالناس، حيث روى سالم بن عبيد الأشجعي، قال: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لما اشتدّ مرضه أُغمي عليه كلّما أفاق، قال: مروا بلالاً فليؤذن ومروا بلالاً فليصل بالناس. (3)

ومع وجود هذه الروايات المتضاربة كيف يمكن أن نسلّم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر أبا بكر بالصلاة بالناس، وحتّى لو سلمنا صلاته بالناس، فقد اختلفت الكلمة في كيفية صلاته.

فقد جاء في نيل الأوطار: وقد اختلف في ذلك (أي في إمامة الصلاة في مرض النبي لأبي بكر) اختلافاً شديداً كما قال الحافظ، ففي رواية لأبي داود أن رسول الله كان المقدم بين يدي أبي بكر، وفي رواية لابن خزيمة في


1 . صحيح البخاري: 1 / 162 ـ 176، كتاب الجماعة والإمامة، باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، برقم 56 .

2 . سنن أبي داود: 2 / 405، برقم 4660; مسند أحمد: 4 / 322 .

3 . بغية الطلب في تاريخ حلب لكمال الدين ابن العديم الحنفي، المتوفّى سنة 660 هـ، (مخطوط): الورقة 194 .


(91)

صحيحه عن عائشة أنّها قالت: من الناس مَنْ يقول كان أبو بكر المتقدم بين يدي رسول الله، ومنهم من يقول كان النبي المقدّم. والظاهر من رواية الباب المتفق عليها أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان إماماً، وأبو بكر كان مؤتمّاً، وتؤيد ذلك رواية مسلم .(1)

والعجب أنّ جماعة صلّوا بالناس في غياب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مرات كثيرة، كابن أم مكتوم وغيره. كما أنّ علياً قام بكافة وظائف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في فترة غيابه في غزوة تبوك فقد صلى بالناس أربعة أشهر، ومع ذلك نرى القوم يمرّون على هذا الأمر مرور الكرام.

بقيت هنا ملاحظة يجب ذكرها وهي أنّ المصادر نقلت أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعائشة وحفصة ـ في مرضه الّذي مات فيه ـ قال: «إنّكنّ لصويحبات يوسف». وهذا يدل على أنّه كان لهما دورٌ واضح وحرص أكيد لأبويهما إمّا في أمر الصلاة، أو ما يشبه ذلك ليكون ذريعة على رفع مقامهما بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).(2)

نقل ابن أبي الحديد المعتزلي أنّ علياً كان يقول: إنّه لم يقل (صلى الله عليه وآله وسلم)إنكنّ لصويحبات يوسف إلاّ إنكاراً لهذا الحال وغضباً منها لأنّها (عائشة) وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما وإنّه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب. (3)


1 . نيل الأوطار: 3 / 39 .

2 . تاريخ الطبري: 2 / 439.

3 . شرح نهج البلاغة: 9 / 197 .


(92)

السؤال 25

إنّ سبب اختفاء الإمام الثاني عشر للشيعة في الغار هو الخوف من الظالمين ، ولكن الخوف زالَ بعد قيام دولة إيران فلماذا لا يظهر ؟

الجواب : ليت السائل دلّنا على مصدر شيعي قال بأنّ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) قد اختفى في الغار .

فلو كان المقصود من الغار هو السرداب الطاهر في سامراء، فإنّ السرداب المنسوب إلى الإمام(عليه السلام) كان موضع صلاته ومناجاته، حيث أخفى الله وليّه من ذلك المكان بعد أن دخله، كما أخفى المسيح(عليه السلام) عن الأنظار من المكان الذي كان فيه عندما أرادوا صلبه وقتله ، وهو حيٌّ يُرزق إلى يومنا هذا .

وأمّا السؤال بأنّه لماذا لم يظهر الإمام بعد قيام الحكم الإسلامي في إيران ، فهو سؤالٌ يدلّ على أنّ صاحبه ليس له أدنى اطّلاع بمسألة فلسفة الغيبة ، لأنّ فلسفة غيبة الإمام المنتظر(عليه السلام)ليس فقط هو الخوف من القتل ، بل إنّ لظهوره(عليه السلام)شروطاً ما لم تتوفّر فلن يتمّ، وها نحن نوردها بشكل مجمل :

1 ـ الاستعداد النفسي للشعوب والأُمم : وذلك بأن يصل الأمر بشعوب العالم إلى الإحساس بالملَلَ من الظلم والفساد، والتعطش إلى الأخلاق والعدالة ، بحيث ما لم يصل بهم الأمر إلى تلك المرحلة من الملل والتعطّش،


(93)

فلن ينفع أي برنامج مادّي أو معنوي . يقول الإمام الباقر(عليه السلام) : «إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكمُلت به أحلامهم»(1) . وهل تحقق هذا الشرط في زماننا؟!

2 ـ تكامل العلوم والثقافة الإنسانيّة حتّى يتسنّى قيام حكومة إلهيّة عالميّة على أساس من العدالة ، وهو رهن تقدّم العلوم والمعارف المادّية والثقافة العامة .

3 ـ التقدّم في مجال الاتّصالات : تحتاج هذه الحكومة الإلهيّة إلى وسائل وتقنيات حديثة في مجالي الاتّصالات والمعلومات، ممّا يسهّل وصول الأوامر الإلهيّة والأحكام إلى جميع سكّان العالم في مدّة قصيرة .

4 ـ تربية كوادر الثورة: وهي أهمّ من جميع النقاط السابقة ، بحيث إنّ وصول تلك الحكومة إلى أهدافها لا يتمّ إلاّ عن طريق إعداد كفاءات وكوادر مقتدرة وإلهيّة ، والذين هم محرّكو ثورة الإمام المهدي ـ في الواقع ـ وإعداد أُولئك الأفراد الربّانيّين المقتدرين يحتاج إلى فترة زمنية.

إنّ مسألة المهدويّة من المسائل الواضحة المتسالَم عليها بين جميع المسلمين ، فقد بلغت الأحاديث حول هذه المسألة إلى حدّ التواتر ، وحتّى في نظر السلفيّين فإنّ المهدويّة (ظهور المهدي) هي جزء من العقائد الإسلاميّة ، ونحن نسألهم أيضاً : لماذا لم يظهر الإمام المهدي (عجل الله فرجه) مع وجود دول وممالك إسلاميّة في القرون الماضية التي ازدهرت


1 . الكافي : 1 / 25، كتاب العقل، الحديث 21 .


(94)

فيها الحضارة الإسلاميّة ؟! لذلك فإنّنا نأسف لجامع الأسئلة الذي يجهل نظريّات كبار علماء مذهبه ولم يقرأ أيّ كتاب حول هذا الموضوع!!

السؤال 26

عندما هاجر النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلى المدينة اصطحب معه أبا بكر وقد منحه النجاة بذلك ، ومن جهة أُخرى جعل عليّاً في معرض الخطر .

والسؤال: أيّهما أفضل : الذي اصطحبه معه ، أم الذي تركه عُرضةً للموت والهلاك ؟

وإذا كان عليٌّ يعلم بأنّه لا يُقتل وهو في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله)فهو إذن لم يكن في معرض الخطر ، وبالتالي لا يمكن أن يكون نومه في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله)فضيلة ومنقبة له ؟

الجواب : عندما عزم النبيّ(صلى الله عليه وآله) على الهجرة لم يقم بتقسيم أصحابه إلى قسمين بحيث يجعل قسماً معه حتّى يحفظهم من القتل ، ويجعل قسماً آخر في معرض القتل ويُعرّض أرواحهم للخطر .

فإن المعتاد في الحروب وميادين القتال إبعاد الضعفاء من ساحة المعركة والمواجهة مع العدوّ ، وذلك بنقلهم إلى مناطق آمنة ، وفي المقابل الإبقاء على العناصر القويّة والكفوءة في الصفوف الأُولى لجبهات القتال والمواجهة . وذلك هو ما قام به النبيّ(صلى الله عليه وآله) .


(95)

أمّا النوم في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله) والتضحية بالنفس في سبيل الهدف المقدّس فهو شأن الرجال العظام الذين يُؤثِرون بقاء الدِّين ونصرته على أيّ شيء آخر ، وفي تلك الظروف لم يكن لأحد أن يتصدّى لتلك المهمّة العظيمة غير عليّ(عليه السلام) . ولذلك جعله النبيّ(صلى الله عليه وآله) في مكان نومه حتّى يوهم الأعداء ببقائه وعدم مغادرته لبيته . وقد أثنى القرآن الكريم على تلك التضحية العظيمة من أمير المؤمنين(عليه السلام)بقوله تعالى : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)(1) .

لذا فإنّ هذا العمل العظيم الذي قام به الإمام(عليه السلام) والذي قلَّ نظيره في تاريخ البشريّة ، لا يمكن اعتباره عملاً عديم الأهمّية ـ كما توهّم السائل ـ وأنّه يدلّ على عدم اهتمام النبيّ(صلى الله عليه وآله) بشخص عليّ(عليه السلام) بحيث جعله في معرض الخطر ، فهذا كلامٌ بعيد كلّ البُعد عن الإنسانيّة وروح الإنصاف والعقلانيّة .

أمّا ما ربما يقال بأن علياً علم بأنّه لا يُقتل... فهو كلامٌ بلا أساس ، لأنّ ذلك جاء في التاريخ بشكل مغاير ، فبعد ليلة الهجرة بليلتين تشرّف الإمام عليّ(عليه السلام) ـ وكان بصحبته هند بن أبي هالة ـ بزيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله) في إحدى الليالي ، حيث قال له النبيّ(صلى الله عليه وآله) : «إنّهم لن يصلوا إليك من الآن بأمر تكرهه»(2) ; فقوله لن يصلوا... الخ، دليل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر علياً (عليه السلام)بأنّه لا يصل إليه أي مكروه من تلك الساعة دون الساعات المتقدمة فقد كان الخطر محدقاً به.


1 . البقرة : 207 . لاحظ : أُسد الغابة : 4 / 25 .

2 . جاء بهذه الجملة ابن هشام والطبري وابن الأثير .


(96)

السؤال 27

العلّة في التقيّة هي الخوف من القتل والتعذيب ، والأئمّة لا يخافون من ذلك ، لأنّ تحمّل المشقة والإيذاء وظيفة العلماء وأهل البيت النبوي أولى بذلك في نصرة دين جدهم، فلماذا يلجأون إلى العمل بالتقيّة ؟

الجواب : لم تكن التقيّة فقط بسبب خوف القتل والتعذيب ، بل لها أسباب عديدة نذكر بعضها :

1 ـ أنّ الحكومات الأمويّة والعبّاسيّة كانت تخاف من أيّ نوع من أنواع التفاف الشيعة حول الإمام المعصوم(عليه السلام) ، ولا تقبل بذلك مهما كان الثمن ، ففي أيّام حكومة معاوية تمّ القضاء على كلّ الجماعات الشيعيّة الموالية لأهل البيت(عليهم السلام) ، وقتل الكثير من الشخصيّات البارزة بعد التنكيل بهم والتفنّن في تعذيبهم ، من أمثال الصحابي الجليل حجر بن عدي والعبد الصالح ميثم التمّار ، ولهذا السبب كان الأئمّة(عليهم السلام) يعملون بالتقيّة حفاظاً على ما تبقّى من شيعتهم ومواليهم .

2 ـ لو لم يعمل الأئمّة(عليهم السلام) بالتقيّة لما تسنّى لهم القيام بوظائفهم الإلهيّة ، فقد كانوا كثيراً ما يبيّنون للناس الحقائق والمعارف عن طريق ملاطفتهم واستعمال المجاز والكناية لإيصال الحقّ لمن كان له استعداد من الناس ، ولولا التقيّة والعمل بها لما تمكّنوا من ذلك .


(97)

3 ـ القيام بوجه الحكومات الجائرة والأنظمة الفاسدة عن طريق العمل بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هو أمرٌ لازم ومفيد في إقامة الحقّ والعدل ، ولكن هذا أمرٌ قد لا يكون مناسباً وصالحاً دائماً ، بل إنّه في بعض الحالات والظروف الخاصّة لا يمكن إقامة الحقّ ودفع الظلم إلاّ بطرق وأساليب هادئة تتناسب مع تلك الظروف . ومثال ذلك، الظروف والشرائط التي كان يعيشها بعض الأئمّة(عليهم السلام) .

إنّ مثير هذا السؤال ليس له أدنى اطّلاع على تاريخ الأئمّة وتاريخ الشيعة ، لذلك توهم أنّ تقيّة الإمام كانت لأجل حفظ نفسه وسلامة حياته ، والحال أنّها لحفظ أتباعه من الشيعة والموالين .

يقول سلمة بن محرز : قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : إنّ رجلاً مات وأوصى إليّ بتركته وترك ابنةً ، فقال لي : «أعطها النصف »، قال : فأخبرت زرارة بذلك ، فقال لي : اتّقاك إنّما المال لها ، قال : فدخلت عليه بعد، فقلت : أصلحك الله إنّ أصحابنا زعموا أنّك اتّقيتني ؟ فقال : «لا والله ما اتّقيتك ولكنّي اتّقيتُ عليك أن تضمن ، فهل علم بذلك أحد ؟» قلت : لا ، قال : «فأعطها ما بقي».(1)


1 . وسائل الشيعة : ج17، الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين ، الحديث 3 ; والباب 5، الحديث 4 .


(98)

السؤال 28

الهدف من تنصيب الإمام هو رفع الظلم والشرّ عن الناس ، ولكن نحن نرى أنّ تنصيب عليٍّ وأبنائه للخلافة لم يرفع ذلك الظلم وذلك الشرّ ؟!

الجواب : لقد بعث الله جميع الأنبياء والرُّسل من أجل ذلك الهدف (رفع الظلم والشرّ ) حيث يقول جلّ وعلا : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(1) .

ونحن نسأل الكاتب : هل تحقّق هذا الهدف الإلهي ، بحيث صار فعليّاً وعمليّاً ، وهل رُفع الظلم والشرّ عن العالم ، بعد إرسال كلّ هؤلاء الرسل وإنزال كلّ هذه الكتب ؟! فما هو جوابه في مدى نجاح الأنبياء، هو جوابنا في مورد نجاح الأئمة.

اعلم أنّ الإمام المنصوب من قِبَل الله تعالى يتمتّع بكلّ وظائف النبيّ(صلى الله عليه وآله) ما عدا تلقّي الوحي ، فهو يبيّن ما استجدّ من حوادث ، ويدفع شبهات المعاندين ، وينفذ تطبيق الأحكام الإلهيّة بكلّ ما أُوتي من قوّة . ومن جهة أُخرى فإنّ تنصيب الإمام من قِبل الله تعالى يُعتبر حجّة إلهيّة بالغة على جميع عباده  .


1 . الحديد : 25 .


(99)

أمّا رفع الظلم والشرّ ونشر العدالة والقسط فقد تجسّد في أيّام خلافة الإمام عليّ(عليه السلام) ، حيث كانت مرحلة حكومته القصيرة نموذجاً فريداً في العمل بتلك الأوامر الإلهيّة والاضطلاع بوظائف الإمام المنصوب من قِبله عزّ و جلّ .

وأمّا الأئمة من بعده فلم يتسنَّ لهم الأخذ بزمام الحكم في حياتهم إلاّ الحسن بن علي في شهور قصيرة، فلو كان هناك قصور فيرجع سببه إلى الأُمّة الّتي لم تساند الأئمة(عليهم السلام).

وأخيراً نتساءل : أيّ النظريّتين يمكن الاعتماد عليها في إيصال البشرية إلى كمالها المنشود ; أهي نظريّة انتخاب الخليفة من قِبل الناس بحيث يكون ذلك الخليفة إنساناً عاديّاً عرضة للوقوع في الخطأ والمعصية ، أم هي نظرية تنصيب إمام معصوم من قِبل الله تعالى ليطهّر العالم من الذنوب والمعاصي ويسير بهم نحو الكمال ؟!


(100)

السؤال 29

عقد الكليني باباً في الكافي بعنوان إن النساء لا ترث من العقار شيئاً، وعلى هذا فلا حقّ لفاطمة (عليها السلام)أن تطالب بميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب روايات المذهب الشيعي؟

الجواب : أوّلاً : أنّ فقهاء الشيعة اتفقوا على أنّ الزوجة لا ترث من العقار شيئاً والمراد به البيت الّذي هو ملك للزوج ومسكن للزوجة، وأمّا سائر الممتلكات فترث منها الزوجة، نعم اختلفت كلمتهم في الأراضي والبساتين.

وثانياً: أنّ مصب الروايات ومصب فتاوى الفقهاء هو الزوجة، وأمّا البنت فهي ترث من عامة الممتلكات عيناً كانت أو أرضاً، عقاراً كانت أو بستاناً.

والمعترض لم يفرّق بين حرمان الزوجة وحرمان البنت وزعم أنّ الموضوع مطلق الأُنثى، فاستنتج أنّه لا يصح لفاطمة أن تطالب أبا بكر بفدك!!

ولربّما كان السائل قد فهم الرواية ولكنه تعمّد المغالطة .

ثالثاً: أنّ «فدك» الّتي طالبت بها فاطمة (عليها السلام)لم تكن ميراثاً، بل هي نِحْلَةً ، بمعنى أنّ والدها النبيّ(صلى الله عليه وآله)منحها إيّاها  في حياته، وكانت قد آلت إليه(صلى الله عليه وآله)عن طريق الصلح لا عن طريق القتال، إذ أنّها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكانت من الأنفال وهي ملك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كما عليه صريح القرآن الكريم،


(101)

قال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ)(1).

إذن فهذه الأرض ملكٌ لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وهبها لابنته الزهراء(عليها السلام)بأمر من الله عزّ وجلّ بقوله : (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)(2) . والدليل على حق فاطمة (عليها السلام)منها هو ارجاعها إلى ولد فاطمة أكثرمن مرّة، كما حدثنا التاريخ بذلك.

السؤال 30

قام أبو بكر بقتال المرتدّين ، بينما قام عليّ(عليه السلام)بإخفاء القرآن الذي أملاه عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله) بدعوى الخوف من ارتداد الناس عن الإسلام كما يقول الشيعة .

الجواب : طرح السائل هنا إدّعاءين ، لم يأت بدليل على أيٍّ منهما :

أوّلاً : أنّ أبا بكر قاتل المرتدّين ، وهذا غير صحيح ; فهو قاتل أُناساً امتنعوا عن دفع الزكاة ، وأمّا علّة امتناعهم عن دفع الزكاة فهي رفض فريق من الصحابة من المهاجرين والأنصار لخلافة أبي بكر ، ورغم أنّه عُرف قتاله لهم في التاريخ باسم «حروب الردّة» وأنّ الآية 54 من سورة المائدة ناظرة إلى هذه الحرب ، إلاّ أنّ الطبري ذكر في شأن نزول هذه الآية شيئاً لا علاقة له بزمان أبي بكر(3) ، والحقيقة أنّ هذه الحرب كانت ضدّ الممتنعين عن دفع


1 . الأنفال: 1.

2 . الإسراء : 26 .

3 . لاحظ : تفسير الطبري : 4 / 285 ـ 286 .


(102)

الزكاة ، وليس ضدّ فريق ينكر أصلاً من أُصول الدِّين .

نعم كان فريق منهم كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وسجاح كانوا من المرتدين، فلم تكن الحرب على نمط واحد.

ثانياً : من قال بأنّ عليّاً(عليه السلام) لم يُخرج القرآن الذي أملاه عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله)خوفاً من ارتداد الناس ؟ إنّ الشيعة يقولون عكس ذلك تماماً وأنّ عليّاً(عليه السلام)جمع قرآنه ورتّبه وفقاً لنزول آياته ثمّ عرضه على القوم فرفضوه ، وقالوا : «ما عندك عندنا» فاضطرّ لإبقائه محفوظاً عنده .

إنّ جامع الأسئلة لو كان من أهل العلم لما تكلّم بهذا الكلام ، فكيفيّة قرآن عليّ(عليه السلام) جاء مفصّلاً في كتابي تاريخ اليعقوبي ومصابيح الأنوار(1) ، حيث لا يوجد أيّ تفاوت بينه وبين القرآن الموجود بيننا إلاّ التقديم والتأخير في سوره ، ومعناه أنّ التفاوت في الترتيب فقط .


1 . تاريخ اليعقوبي : 2 / 135 ـ 136 طباعة بيروت ـ دار صادر ; الطبقات الكبرى : 2 / 338 ; الاستيعاب (القسم الثالث ): 976 ; مصابيح الأنوار لعبد الكريم الأشعري الشهرستاني : 1 / 125.


(103)

السؤال 31

لقد كان علي رجلاً شجاعاً ، فلماذا لم يطالب بحقه بعد رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولماذا لم يعترض على من سبقه من الخلفاء؟

الجواب : هذا السؤال هو تكرار للسؤال الثاني والخامس ، ولقد قلنا هناك أنّ عليّاً لم يبايع الخلفاء ، ولكنه لأجل حفظ الإسلام وهداية الخلفاء عمل معهم كمستشار ، ولقد أكّد بنفسه(عليه السلام) بأنّ حفظ الإسلام وحفظ وحدة الأُمّة أولى عنده من المطالبة بحقّه في الخلافة .

فقد كتب في رسالة لأبي موسى الأشعري جاء فيها : « . . . وليس رجلٌ أحرص على جماعة أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله) وأُلفتها منّي أبتغي بذلك حسن الثواب وكرم المآب . . .»(1) .

وأمّا دعوى عدم انتقاده للخلفاء فقد انتقد الخلفاء واحتجّ على خلافته بحديث الغدير وغيره ، إلاّ أنّه لم يكن من أصحاب الدُّنيا حتّى يقوم بحرق الأخضر واليابس من أجل المنصب والمقام ـ رغم أنّه على حقّ ـ فيتسبّب في تفرّق المسلمين وتزلزل أصل الإسلام .

ولنستمع إلى ما ذكر ابن قتيبة في «الإمامة والسياسة»: قال: ثم إنّ علياً


1 . نهج البلاغة ، الكتاب رقم : 78 .


(104)

أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول أنا عبدالله وأخو رسوله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحقُّ بهذا الأمر منكم لا أُبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، وإحتججتم عليهم بالقرابة من النبي، وتأخذونه منا أهل البيت غصباً، ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلَّموا إليكم الأمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، نحن أولى برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيّاً وميتاً فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلاّ فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون.

فقال له عمر: إنك لستَ متروكاً حتّى تبايع، فقال له علي: أُحلب حلباً لك شطره، وشدّ له اليوم يرده عليك غداً.

ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أُبايعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أُكرهك.

(ثم قال علي في جواب أبي عبيدة ابن الجراح): الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم، وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطّلع بأمر الرعية، الدافع عنهم الأُمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنّه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بُعداً.

فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك اثنان.


(105)

(ثم قال) قال علي: أفكنت أَدَعُ رسول الله في أهل بيته لم أدفنه، وأخرج أُنازع الناس سلطانه؟(1)

السؤال 32

إذا كان حديث الكساء هو الدليل على عصمة أربعة أشخاص من بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، فما هو الدليل على عصمة بقيّة الأئمّة ؟

الجواب : أوّلاً : لم يكن حديث الكساء هو الدليل الوحيد على عصمتهم(عليهم السلام) ، بل كانت آية التطهير هي الدليل على ذلك ، وأمّا اختصاص نزول هذه الآية بهؤلاء الأربعة الأطهار فهو ممّا لا كلام فيه ، حيث بلغت الروايات المتعلّقة بذلك حدّ التواتر .

ثانياً : أنّ عصمة سائر الأئمّة الآخرين ممّن يلي الأربعة الأوائل تثبت بواسطة الأئمّة الذين سبقوهم ، حيث قام الإمام السابق بالتصريح بإمامة الإمام اللاّحق ، ولأنّ الإمام السابق معصوم فإخباره عن إمامة الإمام اللاّحق يحفظ سلسلة العصمة ، وهذا طريق من طرق ثبوت العصمة للإمام(عليه السلام) ، بالرغم من وجود طرق أُخرى ذكرها العلماء في كتبهم المفصلة.


1 . الإمامة والسياسة: 18 و 29، ط . مصر.


(106)

السؤال 33

يذكر الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه «أولدني أبو بكر مرتين»، هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى ينقل عنه الشيعة أنّه ذمَّ أبا بكر ، فكيف يمكن الجمع بين هذين الخبرين المتناقضين ؟!

الجواب : انّ ما ورد في الكافي هو: أنّ أُمّ فروة أُمّ الصادق هي بنت القاسم بن محمّد ، وأُمّ أُمّ فروة هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ، بدون أن يكون هناك ذكر لتلك الجملة المدّعاة : (أولدني أبو بكر مرتين) والجملة سيقت لبيان نسب الإمام الصادق من دون أن يكون في مقام المدح أو الذم .

نعم روى صاحب كتاب عمدة الطالب تلك الجملة عن الإمام الصادق : «ولدني أبو بكر مرّتين»(1) دون أن يأتي لها بأيّ سند يُذكر ، فكيف يصح الاستدلال على مطلب كهذا بحديث مرسل ؟!

كما نقل الاربلي صاحب كشف الغمة عن العزيز الأخضر الجنابذي أنّه قال: قال جعفر : «ولدني أبو بكر مرّتين» .

فظهر من ذلك: أوّلاً : أنّ ناقل الحديث شخص من أهل السنّة وكلامه في مقام الاحتجاج على الشيعة ليس حجّة .


1 . عمدة الطالب : 195 ، طبعة النجف الأشرف .


(107)

ثانياً : على فرض حجّية كلامه تبقى الرواية مرسلة وبلا سند ، والحديث المرسل فاقد للحجّية ، وغير قابل للاحتجاج به ، فهل يمكن الاستدلال بحديث عديم السند على أصل عقائديّ ؟

فكيف يتمّ التعامي وغضّ الطرف عن تلك الحروب الدامية والتناحرات الطاحنة التي وقعت بعد السقيفة ؟

السؤال 34

لقد قام عمر بتحرير المسجد الأقصى ، ثمّ أعاد صلاح الدِّين الأيّوبي تحريره ، فماذا عند الشيعة من تحرير وفتوحات ؟

الجواب : لكي يكون جوابنا موافقاً لسؤاله ومنسجماً معه نقول : إنّه ذكر شخصين أولهما من السلف ، والآخر من الخلف وهو صلاح الدِّين الأيّوبي . ونحن الشيعة نذكر ما لسلفنا وخلفنا من الجهاد:

أمّا في تاريخ أسلافنا فيكفي أنّ معظم غزوات النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان على عاتق الإمام عليّ(عليه السلام) ، وحديث «لا فتى إلاّ عليّ ولا سيف إلاّ ذو الفقار» شاهدٌ على ذلك ، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في غزوة الخندق أنّ ضربة علي أفضل من عبادة الثقلين .

وأمّا في فتح خيبر فقد قال فيه النبيّ(صلى الله عليه وآله) : «لأعطين الراية لرجل يفتح الله على يديه ، كرّارٌ غير فرّار» وذلك بعدما أعطاها لرجلين معروفين رجع كلّ واحد منهما فارّاً خائباً يُجبّن أصحابهَ وأصحابهُ يجبّنونه .


(108)

إنّ تاريخ عليّ(عليه السلام) الحافل بالبطولات أعظم من أن تتضمّنه هذه السطور ، وعلاوةً على جهاده ضدّ المشركين في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقد قام بمواجهة ثلاث فرق أُخرى بعد تسلمه الخلافة وهم الناكثون والقاسطون والمارقون ، وهذه الحروب الثلاثة قد أخبره بها رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

ناهيك عن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) والتي أعادت الحياة للرسالة المحمّدية بعد أن حاول بنو أُميّة إخمادها وطمسها ـ وهم مثَلَكم الأعلى ـ وقد مارسوا كلّ أنواع الظلم والفساد . فولّدت روح الثورة والثورات المتوالية لدى الشيعة على الطواغيت على مدى التاريخ وقدّمت في ذلك السبيل آلاف الشهداء الأبرار .

هذان نموذجان لجهاد أئمّة الشيعة ، أمّا من جهاد الشيعة أنفسهم فيجدر التذكير بأنّ شيعة عليّ (عليه السلام) كانت لهم مشاركة فعّالة في الفتوحات الإسلاميّة ; فاليمنيّون بمختلف قبائلهم أمثال حمدان وكندة . . . كلّهم كانوا شيعة لعليّ(عليه السلام) ، وهو نفس السبب الذي جعل فريقاً منهم يهاجر إلى العراق لأجل المشاركة في الفتوحات ، فأبو أيّوب الأنصاري فاتح بلاد الروم وآسيا الصغرى ، هو مضيّف النبيّ(صلى الله عليه وآله)عندما قدِمَ مهاجراً إلى المدينة ، وهو من أخلص شيعة عليّ ، وقبره في مدينة اسطنبول يزوره المسلمون.

وكذلك محمّد بن أبي بكر الابن الروحي للإمام عليّ(عليه السلام) ; فقد ذهب إلى مصر بطلب من عليّ(عليه السلام) لأجل نشر الإسلام ، وقد استشهد هناك ، ثمّ خلفه مالك الأشتر على ولاية مصر ، إلاّ أنّ معاوية أرسل من يقتله في وسط الطريق فاستُشهد(رحمه الله) هناك وقبره يُزار إلى يومنا هذا .


(109)

وينبغي التذكير أنّ في عهد الخلفاء لم يكن هناك فصل بين الشيعة والسنّة  ، بل كان الجميع يشاركون في الفتوحات الإسلاميّة ، فالفتوحات في زمانهم لا تختصّ بالسنّة وحدهم .

هذا عن السلف ، أمّا عن الخلف فيكفي أن نعلم أنّ المرابطة (حراسة حدود دولة الإسلام) التي هي إحدى وظائف المسلمين الكبرى ، كانت في الغالب على عاتق الحكومات الشيعيّة ; فالحمدانيّون في الشام والفاطميّون في شمال إفريقيا والعلويّون في طبرستان والديلمان وجيلان ، كانوا جميعاً حرّاساً أُمناء لحدود الدولة الإسلاميّة ، ناهيك عن الدول الشيعيّة في الهند والتي لعبت دوراً كبيراً في مكافحة الوثنيّة ، واعتماد الدولة الإسلاميّة عليها في هذا المجال يحتاج إلى قراءة تاريخيّة مفصّلة وتمعّن .

وأبرز مثال على تلك المدن «أكبرآباد» الهندية التي كانت مركزاً للمدن الشيعيّة ، والراغبون في الاطّلاع على ما قدّم الشيعة للإسلام من جهاد وتضحيات عليهم مطالعة كتاب «جهاد الشيعة» للسيّدة الدكتورة «سميرة مختار الليثي» طباعة دار الجيل في لبنان .

ومن ألمع صفحات جهاد الشيعة للكفّار حرب الصفويّين في جنوب إيران ضدّ البرتغال ، وحرب الإيرانيّين ضدّ الروس والإنجليز في شمال إيران وجنوبها ، فعندما استعمر البرتغال مدينة «بندر عبّاس» وضعوا لها اسم «جمبرون» قام الشاه عبّاس الصفوي بقوّة إيمان الشيعة باسترجاعها وأعاد لها اسمها «بندر عبّاس» .


(110)

وجهاد «نادر شاه» ضدّ الوثنيّين الهنود والتي تعدّ من أعظم البطولات التي سجّلها الشيعة في الجهاد .

وأمّا في التاريخ الحديث وتحديداً في القرن الرابع عشر عندما تمّ استعمار الإنجليز للعراق قامت المرجعيّة الشيعيّة بزعامة آية الله محمّد تقي الشيرازي بتطهير العراق من براثن الاستعمار البريطاني فيما يُعرف بثورة العشرين (سنة 1920م) وأعاد بذلك استقلال العراق وحرّيته .

وفي السنوات الأخيرة قام شيعة لبنان بإلحاق ضربة قاسية بإسرائيل تمثّلت في دحر العدوّ الصهيوني الذي وصل إلى مشارف العاصمة بيروت وإرجاعه خائباً خاسئاً ، وذلك ما لم يحدث لإسرائيل في تاريخها مع العرب .

وقد قدّمت الشيعة في لبنان أسمى التضحيات في الحرب الموسومة بحرب الـ 33 يوماً، في سنة 2006 م حيث أظهرت المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله أروع البطولات، وألبست الصهاينة ثوب الذلّ الّذي لا مثيل له في تاريخهم ولم يقدم العالم الإسلامي شيئاً في مناصرتهم بل بخل بعض السلفيين ـ من زملاء جامع هذه الأسئلة ـ حتّى بالدعاء لنصرتهم بحجة أنهم شيعة. فالصهاينة عندهم أعز وأفضل ممن يشهد بـ «لا إله إلاّ الله وان محمداً رسول الله» ويصلي إلى القبلة ويحجّ بيت الله الحرام.

نحن هنا عرضنا النزر القليل من جهاد الشيعة بشكل موجز ومقتضب ، والحقيقة التي غفل عنها جامع الأسئلة أنّه تصوّر بأنّ الجهاد منحصر في الجهاد العسكري وغفل عن عظمة الجهاد العلمي والثقافي ودورهما البالغ ، ولولا وجود جهاد الفكر والقلم لما كان هناك أثرٌ يُذكر للجهاد في ميادين


(111)

القتال ، لأنّ جهاد الفكر والقلم هو الصانع للمجاهدين والمستميتين ، فقد نقل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)قوله : «ثلاثة تخرق الحُجب وتنتهي إلى ما بين يديّ الله : صرير أقلام العلماء، ووطء أقدام المجاهدين، وصوت مغازل المحصنات».(1)

وقال أيضاً : «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند إمام جائر» .

لقد ذاق علماء الشيعة ألوان القتل والتنكيل على أيدي الحكّام الظالمين بسبب إظهارهم للحقّ ودفاعهم عن الإسلام(2) ، في الوقت الذي كان أصحاب المذاهب والفرق الإسلاميّة الأُخرى تربطهم علاقات حسنة ومتميّزة ـ حبّاً للدُّنيا ـ مع أُولئك الحكّام من الأمويّين والعبّاسيّين وما تلاهم ، وكانوا في منتهى الخدمة والتعاون معهم ، باستثناء القليل منهم الذين يعدّون على أصابع اليد .

وهذه حقيقةٌ ناصعة وهي من مفاخر الشيعة ; إذ أنّهم على طول التاريخ كانوا مناهضين للسلطات الجائرة على عكس السنّة ووعّاظهم .

وعلى كلّ حال فإنّ الشيعة يفتخرون بأنّهم تمكّنوا بجهادهم الفكري والثقافي من نشر الإسلام المحمّدي الأصيل وتعاليم أهل البيت(عليهم السلام)الذين هم عِدل القرآن ، وتنقيته من الأفكار الهدّامة الدخيلة على الإسلام كالوهابيّة والسلفيّة .


1 . الشهاب في الحكم والآداب : 22 .

2 . اقرأ في هذا الصدد كتاب «شهداء الفضيلة» ، تأليف العلاّمة الأميني .


(112)

السؤال 35

عندما أراد عمر بن الخطّاب استلام مفاتيح بيت المقدس ، ترك عليّاً على المدينة كخليفة له حتّى يرجع. وهذا يدل على موالاة عمر لعلي.

الجواب : هذه الحادثة ذكرها ابن كثير في تاريخه (1) عن سيف بن عمر ، وهو ممّن اشتهر بالكذب والوضع في تاريخ الإسلام ، فقد ضعّفه جميع مؤلِّفي كتب الرجال ، فكيف يستدلّ صاحب الأسئلة على ما يدّعي بخبر باطل السند ؟(2)

السؤال 36

يرى علماء الشيعة أنّ أعضاء السجود في الصلاة ثمانية وهي ; الجبهة والأنف والكفين والركبتين والقدمين، وهذه الأعضاء يجب أن تلامس الأرض حال السجود، ثم يقولون بوجوب السجود على ما لا يؤكل ولا يلبس ولذا يضعون التربة تحت جباههم فلماذا لا يضع الشيعة تربة تحت كل عضو من أعضاء السجود ؟

الجواب: ان حقيقة السجود عبارة عن وضع الجبهة على الأرض وأمّا


1 . البداية والنهاية : 7 / 65 .

2 . تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني : 4 / 259، برقم 517 .


(113)

وضع سائر الأعضاء فخارج عن حقيقة السجود، وإن كانت شرطاً في صحته، فلزوم الملاصقة بالأرض تختص بالجبهة لا كل عضو من أعضاء البدن، وهذا واضح لمن يراجع روايات هذا الباب.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ السجود خضوع لله عزوجل فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عزوجل فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها» (1).

السؤال 37

يقول الشيعة إنّ المهدي(عليه السلام) عندما يظهر ، سوف يحكم بحكم آل داود(عليه السلام) ، فأين شريعة محمّد(صلى الله عليه وآله)الناسخة للشرائع السابقة؟

الجواب : ان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قد رسم للأُمّة طريقين في القضاء، طريق الأيمان والبينات وطريق حكم القاضي بعلمه، والشاهد على ذلك ما جاء في مصادر أهل السنة الفقهية .

ومن حسن الحظّ فإنّ هذا الأمر لم يقتصر على الشيعة فحسب ، بل إنّ فريقاً من فقهاء أهل السنّة يعتقدون بإمكانيّة عمل القاضي بعلمه في بعض الموارد .


1 . لاحظ: وسائل الشيعة: 3، الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث 1، ولاحظ سائر أحاديث هذا الباب.


(114)

يقول الربيع : مذهب الشافعي على أنّ للقاضي العمل بعلمه ، وإذا توقّف في هذه الفتوى فهو بسبب فساد جهاز القضاء ، وكذلك أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة والمُزني من أتباع الشافعي يفتيان طبقاً لهذا الرأي ، حتّى أنّهم ذكروا : أنّ الشافعي في كتاب «الأُمّ» وفي «الرسالة» يصرّح بهذه المسألة في حجّية الأُصول .

يقول أبو حنيفة ومحمّد بن الحسن الشيباني : حتّى وإن كان علمه بالحادثة قبل تعيينه على القضاء ، يمكن للقاضي أن يعتمد على علمه ذاك ويحكم وفقاً له ويكون حكمه نافذاً.(1)

وبعد ان رسم النبي الطريق الصحيح للقضاء اعتمد (صلى الله عليه وآله وسلم)طريق الإيمان والبينات لظروف خاصة لعل من ضمنها كونه في المرحلة التأسيسية ولم تبسط يده كل البسط.

اما في عصر الإمام الحجة (عج) فلعل الظروف تتغيّر ويكون القضاء أكثر تعقيداً وهو ما نشاهده في عصرنا الراهن كيف يقوم سلك المحاماة بعملية ابطال الحق واحقاق الباطل. وهذا ما يؤدي إلى عدم تحقق العدالة التي ادخر من أجلها الإمام المهدي (عج). فحينئذ يرجع الأمراء لاعتماد طريق الحكم بعلمه وهي في حقيقتها سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وإن نسبت إلى داود (عليه السلام)من باب كونه قد اعتمدها فعلاً في زمانه.


1 . الخلاف للشيخ الطوسي: 6 / 242، كتاب القضاء ، المسألة 41 ، ولاحظ هذه المسألة في «المغني» لابن قدامة : 10 / 140 ـ 141 .


(115)

وهناك روايات كثيرة تؤكد ان الإمام الحجة (عليه السلام)إنّما يظهر لاقامة العدل وفقاً لسنة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)حاول صاحب الاسئلة اغفالها لانها لا تنسجم من هدفه من طرح السؤال .

فلا يتصور أحدٌ أنّ عمل القاضي بعلمه هو ترك للشريعة الإسلاميّة وعملٌ بشريعة منسوخة ، وإنّ مشكلتنا مع جامع الأسئلة هذا أنّه جاهلٌ بالعلوم الشرعيّة ، وإلاّ لكان لنا معه حديثٌ آخر .

السؤال 38

لماذا يقوم المهدي(عليه السلام) بعقد الصلح والسلم مع اليهود والنصارى ، بينما يقوم بقتل العرب والقرشيّين عند ظهوره ؟

الجواب : ما ذكره ليس سوى بهتان كبير، فالمهدي لا يعقد صلحاً مع اليهود كما يدّعي السائل ولا يقاتل العرب وقريشاً، إنّما يقوم بإقامة حكومة إسلاميّة عالميّة قوامها العدل والقسط ، ويبثّ الحياة من جديد في جسد الإسلام الحقيقي الذي جاء به جدّه العظيم(صلى الله عليه وآله) ، هذا الإسلام الذي أُلصقت به البدع عبر الزمن وغطت وجهه الاختلافاتُ.

وكلّ ما في الأمر أنّه عند ظهوره(عليه السلام) يلتفّ حوله فريقٌ من اليهود والنصارى من ذوي النفوس الطاهرة ، ويخالفه فريقٌ من العرب المتظاهرين بالإسلام ، فيقوم بمصالحة الفريق الأوّل ويجاهد الفريق الثاني ، إذاً عمله(عليه السلام)


(116)

يشابه عمل جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) في مكّة ، حيث خالفه بعض قومه وعشيرته ، وناصره البعض الآخر من أهل الكتاب من اليهود والنصارى .

فالمسألة ليست مسألة كلّية بحيث يناصره كلّ أهل الكتاب ويخذله كلّ العرب ، بل المسألة تعود إلى الفطرة الإنسانيّة ، فكلّ من كانت فطرته سليمة اتّبعه(عليه السلام) ولو كان يهوديّاً أو نصرانيّاً ، ومَنْ كانت فطرته سيّئة خرج عليه وحاربه ولو كان عربيّاً قرشيّاً .

ولو تمعّن جامع الأسئلة في الروايات الواردة حول المهدي (عليه السلام)يتّضح له أنّ مسألة ظهوره (عليه السلام) هي حادثة طبيعيّة ، فكم من أشخاص يُعتبرون من أصحابه وخواصّه ، ثمّ ينقلبون عليه ويخالفونه عندما تتعرّض مصالحهم للخطر ، وكم من أشخاص في غاية البُعد عنه ، يصبحون من خواصّه ومقرّبيه ، فأبو سفيان وأبو جهل وأبو لهب والحكم بن العاص من أقارب النبيّ(صلى الله عليه وآله)وأهله وعشيرته ، فإذا بهم أوّل من أخرجه من مكّة وحاربه ، أمّا صُهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي الذين كانوا ينتمون لأقوام بعيدة ، فقد أصبحوا من خلّص أصحابه وأتباعه .


(117)

السؤال 39

يعتقد الشيعة أنّ الأئمّة تحملهم أُمّهاتهم في الجنب ، ويولدون من الفخذ الأيمن .

أليس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)هو أفضل الأنبياء وأشرف البشر حمل في بطن أُمه وخرج من رحمها؟

الجواب : أوّل كذبة في هذا السؤال هي قوله «يعتقد الشيعة» والحال أنّ هذا الكلام ليس من اعتقادات الشيعة ، وكلّ ما في الأمر أنّه جاء ذلك في رواية، وأنّ ما ادّعاه من أنّ ذلك أخذه من كتاب «إثبات الوصيّة» للمسعودي فإنّه لا وجود له في الصفحة التي ذكرها (1)، وكلّ ما ذكر هو هذه الجملة «وكانت ولادته على صفة ولادة آبائه ، ونشأ منشأهم» ، والمقصود منها أنّ الإمام الرضا(عليه السلام) وُلد وترعرع في محيط بيئة إيمانية طاهرة، ولا تدلّ تلك الجملة على كيفية ولادته (عليه السلام) كما ادّعاه الناقل ، كما حصل مع آبائه الكرام(عليهم السلام) .

وحتّى على فرض وجود تلك الجملة المذكورة في هذا الكتاب أو غيره، فهل يكون كلّ ما ذُكر في كتاب أو رسالة هو من معتقدات الشيعة  ؟!

إنّ عقيدة الشيعة تقوم على أساس كتاب الله والسنّة القطعيّة للنبيّ(صلى الله عليه وآله)وروايات الأئمّة المتواترة ، وليست قائمة على روايات مجهولة وغريبة .


1 . ذكر المؤلف أنّه أخذه عن: إثبات الوصيّة للمسعودي: 196 .


(118)

إنّ جامع الأسئلة يقارن ما عندنا من عقائد على طبق مبانيه هو ، لأنّ مذهبه قائم على الاعتماد على حجّية خبر الواحد في العقائد ، وهذا ما لا يعمل به الشيعة الإماميّة بل ينكرونه بشدّة .

السؤال 40

يروي الشيعة عن أبي عبدالله ـ جعفر الصادق ـ أنّه قال : «صاحب هذا الأمر رجلٌ لا يسمّيه باسمه إلاّ كافر . . .» .

ويروون عن أبي محمّد الحسن العسكري أنّه قال لأُمّ المهدي «ستحملين ذكراً واسمه م ح م د وهو القائم من بعدي . . .» . أليس هذا من التناقض ؟ مرّة تقولون : مَن ناداه باسمه فهو كافر ، ومرّة تقولون بأنّ الحسن العسكري سمّاه م ح م د ؟!

الجواب: أي تعارض بين الروايتين؟! فالأُولى تتضمن أنّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)قد ذكر اسم الإمام المهدي (عجل الله فرجه) لأُمّه فقط.

وأمّا الرواية الثانية فهي تتضمن منع ذكر اسمه (عجل الله فرجه) لسائر الناس.

وبعبارة أُخرى: أنّ الرواية الأُخرى بحكم التخصيص للرواية الأُولى، ولا يمكن قياس الآخرين بالأُم، لأنّ الأُم من حقّها الاطّلاع على اسم ولدها، بخلاف الناس الآخرين .


(119)

إذ تسميته (عليه السلام)باسمه سيكون ذريعة بيد العباسيين للبحث عنه والعثور عليه وقتله، من خلال متابعة من يذكر اسمه، ولذلك نرى أنّ الإمام (عليه السلام)قال من يذكر اسمه فهو كافر لأنّه يعرض الإمام للقتل والهلاك.

السؤال 41

كان عبدالله بن جعفر الصادق (عليه السلام)شقيقاً لإسماعيل، وأُمّهما هي: فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).(1)

فهما سيدان حسينيان من الطرفين، فلماذا حُرم السيد عبدالله بن جعفر الإمامة بعد شقيقه إسماعيل الذي مات في حياة والده؟!

الجواب: انّ جامع الأسئلة ـ على عادته ـ يصدر عن غير علم بمعتقدات الشيعة وأُصولهم فإنّ الإمامة كالنبوة منصب إلهي تتعيّن بأمر من الله سبحانه لا بانتخاب الأُمّة ولا برأي الشيعة، وقد ثبت بتنصيص الإمام الصادق (عليه السلام)أنّ الإمام بعده هو ابنه موسى الكاظم (عليه السلام)ولم يكن القول بإمامته إبعاد عبدالله عن منصب الإمامة، إذ أنّه لم يكن منصوباً لها.

وبالجملة إنّ إمامة كل إمام إنّما تتم بتنصيص الإمام السابق على اللاحق، ولذلك التفّت الشيعة حول الإمام الكاظم دون عبدالله. نعم اشتبه


1 . كذا ورد السؤال في أصل الكتاب.


(120)

الأمر على البعض وظنّوا أنّ الإمام دائماً هو أكبر أولاد الإمام السابق، ثم تبيّن لهم ضعف تصوّرهم.

السؤال 42

ينقل عن الكليني رواية مفادها كراهية لبس السواد، باستثناء ثلاثة أشياء: الخف والعمامة والكساء ، ثمّ يقول بعد صفحة ونصف من ذلك : لماذا يلبس الشيعة اللّباس الأسود إذن ؟ ولماذا جعلوا اللّون الأسود مختصّاً بالسادة ؟

الجواب : عجباً ، يريد جامع هذه الأسئلة أن يبيّن عقائد الشيعة في حين نجده قد تطرق إلى الأعمال والسلوكيّات إلى أن وصل إلى المكروهات ، ولنفرض أنّ لبس الأسود مكروه ، فهل ارتكاب المكروه حرام ؟ فكم من مورد يكون فيه ارتكاب المكروه راجحاً .

وإليك توضيح الأمر فنقول:

إنّ الروايات الناهية عن لبس السواد (رغم أنّها لم تحرّمه بل قالت بكراهته فقط) ناظرة إلى منَ يختار السواد لباساً دائماً له، وليست ناظرة إلى من يرتديه بشكل مؤقّت وفي بعض الأحيان ، مثل أيّام الحزن والمصيبة ، فاللباس المخصّص لأيّام العزاء يكون فقط في تلك الأيّام ، وعندما تنقضي يرجع الناس إلى ثيابهم المعتادة.

والحقيقة أنّ اتّخاذ اللّباس الأسود كعلامة على الحزن والمصيبة ليس


(121)

أمراً مختصّاً بالشيعة ، بل هو أمر يشترك فيه كثير من الأُمم والشعوب المتقدّمة، كما جاء ذلك في دائرة المعارف للبستاني . وقد جاءت في الأدب العربي أشعار كثيرة تدلّ على أنّ لبس السواد أيّام الحزن والمصيبة كان أمراً مشهوراً ومعروفاً بين الناس ، بحيث صار تقليداً عالميّاً ، وهناك شواهد تاريخيّة كثيرة على ذلك ، فإذا كان الشيعة يلبسون الملابس السوداء في أيّام العزاء فإنّهم بذلك يتّبعون تقليداً عالميّاً لم ينهَ عنه الإسلام .

وخلاصة الكلام : أنّ الشيعة ليسوا من هواة لبس السواد الدائم ، بحيث يكون 300 مليون شيعي في العالم كلّهم يلبسون السواد بشكل دائم ومستمرّ ، نعم هم يلبسون السواد في أيّام محدودة وأوقات معيّنة وهي أيّام شهادة أهل البيت(عليهم السلام)حزناً عليهم وعملاً بقول أمير المؤمنين(عليه السلام) : «شيعتنا من شاركنا في فرحنا وحزننا»(1) .

وإلى يومنا هذا وفي جُلّ أنحاء العالم ، إنّ لبس السواد هو مظهر من مظاهر الحزن والعزاء ، وهو أمرٌ ليس له علاقة بالدِّين والشريعة ، بل هو من العادات والتقاليد الخاصّة بالأُمم والشعوب ، وأسفنا هنا على جامع الأسئلة الذي لا يفرّق بين ما هو من العادات والتقاليد وبين ما هو من العبادات والشرايع!

أمّا الجواب عن الشقّ الثاني من السؤال ، فإنّه يجدر التذكير أنّ بعض السادة يلبسون عمامة سوداء ، وقد استثنيت العمامة السوداء في الروايات ، الّتي نقل هو واحدة منها في متن سؤاله.


1 . بحار الأنوار : 4 / 287 .


(122)

السؤال 43

ينقسم الشيعة إلى عدّة فرق : الإماميّة ، الإسماعيليّة ، النصيريّة ، الزيديّة ، الدروز . فعندما يريد الشخص أن يصبح شيعيّاً ، فأيّ من هذه الفرق يجب عليه أن يختار ؟

الجواب : لو أراد شخص أن يختار المذهب السنّي ـ فأية فرقة يختار من بين هذه الفرق ; أهل الحديث ، الأشاعرة ، المعتزلة ، الماتريدية ، الظاهريّة، السلفية . . .؟

هذا عقائديّاً ، وأمّا فقهيّاً فقد انقسموا إلى المالكيّة ، والشافعيّة ، والحنفيّة والحنبليّة و . . . فأيّاً من هذه المذاهب يختار ؟

وجوابك عن سؤالنا هوجوابنا عن سؤالك أنت.

ثم نقول: إنّ كلّ شخص يريد أن يصبح شيعيّاً عليه أن يقرأ ما جاء في كتب هذه الفرق والمذاهب ، وعندها سيجد الحقيقة حتماً .

وعلى أيّ حال فإنّ هذه الفرق والمذاهب تشترك في أُمور كثيرة ، والتفريق بين المتمايزات عن المشتركات ليس أمراً صعباً ، والتحقيق فيها أمرٌ سهل ويسير ، والتقليد الأعمى في العقائد أمرٌ غير جائز عند الشيعة .


(123)

السؤال 44

عندما يريد الشيعة إثبات إمامة الاثني عشر فانهم يستدلون بحديث الكساء.

وقد ذكرت فاطمة في حديث الكساء ولكن الشيعة لا يعدّونها ضمن أئمتهم؟

الجواب: إنّ ما نسبه إلى الشيعة فرية بلا مرية، وحديث الكساء هو من فضائل أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وكذلك فاطمة (عليها السلام)وهو ليس من أدلتهم على الإمامة. إذ أن الإمامة تثبت عندهم بالنص، وهو مختص بالأئمة دون أُمّهم فاطمة الزهراء وإن كان لها مقام سام عند صاحب الشريعة.

السؤال 45

يزعم الشيعة أن من شروط الإمام التكليف، وهو البلوغ والعقل، ولكن إمامة الإمام الغائب قد ثبتت له وهو ابن خمس سنوات، فكيف يقول الشيعة بإمامته ؟

الجواب: يجب الالتفات إلى أنّه صحيح أنّ مرحلة نضوج عقل الإنسان وجسمه تتم عبر فترة زمنية معينة، ولكن ما المانع في أن يجعل الله القادر الحكيم تلك الفترة اللازمة لاتمام مرحلة النضج قصيرة وذلك لحكمة


(124)

ومصلحة يعلمها سبحانه. كما أنّ إمامة المهدي (عجل الله فرجه) في صغر سنه ليس من مختصاته فقط، فقد تقلد الإمام الجواد (عليه السلام)الإمامة وهو ابن تسع سنين وكذا الإمام الهادي (عليه السلام)كان عمره ثماني سنوات حين تقلّد للإمامة، وهذا أمر ليس ببعيد عن فضله سبحانه في أن يعطي سبحانه الصبي الصغير مؤهلات تمكّنه من قيادة الأُمّة، وهذا هو القرآن الكريم قد ذكر أنّه سبحانه قد أعطى النبوة للمسيح وهو بعدُ طفل في مهده.

قال سبحانه: (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا )(1).

كما أنّه سبحانه قلّد يحيى النبوة وهو صبي قال سبحانه: ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة وَ آتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)(2).

السؤال 46

هل نزلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله) كتب أُخرى غير القرآن اختص بها عليُّ؟ وإن قلتم لا، فما هو المراد من الجامعة ، وصحيفة الناموس، والصحيفة العبيطة ، وصحيفة ذؤابة السيف ، صحيفة عليّ ، والجفر ، ومصحف فاطمة ، ونُسخ من التوراة والإنجيل والزبور ، وكلّها يحتفظ بها أئمّة الشيعة ؟

الجواب : خلّف النبيّ(صلى الله عليه وآله)بعد وفاته مصدرين مهمّين هما:


1 . مريم: 29 ـ 30 .

2 . مريم: 12.


(125)

كتاب الله المجيد وسنته (صلى الله عليه وآله وسلم)الشريفة.

وهذان المصدران هما الركيزتان الأساسيّتان اللّتان يقوم عليهما الإسلام ، أمّا أحاديث الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) فهي انعكاس لما جاء في القرآن الكريم وسنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، كيف لا وكلّ ما يقولونه قد نقلوه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)فهم أعدال القرآن وشُرّاحه والثقل الأصغر كما جاء في حديث الثقلين الذي نقله مسلم في صحيحه . فوجودهم(عليهم السلام) ضمانٌ لحفظ السنّة النبويّة المطهّرة من أيدي العابثين ، وأمّا ما أشار إليه من الكتب فإنّ قسماً كبيراً منها، أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّتي كتبها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)وورثه أولاده، والإمام علي (عليه السلام)كان هوالرجل المقدام في ضبط أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عمل بما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يأمر بكتابتها في أغلب الأحيان ، ولنأخذ نماذج على ذلك :

1 ـ ألقى النبيّ(صلى الله عليه وآله) خطبة بعد فتح مكّة وعندما أتمّها ، جاءه رجلٌ من أهل اليمن فقال : اكتب لي يارسول الله ، فقال : «اكتبوا لأبي فلان»،(1) يعني هذه الخطبة .

2 ـ وفي آخر أيّام حياته الشريفة قال : «إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده . .» فقال عمر : إنّ النبيّ غلبه الوجع.(2)

3 ـ «كان رجلٌ من الأنصار يجلس إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيسمع من النبيّ(صلى الله عليه وآله)الحديث فيعجبه ولا يحفظه ، فشكا ذلك إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فقال :


1 . صحيح البخاري: 1 / 36  ، الحديث 112 من كتاب العلم، وج 8 / 38 كتاب الدّيات.

2 . صحيح البخاري: 1 / 37 ، الحديث 114 من كتاب العلم، و4 / 31 و 66 و 85  .


(126)

يارسول الله إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «استعن بيمينك» وأومأ بيده الخط .(1)

وقد أمر القرآن الكريم المسلمين بالكتابة عن المداينة (وهي أطول آية في القرآن) في سورة البقرة / الآية 282 ، فهل الكتابة عن المداينة تكتب وتُدوّن ، وأحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) التي هي عِدل القرآن لا تستحقّ الكتابة ، وبالتالي لا تستحقّ تلك المكانة الكبيرة من العناية والاهتمام ؟!

إنّ تلك المكانة والأهمّية التي تحظى بها سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) هي التي جعلت عليّاً وأبناءه(عليهم السلام) يحفظون أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أيّام حياته ويشدّدون في المحافظة عليها أكثر بعد وفاته(صلى الله عليه وآله) ، وفي هذا السياق يقول عليّ(عليه السلام) : «كنت إذا سألت رسول الله أعطاني ، وإذا سكتُّ ابتدأني»(2) .

لذلك فإنّ كتب عليّ(عليه السلام) عبارة عن أحاديث سمعها من فم رسول الله الشريف وحفظها عنه ، وهذه الكتب حفظت عند أبنائه بعناوين مختلفة ، حيث إنّ الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) كانا يفتيان اعتماداً على تلك الكتب ، في بعض الأوقات.(3)

ولم يكن اهتمام الإمام عليّ(عليه السلام) بكتابة أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) وحفظها فقط ، بل هو أوّل من كتب القرآن ، بحيث استمرّ على كتابته طيلة فترة نزوله وهي


1 . سنن الترمذي: 4 / 146، برقم 2804 ; تحفة الأحوذي: 7 / 357 ; كنز العمال: 10 / 245، برقم 29305.

2 . الطبقات الكبرى لابن سعد : 2 / 383 ; سنن الترمذي : 5 / 237، برقم 3733 .

3 . وسائل الشيعة : 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .


(127)

ثلاث وعشرون سنة ، كيف لا وهو القائل : «والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى مَنْ نزلت ، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً طلقاً».(1)

وقال أيضاً : «سلوني عن كتاب الله فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل».(2)

لذلك فإنّ الكتب المذكورة أغلبها هي أحاديث للنبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وليست كتباً سماوية يلصقها الشيعة بأئمتهم كما هو المتبادر من لحن السائل ؟ وأمّا مصحف فاطمة فقد مرّ الكلام فيه في جواب سابق.(3)

وقد ذكر البخاري أسماء بعض هذه الكتب في صحيحه في باب كتابة العلم(4) .

والعجيب هنا هو أنّ صاحب الأسئلة اعتقد أنّه وجد ثغرة في عقائد الشيعة على الرغم من كونها على العكس من ذلك تماماً ، فهي تعبّر عن اهتمام الأئمة(عليهم السلام)بسنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) . والكتب التي أورد أسماءها على الرغم من كون أكثرها يشير إلى كتاب واحد وعناوين له فهي واضحة في دلالتها على اهتمام أهل البيت(عليهم السلام)بالثقافة الإسلاميّة والعلوم النبويّة .

ونحن لا نلوم هذا الشخص الذي أظهر هذا العمل الثقافي الكبير


1 . الطبقات الكبرى لابن سعد : 2 / 338 ; كنز العمّال : 13 / 128 .

2 . المصدر السابق .

3 . لاحظ جواب السؤال رقم 9.

4 . صحيح البخاري: 1 / 21 ، باب كتابة العلم ، الحديث 1 .


(128)

بصورة سلبيّة ، لأنّ الخلفاء أنفسهم منعوا كتابة الحديث النبويّ بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ; فهذه عائشة تقول : جمع أبي الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكانت خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلّب كثيراً ، قالت : فغمّني فقلت: أتتقلّب لشكوى أو لشيء بلغك ؟ فلمّا أصبح قال : أي بنيّة هلمّي الأحاديث التي عندك ، فجئته بها فدعا بنار فحرقها.(1)

وعندما ارتقى عمر بن الخطّاب منصب الخلافة، كتب إلى جميع عمّاله رسائل ، قال لهم فيها : من كتب شيئاً فليمحه.(2)

وبسبب هذه الرسائل منع حفظ حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، واُعتبرت كتابة الأحاديث مسألة تهدّد أمن الدولة يومذاك .

ولكن حينما ولي الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (99 ـ 101 هـ) أحسّ بأنّ ترك كتابة أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد يتسبّب في ضياع العلوم النبويّة ، فقام بكتابة رسالة إلى «أبي بكر بن حزم» عالم المدينة آنذاك، طالباً منه كتابة أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقال: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه فإنّي خفت دُرُوس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله)، ولتُفشوا العلم ولتجلسوا حتّى يُعلَّم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يَهلُك حتّى يكون سرّاً.(3)

ومع ذلك لم يؤثر هذا العمل في إزالة رواسب المنع السابق فضاع الكثير من الأحاديث ، واستمرّ الوضع على تلك الحال إلى أن جاء زمن


1 . تذكرة الحفّاظ للذهبي : 1 / 5  .

2 . مسند أحمد : 3 / 13 و 15 .

3 . صحيح البخاري: 1 / 33 ، باب كيف يقبض العلم ، الحديث 4 .


(129)

المنصور الدوانيقي سنة 143 هـ ، أي بعد قرن ونصف من الزمن ، حيث أُعيدت كتابة الحديث بشكل رسمي.(1)

ومن المسلّم به أنّ منع تدوين الحديث لمدّة تقارب القرن والنصف من الزمن ، والاعتقاد بأنّ ذكر الحديث وكتابته وحفظه هو أمرٌ مخالف لمصلحة الدولة وأمنها ، أمرٌ تترتّب عليه نتائج وخيمة ، نتركها لصاحب الأسئلة ليُجيب عنها! .

ففي هذه المدّة ـ مدّة تدوين الحديث ـ كم استفاد تجّار الحديث من الوضع والكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخلط الغثّ بالسمين .

وأيضاً الأمر الآخر المُثير للعجب والدهشة هو محاولة جامع الأسئلة استغلال مسألة اطّلاع الأئمّة(عليهم السلام) على كتب التوراة والإنجيل وعلمهم بهما ، حيث اعتبرها أمراً سلبياً يُحسب على الشيعة مدّعياً أنّ الإسلام له كتابٌ واحد فقط وهو القرآن الكريم . . .

نعم ، الإسلام له كتاب واحد فقط وهو القرآن الكريم ، ولكن هذا لا يمنع من امتثال أمر الله تعالى بتصديق جميع الأنبياء السابقين والإيمان بكتبهم . قال الله تعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(2) .


1 . تاريخ الخلفاء : 261 .

2 . البقرة : 285 .


(130)

إنّ اطّلاع الأئمّة(عليهم السلام) على الكتب السماويّة الأُخرى ، أدى إلى انتصار الإسلام والمسلمين على علماء أهل الكتاب ـ إن كنت جاهلاً يا جامع الأسئلة ـ والسبب هو أنّ كتبهم قد ورد فيها ذكر اسم النبيّ الأكرم محمّد(صلى الله عليه وآله)وذِكر أوصافه ، لذلك جاء في قوله تعالى : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ . . .)(1) . وتفصيل ذلك واضح في مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام)مع علماء أهل الكتاب لمَن أراد مزيد اطلاع.(2)

السؤال 47

لماذا لم يلطم النبيّ(صلى الله عليه وآله) عندما مات ولده إبراهيم ؟ ولماذا لم يلطم علي (عليه السلام)عندما توفيت فاطمة (عليها السلام).

الجواب : تكرر هذا السؤالٌ وقد أجبنا عنه في السؤال الحادي عشر ، حيث أثبتنا هناك أنّ البكاء كان مباحاً، بل صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والصحابة، وأمّا طريقة التعبير عن الحزن فليس من الضروري أن تكون واحدة، بل كل إنسان يعبّر عن ذلك بالنحوالّذي يرتضيه.


1 . البقرة : 146 .

2 . لاحظ : الاحتجاج للطبرسي : 3 / 401 ـ 422 ، باب مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام); وكتاب تحف العقول حيث أورد «الحرّاني» نماذج من علم الأئمّة بزبور داود وصحف إبراهيم والتوراة .


(131)

السؤال 48

كثير من علماء الشيعة في إيران لا يعرفون اللغة العربيّة، فكيف يستنبطون الأحكام من كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)مع العلم أنّ المعرفة بالعربية هي أحد ضرورات العالم.

الجواب : لنسأل أوّلاً جامع الأسئلة هل أنّه زار إيران وطاف حولها وفهم ما يجري فيها ، وتيقّن بأنّ علماء الشيعة لا يعرفون اللّغة العربيّة؟ هل اطّلع على البرامج الدراسيّة للحوزات العلميّة والكتب الدراسيّة المنتشرة فيها باللغة العربيّة ، وهل زار المكتبات الموجودة هناك وهي تضم آلاف الكتب والمجلاّت في مختلف المجالات الفقهيّة والأُصوليّة والحديثيّة والتأريخيّة أكثرها مدوّن باللغة العربيّة .

ثم إنّ ما أثاره السائل يصدق على علماء أهل السنّة الموجودين في غرب وشرق إيران حيث هناك حوزات سنّية تدار من قبلهم .

أضف إلى ذلك: إنّا لو رجعنا إلى أعمدة المذهب السنّي نراهم من غير العرب فعلى سبيل المثال أنّ أبا حنيفة والشافعي ومالك هم من الفرس.

كما أنّ أغلب أصحاب الصحاح هم من غير العرب، نذكر منهم:

أ. البخاري: محمد بن إسماعيل بن اباهيم صاحب «الصحيح» الشهير.

ب. الترمذي:، ابن عيسى بن سورة الضرير تلميذ البخاري.


(132)

ج. محمد بن يزيد بن ماجة مولى ربيعة، صاحب السنن.

د. أحمد بن علي بن شعيب النسائي، نسبة لمدينة «نسا» بخراسان، وهو صاحب السنن.

هـ . السجستاني سليمان بن الأشعث بن إسحاق، وينسب إلى سجستان وهي بلدة قرب هراة، وقد نسب إلى الأزد ولم ينصوا على أن النسبة بالأصل أم بالولاء .

كما إن معظم رواة الأحكام والأخبار، ومعظم الفقهاء والمفسرين هم من الفرس ومنهم على سبيل المثال: مجاهد، عطاء بن أبي رباح، عكرمة، سعيد بن جبير، الليث بن سعد، مكحول، محمد بن سيرين، الحاكم صاحب المستدرك، عاصم، وعبدالحق الدهلوي، عبدالحكيم القندهاري، عبدالحميد الخسروشاهي، عبدالرحمن العضد الايجي، عبدالرحمن الجامي، عبدالرحمن الكرماني، شيخي زاده، أحمد بن عامر المروزي، سهل بن محمد السجستاني .

ولو رمت أن أمشي معك على هذا الخط فسنصل إلى نسب عالية جداً من الناحية الكمية من نسبة العلماء والمؤرخين والمفسرين من الفرس، ذلك إن الفكر السني بكل أبعاده مدين للفرس ومصبوغ بالفارسية، وحتّى أنّ مؤسس الوهابية (أعني محمد عبدالوهاب) تربى ونشأ وتثقّف على أيدي الفرس وكان تربيته وثقافته بين كردستان وهمدان وأصفهان وقم كما نص على ذلك أحمد أمين .(1)


1 . انظر: زعماء الإصلاح في العصر الحديث لأحمد أمين: 10، طبع مصر، 1971 م .


(133)

أُقسم بالله ، عندما أواجه أمثال هذه الأسئلة ، أحسّ بخسارة كبيرة من أجل إضاعة الوقت الّذي أخصصه للإجابة عن هذه الأسئلة التافهة.

السؤال 49

يعتقد الشيعة أنّ أغلب الصحابة كانوا منافقين وكفّاراً إلاّ قلّة قليلة منهم .

الجواب : هذا السؤال تكرار لسؤال سابق (1)، ولكن لا بأس بالتذكير هنا ; بأنّ صحيح البخاري وسائر أصحاب الصحاح والسنن ، خصوصاً جامع الأُصول لابن الأثير الذي جمع كلّ الصحاح والسنن في كتاب واحد ، قد ذكر في ضمن عشر روايات ارتداد الكثير من الصحابة ، وأنّ القليل منهم فقط سينجو ، وقد عبّر عنهم بـ «هُمُل النِّعم» فما هو جوابكم عن هذه الأحاديث الموجودة في صحاحكم وسننكم ؟

ولابد من التنبيه على أمر ـ وإن كنا قد أشرنا إليه سابقاً ـ وهو أنّ ارتداد الصحابة وإن ورد في كتب السنة وذكر في رجال الكشي من الشيعة، ولكنّه لا يصحّ على ضوء معلوماتنا عن الصحابة، فإن حوالي مائتين وخمسين صحابياً كانوامن رواد التشيّع، فكيف يمكن القول بارتدادهم؟!

أضف إلى ذلك أنّه لو صحّ الارتداد فالمراد به هو تساهلهم في مسألة الخلافة، ولو صحّ الكفر فهو بمعنى كفر النعمة.


1 . انظر جواب السؤال رقم 22 .


(134)

السؤال 50

هل يعقل أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فشل في اختيار أصحابه، في مقابل نجاح الخميني في ذلك؟!

الجواب: إنّ هذا السؤال من أتفه الأسئلة، والقلم يخجل أن يكتب السؤال والإجابة عنه، فإنّ السائل يتصور أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فشل في تربية أصحابه. كلا والف كلا فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حاشاه أن يفشل في ذلك، فمن بين أصحابه من بلغ من التقى والفضل من تُستدر به السماء وتنزل بدعائه الرحمة وما أكثر أمثال هؤلاء، ولذلك وصفهم الإمام علي (عليه السلام)بقوله: «أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاِْسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ، وَقَرَأُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَهِيجُوا إِلى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا، وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الاَْرْضِ زَحْفاً زَحْفاً، وَصَفّاً صَفّاً. بَعْضٌ هَلَكَ، وَبَعْضٌ نَجَا. لاَ يُبَشَّرُونَ بِالاَْحْيَاءِ، وَلاَ يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتى، مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الاَْلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ. عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ. أُولئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ. فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ، وَ نَعَضَّ الاَْيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهِمْ».(1)

ورغم ذلك فلم يكن أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم)على نمط واحد بل كان فيهم:


1 . نهج البلاغة، الخطبة 117، شرح محمد عبده.


(135)

1. المنافقون (1) .

2. مرضى القلوب.(2)

3. السماعون.(3)

4. خالطو العمل الصالح بغيره (4).

5. من أسلم ولم يؤمن (5).

6. المؤلفة قلوبهم (6).

7. الفاسقون (7) .

8. المتفرقون عن صلاة الجمعة.(8)

إلى غير ذلك من الأصناف الّتي يجدها الباحث في أحوال الصحابة في القرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ الصحيح.

حتّى كان من بين أهل المدينة من مرد على النفاق ولا يعلمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال سبحانه: (وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ )(9) .

فعلى ضوء ذلك فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كسائر الأنبياء لم يفشل في اختيار أو تربية أصحابه أبداً، وكانت سنة الله سبحانه في الأُمة المرحومة كسنته في الأُمم السابقة.


1 . سورة المنافقون.

2 . الأنفال: 49 .

3 . التوبة: 45.

4 . التوبة: 102 .

5 . الحجرات: 14.

6 . التوبة: 60 .

7 . الحجرات: 6.

8 . الجمعة: 11 .

9 . التوبة: 101 .


(136)

السؤال 51

يوجد تناقض في أحاديث الشيعة ، وقد قام أحد علمائهم بكتابة كتاب لرفع ذلك التناقض .

الجواب : إن كلام السائل ذكرني بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو: «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه» (1) .

لقد أخبر رسول الله(صلى الله عليه وآله)بأنّه سيكون بعده كذّابون ووضّاعون ، يضعون الأحاديث على لسانه وقد وعدهم بنار جهنّم ، ومن بين هذه الأحاديث قوله(صلى الله عليه وآله) : «لا تكذبوا عليَّ فإنّه من كذب عليَّ فليلج النار» ، وقوله أيضاً : «مَنْ كذب عليَّ فليتبوّأ مقعده من النار»(2) .

إنّ هذين الحديثين والكثير من الأحاديث المماثلة لهما ، تحكي أنّ هؤلاء الصحابة الذين يعتبرهم أهل السنّة عدولاً ، كان فيهم من يكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أيّام حياته بمناسبة أو بدون مناسبة ، وفيهم من ينسب إليه أشياء لم يقلها ، وهو(صلى الله عليه وآله)كان على علم بذلك ، وأمّا بعد وفاته(صلى الله عليه وآله)فإنّ منع الخليفتين الأوّل والثاني كتابة الحديث ، كان سبباً في وضع الأحاديث المكذوبة من قبل الوضّاعين لغرض كسب المقام وسهولة التقرّب من الحكام ، وفي هذا المجال قام علماء اليهود والنصارى المتظاهرون بالإسلام


1 . كنز العمال: 16 / 117، برقم 44120 .

2 . صحيح البخاري: 1 / 35 ، الحديث : 106 و 107 .


(137)

بلعب دور كبير في وضع الأحاديث في الإسلام وأسّسوا لذلك ، ومن جملتهم كعب الأحبار ووهب بن منبه وتميم الداري وغيرهم.(1) ووضع هذه الأحاديث هو الأساس في ظهور التعارض بين الأحاديث النبويّة .

لقد نشأ ابن أبي العوجاء (المشهور بالكذب) في بيت حمّاد بن مسلم المحدّث السنّي الكبير ، ودسّ أحاديث كثيرة في كتب حمّاد ، كما ذكر الذهبي(2) .

ويكفي التذكير أنّ البخاري اختار من الأحاديث الّتي يحفظها وهي ستّمائة ألف حديث اختار 2761 حديثاً ; واختار مسلم 4000 حديث من بين ستّمائة ألف حديث . واختار أحمد في مسنده ما يُقارب من 30000 حديث من بين سبعمائة وخمسين ألف حديث ، وحفظ مليون حديث .

وهذا كلّه يدلّ على ازدهار سوق وضع الحديث في القرنين الثاني والثالث بهدف كسب المال والمقام.

ولو جئنا إلى ساعات عمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) وقسّمناها على أنحاء حياته المختلفة لوجدنا أنّه ليس باستطاعته أن يتحدث بعشر هذه الأحاديث ، وهذا هو السبب الذي جعل أصحاب كتب الصحاح يبذلون جهداً كبيراً في ذكر عدد محدود ـ من هذا الكمّ الهائل من الأحاديث ـ في كتب ادّعوا أنّها أحاديث صحيحة .

ومن المسلّم به أنّ وضع الأحاديث يؤدّي إلى ظهور التناقض


1 . تاريخ ابن خلدون: 1 / 439 .

2 . ميزان الاعتدال : 1 / 593 .


(138)

والتعارض بينها ـ فهي ليست بكلام معصوم ـ فقد احتوت كتب الصحاح عند السنّة روايات تقول بتجسيم الباري تعالى وكون الإنسان مجبوراً في أعماله ، وهي روايات تعارض الروايات التي تنزّه الباري تعالى عن مثل ذلك .

وأمّا طروء التعارض في الروايات الّتي يرويها الشيعة فسنشير إلى أسبابه فيما يلي:

1 ـ تقطيع الروايات :

يقوم بعض الرّواة أحياناً بنقل القسم الذي يريدونه من الرواية ، ويحذفون القسم الآخر ، بنحو يُخلّ بمعنى الرواية ، حيث إنّ ذكر كلا القسمين معاً يُعطي معنى يكون مغايراً فيما لو ذُكر قسم واحد فقط . وهذا أحد أسباب وجود التعارض في بعض الروايات التي تحتويها كتب الشيعة .

2 ـ النقل بالمعنى :

بعض الرواة لا ينقل الرواية كما تلفّظها الإمام ، بل ينقل مضمونها ومعناها ، ممّا يؤدّي إلى حصول الاختلاف والتعارض بين الروايات ; لأنّ كلّ راو يذكر المعنى الذي فهمه من الرواية يكون ذلك المعنى غير المعنى الذي ذكره راو آخر .

3 ـ وضع الحديث :

قام بعض الغُلاة بوضع أحاديث ونسبوها للأئمّة(عليهم السلام) ، كابن سعيد وأبي زينب الأسدي المعروف بأبي الخطّاب ، وقد أشار الإمام الصادق(عليه السلام)بإصبعه الشريف إلى رواياتهم قائلاً عنهم : «لعن الله المغيرة بن سعيد أنّه كان


(139)

يكذب على أبي فأذاقه الله حرّ الحديد» .

وقال أيضاً : «لا يدخل المغيرة وأبو الخطّاب الجنّة إلاّ بعد ركضات في النار» .

وقال(عليه السلام) : «يسمعون حديثنا فيكذبون به» .(1)

واعتماداً على قول الإمام الصادق(عليه السلام) قام علماء الشيعة بالإعراض عن روايات الوضّاعين والغُلاة ولم يعيروها أيّ أهمّية .

من هنا فإنّ منشأ التعارض بين الروايات يكون راجعاً إمّا لسبب طبيعي ، وإمّا لسبب تخريبي .

والسؤال هنا : هل هذا التعارض بين الروايات يبقى دائماً بحيث لا يمكن إزالته ، أو أنّه أمرٌ يمكن للعلماء التغلّب عليه وإزالته ؟

والحقيقة أنّ العلماء رسموا موازين يميّز بها الصحيح عن الزائف ، وقد سعى مؤلّفو الكتب الأربعة عند الشيعة في جمع كمّ هائل من الأحاديث تحت ضوء هذه الموازين على نحو يستحيل أن تتسرّب إلى كتبهم روايات أُولئك الوضّاعين والغُلاة .


1 . رجال الكشي : 224 و 228، الأرقام 400 ، 408 و 416 .


(140)

السؤال 52

يقول الشيعة: إن البكاء على الحسين مستحب؟ فهل هذا الاستحباب مبني على دليل أم على هوى؟ وإذا كان على دليل فأين هو؟ ولماذا لم يفعل أحد من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ذلك؟

الجواب: انّ جامع الأسئلة يقول بضرس قاطع أنّه لم يفعل أحد من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ذلك وهذا نابع من عدم اطلاعه على التاريخ الصحيح، وأنّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)هو أوّل من عقد مجلس عزاء في داره حزناً على الإمام الحسين (عليه السلام)وتبعه على ذلك الأئمة المعصومون(عليهم السلام)، ونكتفي بنقل روايتين :

الأُولى: أخرج الحافظ الكبير أبو القاسم الطبراني في (المعجم الكبير) لدى ترجمة الحسين السبط (عليه السلام): حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدّثني عباد بن زياد الأسدي، حدثني عمرو بن ثابت، عن الأعمش، عن أبي وائل ثقيف بن سلمة عن أُم سلمة قالت: كان الحسن والحسين (رضي الله عنهما) يلعبان بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في بيتي، فنزل جبريل (عليه السلام)فقال: يا محمد إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك، فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وديعة عندك هذه التربة، فشمّها


(141)

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: ريح كرب وبلاء. (1)

الثانية: حدثنا أبو العباس القرشي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف، قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): يا أبا هارون أنشدني في الحسين (عليه السلام)، قال: فأنشدته، فبكى، فقال: أنشدني كما تنشدون ـ يعني بالرقة ـ قال: فأنشدته.

أمرر على جدث الحسين *** فقل لأعظمه الزكية

قال: فبكى، ثم قال: زدني، قال: فأنشدته القصيدة الأُخرى، قال: فبكى، وسمعت البكاء من خلف الستر، قال: فلمّا فرغت قال لي: يا أبا هارون من أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى عشراً كتبت له الجنة، ومن أنشد شعراً فبكى وأبكى خمسة كتبت له الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى واحداً كتبت له الجنة، ومن ذكر الحسين (عليه السلام)عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنة.(2)

ومع هذا العدد الهائل من الروايات الّتي ذكرنا منها نموذجين ماذا نقول لجامع الأسئلة الّذي أنكر وجودها جهلاً أو تجاهلاً؟!


1 . المعجم الكبير: 3 / 108، برقم 2817، وانظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: 7 / 134 بلفظ (ويح كرب وبلاء); الكفاية للحافظ الكنجي: 279، وروى قريباً منه الطبري في ذخائر العقبى: 148.

2 . كامل الزيارات: 208، الباب 33 برقم 297، وانظر سائر أحاديث الباب.


(142)

السؤال 53

يعتقد الشيعة بأفضليّة النبي وعليّ بن أبي طالب على الحسين ، ومع ذلك فهم لا يبكون عليهما مثلما يبكون على ولده الحسين ؟!

الجواب : لا خلاف في كون عليّ(عليه السلام) أفضل من جميع أولاده ، فهذه مسألة مسلّمة عند الشيعة ، كما لا خلاف أيضاً في كون رسول الله(صلى الله عليه وآله)أفضل من الجميع (عليّ وأبنائه) ، ولكن أفضليّة عليّ(عليه السلام) وأفضليّة سائر أبنائه المعصومين(عليهم السلام) هي شعاع من أفضليّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) . أمّا شهادة الحسين(عليه السلام)فلها شأنٌ آخر ، حيث إنّ ذكرى شهادته(عليه السلام) تختلف عن ذكرى شهادة الأئمّة الآخرين وذلك يرجع إلى الأسباب التالية :

1 ـ شهادة الحسين(عليه السلام) تمثِّل فاجعة إنسانيّة كُبرى تُدمى لها القلوب المؤمنة وتطير منها العقول الحيّة ، حيث تمّ خلال هذه المأساة قتل 72 من أفضل أهل بيت الحسين وأصحابه ولم يستثن منهم أحد حتّى الطفل الرضيع ، وكان ذلك على يد شرذمة لم تعرف طعم الإيمان والإنسانيّة .

2 ـ إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين(عليه السلام) كانا كلّما ذكرا شهادة الحسين(عليه السلام) ـ قبل وقوعها ـ يذرفان الدموع ، وقد ذكرنا بعض الروايات الخاصّة بذلك في جواب السؤال السابق ، وكذلك الإمام الحسن(عليه السلام) الذي قال لأخيه الحسين في آخر أيّام حياته والسمّ يقطّع أمعاءه : «لا يوم كيومك يا أبا عبدالله» ، ولم


(143)

يكن رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقتصر على البكاء على الحسين(عليه السلام)عند ذكر شهادته ، بل كان كما ذكرنا آنفاً أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يعقد مجالس العزاء (1) لخصوص الحسين(عليه السلام) ويذكّر بشهادته وقتله ويدعو على قاتليه ويلعنهم ، وهذه إحدى الحوادث التأريخيّة والسنن النبويّة التي يغفل عنها كثير من المسلمين . وقد أفرد العلاّمة الأميني فصلاً خاصّاً لتلك المجالس التي كان يُقيمها رسول الله(صلى الله عليه وآله)والأئمّة(عليهم السلام) في بيوتهم الشريفة، في كتابه «سيرتنا وسنّتنا» .

3 ـ شهادة الحسين(عليه السلام) غيّرت مجرى التاريخ ، وقلبت الموازين ، وأعادت الإسلام إلى طريقه الصحيح ، بحيث لو لم تكن تلك الثورة وتلك الشهادة لما بقي للدِّين الإسلامي وجودٌ يُذكر ، ولما وصل إلينا اليوم ، لأنّ الأمويّين غيّروا مسار الإسلام بل استبدلوه بالجاهليّة بعدما استحوذوا على الخلافة الإسلاميّة واستبدلوها بملك عضوض ; ممّا حدا بالحسين(عليه السلام) أن يقوم وينتفض ويُعيد الإسلام إلى طريقه الطبيعي الذي رسمه جدّه المصطفى(صلى الله عليه وآله) ، وقد أشار(عليه السلام) إلى ذلك بقوله : «فعلى الإسلام السلام إذ بُليت الأُمّة براع مثل يزيد».(2)

فالغاية من المواكب الحسينية والمراسم التي يقوم بها الشيعة على مدار السنة هي حفظ الإسلام الأصيل الذي جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وهذا بالتأكيد لا يعني أنّ الحسين(عليه السلام)أفضل من جدّه وأبيه العظيمين ، فالإسلام كما قيل : «محمّديّ الوجود ، حسينيّ البقاء» .


1 . سيرتنا وسنّتنا : 41 ـ 98 .

2 . اللهوف : 99، طباعة دار الأُسرة .


(144)

4 ـ من أبعاد ذكرى عاشوراء الحسين(عليه السلام) أيضاً ; استنكار الظلم الواقع على أهل بيت النبوّة والرسالة ، وفضح أُولئك المتظاهرين بالإسلام وإقامة الصلاة وإمارة المؤمنين ، حيث عمد هذا الفريق إلى قتل حفيد رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة عطشاناً على شاطئ الفرات ثمّ قطعوا رأسه الشريف ـ كما يفعلون اليوم ـ وأجهزوا على 18 رجلاً من أهل بيته وجمع من أصحابه وقطعوا رؤوسهم وحملوها على أسنّة الرِّماح من العراق إلى الشام كهديّة إلى يزيد بن معاوية . وأمّا بنات رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقد اقتادوهنّ سبايا كأنّهن من سبايا الروم ، فهل هذه المصيبة التي حلّت ببيت الرسالة والنبوّة لا تستحقّ من كلّ مسلم أن يتوقّف عندها ويحييها مواساةً لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وعملاً بقوله تعالى على لسان نبيّه : (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(1) .

السؤال 54

تعتبر ولاية عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وأبنائه من بعده ركناً من أركان الإيمان عند الشيعة ، فلماذا لم يأت ذِكر هذا الركن في القرآن بشكل صريح ؟ رغم أنّ الصلاة والزكاة اللتين هي في مرتبة أدنى من الولاية جاءتا بشكل صريح ؟!

الجواب : إنّ جامع الأسئلة «رأى الحقّ وما عرفه» فإنّه لو قرأ القرآن بتدبّر وتأمّل ، وتجرد عن عقائده الموروثة لما خفي عليه نظير آية الولاية.


1 . الشورى : 23 .


(145)

لقد بيّن القرآن المجيد ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بأبلغ بيان في الآية المباركة التي تقول : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(1) .

ولحسن الحظّ فإنّ أغلب المحدِّثين والمفسّرين نقلوا أنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فقد بلغ عددهم 66 محدِّثاً ومفسِّراً ، ومن بينهم تسعة من الصحابة .

وبما أن منهجنا هو الاختصار في الإجابة، فإنّي أُحيل السائل إلى مراجعة كتاب «الغدير» (2) .

ثمّ ما هذا التغافل عن الأحاديث المتواترة والمتضافرة التي ذكرت ولاية عليّ(عليه السلام) ، فأين السائل من حديث 1 ـ الغدير ، 2 ـ حديث المنزلة ، 3ـ حديث «إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن من بعدي» و . . .(3) .

وما تقوله من ورود ذكر الصلاة والزكاة في القرآن بشكل صريح ، فهو غلط وتلفيق ، فهل جاء في القرآن تفصيل الصلاة أو الزكاة وشرحهما (من قبيل عدد الركعات ومقدار الزكاة . . .) ؟ وكلّ جواب تأتي به هنا يكون هو جوابنا عليك في شأن الإمامة والولاية .

ثمّ إنّه بأيّ دليل تدّعي أنّ كلّ ما هو ركن من أركان الدِّين يجب أن


1 . المائدة : 55 .

2 . الغدير في الكتاب والسنة والأدب : 3 / 156 ، 162 .

3 . سنن الترمذي: 5 / 297 ، الحديث 3796 ; مستدرك الحاكم : 3 / 110 ; مصنّف ابن أبي شيبة : 7/ 271، الحديث 132.


(146)

يُذكر في القرآن ، فأنتم أهل السنّة تقولون : «القرآن قديم» ، وكلّ من يقول بأنّ «القرآن حادث» تعتبرونه كافراً . فلماذا لم يأت ذكر هذا الركن في القرآن الكريم ؟!

إنّنا لا نريد الخدش في العواطف إلاّ أنّ إصرار الطرف المقابل يدفعنا إلى أن نكشف عن وجه الحقيقة، وهو أنّ المصلحة الكبرى اقتضت عدم ذكر اسم علي في القرآن الكريم، ذلك لأنّ الانتهازيين والمتربصين ربما يتآمرون على قتل الإمام (عليه السلام)حتّى يخلو الجو لهم ليحققوا أغراضهم بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

أضف إلى ذلك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حين حاول أن يكتب كتاباً للأُمّة لكي لا تضل من بعده، ووقف القوم على قصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من ذلك اتّهموه بما يندى له الجبين لذكره، من هجره وهذيانه، وغلبة الوجع عليه.

ولذا فلو ذكر اسم علي (عليه السلام)في القرآن الكريم فمن الممكن أن يتجرّأوا أيضاً عليه بمثل ما تجرّأوا على كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبذلك يتسرب الشك إلى كلّ القرآن المجيد، وللتفصيل مجال آخر.


(147)

السؤال 55

لو كان مجتمع الصحابة كما يصفه الشيعة مجتمعاً متباغضاً يحسد بعضه بعضاً، ويحاول كلٌّ من أفراده الفوز بالخلافة، مجتمعاً لم يبق على الإيمان من أهله إلاّ نفر قليل، لم نجد الإسلام قد وصل إلى ما وصل إليه من حيث الفتوحات الكثيرة، واعتناق آلاف البشر له في زمن الصحابة.

الجواب : إن موقف الشيعة من الصحابة تكرر مراراً عديدة في الاسئلة المتقدمة، ونحن اجبنا عن ذلك، إلاّ أنّنا نضيف شيئاً آخر، فنقول :

إنّ الادّعاء بأنّ الشيعة يعتقدون بعداء الصحابة بعضهم لبعض وتباغضهم، هو ادّعاء بلا أساس وعار عن الصحّة ، لأنّ الشيعة يعتقدون أنّ قسماً من الصحابة يُعتبرون من أركان التشيّع وصفوة الموالين لأهل البيت(عليهم السلام) ، وأنّ الأقسام الأُخرى التي يُمثّلها أغلب الصحابة لم تكن على صعيد واحد من الرؤية الفكريّة والعقائديّة ، ولم يكن بينهم اتّفاق في جميع المسائل ، بل كانت هناك اختلافات كثيرة بينهم ، إلاّ أنّ هذه الاختلافات الفكريّة والعقائديّة لم تكن لتظهر على شكل خلاف في العمل وذلك يعود للظروف السائدة والأجواء المسيطرة على حياتهم ، حيث منع خلفاء زمانهم إبراز تلك الاختلافات الفكريّة بدعوى المحافظة على وحدة المجتمع الإسلامي معتمدين في ذلك على قاعدة «الحكم لمَن غلب» ، فكانت الأفكار


(148)

المسيطرة والبارزة هي أفكار عدة من الصحابة ، وكلّ من له أفكار مخالفة وحاول إظهارها قُوبل بلوم كبير وعقاب شديد ، بل والقتل أيضاً . فهذا سعد بن عبادة يُغتال في الشام وقد قيل عنه يومذاك أنّه اغتيل بسهم من الغيب ، وهذا عبدالله بن مسعود يُضرب ويُشتم ، وذاك أبو ذرّ يُنفى ويُبعد ، وأمثالهم ممّن ذكر التاريخ ما تعرضوا له من الأذى والتنكيل.

إنّنا ننصح جامع الأسئلة بقراءة التاريخ بعقل مجرد ، بعيد عن الخلفيّات والرواسب التي ملأت ذهنه وأسرت عقله .

السؤال 56

لماذا يعطل كثيرٌ من الشيعة صلاة الجمعة ؟

الجواب : إنّ صلاة الجمعة ليست صلاة عاديّة كالصلوات الخمس التي تؤدّى بأيّ نوع من الشرائط وتُقام خلف أيّ إمام ، إنّ صلاة الجمعة عندنا هي صلاة عباديّة وسياسيّة ، ويجب على الإمام أن يتطرق إلى بيان الأوضاع السياسية الّتي يمر بها المسلمون، ويحدد وظائف الحاكم في أيامه، وهذا النوع من البيان فرع وجود حكومة إسلامية واقعية يستطيع من خلالها الخطيب التعبير بحرية تامة عن ذلك.

وبما أنّ أغلب الحكومات كانت تفقد تلك الصبغة فلم يكن بد من إقامة صلاة الظهر بدل الجمعة، ولكن بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران مثلاً، توفر هذا الشرط فنرى أنّ صلاة الجمعة تقام في كل مدينة وقرية.


(149)

السؤال 57

يعتقد الشيعة أنّ القرآن حذفت منه وغيّرت آيات وأنّ بعضها قد غُيّر من قبل أبي بكر وعمر  ؟(1)

الجواب : إنّ السائل أو جامع الأسئلة استدل على قول الشيعة بالتحريف بروايات نقل نصوصها.

وقبل دراسة هذه الروايات واحدة بعد الأُخرى نلفت نظر القارئ إلى أمر وهو أنّ العقيدة تؤخذ من كتب العقائد الّتي تؤلّف بيد عباقرة القوم وأساتذة الطائفة الذين يميزون الصحيح عن الضعيف والحق عن الباطل، ولا تؤخذ بمجرد وجود رواية في كتب الحديث والتفسير، وكأنّ المعترض قاس مذهب الغير على مذهبه، فإنّ الوهابية تصدر في العقيدة عن الروايات الآحاد الواردة في السنن والمسانيد، فلو صحّ السند فيؤخذون بها; ولكن الطريق عند الإمامية غير ذلك، فإنّ الرواية مهما صحّ سندها لا يؤخذ بها إذا كانت من الاخبار الآحاد، فالعقيدة تستلزم الإذعان واليقين، وخبر الواحد لا يفيد ذلك أصلاً .

فما استدلّ به من الروايات على وقوع التحريف فكل واحد في مورده خبر واحد لا يسمن ولا يغني من جوع في مجال العقائد.


1 . ذكر السائل عدة روايات تشير إلى وقوع التحريف.


(150)

أضف إلى ذلك أنّ هذه الاخبار ـ لو صحّ سندها ـ فإنّها لا تقابل الأدلة القطعية الدالة على أنّ القرآن الكريم محفوظ بإرادة الله سبحانه بين الدفتين ولم يزد فيه شيء ولم ينقص منه، فلا قيمة لهذه الأخبار إذا كانت صريحة في التحريف .

والمهم هو دراسة كل واحد من هذه الأخبار فإنّها ليست صريحة ولا ظاهرة في أنّ هذه الكلمات أو الجمل حذفت من كتاب الله العزيز، بل هي بصدد تفسير الآية أو بيان المصداق الواضح إلى غير ذلك من الدواعي إلى هذا النوع من التفسير .

وإليك دراسة الروايات واحدة بعد الأُخرى:

1. تفسير آية الذر

روى الكليني عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: قلت له: لم سمّي (علي) أمير المؤمنين؟ قال: «الله سمّاه وهكذا أنزل في كتابه: (وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)(1)، وأنّ محمداً رسولي وأنّ علياً أمير المؤمنين». (2)

أمّا السند فقد حكى العلاّمة المجلسي بأنّ الحديث مجهول (3)، وذلك لأنّ أبي الربيع القزاز لم يوثّق بشيء سوى كونه من مشايخ ابن أبي عمير;


1 . الأعراف: 172 .

2 . الكافي: 1 / 412.

3 . مرآة العقول: 4 / 370.


(151)

وأمّا جابر، فالظاهر أنّه جابر بن يزيد الجعفي وقد وصفه النجاشي بقوله: وكان في نفسه مختلطاً وله كتب.

وأما المتن فالإمام بصدد دفع وهم وهو أنّ تسمية علي بأمير المؤمنين قد تمت من قبل الناس، فأجاب بأنّها كانت من الله عزوجل، وأنّ الله أخذ منهم العهد في عالم الذر على أمرين هما: رسالة محمد، وإمرة علي. هذا هو المراد من الآية، وأمّا ظهوره في كونه جزءاً من الآية فلا يؤخذ به لقضاء الضرورة على بطلانه.

هذا هو واقع الحديث سنداً ومتناً.

ويدل على ما ذكرنا من «أنّ الرواية بصدد تفسير الآية» ما رواه بكير بن أعين حيث قال: كان أبو جعفر يقول: إنّ الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية وهم ذر، يوم أخذ الميثاق على الذر والإقرار له بالربوبية ولمحمد بالنبوة.(1) وهذه الرواية تفسّر الرواية السابقة.

2. آية الإيمان بالنبي وتعزيره ونصرته

قال سبحانه في وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي


1 . الكافي: 1 / 436، برقم 1 .


(152)

أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1).

فقد روى الكليني: فالذين آمنوا به (يعني بالإمام) وعزّروه ونصروه واتّبعو النور. هذا في نسخة ـ طبع بيروت ـ وفي طبعة أُخرى الذين آمنوا به (يعني الإمام) بحذف حرف الجر، وهذا هوالصحيح دون الأوّل، وذلك لظهور الآية في أنّ ضمير الجر في «به» يرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فلا عبرة بالنسخة الأُولى، وأمّا الثانية فالحديث لبيان مصداق كامل لمن آمن ولمن عزّر ونصر واتّبع فإنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)هو المصداق الكامل لمن آمن بالنبي وعزّره ونصره، فلذلك قال: «يعني الإمام».

فلا صلة للرواية بالتحريف بعد كونها تفسيراً وبياناً لمصداق هذه الأُمور.

وقد نقل البحراني الرواية على وفق النسخة الثانية.(2)

وبذلك يظهر الجواب عمّا تخيّله من الدلالة على التحريف حيث إنّ الإمام قال في تفسير الآية: يعني الذين اجتنبوا الجبت والطاغوت أن يعبدوها، والجبت والطاغوت فلان وفلان. (3)


1 . الأعراف: 157.

2 . انظر: تفسير البرهان: 9 / 40 .

3 . الكافي: 1 / 429 .


(153)

ومثله ما جاء في تفسير قوله تعالى: (لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ )(1)، حيث فسرت بولاية فلان وفلان.(2)

فالرواية بصدد بيان المصداق لا بصدد بيان كونها جزءاً من الآية.

ولو كان جامع الأسئلة عارفاً بلسان روايات أئمة أهل البيت لميّز بين ما هو جزء من الآية وبين ما هو تفسير لها، وهذه هي الآفة المهلكة في سوء فهمه للروايات الّتي ذكرها.

3. آية الطاعة

قال جامع الأسئلة روى الكليني: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من يطع الله ورسوله ـ في ولاية علي وولاية الأئمة من بعده ـ فقد فاز فوزاً عظيماً ـ هكذا نزلت».(3)

والجواب هو نفس الجواب فالإمام (عليه السلام)بصدد بيان مصداق بارز لما تجب إطاعته وهي ولاية علي وبنوه، ولذلك ذكر شراح الحديث أنّ معنى قوله: هكذا نزلت، أي بهذا المعنى نزلت، وكذا الكلام في نظائرها.(4)

ونظير هذا النوع من التفسير ـ الذي لا يستلزم القول بوقوع التحريف في القرآن ـ ما جاء في صحيح مسلم نقلاً عن عائشة التي قالت : «حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى ـ صلاة العصر ـ وقوموا لله قانتين»(5) ، وكما نعلم أنّ صلاة العصر ليست جزءاً من الآية ، إذن فهي تفسير للآية ، وما عليك


1 . النور: 21.

2 . تفسير العياشي: 1 / 214.

3 . الكافي: 1 / 417 .

4 . التفسير الصافي للفيض الكاشاني: 1 / 163 ; شرح أُصول الكافي للمازندراني: 7 / 65 .

5 . المصنف لعبدالرزاق: 1 / 577، برقم 2201، وبرقم 2202 عن حفصة، ورواه البيهقي في السنن الكبرى: 1 / 459 عن البراء بن عازب.


(154)

يا صاحب الأسئلة إلاّ أن تقرأ وتفهم وتُميِّز بين الكلام المفصّل والكلام المجمل ، وبين ما هو قرآن وما هو تفسيرٌ للقرآن .

4. آية الاشتراء

قال جامع الأسئلة: ويروون عن أبي جعفر (عليه السلام)نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد هكذا: «بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغياً».(1)

والجواب أن الرواية ضعيفة برجلين أحدهما: محمد بن سنان والآخر منخل بن جميل الأسدي، قال النجاشي: ضعيف فاسد الرواية.(2)

وبمثل هذه الرواية لا يحتج بالحكم الفرعي فضلاً عن العقيدة، وعلى فرض الصحة فالرواية بصدد تفسير الآية عمن باع نفسه واشترى الكفر بما أنزل الله، وممّا أنزل سبحانه هو ولاية علي، فمن رفضها فقد باع نفسه واشترى الكفر.

5. آية نفي الريب

روى الكليني بنفس الاسناد عن جابر: قال نزل جبرائيل (عليه السلام)بهذه الآية على محمد هكذا: «وإن كنتم في ريب ممّا نزلنا على عبدنا في علي فأتوا بسورة من مثله».(3)

والجواب: انّ الرواية ضعيفة بضعف السند في الرواية السابقة.


1 . الكافي: 1 / 417 .

2 . رجال النجاشي: 2 / 372، برقم 1128 .

3 . الكافي: 1 / 417.


(155)

6. آية النور

واستدل السائل برواية رويت بنفس السند الساقط عن أبي عبدلله (عليه السلام)أنّه قال: نزل جبرائيل (عليه السلام)على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بهذه الآية هكذا: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا في علي نوراً مبيناً.

والرواية ضعيفة كذلك، لأنّها بنفس السند السابق.

أضف إلى ذلك أنّ الآية المزعومة مختلقة ولا توجد في القرآن حتّى يرد عليها شيء والّذي في المصحف هو قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا )(1).

7. آية كَبُرَ على المشركين

روى الكليني عن محمد بن سنان عن الرضا (عليه السلام)في قول الله عزوجل: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ) (بولاية علي) (مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) يا محمد من ولاية عليّ» هكذا في الكتاب مخطوطة .(2)

والجواب: أنّ الرواية ضعيفة بمحمد بن سنان، مضافاً إلى أنّه لو فرضت صحتها فهي بصدد التفسير، فإنّ من أعظم ما دعا إليه النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)هو ولاية علي وهو أمر ثقيل على المشركين كسائر ما دعا إليه. ولو أنّ السائل راجع كتب الحديث لفهم معنى الرواية، فإن معنى «هكذا في الكتاب مخطوطة» أي خطت في الحواشي بوصف الشرح.


1 . النساء: 174 .

2 . الشورى: 13; الكافي: 1 / 418، برقم 32.


(156)

8. آية سأل سائل

روى الكليني عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع)(1)(لِلْكَافِرِينَ (بولاية علي) لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ) (2)قال: هكذا والله نزل بها جبرائيل (عليه السلام)على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .(3)

والجواب: أنّ الرواية ضعيفة فراويها هو محمد بن سليمان الديلمي. قال الطوسي: له كتاب، يرمى بالغلو، بصري ضعيف. وقال النجاشي: ضعيف جدّاً لا يعول عليه في شيء.

أضف إلى ذلك أنّ الرواية بصدد بيان سبب نزول الآية وأنّه بعدما أعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولاية علي في غدير خم، فشاع ذلك وطار في البلاد وبلغ ذلك الخبر الحارث بن النعمان الفهري فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على ناقة له فقال: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأرسل من السماء علينا حجارة أو إئتنا بعذاب أليم!

قال: فوالله ما بلغ ناقته حتّى رماه الله من السماء بحجر، فوقع على هامته فخرج من دبره ومات، وأنزل الله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع) .

والعجب أن نزول الآية في غدير خم نقله عدد من حفاظ السنة، ذكر صاحب الغدير أسماء 29 حافظاً، منهم:

1. الحافظ أبو عبيد الهروي.


1 . المعارج: 1 .

2 . المعارج: 2 .

3 . الكافي: 1 / 422، برقم 47.


(157)

2. أبو بكر النقاش الموصلي البغدادي.

3. أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري.

4. الحاكم أبوالقاسم الحسكاني.

5. أبو بكر يحيى القرطبي.

6. شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي.

7. الشيخ إبراهيم بن عبدالله اليمني الشافعي.

8. شيخ الإسلام الحموي.

9. الشيخ محمد الزرندي الحنفي.

10. شهاب الدين أحمد الدولت آبادي .(1)

9. آية التبديل

روى الكليني بسند ضعيف عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: نزل جبرائيل (عليه السلام)بهذه الآية على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)هكذا: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا (آل محمد حقهم) قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (آل محمد حقهم) رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)(2) .

الجواب: أن الرواية ضعيفة لا يحتج بها فقد ورد في السند محمد بن فضيل بن كثير الأزدي .

قال الطوسي: ضعيف يرمى بالغلو.(3)


1 . الغدير: 1 / 460 ـ 471.

2 . البقرة: 59 .

3 . رجال الطوسي: 343، برقم 5124، وص 365، برقم 5423.


(158)

أضف إلى ذلك أنّ الآية وردت في بني إسرائيل حيث خوطبوا بقوله سبحانه: (ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَ قُولُوا حِطَّةٌ)(1) والمراد أن يقولوا: ربنا حطّ ذنوبنا، فهم مكان أن يطلبوا من الله حط ذنوبهم، قالوا: حنطة ويقصدون بذلك الاستهزاء،(2) فلا صلة للآية بتبديل حقوق آل محمد، ولو صحت الرواية فالإمام بصدد التشبيه والتنزيل، فكما أنّ بني إسرائيل بدلوا القول الّذي أُمروا به، فهؤلاء أيضاً بدلوا القول الّذي أُمروا به.

يقول العلاّمة المجلسي: وأمّا تأويله (عليه السلام)فكأنّه مبني على ما مرّ من أنّ القصص والأمثال الّتي يذكرها الله سبحانه إنّما هو لتذكير هذه الأُمّة وتنبيههم على الإتيان بمثل ما أمرت به الأُمّم السابقة والانتهاء عن مثل ما نهو عنه، وقد ورد في الأخبار المتواترة من طريق الخاصّة والعامّة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: مثل أهل بيتي مثل باب حطّة في بني إسرائيل، فكما أنّ بني إسرائيل أُمروا أن يدخلو الباب والتطامن عندها فأبوا وعذّبوا فكذا أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالدخول في باب ولاية أمير المؤمنين والأئمة من ولده صلوات الله عليهم، والخضوع والانقياد لهم كما قال: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»، فلم يفعلوا وبدّلوا ما أُمروا به قولاً وفعلاً، باتباع خلفاء الجور والاستكبار على طاعة العترة الطاهرة، فعذّبوا في الدنيا والآخرة، ولو كانوا أطاعوهم لأكلوا حيث شاءووا رغداً من النعم الجسمانية والروحانية من العلوم والحكم الربانية، فهو بيان لمورد


1 . البقرة: 58 .

2 . راجع: مجمع البيان: 1 / 226 .


(159)

نزول الآية أو لنظير تلك القصة في هذه الأُمّة .(1)

وبما ذكرنا يظهر الاحتجاج برواية أُخرى له أيضاً، فالسند والمضمون متحدان. (2)

الآن حصحص الحق

إنّ ما قمنا به من دراسة ضافية للروايات أظهر لنا الجواب من وجوه:

1. انّ قسماً كبيراً بصدد التفسير والشرح وبيان المصداق وتطبيق مضمون الآية على مورد خاص من دون أن يكون المورد جزءاً من الآية; وهذه هي خصيصة القرآن الكريم فإنّه يجري مجرى الشمس والقمر، لا يختص بقوم دون قوم، وينطبق على أقوام جُدد عبر العصور.

2. انّها بصدد التمثيل والتشبيه أيّ تنزيل حال قوم منزلة حال قوم آخرين كما مر عليك في بعض الروايات.

3. ان أكثرها ضعيفة السند تتصل أسانيدها إلى أُناس مرميّين بالغلو وتجاوز الحد، أو أنّهم مخلطين في العقيدة.

ولو كان جامع الأسئلة موضوعياً يطلب الحق لما اعتمد على هذه الروايات وجعلها دليلاً على العقيدة، وإنّما تطلب العقيدة من محالها ومصادرها.

وممّا قصر هو فيه أنّ شراح الكافي بسطوا الكلام في هذه الروايات،


1 . مرآة العقول: 5 / 76، الحديث 58 .

2 . الكافي: 1 / 424، برقم 59.


(160)

سنداً ومضموناً على نحو ما أبقوا شكاً لمشكك ولا ريباً لمرتاب، حتّى أنّ نساخ الأحاديث حصروا الجمل التفسيرية بين قوسين لكي لا تبدو أنّها جزء من الآية، ولكن المؤلف أزال هذه الأقواس ليخلط الحق بالباطل.

السؤال 58

يروي الشيعة عن أبي الحسن في قوله تعالى : (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ (يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين) وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ )(1) يقول: والله متم الإمامة، والإمامة هي النور، وذلك قول الله عزوجل: (فَآَمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الذِي أَنْزَلْنَا) (2) قال: النور والله الأئمة من آل محمد يوم القيامة». والسؤال: هل أتم الله تعالى نوره بنشر الإسلام أم بإعطائه الولاية والخلافة لأهل البيت(عليهم السلام)  ؟

الجواب : أنّ جامع الأسئلة حرّف وحذف بعض جمل الرواية ولم يذكرها بشكل صحيح، ونحن نذكر هذا المقطع من الرواية كما ذكرها الكليني. (3)

عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)قال: سألته عن قول الله عزَّوجلَّ: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) قال: يريدون ليطفئوا


1 . الصفّ: 8 .

2 . التغابن: 8 .

3 . الكافي: 1 / 432، برقم 91 .


(161)

ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)بأفواههم، قلت: (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ)قال: والله متمُّ الإمامة، لقوله عزَّوجلَّ: (فَآَمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الذِي أَنْزَلْنَا) فالنور هوالإمام. قلت: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ)(1) قال: هو الّذي أمررسوله بالولاية لوصيّه والولاية هي دين الحقِّ، قلت: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) قال: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم، قال: يقول الله: (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ)ولاية القائم (وَ لَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )بولاية عليّ، قلت: هذا تنزيل؟ قال: نعم أمّا هذا الحرف فتنزيلٌ وأمّا غيره فتأويلٌ.(2)

ومن خلال قراءة الرواية بنصها الصحيح نجد أنّ الإمام بصدد تأويل الآية وتفسيرها لا بصدد بيان تنزيلها، ولذلك قال: «أمّا هذا الحرف فتنزيل، وأمّا غيره فتأويل»، أي أنّ الحروف الموجودة في القرآن فتنزيل لا يزيد ولا ينقص، وأمّا غيرها فتأويل أي تفسير وتطبيق للضابطة الكلية على المصاديق.

فإنّ القرآن الكريم حسب ما وصفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)له ظهر وبطن فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه .(3)

فما ذكره الإمام في تطبيق النور فإنّما هو من قبيل التأويل والعلم بالباطن لا أنّه تنزيل. وهؤلاء لم يفرقوا بين التنزيل والتأويل، أو بين التنزيل


1 . التوبة: 33 .

2 . الكافي: 1 / 432، برقم 91 .

3 . الكافي: 2 / 599.


(162)

والجري، بمعنى تطبيق الضابطة على المصاديق المختلفة عبر القرون.

كما أنّ المراد من النور الإسلام حيث إنّه دين عالمي له أُصول وفروع.

وخلافة الأوصياء الإلهيّين هي من جملة هذه الأُصول التي يرتكز عليها الإسلام ، كما أنّ وظائف النبيّ(صلى الله عليه وآله) تكمل بإمامة هؤلاء الأوصياء ، وأيّ حكومة من حكومات العالم إذا ظهرت في منطقة ما فإنّها تعمل على ضمان ديمومة مشروعها بنصب من يلي الأُمور وإلاّ فإنّها لن تحقق أهدافها ولم تكمل برنامجها.

ولذلك قام النبيّ(صلى الله عليه وآله) قبل التحاقه بربّه بتعيين أمير المؤمنين(عليه السلام)وصيّاً من بعده ، وعمله (صلى الله عليه وآله وسلم)هذا أشبه بعمل مهندس مكلف ببناء عمارة ضخمة لا ينبغي له ان ينقص منها شيئاً، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان مكلفاً ببناء صرح الإسلام ومسؤولاً عن ديمومته واستمراره ، فنزلت بعد تنصيبه لعلي الآية الكريمة : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الاِْسْلاَمَ دِيناً)(1) ،(2) فالإمامة هي جزءٌ من النور الذي وعد الله بإكماله .


1 . المائدة : 3 .

2 . نزول آية الإكمال في غدير خمّ نقلها 16 محدِّثاً ومفسِّراً ، راجع كتاب الغدير : 1 / 230ـ 238 .


(163)

السؤال 59

لقد وجدنا اثنين فقط من الأئمّة تولّيا الخلافة هما; عليّ وابنه الحسن(عليهما السلام) ، فأين إتمام النور ببقية العشرة ؟!

الجواب : يتصوّر جامع الأسئلة أنّ المراد من الخلافة هي الخلافة التي تتمّ عن طريق الانتخاب ، ولهذا نجده يقول : أين إتمام النور ببقية العشرة ؟ وهذا ليس أمراً غريباً عليه ; لأنّه يقتدي بأساتذته الكبار الذين توهّموا أنّ الخلافة والإمامة منصبٌ دنيويّ وسيطرة ظاهريّة ، وبما أنّ الأئمّة العشرة ـ في نظر أساتذته ـ لم تتوفّر لديهم تلك السيطرة الظاهريّة ولم يتمّ انتخابهم من قِبل الناس ، فصاروا فاقدين للخلافة والإمامة .

ولكنّ الإمامة منصبٌ إلهيّ شأنه شأن النبوّة ، والفرق بينهما أنّ النبيّ يتلقّى الوحي ويقوم بتأسيس الدِّين ، والإمام بتنصيب من الله يبيّن الشريعة ويحافظ على استمرار الدِّين الذي أسّسه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، سواءً قَبِلَ الناس أم لم يقبلوا ، لأنّ الإمام لا ينال منصب الولاية إلاّ من الله سبحانه دون الناس، فلو كان هنا لوم فإنّ اللوم والتوبيخ الإلهي يتوجّه إلى الناس الذين قصّروا في معرفة الإمام واتّباعه ، دون الإمام بحجة أنّه لم تحصل له السيطرة على الناس بالقوّة الظاهريّة .


(164)

السؤال 60

تروي بعض كتب الشيعة عن جعفر الصادق أنّه قال لامرأة سألته عن أبي بكر وعمر : أأتولاّهما ؟ قال : تولّيهما . فقالت : فأقول لربّي إذا لقيته إنّك أمرتني بولايتهما ؟ قال لها : نعم .

كما ذُكر أنّ الإمام الصادق يسمّي أبا بكر بالصدِّيق .

فما هو رأي الشيعة بأبي بكر الصديق؟

الجواب : ذكر في السؤال روايتين وقبل القيام بدراسة الرواية الأُولى نقوم بذكر نصها كما وردت في الكافي لكي يتبين للمطالع مقدار التغيير والخيانة الّتي أقدم عليها جامع الأسئلة، لأنّه اكتفى بما وجده على صفحات الانترنت ولم يكلف نفسه عناء البحث ليأخذ الرواية من مصدرها المعتبر، وعمله هذا خيانة تتنافى مع الأمانة العلمية والنزاهة والموضوعية.

روى الكليني بسنده عن أبي بصير قال: كنت جالساً عند أبي عبدالله(عليه السلام)إذ دخلت عليه، أُم خالد الّتي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه. فقال أبو عبدالله (عليه السلام): أيسرُّك أن تسمع كلامها؟ فقلت: نعم، فقال: أمّا الآن فأذن لها، قال: وأجلسني معه على الطنفسة ثمَّ دخلتْ فتكلّمتْ فإذا امرأة بليغة فسألته عنهما فقال لها: تولّيهما؟ قالت: فأقول لربّي إذا لقيته إنّك أمرتني بولايتهما قال: نعم.


(165)

قالت: فإنَّ هذا الّذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما وكثير النّوا يأمرني بولايتهما فأيهما خير وأحبُّ إليك؟ قال: هذا والله أحبُّ إليَّ من كثير النوا وأصحابه، إنَّ هذا يخاصم فيقول: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(1)(وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(2) (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(3) .(4)

نقول: إنّ من أمعن في الرواية يجد أنّ الإمام (عليه السلام)حينما دعا المرأة لحب الرجلين فإنّما كان ذلك لمصلحة سياسية، لأنّ أُم خالد كانت من حاشية الوالي والمتقربين إليه، فلو أمرها بخلاف ما أمرها به فلربّما أخبرت المرأة الوالي وهذا ربّما يسبّب خطراً على الإمام .

ويشهد على ذلك أنّ المرأة لمّا قالت إنّ أبا بصير يدعوها إلى عدم حبهما وان كثير النّوا يدعوها إلى خلاف ذلك، رجّح الإمام قول أبي بصير على قول كثير النّوا، وفي هذا دلالة واضحة على أنّ أمرها بحب الرجلين في البداية كان من باب المداراة والتقية السياسية وإلاّ لما رجح قول أبي بصير على قول الغير ولما أجلس أبا بصير على فراشه وهذا يدل على صلة قريبة تربط أبا بصير بالإمام (عليه السلام).

وبعبارة أُخرى: أنّ التعارض بين صدر الرواية وذيلها واضح حيث إنّ


1 . المائدة: 44.

2 . المائدة: 45.

3 . المائدة: 47 .

4 . الروضة من الكافي: 8 / 237 .


(166)

الصدر يدل على أمره بالحب والذيل يدل على خلافه، والجمع هو ما ذكرنا فإنّ المرأة في أوّل الأمر ذكرت المسألة على وجه الإجمال ورأى الإمام المصلحة في مجاراتها وعقيدتها، ولمّا كشفت عن وجه الحقيقة وأنّها قد سألت أبا بصير وكثير النّوا وذكرت أنّ رأييهما مختلفان، فعندئذ لم يجد الإمام بُداً من بيان الحقيقة وأن يبين بطريقة ذكية أنّ الحق مع أبي بصير.

أمّا الرواية الثانية فقد ذكرها الإربلي في كشف الغمة عن عروة بن عبدالله قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام)عن حلية السيوف، فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصديق سيفه، قلت: فتقول: الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة وقال: نعم الصدّيق، نعم الصدّيق، نعم الصدّيق فمن لم يقل له الصدّيق فلا صدّق الله له قولاً في الدنيا ولا في الآخرة.(1)

إن دراسة هذه الرواية لا تسمح لصاحب الأسئلة بأن يحتجّ ويستدلّ بها، وذلك لوجود أمرين هما:

1 ـ الحديث من جهة السند ضعيف حيث نقله عليّ بن عيسى الإربلي(2) كما ذكرنا وهو من رجال القرن السابع حيث توفّي سنة 693 هـ ، وقد نقله عن عروة بن عبدالله الذي كان حيّاً في أيّام الإمام الباقر(عليه السلام) (57 ـ 114 هـ ) .

فكيف ينقل شخص من القرن السابع عن شخص كان يعيش في القرن


1 . كشف الغمة: 2 / 360.

2 . كشف الغمّة : 2 / 360 .


(167)

الثاني؟ وعليه فلا يمكن الاستدلال والاستناد إلى حديث هذا سنده! .

2 ـ يوجد في رجال الشيعة (من الرواة) من اسمه عروة بن عبدالله بن قشير الجعفي ، وهو الوحيد الذي يحمل هذا الاسم ، وقد عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) ولكنّه مجهول بالكامل(1) .

أمّا في رجال السنّة فهو أيضاً يسمّى بعروة بن عبدالله بن قشير الجعفي ، ويُكنّى بـ (أبي سهل) ، حيث ينقل الحديث عن عبدالله بن الزبير بواسطة رجل تتلمذ على يد عبدالله بن الزبير ، وبما أنّه ينقل الحديث عن عروة بن الزبير فهو قريبٌ له من الناحية السلوكيّة وانحرافه عن أهل البيت(عليهم السلام) ، لِعِلْمِنا بانحراف آل الزبير عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ولذلك لا يمكن الاستناد إلى حديث ينقله شخص كهذا!!(2) .

أضف إلى ذلك أنّه يوجد في متن الحديث مالا يصح نسبته للباقر(عليه السلام)، كما قرأت في نص الرواية. فهذا العمل غير مناسب لمقام الإمام الباقر(عليه السلام)ووقاره وأخلاقه ، والإفراط في المبالغة أكثر من الحدّ اللازم، وهذا دليل على أنّ عروة بن عبدالله ـ تلميذ عبدالله بن الزبير ـ هو من قام بوضع الحديث ونسبه إلى الإمام الباقر(عليه السلام) .


1 . تنقيح المقال : 2 / 251، برقم 788 .

2 . تهذيب الكمال في أسماء الرجال : 10 / 27، برقم 3909 .


(168)

السؤال 61

ذكر أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيّين والاربلي في كشف الغمة والمجلسي في جلاءالعيون ان أبا بكر بن علي بن أبي طالب كان ممن قتل في كربلاء مع أخيه الحسين فلماذا تخفي الشيعة هذا الأمر وتركز على مقتل الحسين ؟

الجواب : إنّنا نعجب كيف يقول إنّ الشيعة يخفون هذه المسألة ، وفي الوقت نفسه ينقلها عن العلاّمة المجلسي الّذي هو من كبار علماء الشيعة، كما أنّ الإربلي نقل قضيّة استشهاد أبي بكر بن أمير المؤمنين عن الشيخ المفيد ومعروف لدى القاصي والداني منزلة الشيخ لدى الشيعة فهو من أساطين المذهب الشيعي ، فكيف يقول إنّ الشيعة يخفون هذه القضيّة ؟! رغم مضافاً إلى أرباب المقاتل (الذين رووا قصة مقتل الحسين (عليه السلام)) يتفقون على ذكر ذلك وأن للحسين(عليه السلام) أخوة أربعة قتلوا بين يديه أحدهم أبا بكر. كما أنّ السائل حاول أن يتغافل عن أنّ كل المصادر الشيعية التي تحدثت عن حياة الإمام علي (عليه السلام)بالتفصيل ذكرت أسماء ابنائه ومنهم أبو بكر.

إنّ مسألة اتّخاذ أسماء الخلفاء لأبناء عليّ(عليه السلام) هي مسألة قد تمَّ التطرّق إليها في السؤال الثالث وقد أجبنا عن ذلك، حيث أثبتنا أنّ هذه الأسماء لا تختصّ بالخلفاء الثلاثة ، بل هي أسماء رائجة ومنتشرة بين العرب قبل


(169)

الإسلام وبعده ، ولنترك هذا الموضوع لأنّه نوع من التهريج الذي لا طائل من ورائه .

أمّا قوله بأنّ الشيعة تركّز على مقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، فهذا في الحقيقة من السذاجة بمكان بحيث لا يستحق الإجابة عنه. إلاّ أنّا نقول على نحو الاختصار: إن من المعروف لدى كل عاقل أنّ كل ثورة أو حركة يركز فيها على الشخصية الأُولى منها التي تمثل المحور في القضية، والإمام الحسين (عليه السلام)هو محور الثورة وهو قائدها وصاحبها، فالتركيز عليه يُعد أمراً طبيعياً جداً. كما نرى التركيز على شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في التاريخ الإسلامي: وهذا لا يعني المساس بالآخرين من الصحابة والأتباع ولا يكشف عن خبث السرائر أو محاولة الإلغاء والتشويه المقصودة التي يحاول صاحب الأسئلة إلصاقها بالشيعة زوراً وبهتاناً.

السؤال 62

إذا كان شرط النجاة يوم القيامة هو طاعة الأئمّة المعصومين مقترنة بطاعة الله والرسول(صلى الله عليه وآله) ، فلماذا لم يأت ذكر طاعة الأئمّة في القرآن كما جاء ذكر طاعة الله وطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) ؟(1)

الجواب : إنّ من أركان الإسلام طاعة الله وطاعة الرسول ، والآيات التي


1 . هذه خلاصة للسؤال، وقد استشهد جامع الأسئلة هنا بالآيتين 13 و 68 من سورة النساء.


(170)

ذكرها السائل ليست في مقام بيان كلّ أركان الإيمان ، والشاهد على ذلك آيات أُخرى توجب طاعة أُولي الأمر حيث يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ)(1) .

فهنا ذكر (إطاعة أُولي الأمر) بعد أن ذكر إطاعة المقامين السابقين .

وفي آية أُخرى يأمر الله تعالى بعدم إفشاء أسرار المسائل الحسّاسة أمام الآخرين ، وإنّما يجب إرجاعها إلى أُولي الأمر حيث قال عزَّ من قائل : (وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اْلأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي اْلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً)(2) .

فلا يكون خلوّ الآيتين عن ذكر الأئمة دليلاً على عدم وجوب طاعتهم إذا دلّت الأدلّة على وجوب طاعتهم وقد ثبت في محله أنّ المراد بـ (أُوْلِي الاَْمْرِ) هم الأئمة المعصومون فتكون طاعتهم مذكورة في الذكر الحكيم .

أضف إلى ذلك: أنّ الله عزّ وجلّ أمرنا بطاعة الرسول ، والرسول بدوره أمرنا بطاعة الثقلين .

ثم أنّ أهل السنة يرون وجوب إطاعة ولاتهم مع أنّها غير مذكورة في الآيتين، يقول أحمد بن حنبل في إحدى رسائله: «السمع والطاعة للأئمّة ، وأمير المؤمنين ، البرّ والفاجر ، ومن ولّي الخلافة فاجتمع عليه الناس ورضوا


1 . النساء : 59 .

2 . النساء : 83  .


(171)

به ، ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين ، . . . ليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم . . .».(1)

وهناك رسالة لأبي جعفر الطحاوي تُدرَّس اليوم في جامعة المدينة المنوّرة تحت عنوان «بيان السنّة والجماعة» يقول فيها : «ولا نرى الخروج عن أئمّتنا وولاة أُمورنا ، وإن جاروا ولا ندعو عليهم ، ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزّ وجلّ فريضة».(2)

وجامع الأسئلة من الانترنت ليس له أدنى اطّلاع بشأن مقام الإمامة بل لم يفهم رأي المدرسة والمذهب الّذي ينتمي إليه  ، ولا علم له بما نقلته كتب الحديث عندهم حول هذا الموضوع ; فقد جاء في أحاديث يرويها أهل السنّة أنفسهم : «من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام مات ميتةً جاهليّة».(3)

ومن خلال هذا الحديث نقول : إذا كان واقعاً أنّ الطاعة منحصرة في الله والرسول فقط فما معنى تأكيد النبيّ(صلى الله عليه وآله) على بيعة كلّ مسلم لإمام الزمان الذي يعيش فيه ، بل يصل به الأمر إلى تحذير المسلمين من الموت قبل أخذ البيعة لإمام زمانهم ، وإلاّ فإنّ موتهم سيكون بمثابة الموت على الجاهليّة .

وحقيقة الأمر أنّ السائل تصوّر أنّ المراد من الإمام هو أحد الخلفاء الأمويين أو العباسيين الذين صاروا أئمة للضلال والفساد ولذلك عجب من


1 . تاريخ المذاهب الإسلاميّة ، لمحمّد أبو زهرة : 2 / 322 .

2 . شرح العقيدة الطحاويّة : 110 ـ 111 .

3 . مسند أحمد : 2 / 96 .


(172)

القول بأنّ طاعتهم شرط لدخول الجنة، ولذلك قال: «وإنّما وجب ذكر طاعة الرسول بعد طاعة الله كشرط لدخول الجنّة، لأنّ الرسول مبلغ عن الله ولأنّ طاعته طاعة لمن أرسله أيضاً، ولما لم يثبت لأحد بعد رسول الله جانب التبليغ عن الله، فالله علّق الفلاح بطاعة رسوله دون أمر الآخرين ».(1)

وما ذكره حق في الولاة الذين أمر ابن حنبل والطحاوي بطاعتهم فإنّ طاعتهم ليست شرطاً لدخول الجنة بل ربّما تكون سبباً لدخول النار.

وأمّا «الإمام» المنصوب من قبل الله سبحانه بواسطة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)فعنده ما عند النبي من العلم وأحكام الله سبحانه وهوأحد الثقلين كما في الحديث المتواتر، وكسفينة نوح الّتي من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، فطاعة هكذا إمام، شرط لدخول الجنة، لأنّه مبلغ عن الله سبحانه عن طريق نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه عيبة علم الرسول وباب علمه. وهل يلتزم هو بتطبيق هذه القاعدة على أبي بكر وعمر وعثمان فلا تكون طاعتهم واجبة عنده؟!!

وآفة فهم السائل أنّه لم يعرف معنى الإمام لدى الشيعة وما يراد منها في رواياتهم.

ولأجل هذه المكانة العظيمة والمقام الرفيع الذي يحظى به منصب الإمامة عند النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد عمد النبيّ(صلى الله عليه وآله)والأئمّة من بعده إلى بيان هذا المقام الذي يتمتّع به الإمام المعصوم ، وكذا الوظائف الموكلة إليه من قِبل الله تعالى .


1 . أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحق : 54 .


(173)

ولكي لا يحتار الناس في شأن الإمام المنصوص عليه من قِبل الله تعالى ، ولا يلتبس عليهم الأمر فيه ، قام الأئمّة بتفسير الآيات التي تتحدّث عن الإمام وخصائصه .

وحصيلة الكلام: أنّ الآيتين اللّتين أوردهما السائل لم تكونا في مقام بيان جميع ما هو مطلوب من المسلم ومسؤول عنه.

السؤال 63

كان في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله) أُناس يرونه مرّة واحدة ثمّ يذهبون لديارهم، فلم يسمعوا شيئاً عن ولاية عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)وأبنائه وأحفاده (صلى الله عليه وآله وسلم)جميعاً  . فهل إسلامهم ناقص ؟

الجواب : أمّا نقضاً فإنّ أئمة الحديث والأشاعرة يعدّون الإيمان بخلافة الخلفاء الأربعة وحتّى تفاضلهم حسب زمن إمامتهم من صميم الإيمان .(1)

وعلى ضوء هذا نسأل: لقد كان عدد من الصحابة يرون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مرة واحدة ثم يذهبون إلى ديارهم، فهؤلاء لم يسمعوا عن خلافة الأربعة فهل أنّ إسلامهم كان ناقصاً؟!

أمّا حلاًّ: إنّ أُولئك الذين لم يشهدوا نزول كثير من الأحكام كانوا قد بايعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله) بيعة عامّة وإجماليّة تتضمّن التزامهم بطاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله) في كلّ ما


1 . لاحظ: مقالات الإسلاميين: 323 ; والإبانة عن أُصول الديانة: 190، الباب 16 .


(174)

نزل وما سينزل عليه من وحي ويستجدّ من أحكام ، وإن وصلهم فيما بعد شيء من تلك الأحكام كانوا سيقبلونه طائعين ومسلّمين .

وإمامة عليّ(عليه السلام) رغم أنّها طُرحت لأوّل مرّة في ما يسمّى بـ «يوم الدار» عندما نزل قوله تعالى : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ)(1) في السنة الثالثة للبعثة ، إلاّ أنّها لم تكن ذات طابع رسمي ، أمّا مع حلول حجّة الوداع وما أعقبها من واقعة غدير خمّ حيث تمّ إعلان إمامة عليّ(عليه السلام) بشكل رسميّ وعلني حضره أغلب المسلمين ، فقاموا بمبايعته رجلاً رجلاً وامرأةً امرأة .

أمّا الأشخاص الذين فارقوا الحياة قبل إعلان الإمامة في يوم الغدير ونزول حكمها من قِبل الله تعالى ، فهم أشخاصٌ ليس لهم أيّ تكليف إزاء إمامة عليّ ، وقد كان إقرارهم الإجمالي والتصديق الكلّي بجميع ما جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله) وما سيجيء به كافياً في تمامية إسلامهم .

وبهذا لا يبقى مجال لصاحب الأسئلة للقول بأنّ إسلامهم كان ناقصاً!! .


1 . الشعراء : 214 .


(175)

السؤال 64

نجد في نهج البلاغة رسالة عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) إلى معاوية ، جاء فيها «إنّه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد...» .

وفي هذا دليل على أُمور :

1 ـ أنّ الإمام يُختار من قبل المهاجرين والأنصار .

2 ـ أنّ عليّاً(عليه السلام) بُويع بنفس الطريقة التي بُويع بها أبو بكر وعمر وعثمان .

3 ـ أنّ الشورى للمهاجرين والأنصار ، وهذا يدلّ على فضلهم .

4 ـ أنّ قبول المهاجرين والأنصار ورضاهم ومبايعتهم لإمام لهم يكون من رضا الله .

5 ـ أنّ الشيعة يلعنون معاوية ولم نجد عليّاً(عليه السلام) يلعنه في رسالته .

الجواب :

إنّ القرآن الكريم يعلِّم المسلمين كيفية مخاطبة مخالفيهم باتّباع إحدى الأساليب التالية :


(176)

1 ـ إمّا بالبرهان والاستدلال العقلي .

2 ـ أو بالموعظة الحسنة .

3 ـ أو بالجدل ، ومعناه إقامة الدليل على الخصم اعتماداً على ما يعتقده من مسلّمات ومعتقدات(1) .

وهنا نجد أنّ أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام) ومن خلال كلامه في هذه الرسالة قد اعتمد الأُسلوب الثالث مع خصمه اللدود ، وهو الأُسلوب الجدلي ; حيث احتجّ على معاوية بنفس منطقه ومعتقده ، فقال له : إنّ الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة ـ الذين تدّعي إيمانك بخلافتهم ـ هم أنفسهم الذين بايعوني ، فلِمَ تقبل بيعة هؤلاء الناس للخلفاء الثلاثة وتمتنع عن قبول بيعتهم لي ؟

فهذا النوع من الخطاب الجدلي لا يدلّ على أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) يقبل منطق معاوية .

وإذا أردنا أن نتوسّع قليلاً في هذا المطلب ونبيّن أصل الاختلاف فيه ، نقول :

إنّ أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام) قد أمسك بزمام الخلافة بعدما بايعه المهاجرون والأنصار ، وبعد إصرار كبير منهم ، ولعلمه أنّ معاوية لم يكن رجلاً صالحاً يُؤتَمن على إمارة الشام ، فقد قام(عليه السلام) بعزله عن الإمارة مباشرةً ، على رغم ما اقترحه بعض المسلمين بإمهال معاوية حتّى يتمكّن الإمام (عليه السلام)


1 . قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) . النحل : 125 .


(177)

من السيطرة على شؤون الدولة ، وتستتب له الأُمور ، ثم يعزله بعد ذلك، لكنّه(عليه السلام)رفض هذا الاقتراح وعزل معاوية ولم يدعه في منصبه يوماً واحداً .

وهنا قام معاوية ـ طالب الدُّنيا ـ بالتمرّد على الإمام(عليه السلام) بدعوى المطالبة بدم عثمان ، وحاول اتّهام الإمام(عليه السلام) بالمشاركة في قتله .

هذه هي الظروف التي كتب فيها الإمام(عليه السلام) تلك الرسالة لمعاوية ، لخّص له فيها سبب تمرّده وبيَّن له فيها أنّه على علم بما يدور في خَلده ، وهو أنّ قيامك وتمرّدك يعود إلى أمرين :

الأوّل : أنّك تدّعي أنّ خلافتي غير مشروعة ، في حين أنّ خلافتي تتّصف بنفس مواصفات خلافة مَنْ سبقني من جهة الكمّ والكيف ; فالأشخاص الذين بايعوني هم نفس الأشخاص الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة .

الثاني : إن كنت تعتمد على اتّهامي بقتل عثمان فأنت تعلم أنّني بريءٌ من ذلك ولذلك كتب في ذيل رسالته: «لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمانَ » .(1)

من هنا يتبيّن لنا أنّ الإمام علياً(عليه السلام) لم يكن في مقام بيان مسألة كلاميّة وعقائديّة ، بل كان في مقام قطع الطريق أمام معاوية الذي تمرّد عليه ، وفَضْح دعواه الزائفة عن طريق سلوك الأُسلوب الجدلي المنطقي .

وكان هذا ديدنه(عليه السلام) مع كثيرين ، فقد واجه طلحة والزبير وكذلك الخوارج بنفس ذلك الاُسلوب المنطقي تفادياً لوقوع الحروب وإراقة الدِّماء .


1 . نهج البلاغة: 3 / 7، الكتاب رقم 6 .


(178)

والنتيجة : أنّ كلّ ما استخلصه السائل من نتائج خمسة ، هو استنتاج واه وبلا أساس .

وأمّا القول بعدم تعرّض عليّ(عليه السلام) إلى لعن معاوية في الرسالة ، فلأجل أنّ الإمام يهدف في هذه الرسالة إلى احتواء معاوية وإعادته إلى جادّة الصواب ، لا إلى مزيد من الإبعاد والنفرة، فلم يكن اللّعن منسجماً مع هدفه (عليه السلام).

ثم لماذا يتغافل جامع الأسئلة عن مواقف الإمام (عليه السلام) مع معاوية المذكورة في نفس نهج البلاغة حيث يصفه بالغدر والفجر ومنها: مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ. ..؟!(1)

السؤال 65

لا يستطيع الشيعة أن ينكروا أنّ أبا بكر وعمر وعثمان قد بايعوا الرسول(صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة «في بيعة الرضوان» وأنّ الله أخبر بأنّه قد رضي عنهم وعلم ما في قلوبهم .(2)

الجواب : أوّلاً : عندما يتعرّض مجتمع من المجتمعات إلى المدح والثناء، فليس معناه شمول هذا المدح جميع أفراد ذلك المجتمع فرداً فرداً ، بل ذلك المدح والثناء يكون لائقاً بالمجتمع ككلّ ، فمثلاً عندما نقول إنّ طلبة


1 . نهج البلاغة: 2 / 180، من كلامه له برقم 200 .

2 . الفتح: 15 .


(179)

الجامعة الفلانيّة مجدّون ومجتهدون فليس معناه انطباق هذا الوصف على كلّ طالب في الجامعة ; لأنّه قد يكون هناك طالب غير مجدّ وغير مجتهد ، بل المقصود هو وصف الحالة العامّة التي تسود تلك الجامعة ككلّ .

وأفضل ما يمكن الاستدلال به في هذا المقام من تاريخ المسلمين ، هو وجود عبدالله بن أُبيّ زعيم المنافقين بينهم ، فقد كان من المشاركين في بيعة الرضوان هو وأتباعه فبايعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، ولو أنهم امتنعوا عن البيعة لذكرهم التاريخ .

وهنا نسأل السائل : هل يمكن الاستدلال بالآية (آية الرضوان) على استقامة عبدالله بن أُبيّ وأتباعه من المنافقين ، وهل يمكن لنا أن نصفهم بالأفضليّة ؟!

ثانياً : إنّ المتدبر في آية الرضوان يجد أنّ رضا الله تعالى لم يكن مطلقاً ، بل كان مختصّاً بالوقت الذي تمّت فيه البيعة فقط، قال سبحانه: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ . . .)(1) ; بمعنى أنّ الله رضي عن المبايعين لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في ذلك الوقت بالتحديد ، وهذا لا يكون دليلاً على بقاء ذلك الرضا واستمراره إلى آخر العمر .

وعلى ضوء ما ذكرنا فإن رضا الله سبحانه كان محدداً بوقت خاص، فلو صدر ـ من أحد الذين رضي الله عنهم في ذلك الوقت ـ ما يوجب السخط بعد ذلك كان بمنزلة أنّه نكث بيعته ، فلا يكون ذلك دليلاً على خلاف مفاد


1 . الفتح : 18 .


(180)

الآية لأنّها لم تخبر عن رضا الله سبحانه عنهم في عامة أحوالهم إلى يوم القيامة .

ولذلك نرى أنّه سبحانه يقول في حقهم في آية أُخرى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ... )(1). فالآية ناظرة إلى الذين بايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الشجرة ومع ذلك يستدرك ويقول: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ)(2).

فتكون النتيجة أنّه قد عمهم رضا الله سبحانه على وجه الاقتضاء لا على وجه العلّة التامة، فلو ثبت في التاريخ نكث البيعة أو انتهاك الحرمة، أو غير ذلك من المعاصي فلا يمكن الاستدلال بالآية على نزاهة الناكثين والهاتكين للحرمة.

إنّ الاعمال الصالحة لا تُعدّ دليلاً قطعياً على حسن مصير الإنسان وقطعيته، ولذا روى البخاري حديثاً عن النبي، جاء في آخره: «إنّما الأعمال بالخواتيم ».(3)

إذ رب إنسان صالح في أوائل حياته يتبدل في أُخريات عمره إلى إنسان طالح، وربّما كان العكس.

وبهذا تبيّن أنّ الآيات المادحة للمهاجرين والأنصار يستدل بها على


1 . الفتح: 10.

2 . الفتح: 10 .

3 . صحيح البخاري: 4 / 233، كتاب القدر، الباب 5، الحديث 7 .


(181)

حسن سلوكهم مالم يدل دليل على خلاف ذلك، فيؤخذ بالثاني من دون أن يكون هناك تعارض بين الدليلين.

السؤال 66

بينما نجد الشيعة يتقرّبون إلى الله بسبّ كبار الصحابة لا سيما الخلفاء الثلاثة ، لا نجد سنيّاً واحداً يسبّ واحداً من آل البيت(عليهم السلام) ؟

الجواب : الشيعة هم أتباع أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) الذي كان يأمرهم دائماً بقوله : «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين ، ولكنّكم لو وَصَفْتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر»(1) .

إذن ; فالسباب هو تصرّف بعيد عن التربية والأخلاق ، ورسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول : «سِبابُ المؤمنِ فُسوق» كما يدلّ على افتقار صاحبه للعلم والثقافة .

لذلك فإنّ ما يمكن مشاهدته أو سماعه عن الشيعة فهو :

أوّلاً : أنّ عدد أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)قُدّر بمائة ألف شخص ، والمدوّن من أسمائهم هو حوالي خمسة عشر ألفاً والبقيّة المتبقّية مجهولون ، فكيف نقبل بقيام شخص عاقل مثقّف بعداوة وسبّ أشخاص مجهولين لا يعرفهم ؟!

ثانياً : الصحابة الذين ذُكرت أسماؤهم حوالي خمسة عشر ألفاً ـ كما ذكرنا ـ فيهم قسمٌ كبير لم يشاركوا في ظلم أهل البيت(عليهم السلام) ، كما أنّ هناك فريقاً


1 . نهج البلاغة ، الكلمات القصار : 206 .


(182)

منهم كان من أتباع عليّ(عليه السلام) المعتقدين بإمامته من أوّل يوم نصبه فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وكانوا من المدافعين عن حقّه . فكيف نسمح بسبّهم ؟!

أمّا أُولئك الذين تجاوزوا حدودهم في التعدّي على أهل بيت العصمة والطهارة وابتزّوهم وسلبوهم حقوقهم وأنزلوهم من منزلتهم التي ارتضاها الله لهم ، فهم الذين مازالوا مورداً لانتقاد الشيعة وإدانتهم، والميزان في ذلك هو عرض أعمالهم تلك على موازين الإسلام، وعند ذلك يتضح استحقاقهم لذلك الانتقاد والتقريع .

مثلاً وليد بن عقبة قد وصفه القرآن بالفاسق في الآية السادسة من سورة الحجرات ، وهناك فريق ترك النبيّ(صلى الله عليه وآله) قائماً يصلّي الجمعة وتوجّه إلى التجارة واللهو عند سماعه بوصول القافلة المحمّلة بالبضائع، قال سبحانه: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً . . .)(1) .

أفيمكن الترضي عليهم، وطلب الرحمة لهم، أو أنّ الوظيفة في المقام هو التبري من الفاسق والمبتز لكرامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

والجدير بالذِّكر أنّ الخلفاء والصحابة لم يكونوا يحظون بهذه القدسيّة والعصمة وبهذه المكانّة الرفيعة التي يحاول البعض تصويرهم بأنّهم فوق النقد ولا يمكن الحديث عن تاريخهم وما قاموا به وتحت غطاء كونهم صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن بمرور الزمن جاء من يُضفي هذه القداسة على الصحابة (بدون استثناء) كعنوان مماثل لما يحظى به أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) .

ولنعد مرّةً أُخرى إلى صحيح البخاري ونقلّب صفحاته ونحقّق ما جاء


1 . الجمعة : 11 .


(183)

فيه حول تفسير سورة النور في الحديث رقم 4720 ، حيث نرى أنّ اثنين من كبار الصحابة  ـ أحدهما سعد بن معاذ والآخر سعد بن عبادة ـ تخاصما في محضر النبيّ(صلى الله عليه وآله)حيث قال سعد بن عبادة لسعد بن معاذ : أُقسم بالله إنّك لتكذب! وقال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة : أُقسم بالله إنّك أنت الذي يكذب! أنت منافق وتدافع عن المنافقين!! .

هذا هو موقف الصحابة عند أنفسهم في ذلك الوقت فكيف نصفهم بالعدل والقداسة من أوّلهم إلى آخرهم في حياة النبي وبعد رحيله.

إنّ خصام عمّار بن ياسر مع خالد بن الوليد في محضر النبيّ(صلى الله عليه وآله)معروف(1) ، ولم يقل النبيّ(صلى الله عليه وآله) على الإطلاق أنّكما وصفتُما بعضكما بالكذب والنفاق ، وعليه تكونا قد خرجتما من الإسلام .

والنبيّ(صلى الله عليه وآله) وصف قسماً من أصحابه بـ «الفئة الباغية» عندما رأى عمّار بن ياسر ووجهه ملطّخ بالطين والتراب وهو جالس فجعل(صلى الله عليه وآله) يمسح رأسه ويقول : «طوبى ابن سميّة ، تقتلك الفئة الباغية» .

وقال أيضاً : «ما لهم ولعمّار يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار» (2).

أضف إلى كلّ هذا إنّ التكفير واللّعن لا يخرج الإنسان عن الدِّين طِبقاً للمذهب الأشعري. (3)


1 . مستدرك الحاكم: 3 / 29 .

2 . صحيح البخاري: 1 / 115 ; مسند أحمد: 3 / 91 ; مستدرك الحاكم : 3 / 149 ; جامع الأُصول : 9 / 44، الحديث 6583 .

3 . راجع: الفصل لابن حزم: 4 / 204 .


(184)

ثم كيف يدّعي السائل أنّه لم يجد سنيّاً واحداً يسب واحداً من آل البيت!!

فهل نسي ما قام به معاوية من سب الإمام علي (عليه السلام)والأمر بلعنه وسبه على المنابر!!

وهل هو يجهل أو يتجاهل الحيف والضيم الّذي تعرّض له أهل البيت(عليهم السلام)على مرّ التاريخ من سم الإمام الحسن (عليه السلام)مروراً بواقعة كربلاء و... ويكفي أن يراجع في هذا المجال «مقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الاصفهاني، ليعرف بطلان ما يدّعيه.

ولا ينسى الكاتب أن يراجع الشعراء الذين أثنوا على قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما فعل ذلك عمران بن حطّان.

السؤال 67

ما دام الأئمّة(عليهم السلام) حسب مفهوم الشيعة يعلمون الغيب ، ألم يكن باستطاعة الحسين(عليه السلام) أن يعلم حاجته إلى الماء أثناء القتال ، وأنّه سوف يموت عطشاً ، وبهذا يستطيع أن يجمع كمّية من الماء كافية للمعركة ؟

الجواب : إنّ جامع الأسئلة لم يقرأ جيّداً تاريخ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وكيف أنّهم كانوا يدرسون الأُمور دراسة وافية ويعدّون لكل شيء عدته. ونحن إذا قرأنا تاريخ الإمام الحسين (عليه السلام)في معركة كربلاء نجده قد حسب


(185)

لكلّ شيء حسابه ومنها توفيره الماء الكافي له ولاصحابه في حلهم وترحالهم، فقد حدّثنا التاريخ أنّ الإمام(عليه السلام)كان قد أخذ معه ما يكفيه من الماء ، ولكن عندما واجهه جيش الحرّ بن يزيد الرياحي ، كان ذلك الجيش قد بلغ مبلغاً عظيماً من العطش ، لدرجة أنّ الواحد منهم كان يتعثّر في مشيه ويسقط من شدّة العطش ، عندها أصدر الحسين(عليه السلام) أوامره لمن كان معه بأن يقدّموا لهم قِرب الماء التي كانت بحوزتهم ـ رغم أنّهم جاءوا لقتاله ـ فشرب أصحاب الحرّ حتّى ارتووا ، وحتّى أن الشخص الذي لم يتمكّن من الشرب بسبب التعب الشديد ، ساعده الإمام (عليه السلام)بنفسه حتّى شرب وارتوى من يده (عليه السلام). فما ادّخره من الماء قد بذله لعدوه الغاشم .

ولا غرابة في ذلك لان الحسين(عليه السلام) هو شبل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)الذي قام معاوية بمنعه وأصحابه من الوصول إلى نهر الفرات حتّى عطش جيشه ، ممّا اضطرّه أن يحمل على عسكر معاوية ، ويجليهم عن الماء ، ويصبح الماء تحت سيطرة جيشه(عليه السلام) ، ولكن أبى عليّ أن يفعل فعلتهم بل أمر أصحابه(عليه السلام) بأن يكون الماء مناصفةً بين جيشه وجيش معاوية .

كما أنّ المصادر الشيعية تؤكد أنّ الإمام (عليه السلام)لم يستسلم للأمر الواقع بل أرسل من يجلب لهم الماء، وفي بعضها قام (عليه السلام)بمحاولة حفر الآبار إلاّ أنّ القوم منعوهم من ذلك ،هذا من ناحية النقل.

وأمّا إذا أردنا أن نحلّل قضية عطشه (عليه السلام)فنقول: هذه قضية تابعة لظروفها الموضوعية، فنحن الآن ندرس القضية على أساس ما جاءنا في بطون الكتب، ومن المعلوم أنّ الّذي وصل إلينا لا يمثل الحقيقة بكل أبعادها


(186)

وجزئياتها، فإنّ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. بل نرى أنّ الحاضرين في واقعة واحدة تختلف رؤيتهم لطريقة معالجتها، فهذا هو التاريخ يحدثنا عن مخالفة عمر بن الخطاب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في أكثر من موقع اعتماداً على اجتهاده الخاص وفهمه للواقعة، فقد خالف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في صلح الحديبية، وهو يعلم جيداً منزلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وحكمته ودرايته، كذلك نراه يقترح معالجة قضية رأس المنافقين عبدالله بن أبيّ بن سلول بالقتل وقد تبيّن خطأ رأيه وصحة رأي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ومدى حنكته (صلى الله عليه وآله وسلم)في المعالجة.

إذاً القضية لا ترتبط بالعلم فقط ولا تنافيه، بل لابدّ أن تدرس القضية من جميع أبعادها.

ومن هنا باعتبار أنّنا نعرّف بالأدلّة القطيعة حكمة الإمام الحسين (عليه السلام)ودرايته وبعد نظره، نسلّم أنّه كان قد بحث القضية من جميع أبعادها وأنّه هو صاحب القرار في اتخاذ الموقف.

واما قضية علم الأئمة للغيب، فقد اجبنا عنها في سؤال متقدم.


(187)

السؤال 68

لقد اكتمل دين الإسلام في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)لقوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)(1) ومذهب الشيعة إنّما ظهر بعد وفاته(صلى الله عليه وآله) ؟

الجواب : إنّ التشيّع ليس شيئاً ظهر بعد وفاة نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله) ; لأنّ التشيّع ليس ظاهرة طارئة بعد وفاته، كما زعم السائل، بل انّ التشيّع عبارة عن اتّباع لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في كلّ ما جاء به ، ومن جملة ذلك ولاية العترة الطاهرة وهم أحد الثقلين ، وعليه يكون التشيّع بهذا المعنى هو عين الإسلام ، وليس شيئاً منفصلاً عنه ، وكأنّ التشيّع والإسلام وجهان لعُملة واحدة .

إذن : فالتشيّع ليس مذهباً سياسيّاً أو عقائديّاً ظهر بعد عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، بل النبيّ(صلى الله عليه وآله)نفسه أطلق اسم الشيعة على أتباع عليّ وأنصاره ، وقد وردت في ذلك روايات عديدة في تفسير الآية الكريمة(2) : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)(3) . حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا علي أنت وشيعتك هم الفائزون».(4)


1 . المائدة : 3 .

2 . الدر المنثور للسيوطي: 6 / 379 ، تفسير سورة البيّنة .

3 . البيّنة : 7 .

4 . راجع: الغدير في الكتاب والسنة والأدب : 2 / 57 .


(188)

وعلى ضوء الروايات المتضافرة إطلاق اسم الشيعة على أنصار عليّ(عليه السلام) هو من صنع رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وقد ورد ذلك في كتب أهل السنّة ، نقل بعضاً منها الطبرسي في مجمعه والسيوطي في الدر المنثور. وأفرد بعض الأصحاب رسالة خاصة في هذا الموضوع وأنهى طرق الحديث إلى أربعين طريقاً شكر الله مساعيه.

ولحسن حظّنا فإنّ السائل استدلّ بآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وهي الآية التي نزلت يوم الغدير حيث تمّ تنصيب القائد لمستقبل الإسلام ألا وهو عليّ بن أبي طالب على يد رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

السؤال 69

لقد أنزل الله تعالى براءة عائشة في قصّة الإفك الشهيرة ، وطهّرها من هذا السوء ، ثمّ نجد بعض الشيعة لا زالوا يرمونها بالخيانة .(1)

الجواب : لو أنّ جامع الأسئلة كان إنساناً واقعيّاً وموضوعيّاً لأخذ رأي الشيعة من التفاسير المعتبرة للشيعة عندهم! هذه التفاسير التي تنزّه ساحة عائشة عن مسألة الإفك .

كما أن القارئ يمكنه مراجعة هذا الموضوع في التفاسير المعتبرة (2) ،


1 . نسب جامع الأسئلة هذا الكلام إلى عليّ بن إبراهيم القمّي والبحراني في تفسيرهما .

2 . مجمع البيان : 4 / 120 ، تفسير آية (الَّذِينَ جَاءُوا بِالاِْفْكِ . . .) ; الميزان في تفسير القرآن : 15 / 105 ـ 116 .


(189)

فسيجد أن العلاّمة الطباطبائي ردّ روايات أهل السنّة التي تحكي عن سوء ظنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) بزوجته عائشة ، وأثبت بطلانها ، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو يتعلّق بمن نزلت آيات الإفك في حقّها; فهل هي عائشة أو مارية القبطية؟ وعلى كل حال فالوحي قد برأهما.

والعجيب هنا هو أنّ التفسيرين اللّذين نسب إليهما ما ذكره يصرّحان بأنّه يمتنع على أزواج الأنبياء ارتكاب معصية الزنا والخيانة ، فقالا هذا كضابطة كلّية تشمل جميع زوجات الأنبياء بما فيهنّ كلُّ زوجات نبيّنا(صلى الله عليه وآله) . وقد جاء ذلك في تفسير الآية العاشرة من سورة التحريم التي تتحدّث عن زوجة لوط وزوجة نوح(عليهما السلام) ، حيث قال جاء فيها: (فَخَانَتَاهُمَا)(1) .

إنّ جامع الأسئلة هذا نقل إنّ هذين التفسيرين يتّهمان عائشة بالخيانة ، وقد عرفت أنّهما قد صرحا بامتناع الفاحشة على زوجات الأنبياء مطلقاً من غير فرق بين نبي ونبي ومع ذلك كيف ينسب إليهما ما ورد في السؤال .

ومن الثابت علمياً أنّ تفسير القمّي لا يتمتّع بقيمة علميّة ، لأنّ ناقله شخصٌ مجهول قام بنسبة قسم منه إلى عليّ بن إبراهيم القمّي ، وقسم آخر نسبه إلى زياد بن المنذر المعروف بأبي الجارود والذي يُعدّ ضعيفاً .

ومع هذا كلّه كيف يمكن الاعتماد على مثل هذا الكتاب وعلى من نقل عنه كالبحراني ؟!

وليعلم أنّ الدفاع عن عائشة في هذه القضية ليس معناه الدفاع عن كلّ


1 . التحريم : 10 .


(190)

أعمالها ، فلا شكّ في أنّها قامت بوجه إمام زمانها عليّ(عليه السلام) ، وقادت جيشاً ضده، مخالفة لأمره سبحانه : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)(1) ، وهذا أمر ثابت عند كلّ المفسّرين والمؤرخين ، ولكن بعض أنصار عائشة يبرّرون ذلك محاولين إيجاد العذر لها في الخروج بدعوى أنّها اجتهدت ، وهذا معناه أنّها اجتهدت في مقابل النصّ القرآني الصريح! ، ولا يحق لأيّ مسلم أن يجتهد على خلاف أوامر الله ورسوله .

السؤال 70

إذا كان لعليّ وولديه(عليهم السلام) كلّ تلك الخوارق التي يرويها الشيعة ، فلماذا نجد الحسن يضطرّ للصلح مع معاوية ، والحسين يتعرّض للتضييق ثمّ للقتل ولم يحصل على مبتغاه ؟

الجواب : نقضاً: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) يتمتّع بقدرة كبيرة جدّاً تفوق العادة ، فحادثة المعراج وشقّ القمر وغيرها من المعجزات والكرامات التي ملأت كتب الحديث ونُقِلت بشكل متواتر ، شاهدة على ذلك ; ومع هذه القدرة التي تفوق العادة فإنّه(صلى الله عليه وآله)تعرّض في غزوة أُحد لكسر رباعيّته من قِبل أحد الأعداء حيث رماه بسهم وقيل بحجر ، فأُدمي وجهه الشريف ، واستشهد سبعون صحابيّاً بين يديه. وفي غزوة الخندق ربط حجراً على بطنه الشريف من شدّة


1 . الأحزاب : 33 .


(191)

الجوع ، وفي الحديبيّة اضطرّ إلى عقد الصلح مع مشركي مكّة ، وفي غزوته ضدّ هوازن فرَّ جيشه من المعركة منهزماً ، وفي محاصرته(صلى الله عليه وآله) في الطائف لم يحقّق أيّ انتصار يُذكر .

فلماذا يواجه النبيّ(صلى الله عليه وآله) كلّ هذه المشكلات رغم أنّ له قوّةً خارقة للعادة ؟!

والجواب: حلاًّ : أنّ الأنبياء(عليهم السلام) يعتمدون في تبليغ دعوتهم ومحاربة أعدائهم على أساليب عادية ، ولا يستخدمون قدرتهم التي تفوق العادة إلاّ في إثبات نبوّتهم أو في بعض الموارد الخاصّة التي توجب لجوءهم إلى القوّة الغيبيّة والاستعانة بها .

وكذلك الحال في أمير المؤمنين وأبنائه(عليهم السلام) فإنّهم أُمروا بإدارة شؤون الخلافة والإمامة بالوسائل الطبيعيّة ، ولذلك لم يلجأوا إلى استخدام القوّة الغيبيّة .

ثمّ إنّ السائل الجاهل قد سمح لنفسه بأن يتجرّأ على الإمام الحسين(عليه السلام)وينتقص منه ؟! ليأتي ويقول إنّ الحسين(عليه السلام)لم يحقّق هدفه ؟!

وقد جهل أنّ الحسين(عليه السلام) قد حقّق أقصى هدف له ، لأنّ هدفه كان إيقاظ الهمم وبعث روح حبّ الشهادة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحرير الأُمّة من قبضة الحكّام الأمويّين  الظلمة، بل وتأليب الأُمّة عليهم .

وقد تحقّق له ذلك ، فكلّ الثورات التي أعقبت شهادته(عليه السلام) كانت من ثمار ثورته المباركة .


(192)

إنّ جامع الأسئلة ومروّجها تصوّر أنّ الحسين (عليه السلام) يسعى للحصول على القدرة السياسيّة والسلطنة، ولهذا تراه يقول : إنّه لم يحقّق مبتغاه!! .

لقد أعطى(عليه السلام) بشهادته حياةً جديدة للأُمّة ، وأوجد في المجتمع الإسلامي حياةً اجتماعيّة دائمة ومتجدّدة بفضل تضحيته بحياته الدنيوية ، وفتح صفحة جديدة في حياته البرزخيّة ليحيا فيها خالداً (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)(1) .

السؤال 71

يزعم الشيعة أنّ فضائل علي والنصوص على إمامته متواترة، والحال أنّ نقلة هذه النصوص والفضائل هم جمهور الصحابة الذين يتهمهم الشيعة بالردّة والكفر، وأمّا الصحابة الذين يواليهم الشيعة ويقولون بثباتهم على الدين فهم نفر قليل لا يثبت بهم التواتر.

الجواب: أوّلاً: إنّ اتّهام الشيعة بقولهم بارتداد الصحابة بعد رحلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ألصق بجامع الأسئلة وأئمته، فهم الذين قالوا بذلك، وقد سبق منا توضيح ذلك، كما ذكره ابن الأثير في كتابه «جامع الأُصول» في باب سمّاه «حوض الكوثر»، فليراجع ذلك حتّى يُعلم أي الفريقين أولى بهذا الاتهام.


1 . آل عمران : 168 ـ 169 .


(193)

كيف يقول الشيعة بارتداد جمهور الصحابة مع أنّ مائتين وخمسين صحابياً هم من رواد التشيّع وأوائله وقد بقوا على ما كانوا عليه في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من الثبات على ولاية علي (عليه السلام)؟!

ولنترك ذلك كله ولنسأل جامع الأسئلة: هل أنّه قرأ شيئاً من علوم الحديث، وهل علم أنّه لا يشترط في التواتر إيمان المخبرين وإسلامهم، بل يكفي امتناع تواطئهم على الكذب؟ وقد نقلت فضائل أهل البيت والنص على ولايتهم جموع غفيرة من الصحابة والتابعين إلى أن وصلت بأيدينا متواترة بكل طبقاتها ، فمثلاً حديث الغدير قد نقله حوالي 120 صحابياً. وقس على ذلك طبقة التابعين وتابعي التابعين والعلماء في كل عصر وقرن. وهذا يفيد العلم بالخبر، سواء كان المخبرون مسلمين ـ كما هو الحال عندنا ـ أم كانوا غيرهم حَسَب اتّهام السائل الشيعة به، فإنّ دين المخبر لا مدخلية له.

السؤال 72

يدّعي الشيعة أنّ أبا بكر وعمر وعثمان كان قصدهم الرئاسة والملك ، فظلموا آل البيت(عليهم السلام)بغصبهم الخلافة، ولكن نرد على قولهم بأنّ هؤلاء لم يقاتلوا مسلماً واحداً، لتحصيل الولاية والسلطة وإنّما قاتلوا الكفّار والمرتدّين فقط ، وحتّى أنّ عثمان عندما حوصر لم يقتل مسلماً واحداً ؟

الجواب : لا يخفى أنّه لا صلة لدليله بمدّعاه، وذلك لأنّ الشيعة


(194)

يعتقدون أنّ الثلاثة قد تسنّموا منصة الحكم لأهداف دنيوية أعظمها حبّ الرئاسة والتسلّط، وسيوافيك دليل ذلك.

والسائل يرد على ذلك بأنّهم لم يقتلوا مسلماً في طريق الحصول على السلطة وبعده، أفهل يكون هذا دليلاً على أنّهم كانوا متقربين إلى الله بقبولهم الخلافة كصومهم وصلاتهم؟!

وإن كنت في شك في أنّهم تسنّموا الخلافة لرغبة دنيوية فلاحظ كيفية انتخابهم والطريقة الّتي وصلوا بها إلى سدة الحكم، فالأوّل منهم فقد نال الخلافة بحادثة السقيفة، وقد اجتهد عمر وسعى حثيثاً في تثبيت خلافة أبي بكر ، وأمّا عمر فقد اختاره أبو بكر من دون الرجوع إلى أخذ رأي المهاجرين والأنصار ; وقام عمر أيضاً عندما شارف على الموت بجعل الخلافة في مجموعة تتكوّن من ستّة أشخاص بدعوى الشورى ، وكان ترتيب هؤلاء بطريقة يكون فيها حرمان عليّ وإقصاؤه(عليه السلام) من الخلافة أمراً محتوماً ، بحيث يكون أربعة ضدّه، خصوصاً وأنّ عبد الرحمن بن عوف قد قام في إنجاز مهمته بوضع شرطين تكون الخلافة رهن قبولهما، وهما: العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه .

والشرط الآخر هو: العمل بسيرة أبي بكر وعمر ، وهو على يقين أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام)سيرفض الشرط الثاني ، وكان كما أراد; لأنّ عليّاً(عليه السلام)أعلن التزامه بالعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه فقط ورفض الشرط الثاني.(1)


1 . راجع شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : 1 / 188 و 194 ; تاريخ اليعقوبي : 1 / 162 .


(195)

فهل بعد ذلك يصح القول بأنّ قبول الخلفاء الثلاثة للخلافة كان لوجه الله وتقرباً إليه تعالى ، مع هكذا ظروف وشروط ؟!

وأمّا كون عثمان لم يقاتل أحداً فلأنّه كان محاصراً وحيداً فريداً وليس له أيّ قدرة حتّى يعطي الأمر بالقتال ، وأمّا في اليوم الذي كانت له فيه القدرة تراه لم يتوان في ضرب وشتم أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) أمثال أبي ذرّ وعمّار وعبدالله بن مسعود و . . . . كما قام بإصدار أمر بمقاتلة المصريّين .

السؤال 73

لقد كفرت القاديانيّة بادّعائها النبوّة لزعيمها ، فما الفرق بينها وبين الشيعة الذين يزعمون لأئمّتهم خصائص الأنبياء و...؟

الجواب : بالرجوع إلى أي كتاب من أحد الكتب العقائدية للشيعة يتّضح الفرق بين الفريقين ; فقياس الشيعة بهم إهانة لهم. فالشيعة يعتقدون أنّ النبوّة قد خُتمت بالنبيّ(صلى الله عليه وآله)، وأنّ الوحي قد انقطع بوفاته(صلى الله عليه وآله) ، وأنّه لن يكون هناك نبيٌّ بعده إلى يوم القيامة .

ولكن كلّ هذا لا يكون مانعاً من أن تشمل عناية الله سبحانه بعض عباده الصالحين فيجعلهم علماء فهماء من عنده من دون أن يدرسوا على يد أحد، كما هو الحال في حق أئمتهم وهذا ليس بأمر غريب وله نظائر، فهذا مصاحب موسى يصفه القرآن الكريم: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ


(196)

عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(1)، وعلى ضوء ذلك فقد شملت عنايته سبحانه أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فطهرهم من الدنس والذنب وعلّمهم من لدنه ـ من دون أن يكونوا أنبياء ـ ليقوموا بوظائف النبي بعد رحيله باستثناء تلقّي الوحي .

ويشير إلى هذا ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله)لعليّ(عليه السلام) : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»(2) . فأي إشكال في هذا، فإنّ غلق باب النبوة وختمها ليس بمعنى ختم عنايته سبحانه ببعض عباده باللطف والرحمة والكرامة والعظمة.

والخصائص الّتي زعم القائل بأنّ ثبوتها للأئمة يلازم النبوة عبارة عن القول بعصمتهم أو اطّلاعهم على الغيب بإذن الله تعالى، أو ما يشبه ذلك، ولكن السائل غفل عن أنّ العصمة أعم من النبوة، فهذه مريم بنت عمران كانت معصومة ومطهرة ولم تكن نبيّةً.(3)

وهذا مصاحب موسى كان مطلعاً على الغيب ولم يكن نبياً بل كان ولياً من أولياء الله تعالى.(4)

وكان يوسف (عليه السلام)واقفاً على الغيب قبل أن يكون نبياً حيث أخبر صاحبيه في السجن بمصيرهما وأنّ أحدهما يصلب، والآخر يكون ساقياً للملك .(5)


1 . الكهف: 65 .

2 . صحيح مسلم: 7 / 120، برقم : 2404 .

3 . آل عمران: 42 .

4 . الكهف: 79 .

5 . يوسف: 41 .


(197)

والحق أنّ القوم لم يدرسوا مسألة الولاية والخلافة عن النبيّ إلاّ على ضوء الحكومات العامة من وزير إلى رئيس وزراء إلى رئيس جمهورية وغير ذلك، فالإمام والخليفة عندهم كهؤلاء، ومن المعلوم أنّهم لا يوصفون بالعصمة ولا بالاطلاع على الغيب ولا بشيء غير ذلك.

السؤال 74

كيف يُدفن رسول الله(صلى الله عليه وآله) في بيت عائشة ، وأنتم تتّهمونها بالكفر والنفاق ؟ أليس هذا دليلاً على حبّها ورضاه عنها ؟

الجواب : المشكلة كلها متركزة في أنّ جامع الأسئلة يفتقد الاطّلاع على التاريخ ، حيث إنّ المؤرِّخين قالوا: إنّ أوّل اختلاف وقع بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)كان حول مكان دفنه(صلى الله عليه وآله) .

وأبو بكر الذي كان يسكن في منطقة تُدعى «سُنح» جاء وحلَّ هذا الخلاف بقوله : إنّني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : «يُدفن الأنبياء في المكان الذي ماتوا فيه» . ولذلك يجب دفنه في بيت عائشة .

إذن : فلا علاقة لمكان دفنه(صلى الله عليه وآله) بحبّه لعائشة ورضاه عنها، ولو أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مات في غير بيتها لدفن فيه أيضاً، وهكذا.


(198)

السؤال 75

كيف يُدفن رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين أبي بكر وعمر ، وأنتم تقولون عنهما أنّهما كافران ؟ أليس دفنهما معه علامة مكانتهما ومنزلتهما ؟

الجواب : أوّلاً: أنّ الوهابية تعتقد أنّ الإنسان إذا مات لا ينتفع بعمل الغير، فلو صحّ ذلك فالشيخان لا ينتفعان بدفنهما جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وثانياً: أنّ الحجرة التي دُفن فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله) تعود لعائشة بنت أبي بكر ، ولذلك سمحت بدفن أبيها فيها ، كما سمحت لعمر عندما كان مجروحاً وأرسل إليها يطلب منها أن يُدفن في حجرتها أيضاً ، إذن : فإنّ دفن أبي بكر وعمر في الحجرة كان نتيجة إجازة المرأة التي كانت تملك تلك الحجرة في الظاهر . فأجازت دفن أبيها وزميله، ولا علاقة للدفن فيها بالمكانة والمنزلة بعدما كان الأمر بيد بنت أحدهما.

أمّا بالنسبة إلى الشق الثاني من السؤال أعني عدم معارضة الإمام علي (عليه السلام) هذا الأمر، فسكوته (عليه السلام) لا يكشف عن رضاه أوّلاً، وثانياً من المعروف أنّ الدعاية الحكومية وقوّة السلطة صنعت للرجلين منزلة ومقاماً ليس من السهل على الإمام التصدي لها وإزالتها، ولذلك نراه سكت عن المطالبة بحقّه من أجل الحفاظ على مصالح المسلمين.

وممّا يؤسف له أنّ هذه المرأة قد أجازت دفن أبيها وصاحبه في


(199)

حجرتها، ولكنّها لم تجز دفن ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الحسن بن عليّ(عليهما السلام) ، ولذلك دُفن(عليه السلام)في البقيع بعيداً عن جدّه(صلى الله عليه وآله) .

السؤال 76

يدّعي الشيعة أنّ النصّ على إمامة عليّ(عليه السلام)واستحقاقه الخلافة ثابت في القرآن ، ولكن الصحابة كتموه .

وهذه دعوى باطلة ; لأنّنا وجدنا الصحابة لم يكتموا الأحاديث التي يستشهد بها الشيعة على إمامة عليّ(عليه السلام) مثل حديث «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» وغيره من الأحاديث المشابهة ، فلماذا لم يكتموها أيضاً ؟

الجواب : إنّ ظاهر قوله: «ولكن الصحابة كتموه» يحتمل وجهين:

الأوّل: أنّ الضمير يرجع إلى النص القرآني، وهذا افتراء لم يقل به أحد من الشيعة.

الثاني: تفسير النص القرآني، والتصرف في أسباب النزول، وهذا أمر غير منكر. فإنّ آية التطهير نزلت بحق رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين، بينما نرى أنّ عكرمة يدعي نزولها في زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وينادي بأنّه مستعد للمباهلة في ذلك.(1)

حتّى أنّ حديث المنزلة بحق علي الّذي ذكره السائل قد حرّفه بعض


1 . تفسير ابن كثير: 3 / 491، في تفسير الآية 33 من سورة الأحزاب .


(200)

النصّاب وادعوا أنّه هو هكذا: أنت مني بمنزلة قارون من موسى.(1)

ومع ذلك كله نجد من علماء السنة رجالاً مخلصين وأناساً واعين ألفوا كتباً وموسوعات في فضائل أهل البيت ومناقبهم والآيات الواردة في شأنهم على نحو يعجب الإنسان المستقل برأيه .

ولا يؤخذ البريء بذنب المجرم.

السؤال 77

لقد كان الخليفة الحقّ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو أبو بكر ، والدليل على هذا :

1 ـ اتّفاق الصحابة وإجماعهم على طاعته ، ولو لم يكن خليفة حقّاً لما أطاعوه .

2 ـ أنّ عليّاً(عليه السلام) ما خالفه ولا قاتله .

الجواب : أمّا فيما يتعلّق بالنقطة الأُولى ، حيث يقول : إنّ خلافة أبي بكر كانت باتّفاق الصحابة ، فهذا ادّعاء ليس بعده ادّعاء ، وصاحب هذا الكلام إمّا أنّه لا يعرف ما حدث في سقيفة بني ساعدة ، وإمّا أنّه يعرفها ويُخفيها ; لأنّ مخالفة بيعة أبي بكر ورفضها من قِبل جُلّ المسلمين آنذاك ، أمر ثابت في التاريخ ومن أمثلته ما يلي:


1 . راجع: تهذيب التهذيب: 2 / 209 ; النصائح الكافية لمحمد بن عقيل: 117 .


(201)

1 ـ امتناع قبيلة الخزرج عن بيعة أبي بكر ـ وهي تشكّل نصف الأنصار كما نعلم ـ لأنّ هذا الفريق كان مصمّماً على أن يتولّى زمام الخلافة الصحابي سعد بن عبادة ، ولما تمت الخلافة لأبي بكر بأسباب وأسباب خاف سعد فلحق بالشام ، ولكن للأسف تعرّض هناك لعمليّة اغتيال مدبّرة أودت بحياته ، ولم يُعرف قاتله ، وقد نسبوا عمليّة قتله إلى الجنّ ، يقول شاعرهم :

قد قتلنا سيّد الـ *** ـخزرج سعد بن عبادة
فرميناه بسهميـ *** ـن فلم نخط فؤاده(1)

2 ـ امتناع بني هاشم وعدد من الصحابة عن بيعة أبي بكر ، فتحصنوا في بيت فاطمة (عليها السلام) فتعرّضوا للتهديد من قبل مبعوث الخلافة بأنّه إذا لم يخرجوا للمبايعة فسيتمّ إحراق البيت بمَن فيه ، وهذه الحادثة ليس من السهل إنكارها ، فقد اتفقت المصادر التاريخية على أنّ عمر وقنفذ مولى أبي بكر وغيرهما أتوا دار عليّ(عليه السلام)وكريمة النبيّ(صلى الله عليه وآله)فاطمة الزهراء(عليها السلام)، واقتحموه ليخرجوا من فيه للبيعة.

قال ابن قتيبة: إنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي (كرّم الله وجهه)، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب، وقال: والّذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنها على مَنْ فيها، فقيل له: يا أبا حفص أنّ فيها فاطمة، فقال: وإن... إلى أن قال: ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتّى أتوا دار فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم


1 . تفسير القرطبي: 1 / 317 ; تاريخ مدينة دمشق: 2 / 266 .


(202)

نادت بأعلى صوتها: يا أبت ] يا [ رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة .(1)

وأمّا النقطة الثانية التي قال فيها: إنّ عليّاً ما خالف أبا بكر وما قاتلهُ ، فقد تعرّضنا للحديث عنها مرّات عديدة ، وقلنا خلالها إنّ أمير المؤمنين علياً(عليه السلام)قد ذكر في بعض خطبه(2) علّة سكوته حيث إنّ الأوضاع بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)كانت في غاية الاضطراب لدرجة أنّ قيامه(عليه السلام) من أجل أخذ حقّه سيكون له أثرٌ في إزالة الإسلام من أصله ، فقدّم بقاء أصل الإسلام على المطالبة بحقّه ، لأنّ الأوضاع السائدة آنذاك خيّرته بين أخذ حقّه وزوال أصل الإسلام ، هذا هو الإمام علي (عليه السلام)وقد رفع الستر عن سبب عدم قتاله القوم: «فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أرى فيه ثلمة أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم».(3)

وأمّا بالنسبة للناكثين والقاسطين والمارقين (أصحاب الجمل وجيش معاوية والخوارج) فقد أمره(صلى الله عليه وآله)بقتالهم ، وقد تعرّضنا لهذه المسألة فلا داعي للتكرار .


1 . المصنّف لابن أبي شيبة: 8 / 572; أنساب الأشراف للبلاذري: 1 / 586، طبعة دار المعارف، القاهرة; الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 12 و 13 طبعة المكتبة التجارية الكبرى، مصر; تاريخ الطبري: 2 / 443 طبعة بيروت، ; العقد الفريد لابن عبد ربه: 3 / 87 تحقيق خليل شرف الدِّين; الاستيعاب: 3 / 979 تحقيق علي محمّد بجاوي .

2 . نهج البلاغة ، الخطبة رقم 56 .

3 . نهج البلاغة، الكتاب رقم 62 .


(203)

السؤال 78

يدّعي الشيعة أنّ معاوية كان كافراً ومرتدّاً ، فلماذا سلّم له الحسن(عليه السلام) زمام أمر المسلمين وهو يعلم أنّه مرتدّ  ؟ ولازم ذلك أن يكون علي مغلوباً من المرتدّين وان الحسن قد سلّم أمر المسلمين إلى المرتدّين.

الجواب : يعتقد فقهاء المسلمين ـ شيعةً وسنّة ـ بأنّ معاوية بغى، يعني خرج على إمام زمانه المفترض الطاعة ، فهو معدود عندهم من الظالمين والبُغاة . يقول أحمد بن حنبل : لو لم يُحارب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) البُغاة لما عرف فقهاء الإسلام أحكام البُغاة ،(1) وقد قاتل ثلاث فرق بأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) هم :

أ ـ الناكثون (أصحاب الجمل) .

ب ـ القاسطون (الظالمين والبُغاة) .

ج ـ المارقون (الخوارج الذين مرقوا وخرجوا من الدِّين) .

ثمّ إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) يستحيل عليه أن يخسر حرباً ، لأنّه عمل بتكليفه، تالياً قوله سبحانه: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)(2) ، شأنه في ذلك شأن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) الذي قد انهزم ـ في الظاهر ـ في غزوة


1 . شرح احقاق الحق: 31 / 359 .

2 . التوبة: 52 .


(204)

أُحد وغزوة حُنين ، إلاّ أنّ النصر الواقعي كان حليفه لأنّه عمل بتكليفه ووظيفته .

وأمّا ما يرجع إلى الإمام الحسن(عليه السلام) فإنّه لم يلجأ إلى الصلح حتّى يُقال إنّه سلّم زمام أمر المسلمين للبُغاة ، وإنّما أُجبر على الصلح ، وقد أُشير في جواب الأسئلة المتكرّرة الماضية إلى علل صلح الإمام الحسن(عليه السلام) .

وإذا كان الحسن بن عليّ(عليهما السلام) ـ طبقاً لعقيدة صاحب الأسئلة ـ بصلحه مع معاوية قد جعل زمام أمر المسلمين بيد شخص مرتدّ ، فإنّه يجب القول إنّ نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله) الذي عقد صُلح الحديبيّة مع مشركي مكّة قد أودع بيت الله والمسلمين المحتجزين في مكّة بيد المشركين .

والجواب عن كلا الصلحين هو كونهما جاءا تحت الضغط والاضطرار ، وكون المصالح اقتضت ذلك أيضاً .

السؤال 79

إنّ الشيعة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته، ولا يمكنهم ذلك إلاّ إذا صاروا من أهل السنة و....

الجواب : لقد اعترتني الدهشة حينما بلغتُ هذا السؤال ، فهل يوجد هناك مجال للشكّ والترديد في إيمان وتقوى وإيثار وعدالة شخص مثل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، حتى لا يمكن إثبات ذلك إلاّ إذا كان الشخص سنيّاً ؟!! إذ متى كفر عليٌ (عليه السلام)حتّى يؤمن أو نحتاج لمعرفة إيمانه إلى دليل، إذ أنّه كان مع


(205)

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)منذ صباه يتبعه اتباع الفصيل لأثر أُمّه(1) إلى أن نُبّئ الرسول بغار الحراء يوم الاثنين وهو معه، وآمن علي يوم الثلاثاء .

يعتقد الموافق والمخالف حتّى النصارى والماديون بأنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) هو إنسانٌ كامل يجب أن يكون نموذجاً يُحتذى به لعباقرة العالم ، فهل يصحّ القول إنّه لا يمكن إثبات عدالته إلاّ إذا كان الشخص سنيّاً ، وهذا «شبلي شُمِّيلْ» رجل ماديّ، ليس له ما يربطه بعليّ(عليه السلام) من جهة الإيمان والدِّين ، ينحني إجلالاً وإكباراً أمام عظمة الإمام(عليه السلام) قائلاً : «الإمام عليّ بن أبي طالب عظيم العظماء ، نسخة مفردة لم يرَ لها الشرق ولا الغرب صورة طبق الأصل لا قديماً ولا حديثاً» .

أو ليس عاراً على صاحب الأسئلة يقول: إنّ إيمان عليّ لا يثبت لأحد إلاّ إذا كان سنيّاً .

إنّ جامع الأسئلة لم يقرأ ورقة واحدة من قواعد الحديث ، لأنّه لا يشترط في الخبر المتواتر الإسلام، ولا العدالة ، فما بالك باشتراط كون الشخص الناقل سنيّاً ؟

وأمّا عن الخوارج الذين هم أعدى أعداء عليّ(عليه السلام) فقد كانوا قبل مسألة التحكيم يعتقدون أنّ عليّاً(عليه السلام) هو أفضل وأشرف أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)قاطبةً . وإنّما انفصلوا عن علي لمسألة التحكيم الّتي فرضوها عليه ـ صلوات الله عليه ـ ثم ندموا وطلبوا من علي نقض العهد. وليس الإمام من الذين ينقضون عهد الله بعد ميثاقه.


1 . لاحظ: نهج البلاغة، الخطبة رقم 192، وهي تسمى القاصعة.


(206)

السؤال 80

يزعم الشيعة أنّ عليّاً كان أحقّ الناس بالإمامة لثبوت فضله على جميع الصحابة ، ولكثرة فضائله دونهم ، فنقول : هبكم وجدتم لعليّ(عليه السلام)فضائل معلومة كالسبق إلى الإسلام والجهاد مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)وسعة العلم والزهد ، فهل وجدتم مثل ذلك للحسن والحسين(عليهما السلام) في مقابل سعد بن أبي وقّاص وعبد الرحمن بن عوف وعبدالله بن عمر وغيرهم من المهاجرين والأنصار ؟

الجواب : حاول جامع الأسئلة التظاهر بالخضوع وقبول وجود فضائل ومناقب لعليّ(عليه السلام) لكي ينفي فضائل ومناقب سيّدي شباب أهل الجنّة وريحانتي رسول الله(صلى الله عليه وآله) !

إنّنا نثبت أفضليّة هذين الإمامين الهُمامين على الأشخاص المذكورين بدلائل قاطعة يقبلها علماء أهل السنّة ، بل إنّنا نعتبر هذا النوع من المقارنة انتقاصاً من مقام هذين الإمامين المعصومين(عليه السلام) .

فنقول : هل نزلت آية التطهير في حقّ الحسن والحسين(عليهما السلام) أم في حقّ أُولئك الثلاثة ؟!

ينقل مسلم في صحيحه عن عائشة قالت : «خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) غداةً وعليه مرط مُرحل ، من شعر أسود ، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله ، ثمّ جاء


(207)

الحسين فدخل معه ، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها ، ثمّ جاء عليّ فأدخله ، ثمّ قال : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).(1)

وهل نزلت آية المباهلة في حقّ الحسن والحسين(عليه السلام) وأُمّهما بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله)وابن عمّه العزيز ، أم نزلت في حقّ أُولئك الأشخاص الثلاثة ؟! في حين أنّ اصطحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) لأهل بيته لمباهلة نجران كانت علامة واضحة على أنّه لم يكن هناك شخص واحد بين جميع المسلمين مُستجاب الدعاء سوى هؤلاء الأربعة من أهل بيته ، وإلاّ لاصطحبه النبيّ(صلى الله عليه وآله) بدلهم.

وينقل مسلم في صحيحه ما قاله معاوية لسعد بن أبي وقّاص : «ما منعك أن تسبّ أبا تراب ؟ فقال : أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وآله)فلن أسبّه ، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبُّ إليَّ من حمر النعم ; سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول له حينما خلّفه في بعض مغازيه ، فقال له عليّ : يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي... ولمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللّهم هؤلاء أهلي»(2) .

فهل هذه الفضائل وردت في حقّ الأشخاص الثلاثة المذكورين  ؟!

إنّ من وظائف المسلمين مودة أهل البيت وبالتالي التأسّي بهم لكي يتمكنوا من الوصول إلى الكمالات التي كان أهل البيت يتمتّعون بها . وقد


1 . صحيح مسلم: 7 / 130  ، باب فضائل أهل بيت النبيّ ، برقم 2424 .

2 . صحيح مسلم: 7 / 119 ، باب فضائل أهل بيت النبيّ، برقم 2404 .


(208)

نزلت آية المودّة تأمر بمودّتهم كثمن قليل في حقّهم على الرسالة التي جاء بها النبيّ(صلى الله عليه وآله) وكانت سبباً في هداية المسلمين ، قال تعالى : (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(1) .(2)

فهل مودّة الأشخاص الثلاثة وحبّهم يُعدّ أيضاً أجراً على الرسالة ؟!

ينقل البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال بحق الحسين (عليه السلام): «اللّهمَّ إنّي أحبّه فأحبّه ، وأحبب مَن يُحبّه» .

وعن البراء بن عازب قال : رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) واضعاً الحسن بن عليّ على عاتقه وهو يقول : «اللّهُمَّ إنّي أحبّه فأحبّه»(3) .

ونحن هنا لا نريد التحدّث عن «سعد بن أبي وقّاص» الذي تمرّد على بيعة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) حينما بايعه المهاجرون والأنصار .

وأمّا عبد الرحمن بن عوف الزُهري فقد اكتسب ثروة طائلة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المسلمين الأوائل ، وذلك على إثر انتخابه لعثمان للخلافة من بين الأشخاص الستّة الذين عيّنهم عمر بن الخطّاب ، حيث بلغت ثروته لدرجة أنّ كلّ واحدة من زوجاته الأربعة ـ بعد وفاته ـ أخذت ثمانين ألف دينار ، كربع الثمن من ثروته بعد موته ، وما عليك إلاّ أن تقرأ بالتفصيل ما أجملناه . فلقد وصل الأمر بكثرة السبائك الذهبيّة التي تركها عبد الرحمن بن


1 . الشورى : 23 .

2 . لاحظ : تفسير الطبري : 25 / 14 ; مستدرك الحاكم : 3 / 172 وغيرهما .

3 . صحيح البخاري: 4 / 216  ، برقم 3747 ; صحيح مسلم: 7 / 130، برقم 2421 .


(209)

عوف إلى أن تمّ تكسيرها بالفؤوس ومَجُلَتْ أيدي حملة تلك الفؤوس(1) .

يحدث هذا كلّه في وقت كان الكثير من المسلمين بالمدينة وأطرافها لا يجدون قطعة خبز يرفعون بها ألم الجوع!!

ولا نقول شيئاً حول عبدالله بن عمر ، فقد كان يُعد في جانبي الإدارة والسياسة عاجزاً وتنقصه الكفاءة والخبرة باعتراف أبيه; فحينما أشار عليه بعضهم باستخلاف ولده عبدالله ، قال : كيف استخلف رجلاً عجز عن طلاق امرأته!!(2) .

وعلى أيّ حال ، فنحن نترحّم على جميع أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، ما عدا أُولئك الذين أظهروا العداوة لأهل بيت الرسالة(عليهم السلام) ، وفي المقابل نجد أنّ جامع الأسئلة يحاول عبثاً الحطّ من مقام أهل البيت(عليهم السلام) ، والرفع من شأن أعدائهم.


1 . طبقات ابن سعد : 3 / 96 ; صفة الصفوة لابن الجوزي : 1 / 138 ; الرياض النضرة : 2 / 291 ; تاريخ اليعقوبي : 2 / 146 .

2 . سنن البيهقي : 7 / 324 ـ 325; تاريخ الطبري: 3 / 292 .


(210)

السؤال 81

تزعم الشيعة أنّ أبا بكر وعمر اغتصبا الخلافة من عليّ(عليه السلام)وتآمرا عليه لكي يمنعوه منها . فلو كان الأمر كما ذكرتموه فما الذي دعا عمر إلى إدخاله في الشورى مع مَن أدخله فيها ؟ ولو أخرجه منها كما أخرج سعيد بن زيد أو قصد إلى رجل غيره فولاّه ما اعترض عليه أحد بذلك بكلمة ؟

الجواب : أوّلاً : الخليفة الثاني كان يريد من وراء تشكيله للشورى الوصول إلى مبتغاه بطريقة يستحسنها المجتمع الإسلامي، حتّى يقبلها المهاجرون والأنصار .

وأمّا إشراكه عليّاً (عليه السلام) في تلك الشورى فقد كان مُجبراً على فعل ذلك ، لأنّ المهاجرين والأنصار يستحيل أن يقبلوا بشورى ليس فيها عليّ(عليه السلام).

وبعبارة أُخرى: أنّ علياً (عليه السلام)فرض نفسه على عمر وإلاّ لما أدخله في الشورى.

إذن ، فعمر لم يُشرك علياً في الشورى خدمة له، بل خدمة لهدفه المرسوم .

ثانياً : انّ الذين لديهم رؤية تأريخيّة ثاقبة وموضوعيّة ، يعلمون أنّ التركيبة التي تمّت بها عمليّة الشورى كانت بنحو يكون الفوز فيه لعليّ(عليه السلام)أمراً مستحيلاً ; لأنّ عليّاً(عليه السلام) سيحصل على صوتين فقط ، واحدٌ هو صوته(عليه السلام)


(211)

والآخر هو صوت ابن عمّته الزبير بن العوّام . أمّا الأشخاص الأربعة الآخرون ; يعني سعد بن أبي وقّاص وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفّان فقد كانوا كلّهم في الصفّ المخالف لعليّ(عليه السلام) ، فتكون النتيجة معروفة من قبل وهي: صوتان لعليّ(عليه السلام)مقابل أربعة أصوات للطرف المخالف .

إذن فالعمليّة كانت لعبة سياسية محسوبة النتائج سلفاً ، تُقصي عليّاً(عليه السلام)من جهة وتُرضي المهاجرين والأنصار من جهة أُخرى ، وتحقّق هدف الفريق المخالف في الاستحواذ على الخلافة بدون خسائر تُذكر .

والضربة القاضية كانت عبارة عن الشرط الذي عُرِض على عليّ(عليه السلام)عن طريق عبد الرحمن بن عوف ، وهو أن يسير بسيرة الشيخين، وقد كان واثقاً من أنّ علياً سيرفض هذا الشرط، فسوف يخلو الجو لمن كان هوى ابن عوف معه وهو عثمان .


(212)

السؤال 82

لقد نازع الأنصار أبا بكر ودعوا إلى بيعة سعد بن عبادة ، وقعد عليّ(عليه السلام) في بيته لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فلا يخلو رجوع الأنصار كلّهم إلى بيعة أبي بكر من أن يكون بسبب من الأسباب التالية :

1 ـ أن يكون بالقوّة .

2 ـ أن يكون عن ظهور حقّ أبي بكر بالخلافة ، فأوجب ذلك الانقياد لبيعته .

3 ـ أو فعلوا ذلك لغير معنى ، ولا سبيل إلى قسم رابع ، ولأنّ القسمين الأوّل والثالث واضحا البطلان ، فتتعيّن صحّة القسم الثاني .

الجواب : المعروف أنّ الكذوب لا ذاكرة له، فقد قال في سؤال متقدم(1) أنّ الجميع قد بايع الخليفة الأوّل ، ولكنّه هنا يعترف أنّ الأنصار نازعوا أبا بكر . والأعجب من هذا أنّه هنا في بدء السؤال يذكر أنّ الأنصار نازعوا أبا بكر ، ثمّ إنّه في آخره يقول: فلا يخلو رجوع الأنصار إلى بيعة أبي بكر....

يذكر التاريخ : أنّ من بايع أبا بكر يوم السقيفة هو رئيس «الأوس» فقط ،


1 . انظر: أسئلة قادت شباب الشيعة: 6، السؤال رقم 78 .


(213)

لأنّ «الأوس» كانوا يعتقدون أنّه إذا استلمت «الخزرج» الخلافة فلن يكون لهم حظّ منها، وأنّ الفضل والشرف سيكون من نصيب «الخزرج» ، ولذلك قام زعيم الأوس وبايع أبا بكر ، كما بايع شخص واحد من الخزرج يُدعى بشير بن سعيد وهو ابن عمّ لسعد بن عبادة وكان بينهما عداوة ، فبايع أبا بكر نكايةً بابن عمّه.(1)

فإذا كان الحال هكذا ، فكيف يمكن القول : إنّ جميع الأنصار قد بايعوا ؟!

والملاحظ أنّ جامع الأسئلة من الانترنت يصور للقارئ أنّ الجوّ الذي كان يسود السقيفة كان هادئاً وديمقراطياً ـ كما يقال الآن ـ ، وأنّ الحاضرين في ذلك المجلس شاركوا فيه بلا قهر وقسر لانتخاب أبي بكر للخلافة! .

والحقيقة أنّ صاحب هذا الكلام لم يقرأ صفحة واحدة من تاريخ سقيفة بني ساعدة وأحداثها .

كتب غير واحد من المؤرخين أنّه عندما كان المهاجرون مشتغلين بتغسيل رسول الله وتكفينه ، كان الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، على انتخاب خليفة في وقت يغيب فيه المهاجرون ، وبينما هم كذلك ، وإذا بشخصين من المعارضين لسعد بن عبادة (الذي كان مرشّح الأنصار للخلافة) وهما «معن بن عدي» و«عويم بن ساعدة» توجّها إلى أبي بكر وقالا له : إنّ نطفة الفتنة تنعقد الآن ، وأنّ الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة


1 . تاريخ الطبري : 2 / 458 ،طبعة الأعلمي ـ بيروت .


(214)

لمبايعة سعد بن عبادة ، فسارع أبو بكر بمعيّة عمر وأبو عبيدة إلى السقيفة من دون أن يخبروا بقيّة المهاجرين بذلك ، ونسوا رسول الله(صلى الله عليه وآله)وما يتعلّق بشأن تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ، وعندما دخلوا السقيفة وجدوا سعد بن عبادة يخطب قائلاً : يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدِّين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ، أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)لبث بضع عشر سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان فما آمن به من قومه إلاّ رجال قليل ، وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ولا أن يعزّوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا به ، حتّى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة ، وخصّكم بالنّعمة فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه ، فكنتم أشدّ الناس على عدوّه منكم ، وأثقله على عدوّه من غيركم حتّى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكُرهاً ، وأعطى البعيد المقادة صاغراً داخراً ، حتّى أثخن الله عزّ وجلّ لرسوله بكم الأرض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفّاه الله . وهو عنكم راض وبكم قرير، استبدّوا بهذا الأمر دون الناس. فأجابوه بأجمعهم أنْ قد وفقت في هذا الأمر.

فقام أبو بكر وقال : خصّ الله المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدّة أذى قومه له وتكذيبهم إيّاه وكلّ الناس له مخالف ، زَار عليهم، فلم يستوحشوا لقلّة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم، فهم أوّل مَن عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أولياؤه وعشيرته وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده ، ولا


(215)

ينازعهم ذلك إلاّ ظالم . وأنتم يا معشر الأنصار مَنْ لا يُنكَر فضلهم في الدِّين ولا سابقتهم في الإسلام ، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته وفيكم جُلّة أزواجه وأصحابه ، فليس بعد المهاجرين الأوّلين عندنا بمنزلتكم ، فنحن الأُمراء وأنتم الوزراء ، لا تفتاتون بمشورة ولا نقضي دونكم الأُمور .

ثمّ جاء في كلامه ما أثار النعرة العصبيّة في قبيلتي الأوس والخزرج، وعندما انتهى أبو بكر من كلامه قام حبّاب بن المنذر الصحابي البدري من جهة الأنصار وقال : يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإنّ الناس في فيئكم وفي ظِلّكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلاّ عن رأيكم ، أنتم أهل العزّ والثروة وأُولي العدد والمنعة والتجربة، ذوو البأس والنجدة ، وإنّما ينظر الناس إلى ما تصنعون ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقض عليكم أمركم ، فإن أبى هؤلاء إلاّ ما سمعتم فمنّا أميرٌ ومنكم أمير.

فقال عمر : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيّها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم ووليّ أُمورهم منهم ، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجّة الظاهرة ، والسلطان المتين ، من ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورّط في هلكة .

فقام حبّاب بن المنذر ـ مرة ثانية ـ فقال : يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبَوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد وتولّوا عليهم هذه الأُمور ،


(216)

فأنتم والله أحقّ بهذا الأمر منهم ، فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدِّين مَن دان ، ممّن لم يكن يدين ، أنا جذيلها المحكك وعُذيقها المرجّب ، أما والله لئن شئتم ليغدونّها جذعة .

فقال عمر : إذن يقتلك الله! قال الحبّاب : بل إيّاك يقتل!

فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار إنّكم أوّل من نصر وآزر فلا تكونوا أوّل من بدّل وغيّر . فقام بشير بن سعد بن بشير من الخزرج فقال : يا معشر الأنصار إنّا والله لئن كنّا أُولي فضيلة في جهاد المشركين ، وسابقة في هذا الدِّين ، ما أردنا به إلاّ رضا ربّنا وطاعة نبيّنا والكدح لأنفسنا ، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ، ولا نبتغي به من الدُّنيا عرضاً فإنّ الله وليّ المنّة علينا بذلك ، ألا إنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله) من قريش وقومه أحقُّ به وأولى ، وأيم الله لا يراني الله أُنازعهم هذا الأمر أبداً فاتّقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم .

وإنّما قال بشير بن سعد هذا الكلام لأنّه كان يحسد ابن عمّه سعد بن عبادة .

فقال له حبّاب بن المنذر : يا بشير بن سعد عققت عقاقِ ما أحوجك إلى ما صنعت ، أنفِسْت على ابن عمّك الإمارة ، فقال : لا والله ، ولكنّي كرهت أن أنازع قوماً حقّاً جعله الله لهم .

ولمّا رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال بعضهم لبعض وفيهم أُسيد بن حضير وقال : والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك


(217)

الفضيلة ، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر .

فقام حبّاب وانتضى سيفه وقال : أنا جُذيلها المحكك وعذيقها المرجّب، أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إلى الأسد .

فحامله عمر فضرب يده ، فندر السيف فأخذه ثمّ وثب على سعد ، ووثبوا على سعد ، وتتابع القوم على البيعة . وأقبل الناس من كلّ جانب وكادوا يطؤون سعد بن عبادة . فقال ناس من أصحاب سعد : اتّقوا سعداً لا تطؤوه وكان مريضاً ، فقال عمر : اقتلوه قتله الله! ثمّ قام على رأسه فقال : لقد هممت أن أطأت حتّى تندر عضوك ، فأخذ سعد بلحية عمر وقال : والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة (أسنانك) ، فقال أبو بكر: مهلاً يا عمر، وقال سعد: أما والله لو أنّ بي قوّة ما أقوى على النهوض لسمعت منّي في أقطارها وسككها زئيراً يحجرك وأصحابك ، أما والله إذن لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع ، احملوني من هذا المكان ، فحملوه فأدخلوه في داره .

واكتفى المهاجرون بهذه البيعة التي تمّت في السقيفة ثمّ توجّهوا إلى المسجد ، وأخذوا البيعة من المسلمين .

ولكن في مقابل هذا النصر الذي حقّقه المهاجرون على الأنصار ، فإنّ هناك معضلةٌ اُخرى كانت تواجههم وهي اجتماع 18 شخصاً من بني هاشم في بيت فاطمة(عليها السلام)ومعهم طلحة والزبير وعمّار والمقداد وسلمان . . . رافضين البيعة إلاّ لعليّ(عليه السلام) .(1)


1 . تاريخ الطبري: 2 / 455 ـ 460 ; الكامل لابن الأثير: 2 / 137 ; عقد الفريد: 249 .


(218)

من خلال هذا البيان التاريخي تتّضح النقاط التالية :

1 ـ أنّ الشيء الذي طُرح في السقيفة لم يكن في خدمة مصالح الإسلام والمسلمين ، بل الذي طُرح يتمثّل في أنّ كلّ فريق يسعى لتحقيق مصالحه ومنافعه الخاصّة ، وكلٌّ يسحب ناقة الخلافة إلى جهته ، فالأنصار احتجّوا بنصرتهم للرسول(صلى الله عليه وآله) ، والمهاجرون احتجّوا بانتسابهم للنبيّ(صلى الله عليه وآله) ، ولكن الشيء الذي لم يُطرح في هذه الأثناء هو ما أراده الله ورسوله ومصالح الإسلام الكبرى .

2 ـ في الحقيقة أنّه لم يبايع أبا بكر في السقيفة سوى أربعة أشخاص ; اثنان من المهاجرين ، وهما: عمر وأبو عبيدة ، واثنان من الأنصار وهما: بشير بن سعيد من الخزرج وأُسيد بن حضير رئيس الأوس . أمّا البقيّة فلم ينتخبوا أحداً ; لأنّ رأي شيخ القبيلة ناب عن رأي الجميع .

3 ـ ما وقع في السقيفة يحكي على أنّ البيعة لم تكن قد وقعت في ظروف طبيعيّة ، بل في ظروف متشنجة جدّاً ، وأنّ أخذ البيعة من الأشخاص كان تحت التهديد والإرهاب وسل السيف، ووطء للشخصيات (1) .

وأخيراً أخذت هذه البيعة شكلاً رسمياً وتمّ اغتيال سعد بن عبادة زعيم الخزرج لرفضه لها، بواسطة الجنّ! ولُقِّب بـ «قتيل الجنّ»! .

والطبري نقل رأي عمر بن الخطّاب في تلك السقيفة حيث قال : «كانت فلتة من فلتات الجاهليّة» يعني عملاً من أعمال الجاهليّة ، وصرّح


1 . النكتة الجديرة بالذِّكر هنا هي أنّنا قد أشرنا إلى مجريات «السقيفة» بشيء من التهذيب والتلطيف لما ذكر عنها في المصادر التاريخية.


(219)

لاحقاً أيضاً بقوله : «كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى الله شرّها المسلمين» يعني أنّ بيعة أبي بكر لم تكن أمراً لائقاً ، وقد أبعد الله عنّا شرّها .(1)

السؤال 83

بما أنّ أبا بكر وعمر قد نجحا في تنحية عليّ(عليه السلام)عن الخلافة ـ كما تزعم الشيعة ـ فما هي المكاسب التي حقّقوها لأنفسهم ؟

ولماذا لم يخلّف أبو بكر وعمر أولادهما على الحكم ، كما فعل عليّ(عليه السلام) ؟

الجواب : جامع الأسئلة هذا يتصوّر أنّ شباب الشيعة لا يميّزون وقد صمّت آذانهم وعُميت أبصارهم ، فأيّ مكسب مادّي يكون أكبر من حب الرئاسة، وهو نوع من اتباع الهوى، وكم نرى إناساً قد ضحّوا بأهلهم وأموالهم للحصول على الرئاسة، وهذا هوالمكسب الّذي ناله الشيخان بعملهما هذا. نعم ربّما تكون الغاية من الرئاسة عند البعض الحصول على الأموال كما هو الحال في من جاء بعدهم من الخلفاء.

وأمّا قوله : إنّ أبا بكر وعمر لم يخلّفا أبناءهما على الحكم ، فيرجع إلى انعدام الأرضيّة المناسبة لذلك ، أي لم يتوفر لهما خلف يصلح للقيام بهذه المسؤولية.


1 . صحيح البخاري: 8 / 26 ; تاريخ الطبري: 2 / 446 ; الكامل في التاريخ: 2 / 327 .


(220)

إنّه لمن العجب أن يقول : إنّ عليّاً خلّف ولده كيف يقول ذلك مع أنّ أمر الإمامة عند الشيعة كالنبوة منصب إلهيّ لا بشريّ، فلو نصّب فبأمر منه سبحانه .

إنّ أُسلوب توريث الخلافة قد ظهر لأوّل مرّة عند بني أُميّة ، حيث قام معاوية بالعمل على خلاف اتفاقية صلحه مع الإمام الحسن(عليه السلام)  ، شاهراً سيف الظلم على المهاجرين والأنصار لأخذ البيعة لولده الفاسق يزيد ،(1) وأمّا الحسين(عليه السلام) سيّد شباب أهل الجنّة فقد آثر الشهادة على مبايعة هذا الشخص السيء السمعة والصيت .

السؤال 84

لقد وجدنا أنّ محمّد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفّان ، أُمّه فاطمة بنت الحسين بن عليّ(عليهما السلام) ، فجدّته هي فاطمة ، وجدّه عثمان بن عفّان .

وهنا نسأل الشيعة : هل يصحّ عندكم أن يكون لفاطمة بنت الحسين حفيدٌ ملعون ؟ لأنّكم تعتقدون أنّ بني أُميّة هم الشجرة الملعونة التي ذُكرت في القرآن ؟

الجواب : أوّلاً : لقد اعترض السائل على تفسير الشجرة الملعونة ببني أُمية، وهذا هو ما رواه عبدالله بن عمر حيث قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : رأيت


1 . راجع: أحاديث أم المؤمنين عائشة: 1 / 343 .


(221)

في الرؤيا أولاد الحكم بن أبي العاص (بني أُميّة) في صور قردة يجلسون على منبري ، فأنزل الله هذه الآية : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً)(1) .

ويقول يعلى بن مرّة : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : أُريت بني أُميّة على منابر الأرض ، وسيتملّكونكم فتجدونهم أرباب سوء واهتمَّ رسول الله لذلك ، فأنزل الله تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ).(2)

ولكن في نفس الوقت ، إذا خرج غصن من هذه الشجرة يوصف بالصلاح والتقوى ، فمن المسلّم أنّه لن يكون مورداً للّعن الذي يقع على الشجرة ، فيكون المورد من مصاديق قوله سبحانه: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ)(3)، وبحكم (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(4) .


1 . الإسراء : 60 .

2 . الدر المنثور : 4 / 191 ، تفسير الآية 60 من سورة الإسراء ، وقد ذكر روايات أُخرى .

3 . يونس : 31 .

4 . الأنعام : 164 .


(222)

السؤال 85

لقد جمع الشيعة لأئمّتهم بين العصمة والتقيّة ، وهما ضدّان لا يجتمعان ، لأنّه ما الفائدة من عصمة أئمّتكم إذا كنتم لا تدرون صحة ما يقولونه ويعملونه، طالما أنّ تسعة أعشار دينكم التقية؟ أهو من التقيّة أم ليس من التقيّة ؟

الجواب : أوّلاً: أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ينطقون بالحقائق ويفتون بأحكام الله سبحانه حسب ما في الكتاب والسنّة وحسب ما رُزقوا من العلم من لدنه سبحانه وتعالى.

نعم هم في موارد خاصة إذا كان الحكم الواقعي مخالفاً لما راج عن فقهاء السلطة، فهنا يفتي الإمام بما يطابق آراءهم حفاظاً على دماء الشيعة وأموالهم ونواميسهم، وهذا بالنسبة للقسم الأوّل شيء قليل، وذلك لأنّ فقهاء السنة لم يكونوا على رأي واحد فهم كانوا مختلفين، وإنّما الخطر في المورد الّذي تتفق كلمتهم فيه على حكم معيّن وشاع بين الحكام، وكان هذا الأمر مخالفاً للواقع .

وثانياً: أنّ استعمال التقيّة في تلك الموارد الخاصّة ، لا يورث عدم الاعتماد على أقوالهم في كافة الموارد ; لأنّ أُسلوب الإمام في موارد التقيّة يكون بشكل يوحي بأنّ الإمام أفتى تقية، وقد كان أصحاب الأئمّة يفهمون ذلك جيّداً ويميّزون بين ما هو صادر منهم(عليهم السلام) على نحو التقيّة ، وبين غيره .


(223)

والمطّلعون على روايات الأئمّة المعصومين يفرّقون بين تلك الأحاديث اعتماداً على القرائن الحافّة بنفس الحديث ويميزون بين ما صدر تقيّة عن غيره.

السؤال 86

يتناقض الشيعة عندما يستدلّون على إمامة أئمّتهم بحديث الثقلين ، ثم نجدهم يكفّرون من طعن في الثقل الأصغر وهم أهل البيت(عليهم السلام) ، بخلاف من طعن في الثقل الأكبر وهو القرآن ، بل يقولون إنّه مجتهد مخطئ ولا يكفّرونه .

الجواب : الحق أنّ جامع الأسئلة ينوي إشعال نار الفتنة بين المسلمين بافترائه هذا، إذ لو كان المراد من الطعن بالثقل الأصغر هو الطعن في سند الحديث ودلالته، فهذا بحث علمي كسائر البحوث العلمية لا يكون سبباً للكفر ، ولا أظن بوجود من يقول بذلك.

وأمّا الطعن في أهل البيت(عليهم السلام)كعلي وأولاده فهذا السائل قد وقع في ورطة النصب، إذ الناصبي المبغض لعلي وأولاده كافر عند المسلمين لإنكاره إحدى الضروريات وهي لزوم حب القربى ونزولاً على قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي: «حبك إيمان وبغضك نفاق».(1)

وأمّا الفرية الثانية وهي أنّ الشيعة لا يكفرون الطاعن في الثقل الأكبر،


1 . كشف الغمة: 1 / 90 ; الفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن صباغ المالكي: 1 / 592.


(224)

فهي كسابقتها، فكتاب الله هو المعجزة الخالدة والمصدر الرئيس للعقائد والأحكام، فمن طعن فيه فقد طعن في رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والطعن فيها خروج عن الإسلام .

ولعمري أنّ السؤال ساقط بدرجة لا يحتاج إلى الجواب وإنّما ذكرنا ذلك عذراً لمن يتوهم صحة فرية المؤلف.

السؤال 87

يزعم الشيعة أنّ الصحابة ارتدّوا كلّهم إلاّ عدداً قليلاً لا يتجاوز سبعة . والسؤال : أين بقيّة أهل البيت ، كأولاد جعفر وأولاد عليّ  ؟

الجواب : هذا السؤال تكرار ممل وقد طرحه جامع الأسئلة عدّة مرّات ، قد قلنا سابقاً ، أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان له مائة ألف صحابي ، ذكرت أسماء حوالي خمسة عشر ألفاً منهم ، والبقيّة ليسوا معروفين بالأسماء أصلاً فضلاً عن الأوصاف، فكيف يمكن للشيعة أن يحكموا بارتداد من لا تعرف أسماؤهم ولا أوصافهم.

كما أنّ قسماً من أُولئك الخمسة عشر ألفاً كانوا من رواد التشيّع ، فالتاريخ يذكر حوالي 250 صحابياً من شيعة عليّ(عليه السلام) ، وقد وردت أسماؤهم في كتب الرِّجال . فكيف يمكن القول إنّ كلّ الصحابة ارتدّوا إلاّ سبعة ؟!

وإن اعتمِدَ على ما ورد في بعض كتب الشيعة من أخبار في هذا


(225)

المجال ، فهي أخبار آحاد لا يعتمد عليها في مقام القضاء مع اقتضاء الضرورة على خلافه ، أمّا صحيحا البخاري ومسلم فقد جاء فيهما أكثر من عشر روايات تقول بارتداد أكثر الصحابة ، فما هو جواب السائل على هذا ؟ فالأحرى به الرجوع إلى كتاب «جامع الأُصول»(1)، ليتعرف على حقيقة الحال .

السؤال 88

جاء في حديث المهدي : «لو لم يبق من الدُّنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي» (2)، والرسول كما هو معلوم اسمه محمّد بن عبدالله ، والمهدي عند الشيعة اسمه محمّد بن الحسن . فكيف يمكن تطبيق هذه الرواية على المهدي المنتظر عند الشيعة ؟

الجواب : أوّلاً : هذه الرواية نقلها أبو داود ، فلا ربط لها بالشيعة ، ونحنُ لسنا ملزمين بالإجابة والدفاع عن روايات أهل السنة ، رغم أنّنا نقبل بعض ما ورد عندهم من روايات .


1 . جامع الأُصول : ج 10 بحث حوض الكوثر .

2 . أخرجه أبو داود: 4 / 106، وصححه الألباني في «صحيح الجامع»: 5180، كما ذكر ذلك جامع الأسئلة .


(226)

ثانياً : هذه الروايات نقلها أبو داود بهذا الشكل الذي ذُكر، إلاّ أنّ الآخرين لم يذكروا الجملة الأخيرة منها ، فمثلاً الترمذي في سننه يذكر في باب ما جاء في المهدي : «لا تذهب الدُّنيا حتّى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» .(1)

وينقل أيضاً في نفس هذا القسم : «يلي رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»  .(2)

وينقل الإمام أحمد في مسنده : «لا تقوم الساعة حتّى يلي رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»  .(3)

فنرى أن هذه الروايات مجردة عن قوله: «واسم أبيه اسم أبي» فالحديث على هذا الوجه متّفقٌ عليه ، وأمّا على الوجه الآخر الذي ذكره أبو داود فمختصّ به . والسائل اختار من بين كلّ هذه الوجوه التي هي مورد اتّفاق رواية أبي داود فقط ، لغاية في نفسه .


1 . سنن الترمذي : 3 / 343، كتاب الفتن ، الباب 44، برقم 2331 .

2 . سنن الترمذي، كتاب الفتن ، الباب 44، برقم 2232 .

3 . مسند أحمد: 1 / 376 .


(227)

السؤال 89

توجد روايات مختلفة حول اسم أُمّ الإمام المهدي(عليه السلام)وزمان ولادته ، ومكان ولادته ، وكيف يخرج ، وكم مدّة مُلكه ، وكم مدّة غيبته وغيرها ، كيف يمكن الجمع بين هذه الروايات ؟

الجواب : مسألة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف تتمثّل في أنّه في برهة من الزمان سيظهر شخص من أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) ومن نسل الحسين(عليه السلام) ، يملأ العالم بالعدل والقسط ، وهذا من مسلّمات العقائد الإسلاميّة . وقد ألّف علماء أهل السنة ولحسن الحظّ كتباً معتبرة حول المهدي(عليه السلام) . وقد صدر مؤخّراً كتاب في السعودية بعنوان «بين يدي الساعة» وقد أعطى المؤلف للمطلب حقّه .

أمّا ولادته فقد اتفقت الشيعة على أنّه ولد في سامراء ليلة 15 من شعبان المعظم من شهور عام 255 هـ ومن حسن الحظ أنّ مجموعة كبيرة من علماء السنة يناهز عددهم المائة قد صرّحوا بولادته كذلك.

وأمّا خصوصيّات حياة المهدي (عجل الله فرجه) فليس لها صبغة اعتقاديّة ، فسواء أكان اسم والدته نرجس أم ريحانة أم سوسن ، فإنّ ذلك لا يُحدث أيّ تزلزل في الاعتقاد ، والأمر كذلك بالنسبة لباقي الأُمور التي طرحها السائل .


(228)

والشيء المقطوع به هو أنّه ـ عجّل الله فرجه ـ يعيش في هذا العالم ، وليس له مكان خاصّ ومعيّن ، فلو جاء في بعض الأدعية: «ليت شعري أين استقرّت بك النّوى ، بل أيّ أرض تُقلك أو ثَرى ، أبرضوى أو غيرها ، أم ذي طوى ، عزيزٌ عليَّ أن أرى الخلق ولا تُرى . . .» ، فهذا كلّه نوعٌ من إظهار حبّه والشوق إليه ، وليس معناه أنّه(عليه السلام) يتواجد في تلك الأماكن .

والعجيب هنا أنّ جامع الأسئلة حرّف دعاء الندبة وأضاف أشياء فيه مثل الجملة التي تقول «أبرضوى أم غيرها أم ذي طوى» وضع بعدها عدّة نقاط ثمّ جاء بهذه الجملة «أم في اليمن بوادي شمروخ أم في الجزيرة الخضراء»!! لذلك يجب أن نقول لك يا أمين : أحسنت على هذه الأمانة في النقل!!

والخلاصة : أنّ أصل العقيدة هو مورد اتّفاق جميع الفرق والمذاهب والعلماء ، وأمّا التفاصيل التي لا دخل لها في العقائد فهو موضوعٌ آخر ، فيجب التمييز بين الموضوع الأوّل الذي يعتبر أصلاً وبين الموضوع الثاني .

وهذا المطلب بعينه موجودٌ في مسألة معراج النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، حيث إنّ أصل المعراج ثابت ومسلّم عند الجميع ، وكثير من رواياته متواترة ، أمّا الأُمور الأُخرى الفرعيّة فقد جاءت على شكل أخبار آحاد ، وليس لها ارتباط بمسألة العقيدة ، والاختلافات التي وقعت فيها لا يمكنها أن تشكّك في أصل المعراج .(1)


1 . التبيان: 6 / 43 تفسير سورة الإسراء.


(229)

السؤال 90

يروي الشيعة عن عليّ(عليه السلام) أنّه لمّا خرج على أصحابه محزوناً يتنفّس ، قال : «كيف أنتم وزمان قد أظلّكم تعطّل فيه الحدود ، ويتّخذ المال فيه دُولاً ، ويُعادى فيه أولياء الله ، ويُوالى فيه أعداء الله ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين فإن أدركنا ذلك الزمان فكيف نصنع ؟ قال : كونوا كأصحاب عيسى(عليه السلام)نُشروا بالمناشير وصُلبوا على الخشب ، موتٌ في طاعة الله عزّ وجلّ خيرٌ من حياة في معصية الله» . فأين هذا من التقيّة ؟

الجواب : التقيّة أصلٌ قرآنيّ وعقلاني ولا يمكن لأحد إنكاره، والآيتان التاليتان أوضح دليل عليه:

1 ـ (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِْيمَانِ)(1) .

2 ـ (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(2) .

ولكن للتقيّة حدود وضوابط ، فلو تعرّض أصل الدِّين للزوال أو توقّف الأمر على إحدى الكبائر كإراقة دم المؤمن أو محاربة أولياء الله ، فتكون التقيّة حينئذ حراماً ، وكلام أمير المؤمنين(عليه السلام) السابق ناظر إلى هذه الموارد التي لا تجوز فيها التقيّة . والجملة التي تقول : «خيرٌ من حياة في معصية الله» ناظرة إلى حدّ التقية.


1 . النحل : 106 .

2 . آل عمران : 28 .


(230)

لقد بسط معاوية سلطانه على جميع البلدان الإسلاميّة بعد ستّة أشهر من هذه الخطبة التي ألقاها أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) ، حيث قام معاوية بتقريب أصحاب الباطل وأغدق عليهم الأموال الطائلة ولاحق المطالبين بالحقّ والعدل في كلّ الأصقاع وقضى عليهم ، والإمام(عليه السلام) في هذا الزمان يقول حذارَ من أن تكونوا مع معاوية وأصحابه وتشاركوا في جرائمهم ، ولذلك فإنّ الشيعة في ذلك الوقت لم يقفوا مع معاوية ، رغم كلّ محاولاته لإغرائهم بالمال ، أو عن طريق إبادتهم بالقتل الجماعي ، كما فعل مع حجر بن عديّ وعمرو الحمق من الصحابة الأجلاّء.

السؤال 91

ما الذي أجبر أبا بكر على مرافقة النبيّ(صلى الله عليه وآله) في هجرته ؟ فلو كان منافقاً فلماذا يهرب من مكة؟ وإن كان نفاقه لمصلحة دنيوية، فما هي مصلحته من مرافقة النبي؟

الجواب : لا شكّ في أنّ سفر أبي بكر لم يكن مجبراً عليه ، وأنّه اختار هذا السفر بمحض إرادته ، إلاّ أنّ كيفيّة سفره نقلت بثلاثة وجوه:

1 ـ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ذهب إلى منزل أبي بكر وأخبره بمسألة الهجرة إلى المدينة ، وأنّ أبا بكر أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله) بأنّه مستعدٌّ للذهاب ، وهذا الحديث تنقله ابنته عائشة.(1)


1 . مسند أحمد : 2 / 376 .


(231)

2 ـ بعد أن أنام رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليّاً(عليه السلام) في فراشه ، جاء أبو بكر إلى منزل النبيّ(صلى الله عليه وآله) ففوجئ برؤية عليّ(عليه السلام) نائماً في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، فسأل عليّاً(عليه السلام) عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) فأخبره بأنّه توجّه إلى بئر ميمونة ، فلحق به أبو بكر هناك.(1)

3 ـ يعتقد البعض أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) عندما غادر المدينة رأى أبا بكر في الطريق فاصطحبه معه .

وعلى كلّ حال ، فالله سبحانه هو المطلع على الضمائر والنوايا، فلو كان هذا السفر لوجه الله ، فهو يُعدّ فضيلة . إلاّ أنّ الآية التي نزلت حول حادثة الغار تشير إلى أنّ السكينة والطمأنينة نزلت في حق الرسول خاصّة، قال سبحانه: (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَمْ تَرَوْهَا . . .)(2) .

فالمسلّم أنّ هذا النوع من الإمداد الغيبي كان مختصاً بالنبيّ(صلى الله عليه وآله)ولم يشمل صاحبه ، فنزلت عليه(صلى الله عليه وآله) السكينة وأمدّه الله بجيش لا يُرى .

فإذا كانت المصاحبة فضيلة ، فلماذا يتجاهل الكثيرون فداء عليّ(عليه السلام)في تلك الليلة ويعتبرونه أمراً هيّناً ، فخروج أبي بكر من المدينة حفاظاً لنفسه هل يتساوى مع المبيت في فراش النبي، فأي الموقفين أخطر وأهم؟

ولنفترض أنّ هذه المصاحبة فضيلة ، فهل هذا يصبح سبباً في أن يصير هذا الشخص عادلاً ومعصوماً إلى آخر يوم من أيّام حياته ، بحيث لا يمكننا أن ننتقد أيّ عمل من أعماله!


1 . تاريخ الإسلام للذهبي : 1 / 318 ; السيرة النبويّة لابن هشام : 2 / 98 ـ 99 .

2 . التوبة : 40 .


(232)

السؤال 92

وردت آيات كثيرة تدلّ على أنّ الله رضي عن الصحابة ، ويشهد عليه قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1) ولكن الشيعة يقولون إنّ الصحابة كانوا مؤمنين في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله)لكنّهم ارتدّوا بعد وفاته ، وهذا أمرٌ عجيب ؟

الجواب : بعض الآيات التي استند إليها في الاستدلال على أفضليّة الصحابة لا تختصّ بالصحابة ، بل بيّنت قضايا كلّية شملت الصحابة والتابعين وجميع المسلمين الذين سيأتون مستقبلاً على طول الزمان ، مثل قوله تعالى : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُْمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِْنجِيلِ . . .) .

فنقول: أوّلاً : هذه الآية مرتبطة بأهل الكتاب وذلك بقرينة: (مَكْتُوباً


1 . الأعراف: 157 .


(233)

عِنْدَهُمْ)يعني أنّ الأشخاص من أهل الكتاب الذين يعرفون علامات النبيّ(صلى الله عليه وآله)الموجودة في كتبهم يؤمنون به ويكونون عوناً له .

إذن : فالآية ليس لها علاقة إلاّ بأهل الكتاب ، وإذا قلنا إنّها كلّية فهي تشمل جميع المسلمين الذين سيكونون في المستقبل .

ثانياً : ذكرنا «أنّ القول بارتداد الصحابة كلهم إلاّ ثلاثة» تهمة يحاول جامع الأسئلة جاهداً إلصاقها بالشيعة ، ومن المحال أن يكون لدينا اعتقاد بارتداد عامة الصحابة ، وقلنا مراراً إنّ ما يناهز مائتي وخمسين صحابياً كانوا من روّاد التشيّع ، وأنّ فريقاً كبيراً من الصحابة غير معروف عند المسلمين أصلاً ، وإذا وردت روايات في هذا الشأن (1) فهي أخبار آحاد ومتشابهة ، وجامع الأسئلة على طبق عادته في أغلب ما طرحه من مسائل لم يأت بشاهد واحد على هذه التهمة ، مركّزاً فقط على تكرار كذبه عَلّه يجد له مكاناً عند القارئ ويؤثر عليه .

ولكن نعطف نظره إلى وجود أكثر من عشر روايات في مجموع صحاح أهل السنة تتحدّث عن ارتداد الصحابة ، حتّى أنّه وردت فيها; عندما رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّ أصحابه منِعُوا من ورود حوض الكوثر نادى «أصيحابي! أصيحابي!» فجاء الجواب : «إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى» ، يرجى مراجعة كتاب جامع الأُصول لابن الأثير حول هذه الروايات  .


1 . الكشي في رجاله: 6، الحديث 12 .


(234)

وإذا صحّ استدلالكم بالآيات الّتي تمدح الصحابة فيجب عليكم دراسة الآيات الّتي تذكر الأعمال السيئة لبعضهم ويكفي في ذلك ما ورد من الآيات في سورة التوبة، والآية 11 من سوره الجمعة، والسادسة من سورة الحجرات، إلى غير ذلك من الآيات الّتي تدل على أنّ الصحابة لم يكونوا على خط واحد.

السؤال 93

إذا كان الصحابة قد ارتدّوا بعد موت النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، كما تزعمون ، فكيف قاتلوا المرتدّين من أصحاب مسيلمة وطليحة بن خويلد وأصحاب الأسود العنسي وأصحاب سجاح وغيرهم وأرجعوهم إلى الإسلام ؟

الجواب : هذا سؤال مكرّر جاء بصُورَ مختلفة في هذا الكتاب ، ونحن بدورنا أجبنا عنه والغاية من التكرار تشويش الأذهان .


(235)

السؤال 94

السنن الكونيّة والشرعيّة تشهد بأنّ أصحاب الأنبياء هم أفضل أهل دينهم ، فإنّه لو سئل أهل كلّ دين عن خير أهل ملّتهم لقالوا أصحاب الرسل ، فلو سُئِلَ أهل التوراة عن خير ملّتهم لقالوا أصحاب موسى ، ولو سُئل أهل الإنجيل عن خير أهل ملّتهم لقالوا أصحاب عيسى ، وكذلك سائر الأنبياء . فلماذا عندما يتعلّق الأمر بأصحاب نبيّنا(صلى الله عليه وآله)تقولون إنّهم كفّار ؟

الجواب : اعتاد جامع الأسئلة على التكرار المملّ في طرح أكاذيبه التي لا تنتهي ، ويحاول إلباسها بلباس الإشكال ، وممّا يزيد في صعوبة موقفه انعدام المصدر الذي ينقل عنه ، فراح يعوّض عنه بالكذب .

فالادّعاء سهل ، ولكن إقامة الدليل أمرٌ صعب .

يقول : لو سئل أهل التوراة عن خير ملّتهم لقالوا أصحاب موسى ، وهذا كلامٌ عجيب ، حيث إنّه يسأل أهل التوراة ويحتج به علينا، ولكنّه لم يسأل القرآن ماذا يقول في أصحاب موسى(عليه السلام) ؟ ألم يرتدّوا في غياب موسى ؟ ألم يعبدوا العِجل بدلاً عن عبادة الله تعالى ؟!

لقد اصطحب موسى(عليه السلام) معه أفضل بني إسرائيل للميقات ، ولكن بسبب كثرة عنادهم ولجاجهم سمّاهم بالسفهاء وقال : (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ


(236)

السُّفَهَاءُ مِنَّا)(1) ، والقرآن قال في شأن الطبقة الأُولى من أصحاب موسى (عليه السلام): (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)(2) .

والعجيب هنا أنّ نفس هذه الطبقة الأُولى من أصحاب موسى(عليه السلام)تتعرّض للتوبيخ من قِبل الله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)(3) .

ويقول : لو سُئِل أهل الإنجيل عن خير أهل ملّتهم لقالوا أصحاب عيسى(عليه السلام) ، والعجيب أنّ أصحاب الإنجيل ، يقرأون في الإنجيل أنّ واحداً من حواريّي عيسى(عليه السلام) واسمه (يهودا الاسخريوطي) هو الذي أخبر عن مكان عيسى ممّا جعل أعداءه يُلقون القبض عليه ويتآمرون على قتله .

أضف إلى ذلك فإن منطق القرآن يخالف ما ذكره جامع الأسئلة فهو يبشر ببروز شخصيات لامعة ـ بمرور الزمان ـ أفضل من الملتفين حول رسول الله، قال سبحانه:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(4) .

ونحن نطلب من جامع الأسئلة أن يقرأ ما ورد في تفاسير أهل السنّة حول هذه الآية المباركة ، حتّى يتبيّن له أنّ المتأخّرين من المسلمين أفضل


1 . الأعراف : 155 .

2 . البقرة : 93 .

3 . البقرة : 92 .

4 . المائدة : 54 .


(237)

من المجموعة الأُولى من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) .

وسيرى أنّ الآية المباركة تصرّح باحتمال ارتداد فريق من المؤمنين ، وهناك آيات أُخرى أيضاً تشهد على حصول الارتداد في صفوفهم ، قال تعالى : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)(1) .

هذا بالنسبة إلى الشق الأوّل من السؤال، وأمّا الشق الثاني منه فهو افتراء واضح لأنّ الشيعة تجل أصحاب النبي وتعتبرهمّ روّاد الدين الإسلامي وهي تتبع في ذلك منهج الأئمة(عليهم السلام)ويكفيك أن تراجع دعاء الإمام السجاد (عليه السلام)وغيره في هذا الصدد.

السؤال 95

لقد وجدنا النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يعمل بالتقيّة في مواقف عصيبة ، والشيعة تدّعي أنّ هذه التقيّة تسعة أعشار الدِّين ، وأنّ أئمّتهم استعملوها كثيراً ، فما بالهم لم يكونوا كجدّهم(صلى الله عليه وآله)  ؟

الجواب : التقيّة اشتقّت من «وقى يقي» أي بمعنى الوقاية في مقابل العدوّ . والعقل حاكمٌ بذلك ، حيث إنّه من أجل الوصول إلى المقاصد يجب الاستفادة من الوسائل المتاحة. فإذا كان هذا هو معنى التقيّة فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)


1 . آل عمران : 144 .


(238)

قد عمل بها في السنوات الثلاث الأُولى من دعوته ، يعني أنّه كان يُبلّغ خُفْية لا علناً حتّى نزل قوله تعالى : (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)(1) .

هذا ما يرجع إلى قوله حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا ما يرجع لغيره فلا شك أنّ التقية سلاح العاجز، فالمسلم المؤمن إذا عاش في بيئة صودرت فيها حرياته، فهو إن أعلن عقيدته أو عمل على وفقها لأخذ وحبس وربّما قتل، فليس له بد من العمل بالتقية ومجاراة الحكم السائد.

وقد اتفق على ذلك أئمة الفقه كالشافعي وغيره، ولسنا بصدد ذكر كلامهم.

فلو كانت التقية أمراً غير صحيح ويُعدّ عيباً أو نقصاً على المتقي، فالذي يتولى كبره هو من ألجأه إلى التقية، فلو كانت البيئة الإسلامية تتمتع بالحرية، وتُحترم فيها أموال ونفوس، وأعراض أتباع كافة الفرق والمذاهب، فلا تجد على وجه الأرض من يتقي في عقيدته وعمله.

وبعد أن ثبتت مشروعية التقية، تبقى قضية الإكثار منها وعدمه تابعة للظروف التي تحيط بالمتقي، وهذا لا يُعد نقصاً أو نقضاً لسنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كما يحاول أن يصور جامع الأسئلة ذلك.


1 . الحجر : 94 و 95 .


(239)

السؤال 96

لقد وجدنا عليّاً(عليه السلام) لم يكفِّر خصومه ، حتّى الخوارج الذين حاربوه ، وآذوه وكفّروه ، فما بال الشيعة لا يقتدون به ؟ وهم الذين يكفّرون خيرة أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله)بل وزوجاته أُمّهات المؤمنين ؟

الجواب : هذا السؤال مكرّر أيضاً والشيعة لا يكفرون أحداً على الإطلاق وإنّما يعرضون أعماله على المحك ، إذ أنّ عمل كل شخص أفضل دليل على ماهيته ودينه.

وإذا كان التكفير أمراً قبيحاً ومنبوذاً فأنتم الوهابيّون أبطال العالم في التكفير ، فهذا إمامكم ومقتداكم محمّد بن عبد الوهاب في كتاب «كشف الشبهات» يكفِّر جميع المسلمين ما عدا أتباعه ، ومهما حاولتم جاهدين إخفاء هذا الأمر فإنّ عمله يبقى خير شاهد على رأيه في عموم المسلمين . فهو على مدى حياته كان في حرب دائمة مع مسلمي نجد واليمن والحجاز وأغار عليهم باعتقاده أنّهم كفّار وعبّاد أصنام ، واليوم أيضاً فإنّ أتباع هذا الرجل يحملون في عقولهم وأيديهم آلة التكفير ويشهرونها في وجوه الأبرياء ، ممن يقولون لا إله إلاّ الله ، وأنَّ الله ربّنا ومحمّداً رسولنا والكعبة قبلتنا والقرآن كتابنا ، ويقتلونهم بواسطة أشخاص خدعوهم باسم العمليّات الاستشهاديّة والشهادة براءٌ منهم في قتلهم للمسلمين .


(240)

ولكنّهم بالنسبة للكفّار الحقيقيّين (كالصهاينة) فتراهم لا يحرّكون ساكناً!!

السؤال 97

الإجماع عند الشيعة ليس حجّة بذاته ، بل بسبب وجود المعصوم ، وهذا فضول من القول ، لأنّه لا داعي للإجماع إذن ؟

الجواب : حجّية الإجماع في حال ظهور الإمام المعصوم لها ملاك ، وفي زمان الغيبة لها ملاكٌ آخر .

أمّا في زمان حضور المعصوم فلو اتفق علماء المدينة على حكم وكان للإمام الحرية التامّة لابداء رأيه ومع ذلك اتفق الكل ولم ينقل الخلاف عن أحد، نستكشف دخوله بين المجمعين واتفاقه معهم، ففي هذه الصورة يكون ملاك حجية الإجماع دخول الإمام، وبّما أنّ الإمام لا يعرف بشخصه نستكشف من الإجماع قوله ورأيه. فيكون اتفاق عامة علماء المدينة المنورة على حكم شرعي دليلاً على كونه لديه أيضاً كذلك.

ففي هذه الحالة يكون الإجماع مفيداً جدّاً لأنّه وسيلة لمعرفة رأي المعصوم .

أمّا حجّية الإجماع في عصر الغيبة فلها ملاك آخر مذكور في كتب الأُصول .


(241)

تصوّر جامع الأسئلة أنّ الإمام مشخص في ضمن المُجمعين وظاهر ، فقال إنّ وجوده في ضمن المجمعين يغني عن الإجماع والاتّفاق ، والحال أنّ المسألة على خلاف ما توهّم . وهذه القضية من القضايا التي مجالها كتب أُصول الفقه وقد بحثها العلماء بصورة مفصلة لا مجال هنا لذكر جميع الآراء فيها.

السؤال 98

إن الشيعة يكفّرون الزيديّة ، مع أنّ الزيديّة يوالون أهل البيت(عليهم السلام) ؟

الجواب : هذه واحدة من التهم التي يفتريها جامع الأسئلة بدون دليل ، وسينال جزاءه من الله تعالى على أنّه شخصٌ «مُفتر» .

إنّ الشيعة يحترمون إمام الزيديّة «زيد بن عليّ» احتراماً خاصّاً ، فعندما استُشهد زيد ووصل خبره إلى الإمام الصادق(عليه السلام)جرى الدمع من عينيه ، وأمر بمساعدة عائلة زيد وعوائل الشهداء الذين استشهدوا في تلك الثورة ، وبعث إليهم بالأموال . والمستثنى من الزيديّة هم فريق معدود وغير موجود باسم «البترية» .

يقول الشيخ المفيد في أوائل المقالات : لا تليق تسمية «الشيعة» إلاّ بفريقين ; هما الإماميّة والزيديّة(1) .


1 . أوائل المقالات: 37 .


(242)

لقد سعى جامع الأسئلة أن يملأ هذا الكتيّب من أوّله إلى آخره بأكبر الانحرافات التي يعتقد بها هو وأمثاله ، ويقصد بذلك تكفير المسلمين ، محاولاً عبثاً إبعادها عن نفسه وإلصاقها بالشيعة ، وما ذكره هنا نموذج لذلك حيث إنّه تجاهل مجموعة فتاوى علمائه الكبار، الوهابيّين وجعلها وراء ظهره.

ونحن نسأله هنا : ما هي الفرقة التي بقيت لكم لكي لا تكفّروها ؟ وأي طائفة بقيت لكم لم تستحلّوا دماءها وأموالها وأعراضها ؟ ولماذا جعلتم من الكفّار الحقيقيّين أصدقاء، واتّخذتم من المسلمين أعداءً كالكفّار والمشركين ؟ ولماذا لوّثتم كلمة «الجهاد» المقدّسة عن طريق اعتماد القتل الجماعي للأبرياء ؟!

السؤال 99

إن الشيعة يردّون إجماع الأُمّة في قضايا عديدة بدعوى أنّه ليس فيها قول المعصوم، ثم نجدهم يقبلون قول امرأة يسمّونها حكيمة في قضية وجود مهديهم المنتظر.

الجواب: أمّا الإجماع فقد حقّق في محله أنّ له موردين:

1. إجماع في عصر الحضور ـ وقد مرّ (1) ـ أنّ اتفاق مدينة فيها الإمام على فتوى، وكان باب الحرية مفتوحاً، فاتفاقهم يكشف عن قول


1 . مرّ في جواب السؤال 97 .


(243)

الإمام وأنّه كان معهم، والإجماع هنا حجّة.

2. الإجماع في عصر الغيبة، فلو اتفق الفقهاء في عصر على حكم من الأحكام الشرعية على وجه يلازم اتفاقهم قول الشارع ملازمة عادية أو عقلية، فالإجماع هنا حجّة. فبأي دليل يفتري جامع الأسئلة بأنّ الشيعة لا يقبلون الإجماع، نعم قد يكون نظره متوجهاً إلى الإجماع المدّعى على خلافة الخلفاء والّذي ثبت في محله عدم تحققه في حق الثلاثة، وقد مر تفصيل ذلك .

وأمّا قبول قول عمّة الإمام «حكيمة» الّتي كانت أُختاً للإمام الهادي (عليه السلام)، وعمّة للإمام الحسن (عليه السلام)فلأنّها كانت امرأة مؤمنة زاهدة اتّخذها الإمام مستودعاً للسر الّذي لم يكن يبديه لغيرها.

لكن الإيمان بولادة الإمام الثاني عشر لا يعتمد على شهادة هذه المرأة فقط، بل على شهادة الإمام العسكري (عليه السلام)ورؤية جماعة من الشيعة ابنه عنده.

السؤال 100

يزعم الشيعة أنّ عليّاً يستحقّ الخلافة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)لحديث : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» ثمّ نجد أنّ هارون لم يخْلَف موسى(عليه السلام)بل خَلَفَه يوشع بن نون ؟

الجواب : نعم ، إنّ حديث المنزلة من مختصّات الإمام عليّ(عليه السلام) ، حيث نُقل بعشرات الطرق في الصحيحين (البخاري ومسلم) وغيرهما من الكتب


(244)

الأُخرى المعتبرة ، وجامع الأسئلة يعترف بصحة الحديث كما هو ظاهر ، إلاّ أنّه لم ينقله كاملاً ، فعندما عزم النبيّ(صلى الله عليه وآله)الخروج إلى تبوك ترك عليّاً خليفةً له على المدينة ، فأخذ المنافقون يشيعون أنّ العلاقة توترت بين النبيّ(صلى الله عليه وآله)وعليّ(عليه السلام)ولذلك تركه في المدينة ولم يستصحبه معه، فلمّا سمع أمير المؤمنين(عليه السلام)ذلك ذهب إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله)وأخبره بما يقول الناس ، عندئذ قال النبيّ(صلى الله عليه وآله) : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي»(1) .

إنّ لهارون أربعة مقامات بنصّ القرآن الكريم :

1 ـ شريك موسى في النبوّة لقوله تعالى: (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)(2) .

2 ـ وزير موسى ومساعده ، لقوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي)(3) .

3 ـ العضد القويّ الذي يستند عليه موسى(عليه السلام) لقوله تعالى: (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي)(4) .

4 ـ كان نائب موسى(عليهما السلام) في فترة غيابه ، لقوله: (وَقَالَ مُوسَى لاَِخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)(5) .


1 . صحيح مسلم : 7 / 120 ، باب فضائل عليّ بن أبي طالب ، الحديث رقم 2404 ; البخاري، كتاب 24 الباب 4 الحديث 3706 ; المستدرك للحاكم : 3 / 133.

2 . طه: 32 .

3 . طه: 29 .

4 . طه: 31 .

5 . الأعراف : 142 .


(245)

إذن ، فأمير المؤمنين عليٌّ(عليه السلام) له جميع مقامات هارون باستثناء النبوّة ، فهو إذن خليفة النبيّ(صلى الله عليه وآله) في غيابه سواءً أكان في حال حياته أم في حال مماته .

وجامع الأسئلة يسأل : إن كان هارون قد مات قبل موسى(عليه السلام) رغم حيازته لتلك المقامات الأربعة، ولم يخلف موسى بعد مماته فكيف يمكن لعليّ(عليه السلام) أن يكون خليفة للنبيّ(صلى الله عليه وآله)بعد مماته والحال أنّ «المشبّه به» يعني هارون لم يكن له ذلك التوفيق ؟

وجوابنا هو أنّ الحديث يتضمن أمرين:

الأوّل: إنّ ما يتمتع به هارون من المقامات الواردة في الكتاب العزيز ثابت لعلي (عليه السلام)تماماً.

الثاني: انّ خلافة علي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا تختص بأيام حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيبته عن المدينة بل تعم الأيام التي تعقب رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم)بشهادة قوله: «إلاّ أنّه لا نبي بعدي»، فلو كانت خلافته مختصة بأيام حياته لما كان للاستثناء وجه.

وبذلك تبين أن تنزيل علي منزلة هارون إنّما هو في الأمر الأوّل أي ثبوت المقامات لا في الأمر الثاني فلا إشكال في تشبيه علي بهارون مع أنّ هارون توفّي في حياة موسى (عليه السلام)، لما عرفت من أنّ وجه التشبيه هو الأمر الأوّل فقط، لا الثاني وإلاّ لعاد قوله لا نبي بعدي أمراً لغواً.

وفي النهاية نسأل الوهابيّين : لو كان هذا الحديث قد ورد في أحد الخلفاء الثلاثة ، هل كان تعاملكم معه بهذه الكيفيّة ؟!


(246)

السؤال 101

لقد جرّأ الشيعة أتباعهم على ارتكاب الآثام والموبقات بدعواهم أنّ (حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها معصية) ، وهذه دعوى يكذّبها القرآن الكريم ؟

الجواب : هذا أيضاً واحد من افتراءات جامع الأسئلة المقيتة التي ليس لها مصدر .

والظاهر أنّ السائل أخذ الشيعة و«المرجئة» بمعنى واحد ، ففريق المرجئة هم الذين يقولون : قَدِّم الإيمان وأخّر العمل، والشيعة تقول بأنّ العمل جزء من الإيمان الناجع فمن آمن ولم يعمل فلا ينجيه إيمانه، ويكفيك ما قاله الإمام الباقر(عليه السلام) لأحد أصحابه: «يا جابر أيكفي من انتحل التشيّع وأحبّنا أهل البيت ؟ فوالله ما شيعتنا إلاّ من اتّقى الله وأطاعه . . .».(1)

وهذا نموذج واحد للروايات التي وردت في هذا المجال ، فقد وردت عشرات الأحاديث عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في هذا الموضوع ، ولو فرضنا مجيء رواية واحدة على خلاف هذه الروايات ، فإنّها ستكون مخالفة للقرآن الكريم فلا يمكن الاعتماد عليها ، بل يجب تفسيرها على ضوء الروايات الصحيحة .


1 . الأمالي للشيخ الطوسي : 743; الكافي : 2 / 73 .


(247)

وانّ المراد من السيئة ،هي الصغيرة المكفّرة بحب علي قلباً وعملاً نظيره قوله سبحانه: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)(1).

ونحن نسأل جامع الأسئلة أن يخبرنا برأيه عما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من طرقهم أنّه قال بحق أهل بدر: «إعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنّة».(2)

أليس هذا إعطاء ضوء أخضر لهؤلاء، وأنّهم مصونون من النار ولهيبها، فلهم أن يقترفوا من المعاصي ما شاءوا.

ولكن في المقابل : أنتم الوهابيّون وفقاً لتربيتكم الإرهابيّة قد جعلتم جميع المحرّمات الإلهيّة تحت أقدامكم ، فلم تراعوا حرمة لدماء الأبرياء من الشيوخ والأطفال والنساء ولم تحفظوا أموال المسلمين وأعراضهم ، واعتبرتم كلّ المسلمين ـ ما عدا ثلة من أتباع محمّد بن عبد الوهاب ـ مشركين ومرتدّين تجوز إراقة دمائهم والاستحواذ على أموالهم وأسر نسائهم ؟

فأيّ من الفرقتين (الشيعة أم الوهابية) أجرأ على المحرّمات ؟!


1 . النساء: 31.

2 . صحيح البخاري: 5 / 10، كتاب المغازي.


(248)

السؤال 102

يعتقد الشيعة عقيدة البداء ، ثمّ يدّعون أنّ أئمّتهم يعلمون الغيب! فهل الأئمّة أعظم من الله ؟

الجواب : يدعي جامع الأسئلة أنّه يريد هداية شباب الشيعة ، ومصدر تهمته هذه هو كتاب شيخه ناصر القفاري (1)الذي يُعدّ أحد مفكّري ومنظّري الوهابية، فهل يصحّ الاعتماد على قول شخص معاد في حق فرقة من فرق المسلمين .

إنّ كتاب القفاري مليء بالسبّ والشتم الذي تعلّمه من سلفه ابن تيميّة ، وهو عبارة عن جملة من الإفتراءات ، ونحن هنا ننقل نموذجاً منها:

يقول : إنّ الخميني أدخل اسمه في أذان الصلاة وقدمه على الشهادتين(2) .

إنّ شخصاً يبلغ هذا الحدّ من الوقاحة والكذب والافتراء ، كيف يحق لجامع الأسئلة أن يتخذه مرجعاً ومصدراً يعتمد عليه!!

ولنترك هذا وننتقل إلى المطلبين اللّذين ذكرهما ، والظاهر أنّه لا علاقة بينهما ، فذكر أنّ :

1 ـ الشيعة يعتقدون بالبداء .


1 . أُصول مذهب الشيعة الإمامية: 1 / 131 ـ 151 .

2 . اُصول مذهب الشيعة الإمامية : 3 / 154، والقفاري استشهد بكلام لموسى الموسوي.


(249)

2 ـ أئمّة الشيعة يعلمون الغيب .

وخرج إلى نتيجة وهي : أنّ أئمّة الشيعة أعظم من الله (نعوذ بالله) !

وهنا نوضح كلا النقطتين :

1. أما البداء:

فمعناه أنّه ليس للإنسان مصير قطعي لا يتبدّل ولا يتغيّر، بل أنّ مصيره يتبدّل بصالح الأعمال وطالحها، فرب إنسان كتب عليه ـ حسب أعماله ـ أنّه من أهل النار لكنه يستطيع أن يغيّر مصيره بالأعمال الصالحة ويكتب عليه أنّه من أهل الجنة، وهكذا العكس، ويدل عليه قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)(1) .

وحاصل البداء تغيير مصير الإنسان في شؤونات مختلفة بأعماله الحسنة والسيئة، وهذا أمر اتفق عليه عامّة المسلمين، روى جلال الدِّين السيوطي في كتابه «الدر المنثور» روايات عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) تتحدّث عن تبدّل قسم من التقدير الإلهي بسبب الأعمال الحسنة للإنسان ، أمثال برّ الوالدين والصدقة وصِلة الرحم وغيرها ، والحديث المعروف «الصدقة تدفع البلاء» يشير إلى هذا المعنى.(2)

و«البداء» بهذا المعنى هو مورد قبول جميع المسلمين ، ويستحيل أن يكون سبباً في وصف الله بالجهل (حاشا لله) ، وكنموذج للتوضيح : فإنّ قوم


1 . الرعد : 39 .

2 . الدرّ المنثور : 6 / 661 .


(250)

يونس(عليه السلام)بسبب عدم إيمانهم استحقّوا العذاب ، وكان نبيّهم «يونس» قد اطّلع على نزول العذاب عليهم ، فخرج عنهم وتركهم ، إلاّ أنّ قومه لما رأوا طلائع العذاب خرجوا إلى الصحراء متضرّعين ومبتهلين بالدعاء والبكاء معلنين توبتهم إلى الله تعالى ، فقبل الله توبتهم وكشف عنهم العذاب ، قال تعالى : (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)(1) .

وقد كان نزول العذاب على قوم يونس مقرّراً ولكن وقع «البداء» أي «بدا لله أن لا يعذّبهم» وهذا تعبير مجازي بكلّ تأكيد ، يعني أنّ الناس العاديّين الذين لا يعلمون الماضي والمستقبل يعتقدون أنّ الله تراجع في رأيه وبدّل إرادته ، والحال أنّه لم يقع تبديل ، وفي الحقيقة أبدى للناس ما أخفاه وكشف السِّتار عن الحقيقة ، فليس «بداء» وإنّما هو «إبداء» وإظهار لشيء كان مختفياً عن الآخرين ، لكنّه كان معلوماً عند الله من الأزل بأنّ هؤلاء القوم سوف يتوبون ويرتفع عنهم العذاب.

وأمّا أنّهم لماذا يقولون «بدا لله» ؟

فالجواب : أنّه بسبب الاقتداء بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) الذي استعمل كلمة «بدا لله» في هذا المورد ، وهو ما نقله البخاري في صحيحه في حديث طويل نكتفي بنقل صدره فقط :

عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : «إنّ ثلاثة من بني


1 . يونس : 98 .


(251)

إسرائيل ; أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً . . .»(1) .

ويقرب من هذا الحديث ما ذكروه في باب التوسّل بالعمل الصالح، حيث ينقلون عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه دخل ثلاثة أشخاص إلى غار فراراً من المطر ، وفجأةً أتى حجر كبير وأغلق باب الغار ، فقالوا لبعضهم البعض : والله لن ينجو منّا أحد إلاّ إذا توسّل بعمل صالح عمله ، فكلّ من عنده عمل صالح فليتوسّل به إلى الله تعالى حتّى يُنجيه من الموت . . .

إلى هنا ظهر أنّ الاعتقاد بـ «البداء» ليس معناه نسبة الجهل إلى الله تعالى ، فالله عالم مطلق ، لا طريق للجهل إلى ساحته المقدّسة ، إلاّ أنّ أغلب الناس الذين ينظرون إلى ظاهر القضايا دون باطنها، وإذا فوجئوا بخلاف ما كانوا يترقبّون يقولون «بدا لله» وهذا نوع من الاستعمال المجازي من وجهة نظر الإنسان ، أمّا من جهة الله تعالى وهو العالم بالظاهر وما سيقع في المستقبل فهو بالنسبة إليه إبداء أي إظهار للناس خلاف ما كانوا يترقبونه، الذي أجرى الحوادث على هذا النحو بحيث تكون خافية على الناس في أوّل الأمر ثمّ يطلعهم عليها لاحقاً .

2. علم الأئمة بالغيب

إذا قلنا إنّ الأئمّة يعلمون الغيب فليس معناه أنّهم أعلم من الله تعالى ـ حاشا لله ـ لأنّ الاعتقاد بـ «البداء» غير مستلزم لنسبة الجهل إلى الله ، حتّى


1 . صحيح البخاري : 4 / 172، كتاب أحاديث الأنبياء ، الحديث 3465 ; وكتاب البيوع، الحديث 2215 .


(252)

نتصوّر تلك الأفضليّة ، ولنترك هذا ، فعلم الإمام بالغيب غير قابل للمقارنة والمقايسة أصلاً بعلم الله تعالى ; فعلم الله بالغيب علمٌ مطلق ، أمّا علم الإمام فمحدود ، وأيضاً فإنّ علم الله بالغيب هو أمرٌ ذاتيّ (لا ينفكّ عنه بحال من الأحوال) ، أمّا علم الإمام فهو علمٌ اكتسابي من الله تعالى .

إلى غير ذلك من الفروق بين العلمين، وفي الحقيقة علمهم بالغيب عبارة أُخرى عن تعلّمهم من ذي علم، كما صرح بذلك الإمام (عليه السلام)في بعض خطبه.(1)

السؤال 103

يحدّثنا التاريخ أنّ الشيعة كانوا مناصرين لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين في حوادث كثيرة ، من أبرزها : سقوط بغداد بيد المغول ، وسقوط القدس بيد النصارى ، . . . فهل يفعل المسلم الصادق ما فعلوه ؟ ويخالف الآيات الناهية عن اتّخاذ اليهود والنصارى أولياء ؟ وهل فعل عليّ وأولاده(عليهم السلام)هذا الفعل ؟

الجواب : الشيعة هم أتباع عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) الذي استأصل جذور


1 . عندما أخبر (عليه السلام)عن الملاحم بالبصرة، قال بعض أصحابه: لقد أُعطيتَ يا أمير المؤمنين علم الغيب فأجابه قائلاً: يَا أَخَا كَلْب، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْب، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْم. نهج البلاغة: الخطبة 128.


(253)

اليهود من شبه الجزيرة العربيّة وهو الذي اقتلع باب خيبر بأمر وإمداد إلهيّين ، وفتح قلعتهم للمسلمين وسجّل هزيمة اليهود في التاريخ بشكل قاطع .

والشيعة لم يكونوا يوماً ما مع اليهود ولا النصارى ، ولقد ذكرنا فيما سبق أنّ الدول الشيعيّة عبر التاريخ هي التي كانت تحمي حدود الدولة الإسلاميّة من هجوم الأعداء من اليهود والنصارى وغيرهم .

أمّا الكلام عن تسبّب الشيعة في سقوط بغداد فهو دليل جهل بالتاريخ واللامبالاة في الادّعاء والحكم .

وهنا نكتفي بذكر قطعة تاريخيّة تروي درجة الوعي في الخلافة العبّاسيّة!

يرويها ابن كثير تلميذ ابن تيميّة (1) .

العدوّ على البوّابة والخليفة مشغول . . .

كتب ابن كثير في تاريخه : وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتُضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهم فإذا مكتوب عليه: «إذا أراد الله إنفاذ قضائه


1 . للتعرف على علل سقوط بغداد نحيل القارئ إلى كتاب «سقوط الدولة العباسية ودورالشيعة بين الحقيقة والاتهام» ، وللأسف أنّ هذا الكتاب بسبب كشفه عن جذور بعض الحقائق في السعوديّة فقد تمّ جمعه ثم إحراقه ومنع نشره .


(254)

وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم»، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرة الستائر على دار الخلافة .(1)

فكيف ببلد يكون حاكمه منشغلاً برقص الجواري والعدوّ يهاجم دولته ، فمن المؤكّد أن يكون مصيره السقوط والهزيمة ، والمقصود هنا هو أنّ سقوط الخلافة العبّاسيّة كانت سنّة إلهيّة ، حيث إنّ عوامل سقوطها كانت تكمن في أعمال الخليفة وعمّالها.

إنّ مطالعة تاريخ المسلمين قبل هجوم المغول يكشف عن تفشي النزاع والفوضى في كيان الخلافة العباسية، وكان التناحر بين الأمراء سائداً عليهم ، وكأنّهم لم يكونوا تحت سيطرة الخلافة الكبيرة ، ولا تحت إمارة خليفة واحد ، ولم يكن لهم هدف سوى السيطرة على المناصب والملذّات ومواقع النفوذ في البلاد ، وكان يستحوذ كلّ واحد منهم على ما في أيدي الآخرين ، دون أن يفكّروا في حفظ الدولة الإسلاميّة وصيانتها والدفاع عنها من العدوّ الخارجي ، فكلّ واحد ينصب كميناً للآخر ، ناهيك عن أنّ الخليفة كان مشغولاً باللّهو والترف .

فإن تنسَ لا أنسى ما قام به مفتي السلفية «عبد العزيز بن باز» من الدعوة إلى الصلح مع إسرائيل ، والصلح مع إسرائيل ـ باعتقاده ـ أنّه كصلح النبيّ(صلى الله عليه وآله)مع قريش في الحديبيّة ، والحال أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) عندما صالح أهل مكّة كان صلحه مستنداً إلى القدرة والعزّة ولم يكن إلى الضعف والذلّ ، وقال : «إنّا لم نجئ لقتال أحد ولكنّا جئنا معتمرين وإنّ قريشاً نهِكتهم الحرب وأضرّت


1 . البداية والنهاية: 13 / 213 .


(255)

بهم ، فإن شاءُوا مادَدْتُهم مدّة ويُخلّوا بيني وبين الناس ، وإن هم أبو فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتّى تنفرد سالفتي ، ولينفذنّ الله أمره . . .»(1) .

والآن نسألكم : أليس هذه الحكومات التي تسمّى بالإسلاميّة تربطها علاقات وطيدة بإسرائيل ؟ وماذا قدّمتْ يا تُرى خلال مدى ستّين عاماً مضت على طريق مواجهة العدوان الصهيوني ؟

ومن الذي يساعد المحتلّين في أفغانستان والعراق ويتعاون معهم وقدّم القواعد العسكريّة لقوّاته الجويّة كهديّة للقوات الغازية لتقصف بلاد المسلمين وتدمّرها ؟ وفي أي بلد تقع اليوم قواعد اليهود والنصارى المتمثلة بأمريكا وبريطانيا وفرنسا و.. هل في بلاد الشيعة أم بلدانكم التي أباحها حكامها للكافرين؟!

وعلى طول تاريخ الصراع مع إسرائيل ، مَن الذي تمكّن من هزيمة إسرائيل سوى الشيعة ؟ أليس أوّل من طرح نظريّة: «إسرائيل غدّة سرطانيّة يجب أن تزول من الوجود» هو أحد مراجع الشيعة وهو السيد الخميني ؟

ومفتي الدِّيار السعودية الوهابي «ابن باز» يُفتي منادياً بالصلح مع إسرائيل ، وقد انتشرت فتواه في أصقاع العالم الإسلامي ، ولم يجرأ أحد على نقد تلك الفتوى سوى علماء الشيعة الذين نقدوها بشكل مؤدّب ومهذّب ، وفي المقابل نجد أنّ علماءكم والذين لا يزالون على قيد الحياة يعلنون


1 . صحيح البخاري: 3 / 253ـ 255 ، كتاب الصلح ، باب ما يحرز من الشرط في الإسلام  . مسند أحمد : 4 / 329 ، الحديث  18928 .


(256)

صراحةً بعدم جواز الدعاء لمجاهدي حزب الله بالنصر على إسرائيل!!

وأخيراً لا يبقى لنا إلاّ القول: «من كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجر» .

السؤال 104

لقد وجدنا كثيراً من الشيعة يقعون في الحسن بن عليّ(عليه السلام)ويذمّونه وذرّيته رغم أنّه أحد أئمّتهم ومن أهل البيت .

الجواب : لم يجرؤ أحد ـ على طول تاريخ الشيعة ـ بالتفوّه بكلمة ينتقص فيها من شأن الإمام الحسن(عليه السلام) ، فهم ـ أي الشيعة ـ يعتقدون بأنّه حجة الله الثانية بعد أبيه (عليهما السلام).

والعجب من كذب هذا الشخص حيث يقول : إنّ كثيراً من الشيعة يقعون في الحسن(عليه السلام) ، وكأنّ الكثير من الشيعة يقعون في الحسن لحدّ الآن .

إنّ المصدر الذي اعتمد عليه في هذا الادّعاء الزائف ، هو كتاب سليم بن قيس المتوفّى سنة 90 للهجرة . وطبعاً كان هناك من يحاول الانتقاص من شأن الإمام الحسن من معاصريه ، وأُولئك هم ثلّة من ضعاف العقول والخوارج الذين خرجوا على عليّ والده(عليهما السلام) ، فأضمروا له العداوة والانتقام ، وهذه مسألة معروفة حيث تعرّضت خيمته(عليه السلام) للإغارة من قبل الخوارج ، ورموه بالسِّهام فأصابوا رجله ، ولذا حمل إلى الساباط للعلاج . ولو كان هناك ناقد لصلحه، فقد كانوا من تلك الطبقة.


(257)

السؤال 105

من يتأمّل الشيعة يجد كثرة الانقسامات في مذهبهم ، وكثرة تنازعهم وتكفير بعضهم بعضاً في وقت متقارب ، ومثالهم فرق البابية والبهائية الكافرتين ، وغيرهما ؟

الجواب : التشيّع عبارة عن نفس الإسلام الّذي جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن طرق الوحي وبيّنه للناس ولكن بطابَع خاص وهو أنّ القيادة بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تكون بيد عترته الطاهرة.

وإذا كان هناك شخص أو فريق أو تيّار ينكر خاتميّة النبوّة أو يدّعي النبوّة أو ينكر شيئاً من ضروريّات الإسلام فهو لا شيعي ولا مسلم.

والفِرُقُ التي أشار إليها مثل البابية والبهائية ، هي فرق خارجة عن ربقة الإسلام وهي في نظر الشيعة أحزاب ، وليسوا أصحاب دين وهم جميعاً صنائع الاستعمار .

وإذا قبلنا هذا الوصف عن الشيعة ، فيجب أن نقول: إنّ أهل السنّة أيضاً قد انقسموا إلى فرق ومذاهب شتّى ، وكلّ فريق يكفِّر الفريق الآخر ، فالوهابيّة أعداء للأشاعرة الذين يشكّلون غالبيّة أهل السنّة ، والأشاعرة يعتقدون أنّ المعتزلة ليسوا من أهل السنّة وهلمَّ جرّا . ويكفي أنّهم انقسموا إلى أربعة مذاهب في فترة لا تتجاوز عدة عقود من الزمن .


(258)

وأخيراً نذكّر أنّ القاديانية مثل البهائية في إنكار الخاتمية وادّعاء النبوّة وبذلك خرجا عن ملّة الإسلام .

السؤال 106

لقد وجدنا أهل الفتنة البُغاة لمّا حاصروا دار عثمان بن عفّان دافع عنه عليّ(عليه السلام)وطرد الناس عنه ، وأنفذ إليه ولديه الحسن والحسين وابن أخيه عبدالله بن جعفر ، وهذا يدلّ على بطلان القول بوجود العداوة والتباغض بين عليٍّ(عليه السلام)وعثمان ؟

الجواب : الأشخاص الذين حاصروا دار عثمان كانوا من الصحابة والتابعين ، ولا يمكن القول بأنّهم كانوا بغاة بعيدون عن الإسلام ، وكانت بينهم وبين عثمان مشاكل ونزاعات تنبعث منها رائحة الدم . وأمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)تفادياً لإراقة الدماء وإصلاحاً لذات البين ، عمد إلى التمهيدات اللاّزمة لذلك ، وهذه علامة على الروح العالية التي كان يتمتّع بها الإمام من أجل حفظ الوحدة بين المسلمين ، فأرسل أولاده للحيلولة دون إراقة الدِّماء .

فما قام به الإمام عليّ(عليه السلام) كان من أجل حفظ مقام الخلافة العالي والمقدّس ، فلا يجب أن يُخدش وتصير الخلافة محلاًّ للتلاعبات ، ولكن للأسف لم يستمع عثمان لنصائح الإمام ، وحدث ما حدث .


(259)

السؤال 107

لقد كان عمر باتّفاق السنّة والشيعة يشاور عليّاً(عليه السلام) في أُمور كثيرة ، ولو كان ظالماً لما شاور أهل الحقّ ، لأنّ الظالم لا يطلب الحقّ ؟

الجواب : كان أمير المؤمنين عليٌ(عليه السلام) باتّفاق الأُمّة أعلم مَنْ في الأُمّة قاطبةً ، وأكثر الأشخاص اطّلاعاً على أُصول وفروع الإسلام ، وأمّا من جهة السياسة والتدبير فكان محط أنظار الخاصة والعامّة. ولمّا استشاره عمر حول خروجه من المدينة لحرب الكفّار ، كان من واجب الإمام (عليه السلام) أن يخلص له النصيحة ويرشده إلى الصواب ، وهذه فضيلة معروفة للإمام(عليه السلام) . ولكن الاستشارة لا تكون دليلاً على حسن العلاقة بين عليّ(عليه السلام)وعمر ،فإن مصالح الإسلام العُليا عند عليّ(عليه السلام) هي أولى ومقدّمة على كلّ شيء .

إذن : هذا النوع من التعاون والتناصحّ ليس له علاقة بما استفاده جامع الأسئلة . بل تكشف عن عظم شخصية الإمام علي(عليه السلام)ممّا يدل على أحقية الشيعة في تقديمه على غيره من الناس والتمسّك به كإمام مفترض الطاعة.


(260)

السؤال 108

ثبت بالاتّفاق أنّ سلمان الفارسي(رضي الله عنه) قد تأمّر على المدائن زمن خلافة عمر ، وأنّ عمّار بن ياسر(رضي الله عنه) قد تأمّر على الكوفة ، وهما ممّن يقول الشيعة أنّهما كانا من أنصار عليّ(عليه السلام)وشيعته ، فكيف يعملون بهذه الوظائف في خلافة عمر ؟ أليس هذا نوعاً من التعاون مع الظَّلَمة والمرتدّين  ؟

الجواب : إنّ تعاون هذين الصحابيّين الجليلين وغيرهما مع جهاز الخلافة حينئذاك، نابع من أصل أشار إليه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في إحدى رسائله وهو قوله: ما كان يُلقى في روعي ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم)عن أهل بيته، إلى أن قال: حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّام قَلاَئِلَ .(1) وفي هذه الظروف الحسّاسة لا يمكن لعليّ(عليه السلام)وأصحابه صرف النظر عن جوهر الإسلام وأصله ، في بذل أقصى جهدهم للمحافظة عليه ، فانبرى هذا الفريق الذي هو أطهر أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)ومورد مدحه الكبير وثنائه العظيم ، مدافعاً عن أصل الإسلام ، فقبل البعض منهم تلك المناصب حتّى وإن كانت الخلافة غير شرعية في نظرهم ،


1 . نهج البلاغة، الكتاب رقم 62 .


(261)

للتقليل من الخسائر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عملاً بوظيفتهم الشرعيّة ، ومنطق العقل والشرع يوجبان هذا النوع من التعاون ، وكأنّ هؤلاء الأصحاب يحدّثون أنفسهم قائلين : الآن وبعدما عزل القائد العظيم الذي نصّبه الله وارتضاه هو ورسوله وبالتالي عدم تحقّق الوضع المثالي الإسلامي ، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من تقديم خدمة للإسلام بطرق وأساليب شتّى .

بقي التذكير أنّ هذا النوع من التعاون لا يثبت ما ذهب إليه جامع الأسئلة ولا يحقّق غرضه ، وكلّ ما هناك أنّه تعاون شبيه بتعاون يوسف(عليه السلام)مع المصريّين القدامى .

السؤال 109

ذكر جامع الأسئلة تحت هذا الرقم سؤالاً يرجع إلى أمرين:

الأوّل: ان أقصى هدف لوجود الإمام هو رفع الاختلاف ومع القول بوجود الإمام الحي بين الشيعة فكيف يسوغ الاختلاف .

الثاني: قد ذكروا أن ثلاثين رجلاً من علماء الشيعة اتصلوا بالإمام.

ذكر المجلسي أنّ الإمام الغائب لا يُرى، ومن ادّعى أنّه رأى الإمام المهدي فقد كذب، فكيف يجتمع هذا مع رؤية ثلاثين عالماً له (عليه السلام).

الجواب : أمّا عن الأمر الأوّل فهو مبني على أنّ وجود الحجة الإلهية


(262)

قالع للخلاف من رأس، ولكنّه ليس صحيحاً وإنّما هو يقلل الاختلاف ولا يقلعه، والشاهد على ذلك أنّ المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)بعث إلى بني إسرائيل، وكانت إحدى وظائفه رفع الاختلاف بينهم، قال تعالى : (قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلاُِبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)(1) .

فأمّا أُولئك الذين كانوا يعشقون الحقّ والحقيقة فقد اتّبعوا عيسى(عليه السلام) ، وقبِلوا الحقّ ، وأمّا أُولئك الذين يتّبعون أهواءهم ، فقد احتضنتهم الاختلافات واتّبعوا طرق الضلال .

إذن : وجود الحجّة من قبل الله تعالى (سواء كان نبيّاً أو إماماً) لا يلازم رفع الاختلاف .

ويشهد على ذلك قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمانٌ لأُمّتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».(2)

ومع وجود الحجة نرى أنّ النبي يخبر عن الاختلاف وهذا من أوضح الأدّلة على أنّ وجود الحجة الإلهية لا يلازم رفع الاختلاف من رأس، وإنّما يخفف منه، فمن صلحت سيرته تبع الحجة، وأمّا من خبثت فيسلك سبيلاً منحرفاً.

هذا كله حول الضابطة الكلية، وأمّا وجود الاختلاف ـ رغم القول


1 . الزخرف : 63 .

2 . مستدرك الحاكم : 9 / 448، وج 3 / 149 و 457 ; ذخائر العقبى : 17 .


(263)

بوجود الأئمة المعصومين بعد رحيل الرسول عصراً بعد عصر ـ فالجواب عنه:

أوّلاً: انّ وظيفة الإمام هو بيان الأُصول الّتي تناط بها الحياة الأُخروية، وأمّا الاختلاف في المسائل الكلامية المتداولة بين المتكلمين فليس رفع الاختلاف فيها من وظائفه، ولو سئُل الإمام عنها ربّما يقوم ببيان الحق فيها تفضّلاً لا إيجاباً.

فالروايات الواردة في الكافي وتوحيد الصدوق حول الأُصول والعقائد كافية لرفع الاختلاف في المسائل العقائدية الأصلية، ونحن نحمد الله سبحانه أنّ الشيعة متفقة في هذه الأُصول بفضل هذه الروايات .

وأمّا الاختلاف في المسائل العقلية كتجزّؤ الجزء في الجسم الطبيعي وإمكانه وعدم إمكانه، أو الطفرة وعدمها، فهذا لا صلة له بمقام الإمامة.

وأمّا الأحكام فالاختلاف فيها أمر طبيعي، لأنّ أئمة أهل البيت كانوا في المدينة أو مضيقاً عليهم في العراق ومرو، ولم يكن بإمكان الفقهاء الاتصال دوماً بهم (عليهم السلام)، ولذا لجأوا إلى الاجتهاد طبقاً لما عندهم من روايات، فصار الاختلاف أمراً طبيعياً، كما هو الحال عند السنة بالنسبة لما عندهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم إنّ المتلقّين عن الإمام يختلفون في قابلياتهم وملكاتهم الفكرية والعلمية.. ومن ثم يختلفون في فهمهم لما يُلقى إليهم.. وبذلك تتعدد آراؤهم في المسائل والأحكام .


(264)

وأمّا ما يرجع إلى الإمام المهدي(عليه السلام)، وقوله إنّه مع وجوده (عليه السلام)، ظلّ الاختلاف قائماً ، فالجواب عنه بوجهين:

أوّلاً: أنّ ما ذكره من أنّ (30) عالماً تشرّفوا بلقائه، أمر غير ثابت، ولم يذكر له مصدراً، ولو نقله شخص، فهو خبر واحد لا يُعتمد عليه في مجال العقائد.

وثانياً: أنّ لقاء الأماثل من الشيعة لإمام عصرهم، قد يتفق في فترات قصيرة، لا يترقب منه رفع الاختلاف في المسائل الشرعية، الّتي لا تتناهى عدداً.

أضف إلى ذلك: أنّ الشريعة إنّما صارت حيةً في ظل البحث والنقاش، والحقيقة بنت البحث، فلو كان الغرض من وجود الإمام هو إظهار الحقائق في كل مسألة فرعية جزئية، فمعنى ذلك إقفال باب البحث والاجتهاد، الّذي هو رمز حيوية الشريعة وبقائها، والشاهد على ذلك أنّ الاختلاف كان سائداً في حياة الأئمة السابقين، كما تقدّم.

السؤال 110

يقال للشيعة : أنتم تقولون بأنّه لا يصحّ خلوّ الزمان من قائم لله بالحجّة وهو الإمام ، فإذا كانت التقيّة تسعة أعشار الدِّين وهي سائغة للإمام ، فكيف تتمّ الحجّة به على الخلق ؟

الجواب : تصوّر جامع الأسئلة ـ لضآلة علمه ـ أنّ أئمّة الشيعة يعملون


(265)

بالتقيّة في جميع أبواب الفقه ومعارف القرآن والسنّة ، ولذلك تراه يقول تسعة أعشار كلامهم تقيّة وقسمٌ واحد فقط كلام واقعي ، ويكمن الخطأ في هذه النقطة بالذات ، لأنّ التقيّة لها موارد خاصّة كما أسلفنا ، وهي الموارد التي كان حكّام الجور يعملون بأحكام مخالفة للشريعة الإسلاميّة نتيجة جهلهم بسنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، أو أنّ الفقهاء الذين تمّ تنصيبهم من قِبل هؤلاء الحكّام يحكمون بأحكام خاطئة ، هنا يعمل الأئمّة(عليهم السلام) بالتقيّة لأجل حقن دماء شيعتهم ويفتون لهم بالعمل طبقاً لفتاوى فقهاء السلطة .

وأمّا غير هذه الفتاوى فالإجهار بالحقيقة في مجالي العقيدة والشريعة لم يكن مقروناً بالضرر، وأئمة أهل البيت كانوا قد جاهروا بالحقيقة، ومن حسن الحظ فإنّ فقهاء الشيعة يرجعون إليهم في كثير من هذه الأحكام.

وأمّا المراد من قولهم: إنّ تسعة أعشار الدِّين في التقيّة ، فهو كناية عن أهمّية حفظ دماء المؤمنين ، لأنّ بعض الشيعة ينشر آراءه المخالفة لرأي الحكّام الظَلَمة بدون مبالاة ، ويعرّض بذلك نفسه وقومه للخطر .

وقد ذكرنا سابقاً أنّ تلاميذ الإمام الحقيقيّين يميّزون جيداً بين ما هو من التقيّة وما هو من غيرها، وذلك لأنّهم كانوا على اطّلاع واسع بروايات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) الحقيقيّة ، ويفرّقون من خلال أُسلوب الإمام(عليه السلام) في كلامه بين ما قاله تقية أو أنّه قال الحكم الواقعي .


(266)

السؤال 111

يزعم الشيعة أنّ معرفة الأئمّة شرط لصحّة الإيمان ، فما قولهم فيمن مات قبل اكتمال الأئمّة الاثني عشر ؟

الجواب : في نظركم ما هو حكم أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) الذين ماتوا في مكّة والمدينة قبل اكتمال أحكام الإسلام ، وقبل خلافة الخلفاء الأربعة  وكذلك من ماتوا قبل تولي عمر أو عثمان للخلافة؟

أنتم تعتقدون أنّ خلافة الخلفاء جزءٌ من العقيدة الإسلاميّة ، حيث إنّ أحمد بن حنبل وكذلك أبا الحسن الأشعري في ذكر أُصول العقيدة الإسلامية يجعلان الإيمان بالخلافة بل وحتّى مراتب الفضل بين الخلفاء والاعتقاد بها، جزءاً من العقيدة .

وهل أنّ الشهداء الذين سقطوا في بدر وأُحد ـ وهم أفضل شهداء الإسلام ـ يكون إيمانهم ناقصاً ؟!

ونحن نجيبكم بما تجيبون به، أضف إلى ذلك فقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)أنّه قال: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة». (1) كما أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً».(2)


1 . صحيح مسلم: 6 / 3 .

2 . مسند أحمد: 1 / 99 وج 3 / 17 و 70 ; سنن أبي داود: 2 / 309 كتاب المهدي.


(267)

إذن فالشيعة عندهم اعتقاد إجمالي من اليوم الأوّل بإمامة اثني عشر إماماً ، وكلّ ما هنالك أنّ البعض منهم لم يدرك زمان أُولئك الأئمّة ، فيكون عنده اعتقاد إجمالي ينوب مناب الاعتقاد التفصيلي . وهذا الاعتقاد كاف في النجاة.

السؤال 112

ينقل في «نهج البلاغة» أنّ عليّاً لمّا بلغه ادّعاء الأنصار أنّ الإمامة فيهم قال : «فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم ويُتجاوز عن مُسيئهم ؟ قالوا : وما في هذا من الحجّة عليهم ، قال : لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصيّة لهم» ، فيقال للشيعة : وأيضاً فقد أوصى(صلى الله عليه وآله) بأهل البيت في قوله : «أُذكّركم الله في أهل بيتي» فلو كانت الإمامة خاصّة بهم دون غيرهم لم تكن الوصيّة بهم ؟

الجواب : إنّ منطق عليّ(عليه السلام) هو منطقٌ قويّ ومتين ، لأنّ الوصيّة بفريق على أن يُحسن إليه ويتجاوز عن سيّئاته هو علامة على كون هذا الفريق ضعيفاً في حياته، لا تتوفر فيه مواصفات القيادة.

أمّا وصية النبي بأهل بيته فهي تختلف عن تلك التي اختصّت بالأنصار ; لأنّ الوصيّة بالأنصار كانت في التجاوز عن الإساءة التي تصدر


(268)

منهم . وأمّا الوصيّة بأهل البيت(عليهم السلام) فهي تتمثّل في اتّباعهم لا في العفو عنهم! وشتّان بين الوصيتين!!

والسائل نقل الحديث بشكل مقطع ونحن نذكره كاملاً حتّى يُعلم أنّ الوصية بأهل البيت كالوصية بالكتاب العزيز، والمعنى هو التمسّك بهما.

روى مسلم في صحيحه عن زيد بن الأرقم أنّه قال : قام رسول الله(صلى الله عليه وآله)يوماً فينا خطيباً ، بماء يُدعى خُماً ، بين مكّة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ، ثمّ قال : أمّا بعد ، ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب ، وأنا تاركٌ فيكم الثقلين أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله ، فحثَّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثمّ قال : «أُذكّركم الله في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي».(1)

إذن فالوصيّة بأهل البيت هي نفسها الوصيّة بكتاب الله ، أي أنّ الوصيّة باتّباع أهل البيت وطاعتهم في كلّ أوامرهم تماماً كالوصيّة باتّباع القرآن وطاعته في كلّ ما أمر به .

فأين الوصيّة بأهل البيت ، من الوصيّة بالأنصار؟! فليس هناك مجال للمقارنة . على أنّ الراوي في صحيح مسلم لم ينقل الحديث على النحو الصادر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أوّلهما كتاب الله» يقتضي لنفسه عدلاً وهذا يحتاج إلى تقدير جملة تكون عدلاً للأوّل وهي: «ثانيهما أهل بيتي أُذكّركم الله في أهل بيتي».


1 . صحيح مسلم : 7 / 122، الحديث رقم 2408 .


(269)

السؤال 113

إنّ الشيعة تعتقد بأن رجلاً قيادياً مؤمناً صالحاً تقياً ـ يريد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ قام بأُمور:

1. يتولى أُناساً بعضهم مؤمن وبعضهم منافق.

2. يتجنب أهل الصلاح.

3. اختار أهل النفاق وأعطاهم المناصب القيادية.

4. صاهر بعضهم ومات وهو راض عنهم.

الجواب: انّ ما ذكره السائل ما هو إلاّ استنتاجات شخصية ألصقها بالشيعة، ويريد بذلك ادّعاء أنّ لازم عقيدة الشيعة هو هذه الأُمور، ولكنّ الاستنتاج باطل من الأساس .

أمّا قوله: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يتولّى أُناساً بعضهم مؤمن وبعضهم منافق، فلو أراد بذلك أنّ متابعيه ـ حسب الظاهر ـ بين مؤمن ومنافق فهو صحيح.

وإن أراد به أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يحب الفريقين فهذا كذب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى الشيعة، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم)كان متبرّئاً من المنافقين تالياً لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)(1) .


1 . النساء: 145 .


(270)

نعم كان يتعامل مع الجميع في الظاهرطبقاً لكونهم مسلمين، وهو حكم ظاهري يعمل به حفاظاً على المصلحة الإسلامية العامة.

وأمّا قوله: يتجنّب أهل الصلاح، فهو كذب على رسول الله وبالتالي على الشيعة، وهذا يضاد سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه كان يعلن ويجهر ويصرح بحب أهل بيته والمخلصين من أصحابه كسلمان وأبي ذر وعمار وأبي أيوب الأنصاري، وأُبي بن كعب، والكثير من أمثالهم.

وأمّا قوله: اختار أهل النفاق وأعطاهم المناصب القيادية، فلو أراد بذلك تنصيبه أمراء السرايا، فقد عمل الرسول بوظيفته بما أنّ الأمير كان مسلماً حسب الظاهر، وإن أراد غير ذلك فلم يؤمّر أحداً من المنافقين على المؤمنين ولم يثبت لهم سؤدداً على غيرهم.

فلم يبق إلاّ المصاهرة، وقد مر أنّه لا يدل على الرضا الدائم عنهم.

وفي ختام إجابتنا عن هذا السؤال نقول: إنّه لا يختلف عن سوابقه من حيث التفاهة، حيث إنّ السائل يتهم الشيعة ويتقوّل عليهم بما لم يعتقدوا به ولم يقولوه.


(271)

السؤال 114

يفسّر علماء الشيعة هذه الآية (وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)(1) على أنّه من كانت عنده امرأة كافرة ، فليعرض عليها الإسلام ، فإن قبلت فهي امرأته وإلاّ فهي بريئة منه ، فلماذا تزوّج النبيّ(صلى الله عليه وآله) بعائشة رغم أنّها كانت كافرة مرتدّة كما تزعمون ؟

الجواب : لقد تكرر هذا السؤال كثيراً، ومع ذلك نجيب عنه بما يلي:

إنّ الشيعة عن بكرة أبيهم لم تقل ولاتقول بكفر زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عائشة وهذه فرية تنسب إلى الشيعة كذباً وزوراً.

والغاية من طرح هذه التهمة التستر على جريمتها الّتي ارتكبتها بخروجها بوجه الإمام علي (عليه السلام)وهو خليفة زمانها، إذ أنّها قادت جيشاً جرّاراً لحرب علي (عليه السلام)في البصرة، وخالفت أمره سبحانه لهن: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)(2).

وأمّا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)فقد أكرمها لزوجها (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال: «وبعد فلها كرامتها الأُولى»، فبعثها إلى المدينة بتكريم، كل ذلك حباً للنبي وتكريماً له.(3)


1 . الممتحنة: 10.

2 . الأحزاب : 33 .

3 . مستدرك الحاكم: 3 / 120 ; صحيح ابن حبّان: 15 / 126 ; مسند أحمد: 6 / 52 و 97 .


(272)

السؤال 115

ذهبت فرقة «الخطابيّة» من الشيعة إلى أنّ الإمام بعد الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) هو ابنه إسماعيل ، فردّ عليهم الشيعة الاثنا عشرية بأنّ إسماعيل مات قبل والده أبي عبدالله(عليه السلام)والميّت لا يكون خليفة للحيّ ، فكيف يمكن الاحتجاج على ولاية عليّ(عليه السلام) بالحديث : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» ومعلوم أنّ هارون توفّي قبل موسى(عليه السلام)والميّت لا يكون خليفة للحي ؟

الجواب : أوّلاً : «الخطابيّة» لا يعتقدون بأنّ إسماعيل هو خليفة والده الإمام الصادق (عليه السلام)، بل فرقة الإسماعيلية هم الذين يعتقدون ذلك، وفرقة الإسماعيليّة غير فرقة الخطابيّة، لأنّ فرقة الخطابيّة أسّسها أبو زينب الأسدي الكوفي المعروف بأبي إسماعيل وأبي الخطّاب وأبي ذبيان ، وكان شخصاً يرتكب المنكرات ويدّعي النبوّة ، وبسبب أفكاره المنحرفة وأقواله السيّئة فقد تشاجر معه الناس ، وقتلوه في ذلك الشِّجار ، وقد تبرّأ منه الإمام الصادق(عليه السلام) من أوّل يوم ظهر فيه . ويستحيل أن تكون هناك علاقة بين إسماعيل بن الإمام الصادق(عليه السلام) والإسماعيليّة وبين فرقة الخطابيّة(1)!!

وهفوة السائل هذه تعرب عن مدى جهله بالشيعة وفرقها وتاريخها!!


1 . الملل والنحل للشهرستاني : 1 / 179 .


(273)

وثانياً : إذا كان الشيعة يقولون إنّ الميّت لا يستطيع أن يكون خليفةً للحيّ ، فهو كلامٌ صحيح ، وعليٌّ(عليه السلام) كان على قيد الحياة بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)لمدّة ثلاثين سنة وكان هو الخليفة الشرعي، وإذا كان النظر إليه على أنّه كيف يكون شبيهاً لهارون في الحديث وهارون (عليه السلام) قد توفّي قبل موسى(عليه السلام) فقد أجبنا عن ذلك بأنّ هارون(عليه السلام) كان خليفةً لموسى(عليه السلام) لمدّة طويلة من حياته بحكم الآية : (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)(1) ، إلاّ أنّ هذه الخلافة لم تستمرّ ، لأنّ هارون توفّي قبل موسى(عليه السلام) ، وقد ذكرنا فيما سبق (2) أنّ تشبيه عليّ(عليه السلام)بهارون(عليه السلام) كان من جهة أنّ عليّاً(عليه السلام) كان يتمتّع بالمقامات الثلاثة التي يتمتّع بها هارون(عليه السلام)وقد أعطاها له النبيّ(صلى الله عليه وآله) باستثناء مقام النبوّة .

وأمّا كون هارون خليفة له في خصوص زمان حياة موسى، وعلي خليفة له في حياة الرسول ومماته، فليس مطروحاً في مقام التنزيل ولا يضرّ بالاستدلال.


1 . الأعراف : 142 .

2 . في جواب السؤال رقم 100 .


(274)

السؤال 116

يحتجّ الشيعة على ثبوت الإمامة لأئمّتهم الاثني عشر بحديث : «لا يزال الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش» ، وفي حديث آخر : «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً» .

فالسؤال هو : الحديث برواياته صريح على أنّ الأئمّة اثنا عشر إماماً .

والمعلوم أنّ أئمّة الشيعة لم يتولّ منهم الخلافة سوى عليّ وابنه الحسن(عليهما السلام) ، فمَن هم الأئمّة العشرة الباقون ؟

الجواب : الأحاديث المتعلّقة بخلافة اثني عشر رجلاً نقلها مفصلاً مسلم في صحيحه والبخاري بشكل موجز.

فمسلم نقل في كتاب «الإمارة» حديثاً برقم 1821 بسبعة طرق (اسانيد) وسبع عبارات، وجاءت عبارة «ما وليهم» في صورة واحدة فقط .

عن جابر بن سمرة قال : دخلت مع أبي على النبيّ(صلى الله عليه وآله) فسمعته يقول : «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» ، قال : ثمّ تكلّم بكلام خفيَ عليَّ ، قال : فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : «كلّهم من قريش»(1) .


1 . صحيح مسلم: 6 / 3 ، كتاب الإمارة ، الحديث : 1821 وما بعده .


(275)

وعن جابر بن سمرة أيضاً قال : سمعت النبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول : «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً» وتكلّم النبيّ(صلى الله عليه وآله) بكلمة خفيت عليَّ ، فسألت أبي : ماذا قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟ فقال : «كلّهم من قريش» .

وروى أيضاً : «سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة ، ثمّ قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ماذا قال ؟ فقال : كلّهم من قريش» .

وروى أيضاً : فسمعته يقول : «لا يزال هذا الدِّين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة ، فقال كلمة صمّنيها الناس ، فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : «كلّهم من قريش» .

وأمّا البخاري فقد نقل الحديث في كتاب الأحكام ، باب الاستخلاف بهذه الصورة «يكون اثنا عشر أميراً».(1)

إذن ، فعبارة «ما وليهم» لا وجود لها في كلّ ما ذكرنا من الصور التي ورد بها هذا الحديث إلاّ في صورة واحدة فقط .

وأمّا المقصود من هذا الحديث فهو الإنشاء لا الإخبار ، وذلك يعني أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول للمسلمين يجب أن يطيعوا هؤلاء الأئمة الاثني عشر الذين ترتبط بهم عزّتكم وعزّة الإسلام ، وليس المعنى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) يُخبر بأنّه سيأتي بعده اثنا عشر خليفة ، حتّى يكون عدم توليهم دليلاً على عدم خلافتهم .


1 . صحيح البخاري: 8 / 127 ، كتاب الأحكام ، باب الاستخلاف ، الحديث : 7224 .


(276)

وللأسف! فحكّام الجور وولاتُهم حالوا بين هذا الفريق المتكوّن من اثني عشر إماماً وبين أداء وظيفته والقيام بأعماله الولائيّة تجاه الناس ، ولم يسمحوا للناس باتّباعهم ، اللّهم إلاّ اثنين منهم(عليهم السلام) فقد تسنّى للناس اتّباعهم إلى حدٍّ ما .

ونحن نسأل جامع الأسئلة ومَنْ على شاكلته : أنتم تعترفون أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)يقول بصريح الروايات أنّه سيكون بعده اثنا عشر خليفة سيكونون سبباً في عزّة المسلمين ، وعلى طبق نظركم أنّه(صلى الله عليه وآله) يخبر عن حكومة أُولئك الخلفاء ، ونحن هنا لا نتكلّم عن الخلفاء الأربعة الأوائل ، وإنّما نريد رأيكم في الخلفاء الثمانية الذين يلون الخلفاء الأربعة ويكونون سبباً في عزّة الإسلام والمسلمين ، فمن هؤلاء الخلفاء الثمانية ؟ هل هم معاوية بن أبي سفيان ، أم ولده يزيد شارب الخمر ، أم هو مروان بن الحكم طريد رسول الله(صلى الله عليه وآله) والملعون على لسانه ، أم أبناؤه الأربعة عبد الملك وإخوته الثلاثة ؟ هل هؤلاء هم خلفاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟!!

ولنأخذ مثالاً واحداً من سيرة خلفائكم وهو : إنّ واحدة من جرائم عبد الملك فقط كانت تنصيبه للحجّاج بن يوسف لإمارة العراق فوضع فيهم سيفه وأراق دماء الابرياء بلا حقّ ، وبهذا يتبيّن أيّ نوع من الخلفاء هُمْ ، والتاريخ يذكر ذلك إلى اليوم .

وخلاصة الكلام: أنّ الحديث في مقام الدعوة إلى وجوب اتّباع الأئمّة الاثني عشر وليس في مقام الإخبار عن وجودهم ، وإلاّ فسوف لن يستقيم معنى الحديث مع ما ذكرنا من خلافة الأُمويّين .


(277)

السؤال 117

يدّعي الشيعة أنّ بعض الصحابة فقط لم يرتدّوا بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ؟

الجواب : هذا السؤال مكرّر وقد أجبنا عليه مرّات عديدة ، وذكرنا أنّ كتب الصحاح لأهل السنّة نقلت عشر روايات حول ارتداد الصحابة ، وقد جمعهم ابن الأثير في كتابه جامع الأُصول وكلّها من صحيحي البخاري ومسلم ، وكان ذلك في المجلّد العاشر . ولذلك فأنتم المعنيّون بالجواب عن مسألة ارتداد الصحابة وليس الشيعة ، وقلنا أيضاً إنّ بعض الروايات التي وردت في كتب الشيعة في هذه المسألة هي أخبار آحاد لا يمكن الاعتماد عليها والاستدلال بها في المسائل العقائديّة .

وقد قلنا إنّ أزيد من 250 صحابيّاً كانوا من رواد التشيّع .


(278)

السؤال 118

يعتقد الشيعة عدم عدالة الصحابة ، ولكنّا نجد في كتبهم روايات تدلّ على هذه العدالة ، ومن ذلك ما رووه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه خطب في حجّة الوداع قائلاً : «نظر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ، ثمّ بلّغها إلى مَن لم يسمعها» فإذا لم يكن الصحابة عدولاً فكيف يأتمن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أحداً منهم على تبليغ كلامه إلى مَن لم يسمعه ؟

الجواب : أوّلاً : إذا كان لدى الشيعة روايات ـ في كتبهم ـ تدلّ على عدالة الصحابة ، فلماذا تتّهمون الشيعة بأنّهم يعتقدون بارتداد كل الصحابة ؟!

وثانياً : إنّ الرواية التي ذكرها لا تدلّ ولو بأبسط دلالة على عدالة الصحابة بل الغاية من الكلام ; أنّ كلّ من سمع كلام الحقّ أن يُبلّغه لمن لم يسمعه من الآخرين ، وفي الحقيقة هي دعوة للتوجّه نحو العلم والمعرفة ، حتّى يتمّ إيصال الأحاديث النبويّة للآخرين إلى يوم القيامة ، فما علاقة هذا بعدالة الصحابة ؟!

ثم إنّ أمر المخاطبين وهم أُلوف بنشرالحديث والدعوة، لا يلازم كون الجميع عدولاً، وانّ كل واحد منهم كان عادلاً، غاية الأمر أنّ الناقل إن كان عادلاً أو كانت النقلة على حد التواتر يؤخذ به وإن لم يكونوا عدولاً، وإلاّ فلا.


(279)

السؤال 119

أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) باختيار الزوجة الصالحة ، فلماذا لم يتّخذ هو الزوجة اللاّئقة به  ؟

الجواب : هذا سؤالٌ مكرّر ، وقد أجبنا عنه بأنّنا لا نقول في نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله)إلاّ ما قال فيهنّ القرآن الكريم وأحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) .

إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يتعامل في حياته مع ظاهر الأُمور، وليس مأموراً بالعمل بالغيب، ولذلك أمره سبحانه أن يقول: (وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ مَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)(1)، وهذا لا ينافي أن يخبر عن الغيب بأمر من الله سبحانه في موارد خاصة يُناط بها صلاح المسلمين، ومصلحة المجتمع.

وثانياً: لا مانع من أن تكون الزوجة صالحة في بداية أمرها، مطيعة لربّها، ولكن تكون في فترة أُخرى من حياته على خلاف سيرتها الأُولى.

هذا إذا درسنا الموضوع حسب الضوابط الكلية.

وأمّا إذا درسنا حياة بعض أزواجه فالآيات الواردة في سورة التحريم تكشف عن عصيان بعضهن.

نعم قال تعالى : (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)(2) . وشأن


1 . الأعراف: 188.

2 . التحريم : 4 .


(280)

نزول هذه الآية والآيات التي قبلها متعلّقة بعائشة وحفصة.(1)

ونستفيد من آيات سورة التحريم أنّ نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يكنّ أفضل نساء زمانهنّ لأنّه يقول في شأنهنّ : (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَات مُؤْمِنَات قَانِتَات . . .)(2) .

وهذا الذي يذكره القرآن ـ من وجود نساء أفضل منهنّ من جهة الإيمان والتقوى والإسلام والطاعة . . . يمكن أن يُبدّل الله نبيّه بهنّ ـ في منتهى الصراحة والوضوح بأنّ نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يكنّ من بين أُولئك النسوة اللّواتي ذكر صفاتهنّ القرآن الكريم .

السؤال 120

إذا كان أهل النفاق والردّة في الصحابة بهذه الكثرة التي يدّعيها الشيعة ، فكيف انتشر الإسلام ؟ وكيف سقطت فارس والروم وفتح بيت المقدس ؟

الجواب : هذا السؤال أيضاً مكرّر ، وقد أجبنا عنه عدّة مرّات، ومع ذلك نقول:

إنّ انتصار المسلمين على الفرس والروم مرتبط بعلل وعوامل منها :

1 ـ ملل العالم وتعبه من أيّام الروم والفرس المملوءة بالحروب ، هذه


1 . الدرّ المنثور : 6 / 239 .

2 . التحريم : 5 .


(281)

الحروب التي أدّت إلى انعدام برنامج حيوي صحيح يضمن للطبقات المختلفة ـ في مجتمعي الروم والفرس ـ العيش بسعادة وسلام ، وينشر العدالة بينهم ، وهذه الأرضيّة أوجدت حالة من الاستعداد لقبول نداء الحقّ والعدالة لدى الجميع لما جاءهم من جزيرة العرب  .

2 ـ رصانة برامج الإسلام الّتي كانت تضيء ، فاستقبلتها القلوب طواعيةً ، وكانت النتيجة أن فتحت بوّابات المدن لجيش الإسلام لكي ينتشر ويتوسّع .

3 ـ نحن لا نعتقد بارتداد الصحابة بمعنى كفرهم ، خصوصاً وأنّ الصحابة انقسموا في مسألة الخلافة إلى عدّة فرق :

أ ـ الأكثرية الساحقة منهم التزموا الحياد والصمت، ورضوا بالأمر الواقع بلا خيار منهم .

ب ـ فريقٌ كان من رواد التشيّع ومع ذلك عملوا مع الخلافة الحاكمة آنذاك حفاظاً على المصلحة الإسلامية .

ج ـ فريقٌ كان من حاشية الخلافة وكان زمام الأُمور بأيدي عناصره .

فلا يمكن وصف الجميع بعنوان واحد.


(282)

السؤال 121

يقول عالم الشيعة محمد كاشف الغطاء عن عليّ(عليه السلام) :

«وحين رأى أنّ الخليفتين قبله بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجيوش ، وتوسيع الفتوح ، ولم يستأثرا ولم يستبدّا ، بايع وسالم» فلماذا يتهمهما الشيعة بالكفر والرِّدة ؟

الجواب : الكلام الذي قاله الشيخ محمد كاشف الغطاء مأخوذ عن كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في نهج البلاغة وقد أشرنا إليه سابقاً ، أكثر من مرّة، حيث يقول (عليه السلام): حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الاِْسْلاَمِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله وسلم)فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ (1).

فعلى هذا فأقصى ما تدل عليه الخطبة أنّ الإمام حينما وقف إلى جانب الخليفتين حفاظاً على روح الإسلام وقوامه، تقديماً للأهم على المهم.

ولا يعتبر ذلك تصحيحاً لخلافتهم وتأييداً للطريقة الّتي وصلوا بها إلى الحكم.

فقول كاشف الغطاء: «بايع» بمعنى أنّه لم ينازعهما الأمر وأنّ الإمام(عليه السلام)قد لجأ إلى طريق السلم ولذلك قال: «بايع وسالم» .


1 . نهج البلاغة: الكتاب رقم 62 .


(283)

السؤال 122

يستدلّ الشيعة على ردّة الصحابة بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)بحديث : «يرد عليَّ رجالٌ أعرفهم ويعرفونني ، فيذادون عن الحوض ، فأقول : أصحابي ، أصحابي! فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» .

فالحديث عامّ لم يسمِّ أحداً دون أحد ، ولا يستثني عمّار بن ياسر ولا المقداد ابن الأسود ولا أبا ذر ولا سلمان الفارسي ممّن لم يرتدّوا في نظر الشيعة . فلماذا خصّصوه ببعض دون بعض ؟

الجواب : نحمد الله تعالى على أنّ جامع الأسئلة اعترف بنفسه ، وجاء بحديث من أصحّ كتبهم ، يحكي عن ارتداد مجموعة من الصحابة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وهذا فضلٌ من الله أن يأتي هو بنفسه بذكر الحديث .

ولكن يجب الإشارة إلى أنّ الحديث من جهة الدلالة ليس عامّاً بحيث يشمل جميع الصحابة ، بل جاء بصورة قضيّة جزئيّة لأنّه يقول : «يرد عليَّ رجالٌ أعرفهم . . .» يعني مجموعة من الأشخاص المحدّدين .

إذن ، فلا مانع من أن يكون هناك مجموعة ـ لا بأس بها ـ من الصحابة ارتدّوا ـ بحسب حكم هذا الحديث وأمثاله ـ ومع ذلك بقي قسم آخر ثابتاً على صراط الإيمان والتقوى . فلا دلالة للحديث على ارتداد الشخصيّات


(284)

التي ذكرها السائل مثل سلمان وأبي ذرّ وعمّار والمقداد الذين تشهد الأُمّة على طهارتهم وطاعتهم لأوامر رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

السؤال 123

يقول مالك الأشتر أحد كبار أصحاب عليّ(عليه السلام)وهو ممن تعظمهم الشيعة: «أيّها الناس ، إنّ الله تبارك وتعالى بعث فيكم رسوله محمّداً(صلى الله عليه وآله)بشيراً ونذيراً ، وأنزل عليه الكتاب فيه الحلال والحرام والفرائض والسنن ، ثمّ قبضه إليه وقد أدّى ما كان عليه ، ثمّ استخلف على الناس أبا بكر فاستنّ بسنّته ، واستخلف أبو بكر عمر فاستنّ بمثل تلك السنّة»(1) ، فهو يُثني على أبي بكر وعمر بما هما أهلٌ له ، ومع هذا يتعامى الشيعة عن هذا الثناء ولا يذكرونه؟

الجواب : أفضل شاهد على زيف هذه الخطبة هو أنّه لا يوجد شخص يقول بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد استخلف أبا بكر ـ لا من السنّة ولا من الشيعة ـ لأنّ الشيعة يقولون إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد نصّب عليّاً لخلافته ، والسنّة يقولون إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يستخلف أحداً ، فكيف لمالك الأشتر(رحمه الله) أن يقول شيئاً لم يقل به أحد ، بل يعتبر في نظر عموم المسلمين كذباً وافتراءً ؟!

ولنترك هذا ونقول : لو سلّمنا وقبلنا هذه الخطبة فسوف ينهدم أصلٌ


1 . الفتوح لابن أعثم : 2 / 396 .


(285)

من أُصول السنة، وهو قولهم إنّ الخلافة تتمّ بانتخاب أهل الحلّ والعقد ، وما ورد في الخطبة هو أن خلافة عمر تمت بواسطة تنصيب أبي بكر له ، فأين أهل الحلّ والعقد يا تُرى؟!

وإذا كان الخليفتان قد عملا طبقاً لسنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) فلماذا يشترط عبد الرحمن بن عوف على عليّ(عليه السلام) أن يعمل بسيرة الشيخين بالإضافة إلى كتاب الله وسنّة نبيّه في حادثة الشورى . وعندما رفض(عليه السلام) العمل بسيرة الشيخين صوّت لصالح عثمان الّذي قبل ذلك ، فإذا كانت سيرة الشيخين طبقاً لسيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فلماذا قام عبد الرحمن بن عوف بإضافتها كشرط مستقلّ ؟!

السؤال 124

يقول ابن حزم عن عليّ(عليه السلام) ـ ملزماً الشيعة ـ بأنّه بايع أبا بكر بعد ستّة أشهر تأخّر فيها عن بيعته ، (وهذا) لا يخلو ضرره من أحد وجهين : إمّا أن يكون مصيباً في تأخّره ، فقد أخطأ إذ بايع ، أو يكون مصيباً في بيعته ، فقد أخطأ إذ تأخّر عنها ؟

الجواب : أوّلاً : يعتقد الشيعة أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يبايع قط ; لأنّ الخليفة مع مرور الزمان أمسك بزمام الأُمور بحيث إنّه لم يكن في حاجة إلى بيعة عليّ(عليه السلام) . وأنتم الوهابيّون تقولون إنّ عليّاً(عليه السلام) قد بايع .

ولنفرض أنّ عليّاً بايع ـ كما تقولون ـ ولكن يجب أن ننظر كيف بايع عليّ(عليه السلام) ; هل بايع عن رغبة منه واختيار ؟ أم أنّه بايع مرغماً مُكرهاً ؟


(286)

وهنا نستند إلى رسالة الإمام علي (عليه السلام)إلى معاوية التي تكشف عن اعتراف معاوية بطريقة أخذ البيعة من الإمام (عليه السلام)حيث قال له: «وَقُلْتَ: إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الَْمخْشُوشُ حَتَّى أُبَايِعَ» (1) .

ثانياً : بنقلكم كلام ابن حزم صرتم منتقدين لعليّ(عليه السلام)وليس للشيعة ، في حين أنّكم تعتقدون أنّ عليّاً من الخلفاء الراشدين ، وهم في نظركم كلّ أعمالهم صحيحة ومبرّرة ، فما سبب هذا التفريق بين أعمال الخلفاء المتقدمين الّذي منعكم عن تبرير عمل عليّ(عليه السلام) وتصحيحه ؟!

وهل تعلمون من هو ابن حزم ؟ فإنّه هو الشخص الذي برّر عمل عبد الرحمن بن ملجم ، وقال : لا خلاف بين أحد من الأُمّة في أنّ عبدالرحمن بن ملجم لم يقتل علياً (رضي الله عنه)إلاّ متأوّلاً مجتهداً مقدّراً انّه على صواب،... ثم استشهد بشعر عمران بن حطان شاعر الصفرية، قال :

يا ضربة من تقي ما أراد بها *** إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنّي لأذكره حيناً فاحسبه *** أوفي البرية عند الله ميزانا(2)

وبهذا يكون مخالفاً لما قاله النبيّ(صلى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام) : «يا عليّ قاتلك أشقى الآخرين»(3) .

ثالثاً : نحن نتجاوز عن كلّ هذه الأُمور ونقول : ألا يمكن أن يكون


1 . نهج البلاغة: الكتاب رقم 28.

2 . المُحلّى : 10 / 484 .

3 . مسند أحمد : 5 / 326 برقم 17857 ; مستدرك الحاكم : 3 / 151 وغيره .


(287)

هناك عمل ليس فيه مصلحة في أوّله ، ولكن بعد مرور مدّة تصبح فيه مصلحة ؟

وعلى كلّ حال ، فهذا السؤال غير موجّه إلى الشيعة من الأصل ، لأنّ القول بأنّ عليّاً بايع الخليفة الأوّل ليس من عقيدتهم .

السؤال 125

لماذا يعطي الشيعة العصمة لفاطمة (عليها السلام)ويمنعونها أُختيها: رقية وأم كلثوم، وهما بضعتان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كفاطمة؟!

الجواب: إنّ عصمة فاطمة ـ كسائر المعصومين ـ قد ثبتت بالدليل القطعي، ومنها:

1. آية التطهير.

2. حديث الثقلين.

3. التسوية بين رضا فاطمة ورضا الله تعالى.

إلى غير ذلك من الأدلة، ولم يرد شيءٌ من ذلك في حق أُختيها (سلام الله عليهم جميعاً) .

والمسألة ليست مسألة نسبية أو عرقية كما توهم السائل.


(288)

السؤال 126

يقول الشيعة سكت عليّ(عليه السلام) عن المنازعة في أمر الخلافة بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)أوصاه أن لا يسلّ سيفاً ؟

فلماذا سلَّ السيف على أهل الجمل وصفّين ؟ ولم يسلّه في البداية مع أوّل ظالم أو رابع ظالم أو عاشر ظالم ؟

الجواب : لقد أجاب أمير المؤمنين(عليه السلام) عن ذلك في رسالته الّتي ذكرناها مراراً (1)، وبيّن أسباب عدم إقدامه في اليوم الأوّل الذي أعقب وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)على أخذ حقّه بالقوّة ، ولكن بعد انتخابه واجه المخالفين بالسيف بعد توفر الأنصار والمؤيدين له .

أمّا سبب موقفه الأوّل فقد كانت الأوضاع تتّسم بالحسّاسيّة بحيث لو أقدم عليّ(عليه السلام)على المواجهة لتعرّض أصل الإسلام للخطر ، فالقوم قد خيّروه بسلوكهم وطريقة أخذهم زمام الخلافة بين السكوت وبين اقتلاع جذور الدِّين والرجوع إلى دين الآباء والأجداد !!

فبعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يكن لدى الإمام من الأنصار والأعوان ما يكفيه للقيام في وجه غاصبي حقّه والمنقلبين على أمر الله ورسوله(صلى الله عليه وآله) .

أمّا موقفه الثاني ـ أي بعد مقتل عثمان ـ فقد اختلف حيث أضحى دم


1 . نهج البلاغة: الكتاب رقم 62.


(289)

الغيرة والنخوة يغلي في عروق الأنصار والمهاجرين والتابعين ، لأنّهم شاهدوا بأعينهم انحراف الإسلام عن المسار الحقيقي له ، والشخص الوحيد الذي بإمكانه إعادته إلى مساره هو الإمام عليّ(عليه السلام) فقط .

وفي هذه الظروف تكون الحجّة قد ألزمت الإمام(عليه السلام) ، فقام من أجل وحدة الكلمة وتطبيق العدالة ، وتمكّن خلال مدّة قصيرة من خلافته من إقامة الحكومة النبويّة ، وهو القائل في إحدى خطبه: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء ألا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز».(1)

السؤال 127

لا يذكر الشيعة فرقاً كبيراً بين الأنبياء والأئمّة ، حتّى قال شيخهم المجلسي عن الأئمّة : «ولا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنبوّة إلاّ رعاية خاتم الأنبياء ، ولا يصل إلى عقولنا فرق بين النبوّة والإمامة» .

الجواب : الفرق بين النبوة والإمامة واضح ـ وإن خفي على جامع الأسئلة ـ فإنّ النبي يوحى إليه دون الإمام، والنبي الخاتم مؤسس للشريعة، والإمام مبيّن لها، كما أنّ النبي يبلّغ عن الله بلا واسطة، بينما يبلغ الإمام عن الله


1 . نهج البلاغة : الخطبة رقم 3 .


(290)

بواسطة النبي، وأي فرق أوضح من ذلك.

ثم إنّ العبارة الّتي نقلها السائل عن المجلسي لا تنطبق عمّا هو موجود في بحار الأنوار .

ونحن هنا نورد عبارة العلاّمة المجلسي حتّى يتّضح أنّ الصحيح في كلامه هو خلاف ما نقله جامع الأسئلة ، فعبارة العلاّمة تقول :

«لعلّ الفرق بين الأئمّة وغير أُولي العزم من الأنبياء أنّ الأئمّة نوّاب للرسول لا يُبلِّغون إلاّ بالنيابة ، وأمّا الأنبياء وإن كانوا تابعين لشريعة غيرهم لكنّهم مبعوثون بالرسالة وإن كانت تلك النيابة أشرف من تلك الأصالة» .

نعم جاء في الذيل قول المجلسي: «ولا تصل عقولنا إلى فرق بيّن بين النبوّة والإمامة» .

مع هذا البيان كيف يقول إنّ الشيعة لا يرون فرقاً كبيراً بين الأنبياء والأئمّة ، وأيّ فرق أوضح وأجلى من أنّه لا واسطة في النبوّة ، ولكن في الإمامة يجب توفّر الواسطة .

وأخيراً نذكِّر أنّه بما أنّ جامع الأسئلة ليس له حظّ في المباحث القرآنية والكلاميّة ، وأنّه يعتبر الإمامة منصباً انتخابيّاً يتمّ عن طريق انتخاب الناس فلا يمكنه أن يتصوّر أنّ مقام الإمامة ـ أحياناً ـ يكون أعلى من مقام النبوّة والرسالة ، والحال أنّ الواقع غير ما تصوّر ، حيث إنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام)بعد طيّه لمقام النبوّة والرسالة والخِلّة ، ففي آخر حياته نال مقام الإمامة، حيث جاءه الخطاب: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)(1) ، فإذا جاء في الروايات أنّ


1 . البقرة : 124 .


(291)

الإمامة مثل النبوّة في الشرف والمنزلة أو أنّها تفوقها ، فإنّما هو بسبب هذه الآية المباركة التي تصرّح بأنّ إبراهيم أُعطي مقام الإمامة بعد النبوّة ، وأمّا تفسير الإمامة بالنبوّة في هذه الآية فهو بعيد جدّاً عن الفهم القرآني ، لأنّه جاء في نفس الآية أنّ خليل الرحمن في نفس الوقت، طلب مقام الإمامة لأبنائه وذرّيته ، فقال تعالى : (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)وهذه الجملة تعني أنّه عندما طلب هذا الطلب كان عنده أولاد وذرّية وتدلّ على أنّه كان في سنٍّ متقدِّمة . وقد نال مقام النبوة قبل أن يكون له ذريّة. فلا يصح تفسير الإمامة في هذه الحالة بالنبوة، لأنّه اشبه بتحصل الحاصل.

فظهر أنّ مقام الإمامة هو شيءٌ أفضل من مقام النبوّة وقد أعطاه الله لإبراهيم بعد النبوّة ، ولكن في نفس الوقت ، يمكن أن يكون هناك من يتمتّع بمقام النبوّة ولكن لم يصل إلى مقام الإمامة كأنبياء بني إسرائيل ، ويمكن أن يكون هناك مَن يتمتّع بمقام الإمامة دون أن يكون له مقام النبوّة كما هو الحال بالنسبة لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، ويمكن أن يكون هناك من يتمتّع بكلا المقامين (الإمامة والنبوّة) كما هو الحال بالنسبة للأنبياء من أُولي العزم من إبراهيم إلى نبيّنا الخاتم صلوات الله على نبيّنا وآله وعليهم أجمعين .

وعلى كلّ حال فإنّ هذه المسائل القرآنية والاعتقاديّة الدقيقة ليست جزءاً ضروريّاً من العقائد ، بل هي مباحث علميّة يمكن أن تتفاوت فيها الآراء .


(292)

السؤال 128

يزعم الشيعة أنّ من الأدلّة على وجوب خلافة علي (عليه السلام)بعد الرسول أنّه استخلفه على المدينة في غزوة تبوك وقال (عليه السلام): أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وقد ثبت أنّه استخلف عثمان بن عفان وعبدالله بن مكتوم في غزوات أُخرى، فلماذا خصّ علي دون غيره؟

الجواب: كأنّ السائل أو جامع الأسئلة لم يقرأ صفحة واحدة من أدلة الشيعة على خلافة علي (عليه السلام) وبالأخص ما يرجع إلى هذا الحديث، فإنّ جوهر الاستدلال لا يرجع إلى مجرد الاستخلاف حتّى ينتقض باستخلاف من ذكره، بل لعموم المنزلة في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي من بعدي».

فالاستثناء يدل على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نزّله منزلة هارون في كل المناصب ومنها الوزارة والخلافة، وعلي يحمل هذا العنوان في حياة الرسول.

وأمّا اللذان استخلفهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على المدينة فلم يقل رسول الله في حقهما ما قاله بحق علي (عليه السلام).


(293)

السؤال 129

يزعم الشيعة أنّ وجوب نصب الأئمة يرجع لقاعدة «اللّطف» ، والعجيب أنّ إمامهم الثاني عشر اختفى ، فأيّ لطف يلحق المسلمين وهو مختف ؟

الجواب : من مظاهر اللّطف الإلهي وجود الأرضيّة المناسبة اللاّزمة لظهور الأنبياء والأولياء ، وعند تحقّق هذه الأرضيّة يشمل هذا اللّطف الإلهي الناس بإرسال رسول يبلّغ عن الله تعالى ويكون حجّة على الناس . أمّا إذا لم تتوفّر الأرضيّة الملائمة لقبول ذلك النبيّ أو ذلك الحجّة ، أو تكون موجودة ولكنّها غير كافية في قبوله ، عندها يكون إظهار الحجّة والإمام على خلاف المصالح ، وقضيّة إظهار الإمام المهدي (عجل الله فرجه) على طبق هذه القاعدة، وما لم تتوفّر الأرضيّة المناسبة لتأسيس حكومة إلهية عالمية تزيل الظلم والضيم لا يكون هناك باعث وسبب لظهور الإمام. فحرمان الناس عن اللطف ـ عندئذ ـ يرجع إلى الناس، لا إليه (عليه السلام).

وثالثاً: إنّ القرآن المجيد ذكر وجود حجّتين ; واحدة ظاهرة مثل موسى بن عمران(عليه السلام) ، والثانية مخفيّة وغير معروفة وهو صاحب موسى(عليه السلام)الذي سمته بعض الروايات بـ (الخضر(عليه السلام)) ; فهو حجّة الله تعالى ولطفه يصل إلى الناس ، ولكنهم لا يعرفونه ، وقد بيّن الله تعالى ثلاثة نماذج من لطفه بالناس على يد عبده الصالح هذا .(1)


1 . وقد جاءت القصّة مفصّلة في سورة الكهف ضمن الآيات 20 إلى 82 .


(294)

إذن ، فعدم معرفة حجّة الله ليس دليلاً على فقدان لطفه ، فمن المحتمل عند الخصم ـ بل المقطوع عندنا ـ انّه (عليه السلام)يأتي في زيّ غير معروف يسمع نداء المساكين والمكروبين ، ويحلّ المشاكل الكبيرة التي تعاني منها الأُمّة بعلمه وتدبيره بدون أن يعرفه أحد ، تماماً مثلما فعل صاحب موسى(عليه السلام) .

وحصيلة الكلام: أنّ المهدي (عليه السلام)يتصرف في أُمور الأُمّة كتصرف مصاحب موسى في أُمور زمانه من دون أن يعرفه الناس أو يعرفوا أعماله، فعدم اطلاعنا على تصرفاته لا يكون دليلاً على عدم انتفاع الأُمّة به. فوجوده لطف.

السؤال 130

يقول الشيعة بأن إرسال الرسل ونصب الأئمة واجبان على الله عزوجل لقاعدة اللطف. وقد رأينا أن الله تعالى أرسل رسله وأيدهم بالمعجزات، وأهلك من كذبوهم.

والسؤال هو: ما هي أدلة تأييد الله لأئمتكم وأدلة غضبه على من كذبوهم وقاتلوهم؟

الجواب: هذا السؤال مكرّر وقد أجبنا عنه مرّات عديدة .

ونحن نتعجّب من هذه الأسئلة المكرّرة التي لا يريد من ورائها سوى زيادة عدد الأسئلة ، حتّى يوهم القارئ بأنّ هناك إشكالات كثيرة على الشيعة ، وكم كان يكرّر سؤالاته لدرجة أنّه بلغ ببعض الأسئلة أن تكرّر خمساً وعشرين مرّة أو تزيد!!


(295)

ثمّ انّ جامع الأسئلة أجنبي عن مفاد قاعدة اللطف، وقد سمع اسمها ولم يفهم معناها، فإنّ المراد منها أنّ الحكيم إذا أراد شيئاً هيّأ أسبابه لغاية الوصول إلى الغرض، والله سبحانه أراد هداية الناس إلى الحق وصدّهم عن الباطل فعليه أن يهيئ أسبابه الّتي منها إرسال الرسل وتعزيزهم بالدلائل المقنعة بأنّهم مبعوثون من قبل الله سبحانه.

هذه قاعدة اللطف، وليس من لوازمها إهلاك المخالفين وإبادة المعاندين .

فهذا عيسى ابن مريم أرسله الله بالهدى والمعجزات الكافية فكذبوه ولم يهلك أعداءه، وهذا خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)بعثه بالمعجزة الكبرى ولم يهلك أعداءه.

نعم قتل من شارك في حروبه نتيجة القتال لا بسبب غيبي.

وبما أنّ الرسالة قد ختمت والنبوة أُغلقت إلاّ انّ وظيفة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كانت بعد باقية كتفسير القرآن الكريم والإجابة عن الأسئلة المتجددة ورد الشبهات الموجهة إلى الإسلام وتربية الناس تربية إسلامية كاملة، كل ذلك يتحقق بالإمام ،هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ الله سبحانه أيدهم بالدلائل الواضحة على أنّهم خلفاء رسول الله وذلك إمّا بالأحاديث المتواترة أو بالكرامات الّتي صدرت عنهم وبأيديهم، وإن عميت عنها عيون المخالفين. فمن رجع إليهم استضاء بنورهم ومن رغب عنهم خاب وحُرِمَ.


(296)

السؤال 131

يدّعي الشيعة أنّ أئمّتهم معصومون ، وقد ورد ما يُناقض هذا ، فخُذ على سبيل المثال :

أ ـ كان الحسن بن عليّ يخالف أباه في خروجه لمحاربة المطالبين بدم عثمان .

ب ـ خالف الحسين بن علي أخاه الحسن في قضيّة الصلح مع معاوية .

ج ـ ما ورد في قول عليّ : «لا تكفوا عن مقالة بحقّ ، أو مشورة بعدل ، فإنّي لستُ آمن أن أُخطئ» .

الجواب : لم يُبيّن جامع الأسئلة المصدر الذي اعتمد عليه ، إلاّ في النقطة الثالثة ، أمّا النقطتان: الأُولى والثانية فقد ذكرهما بدون الإشارة إلى المصدر كعادته .

ولا أحد من شباب الشيعة يمكن أن تنطلي عليه هكذا ادّعاءات واهية لا تستند إلى أيّ مصدر .

أمّا فيما يخصّ عدم صحّة المطلب الأوّل (أي محاربة الناكثين) ; فيكفي فيه مراجعة تاريخ الطبري ، فعندما علم عليّ(عليه السلام) أنّ أبا موسى الأشعري أخذ يثبّط من عزائم الجيش ويدعو الناس إلى القعود بدل القيام والخروج


(297)

من الكوفة إلى البصرة ، قام(عليه السلام) بإرسال ولده الحسن(عليه السلام)ومعه عمّار بن ياسر إلى الكوفة ، وقد خطب الحسن(عليه السلام) في الناس خطبةً مؤثّرة ، ودعا الناس إلى مساعدة إمام زمانهم.(1) وتفاصيل هذا القسم موجود في جميع كتب التاريخ .

وإنّه لمن دواعي الأسف أن يكذب جامع الأسئلة على الإمام الحسن(عليه السلام) .

إنّ الإمام الحسن(عليه السلام) كان على الدوام إلى جانب والده(عليهما السلام) وفي صفّين حيث شارك معه في الحرب ، ويذكر أنّه عندما رأى منه الإمام علي(عليه السلام) ذلك الإقدام والشجاعة في ميدان القتال قال : «أملِكُوا عليَّ هذا الغُلام لا يهُدَّني فإنّي أنفس بهذين ـ يعني الحسن والحسين(عليهما السلام) ـ على الموت لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول الله(صلى الله عليه وآله)».(2)

أمّا فيما يتعلّق بالمطلب الثاني ، فإنّنا لا يمكن أن نقول فيه إلاّ أنّه محض كذب وافتراء ، لأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) كان مطيعاً لأخيه الحسن(عليه السلام)في أيّام إمامته بشكل تامّ ، وما دام الحسن حيّاً لم يعترض الحسين على الصلح بأدنى اعتراض ; وذلك لأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) آنذاك لم تكن له وظيفة سوى اتّباع طريق إمامه ، وإلى أن توفّي الحسن(عليه السلام) في عام 50 هجريّة وحتّى هلاك معاوية سنة 60 هجريّة ، لم يقم الحسين(عليه السلام) بأيّ حركة ضدّ الصلح المنعقد بينهما ، ولكن بمجرّد أن قام معاوية بعد شهادة الحسن (عليه السلام)بنقض الصلح ونصب ابنه يزيد خليفةً للمسلمين من بعده، بدأ الإمام الحسين(عليه السلام) في إظهار


1 . تاريخ الطبري : 3 / 499 ، وكذلك فتوح البلدان : 421 .

2 . نهج البلاغة : الخطبة رقم 207 .


(298)

مخالفته لمعاوية وكتب له رسالة شديدة اللهجة تعكس عشرات الجرائم التي قام بها معاوية والتي تهتزّ لها القلوب.(1)

أمّا فيما يتعلّق بكلام أمير المؤمنين في قوله : «لا تكفّوا عن مقالة بحقّ... الخ» فنقول: إنّ طلب المشورة لا يدلّ على عدم العصمة ، بدليل أنّ الله تعالى أمر نبيّه الكريم بالعمل بالمشورة بقوله : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَْمْرِ)(2) .

وهذه المشورة بطبيعتها هي نوعٌ من الاحترام والتقدير لمن يقف مع رسول الله لأجل الوصول إلى أهدافه ، وبتعبير آخر: هو ان الإمام (عليه السلام)في مقام تعليم المسلمين فقد أمرهم بأن لا يستبدوا بآرائهم ويتركوا المشورة، وإلاّ فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بمقامه، والإمام (عليه السلام)باعتباره خليفة للرسول غنيان عن المشورة .

هذا من جهة، ومن جهة ثانية نرى السائل قد اقتطع العبارة من سياقها وتصرّف فيها ليثبت أنّ الإمام (عليه السلام)يعترف بعدم علمه ممّا يتنافى مع عقيدة الشيعة حيث نسب إلى الإمام (عليه السلام)أنّه قال: «فإنّي لست آمن أن أخطى» .

وأنت إذا رجعت إلى النص تراه كالتالي:

«فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني».

ومن الواضح أنّ هذا ينسجم مع عقيدة الشيعة بالعصمة، لأنّ قوله (عليه السلام):


1 . الإمامة والسياسة ، لابن قتيبة: 1 / 164 .

2 . آل عمران : 159 .


(299)

«في نفسي» دليل واضح على أنّ الإمام (عليه السلام)يريد أن يقول لولا عصمة الله إيّاي لوقعت في الخطأ، بمعنى أنّ عصمة الإمام ليست مستقلة عن العناية والدعم الإلهي ولذلك أردفها الإمام (عليه السلام)بقوله: إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني».

وهونظير ما جاء في سورة يوسف (عليه السلام): (وَ مَا أُبَرِّىُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي)(1) على الرأي الّذي يعيد الضمير إلى يوسف (عليه السلام).

وأدلّة عصمته (عليه السلام)تدلّ على أنّ الله يسر له وكفاه الأمن من الخطأ والخطل والعثرة والزلل. (2)

السؤال 132

شنّع الشيعة في هذا الزمان على علماء أهل السنّة في بلاد الحرمين لفتواهم بجواز الاستعانة بالكفّار في مواجهة البعثيّين المرتدّين ، ثمّ وجدنا الشيخ الحلّي ينقل إجماع الشيعة ـ ما عدا الشيخ الطوسي ـ على جواز الاستعانة بأهل الذمّة على حرب أهل البغي ؟ فما هذا التناقض ؟

الجواب : يريد جامع الأسئلة أنّه عندما احتّل صدام الكويت قد


1 . يوسف: 53 .

2 . نهج السعادة للشيخ المحمودي: 2 / 186 .


(300)

استعانت الحكومة السعودية لدفع البعثيين عن الكويت بقوات الائتلاف الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

وعندئذ اعترض على عملهم هذا علماء الشيعة وقسم من علماء السنة، بأنّه لا يجوز الاستعانة بالكفار على أهل البغي.

والسائل يريد تصحيح الاستعانة بفتوى العلاّمة الحلي حيث جوّز في كتابه «منتهى المطلب» الاستعانة بالكافر.

وهذا هو واقع السؤال، ولكنه غفل عن أنّ العلاّمة خص جواز الاستعانة على أهل البغي بالكافر الذمّي الذي يعيش تحت حماية الحكومة الإسلامية ويعطي «الجزية عن يد وهم صاغرون» ولم يُجز الاستعانة بالمحاربين.

والقوات المؤتلفة الّتي استعانت بها السعودية كلهم من المحاربين الذين يغيرون على ثروات المسلمين ويستغلّونهم .

ويعينون دولة إسرائيل الغاصبة والمعتدية على الشعب الفلسطيني المسلم.

فكيف يكون هذان الحكمان متناقضين حتّى يقول جامع الأسئلة «ما هذا التناقض ؟» .

هذا من الجانب الفقهي ، وبقطع النظر عن هذه المسألة ، هل المقصود بعلماء الحرمين نفس أُولئك السلفيّين التكفيريّين (الوهابيّين) الذين أُجبروا على إصدار تلك الفتوى ، وفي هذا المورد نقول : إنّ نفس هؤلاء البعثيّين


(301)

الذين يعتبرهم علماء الحرمين مرتدّين وخارجين عن الإسلام ، ساندوهم وآزروهم في عدوانهم على إيران المسلمة في تلك الحرب التي ذهب ضحيّتها الآلاف من المسلمين ، ناهيك عن ذرفهم لدموع التماسيح عند إعدام صدّام (زعيم البعثيّين) وقالوا: لماذا يتمّ قتل رئيس مسلم لبلد عربيّ ومسلم في يوم العيد؟!!

فمن هو الذي يعمل بالتناقض ؟!!

السؤال 133

من قواعد الشيعة أنّ الإمامة تثبت لمن ادّعاها من أهل البيت(عليهم السلام)وأظهر خوارق العادة الدالّة على صدقه ، ثمّ لم يثبتوا إمامة زيد بن عليّ مع أنّه ادّعاها ، وبالمقابل أثبتوا الإمامة للمهدي (عجل الله فرجه) الغائب الذي لم يدّعها ؟

الجواب : أوّلاً : يبدو أنّ جامع الأسئلة لا يعرف فرق الشيعة ، فخلط بين الشيعة الإماميّة والشيعة الزيديّة ، ففي المذهب الشيعي الإمامي ، تثبت الإمامة بتنصيص الإمام السابق للإمام اللاّحق ، وبما أنّ الإمام السجّاد(عليه السلام)نصّ على إمامة ولده محمد الباقر من بعده ، فقد قبلت الشيعة أمامته كما قبلت إمامة ولده الصادق لأنّ أباه الباقر نص عليه، وهكذا. وأمّا زيد فلم يُنصّ على إمامته.

أضف إلى ذلك أنّه لم يدّع الإمامة لنفسه ، وإنّما دعا «للرِّضا من آل محمّد» ولم يدّع انطباق ذلك على نفسه .


(302)

ثانياً : في المذهب الشيعي الزيدي لا يُعتبر إظهار الإعجاز شرطاً في الإمامة ، بل شرط الإمامة أن يكون الداعي فاطمياً، بالإضافة إلى العلم والشجاعة والدعوة إلى النفس .

إذاً : فالأمر الذي ينسبه للشيعة لا ينطبق على أيٍّ من الفريقين (الإماميّة والزيديّة) .

السؤال 134

لمّا نزل قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الاَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)(1) دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله)بني شيبة وأعطاهم مفتاح الكعبة وقال : «خذوها يا بني طلحة» ، فلماذا لم يقل مثله في أمر خلافة عليّ(عليه السلام) وهو أمرٌ يهمّ جميع المسلمين وتتوقّف عليه مصالح كثيرة ؟

الجواب : هذا السؤال مكرّر ، والنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) على مدى أيّام دعوته وهي 23 سنة ، كان يعلن في مواقف مختلفة أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) هو الخليفة الذي سيكون بعده  ، وعرّفه على أنّه وليّ المؤمنين ووصيّه ، وكما ذكرنا في جواب بعض الأسئلة المتقدمة أنّ أحد ألقاب عليّ(عليه السلام)«الوصيّ» وأنّ آخر ما أوصى به النبيّ(صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير الذي اجتمع فيه أكثر من مائة ألف نفر ; الولايةُ والوصايةُ لعليّ بشكل رسميّ ، وطلب من الناس مبايعته حتّى إذا جاء


1 . النساء : 58  .


(303)

دور الشيخين لمبايعته قالا له: «بخ بخ لك يا عليّ أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة»(1) . فقد أدّى الامانة لأهلها.

ونكتفي بهذا المقدار لأنّنا تناولنا هذا المورد في كلام سابق .

السؤال 135

اختلق الشيعة حديثاً يقول : «لعن الله من تخلّف عن جيش أُسامة» يهدفون من ورائه إلى لعن عمر، وفاتهم أنّه يلزمهم أمران :

1 ـ أن يكون عليّ لم يتخلّف ، وهذا اعتراف منه بإمامة أبي بكر ، لأنّه رضي أن يكون مأموراً لأمير نصّبه أبو بكر ؟

2 ـ أو يقولوا بأنّه تخلّف عن الجيش ، فيلحقه ما كذبوه ؟

الجواب : العجب من كلام السائل حيث ادّعى أنّ أبا بكر أمّر أُسامة على الجيش، وهذا مخالفة واضحة للواقع التاريخي إذ الصحيح وبلا شكّ هو أنّ النبي قد أمّره على الجيش وجعل الشيخين تحت أمره. ولذلك اعترضوا على النبي بتأمير أُسامة وتحت أمره الشيوخ الكبار.

إنّ هذا الحديث ليس من مختلقات الشيعة ، بل إنّ علماء أهل السنّة هم الذين رووا هذا الحديث ثمّ نقله الشيعة عنهم معتمدين في ذلك عليهم ، فالحديث المذكور نقله كلٌّ من أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في


1 . المصنّف لابن أبي شيبة : 12 / 78 ، الحديث : 12167 .


(304)

كتاب «السقيفة » والشهرستاني في «الملل والنحل» ، والإيجي في «المواقف» ، وابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة. أو ليس هؤلاء من أقطاب السنة؟!(1)

ذكر في الملل والنحل : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : جهّزوا جيش أُسامة لعن الله مَن تخلّف عن جيش أُسامة ، فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره ، ولذلك برز أُسامة من المدينة ، وقال قوم : قد اشتدّ مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله) فلا تسع قلوبنا مفارقته ، والحالة هذه : فنصبر حتّى نبصر أيّ شيء يكون من أمره .

وجاء في الملل والنحل أيضاً : ولم ينحصر الخلاف في أُخريات حياته بل ظهر الخلاف في تجهيز جيش أُسامة ، حيث إنّه(صلى الله عليه وآله) أمر أُسامة بأن يسير إلى النقطة التي سار إليها أبوه من قبل وجهّز له جيشاً وعقد له راية ، فتثاقل أكابر الصحابة عن المسير معه لمّا رأوا مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله)وهو يصرّ على مسيرهم ، حتّى أنّه خرج معصّب الجبين ، وقال : جهّزوا جيش أُسامة ، لعن الله مَن تخلّف عنه.(2)

فمَن هم الأشخاص الذين يشملهم الحديث ؟

والذي قاله جامع الأسئلة من أنّ الشيعة اختلقوا هذا الحديث حتّى يتمكّنوا من لعن الخلفاء هو أمرٌ مخالفٌ تماماً لما جرى ، بل إنّ الحديث


1 . الملل والنحل : 1 / 23، المقدّمة الرابعة; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 2 / 20 ; المواقف : 3 / 650 .

2 . الملل والنحل ، المقدّمة الرابعة : 1 / 23 ; وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 2 / 20; المواقف : 3 / 50 ـ 60 .


(305)

يعتبر أفضل دليل على لزوم التضايق والاشمئزاز من أُولئك الأشخاص الذين تخلّفوا عن أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله)مهما كان المتخلّف أو يكون .

وإنّما أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) لخروجهم لأجل أن تكون المدينة خالية من الأفراد الذين باستطاعتهم التعامي عن وصيّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) في حالة وفاته(صلى الله عليه وآله) ، فأراد النبيّ(صلى الله عليه وآله)إبعادهم عن المدينة ، ولهذا نرى أنّ الأشخاص الذين صالوا وجالوا في السقيفة كانوا من الذين فُرِضَ عليهم أن يكونوا في جيش أُسامة ، فمن المهاجرين أبو بكر وعمر ، ومن الأنصار أُسيد بن حضير وبشير بن سعد ، وهم الأشخاص الأربعة الذين وضعوا زمام الخلافة بيد أبي بكر .

وأمّا علي (عليه السلام)فلم يؤمر بالخروج مع أُسامة بل كان باقياً في المدينة يمرّضُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

السؤال 136

يزعم الشيعة أنّ عليّاً(عليه السلام) عنده نسخة من القرآن مرتّبة حسب ترتيب النزول ، وقد تولّى عليّ الخلافة بعد عثمان ، فلماذا لم يخرج هذا القرآن ؟

الجواب : هذا السؤال مكرّرٌ أيضاً ، وقد قلنا فيما سبق إنّه لا يوجد أيّ اختلاف ـ ولو بسيط ـ بين القرآن الّذي عند أمير المؤمنين وبين القرآن الموجود بأيدي المسلمين ، باستثناء الاختلاف في ترتيب السُّور ، وقد ذكر


(306)

ذلك كلّ من اليعقوبي في تاريخه والشهرستاني في تفسيره «مفاتيح الأسرار» وقد أشرنا إلى ذلك .

وأمّا لماذا لم يخرج أمير المؤمنين(عليه السلام) قرآنه ، فإنّ ذلك يعود إلى أنّ القرآن الموجود قد انتشر في جميع أنحاء العالم الإسلامي بالترتيب الموجود حاليّاً ، وليس من مصلحة الإسلام إخراج قرآن آخر يختلف معه في الترتيب .

السؤال 137

يدّعي الشيعة محبّة أهل البيت وعترة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، ولكنّنا نجدهم لا يحبّون بعض الأشخاص المنتسبين إلى أهل البيت كرقيّة وأُمّ كلثوم ابنتي رسول الله ، والعبّاس عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وبعض أولاد فاطمة كزيد بن عليّ وابنه يحيى وإبراهيم وجعفر ابنا موسى الكاظم(عليه السلام) . . .  ؟ فأين محبة أهل البيت(عليهم السلام)المزعومة؟

الجواب : جامع الأسئلة خلط بين «أهل البيت» المذكورين في القرآن وبين بني هاشم ، فأهل البيت الذين أخبر القرآن بطهارتهم من الذنوب والمعاصي ، حسب ما نقل مسلم في صحيحه منحصرون في أربعة أشخاص ، ونفس جامع الأسئلة اعترف أيضاً بذلك في سؤال متقدم(1) .


1 . لاحظ السؤال رقم 32 .


(307)

وأمّا بنو هاشم ، فالذين ذكرهم هناك ، هم من بني هاشم وكلّهم لهم حقوق خاصّة حيث إنّ واحدة من هذه الحقوق حرمة الصدقة عليهم .

أمّا قوله : الشيعة لا يحبّون أبناء فاطمة(عليها السلام) ، فهو كلامٌ غير صحيح ، لأنّ جميع أبناء فاطمة(عليها السلام) سواءً الذين يحملون اسمها أم الذين لا يحملون اسمها كلّهم يعدّون من ذرّية فاطمة(عليها السلام) ، فلهم حقُّهم وشأنُهم وكرامَتُهم إلاّ أنّ كون الرجل من الذريّة ليس كافياً في النجاة يوم القيامة . فلو أنّ أحد ذرّية فاطمة(عليها السلام) خرج عن الصراط المستقيم فإنّ انتسابه إليها(عليها السلام) لن ينفعه ، فالله تعالى خاطب نوحاً(عليه السلام)لمّا طلب منه نجاة ولده من الغرق ، وقال : (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)(1) قال له : (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح)(2) .

وبكلمة جامعة نحن نحب أهل البيت وكل من ينتمي إليهم بصلة، من غير فرق بين علوي وحسني وحسيني، إلى آخر السلسلة، غير أنّه إذا ثبت خروج أحد منهم عن جادة الحق، فنحن نعمل فيه بما علمنا الله سبحانه ورسوله في هذا الصدد. وأمّا من هو الخارج عنها فهو على عاتق التاريخ الصحيح.

أمّا عن رقيّة وزينب هل هما بنات للنبيّ أم ربيبتان؟ فتلك مسألة تأريخيّة ليس لها علاقة بالعقائد، وقد قام المحقّقون بتحقيقات عديدة في هذه المسألة.


1 . هود : 45 .

2 . هود : 46 .


(308)

وأمّا الأسماء الأُخرى ذكر أنّ الشيعة لا تحبهم فهذه تهمة نطالبه بالدليل عليها. وقد مرّ بطلان بعضها كما في قصة زيد بن علي .

السؤال 138

إنّ الشيعة يكفّرون جميع أهل البيت في القرن الأوّل ، حيث جاء في أخبارهم أنّ الناس بعد رسول الله ارتدّوا إلاّ ثلاثة (سلمان وأبو ذرّ والمقداد) وبعضهم يوصلهم إلى سبعة . وليس فيهم واحد من أهل البيت ، فقد حكموا على الجميع بالكفر ؟

الجواب : هذا سؤالٌ مكرّر ، وقد أجبنا عنه ،(1) وليس الشيعة هم الذين يقولون بارتداد جميع المسلمين إلاّ القليل منهم ، بل إنّ روايات أهل السنّة التي تتجاوز العشر روايات هي التي تقول ذلك ، وإنّ مجموعة كبيرة من الصحابة ارتدّوا بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلاّ عددٌ منهم لا يتجاوز عدد أصابع اليد بقوا على الطريق المستقيم ، ونحن قد أشرنا إلى هذه الروايات في بداية الكتاب . والآن يجب أن نسأل : أيّ الفريقين معنيٌّ بالإجابة عن هذا السؤال ؟

وأمّا ما رواه عن الكشي (2) من ارتداد الناس إلاّ العدد القليل فقد قلنا إنّها أخبار آحاد لا يعتمد عليها لقضاء الضرورة على خلافه، وأنّ أخبار الآحاد لا تكون سنداً في مجال العقائد.


1 . لاحظ السؤال رقم 22، والسؤال رقم 87، وجوابنا عنها.

2 . رجال الكشي: 6 الحديث 12 .


(309)

فإذا عرفت ذلك فلنرجع إلى متن السؤال حيث قال: «إنّ قولهم ارتدوا إلاّ ثلاثة: سلمان وأبو ذر والمقداد، معناه أنّ غيرهم صاروا من المرتدين، وبما أنّه لم يستثن الحسن والحسين وسائر أهل البيت فهم محكومون حسب الرواية بالارتداد».

والجوب: أنّ قائل هذا الكلام هوالإمام الباقر (عليه السلام)، وبطبيعة الحال فإنّه يحكي ما قام به الناس في مقابل أهل البيت، وأنّهم ارتدوا إلاّ ثلاثة، وليس كلامه ناظراً إلى جميع من كان في المدينة حتّى يشمل علياً وأولاده(عليهم السلام).

ونحن نحترم جميع صحابة النبيّ(صلى الله عليه وآله) الذين يُعتبر قسم منهم من أقطاب التشيّع ، وسواء عرفناهم أم لم نعرفهم ، لأنّهم شاهدوا نور الله تعالى ، إلاّ الذين قام الدليل القاطع على انحرافهم وتمرّدهم فليس لهم احترام عندنا . وهذا حكمٌ عادل دعانا إليه القرآن الكريم .

السؤال 139

لقد قام الحسن (عليه السلام) ـ رغم كثرة أنصاره ـ بالتنازل عن الخلافة لمعاوية ، بينما قام أخوه الحسين(عليه السلام) ـ مع قلة أنصاره ـ بالثورة على يزيد بن معاوية ، فأيّ الفعلين صحيح ؟(1)

الجواب : إنّ هذا السؤال مكرّر أيضاً  ، فقد قلنا مراراً في جوابه: أنّ


1 . ومن علامات التسرع في جمع وطبع هذه الأسئلة أنّ المؤلف أورد جزءاً من السؤال المرقم 138 والمذكور في ص 91، وألصقه بالسؤال 140، وقد قمنا بالإجابة عن السؤالين حسب الترتيب الصحيح لما ورد فيهما من إشكالات.


(310)

صلح الإمام الحسن(عليه السلام) قد تمّ نتيجة لظروف اضطرت الإمام لعقد الصلح مع معاوية، كما هو الحال في صلح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مع قريش .

حيث إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)صالح في الحديبيّة وقبِلَ حتّى بأن يُمحى لقب (رسول الله) من عقد الصلح ، ومع ذلك صالح النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وبعد سنة من الصلح قام بفتح مكّة بالقوّة العسكريّة .

وجامع الأسئلة يُعرّف نفسه على أنّه سلفي ، والسلفيّة يعتقدون أنّ الصحابة جميعاً عدول ومنزّهون حتّى من أبسط الذنوب ، فهل يصح اتّهام ولدي رسول الله بالخطأ وهما ريحانتا قلب الرسول وقرّة عينه وسيّدا شباب أهل الجنّة والمطهّرين من كلّ رجس بنصّ القرآن الكريم ، ويعتبران في قمّة هرم الصحابة؟!!(1)

وقد ذكرنا سابقاً بعض الأسباب لصلح الحسن مع معاوية وقيام الحسين في وجه طاغوت زمانه يزيد، وأنّ مصالح الإسلام كانت تكمن في الصلح هناك وفي الثورة هنا، ولا علاقة لذلك بكثرة الأنصار وقلّتهم.


1 . لاحظ : فتح الباري : 7 / 94، الحديث 3749 ; مستدرك الحاكم : 2 / 166 ; مسند أحمد : 3 / 3، الحديث 21771 .


(311)

السؤال 140

لقد شارك عليّ(عليه السلام) في زمن خلافة أبي بكر في حرب المرتدّين وأخذ جارية من سبي بني حنيفة أنجبت له فيما بعد ولده المسمّى محمّد بن الحنفيّة . ويلزم من هذا أنّ عليّاً يرى صحّة خلافة أبي بكر ، وإلاّ لما ارتضى أن يشاركه في هذا الأمر .

الجواب : يوجد في هذا السؤال نوع من الكذب الصريح وثمّة إشكال تاريخي واضح .

أوّلاً : فالكذب الصريح يتمثّل في مشاركة عليّ(عليه السلام) في الحرب ضدّ المرتدّين ، والحال أنّه لم يأت ذكر لمشاركة عليّ(عليه السلام) في الحروب الواقعة أيّام الخلفاء ، ولم يأت ذلك في أي مصدر تاريخي ، وهو ـ (عليه السلام) ـ أرفع وأجلّ من أن يشارك كجندي بسيط في هذه الحروب ، نعم ، إن كانت له من مشاركة في أيّام الخلفاء ، فهي تتمثّل في الاستفادة من وجوده المبارك في مجال المشاورة ونصيحة الخلفاء وإرشادهم .

ثانياً : أمّا الإشكال التاريخي فهو قوله إنّه أخذ جارية من سبي بني حنيفة ، إلاّ أنّ حقيقة الحادثة وردت في التاريخ على أقوال مختلفة :

1 ـ أُمّ محمّد بن الحنفيّة باسم «خولة بنت جعفر بن قيس» كانت من سهم أبي بكر وقد منحها لعليّ(عليه السلام) .


(312)

2 ـ كتب المدائني : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعث أمير المؤمنين إلى اليمن للجهاد ، فأسر عليّ(عليه السلام) قسماً من الجواري ، كانت خولة واحدة منهنّ وهي من سهم أمير المؤمنين(عليه السلام) .

3 ـ أمّا البلاذري فيقول : إنّ بني أسد في أيّام أبي بكر كانوا قد أغاروا على بني حنيفة وأسروا خولة وأتوا بها إلى المدينة فاشتراها علي(عليه السلام) منهم ، وعندما وصل خبرها إلى أهلها جاءُوا إلى المدينة، فعرفهم عليّ(عليه السلام)وعلم ما وقع عليهم من ظلم ، فأعتق الجارية ومَهَرها وتزوّجها .(1)

مع هذه الأقوال المختلفة كيف يمكن لجامع الأسئلة وأمثاله، الاستدلال بهذه القصّة على مطلب عقائديّ ؟!

السؤال 141

تتضارب الأقوال المنقولة عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)في مسائل عديدة ، فلا تكاد تجد مسألة فقهيّة إلاّ وله فيها قولان أو أكثر متناقضة ; فمثلاً البئر التي وقعت فيها نجاسة ، قال مرّة هي بحر لا يُنجسه شيء ، وقال مرّة : إنّها تنزح كلّها ، وقال مرّة : ينزح منها سبع أو ستّة دلاء ؟

الجواب : أوّلاً : الرواية للإمام الرضا(عليه السلام) وليست للإمام الصادق(عليه السلام) .


1 . انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: 1 / 243 ـ 246 ; بحار الأنوار: 42 / 84 ـ 87 ; تنقيح المقال، الجزء الثاني، ترجمة محمد بن الحنفية; قاموس الرجال: 9 / 246 .


(313)

وثانياً : لم يقل الإمام(عليه السلام) إنّ ماء البئر مثل ماء البحر ، بل قال : إنّ ماء البئر ماءٌ كثير ، لا يفسده شيء ، إلاّ إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة من لون ورائحة وطعم .

ولكن في نفس الوقت إذا جاء في بعض الروايات «أنّه في حالة سقوط فأر في البئر ينزح من البئر عدّة دلاء» فهذا يحمل على باب الاستحباب والتأكيد في الطهارة ، فكم يمكن أن يكون الشيء طاهراً من جهة الشرع ، إلاّ أنّ القلب لا يطمئن إلاّ بنزح عدّة دلاء من ماء البئر .

وأمّا أنّه في بعض الموارد قال بنزح ستّة دلاء وأُخرى سبعة دلاء وبعضها أقلّ من ذلك فسبب ذلك تنوّع النجاسات الملاقية لذلك الماء ، فمن المسلّم أنّ سقوط فأر في البئر يؤدي إلى انفعال هذا الماء غير تلك التي يسبّبها سقوط عصفور إذا مات في البئر ، ونجاسة الحيوان الصغير تختلف عن نجاسة الحيوان الكبير ، ونجاسة حيوان نجس العين غير نجاسة حيوان مأكول اللّحم وطاهر العين .

وعلى كلّ حال فهذه مسألة فقهيّة ، وما دام السائل لم يكن فقيهاً فلا يمكنه معرفة مفاد الروايات ولا كيفيّة الجمع بينها لاستخراج الحكم الشرعي .

والعجيب هنا أنّه يقول في آخر حديثه : إنّ اختلاف هذه الروايات تسبّبت في ضياع مذهب الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) .

وهنا نودّ التذكير أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) ليس له مذهب خاصّ في الفقه ،


(314)

فهو الناطق بالأحكام الإلهيّة ، بدون أن يجتهد فيها، وإذا كان الاختلاف في النقل يكون سبباً في ضياع مذهب الإمام الصادق(عليه السلام) ، فإنّه يجب أن يضيع المذهب الشافعي ، لأنّ الشافعي قبل أن يذهب إلى مصر كانت عنده آراء تختلف عن آرائه بعد ذهابه إليها ، وأبو حنيفة كانت له عدّة آراء مختلفة في المسألة الواحدة ، فهل يمكننا القول بضياع المذهب الشافعي والمذهب الحنفي ؟!

إنّ هذا النوع من إثارة الشغب واللغط يناسب المراكز غير العلميّة ، أضف إلى ذلك أنّ هذه الأُمور الفرعية لا يمكنها أن تكون مصدراً يُعتمد عليه في بيان العقائد ، أو الإشكال عليها.


(315)

السؤال 142

الكتب المعتمدة عند الشيعة في الحديث هي «الوسائل» للحرّ العاملي المتوفّى سنة 1104 هـ ، و«البحار» للمجلسي المتوفّى سنة 1111 هـ ، و«مستدرك الوسائل» للطبرسي المتوفّى سنة 1320هـ . فجميعها متأخّرة ، فإذا كانوا قد جمعوا تلك الأحاديث عن طريق السند والرواية فكيف يمكن الوثوق برواية لم تسجّل طيلة أحد عشر قرناً أو ثلاثة عشر قرناً ؟ وإن كانت مدوّنة في كتب ، فلم يعثر على هذه الكتب إلاّ في القرون المتأخّرة ؟ ولماذا لم يجمع تلك الروايات المتقدّمون منهم ؟

الجواب : أوّلاً : إنّ كتب الحديث المعتبرة عند الشيعة هي أربعة :

1 ـ الكافي تأليف الكليني (المتوفّى 329 هـ) .

2 ـ من لا يحضره الفقيه تأليف الصدوق (المتوفّى 381 هـ) .

3 ـ تهذيب الأحكام ، تأليف الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ) .

4 ـ الاستبصار في ما اختلف الأخبار ، من تأليف الشيخ الطوسي أيضاً (المتوفّى 460 هـ) .

تعتبر هذه الكتب الأربعة هي الجوامع الثانية المنتزعة من جوامع


(316)

الحديث الأُولى للشيعة ، والجوامع الأُولى المنقول عنها كانت قد كتبت في القرنين الثاني والثالث الهجريين وهي:

1 ـ الجامع ، تأليف أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (المتوفّى سنة 221 هـ) .

2 ـ المحاسن ، تأليف أحمد بن محمد بن خالد البرقي (المتوفّى سنة 272 هـ) .

3 ـ نوادر الحكمة ، تأليف محمد بن أحمد بن عمران الأشعري (المتوفّى سنة 293) .

4. كتاب الثلاثين، تأليف حسين بن سعيد الأهوازي .

ولنتجاوز هذا ، فهناك 400 رسالة سمّيت بالأُصول كتبها تلاميذ الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم(عليهم السلام) وتعتبر الأُم للجوامع الأُولى من جوامع الحديث عند الشيعة .

إذن ، فالكتب التي أورد جامع الأسئلة ذكرها في سؤاله ، رغم أنّها من جلائل (وأهم) كتب الشيعة المعتبرة ، إلاّ أنّ أساسها هي الكتب الأربعة الأُولى حيث استُلّت منها ، وهي شبيهة بجوامع الحديث عند السنة ، فمثلاً جامع الأُصول لابن الأثير الجزري وكنز العمّال للمتّقي الهندي أخذا من كتب الصحاح الستّة ، ففي الحقيقة هذا النوع من الكتب المتأخّرة هو جمع وترتيب جديد للأحاديث من الكتب القديمة . ولا يضر الاختلاف الزمني بينهما في الحجية.


(317)

السؤال 143

هناك مجموعة كبيرة من الروايات في كتب الشيعة توافق ما عند أهل السنّة سواء في إنكار البدع أو العقائد أو غير ذلك ، ولكن الشيعة يصرفونها عن ظاهرها بدعوى التقيّة ؟

الجواب : الادّعاء عملٌ سهل ، ولكن الإتيان بالدليل أمرٌ صعب ، فأيّ رواية جاءت في كتب الشيعة في العقائد والبدع تنسجم مع روايات أهل السنّة ، والعلماء أعرضوا عنها بدون دليل ؟! ولعل نظر المستشكل راجع لما سيذكر في السؤال التالي.

السؤال 144

ينقل صاحب كتاب «نهج البلاغة» مدح عليّ(عليه السلام) لأبي بكر وعمر ، كقوله عن أبي بكر : «ذهب نقيّ الثوب قليل العيب أصاب خيرها وسبق شرّها ، أدّى إلى الله طاعته واتّقاه بحقّه» ، ولكن الشيعة حملوا كلام عليّ(عليه السلام) هذا على التقيّة وأنّه قاله من أجل استصلاح من يعتقد صحّة خلافة الشيخين واستجلاب قلوبهم ، فهل يظهر عليّ(عليه السلام)غير ما يُبطن وهو المعروف بالشجاعة وقول الحقّ ؟

الجواب : يعني جامع الأسئلة الخطبة 223 من نهج البلاغة حيث بدأت


(318)

الخطبة بجملة «لله بلاء وفلان» ولم يذكر هناك لا اسم أبي بكر ولا اسم عمر ، وإنّما ذكر كلمة «فلان» ، ثمّ إنّ هنا أُموراً :

أوّلاً : هذه الخطبة نقلها المغيرة بن شعبة وهو من ألدّ أعداء أهل البيت(عليهم السلام) ، وبالتالي لا يكون لها اعتبار ولا يُعتمد عليها .

ثانياً : اختلف شارحو نهج البلاغة في بيان المقصود من كلمة «فلان» في هذه الخطبة :

1 ـ فالقطب الراوندي يقول : إنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) كان في مقام المدح والثناء لبعض أصحابه الذين لم يتلوّث بالفتنة التي حدثت بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

2 ـ وابن أبي الحديد المعتزلي يقول : إنّ المقصود من فلان هو عمر بن الخطّاب .

3 ـ والطبري يقول : هذه الجملة لابنة «أبي حثمة»، شاعرة كانت تُرثي الموتى بالمدينة وليست لأمير المؤمنين(عليه السلام) . فعندما مات عمر جاءت ابنة أبي حثمة تبكي وجعلت تُرثي عمر وعندها قالت تلك الجملة المذكورة . يقول المغيرة : عندما دفنوا عمر ، ذهبت إلى بيت عليّ(عليه السلام) أسمع منه شيئاً حول عمر ، فرأيت عليّاً قد خرج من بيته وعليه أثر الغُسل والماء يتقاطر من رأسه وهو يقول :

«رحم الله ابن الخطّاب لقد قالت بنت أبي حثمة صدقاً ، لقد أخذ خير الخلافة معه ، ونجا من شرّها «أصاب خيرها وسبق شرّها» فوالله ما قالت بل


(319)

قوّلت»، والمقصود من شرّ الخلافة الأوضاع السيّئة التي ستكون في أيّام عثمان .

4 ـ وينقل ابن شبّة عن عبدالله بن مالك بن عيينة الأزدي قال : لمّا انصرفنا مع عليّ(عليه السلام)من جنازة عمر دخل فاغتسل ، ثمّ خرج إلينا فصمت ساعة ، ثمّ قال : لله بلاء نادبة عمر ، قالت : واعمراه أقام الأوْدَ ، واعمراه ذهب نقيّ الثوب قليل العيب ، ثمّ قال : «والله ما درت هذا (ما علّمت هذا) ولكنّها قُولّته» يعني لُقِّنته(1) .

والنتيجة المستخلصة : أنّ الموصوف في كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) غير مشخّص ، لأنّ ما جاء في كلامه المنقول في نهج البلاغة في كلمة «فلان»، أضف إلى ذلك، فإنّ ما نقله كلّ من الطبري وابن شبّة كان وضع رجال سياسيّين حيث لقّنوه لتلك المرأة النائحة حتّى تُرثي به عمر .

والتأمّل في مجموع ألفاظ نهج البلاغة يحكي إخبار عليّ(عليه السلام) عن أنّه ستمر على المسلمين ظروف تكون أكثر ظلاماً واضطراباً ممّا سبق. كما جاء في الخطبة الشقشقية وغيرها من الخطب الّتي يكشف الإمام (عليه السلام)عمّا تعرّض له من الظلم والإقصاء.


1 . تاريخ المدينة : 3 / 941 ، تحقيق فهيم محمد شلتوت .


(320)

السؤال 145

يدّعي الشيعه عصمة أئمّتهم وهذا يخالف الروايات التي فيها أنّ الأئمّة يجوز عليهم صدور السهو والخطأ ، حتّى أنّ عالم الشيعة المجلسي قال : بأنّ المسألة في غاية الإشكال ، لدلالة كثير من الروايات والآيات على صدور السهو عنهم .

الجواب : مسألة سهو الأئمّة مساوية لمسألة سهو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، والرأي المشهور بين الإماميّة هو أنّ المعصوم كما أنّه مصون عن ارتكاب الذنوب والمعاصي ، فهو أيضاً بعيد عن الخطأ والنسيان ، لأنّ الخطأ والنسيان في الأُمور الدنيوية ، يؤدّي شيئاً فشيئاً إلى شكّ الناس في عصمتهم في تبليغ الأحكام .

فقد نقل أهل السنّة أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) صلّى ركعتين فقط في الصلاة الرباعيّة ، وبعد أن فرغ سأله أحد الأصحاب واسمه ذو اليدين : أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كل ذلك لم يكن».(1)

من هذه الجهة ، فإنّ فريقاً من أهل السنّة يعتقد أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يخطأ وينسى في الأُمور الدنيويّة ، وهو نفس التساؤل المطروح فيما يتعلّق بالأئمّة(عليهم السلام) عند الشيعة ، فكبار الشيعة أمثال الشيخ المفيد وهو من الشخصيّات البارزة الكبيرة ينفي عن الأئمّة أيّ نوع من أنواع السهو والخطأ ،


1 . بحار الأنوار: 17 / 124 ; رسالة عدم سهو النبي للشيخ المفيد: 4 وغيرهما.


(321)

وأجاب عن الروايات التي وردت في إمكان حصول السهو والخطأ بأنّها خبر آحاد لا يفيد علماً ولا عملاً.

وأمّا الذين يعتقدون بسهو النبيّ(صلى الله عليه وآله)من الإمامية فقد وجهت لهم انتقادات شديدة. (1)

والمرحوم المجلسي أيضاً ذكر أنّ المشهور بين الإماميّة هو أنّه لا يمكن صدور السهو والخطأ عن الأئمّة ، ونقل أدلّة ذلك ، خصوصاً وأنّ الإمام مؤيّد بروح القُدس على الدوام ، وهي تحفظه من السهو والخطأ .

ثمّ يذكر في الأخير : أنا لا أقول شيئاً في هذه المسألة ; لأنّ لكلّ طرف دليل.

وأخيراً نذكّر أنّ عصمة الأنبياء والأولياء في المسائل المتعلّقة بالتبليغ والرسالة وبيان الأحكام الإلهيّة والمعارف ليست محلّ بحث وكلام ، وإن كان هناك من كلام فهو في الأُمور الجزئيّة الدنيويّة التي لا علاقة لها بالدِّين والتربية .


1 . شرح عقائد الشيعة للصدوق : 66 .


(322)

السؤال 146

لقد مات إمام الشيعة الحادي عشر : الحسن العسكري ولم يخلّف ولداً ، وزعم رجل اسمه «عثمان بن سعيد» أنّ للإمام العسكري ولداً اختفى وعمره أربع سنوات وأنّه وكيله ، فكيف يُقبل كلام هذا الرجل بالرغم من كونه غير معصوم ؟

الجواب : هذا السؤال تكرر مرتين فيما سبق(1)، وأجبنا عنه، وهنا نقول: إنّ أكثر من 40 محدّثاً ومحقّقاً من أهل السنّة ، نقلوا ولادة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ، وحتّى أنّ فريقاً من الشيعة شاهدوا الإمام المهدي في حياة أبيه الإمام العسكري(عليهما السلام) ، وقد ذكر ذلك في كتب حياة الأئمّة(عليهم السلام) . وعثمان بن سعيد أيضاً أحد من رأى الحجة ولم تكن الرؤية مختصة به وفي الوقت نفسه هو فقيه وصادق ، ولو لم يكن المقام الذي هو أعلى من مقام العدالة مختصّاً بالإمام وغير متصوّر إلاّ فيه ، لقلناه في شأن عثمان بن سعيد  .

وعلى كلّ حال فإنّه باعتبار تطرّقنا لهذا الموضوع سابقاً فإنّنا نكتفي بهذا المقدار .


1 . انظر السؤال رقم 88 ، والسؤال رقم 89 من كتابنا هذا.


(323)

السؤال 147

يهاجم الشيعة مروان بن الحكم ويعلّقون به كلّ شنيعة ، ثمّ يتناقضون فيروون في كتبهم أنّ الحسن والحسين(عليهما السلام) كانا يصلّيان خلفه .

والعجيب أنّ معاوية بن مروان قد تزوّج برملة ابنة عليّ(عليه السلام) ، وزينب بنت الحسن المثنّى كانت متزوّجة من حفيد مروان .

الجواب : إنّ الشيعة لعنوا مروان بن الحكم ، تبعاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله)الذي لعن مروان وأباه ، حيث ينقل ابن عساكر أنّ عبدالله بن الزبير صعد إلى أعلى المنبر إلى جنب المسجد الحرام وقال : أقسم بربّ هذا البيت والبلد الحرام أنّ الحكم بن العاص وأولاده لُعِنوا على لسان رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

وعندما عقد معاوية ولاية العهد لابنه يزيد قال مروان  : هذه سنّة أبي بكر وعمر ، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر : هذه سنّة هرقل وقيصر فقال: أنزل الله فيك: (وَ الذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفّ لَكُمَا)(1)، فبلغ عائشة كلام مروان قالت : كذب والله ما هو به ، ولكن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعن أبا مروان ومروان في صلبه ، فمروان قصص من لعنة الله عزّ وجلّ.(2)

ونقل الحاكم في مستدركه عن عبد الرحمن بن عوف قال : كان لا يُولد


1 . الأحقاف: 17.

2 . مستدرك الحاكم : 4 / 481 ; تفسير القرطبي : 18 / 197 ومصادر أُخرى .


(324)

لأحد مولودٌ إلاّ أُتي به النبيّ(صلى الله عليه وآله) فدعا له ، فأُدخل عليه مروان بن الحكم فقال : «هو الوزغ ابن الوزغ الملعون بن الملعون».(1)

وخرج مروان إلى الطائف طفلاً لا يعقل لمّا نفى النبيّ(صلى الله عليه وآله) أباه الحَكَم وكان مع أبيه في الطائف حتّى استخلف عثمان فردّهما واستكتب عثمان مروان وضمّه إليه ، ونظر إليه عليّ يوماً فقال : «ويلك وويل أُمّة محمّد منك ومن بنيك».(2)

إذاً ، فالشيعة يقتدون برسول الله(صلى الله عليه وآله) فنقلوا رواياته وعملوا بها فوالوا مَن والاه وعادوا مَن عاداه ، ولكنّكم أنتم الذين تدافعون عن الأمويّين الذين كانوا أعداءً للنبيّ ولأهل بيته ، فأيّ منّا أهل السنّة وأيّ منّا أهل البدعة ؟!

وأمّا صلاة الحسنين خلف مروان فإنّ مجرّد وجود الرواية لا يدلّ على صحّة وقوع الفعل، فكم من رواية ثبت عدم صحّتها ومنافاتها للواقع، هذا من جهة ومن جهة ثانية نرى تضارباً في الروايات فمن ذلك ما يرويه ابن سعد في الطبقات في ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام)نقلاً عن الإمام الباقر (عليه السلام)أنّ الإماميين كانا يصلّيان خلف مروان، وانّ الإمام الحسين (عليه السلام)كان يسبه وهو على المنبر حتّى ينزل. (3)

فكيف ياترى يمكن أن يجتمع الائتمام بشخص وسبه والاعتداء عليه في آن واحد؟!

إذاً مجرّد وجود رواية واحدة لم تثبت صحتها لا يدل على المطلوب،


1 . مستدرك الحاكم : 4 / 479 .

2 . أُسد الغابة : 4 / 348 .

3 . لاحظ : ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) من طبقات ابن سعد: 28 .


(325)

وعلى فرض صحتها، فهل مجرّد الاقتداء يدل على صلاح المقتدى به. أليس من المحتمل أن يكون العمل صادراً عن تقية، ومجرّد وجود الاحتمال يكفي في إبطال الاستدلال بها وعدم الاستناد إليها. خاصة إذا أخذنا الواقع التاريخي بنظر الاعتبار حيث كان مروان من أشدّ المعاندين لأهل البيت(عليهم السلام)عامّة ولأمير المؤمنين خاصة، ويشهد على ذلك مواقفه في الجمل وصفين.

أمّا بالنسبة إلى الزواج فقد تكرر هذا الادّعاء وأجبنا عنه .(1)

السؤال 148

يزعم الشيعة أن الإمام لا يكون إلاّ بالغاً، ثم تناقضوا فادعوا إمامة محمد بن علي الملقب «بالجواد» حيث لم يبلغ الحلم عند وفاة والده علي «الرضا».

الجواب: انّ هذا السؤال قد تكرر من جامع الأسئلة حيث أورده حول الإمام المهدي (عليه السلام)، والآن يعيده حول الإمام الجواد (عليه السلام). وقد ذكرنا جوابه مفصلاً فراجع.(2) وأمّا شرط البلوغ في الإمام المعصوم فلم يقل به أحد من العلماء وإنّما هو شرط في التكليف وصلاة الجماعة لغير المعصوم .


1 . راجع السؤال رقم 1 و 6 .

2 . انظر السؤال رقم 45 .


(326)

السؤال 149

يدّعي الشيعة أنّه لمّا وُلد الإمام المهدي (عجل الله فرجه) نزلت عليه طيورٌ من السماء تمسح بأجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده ثمّ تطير . فلمّا قيل لأبيه ضحك ، وقال : تلك ملائكة السماء نزلت للتبرّك بهذا المولود ، وهي أنصاره إذا خرج ، فلماذا الخوف والدخول في السرداب ما دامت الملائكة أنصاره ؟

الجواب : أوّلاً: هذا الحديث حتّى ولو فرضنا وروده في بعض الكتب الروائيّة فإنّه لا ينطبق على الحقيقة والواقع ، لأنّ الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)كان يصرّ على أن تكون ولادة ابنه المهدي (عجل الله فرجه) مخفيّة ، ولم يكن أحد يعرف خبر ولادته باستثناء أبيه وأُمّه وعمّته السيّدة حكيمة ، فهبوط الطيور ينافي كتمان الولادة ولا يتناسب معه .

والمهمّ هو عبارته الساذجة التي أوردها في آخر حديثه ، إذا كانت الملائكة تنصره فلماذا الاختفاء في السرداب ؟

أوّلاً : لظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) شرائط من جملتها استعداد العالم لقبول النداء الإلهي وحكومة العالم الواحدة ، وما لم يتوفّر هذا الاستعداد ، فلن يتحقّق ذلك الظهور .

وثانياً: أنّ الإمام(عليه السلام) لم يختف في السرداب ، وإنّما كان السرداب مكان


(327)

عبادته ، ثمّ توارى عن الأنظار بعد أن كان في السرداب ، وكما اختفى المسيح(عليه السلام) من بين الناس ، كذلك اختفى الإمام (عجل الله فرجه) من بين الناس ، ولكنّه يعيش بين الناس ولا يعرفونه .

وأمّا مساعدة الملائكة للإمام المهدي(عليه السلام) فليس أكثر من مساعدة الملائكة للنبيّ(صلى الله عليه وآله) في غزوة بدر ، فهل اكتفى النبيّ(صلى الله عليه وآله) بمساعدة الملائكة ولم يراع الظروف والشرائط المحيطة ولم يعمل بحسابات الحرب ؟! والعجيب أنّه مع توفّر تلك المساعدة في يوم أُحد إلاّ أنّه استشهد من المسلمين سبعون رجلاً ، قال تعالى : (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)(1) .

السؤال 150

وضع الشيعة عدّة شروط للإمام ، منها أن يكون أكبر أبناء أبيه ، وأن لا يغسله إلاّ الإمام ، وأنّ درع الرسول(صلى الله عليه وآله) يستوي عليه ، وأن يكون أعلم الناس ، وأن لا تصيبه جنابة ولا يحتلم وأنّه يعلم الغيب ، لكنّهم وقعوا في حرج فيما بعد؟

الجواب : ذكر السائل الشرائط الخاصّة بالإمام في نظر الشيعة ، وأضاف البعض منها من عنده ، وحينئذ قام بالإشكال على الشيعة ، وكان عليه أن يأخذ شرائط الإمام من الكتب العقائدية للشيعة .


1 . آل عمران : 126 .


(328)

إنّ أهمّ شرائط الإمام عبارة عن :

1 ـ وجود نصّ على إمامته من النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، أو من الإمام الذي سبقه .

2 ـ أن يكون أعلم أهل زمانه .

3 ـ أن يكون معصوماً من الذنوب والأخطاء .

وهذه الشرائط يوجبها الشرع والعقل ، وأمّا ما ذكر من أن يكون الإمام أكبر أبناء أبيه ، أو أنّ درع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يستوي عليه ، أو أن لا يُجنب ، فهي كلّها من صنع خيال جامع الأسئلة ، ولو جاء ذلك في كتاب من الكتب فهو لا يعدو أن يكون رأياً شخصيّاً لا يُعبِّر عن عقائد الشيعة .

وأمّا علم الغيب فليس شرطاً في الإمامة ، ولكن الأئمّة يُخبرون عن الغيب بإذنه سبحانه ، وهذا النوع من العلم لم ينكره القرآن ، وقد ذكرنا فيما سبق أنّ هناك نوعين من العلم :

1 ـ علمٌ ذاتي وغير محدود .

2 ـ علم اكتسابي ومحدود ، يعلِّمه الله لأوليائه في بعض الموارد ، والقرآن مليء بالأخبار الغيبيّة للأنبياء وغير الأنبياء ، ولم ينكر ذلك أحد ، وفي سورة يوسف فقط ورد ذكر العديد من الأخبار الغيبيّة على لسان يعقوب ويوسف على نبيّنا وآله وعليهما السلام .


(329)

السؤال 151

يدّعي الشيعة أنّ الإمام يجب أن يكون «منصوصاً» عليه ، ولو كان الأمر كذلك لما وجدنا اختلاف الفرق الشيعيّة في أمر الإمامة .

الجواب : إنّ تنصيص النبيّ السابق على النبيّ اللاّحق ، هو أحد الطرق لمعرفة النبي، والقرآن ذكر أنّ النبيّ السابق عيسى بن مريم(عليه السلام) قد نصّ على النبيّ اللاّحق محمّد(صلى الله عليه وآله)في قوله : (وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)(1) ، ومع هذا نجد أنّ المسيحيّين اختلفوا في نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله) .

وهذا يكشف عن أنّ وجود النص لا يلازم عدم الاختلاف.

ويذكر القرآن في مورد آخر أنّ أهل الكتاب يعرفون النبيّ كمعرفة أبنائهم ، قال تعالى : (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)(2) .

فإذن : بعد مجيء نبيّ الإسلام ، اتّبعه عدد قليل جدّاً ، وأمّا الأكثريّة فقد أدارت ظهرها له .

والنتيجة التي نستخلصها من ذلك أنّ وجود النصّ يمكن أن يقود فريق إلى طريق الحقّ ، ولكن هذا ليس دليلاً على أنّ الجميع سيسلّمون لما نصَّ عليه النبيّ(صلى الله عليه وآله) .


1 . الصف : 6 .

2 . البقرة : 146 .


(330)

فإذا وجدت فرقتان باسم الزيديّة والإسماعيليّة من غير الإماميّة التي تشكِّل أكثرية الشيعة ، وتوقّفت هاتان الفرقتان في منتصف الطريق ، فإنّ هذا أمرٌ ممكن ومتوقّع .

ففي نفس زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله) الذي كان حجّة الله البالغة ، قد وقع الاختلاف، ففي صلح الحديبيّة علا صوت عمر بن الخطّاب معترضاً ومعه آخرون واعتبروا الصلح مع قريش ذلاًّ ، فقال عمر : (لا نعطي الدنيّة في ديننا) ـ وكأنّ رسول الله يرضى بالدنيّة !!ـ ، وقد ورد حوالي 60 مورداً في التاريخ ، خالف فيها الصحابة ما نصّ عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وقدّموا آراءهم على ما نصّ عليه .

وللمزيد من الاطّلاع على هذه الموارد على القارئ مراجعة كتاب «النصّ والاجتهاد» للسيّد شرف الدِّين العاملي .

فتلخص من ذلك: أنّ وجود النصّ ليس من شأنه أن يقضي على دوافع وأهواء الناس المؤدّية لظهور أنواع الخلافات ، فكم من دافع تغلّب على النصّ ، وكم من هوى تقدّم على أمر الشارع المقدّس .

فظهور الاختلافات يرجع إلى عدم الالتزام باتّباع النصّ ، وليس راجعاً إلى عدم وجود النصّ أو عدم وجود أثر لذلك النصّ .


(331)

السؤال 152

بعض الشيعة يتّهم عائشة بما اتّهمها به أهل الإفك .

الجواب : هذا السؤال تكرّر أيضاً ، وقد ذكرنا في محلّه موقف الشيعة من حادثة الإفك ورأيهم فيها (1)  ، وإن كان هناك من شيء يُعيبه الشيعة على عائشة فهو خروجها من بيتها وقيامها بحرب ضروس على رأس جيش ومقاتلة إمام زمانها ، وفي الحقيقة فالشيعة هنا يقدّمون النصّ القرآني وأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) على عمل عائشة ، وهم ليسوا على استعداد أن يدافعوا عنها فيما قامت به من الخروج عن أمر الله ورسوله بدعوى احترامها .

السؤال 153

يعتقد الشيعة أنّ العلم مخزون عند أئمّتهم ، وأنّهم ورثوا كتباً وعلماً لم يرثه غيرهم ، فعندهم «صحيفة الجامعة» و «كتاب عليّ» و«العبيطة» و«ديوان الشيعة» و«الجفر» وأنّ هذه الكتب فيها كلّ ما يحتاجه الناس .

الجواب : هذا السؤال مكرّر ، ونحن في جوابه بيّنا مصادر علم الأئمة(عليهم السلام)عند الشيعة بنحو موجز .(2)


1 . انظر السؤال رقم 69 .

2 . انظر السؤال رقم 46 .


(332)

السؤال 154

أين هذه المصادر ـ مشيراً إلى الكتب الّتي ذكرها في السؤال السابق ـ اليوم، وهل الناس بحاجة إليها في دينهم؟

الجواب: انّ هذه الكتب تهدف إلى أُمور ثلاثة:

الأوّل: كتاب علي وهو روايات علي (عليه السلام)عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأحكام والفروع، وقسماً من رواياته مندرجة في الكتب الأربعة، فإنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)كانوا يصدرون عنها.

الثاني: صحيفة فاطمة وهي ما أملاه جبرائيل على فاطمة بعد إن اشتد حزنها على أبيها بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكتبها علي وهو يشتمل على ذكر الملاحم والفتن الّتي ستأتي على الأُمّة.

الثالث: الجفر وهو من العلوم الغريبة الّتي تستكشف بها المغيبات وهي من خصائصهم(عليهم السلام).

والّذي يهم الناس هوالقسم الأوّل وهو موجود في ثناياً الكتب الأربعة.

والقسم الثاني يختص بفاطمة سلام الله عليها.

والقسم الثالث لا يستفيد منه إلاّ أهل البيت(عليهم السلام).

فأي ضرر في عدم وجود القسمين الأخيرين بين الناس.


(333)

السؤال 155

يذكر الشيعة في كتبهم أنّ مسير الحسين إلى أهل الكوفة ثمّ خذلانهم له وقتله كان سبباً في ردّة الناس إلاّ ثلاثة ، إذن لو كان يعلم المستقبل لما سارَ إليهم ؟

الجواب : كما أكّدنا دائماً ، إنّ الافتراء عملٌ سهل ، ولكن الجواب على ذلك الافتراء بين يدي الله سبحانه وتعالى أمرٌ صعب ومُخيف . فأيّ عالم من علماء الشيعة أورد هذه المسألة ، أو أيّ كتاب عقائدي جاء فيه هذا الأمر ؟!

إنّ خذلان الحسين(عليه السلام) من الذنوب الكبيرة التي تورّط فيها أهل الكوفة ، وقد ندموا فيما بعد على ذلك ، وأعلنوا توبتهم فعرفوا في التاريخ باسم «التوّابين» ، وبقيامهم على الظالمين واستشهادهم كانوا قد تطهّروا من ذنبهم .

وأمّا الحسين بن عليّ(عليهما السلام) فإنّه كان على علم كامل بشهادته في هذا الطريق ، ومع ذلك قام بثورته ، لأنّ شهادته كانت سبباً لحياة الدِّين وبقائه .

وأمّا عدم مساندة أهل الكوفة للحسين (سواء كانوا شيعة أو من غير الشيعة أو حتّى من الخوارج الذين كانوا يسكنون الكوفة) فلم يكن أمراً مخفيّاً من قبل توجّه الحسين إلى الكوفة ، بل القرائن القاطعة تشهد على ذلك وعليه فهو لا يحتاج إلى علم الغيب ، والكثير من الصحابة والتابعين في مكّة أو في طريق الحسين إلى الكوفة كانوا يذكِّرون الحسين(عليه السلام)بخذلان أهل


(334)

الكوفة له ، وكان(عليه السلام) يُجيبهم بقوله : «إنّي لم أخرج أشراًولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين».(1)

السؤال 156

تدّعي الشيعة أنّ سبب اختفاء إمامهم الثاني عشر هو خوف القتل ، فيُقال : ولماذا لم يُقتل مَن قبله من الأئمّة ؟ وهم يعيشون في دولة الخلافة ، وهم كبار ، فكيف يُقتل وهو طفلٌ صغير ؟

الجواب : هذا السؤال مكرّر (2)، وقد ذكرنا سابقاً أنّ علّة اختفاء الإمام(عليه السلام)لا تنحصر في الخوف من الأعداء فقط ، بل لعدم توفّر شروط الظهور والّتي هي:

أوّلاً : يجب أن يصل المجتمع العالمي إلى حدٍّ يملّ فيه من الحكومات البشريّة والقوانين الوضعيّة ، فيصبح عندئذ متطلّعاً إلى يوم تتحقّق فيه العدالة ، بفتح من الله تعالى عليهم ، وعند ذلك سيأذن الله تعالى


1 . بحار الأنوار: 44 / 329 .

2 . انظر السؤال رقم 26 .


(335)

للإمام بالظهور ، ويأمره بإقامة العدل والحكم بالقسط .

ثانياً : لم يقرأ جامع الأسئلة صفحة واحدة من تاريخ الأئمّة السابقين ، حيث قتل أكثرهم ـ إن لم يكن جميعهم ـ إمّا بالسيف وإمّا بالسمّ بأيدي الخلفاء الظَّلَمة  .

هذا ما يتعلق بسائر الأئمة(عليهم السلام)، وأمّا ما يخصّ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فإنّ الحكام العباسيين الظلمة قد بلغهم أنّه سيولد من صلب الحسن العسكري (عليه السلام)من يزيل عروش الظالمين ويؤسس حكومة إلهية عادلة.

ولذلك صمّموا على إطفاء نور الله تعالى، كما صمّم فرعون القضاء على نبي الله موسى (عليه السلام)ولذا كانوا يترقبون ولادته للقضاء عليه، ولما توفّي الإمام العسكري خلال حكومة المعتمد العباسي حاصروا جميع البيوت العائدة لأهل البيت وفتشوها حتّى يُلقوا القبض على ولده، ويضعوا خاتمة لحياته، إلاّ أنّهم فشلوا في العثور عليه، وأنجاه الله تعالى منهم، كما أنجى المسيح من يد اليهود.

وبما ذكرنا ظهر بطلان ما قاله السائل: كيف يُقتل وهو طفل صغير؟


(336)

السؤال 157

يدّعي الشيعة أنّهم يعتمدون في الأحاديث على ما صحّ عن طريق أهل البيت ، لأنّهم يعدّون الواحد من الأئمّة(عليهم السلام)كالرسول(صلى الله عليه وآله) لا ينطق عن الهوى ، وقوله كقول الرسول(صلى الله عليه وآله) ، ولذلك يندر وجود أقوال الرسول في كتبهم ، لأنّهم اكتفوا بما جاء عن أئمتهم؟

الجواب : انّ أئمة أهل البيت هم عيبة علم الرسول وأحد الثقلين فالعمل بقولهم عمل بقول الرسول حيث جعل قولهم حجة وعدلاً للقرآن الكريم.

ومن حسن الحظ أنّ أئمة أهل البيت صرحوا في كلامهم بأنّ أحاديثهم تتصل برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن طريق آبائهم فلو قالوا: كل شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر، فقد وصلهم ذلك عن طريق آبائهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحديث رسول الله قول الله عزوجل .(1)

هذا أوّلاً وثانياً: أنّ الجوامع الحديثية الشيعية كما احتوت على روايات


1 . أُصول الكافي: 1 / 53، باب رواية الكتب، الحديث 14 .


(337)

أهل البيت كذلك اشتملت على أحاديث الرسول الّتي وصلتهم موصولة مسندة إما عن طريق أئمة أهل البيت أو عن طريق غيرهم.

وقد قام غير واحد من علمائنا بإفراد كتاب في جمع الروايات الّتي وصلت إلينا مسندة عن نفس الرسول بأحد طريقين، ومع ذلك كيف يمكن لجامع الأسئلة أن يقول: يندر وجود أقوال الرسول في كتبهم؟!

ولكن ماذا يقول جامع الأسئلة في مشايخه وعلمائه الذين جعلوا كلامهم حجّة بدعوى أنّه من «السلف» دون وجود صلة بين الرسول(صلى الله عليه وآله)وبين كلام السلف ، وحتّى آراء الصحابة التي لا تنتمي لرسول الله ولم ينقلوها عنه ، يتّخذها ـ السلفيّون ـ مصدراً فقهيّاً لهم ، وجعلوا في كتبهم عناوين أمثال «سنّة أبي بكر» و«سنّة عمر بن الخطّاب» و«سنّة عثمان» بشكل يسحر العيون ، فإذا كان الواقع أنّ كلامهم هو كلام النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقولوا إنّها «سنّة النبيّ» وإذا كان كلامهم غير كلام النبيّ(صلى الله عليه وآله) فكيف تعملون بها كسنّة  ؟! وهل هناك نبيّ خاتم، غير خاتم الأنبياء والرسل؟!

إنّكم صنعتم مذهباً باسم مذهب السلف في مقابل الإسلام ، وأعطيتم كلّ الحقّ للسلف ، وسلبتم من الآخرين الحق في أيّ نوع من التفكير والاجتهاد .


(338)

السؤال 158

يعتمد الشيعة على ما جاء عن طريق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ـ كما يزعمون  ـ ، ومعلوم أنّه لم يدرك أحدهم الرسول(صلى الله عليه وآله)وهو مميّز سوى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فهل سيتمكّن من نقل كلّ سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) للأجيال من بعده ؟ كيف ذلك ؟ وقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يستخلفه في بعض الأحيان أو يبعثه ، ممّا يدلّ على أنّه لم يكن مرافقاً للرسول(صلى الله عليه وآله) طوال وقته ؟ أيضاً: كيف سيستطيع علي (عليه السلام)نقل أحوال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في بيته الّتي اختصت بنقلها أزواجه؟!.

إذاً فعلي وحده لن يستطيع نقل جميع سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إليكم؟

الجواب : كتبنا فيما سبق منابع علم الأئمّة(عليهم السلام) ، حيث إنّه لا ينحصر منبع علمهم في السماع من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، بل يوجد طريق الاستنباط من كتاب الله وهو أحد مصادرهم . وأمّا سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) فسواء أكانت عن طريق عليّ(عليه السلام) أو عن طريق أشخاص ثقات فهي أيضاً من مصادر الاستنباط عندهم .

هذا وانّ جامع الأسئلة قاس أئمة أهل البيت وأعدال الكتاب العزيز برواة الأحاديث ونقلة الروايات، فرتّب عليه ما رتّب، وغفل عن أنّ لهم


(339)

مصدراً آخر لعلمهم وهو العلم الموهوب من الله سبحانه لهم، إذ ربّما تشمل عناية الله سبحانه بعض عباده الصالحين فيجعلهم علماء فهماء من عنده، من دون أن يدرسوا على أحد، وهذا ليس بأمر غريب وله نظائر :

1. انّه سبحانه يصف مصاحب موسى (عليه السلام)بقوله: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(1)، فقد ذكر سبحانه في حقه أمرين:

أ. (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا).

ب. (عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) .

فنالته رحمة الله وعنايته فصار عالماً بتعليم منه سبحانه، من دون أن يكون نبياً، بل كان إنساناً مثالياً وولياً من أولياء الله سبحانه بلغ من العلم والمعرفة مكانة دعت موسى ـ وهو نبي مرسل ـ إلى أن يطلب العلم منه حيث خاطبه بقوله: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)(2) .

2. انّه سبحانه أعطى لجليس سليمان (عليه السلام)علماً من الكتاب أقدره ذلك العلم على خرق العادة، كما وصفه سبحانه بقوله: (قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَاَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي )(3)، وهذا الجليس لم يكن نبياً ولكن كان عنده علم من الكتاب. وهو لم يَنلْه بالطرق العادية الّتي يتدرج عليها الصبيان والشباب في المدارس


1 . الكهف: 65 .

2 . الكهف: 66 .

3 . النمل: 40 .


(340)

والجامعات، بل كان علماً إلهياً أفيض عليه لصفاء قلبه وروحه.

ما ذكرناه نماذج لمن شملتهم العناية الإلهية فصاروا علماء فقهاء حكماء من عند الله تبارك وتعالى.

فلنعطف نظرنا إلى الأئمة الاثني عشر فبما أنّهم قد أُنيطت بهم عزة الدين كما في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إذ قال: «لا يزال الإسلام عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة» وهو ما رواه مسلم في صحيحه.(1)

كما أُنيطت بهم الهداية كما في حديث الثقلين حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» فأئمة أهل البيت ليس بأقل شأناً ومكانة من مصاحب موسى أو جليس سليمان، فأي وازع من أن يحيطوا بسنن النبي وعلوم الشريعة بعلم موهوب من دون أن يكونوا أنبياء بل إنّهم عيبة علم الرسول ورواة سننه بواسطة هذا المنهج.

وربّما يعبر عن أسباب العلم الموهوب بكون الرجل محدَّثاً ـ بفتح الدال ـ وقد استفاضت الروايات بوجود رجال محدَّثين في الأُمّة الإسلامية يُلهَمون ويُلقى في روعهم شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى، أو أن تُنكت لهم في قلوبهم حقائق تخفى على غيرهم.

وقد حفلت المصادر الحديثية بالعديد من الروايات المؤيدة لهذه الحقيقة (2) .


1 . صحيح مسلم: 6 / 3 ، كتاب الأمارة، برقم 4601 ـ 4603 .

2 . انظر: صحيح البخاري: 4 / 200، باب مناقب المهاجرين وفضلهم ; وإرشاد الساري للقسطلاني: 6 / 99 ; وج 5 / 431 ; وشرح صحيح مسلم للنووي: 15 / 166 .


(341)

هذا والتاريخ أصدق شاهد على علومهم في مجالي العقيدة والشريعة فقد رجعت إليهم الأُمّة، وعلى رأسهم الفقهاء في القرون الثلاثة، وأشادوا بعلوّ كعبهم في العلم والفقه، من غير فرق بين الأئمة الأربعة وغيرهم .

أمّا عن أمير المؤمنين(عليه السلام) فإنّه على مدى 23 سنة ، كان ملازماً للنبيّ(صلى الله عليه وآله)لم يفارقه أبداً ، إلاّ في غزوتين اثنتين أو حينما أرسله النبيّ(صلى الله عليه وآله)إلى اليمن من أجل التبليغ ، ولكن للأسف فإنّ كتبكم الستّة لم تنقل عن عليّ(عليه السلام)سوى قرابة 500 حديث ، وفي الوقت نفسه نقلت عن أبي هريرة 5000 حديث! وهو لم يصحب رسول الله(صلى الله عليه وآله) سوى ثلاث سنين أو أقلّ ، فأيّهما أقرب إلى الصواب ؟!

السؤال 159

لقد وجدنا أنّ جُلّ بلاد المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)من غير طريق عليّ(عليه السلام)وأهل بيته(عليهم السلام) ؟ فقد بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناس إلى الإسلام ، ويعلّم الأنصار القرآن ، ويفقّههم في الدِّين ، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في مثل ذلك ، وبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن ، وبعث عتاب بن أُسيد إلى مكّة ، فكيف تقولون إنّه لا يبلّغ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلاّ رجلٌ من أهل بيته ؟

الجواب : أمّا القول بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد أرسل هؤلاء إلى الأماكن المختلفة


(342)

فهذا ليس محلّ خلاف ، ويلزم أن نضيف إليه أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)كان قد أرسل عليّاً (عليه السلام)إلى اليمن لأجل القضاء ، وهذه الأُمور ليست محلّ كلام وبحث ، وإنّما المهمّ هو الكذب الذي جاء في آخر كلام جامع الأسئلة ، حيث يقول: إنّ الشيعة يقولون إنّه لا يبلّغ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) سوى رجلٌ من أهل بيته، ففي أيّ كتاب جاء ذكر هذا الأمر ؟!

إنّ جامع الأسئلة ليس له أدنى اطّلاع لا بالتاريخ ولا بسيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وحقيقة الأمر هي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ذكر هذا في مورد خاصّ وهو ما يتعلّق برفض الأمان عن المشركين بقراءة آيات من أوائل سورة البراءة في موسم الحج .

أجمع المفسرون ونقلة الأخبار أنّه لمانزلت سورة براءة، دفعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أبي بكر وبعثه وأمره أن يقرأ عشر آيات من أوّل هذه السورة في موسم الحج، وأن ينبذ كل ذي عهد عهده، ثم بعث عليّاً خلفه ليأخذها ويقرأها على الناس.

فخرج علي (عليه السلام)على ناقة رسول الله العضباء حتّى أدرك أبا بكر بذي الحليفة، فأخذها منه ورجع أبو بكر إلى المدينة فقال: هل نزل فيّ شيء فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا، إلاّ خيراً، ولكن نزل جبرئيل وقال: لايؤدي عني إلاّ أنا أو رجل مني.

هذا هو إجمال القصة ومن المعلوم أنّ كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خاص بهذه الحادثة الّتي يرفع فيها الأمان عن المشركين وينقض كل ذي عهد عهده، وهذا عندما ظهر من المشركين خيانة ونقض فأمر الله سبحانه بأن ينبذ إليهم عهدهم.


(343)

وبما أنّ هذه الحادثة تشتمل على أعمال ذات طابع سياسي حكومي فهي إشارة من النبي للمسلمين بأنّ الأعمال الحكومية يجب أن يتصدى لها النبي أو رجل منه وهو ليس إلاّ الإمام علي (عليه السلام)، ولم يكن ما بلّغه الإمام عن النبي رواية أو حكماً شرعياً حتّى يصح أن يتحمّله أيّ واحد من الناس.

وقد ذكر هذا الأمر أغلب المفسِّرين في تفسيرهم لأوائل سورة التوبة ، وعدّها البعض منهم واحدة من موارد فضائل عليّ(عليه السلام) ، بينما ذهبت شرذمة بتوجيه هذه الواقعة لئلاّ ينتقصوا من مقام أبي بكر (1)، وما على القرّاء الأعزّاء إلاّ مراجعة تفسير الفخر الرازي ، والمنار ، وتفسير الطبري، ومن كتب الحديث: الدرّ المنثور  .

السؤال 160

يعترف الشيعة في كتبهم أنّهم لم يبلغهم علم الحلال والحرام ومناسك الحجّ إلاّ عن طريق أبي جعفر الباقر ، وهذا يعني أنّه لم يبلغهم عن عليّ(عليه السلام)شيءٌ في هذا ؟

الجواب : ما نقله جامع الأسئلة عن الشيعة أنّه لم يبلغهم علم الحلال والحرام إلاّ عن طريق أبي جعفر الباقر، كذب وافتراء على الشيعة.

لأنّ الشيعة الأوائل كانوا ملتفين حول الإمام علي والحسنين والإمام


1 . خصائص النسائي : 84 ، الحديث 73; وسنن الترمذي : 5 / 275، الحديث 3090 ; مستدرك الحاكم : 4 / 178، وغيرها .


(344)

زين العابدين يصدرون عن علومهم ويأخذون الحكمة من أفواههم حسب ما تسمح به الظروف. وهذه كتبهم تطفح بالكثير من الروايات عنهم(عليهم السلام).

نعم الّذي علّم الناس كيفية حج النبي ومناسكه هو أبو جعفر الباقر كما روى ذلك مسلم في صحيحه (1) ناقلاً ذلك عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذه أيضاً حقيقة صرح بها أبوحنيفة وقال: «لولا جعفر بن محمد ما علم الناس مناسك حجّهم»(2).

السؤال 161

يقول الشيخ المامقاني : «تشرّف الرجل برؤية الحجّة ـ عجّل الله فرجه وجعلنا في كلّ مكروه فداه ـ بعد غيبته ، فنستشهد بذلك على كونه في مرتبة أعلى من مرتبة العدالة ضرورة» . فلماذا لا نجري هذا الحكم على من رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟

الجواب : سمع جامع الأسئلة أنّ القياس هو أحد منابع الاستنباط ـ عند قومه ـ ولكنّه لم يعلم ما هو شروط القياس الصحيح حتّى يميزه عن القياس الباطل ؟

فمن الواضح أنّ قياس هاتين الرؤيتين غير صحيح ، وأنّ التفاوت بينهما كبير ، فرغم أنّ مقام النبيّ(صلى الله عليه وآله) أعلى من مقام وليّ العصر والزمان (عجل


1 . صحيح مسلم: 4 باب حجة النبي: 39 ـ 43 ; سنن أبي داود: 2 / 182، الحديث 1905.

2 . من لا يحضره الفقيه: 2 / 519، برقم 3112، باب نوادر الحج.


(345)

الله فرجه) ، إلاّ أنّ رؤية النبيّ(صلى الله عليه وآله)لم تكن محفوفة بأيّ شرط من الشروط ، فالعادل والكافر والفاسق والمنافق كلّهم وفّقوا لرؤيته(صلى الله عليه وآله) ، أمّا فيما يخصّ رؤية الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فإنّها غير ممكنة في الظروف الطبيعيّة، لأنّه سبحانه أخفاه عن أعين عامة الناس  ، فإذا تسنّى لشخص رؤيته (عجل الله فرجه) فهذا يحكي عن أنّ الشخص قد بلغ من الكمالات الروحية درجة عالية رزقه الله سبحانه لأجلها، رؤية وليّه.

السؤال 162

يردّ الشيعة رواية من أنكر إماماً من أئمّتهم ، فردّوا روايات الصحابة لأجل هذا ، ثمّ نجدهم لا يفعلون ذلك مع مَن أنكر بعض أئمّتهم . فقد أكّد الشيخ الحرّ العاملي على أنّ الإماميّة عملت بأخبار الفطحيّة والواقفيّة والناووسيّة ، وكلّ هذه الطوائف تذكر بعض أئمّة الشيعة الاثنى عشريّة ، ومع ذلك يعدّون بعض رجالها ثقات ؟

الجواب : انّ الميزان في العمل بخبر الواحد أحد أمرين:

1. إمّا أن يكون الراوي ثقة في الحديث وضابطاً في النقل بحيث يثبت أنّه لا يكذب .

2. كون الخبر موثوقاً بصدوره وإن كان الراوي غير ثقة.

وعلى كل تقدير فالميزان هو أحد الأمرين فلو عملت الشيعة بخبر


(346)

الفطحية أو الواقفية فإنّما تعمل به فيما لو ثبتت وثاقتهم في الحديث وضبطهم في الرواية، وإلاّ فلا يعملون به.

ونظير ذلك روايات الصحابة فإذا ثبتت وثاقتهم في الحديث وضبطهم فالشيعة تعمل به.

كما أنّه لو ثبت كون الرواية موثوقاً بها لأجل قرائن تؤيدها يعمل بها من غير فرق بين راو، وراو ، فإذاً الصحابي والفطحي والواقفي في هذا الباب سواء، فالميزان أحد الأمرين، وبذلك ظهر كذب ما أسنده جامع الأسئلة إلى الشيعة، ومن حسن الحظ أنّ كتب الحديث الشيعية طفحت بروايات وردت عن الصحابة وقد عمل بها فقهاء الشيعة، يقف على ذلك كل من سبر كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي، و «تذكرة الفقهاء» للعلاّمة الحليّ، وغيرهما من الكتب.

السؤال 163

يعتقد بعض علماء الشيعة بأنّ كتاب «الكافي» للكليني فيه الصحيح والضعيف والموضوع ، ومن المقرّر بين الشيعة أنّ هذا الكتاب قد عُرض على الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فقال : «إنّه كاف لشيعتنا» .

الجواب : يعدّ كتاب الكافي كتاباً قيّماً ومهمّاً للعالم الإسلامي ، لأنّه يحتوي الروايات الصحيحة في باب المعارف والأحكام ، ولكن في نفس


(347)

الوقت هو ـ على خلاف غلوّ السلفيّين الذين يعتقدون أنّ صحيحي البخاري ومسلم لا يوجد فيهما أيّ حديث ضعيف أو موضوع ـ لا يخلومن الروايات الضعيفة ، وفي هذه دلالة على واقعيّة علماء الشيعة وموضوعيّتهم .

وأمّا ما جاء في ذيل السؤال من أنّ علماء الشيعة يقولون : إنّ هذا الكتاب عُرض على الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فهذا ليس إلاّ افتراءً محضاً، بل قول نسب إلى البعض وأنكره كثيرون فكيف يستدل بقول لم يعلم قائله ضد جمهور الشيعة .

أضف إلى ذلك انّ هذا الحديث لا يصح على إطلاقه لأنّنا قد أمرنا بالعمل بالكافي حسب الضابطة الّتي ذكرها الكليني في مقدمة الكتاب من عرض الروايات على كتاب الله فما خالفها يطرح .

فعلى ضوء هذه الضابطة يكون الكافي كافياً للشيعة ولا يعني ذلك صحة جميع رواياته.


(348)

السؤال 164

يقول الشيخ الهمداني في «مصباح الفقيه» : «إنّ المدار على حجّية الإجماع على ما استقرّ عليه رأي المتأخّرين ليس على اتّفاق الكلّ ، بل ولا على اتّفاقهم في عصر واحد ، بل على استكشاف رأي المعصوم بطريق الحدس» ، فهم يعرفون رأي الإمام الغائب(عليه السلام) المؤيّد للإجماع بالحدس ، وهذا تناقض ، حيث يجعلون حدسهم وظنّهم هو العمدة ، وإجماع السلف ليس بعمدة ؟

الجواب : جامع الأسئلة من الانترنت ليس له اطّلاع على المصطلحات الأُصوليّة لعلماء الشيعة ، وأصحاب المواقع الالكترونيّة الذين أرادوا أن يشكلوا على الشيعة شأنهم شأن جامع الأسئلة في عدم معرفة هذه المصطلحات.

إنّ المراد من : «الحدس» هنا ليس بمعنى التكهّن ، أو الظن وإنّما هو في مقابل الحسّ ، بمعنى أنّ تحصيل اليقين بقول الإمام له طريقان :

1 ـ الطريق الحسّي : ومثاله أنّ علماء المدينة في عصر الإمام الصادق(عليه السلام)كلّهم قد اتّفقوا على فتوى معيّنة ، فهنا نقول إنّنا أحرزنا قول الإمام الصادق(عليه السلام) عن طريق الحسّ ; لأنّ الإمام واحدٌ من أُولئك العلماء ، بل وعلى رأسهم ، واتفاق الكل دالّ على رأيه هو أيضاً .


(349)

2 ـ الطريق الحدسي : وهو أن ينتقل الإنسان من مجموعة من المقدّمات إلى أن يصل إلى النتيجة على وجه اليقين ، بالرغم من كونه لم يسمع ذلك بأُذنه ولم يشاهده بعينه ، كما يُقال: إنّ نور القمر من نور الشمس ، وهذا يُعدّ من الحدسيّات ، والحدس هنا ليس بمعنى التكهّن بل بمعنى اليقين الّذي يصل إليه الإنسان عن طريق المقدمات غير الحسّية.

وفي المقام نقول : لو اتّفق علماء الشيعة ـ على مدى قرون ـ على حكم معيّن ، فإنّ الإنسان بإمكانه أن يحدس أنّه كان بحوزتهم دليلٌ قطعيّ ، وهم قد أفتوا اعتماداً على ذلك الدليل القطعي الذي وصلهم من الإمام ، وهذا ما يُسمّى عندهم بالإجماع الحدسي ، ويعني أنّ الإنسان بالرغم من عدم سماعه أو مشاهدته يمكنه الوصول إلى اليقين بوجود دليل شرعي لدى المجمعين عن طريق إجراء بعض الحسابات ، وأمّا إجماع السلف فإن أراد به اتفاق المسلمين على حكم شرعي فيؤخذ به من غير فرق بين إجماع السلف والخلف.

وإن أراد إجماع السلف حسب اصطلاحه فلا يؤخذ به لعدم تحقّق الإجماع مع مخالفة طائفة من المسلمين لهم .

ثم إنّ أكثر ما يعدّونه من إجماعات السلف لم يكن أمراً مجمعاً عليه بل كان أمراً متنازعاً فيه، إلاّ أنّ الظروف القاسية كسته ثوب الإجماع طرداً لغيرهم عن ساحة الحكم والحياة. والحديث ذو شجون :

فدع عنك نهباً صيح في حَجَراته *** وَلكن حديثاً ما حديثُ الرواحلِ


(350)

السؤال 165

يعترف الشيعة بأنّ أحد أبرز علمائهم وهو ابن بابويه القمّي صاحب «من لا يحضره الفقيه» يقول بالإجماع في مسألة ويدّعي إجماعاً آخر على خلافها ، فكيف يمكن الاعتماد عليه ؟

الجواب : أوّلاً : الكلام المنقول لا علاقة له بابن بابويه المعروف بالصدوق ، بل هو عن الشيخ الطوسي ، ومؤلّف الكتاب ـ قصد السيّد الطريحي ـ يقول : إنّ الشيخ يدّعي في مسألة الإجماع ، ويدّعي إجماعاً آخر على خلافها .

ثانياً : أنّ المتبحّرين في الفقه أمثال الشيخ الطوسي الذي كان على مدى خمسين عاماً مشغولاً بالتحقيق والتدقيق في بحر الفقه ، يمكنهم في برهة زمانية أن يتصوّروا أنّ الحكم الفلاني إجماعي بسبب بعض المعلومات الناقصة ، ولكن بمرور الزمان وتكامل العلم والفقاهة عندهم يظهر لهم خلاف ما رأوا. وهذا العمل من شخص غير معصوم ليس أمراً بعيداً ، أضف إلى أنّ هذا النوع من الاختلاف في عمليّة استنباط الحكم الشرعي لا علاقة له بالمسائل العقائديّة والكلاميّة . وهذا ليس بالأمر العجيب وله ما يشابهه عند علماء أهل السنة، فهذا الإمام الشافعي له فقه كتبه في العراق فلما ذهب إلى مصر غيّر في كثير من مسائله، فهل يصح أن نقول لأتباعه كيف تعتمدون عليه؟!


(351)

السؤال 166

من عجائب الشيعة أنّهم إذا اختلفوا في مسألة وكان أحد القولين يُعرف قائله والآخر لا يُعرف قائله ، فالصواب عندهم هو القول الذي لا يُعرف قائله ، فما الدليل على ذلك ؟

الجواب : لم يستطع جامع الأسئلة أن يطرح السؤال بشكل صحيح بسبب جهله بأُصول الفقه لدى الشيعة ، فيستحيل أن تكون المسألة كما ذكر من أنّه إن كان هناك قولان ، يُعمل بالقول المجهول دون القول المعلوم ، ولا يمكن أن يكون لهذه المسألة وجودٌ في فقه الشيعة .

وواقع الأمر أنّه إن كان هناك اتّفاق بين العلماء حول مسألة معيّنة ، فهذا الاتّفاق يكون كاشفاً عن قول المعصوم ، إلاّ أنّ البعض ذهب إلى أنّه إذا كان هناك شخص خالف ذلك الإجماع ، وكان ذلك الشخص معروف النسب فإنّه لا يضرّ خلافه بالإجماع ، والإجماع الكاشف عن وجود النص محقّق . وأمّا إن كان ذلك الشخص مجهول النسب، فمخالفته تكون مضرّة بالإجماع ، فيسقط عن الحجّية ، لأنّه يُحتمل أن يكون ذلك الشخص المجهول هو الإمام المعصوم ، فيتدخل (عليه السلام)بهيئة مجهولة لكي ينقض ذلك الإجماع .

هذا رأي لبعض علماء الشيعة ، وفي نفس الوقت فإنّ هناك من خالف ذلك الرأي وهو الشيخ الحرّ العاملي واعتقد بعدم صحّته .


(352)

السؤال 167

يقول الشيخ المجلسي «إنّ استقبال القبر أمرٌ لازم وإن لم يكن موافقاً للقبلة» وذلك عند أداء ركعتي زيارة أضرحتهم ؟

الجواب : تعثّر جامع الأسئلة في قسم من أسئلته ـ التي تهدي بزعمه إلى الحقّ ـ وتورّمت قدماه ، والآن يريد أن يحمل كلام الشيخ المجلسي على هواه ، فالشيء الذي قاله الشيخ المجلسي أنّه أثناء قراءة الزيارة يلزم مقابلة قبر الإمام(عليه السلام) ، ولو كان ذلك مستلزماً لأن تكون القبلة خلفه ، وهذا ليس أمراً عجيباً فإنّ سيرة جميع المسلمين في العالم ومن جملتهم السلفيّون الذين يستقبلون قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله)وأبي بكر وعمر عند التسليم عليهم وتكون القبلة خلف ظهورهم ، وأمّا التفسير الذي أعقبه لكلام المجلسي بقوله : «وذلك عند أداء ركعتي زيارة أضرحتهم» فهو لا يعدو أن يكون إلاّ خيانةً وكذباً على المجلسي.

وأمّا الشيعة فإنّهم يصلّون ركعتي الزيارة باتجاه القبلة ، وإذا كان جامع الأسئلة يصرّ على الحديث بهذه السذاجة ، فإنّه ليس فقط لن يهدي أحداً ، بل إنّ ضلاله سيظهر جليّاً للعيان .


(353)

السؤال 168

يردّد الشيعة كثيراً حديث «الغدير» وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)فيه: «أُذكّركم الله في أهل بيتي» وينسون أنّهم أوّل من خالف هذه الوصيّة النبويّة ، حيث عادوا جمهوراً كبيراً من أهل البيت ؟

الجواب : للتذكير فقط ، فإنّ أهل البيت تحمل معنيين :

1 ـ أهل البيت هم الذين جاء ذكرهم في آية التطهير الكريمة والمقصود بهم حسب ما نقل مسلم في صحيحه هم الذين كانوا تحت العباء ، وقد ذكر نفس جامع هذه الأسئلة فيما سبق (1) هذا الحديث الشريف «اللّهمَّ هؤلاء أهل بيتي» .

2 ـ أهل البيت الذين ورد ذكرهم في مسألة الخمس هم بنو هاشم ، وعلى هذا تكون شاملة لكلّ من ينتسب إلى بني هاشم من الأشخاص الصالحين والطالحين ، فالمنتسبون لبني هاشم يحظون باحترام ومقام عاليين كما يحرم عليهم أخذ الصدقة ، أمّا إذا كان فيهم مَن انحرف عن الصراط المستقيم ومالَ عن جادّة الحقّ باقتراف الذنوب والمعاصي، فعندئذ يسقط من تلك المرتبة ويُسلب عنه تلك المنقبة ، وهذه تُعدّ واحدة من الوظائف الإلهيّة وفرعاً من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

إذاً ، فالشيعة يحترمون جميع أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلاّ أُولئك الذين


1 . لاحظ السؤال رقم 24 و 33 من كتاب: اسئلة قادت شباب الشيعة: 24 و 30 .


(354)

افتقدوا تلك الصلاحيّة والأهليّة اللاّزمة . وهذا واجب كل مسلم واع.

السؤال 169

يُقال للشيعة : لو كتم الصحابة مسألة النصّ على عليّ(عليه السلام)لكتموا فضائله ومناقبه فلم ينقلوا منها شيئاً ، وهذا خلاف الواقع ، فعُلم أنّه لو كان شيء من ذلك لنُقل ، لأنّ النصّ على الخلافة واقعةٌ عظيمة .

الجواب : لم يقل الشيعة في أيّ وقت من الأوقات أنّ الصحابة كتموا النصّ على خلافة عليّ(عليه السلام) وأخفوه ، وإنّما الشيعة يقولون إنّ النصّ على ولاية عليّ(عليه السلام) نقله مائة وعشرون صحابياً وأربعة وثمانون تابعيّاً وثلاثمائة وستّون عالماً.(1)

وأمّا بالنسبة لذِكر الفضائل فيلزم التذكير أنّها كانت رهينة الحبّ والبغض ، فامتنع بعض أصحابه عن ذكر فضائله خوفاً وامتنع أعداءه بغضاً وحقداً ، ومع ذلك أتاح سبحانه لسان قوم لذكر مناقبه وفضائله إتماماً للحجة .

قال أحمد بن حنبل: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه).(2)


1 . الغدير : 1 / 41 ـ 311 .

2 . المستدرك للحاكم : 3 / 107 ; تاريخ دمشق لابن عساكر : 3 / 83، الطبعة الثالثة; الرياض النضرة : 3 / 165 .


(355)

وقال الشافعي: ما أقول في رجل أخفت أعداؤه مناقبه حسداً وأولياؤه خوفاً وظهر بين ذين وذين ما به ملؤ الخافقين .(1)

وقال آخرون: ما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنّه استولى بنو أُمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره، والتحريض عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعّدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، أو يرفع له ذكراً، حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلاّ رفعة وسمواً .(2)

نعم نقلوا فضائله ولكنهم بين متساهل في الأخذ بها ومؤوّل لها، والأوّل شيعة المتقدّمين والثاني: رسم المتأخّرين.

السؤال 170

يرى الشيعة أنّ الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) كان قد أمر بحجب خبر ابنه الإمام المنتظر إلاّ عن الثقات ، ثمّ يقولون إنّ من لم يعرف الإمام فإنّما يعبد ويعرف غير الله ، وأنّ من مات على هذا الحال مات ميتة كفر ونفاق ؟

الجواب : ما ذكره جامع الأسئلة في صدر كلامه صحيح ، لأنّ الخلافة


1 . مناقب ابن شهرآشوب: 2 / 3 .

2 . شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 1 / 16 .


(356)

العبّاسيّة دأبت باستمرار على وضع الجواسيس لرصد مكان وزمان ولادة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) حتّى يغتالوه كما أراد فرعون قتل نبي الله موسى (عليه السلام)، ولكنّ الله خيّب آمالهم وأمضى إرادته بحفظ الإمام (عجل الله فرجه) ، ولم يكن يعرف مكان تواجده(عليه السلام) سوى ثلة من خيار الإمام العسكري كانوا قد تشرّفوا بلقائه.

وأمّا ما ذكره من أنّه مَن لم يعرف الإمام لم يعرف الله ، فإنّ المقصود ليس هو رؤية الإمام والاطّلاع على مكان تواجده ، وإنّما المقصود هو معرفة الإمام(عليه السلام) والاعتقاد بإمامته ، فكلّنا الآن نعرف النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) ونؤمن به برغم أنّنا لم نرَه .

فالشيعة تعتقد بإمامة المهدي المنتظر وأنّه حي يُرزق وأنّه سبحانه سيظهره في زمن خاص وينشر لواء العدل على العالم، وهذا المقدار كاف في معرفة الإمام.

وكم يؤسفني أن تكون هذه الإشكالات الواهية سبباً في إتلاف أوقات القراء الكرام؟!


(357)

السؤال 171

الشيعة يقولون إنّ الله قد أمدَّ في عمر الإمام المهدي (عجل الله فرجه) مئات السنين ، لحاجة الخلق والكون كلّه إليه ، فلو كان الله يمدّ في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمدَّ في أجلِ رسول الله(صلى الله عليه وآله)  ؟

الجواب : انّ الله سبحانه وتعالى قد حدّد مسؤولية كل نبي بزمان خاص، والأنبياء جميعاً قد أدوا رسالتهم فلم تبق حاجة لإطالة أعمارهم، ولذلك نرى أنّه جاء في حق الرسول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)(1) .

وأمّا الإمام المهدي (عليه السلام)فإنّ مسؤوليته ورسالته لم تتحقّق ولم يؤدّها فهي باقية في عاتقه، ولم يتم تحقيقها إلاّ بعد أن تتهيّأ الأرضية المناسبة لقبول إمامته ورسالته وثورته، وهذا ما لم يتحقق بعد، وقد شرحنا ذلك فيما سبق، فظهر الفرق بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والإمام المهدي (عليه السلام)، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أدى رسالته ووظيفته فقبضه الله إليه، وأمّا المهدي (عليه السلام)فوظيفته مازالت باقية على عاتقه.


1 . المائدة: 3 .


(358)

السؤال 172

لا يقبل الشيعة قول جعفر أخي الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)في أنّ أخاه لم يخلِّف ولداً لأنّه ـ كما يقولون ـ غير معصوم ، ثمّ يقبلون قول عثمان بن سعيد في إثبات الولد للإمام العسكري(عليه السلام) وهو غير معصوم ، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين ؟

الجواب : أوّلاً : مسألة انحراف جعفر أخي الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)هي مسألة تأريخيّة ورجاليّة معروفة ، لا يمكن التطرّق إليها في هذا الكتاب ، فكم استغل الخلفاء العبّاسيّون وجوده ونشروا بعض الأكاذيب على لسانه .

ثانياً : اعتقاد الشيعة بولادة الإمام المهدي(عليه السلام) ليست متعلّقة بعثمان بن سعيد ، لأنّه علاوة على الشيعة فإنّ ما يفوق الـ 40 عالماً من أهل السنّة صرّحوا بولادته (عليه السلام) ، وحتّى ابن العربي في الفتوحات المكّية ذكر أسماء الأئمّة الاثني عشر حتّى أتى على ذكر الإمام المهدي (عجل الله فرجه) .

وأمّا الشيعة الذين كانوا من المقرّبين عند الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)فقد سمح لهم (عليه السلام) برؤية الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ، وقد نقلوا ذلك فيما بعد ، فبلغ خبر ولادته(عليه السلام) حدّ التواتر .

ولنتجاوز ذلك ونقول : إنّ الروايات المتعلّقة بتعريف الإمام المهدي(عليه السلام)بجميع خصوصيّاته ومن بينها أنّه ابن الإمام الحسن العسكري ، هي أكثر من أن تُحصى لكي ننقلها هنا .


(359)

وأنا أُناشد جامع الأسئلة هذا بأن يراجع كتاب «تذكرة الخواص» لابن الجوزي وكتاب «منتخب الأثر» وهما كتابان أحدهما لمؤلف سنّي والآخر شيعي ، من أجل الاطّلاع على البشارات الواردة في شأن ظهوره(عليه السلام) ، حيث ذكر الكتابان أنّ مسألة ظهور المهدي (عجل الله فرجه) كانت جارية على ألسن المحدّثين والرواة والمفسّرين من قبل أن يولد(عليه السلام) ، وقد بشرت الروايات بأنّه ابن الإمام العسكري (عليه السلام).

ومع هذا هل يصح للسائل أن يسند القول بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)إلى شخص واحد هو عثمان بن سعيد.

السؤال 173

يعتقد الشيعة أنّ الله عزّ وجلّ خلق الشيعة من طينة خاصّة وخلق السنّة من طينة خاصّة ، وجرى المزج بوجه معيّن بين الطينتين فما في الشيعي من معاص وجرائم هو من تأثّره بطينة السنّي ، وما في السنّي من صلاح وأمانة هو بسبب تأثّره بطينة الشيعي ، فإذا كان يوم القيامة جُمعت سيّئات الشيعي ووضعت على السنّي ، وجُمعت حسنات السنّي ووضعت على الشيعي ، وهذا يناقض ما يعتقده الشيعة في «عقيدة الاختيار» ؟

الجواب : أخبار الطينة ليست بمعنى الماء والتراب كما تصوّر ، بل هي كناية عن قانون وراثي صرّح به القرآن، قال تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ


(360)

بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً . . .)(1) .

إذن ، فالآباء والأُمّهات ذوو الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهّرة يهدون إلى المجتمع أولاداً صالحين ، أمّا الأصلاب والأرحام التي ترعرعت في أرضيّة ملوّثة وقذرة ، فإنّها لا تُعطي إلاّ أولاداً ملوّثين ، وحتماً فإنّ كلا الصورتين تشكّل أرضيّة فقط ، وإلاّ فباستطاعة الشخص بإرادته أن يقوّي تلك الأرضيّة أو أن يتغلّب هو عليها .

وباعتبار أنّ هذه المسألة اتّخذت شكل الأرضيّة ، فإنّه يستحيل أن تنافي اختيار الإنسان ، وكلّ ما هنالك أنّ الأشخاص الذين نشأوا في أرضيّة سيّئة ، إذا حدث وأن تغلّبوا على تلك الأرضيّة ولم يتأثّروا بها ، فسيكون ثوابهم مضاعفاً .

والشيء المهمّ هو الكذب الذي أورده في آخر السؤال من أنّ ذنوب الشيعة تُكتب على السنّة ، فهذه تهمة ، لا وجود لها في أيّ كتاب من كتب الشيعة المعتمدة ولو تفوه به واحد منهم فلا يُعدّ عقيدة لهم بل هي على خلاف القرآن الذي يقول : (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(2) . ووجود الرواية لا يُعدّ دليلاً على العقيدة ولسنا من الذين يأخذون عقائدهم من كتاب التوحيد لابن خزيمة المفعم بروايات تدل على التجسيم والتشبيه والجبر.


1 . الأعراف : 58 .

2 . النجم : 38 .


(361)

السؤال 174

يذكر علماء الشيعة كثيراً حبّ الأنصار لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، وقد كانوا كثرة في جنده في موقعة صفّين ، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يسلّموا الخلافة لعليّ(عليه السلام)وسلّموها لأبي بكر ؟

الجواب : انّ رئيس قبيلة الأوس هو الّذي سلّم الأمر لأبي بكر خوفاً من أن يكتسب الخزرج فضيلة يتقدمون بها عليهم، وتبعه في ذلك أفراد قبيلته كما هو سائر في العرف العشائري.

أمّا الخزرج فقد ذكرنا أنّ رئيسهم سعد بن عبادة قد وطئ تحت الأقدام، وخرج من السقيفة محمولاً من قبل قومه، وعند ذلك صاح الخزرجيون «لا نبايع إلاّ علياً». (1) وهذا دليل على الصلة القديمة بين الخزرجيين والإمام علي.

ومن حسن الحظ أنّ أكثر روّاد التشيع من الصحابة هم من الأنصار، وفي مقدّمتهم قيس بن سعد بن عبادة، وأبو أيوب الأنصاري، وابن التيهان، وأُبي بن كعب، وغيرهم.

وأمّا عدم تسليمهم الخلافة لعلي فلأنّهم شاهدوا ما شاهده الإمام من أنّ القيام لا ينجع ولا يكون لمصلحة الإسلام .


1 . تاريخ الطبري: 2 / 443 .


(362)

السؤال 175

أمامنا فريقان ; فريق طعن في كتاب الله مدّعياً وقوع التحريف والتبديل فيه (وهم الشيعة) وفريقٌ آخر سلّم الخلافة لأبي بكر بدلاً عن عليّ (وهم الصحابة) ووجّهوا ضربة إلى أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، فلماذا يلتزم الشيعة الصمت حيال الفريق الأوّل ويقومون بضجّة كبيرة على الفريق الثاني ؟

الجواب : إنّ السائل تخيّل وجود فريقين نسب لأوّلهما ما شاء من الأُمور التافهة، وفريق آخر هم صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الذين سلّموا الخلافة لأبي بكر بدلاً من علي (عليه السلام).

وحقيقة الأمر أنّ المسلمين بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا على نمط واحد، وسبيل فارد، والّذي فرق بينهم هو أنّ قسماً من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، من أنّ الخلافة هي لعلي وعترته الطاهرة.

ومال الآخرون إلى تناسي النص، والإعراض عن العمل، فسلّموا الأمر إلى أبي بكر.

هذا هو واقع الفريقين، وأمّا القول بالتحريف فمهما كان القائل به ومهما كان له موقع في المجتمع فهو مرفوض سنياً كان أو شيعياً.


(363)

وقد ثبت في البخاري أنّ الخليفة الثاني كان يصر على أنّ آية رجم الشيخين لأجل الزنا جزء من القرآن الكريم.

وقد قام أحد الكتاب المصريين بتأليف كتاب باسم «الفرقان» زعم فيه أنّ القرآن الموجود حالياً غير القرآن الّذي أُوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد صادره جامع الأزهر، ونعم ما فعل .

وقد قلنا: إنّ روايات التحريف موجودة في كتب الفريقين ولكن جماهير الفريقين غير قائلين به، وأود أن أذكر هنا أمراً هو: أنّ الدكتورة عائشة يوسف المناعي، عميدة كلية الشريعة في قطر قد ألفت كتاباً: أسمته «موقف الشيعة من التحريف» وأقامت براهين جليلة محكمة على أنّ الشيعة ـ بمعنى أكابرها وعظمائها ـ أبرياء من هذه التهمة.

فيا جامع الأسئلة اقتد بهذه الكاتبة الحرة الّتي بذلت جهوداً لتحري الحقيقة على خلاف طريقتك في طرح الأسئلة حيث إنّك تجمع الأسئلة من هنا وهناك، وهدفك هو فقط تشويش الأذهان، وإبعاد المسلمين عن دينهم ومنهجهم.

كما أنّ الشيعة لا يرضون المساس بحرمة أهل البيت(عليهم السلام) كما فهم ولا يسمحون لكل مَن تسوّل له نفسه المساس بحرمة القرآن والقدح فيه ، ولا يلتزمون الصمت حياله والشاهد على ذلك الكتب التحقيقيّة الكثيرة التي كُتبت في شأن عدم تحريف القرآن الكريم ، أمثال كتاب «آلاء الرحمن» للمرحوم البلاغي ، وكتاب «البيان في تفسير القرآن» للمرحوم آية الله


(364)

الخوئي، و «صيانة القرآن من التحريف» لآية الله محمد هادي معرفة ، و«التحقيق في نفي التحريف» للسيّد علي الميلاني ، والكثير من الكتب والمؤلّفات الأُخرى .

فأنت يا جامع الأسئلة من الانترنت إمّا إنّك لا تعرف هذه الكتب ، أو تعرفها إلاّ أنّك لست مستعداً لقبول الحقيقة!

السؤال 176

قال الله تعالى : (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ . . .)(1) ، فهذا نصٌّ في إبطال اتّباع أحد دون رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟

الجواب :

إنّ هذا السؤال أشبه بسؤال الخوارج حيث قاموا في وجه عليّ وعامّة المسلمين رافعين شعارهم «لاحكم إلاّ لله» وقال علي (عليه السلام)في جوابهم: كلمة حق يراد بها باطل، ولعلّ جامع الأسئلة لم يجد أفضل من ابن حزم الّذي برّر قتل ابن ملجم للإمام علي (عليه السلام)بأنّه تأوّل واجتهد فجاء بكلامه الطويل في فصل عقده باسم باب الإمامة والمفاضلة، وحاصل ما طعن به مذهب الشيعة هو ما يلي: قال الله تعالى: (اِتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)(2)، فهذا نص في إبطال اتّباع أحد دون رسول الله، وإنّما الحاجة إلى


1 . الأعراف : 3 .

2 . الأعراف: 3 .


(365)

فرض الإمامة لينفذ الإمام عهود الله تعالى الواردة إلينا من عبد فقط، لا لأن يأتي الناس بما لا يشاؤونه في معرفته من الدين الّذي أتاهم به رسول الله، ووجدنا علياً (رضي الله عنه)إذا دُعي إلى التحاكم إلى القرآن أجاب وأخبر بأنّ التحاكم إلى القرآن حق، ولو كان التحاكم إلى القرآن لا يجوز بحضرة الإمام لقال علي حينئذ كيف تطلبون تحكيم القرآن وأنا الإمام المبلغ عن رسول الله. (1)

والآن نجيب عن هذا الإشكال: لو كان الاتباع منحصراً بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فما معنى قوله سبحانه: (أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(2) فإن قال: إنّ إطاعة ولي الأمر هي طاعة نفس الرسول ولذلك لم يكرر الفعل وقال: (وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) دون أن يقول: «وأطيعوا أُولي الأمر» فنحن نقول بمثل ذلك فإنّ إطاعة الإمام نفس إطاعة النبي فإنّه لا يحكي إلاّ سنّة النبي وفعله وتقريره، ويُعد اتّباعه اتّباعاً للنبي.

والرجل لبعده عن العراق الّتي كان معقل الشيعة زعم أنّ اتّباع الإمام في عرض اتّباع الرسول وغفل عن أنّهم شعبة منهم.

ثم إنّ المراد من اتبّاع الأئمة هو أخذ العلوم عنهم بحكم أنّ الأئمة هم أحد الثقلين، فهم أعدال القرآن وقرناؤه، فمن اتّبعهم وأطاعهم فقد أطاع النبي واتّبعه، ومن أطاعه واتّبعه فقد أطاع الله سبحانه.

فلننظر إلى حياة المسلمين بعد الرسول، فقد واجهتهم مسائل مستجدة


1 . الفصل لابن حزم: 4 / 159 .

2 . النساء: 59 .


(366)

وحوادث لم يكن لها جواب في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فمن هو المجيب عن هذه الأسئلة؟ والمفروض أنّه لم ترد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة، فبما أنّ الإسلام دين مكتمل الأركان فلابد أن يكون هناك جماعة لهم تربية إلهية ووعي خاص يجيبون عن هذه الأسئلة المستجدة، والقائم بهذا عند الشيعة هو الإمام .

نعم قام القوم في مقام الإجابة عن هذه الأسئلة بتأسيس قواعد أُصولية تتكفل بالإجابة عنها، كالقياس والاستحسان وفتح الذرائع وسدها، إلى غير ذلك من القواعد الّتي ما أنزل الله بها من سلطان، وبذلك استغنوا عن الرجوع إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين هم عيبة علم الرسول ومعادن حكمه.

فاتّضح من ذلك أنّ كلاًّ من الفريقين لابد لهم من مرجع في الأُمور المستجدة، فالمرجع عند الشيعة هم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، والمرجع عند غيرهم هم الفقهاء الذين يستنبطونها من تلك القواعد.

فإن كان اتّباع الفقهاء حسناً فليكن اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)أولى، وإن كان مذموماً مرفوضاً واتّباعاً لغير الله ـ كما زعم ابن حزم ـ فالواجب على السلفيّين رفض مشايخهم قبل أن يعترضوا على الشيعة .


(367)

السؤال 177

وصل مذهب التشيّع إلينا عن طريق رواة أمثال زرارة وغيره ، والحال أنّ الأئمّة(عليهم السلام)قد ذمّوا هؤلاء ، وباعتماد الشيعة على أقوال هؤلاء الأشخاص الذين ذمّهم الأئمّة(عليهم السلام)يكونون قد ردّوا قول أئمّتهم!

الجواب : أوّلاً : يستفيد الشيعة في مجال المعارف والأحكام من حوالي 10000 راو ، وقد حفظوا أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق هؤلاء الرّواة ، وليس الأمر كما ذكر من أنّ المعارف والأحكام تُؤخذ من بعض الأشخاص القليلين ، الذين ورد في شأنهم ذمّ ، حتّى ثبتت المذمّة في حقّهم ، زال مذهب التشيّع وانهار!

ويمكن أن تتّضح عظمة هؤلاء الرواة وكثرة الحفّاظ من خلال إلقاء نظرة مختصرة على كتاب «تنقيح المقال» للعلاّمة المامقاني ، وكتاب «معجم رجال الحديث» للسيد أبي القاسم الخوئي .

ثانياً : إن كانت هناك مذمّةً لزرارة ، فقد وردت روايات أُخرى من الأئمّة(عليهم السلام)تمدحه وتُثني عليه ، ونحن نذكر أنّ انتقاص الأئمّة من هؤلاء الأشخاص وذمّهم ، كان الغرض منه هو الحفاظ على أرواحهم وأموالهم ، لأنّ زرارة بن أعين ـ مثلاً ـ كان من رجال الكوفة المعروفين والمشهورين ، والخلافة العبّاسيّة تتحسّس منه ، فقد كان شيخ القبيلة ، وفي نفس الوقت


(368)

عالماً وفقيهاً ، فما صدر من الإمام (عليه السلام) من الانتقاص منه وذمّه في مجاله التي لا تخلو من عيون وجواسيس إلاّ ليتمكن بذلك من المحافظة على نفسه وماله في تلك الظروف الصعبة والحرجة ، وكلّ من يستحضر تلك الأوضاع المرعبة والظروف الموحشة في تلك الأيّام يُدرك سبب إبعاد الأئمّة(عليهم السلام)لبعض أصحابهم وعدم السماح لهم بالاقتراب منهم حفظاً لحياتهم ، ولكي لا تفهم آلة السلطة أنّهم أتباعٌ للأئمّة وشيعةً لهم .

يقول أبو بصير للإمام الصادق(عليه السلام) : « . . . جُعلت فداك فإنّا قد نبزنا نبزاً (لُقِّبنا لقباً) انكسرت له ظهورنا وماتت منه أفئدتنا واستحلّت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم ، قال : فقال أبو عبدالله(عليه السلام) : الرافضة ؟ قال : قلت: نعم ، قال : لا والله ما هم سمّوكم ولكن الله سمّاكم به»(1) . هذا جانب من وضع الشيعة في ذلك الزمان الصعب . فافهم .

وقد تمت دراسة هذا الموضوع في مقدمة كتاب مسند زرارة، وقد جاء فيها: إذا صدر عن الإمام الصادق (عليه السلام)في بعض الظروف كلام لا يناسب شأن الرجل فإنّما صدر عنه (عليه السلام)لحفظ دمه وعرضه، لأنّ الرجل كان وليد بيت كبير ضرب بجرانه الكوفة وأطرافها، وكان معاشراً مع أكابر السنّة وحكّامهم وقضاتهم، وكان في بيته من لم يتشيّع بعدُ، وكان أعداء أهل البيت يكنّون العداء لحامل ولائهم ورافع لوائهم، فأراد الإمام (عليه السلام)بكلامه هذا صيانة دمه. وقد صرح الإمام بذلك في كلامه مع ولده عبدالله بن زرارة فقال: أقرئ منّي


1 . روضة الكافي : 34 ; فضائل الشيعة للمرحوم الصدوق : 21 ، ولعل المراد أنّ الشيعة رفضت إطاعة الظالمين وعارضت حكومتهم.


(369)

على والدك السلام وقل له إنّي أُعيبك دفاعاً منّي عنك، فإنّ الناس والعدوّ يسارعون إلى كلّ من قرّبناه وحمدنا مكانه، لإدخال الأذى في من نحبّه ونقرّبه، ويرمونه لمحبّتنا له وقربه ودنوّه منّا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله، ويحمدون كل من عبناه نحن، فإنّما أُعيبك لأنّك رجل اشتهرت بنا ولميلك إلينا وأنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الأثر بمودتك لنا وبميلك إلينا، فأحببت أن أُعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك ويكون بذلك منّا دافع شرهم عنك. ثم تمثّل بآية السفينة الّتي كانت لمساكين... وقال: والله ما عابها إلاّ لكي تسلم من الملك ولا تعطب على يديه، ولقد كانت صالحة ليس للعيب منها مساغ.(1)

إنّ هناك بوناً شاسعاً بين أبي بصير خصّيص الإمام الصادق (عليه السلام)وزرارة بن أعين، إذ لم تكن لأبي بصير أيّة صلة بالشخصيات البارزة في العراق خصوصاً الحكّام والقضاة، وما كان معروفاً في أوساط العراق; وهذا بخلاف زرارة، فقد كان من رجال العراق ورئيس القبيلة، وكفى في ذلك ما قاله الجاحظ: زرارة بن أعين مولى بني أسعد بن نام. وقال: رئيس التميمية. ويصفه أبو غالب وهو من مشايخ الشيعة ومن أبناء ذلك البيت الرفيع بقوله: إنّ زرارة كان وسيماً جسيماً، وكان يخرج إلى الجمعة وعلى رأسه برنس أسود وبين عينيه سجادة وفي يده عصا، فيقوم له الناس سماطين، ينظرون إليه لحسن هيئته، وربما رجع عن طريقه، وكان خصماً جدلاً لا يقوم أحد لحجته، إلاّ أنّ العبادة أشغلته عن الكلام، والمتكلّمون من الشيعة تلاميذه.(2)


1 . رجال الكشي: 138، برقم 221 .

2 . مسند زرارة بن أعين: 11.


(370)

السؤال 178

القول بأنّ الشيخين شخصان سيّئان ، يستلزم الطعن والقدح بشخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ كيف يصح أن يكون أكابر خواصه غير صالحين.

ثم استشهد السائل بكلام زرعة حيث قال: إنّما أراد هؤلاء (الشيعة) الطعن في الرسول ليقول القائل: رجل سوء له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين.

الجواب : لو كان أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) منحصرين في ذينك الشخصين ومَن لفَّ لفّهما واقتفى أثرهما، فبإمكانكم أن تطرحوا هذا السؤال ، ولكن للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) ما يقارب من مائة ألف صحابي ، ضاعت أسماء كثير منهم فضلاً عن حياتهم وملكاتهم، فكيف يمكن أن يُحكم على الجميع بما حُكم به على اثنين منهم؟!

وقد قلنا سابقاً إنّ في أصحاب النبي من بلغ من الورع والتقوى درجة يستدر بهم الغمام وتستجاب دعوتهم .

وقد وصفهم أمير المؤمنين في خطبته فقال: لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ! لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً،


(371)

وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ ، وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ! كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ ! إِذَا ذُكِرَ اللهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ، وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ!(1).

وله كلام آخر أطرى فيه صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، نعم إطراؤه ناظر إلى وصف المجموع من حيث المجموع لا إطراء كل واحد واحد ولعل الإمام يريد أُولئك الذين آمنوا وصبروا وجاهدوا وزهدوا في الدنيا وانقطعوا إلى العبادة والجهاد في سبيل الله نظراء: مصعب بن عمير القرشي من بني عبدالدار، سعد بن معاذ الانصاري من الأوس، جعفر بن أبي طالب، عبدالله بن رواحة الانصاري من الخزرج، عمار بن ياسر، أبي ذر الغفاري، المقداد الكندي، سلمان الفارسي، خبّاب بن الأرث.

إلى غير ذلك من صحابته الذين جمعوا بين الزهد والشجاعة فهل يمكن الإغماض عن هؤلاء وأضرابهم وبالأخص روّاد التشيع من أصحابه الذين بلغ عددهم مائتين وخمسين صحابياً.

وفي الحقيقة أنّ التركيز على الخلفاء ، وتجاهل بقيّة الصحابة الآخرين هو نوع من الإهانة لهم ، فلو فرضنا أنّ بعض الأشخاص الذين يعدّون على رؤوس الأصابع من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يحسنوا الصحبة فهل نحكم على الأغلبيّة المتبقيّة بأنّهم كانوا كذلك؟!


1 . نهج البلاغة، الخطبة: 97، ولاحظ أيضاً الخطبة: 121 .


(372)

فإذا كان ملاك القضاء في حق الرسول، هو حسن الصحبة فلماذا لا يركزون على أبي أيّوب الأنصاري فاتح بلاد الروم ، وعمّار بن ياسر وعثمان بن مظعون وعشرات الأشخاص الصادقين الآخرين الذين بذلوا أنفسهم في غزوات بدر وأُحد والخندق وخيبر وحنين . . . . ، وسقوا شجرة الإسلام بدمائهم الزكيّة ؟!

لقد فجّر النبيّ(صلى الله عليه وآله) ثورةً عظيمة في العالم ، وغيّر مسار التاريخ ، وعظمة هكذا ثورة لا يمكن أن تتأثّر بانحراف فريق هنا أو هناك ، بحيث إذا حاكمهم التاريخ على أعمالهم ، يكون ذلك سبباً في توجيه الإهانة لشخص النبيّ(صلى الله عليه وآله) .

فلو فرضنا أنّ معلِّماً كان ناجحاً في تعليم مجموعة كبيرة من الطلاب إلاّ أن عدداً قليلاً من التلاميذ لم ينجحوا في الامتحان ، فهل يمكن عدّ ذلك انتقاصاً لذلك المعلِّم الناجح ؟!

فهل وجود بعض الصحابة المنحرفين السيّئين هو علامة على عدم نجاح النبيّ(صلى الله عليه وآله)؟! وكيف يمكن تفسير الحرب على مرتدّي العرب ; لأنّهم في بداية الأمر كانوا مسلمين ـ ولكن بحسب عقيدتكم أنتم ـ رجعوا عن الإسلام بعد ذلك ، فهل فشل النبيّ(صلى الله عليه وآله) في تربية أُولئك ـ على حسب معتقدكم ـ وهل محاربتهم تعد طعناً بكل الصحابة ثم طعناً بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!

والعجب ممّا ذكره زرعة حيث قال: رجل سوء كان له أصحاب سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين.

فهل هذا ينسجم مع منطق القرآن الكريم، أو أنّه يضاد ذلك .

هذا نوح ولوط كانا رجلين صالحين وكانت تحتهما امرأتان غير


(373)

صالحتين وهما يعاشرانهما ليلاً ونهاراً، فهل يستدل بسوء الزوجة على سوء الرجل؟!

وهذا هو نبي الله الكليم موسى (عليه السلام)قد اختار من قومه سبعين رجلاً من خيار أصحابه وعندما ذهب إلى ميقات ربه ارتدوا وقالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة، فهل يصح أن يستدل سوء أصحابه، على سوء حاله ـ نعوذ بالله ـ؟! إلى غير ذلك من الآيات النازلة في أصحاب الأنبياء.

السؤال 179

إن مذهب الشيعة في تكفيرالصحابة يترتب عليه تكفير علي (عليه السلام)لتخلّيه عن القيام بأمر الله، ويلزم عليه إسقاط تواتر الشريعة بل بطلانها ما دام نقلتها مرتدين، ويؤدّي إلى القدح في القرآن العظيم، لأنّه وصلنا عن طريق هؤلاء؟

الجواب: لا يقصد جامع الأسئلة من تكرار مثل هذه الأسئلة مرة بعد أُخرى إلاّ تفريق الكلمة، وبذر بذور النفاق والتفرقة بين المسلمين.

فلو كان ناصحاً للأُمّة الإسلاميّة يطلب الوئام بينهم لما طرح هذا السؤال بهذه الصورة الخبيثة.

وقد مرّ كثيراً من أنّ تكفير الصحابة ليس من شعار الشيعة ولا القول بارتدادهم، وأنّ ما تعتقد به الشيعة هو بقاء ثلة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على ما كانوا عليه في عهده من القول بأنّ القيادة السياسية والعلمية بعد رحيل


(374)

الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)هي لعلي بن أبي طالب، غير أنّ قسماً يسيراً منهم تناسوا النص وقدّموا الانتخاب على التنصيص كما أنّ قسماً ثالثاً لم يعلنوا عقيدتهم ورضوا بالأمر الواقع، وأين هذا ممّا رتب عليه من بطلان الشريعة وعدم الاعتماد على القرآن الكريم؟!

السؤال 180

يقول الشيعة: بأنّ الإمامة واجبة لأنّ الإمام نائب عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)في حفظ الشرع الإسلامي وتسيير المسلمين على طريقه القويم وفي حفظ وحراسة الأحكام عن الزيادة والنقصان ، ويقولون : إنّه لابدّ من إمام منصوب من الله تعالى وحاجة العالم داعية إليه ، ولا مفسدة فيه فيجب نصبه ، وأنّ الإمامة إنّما وجبت لأنّها لطف ، وإنّما كانت لطفاً لأنّ الناس إذا كان لهم رئيس مُطاع مرشد يردع الظالم عن ظلمه ويحملهم على الخير كانوا أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وهو اللّطف .

فنقول : إنّ الأئمّة الاثنا عشر(عليهم السلام) ـ غير علي ـ لم يملكوا الرئاسة العامّة ، في أُمور الدين والدنيا ولم يتمكنوا من ردع الظالم عن ظلمه وحمل الناس على الخير وردعهم عن الشر فلم يحصل منهم اللطف ؟

الجواب : جامع الأسئلة تصوّر أنّ أئمّة الشيعة كانوا على مدى 250


(375)

سنة يضعون يداً على يد ولا يحرّكون ساكناً ، ولا يقومون بأيّ عمل ، وما داموا لم يكونوا على رأس السلطة فإنّه لم يكن لهم أيّ تأثير على المجتمع الإسلامي في الهداية والتربية ومنع الظالمين عن ظلمهم .

والحقيقة غير ذلك تماماً ، لأنّ الأئمّة(عليهم السلام) كان لهم تأثيرٌ كبير في المجتمع الإسلامي عن طريق انتهاجهم طرقاً مختلفة استطاعوا من خلالها هداية المجتمع والتأثير فيه .

1 ـ الجامعة الإسلاميّة التي تأسّست في المدينة على يد الإمام الباقر وولده الإمام الصادق(عليهما السلام) حيث تجاوز عدد طلاّبها الـ 4000 طالب تخرّجوا كلّهم فقهاء ومحدّثون استفاد منهم العالم الإسلامي قاطبةً ، يقول الحسن بن علي الوشاء : «رأيت في مسجد الكوفة تسعمائة محدث كلّهم يقول : حدّثني جعفر بن محمّد».(1)

فبالرغم من عدم وجود أئمّة الشيعة على سدّة الحكم وامتلاكهم للقدرة إلاّ أنّهم استطاعوا حفظ الأُمّة من الانحراف عن طريق التربية والتعليم .

2 ـ وأمّا مقاومتهم للظلم والجور ، فبالرغم من انعزالهم الظاهري عن الساحة السياسية ، إلاّ أنّهم سلكوا منهجاً جعل المسلمين ينتبهون إلى عدم لياقة الحكّام الأُمويّين والعبّاسيّين للخلافة ، حتّى أصبحت قلوب أُولئك الحكّام تمتلئ خوفاً وربّما أمسكوا عن بعض الجرائم التي كانوا ينوون


1 . رجال النجاشي ، ترجمة الحسن بن علي الوشاء ، برقم : 79 .


(376)

الإقدام عليها . هذا ولو كان الأئمّة(عليهم السلام)قد وضعوا يداً على يد أو جعلوا أيديهم في أيدي الحكّام لما تعرّضوا للقتل والاغتيال سواء بالسيف أم بالسمّ .

3 ـ ولنتجاوز ذلك لنقول : على الرغم من أنّه لا حقّ لنا بفتح أفواهنا أمام الخدمات التي قدّمها أئمّة أهل البيت  ، إلاّ أنّنا نودّ التذكير أنّ الإمامة هي لطّف من الله تعالى على المجتمع ، وبإمكانها أن تترك أثراً فيه في كلّ مرحلة من مراحله ، ولو أنّ الأثر المساعد لم يتحقّق ولم يتمكّنوا من الحكم السياسي ، فهذا بسبب تقصير الناس ، وليس القصور من الأمر الإلهي أو للإمام .

إنّ منطق الشيعة في تنصيب الإمام هو منطق القرآن الكريم فقد بعث الله أنبياءه ورسله لأهداف سامية صرح بها بقوله: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ... )(1)، فنحن نسأل جامع الأسئلة هل تحقّقت هذه الغاية الّتي لأجلها بعث الله أنبياءه ورسله ، أوأنّها لم تتحقق بعد بشكل كامل؟!

إنّما يجب على الله من باب اللطف هو تهيئة الظروف للهداية وبلوغهم للسعادة، وهنا تختلف الأحوال فمن صلحت سريرته ينهل من هذا الماء المعين، وأمّا من خبثت فيحرم منه، ويعد العدّة على خلافه.

ومع الأسف أنّ هذا السؤال قد تكرر في مجموع الأسئلة (2) دفعنا إلى


1 . الحديد: 25 .

2 . انظر جواب السؤال رقم 129، والسؤال رقم 130 .


(377)

تكرار الجواب، مخافة أن يتخيل القارئ أو جامع الأسئلة صحة كلامه فيما لو لم نجب عن هذا السؤال.

السؤال 181

ورد في كتاب نهج البلاغة أنّ عليّاً(عليه السلام) كان يناجي ربّه بهذا الدّعاء : «اللّهم اغفر لي ما أنت أعلمُ به منّي ، فإن عدتُ فعُد عليَّ بالمغفرة ، اللّهم اغفر لي ما وأيت من نفسي ولم تجد له وفاءً عندي ، اللّهم اغفر لي ما تقرّبت به إليك بلساني ثمّ خالفه قلبي ، اللّهم اغفر لي رمزات الألحاظ وسقطات الألفاظ ، وشهوات الجنان وهفوات اللِّسان» ، فهو(عليه السلام)يدعو الله بأن يغفر له ذنوبه من السهو وغيره، وهذا يتنافى مع العصمة ؟

الجواب : لا شكّ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد عُصم من الذنوب باتّفاق المسلمين وتسالمهم على ذلك ، خصوصاً بعد بعثته فإنّه لم يخدش في عصمته أحد ، ومع هذا فإنّه كان يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرّة كما قال هو(صلى الله عليه وآله) : «وإنّه ليُغان على قلبي فأستغفر الله كلّ يوم سبعين مرّة»(1) والله سبحانه وتعالى أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) في القرآن بالاستغفار ، قال تعالى : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالاِْبْكَارِ)(2) .


1 . تفسير الرازي: 15 / 98 ; تفسير البيضاوي: 4 / 134 .

2 . غافر : 55 .


(378)

وقال أيضاً : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ)(1) .

فهل هذا يعني أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يكن معصوماً ؟

إنّ كبار المفسّرين والمتكلِّمين عندهم بحثٌ جميل وجذّاب لهذا النوع من الاستغفار ، خصوصاً في الكلمات التي علّمها الإمام عليّ(عليه السلام)لكميل بن زياد .

ويجب أن نؤكّد ونقول : إنّ أحد الغايات التي يتوخاها الإمام(عليه السلام) من دعائه هذا، هي تعليم الناس كيفية الدعاء .

السؤال 182

يزعم الشيعة أنّه ما من نبيّ من الأنبياء إلاّ ودعا إلى ولاية عليّ(عليه السلام) ، وأنّ الله قد أخذ ميثاق النبيّين بولاية عليّ .

ونحن نعلم أنّ دعوة الأنبياء كانت إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله ، وإذا كانت ولاية عليّ(عليه السلام) مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ، فلماذا انفرد الشيعة بنقلها ؟

الجواب : هذا السؤال يشتمل على فرعين:

الأوّل: أنّ دعوة الأنبياء كانت إلى التوحيد واخلاص العبادة لله. لا الدعوة إلى ولاية علي (عليه السلام).


1 . محمّد : 19 .


(379)

الثاني: إذا كانت ولاية عليّ (عليه السلام) مكتوبة في الصحف فلماذا انفرد الشيعة بنقلها؟

والجواب عن الأوّل: أنّ الأصل المشترك في دعوة الأنبياء هو توحيد عبادة الله تعالى، قال سبحانه: (وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(1) .

وهذا هو الأساس لدعوة الأنبياء، ولكن لا يعني ذلك أنّهم لم يدعوا إلى شيء آخر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى عشرات الواجبات.

قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ للهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(2) .

والدعوة إلى ولاية الإمام أمير المؤمنين جزءاً من هذه الأُمور كما أنّ رسالة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت منها، يقول سبحانه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ)(3) .

وقد ضاق منطق المؤلف فزعم أنّ الدعوة إلى التوحيد يضاد الدعوة إلى ما يطلبه من الفروع.

والجواب عن الثاني ـ أعني: لماذا لم ينقل ذلك سوى الشيعة  ـ : لأنّكم


1 . النحل: 36.

2 . الحج: 41 .

3 . الأعراف: 157 .


(380)

كلّما وصلتم إلى فضائل أهل البيت ، ارتعدت فرائصكم وسعيتم في تضعيفها أو معارضتها . ولذلك لم يكن عندكم داع للرجوع إلى الكتب السماوية حتّى تقرأوا صحف الأنبياء .

ولنتجاوز ذلك إلى القول : إنّ المقصود ليس هو الدعوة إلى ولايتهم وإنّما هو البشارة بولايتهم ، وهذه المسألة واضحة جدّاً في نبوّة نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله) ، حيث أمر الله أنبياءه السابقين بالتبشير بنبوّة نبيّ الإسلام ، قال تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً)(1) .

السؤال 183

هل تزوّج الأئمّة زواج المتعة  ؟ ومن هم أولادهم من المتعة؟

الجواب : يكفي في مشروعيّة الزواج المؤقّت ما جاء في القرآن الكريم : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)(2) .

وما ذكره المفسرون حول الآية من استمتاع بعض الصحابة في عصر النبي الأكرم وبعده، إلى أن وصلت الخلافة إلى الثاني فحرمها كما مرّ .

وأمّا أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)قد تمتعوا أم لا؟ فهذا بحث تاريخي لا يمت إلى العقائد بصلة.


1 . الأحزاب : 7 .

2 . النساء : 24 .


(381)

نحن نفترض أنّهم لم يتمتعوا فليس الترك دليلاً على الحرمة وإنّما الدليل هو الفعل لا الترك.

السؤال 184

يقول الشيعة: إنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) باب العلم ، فكيف يجهل حكم المذي ويُرسل للنبيّ(صلى الله عليه وآله) مَن يعلّمه الأحكام المتعلّقة بذلك ؟

الجواب : إنّ حديث «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» نقله ما يزيد عن مائة وثلاثة وأربعين محدِّثاً سنّياً في كتبهم ، وقد ورد ذكرهم بالتفصيل في كتاب الغدير (1) .

فلو اعترض جامع الأسئلة على هذا الحديث فهو يعترض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي تواتر قوله ذلك في حق علي.

وأمّا إرسال علي شخصاً للسؤال عن حكم المذي فعلى فرض ثبوته وصحة نقله، فالإمام قد تعلم الأحكام تدريجياً بفضل عناية الله سبحانه ورسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا هو يصف موقعه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث يقول: «وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْم مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالاِْقْتِدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلاَ يَرَاهُ


1 . الغدير : 6 / 86 ـ 111 .


(382)

غَيْرِي. وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذ فِي الاِْسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ».(1)

وهذا هو علي أيضاً يقول: «إذا سألت أجابني وإذا سكت ابتدأني».(2)

وأمّا إرساله شخصاً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في مسألة يمكن أن يكون له تفسيرات مختلفة، ويمكن أن يكون أحد تلك التفسيرات لكي يُفِهم الناس، أنّ ما يقوله قد وصل إليه من شخص النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّه هو صاحب الشريعة.

السؤال 185

إنّ الجريمة التي اقترفها الصحابة ـ عند الشيعة ـ هي انحرافهم عن ولاية عليّ(عليه السلام) ، فتصرّفهم هذا أسقط عدالتهم عند الشيعة ، فما بالهم لم يفعلوا ذلك مع الفرق الشيعيّة الأُخرى الذين أنكروا بعض الأئمّة(عليهم السلام) مثل الفطحيّة والواقفيّة ؟

الجواب : بيان الحق في هذا الموضوع يتم على خطوات هي:

الأُولى: أنّ القول بانحراف الصحابة جميعاً عن علي والعترة الطاهرة فرية بلا ريب، وقد ثبت على ولاية علي (عليه السلام)ثلة كبيرة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يناهز عددهم 250 صحابياً ذكرت أسماؤهم وصفاتهم في الكتب الرجالية،


1 . نهج البلاغة، الخطبة: 192.

2 . تاريخ مدينة دمشق: 42 / 386 .


(383)

ولولا خوف الإطالة لذكرنا أسماؤهم، وكفانا في ذلك ما ذكره واعظ العراق المفوّه الدكتور أحمد الوائلي في كتابه «هوية التشيّع»، حيث ذكر اسماء 133 منهم (1) .

الثانية: أنّ الانحراف عن الحق قليلاً كان أو كثيراً مذموم مرفوض، لأنّ الإسلام عقيدة وشريعة لا يحق لأحد التبعيض بينهما.

الثالثة: أنّ الفريقين الفطحية والواقفية قد شايعوا علياً إلى درجة معيّنة، بخلاف من لم يشايعه وترك عدل القرآن، وأحد الثقلين وراء ظهره، فهو بالنسبة إلى الإمام لا في حل ولا في مرتحل.

السؤال 186

تتّفق مصادر الشيعة على العمل بالتقيّة للأئمّة وغيرهم ; وهي أن يظهر الإمام غير ما يُبطن ، وقد يقول غير الحق. ومن يستعمل التقية لايكون معصوماً، لأنّه حتماً سيكذب، والكذب معصية ؟

الجواب : نحن نسأل السائل إذا كانت التقية أمراً مشروعاً في الذكر الحكيم ـ كما تدل عليه الآيات الكريمة ـ فلا معنى للاعتراض على من يستعمل التقية عملاً بقوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(2) .


1 . لاحظ: هوية التشيّع: 33 ـ 35 .

2 . آل عمران: 28 .


(384)

إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر عماراً باستخدام التقية وقال له: «فإن عادوا فعد»(1). وبعد هذا هل يجوز لجامع الأسئلة أن يعترض على التقية بأنّه من يتقي يكذب والكذب معصية.

إليس هذا إطاحة بالوحي؟! فهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بالمعصية؟!

وإذا قال جامع الأسئلة إنّ الآيات ناظرة إلى التقية من الكفّار ولكن الأئمة يستعملون التقية من الحكام المسلمين فالجواب ما ذكره الإمام الشافعي بأنّه لا فرق في وجوب التقية أو جوازها بين الحاكم الكافر والحاكم الظالم، يقول الرازي في تفسيره: إنّ مذهب الشافعي يرى أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقية محاماةً عن النفس.(2)

هذا كله إذا نظرنا إلى التقية من حيث هي هي وأمّا إذا نظرنا إليها من باب الاضطرار فمن المعلوم أنّه أحد المسوغات في ارتكاب الحرام إذا دار الأمر بين حفظ النفس وغيره.

ولكن المحققين ذكروا أنّ التورية لا تستلزم الكذب، لأنّ المورّي ربّما يستعمل المعاريض، والتفصيل في محله.

ثم إنّ أحمد بن حنبل مُقتَدى السلفيّين وكذلك أتباعه عملوا بالتقيّة في مسألة خلق القرآن ، رغم وجود فرق بين تقيّة أحمد بن حنبل وتقيّة أتباعه ، فليس أئمّة الشيعة وحدهم من يعمل بالتقيّة ، بل إنّ إبراهيم(عليه السلام) بطل التوحيد


1 . جامع البيان: 14 / 237 ; احكام القرآن: 3 / 249 ; الطبقات الكبرى: 3 / 249 .

2 . مفاتيح الغيب للرازي: 8 / 13.


(385)

عمل بالتقيّة ـ على حسب رأي المفسّرين ـ وذلك عندما قال لمشركي عصره (فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ)(1) ، فاستعمل التقيّة حتّى لا يجبروه على الخروج معهم خارج المدينة ، فإذا ما خرجوا وتركوه، قصد الأصنام وحطّمها وجعلهم جذاذاً ، إلاّ أنّ صحيح البخاري ـ للأسف الشديد ـ يعتبر إبراهيم(عليه السلام) كاذباً في هذا الحادث.(2)

السؤال 187

ينقل الكليني أنّ بعض أنصار الإمام عليّ(عليه السلام) طالبه بإصلاح ما أفسده الخلفاء الذين سبقوه ، فرفض محتجّاً بأنّه يخشى أن يتفرّق عنه جنده ، مع أنّ التّهم التي وجّهوها للخلفاء تشمل مخالفة القرآن والسنّة ، فهل ترك عليّ لتلك المخالفات يناسب العصمة ؟

الجواب : للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط بيّنها الفقهاء في الكتب الفقهيّة ، وأحد هذه الشروط أن لا يكون دفع «الفاسد» «بالأفسد» ، فكذلك بالنسبة لأيّام خلافة عليّ(عليه السلام) ، فإنّ طرح تلك المسائل لم يكن لها تأثير يوم ذاك، بل كانت لها آثار سيّئة وعواقب وخيمة . لذلك فإنّه لمّا سأله رجل من بني أسد أثناء حرب صفّين وكان من أصحاب عليّ(عليه السلام)فقال : «كيف


1 . الصافات : 89  .

2 . صحيح البخاري : 4 / 112، كتاب بدء الخلق .


(386)

دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به ؟ فقال : يا أخا بني أسد . . .

أمّا الاستبداد بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً والأشدون برسول الله(صلى الله عليه وآله)نوطاً، فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين».(1)

ثمّ أراد الإمام أن يبيّن له أنّ المقام لا يناسب السؤال عن كيفيّة غصب قومه لحقّه في الخلافة ، وأنّ واجبنا اليوم الاهتمام بمسألة معاوية فقال له : «هلّم الخطب في ابن أبي سفيان» .

وقد حاول الإمام عليّ(عليه السلام) القضاء على بدعة من البدع باسم «صلاة التراويح» ، لكنّه قُوبِلَ بصراخ فريق يقول : «واعمراه» فكيف للإمام أن يحارب البدع في ظلّ هكذا ظروف  ؟!

السؤال 188

لقد اختار عمر ستّة أشخاص للشورى بعد وفاته ثمّ تنازل منهم ثلاثة ، ثمّ تنازل عبد الرحمن بن عوف ، فبقي عثمان وعليّ(عليه السلام) ، فلماذا لم يذكر عليّ(عليه السلام)منذ البداية أنّه موصى له بالخلافة ؟

الجواب : هذا السؤال مكرّر ، وقد أجبنا عنه فيما سبق (2) ، ولو أنّ


1 . نهج البلاغة ، الخطبة : 160 .

2 . انظر جواب السؤال رقم 31.


(387)

جامع الأسئلة قرأ ما ورد عن الشورى فيما بين أُولئك الأشخاص الستّة لفهم أنّ مشاركة عليّ(عليه السلام)كانت تحت الإكراه والإجبار ، ولذلك عندما قال له عمّه العبّاس : لا تدخل معهم، وارفع نفسك عنهم، قال: «إني أكره الخلاف».(1)

فهذا الانتخاب تمّ تحت التهديد والإرهاب ، فالخليفة عمر أمر محمّد بن مسلمة أنّه إذا خالفت الأقليّة الأكثريّة بعد الانتخاب فعليك بضرب عنق من يخالف.

وإذا لم يتّفق المرشّحون على تعيين الخليفة خلال ثلاثة أيّام فاضرب أعناقهم جميعاً .

فمع هذا الوضع الإرهابي لا يمكن أن نعتبر موافقة الإمام(عليه السلام) على المشاركة في الشورى كانت موافقة اختياريّة .

وأمّا أنّه لم يناشد القوم يوم الشورى فهذا يكشف عن عدم اطّلاع جامع الأسئلة أو السائل فقد احتج الإمام في نفس اليوم بحديث الغدير وغيره.

يروي أخطب خطباء خوارزم عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: كنت مع علي في البيت يوم الشورى فسمعت علياً يقول: لاحتجّن عليكم بما لا يستطيع عربيّكم ولا أعجميّكم يغيّر ذلك، ثم قال بعد كلام له: فأُنشدكم بالله هل فيكم أحدٌ قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ليبلّغ الشاهد الغائب» غيري؟ قالوا: اللهم لا .(2)


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 1 / 191 .

2 . مناقب علي (عليه السلام)لابن مردويه: 130، برقم 162.


(388)

وأخرج ابن حاتم الشامي في الدر النظيم عن عامر بن واثلة قال كنت على الباب يوم الشورى وعلي في البيت فسمعته يقول: «... أنشدكم بالله أمنكم من نصبه رسول الله يوم غدير خمّ للولاية غيري؟» قالوا: اللهم لا .(1)

إلى غير ذلك من المصادر الّتي تتضمن احتجاج علي ومناشدته بأحقيته بالأمر يوم الشورى.

***

الآن حصحص الحق

أُوجّه هذا النداء إلى جامع الأسئلة وإلى من يدعمه ويقوم بنشر هذه الكتيبات المفرقة لصفوف المسلمين على نطاق واسع بين ضيوف الرحمن في حجّهم وعمرتهم فأقول: إنّها لا تؤثر في قلوب الشيعة وشبابهم، كبارهم وصغارهم فإنّهم بحمد الله رزقوا من العلم رزقاً ونهلوا من ولاية أئمتهم نهلاً، فالتشيّع حصن آمن وقلعة رصينة لا تحدث هذه السهام المسمومة فيها خدشاً ولا وهناً.

إنّ الذين يقومون بهذه الأعمال الإجرامية الّتي لا تعود عليهم بنفع هم من الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فليس لهم أجر إلاّ الحرمان وسوء العاقبة.

ولو كان هؤلاء يتمتعون بروح دينية وغيرة إسلامية لما غفلوا عن


1 . الدر النظيم لابن حاتم العاملي: 332; كتاب الولاية لابن عقدة الكوفي: 169 .


(389)

النصارى والصهاينة والعلمانية الّتي غطت البلاد الإسلامية عن طريق الفضائيات الّتي لا تقابل بشيء، ولما ركزوا جهودهم ضد التشيّع وكأنّه ليس للإسلام عدو إلاّ أئمة أهل البيت وشيعتهم ومقتفي آثارهم .

وقد أدهشني كتاب وصلني يحمل اسم: «الروافض هم العدو» مشعراً أنّ الصهاينة والحكومات الاستعمارية الّتي سيطرت على إرادة ملوك ورؤوساء دولنا العربية ليسوا خطراً علينا ولا على إسلامنا.

ونعم الحكم لله

عبدالله الحسيني

Website Security Test